الإسلام > القرآن > سور > سورة 27 النمل > الآية ٩٠ من سورة النمل
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 83 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٩٠ من سورة النمل: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها.
وقوله : ( ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار ) أي : من لقي الله مسيئا لا حسنة له ، أو : قد رجحت سيئاته على حسناته ، كل بحسبه ; ولهذا قال : ( هل تجزون إلا ما كنتم تعملون ) .
وقال ابن مسعود وأبو هريرة وابن عباس ، رضي الله عنهم ، وأنس بن مالك ، وعطاء ، وسعيد بن جبير ، وعكرمة ، ومجاهد ، وإبراهيم النخعي ، وأبو وائل ، وأبو صالح ، ومحمد بن كعب ، وزيد بن أسلم ، والزهري ، والسدي ، والضحاك ، والحسن ، وقتادة ، وابن زيد ، في قوله : ( ومن جاء بالسيئة ) يعني : بالشرك .
حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس, قوله: ( وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ ) قال: بالشرك.
حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: ( مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ ) قال: كلمة الإخلاص ( وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ ) قال: الشرك.
حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد بنحوه.
قال ابن جُرَيج: وسمعت عطاء يقول فيها الشرك, يعني في قوله: (وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ ).
حدثنا ابن حميد, قال: ثنا جرير, عن أبي المحجل, عن أبي معشر, عن إبراهيم, قال: كان يحلف ما يستثني, أنَّ(مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ ) قال: لا إله إلا الله,( وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ ) قال: الشرك.
حدثنا ابن حميد, قال: ثنا جرير, عن عبد الملك, عن عطاء مثله.
حدثنا أبو كُرَيب, قال: ثنا جابر بن نوح, قال: ثنا موسى بن عبيدة, عن محمد بن كعب: ( وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ ) قال: الشرك.
حدثني أبو السائب, قال: ثنا حفص, قال: ثنا سعيد بن سعيد, عن عليّ بن الحسين, وكان رجلا غزّاء, قال: بينا هو في بعض خلواته حتى رفع صوته: لا إله إلا الله وحده لا شريك له, له المُلك وله الحمد يحيي ويميت, بيده الخير, وهو على كل شيء قدير; قال: فردّ عليه رجل: ما تقول يا عبد الله؟
قال: أقول ما تسمع, قال: أما إنها الكلمة التي قال الله: ( مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ ).
حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قَتادة: ( مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ ) قال: الإخلاص (وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ ) قال: الشرك.
حُدثت عن الحسين, قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد, قال: سمعت الضحاك يقول, في قوله: (وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ ) يعني: الشرك.
حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثنا أبو سفيان, عن معمر, عن الحسن: ( وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ ) يقول: الشرك.
حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد: ( وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ ) قال: السيئة: الشرك الكفر.
حدثني سعد بن عبد الله بن عبد الحكم قال: ثنا حفص بن عمر العدني, قال: ثنا الحكم بن أبان, عن عكرِمة, قوله: (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ ) قال: شهادة أن لا إله إلا الله (وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ ) قال: السيئة: الشرك.
قال الحكم: قال عكرمة: كل شيء في القرآن السيئة فهو الشرك.
وبنحو الذي قلنا في معنى قوله: ( فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا ) قال أهل التأويل.
*ذكر من قال ذلك: حدثني عليّ, قال: ثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس: ( فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا ) فمنها وصل إليه الخير, يعني ابن عباس بذلك: من الحسنة وصل إلى الذي جاء بها الخير.
حدثنا محمد بن بشار, قال: ثنا روح بن عبادة, قال: ثنا حسين الشهيد, عن الحسن: ( مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا ) قال: له منها.
حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثنا أبو سفيان, عن معمر, عن الحسن, قال: من جاء بلا إله إلا الله, فله خير منها خيرا (1) .
حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قوله: (فله خير مِنْهَا ) يقول: له منها حظّ.
حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج: ( مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا ) قال: له منها خير; فأما أن يكون خيرا من الإيمان فلا ولكن منها خير يصيب منها خيرا.
حدثنا سعد بن عبد الله بن عبد الحكم, قال: ثنا حفص بن عمر, قال: ثنا الحكم, عن عكرمة, قوله: ( مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا ) قال: ليس شيء خيرا من لا إله إلا الله, ولكن له منها خير.
وكان ابن زيد يقول في ذلك ما حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا ) قال: أعطاه الله بالواحدة عشرا, فهذا خير منها.
واختلفت القرّاء في قراءة قوله: ( وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ ) فقرأ ذلك بعض قرّاء البصرة: " وَهُمْ مِنْ فَزعِ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ" بإضافة فزع إلى اليوم.
وقرأ ذلك جماعة قرّاء أهل الكوفة: ( مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ ) بتنوين فزع.
والصواب من القول في ذلك عندي أنهما قراءتان مشهورتان في قراءة الأمصار متقاربتا المعنى, فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب, غير أن الإضافة أعجب إليّ, لأنه فزع معلوم.
وإذا كان ذلك كذلك كان معرفة على أن ذلك في سياق قوله: وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ فإذا كان ذلك كذلك, فمعلوم أنه عني بقوله: (وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ ) من الفزع الذي قد جرى ذكره قبله.
وإذا كان ذلك كذلك, كان لا شك أنه معرفة, وأن الإضافة إذا كان معرفة به أولى من ترك الإضافة; وأخرى أن ذلك إذا أضيف فهو أبين أنه خبر عن أمانه من كلّ أهوال ذلك اليوم منه إذا لم يضف ذلك, وذلك أنه إذا لم يضف كان الأغلب عليه أنه جعل الأمان من فزع بعض أهواله.
وقوله: ( هَلْ تُجْزَوْنَ إِلا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) يقول تعالى ذكره.
يقال لهم: هل تجزون أيها المشركون إلا ما كنتم تعملون, إذ كبكم الله لوجوهكم في النار, وإلا جزاء ما كنتم تعملون في الدنيا بما يسخط ربكم; وترك " يقال لهم " اكتفاء بدلالة الكلام عليه.
قوله تعالى : ومن جاء بالسيئة أي بالشرك ، قاله ابن عباس والنخعي وأبو هريرة ومجاهد وقيس بن سعد والحسن ، وهو إجماع من أهل التأويل في أن الحسنة لا إله إلا الله ، وأن السيئة الشرك في هذه الآية .
فكبت وجوههم في النار قال ابن عباس : ألقيت .
وقال الضحاك : طرحت ، ويقال كببت الإناء أي قلبته على وجهه ، واللازم منه : أكب ، وقلما يأتي هذا [ ص: 227 ] في كلام العرب ( هل تجزون ) أي يقال لهم : هل تجزون .
ثم يجوز أن يكون من قول الله ، ويجوز أن يكون من قول الملائكة إلا ما كنتم تعملون أي إلا جزاء أعمالكم .
{ وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ } اسم جنس يشمل كل سيئة { فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ } أي: ألقوا في النار على وجوههم ويقال لهم: { هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ }
( ومن جاء بالسيئة ) يعني الشرك ، ( فكبت وجوههم في النار ) يعني ألقوا على وجوههم ، يقال : كببت الرجل : إذا ألقيته على وجهه ، فانكب وأكب ، وتقول لهم خزنة جهنم : ( هل تجزون إلا ما كنتم تعملون ) في الدنيا من الشرك .
«ومن جاء بالسيئة» أي الشرك «فكبت وجوههم في النار» بأن وليتها، وذكرت الوجوه لأنها موضع الشرف من الحواس فغيرها من باب أولى ويقال لهم تبكيتاً «هل» ما «تجزون إلا» جزاء «ما كنتم تعملون» من الشرك والمعاصي قل لهم:
ومن جاء بالشرك والأعمال السيئة المنكرة، فجزاؤهم أن يكبَّهم الله على وجوههم في النار يوم القيامة، ويقال لهم توبيخًا: هل تجزون إلا ما كنتم تعملون في الدنيا؟
ثم بين - سبحانه - سوء عاقبة من يأتى بالسيئات فقال : ( وَمَن جَآءَ بالسيئة فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النار ) .قال ابن كثير : قال ابن مسعود : وأبو هريرة ، وابن عباس ، وأنس بن مالك ، وعطاء ، وسعيد بن جبير ، وغيرهم : ( مَن جَآءَ بالسيئة ) أى الشرك .ولعل مما يؤيد أن المراد بالسيئة هنا : الشرك .
قوله - تعالى - : ( فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النار ) لأن هذا الجزاء الشديد ، يتناسب مع رذيلة الشرك - والعياذ بالله - .أى : ومن جاء بالفعلة الشنيعة فى السوء ، وهى الإشراك بالله ( فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النار ) أى : فألقوا بسبب شركهم فى النار على وجوههم منكوسين .يقال : كب فلان فلانا على وجهه ، وأكبه ، إذا نكسه وقلبه على وجهه .وفى كبهم على وجوههم فى النار ، زيادة فى إهانتهم وإذلالهم لأن الوجه هو مجمع المحاسن ، ومحل المواجهة للغير .والاستفهام فى قوله - تعالى - : ( هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ) لزيادة توبيخهم وتقريعهم والجملة بإضمار قول محذوف .أى : والذين جاءوا بالأفعال السيئة فى دنياهم ، يكبون على وجوههم فى النار يوم القيامة ، ويقال لهم على سبيل الزجر والتأنيب : ما حل بكم من عذاب هو بسبب أعمالكم وشرككم .وكون المراد بالسيئة هنا الشرك ، لا يمنع من أن الذى يرتكب السيئات من المسلمين ، يعاقب عليها ما لم يتب منها فالله - تعالى - يقول : ( لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ ولا أَمَانِيِّ أَهْلِ الكتاب مَن يَعْمَلْ سواءا يُجْزَ بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ الله وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً )
اعلم أنه تعالى لما تكلم في علامات القيامة شرح بعد ذلك أحوال المكلفين بعد قيام القيامة والمكلف إما أن يكون مطيعاً أو عاصياً، أما المطيع فهو الذي جاء بالحسنة وله أمران: أحدهما: أن له ما هو خير منها وذلك هو الثواب، فإن قيل الحسنة التي جاء العبد بها يدخل فيها معرفة الله تعالى والإخلاص في الطاعات والثواب، إنما هو الأكل والشرب فكيف يجوز أن يقال الأكل والشرب خير من معرفة الله جوابه من جوابه: أحدها: أن ثواب المعرفة النظرية الحاصلة في الدنيا هي المعرفة الضرورية الحاصلة في الآخرة، ولذة النظر إلى وجهه الكريم سبحانه وتعالى، وقد دلت الدلائل على أن أشرف السعادات هي هذه اللذة، ولو لم تحمل الآية على ذلك لزم أن يكون الأكل والشرب خيراً من معرفة الله تعالى وأنه باطل.
وثانيها: أن الثواب خير من العمل من حيث إن الثواب دائم والعمل منقضي ولأن العمل فعل العبد، والثواب فعل الله تعالى.
وثالثها: ﴿ فَلَهُ خَيْرٌ مّنْهَا ﴾ أي له خير حاصل من جهتها وهو الجنة.
السؤال الثاني: الحسنة لفظة مفردة معرفة، وقد ثبت أنها لا تفيد العموم بل يكفي في تحققها حصول فرد، وإذا كان كذلك فلنحملها على أكمل الحسنات شأناً وأعلاها درجة وهو الإيمان، فلهذا قال ابن عباس من أفراد الحسنة كلمة الشهادة، وهذا يوجب القطع بأن لا يعاقب أهل الإيمان وجوابه: ذلك الخير هو أن لا يكون عقابه مخلداً الأمر الثاني: للمطيع هو أنهم آمنون من كل فزع، لا كما قال بعضهم إن أهوال القيامة تعم المؤمن والكافر، فإن قيل أليس أنه تعالى قال في أول الآية: ﴿ فَفَزِعَ مَن فِي السموات وَمَن فِي الأرض ﴾ فكيف نفى الفزع ههنا؟
جوابه: أن الفزع الأول هو ما لا يخلو منه أحد عند الإحساس لشدة تقع وهو يفجأ من رعب وهيبة وإن كان المحسن يأمن وصول ذلك الضرر إليه كما قيل، يدخل الرجل بصدر هياب وقلب وجاب، وإن كانت ساعة إعزاز وتكرمة، وأما الثاني فالخوف من العذاب.
أما قراءة من قرأ من فزع بالتنوين فهي تحتمل معنيين من فزع واحد وهو خوف العقاب، وأما ما يلحق الإنسان من الهيبة والرعب عند مشاهدة الأهوال فلا ينفك منه أحد، وفي الأخبار ما يدل عليه، ومن فزع شديد مفرط الشدة لا يكتنهه الوصف، وهو خوف النار وأمن يعدي بالجار وبنفسه كقوله تعالى: ﴿ أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ الله فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ الله ﴾ فهذا شرح حال المطيعين، أما شرح حال العصاة فهو قوله: ﴿ وَمَن جَاء بالسيئة ﴾ قيل السيئة الإشراك وقوله: ﴿ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النار ﴾ فاعلم أنه يعبر عن الجملة بالوجه والرأس والرقبة فكأنه قيل فكبوا في النار كقوله: ﴿ فَكُبْكِبُواْ ﴾ ويجوز أن يكون ذكر الوجوه إيذاناً بأنهم يلقون على وجوههم فيها (مكبوبين).
أما قوله: ﴿ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ فيجوز فيه الالتفات، وحكاية ما يقال لهم عند الكب بإضمار القول.
<div class="verse-tafsir"
﴿ جَامِدَةً ﴾ من جمد في مكانه إذا لم يبرح.
تجمع الجبال فتسير كما تسير الريح السحاب، فإذا نظر إليها الناظر حسبها واقفه ثابتة في مكان واحد ﴿ وَهِىَ تَمُرُّ ﴾ مرّاً حثيثاً كما يمر السحاب.
وهكذا الأجرام العظام المتكاثرة العدد: إذا تحرّكت لا تكاد تتبين حركتها، كما قال النابغة في وصف جيش: بِأَرْعَنَ مِثْلِ الطَّوْدِ تَحْسَبُ أَنَّهُمْ ** وُقُوفٌ لِحَاجٍ وَالرِّكَابُ تَهَمْلَجُ ﴿ صُنْعَ الله ﴾ من المصادر المؤكدة، كقوله: ﴿ وَعَدَ الله ﴾ [النساء: 95] .
و ﴿ صِبْغَةَ الله ﴾ [البقرة: 138] إلا أن مؤكده محذوف، وهو الناصب ليوم ينفخ، والمعنى: ويوم ينفخ في الصور وكان كيت وكيت أثاب الله المحسنين وعاقب المجرمين، ثم قال: صنع الله، يريد به: الإثابة والمعاقبة.
