الإسلام > القرآن > سور > سورة 27 النمل > الآية ٩١ من سورة النمل
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 64 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٩١ من سورة النمل: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها.
يقول تعالى مخبرا رسوله وآمرا له أن يقول : ( إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها وله كل شيء ) ، كما قال : ( قل يا أيها الناس إن كنتم في شك من ديني فلا أعبد الذين تعبدون من دون الله ولكن أعبد الله الذي يتوفاكم ) [ يونس : 104 ] .
وإضافة الربوبية إلى البلدة على سبيل التشريف لها والاعتناء بها ، كما قال : ( فليعبدوا رب هذا البيت .
الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف ) [ قريش : 3 ، 4 ] .
وقوله : ( الذي حرمها ) أي : الذي إنما صارت حراما قدرا وشرعا بتحريمه لها ، كما ثبت في الصحيحين عن ابن عباس قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم فتح مكة : " إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السموات والأرض ، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة ، لا يعضد شوكه ، ولا ينفر صيده ، ولا يلتقط لقطته إلا من عرفها ، ولا يختلى خلاها " الحديث بتمامه .
وقد ثبت في الصحاح والحسان والمسانيد من طرق جماعة تفيد القطع ، كما هو مبين في موضعه من كتاب الأحكام ، ولله الحمد .
وقوله : ( وله كل شيء ) : من باب عطف العام على الخاص ، أي : هو رب هذه البلدة ، ورب كل شيء ومليكه ، ( وأمرت أن أكون من المسلمين ) أي : الموحدين المخلصين المنقادين لأمره المطيعين له .
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: يا محمد قل ( إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ ) وهي مكة (الَّذِي حَرَّمَهَا ) على خلقه أن يسفكوا فيها دما حراما, أو يظلموا فيها أحدا, أو يصاد صيدها, أو يختلى خلاها دون الأوثان التي تعبدونها أيها المشركون.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
*ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قوله: (إنما أمرت أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا ) يعني: مكة.
وقوله: ( وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ ) يقول: ولرب هذه البلدة الأشياء كلها ملكا.
فإياه أمرت أن أعبد, لا من لا يملك شيئا.
وإنما قال جلّ ثناؤه: ( رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا ) فخصها بالذكر دون سائر البلدان, وهو ربّ البلاد كلها, لأنه أراد تعريف المشركين من قوم رسول الله صلى الله عليه وسلم, الذين هم أهل مكة, بذلك نعمته عليهم, وإحسانه إليهم, وأن الذي ينبغي لهم أن يعبدوه هو الذي حرّم بلدهم, فمنع الناس منهم, وهم في سائر البلاد يأكل بعضهم بعضا, ويقتل بعضهم بعضا, لا من لم تجر له عليهم نعمة, ولا يقدر لهم على نفع ولا ضرّ.
وقوله: ( وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ) يقول: وأمرني ربي أن أسلم وجهي له حنيفا, فأكون من المسلمين الذين دانوا بدين خليله إبراهيم وجدكم أيها المشركون, لا من خالف دين جدّه المحق, ودان دين إبليس عدوّ الله.
قوله تعالى : إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها يعني مكة التي عظم الله حرمتها ; أي جعلها حرما آمنا ; لا يسفك فيها دم ، ولا يظلم فيها أحد ، ولا يصاد فيها صيد ، ولا يعضد فيها شجر ; على ما تقدم بيانه في غير موضع .
وقرأ ابن عباس : ( التي حرمها ) نعتا للبلدة وقراءة الجماعة ( الذي ) وهو في موضع نصب ، نعت ل ( رب ) ولو كان بالألف واللام لقلت : ( المحرمها ) فإن كانت نعتا للبلدة قلت ( المحرمها هو ) لا بد من إظهار المضمر مع الألف واللام ; لأن الفعل جرى على غير من هو له ; فإن قلت : الذي حرمها .
لم تحتج أن تقول : هو .
وله كل شيء خلقا وملكا وأمرت أن أكون من المسلمين أي من المنقادين لأمره ، الموحدين له
أي: قل لهم يا محمد { إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ } أي: مكة المكرمة التي حرمها وأنعم على أهلها فيجب أن يقابلوا ذلك بالشكر والقبول.
{ وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ } من العلويات والسفليات أتى به لئلا يتوهم اختصاص ربوبيته بالبيت وحده.
{ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ } أي: أبادر إلى الإسلام، وقد فعل صلى الله عليه وسلم فإنه أول هذه الأمة إسلاما وأعظمها استسلاما.
قوله تعالى : ( إنما أمرت ) يقول الله لرسوله - صلى الله عليه وسلم - قل إنما أمرت ، (أن أعبد رب هذه البلدة ) يعني : مكة ، ( الذي حرمها ) جعلها الله حرما آمنا ، لا يسفك فيها دم ، ولا يظلم فيها أحد ، ولا يصاد صيدها ، ولا يختلى خلاها ، ( وله كل شيء ) خلقا وملكا ، ( وأمرت أن أكون من المسلمين ) لله .
«إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة» أي مكة «الذي حرمها» جعلها حرماً آمناً لا يسفك فيها دم إنسان ولا يظلم فيها أحد ولا يصاد صيدها ولا يختلى خلاها، وذلك من النعم على قريش أهلها في رفع الله عن بلدهم العذاب والفتن الشائعة في جميع بلاد العرب «وله» تعالى «كل شيء» فهو ربه وخالقه ومالكه «وأمرت أن أكون من المسلمين» لله بتوحيده.
قل -أيها الرسول- للناس: إنما أُمرت أن أعبد رب هذه البلدة، وهي "مكة"، الذي حَرَّمها على خلقه أن يسفكوا فيها دمًا حرامًا، أو يظلموا فيها أحدًا، أو يصيدوا صيدها، أو يقطعوا شجرها، وله سبحانه كل شيء، وأُمرت أن أعبده وحده دون مَن سواه، وأُمرت أن أكون من المنقادين لأمره، المبادرين لطاعته، وأن أتلو القرآن على الناس، فمن اهتدى بما فيه واتبع ما جئت به، فإنما خير ذلك وجزاؤه لنفسه، ومن ضلَّ عن الحق فقل -أيها الرسول-: إنما أنا نذير لكم من عذاب الله وعقابه إن لم تؤمنوا، فأنا واحد من الرسل الذين أنذروا قومهم، وليس بيدي من الهداية شيء.
ثم يأمر الله - تعالى - نبيه أن يعلن للناس منهجه فى دعوته فيقول : ( إِنَّمَآ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ البلدة الذي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيءٍ .
.
) .والمراد بالبلدة الذى حرمها : مكة المكرمة التى عظم الله - تعالى - حرمتها ، فجعلها حرما آمنا ، لا يسفك فيها دم ، ولا يصاد فيها صدم ، ولا يعضد فيها شجر .
وقوله : ( الذي حَرَّمَهَا ) صفة للرب .وخصت مكة بالذكر : تشريفا لها ، ففيها البيت الحرام الذى هو أول بيت وضع فى الأرض .أى : قل - أيها الرسول الكريم - للناس : إن الله - تعالى - أمرنى أن أخلص لله - سبحانه - عبادتى ، فهو رب البلد الحرام مكة ، ورب كل شىء ، وله جميع ما فى هذا الكون خلقا ، وملكا ، وتصرفا .
اعلم أنه سبحانه وتعالى لما بين المبدأ والمعاد والنبوة ومقدمات القيامة وصفة أهل القيامة من الثواب والعقاب، وذلك كمال ما يتعلق ببيان أصول الدين ختم الكلام بهذه الخاتمة اللطيفة فقال: قل يا محمد إني أمرت بأشياء: الأول: أني أمرت أن أخص الله وحده بالعبادة ولا أتخذ له شريكاً، وأن الله تعالى لما قدم دلائل التوحيد فكأنه أمر محمداً بأن يقول لهم هذه الدلائل التي ذكرتها لكم إن لم تفد لكم القول بالتوحيد فقد أفادت لي ذلك فسواء قبلتم هذه الدعوة أو أعرضتم عنها، فإني مصر عليها غير مرتاب فيها ثم إنه وصف الله تعالى بأمرين: أحدهما: أنه رب هذه البلدة والمراد مكة وإنما اختصها من بين سائر البلاد بإضافة اسمه إليها لأنها أحب بلاده إليه وأكرمها عليه وأشار إليها إشارة تعظيم لها دالاً على أنها موطن نبيه ومهبط وحيه.
أما قوله: ﴿ الذى حَرَّمَهَا ﴾ فقرئ (التي حرمها)، وإنما وصفها بالتحريم لوجوه: أحدها: أنه حرم فيها أشياء على من يحج.
وثانيها: أن اللاجيء إليها آمن.
وثالثها: لا ينتهك حرمتها إلا ظالم ولا يعضد شجرها ولا ينفر صيدها وإنما ذكر ذلك لأن العرب كانوا معترفين بكون مكة محرمة وعلموا أن تلك الفضيلة ليست من الأصنام بل من الله تعالى، فكأنه قال لما علمت وعلمتم أنه سبحانه هو المتولي لهذه النعم وجب عليَّ أن أخصه بالعبادة.
وثانيها: وصف الله تعالى بقوله: ﴿ وَلَهُ كُلُّ شَيء ﴾ وهذا إشارة إلى ما تقدم من الدلائل المذكورة في هذه السورة على التوحيد من كونه تعالى خالقاً لجميع النعم فأجمل هاهنا تلك المفصلات، وهذا كمن أراد صفة بعض الملوك بالقوة فيعد تلك التفاصيل ثم بعد التطويل يقول إن كل العالم له وكل الناس في طاعته الثاني: أمر بأن يكون من المسلمين الثالث: أمر بأن يتلو القرآن عليهم، ولقد قام بكل ذلك صلوات الله عليه أتم قيام فمن اهتدى في هذه المسائل الثلاث المتقدمة وهي التوحيد والحشر والنبوة ﴿ فَإِنَّمَا يَهْتَدِى لِنَفْسِهِ ﴾ أي منفعة اهتدائه راجعة إليه ﴿ وَمَن ضَلَّ ﴾ فلا علي وما أنا إلا رسول منذر، ثم إنه سبحانه ختم هذه (السورة) بخاتمة في نهاية الحسن وهي قوله: ﴿ وَقُلِ الحمد لِلَّهِ ﴾ على ما أعطاني من نعمة العلم والحكمة والنبوة أو على ما وفقني من القيام بأداء الرسالة وبالإنذار ﴿ سَيُرِيكُمْ ءاياته ﴾ القاهرة ﴿ فَتَعْرِفُونَهَا ﴾ لكن حين لا ينفعكم الإيمان ﴿ وَمَا رَبُّكَ بغافل عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾ لأنه من وراء جزاء العاملين، والله أعلم.
تم تفسير السورة والحمد لله رب العالمين، وصلاته على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه أجمعين على أزواجه الطاهرات أمهات المؤمنين والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
أمر رسوله بأن يقول: ﴿ أُمِرْتُ ﴾ أن أخص الله وحده بالعبادة، ولا أتخذ له شريكاً كما فعلت قريش، وأن أكون من الحنفاء الثابتين على ملة الإسلام ﴿ وَأَنْ أَتْلُوَاْ القرءان ﴾ من التلاوة أو من التلوّ كقوله: ﴿ واتبع مَا يوحى إِلَيْكَ ﴾ [يونس: 109] ، [الأحزاب: 2] .
والبلدة: مكة حرسها الله تعالى: اختصها من بين سائر البلاد بإضافة اسمه إليها؛ لأنها أحبّ بلاده إليه، وأكرمها عليه؛ وأعظمها عنده.
وهكذا قال النبي صلى الله عليه وسلم حين خرج في مهاجره، فلما بلغ الحزورة استقبلها بوجهه الكريم فقال: «إني أعلم أنك أحب بلاد الله إلى الله.
