الآية ٦٥ من سورة النمل

الإسلام > القرآن > سور > سورة 27 النمل > الآية ٦٥ من سورة النمل

قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ٱلْغَيْبَ إِلَّا ٱللَّهُ ۚ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ٦٥

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 92 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٦٥ من سورة النمل: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها.

تفسير الآية ٦٥ من سورة النمل عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

قول تعالى آمرا رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يقول معلما لجميع الخلق : أنه لا يعلم أحد من أهل السموات والأرض الغيب .

وقوله : ( إلا الله ) استثناء منقطع ، أي : لا يعلم أحد ذلك إلا الله عز وجل ، فإنه المنفرد بذلك وحده ، لا شريك له ، كما قال : ( وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ) الآية [ الأنعام : 59 ] ، وقال : ( إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير ) [ لقمان : 34 ] ، والآيات في هذا كثيرة .

وقوله : ( وما يشعرون أيان يبعثون ) أي : وما يشعر الخلائق الساكنون في السموات والأرض بوقت الساعة ، كما قال : ( ثقلت في السموات والأرض لا تأتيكم إلا بغتة ) [ الأعراف : 187 ] ، أي : ثقل علمها على أهل السموات والأرض .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا علي بن الجعد ، حدثنا أبو جعفر الرازي ، عن داود بن أبي هند ، عن الشعبي ، عن مسروق ، عن عائشة ، رضي الله عنها ، قالت : من زعم أنه يعلم - يعني النبي - صلى الله عليه وسلم - ما يكون في غد فقد أعظم على الله الفرية ; لأن الله تعالى يقول : ( لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله ) .

وقال قتادة : إنما جعل الله هذه النجوم لثلاث خصلات : جعلها زينة للسماء ، وجعلها يهتدى بها ، وجعلها رجوما [ للشياطين ] ، فمن تعاطى فيها غير ذلك فقد قال برأيه ، وأخطأ حظه ، وأضاع نصيبه وتكلف ما لا علم له به .

وإن ناسا جهلة بأمر الله ، قد أحدثوا من هذه النجوم كهانة : من أعرس بنجم كذا وكذا ، كان كذا وكذا .

ومن سافر بنجم كذا وكذا ، كان كذا وكذا .

ومن ولد بنجم كذا وكذا ، كان كذا وكذا .

ولعمري ما من نجم إلا يولد به الأحمر والأسود ، والقصير والطويل ، والحسن والدميم ، وما علم هذا النجم وهذه الدابة وهذا الطير بشيء من الغيب!

وقضى الله : أنه لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله ، وما يشعرون أيان يبعثون .

رواه ابن أبي حاتم عنه بحروفه ، وهو كلام جليل متين صحيح .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ( قُلْ ) يا محمد لسائليك من المشركين عن الساعة متى هي قائمة (لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ الْغَيْبَ ) الذي قد استأثر الله بعلمه, وحجب عنه خلقه غيره والساعة من ذلك (وَمَا يَشْعُرُونَ ) يقول: وما يدري من في السماوات والأرض من خلقه متى هم مبعوثون من قبورهم لقيام الساعة.

وقد حدثني يعقوب بن إبراهيم, قال: ثنا ابن علية, قال: أخبرنا داود بن أبي هند, عن الشعبيّ, عن مسروق, قال: قالت عائشة: من زعم أنه يخبر الناس بما يكون في غد, فقد أعظم على الله الفرية, والله يقول: (لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ الْغَيْبَ ).

واختلف أهل العربية في وجه رفع الله, فقال بعض البصريين: هو كما تقول: إلا قليل منهم.

وفي حرف ابن مسعود: قليلا بدلا من الأوّل, لأنك نفيته عنه وجعلته للآخر.

وقال بعض الكوفيين: إن شئت أن تتوهم في " ومن " المجهول, فتكون معطوفة على: قل لا يعلم أحد الغيب إلا الله.

قال: ويجوز أن تكون " من " معرفة, ونـزل ما بعد " إلا " عليه, فيكون عطفا ولا يكون بدلا لأن الأوّل منفي, والثاني مثبت, فيكون في النسق كما تقول: قام زيد إلا عمرو, فيكون الثاني عطفا على الأوّل, والتأويل جحد, ولا يكون أن يكون الخبر جحدًا, أو الجحد خبرا.

قال: وكذلك مَا فَعَلُوهُ إِلا قَلِيلٌ وقليلا من نصب, فعلى الاستثناء في عبادتكم إياه, ومن رفع فعلى العطف, ولا يكون بدلا.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله وما يشعرون أيان يبعثون بل ادارك علمهم في الآخرة بل هم في شك منها بل هم منها عمون .قوله تعالى : قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله وعن بعضهم : أخفى غيبه على الخلق ، ولم يطلع عليه أحد لئلا يأمن أحد من عبيده مكره .

وقيل : نزلت في المشركين حين سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن قيام الساعة .

و ( من ) في موضع رفع ; والمعنى : قل لا يعلم أحد الغيب إلا الله ; فإنه بدل من ( من ) قاله الزجاج .

الفراء : وإنما رفع ما بعد ( إلا ) لأن ما قبلها جحد ، كقوله : ما ذهب أحد إلا أبوك ; والمعنى واحد .

قال الزجاج : ومن نصب نصب على الاستثناء ; يعني في الكلام .

قال النحاس : وسمعته يحتج بهذه الآية على من صدق منجما ; وقال : أخاف أن يكفر بهذه الآية .قلت : وقد مضى هذا في ( الأنعام ) مستوفى وقالت عائشة : من زعم أن محمدا يعلم ما في غد فقد أعظم على الله الفرية ; والله تعالى يقول : قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله خرجه مسلم .

وروي أنه دخل على الحجاج منجم فاعتقله الحجاج ، ثم أخذ حصيات فعدهن ، ثم قال : كم في يدي من حصاة ؟

فحسب المنجم ثم قال : كذا ; فأصاب .

ثم اعتقله فأخذ حصيات لم يعدهن فقال : كم في يدي ؟

فحسب فأخطأ ثم حسب فأخطأ ; ثم قال : أيها الأمير أظنك لا تعرف عددها ; قال : لا .

قال : فإني لا أصيب .

قال : فما الفرق ؟

قال : إن ذلك أحصيته فخرج عن حد الغيب ، وهذا لم تحصه فهو غيب و لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله وقد مضى هذا في ( آل عمران ) والحمد لله .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يخبر تعالى أنه المنفرد بعلم غيب السماوات والأرض كقوله تعالى: { وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ } وكقوله: { إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ } إلى آخر السورة.فهذه الغيوب ونحوها اختص الله بعلمها فلم يعلمها ملك مقرب ولا نبي مرسل، وإذا كان هو المنفرد بعلم ذلك المحيط علمه بالسرائر والبواطن والخفايا فهو الذي لا تنبغي العبادة إلا له، ثم أخبر تعالى عن ضعف علم المكذبين بالآخرة منتقلا من شيء إلى ما هو أبلغ منه فقال: { وَمَا يَشْعُرُونَ } أي: وما يدرون { أَيَّانَ يُبْعَثُونَ } أي: متى البعث والنشور والقيام من القبور أي: فلذلك لم يستعدوا.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله ) نزلت في المشركين حيث سألوا النبي - صلى الله عليه وسلم - عن وقت قيام الساعة ( وما يشعرون أيان يبعثون )

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«قل لا يعلم من في السماوات والأرض» من الملائكة والناس «الغيب» أي ما غاب عنهم «إلا» لكن «الله» يعلمه «وما يشعرون» أي كفار مكة كغيرهم «أيان» وقت «يبعثون».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

قل -أيها الرسول- لهم: لا يعلم أحد في السموات ولا في الأرض ما استأثر الله بعلمه من المغيَّبات، ولا يدرون متى هم مبعوثون مِن قبورهم عند قيام الساعة؟

بل تكامل علمهم في الآخرة، فأيقنوا بالدار الآخرة، وما فيها مِن أهوال حين عاينوها، وقد كانوا في الدنيا في شك منها، بل عميت عنها بصائرهم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم انتقلت السورة الكريمة بعد ذلك إلى الحديث عن علم الله - تعالى - الذى غيبه عن عباده ، وعن أقوال المشركين فى شأن البعث والحساب ، وعن توجيهات الله - تعالى - لنبيه فى الرد عليهم .

.

.

فقال - تعالى - : ( قُل لاَّ يَعْلَمُ مَن .

.

.

) .ذكر بعض المفسرين أن كفار مكة سألوا النبى صلى الله عليه وسلم عن وقت قيام الساعة ، فنزل قوله - تعالى - : ( قُل لاَّ يَعْلَمُ مَن فِي السماوات والأرض الغيب إِلاَّ الله .

.

) .والغيب : مصدر غاب يغيب ، وكثيرا ما يستعمل بمعنى الغائب ، ومعناه : مالا تدركه الحواس ، ولا يعلم ببداهة العقل .و " من " اسم موصول فى محل رفع على أنه فاعل " يعلم " و " الغيب " مفعوله فيكون المعنى : قل - أيها الرسول الكريم - لكل من سألك عن موعد قيام الساعة : لا يعلم أحد من المخلوقات الكائنة فى السموات والأرض ، الغيب إلا الله - تعالى - وحده ، فإنه هو الذى يعلمه .ويجوز أن يكون لفظ " من " فى محل نصب علىالمفعولية و " الغيب " بدل منه ، ولفظ الجلالة " الله " فاعل " يعلم " فيكون المعنى : قل لا يعلم الأشياء التى تحدث فى السموات والأرض الغائبة عنا ، إلا الله - تعالى - .قال القرطبى : وفى صحيح مسلم عن عائشة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من زعم أن محمدا صلى الله عليه وسلم يعلم ما فى غد ، فقد أعظم على الله الفرية " .وقوله - سبحانه - : ( وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ) تأكيد لانفراد الله - تعالى - بعلم الغيوب ، ولفظ " إيان " ظرف زمان متضمن معنى متى .أى : وما يشعر هؤلاء الكافرون الذين سألوا عن وقت قيام الساعة ، ولا غيرهم ، متى يكون بعثهم من قبورهم للحساب ، إذ علم وقت قيام الساعة لا يعلمه إلى الله وحده .فالجملة الكريمة تنفى عنهم العلم بموعد قيام الساعة فى أدق صورة وأخفاها ، فهم لا يشعرون ولا يحسون بقيام الساعة ، ( بَلْ تَأْتِيهِم بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ ) ثم بين - سبحانه - حقيقة أمرهم فى الآخرة بصورة أكثر تفصيلا .

فقال : ( بَلِ ادارك عِلْمُهُمْ فِي الآخرة .

.

) .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما بين أنه المختص بالقدرة فكذلك بين أنه هو المختص بعلم الغيب، وإذا ثبت ذلك ثبت أنه هو الإله المعبود، لأن الإله هو الذي يصح منه مجازاة من يستحق الثواب على وجه لا يلتبس بأهل العقاب، فإن قيل الاستثناء حكمه إخراج ما لولاه لوجب أو لصح دخوله تحت المستثنى منه ودلت الآية هاهنا على استثناء الله سبحانه وتعالى عمن في السموات والأرض فوجب كونه ممن في السموات والأرض وذلك يوجب كونه تعالى في المكان والجواب: هذه الآية متروكة الظاهر لأن من قال إنه تعالى في المكان زعم أنه فوق السموات، ومن قال إنه ليس في مكان فقد نزهه عن كل الأمكنة، فثبت بالإجماع أنه تعالى ليس في السموات والأرض فإذن وجب تأويله فنقول إنه تعالى ممن في السموات والأرض كما يقول المتكلمون: الله تعالى في كل مكان على معنى أن علمه في الأماكن كلها، لا يقال إن كونه في السموات والأرض مجاز وكونهم فيهن حقيقة وإرادة المتكلم بعبارة واحدة ومجازاً غير جائزة، لأنا نقول كونهم في السموات والأرض، كما أنه حاصل حقيقة وهو حصول ذواتهم في الأحياز فكذلك حاصل مجازاً، وهو كونهم عالمين بتلك الأمكنة فإذا حملنا هذه الغيبة على المعنى المجازي وهو الكون فيها بمعنى العلم دخل الرب سبحانه وتعالى والعبيد فيه فصح الاستثناء.

أما قوله: ﴿ وَمَا يَشْعُرُونَ ﴾ فهو صفة لأهل السموات والأرض نفى أن يكون لهم علم الغيب وذكر في جملة الغيب متى البعث بقوله: ﴿ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ﴾ فأيان بمعنى متى وهي كلمة مركبة من أي والآن وهو الوقت وقرئ ﴿ إِيَّانَ ﴾ بكسر الهمزة.

أما قوله: ﴿ بَلِ ادرك عِلْمُهُمْ فِي الأخرة ﴾ فاعلم أن كلام صاحب الكشاف فيه مرتب على ثلاثة أبحاث: البحث الأول: فيه اثنتا عشرة قراءة بل أدرك بل أدرك بل ادارك بل تدارك بل أأدرك بهمزتين بل آأدرك بألف بينهما بل آدرك بالتخفيف والنقل بل ادرك بفتح اللام وتشديد الدال وأصله بل أدرك على الاستفهام بلى أدرك بلى أأدرك أم تدارك أو أدرك.

البحث الثانث: ادارك أصله تدارك فأدغمت التاء في الدال وادَّرك افتعل.

البحث الثالث: معنى ادَّرك علمهم انتهى وتكامل وأدرك تتابع واستحكم ثم فيه وجوه: أحدها: أن أسباب استحكام العلم وتكامله بأن القيامة كائنة لا ريب فيها قد حصلت لهم ومكنوا من معرفتها وهم شاكون جاهلون، وذلك قوله: ﴿ بَلْ هُمْ فِي شَكّ مّنْهَا بَلْ هُم مّنْهَا عَمُونَ ﴾ يريد المشركين ممن في السماوات والأرض لأنهم لما كانوا من جملتهم نسب فعلهم إلى الجميع كما يقال بنو فلان فعلوا كذا وإنما فعله ناس منهم.

فإن قيل الآية سيقت لاختصاص الله تعالى بعلم الغيب وإن العباد لا علم لهم بشيء منه وإن وقت بعثهم ونشورهم من جملة الغيب وهم لا يشعرون به، فكيف ناسب هذا المعنى وصف المشركين بإنكارهم البعث مع استحكام أسباب العلم والتمكن من المعرفة؟

والجواب: كأنه سبحانه قال كيف يعلمون الغيب مع أنهم شكوا في ثبوت الآخرة التي دلت الدلائل الظاهرة القاهرة عليها فمن غفل عن هذا الشيء الظاهر كيف يعلم الغيب الذي هو أخفى الأشياء الوجه الثاني: أن وصفهم باستحكام العلم تهكم بهم كما تقول لأجهل الناس ما أعلمك على سبيل الهزء وذلك حيث شكوا في إثبات ما الطريق إليه واضح ظاهر الوجه الثالث: أن يكون أدرك بمعنى انتهى وفنى من قولك أدركت الثمرة لأن تلك غايتها التي عندها تعدم وقد فسره الحسن باضمحل علمهم وتدارك من تدارك بنو فلان إذا تتابعوا في الهلاك، أما وجه قراءة من قرأ بل أأدرك على الاستفهام فهو أنه استفهام على وجه الإنكار لإدراك علمهم وكذا من قرأ أم أدرك وأم تدارك لأنها أم هي التي بمعنى بل والهمزة وأما من قرأ بلى أدرك فإنه لما جاء ببلى بعد قوله: ﴿ وَمَا يَشْعُرُونَ ﴾ كان معناه بلى يشعرون ثم فسر الشعور بقوله أدرك علمهم في الآخرة على سبيل التهكم الذي معناه المبالغة في نفي العلم، فكأنه قال شعورهم بوقت الآخرة أنهم لا يعلمون كونها فيرجع إلى نفي الشعور على أبلغ ما يكون، وأما من قرأ بلى أأدرك على الاستفهام فمعناه بلى يشعرون متى يبعثون، ثم أنكر علمهم بكونها وإذ أنكر علمهم بكونها وإذا أنكر علمهم بكونها لم يتحصل لهم شعور بوقت كونها.

فإن قلت هذه الإضرابات الثلاث ما معناها؟

قلت ماهي إلا بيان درجاتهم وصفهم أولاً بأنهم لا يشعرون وقت البعث، ثم بأنهم لا يعلون أن القيامة كائنة، ثم بأنهم يخبطون في شك ومرية، ثم بما هو أسوأ حالاً وهو العمى وفيه نكتة وهي أنه تعالى جعل الآخرة مبدأ عماهم فلذلك عداه بمن دون عن لأن الفكر بالعاقبة والجزاء هو الذي جعلهم كالبهائم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

فإن قلت: لم رفع اسم الله، والله يتعالى أن يكون ممن في السموات والأرض؟

قلت: جاء على لغة بني تميم، حيث يقولون: ما في الدار أحد إلا حمار، يريدون: ما فيها إلا حمار، كأن أحداً لم يذكر.

ومنه قوله: عَشِيَّةَ مَا تُغنِي الرِّماحُ مَكَانَهَا ** وَلاَ النَّبْلُ إلاَّ الْمَشْرَفِيُّ الْمُصَمّمُ وقولهم: ما أتاني زيد إلا عمرو، وما أعانه إخوانكم إلا إخوانه.

فإن قلت: ما الداعي إلى اختيار المذهب التميمي على الحجازي؟

قلت: دعت إليه نكتة سَرية.

حيث أخرج المستثنى مخرج قوله: إلا اليعافير، بعد قوله: ليس بها أنيس، ليؤول المعنى إلى قولك: إن كان الله ممن في السموات والأرض، فهم يعلمون الغيب، يعني: أنّ علمهم الغيب في استحالته كاستحالة أن يكون الله منهم، كما أنّ معنى ما في البيت: إن كانت اليعافير أنيساً ففيها أنيس، بتاً للقول بخلوّها عن الأنيس.