وجعل هذا الصنع من جملة الأشياء التي أتقنها وأتى بها على الحكمة والصواب، حيث قال: صنع الله ﴿ الذى أَتْقَنَ كُلَّ شَيْء ﴾ يعني أن مقابلته الحسنة بالثواب والسيئة بالعقاب: من جملة إحكامه للأشياء وإتقانه لها، وإجرائه لها على قضايا الحكمة أنه عالم بما يفعل العباد وبما يستوجبون عليه، فيكافئهم على حسب ذلك.
ثم لخص ذلك بقوله: ﴿ مَن جآءَ بالحسنة ﴾ إلى آخر الآيتين، فانظر إلى بلاغة هذا الكلام، وحسن نظمه وترتيبه، ومكانة إضماده، ورصانة تفسيره وأخذ بعضه بحجزة بعض، كأنما أفرغ إفراغاً واحداً ولأمر مّا أعجز القوي وأخرس الشقاشق.
ونحو هذا المصدر إذا جاء عقيب كلام، جاء كالشاهد بصحته والمنادي على سداده، وأنه ما كان ينبغي أن يكون إلا كما قد كان.
ألا ترى إلى قوله: ﴿ صُنْعَ الله ﴾ ، و ﴿ صِبْغَةَ الله ﴾ [البقرة: 138] ، و ﴿ وَعَدَ الله ﴾ [النساء: 95] و ﴿ فِطْرَةَ الله ﴾ [الروم: 30] : بعدما وسمها بإضافتها إليه بسمة التعظيم، كيف تلاها بقوله: ﴿ الذى أَتْقَنَ كُلَّ شَيْء ﴾ ، ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ الله صِبْغَةً ﴾ [البقرة: 138] ﴿ لا يخلف الله الميعاد ﴾ [الزمر: 20] ﴿ لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ الله ﴾ [الروم: 30] وقرئ: ﴿ تفعلون ﴾ ، على الخطاب.
﴿ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا ﴾ يريد الإضعاف وأنّ العمل يتقضى والثواب يدوم، وشتان ما بين فعل العبد وفعل السيد.
وقيل: فله خير منها، أي: له خير حاصل من جهتها وهو الجنة، وعن ابن عباس؛ الحسنة كلمة الشهادة.
وقرئ: ﴿ يَوْمَئِذٍ ﴾ مفتوحاً مع الإضافة؛ لأنه أضيف إلى غير متمكن.
ومنصوباً مع تنوين فزع.
فإن قلت: ما الفرق بين الفزعين؟
قلت: الفزع الأوّل: هو ما لا يخلو منه أحد عند الإحساس بشدّة تقع وهول يفجأ، من رعب وهيبة، وإن كان المحسن يأمن لحاق الضرر به؛ كما يدخل الرجل على الملك بصدر هياب وقلب وجاب وإن كان ساعة إعزاز وتكرمة وإحسان وتولية.
وأمّا الثاني: فالخوف من العذاب.
فإن قلت: فمن قرأ ﴿ مِّن فَزَعٍ ﴾ بالتنوين ما معناه؟
قلت: يحتمل معنيين.
من فزع واحد وهو خوف العقاب، وأمّا ما يلحق الإنسان من التهيب والرعب لما يرى من الأهوال والعظائم، فلا يخلون منه؛ لأن البشرية تقتضي ذلك.
وفي الأخبار والآثار ما يدل عليه.
ومن فزع شديد مفرط الشدّة لا يكتنهه الوصف: وهو خوف النار.
أمن: يعدي بالجار وبنفسه، كقوله تعالى: ﴿ أفأمنوا مَكْرَ الله ﴾ [الأعراف: 99] .
وقيل: السيئة: الإشراك.
يعبر عن الجملة بالوجه والرأس والرقبة، فكأنه قيل: فكبوا في النار، كقوله تعالى: ﴿ فَكُبْكِبُواْ فِيهَا ﴾ [الشعراء: 94] ويجوز أن يكون ذكر الوجوه إيذاناً بأنهم يكبون على وجوههم فيها منكوسين ﴿ هَلْ تُجْزَوْنَ ﴾ يجوز فيه الالتفات وحكاية ما يقال لهم عند الكب بإضمار القول.
<div class="verse-tafsir"
﴿ مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها ﴾ إذْ ثَبَتَ لَهُ الشَّرِيفُ بِالخَسِيسِ والباقِي بِالفانِي وسَبْعُمِائَةٍ بِواحِدَةٍ، وقِيلَ ﴿ خَيْرٌ مِنها ﴾ أيْ خَيْرٌ حاصِلٌ مِن جِهَتِها وهو الجَنَّةُ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عُمَرَ وهِشامٌ ( خَبِيرٌ بِما يَفْعَلُونَ ) بِالياءِ والباقُونَ بِالتّاءِ.
﴿ وَهم مِن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ ﴾ يَعْنِي بِهِ خَوْفَ عَذابِ يَوْمِ القِيامَةِ، وبِالأوَّلِ ما يَلْحَقُ الإنْسانَ مِنَ التَّهَيُّبِ لِما يَرى مِنَ الأهْوالِ والعَظائِمِ ولِذَلِكَ يَعُمُّ الكافِرَ والمُؤْمِنَ، وقَرَأ الكُوفِيُّونَ بِالتَّنْوِينِ لِأنَّ المُرادَ فَزَعٌ واحِدٌ مِن أفْزاعِ ذَلِكَ اليَوْمِ، وآمَنَ يَتَعَدّى بِالجارِّ وبِنَفْسِهِ كَقَوْلِهِ ﴿ أفَأمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ ﴾ .
وقَرَأ الكُوفِيُّونَ ونافِعٌ ( يَوْمَئِذٍ ) بِفَتْحِ المِيمِ والباقُونَ بِكَسْرِها.
﴿ وَمَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ ﴾ قِيلَ بِالشِّرْكِ.
﴿ فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ ﴾ فَكُبُّوا فِيها عَلى وُجُوهِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالوُجُوهِ أنْفُسُهم كَما أُرِيدَتْ بِالأيْدِي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلا تُلْقُوا بِأيْدِيكم إلى التَّهْلُكَةِ ﴾ .
﴿ هَلْ تُجْزَوْنَ إلا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ عَلى الِالتِفاتِ أوْ بِإضْمارِ القَوْلِ أيْ قِيلَ لَهم ذَلِكَ.
<div class="verse-tafsir"
{وَمَن جَاء بالسيئة} بالشرك {فَكُبَّتْ} ألقيت {وُجُوهُهْم في النار}
يقال كببت الرجل ألقيته على وجهه أي ألقوا على رؤوسهم في النار أو عبر عن الجملة بالوجه كما بعبر بالرأس والرقبة عنها أي ألقوا في النار ويقال لهم تبكيتاً عند الكب {هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} في الدنيا من الشرك والمعاصي
﴿ ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ ﴾ وهو الشِّرْكُ وبِهِ فَسَّرَها مَن فَسَّرَ الحَسَنَةَ بِشَهادَةِ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وقَدْ عَلِمْتُ مَن هُمْ، وقِيلَ: المُرادُ بِها ما يَعُمُّ الشِّرْكَ وغَيْرَهُ مِنَ السَّيِّئاتِ: ﴿ فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ ﴾ أيْ كُبُّوا فِيها عَلى وُجُوهِهِمْ مَنكُوسِينَ، فَإسْنادُ الكَبِّ إلى الوُجُوهِ مَجازِيٌّ لِأنَّهُ يُقالُ كَبَّهُ وأكَبَّهُ إذا نَكَّسَهُ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالوُجُوهِ الأنْفَسُ كَما أُرِيدَتْ بِالأيْدِي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولا تُلْقُوا بِأيْدِيكم إلى التَّهْلُكَةِ ﴾ أيْ فَكُبَّتْ أنْفُسُهم في النّارِ ﴿ هَلْ تُجْزَوْنَ إلا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ عَلى الِالتِفاتِ لِلتَّشْدِيدِ أوْ عَلى إضْمارِ القَوْلِ أيْ مَقُولًا لَهم ذَلِكَ فَلا التِفاتَ فِيهِ لِأنَّهُ في كَلامٍ آخَرَ ومِن شُرُوطِ الِالتِفاتِ اتِّحادُ الكَلامَيْنِ كَما حَقَّقَ في المَعانِي، واسْتَدَلَّ بَعْضُ المُرْجِئَةِ القائِلِينَ بِأنَّهُ لا يَضُرُّ مَعَ الإيمانِ مَعْصِيَةٌ كَما لا يَنْفَعُ مَعَ الكُفْرِ طاعَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ ﴾ إلَخْ عَلى أنَّ المُؤْمِنَ العاصِيَ لا يُعَذَّبُ يَوْمَ القِيامَةِ وإلّا لَمْ يَكُنْ آمِنًا مِن فَزَعِ مُشاهِدَةِ العَذابِ يَوْمَئِذٍ وهو خِلافُ ما دَلَّتْ عَلَيْهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ، وأُجِيبَ بِمَنعِ دُخُولِ المُؤْمِنِ العاصِي في عُمُومِ الآيَةِ لِأنَّ المُرادَ بِالحَسَنَةِ الحَسَنَةُ الكامِلَةُ وهو الإيمانُ الَّذِي لَمَّ تُدَنِّسْهُ مَعْصِيَةٌ، وذَلِكَ غَيْرُ مُتَحَقِّقٍ فِيهِ أوْ لِأنَّ المُتَبادِرَ المَجِيءُ بِالحَسَنَةِ غَيْرَ مَشُوبَةٍ بِسَيِّئَةٍ وهو أيْضًا غَيْرُ مُتَحَقِّقٍ فِيهِ ومَن تَحَقَّقَ فِيهِ فَهو آمَنُ مِن ذَلِكَ الفَزَعِ بَلْ لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ آمِنًا مِن كُلِّ فَزَعٍ مَن أفَزاعِ يَوْمِ القِيامَةِ وإنْ سُلِّمَ الدُّخُولُ قُلْنا المُرادُ بِالفَزَعِ الآمِنِ مِنهُ مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ ما يَكُونُ حِينَ يُذْبَحُ المَوْتُ ويُنادِي المُنادِي يا أهْلَ الجَنَّةِ خُلُودٌ فَلا مَوْتَ ويا أهْلَ النّارِ خُلُودٌ فَلا مَوْتَ كَما سَمِعْتُ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أوْ حِينَ تُطْبِقُ جَهَنَّمُ عَلى أهْلِها فَيَفْزَعُونَ كَما رُوِيَ عَنِ الكَلْبِيِّ ولَيْسَ ذَلِكَ إلّا بَعْدَ تَكامُلِ أهْلِ الجَنَّةِ دُخُولًا الجَنَّةَ والعَذابُ الَّذِي يَكُونُ لِبَعْضِ عُصاةِ المُؤْمِنِينَ إنَّما هو قَبْلَ ذَلِكَ والآيَةُ لا تَدُلُّ عَلى نَفْيِهِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ.
وأجابَ بَعْضُهم بِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُؤْمِنُ العاصِي آمِنًا مِن فَزَعِ مُشاهِدَةِ العَذابِ، وإنْ عُذِّبَ لِعِلْمِهِ بِأنَّهُ لا يَخْلُدُ فَيُعَدُّ عَذابُهُ كالمَشاقِّ الَّتِي يَتَكَلَّفُها المُحِبُّ في طَرِيقِ وِصالِ المَحْبُوبِ وهَذا في غايَةِ السُّقُوطِ كَما لا يَخْفى.
واسْتَدَلَّ بَعْضُ المُعْتَزِلَةِ بِقَوْلِهِ تَعالى: (مَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ) إلَخْ عَلى عَدَمِ الفَرْقِ بَيْنَ عَذابِ الكافِرِ وعَذابِ المُؤْمِنِ العاصِي لِأنَّ (مَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ) يَعُمُّهُما وقَدْ أُثْبِتَ لَهُ الكَبُّ عَلى الوُجُوهِ في النّارِ فَحَيْثُ كانَ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلى الكافِرِ عَلى وجْهِ الخُلُودِ كانَ بِالنِّسْبَةِ إلى المُؤْمِنِ العاصِي كَذَلِكَ، وأُجِيبَ بِأنَّ المُرادَ بِالسَّيِّئَةِ الإشْراكُ كَما رُوِيَ تَفْسِيرُها بِهِ عَنْ أكْثَرِ سَلَفِ الأُمَّةِ فَلا يَدْخُلُ المُؤْمِنُ العاصِي فِيمَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ ولَوْ سُلِّمَ دُخُولُهُ بِناءً عَلى القَوْلِ بِعُمُومِ السَّيِّئَةِ فَلا نُسَلِّمُ أنَّ في الآيَةِ دَلالَةً عَلى خُلُودِهِ في النّارِ وكَوْنُ الكَبِّ في النّارِ بِالنِّسْبَةِ إلى الكافِرِ عَلى وجْهِ الخُلُودِ لا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ كَذَلِكَ فَكَثِيرًا ما يُحْكَمُ عَلى جَماعَةٍ بِأمْرٍ كُلِّيٍّ ويَكُونُ الثّابِتُ لِبَعْضِهِمْ نَوْعًا ولِلْبَعْضِ الآخَرِ نَوْعًا آخَرَ مِنهُ وهَذا مِمّا لا رَيْبَ فِيهِ، ثُمَّ إنَّ الآيَةَ مِن بابِ الوَعِيدِ فَيُجْرى فِيهِ عَلى تَقْدِيرِ دُخُولِ المُؤْمِنِ العاصِي في عُمُومٍ مِن ما قالَهُ الأشاعِرَةُ في آياتِ الوَعِيدِ فافْهَمْ وتَأمَّلْ.
<div class="verse-tafsir"
وقال عز وجل: وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ أي: واذكر يوم ينفخ إسرافيل فى الصور فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ أي: من شدة الصوت والفزع.
ويقال: ماتوا.
وقال بعضهم: النفخ ثلاثة: أحدها: الفزع وهو قوله: فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ ونفخة أخرى للموت.
وهو قوله: فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ [الزمر: 68] ونفخة للبعث وهي قوله ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ [الزمر: 68] وقال بعضهم: إنما هما نفختان: فالفزع والصعق كناية عن الهلاك، ثم نفخة للبعث ثم قال: إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ قال بعضهم: يعني أرواح الشهداء وهي أحياء عند ربهم.
وقال بعضهم: يعني من في الجنة ومن في النار من الخدم والخزنة.
وقال بعضهم: إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ يعني: جبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل، ثم يموتون بعد ذلك وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ.
روى سفيان بإسناده عن عبد الله بن مسعود أنه قرأ: وَكُلٌّ أَتَوْهُ بغير مد ونصب التاء، وهي قراء حمزة وعاصم في رواية حفص.