ولولا أن أهلك أخرجوني ما خرجت» وأشار إليها إشارة تعظيم لها وتقريب، دالاً على أنها موطن نبيه ومهبط وحيه.
ووصف ذاته بالتحريم الذي هو خاص وصفها، فأجزل بذلك قسمها في الشرف والعلو، ووصفها بأنها محرّمة لا ينتهك حرمتها إلا ظالم مضادّ لربه ﴿ وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادِ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ [الحج: 25] لا يختلى خلاها، ولا يعضد شجرها، ولا ينفر صيدها.
واللاجئ إليها آمن.
وجعل دخول كل شيء تحت ربوبيته وملكوته كالتابع لدخولها تحتهما.
وفي ذلك إشارة إلى أن ملكاً ملك مثل هذه البلدة عظيم الشأن قد ملكها وملك إليها كل شيء: اللهم بارك لنا في سكناها، وآمنا فيها شرَّ كل ذي شرّ، ولا تنقلنا من جوار بيتك إلا إلى دار رحمتك.
وقرئ: ﴿ التي حرّمها ﴾ .
واتل عليهم هذا القرآن: عن أبيّ ﴿ وأن أتل ﴾ : عن ابن مسعود.
﴿ فَمَنِ اهتدى ﴾ باتباعه إياي فيما أنا بصدده من توحيد الله ونفي الأنداد عنه، والدخول في الملة الحنيفية، واتباع ما أنزل عليّ من الوحي؛ فمنفعة اهتدائه راجعة إليه لا إليّ ﴿ وَمَن ضَلَّ ﴾ ولم يتبعني فلا عليّ، وما أنا إلا رسول منذر، وما على الرسول إلا البلاغ.
ثم أمره أن يحمد الله على ما خوّله من نعمة النبوّة التي لا توازيها نعمة، وأن يهدّد أعداءه بما سيريهم الله من آياته التي تلجئهم إلى المعرفة، والإقرار بأنها آيات الله.
وذلك حين لا تنفعهم المعرفة.
يعني في الآخرة.
عن الحسن وعن الكلبي: الدخان، وانشقاق القمر.
وما حلّ بهم من نقمات الله في الدنيا.
وقيل: هو كقوله: ﴿ سَنُرِيهِمْ ءاياتنا فِي الأفاق وفى أَنفُسِهِمْ ﴾ الآية [فصلت: 53] .
وكل عمل يعملونه، فالله عالم به غير غافل عنه لأنّ.
الغفلة والسهو لا يجوزان على عالم الذات، وهو من وراء جزاء العالمين.
قرئ: ﴿ تعملون ﴾ ، بالتاء والياء.
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَن قرأَ طس سليمانَ كانَ لَهُ مِنَ الأجرِ عشرَ حسناتٍ بِعددٍ مِنْ صدّقَ سليمانَ وكذَب به وهود وشعيبِ وصالحٍ وإبراهيمَ، ويخرجُ منْ قبرِهِ وهو ينادِي لاَ إلهَ إِلاَّ الله» .
﴿ إنَّما أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ البَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها ﴾ أمَرَ الرَّسُولَ بِأنْ يَقُولَ لَهم ذَلِكَ بَعْدَ ما بَيَّنَ المَبْدَأ والمَعادَ وشَرَحَ أحْوالَ القِيامَةِ، إشْعارًا بِأنَّهُ قَدْ أتَمَّ الدَّعْوَةَ وقَدْ كَمُلَتْ وما عَلَيْهِ بَعْدُ إلّا الِاشْتِغالُ بِشَأْنِهِ والِاسْتِغْراقُ في عِبادَةِ رَبِّهِ، وتَخْصِيصُ مَكَّةَ بِهَذِهِ الإضافَةِ تَشْرِيفٌ لَها وتَعْظِيمٌ لِشَأْنِها وقُرِئَ «الَّتِي حَرَّمَها» .
﴿ وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ ﴾ خَلْقًا ومُلْكًا.
﴿ وَأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ ﴾ المُنْقادِينَ أوِ الثّابِتِينَ عَلى مِلَّةِ الإسْلامِ.
﴿ وَأنْ أتْلُوَ القُرْآنَ ﴾ وأنْ أُواظِبَ عَلى تِلاوَتِهِ لِتَنْكَشِفَ لِي حَقائِقُهُ في تِلاوَتِهِ شَيْئًا فَشَيْئًا، أوِ اتِّباعَهُ وقُرِئَ «واتْلُ عَلَيْهِمْ» «وَأنْ أتْلُ» .
﴿ فَمَنِ اهْتَدى ﴾ بِاتِّباعِهِ إيّايَ في ذَلِكَ، ﴿ فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ﴾ فَإنَّ مَنافِعَهُ عائِدَةٌ إلَيْهِ.
﴿ وَمَن ضَلَّ ﴾ بِمُخالِفَتِي.
﴿ فَقُلْ إنَّما أنا مِنَ المُنْذِرِينَ ﴾ فَلا عَلَيَّ مِن وبالِ ضَلالِهِ شَيْءٌ إذْ ما عَلى الرَّسُولِ إلّا البَلاغُ وقَدْ بَلَغْتُ.
<div class="verse-tafsir"
{إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبّ هَذِهِ البلدة} مكة {الذى حَرَّمَهَا} جعلها حرماً آمناً يأمن فيها اللاجيء إليها ولا يختلي خلاها ولا يعضد شوكها ولا ينفر صيدها {وَلَهُ كُلُّ شَىء} مع هذه البلدة فهو مالك الدنيا والآخرة {وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ المسلمين} المنقادين له
﴿ إنَّما أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ البَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها ﴾ اسْتِئْنافٌ بِتَقْدِيرِ قُلْ قَبْلَهُ وهو أمْرٌ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِأنْ يَقُولَ لِهَؤُلاءِ الكَفَرَةِ ذَلِكَ بَعْدَ ما بَيَّنَ لَهم أحْوالَ المَبْدَأِ والمَعادِ وشَرَحَ أحْوالَ القِيامَةِ إثارَةً لِهِمَمِهِمْ بِألْطَفِ وجْهٍ إلى أنْ يَشْتَغِلُوا بِتَدارُكِ أحْوالِهِمْ وتَحْصِيلِ ما يَنْفَعُهم والتَّوَجُّهِ نَحْوَ التَّدَبُّرِ فِيما قَرَعَ أسْماعَهم مِنَ الآياتِ الباهِرَةِ الكافِيَةِ في إرْشادِهِمْ والشّافِيَةِ لِعِلَلِهِمْ.
والبَلْدَةُ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ وغَيْرِهِما هي مَكَّةُ المُعَظَّمَةُ، وفي تارِيخِ مَكَّةَ أنَّها مِنى قالَ: حَدَّثَنا يَحْيى بْنُ مَيْسَرَةَ عَنْ خَلّادِ بْنِ يَحْيى عَنْ سُفْيانَ أنَّهُ قالَ: البَلْدَةُ مِنى والعَرَبُ تُسَمِّيها بَلْدَةَ إلى الآنِ.
وأخْرُجُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ تَفْسِيرَها بِذَلِكَ أيْضًا، وذَكَرَ بَعْضُ الأجِلَّةِ أنَّ أكْثَرَ المُفَسِّرِينَ عَلى الأوَّلِ وتَخْصِيصُها بِالإضافَةِ لِتَفْخِيمِ شَأْنِها وإجْلالِ مَكانِها والتَّعَرُّضُ لِتَحْرِيمِهِ تَعالى إيّاها تَشْرِيفٌ لَها بَعْدَ تَشْرِيفٍ وتَعْظِيمٌ إثْرَ تَعْظِيمٍ مَعَ ما فِيهِ مِنَ الإشْعارِ بِعِلَّةِ الأمْرِ ومُوجَبِ الِامْتِثالِ بِهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذا البَيْتِ ﴾ ﴿ الَّذِي أطْعَمَهم مِن جُوعٍ وآمَنَهم مِن خَوْفٍ ﴾ ومِنَ الرَّمْزِ إلى غايَةِ شَناعَةِ ما فَعَلُوا فِيها ألا تَرى أنَّهم مَعَ كَوْنِها مُحَرَّمَةً مِن أنْ تُنْتَهَكَ حُرْمَتُها بِاخْتِلاءِ خَلاها وعَضُدِ شَجَرِها وتَنْفِيرِ صَيْدِها وإرادَةِ الإلْحادِ فِيها قَدِ اسْتَمَرُّوا فِيها عَلى تَعاطِي أفْظَعِ أفْرادِ الفُجُورِ وأشْنَعِ آحادِ الإلْحادِ حَيْثُ تَرَكُوا عِبادَةَ رَبِّها ونَصَبُوا فِيها الأوْثانَ وعَكَفُوا عَلى عِبادَتِها قاتَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى أنّى يُؤْفَكُونَ، ولا تَعارُضَ بَيْنَ ما في الآيَةِ مِن نِسْبَةِ تَحْرِيمِها إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ وما في قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ««إنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ حَرَّمَ مَكَّةَ وأنا حَرَّمْتُ المَدِينَةَ»» مِن نِسْبَةِ تَحْرِيمِها إلى إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأنَّ ما هُنا بِاعْتِبارِ أنَّهُ هو المُحَرِّمُ في الحَقِيقَةِ وما في الحَدِيثِ بِاعْتِبارِ أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مُظْهِرٌ لِحُكْمِهِ عَزَّ شَأْنُهُ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ مَسْعُودٍ (الَّتِي) صِفَةً لِلْبَلْدَةِ وقِراءَةُ الجُمْهُورِ أبْلَغُ في التَّعْظِيمِ، فَفي الكَشْفِ أنَّ إجْراءَ الوَصْفِ عَلى الرَّبِّ تَعالى شَأْنُهُ، تَعْظِيمٌ لِشَأْنِ الوَصْفِ ولِشَأْنِ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ الوَصْفُ وزِيادَةُ اخْتِصاصٍ لَهُ بِمَن أُجْرِيَ عَلَيْهِ الوَصْفُ عَلى سَبِيلِ الإدْماجِ وجَعْلُ ذَلِكَ كالمُسَلَّمِ المُبَرْهَنِ ولا كَذَلِكَ لَوْ وُصِفَتِ البَلْدَةُ بِوَصْفٍ تَخْصِيصًا أوْ مَدْحًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ولَهُ كُلُّ شَيْءٍ ﴾ أيْ خَلْقًا ومُلْكًا وتَصَرُّفًا، مِن غَيْرِ أنْ يُشارِكَهُ سُبْحانَهُ شَيْءٌ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ تَحْقِيقٌ لِلْحَقِّ، وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّ إفْرادَ مَكَّةَ بِالإضافَةِ لِما مَرَّ مِنَ التَّفْخِيمِ والتَّشْرِيفِ مَعَ عُمُومِ الرُّبُوبِيَّةِ لِجَمِيعِ المَوْجُوداتِ، واسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُ النّاسِ لِجَوازِ ما يَقُولُهُ جَهَلَةُ المُتَصَوِّفَةِ شَيْءٌ لِلَّهِ، لِأنَّهُ في مَعْنى ”كُلُّ شَيْءٍ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ“، نَحْوَ ”تَمْرَةٌ خَيْرٌ مِن جَرادَةٍ“، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهم لا يَأْتُونَ بِهِ لِإرادَةِ ذَلِكَ بَلْ يَقُولُونَ: شَيْءٌ لِلَّهِ يا فُلانُ لِبَعْضِ الأكابِرِ مِن أهْلِ القُبُورِ، إمّا عَلى مَعْنى أعْطِنِي شَيْئًا لِوَجْهِ اللَّهِ تَعالى يا فُلانُ، أوْ أنْتَ شَيْءٌ عَظِيمٌ مِن آثارِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وقَدْ وجَّهَهُ بِذَلِكَ مَن لَمْ يُكَفِّرْهم بِهِ وهو الحَقُّ وإنْ كانَ في ظاهِرِهِ عَلى أوَّلِ التَّوْجِيهَيْنِ طَلَبُ شَيْءٍ مِمَّنْ لا قُدْرَةَ لَهُ عَلى شَيْءٍ نَعَمِ الأوْلى صِيانَةُ اللِّسانِ عَنْ أمْثالِ هَذِهِ الكَلِماتِ.