فإن قلت: هلا زعمت أنّ الله ممن في السموات والأرض، كما يقول المتكلمون: الله في كل مكان، على معنى أنّ علمه في الأماكن كلها، فكأن ذاته فيها حتى لا تحمله على مذهب بني تميم؟

قلت: يأبى ذلك أن كونه في السموات والأرض مجاز، وكونهم فيهن حقيقة، وإرادة المتكلم بعبارة واحدة حقيقة ومجازاً غير صحيحة، على أنّ قولك: من في السموات والأرض، وجمعك بينه وبينهم في إطلاق اسم واحد: فيه إيهام تسوية، والإيهامات مزالة عنه وعن صفاته تعالى.

ألا ترى كيف قال صلى الله عليه وسلم لمن قال: ومن يعصهما فقد غوى: «بئس خطيب ا لقوم أنت» وعن عائشة رضي الله عنها: «من زعم أنه يعلم ما في غد فقد أعظم على الله الفرية» ، والله تعالى يقول: ﴿ قُل لاَّ يَعْلَمُ مَن فِي السماوات والأرض الغيب إِلاَّ الله ﴾ .

وعن بعضهم: أخفى غيبه عن الخلق ولم يطلع عليه أحداً؛ لئلا يأمن أحد من عبيده مكره.

وقيل: نزلت في المشركين حين سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن وقت الساعة ﴿ أَيَّانَ ﴾ بمعنى متى، ولو سمي به: لكان فعالاً، من آن يئين ولا نصرف.

وقرئ: ﴿ إيان ﴾ بكسر الهمزة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ قُلْ لا يَعْلَمُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ الغَيْبَ إلا اللَّهُ ﴾ لِما بَيْنَ اخْتِصاصِهِ تَعالى بِالقُدْرَةِ التّامَّةِ الفائِقَةِ العامَّةِ أتْبَعَهُ ما هو كاللّازِمِ لَهُ، وهو التَّفَرُّدُ بِعِلْمِ الغَيْبِ والِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ، ورَفْعُ المُسْتَثْنى عَلى اللُّغَةِ التَّمِيمِيَّةِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ تَعالى إنْ كانَ مِمَّنْ في السَّمَواتِ والأرْضِ فَفِيها مَن يَعْلَمُ الغَيْبَ مُبالَغَةً في نَفْيِهِ عَنْهم، أوْ مُتَّصِلٌ عَلى أنَّ المُرادَ مِمَّنْ فى السَّمَواتِ والأرْضِ مِن تَعَلُّقِ عِلْمِهِ بِها واطَّلَعَ عَلَيْها اطِّلاعَ الحاضِرِ فِيها، فَإنَّهُ يَعُمُّ اللَّهَ تَعالى وأُولِي العِلْمِ مِن خَلْقِهِ وهو مَوْصُولٌ أوْ مَوْصُوفٌ.

﴿ وَما يَشْعُرُونَ أيّانَ يُبْعَثُونَ ﴾ مَتى يُنْشَرُونَ مُرَكَّبَةٌ مِن «أيْ» «وَآنَ»، وقُرِئَتْ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ والضَّمِيرُ لِمَن وقِيلَ لِلْكَفَرَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{قُل لاَّ يَعْلَمُ مَن فِى السماوات والأرض الغيب إلا الله} من فاعل يعلم

والغيب وهو ما لم يقم عليه دليل ولا أطلع عليه مخلوق مفعول والله بدل مِن مَن والمعنى لا يعلم أحد الغيب إلا الله نعم إن الله تعالى يتعالى عن أن يكون ممن في السموات والأرض ولكنه جاء على لغة بني تميم حيث يجرون الاستثناء المنقطع أي مجرى المتصل ويجزون النصب والبدل في المنقطع كما في المتصل ويقولون ما في الدار أحد إلا حمار وقالت عائشة رضي الله عنها من زعم أنه يعلم ما في غد فقد أعظم على الله والفرية والله تعالى يقول قُل لاَّ يَعْلَمُ مَن في السموات والأرض الغيب إِلاَّ الله وقيل نزلت في المشركين حين سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن وقت الساعة {وَمَا يَشْعُرُونَ} وما يعلمون {أيان} متى {يبعثون} ينشرون

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ قُلْ لا يَعْلَمُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ الغَيْبَ إلا اللَّهُ ﴾ بَعْدَ ما تَحَقَّقَ تَفَرُّدُهُ تَعالى بِالأُلُوهِيَّةِ بِبَيانِ اخْتِصاصِهِ بِالقُدْرَةِ الكامِلَةِ التّامَّةِ والرَّحْمَةِ الشّامِلَةِ العامِلَةِ عَقَّبَ بِذِكْرِ ما لا يَنْفَكُّ عَنْهُ، وهو اخْتِصاصُهُ تَعالى بِعِلْمِ الغَيْبِ تَكْمِيلًا لِما قَبْلَهُ وتَمْهِيدًا لِما بَعْدَهُ مِن أمْرِ البَعْثِ، وفي البَحْرِ قِيلَ: سَألَ الكُفّارُ عَنْ وقْتِ القِيامَةِ- الَّتِي وعَدُوها- الرَّسُولُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وألَحُّوا عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَنَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿ قُلْ لا يَعْلَمُ ﴾ الآيَةَ، فَمُناسَبَتُها عَلى هَذا لِما قَبْلَها مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أمَّنْ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ﴾ أتَمُّ مُناسِبَةٍ، والظّاهِرُ المُتَبادِرُ إلى الذِّهْنِ أنَّ مَن فاعَلَ يَعْلَمُ وهو مَوْصُولٌ أوْ مَوْصُوفٌ، والغَيْبُ مَفْعُولُهُ، والِاسْمُ الجَلِيلُ مَرْفُوعٌ عَلى البَدَلِيَّةِ مِن (مَن) والِاسْتِثْناءُ عَلى ما قِيلَ: مُنْقَطِعٌ تَحْقِيقًا مُتَّصِلٌ تَأْوِيلًا عَلى حَدِّ ما في قَوْلِ الرّاجِزِ: وبَلْدَةٍ لَيْسَ بِها أنِيسُ إلّا اليَعافِيرُ وإلّا العِيسُ بِناءً عَلى إدْخالِ اليَعافِرِ في الأنِيسِ بِضَرْبٍ مِنَ التَّأْوِيلِ فَيُفِيدُ المُبالَغَةَ في نَفْيِ عِلْمِ الغَيْبِ عَمَّنْ في السَّماواتِ والأرْضِ بِتَعْلِيقِ عِلْمِهِمْ إيّاهُ بِما هو بَيِّنُ الِاسْتِحالَةِ مِن كَوْنِهِ تَعالى مِنهم كَأنَّهُ قِيلَ: إنْ كانَ اللَّهُ تَعالى مِمَّنْ فِيهِما فَفِيهِمْ مَن يَعْلَمُ الغَيْبَ يَعْنِي أنَّ اسْتِحالَةَ عِلْمِهِمُ الغَيْبَ كاسْتِحالَةِ أنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعالى مِنهُمْ، ونَظِيرُ هَذا مِمّا لا اسْتِثْناءَ فِيهِ قَوْلُهُ: تَحِيَّةٌ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وجِيعٌ وقِيلَ: هو مُنْقَطِعٌ عَلى حَدِّ الِاسْتِثْناءِ في قَوْلِهِ: عَشِيَّةَ ما تُغْنِي الرِّماحُ مَكانَها ∗∗∗ ولا النَّبْلُ إلّا المَشْرَفِيَّ المُصَمَّمَ يَعْنِي أنَّهُ مِنِ اتِّباعِ أحَدِ المُتَبايِنَيْنِ الآخَرَ نَحْوَ ما أتانِي زِيدٌ إلّا عَمْرٌو وما أعانَهُ إخْوانُكم إلّا إخْوانُهُ، وقَدْ ذَكَرَهُما سِيبَوَيْهِ، وذَكَرَ ابْنُ مالِكٍ أنَّ الأصْلَ فِيهِما: ما أتانِي أحَدٌ إلّا عَمْرٌو، وما أعانَهُ أحَدٌ إلّا إخْوانُهُ فَجُعِلَ مَكانَ أحَدٍ بَعْضُ مَدْلُولِهِ وهو زَيْدٌ وإخْوانُكُمْ، ولَوْ لَمْ يَذْكُرِ الدُّخَلاءَ فِيمَن نُفِيَ عَنْهُ الإتْيانُ والإعانَةُ، ولَكِنْ ذَكَرا تَوْكِيدًا لِقِسْطِهِما مِنَ النَّفْيِ دَفْعًا لِتَوَهُّمِ المُخاطَبِ أنَّ المُتَكَلِّمَ لَمْ يَخْطُرْ لَهُ هَذا الَّذِي أُكِّدَ بِهِ، فَذَكَرَ تَأْكِيدًا، وعَلَيْهِ يَكُونُ الأصْلُ في الآيَةِ لا يَعْلَمُ أحَدٌ الغَيْبَ إلّا اللَّهُ فَحُذِفَ أحَدٌ وجُعِلَ مَكانَهُ بَعْضُ مَدْلُولِهِ وهو مَن في السَّماواتِ والأرْضِ، والبَعْضُ الآخَرُ مِن لَيْسَ فِيهِما، ويَكْفِي في كَوْنِهِ مَدْلُولًا لَهُ صِدْقُهُ عَلَيْهِ ولا يَجِبُ في ذَلِكَ وُجُودُهُ في الخارِجِ، فَقَدْ صَرَّحُوا أنَّ مِنَ الكُلِّيِّ ما يَمْتَنِعُ وُجُودُ بَعْضِ أفْرادِهِ أوْ كُلِّها في الخارِجِ عَلى أنَّ مِن أجِلَّةِ الإسْلامِيِّينَ مَن قالَ بِوُجُودِ شَيْءٍ غَيْرِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ولَيْسَ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ وهو الرُّوحُ الأمْرِيَّةُ فَإنَّها لا مَكانَ لَها عِنْدَهم عَلى نَحْوِ العُقُولِ المُجَرَّدَةِ عِنْدَ الفَلاسِفَةِ، وقالَ: إنَّ شَرْطَ الِاتِّباعِ في هَذا النَّوْعِ أنْ يَسْتَقِيمَ حَذْفُ المُسْتَثْنى مِنهُ والِاسْتِغْناءُ عَنْهُ بِالمُسْتَثْنى فَإنْ لَمْ يُوجَدْ هَذا الشَّرْطُ تَعَيَّنَ النَّصْبُ عِنْدَ التَّمِيمِيِّ.

والحِجازِيُّ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لا عاصِمَ اليَوْمَ مِن أمْرِ اللَّهِ إلا مِن رَحِمَ ﴾ ، فَإنَّ الِاسْتِغْناءَ فِيهِ بِالمُسْتَثْنى عَمّا قَبْلَهُ مُمْتَنِعٌ إلّا بِتَكَلُّفٍ، وزَعَمَ المازِنِيُّ أنَّ اتِّباعَ المُنْقَطِعِ مِن تَغْلِيبِ العاقِلِ عَلى غَيْرِهِ، ويَلْزَمُ عَلَيْهِ أنْ يَخْتَصَّ بِأحَدٍ وشِبْهِهِ وهو فاسِدٌ- كَما قالَ ابْنُ خَرُوفٍ- لِأنَّ ما يُبَدَّلُ مِنهُ في هَذا البابِ غَيْرُ ما ذَكَرَ أكْثَرُ مِن أنْ يُحْصى اهـ.

وكَلامُ الزَّمَخْشَرِيِّ يُوهِمُ صَدْرُهُ أنَّ الِاسْتِثْناءَ هُنا مِن قَبِيلِ الِاسْتِثْناءِ في المِثالَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرَهُما سِيبَوَيْهِ، وفي البَيْتِ الَّذِي ذَكَرْناهُ قُبَيْلِهِما، ويُفْهَمُ عَجْزُهُ أنَّهُ مِن قَبِيلِ الِاسْتِثْناءِ في الرَّجُزِ السّابِقِ، وأنَّ الدّاعِيَ إلى اخْتِيارِ المَذْهَبِ التَّمِيمِيِّ نُكْتَةُ المُبالِغَةِ الَّتِي سَمِعْتَها، وقَدْ صَرَّحُوا أنَّ إفادَةَ تِلْكَ النُّكْتَةِ إنَّما تَتَأتّى إذا جُعِلَ الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعًا تَحْقِيقًا مُتَّصِلًا تَأْوِيلًا، ولَعَلَّ الحَقَّ أنَّهُ إذا أُرِيدَ الدَّلالَةُ عَلى قُوَّةِ النَّفْيِ تَعَيَّنَ جَعْلُ الِاسْتِثْناءِ نَحْوَ الِاسْتِثْناءِ في قَوْلِهِ: «وبَلْدَةٍ» إلَخْ، وإذا أُرِيدَ الدَّلالَةُ عَلى عُمُومِ النَّفْيِ تَعَيَّنَ جَعْلُهُ نَحْوَ الِاسْتِثْناءِ في قَوْلِهِمْ: ما أعانَهُ إخْوانُكم إلّا إخْوانُهُ فَتَدَبَّرْ، وجُوِّزَ كَوْنُهُ مُتَّصِلًا كَما هو الأصْلُ في الِاسْتِثْناءِ عَلى أنَّ المُرادَ بِمَن في السَّماواتِ والأرْضِ مَنِ اطَّلَعَ عَلَيْهِما اطِّلاعَ الحاضِرِ فِيهِما مَجازًا مُرْسَلًا أوِ اسْتِعارَةً، وأيًّا ما كانَ فَهو مَعْنًى مَجازِيٌّ عامٌّ لَهُ تَعالى شَأْنُهُ ولِذَوِي العِلْمِ مِن خَلْقِهِ وهو المُخَلِّصُ مِن لُزُومِ ارْتِكابِ الجَمْعِ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ المُخْتَلِفِ في صِحَّتِهِ كَما فَعَلَهُ بَعْضُ القائِلِينَ بِالِاتِّصالِ، وقِيلَ: يُعَلَّقُ الجارُّ والمَجْرُورُ عَلى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ بِنَحْوٍ يَذْكُرُ مِنَ الأفْعالِ المَنسُوبَةِ عَلى الحَقِيقَةِ إلى اللَّهِ تَعالى وإلى المَخْلُوقِينَ لا بِنَحْوٍ اسْتَقَرَّ مِمّا لا يَصِحُّ نِسْبَتُهُ إلَيْهِ سُبْحانَهُ عَلى الحَقِيقَةِ أيْ لا يَعْلَمُ مَن يَذْكُرُ في السَّماواتِ والأرْضِ الغَيْبَ إلّا اللَّهُ، ويَجُوزُ تَعْلِيقُهُ بِاسْتَقَرَّ أيْضًا إلّا أنَّهُ يُجْعَلُ مُسْنَدًا إلى مُضافٍ حُذِفَ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ أيْ لا يُعْلَمُ مَنِ اسْتَقَرَّ ذِكْرُهُ في السَّماواتِ والأرْضِ الغَيْبَ إلّا اللَّهُ فَحُذِفَ الفِعْلُ والمُضافُ واسْتُتِرَ الضَّمِيرُ لِكَوْنِهِ مَرْفُوعًا، وهَذا وما قَبْلُهُ كَما تَرى، واعْتُرِضَ حَدِيثُ الِاتِّصالِ بِأنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ التَّسْوِيَةَ بَيْنَهُ تَعالى وبَيْنَ غَيْرِهِ في إطْلاقِ لَفْظٍ واحِدٍ وهو أمْرٌ مَذْمُومٌ، فَقَدْ أخْرَجَ مُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حاتِمٍ «أنَّ رَجُلًا خَطَبَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ  فَقالَ: ومَن يُطِعِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَقَدْ رَشَدَ ومَن يَعْصِهِما فَقَدْ غَوى، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ  : «بِئْسَ خَطِيبُ القَوْمِ أنْتَ قُلْ ومَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ»».

وأُجِيبُ بِأنَّ ذَلِكَ مِمّا يُذَمُّ إذا صَدَرَ مِنَ البَشَرِ أمّا إذا صَدَرَ مِنهُ تَعالى فَلا يُذَمُّ عَلى أنَّ كَوْنَهُ مِمّا يُذَمُّ إذا صَدَرَ مِنَ البَشَرِ مُطْلَقًا مَمْنُوعٌ، فَقَدْ رَوى البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ عَنْ أنَسٍ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : «ثَلاثٌ مَن كُنَّ فِيهِ وجَدَ بِهِنَّ طَعْمَ الإيمانِ مَن كانَ اللَّهُ تَعالى ورَسُولُهُ أحَبَّ إلَيْهِ مِمّا سِواهُما»» الحَدِيثَ.، ولَعَلَّ مَدارَ الذَّمِّ والمَدْحِ تَضَمُّنُ ذَلِكَ نُكْتَةً لَطِيفَةً وعَدَمُ تَضَمُّنِهِ إيّاها، وقَدْ قِيلَ في حَدِيثِ أنَسٍ: النُّكْتَةُ في تَثْنِيَةِ الضَّمِيرِ الإيماءُ إلى أنَّ المُعْتَبَرَ هو المَجْمُوعُ المُرَكَّبُ مِنَ المَحَبَّتَيْنِ، والنُّكْتَةُ في إفْرادِهِ في حَدِيثِ عَدِيٍّ الإشْعارُ بِأنَّ كُلًّا مِنَ العِصْيانَيْنِ مُسْتَقِلٌّ بِاسْتِلْزامِ الغَوايَةِ، وقَدْ مَرَّ الكَلامُ في هَذا المَبْحَثِ فَتَذَكَّرْ، وجُوِّزَ أنْ يُعْرَبَ مَن مَفْعُولُ- يَعْلَمُ.

والغَيْبُ- بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنهُ، والِاسْمُ الجَلِيلُ فاعِلُ (يَعْلَمُ) ويَكُونُ اسْتِثْناءً مُفَرَّغًا أيْ لا يَعْلَمُ غَيْبَ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ إلّا اللَّهُ ولا يَخْفى بَعْدَهُ.