وقرأ الباقون بالمد والضم.
ومن قرأ بالمد والضم، فمعناه: كل حاضروه داخِرِينَ أي: صاغرين.
ويقال: متواضعين.
ومن قرأ بغير مد يعني: يأتون الله عز وجل.
وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً يعني: تحسبها واقفة مكانها ويقال: مستقرة وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ حتى تقع على الأرض فتستوي، يعني: في أعين الناظرين كأنها واقفة.
قال القتبي: وكذلك كل عسكر غض به الفضاء أو شيء عظيم، فينظر الناظر، فيرى أنها واقفة وهي تسير.
ثم قال عز وجل: صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ يعني: أحكم خلق كل شيء.
ويقال: الشيء المتقن: أن يكون وثيقاً ثابتاً، فما كان من صنع غيره يكون واهياً، ولا يكون متقناً ثم قال: إِنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ أي: عليم بما فعلتم.
قوله عز وجل: مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ يعني: بالإيمان والتوحيد، وهو: كلمة الإخلاص وشهادة أن لا إله إلا الله فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها على وجه التقديم، وله منها خير أي: حين ينال بها الثواب والجنة.
ويقال: فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها.
أي: خير من الحسنة.
يعني: أكثر منها للواحد عشرة.
ويقال: فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها من الحسنة، وهي الجنة، لأن الجنة هي عطاؤه وفضله، والعمل هو اكتساب العبد، فما كان من فضله وعطائه، فهو أفضل، وهذا تفسير المعتزلة، والأول قول المفسرين.
ثمّ قال: وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ يعني: من فزع يوم القيامة آمِنُونَ.
قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر مِنْ فَزَعٍ بغير تنوين، وَيَوْمَئِذٍ بكسر الميم، وقرأ نافع في رواية ورش مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ بغير تنوين ونصب الميم وقرأ الباقون بالتنوين، ونصب الميم.
قال أبو عبيد: وبالإضافة نقرأ، لأنه أعم التأويلين أن يكون الأمن من جميع فزع ذلك اليوم، وإذا قال: فَزَعٍ بالتنوين، صار كأنه قال: فزع دون فزع.
وقال غيره: إنما أراد به الفزع الأكبر، لأن بعض الأفزاع تصيب الجميع.
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر في إحدى الروايتين: إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا يَفْعَلُونَ بالياء على معنى الإخبار عنهم، وقرأ الباقون بالتاء على معنى المخاطبة.
ثم قال عز وجل: وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ يعني: بالشرك فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يعني: قلبت وُجُوهُهُمْ فِى النار ويقال: يكبون على وجوههم، ويجرون إلى النار، وتقول لهم خزنة النار: هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ من الشرك ويقال: فَكُبَّتْ أي: ألقيت وطرحت.
قال عز وجل: إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ أي: قل يا محمد لأهل مكة: أمرني الله تعالى أن أستقيم على عبادة رب هذه البلدة.
يعني: مكة الذي حرمها بدعاء إبراهيم وحرم فيها القتل والصيد.
قال بعضهم: كان حراماً أبداً.
قال بعضهم: وهو أصح إن إبراهيم لما دعا، فجعلها الله حراماً بدعوته.
وقد روي عن النبي أنه قال: «إنَّ إبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ، وَأَنَا حَرَّمْتُ المَدِينَةَ ما بَيْنَ لابَتَيْهَا» .
ثم روي: أنه قد رخص في المدينة.
ثم قال تعالى: وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ يعني: له ملك كل شيء، وخلق كل شيء، وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، أي: من المخلصين وَأَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ يعني: أمرت أن أقرأ القرآن عَلَيْكُمْ يا أهل مكة فَمَنِ اهْتَدى يعني: آمن بالقرآن فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ يعني: يؤمن لنفسه ويثاب عليها الجنة وَمَنْ ضَلَّ يعني: ولم يوحد، ولم يؤمن بالقرآن وبمحمد فَقُلْ إِنَّما أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ أي: من المخوفين ومن المرسلين، فليس عليَّ إلا تبليغ الرسالة وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ يعني: الشكر لله على ما هداني سَيُرِيكُمْ أيها المشركون آياته.
يعني: العذاب في الدنيا فَتَعْرِفُونَها أنها حق، وذلك أنه أخبرهم بالعذاب، فكذبوه فأخبرهم أنهم يعرفونها أنها حق، وذلك إذا نزل بهم، وهو القحط والقتل.
ويقال: هو فتح مكة وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ فهذا وعيد للظالم، وتعزية للمظلوم.
وقال الزجاج في قوله: سَيُرِيكُمْ آياتِهِ يعني: سيريكم الله آياته في جميع ما خلق، وفي أنفسكم.
قرأ نافع وعاصم في رواية حفص، وابن عامر في إحدى الروايتين عَمَّا تَعْمَلُونَ بالتاء على معنى المخاطبة.
وقرأ الباقون بالياء على معنى الخبر عنهم، والله أعلم بالصواب- وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلّم (١) (١) ما بين معقوفتين ساقط من النسخة: «أ» .
قال ع «١» : وإذا كان الفزعُ الأَكْبَرُ لاَ ينالهُم فَهُمْ حَرِيُّونَ أن لا ينالَهم هَذا.
وقرأ حمزة «٢» : «وَكُلُّ أَتَوْهُ» على صيغة الفعل الماضي، والدَّاخِرُ: المُتَذَلِّلُ الخاضِعُ، قال ابن عباس وابن زيد: الداخرُ: الصاغرُ، وقد تظاهرَتِ الرواياتُ بأنَّ الاستثناءَ فِي هذِه الآيةِ إنما أريد به الشهداءُ: لأنهم أحياءٌ عند ربهم يُرْزَقُونَ، وهم أهلٌ للفزعِ لأنَّهُمْ بشر لكن فُضِّلُوا بالأمن في ذلك اليوم.
ت: واختار الحليميُّ هذا القولَ قال: - وهو مروي عن ابن عباس-: إن المستَثْنَى هم الشهداء.
وضعَّفَ ما عداه من الأقوال، قال القرطبي «٣» ، في «تذكرته» : وَقَدْ وَرَدَ في حديث أبي هريرة بِأَنَّهُمُ الشهداء وهو حديث صحيح «٤» ، انتهى.
وقوله تعالى: وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً ...
الآية، هذا وصفُ حالِ الأشياءِ يومَ القيامةِ عَقِبَ النَّفْخِ في الصُّورِ، والرؤية: هي بالعَيْن، قال ابن عباس: جامدةً «٥» :
قائمةً، والحَسَنَةُ الإيمانُ، وقال ابن عباس وغيره: هي «لا إله إلا الله» «٦» ورُوِيَ عَنْ علي بن الحسين أنه قال: كُنْتُ في بعض خَلَواتِي فَرفَعْتُ صَوْتي: ب «لا إله إلا الله» فسمعتُ قائلاً يقول: إنها الكلمةُ التي قال الله فيها: «من جاء بالحسنة فله خير منها» «٧» .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَذِهِ النَّفْخَةُ الأُولى.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَفَزِعَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ ﴾ \[قالَ المُفَسِّرُونَ: المَعْنى: فَيَفْزَعُ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ\]، والمُرادُ أنَّهم ماتُوا، بَلَغَ بِهِمُ الفَزَعُ إلى المَوْتِ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ إلا مَن شاءَ اللَّهُ ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُمُ الشُّهَداءُ، قالَهُ أبُو هُرَيْرَةَ، وابْنُ عَبّاسٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
والثّانِي: جِبْرِيلُ ومِيكائِيلُ وإسْرافِيلُ ومَلَكُ المَوْتِ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى يُمِيتُهم بَعْدَ ذَلِكَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّالِثُ: أنَّهُمُ الَّذِينَ في الجَنَّةِ مِنَ الحُورِ وغَيْرِهِنَّ، وكَذَلِكَ مَن في النّارِ، لِأنَّهم خُلِقُوا لِلْبَقاءِ، ذَكَرَهُ أبُو إسْحاقَ بْنَ شاقِلا مِن أصْحابِنا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكُلٌّ ﴾ أيْ: مِنَ الأحْياءِ الَّذِينَ ماتُوا ثُمَّ أُحْيَوْا ﴿ آتَوْهُ ﴾ وقَرَأ حَمْزَةُ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ﴿ أتَوْهُ ﴾ بِفَتْحِ التّاءِ مَقْصُورَةً، أيْ: يَأْتُونَ اللَّهَ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿ داخِرِينَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: صاغِرِينَ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: " كُلٌّ " لَفْظُهُ لَفْظُ الواحِدِ، ومَعْناهُ يَقَعُ عَلى الجَمِيعِ، فَهَذِهِ الآَيَةُ في مَوْضِعِ جَمْعٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَتَرى الجِبالَ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هَذا يَكُونُ إذا نُفِخَ في الصُّورِ، تُجْمَعُ الجِبالُ وتُسَيَّرُ، فَهي لِكَثْرَتِها تُحْسَبُ ﴿ جامِدَةً ﴾ أيْ: واقِفَةً ﴿ وَهِيَ تَمُرُّ ﴾ أيْ: تَسِيرُ سَيْرَ السَّحابِ، وكَذَلِكَ كَلُّ جَيْشٍ عَظِيمٍ يَحْسَبُهُ النّاظِرُ مِن بَعِيدٍ واقِفًا وهو يَسِيرُ، لِكَثْرَتِهِ، قالَ الجَعْدِيُّ يَصِفُ جَيْشًا: بِأرْعَنَ مِثْلِ الطَّوْدِ تَحْسَبُ أنَّهم وُقُوفٌ لِحاجٍ والرِّكابُ تُهَمْلِجُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ صُنْعَ اللَّهِ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هو مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ وَتَرى الجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً ﴾ دَلِيلٌ عَلى الصَّنْعَةِ، فَكَأنَّهُ قالَ: صَنَعَ اللَّهُ ذَلِكَ صُنْعًا، ويَجُوزُ الرَّفْعُ عَلى مَعْنى: ذَلِكَ صُنْعُ اللَّهِ.
فَأمّا الإتْقانُ، فَهو في اللُّغَةِ: إحْكامٌ الشَّيْءِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: " يَفْعَلُونَ " بِالياءِ.
وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِالتّاءِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ ﴾ قَدْ شَرَحْنا الحَسَنَةَ والسَّيِّئَةَ في آَخِرِ (الأنْعامِ: ١٦٠) .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: فَلَهُ خَيْرٌ مِنها يَصِلُ إلَيْهِ، وهو الثَّوابُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ.
والثّانِي: فَلَهُ أفْضَلُ مِنها، لِأنَّهُ يَأْتِي بِحَسَنَةٍ فَيُعْطى عَشْرَ أمْثالِها قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهم مِن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: " مِن فَزَعِ يَوْمَئِذٍ " مُضافًا.
وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: " مِن فَزَعٍ " بِالتَّنْوِينِ " يَوْمَئِذٍ " بِفَتْحِ المِيمِ.
وقالَ الفَرّاءُ: الإضافَةُ أعْجَبُ إلَيَّ في العَرَبِيَّةِ، لِأنَّهُ فَزَعٌ مَعْلُومٌ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿ لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ ﴾ فَصَيَّرَهُ مَعْرِفَةً، فَإذا أضَفْتَ مَكانَ المَعْرِفَةِ كانَ أحَبَّ إلَيَّ.
واخْتارَ أبُو عُبَيْدَةَ قِراءَةَ التَّنْوِينِ وقالَ: هي أعَمُّ التَّأْوِيلَيْنِ، فَيَكُونُ الأمْنُ مِن جَمِيعِ فَزَعِ ذَلِكَ اليَوْمِ.
قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: إذا نَوَّنَ جازَ أنْ يُعْنى بِهِ فَزَعٌ واحِدٌ، وجازَ أنْ يُعْنى بِهِ الكَثْرَةُ، لِأنَّهُ مَصْدَرٌ، والمَصادِرُ تَدُلُّ عَلى الكَثْرَةِ وإنْ كانَتْ مُفْرَدَةَ الألْفاظِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ إنَّ أنْكَرَ الأصْواتِ لَصَوْتُ الحَمِيرِ ﴾ ، وكَذَلِكَ إذا أُضِيفَ جازَ أنْ يُعْنى بِهِ فَزَعٌ واحِدٌ، وجازَ أنْ يُعْنى بِهِ الكَثْرَةُ؛ وعَلى هَذا القَوْلِ، القِراءَتانِ سَواءٌ، فَإنْ أُرِيدَ بِهِ الكَثْرَةَ، فَهو شامِلٌ لِكُلِّ فَزَعٍ يَكُونُ يَوْمَ القِيامَةِ، وإنْ أُرِيدَ بِهِ الواحِدَ، فَهو المُشارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ ﴾ .
وقالَ ابْنُ السّائِبِ: إذا أطْبَقَتِ النّارُ عَلى أهْلِها فَزِعُوا فَزْعَةً لَمْ يَفْزَعُوا مِثْلها، وأهْلُ الجَنَّةِ آَمِنُونَ مِن ذَلِكَ الفَزَعِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: هي الشِّرْكُ ﴿ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ ﴾ يُقالُ: كَبَّبْتُ الرَّجُلَ: إذا ألْقَيْتُهُ لِوَجْهِهِ؛ وتَقُولُ لَهم خَزَنَةُ جَهَنَّمَ: ﴿ هَلْ تُجْزَوْنَ إلا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ أيْ: إلّا جَزاءَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ في الدُّنْيا مِنَ الشِّرْكِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَتَرى الجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وهي تَمُرُّ مَرَّ السَحابِ صُنْعَ اللهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ ﴾ ﴿ مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها وهم مَن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ ﴾ ﴿ وَمَن جاءَ بِالسَيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إلا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ ﴿ إنَّما أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ البَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها ولَهُ كُلُّ شَيْءٍ وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ ﴾ ﴿ وَأنْ أتْلُوَ القُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ومَن ضَلَّ فَقُلْ إنَّما أنا مِنَ المُنْذِرِينَ ﴾ ﴿ وَقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكم آياتِهِ فَتَعْرِفُونَها وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ ﴾ هَذا وصْفُ حالِ الأشْياءِ يَوْمَ القِيامَةِ عَقِبَ النَفْخِ في الصُوَرِ، والرُؤْيَةُ هي بِالعَيْنِ، وهَذِهِ الحالُ لِلْجِبالِ في أوَّلِ الأمْرِ تَسِيرُ وتَمُوجُ، وأمْرُ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى بِنَسْفِها ونَفْشِها خِلالَ ذَلِكَ فَتَصِيرُ كالعِهْنِ، ثُمْ تَصِيرُ في آخِرِ الأمْرِ هَباءً مُنْبَثًّا.