﴿ وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ ﴾ أيْ أثْبُتُ عَلى ما كُنْتُ عَلَيْهِ مِن كَوْنِي مِن جُمْلَةِ الثّابِتِينَ عَلى مِلَّةِ الإسْلامِ والتَّوْحِيدِ أوِ الَّذِينَ أسْلَمُوا وُجُوهَهم لِلَّهِ تَعالى خالِصَةً مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ومَن أحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ ﴾ <div class="verse-tafsir"
وقال عز وجل: وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ أي: واذكر يوم ينفخ إسرافيل فى الصور فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ أي: من شدة الصوت والفزع.
ويقال: ماتوا.
وقال بعضهم: النفخ ثلاثة: أحدها: الفزع وهو قوله: فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ ونفخة أخرى للموت.
وهو قوله: فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ [الزمر: 68] ونفخة للبعث وهي قوله ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ [الزمر: 68] وقال بعضهم: إنما هما نفختان: فالفزع والصعق كناية عن الهلاك، ثم نفخة للبعث ثم قال: إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ قال بعضهم: يعني أرواح الشهداء وهي أحياء عند ربهم.
وقال بعضهم: يعني من في الجنة ومن في النار من الخدم والخزنة.
وقال بعضهم: إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ يعني: جبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل، ثم يموتون بعد ذلك وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ.
روى سفيان بإسناده عن عبد الله بن مسعود أنه قرأ: وَكُلٌّ أَتَوْهُ بغير مد ونصب التاء، وهي قراء حمزة وعاصم في رواية حفص.
وقرأ الباقون بالمد والضم.
ومن قرأ بالمد والضم، فمعناه: كل حاضروه داخِرِينَ أي: صاغرين.
ويقال: متواضعين.
ومن قرأ بغير مد يعني: يأتون الله عز وجل.
وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً يعني: تحسبها واقفة مكانها ويقال: مستقرة وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ حتى تقع على الأرض فتستوي، يعني: في أعين الناظرين كأنها واقفة.
قال القتبي: وكذلك كل عسكر غض به الفضاء أو شيء عظيم، فينظر الناظر، فيرى أنها واقفة وهي تسير.
ثم قال عز وجل: صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ يعني: أحكم خلق كل شيء.
ويقال: الشيء المتقن: أن يكون وثيقاً ثابتاً، فما كان من صنع غيره يكون واهياً، ولا يكون متقناً ثم قال: إِنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ أي: عليم بما فعلتم.
قوله عز وجل: مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ يعني: بالإيمان والتوحيد، وهو: كلمة الإخلاص وشهادة أن لا إله إلا الله فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها على وجه التقديم، وله منها خير أي: حين ينال بها الثواب والجنة.
ويقال: فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها.
أي: خير من الحسنة.
يعني: أكثر منها للواحد عشرة.
ويقال: فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها من الحسنة، وهي الجنة، لأن الجنة هي عطاؤه وفضله، والعمل هو اكتساب العبد، فما كان من فضله وعطائه، فهو أفضل، وهذا تفسير المعتزلة، والأول قول المفسرين.
ثمّ قال: وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ يعني: من فزع يوم القيامة آمِنُونَ.
قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر مِنْ فَزَعٍ بغير تنوين، وَيَوْمَئِذٍ بكسر الميم، وقرأ نافع في رواية ورش مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ بغير تنوين ونصب الميم وقرأ الباقون بالتنوين، ونصب الميم.
قال أبو عبيد: وبالإضافة نقرأ، لأنه أعم التأويلين أن يكون الأمن من جميع فزع ذلك اليوم، وإذا قال: فَزَعٍ بالتنوين، صار كأنه قال: فزع دون فزع.
وقال غيره: إنما أراد به الفزع الأكبر، لأن بعض الأفزاع تصيب الجميع.
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر في إحدى الروايتين: إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا يَفْعَلُونَ بالياء على معنى الإخبار عنهم، وقرأ الباقون بالتاء على معنى المخاطبة.
ثم قال عز وجل: وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ يعني: بالشرك فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يعني: قلبت وُجُوهُهُمْ فِى النار ويقال: يكبون على وجوههم، ويجرون إلى النار، وتقول لهم خزنة النار: هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ من الشرك ويقال: فَكُبَّتْ أي: ألقيت وطرحت.
قال عز وجل: إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ أي: قل يا محمد لأهل مكة: أمرني الله تعالى أن أستقيم على عبادة رب هذه البلدة.
يعني: مكة الذي حرمها بدعاء إبراهيم وحرم فيها القتل والصيد.
قال بعضهم: كان حراماً أبداً.
قال بعضهم: وهو أصح إن إبراهيم لما دعا، فجعلها الله حراماً بدعوته.
وقد روي عن النبي أنه قال: «إنَّ إبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ، وَأَنَا حَرَّمْتُ المَدِينَةَ ما بَيْنَ لابَتَيْهَا» .
ثم روي: أنه قد رخص في المدينة.
ثم قال تعالى: وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ يعني: له ملك كل شيء، وخلق كل شيء، وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، أي: من المخلصين وَأَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ يعني: أمرت أن أقرأ القرآن عَلَيْكُمْ يا أهل مكة فَمَنِ اهْتَدى يعني: آمن بالقرآن فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ يعني: يؤمن لنفسه ويثاب عليها الجنة وَمَنْ ضَلَّ يعني: ولم يوحد، ولم يؤمن بالقرآن وبمحمد فَقُلْ إِنَّما أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ أي: من المخوفين ومن المرسلين، فليس عليَّ إلا تبليغ الرسالة وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ يعني: الشكر لله على ما هداني سَيُرِيكُمْ أيها المشركون آياته.
يعني: العذاب في الدنيا فَتَعْرِفُونَها أنها حق، وذلك أنه أخبرهم بالعذاب، فكذبوه فأخبرهم أنهم يعرفونها أنها حق، وذلك إذا نزل بهم، وهو القحط والقتل.
ويقال: هو فتح مكة وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ فهذا وعيد للظالم، وتعزية للمظلوم.
وقال الزجاج في قوله: سَيُرِيكُمْ آياتِهِ يعني: سيريكم الله آياته في جميع ما خلق، وفي أنفسكم.
قرأ نافع وعاصم في رواية حفص، وابن عامر في إحدى الروايتين عَمَّا تَعْمَلُونَ بالتاء على معنى المخاطبة.
وقرأ الباقون بالياء على معنى الخبر عنهم، والله أعلم بالصواب- وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلّم (١) (١) ما بين معقوفتين ساقط من النسخة: «أ» .
وقال ابن زيد: يُعْطَى بالحَسَنَةِ الواحدةِ عَشْراً «١» .
قال ع «٢» : والسيئةُ التي في هذه الآية هي الكُفْر والمَعَاصِي.
فيمن حتَّم الله عليه من أهل المشيئة بدخول النار.
وقوله: إِنَّما أُمِرْتُ المعنى: قل يا محمد لقومك: إنما أمرتُ أن أعبدَ ربَّ هذه البلدة، يعني: مكة، وَأَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ معناه: تَابعْ فِي قراءتِك، أي: بَيْنَ آياتِه واسْرُدْ.
قال ص: وَأَنْ أَتْلُوَا معطوفٌ على «أَنْ أَكُونَ» .
وقرأ عبد الله «٣» : «وَأَنِ اتل» بغير واو وقوله: وَمَنْ ضَلَّ جوابُه محذوفٌ يدلُّ عليه ما قبلَه، أي: فَوَبَالُ ضلالهِ عَلَيْهِ، أو يكونَ الجوابُ: فَقل، ويُقَدَّرُ ضميرٌ عائدٌ من الجوابِ على الشرط لأنه اسمٌ غَيرُ ظَرْفٍ، أي: من المنذرين له، انتهى.
وتلاوة القرآن سببُ الاهتداءِ إلى كل خير.
وقوله تعالى: سَيُرِيكُمْ آياتِهِ توعُّدٌ بعذابِ الدُّنيَا كَبَدْرِ ونَحوه، وبعذاب الآخرة.
وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ فيه وعيدٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّما أُمِرْتُ ﴾ المَعْنى: قُلْ لِلْمُشْرِكِينَ: إنَّما أُمِرْتُ ﴿ أنْ أعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ البَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها ﴾ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ: " الَّتِي حَرَّمَها "، وهي مَكَّةُ، وتَحْرِيمُها: تَعْظِيمُ حُرْمَتِها بِالمَنعِ مِنَ القَتْلِ فِيها والسَّبْيِ والكَفِّ عَنْ صَيْدِها وشَجَرِها، ﴿ وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ ﴾ لِأنَّهُ خالِقُهُ ومالِكُهُ، ﴿ وَأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ ﴾ أيْ: مِنَ المُخْلِصِينَ لِلَّهِ بِالتَّوْحِيدِ، ﴿ وَأنْ أتْلُوَ القُرْآنَ ﴾ عَلَيْكم ﴿ فَمَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ﴾ أيْ: فَلَهُ ثَوابُ اهْتِدائِهِ ﴿ وَمَن ضَلَّ ﴾ أيْ: أخْطَأ [طَرِيقَ] الهُدى ﴿ فَقُلْ إنَّما أنا مِنَ المُنْذِرِينَ ﴾ أيْ: لَيْسَ عَلَيَّ إلّا البَلاغُ؛ وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ أنَّ هَذا مَنسُوخٌ بِآَيَةِ السَّيْفِ.
﴿ وَقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ ﴾ أيْ: قُلْ لِمَن ضَلَّ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وُفَّقَنا لِقَبُولِ ما امْتَنَعْتُمْ مِنهُ ﴿ سَيُرِيكم آياتِهِ ﴾ .
وَمَتى يُرِيهِمْ.
فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: في الدُّنْيا.
ثُمَّ فِيها ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّ مِنها الدُّخانَ وانْشِقاقَ القَمَرِ، وقَدْ أراهم ذَلِكَ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: سَيُرِيكم آَياتِهِ [فَتَعْرِفُونَها] في السَّماءِ، وفي أنْفُسِكم، وفي الرِّزْقِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّالِثُ: القَتْلُ بِبَدْرٍ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّانِي: سَيُرِيكم آَياتِهِ في الآخِرَةِ فَتَعْرِفُونَها عَلى ما قالَ في الدُّنْيا، قالَهُ الحَسَنُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ ﴾ وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: " تَعْلَمُونَ " بِالتّاءِ، عَلى مَعْنى: قُلْ لَهم.
وقَرَأ الباقُونَ بِالياءِ، عَلى أنَّهُ وعِيدٌ لَهم بِالجَزاءِ عَلى أعْمالِهِمْ.
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَتَرى الجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وهي تَمُرُّ مَرَّ السَحابِ صُنْعَ اللهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ ﴾ ﴿ مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها وهم مَن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ ﴾ ﴿ وَمَن جاءَ بِالسَيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إلا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ ﴿ إنَّما أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ البَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها ولَهُ كُلُّ شَيْءٍ وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ ﴾ ﴿ وَأنْ أتْلُوَ القُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ومَن ضَلَّ فَقُلْ إنَّما أنا مِنَ المُنْذِرِينَ ﴾ ﴿ وَقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكم آياتِهِ فَتَعْرِفُونَها وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ ﴾ هَذا وصْفُ حالِ الأشْياءِ يَوْمَ القِيامَةِ عَقِبَ النَفْخِ في الصُوَرِ، والرُؤْيَةُ هي بِالعَيْنِ، وهَذِهِ الحالُ لِلْجِبالِ في أوَّلِ الأمْرِ تَسِيرُ وتَمُوجُ، وأمْرُ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى بِنَسْفِها ونَفْشِها خِلالَ ذَلِكَ فَتَصِيرُ كالعِهْنِ، ثُمْ تَصِيرُ في آخِرِ الأمْرِ هَباءً مُنْبَثًّا.