والغَيْبُ في الأصْلِ مَصْدَرٌ غابَتِ الشَّمْسُ وغَيْرُها إذا اسْتَتَرَتْ عَنِ العَيْنِ، واسْتُعْمِلَ في الشَّيْءِ الغائِبِ الَّذِي لَمْ تُنْصَبْ لَهُ قَرِينَةٌ وكَوْنُ ذَلِكَ غَيْبًا بِاعْتِبارِهِ بِالنّاسِ ونَحْوِهِمْ لا بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ فَإنَّهُ سُبْحانَهُ لا يَغِيبُ عَنْهُ تَعالى شَيْءٌ لَكِنْ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ جَلَّ وعَلا لا يَعْلَمُ الغَيْبَ قَصْدًا إلى أنَّهُ لا غَيْبَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ لِيُقالَ يَعْلَمُهُ، وقَدْ شَنَّعَ الشَّيْخُ أحْمَدُ الفارُوقِيُّ السَّرْهَنِدِيُّ المَشْهُورُ بِالإمامِ الرَّبّانِيِّ في مَكْتُوباتِهِ- عَلى مَن قالَ ذَلِكَ قاصِدًا ما ذَكَرَ- أتَمَّ تَشْنِيعٍ كَما هو عادَتُهُ جَزاهُ اللَّهُ تَعالى خَيْرًا فِيمَن لَمْ يَتَأدَّبْ بِآدابِ الشَّرِيعَةِ الغَرّاءِ، والظّاهِرُ عُمُومُ الغَيْبِ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ السّاعَةُ، وقِيلَ: ما يُضْمِرُهُ أهْلُ السَّماواتِ والأرْضِ في قُلُوبِهِمْ، وقِيلَ: المُرادُ جِنْسُ الغَيْبِ، ويَلْزَمُ مِن نَفْيِ عِلْمِ جِنْسِهِ عَنْ غَيْرِهِ عَزَّ وجَلَّ نَفْيُ عِلْمِ كُلِّ فَرْدٍ مِن أفْرادِهِ عَنْ ذَلِكَ الغَيْرِ، ولا يَضُرُّ في ذَلِكَ أنَّ الآيَةَ لا تَدُلُّ حِينَئِذٍ عَلى ثُبُوتِ عِلْمِ كُلِّ غَيْبٍ لَهُ عَزَّ وجَلَّ بَلْ قُصارى ما تَدُلُّ عَلَيْهِ ثُبُوتُ عِلْمِ جِنْسِ الغَيْبِ لَهُ سُبْحانَهُ لِأنَّهُ المَنفِيُّ صَرِيحًا عَنِ المُسْتَثْنى مِنهُ ولا يَلْزَمُ مِن ثُبُوتِ عِلْمِ هَذا الجِنْسِ ثُبُوتُ عِلْمِ كُلِّ فَرْدٍ مِن أفْرادِهِ لِأنَّها لَمْ تُسَقْ لِلِاسْتِدْلالِ بِها عَلى ذَلِكَ، وكَمْ وكَمْ مِن دَلِيلٍ عَقْلِيٍّ ونَقْلِيٍّ يَدُلُّ عَلَيْهِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ الغَيْبَ مِن حَيْثُ إنَّهُ غَيْبٌ لا يَتَفاوَتُ فَمَتى ثَبَتَ العِلْمُ بِبَعْضِ أفْرادِهِ ثَبَتَ العِلْمُ بِجَمِيعِها دَفْعًا لِلُزُومِ التَّرْجِيحِ بِلا مُرَجِّحٍ فَتَأمَّلْ.

واخْتارَ بَعْضُهُمُ الِاسْتِغْراقَ أيْ لا يَعْلَمُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ كُلَّ غَيْبٍ إلّا اللَّهُ فَإنَّهُ سُبْحانَهُ يَعْلَمُ كُلَّ غَيْبٍ لِأنَّهُ الأوْفَقُ بِالمَقامِ، واعْتُرِضَ بِأنَّهُ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ مِن أهْلِ السَّماواتِ والأرْضِ مَن يَعْلَمُ بَعْضَ الغُيُوبِ، وظاهِرُ كَلامِ كَثِيرٍ مِنَ الأجِلَّةِ يَأْبى ذَلِكَ، ويُؤَيِّدُهُ ما أخْرَجَهُ الشَّيْخانِ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ وأحْمَدُ وجَماعَةٌ مِنَ المُحَدِّثِينَ مِن حَدِيثِ مَسْرُوقٍ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها أنَّها قالَتْ: مَن زَعَمَ أنَّ مُحَمَّدًا  يُخْبِرُ النّاسَ بِما يَكُونُ في غَدٍ.

وفي بَعْضِ الرِّواياتِ يَعْلَمُ ما في غَدٍ فَقَدْ أعْظَمَ عَلى اللَّهِ تَعالى الفِرْيَةَ واللَّهُ تَعالى يَقُولُ: ﴿ قُلْ لا يَعْلَمُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ الغَيْبَ إلا اللَّهُ ﴾ ، وجَوَّزَ بَعْضُهم أنْ يَكُونَ مِنهم مَن يَعْلَمُ بَعْضَ الغُيُوبِ، فَفي بَيانِ قَواطِعِ الإسْلامِ تَأْلِيفُ العَلّامَةِ ابْنِ حَجَرٍ بَعْدَ الرَّدِّ عَلى مَن أُكَفِّرُ مَن قِيلَ لَهُ: أتَعْلَمُ الغَيْبَ؟

فَقالَ: نَعَمْ لِأنَّ فِيما قالَهُ تَكْذِيبُ النَّصِّ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ لا يَعْلَمُها إلا هُوَ ﴾ ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عالِمُ الغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أحَدًا ﴾ ﴿ إلا مَنِ ارْتَضى مَنِ رَسُولٍ ﴾ ما نَصُّهُ: وعَلى كُلٍّ فالخَواصُّ يَجُوزُ أنْ يَعْلَمُوا الغَيْبَ في قَضِيَّةٍ أوْ قَضايا كَما وقَعَ لِكَثِيرٍ مِنهم واشْتَهَرَ، والَّذِي اخْتُصَّ بِهِ تَعالى إنَّما هو عِلْمُ الجَمِيعِ وعِلْمُ مَفاتِحِ الغَيْبِ المُشارِ إلَيْها بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ ﴾ الآيَةَ، ويَنْتِجُ مِن هَذا التَّقْرِيرِ أنَّ مَنِ ادَّعى عَلِمَ الغَيْبِ في قَضِيَّةٍ أوْ قَضايا لا يَكْفُرُ وهو مُحْمَلٌ ما في الرَّوْضَةِ، ومَنِ ادَّعى عِلْمَهُ في سائِرِ القَضايا يَكْفُرُ وهو مُحْمَلٌ ما في أصْلِها إلّا أنَّ عِبارَتَهُ لَمّا كانَتْ مُطْلَقَةً تَشْمَلُ هَذا وغَيْرَهُ ساغَ لِلنَّوَوِيِّ الِاعْتِراضُ عَلَيْهِ فَإنْ أُطْلِقَ فَلَمْ يُرِدْ شَيْئًا، فالأوْجَهُ ما اقْتَضاهُ كَلامُ النَّوَوِيِّ مِن عَدَمِ الكُفْرِ انْتَهى.

ولَعَلَّ الحَقَّ أنْ يُقالَ: إنَّ عِلْمَ الغَيْبِ المَنفِيِّ عَنْ غَيْرِهِ جَلَّ وعَلا هو ما كانَ لِلشَّخْصِ لِذاتِهِ أيْ بِلا واسِطَةٍ في ثُبُوتِهِ لَهُ، وهَذا مِمّا لا يُعْقَلُ لِأحَدٍ مِن أهْلِ السَّماواتِ والأرْضِ لِمَكانِ الإمْكانِ فِيهِمْ ذاتًا وصِفَةً وهو يَأْبى ثُبُوتَ شَيْءٍ لَهم بِلا واسِطَةٍ، ولَعَلَّ في التَّعْبِيرِ عَنِ المُسْتَثْنى مِنهُ بِمَن في السَّماواتِ والأرْضِ إشارَةً إلى عِلَّةِ الحُكْمِ، وما وقَعَ لِلْخَواصِّ لَيْسَ مِن هَذا العِلْمِ المَنفِيِّ في شَيْءٍ ضَرُورَةً أنَّهُ مِنَ الواجِبِ عَزَّ وجَلَّ أفاضَهُ عَلَيْهِمْ بِوَجْهٍ مِن وُجُوهِ الإفاضَةِ فَلا يُقالُ: إنَّهم عَلِمُوا الغَيْبَ بِذَلِكَ المَعْنى ومَن قالَهُ كَفَرَ قَطْعًا، وإنَّما يُقالُ: إنَّهم أُظْهِرُوا أوِ اطْلِعُوا.

بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ، عَلى الغَيْبِ أوْ نَحْوَ ذَلِكَ مِمّا يُفْهِمُ الواسِطَةَ في ثُبُوتِ العِلْمِ لَهُمْ، ويُؤَيِّدُ ما ذُكِرَ أنَّهُ لَمْ يَجِئْ في القُرْآنِ الكَرِيمِ نِسْبَةُ عِلْمِ الغَيْبِ إلى غَيْرِهِ تَعالى أصْلًا، وجاءَ الإظْهارُ عَلى الغَيْبِ لِمَنِ ارْتَضى سُبْحانَهُ مِن رَسُولٍ لا يُقالُ: يَجُوزُ عَلى هَذا أنْ يُقالَ: أُعْلِمَ فُلانٌ الغَيْبَ بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ أيْضًا عَلى مَعْنى أنَّ اللَّهَ تَعالى أعْلَمُهُ وعَرَّفَهُ ذَلِكَ بِطَرِيقٍ مِن طُرُقِ الإعْلامِ والتَّعْرِيفِ، ومَتى جازَ هَذا جازَ أنْ يُقالَ: عَلِمَ فُلانٌ الغَيْبَ بِقَصْدِ نِسْبَةِ عِلْمِهِ الحاصِلِ مِن إعْلامِهِ إلَيْهِ لِأنّا نَقُولُ: لا كَلامَ في جَوازِ أُعْلِمَ بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وإنَّما الكَلامُ في قَوْلِكَ: ومَتى جازَ هَذا جازَ أنْ يُقالَ إلَخْ، فَنَقُولُ: إنْ أُرِيدَ بِالجَوازِ في تالِي الشَّرْطِيَّةِ الجَوازُ مَعْنًى أيِ الصِّحَّةُ مِن حَيْثُ المَعْنى فَمُسَلَّمٌ لَكِنْ لَيْسَ كُلُّ ما جازَ مَعْنًى بِهَذا المَعْنى جازَ شَرْعًا اسْتِعْمالُهُ، وإنْ أُرِيدَ الجَوازُ شَرْعًا بِمَعْنى عَدَمِ المَنعِ مِنِ اسْتِعْمالِهِ فَهو مَمْنُوعٌ لِما فِيهِ مِنَ الإيهامِ والمُصادَمَةِ لِظَواهِرِ الآياتِ كَآيَةِ ﴿ قُلْ لا يَعْلَمُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ الغَيْبَ إلا اللَّهُ ﴾ وغَيْرِها وقَدْ سَمِعْتُ عَنِ الإمامِ الرَّبّانِيِّ قَدَّسَ سِرَّهُ النُّورانِيَّ أنَّهُ حَطَّ كُلَّ الحَطِّ عَلى مَن قالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ: «لا يَعْلَمُ الغَيْبَ» مُتَأوِّلًا لَهُ بِما تَقَدَّمَ لِما فِيهِ مِنَ المُصادَمَةِ لِلنُّصُوصِ القُرْآنِيَّةِ وغَيْرِها، وفي ذَلِكَ مِن سُوءِ الأدَبِ ما فِيهِ، وقَدْ شَنَّعُوا أيْضًا عَلى مَن قالَ: أكْرَهُ الحَقَّ وأُحِبُّ الفِتْنَةَ وأفِرُّ مِنَ الرَّحْمَةِ مُرِيدًا بِالحَقِّ المَوْتَ، وبِالفِتْنَةِ المالَ أوِ الوَلَدَ، وبِالرَّحْمَةِ المَطَرَ لِما في ظاهِرِهِ مِنَ الشَّناعَةِ والبَشاعَةِ ما لا يَخْفى.

نَعَمْ لا يَكْفُرُ قائِلُ ذَلِكَ بِذَلِكَ القَصْدِ ويَلْزَمُهُ التَّعْزِيرُ كَيْلا يَعُودَ إلى قَوْلِهِ، ثُمَّ إنَّ عِلْمَ غَيْرِ الغَيْبِ مِنَ المَحْسُوساتِ والمَعْقُولاتِ وإنْ كانَ لا يَثْبُتُ لِشَيْءٍ مِنَ المُمْكِناتِ بِلا واسِطَةٍ في الثُّبُوتِ أيْضًا إلّا أنَّهُ في نِسْبَتِهِ لِشَيْءٍ مِنها لَمْ يُعْتَبَرْ إلّا اتِّصافُهُ بِهِ غَيْرَ مُقَيَّدٍ بِنَفْيِ تِلْكَ الواسِطَةِ لِما أنَّهُ لَمْ يُرِدْ حَصْرَ ذَلِكَ العِلْمِ بِهِ عَزَّ وجَلَّ ونَفْيَهُ عَمَّنْ سِواهُ جَلَّ وعَلا بَلْ صَرَّحَ في مَواضِعَ أكْثَرَ مِن أنْ تُحْصى بِنِسْبَتِهِ إلى غَيْرِهِ سُبْحانَهُ ولَوْ ورَدَ فِيهِ ما ورَدَ في عِلْمِ الغَيْبِ لالتَزَمَ فِيهِ ما التَزَمَ فِيهِ، وعَلى ما تُقَرِّرُ لا يَكُونُ عِلْمُ العُقُولِ بِما لَمْ يَكُنْ بَعْدُ مِنَ الحَوادِثِ عَلى ما يَزْعُمُهُ الفَلاسِفَةُ مِن عِلْمِ الغَيْبِ بَلْ هو لَوْ سُلِّمَ عِلْمٌ حَصَلَ لَهم مِنَ الفَيّاضِ المُطْلَقِ جَلَّ شَأْنُهُ بِطَرِيقٍ مِنَ الطُّرُقِ الَّتِي تَقْتَضِيها الحِكْمَةُ فَلا يَنْبَغِي أنْ يُقالَ فِيهِمْ: إنَّهم عالِمُونَ بِالغَيْبِ، وقائِلُهُ إمّا كافِرٌ أوْ مُسْلِمٌ آثِمٌ، وكَذا يُقالُ في عِلْمِ بَعْضِ المُرْتاضِينَ مِنَ المُسْلِمِينَ الصُّوفِيَّةِ والكَفَرَةِ الجَوْكِيَّةِ فَإنَّ كُلَّ ما يَحْصُلُ لَهم مِن ذَلِكَ فَإنَّما هو بِطْرِيقِ الفَيْضِ ومَراتِبُهُ وأحْوالُهُ لا تُحْصى، والتَّأهُّلُ لَهُ قَدْ يَكُونُ فِطْرِيًّا، وقَدْ يَكُونُ كَسْبِيًّا، وطُرُقُ اكْتِسابِهِ مُتَشَعِّبَةٌ لا تَكادُ تُسْتَقْصى، وإفاضَةُ ذَلِكَ عَلى كَفَرَةِ المُرْتاضِينَ وإنْ أُشْبِهَتْ إفاضَتُهُ عَلى المُؤْمِنِينَ المُتَّقِينَ إلّا أنَّ بَيْنَ الأمْرَيْنِ فَرْقًا عَظِيمًا عِنْدَ المُحَقِّقِينَ، وقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ المُتَصَوِّفَةِ أنَّهُ ما مِن حَقٍّ إلّا وقَدْ جُعِلَ لَهُ باطِلٌ يُشْبِهُهُ لِأنَّ الدّارَ دارُ فِتْنَةٍ وأكْثَرُ ما فِيها مِحْنَةٌ، ويَلْحَقُ بِعِلْمِ المُرْتاضِينَ مِنَ الجَوْكِيَّةِ عِلْمُ بَعْضِ المُتَصَوِّفَةِ المَنسُوبِينَ إلى الإسْلامِ المُهْمِلِينَ أكْثَرَ أحْكامِهِ الواجِبَةِ عَلَيْهِمُ المُنْهَمِكِينَ في ارْتِكابِ المَحْظُوراتِ في نَهارِهِمْ ولَيْلِهِمْ، فَلا يَنْبَغِي اعْتِقادُ أنَّ ذَلِكَ كَرامَةٌ بَلْ هو نِقْمَةٌ مُفْضِيَةٌ إلى حَسْرَةٍ ونَدامَةٍ، وأمّا عِلْمُ النُّجُومِيِّ بِالحَوادِثِ الكَوْنِيَّةِ حَسْبَما يَزْعُمُهُ فَلَيْسَ مِن هَذا القَبِيلِ لِأنَّ تِلْكَ الحَوادِثَ الَّتِي يُخْبِرُ بِها لَيْسَتْ مِنَ الغَيْبِ بِالمَعْنى الَّذِي ذَكَرْناهُ إذْ هي وإنْ كانَتْ غائِبَةٌ عَنّا إلّا أنَّها عَلى زَعْمِهِ مِمّا نَصَّبَ لَها قَرِينَةً مِنَ الأوْضاعِ الفَلَكِيَّةِ والنِّسَبِ النُّجُومِيَّةِ مِنَ الِاقْتِرانِ والتَّثْلِيثِ والتَّسْدِيسِ والمُقابَلَةِ ونَحْوَ ذَلِكَ، وعِلْمُهُ بِدَلالَةِ القَرائِنِ الَّتِي يَزْعُمُها ناشِئٌ مِنَ التَّجْرِبَةِ وما تَقْتَضِيهِ طَبائِعُ النُّجُومِ والبُرُوجِ الَّتِي دَلَّ عَلَيْها بِزَعْمِهِ اخْتِلافُ الآثارِ في عالَمِ الكَوْنِ والفَسادِ فَلا أرى العِلْمَ بِها إلّا كَعِلْمِ الطَّبِيبِ الحاذِقِ إذا رَأى صَفْراوِيًّا مَثَلًا عَلِمَ رُتْبَةَ مِزاجِهِ وحَقَّقَها يَأْكُلُ مِقْدارًا مُعَيَّنًا مِنَ العَسَلِ أنَّهُ يَعْتَرِيهِ بَعْدَ ساعَةٍ أوْ ساعَتَيْنِ كَذا وكَذا مِنَ الألَمِ، وإطْلاقُ عِلْمِ الغَيْبِ عَلى ذَلِكَ فِيهِ ما فِيهِ، وإنْ أبَيْتَ إلّا تَسْمِيَةَ ذَلِكَ غَيْبًا فالعِلْمُ بِهِ لِكَوْنِهِ بِواسِطَةِ الأسْبابِ لا يَكُونُ مِن عِلْمِ الغَيْبِ المَنفِيِّ عَنْ غَيْرِهِ تَعالى في شَيْءٍ وكَذا كُلُّ عِلْمٍ بِخَفِيٍّ حَصَلَ بِواسِطَةِ سَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ كَعِلْمِنا بِاللَّهِ تَعالى وصِفاتِهِ العَلِيَّةِ وعِلْمِنا بِالجَنَّةِ والنّارِ ونَحْوَ ذَلِكَ، عَلى أنَّكَ إذا أنْصَفْتَ تَعْلَمُ أنَّ ما عِنْدَ النُّجُومِيِّ ونَحْوَهُ لَيْسَ عِلْمًا حَقِيقِيًّا وإنَّما هو ظَنٌّ وتَخْمِينٌ مَبْنِيٌّ عَلى ما هو أوْهَنُ مِن بَيْتِ العَنْكَبُوتِ كَما سَنُحَقِّقُ ذَلِكَ بِما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ في مَحَلِّهِ اللّائِقِ بِهِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.