و"الجُمُودُ": التَصامُّ في الجَوْهَرِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: "جامِدَةً": قائِمَةٌ، ونَظِيرُهُ قَوْلُ الشاعِرِ: بِأرْعَنَ مِثْلَ الطَوْدِ تَحْسَبُ أنَّهم وُقُوفٌ لِحاجٍ والرُكّابُ تُهَمْلِجُ و ﴿ صُنْعَ اللهِ ﴾ مَصْدَرٌ مُعَرَّفٌ، والعامِلُ فِيهِ فِعْلٌ مُضْمَرٌ مَن لَفْظِهِ، وقِيلَ: هو نَصْبٌ عَلى الإغْراءِ، بِمَعْنى: انْظُرُوا صُنْعَ اللهِ، و"الإتْقانُ": الإحْسانُ في المَعْمُولاتِ، وأنْ تَكُونَ حِسانًا وثِيقَةَ القُوَّةِ.
وقَرَأ أُبُو جَعْفَرٍ، وأبُو عَمْرُو، وابْنُ عامِرٍ: "يَفْعَلُونَ" بِالياءِ، وقَرَأ الباقُونَ: "تَفْعَلُونَ" بِالتاءِ عَلى الخِطابِ.
و"الحَسَنَةُ": الإيمانُ، وقالَ الحَسَنُ، وابْنُ عَبّاسٍ، والنَخْعِيُّ، وقَتادَةُ: هي لا إلَهَ إلّا اللهَ، ورُوِيَ عن عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ أنَّهُ قالَ: كُنْتُ في بَعْضِ خَلَواتِي، فَرَفَعْتُ صَوْتِي بِـ "لا إلَهَ إلّا اللهَ"، فَسَمِعْتُ قائِلًا يَقُولُ: إنَّها الكَلِمَةُ الَّتِي قالَ اللهُ فِيها: ﴿ مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها ﴾ ، وقَوْلُهُ: ﴿ خَيْرٌ مِنها ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلتَّفْضِيلِ، ويَكُونُ في قَوْلِهِ: "مِنها" حَذْفُ مُضافٍ تَقْدِيرُهُ: خَيْرٌ مِن قَدْرِها أوِ اسْتِحْقاقِها، بِمَعْنى أنَّ اللهَ تَعالى تَفَضَّلَ عَلَيْهِ بِفَوْقِ ما تَسْتَحِقُّ حَسَنَتُهُ، قالَ ابْنُ زَيْدٍ: يُعْطى بِالواحِدَةِ عَشْرَةَ، والداعِيَةُ إلى هَذا التَقْدِيرِ أنَّ الحَسَنَةَ لا يُتَصَوَّرُ بَيْنَها وبَيْنَ الثَوابِ تَفْضِيلٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "خَيْرٌ" لَيْسَ لِلتَّفْضِيلِ، بَلِ اسْمٌ لِلثَّوابِ والنِعْمَةِ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: "مِنها" لِابْتِداءِ الغايَةِ، أيْ: هَذا الجَزاءُ الَّذِي يَكُونُ لَهُ هو مِن حَسَنَتِهِ وبِسَبَبِها، هَذا قَوْلُ الحَسَنِ، وابْنُ جُرَيْجٍ، وقالَ عِكْرِمَةُ: لَيْسَ شَيْءٌ خَيْرًا مِن لا إلَهَ إلّا اللهَ، وإنَّما لَهُ الخَيْرُ مِنها،.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرُو، وابْنُ عامِرٍ: "مَن فَزَعِ يَوْمَئِذٍ" بِالإضافَةِ، ثُمُ اخْتَلَفُوا في فَتْحِ المِيمِ وكَسْرِها مِن "يَوْمَئِذٍ"، فَقَرَأ أكْثَرَهم بِفَتْحِ المِيمِ عَلى بِناءِ الظَرْفِ لَمّا أُضِيفَ إلى غَيْرِ مُمْكِنٍ، وقَرَأ إسْماعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عن نافِعٍ بِكَسْرِ المِيمِ عَلى إعْمالِ الإضافَةِ؛ وذَلِكَ أنَّ الظُرُوفَ إذا أُضِيفَتْ إلى غَيْرِ مُمْكِنٍ جازَ بِناؤُها وإعْمالُ الإضافَةِ فِيها، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ: عَلى حِينَ عاتَبْتُ المَشِيبَ عَلى الصِبا ∗∗∗ وقُلْتُ ألَمّا أصْحُ والشَيْبُ وازِعُ فَإنَّهُ يُرْوى: "عَلى حِينَ" بِفَتْحِ النُونِ، و"عَلى حِينٍ" بِكَسْرِها، وقَرَأ عاصِمْ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "مَن فَزِعٍ" بِالتَنْوِينِ وتَرْكِ الإضافَةِ، ولا يَجُوزُ -مَعَ هَذِهِ القِراءَةِ- إلّا فَتْحَ المِيمِ مِن "يَوْمَئِذٍ".
و"السَيِّئَةُ" الَّتِي هي في هَذِهِ الآيَةِ هي الكُفْرُ والمَعاصِي مِمَّنْ حَتَّمَ اللهُ تَعالى عَلَيْهِ مِن أهْلِ المَشِيئَةِ بِدُخُولِ النارِ، و"كَبْتَ" مَعْناهُ: تَلَتْ في النارِ، وجاءَ هَذا كَبّا مِن حَيْثُ خَلْقُها في الدُنْيا يُعْطِي ارْتِفاعَها، وإذا كُبَّتِ الوُجُوهُ فَسائِرُ البَدَنِ أدْخَلُ في النارِ؛ إذِ الوَجْهُ مَوْضِعُ الشَرَفِ والحَواسِّ.
وقَوْلُهُ: ﴿ هَلْ تُجْزَوْنَ ﴾ بِمَعْنى: فَقالَ لَهم ذَلِكَ، وهَذا عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ إنَّما أُمِرْتُ ﴾ بِمَعْنى: قُلْ يا مُحَمَّدُ لِقَوْمِكَ: إنَّما أُمِرْتُ، و"البَلْدَةُ المُشارُ إلَيْها مَكَّةُ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "الَّذِي حَرَّمَها"، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ: "الَّتِي حَرَمَّها"، وأضافَ -فِي هَذِهِ الآيَةِ- التَحْرِيمَ إلى اللهِ تَعالى مِن حَيْثُ ذَلِكَ بِقَضائِهِ وسابِقِ عِلْمِهِ، وأضافَ النَبِيُّ ذَلِكَ إلى إبْراهِيمَ في قَوْلِهِ: «إنَّ إبْراهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ وإنِّي حَرَّمْتُ المَدِينَةَ» مِن حَيْثُ كانَ ظاهِرُ ذَلِكَ بِدُعائِهِ ورَغْبَتِهِ وتَبْلِيغِهِ لِأُمَّتِهِ، فَلَيْسَ بَيْنَ الآيَةِ والحَدِيثِ تَعارُضٌ.
وفي قَوْلِهِ: "حَرَّمَها" تَعْدِيدُ نِعْمَتِهِ عَلى قُرَيْشٍ في رَفْعِ اللهِ تَعالى عن بَلَدِهِمُ الغاراتِ والفِتَنِ الشائِعَةِ في جَمِيعِ بِلادِ العَرَبِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ ﴾ مَعْناهُ: بِالمُلْكِ والعُبُودِيَّةِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "أنْ أتْلُوَ" عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: " أنْ أكُونَ "، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "وَأنِ اتْلُ القُرْآنَ" بِمَعْنى: وأنْ قِيلَ لِي: اتْلُ القُرْآنَ، و"اتْلُ" مَعْناهُ: تابِعْ بِقِراءَتِكَ بَيْنَ آياتِهِ واسْرُدْ.
وتِلاوَةُ القُرْآنِ سَبَبُ الِاهْتِداءِ إلى كُلِّ خَيْرٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَمَنِ اهْتَدى ﴾ مَعْناهُ: مَن تَكَسَّبَ الهُدى والإيمانَ ونَظَرَ نَظَرًا يُنْجِيهِ فَلِنَفْسِهِ سَعْيُهُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَنِسْبَةُ الهُدى والضَلالِ إلى البَشَرِ مِن هَذِهِ الآيَةِ إنَّما هي بِالتَكَسُّبِ والحِرْصِ والحالِ الَّتِي عَلَيْها يَقَعُ الثَوابُ والعِقابُ، والكُلُّ أيْضًا مِنَ اللهِ تَعالى بِالِاخْتِراعِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سَيُرِيكم آياتِهِ ﴾ تَوَعُّدٌ بِعَذابِ الدُنْيا كَبَدْرٍ والفَتْحِ ونَحْوَهُ، وبِعَذابِ الآخِرَةِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "عَمّا يَعْمَلُونَ" بِالياءِ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَفَصُ عن عاصِمْ: "عَمّا تَعْمَلُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ عَلى مُخاطَبَتِهِمْ.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ النَمْلِ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ
﴿ بِمَا تَفْعَلُونَ * مَن جَآءَ بالحسنة فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا وَهُمْ مِّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ ءَامِنُونَ * وَمَن جَآءَ بالسيئة فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِى النار هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ .
هذه الجملة بيان ناشئ عن قوله ﴿ ففزع من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ﴾ [النمل: 87] لأن الفزع مقتضضٍ الحشر والحضور للحساب.
و(من) في كلتا الجملتين شرطية.
والمجيء مستعمل في حقيقته.
والباء في ﴿ بالحسنة ﴾ و ﴿ بالسيئة ﴾ للمصاحبة المجازية، ومعناها: أنه ذو الحسنة أو ذو السيئة.
وليس هذا كقوله ﴿ من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها ﴾ في آخر الأنعام (160).
فالمعنى هنا: من يجيء يومئذ وهو من فاعلي الحسنة ومن جاء وهو من أهل السيئة، فالمجيء ناظر إلى قوله ﴿ وكل أتوه داخرين ﴾ [النمل: 87] والحسنة والسيئة هنا للجنس وهو يحمل على أكمل أفراده في المقام الخطابي، أي من تمحضت حالته للحسنات أو كانت غالب أحواله كما يقتضيه قوله ﴿ وهم من فزع يومئذ ءامنون ﴾ ، وكذلك الذي كانت حالته متمحضة للسيئات أو غالبة عليه، كما اقتضاه قوله ﴿ فكبت وجوههم في النار ﴾ .
و ﴿ خير منها ﴾ اسم تفضيل اتصلت به (من) التفضيلية، أي فله جزاء خير من حسنة واحدة لقوله تعالى في الآية الأخرى ﴿ فله عشر أمثالها ﴾ [الأنعام: 160] أو خير منها شرفاً لأن الحسنة من فعل العبد والجزاء عليها من عطاء الله.
وقوله ﴿ وهم من فزع يومئذ ءامنون ﴾ تبيين قوله آنفاً ﴿ إلا من شاء الله ﴾ [النمل: 87].
وهؤلاء هم الذين كانوا أهل الحسنات، أي تمحضوا لها أو غلبت على سيئاتهم غلبة عظيمة بحيث كانت سيئاتهم من النوع المغفور بالحسنات أو المدحوض بالتوبة ورد المظالم.
وكذلك قوله ﴿ ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار ﴾ ، أي غلبت سيئاتهم وغطت على حسناتهم أو تمحضوا للسيئات بأن كانوا غير مؤمنين أو كانوا من المؤمنين أهل الجرائم والشقاء.
وبين أهل هاتين الحالتين أصناف كثيرة في درجات الثواب ودركات العقاب.
وجماع أمرها أن الحسنة لها أثرها يومئذ عاجلاً أو بالآخارة، وأن السيئة لها أثرها السيء بمقدارها ومقدار ما معها من أمثالها وما يكافئها من الحسنات أضدادها ﴿ فلا تظلم نفس شيئاً ﴾ [الأنبياء: 47].
وقرأ الجمهور ﴿ من فزع يومئذ ﴾ بإضافة ﴿ فزع ﴾ إلى (يوم) من ﴿ يومئذ ﴾ وإضافة (يوم) إلى ﴿ إذ ﴾ ففتحة (يوم) فتحة بناء، لأنه اسم زمان أضيف إلى اسم غير متمكن ف ﴿ فزع ﴾ معرف بالإضافة إلى (يوم) و(يوم) معرف بالإضافة إلى (إذ) و(إذ) مضافة إلى جملتها المعوض عنها تنوين العوض.
والتقدير: من فزع يوم إذ يأتون ربهم.
وقرأ عاصم وحمزة والكسائي بتنوين ﴿ فزع ﴾ ، و ﴿ يومئذ ﴾ منصوباً على المفعول فيه فيه متعلقاً ب ﴿ آمنون ﴾ .
والمعنى واحد على القراءتين إذ المراد الفزع المذكور في قوله ﴿ ففزع من في السماوات ومن في الأرض ﴾ [النمل: 87] فلما كان معيناً استوى تعريفه وتنكيره.
فاتحدت القراءتان معنى لأن إضافة المصدر وتنكيره سواء في عدم إفادة العموم فتعين أنه فزع واحد.
والكب: جعل ظاهر الشيء إلى الأرض.
وعدي الكب في هذه الآية إلى الوجوه دون بقية الجسد وإن كان الكب لجميع الجسم لأن الوجوه أول ما يقلب إلى الأرض عند الكب كقول امرئ القيس: يكبّ على الأذقان دوح الكنهبل *** وهذا من قبيل قوله تعالى ﴿ سحروا أعين الناس ﴾ [الأعراف: 116] وقوله ﴿ ولما سقط في أيديهم ﴾ [الأعراف: 149] وقول الأعشى: وأقدِمْ إذا ما أعين الناس تفرق ﴿ فِى النار هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا ﴾ .
تذييل للزواجر المتقدمة، فالخطاب للمشركين الذين يسمعون القرآن على طريقة الالتفات من الغيبة بذكر الأسماء الظاهرة وهي من قبيل الغائب.
وذكر ضمائرها ابتداء من قوله ﴿ إنك لا تسمع الموتى ﴾ [النمل: 80] وما بعده من الآيات إلى هنا.
ومقتضى الظاهر أن يقال: هل يجزون إلا ما كانوا يعملون فكانت هذه الجملة كالتلخيص لما تقدم وهو أن الجزاء على حسب عقائدهم وأعمالهم وما العقيدة إلا عمل القلب فلذلك وجه الخطاب إليهم بالمواجهة.
ويجوز أن تكون مقولاً لقول محذوف يوجه إلى الناس يومئذ، أي لا يقال لكل فريق: ﴿ هل تجزون إلا ما كنتم تعملون ﴾ .
والاستفهام في معنى النفي بقرينة الاستثناء.