و"الجُمُودُ": التَصامُّ في الجَوْهَرِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: "جامِدَةً": قائِمَةٌ، ونَظِيرُهُ قَوْلُ الشاعِرِ: بِأرْعَنَ مِثْلَ الطَوْدِ تَحْسَبُ أنَّهم وُقُوفٌ لِحاجٍ والرُكّابُ تُهَمْلِجُ و ﴿ صُنْعَ اللهِ ﴾ مَصْدَرٌ مُعَرَّفٌ، والعامِلُ فِيهِ فِعْلٌ مُضْمَرٌ مَن لَفْظِهِ، وقِيلَ: هو نَصْبٌ عَلى الإغْراءِ، بِمَعْنى: انْظُرُوا صُنْعَ اللهِ، و"الإتْقانُ": الإحْسانُ في المَعْمُولاتِ، وأنْ تَكُونَ حِسانًا وثِيقَةَ القُوَّةِ.
وقَرَأ أُبُو جَعْفَرٍ، وأبُو عَمْرُو، وابْنُ عامِرٍ: "يَفْعَلُونَ" بِالياءِ، وقَرَأ الباقُونَ: "تَفْعَلُونَ" بِالتاءِ عَلى الخِطابِ.
و"الحَسَنَةُ": الإيمانُ، وقالَ الحَسَنُ، وابْنُ عَبّاسٍ، والنَخْعِيُّ، وقَتادَةُ: هي لا إلَهَ إلّا اللهَ، ورُوِيَ عن عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ أنَّهُ قالَ: كُنْتُ في بَعْضِ خَلَواتِي، فَرَفَعْتُ صَوْتِي بِـ "لا إلَهَ إلّا اللهَ"، فَسَمِعْتُ قائِلًا يَقُولُ: إنَّها الكَلِمَةُ الَّتِي قالَ اللهُ فِيها: ﴿ مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها ﴾ ، وقَوْلُهُ: ﴿ خَيْرٌ مِنها ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلتَّفْضِيلِ، ويَكُونُ في قَوْلِهِ: "مِنها" حَذْفُ مُضافٍ تَقْدِيرُهُ: خَيْرٌ مِن قَدْرِها أوِ اسْتِحْقاقِها، بِمَعْنى أنَّ اللهَ تَعالى تَفَضَّلَ عَلَيْهِ بِفَوْقِ ما تَسْتَحِقُّ حَسَنَتُهُ، قالَ ابْنُ زَيْدٍ: يُعْطى بِالواحِدَةِ عَشْرَةَ، والداعِيَةُ إلى هَذا التَقْدِيرِ أنَّ الحَسَنَةَ لا يُتَصَوَّرُ بَيْنَها وبَيْنَ الثَوابِ تَفْضِيلٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "خَيْرٌ" لَيْسَ لِلتَّفْضِيلِ، بَلِ اسْمٌ لِلثَّوابِ والنِعْمَةِ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: "مِنها" لِابْتِداءِ الغايَةِ، أيْ: هَذا الجَزاءُ الَّذِي يَكُونُ لَهُ هو مِن حَسَنَتِهِ وبِسَبَبِها، هَذا قَوْلُ الحَسَنِ، وابْنُ جُرَيْجٍ، وقالَ عِكْرِمَةُ: لَيْسَ شَيْءٌ خَيْرًا مِن لا إلَهَ إلّا اللهَ، وإنَّما لَهُ الخَيْرُ مِنها،.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرُو، وابْنُ عامِرٍ: "مَن فَزَعِ يَوْمَئِذٍ" بِالإضافَةِ، ثُمُ اخْتَلَفُوا في فَتْحِ المِيمِ وكَسْرِها مِن "يَوْمَئِذٍ"، فَقَرَأ أكْثَرَهم بِفَتْحِ المِيمِ عَلى بِناءِ الظَرْفِ لَمّا أُضِيفَ إلى غَيْرِ مُمْكِنٍ، وقَرَأ إسْماعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عن نافِعٍ بِكَسْرِ المِيمِ عَلى إعْمالِ الإضافَةِ؛ وذَلِكَ أنَّ الظُرُوفَ إذا أُضِيفَتْ إلى غَيْرِ مُمْكِنٍ جازَ بِناؤُها وإعْمالُ الإضافَةِ فِيها، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ: عَلى حِينَ عاتَبْتُ المَشِيبَ عَلى الصِبا ∗∗∗ وقُلْتُ ألَمّا أصْحُ والشَيْبُ وازِعُ فَإنَّهُ يُرْوى: "عَلى حِينَ" بِفَتْحِ النُونِ، و"عَلى حِينٍ" بِكَسْرِها، وقَرَأ عاصِمْ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "مَن فَزِعٍ" بِالتَنْوِينِ وتَرْكِ الإضافَةِ، ولا يَجُوزُ -مَعَ هَذِهِ القِراءَةِ- إلّا فَتْحَ المِيمِ مِن "يَوْمَئِذٍ".
و"السَيِّئَةُ" الَّتِي هي في هَذِهِ الآيَةِ هي الكُفْرُ والمَعاصِي مِمَّنْ حَتَّمَ اللهُ تَعالى عَلَيْهِ مِن أهْلِ المَشِيئَةِ بِدُخُولِ النارِ، و"كَبْتَ" مَعْناهُ: تَلَتْ في النارِ، وجاءَ هَذا كَبّا مِن حَيْثُ خَلْقُها في الدُنْيا يُعْطِي ارْتِفاعَها، وإذا كُبَّتِ الوُجُوهُ فَسائِرُ البَدَنِ أدْخَلُ في النارِ؛ إذِ الوَجْهُ مَوْضِعُ الشَرَفِ والحَواسِّ.
وقَوْلُهُ: ﴿ هَلْ تُجْزَوْنَ ﴾ بِمَعْنى: فَقالَ لَهم ذَلِكَ، وهَذا عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ إنَّما أُمِرْتُ ﴾ بِمَعْنى: قُلْ يا مُحَمَّدُ لِقَوْمِكَ: إنَّما أُمِرْتُ، و"البَلْدَةُ المُشارُ إلَيْها مَكَّةُ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "الَّذِي حَرَّمَها"، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ: "الَّتِي حَرَمَّها"، وأضافَ -فِي هَذِهِ الآيَةِ- التَحْرِيمَ إلى اللهِ تَعالى مِن حَيْثُ ذَلِكَ بِقَضائِهِ وسابِقِ عِلْمِهِ، وأضافَ النَبِيُّ ذَلِكَ إلى إبْراهِيمَ في قَوْلِهِ: «إنَّ إبْراهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ وإنِّي حَرَّمْتُ المَدِينَةَ» مِن حَيْثُ كانَ ظاهِرُ ذَلِكَ بِدُعائِهِ ورَغْبَتِهِ وتَبْلِيغِهِ لِأُمَّتِهِ، فَلَيْسَ بَيْنَ الآيَةِ والحَدِيثِ تَعارُضٌ.
وفي قَوْلِهِ: "حَرَّمَها" تَعْدِيدُ نِعْمَتِهِ عَلى قُرَيْشٍ في رَفْعِ اللهِ تَعالى عن بَلَدِهِمُ الغاراتِ والفِتَنِ الشائِعَةِ في جَمِيعِ بِلادِ العَرَبِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ ﴾ مَعْناهُ: بِالمُلْكِ والعُبُودِيَّةِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "أنْ أتْلُوَ" عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: " أنْ أكُونَ "، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "وَأنِ اتْلُ القُرْآنَ" بِمَعْنى: وأنْ قِيلَ لِي: اتْلُ القُرْآنَ، و"اتْلُ" مَعْناهُ: تابِعْ بِقِراءَتِكَ بَيْنَ آياتِهِ واسْرُدْ.
وتِلاوَةُ القُرْآنِ سَبَبُ الِاهْتِداءِ إلى كُلِّ خَيْرٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَمَنِ اهْتَدى ﴾ مَعْناهُ: مَن تَكَسَّبَ الهُدى والإيمانَ ونَظَرَ نَظَرًا يُنْجِيهِ فَلِنَفْسِهِ سَعْيُهُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَنِسْبَةُ الهُدى والضَلالِ إلى البَشَرِ مِن هَذِهِ الآيَةِ إنَّما هي بِالتَكَسُّبِ والحِرْصِ والحالِ الَّتِي عَلَيْها يَقَعُ الثَوابُ والعِقابُ، والكُلُّ أيْضًا مِنَ اللهِ تَعالى بِالِاخْتِراعِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سَيُرِيكم آياتِهِ ﴾ تَوَعُّدٌ بِعَذابِ الدُنْيا كَبَدْرٍ والفَتْحِ ونَحْوَهُ، وبِعَذابِ الآخِرَةِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "عَمّا يَعْمَلُونَ" بِالياءِ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَفَصُ عن عاصِمْ: "عَمّا تَعْمَلُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ عَلى مُخاطَبَتِهِمْ.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ النَمْلِ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ
أتت هذه السورة على كثير من مطاعن المشركين في القرآن وفيما جاء به من أصول الإسلام من التوحيد والبعث والوعيد بأفانين من التصريح والتضمن والتعريض بأحوال المكذبين السالفين مفصلاً ذلك تفصيلاً ابتداء من قوله ﴿ تلك ءايات القرآن وكتاب مبين هدى وبشرى للمؤمنين ﴾ [النمل: 1، 2] إلى هنا، فلما كان في خلال ذلك إلحافهم على الرسول صلى الله عليه وسلم أن يأتيهم بما وعدهم أو أن يعين لهم أجل ذلك ويقولون ﴿ متى هذا الوعد إن كنتم صادقين ﴾ [النمل: 71].
وأتت على دحض مطاعنهم وتعللاتهم وتوركهم بمختلف الأدلة قياساً وتمثيلاً، وثبت الله رسوله بضروب من التثبيت ابتداء من قوله ﴿ إذ قال موسى لأهله إني آنست ناراً ﴾ [النمل: 7] وقوله ﴿ فتوكل على الله إنك على الحق المبين ﴾ [النمل: 79]، وما صاحب ذلك من ذكر ما لقيه الرسل السابقون.
بعد ذلك كله استؤنف الكلام استئنافاً يكون فذلكة الحساب، وختاماً للسورة وفصل الخطاب، أفسد به على المشركين ازدهاءهم بما يحسبون أنهم أفحموا الرسول صلى الله عليه وسلم بما ألقوه عليه ويطير غراب غرورهم بما نظموه من سفسطة، وجاءوا به من خلبطة، ويزيد الرسول تثبيتاً وتطميناً بأنه أرضى ربه بأداء أمانة التبليغ وذلك بأن أمر الرسول عليه الصلاة والسلام أن يقول لهم ﴿ إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها ﴾ فهذا تلقين للرسول صلى الله عليه وسلم والجملة مقول قول محذوف دل عليه ما عطف عليه في هذه الآية مرتين وهو ﴿ فقل إنما أنا من المنذرين وقل الحمد لله ﴾ [النمل: 92، 93] فإن الأول: مفرّع عليه فهو متصل به.
والثاني: معطوف على أول الكلام.
وافتتاح الكلام بأداة الحصر لإفادة حصر إضافي باعتبار ما تضمنته محاوراتهم السابقة من طلب تعجيب الوعيد، وما تطاولوا به من إنكار الحشر.
والمعنى: ما أمرت بشيء مما تبتغون من تعيين أجل الوعيد ولا من اقتلاع إحالة البعث من نفوسكم ولا بما سوى ذلك إلا بأن أثبت على عبادة رب واحد وأن أكون مسلماً وأن أتلو القرآن عليكم، ففيه البراهين الساطعة والدلالات القاطعة فمن اهتدى فلا يمن علي اهتداءه وإنما نفع به نفسه؛ ومن ضل فما أنا بقادر على اهتدائه، ولكني منذره كما أنذرت الرسل أقوامها فلم يملكوا لهم هدياً حتى أهلك الله الضالين.