وأقْوى ما عِنْدَهُ مَعْرِفَةُ زَمَنَيِ الكُسُوفِ والخُسُوفِ وأزْمِنَةِ تَحَقُّقِ النِّسَبِ المَخْصُوصَةِ بَيْنَ الكَواكِبِ وهي ناشِئَةٌ مِن مَعْرِفَةِ مَقادِيرِ الحَرَكاتِ لِلْكَواكِبِ والأفْلاكِ الكُلِّيَّةِ والجُزْئِيَّةِ وهي أُمُورٌ مَحْسُوسَةٌ تُدْرَكُ بِالأرْصادِ والآلاتِ المَعْمُولَةِ لِذَلِكَ، وبِالجُمْلَةِ عِلْمُ الغَيْبِ بِلا واسِطَةٍ كُلًّا أوْ بَعْضًا مَخْصُوصٌ بِاللَّهِ جَلَّ وعَلا لا يَعْلَمُهُ أحَدٌ مِنَ الخَلْقِ أصْلًا، ومَتى اعْتُبِرَ فِيهِ نَفْيُ الواسِطَةِ بِالكُلِّيَّةِ تَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ مِن مُقْتَضَياتِ الذّاتِ فَلا يَتَحَقَّقُ فِيهِ تَفاوُتٌ بَيْنَ غَيْبٍ وغَيْبٍ، فَلا بَأْسَ بِحَمْلِ ألْ في الغَيْبِ عَلى الجِنْسِ، ومَتى حُمِلَتْ عَلى الِاسْتِغْراقِ فاللّائِقُ أنْ لا يُعْتَبَرَ في الآيَةِ سَلْبُ العُمُومِ بَلْ يُعْتَبَرُ عُمُومُ السَّلْبِ، ويَلْتَزِمُ أنَّ القاعِدَةَ أغْلَبِيَّةٌ.

وكَذا يُقالُ في السَّلْبِ والعُمُومِ في جانِبِ الفاعِلِ فَتَأمَّلْ فَهَذا ما عِنْدِي ولَعَلَّ ما عِنْدَكَ خَيْرٌ مِنهُ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

﴿ وما يَشْعُرُونَ أيّانَ يُبْعَثُونَ ﴾ أيْ مَتى يَنْشُرُونَ مِنَ القُبُورِ مَعَ كَوْنِهِ مِمّا لا بُدَّ لَهم مِنهُ، ومِن أهَمِّ الأُمُورِ عِنْدَهُمْ- فَأيّانَ- اسْمُ اسْتِفْهامٍ عَنِ الزَّمانِ، ولِذا قِيلَ: إنَّ أصْلَها أيَّ آنَ أيْ أيَّ زَمانٍ، وإنْ كانَ المَعْرُوفُ خِلافَهُ وهي مَعْمُولَةٌ لِيُبْعَثُونَ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ النَّصْبِ.

بِيَشْعُرُونَ.

وعُلِّقَتْ (يَشْعُرُونَ) لِمَكانِ الِاسْتِفْهامِ، وضَمِيرُ الجَمْعِ لِلْكَفَرَةِ وإنْ كانَ عَدَمُ الشُّعُورِ بِما ذَكَرَ عامًّا لِئَلّا يَلْزَمَ التَّفْكِيكَ بَيْنَهُ وبَيْنَ ما يُذْكَرُ بَعْدُ مِنَ الضَّمائِرِ الخاصَّةِ بِهِمْ قَطْعًا، وقِيلَ: الكُلُّ لِمَن وإسْنادُ خَواصِّ الكَفَرَةِ إلى الجَمِيعِ مِن قَبِيلِ بَنُو فُلانٍ فَعَلُوا كَذا والفاعِلُ بَعْضٌ مِنهُمْ، وفِيهِ بَحْثٌ.

وقَرَأ السُّلَمِيُّ.

«إيِّانَ».

بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وهي لُغَةُ بَنِي سُلَيْمٍ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قُلْ يا محمد لكفار مكة لاَّ يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ من الملائكة والناس الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ يعني: مَتَى تَقُومُ السَّاعَةُ إلاَّ الله، رفع على معنى البدل، فكأنه يقول: لا يعلم أحد الغيب إلا الله أي لا يعلم ذلك إلا الله، ثم قال: وَما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ يعني: متى يبعثون يعني: أوان يبعثون.

قوله عز وجل: بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ قرأ ابن كثير وأبو عمرو بل ادّرك.

قرأ الباقون ادَّارَكَ بالألف.

فمن قرأ أدرك، فمعناه: أدرك علمهم علم الآخرة.

وروي عن السدي قال: اجتمع علمهم يوم القيامة فلم يشكوا، ولم يختلفوا ويقال: معناه علموا في الآخرة أن الذين كانوا يوعدون حق، ولا ينفعهم ذلك.

ومن قرأ ادراك علمهم فأصله تدارك، فأدغم التاء في الدال، وشددت وأدخلت ألف الوصل، ليسلم السكون للدال، ومعناه: تتابع علمهم، أي حكمهم على الآخرة، واستعمالهم الظنون في علم الآخرة، فهم يقولون تارة: إنها تكون، وتارة لا تكون الساعة.

ويقال: معناه تدارك، أي تكامل علمهم يوم القيامة لأنهم يبعثون ويشاهدون ما وعدوا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْها أي: من قيام الساعة في الدنيا بَلْ هُمْ مِنْها عَمُونَ يعني: يتعامون عن قيامها.

ويقال: بَلْ هُمْ مِنْها عَمُونَ أي من علمها جاهلون.

وروي عن ابن عباس أنه كان يقرأ، بَلِ ادراك علمهم وهذه القراءة أشد إيضاحاً للمعنى الذي ذكرناه.

ثم حكى قول الكفار فقال عز وجل: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَإِذا كُنَّا تُراباً وَآباؤُنا أَإِنَّا لَمُخْرَجُونَ يعني: أحياء من القبور لَقَدْ وُعِدْنا هذا يعني: هذا الذي يقول محمد  : نَحْنُ وَآباؤُنا مِنْ قَبْلُ إِنْ هذا الذي يقول إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ يعني: أحاديث الأولين وكذبهم، مثل حديث رستم واسفنديار.

ويقال: إن هذا إلاَّ مثل رسل الأولين فيما كذبوا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

ويَعْدِلُونَ يجوز أن يرادَ به: يعدِلُونَ عن طريق الحقِّ، ويجوزُ أَنْ يُرَادَ به يَعْدِلُونَ باللهِ غيره، أي: يجعلون له عديلا ومثيلا، وخِلالَها مَعْنَاه: بَيْنها، والرواسي: الجبال، والبحرانِ/: الماءُ العذبُ والماءُ الأجاج على ما تقدم، والحاجز: ما جَعَلَ الله بيْنَهما مِنْ حَوَاجِز الأرْضِ وموانِعها على رِقَّتِها في بعض المواضع، ولطافتِها لولا قدرة الله لغلب المالح العذب.

وقوله سبحانه: أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ ...

الآية، وعن حبيب بن مسلمة «١» الفهري وكان مجاب الدعوة، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلّم يقول: «لاَ يَجْتَمِعُ مَلأٌ فَيَدْعُوَ بَعْضُهُمْ وَيُؤَمِّنُ بَعْضُهُمْ إلاَّ أَجَابَهُمْ اللهُ تعالى» «٢» ، رواه الحاكم في «المستدرك» ، انتهى من «سلاح المؤمن» ، وعن أبي هريرة- رضي اللَّه عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: «ادْعُوا اللهَ وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالإجَابَةِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ لاَ يَسْتَجِيبُ دُعَاءً مِنْ قَلْبٍ غَافِلٍ لاَهٍ» «٣» رواه الترمذيُّ وهذا لفظه.

قال «صاحب السلاح» : ورواه الحاكمُ في «المستدرك» وقال: مستقيمُ الإسناد، انتهى.

والسُّوءَ عامٌّ في كل ضرُّ يَكْشِفُه اللهُ تعالى عن عبادِه، قال ابن عطاء الله: ما طُلِبَ لَك شيءٌ مثلَ الاضْطِرَارِ، ولا أسْرَع بالمواهِب لكَ مثلَ الذِّلةِ والافتقارِ، انتهى.

و «الظلماتُ» عام لظلمةِ الليل ولظلمةِ الجهل والضلال، والرزق من

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمَّنْ يُجِيبُ المُضْطَرَّ ﴾ وهو: المَكْرُوبُ المَجْهُودُ؛ ﴿ وَيَكْشِفُ السُّوءَ ﴾ يَعْنِي الضُّرَّ ﴿ وَيَجْعَلُكم خُلَفاءَ الأرْضِ ﴾ أيْ: يَهْلَكُ قَرْنًا ويُنْشِئُ آَخَرِينَ، و ﴿ تَذَكَّرُونَ ﴾ بِمَعْنى تَتَّعِظُونَ.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِالياءِ، والباقُونَ بِالتّاءِ.

﴿ أمَّنْ يَهْدِيكُمْ ﴾ أيْ: يُرْشِدُكم إلى مَقاصِدِكم إذا سافَرْتُمْ ﴿ فِي ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ ﴾ وقَدْ بَيَّنّاها في (الأنْعامِ: ٦٣، ٩٧) وشَرَحْنا ما يَلِيها مِنَ الكَلِماتِ فِيما مَضى [الأعْرافِ: ٥٧ ويُونُسَ: ٤] إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَما يَشْعُرُونَ ﴾ يَعْنِي مَن في السَّماواتِ والأرْضِ ﴿ أيّانَ يُبْعَثُونَ ﴾ أيْ: مَتى يَبْعَثُونَ بَعْدَ مَوْتِهِمْ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَلِ ادّارَكَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: " بَلْ أدْرَكَ " قالَ مُجاهِدٌ: " بَلْ " بِمَعْنى " أمْ " والمَعْنى: لَمْ يُدْرِكْ عِلْمَهم، وقالَ الفَرّاءُ: المَعْنى: هَلِ ادَّرَكَ عِلْمُهم عِلْمَ الآخِرَةِ؟

فَعَلى هَذا يَكُونُ المَعْنى: إنَّهم لا يَقِفُونَ في الدُّنْيا عَلى حَقِيقَةِ العِلْمِ بِالآخِرَةِ.

وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ﴿ بَلِ ادّارَكَ ﴾ عَلى مَعْنى: بَلْ تَدارَكَ، أيْ: تَتابَعَ وتَلاحَقَ، فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الدّالِ.

ثُمَّ في مَعْناها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: بَلْ تَكامَلَ عِلْمُهم يَوْمَ القِيامَةِ لِأنّهم مَبْعُوثُونَ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ما جَهِلُوهُ في الدُّنْيا، عَلِمُوهُ في الآَخِرَةِ.

والثّانِي: بَلْ تَدارَكَ ظَنُّهم وحَدْسُهم في الحُكْمِ عَلى الآخِرَةِ، فَتارَةً يَقُولُونَ: إنَّها كائِنَةٌ، وتارَةً يَقُولُونَ: لا تَكُونُ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

ورَوى أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: " بَلِ ادَّرَكَ " عَلى وزْنِ افْتَعَلَ مِن أدْرَكْتُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَلْ هم في شَكٍّ مِنها ﴾ أيْ: بَلْ هُمُ اليَوْمَ في شَكٍّ مِنَ القِيامَةِ ﴿ بَلْ هم مِنها عَمُونَ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: مِن عِلْمِها وما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ بَيانُهُ [النَّحْلِ:١٢٧، المُؤْمِنُونَ: ٣٥، ٨٢] إلى قَوْلِهِ: ﴿ مَتى هَذا الوَعْدُ ﴾ يَعْنُونَ: العَذابَ الَّذِي تَعِدُنا.

﴿ قُلْ عَسى أنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قَرُبَ لَكم.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: تَبِعَكم، واللّامُ زائِدَةٌ، كَأنَّهُ قالَ: رَدِفَكم.

وَفِي ما تَبِعَهم مِمّا اسْتَعْجَلُوهُ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: يَوْمَ بَدْرٍ.

والثّانِي: عَذابُ القَبْرِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: عَلى أهْلِ مَكَّةَ حِين لا يُعَجِّلُ عَلَيْهِمْ بِالعَذابِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ ﴾ أيْ: ما تُخْفِيهِ ﴿ وَما يُعْلِنُونَ ﴾ بِألْسِنَتِهِمْ مِن عَداوَتِكَ وخِلافِكَ؛ والمَعْنى أنَّهُ يُجازِيهِمْ عَلَيْهِ.

﴿ وَما مِن غائِبَةٍ ﴾ أيْ: وما مِن جُمْلَةٍ غائِبَةٍ، ﴿ إلا في كِتابٍ ﴾ يَعْنِي اللَّوْحَ المَحْفُوظَ؛ والمَعْنى: إنَّ عِلْمَ ما يَسْتَعْجِلُونَهُ مِنَ العَذابِ بَيِّنٌ عِنْدَ اللَّهِ وإنْ غابَ عَنِ الخَلْقِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ أمَّنْ يُجِيبُ المُضْطَرَّ إذا دَعاهُ ويَكْشِفُ السُوءَ ويَجْعَلُكم خُلَفاءَ الأرْضِ أإلَهٌ مَعَ اللهِ قَلِيلا ما تَذَكَّرُونَ ﴾ ﴿ أمَّنْ يَهْدِيكم في ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ ومَن يُرْسِلُ الرِياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أإلَهٌ مَعَ اللهِ تَعالى اللهِ عَمّا يُشْرِكُونَ ﴾ ﴿ أمَّنْ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ومَن يَرْزُقُكم مِنَ السَماءِ والأرْضِ أإلَهٌ مَعَ اللهِ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ﴾ ﴿ قُلْ لا يَعْلَمُ مَن في السَماواتِ والأرْضِ الغَيْبَ إلا اللهُ وما يَشْعُرُونَ أيّانَ يُبْعَثُونَ ﴾ ﴿ بَلِ ادّارَكَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ بَلِ هم في شَكٍّ مِنها بَلِ هم مِنها عَمُونَ ﴾ وقَّفَهم في هَذِهِ الآياتِ عَلى المَعانِي الَّتِي يَتَبَيَّنُ لِكُلِّ عاقِلٍ أنَّهُ لا مَدْخَلَ لِصَنَمٍ ولا لِوَثَنٍ فِيها، فَهي عِبَرٌ ونِعَمٌ، فالحُجَّةُ قائِمَةٌ بِها مِنَ الوَجْهَيْنِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُجِيبُ المُضْطَرَّ ﴾ مَعْناهُ: بِشَرْطِ أنْ يَشاءَ عَلى المُعْتَقَدِ في الإجابَةِ، لَكِنَّ المُضْطَرَّ لا يُجِيبُهُ مَتى أُجِيبُ إلّا اللهَ عَزَّ وجَلَّ، و"السُوءَ" عامٌ في كُلِّ ضُرٍّ يَكْشِفُهُ اللهُ تَعالى عن عِبادِهِ.

وقَرَأ الحَسَنُ: "وَيَجْعَلُكُمْ" بِياءٍ عَلى صِيغَةِ المُسْتَقْبَلِ، ورُوِيَتْ عنهُ بِنُونٍ.

وكُلُّ قَرْنٍ خَلَفٌ لِلَّذِي قَبْلَهُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "تَذَكَّرُونَ" بِالتاءِ عَلى المُخاطَبَةِ، وقَرَأ أبُو عَمْرُو وحْدَهُ، والحَسَنُ، والأعْمَشُ بِالياءِ عَلى الغَيْبَةِ.

و"الظُلُماتُ" عامٌ لِظُلْمَةِ اللَيْلِ الَّتِي هي الحَقِيقَةُ في اللُغَةِ، ولِظُلْمِ الجَهْلِ والضَلالِ والخَوْفِ الَّتِي هي مَجازاتٌ وتَشْبِيهاتٌ، وهَذا كَقَوْلِ الشاعِرِ: تَجَلَّتْ عَماياتُ الرِجالِ عَنِ الصِبا وَكَما تَقُولُ: أظْلَمَ الأمْرُ وأنارَ، وقَدْ تَقَدَّمَ اخْتِلافُ القُرّاءِ في قَوْلِهِ: "بُشْرًا"، وقَرَأ الحَسَنُ وغَيْرُهُ: "يُشْرِكُونَ" بِالياءِ عَلى الغَيْبَةِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "تُشْرِكُونَ" عَلى المُخاطَبِ.