وورود ﴿ هل ﴾ لمعنى النفي أثبته في «مغني اللبيب» استعمالاً تاسعاً قال: «أن يراد بالاستفهام بها النفي ولذلك دخلت على الخبر بعدها (إلا) نحو ﴿ هل جزاء الإحسان إلا الإحسان ﴾ [الرحمن: 60].
والباء في قوله: ألا هل أخو عيش لذيذ بدائم *** وقال في آخر كلامه: إن من معاني الإنكار الذي يستعمل فيه الاستفهام إنكار وقوع الشيء وهو معنى النفي.
وهذا تنفرد به ﴿ هل ﴾ دون الهمزة.
قال الدماميني في «الحواشي الهندية» قوله: يراد بالاستفهام ب وأقول: هذا استعمال كثير ومنه قول لبيد: وهل أنا إلا من ربيعة أو مضر *** وقول النابغة: وهل عليّ بأن أخشاك من عار *** حيث جاء ب (من) التي تدخل على النكرة في سياق النفي لقصد التنصيص على العموم وشواهده كثيرة.
ولعل أصل ذلك أنه استفهام عن النفي لقصد التقرير بالنفي.
والتقدير: هل لا تجزون إلا ما كنتم تعملون، فلما اقترن به الاستثناء غالباً والحرف الزائد في النفي في بعض المواضع حذفوا النافي وأشربوا حرف الاستفهام معنى النفي اعتماداً على القرينة فصار مفاد الكلام نفياً وانسلخت (هل) عن الاستفهام فصارت مفيدة النفي.
وقد أشرنا إلى هذه الآية عند قوله تعالى ﴿ هل يجزون إلا ما كانوا يعملون ﴾ في الأعراف (147).
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَيَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ ﴾ وهو يَوْمُ النُّشُورِ مِنَ القُبُورِ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ الصُّورَ جَمْعُ صُورَةٍ، والنَّفْخُ فِيها إعادَةُ الأرْواحِ إلَيْها.
الثّانِي: أنَّهُ شَيْءٌ يُنْفَخُ فِيهِ كالبُوقِ يَخْرُجُ مِنهُ صَوْتٌ يَحْيا بِهِ المَوْتى.
الثّالِثُ: أنَّهُ مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِإحْياءِ المَوْتى في وقْتٍ واحِدٍ بِخُرُوجِهِمْ فِيهِ كَخُرُوجِ الجَيْشِ إذا أُنْذِرُوا بِنَفْخِ البُوقِ فاجْتَمَعُوا في الخُرُوجِ وقْتًا واحِدًا.
﴿ فَفَزِعَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ إلا مَن شاءَ اللَّهُ ﴾ وفي هَذا الفَزَعِ هُنا قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الإجابَةُ والإسْراعُ إلى النِّداءِ مِن قَوْلِكَ فَزِعْتُ إلَيْهِ مِن كَذا إذا أسْرَعْتَ إلى نِدائِهِ في مَعُونَتِكَ قالَ الشّاعِرُ: كُنّا إذا ما أتانا صارِخٌ فَزِعٌ كانَ الصُّراخُ لَهُ قَرْعَ الظَّنابِيبِ فَعَلى هَذا يَكُونُ ﴿ إلا مَن شاءَ اللَّهُ ﴾ اسْتِثْناءً لَهم مِنَ الإجابَةِ والإسْراعِ إلى النّارِ.
وَيَحْتَمِلُ مَن أُرِيدَ بِهِمْ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: المَلائِكَةُ الَّذِينَ أُخِّرُوا عَنْ هَذِهِ النَّفْخَةِ.
الثّانِي: البَهائِمُ الَّتِي تَصِيرُ إنْ أُعِيدَتْ تُرابًا.
والقَوْلُ الثّانِي: إنَّ الفَزَعَ هُنا هو الفَزَعُ المَعْهُودُ مِنَ الخَوْفِ والحَذَرِ لِأنَّهم أُزْعِجُوا مِن قُبُورِهِمْ فَفَزِعُوا وخافُوا وهَذا أشْبَهُ القَوْلَيْنِ، فَعَلى هَذا يَكُونُ قَوْلُهُ ﴿ إلا مَن شاءَ ﴾ اسْتِثْناءً لَهم مِنَ الخَوْفِ والفَزَعِ.
وَفِيهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُمُ المَلائِكَةُ الَّذِينَ يُثَبِّتُ اللَّهُ قُلُوبَهم، قالَهُ ابْنُ عِيسى.
الثّانِي: أنَّهُمُ الشُّهَداءُ.
رَوى أبُو هُرَيْرَةَ «عَنِ النَّبِيِّ أنَّهُمُ الشُّهَداءُ» ولَوْلا هَذا النَّصُّ لَكانَ الأنْبِياءُ بِذَلِكَ أحَقَّ لِأنَّهم لا يُقْصِرُونَ عَنْ مَنازِلِ الشُّهَداءِ وإنْ كانَ في هَذا النَّصِّ تَنْبِيهٌ عَلَيْهِمْ.
وَقِيلَ إنَّ إسْرافِيلَ هو النّافِخُ في الصُّورِ.
﴿ وَكُلٌّ أتَوْهُ داخِرِينَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: راغِمِينَ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: صاغِرِينَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ ويَكُونُ المُرادُ بِقَوْلِهِ ﴿ وَكُلٌّ أتَوْهُ داخِرِينَ ﴾ مَن فَزِعَ ومَنِ اسْتُثْنِيَ مِنَ الفَزَعِ بِقَوْلِهِ: ﴿ إلا مَن شاءَ اللَّهُ ﴾ وهَذا يَكُونُ في النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ، والفَزَعُ بِالنَّفْخَةِ الأُولى، ورَوى الحَسَنُ عَنِ النَّبِيِّ أنَّهُ قالَ: «بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ أرْبَعُونَ عامًا» .
قَوْلُهُ ﴿ وَتَرى الجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً ﴾ أيْ واقِفَةً.
﴿ وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ ﴾ أيْ لا يُرى سَيْرُها لِبُعْدِ أطْرافِها كَما لا يُرى سَيْرُ السَّحابِ إذا انْبَسَطَ لِبُعْدِ أطْرافِهِ وهَذا مَثَلٌ، وفِيمَ ضُرِبَ لَهُ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعالى لِلدُّنْيا يَظُنُّ النّاظِرُ إلَيْها أنَّها واقِفَةٌ كالجِبالِ وهي آخِذَةٌ بِحَظِّها مِنَ الزَّوالِ كالسَّحابِ، قالَهُ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ.
الثّانِي: أنَّهُ مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِلْإيمانِ، تَحْسَبُهُ ثابِتًا في القَلْبِ وعَمَلُهُ صاعِدٌ إلى السَّماءِ.
الثّالِثُ: أنَّهُ مَثَلٌ لِلنَّفْسِ عِنْدَ خُرُوجِ الرُّوحِ والرُّوحُ تَسِيرُ إلى القُدْسِ.
﴿ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ أيْ فِعْلَ اللَّهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ.
وَفِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أحْكَمَ كُلَّ شَيْءٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: أحْصى، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّالِثُ: أحْسَنَ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الرّابِعُ: أوْثَقَ، واخْتُلِفَ فِيها فَقالَ الضَّحّاكُ: هي كَلِمَةٌ سُرْيانِيَّةٌ، وقالَ غَيْرُهُ: هي عَرَبِيَّةٌ مَأْخُوذٌ مِن إتْقانِ الشَّيْءِ إذا أُحْكِمَ وأُوثِقَ، وأصْلُها مِنَ التَّقْنِ وهو ما ثَقُلَ مِنَ الحَوْضِ مِن طِينَةٍ.
قَوْلُهُ: ﴿ مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ ﴾ فِيها وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّها أداءُ الفَرائِضِ كُلِّها.
الثّانِي: أفْضَلُ مِنها لِأنَّهُ يُعْطى بِالحَسَنَةِ عَشْرًا، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.
الثّالِثُ: فَلَهُ مِنها خَيْرٌ لِلثَّوابِ العائِدِ عَلَيْهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ.
﴿ وَهم مِن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: وهم مِن فَزَعِ يَوْمِ القِيامَةِ آمِنُونَ في الجَنَّةِ.
الثّانِي: وهم مِن فَزَعِ المَوْتِ في الدُّنْيا آمِنُونَ في الآخِرَةِ.
﴿ وَمَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ ﴾ الشِّرْكِ في قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ وأبِي هُرَيْرَةَ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر «عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ من جاء بالحسنة فله خير منها ﴾ قال: هي لا إله إلا الله ﴿ ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار ﴾ قال: هي الشرك» .
وأخرج ابن مردويه عن جابر قال: «سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الموجبتين قال: ﴿ من جاء بالحسنة فله خير منها وهم من فزع يومئذ آمنون، ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار هل تجزون إلا ما كنتم تعملون ﴾ قال: من لقي الله لا يشرك به شيئاً دخل الجنة، ومن لقي الله يشرك به دخل النار» .
وأخرج الحاكم في الكنى عن صفوان بن عسال قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا كان يوم القيامة جاء الايمان والشرك يجثوان بين يدي الرب فيقول الله للإِيمان: انطلق أنت وأهلك إلى الجنة.
ويقول للشرك: انطلق أنت وأهلك إلى النار، ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ من جاء بالحسنة فله خير منها ﴾ يعني: قول لا إله إلا الله ﴿ ومن جاء بالسيئة ﴾ الشرك ﴿ فكبت وجوههم في النار ﴾ » .
وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة وأنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يجيء الاخلاص والشرك يوم القيامة، فيجثوان بين يدي الرب فيقول الرب للاخلاص: انطلق أنت وأهلك إلى الجنة، ثم يقول للشرك انطلق أنت وأهلك إلى النار، ثم تلا هذه الآية ﴿ من جاء بالحسنة ﴾ بشهادة أن لا إله إلا الله ﴿ فله خير منها ﴾ يعني: بالخير الجنة ﴿ ومن جاء بالسيئة ﴾ بالشرك ﴿ فكبت وجوههم في النار ﴾ » .
وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه والديلمي عن كعب بن عجرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في قول الله: ﴿ من جاء بالحسنة فله خير منها ﴾ يعني بها شهادة أن لا إله إلا الله ﴿ ومن جاء بالسيئة ﴾ يعني بها الشرك يقال: هذه تنجي.
وهذه تردي.
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في الأسماء والصفات والخرائطي في مكارم الأخلاق عن ابن مسعود ﴿ من جاء بالحسنة ﴾ قال: بلا إله إلا الله ﴿ ومن جاء بالسيئة ﴾ قال: بالشرك.
وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن الشعبي قال: كان حذيفة جالساً في حلقة فقال: ما تقولون في هذه الآية ﴿ من جاء بالحسنة فله خير منها وهم من فزع يومئذ آمنون، ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار ﴾ فقالوا: نعم يا حذيفة من جاء بالحسنة ضعفت له عشر أمثالها.
فأخذ كفا من حصى يضرب به الأرض وقال: تباً لكم.
وكان حديداً وقال: من جاء بلا إله إلا الله وجبت له الجنة، ومن جاء بالشرك وجبت له النار.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي عن ابن عباس ﴿ من جاء بالحسنة ﴾ قال: بلا إله إلا الله ﴿ فله خير منها ﴾ قال: فمنها وصل إلى الخير ﴿ ومن جاء بالسيئة ﴾ قال: الشرك.
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد ﴿ من جاء بالحسنة ﴾ قال: لا إله إلا الله ﴿ من جاء بالسيئة ﴾ قال: الشرك.
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن وإبراهيم وأبي صالح وسعيد بن جبير وعطاء وقتادة ومجاهد.
ومثله.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ فله خير منها ﴾ قال: ثواب.
وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة ﴿ من جاء بالحسنة ﴾ قال شهادة أن لا إله إلا الله ﴿ فله خير منها ﴾ قال يعطي به الجنة.
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ثمن الجنة لا إله إلا الله» .
وأخرج ابن أبي حاتم عن زرعة بن إبراهيم ﴿ من جاء بالحسنة ﴾ قال: لا إله إلا الله ﴿ فله خير منها ﴾ قال: لا إله إلا الله خير.
ليس شيء أخير من لا إله إلا الله.
وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ ﴿ وهم من فزع يومئذ آمنون ﴾ ينون فزع وينصب يومئذ.
<div class="verse-tafsir"
وقوله: ﴿ وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ ﴾ كلهم قالوا: يعني الشرك (١) ﴿ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ ﴾ قال الكلبي: أُلقيت (٢) وقال أبو العالية: قلبت (٣) (٤) [قوله: ﴿ هَلْ تُجْزَوْنَ ﴾ أي: وقيل لهم: هل تجزون.
قال مقاتل: تقول لهم خزنة جهنم:] (٥) ﴿ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ ﴾ أي: إلا جزاء ما كنتم ﴿ تَعْمَلُونَ ﴾ في الدنيا من الشرك.
قاله ابن عباس والكلبي (٦) (١) "تفسير مقاتل" 62 ب.
والثعلبي 8/ 139 أ.
وسبق ذكر من قال به عند تفسير الحسنة، بقول: لا إله إلا الله.
(٢) ذكره الثعلبي 8/ 139 أ، عن ابن عباس.
وفي "تنوير المقباس" 322، بلفظ: قلبت.
(٣) ذكره عنه الثعلبي 8/ 139 أ.
(٤) قال الأصمعي: كبَّ الرجل إناءه يكبه كبًا، وأكب الرجل يُكبُّ إكبابًا، إذا ما نكس.
"تهذيب اللغة" 9/ 462 (تقن).
(٥) ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (ج).
(٦) "تفسير مقاتل" 62 ب.
وذكره ابن جرير 20/ 24، ولم ينسبه.
وهو في "تنوير المقباس" 322، بلفظ: تعملون في الدنيا يا محمد.
<div class="verse-tafsir"
﴿ مَن جَآءَ بالحسنة فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا ﴾ قيل: إن الحسنة لا إله إلا الله، واللفظ أعم، ومعنى: ﴿ خَيْرٌ مِّنْهَا ﴾ أن له بالحسنة الواحدة عشراً ﴿ مِّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ ﴾ من نون فزع فتح الميم من ﴿ يَوْمَئِذٍ ﴾ ومن أسقط التنوين للإضافة قرأ بفتح الميم على البناء أو بكسرها على الإعراب ﴿ وَمَن جَآءَ بالسيئة ﴾ السيئة هنا الكفر، والمعاصي التي قضى الله بتعذيب فاعلها.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ أيذا ﴾ ﴿ أينا ﴾ بياء مكسورة بعد همزة مفتوحة: ابن كثير ويعقوب غير زيد.