وهذا في معنى قوله تعالى ﴿ فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن ﴾ [آل عمران: 20].
وقد أدمج في خلال هذا تنويهاً بشأن مكة وتعريضاً بهم بكفرهم بالذي أسكنهم بها وحرمها فانتفعوا بتحريمها، وأشعرهم بأنهم لا يملكون تلك البلدة فكاشفهم الله بما تكنه صدورهم من خواطر إخراج الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين من مكة وذلك من جملة ما اقتضاه قوله ﴿ وإن ربك ليعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون ﴾ [النمل: 74].
فلهذه النكت أجرى على الله صلة حرم تلك البلدة، دون أن يكون الموصول للبلدة فلذا لم يقل: التي حرمها الله، لما تتضمنه الصلة من التذكير بالنعمة عليهم ومن التعريض بضلالهم إذ عبدوا أصناماً لا تملك من البلدة شيئاً ولا أكسبتها فضلاً ومزية، وهذا كقوله ﴿ فليعبدوا رب هذا البيت ﴾ [قريش: 3].
والإشارة إلى البلدة التي هم بها لأنها حاضرة لديهم بحضور ما هو باد منها للأنظار.
والإشارة إلى البقاع بهذا الاعتبار فاشية قال تعالى ﴿ وأتبعوا في هذه الدنيا لعنة ﴾ [هود: 60] وقال ﴿ إنا مهلكوا أهل هذه القرية ﴾ [العنكبوت: 31].
والعدول عن ذكر مكة باسمها العلم إلى طريقة الإشارة لما تقتضيه الإشارة من التعظيم.
وتبيين اسم الإشارة بالبلدة لأن البلدة بهاء التأنيث اسم لطائفة من الأرض معينة معروفة محوزة فيشمل مكة وما حولها إلى نهاية حدود الحرم.
ومعنى ﴿ حرمها ﴾ جعلها حراماً، والحرام الممنوع، والتحريم المنع.
ويعلم متعلق المنع بسياق ما يناسب الشيء الممنوع.
فالمراد من تحريم البلدة تحريم أن يدخل فيها ما يضاد صلاحها وصلاح ما بها من ساكن ودابة وشجر.
فيدخل في ذلك منع غزو أهلها والاعتداء عليهم وظلمهم وإخافتهم ومنع صيدها وقطع شجرها على حدود معلومة.
وهذا التحريم مما أوحى الله به إلى إبراهيم عليه السلام إذ أمره بأن يبني بيتاً لتوحيده وباستجابته لدعوة إبراهيم إذ قال ﴿ رب اجعل هذا بلداً ءامناً ﴾ [البقرة: 126].
فالتحريم يكون كمالاً للمحرم ويكون نقصاً على اختلاف اعتبار سبب التحريم وصفته، فتحريم المكان والزمان مزية وتفضيل، وتحريم الفواحش والميتة والدم والخمر تحقير لها، والمحرمات للنسل والرضاع والصهر زيادة في الحرمة.
فتحريم المكان: منع ما يضرّ بالحال فيه.
وتحريم الزمان، كتحريم الأشهر الحرم: منع ما فيه ضر للموجودين فيه.
وتعقيب هذا بجملة ﴿ وله كل شيء ﴾ احتراس لئلا يتوهم من إضافة ربوبيته إلى البلدة اقتصار ملكه عليها ليعلم أن تلك الإضافة لتشريف المضاف إليه لا لتعريف المضاف بتعيين مظهر ملكه.
وتكرير (أمرت) في قوله ﴿ وأمرت أن أكون من المسلمين ﴾ للإشارة إلى الاختلاف بين الأمرين فإن الأول أمر يعمله في خاصة نفسه وهو أمر إلهام إذ عصمه الله من عبادة الأصنام من قبل الرسالة.
والأمر الثاني أمر يقتضي الرسالة وقد شمل دعوة الخلق إلى التوحيد.
ولهذه النكتة لم يكرر (أمرت) في قوله ﴿ وأن أتلوا القرءان ﴾ لأن كلاً من الإسلام والتلاوة من شؤون الرسالة.
وفي قوله ﴿ أن أكون من المسلمين ﴾ تنويه بهذه الأمة إذ جعل الله رسوله من آحادها، وذلك نكتة عن العدول عن أن يقول: أن أكون مسلماً.
والتلاوة: قراءة كلام معين على الناس، وقد تقدم في قوله تعالى ﴿ الذين ءاتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته ﴾ [البقرة: 121]، وقوله ﴿ واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان ﴾ في سورة البقرة (102).
وحذف متعلق التلاوة لظهوره، أي أن أتلوا القرآن على الناس.
وفرع على التلاوة ما يقتضي انقسام الناس إلى مهتد وضال، أي منتفع بتلاوة القرآن عليه وغير منتفع مبيناً أن من اهتدى فإنما كان اهتداؤه لفائدة نفسه.
وهذا زيادة في تحريض السامعين على الاهتداء بهدي القرآن لأن فيه نفعه كما آذنت به اللام.
وإظهار فعل القول هنا لتأكيد أن حظ النبي صلى الله عليه وسلم ن دعوة المعرضين الضالين أن يبلغهم الإنذار فلا يطمعوا أن يحمله إعراضهم على أن يلح عليهم قبول دعوته.
والمراد بالمنذرين: الرسل، أي إنما أنا واحد من الرسل ما كنت بدعاً من الرسل وسنتي سنة من أرسل من الرسل قبلي وهي التبليغ ﴿ فهل على الرسل إلا البلاغ المبين ﴾ [النحل: 35].
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ: ﴿ إنَّما أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ البَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها ﴾ فِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: مَكَّةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: مِنًى، قالَهُ أبُو العالِيَةِ، وتَحْرِيمُها هو تَعْظِيمُ حُرْمَتِها والكَفُّ عَنْ صَيْدِها وشَجَرِها.
﴿ وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ ﴾ يَعْنِي مَلَكَ كُلَّ شَيْءٍ مِمّا أحَلَّهُ وحَرَّمَهُ فَيُحِلُّ مِنهُ ما شاءَ ويُحَرِّمُ مِنهُ ما شاءَ لِأنَّ لِلْمالِكِ أنْ يَفْعَلَ في مِلْكِهِ ما يَشاءُ.
قَوْلُهُ: ﴿ سَيُرِيكم آياتِهِ فَتَعْرِفُونَها ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يُرِيكم في الآخِرَةِ فَتَعْرِفُونَها عَلى ما قالَ في الدُّنْيا، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّانِي: يُرِيكم في الدُّنْيا ما تَرَوْنَ مِنَ الآياتِ في السَّماواتِ والأرْضِ فَتَعْرِفُونَها أنَّها حَقٌّ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
﴿ وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ ﴾ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ فَلا بُدَّ أنْ يُجازِيَ عَلَيْهِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ أن أعبد رب هذه البلدة ﴾ قال: مكة.
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة.
مثله.
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج قال: زعم الناس أنها مكة.
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية قال: هي منى.
وأخرج أبو عبيد وابن المنذر عن هرون قال في حرف ابن مسعود ﴿ وأن اتل القرآن ﴾ على الأمر وفي حرف أُبي بن كعب ﴿ واتل عليهم القرآن ﴾ .
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وابن أبي حاتم عن مجاهد ﴿ سيريكم آياته فتعرفونها ﴾ قال: في أنفسكم، وفي السماء، وفي الأرض، وفي الرزق.
وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما كان في القرآن وما الله بغافل عما تعملون بالتاء، وما كان وما ربك بغافل عما يعملون بالياء» .
وقوله: ﴿ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا ﴾ كأنه قيل للنبي - -: قل للمشركين ﴿ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ ﴾ .
قال ابن عباس والمفسرون: يريد مكة (١) ﴿ الَّذِي حَرَّمَهَا ﴾ جعلها حرمًا آمنًا من القتل فيها والسبي والظلم، فلا يصاد صيدها، ولا يختلى خلاها (٢) (٣) وكذلك وَجّ الطائف في تحريم الصيد، وتحريم كسر الأشجار (٤) (٥) (٦) وقوله: ﴿ وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ ﴾ لأنه خالقه ومالكه ﴿ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾ قال ابن عباس: من الموحدين (٧) وقال مقاتل: ﴿ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾ من المخلصين لله بالتوحيد (٨) (١) أخرجه ابن أبي حاتم 9/ 2936، عن ابن عباس.
وأخرجه ابن جرير 20/ 24، عن قتادة.
و"تفسير مقاتل" 62 ب، وذكره الهواري 3/ 269، ولم ينسبه.
و"تفسير الثعبي" 8/ 139 أ.
(٢) "تفسير الثعلبي" 8/ 139 ب.
(٣) الدليل على هذا التحريم حديث عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما عن النبي - - أنه قال يوم افتتح مكة: "لا هجرة ولكن جهاد ونية وإذا استنفرتم فانفروا فإن هذا بلد حرمه الله يوم خلق السماوات والأرض وهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي ولم يحل لي إلا ساعة من نهار فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة لا يعضد شوكه ولا ينظر صيده ولا يلتقط لقطته إلا من عرفها ولا يختلى خلاها" قال العباس: يا رسول الله إلا الإذخر فإنه لقينهم ولبيوتهم.
قال: قال: "إلا الإذخر" أخرجه البخاري، كتاب: جزاء الصيد، رقم: 1834، فتح الباري 4/ 46.
ومسلم 2/ 986، كتاب الحج، رقم: 1353.
وتحريم المدينة دليله حديث عبد الله بن زيد ، عن النبي - -: "أن إبراهيم حرم مكة ودعا لها وحرمت المدينة كما حرم إبراهيم مكة ودعوت لها في مدها وصاعها مثل ما دعا إبراهيم لمكة".
أخرجه البخاري، كتاب البيوع، رقم: 2129، فتح الباري 4/ 346، ومسلم 2/ 991، كتاب الحج، رقم: 1361.
(٤) وَجّ: قيل: هي بلد بالطائف، وقيل: هي الطائف.
"تهذيب اللغة" 11/ 237 (وجج)، و"لسان العرب" 2/ 397.
و"معجم البلدان" 4/ 10.
هكذا ضُبط بض الواو، وأما أهل الطائف فينطقونه بالكسر، وهو وادي الطائف الرئيس، وقد عُمر اليوم جانباه بأحياء من مدينة الطائف، فإذا تجاوز الطائف كانت عليه قرى ومزارع كثيرة، وأما سكانه ففي أعلاه هذيل، وعند الطائف الأشراف ذوو غالب.
"معجم المعالم الجغرافية في السيرة النبوية" 331.
ما ذكره الواحدي واقتصر عليه من تحريم الصيد، وكسر الأشجار في وادي وج، هو مشهور مذهب الشافعية؛ قال الشيرازي: يحرم صيد وج؛ وهو واد بالطائف لما روي أن النبي - - نهى عن قتل صيد وج، فإن قتل فيه صيدًا لم يضمنه بالجزاء؛ لأن الجزاء وجب بالشرع، والشرع لم يرد إلا في الإحرام والحرم.
"المهذب" مع == "المجموع" النووي 7/ 404.
قال النووي: وقال الشافعي في الإملاء: أكره صيد وج، وللأصحاب فيه طريقان؛ أصحهما عندهم القطع بتحريمه ..
والثاني: يكره.
المجموع 7/ 408.
قال شيخ الإسلام: وج: واد بالطائف؛ فإن هذا روي فيه حديث، رواه أحمد في المسند، وليس في الصحاح، وهذا حرم عند الشافعي؛ لاعتقاده صحة الحديث، وليس حرما عند أكثر العلماء، وأحمد ضعف الحديث المروي فيه فلم يأخذ به "مجموع الفتاوى" 27/ 15.