و"بَدْءُ الخَلْقِ" اخْتِراعُهُ وإيجادُهُ، و"الخَلْقَ": هُنا المَخْلُوقُ مِن جَمِيعِ الأشْياءِ، لَكِنَّ المَقْصُودَ بَنُو آدَمَ مِن حَيْثُ ذِكْرِ الإعادَةِ والبَعْثِ مِنَ القُبُورِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِـ "الخَلْقَ" مَصْدَرُ: خَلَقَ يَخْلُقُ، ويَكُونُ "يَبْدَأُ" و"يُعِيدُ" اسْتِعارَةٌ لِلْإتْقانِ والإحْسانِ، كَما تَقُولُ: فَلانٌ يُبْدِئُ ويُعِيدُ في أمْرِ كَذا وكَذا، أيْ يُتْقِنُهُ.

و"الرِزْقُ" مِنَ السَماءِ بِالمَطَرِ، ومِنَ الأرْضِ بِالنَباتِ، هَذا مَشْهُورٌ ما يُحِسُّهُ البَشَرُ، وكَمْ لِلَّهِ تَبارَكَ وتَعالى مِن لُطْفٍ خَفِيٍّ.

ثُمْ أمَرَ عَزَّ وجَلَّ نَبِيَّهُ أنْ يُوقِفَهم عَلى أنَّ الغَيْبَ مِمّا انْفَرَدَ بِهِ اللهُ عَزَّ وجَلَّ، ولِذَلِكَ سُمِّيَ غَيْبًا لِغَيْبِهِ عَنِ المَخْلُوقِينَ، ويُرْوى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مِن قَوْلِهِ: ﴿ قُلْ لا يَعْلَمُ ﴾ إنَّما نَزَلَتْ لِأنَّ الكُفّارَ سَألُوا وألَحُّوا عن وقْتِ القِيامَةِ الَّتِي يَعِدُهُمْ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِالتَسْلِيمِ لِأمْرِ اللهِ تَعالى وتَرْكِ التَحْدِيدِ، وأعْلَمُ عَزَّ وجَلَّ أنَّهُ لا يَعْلَمُ وقْتَ الساعَةِ سِواهُ، فَجاءَ بِلَفْظٍ يَعُمُ السامِعَ وغَيْرَهُ، وأخْبَرَ عَنِ البَشَرِ أنَّهم لا يَشْعُرُونَ أيّانَ يُبْعَثُونَ، وبِهَذِهِ الآيَةِ احْتَجَّتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنها عَلى قَوْلِها: ومَن زَعَمَ أنَّ مُحَمَّدًا يَعْلَمُ الغَيْبَ فَقَدْ أعْظَمَ عَلى اللهِ الفِرْيَةَ.

والمَكْتُوبَةُ في قَوْلِهِ: " إلّا اللهُ " بَدَلٌ مِن "مَن".

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "أيّانَ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ السُلَمِيِّ: "إيّانَ" بِكَسْرِها، وهُما لُغَتانِ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "بَلِ ادّارَكَ"، أصْلُهُ: تَدارَكَ، أُدْغِمَتِ التاءُ في الدالِ بَعْدَ أنْ أُبْدِلَتْ، ثُمُ احْتِيجَ إلى ألْفِ الوَصْلِ، وقَرَأ أُبَيُّ بْنِ كَعْبٍ: "تَدارَكَ" فِيما رُوِيَ عنهُ، وقَرَأ عاصِمْ -فِي رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ -: "بَلِ ادَّرَكَ" عَلى وزْنِ افْتَعَلَ، وهي بِمَعْنى تَفاعَلَ، وقَرَأ سُلَيْمانُ بْنُ يَسارٍ، وعَطاءُ بْنُ يَسارٍ: "بَلَ ادَّرَكَ" بِفَتْحِ الامِ ولا هَمْزَ، وبِتَشْدِيدِ الدالِّ دُونَ ألِفٍ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرُو، وأبُو جَعْفَرُ، وأهْلُ مَكَّةَ: "بَلْ أدْرَكَ" وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "أمْ تَدارَكَ عِلْمُهُمْ"، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "بَلَ أدْرَكَ"، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: "بَلْ آدّارَكَ" بِهَمْزَةٍ ومَدَّةٍ عَلى جِهَةِ الِاسْتِفْهامِ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "بَلْ آدَّرَكَ" عَلى الِاسْتِفْهامِ، ونَسَبَها أبُو عَمْرُو الدانِي إلى ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ.

فَأمّا قِراءَةُ الِاسْتِفْهامِ فَهي عَلى مَعْنى الهُزْءِ بِالكَفَرَةِ، والتَقْرِيرُ لَهم عَلى ما هو في غايَةِ البُعْدِ عنهُمْ، أيْ: أعَلِمُوا أمْرَ الآخِرَةِ وأدْرَكَها عِلْمَهُمْ؟

وأمّا القِراءَةُ الأُولى فَتَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما: بَلْ أدْرَكَ عِلْمُهُمْ، أيْ: تَناهى، كَما تَقُولُ: أدْرَكَ النَباتُ وغَيْرُهُ، وكَما تَقُولُ: هَذا ما أدْرَكَ عَلْمِي مِن كَذا وكَذا، فَهَذا قَدْ تَتابَعَ وتَناهى عِلْمُهم بِالآخِرَةِ إلى أنْ يَعْرِفُوا لَها مِقْدارًا فَيُؤْمِنُوا، وإنَّما لَهم ظُنُونٌ كاذِبَةٌ، أو ألّا يَعْرِفُوا لَها وقْتًا، وكَذَلِكَ ادّارَكَ وتَدارَكَ وسِواها، وإنْ حَمَلَتْ هَذِهِ القِراءَةُ مَعْنى التَوْقِيفِ والِاسْتِفْهامِ ساغَ، وجاءَ إنْكارًا لَأنْ أدْرَكُوا شَيْئًا نافِعًا، والمَعْنى الثانِي: بَلْ أدْرَكَ بِمَعْنى يُدْرِكُ، أيْ أنَّهم في الآخِرَةِ يُدْرِكُ عِلْمَهم وقْتَ القِيامَةِ، ويَرَوُا العَذابَ والحَقائِقَ الَّتِي كَذَّبُوا بِها، وأمّا في الدُنْيا فَلا.

وهَذا تَأْوِيلُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، ونَحا إلَيْهِ الزَجاجُ، فَقَوْلُهُ: ﴿ فِي الآخِرَةِ ﴾ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- ظَرْفٌ، وعَلى التَأْوِيلِ الأوَّلِ في بِمَعْنى الباءِ، والعِلْمُ قَدْ يَتَعَدّى بِحَرْفِ الجَرِّ، تَقُولُ: عِلْمِي يَزِيدُ كَذا، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: وعِلْمِي بِأسْوامِ المِياهِ ∗∗∗............

البَيْتُ ثُمْ وصَفَهم عَزَّ وجَلَّ بِأنَّهم في شَكٍّ مِنها، ثُمْ أرَدَفَهم بِصِفَةٍ أبْلَغَ مِنَ الشَكِّ وهي العَمى بِالجُمْلَةِ عن أمْرِ الآخِرَةِ، و"عَمُونَ" أصْلُهُ "عَمِيُونَ" فَعِلَوْنَ كَحَذِرُونَ وغَيْرِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

لما أبطلت الآيات السابقة إلهية أصنام المشركين بالأدلة المتظاهرة فانقطع دابر عقيدة الإشراك ثني عنان الإبطال إلى أثر من آثار الشرك وهو ادعاء علم الغيب بالكهانة وإخبار الجن، كما كان يزعمه الكهان والعرافون وسدنة الأصنام.

ويؤمن بذلك المشركون.

وفي «معالم التنزيل» وغيره نزلت في المشركين حين سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن وقت قيام الساعة فما كان سؤالهم عن ذلك إلا لظنهم أن ادعاء العلم بوقتها من شأن النبوءة توصلاً لجحد النبوءة إن لم يعين لهم وقت الساعة فأبطلت الآية هذه المزاعم إبطالاً عاماً معياره الاستثناء بقوله ﴿ إلا الله.

﴾ وهو عام مراد به الخصوص أعني خصوص الكهان وسدنة بيوت الأصنام.

وإنما سلك مسلك العموم لإبطال ما عسى أن يزعم من ذلك، ولأن العموم أكثر فائدة وأوجز، فإن ذلك حال أهل الشرك من بين من في السماوات والأرض.

فالقصد هنا تزييف آثار الشرك وهو الكهانة ونحوها.

وإذ قد كانت المخلوقات لا يعدون أن يكونوا من أهل السموات أو من أهل الأرض لانحصار عوالم الموجودات في ذلك كان قوله ﴿ لا يعلم من في السموات والأرض الغيب ﴾ في قوة لا يعلم أحد الغيب، ولكن أطنب الكلام لقصد التنصيص على تعميم المخلوقات كلها فإن مقام علم العقيدة مقام بيان يناسبه الإطناب.

واستثناء ﴿ إلا الله ﴾ منه لتأويل ﴿ من في السماوات والأرض ﴾ بمعنى: أحد، فهو استثناء متصل على رأي المحققين وهو واقع من كلام منفي.

فحق المستثنى أن يكون بدلاً من المستثنى منه في اللغة الفصحى فلذلك جاء اسم الجلالة مرفوعاً ولو كان الاستثناء منقطعاً لكانت اللغة الفصحى تنصب المستثنى.

وبعد فإن دلائل تنزيه الله عن الحلول في المكان وعن مماثلة المخلوقات متوافرة فلذلك يجري استعمال القرآن والسنة على سنن الاستعمال الفصيح للعلم بأن المؤمن لا يتوهم ما لا يليق بجلال الله تعالى.

ومن المفسرين من جعل الاستثناء منقطعاً وقوفاً عند ظاهر صلة ﴿ من في السماوات والأرض ﴾ لأن الله ينزّه عن الحلول في السماء والأرض.

وأما من يتفضل الله عليه بأن يظهره على الغيب فذلك داخل في علم الله قال تعالى ﴿ عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحداً إلا من ارتضى من رسول ﴾ [الجن: 26، 27].

فأضاف (غيب) إلى ضمير الجلالة.

وأردف هذا الخبر بإدماج انتفاء علم هؤلاء الزاعمين علم الغيب أنهم لا يشعرون بوقت بعثهم بل جحدوا وقوعه إثارة للتذكير بالبعث لشدة عناية القرآن بإثباته وتسفيه الذين أنكروه.

فذلك موقع قوله ﴿ وما يشعرون أيان يبعثون، ﴾ أي أن الذين يزعمون علم الغيب ما يشعرون بوقت بعثهم.

و ﴿ أيان ﴾ اسم استفهام عن الزمان وهو معلِّق فعل ﴿ يشْعرون ﴾ عن العمل في مفعوليه.

وهذا تورّكٌ وتعيير للمشركين فإنهم لا يؤمنون بالبعث بَلْةَ شعورهم بوقته.

و ﴿ بل ﴾ للإضراب الانتقالي من الإخبار عنهم ب ﴿ لا يشعرون أيان يبعثون ﴾ وهو ارتقاء إلى ما هو أغرب وأشد ارتقاء من تعييرهم بعدم شعورهم بوقت بعثهم إلى وصف علمهم بالآخرة التي البعث من أول أحوالها وهو الواسطة بينها وبين الدنيا بأنه علم متدارك أو مدرك.

وقرأ الجمهور ﴿ إدَّارك ﴾ بهمز وصل في أوله وتشديد الدال على أن أصله (تدارك) فأدغمت تاء التفاعل في الدال لقرب مخرجيها بعد أن سكنت واجتُلِب همز الوصل للنطق بالساكن.

قال الفراء وشمر: وهو تفاعل من الدّرك بتفحتين وهو اللحاق.

وقد امتلكت اللغويين والمفسرين حيرة في تصوير معنى الآية على هذه القراءة تثار منه حيرة للناظر في توجيه الإضرابين اللذين بعد هذا الإضراب وكيف يكونان ارتقاء على مضمون هذا الانتقال، وذكروا وجوهاً مثقلة بالتكلف.

والذي أراه في تفسيرها على هذا الاعتبار اللغوي أن معنى التدارك هو أن علم بعضهم لَحِق علم بعض آخر في أمر الآخرة لأن العلم، وهو جنسٌ، لمّا أضيف إلى ضمير الجماعة حصل من معناه علوم عديدة بعدد أصناف الجماعات التي هي مدلول الضمير فصار المعنى: تداركت علومهم بعضها بعضاً.

وذلك صالح لمعنيين: أولهما: أن يكون التدارك وهو التلاحق الذي هو استعمال مجازي يساوي الحقيقة، أي تداركت علوم الحاضرين مع علوم أسلافهم، أي تلاحقت وتتابعت فتلَّقى الخلف عن السلف علمَهم في الآخرة وتقلدوها عن غير بصيرة ولا نظر، وذلك أنهم أنكروا البعث ويشعر لذلك قوله تعالى عقبه ﴿ وقال الذين كفروا أإذا كنّا تراباً وءاباؤنا أئنا لمخرجون لقد وعدنا هذا نحن وءاباؤنا من قبل إن هذا إلا أساطير الأولين ﴾ [النمل: 67 68].

وقريب من هذا قوله تعالى في سورة المؤمنين (81) ﴿ بل قالوا مثل ما قال الأولون ﴾ الوجه الثاني: أن يكون التدارك مستعملاً مجازاً مرسلاً في الاختلاط والاضطراب لأن التدارك والتلاحق يلزمه التداخل كما إذا لحقت جماعة من الناس جماعة أخرى أي لم يرسوا على أمر واختلفت أقوالهم اختلافاً يؤذن بتناقضها، فهم ينفون البعث ثم يزعمون أن الأصنام شفعاؤهم عند الله من العذاب، وهذا يقتضي إثبات البعث ولكنهم لا يعذبون ثم يتزودون تارة للآخرة ببعض أعمالهم التي منها: أنهم كانوا يحبسون الراحلة على قبر صاحبها ويتركونها لا تأكل ولا تشرب حتى تموت فيزعمون أن صاحبها يركبها، ويسمونها البلية، فذلك من اضطراب أمرهم في الآخرة.

وفعل المضي على هذين الوجهين على أصله.

وحرف (في) على هاذين الوجهين في تفسيرها على قراءة الجمهور مستعمل في السببية، أي بسبب الآخرة.

ويجوز وجه آخر وهو أن يكون ﴿ ادارك ﴾ مبالغة في (أدْرَك) ومفعوله محذوفاً تقديره: إدراكهم، أي حصل لهم علمهم بوقت بعثهم في اليوم الذي يبعثون فيه، أي يومئذ يوقنون بالبعث، فيكون فعل المضي مستعملاً في معنى التحقق، ويكون حرف (في) على أصله من الظرفية.

وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وأبو جعفر ﴿ بل أدرك ﴾ بهمز قطع وسكون الدال، ومعناه؛ انتهى علمهم في الآخرة.

يقال: أدرك، إذا فني.

وفي ثبوت معنى فني لفعل أدرك خلاف بين أيمة اللغة، فقد أثبته ابن المظفر في رواية شمّر عنه قال شمّر: ولم أسمعه لغيره، وأثبته الزمخشري في «الكشاف» في هذه الآية وصاحب «القاموس».

وقال أبو منصور: هذا غير صحيح في لغة العرب وما علمت أحداً قال: أدرك الشيء إذا فني.

وأقول قد ثبت في اللغة: أدركت الثمار، إذا انتهى نضجها، ونسبه في «تاج العروس» لليث ولابن جني وحسبك بإثبات هؤلاء الأثبات.

قال الكواشي في «تبصرة المتذكر»: المعنى فني علمهم في الآخرة من أدركت الفاكهة، إذا بلغت النضج وذلك مؤذن بفنائها وزوالها.

فحاصل المعنى على قراءة الجمهور ﴿ وما يشعرون أيان يبعثون ﴾ وقد تلقى بعضهم عن بعض ما يعلمون في شأن الآخرة وهو ما اشتهر عنهم من إنكار الحياة الآخرة، أو قد اضطرب ما يعلمونه في شأن الآخرة وأنهم سيعلمون ذلك لا محالة في يوم الدار الآخرة.

وحاصل المعنى على قراءة ابن كثير وأبي عمرو وأبي جعفر: ما يشعرون أيّان يبعثون فإنهم لا علم لهم بالحياة الآخرة، أي جهلوا الحياة الآخرة.

أما عدد القراءات الشاذة في هذه الجملة فبلغت عشراً.

وأما جملة ﴿ بل هم في شك منها ﴾ فهو إضراب انتقال للارتقاء من كونهم اضطرب علمهم في الآخرة، أو تقلد خلفهم ما لقنه سلفهم، أو من أنهم انتفى عملهم في الآخرة إلى أن ذلك الاضطراب في العلم قد أثار فيهم شكاً من وقوع الآخرة.

و(من) للابتداء المجازي، أي في شك ناشئ عن أمر الآخرة.

وجيء بالجملة الاسمية للدلالة على ثبات الخبر ودوامه، والظرفية للدلالة على إحاطة الشك بهم.

وجملة ﴿ بل هم منها عمون ﴾ ارتقاء ثالث وهو آخر درجات الارتقاء في إثبات ضلالهم وهو أنهم عميان عن شأن الآخرة.

و ﴿ عمون ﴾ : جمع عممٍ بالتنوين وهو فعل من العمى، صاغوا له مثال المبالغة للدلالة على شدة العمى، وهو تشبيه عدم العلم بالعمى، وعادم العلم بالأعمى.

وقال زهير: وأعلم علم اليوم والأمس قبله *** ولكنني عن علم ما في غدً عم فشبه ضلالهم عن البعث بالعمى في عدم الاهتداء إلى المطلوب تشبيه المعقول بالمحسوس.