مثله ولكن بالمد: ابو عمرو وزيد ﴿ أيذا ﴾ بهمزة مفتوحة ثم ياء مكسورة ﴿ إنا ﴾ بكسر الهمزة وبعدها نون مشددة: سهل ﴿ إذا ﴾ من غير همزة الاستفهام ﴿ آينا ﴾ بهمزة ممدودة بعدها ياء مكسورة: يزيد وقالون، مثله ولكن من غير مد: نافع غير قالون ﴿ أئذا ﴾ بهمزتين مفتوحة ثم مكسورة ﴿ إنا ﴾ بهمزة مكسورة بعدها نون مشددة: علي وابن عامر هشام يدخل بينهما مدة ﴿ أئذا ﴾ ﴿ أئنا ﴾ بهمزتين مفتوحة ثم مكسورة فيهما: حمزة وخلف وعاصم.
﴿ ولا يسمع ﴾ بفتح الياء التحتانية ﴿ الصم ﴾ بالرفع: ابن كثير وعباس وكذلك في "الروم".
الآخرون بضم التاء الفوقانية وكسر الميم ونصب الصمّ ﴿ وما أنت تهدي ﴾ على أنه فعل العمى بالنصب وكذلك في "الروم" حمزة.
الباقون ﴿ بهادي ﴾ على أنه اسم فاعل العمى بالجر أتوه مقصوراً على أنه فعل ماض: حمزة وخلف وحفص والمفضل.
الآخرون بالمد على أنه اسم فاعل بما يفعلون على الغيبة: ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب وحماد والأعشى والبرجمي والحلواني عن هشام.
﴿ فزع ﴾ بالتنوين: عاصم وحمزة وعلي وخلف ﴿ يومئذ ﴾ بفتح الميم: حمزة وأبو جعفر ونافع، الباقون بكسرها ﴿ تعملون ﴾ بتاء الخطاب: أبو جعفر ونافع وابن عامر ويعقوب وحفص.
الوقوف: ﴿ لمخرجون ﴾ ه ﴿ من قبل ﴾ لا تحرزاً عن الابتداء بمقول الكفار ﴿ الأولين ﴾ ه ﴿ المجرمين ﴾ ه ﴿ يمكرون ﴾ ه ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ تستعجلون ﴾ ه ﴿ لا يشكرون ﴾ ه ﴿ وما يعلنون ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ يختلفون ﴾ ه ﴿ للمؤمنين ﴾ ه ﴿ بحكمه ﴾ ج تعظيماً للابتداء بالصفتين مع اتفاق الجملتين ﴿ العليم ﴾ ه ج للآية واختلاف الجملتين وللفاء واتصال المعنى اي إذا كان الحكم لله فأسرع اتوكل ﴿ على الله ﴾ ط ﴿ المبين ﴾ ه ﴿ مدبرين ﴾ ه ﴿ ضلالتهم ﴾ ط ﴿ مسلمون ﴾ ه ﴿ تكلمهم ﴾ ج لمن قرأ بكسر الألف فإنه يحتمل أن يكون الكسر للابتداء ولكونها بعد التكليم لأنه في معنى القول، ومن فتح فلا وقف إذ التقدير تكلمهم بأن ﴿ لا يوقنون ﴾ ه ﴿ يوزعون ﴾ ه ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ لا ينطقون ﴾ ه ﴿ مبصراً ﴾ ط ﴿ يؤمنون ﴾ ه ﴿ من شاء الله ﴾ ط ﴿ داخرين ﴾ ه ﴿ السحاب ﴾ ط ﴿ كل شيء ﴾ ط ﴿ تفعلون ﴾ ه ﴿ خير منها ﴾ لا لأن ما بعده من تتمة الجزاء ﴿ آمنون ﴾ ه لا لعطف جملتي الشرط ﴿ في النار ﴾ ه ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ شيء ﴾ ز للعارض وطول الكلام مع العطف ﴿ المسلمين ﴾ ه لا للعطف ﴿ القرآن ﴾ ج ﴿ لنفسه ﴾ ج ﴿ المنذرين ﴾ ه ﴿ فتعرفونها ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه.
التفسير: لما ذكر أن المشركين في شك من أمر البعث عمون عن النظر في دلائله أراد أن يبين عامة شبهتهم وهي مجرد استبعاد إحياء الأموات بعد صيرورتهم تراباً عند الحس.
قال النحويون: العامل في "إذا" ما دل عليه ﴿ أئنا لمخرجون ﴾ وهو نخرج والمراد الإخراج من الأرض أو من حال الفناء إلى حال الحياة.
وإنما ذهبوا إلى هذا التكلف بناء على أن ما بعد همزة الاستفهام وكذا ما بعد "أن" واللام لا يعمل فيما قبلها لأن هذه الأشياء تقتضي صدر الكلام، وتكرير حرف الاستفهام في "إذا" و "أن" جميعاً إنكار على إنكار.
والضمير في "أنا" لهم ولآبائهم جميعاً وقد مر في سورة المؤمنين تفسير قوله ﴿ لقد وعدنا ﴾ وبيان المتشابه فليدّكر.
ثم أوعدهم على عدم قبول قول الأنبياء بالنظر في حال الأمم السالفة المكذبة.
ولم تؤنث "كان" لأن تأنيث العاقبة غير حقيقي، أو لأن المراد كيف كان عاقبة أمرهم.
والمراد بالمجرمين الكافرون لأن الكفر جرم مخصوص وفيه تنبيه على قبح موقع الجرم اياماً كان؛ فعلى المؤمن أن يتخوّف عاقبتها ويترك الجرائم كلها كيلا يشارك الكفرة في هذا الاسم الشنيع.
ومعنى قوله ﴿ ولا تحزن عليهم ﴾ الآية.
قد مر في آخر "النحل".
وفي هذه الآي تسلية لرسول الله على ما كان يناله من قومه.
ثم إنهم استعجلوا العذاب الموعود على سبيل السخرية فأمره أن يقول لهم ﴿ عسى أن يكون ﴾ وهذه على قاعدة وعد الملوك ووعيدهم يعنون بذلك القطع بوقوع ذلك الأمر مع إظهار الوقار والوثوق بما يتكلمون.
وإن كان على سبيل الرجاء والطمع ولمثل هذا قال ﴿ ردف لكم بعض الذي ﴾ دون أن يقول "ردف لكم الذي".
واللام زائدة للتأكيد كالباء في ﴿ ولا تلقوا بأيديكم ﴾ أو أريد أزف لكم ودنا لكم يتضمن فعل يتعدى بالام ومعناه تبعكم ولحقكم.
وقال بعضهم: المقتضي للعذاب والمؤثر فيه حاصل في الدنيا إلا أن الشعور به غير حاصل كما للسكران أو النائم، فتمام العذاب إنما يحصل بعد الموت وإن كان طرف منه حاصلاً في الدنيا فلهذا ذكر البعض.
ثم ذكر أنه متفضل عليهم بتأخير العقوبة في الدنيا ولكنهم لا يشكرون هذه النعمة فيتسعجلون وقوع العقاب بجهلهم، وفيه دليل على أن نعمة الله تعم الكافر والمؤمن.
ثم بين أنه مطلع على ما في صدورهم مما يخفون كالقصود والدواعي وعلى ما يظهرون من أفعال الجوارح وغيرها، ولعل الغرض أنه يعلم مايخفون وما يعلنون من عداوة رسول الله ومكايدهم وهو معاقبهم على ذلك.
ثم أكد ذلك بأن المغيبات كلها ثابتة في اللوح المحفوظ، والعاقبة إما مصدر كالعافية، وإما اسم غير صفة كالذبيحة والربيئة، وإما صفة والتاء للمبالغة كالرواية في قولهم "ويل للشاعر من راوية السوء" كأنه قيل: وما من شيء شديد الغيبوبة إلا وهو مثبت في الكتاب الظاهر المبين لمن ينظر فيه من الملائكة.
ثم بين لدفع شبه القوم إعجاز القرآن المطابق قصصه لما في التوراة والإنجيل مع كونه أمياً، والمطابق غرضه لما هو الحق في نفس الأمر، وقد حرفه بنوا إسرائيل وجهه كاختلافهم في شأن المسيح في كثير من الشرائع والأحكام، وذكر أنه هدى ورحمة لمن آمن منهم وأنصف أو منهم ومن غيرهم.
ثم ذكر أن من لم ينصف منهم فالله يقضي بينهم بحكمة أي بما يحكم به وهو عدله لأنه لا يقضي إلا بالعدل فسمى المحكوم به حكماً ﴿ وهو العزيز ﴾ الذي لا يغالب فيما يريد ﴿ العليم ﴾ بما يحكم وبمن يحكم لهم أو عليهم.
ثم أمره بالتوكل وقلة المبالاة بأعداء الدين وعلل ذلك بأمرين: أحدهما أنه على الحق الأبلج وفيه أن صاحب الحق حقيق بالوثوق بنصرة الله، وثانيهما قوله ﴿ إنك لا تسمع الموتى ﴾ لأنه إذا علم أن حالهم لانتفاء جدوى السماع كحال الموتى أو كحال الصم الذين لا يسمعون ولا يفهمون والعمي الذين لا يبصرون ولا يهتدون، صار ذلك سبباً قوياً في إظهار مخالفتهم وعدم الاعتداد بهم.
وقوله ﴿ إذا ولوا مدبرين ﴾ تأكيد لأن الأصم إذا توجه إلى الداعي لم يرج منه سماع فكيف إذا ولى مدبراً وهداه عن الضلالة كقولك "سقاه عن العيمة".
ثم بين أن إسماعه لا يجدي إلا على الذين علم الله أنهم يصدقون بآياته ﴿ فهم مسلمون ﴾ أي مخلصون منقادون لأمر الله بالكلية.
ثم هدد المكلفين بذكر طرف من اشراط الساعة وما بعدها فقال ﴿ وإذا وقع القول ﴾ اي دنا وشارف أن يحصل مؤاده ومفهومه ﴿ عليهم ﴾ وهو ما وعدوا به من قيام الساعة والعذاب ﴿ أخرجنا لهم دابة من الأرض ﴾ وهي الجساسة.
وقد تكلم علماء الحديث فيها من وجوه: أحدها في مقدار جسمها.
فقيل: إن طولها ستون ذراعاً.
وقيل: إن راسها يبلغ السحاب.
وعن أبي هريرة: ما بين قرنيها فرسخ للراكب.
وثانيها في كيفية خلقتها فروي لها أربع قوائم وزغب وريش وجناحان.
وعن ابن جريج في وصفها رأس ثور وعين خنزير وأذن فيل وقرن أيل وعنق نعامة وصدر أسد ولون نمر وخاصرة هر وذنب كبش وخف بعير وما بين المفصلين اثنا عشر ذراعاً.
وثالثها في كيفية خروجها؛ عن علي أنها تخرج ثلاثة أيام والناس ينظرون فلا يخرج إلا ثلثها.
وعن الحسن: لا يتم خروجها إلا بعد ثلاثة أيام.
ورابعها مكان خروجها، "سئل النبي من أين تخرج الدابة؟
فقال: من أعظم المساجد حرمة على الله" يعني المسجد الحرام.
وقيل: تخرج من الصفا فتكلمهم بالعربية.
وخامسها في عدد خروجها؛ روي أنها تخرج ثلاث مرات تخرج بأقصى اليمن ثم تكمن ثم تخرج بالبادية، ثم تكمن دهراً طويلاً فبينا الناس في أعظم المساجد حرمة وأكرمها على الله فما يهولهم إلا خروجها من بين الركن حذاء دار بني مخزوم عن يمين الخارج من المسجد، فقوم يهربون وقوم يقفون نظارة.
وسادسها فيما يصدر عنها من الآثار والعجائب فظاهر الآية أنها تكلم الناس، وفحوى الكلام ﴿ أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون ﴾ قال جار الله: معناه أن الناس كانوا لا يوقنون بخروجي لأن خروجها من الآيات.
ومن قرأ (إن) مكسورة فقولها حكاية قول الله فلذلك قالت ﴿ بآياتنا ﴾ أو المعنى بآيات ربنا فحذف المضاف أو سبب الإضافة اختصاصها بالله كما يقول بعض خاصة الملك: خيلنا وبلادنا.
وإنما هي خيل مولاه وبلاده.
عن السدي: تكلمهم ببطلان الأديان كلها سوى دين الإسلام.
وعن ابن عمر: تستقبل المغرب فتصرخ صرخة تنفذه ثم تستقبل المشرق ثم الشأم ثم اليمن فتفعل مثل ذلك.
روي بينا عيسى يطوف بالبيت ومعه المسلمون وإذ تضطرب الأرض تحتهم تحرك القنديل وينشق الصفا مما يلي المسعى فتخرج الدابة من الصفا ومعها عصا موسى وخاتم سليمان، فتضرب المؤمن في مسجده أو فيما بين عينيه بعصا موسى فتنكت نكتة بيضاء فتفشو تلك النكتة في وجهه حتى يضيء لها وجهه ويكتب بين عينيه "مؤمن" وتنكت الكافر بالخاتم في أنفه فتفشو النكتة حتى يسود لها وجهه ويكتب بين عينيه "كافر".
وروي أنها تقول لهم: يا فلان أنت من أهل الجنة ويا فلان أنت من أهل النار.
وقيل: تكلمهم من الكلم على معنى التبكيت والمراد به الجرح وهو الوسم بالعصا والخاتم.
ثم ذكر طرفاً مجملاً من أهوال يوم القيامة قائلاً ﴿ ويوم ﴾ أي واذكر يوم ﴿ نحشر من كل أمة فوجاً ﴾ أي جماعة كثيرة ﴿ ممن يكذب ﴾ هذه للتبيين والأولى للتبعيض وقوله ﴿ بآياتنا ﴾ يحتمل معجزات جميع الرسل أو القرآن خاصة.
وقد مر معنى قوله ﴿ فهم يوزعون ﴾ في وصف جنود سليمان أي يحبس أولهم على آخرهم حتى يجتمعوا فيكبكبوا في النار.
وعن ابن عباس: الفوج أبو جهل والوليد بن المغيرة وشيبة بن ربيعة يساقون بين يدي أهل مكة، وكذلك يحشر قادة سائر الأمم بين أيديهم إلى النار.
والواو في قوله ﴿ ولم تحيطوا ﴾ للحال كأنه قيل: أكذبتم بآياتي بادي الرأي من غير الوقوف على حقيقتها وأنها جديرة بالتصديق أو بالتكذيب.
ويجوز أن تكون الواو للعطف والمعنى أجحدتموها ومع جحودكم لم تلقوا أذهانكم لتفهمها، فقد يجحد المكتوب إليه كون الكتاب من عند من كتبه ومع ذلك لا يدع تفهم مضمونه وأن يحيط بمعانيه.
قال جار الله: ﴿ أمّاذا كنتم تعملون ﴾ للتبكيت لا غير لأنهم لم يعملوا إلا التكذيب ولم يشتهر من حالهم إلا ذلك.