والحديث الوارد فيه هو حديث الزبير بن العوام؟، قال: قال رسول الله - -: "إن صيد وَجٍّ، وعِضاهَه حَرَم مُحَرَّم لله، وذلك قبل نزوله وحصاره الطائف".
أخرجه الإمام أحمد 3/ 10، رقم: 1416، تح/ أحمد شاكر.
وأخرجه من الطريق نفسه أبو داود 2/ 528، كتاب المناسك، رقم: 2032، والبيهقي، "السنن الكبرى" 5/ 200.
وضعف إسناده محققو المسند، ط/ الرسالة 3/ 32؛ لضعف محمد بن عبد الله بن إنسان.
كما ضعفه الألباني، "ضعيف سنن أبي داود" 198، رقم: 441.
قال ابن القطان عن هذا الحديث: هو حديث لا يصح؛ فإنه من رواية محمد بن عبد الله بن إنسان عن أبيه عن عروة، ومحمد بن عبد الله بن إنسان قال فيه أبو حاتم: ليس بالقوي، في حديثه نظر، وذكر له البخاري هذا الحديث وقال: لا يُتابع عليه.
وذكر ابن أبي خيثمة عن ابن معين قال: ليس به بأس، فأما أبوه عبد الله ابن إنسان فلا يعرف روى عنه غير ابنه محمد، قال البخاري: لا يصح حديثه.
وممن ضعف الحديث النووي، "المجموع" 7/ 405، وابن حجر، "التلخيص الحبير" 2/ 280.
ومع ذلك فقد صحح الحديث الشيخ أحمد شاكر في تحقيقه للمسند؛ لذكر ابن حبان لمحمد بن عبد الله بن إنسان الثقفي، في الثقات.
وهذا لا يكفي فإن ابن حبان من المتساهلين في التوثيق، كما هو معروف عند أهل العلم، إضافة إلى أن محمد قد تكلم فيه الحفاظ، ولم يوجد للحديث متابعات تشهد له.
والله أعلم.
(٥) غير.
في نسخة (ج).
(٦) بالجزاء.
في نسخة.
(أ)، (ب).
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم 9/ 2936.
(٨) "تفسير مقاتل" 62 ب.
<div class="verse-tafsir"
﴿ هَذِهِ البلدة ﴾ يعني مكة ﴿ الذي حَرَّمَهَا ﴾ أي جعلها حرماً آمناً، لا يقاتل فيها أحد ولا ينتهك حرمتها، ونسب تحريمها هنا إلى الله؛ لأنه بسبب قضائه وأمره، ونسبه النبي صلى الله عليه وسلم إلى إبراهيم عليه السلام في قوله: «إن إبراهيم حرّم مكة» لأن إبراهيم هو الذي أعلمَ الناس بتحريمها، فليس بين الحديث والآية تعارض وقد جاء في الحديث آخر أن مكة حرمها الله يوم خلق السموات والأرض ﴿ وَمَن ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ مِنَ المنذرين ﴾ إي إنما عليّ الإنذار والتبليغ ﴿ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ ﴾ وعيد بالعذاب الذي يضطرهم إلى معرفة آيات الله، إما في الدنيا أو في الآخرة.
القراءات: ﴿ أيذا ﴾ ﴿ أينا ﴾ بياء مكسورة بعد همزة مفتوحة: ابن كثير ويعقوب غير زيد.
مثله ولكن بالمد: ابو عمرو وزيد ﴿ أيذا ﴾ بهمزة مفتوحة ثم ياء مكسورة ﴿ إنا ﴾ بكسر الهمزة وبعدها نون مشددة: سهل ﴿ إذا ﴾ من غير همزة الاستفهام ﴿ آينا ﴾ بهمزة ممدودة بعدها ياء مكسورة: يزيد وقالون، مثله ولكن من غير مد: نافع غير قالون ﴿ أئذا ﴾ بهمزتين مفتوحة ثم مكسورة ﴿ إنا ﴾ بهمزة مكسورة بعدها نون مشددة: علي وابن عامر هشام يدخل بينهما مدة ﴿ أئذا ﴾ ﴿ أئنا ﴾ بهمزتين مفتوحة ثم مكسورة فيهما: حمزة وخلف وعاصم.
﴿ ولا يسمع ﴾ بفتح الياء التحتانية ﴿ الصم ﴾ بالرفع: ابن كثير وعباس وكذلك في "الروم".
الآخرون بضم التاء الفوقانية وكسر الميم ونصب الصمّ ﴿ وما أنت تهدي ﴾ على أنه فعل العمى بالنصب وكذلك في "الروم" حمزة.
الباقون ﴿ بهادي ﴾ على أنه اسم فاعل العمى بالجر أتوه مقصوراً على أنه فعل ماض: حمزة وخلف وحفص والمفضل.
الآخرون بالمد على أنه اسم فاعل بما يفعلون على الغيبة: ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب وحماد والأعشى والبرجمي والحلواني عن هشام.
﴿ فزع ﴾ بالتنوين: عاصم وحمزة وعلي وخلف ﴿ يومئذ ﴾ بفتح الميم: حمزة وأبو جعفر ونافع، الباقون بكسرها ﴿ تعملون ﴾ بتاء الخطاب: أبو جعفر ونافع وابن عامر ويعقوب وحفص.
الوقوف: ﴿ لمخرجون ﴾ ه ﴿ من قبل ﴾ لا تحرزاً عن الابتداء بمقول الكفار ﴿ الأولين ﴾ ه ﴿ المجرمين ﴾ ه ﴿ يمكرون ﴾ ه ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ تستعجلون ﴾ ه ﴿ لا يشكرون ﴾ ه ﴿ وما يعلنون ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ يختلفون ﴾ ه ﴿ للمؤمنين ﴾ ه ﴿ بحكمه ﴾ ج تعظيماً للابتداء بالصفتين مع اتفاق الجملتين ﴿ العليم ﴾ ه ج للآية واختلاف الجملتين وللفاء واتصال المعنى اي إذا كان الحكم لله فأسرع اتوكل ﴿ على الله ﴾ ط ﴿ المبين ﴾ ه ﴿ مدبرين ﴾ ه ﴿ ضلالتهم ﴾ ط ﴿ مسلمون ﴾ ه ﴿ تكلمهم ﴾ ج لمن قرأ بكسر الألف فإنه يحتمل أن يكون الكسر للابتداء ولكونها بعد التكليم لأنه في معنى القول، ومن فتح فلا وقف إذ التقدير تكلمهم بأن ﴿ لا يوقنون ﴾ ه ﴿ يوزعون ﴾ ه ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ لا ينطقون ﴾ ه ﴿ مبصراً ﴾ ط ﴿ يؤمنون ﴾ ه ﴿ من شاء الله ﴾ ط ﴿ داخرين ﴾ ه ﴿ السحاب ﴾ ط ﴿ كل شيء ﴾ ط ﴿ تفعلون ﴾ ه ﴿ خير منها ﴾ لا لأن ما بعده من تتمة الجزاء ﴿ آمنون ﴾ ه لا لعطف جملتي الشرط ﴿ في النار ﴾ ه ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ شيء ﴾ ز للعارض وطول الكلام مع العطف ﴿ المسلمين ﴾ ه لا للعطف ﴿ القرآن ﴾ ج ﴿ لنفسه ﴾ ج ﴿ المنذرين ﴾ ه ﴿ فتعرفونها ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه.
التفسير: لما ذكر أن المشركين في شك من أمر البعث عمون عن النظر في دلائله أراد أن يبين عامة شبهتهم وهي مجرد استبعاد إحياء الأموات بعد صيرورتهم تراباً عند الحس.
قال النحويون: العامل في "إذا" ما دل عليه ﴿ أئنا لمخرجون ﴾ وهو نخرج والمراد الإخراج من الأرض أو من حال الفناء إلى حال الحياة.
وإنما ذهبوا إلى هذا التكلف بناء على أن ما بعد همزة الاستفهام وكذا ما بعد "أن" واللام لا يعمل فيما قبلها لأن هذه الأشياء تقتضي صدر الكلام، وتكرير حرف الاستفهام في "إذا" و "أن" جميعاً إنكار على إنكار.
والضمير في "أنا" لهم ولآبائهم جميعاً وقد مر في سورة المؤمنين تفسير قوله ﴿ لقد وعدنا ﴾ وبيان المتشابه فليدّكر.
ثم أوعدهم على عدم قبول قول الأنبياء بالنظر في حال الأمم السالفة المكذبة.
ولم تؤنث "كان" لأن تأنيث العاقبة غير حقيقي، أو لأن المراد كيف كان عاقبة أمرهم.
والمراد بالمجرمين الكافرون لأن الكفر جرم مخصوص وفيه تنبيه على قبح موقع الجرم اياماً كان؛ فعلى المؤمن أن يتخوّف عاقبتها ويترك الجرائم كلها كيلا يشارك الكفرة في هذا الاسم الشنيع.
ومعنى قوله ﴿ ولا تحزن عليهم ﴾ الآية.
قد مر في آخر "النحل".
وفي هذه الآي تسلية لرسول الله على ما كان يناله من قومه.
ثم إنهم استعجلوا العذاب الموعود على سبيل السخرية فأمره أن يقول لهم ﴿ عسى أن يكون ﴾ وهذه على قاعدة وعد الملوك ووعيدهم يعنون بذلك القطع بوقوع ذلك الأمر مع إظهار الوقار والوثوق بما يتكلمون.
وإن كان على سبيل الرجاء والطمع ولمثل هذا قال ﴿ ردف لكم بعض الذي ﴾ دون أن يقول "ردف لكم الذي".
واللام زائدة للتأكيد كالباء في ﴿ ولا تلقوا بأيديكم ﴾ أو أريد أزف لكم ودنا لكم يتضمن فعل يتعدى بالام ومعناه تبعكم ولحقكم.
وقال بعضهم: المقتضي للعذاب والمؤثر فيه حاصل في الدنيا إلا أن الشعور به غير حاصل كما للسكران أو النائم، فتمام العذاب إنما يحصل بعد الموت وإن كان طرف منه حاصلاً في الدنيا فلهذا ذكر البعض.
ثم ذكر أنه متفضل عليهم بتأخير العقوبة في الدنيا ولكنهم لا يشكرون هذه النعمة فيتسعجلون وقوع العقاب بجهلهم، وفيه دليل على أن نعمة الله تعم الكافر والمؤمن.
ثم بين أنه مطلع على ما في صدورهم مما يخفون كالقصود والدواعي وعلى ما يظهرون من أفعال الجوارح وغيرها، ولعل الغرض أنه يعلم مايخفون وما يعلنون من عداوة رسول الله ومكايدهم وهو معاقبهم على ذلك.
ثم أكد ذلك بأن المغيبات كلها ثابتة في اللوح المحفوظ، والعاقبة إما مصدر كالعافية، وإما اسم غير صفة كالذبيحة والربيئة، وإما صفة والتاء للمبالغة كالرواية في قولهم "ويل للشاعر من راوية السوء" كأنه قيل: وما من شيء شديد الغيبوبة إلا وهو مثبت في الكتاب الظاهر المبين لمن ينظر فيه من الملائكة.
ثم بين لدفع شبه القوم إعجاز القرآن المطابق قصصه لما في التوراة والإنجيل مع كونه أمياً، والمطابق غرضه لما هو الحق في نفس الأمر، وقد حرفه بنوا إسرائيل وجهه كاختلافهم في شأن المسيح في كثير من الشرائع والأحكام، وذكر أنه هدى ورحمة لمن آمن منهم وأنصف أو منهم ومن غيرهم.
ثم ذكر أن من لم ينصف منهم فالله يقضي بينهم بحكمة أي بما يحكم به وهو عدله لأنه لا يقضي إلا بالعدل فسمى المحكوم به حكماً ﴿ وهو العزيز ﴾ الذي لا يغالب فيما يريد ﴿ العليم ﴾ بما يحكم وبمن يحكم لهم أو عليهم.