و (من) في قوله ﴿ منها عمون ﴾ للابتداء المجازي، جعل عماهم وضلالهم في إثبات الآخرة كأنه ناشئ لهم من الآخرة إذ هي سبب عماهم، أي إنكارها سبب ضلالهم.

وفي الكلام مضاف محذوف تقديره: من إنكار وجودها عمون، فالمجرور متعلق ب ﴿ عمون ﴾ .

وقدم على متعلقه للاهتمام بهذا المتعلق وللرعاية على الفاصلة.

وصيغت الجملة الاسمية للدلالة على الثبات كما في قوله ﴿ بل هم في شك منها ﴾ .

وترتيب هذه الاضرابات الثلاثة ترتيب لتنزيل أحوالهم؛ فوصفوا أولاً بأنهم لا يشعرون بوقت البعث ثم بأنهم تلقفوا في شأن الآخرة التي البعث من شؤونها علماً مضطرباً أو جهلاً فخبطوا في شك ومرية، فأعقبهم عمى وضلالة بحيث إن هذه الانتقالات مندرجة متصاعدة حتى لو قيل: بل أدّارك علمهم في الآخرة فهم في شك منها فهم منها عمون لحصل المراد.

ولكن جاءت طريقة التدرج بالإضراب الانتقالي أجزل وأبهج وأروع وأدل على أن كلاً من هذه الأحوال المترتبة جدير بأن يعتبر فيه المعتبر باستقلاله لا بكونه متفرعاً على ما قبله، وهذا البيان هو ما أشرت إليه آنفاً عند الكلام على قراءة الجمهور ﴿ أدّارك ﴾ من خفاء توجيه الإضرابين اللذين بعد الإضراب الأول.

وضمائر جمع الغائبين في قوله ﴿ يشعرون، ويبعثون، علمهم، هم في شك، هم منها عمون ﴾ عائدة إلى (من) الموصولة في قوله تعالى ﴿ قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله ﴾ .

و(من) هذه وإن كانت من صيغ العموم فالضمائر المذكورة عائدة إليها بتخصيص عمومها ببعض من في الأرض وهم الذين يزعمون أنهم يعلمون الغيب من الكهان والعرّافين وسدنة الأصنام الذين يستقسمون للناس بالأزلام، وهو تخصيص لفظي من دلالة السياق وهو من قسم المخصص المنفصل اللفظي.

والخلاف الواقع بين علماء الأصول في اعتبار عود الضمير إلى بعض أفراد العام مخصصاً للعموم يقرب من أن يكون خلافاً لفظياً.

ومنه قوله تعالى ﴿ وبُعُولَتُهنّ أحقّ بردهن ﴾ [البقرة: 228] فإن ضمير ﴿ بعولتهن ﴾ عائد إلى المطلقات الرجعيات من قوله تعالى ﴿ والمطلقات يتربصن بأنفسهن ﴾ [البقرة: 228] الذي هو عام للرجعيات وغيرهن.

وبهذا تعلم أن التعبير ب ﴿ الذين كفروا ﴾ [النمل: 67] هنا ليس من الإظهار في مقام الإضمار لأن الذين كفروا أعم من ما صدق (من) في قوله ﴿ لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ: ﴿ بَلِ ادّارَكَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ ﴾ وفي صِفَةِ عِلْمِهِمْ بِهَذِهِ الصِّفَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها صِفَةُ ذَمٍّ فَعَلى هَذا في مَعْناهُ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: غابَ عَلَيْهِمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: لَمْ يُدْرَكْ عِلْمُهم، قالَهُ ابْنُ مُحَيْصِنٍ.

الثّالِثُ: اضْمَحَلَّ عِلْمُهم، قالَهُ الحَسَنُ.

الرّابِعُ: ضَلَّ عِلْمُهم وهو مَعْنى قَوْلِ قَتادَةَ.

فَهَذا تَأْوِيلُ مَن زَعَمَ أنَّها صِفَةُ ذَمٍّ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّها صِفَةُ حَمْدٍ لِعِلْمِهِمْ وإنْ كانُوا مَذْمُومِينَ فَعَلى هَذا في مَعْناهُ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أُدْرِكَ عِلْمُهم، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: اجْتَمَعَ عِلْمُهم، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّالِثُ: تَلاحَقَ عِلْمُهم، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ.

﴿ فِي شَكٍّ مِنها ﴾ يَعْنِي مِنَ الآخِرَةِ فَمَن جَعَلَ ما تَقَدَّمَ صِفَةَ ذَمٍّ لِعِلْمِهِمْ جَعَلَ نُقْصانَ عِلْمِهِمْ في الدُّنْيا فَلِذَلِكَ أفْضى بِهِمْ إلى الشَّكِّ في الآخِرَةِ، ومَن جَعَلَ ذَلِكَ صِفَةَ حَمْدٍ لِعِلْمِهِمْ جَعَلَ كَمالَ عِلْمِهِمْ في الآخِرَةِ فَلَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ أنْ يَكُونُوا في الدُّنْيا عَلى شَكٍّ في الآخِرَةِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج الطيالسي وسعيد بن منصور وأحمد وعبد بن حميد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن مسروق قال: كنت متكئاً عند عائشة فقالت عائشة: ثلاث من تكلم بواحدة منهن فقد أعظم على الله الفرية.

قلت: وما هن؟

قالت: من زعم أن محمداً رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية، قال: وكنت متكئاً فجلست، فقلت: يا أم المؤمنين أنظريني ولا تعجلي علي ألم يقل الله ﴿ ولقد رآه بالأفق المبين؟!..

﴾ ﴿ ولقد رآه نزلة أخرى ﴾ [ النجم: 13] فقالت: أنا أوّل هذه الأمة سأل عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال جبريل: لم أره على صورته التي خلق عليها غير هاتين المرتين.

رأيته منهبطاً من السماء.

ساد أعظم خلقه ما بين السماء إلى الأرض قالت: أو لم تسمع الله عز وجل يقول ﴿ لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير ﴾ [ الأنعام: 103] أو لم تسمع الله يقول ﴿ وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحياً ﴾ [ الشورى: 51] إلى قوله: ﴿ علي حكيم ﴾ .

ومن زعم أن محمداً كتم شيئاً من كتاب الله فقد أعظم على الله الفرية، والله جل ذكره يقول ﴿ يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك ﴾ إلى قوله: ﴿ والله يعصمك من الناس ﴾ [ المائدة: 67] قالت: ومن زعم أنه يخبر الناس بما يكون في غد فقد أعظم على الله الفرية، والله تعالى يقول ﴿ قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

وقوله: ﴿ قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ ﴾ يعني: الملائكة ﴿ وَالْأَرْضِ ﴾ يعني: الناس (١) ﴿ الْغَيْبَ ﴾ قال مقاتل: يعني الساعة ﴿ إِلَّا اللَّهُ ﴾ وحده ﴿ وَمَا يَشْعُرُونَ ﴾ يعني كفار مكة (٢) قال ابن عباس: يريد: هم ولا من اتخذوه عن دوني أولياء ﴿ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ﴾ متى يكون البعث (٣) (١) "تفسير مقاتل" 61 ب.

قالت عائشة  ا: ومن زعم أن رسول الله -  - يخبر بما يكون في غد فقد أعظم على الله الفرية، والله يقول: ﴿ قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ ﴾ .

أخرجه مسلم 1/ 159، رقم: 177.

وأخرجه ابن أبي حاتم 9/ 2913.

(٢) "تفسير مقاتل" 61 ب.

والساعة من الغيب.

قال ابن جرير 20/ 5: ﴿ الْغَيْبَ ﴾ الذي == استأثر الله بعلمه، وحجب عنه خلقه ..

والساعة من ذلك.

وجعل ابن جرير قوله تعالى: ﴿ وَمَا يَشْعُرُونَ ﴾ عامًا فقال: وما يدري من في السموات والأرض مِن خلقه، متى هم مبعوثون من قبورهم لقيام الساعة؟

(٣) "تنوير المقباس" 320.

وهو في "مجاز القرآن" 2/ 95.

و"غريب القرآن" لابن قتيبة 326.

و"تفسير الهواري" 3/ 262.

و"معاني القرآن" للزجاج 4/ 127، ولم ينسبوه.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ قُل لاَّ يَعْلَمُ مَن فِي السماوات والأرض الغيب إِلاَّ الله ﴾ هذه الآية تقتضي انفراد الله تعالى بعلم الغيب، وأنه لا يعلمه سواه، ولذلك قالت عائشة رضي الله عنها: من زعم أن محمداً يعلم الغيب فقد أعظم الفرية على الله، ثم قرأت هذه الآية، فإن قيل: فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يخبر بالغيوب وذلك معدود في معجزاته، فالجواب: أنه صلى الله عليه وسلم قال: «إني لا أعلم الغيب إلا ما عملني الله» ، فإن قيل: كيف ذلك مع ما ظهر من إخبار الكهان والمنجمين، وأشباههم، بالأمور المغيبة؟

فالجواب: أن إخبارهم بذلك عن ظن ضعيف أو عن وهم لا عن علم، وإنما اقتضت الآية نفي العلم، وقد قيل: إن الغيب في هذه الآية يراد به متى تقوم الساعة، لأن سبب نزولها أنهم سألوا عن ذلك، ولذلك قال: ﴿ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ﴾ ، فعلى هذا يندفع السؤال الأول، والثاني لأن علم الساعة انفرد به الله تعالى لقوله تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ الله ﴾ [الأحزاب: 63] ولقوله صلى الله عليه وسلم: «في خمس لا يعلمها إلا الله، ثم قرأ: ﴿ إِنَّ الله عِندَهُ عِلْمُ الساعة ﴾ إلى آخر السورة» ، فإن قيل: كيف قال: ﴿ إِلاَّ الله ﴾ بالرفع على البدل والبدل، لا يصح إلا إذا كان الاستثناء متصلاً، ويكون ما بعد إلا من جنس ما قبلها والله تعالى ليس ممن في السموات والأرض باتفاق؟

فإن القائلين بالجهة والمكان يقولون إنه فوق السموات والأرض، والقائلين بنفي الجهة يقولون: إن الله تعالى ليس بهما ولا فوقهما، ولا داخلاً فيهما، ولا خارجاً عنهما، فهو على هذا استثناء منقطع، فكان يجب أن يكون منصوباً فالجواب من أربعة أوجه: الأول أن البدل هنا جاء على لغة بني تميم في البدل، وإن كان منقطعاً كقولهم ما في الدار أحد إلا حمار بالرفع، والحمار ليس من الأحدين وهذا ضعيف، لأن القرآن أنزل بلغة الحجاز لا بلغة بني تميم، والثاني أن الله في السموات والأرض بعلمه كما قال: ﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ ﴾ [الحديد: 4] يعني بعلمه، فجاء البدل على هذا المعنى وهذا ضعيف، لأن قوله: ﴿ فِي السماوات والأرض ﴾ وقعت فيه لفظة في الظرفية الحقيقية، وهي في حق الله على هذا المعنى للظرفية المجازية، ولا يجوز استعمال لفظة واحدة في الحقيقة والمجاز في حالة واحدة عند المحققين، الجواب الثالث أن قوله: ﴿ مَن فِي السماوات والأرض ﴾ يراد به كل موجود فكأنه قال من في الوجود فيكون الاستثناء على هذا متصلاً، فيصح الرفع على البدل، وإنما قال ﴿ مَن فِي السماوات والأرض ﴾ جرياً على منهاج كلام العرب فهو لفظ خاص يراد به ما هو أعم منه: الجواب الرابع أن يكون الاستثناء متصلاً على أن يتأول من في السموات في حق الله كما يتأول قوله: ﴿ أَأَمِنتُمْ مَّن فِي السمآء ﴾ [الملك: 16] وحديث الجارية وشبه ذلك ﴿ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ﴾ أي لا يشعرون من في السموات والأرض متى يبعثون، لأنّ علم الساعة مما انفرقد به الله، روي أن سبب نزول هذه الآية أن قريشاً سألوا النبي صلى الله عليه وسلم متى الساعة؟

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ لتنبيه ﴾ على الجمع المخاطب وهكذا ﴿ لتقولن ﴾ : حمزة وعلي وخلف.

الباقون بالنون فيهما على التكلم ﴿ مهلك ﴾ بفتح الميم واللام: أبو بكر غير البرجمي وحماد والمفضل.

وقرأ حفص بفتح الميم وكسر اللام.

الباقون بضم الميم وفتح اللام والكل يحتمل المصدر والمكان والزمان ﴿ أنا دمرناهم ﴾ و ﴿ أن الناس ﴾ بالفتح فيهما: عاصم وحمزة وعلي وخلف وسهل ورويس ﴿ أئنكم ﴾ مذكور في "الأنعام" ﴿ يشكرون ﴾ بياء الغيبة: أبو عمرو وسهل ويعقوب وعاصم ﴿ أءله ﴾ مثل ﴿ أئنكم ﴾ ﴿ الريح ﴾ على التوحيد: ابن كثير وحمزة وعلي وخلف ﴿ يذكرون ﴾ بياء الغيبة: ابو عمرو وهشام.

الآخرون بتاء الخطاب ﴿ بل أدرك ﴾ بقطع الهمزة وسكون الدال: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب ويزيد المفضل ﴿ بل ادّرك ﴾ بهمزة موصولة ودال مشددة: الشموني.

الباقون مثله ولكن بألف بعد الدال.

الوقوف: ﴿ يختصمون ﴾ ه ﴿ الحسنة ﴾ ج لابتداء استفهام آخر مع اتحاد القائل.

﴿ ترحمون ﴾ ه ﴿ معك ﴾ ط ﴿ تفتنون ﴾ ه ﴿ ولا يصلحون ﴾ ه ﴿ لصادقون ﴾ ه ﴿ لا يشعرون ﴾ ه ﴿ مكرهم ﴾ ط لمن قرأ.

"إنا" بكسر الألف على الاستئناف.

﴿ أجمعين ﴾ ه ﴿ ظلموا ﴾ ط ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ يتقون ﴾ ه ﴿ تبصرون ﴾ ه ﴿ النساء ﴾ ط ﴿ تجهلون ﴾ ه ﴿ قريتكم ﴾ ج لاحتمال تقدير لام التعليل ﴿ يتطهرون ﴾ ه ﴿ إلا أمرأته ﴾ ز لاحتمال أن ما بعده مستأنف والأظهر أنه حال تقديره استثناء امرأته مقدرة ﴿ في الغابرين ﴾ ه ﴿ مطر المنذرين ﴾ ه ﴿ اصطفى ﴾ ط ﴿ يشكرون ﴾ ه ط لأن ما بعده استفهام متسأنف و"أم" منقطعة تقديره بل أمن خلق السموات خير أمّا يشركون وكذلك نظائره ﴿ ماء ﴾ ج للعدول مع اتحاد المقول ﴿ بهجة ﴾ ط ولاحتمال الحال أي وقد ورد ﴿ خيراً ﴾ ط ﴿ القتال ﴾ ط ﴿ عزيزاً ﴾ ه ج للآية والعطف ﴿ فريقاً ﴾ ه ج لاحتمال أن يكون ما بعده استئنافاً أو حالاً ﴿ تطؤها ﴾ ط ﴿ قديراً ﴾ ه ﴿ جميلاً ﴾ ه ﴿ عظيماً ﴾ ه ﴿ ضعفين ﴾ ط ﴿ يسيراً ﴾ ه مرتين لا لأن التقدير وقد أعتدنا ﴿ كريماً ﴾ ه ﴿ معروفاً ﴾ ج للعطف ﴿ ورسوله ﴾ ط ﴿ تطهيراً ﴾ ه لوقوع العوارض بين المعطوفين ﴿ والحكمة ﴾ ط ﴿ خبيراً ﴾ ه ﴿ عظيماً ﴾ ه ﴿ من أمرهم ﴾ ط ﴿ مبيناً ﴾ ه ﴿ الناس ﴾ ج لاحتمال ما بعده الاستئناف والحال ﴿ تخشاه ﴾ ط ﴿ منهن وطراً ﴾ ط ﴿ مفعولاً ﴾ ه ﴿ له ﴾ ط ﴿ من قبل ﴾ لا ﴿ مقدوراً ﴾ ه لا بناء على أن ﴿ الذين ﴾ وصف أو بدل ﴿ إلا الله ﴾ ط ﴿ حسيباً ﴾ ه ﴿ النبيين ﴾ ط ﴿ عليماً ﴾ ه.

التفسير: لما فرغ من توبيخ المنافقين حث جمع المكلفين على مواساة الرسول وموازرته كما واساهم بنفسه في الصبر على الجهاد والثبات في مداحض الأقدام.

والأسوة القدوة وهو المؤتسى به أي المقتدى به، فالمراد أنه في نفسه كما تقول في البيضة عشرون منا حديداً اي هي في نفسها هذا المبلغ من الحديد.

والمراد أن فيه خصلة هي المواساة بنفسه فمن حقها أن يؤتسى بها وتتبع.

قال في الكشاف: قوله ﴿ لمن كان ﴾ بدل من قوله ﴿ لكم ﴾ وضعف بأن بدل الكل لا يقع من ضمير المخاطب فالأظهر أنه وصفة الأسوة.

والرجاء بمعنى الأمل أو الخوف.

وقوله ﴿ يرجو الله واليوم الآخر ﴾ كقولك: رجوت زيداً وفضله أي رجوت فضل زيد، أو اريد يرجو ايام الله واليوم الآخر خصوصاً.

وقوله ﴿ وذكر ﴾ معطوف على ﴿ كان ﴾ وفيه أن المقتدي برسول الله  هو الذي واظب على ذكر الله وعمل ما يصلح لزاد المعاد.

ثم حكى أن ما ظهر من المؤمنين وقت لقاء الأحزاب خلاف حال المنافقين.

وقوله ﴿ هذا ﴾ إشارة إلى الخطب أو البلاء.

عن ابن عباس: كان النبي  قال لأصحابه: إن الأحزاب سائرون إليكم تسعاً أو عشراً اي في آخر تسع ليال أو عشر، فلما رأوهم قد اقبلوا للميعاد قالوا: هذا ما وعدنا الله ورسوله وقد وقع.