وجوّز أن يراد ما كان لكم عمل في الدنيا إلا الكفر والتكذيب أم ماذا كنتم تعملون من غير ذلك كأنكم لم تخلقوا إلا لأجله.
وقال غيره: أراد لما لم يشتغلوا بذلك العمل المهم وهو التصديق فأيّ شيء يعملونه بعد ذلك؟
لأن كل عمل سواه فكأنه ليس بعمل.
قال المفسرون: يخاطبون بهذا قبل كبهم في النار ثم يكبون فيها وذلك قوله ﴿ ووقع القول عليهم ﴾ أي العذاب الموعود يغشاهم بسبب ظلمهم وهو التكذيب بآيات الله فيشغلهم عن النطق والاعتذار.
ثم بعد أن خوّفهم بأهوال القيامة وأحوالها ذكر ما يصلح أن يكون دليلاً على التوحيد وعلى الحشر وعلى النبوّة مبالغة في الإرشاد إلى الإيمان والمنع من الكفر فقال ﴿ ألم يروا ﴾ الآية.
ووجه دلالته على التوحيد أن التقليب من النور إلى الظلمة وبالعكس لا يتم إلا بقدرة قاهرة، ودلالته على الحشر أن النوم يشبه الموت والانتباه يشبه الحياة، ودلالته على النبوّة أن كل هذا لمنافع المكلفين وفي بعثة الرسل إلى الخلق ايضاً منافع جمة، فما المانع لمفيض الخيرات من إيصال بعض المنافع دون البعض، أو من رعاية بعض المصالح دون البعض؟
ووصف النهار بالإبصار إنما هو باعتبار صاحبه وقد مر في "يونس".
والتقابل مراعى في الآية من حيث المعنى كأنه قيل: ليسكنوا فيه وليبصروا فيه طرق التقلب في المكاسب.
ثم عاد إلى ذكر علامة أخرى للقيامة فقال ﴿ ويوم ينفخ في الصور ﴾ وقد تقدم تفسيره في "طه" و"المؤمنين".
وقوله ﴿ ففزع ﴾ كقوله ﴿ ونادى ﴾ ﴿ وسيق ﴾ والمراد فزعهم عند النفخة الأولى حين يصعقون ﴿ إلا من شاء الله ﴾ قال أهل التفسير: إلا من ثبت الله قلبه من الملائكة.
وهم جبرائيل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل.
وقيل: هم الشهداء.
وعن الضحاك: الحور وخزنة النار وحملة العرش.
وعن جابر أن منهم موسى لأنه صعق مرة.
قال أهل البرهان: إنما قال في هذه السورة ﴿ ففزع ﴾ موافقة لقوله ﴿ وهم من فزع يومئذ آمنون ﴾ وفي "الزمر" قال ﴿ فصعق ﴾ لأن معناه فمات وقد سبق ﴿ إنك ميت وإنهم ميتون ﴾ .
ومعنى ﴿ داخرين ﴾ صاغرين أذلاء.
وقيل: معنى الإتيان حضورهم الموقف بعد النفخة الثانية.
وجوّز أن يراد رجوعهم إلى أمره وانقيادهم له.
قال أهل المناظرة: إن الأجسام الكبار إذا تحركت حركة سريعة على نهج واحد في السمت والكيفية ظن الناظر أنها واقفة مع أنها تمر مراً حثيثاً، فأخبر الله أن حال الجبال يوم القيامة كذلك تجمع فتسير كما تسير الريح السحاب، فإذا نظر الناظر حسبها جامدة أي واقفة في مكان واحد.
﴿ وهي تمرّ مرّ السحاب ﴾ قال جار الله ﴿ صنع الله ﴾ من المصادر المؤكدة كقوله "وعد الله" إلا أن مؤكدة محذوف وهو الناصب لـ ﴿ يوم ينفخ ﴾ والمعنى يوم ينفخ في الصور فكان كيت وكيت، أثاب الله المحسنين وعاقب المجرمين صنع الله، فجعل الإثابة والمعاقبة من جملة الأشياء التي أتقنها وأتى بها على وجه الحكمة والصواب.
قلت: لا يبعد أن يكون الناصب لـ ﴿ يوم ينفخ ﴾ هو "اذكر" مقدراً، ويكون ﴿ صنع الله ﴾ مصدراً مؤكداً لنفسه أي صنع تسيير الجبال ومرها صنع الله.
قال القاضي عبد الجبار: في قوله ﴿ أتقن كل شيء ﴾ دلالة على أن القبائح ليست من خلقه وإلا وجب وصفها بأنها متقنة ولكن الإجماع مانع منه.
وأجيب بأن الاية مخصوصة بغير الأعراض فإن الأعراض لا يمكن وصفها بالإتقان وهو الإحكام لأنه من أوصاف المركبات.
قلت: ولو سلم وصف الأعراض بالإتقان فوصف كل الأعراض به ممنوع فما من عام إلا وقد خص، ولو سلم فالإجماع المذكور لعله ممنوع يؤيده قوله ﴿ إنه خبير بما تفعلون ﴾ وإذا كان خبيراً بكل أفعال العباد على كل نحو يصدر عنهم وخلاف معلومه يمتنع أن يقع فقد صحت معارضة الشعري، وعلى مذهب الحكيم وقاعدته صدور الشر القليل من الحكيم لأجل الخير الكثير لا ينافي الإتقان والله أعلم.
ثم فصل أعمال العباد وجزاءها بقوله ﴿ من جاء بالحسنة فله خير منها ﴾ إلى آخر الآيتين.
وبيان الخيرية بالأضعاف وبأن العمل منقض والثواب دائم، وبأن فعل السيد بينه وبين فعل العبد بون بعيد على أن الأكل والشرب إنما هو جزاء الأعمال البدنية، وأما الأعمال القلبية من المعروفة والإخلاص فلا جزاء لها سوء الالتذاذ بلقاء الله والاستغراق في بحار الجمال والجلال جعلنا الله أهلاً لذلك.
وقيل: المراد فله خير حاصل منها.
وعن ابن عباس: أن الحسنة كلمة الشهادة التي هي أعلى درجات الإيمان.
واعترض عليه بأنه يلزم منه أن لا يعاقب مسلم.
وأجيب بأنه يكفي في الخيرية أن لا يكون عقابه مخلداً.
ثم وعد المحسنين أمراً آخر وهو قوله ﴿ وهم من فزع يومئذ آمنون ﴾ وآمن يعدّى بالجار وبنفسه.
والتنوين في فزع في إحدى القراءتين إما للنوع وهو فزع نوع العقاب فإن فزع الهيبة والجلال يلحق كل مكلف وهو الذي أثبته في قوله ﴿ ففزع من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله ﴾ وإما للتعظيم أي من فزع شديد لا يكتنهه الواصف وهو خوف النار آمنون.
وأما حال العصاة فأن تكب في النار فعبر عن الجملة بالوجه لأنه أشرف أو لأنهم يلقون في الجحيم منكوسين.
وقوله ﴿ هل تجزون ﴾ الخطاب فيه إما على طريقة الالتفات وإما على سبيل الحكاية بإضمار القول أي يقال لهم عند الكب هذا القول.
ثم ختم السورة بخلاصة ما أمر به رسوله وذلك أشياء منها: عبادة الرب .
ثم وصف الرب بأمرين احترازاً من ارباب أهل الشرك أولهما كونه رباً لما هو أقرب في نظر قريش وهو بلدة مكة حرسها الله.
وفيه نوع منة عليهم كقوله ﴿ حرماً آمناً ويتخطف الناس من حولهم ﴾ وثانيهما عام وهو قوله ﴿ وله كل شيء ﴾ ومنها أمره بالإسلام وهو الإذعان الكلي لأوامر الله بجميع أعضائه وجوارحه.
ومنها أمره بتلاوة القرآن أي بتلوّه اي أتباعه وقد قام رسول الله بكل ما أمر به أتم قيام حتى خوطب بقوله ﴿ ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى ﴾ ثم لما بين سيرته ذكر أن نفع الاهتداء وبال الضلال لا يعود إلا إلى المكلف أو عليه وليس على الرسول إلا البلاغ والإنذار.
ثم جعل ختم الخاتمة الأمر بالحمد كما هو صفة أهل الجنة وبعد أمره بالحمد على نعمة النبوة والرسالة هدّد أعداءه بما سيريهم في الآخرة من الآيات الملجئة إلى الإقرار وذلك حين لا ينفعهم الإيمان.
قاله الحسن.
وعن الكلبي: هي الدخان وانشقاق القمر وما حل بهم من العقوبات في الدنيا.
﴿ وما ربك بغافل عما تعملون ﴾ ولكنه من وراء جزاء العاملين.
التأويل: ﴿ قل سيروا ﴾ في أرض البشرية ﴿ فانظروا كيف كان عاقبة المجرمين ﴾ لأن خواص نفوسهم انموذج من جهنم كما أن خواص أهل القلوب انموذج من الجنة ﴿ وإن ربك ليعلم ما تكن صدورهم ﴾ لأنه خمر طينة آدم بيديه اربعين صباحاً ونفخ فيه من روحه فهو مطلع على قالبه وعلى قلبه ولهذا قال ﴿ وما من غائبة ﴾ من الخواص في سماء القلب وأرض القالب ﴿ إلا في كتاب مبين ﴾ وهو علم الله أن هذا القرآن يقص لأن كل كتاب كان مشتملاً على شرح مقام ذلك النبي ولم يكن لنبي مقام في القرب مثل نبينا، فلا جرم لم يكن في كتبهم من الحقائق مثل ما في القرآن ولهذا قال ﴿ إن ربك يقضي بينهم ﴾ اي بين هذه الأمة وبين أمة كل نبي بحكمه أي بحكمته بأن يبلغ متابعي كل نبي إلى مقام نبيهم ويبلغ متابعي نبينا إلى مقام المحبة.
فاتبعوني يحببكم الله ﴿ وهو العزيز ﴾ الذي لعزته لا يهدي كل مثمن إلى مقام حبيبه ﴿ العليم ﴾ بمن يستحق هذا المقام.
﴿ فتوكل على الله إنك على الحق المبين ﴾ في دعوة الخلق إلى الله ﴿ وإذا وقع القول عليهم ﴾ وذلك بعد البلوغ ومضى زمان الرعي في مراتع البهيمية ﴿ أخرجنا لهم ﴾ من تحت أرض البشرية ﴿ دابة تكلمهم أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون ﴾ وهي النفس الناطقة فإنها إلى الآن كانت موصوفة بصفة الصمم والبكم بتبعية النفس الأمارة التي لا توقن هي وصفاتها بالدلائل.
﴿ ويوم نحشر من كل أمة فوجاً ممن يكذب بآياتنا فهم يوزعون ﴾ من كلامه وهي صفات الروح والقلب وذلك بعد التصفية والمداومة على الذكر والفكر، حتى إذا رجعوا إلى الحضرة ﴿ قال أكذبتم بآياتي ولم تحيطوا بها علماً أماذا كنتم تعملون ﴾ بعد أن كنتم مصدقيها عند خطاب ﴿ ألست بربكم ﴾ وهذا خطاب فيه استبطاء وعتاب وقع قول يحبهم عليه بدل ما ظلموا فهم لا ينطقون كقوله "من عرف الله كل لسانه" ﴿ ألم يروا أنا جعلنا الليل ليسكنوا فيه والنهار مبصراً ﴾ جعلنا ليل البشرية سبباً لاستجمام القلب ونهار الروحانية بتجلي شمس الربوبية مبصراً يبصر به الحق من الباطل.
﴿ ويوم ينفخ ﴾ إسرافيل المحبة في صور القلب ﴿ ففزع ﴾ من في سموات الروح من الصفات الروحانية ومن في أرض البشرية من الصفات النفسانية ﴿ إلا من شاء الله ﴾ من أهل البقاء الذين أحيوا بحياته وأفاقوا بعد صعقة الفناء وهي النفخة الأولى في بداية تأثير العناية للهداية وإلقاء المحبة التي تظهر القيامة في شخص المحب.
وفزع الصفات هيجانها للطلب بتهييج أنوار المحبة ﴿ إلا من شاء الله ﴾ وهو الخفي وهي لطيفة في الروح بالقوة وإنما تصير بالفعل عند طلوع شموع الشواهد وآثار التجلي فلا يصيبه الفزع بالنفخة الأولى ولا تدركه الصعقة بالنفخة الثانية ﴿ وترى ﴾ جبال الأشخاص ﴿ جامدة ﴾ على حالها ﴿ وهي تمر ﴾ بالسير في الصفات وتبديل الأخلاق ﴿ مر السحاب ﴾ ﴿ رب هذه البلدة ﴾ وهي القلب والرب هو الله كما أن رب بلدة القالب هو النفس الأمارة وأنه تعالى حرم بلدة القلب على الشيطان كما قال ﴿ يوسوس في صدور الناس ﴾ دون أن يقول "في قلوب الناس" ﴿ سيريكم آياته فتعرفونها ﴾ فيه إذا لم ير الآيات لم يمكن عرفانها اللهم اجعلنا من العارفين واكشف عنا غطاءنا بحق محمد وآله صلى الله وسلم عليهم.
قوله: ﴿ وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً مِّمَّن يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا ﴾ : يجمع القادة منهم والأتباع والمتبوعون، فيساقون إلى النار جميعاً؛ كقوله: ﴿ ٱحْشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَاجَهُمْ...
﴾ الآية [الصافات: 22]، وكقوله: ﴿ وَسِيقَ ٱلَّذِينَ كَـفَرُوۤاْ...
﴾ الآية [الزمر: 71]؛ وكقوله: ﴿ وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَآءُ ٱللَّهِ إِلَى ٱلنَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ ﴾ .
قال أهل التأويل: ﴿ يُوزَعُونَ ﴾ أي يحبس أولهم على آخرهم حتى يجتمعوا، وقد ذكرنا الوزع فيما تقدم وما قيل فيه.
وقوله: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا جَآءُو ﴾ أي: حتى إذا جاءوا جميعاً واجتمعوا - يعني: الكفار - قال لهم: ﴿ أَكَذَّبْتُم بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُواْ بِهَا عِلْماً ﴾ ، يحتمل ﴿ وَلَمْ تُحِيطُواْ بِهَا عِلْماً ﴾ أي: قد أحطتم بها علما أنها آيات، لكن كذبتم وأنكرتم أنها آيات عنادا ومكابرة؛ إذ يجوز أن يتكلم بالنفي على إثبات ضده؛ كقوله: ﴿ أَتُنَبِّئُونَ ٱللَّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلاَ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ أي: يعلم بضد ذلك وبخلاف ما تقولون أنتم، وذلك جائز في القرآن كثير.