ثم أمره بالتوكل وقلة المبالاة بأعداء الدين وعلل ذلك بأمرين: أحدهما أنه على الحق الأبلج وفيه أن صاحب الحق حقيق بالوثوق بنصرة الله، وثانيهما قوله ﴿ إنك لا تسمع الموتى ﴾ لأنه إذا علم أن حالهم لانتفاء جدوى السماع كحال الموتى أو كحال الصم الذين لا يسمعون ولا يفهمون والعمي الذين لا يبصرون ولا يهتدون، صار ذلك سبباً قوياً في إظهار مخالفتهم وعدم الاعتداد بهم.
وقوله ﴿ إذا ولوا مدبرين ﴾ تأكيد لأن الأصم إذا توجه إلى الداعي لم يرج منه سماع فكيف إذا ولى مدبراً وهداه عن الضلالة كقولك "سقاه عن العيمة".
ثم بين أن إسماعه لا يجدي إلا على الذين علم الله أنهم يصدقون بآياته ﴿ فهم مسلمون ﴾ أي مخلصون منقادون لأمر الله بالكلية.
ثم هدد المكلفين بذكر طرف من اشراط الساعة وما بعدها فقال ﴿ وإذا وقع القول ﴾ اي دنا وشارف أن يحصل مؤاده ومفهومه ﴿ عليهم ﴾ وهو ما وعدوا به من قيام الساعة والعذاب ﴿ أخرجنا لهم دابة من الأرض ﴾ وهي الجساسة.
وقد تكلم علماء الحديث فيها من وجوه: أحدها في مقدار جسمها.
فقيل: إن طولها ستون ذراعاً.
وقيل: إن راسها يبلغ السحاب.
وعن أبي هريرة: ما بين قرنيها فرسخ للراكب.
وثانيها في كيفية خلقتها فروي لها أربع قوائم وزغب وريش وجناحان.
وعن ابن جريج في وصفها رأس ثور وعين خنزير وأذن فيل وقرن أيل وعنق نعامة وصدر أسد ولون نمر وخاصرة هر وذنب كبش وخف بعير وما بين المفصلين اثنا عشر ذراعاً.
وثالثها في كيفية خروجها؛ عن علي أنها تخرج ثلاثة أيام والناس ينظرون فلا يخرج إلا ثلثها.
وعن الحسن: لا يتم خروجها إلا بعد ثلاثة أيام.
ورابعها مكان خروجها، "سئل النبي من أين تخرج الدابة؟
فقال: من أعظم المساجد حرمة على الله" يعني المسجد الحرام.
وقيل: تخرج من الصفا فتكلمهم بالعربية.
وخامسها في عدد خروجها؛ روي أنها تخرج ثلاث مرات تخرج بأقصى اليمن ثم تكمن ثم تخرج بالبادية، ثم تكمن دهراً طويلاً فبينا الناس في أعظم المساجد حرمة وأكرمها على الله فما يهولهم إلا خروجها من بين الركن حذاء دار بني مخزوم عن يمين الخارج من المسجد، فقوم يهربون وقوم يقفون نظارة.
وسادسها فيما يصدر عنها من الآثار والعجائب فظاهر الآية أنها تكلم الناس، وفحوى الكلام ﴿ أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون ﴾ قال جار الله: معناه أن الناس كانوا لا يوقنون بخروجي لأن خروجها من الآيات.
ومن قرأ (إن) مكسورة فقولها حكاية قول الله فلذلك قالت ﴿ بآياتنا ﴾ أو المعنى بآيات ربنا فحذف المضاف أو سبب الإضافة اختصاصها بالله كما يقول بعض خاصة الملك: خيلنا وبلادنا.
وإنما هي خيل مولاه وبلاده.
عن السدي: تكلمهم ببطلان الأديان كلها سوى دين الإسلام.
وعن ابن عمر: تستقبل المغرب فتصرخ صرخة تنفذه ثم تستقبل المشرق ثم الشأم ثم اليمن فتفعل مثل ذلك.
روي بينا عيسى يطوف بالبيت ومعه المسلمون وإذ تضطرب الأرض تحتهم تحرك القنديل وينشق الصفا مما يلي المسعى فتخرج الدابة من الصفا ومعها عصا موسى وخاتم سليمان، فتضرب المؤمن في مسجده أو فيما بين عينيه بعصا موسى فتنكت نكتة بيضاء فتفشو تلك النكتة في وجهه حتى يضيء لها وجهه ويكتب بين عينيه "مؤمن" وتنكت الكافر بالخاتم في أنفه فتفشو النكتة حتى يسود لها وجهه ويكتب بين عينيه "كافر".
وروي أنها تقول لهم: يا فلان أنت من أهل الجنة ويا فلان أنت من أهل النار.
وقيل: تكلمهم من الكلم على معنى التبكيت والمراد به الجرح وهو الوسم بالعصا والخاتم.
ثم ذكر طرفاً مجملاً من أهوال يوم القيامة قائلاً ﴿ ويوم ﴾ أي واذكر يوم ﴿ نحشر من كل أمة فوجاً ﴾ أي جماعة كثيرة ﴿ ممن يكذب ﴾ هذه للتبيين والأولى للتبعيض وقوله ﴿ بآياتنا ﴾ يحتمل معجزات جميع الرسل أو القرآن خاصة.
وقد مر معنى قوله ﴿ فهم يوزعون ﴾ في وصف جنود سليمان أي يحبس أولهم على آخرهم حتى يجتمعوا فيكبكبوا في النار.
وعن ابن عباس: الفوج أبو جهل والوليد بن المغيرة وشيبة بن ربيعة يساقون بين يدي أهل مكة، وكذلك يحشر قادة سائر الأمم بين أيديهم إلى النار.
والواو في قوله ﴿ ولم تحيطوا ﴾ للحال كأنه قيل: أكذبتم بآياتي بادي الرأي من غير الوقوف على حقيقتها وأنها جديرة بالتصديق أو بالتكذيب.
ويجوز أن تكون الواو للعطف والمعنى أجحدتموها ومع جحودكم لم تلقوا أذهانكم لتفهمها، فقد يجحد المكتوب إليه كون الكتاب من عند من كتبه ومع ذلك لا يدع تفهم مضمونه وأن يحيط بمعانيه.
قال جار الله: ﴿ أمّاذا كنتم تعملون ﴾ للتبكيت لا غير لأنهم لم يعملوا إلا التكذيب ولم يشتهر من حالهم إلا ذلك.
وجوّز أن يراد ما كان لكم عمل في الدنيا إلا الكفر والتكذيب أم ماذا كنتم تعملون من غير ذلك كأنكم لم تخلقوا إلا لأجله.
وقال غيره: أراد لما لم يشتغلوا بذلك العمل المهم وهو التصديق فأيّ شيء يعملونه بعد ذلك؟
لأن كل عمل سواه فكأنه ليس بعمل.
قال المفسرون: يخاطبون بهذا قبل كبهم في النار ثم يكبون فيها وذلك قوله ﴿ ووقع القول عليهم ﴾ أي العذاب الموعود يغشاهم بسبب ظلمهم وهو التكذيب بآيات الله فيشغلهم عن النطق والاعتذار.
ثم بعد أن خوّفهم بأهوال القيامة وأحوالها ذكر ما يصلح أن يكون دليلاً على التوحيد وعلى الحشر وعلى النبوّة مبالغة في الإرشاد إلى الإيمان والمنع من الكفر فقال ﴿ ألم يروا ﴾ الآية.
ووجه دلالته على التوحيد أن التقليب من النور إلى الظلمة وبالعكس لا يتم إلا بقدرة قاهرة، ودلالته على الحشر أن النوم يشبه الموت والانتباه يشبه الحياة، ودلالته على النبوّة أن كل هذا لمنافع المكلفين وفي بعثة الرسل إلى الخلق ايضاً منافع جمة، فما المانع لمفيض الخيرات من إيصال بعض المنافع دون البعض، أو من رعاية بعض المصالح دون البعض؟
ووصف النهار بالإبصار إنما هو باعتبار صاحبه وقد مر في "يونس".
والتقابل مراعى في الآية من حيث المعنى كأنه قيل: ليسكنوا فيه وليبصروا فيه طرق التقلب في المكاسب.
ثم عاد إلى ذكر علامة أخرى للقيامة فقال ﴿ ويوم ينفخ في الصور ﴾ وقد تقدم تفسيره في "طه" و"المؤمنين".
وقوله ﴿ ففزع ﴾ كقوله ﴿ ونادى ﴾ ﴿ وسيق ﴾ والمراد فزعهم عند النفخة الأولى حين يصعقون ﴿ إلا من شاء الله ﴾ قال أهل التفسير: إلا من ثبت الله قلبه من الملائكة.
وهم جبرائيل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل.
وقيل: هم الشهداء.
وعن الضحاك: الحور وخزنة النار وحملة العرش.
وعن جابر أن منهم موسى لأنه صعق مرة.
قال أهل البرهان: إنما قال في هذه السورة ﴿ ففزع ﴾ موافقة لقوله ﴿ وهم من فزع يومئذ آمنون ﴾ وفي "الزمر" قال ﴿ فصعق ﴾ لأن معناه فمات وقد سبق ﴿ إنك ميت وإنهم ميتون ﴾ .
ومعنى ﴿ داخرين ﴾ صاغرين أذلاء.
وقيل: معنى الإتيان حضورهم الموقف بعد النفخة الثانية.
وجوّز أن يراد رجوعهم إلى أمره وانقيادهم له.
قال أهل المناظرة: إن الأجسام الكبار إذا تحركت حركة سريعة على نهج واحد في السمت والكيفية ظن الناظر أنها واقفة مع أنها تمر مراً حثيثاً، فأخبر الله أن حال الجبال يوم القيامة كذلك تجمع فتسير كما تسير الريح السحاب، فإذا نظر الناظر حسبها جامدة أي واقفة في مكان واحد.
﴿ وهي تمرّ مرّ السحاب ﴾ قال جار الله ﴿ صنع الله ﴾ من المصادر المؤكدة كقوله "وعد الله" إلا أن مؤكدة محذوف وهو الناصب لـ ﴿ يوم ينفخ ﴾ والمعنى يوم ينفخ في الصور فكان كيت وكيت، أثاب الله المحسنين وعاقب المجرمين صنع الله، فجعل الإثابة والمعاقبة من جملة الأشياء التي أتقنها وأتى بها على وجه الحكمة والصواب.
قلت: لا يبعد أن يكون الناصب لـ ﴿ يوم ينفخ ﴾ هو "اذكر" مقدراً، ويكون ﴿ صنع الله ﴾ مصدراً مؤكداً لنفسه أي صنع تسيير الجبال ومرها صنع الله.
قال القاضي عبد الجبار: في قوله ﴿ أتقن كل شيء ﴾ دلالة على أن القبائح ليست من خلقه وإلا وجب وصفها بأنها متقنة ولكن الإجماع مانع منه.
وأجيب بأن الاية مخصوصة بغير الأعراض فإن الأعراض لا يمكن وصفها بالإتقان وهو الإحكام لأنه من أوصاف المركبات.
قلت: ولو سلم وصف الأعراض بالإتقان فوصف كل الأعراض به ممنوع فما من عام إلا وقد خص، ولو سلم فالإجماع المذكور لعله ممنوع يؤيده قوله ﴿ إنه خبير بما تفعلون ﴾ وإذا كان خبيراً بكل أفعال العباد على كل نحو يصدر عنهم وخلاف معلومه يمتنع أن يقع فقد صحت معارضة الشعري، وعلى مذهب الحكيم وقاعدته صدور الشر القليل من الحكيم لأجل الخير الكثير لا ينافي الإتقان والله أعلم.
ثم فصل أعمال العباد وجزاءها بقوله ﴿ من جاء بالحسنة فله خير منها ﴾ إلى آخر الآيتين.