﴿ وصدق الله ورسوله ﴾ في كل وعد ﴿ وما زادهم إلا إيماناً ﴾ بمواعيده إلا فساد هم بقتل نبيهم.

والتقاسم التحالف فإن كان أمراً فظاهر وإن كان خبراً فمحله نصب بإضمار "قد" اي قالوا متقاسمين: والتبيت العزم على إهلاك العدوّ ليلاً.

وأشير على الإسكندر بالبيات فقال: ليس من آيين الملوك استراق الظفر.

قال في الكشاف" كأنهم اعتقدوا أنهم إذا بيتوا صالحاً وبيتوا أهله فجمعوا بين البياتين.

ثم قالوا لولاة دمه: ما شهدنا مهلك أهله فإذا ذكروا أحدهما كانوا صادقين لأنهم فعلوا البياتين جميعاً لا أحدهما.

قلت: إنما ارتكب هذا التكليف لأنه استقبح أن يأتي العاقل بالخبر على خلاف المخبر عنه.

يروى أنه كان لصالح مسجد في الحجر في شعب يصلي فيه فقالوا: زعم صالح أنه يفرغ منا إلى ثلاث، فنحن نفرغ منه ومن أهله قبل الثلاث، فخرجوا إلى الشعب مبادرين وقالوا: إذا جاء يصلي قتلناه ثم رجعنا إلى أهله فقتلناهم فهذا مكرهم، فبعث الله صخرة فطبقت عليهم فم الشعب فلم يدر قومهم أين هم ولم يدروا ما فعل بقومهم، وعذب الله كلاً في مكانه ونجى صالحاً ومن معه وهذا مكر الله.

وقيل: جاؤا بالليل شاهري سيوفهم وقد أرسل الله الملائكة فدمغوهم بالحجارة يرون الحجارة ولا يرون رامياً.

من قرأ ﴿ أنا دمرناهم ﴾ بالفتح فمرفوع المحل بدلاً من العاقبة أو خبراً لمحذوف أي هي تدميرهم، أو منصوب على أنه خبر "كان" أي كان عاقبة مكرهم الدمار، أو مجرور تقديره: لأنا وجوز في الكشاف على هذا التقدير أن يكون منصوباً بنزع الخافض.

وانتصب ﴿ خاوية ﴾ على الحال والعامل معنى الإشارة في تلك.

وإنما قال في هذه السورة ﴿ وأنجينا الذين آمنوا ﴾ موافقة لما بعده ﴿ فأنجيناه وأهله ﴾ ﴿ وأمطرنا ﴾ وكله على "أفعل".

وقال في "حم السجدة" ﴿ ونجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون  ﴾ موافقة لما قبله وما بعده وزينا وقيضنا والله أعلم.

القصة الخامسة قصة لوط ﴿ و ﴾ انتصب ﴿ لوطاً ﴾ بإضمار "اذكر" أو بما دل عليه ﴿ ولقد أرسلنا ﴾ و"إذ" بدل على الأول بمعنى مجرد الوقت ظرف على الثاني، و ﴿ يبصرون ﴾ إما من بصر الحاسة فكأنهم كانوا معلنين بتلك المعصية في ناديهم، أو أراد ترون آثار العصاة قبلكم، أو من بصر القلب والمراد تعلمون أنها فاحشة لم تسبقوا بمثلها، وعلى هذا فمعنى قوله ﴿ بل أنتم قوم تجهلون ﴾ أنكم تفعلون فعل الجاهلية بأنها فاحشة مع علمكم بذلك، أو اراد جهلهم بالعاقبة، أو اراد بالجهل السفاهة والمجانة التي كانوا عليها.

أو الخطاب في قوله ﴿ تجهلون ﴾ تغليب ولو قرئ بياء الغيبة نظراً إلى الموصوف وهو قوم لجاز من حيث العربية، وباقي القصة مذكور في "الأعراف" ﴿ قل الحمد لله ﴾ قيل: هو خطاب للوط  أن يحمد الله على هلاك كفار قومه ويسلم على من اصطفاه بالعصمة من الذنوب وبالنجاة من العذاب.

وقيل: أمر لنبينا  بالتحميد على الهالكين من كفار الأمم وبالتسليم على الأنبياء وأشياعهم الناجين، والأكثرون على أنه خطاب مستأنف لأنه صلى الله عيله وسلم كان كالمخالف لمن تقدمه من الأنبياء من حيث إن عذاب الاستئصال مرتفع عن قومه، فأمره الله  بأن يشكر ربه على هذه النعمة ويسلم على الأنبياء الذين صبروا على مشاق الرسالة.

ثم شرع في الدلالة على الوحدانية والرد على عبدة الأوثان، وفيه توقيف على أدب حسن وبعث على التيمن بالحمد والصلاة قبل الشروع في كل كلام يعتد به، ولذا توارثه العلماء خلفاً عن سلف فافتتحوا بهما أمام كل كتاب وخطبة، وعند التكلم بكل أمر له شأن.

قال جار الله: معنى الاستفهام "وأم" المتصلة في قوله ﴿ الله خير أمّا يشركون ﴾ إلزام وتبكيت وتهكم بحالهم وتنبيه على الخطأ المفرط والجهل المفرط؛ فمن المعلوم أنه لا خير فيما اشركوه أصلاً حتى يوازن بينه وبين من هو خالق كل خير ومالكه.

قلت: يحمل أن يكون هذا من قبيل الكلام المنصف.

عن رسول الله  أنه كان إذا قرأها قال: بل الله خير وأبقى وأجل وأكرم.

ثم عدل عن الاستفهام بذكر الذات إلى الاستفهام بذكر الصفات مبتدئاً بما هو أبين الحسيات فقال: ﴿ أمن خلق السموات ﴾ وإنما قال ههنا ﴿ وأنزل لكم ﴾ واقتصر في إبراهيم على قوله ﴿ وأنزل  ﴾ لأن لفظة ﴿ لكم ﴾ وردت هناك بالآخرة، وليس قوله ﴿ ما كان لكم ﴾ مغنياً عن ذكره لأنه نفي لا يفيد معنى الأول.

ومعنى الالتفات من الغيبة إلى التكلم في قوله ﴿ فأنبتنا ﴾ تأكيد معنى اختصاص الإنبات بذاته لأن الإنسان قد يتوهم أن له مدخلاً في ذلك من حيث الغرس والسقي.

والحدائق جمع حديقة البستان عليه حائط من الإحداق والإحاطة.

والبهجة الحسن والنضارة لأن الناظر يبتهج به.

وإنما لم يقل ذوات بهجة على الجمع لأن المعنى جماعة حدائق كما يقال: النساء ذهبت.

ومعنى ﴿ أءله مع الله ﴾ أغيره يقرن به ويجعل شريكاً له.

قال في الكشاف: قوله ﴿ بل هم ﴾ بعد الخطاب أبلغ في تخطئة رأيهم.

قلت: إنما تعين الغيبة ههنا لأن الخطاب في قوله ﴿ ما كان لكم ﴾ إنما هو لجميع الناس أي ما صح وما ينبغي للإنسان أن يتأتى منه الإنبات.

ولو قال بعد ذلك بل أنتم لزم أن يكون كل الناس مشركين وليس كذلك.

وقوله ﴿ يعدلون ﴾ من العدل أو من العدول اي يعدلون به غيره أو يعدلون عن الحق الذي هو التوحيد.

ثم شرع في الاستدلال بأحوال الأرض وما عليها.

والقرار المستقر اي دحاها وسواها بحيث يمكن الاستقرار عليها.

والحاجز البرزخ كما في "الفرقان".

ثم استدل بحاجة الإنسان إليه على العموم.

والمضطر الذي عراه ضر من فقر أو مرض فألجأه إلى التضرع إلى الله  ، وإنه افتعال من الضر.

وعن ابن عباس: هو المجهود.

وعن السدي: الذي لا حول له ولا قوة.

وقيل: هو المذنب ودعاؤه استغفاره.

والمضطر اسم جنس يصلح للكل وللبعض فلا يلزم من الآية إجابة جميع المضطرين، نعم يلزم الإجابة بشرائط الدعاء كما مر في "البقرة" وفي ادعوني وقوله ﴿ ويكشف السوء ﴾ كالبيان لقوله ﴿ يجيب المضطر ﴾ والخلافة في الأرض إما بتوارث السكنى وإما بالملك والتسلط وقد مر في آخر "الأنعام".

وقوله ﴿ قليلاً ما تذكرون ﴾ معناه تذكرون تذكراً قليلاً، ويجوز أن يراد بالقلة العدم.

ثم استدل لحاجة الناس وخصوصاً الهداية في البر والبحر بالعلامات وبالنجوم، ثم استدل باحوال المبدأ والمعاد وما بينهما وذلك أنهم كانوا معترفين بالإبداء ودلالة الإبداء على الإعادة دلالة ظاهرة فكأنهم كانوا مقرين بالإعادة أيضاً، فاحتج عليهم بذلك لذلك.

والرزق من السماء الماء ومن الأرض النبات.

واعلم أن الله  ذكر قوله ﴿ أءله مع الله ﴾ في خمس آيات على التوالي وختم الأولى بقوله ﴿ بل هم قوم يعدلون ﴾ ثم بقوله ﴿ بل أكثرهم لا يعلمون ﴾ ثم بقوله ﴿ قليلاً ما تذكرون ﴾ ثم بقوله ﴿ تعالى الله عما يشركون ﴾ ثم ﴿ هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين ﴾ والسر فيه أن أول الذنوب العدول عن الحق، ثم لم يعلموا ولو علموا ما عدلوا، ثم لم يتذكروا فيعلموا بالنظر والاستدلال فاشركوا من غير حجة وبرهان.

قل لهم يا محمد: هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين أن مع الله إلهاً آخر.

وحين بين اختصاصه بكمال القدرة أراد أن يبين اختصاصه بعلم الغيب.

قال في الكشاف: هذا على لغة بني تميم يرفعون المستثنى المنقطع على البدل إذا كان المبدل منه مرفوعاً يقولون: ما في الدار أحد إلا حمار كأن أحداً لم يذكر كقوله: وبلدة ليس بها أنيس *** إلا اليعافير وإلا العيس والمعنى إن كان الله ممن في السموات والأرض فهم يعلمون الغيب كما أن معنى البيت إن كانت اليعافير أنيساً ففيها أنيس بتاً للقول بخلوها عن الأنيس.

قلت: لقائل أن يقول: إن استثناء نقيض المقدم غير منتج فلا يلزم من استحالة كون الله  في كل مكان ممن في السموات والأرض أنهم لا يعلمون الغيب، ولا من امتناع كون اليعافير أنيساً القطع بخلوّ البلدة عن الأنيس.

وقال غيره: إن الاستثناء متصل لأن الله  في كل مكان بالعلم فيصح الرفع عند الحجازيين ايضاً.

وزيفه في الكشاف بأن كونه في السموات والأرض بالعلم مجاز، وكون الخلق فيهن حقيقة من حيث حصول ذواتهم في تلك الأحياز، ولا يصح أن يريد المتكلم بلفظ واحد حقيقة ومجازاً معاً.

وأجيب بأنا نحمل كون الخلق فيهن على المعنى المجازي أيضاً لأنهم أيضاً عالمون بتلك الأماكن لا أقل من العلم الإجمالي.

وضعفه في الكشاف بأن فيه إيهام تسوية بين الله وبين العبد في العلم وهو خروج عن الأدب.

ومن هنا قال  : "بئس خطيب القوم أنت" .

لمن قال: ومن يعصهما فقد غوى.

والحق أن وقوع اللفظ على الواجب وعلى الممكن بمعنى واحد لا بد أن يكون بالتشكيك إذ هو في الواجب أدل وأولى لا محالة، فهذا الوهم مدفوع عند العاقل ولا يلزم منه سوء الأدب، ولهذا جاز إطلاق العالم والرحيم والكريم ونحوهما على الواجب وعلى الممكن معاً من غير محذور شرعي ولا عقلي، وليس هذا كالجمع بين الضميرين إذا كان يمكن للقائل أن يفرق بينهما فيزداد الكلام جزالة وفخامة.

عن عائشة: من زعم أنه يعلم ما في غد فقد أعظم على الله الفرية والله  يقول ﴿ قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله ﴾ وعن بعضهم: أخفى غيبه عن الخلق ولم يطلع عليه أحداً لئلا يأمن الخلق مكره.

قال المفسرون: سال المشركون رسول الله  عن وقت الساعة فنزلت.

وأيان بمعنى متى.

إلا أنه لا يسأل به إلا عن أمر ذي بال وهو "فعال" من أن يئين فلو سمي به لانصرف، وحين ذكر أن العباد لا يعلمون الغيب ولا يشعرون البعث الكائن ووقته بين أن عندهم عجزاً آخر أبلغ منه وهو أنهم ينكرون الأمر الكائن مع أن عندهم أسباب معرفته فقال ﴿ بل ادّارك ﴾ أي تدارك.

ومن قرأ بغير الألف فهو "افتعل" من الدرك أي تتابع واستحكم.

ومعنى أدرك بقطع الهمزة انتهى وتكامل علمهم في الآخرة أي في شأنها ومعناها، ويمكن أن يكون وصفهم باستحكام العلم وتكامله تهكماً بهم كما يقول لأجل الناس: ما أعلمك.

وإذا لم يعرفوا نفس البعث يقيناً فلأن لا يعرفوا وقته أول.

ويحتمل أن تكون أدرك بمعنى انتهى وفني من قولهم "أدركت الثمرة" لأن تلك غايتها التي عندها تعدم.

وقد فسره الحسن باضمحل علمهم وتدارك من تدارك بنو فلان إذا تتابعوا في الهلاك، وصفهم أوّلاً بأنهم لا يشعرون وقت البعث ثم أضرب عن ذلك قائلاً إنهم لا يعلمون القيامة فضلاً عن وقتها ثم إن عدم العلم قد يكون مع الغفلة الكلية فأضرب عن ذلك قائلاً إنهم ليسوا غافلين بالكلية ولكنهم في شك ومرية، ثم إن الشك قد يكون بسبب عدم الدليل فأضرب عن ذلك قائلاً إنهم عمون عن إدراك الدليل مع وضوحه، وقد جعل الآخرة مبدأ أعمالهم ومنشأه فلهذا عداه بمن دون "عن" والضمائر تعود إلى من في السموات والأرض.

وذلك أن المشركين كانوا في جملتهم فنسب فعلهم إلى الجميع كما يقال: بنو فلان فعلوا.

وإنما فعله ناس منهم قاله في الكشاف.

قلت: قد تقدّم ذكر المشركين في قوله ﴿ بل هم قوم يعدلون ﴾ وغيره فلا حاجة إلى هذا التكلف ولو لم يتقدّم جاز للقرينة.

التأويل: ﴿ ولقد أرسلنا ﴾ صالح القلب بالإلهام الرباني إلى صفات القلب وهو الفريق المؤمن، وإلى النفس وصفاتها وهو الفريق الكافر.

والسيئة طلب الشهوات واللذات الفانية، والحسنة طلب السعادات الباقية.

وكان في مدينة القالب الإنساني ﴿ تسعة رهط ﴾ هم خواص العناصر الأربعة والحواس الخمس ﴿ يفسدون ﴾ في ارض القلب بإفساد الاستعداد الفطري ﴿ تقاسموا ﴾ بالموافقة على السعي في إهلاك القلب وصفاته وأن يقولوا لوليه وهو الحق  .

ما أهلكناهم وما حضرنا مع النفس الأمَّارة حين قصدت هلاكهم ﴿ ومكروا مكراً ﴾ في هلاك القلب بالهواجس النفسانية والوساوس الشيطانية ﴿ ومكرنا مكراً ﴾ بتوارد الواردات الربانية وتجلي صفات الجمال والجلال ﴿ وهم لا يشعرون ﴾ أن صلاحهم في هلاكهم.

فمن قتلته فأنا ديته ﴿ فانظر كيف كان عاقبة مكرهم ﴾ أنا أفنينا خواص التسعة وآفاتها وأفنينا قومهم أجميعن وهم النفس وصفاتها ﴿ فتلك بيوتهم ﴾ وهي القالب والأعضاء التي هي مساكن الحواس خالية عن الحواس المهلكة والآفات الغالبة ﴿ بما ظلموا ﴾ أي وضعوا من نتائج خواص العناصر وآفات الحواس في غير موضعها وهو القلب، وكان موضعها النفس بأمر الشارع لا بالطبع لصلاح القالب وبقائه ﴿ وأنجينا الذين آمنوا ﴾ وهم القلب وصفاته من شر النفس وصفاتها.

ولوط الروح ﴿ إذ قال لقومه ﴾ وهم القلب والسر والعقل عند تبدل أوصافهم بمجاورة النفس ﴿ أتأتون الفاحشة ﴾ وهي كل ما زلت به اقدامهم عن الصراط المستيم وأمارتها في الظاهر إتيان المناهي على وفق الطبع، وفي الباطن حب الدنيا وشهواتها ﴿ وأنتم تبصرون ﴾ تميزون الخير من الشر.