وبيان الخيرية بالأضعاف وبأن العمل منقض والثواب دائم، وبأن فعل السيد بينه وبين فعل العبد بون بعيد على أن الأكل والشرب إنما هو جزاء الأعمال البدنية، وأما الأعمال القلبية من المعروفة والإخلاص فلا جزاء لها سوء الالتذاذ بلقاء الله والاستغراق في بحار الجمال والجلال جعلنا الله أهلاً لذلك.
وقيل: المراد فله خير حاصل منها.
وعن ابن عباس: أن الحسنة كلمة الشهادة التي هي أعلى درجات الإيمان.
واعترض عليه بأنه يلزم منه أن لا يعاقب مسلم.
وأجيب بأنه يكفي في الخيرية أن لا يكون عقابه مخلداً.
ثم وعد المحسنين أمراً آخر وهو قوله ﴿ وهم من فزع يومئذ آمنون ﴾ وآمن يعدّى بالجار وبنفسه.
والتنوين في فزع في إحدى القراءتين إما للنوع وهو فزع نوع العقاب فإن فزع الهيبة والجلال يلحق كل مكلف وهو الذي أثبته في قوله ﴿ ففزع من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله ﴾ وإما للتعظيم أي من فزع شديد لا يكتنهه الواصف وهو خوف النار آمنون.
وأما حال العصاة فأن تكب في النار فعبر عن الجملة بالوجه لأنه أشرف أو لأنهم يلقون في الجحيم منكوسين.
وقوله ﴿ هل تجزون ﴾ الخطاب فيه إما على طريقة الالتفات وإما على سبيل الحكاية بإضمار القول أي يقال لهم عند الكب هذا القول.
ثم ختم السورة بخلاصة ما أمر به رسوله وذلك أشياء منها: عبادة الرب .
ثم وصف الرب بأمرين احترازاً من ارباب أهل الشرك أولهما كونه رباً لما هو أقرب في نظر قريش وهو بلدة مكة حرسها الله.
وفيه نوع منة عليهم كقوله ﴿ حرماً آمناً ويتخطف الناس من حولهم ﴾ وثانيهما عام وهو قوله ﴿ وله كل شيء ﴾ ومنها أمره بالإسلام وهو الإذعان الكلي لأوامر الله بجميع أعضائه وجوارحه.
ومنها أمره بتلاوة القرآن أي بتلوّه اي أتباعه وقد قام رسول الله بكل ما أمر به أتم قيام حتى خوطب بقوله ﴿ ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى ﴾ ثم لما بين سيرته ذكر أن نفع الاهتداء وبال الضلال لا يعود إلا إلى المكلف أو عليه وليس على الرسول إلا البلاغ والإنذار.
ثم جعل ختم الخاتمة الأمر بالحمد كما هو صفة أهل الجنة وبعد أمره بالحمد على نعمة النبوة والرسالة هدّد أعداءه بما سيريهم في الآخرة من الآيات الملجئة إلى الإقرار وذلك حين لا ينفعهم الإيمان.
قاله الحسن.
وعن الكلبي: هي الدخان وانشقاق القمر وما حل بهم من العقوبات في الدنيا.
﴿ وما ربك بغافل عما تعملون ﴾ ولكنه من وراء جزاء العاملين.
التأويل: ﴿ قل سيروا ﴾ في أرض البشرية ﴿ فانظروا كيف كان عاقبة المجرمين ﴾ لأن خواص نفوسهم انموذج من جهنم كما أن خواص أهل القلوب انموذج من الجنة ﴿ وإن ربك ليعلم ما تكن صدورهم ﴾ لأنه خمر طينة آدم بيديه اربعين صباحاً ونفخ فيه من روحه فهو مطلع على قالبه وعلى قلبه ولهذا قال ﴿ وما من غائبة ﴾ من الخواص في سماء القلب وأرض القالب ﴿ إلا في كتاب مبين ﴾ وهو علم الله أن هذا القرآن يقص لأن كل كتاب كان مشتملاً على شرح مقام ذلك النبي ولم يكن لنبي مقام في القرب مثل نبينا، فلا جرم لم يكن في كتبهم من الحقائق مثل ما في القرآن ولهذا قال ﴿ إن ربك يقضي بينهم ﴾ اي بين هذه الأمة وبين أمة كل نبي بحكمه أي بحكمته بأن يبلغ متابعي كل نبي إلى مقام نبيهم ويبلغ متابعي نبينا إلى مقام المحبة.
فاتبعوني يحببكم الله ﴿ وهو العزيز ﴾ الذي لعزته لا يهدي كل مثمن إلى مقام حبيبه ﴿ العليم ﴾ بمن يستحق هذا المقام.
﴿ فتوكل على الله إنك على الحق المبين ﴾ في دعوة الخلق إلى الله ﴿ وإذا وقع القول عليهم ﴾ وذلك بعد البلوغ ومضى زمان الرعي في مراتع البهيمية ﴿ أخرجنا لهم ﴾ من تحت أرض البشرية ﴿ دابة تكلمهم أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون ﴾ وهي النفس الناطقة فإنها إلى الآن كانت موصوفة بصفة الصمم والبكم بتبعية النفس الأمارة التي لا توقن هي وصفاتها بالدلائل.
﴿ ويوم نحشر من كل أمة فوجاً ممن يكذب بآياتنا فهم يوزعون ﴾ من كلامه وهي صفات الروح والقلب وذلك بعد التصفية والمداومة على الذكر والفكر، حتى إذا رجعوا إلى الحضرة ﴿ قال أكذبتم بآياتي ولم تحيطوا بها علماً أماذا كنتم تعملون ﴾ بعد أن كنتم مصدقيها عند خطاب ﴿ ألست بربكم ﴾ وهذا خطاب فيه استبطاء وعتاب وقع قول يحبهم عليه بدل ما ظلموا فهم لا ينطقون كقوله "من عرف الله كل لسانه" ﴿ ألم يروا أنا جعلنا الليل ليسكنوا فيه والنهار مبصراً ﴾ جعلنا ليل البشرية سبباً لاستجمام القلب ونهار الروحانية بتجلي شمس الربوبية مبصراً يبصر به الحق من الباطل.
﴿ ويوم ينفخ ﴾ إسرافيل المحبة في صور القلب ﴿ ففزع ﴾ من في سموات الروح من الصفات الروحانية ومن في أرض البشرية من الصفات النفسانية ﴿ إلا من شاء الله ﴾ من أهل البقاء الذين أحيوا بحياته وأفاقوا بعد صعقة الفناء وهي النفخة الأولى في بداية تأثير العناية للهداية وإلقاء المحبة التي تظهر القيامة في شخص المحب.
وفزع الصفات هيجانها للطلب بتهييج أنوار المحبة ﴿ إلا من شاء الله ﴾ وهو الخفي وهي لطيفة في الروح بالقوة وإنما تصير بالفعل عند طلوع شموع الشواهد وآثار التجلي فلا يصيبه الفزع بالنفخة الأولى ولا تدركه الصعقة بالنفخة الثانية ﴿ وترى ﴾ جبال الأشخاص ﴿ جامدة ﴾ على حالها ﴿ وهي تمر ﴾ بالسير في الصفات وتبديل الأخلاق ﴿ مر السحاب ﴾ ﴿ رب هذه البلدة ﴾ وهي القلب والرب هو الله كما أن رب بلدة القالب هو النفس الأمارة وأنه تعالى حرم بلدة القلب على الشيطان كما قال ﴿ يوسوس في صدور الناس ﴾ دون أن يقول "في قلوب الناس" ﴿ سيريكم آياته فتعرفونها ﴾ فيه إذا لم ير الآيات لم يمكن عرفانها اللهم اجعلنا من العارفين واكشف عنا غطاءنا بحق محمد وآله صلى الله وسلم عليهم.
قوله: ﴿ إِنَّمَآ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ ٱلْبَلْدَةِ ٱلَّذِي حَرَّمَهَا ﴾ .
قوله: ﴿ حَرَّمَهَا ﴾ يحتمل وجهين: يحتمل ﴿ حَرَّمَهَا ﴾ أي: منعها من الاستلاب والاختطاف فيها؛ كقوله: ﴿ وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ ٱلْمَرَاضِعَ ﴾ ليس على التحريم حتى لا يحل له ذلك، ولكن على المنع والحظر، أي: منعنا منه المراضع.
والثاني: على التحريم نفسه، وهو ما جعل في كل أحد من الكافر والمسلم في الجاهلية والإسلام حرمة ذلك المكان؛ حتى لا يتناول أحد من صيد تلك البقعة ومن شجرها وحشيشها، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ * وَأَنْ أَتْلُوَاْ ٱلْقُرْآنَ ﴾ : أيضاً عليكم كأنهم أوعدوه بوعيد وخوفوه به، وطلبوا منه الموافقة لهم، فقال عند ذلك لهم: إنما أمرت أن أعبد ربّ هذه البلدة، وهو رب كل شيء، أي: أمرت أن أكون عبدا له، لا أجعل نفسي عبدا لغيره، وأمرت - أيضاً - أن أجعل نفسي سالماً له، لا أجعل لأحد فيها شركا كما جعلتم أنتم - أيضاً - ذلك كله.
وأمرت - أيضاً - أن أتلو القرآن عليكم، فأنا أتلوه عليكم كذبتموني أو لم تكذبوني، فإني لا أخاف كيدكم ولا مكركم، والله أعلم.
وفي قوله: ﴿ إِنَّمَآ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ ٱلْبَلْدَةِ ٱلَّذِي حَرَّمَهَا ﴾ دلالة لزوم الرسالة؛ لأن أهل مكة وغيرهم قد أقروا جميعاً بحرمة تلك البقعة من أوائلهم وأواخرهم، فما عرفوا ذلك إلا بالرسل؛ دل أن أوائلهم يقرون بالرسل والنبوة، فعلى ذلك يلزم هؤلاء الإقرار بها، والله أعلم.
وقوله: ﴿ فَمَنِ ٱهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ﴾ : يخبر: أن من آمن وقبل الهدى فإنما يفعل ذلك لمنفعة نفسه، ومن ضل - أيضاً - فإنما يكون ضرره عليه؛ كقوله: ﴿ مَّنْ عَمِلَ صَـٰلِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا ﴾ .
وقوله: ﴿ فَقُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ مِنَ ٱلْمُنذِرِينَ ﴾ أي: ليس عليّ إلا الإنذار، فأمّا غير ذلك فذلك عليكم؛ كقوله: ﴿ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَّا حُمِّلْتُمْ ﴾ ، وقوله: ﴿ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِّن شَيْءٍ ﴾ .
وقوله: ﴿ وَقُلِ ٱلْحَمْدُ للَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ ﴾ : هذا يحتمل وجهين: أحدهما: سيريهم آيات وحدانيته وربوبيته، وآيات رسالته.
وقوله: ﴿ فَتَعْرِفُونَهَا ﴾ أي: بالآيات ما ذكر؛ كقوله: ﴿ سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي ٱلآفَاقِ وَفِيۤ أَنفُسِهِمْ ﴾ .
والثاني: سيريهم ما وعد لهم من النصر والمعونة ليعرفوه عياناً على ما عرفوه خبرا.
وقوله - -: ﴿ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾ : قال بعضهم: هذا الحرف توبيخ للظالم وتعيير وزجر، وتعزية للمظلوم وتسل له.
وقال بعضهم: هذا الحرف ترغيب وترهيب.
قال القتبي: قوله: ﴿ رَدِفَ لَكُم ﴾ أي: تبعكم، واللام زائدة؛ كأنه قال: ردفكم، والله أعلم بالصواب.
قل لهم -أيها الرسول-: إنما أمرت أن أعبد رب مكة الَّذي حرمها، فلا يُسْفك فيها دم، ولا يُظْلم فيها أحد، ولا يُقْتل صيدها، ولا يُقْطع شجرها، وله سبحانه ملك كل شيء، وأمِرْت ان أكون من المستسلمين لله المنقادين له بالطاعة.
<div class="verse-tafsir" id="91.QXYn1"