وإتيان الرجال دون النساء عبارة عن صرف الاستعداد فيما يبعد عن الحق لا فيما يقرب منه ﴿ فما كان جواب قومه ﴾ وهم القلب المريض بتعلق حب الدنيا والسر المكدر بكدورات الرياء والنفاق والعقل المشوب بآفة الوهم والخيال ﴿ أخرجوا ﴾ الصفات الروحاينة من قرية الشخص الإنساني ﴿ إنهم أناس يتطهرون ﴾ من لوث الدنيا وشهواتها ﴿ فأنجيناه وأهله ﴾ وهم السر والعقل وصفاتهما من عذاب تعلق الدنيا ﴿ إلا امرأته ﴾ وهي النفس الأمارة بالسوء ﴿ وأمطرنا ﴾ على النفس وصفاتها مطراً بترك الشهوات ﴿ فساء مطر المنذرين ﴾ أي صعب فإِن الفطام من المألوفات شديد وهذه حالة مستدعية للحمد والشكر فلهذا قال ﴿ قل الحمد لله وسلام ﴾ من تعلقات الكونين وآفات الوجود المجازي ﴿ على عباده ﴾ ﴿ أمن خلق ﴾ سموات القلوب وأرض النفوس وأنزل من سماء القلب ماء نظر الرحمة ﴿ فأنبتنا به حدائق ﴾ من العلوم والمعاني والأسرار ﴿ أءله مع الله ﴾ من الهوى ﴿ أمن جعل ﴾ أرض النفس ﴿ قراراُ ﴾ في الجسد ﴿ وجعل خلالها أنهاراً ﴾ من دواعي البشرية ﴿ وجعل لها رواسي ﴾ من القوى والحواس ﴿ وجعل بين ﴾ بحر الروح وبحر النفس ﴿ حاجزاً ﴾ القلب فإن في اختلاطهما فساد حالهما ﴿ أءله مع الله ﴾ كما زعمت الطبائعية ﴿ أمن يجيب المضطر إذا دعاه ﴾ في العدم بلسان الحال ﴿ ويجعلكم ﴾ مستعدين لخلافته في الأرض ﴿ أءله مع الله ﴾ كما يزعم أرباب الحلول والاتحاد ﴿ أمن يهديكم في ظلمات ﴾ بر البشرية وبحر الروحانية وإن كانت الروحانية نورانية بالنسبة إلى ظلمة البشرية والمراد يهديكم بإخراجكم من ظلمات البشرية إلى نور الروحانية، ومن ظلمات خلقته الروحانية إلى نور الربوبية وذلك حين يرسل رياح العناية بين يدي سحاب الهداية ﴿ أءله مع الله ﴾ كما يقول المنجمون: مطرنا بنوء كذا.

وكما يقوله قاصروا النظر: هدانا الشيخ والمعلم إلى كذا ﴿ من يبدأ الخلق ﴾ بالوجود المجازي ﴿ ثم يعيده ﴾ بالوجود الحقيقي إلى عالم الوحدة ﴿ ومن يرزقكم ﴾ من سماء الربوبية لتربية الأرواح ومن أرض بشرية الأشباح ﴿ أءله مع الله ﴾ كائناً من كان دليله أنه لا يعلم الغيب إلا هو ومن جملته علم قيام الساعة والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ قُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ﴾ أمر نبيه بالحمد له والثناء عليه على هلاك أعداء الرسل الخالية.

ثم قال: ﴿ وَسَلاَمٌ عَلَىٰ عِبَادِهِ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَىٰ ﴾ وهم الرسل والأنبياء، صلوات الله عليهم.

وجائز أن يكون أمره إياه بالحمد له والثناء عليه لما أنعم عليه من أنواع النعم، منها ما ذكر من هلاك أعداء الرسل وإبقاء أوليائهم؛ تخويفاً لأعداء رسول الله  أن يهلكوا كما أهلك أعداء الرسل الخالية.

أو أن يكون أمره إياه بالحمد له والثناء عليه؛ لما أنعم عليه في نفسه من أنواع النعم من النبوة والرسالة والهداية ونحوه، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَسَلاَمٌ عَلَىٰ عِبَادِهِ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَىٰ ﴾ : يحتمل الرسل؛ كقوله: ﴿ وَسَلاَمٌ عَلَىٰ ٱلْمُرْسَلِينَ  ﴾ .

ويحتمل الأمر بالسلام على أصحابه وجميع المؤمنين؛ كقوله: ﴿ وَإِذَا جَآءَكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَٰمٌ عَلَيْكُمْ  ﴾ ، أمر رسوله بالسلام على المرسلين وعلى أصحابه وعلى المؤمنين.

ثم في قوله: ﴿ ٱصْطَفَىٰ ﴾ دلالة: أن لا أحد يستوجب الصفوة إلا بالله؛ حيث قال: ﴿ ٱصْطَفَىٰ ﴾ .

وقوله: ﴿ ءَآللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ أي: الذي فعل هذا بالأمم الخالية من الهلاك للأعداء وإبقاء الرسل والأولياء، أم الأصنام التي تشركون في عبادته، وهي لا تملك شيئاً من ذلك؟

يقول - والله أعلم -: إنكم تعلمون أن الله يملك ما ذكر من إهلاك أعدائه وإبقاء رسله، والأصنام التي تعبدونها دونه لا تملك شيئاً، فكيف تشركونها في ألوهيته؟!

وإلا لم يذكر جواب قوله: ﴿ ءَآللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ جوابه أن يقولوا: بل الله خير.

وكذلك روي في الخبر عن رسول الله  - إن ثبت -: أنه كان إذا قرأ هذه الآية، قال: "بل الله خير وأبقى وأجل وأكرم" وقوله: ﴿ أَمَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَآئِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ ﴾ : يذكرهم بهذا؛ لوجهين: أحدهما: يذكر قدرته وسلطانه في خلق ما ذكر من السماوات والأرض، وإنزال الماء من السماء، وإنبات النبات من الأرض، وإخراجه على إقرارهم أن الله خالق ذلك لا غيره، فيقول: فإذا علمتم أن الله هو خالق ذلك كله، فكيف أشركتم غيره ممن لا يملك ذلك، ولا يقدر في تسمية الإلهية والعبادة؟!

والثاني: يخبر عن اتساق الأمور والتدبير فيهما جميعاً، واتصال منافع أحدهما بالآخر، على تباعد ما بينهما؛ ليعلم أن منشئهما ومدبرهما واحد لا عدد، فإذا عرفتم ذلك فكيف أشركتم غيره فيهما؟!

وهو كقوله: ﴿ لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا  ﴾ .

وهذا الحرف على الثنوية والدهرية وهؤلاء لقولهم بالعدد وإنكارهم الواحد، والأول على المقرين بالواحد إلا أنهم أشركوا الأصنام في التسمية والعبادة.

وقوله: ﴿ حَدَآئِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ ﴾ : قال بعضهم: الحدائق: الحيطان، والبساتين: ما دون الحيطان.

وقال بعضهم: الحدائق: الحوائط التي خصت بالأشجار، والبساتين: هي الملتفة بها.

وقال أبو عوسجة: الحدائق: البساتين والرياض، والحديقة: الروضة.

وقال القتبي: الحدائق: البساتين واحدها: حديقة، سميت بذلك لأنها تحدق بها، أي: تحيط ﴿ ذَاتَ بَهْجَةٍ ﴾ : حسن المنظر.

وجائز أنها سميت ذات بهجة لما يبتهج صاحبها إذا نظر إليها ويسر.

وقوله: ﴿ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُواْ شَجَرَهَا ﴾ أي: ما تقدرون أنتم أن تنبتوا شجرها، فمن هو دونكم أشد وأبعد؛ فكيف أشركتم في العبادة وتسمية الإلهية من هو دونكم في كل شيء؟!

وقوله: ﴿ أَإِلَـٰهٌ مَّعَ ٱللَّهِ ﴾ أي: لا إله مع الله.

﴿ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ ﴾ : يحتمل هذا وجهين: [أحدهما]: يحتمل ﴿ يَعْدِلُونَ ﴾ أي: يجعلون من لا يملك ما ذكر عديلا لله.

والثاني: ﴿ يَعْدِلُونَ ﴾ أي: يعدلون على الله، ويميلون إلى غيره من العدول، والله أعلم.

﴿ أَمَّن جَعَلَ ٱلأَرْضَ قَرَاراً ﴾ : يقرون عليها، ويتعيشون فيها ويبيتون، ﴿ وَجَعَلَ خِلاَلَهَآ أَنْهَاراً ﴾ : ينتفعون بها أنواع المنافع ويشربون، ﴿ وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ ﴾ ، أي: الجبال لئلا تميد بهم، ﴿ وَجَعَلَ بَيْنَ ٱلْبَحْرَيْنِ حَاجِزاً ﴾ : قال بعضهم: جعل بين بحر فارس والروم جزيرة العرب حاجزاً، وسميت: جزيرة؛ لما جزر الماء فيها، أي: ذهب.

وقال بعضهم: بحر الشام وبحر العراق.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ وَجَعَلَ بَيْنَ ٱلْبَحْرَيْنِ حَاجِزاً ﴾ بين العذب والمالح حاجزاً بلطفه، لا يختلط هذا بهذا ولا هذا بهذا؛ لطفاً منه، يذكرهم نعمه عليهم ولطفه: أن كيف أشركتم في عبادته وألوهيته من لا يملك ذلك، وصرفتم شكرها إلى غير المنعم؟!

﴿ أَإِلَـٰهٌ مَّعَ ٱلله ﴾ أي: لا إله مع الله.

﴿ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ : لأن من لا ينتفع بما يعلم فكأنه جاهل، نفى عنهم العلم لتركهم الانتفاع به؛ كما نفى عنهم السمع والبصر واللسان والعقل؛ لتركهم الانتفاع بهذه الجوارح والحواس، وإن كانت لهم هذه الجوارح؛ فعلى ذلك جائز نفي العلم عنهم لتركهم الانتفاع به.

والثاني: ﴿ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ لما لا يتكلفون النظر فيما ذكر، أو لا يعلمون أن بينهما حاجزا، والله أعلم.

وقوله: ﴿ أَمَّن يُجِيبُ ٱلْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ ٱلسُّوۤءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَآءَ ٱلأَرْضِ ﴾ : يخرج على الصلة بقوله: ﴿ ءَآللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ ؛ كأنه يقول: من يملك إجابة المضطر وكشف السوء عنه وجعلكم الخلفاء في الأرض خير، أمّن لا يملك من ذلك شيئاً؟

فجواب ذلك أن يقولوا: بل الذي يملك ذلك خير ممن لا يملك ولا يقدر على ذلك.

أو يخرج على الوجهين اللذين ذكرتهما: أحدهما: أنكم تعلمون أن الذي يجيب المضطر ويكشف السوء هو الله  ، لا الأصنام التي تعبدونها، فكيف أشركتموها في الألوهية والعبادة؟!

والثاني: أنه إذا أجاب دعوة المضطر وكشف السوء والأحزان ومنع؛ فدل بقاء ذلك كله واتساق الأمر أنه واحد لا شريك له؛ فهذا على الثنوية، والأوّل على المشركين؛ لإشراكهم غيره في العبادة له وتسيمته الإله.

وقوله: ﴿ أَإِلَـٰهٌ مَّعَ ٱلله ﴾ أي: لا إله مع الله ﴿ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ ﴾ .

وعلى ذلك يخرج قوله: ﴿ أَمَّن يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ وَمَن يُرْسِلُ ٱلرِّيَاحَ بُشْرَاً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ ﴾ على الوجوه التي ذكرناها؛ وكذلك قوله: ﴿ أَمَّن يَبْدَؤُاْ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعيدُهُ وَمَن يَرْزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وٱلأَرْضِ ﴾ أي: من يقدر على ما تقدم ذكره يملك البعث بعد الموت وإحياءكم؛ يلزمهم البعث بهذا أي: من يقدر [على] هذا يقدر [على] ما ذكر.

﴿ أَإِلَـٰهٌ مَّعَ ٱلله ﴾ أي: لا إله مع الله، بل الله هو المتفرد بذلك دون من يعبدون ويشركون.

وقوله: ﴿ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ ﴾ أي: من لج في هذا أو أنكر ذلك وادعى الشرك فيه لغيره، ﴿ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾ في مقالتكم.

وقوله: ﴿ بُشْرَاً ﴾ من البشارة و"نُشْراً" بالنون من التفريق والرفع.

وقوله: ﴿ خُلَفَآءَ ٱلأَرْضِ ﴾ : يخلفون من قبلهم من الأمم؛ قال أبو معاذ: وواحد خلفاء خليف، وواحد الخلائف خليفة، والخليف من الخالف كالعليم من العالم.

وقوله: ﴿ أَإِلَـٰهٌ مَّعَ ٱلله ﴾ يقول - والله أعلم - يفعل ذلك، أي يرزقكم، وينزل لكم من السماء ماء، وينبت من الأرض ما تأكلون، ويرعى أنعامكم، أو مع الله إله يهديكم في ظلمات البر والبحر، ويرسل لكم الريح بشراً، أو يجيب المضطر ويكشف السوء عنه، وكل ما ذكر، أي: ليس معه إله سواه، بل الله يفعل ذلك وحده، فكيف أشركتم غيره في إلهيته وعبادته، على علم منكم أن الذي تعبدون من دونه لا يملك شيئاً أن يفعل ذلك بكم؟!

يذكر سفههم وقلة بصرهم ومعرفتهم.

ثم قال: ﴿ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ ﴾ أن مع الله إلهاً فعل ذلك بكم ﴿ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾ .

ثم قال: ﴿ قُل لاَّ يَعْلَمُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوٰتِ وٱلأَرْضِ ٱلْغَيْبَ إِلاَّ ٱللَّهُ ﴾ : كأنه قال - والله أعلم - لرسوله: قل لا يعلم ممن تعبدون من أهل السماوات ومن في الأرض الغيب إلا الله؛ لأن بعضهم كان يعبد أهل السماوات وهم الملائكة، وبعضهم كانوا يعبدون من في الأرض؛ يقول: لا يعلم ممن تعبدون من دون الله من في السماوات والأرض الغيب، إنما يعلم الغيب الله.

ثم قوله: ﴿ ٱلْغَيْبَ ﴾ يخرج على وجهين: أحدهما: ما يغيب بعضهم من بعض؛ يقول: ما يغيب بعضهم من بعض فهو يعلم ذلك.

والثاني: لا يعلم الغيب إلا الله، أي: ما كان وما يكون إلى أبد الآبدين لا يعلم ذلك إلا الله وإن أعلموا وعلموا ذلك.

ومنهم من صرف الغيب إلى البعث والساعة، يقول: لا يعلم الساعة أحد متى تكون إلا الله.

وقوله: ﴿ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ﴾ : قال أهل التأويل: وما يشعر أهل مكة متى يبعثون، لكن لو كان الجهل عن وقت البعث، فأهل مكة وغيرهم من أهل السماوات وأهل الأرض في جهلهم بوقت البعث شرعاً سواء، لا أحد يعلم مِن أهل السماوات والأرض أنه متى يبعث، إلا أن تكون الآية في منكري البعث، فحينئذ جائز صرفه إلى بعض دون بعض، فأما في وقت البعث فالناس في جهلهم بوقت البعث سواء، وهو ما قال في آية أخرى: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَٰهَا...

﴾ الآية [الأعراف: 187]، أخبر أنه لم يطَّلِعْ أحد على علم ذلك عند الله.

وقوله: ﴿ بَلِ ٱدَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِّنْهَا بَلْ هُم مِّنْهَا عَمُونَ ﴾ : اختلف في قراءته وتأويله.

أما القراءة: فإنه قرأ بعضهم: ﴿ ٱدَّارَكَ ﴾ بالتشديد والألف.

وقرأ بعضهم: ﴿ ادَّرَكَ ﴾ بإسقاط الألف والتشديد.

وقرأ بعضهم: ﴿ بلي ﴾ بإثبات الياء في ﴿ بلى ﴾ ، على الوقف عليها، و ﴿ أَأَدّرَكَ ﴾ على الاستفهام: ﴿ بلى أَأَدَّرَكَ ﴾ .

ومنهم من قرأ على الاستفهام: ﴿ آدْرَكَ ﴾ على غير إثبات الياء في حرف ﴿ بَل ﴾ وعلى غير قطع منه.

فمن قرأ: ﴿ ٱدَّارَكَ ﴾ بالتشديد على غير الاستفهام، يقول: معناه: تدارك واجتمع، أي: تدارك علمهم في الآخرة، يقول: أبلغ علمهم بالآخرة.

أي: لم يدرك ولم يبلغ علمهم، ﴿ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِّنْهَا بَلْ هُم مِّنْهَا عَمُونَ ﴾ ، يسفههم ويجهلهم، يقول: ما بلغ علمهم بالآخرة.

وقال بعضهم: ﴿ بَلِ ٱدَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ ﴾ ، أي: أم ادَّارك علمهم.

وقال بعضهم: ﴿ ٱدَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ ﴾ ، أي: خاب علمهم عن الآخرة، وادّرك في الآخرة حين لم ينفعهم.

وعن الحسن: قال: ﴿ بَلِ ٱدَّارَكَ عِلْمُهُمْ ﴾ ، أي: اضمحل علمهم وذهب، وعن ابن عباس وغيره قالوا: ﴿ بَلِ ٱدَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ ﴾ ، بل أجمع علمهم بأن الآخرة كائنة، وهم مشركو العرب.

﴿ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِّنْهَا ﴾ قال: يقولون مرة: الآخرة كائنة ثم يشكون فيها فيقولون: ما ندري أكائنة أم لا؟

﴿ بَلْ هُم مِّنْهَا عَمُونَ ﴾ يعني: جهلة بها.

وجائز أن يسمى الشاك في شيء: عَمِيّاً.

وأبو عوسجة والقتبي يقولان: ﴿ ٱدَّارَكَ عِلْمُهُمْ ﴾ أي: تدارك ظنهم في الآخرة، وتتابع في القول.

﴿ بَلْ هُم مِّنْهَا عَمُونَ ﴾ أي: من علمها.

وقال بعضهم من أهل الأدب: لا تستقيم قراءة من قرأ بإثبات الياء في ﴿ بلى ﴾ والصلة بالأول؛ لأن (بلى) بالياء إنما يقال في الإيجاب والإثبات، وما تقدم من الكلام هو على الإنكار والنفي، وذلك غير مستقيم في اللغة والكلام.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

قل -أيها الرسول-: لا يعلم الغيب من في السماوات من الملائكة، ولا من في الأرض من الناس، لكن الله هو الَّذي يعلمه، وما يعلم جميع من في السماوات ومن في الأرض متى يُبْعثون للجزاء إلا الله.

<div class="verse-tafsir" id="91.J8jb0"

مزيد من التفاسير لسورة النمل

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 13 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 14.4 / 29.5
الإضاءة 100%
البدر بعد 0 يوم
الله أكبر