أو أن يكون قوله: ﴿ وَلَمْ تُحِيطُواْ بِهَا عِلْماً ﴾ لما لم تتفكروا فيها، ولم تنظروا إليها نظر التعظيم والإجلال لكي تعرفوا، وأحطتم بها علما أنها آيات.
وإلا لو كان التأويل على ظاهر ما ذكر لكان لهم عذر في تكذيبها إذا لم يحيطوا بها علما؛ إذ من لم يحط العلم بالشيء فله عذر الرد وترك القبول، لكن يخرج على الوجهين اللذين ذكرتهما، والله أعلم.
ثم قال: ﴿ أَمَّا ذَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ : في تكذيب الآيات والأعمال التي عملوها بلا حجة، ولا برهان.
﴿ وَوَقَعَ ٱلْقَوْلُ عَلَيهِم ﴾ : أي: وجب القول بالعذاب، ووقع ما وعدوا من العذاب بما ظلموا حيث قال: ﴿ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ ﴾ ونحوه.
وقوله: ﴿ فَهُمْ لاَ يَنطِقُونَ ﴾ أي: لا ينطقون بالحجة مما يكون لهم به عذر.
وقوله: ﴿ أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا ٱلْلَّيْلَ لِيَسْكُنُواْ فِيهِ وَٱلنَّهَارَ مُبْصِراً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ ﴾ : أي في الليل والنهار لآيات لقوم يؤمنون.
ثم الآيات التي ذكر فيهما تكون من وجوه: أحدها: دلالة وحدانيته ودلالة علمه، وتدبيره وحكمته، ودلالة كرمه وجوده، ودلالة قدرته وسلطانه، ودلالة القدرة على البعث والإحياء بعدما صاروا رمادا وتراباً.
أما دلالة كرمه وجوده: ما جعل لهم في الليل والنهار منافع تدوم ما داموا هم.
ثم تلك المنافع تكون من وجهين: أحدهما: جعل النهار للتقلب فيه والتصرف لمعاشهم وما به قوام دنياهم، وجعل الليل راحة لهم وسكونا، ولو جعلهما جميعا للتقلب ما قام به معاشهم وما به قوام أنفسهم وأبدانهم أبداً؛ لأنه لا يلتئم ذلك إلا بالراحة، ولو جعلهما جميعاً للراحة لم يقم أمر معاشهم، فمن رحمته وفضله جعل أحدهما للراحة والآخر للتقلب، وهو ما ذكر في آية أخرى: ﴿ وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَلِتَبتَغُواْ مِن فَضْلِهِ ﴾ .
والثاني: من النعمة التي ذكر أنه جعل الذي للتقلب إنما جعل ذلك للكل، لا للبعض دون البعض؛ وكذلك الذي هو مجعول للراحة، والقرآن إنما جعله كذلك للكل لا لقوم دون قوم، ولو جعل كذلك لكان لا يقوم أمر معاشهم، ولا ما به يقوم أبدانهم وأنفسهم، ولكن من رحمته وفضله جعل المجعول وقتاً للراحة للكل لا لبعض دون بعض؛ وكذلك المجعول للتقلب؛ ليظفر المشترون بالباعة والباعة بالمشترين؛ ليلتئم أمر معاشهم ودنياهم.
وأما دلالة وحدانيته: ما جعل منافع أحدهما متصلة بالآخر؛ إذ لا يقوم أحدهما إلا بالآخر على اختلاف جوهرهما؛ ليعلم أن مدبرهما ومنشئهما واحد؛ إذ لو كان عددا لكان ما أراد هذه إيصاله منع الآخر، فإن لم يكن ولكن جريا على سنن واحد واتساق واحد؛ دل أنه تدبير واحد لا عدد.
ودلالة علمه وحكمته: أنهما منذ كانا، كانا على ميزان واحد، وعلى تقدير واحد من غير تغير ولا تبدل يقع فيهما؛ دل أن لمنشئهما علما ذاتيّاً وحكمة ذاتية، لا علما مكتسباً مستفاداً كعلم الخلق.
وأما دلالة القدرة والسلطان: لأنهما يقهران الخلق كله من الجبابرة والفراعنة شاءوا أو أبوا، حتى إذا أراد واحد منهم أن يمنع أحدهما أو ينقص من الآخر لم يقدر عليه.
أو إن اجتمعوا جميعاً على دفعهما أو دفع أحدهما دون الآخر لم يقدروا عليه؛ دل أن لمنشئهما قدرة وسلطانا؛ إذ من قدر على إنشاء هذا لا يعجزه شيء.
ودلالة القدرة على البعث: لأنه يتلف أحدهما ويذهب به حتى لا يبقى أثره، ثم يأتي بالآخر على تقدير الأول، فمن قدر على إنشاء هذا بعد ذهاب الآخر بكليته وذهاب أثره لقادر على إنشاء الخلق بعد فنائهم وهلاكهم، وأنه لا يعجزه شيء.
ثم لما جعل هذا ما ذكرنا وخلق ما خلق من المنافع التي ذكرنا لهذا العالم خلق هذا العالم للمحنة يأمرهم وينهاهم، وجعل لهم عاقبة فيها يثاب من أطاعه ويعاقب من عصاه؛ إذ لو لم تكن عاقبة لكان خلقهم عبثاً لا حكمة فيه؛ لأن من بنى بناء للفناء والنقض خاصة لا لعاقبة يتأمل نفعه كان بناؤه عبثاً غير حكمة؛ فعلى ذلك خلق الخلق لا لعاقبة تقصد عبث ليس بحكمة.
والآيات لمن آمن بها وصدق، فأما من لم يؤمن وكذب بها فهي آيات عليهم لا لهم.
وقوله: ﴿ وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِ فَفَزِعَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ ﴾ : اختلف في النفخ ما هو؟
وفي عدده؟
واختلف في الصور أيضاً ما هو؟
وكيف هو؟!
أما الاختلاف في النفخ: فمنهم من يقول: ليس على حقيقة النفخ، ولكن إخبار عن خفة قيام القيامة على الله؛ أخبر بالنفخ عنها؛ لأنه أخف شيء على الخلق وأهونه، فأخبر به عنها، وهو ما قال: ﴿ وَمَآ أَمْرُ ٱلسَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ ٱلْبَصَرِ ﴾ شبه أمرها بلمح البصر لما ليس شيء أخف على المرء من لمح البصر؛ فعلى ذلك النفخ عند قيامها لخفته على الخلق.
ومنهم من يقول: ذكر النفخ لسرعة نفاذ الساعة؛ إذ ليس شيء أسرع نفاذا من النفخ، وهو ما قال: إلا صيحة، وإلا رجفة، ذكر ذلك وشبهها بالصيحة والرجفة لسرعة نفاذها، إذ ليس شيء أسرع نفاذا من الصيحة والرجفة، فيقول: ليس على حقيقة النفخ، ولكن إخبار عن خفتها على الله أو سرعة نفاذها على ما ذكرنا، وهو ما قال: ﴿ فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا ﴾ ، ليس أنه ينفخ فيه نفخاً، ولكن يجعل كأنه قال: وجعلنا فيه من روحنا.
ومنهم من يقول: هو على حقيقة النفخ؛ فإن كان على هذا فهو أن يمتحن الملك من غير أن يقع له الحاجة إلى ذلك؛ نحو ما امتحن الكرام الكاتبين بكتابة أعمال الخلق وأفعالهم من غير وقوع الحاجة إليه، لكن امتحاناً منه ملائكته بذلك، أو أن يكونوا أحذر؛ إذ هو عالم بما كان وبما يكون كيف يكون؟
ومتى يكون وأي شيء يكون؟
وأما اختلافهم في عدد النفخ: قال قائل: إنه واحد يحتج بقوله: ﴿ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً ﴾ .
ومنهم من يقول بالنفختين؛ يحتج بقوله: ﴿ يَوْمَ تَرْجُفُ ٱلرَّاجِفَةُ تَتْبَعُهَا ٱلرَّادِفَةُ ﴾ ، أخبر أنه يردف الأولى غيرها، ويحتج بقوله أيضاً: ﴿ وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ مَن شَآءَ ٱللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىٰ ﴾ .
ومنهم من يقول بالنفخات الثلاث يقول: الأولى للفزع، والثانية للصعق على ما ذكرنا في الآية، والثالثة للإحياء.
ومنهم من يقول بالثلاث إلا أنه يجعل ذلك كله بعد الموت: أحدها للفزع في القبور، والثانية للإحياء فيها، والثالثة للإخراج منها والنشر، ويقول هذا القائل بعذاب أهل القبر من النفخة الثانية إلى النفخة الثالثة؛ وعلى ذلك رويت أخبار في ذلك، فإن ثبتت فهو ذاك وإلا نقف فيه.
وأمّا اختلافهم في الصور: قال قائلون: ينفخ في الخلق، والصور جمع صورة؛ قال: الزجاج: لا يحتمل هذا؛ لأن الصور على سكون الواو ليس هو من أفراد الصور ولا من جمعها؛ لأن الفرد هو صورة بالهاء وجمع الصورة صور - بتحريك الواو - على ما ذكر في الآية: ﴿ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُـمْ ﴾ .
ومنهم من يقول: هو قرن ينفخ فيه كقرن كذا، أو بوق كبوق كذا.
لكنا لا نفسر شيئاً مما ذكر من النفخ والصور أنه كذا، ولا نشير إلى شيء أنه ذا، إلا إن ثبت شيء من التفسير عن رسول الله فيقال به وليس هو بشيء يوجب العمل به فيتكلف صحته أو سقمه، إنما هو شيء يجب التصديق به، فنقول بالنفخ والصور على ما جاء ولا نفسر، والله أعلم.
وقوله: ﴿ فَفَزِعَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ ﴾ ، وقال في آية أخرى: ﴿ فَصَعِقَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ ﴾ إنما هو إخبار عن شدة هول ذلك اليوم؛ كقوله: ﴿ وَتَرَى ٱلنَّاسَ سُكَارَىٰ...
﴾ الآية [الحج: 2]؛ وكقوله - -: ﴿ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّآ أَرْضَعَتْ ﴾ ونحوه.
وقوله: ﴿ إِلاَّ مَن شَآءَ ٱللَّهُ ﴾ : هم الشهداء في الأرض؛ وعلى ذلك روي في بعض الحديث أنه قال: "ما أعطي آدمي بعد النبوة أفضل من الشهادة، لا يسمع الشهيد الفزع يوم القيامة إلا كرجل قال لصاحبه: أتسمع، قال: أسمع كتأذين الصلاة" وقال بعضهم: هم جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت.
وقال بعضهم: هم الأنبياء والرسل.
لكن لا نقول نحن: إن أهل الثنيا هم كذا ولا نشير إلى أحد؛ لأنا لا نعلم ذلك إلا إن ثبت في ذلك خبر عن رسول الله فنقول به.
وجائز أن يكون الذين استثناهم عن الذين أخبر عنهم في آخر الآية أنهم يكونون آمنين من فزع ذلك اليوم وهوله، وهو ما قال: ﴿ مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا وَهُمْ مِّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ ﴾ .
وقوله: ﴿ وَكُلٌّ أَتَوْهُ ﴾ : قرئ بالمد ﴿ أَتَوْهُ ﴾ وتطويله مضموم التاء فيه على مثال (فاعلوه)، وهو جمع (آت)؛ كقوله: ﴿ إِلاَّ آتِي ٱلرَّحْمَـٰنِ عَبْداً ﴾ ، و ﴿ أَتَوْهُ ﴾ جمع (أتى) وهو من سيأتون.
وقرأ بعضهم بقصر الألف ونصب التاء على الإتيان: قد أتوه.
وقوله: ﴿ دَاخِرِينَ ﴾ قيل: صاغرين ذليلين، دخر، أي: ذل.
وقوله: ﴿ وَتَرَى ٱلْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ ٱلسَّحَابِ ﴾ : قال بعضهم: وهي تمر مر كذا؛ لكثرتها وازدحامها يرنو الناظر إليها ويحسبها كأنها جامدة؛ وكذلك العسكر العظيم يحسب الناظر إليه كأنه ساكن جامد؛ لكثرتهم وازدحامهم؛ فعلى ذلك الجبال.
وقال بعضهم: لا، ولكن لشدة ذلك اليوم وهوله وفزعه على الناس يحسبون كأنها جامدة، ﴿ وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ ٱلسَّحَابِ ﴾ وهو ما ذكر: ﴿ وَتَرَى ٱلنَّاسَ سُكَارَىٰ وَمَا هُم بِسُكَارَىٰ...
﴾ الآية [الحج: 2]؛ لشدة ذلك اليوم وفزعه.
وقال بعضهم: لا، ولكن الجبال لهول ذلك اليوم وفزعه تمرّ مر السحاب وسيره؛ كقوله: ﴿ وَتَكُونُ ٱلْجِبَالُ كَٱلْعِهْنِ ٱلْمَنفُوشِ ﴾ ، وأصله: إنما يذكر هذا وما تقدم من هول ذلك اليوم وشدته على الخلق؛ ليتعظوا وينزجروا.
وقوله: ﴿ صُنْعَ ٱللَّهِ ٱلَّذِيۤ أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ : قال بعضهم: ﴿ أَتْقَنَ ﴾ : أحكم وأبرم.
وقال بعضهم: ﴿ أَتْقَنَ ﴾ : أي: أحسن كل شيء.
قال بعض المعتزلة: كيف يكون الكفر حسنا وهو قبيح؛ لأنه شتم رب العالمين، ولا يجوز أن يقال: الله خلق شتم نفسه وأحسن شتم نفسه، أو أحسن كفر الكافر وغير ذلك من الخرافات؟!
فيقال لهم: لا يقول أحد: إنه خلق الكفر وأحسنه أو أحسن شتم نفسه على هذا الإطلاق، من قال ذلك فهو كافر، ولكن يقول: فعل الكفر من الكافر قبيحاً، وخلق فعل المعصية من العاصي قبيحاً، لكنه من حيث خلقه ذلك وجعله حجة عليه حسناً متقناً محكماً، وإن كان ذلك الفعل منه قبيحاً باطلا سفها جورا - أعني: من الكافر - ألا ترى أن من تكلف أن يعرف فعل الكفر منه سفهاً وجوراً كان غير مذموم؛ لأنه يتكلف أن يعرف ما هو سفه في الحقيقة سفها، ويعرف ما هو حق حقا فهو من هذا الوجه عارف بحق وحكمة؛ لأن الحكمة توجب أن يعرف كل شيء على ما هو في نفسه حقيقة؛ فعلى ذلك خلق فعل الكفر من الكافر على الوجه الذي ذكرنا هو حسن متقن محكم، وإن كان من حيث فعل الكافر قبيحاً سفهاً باطلا، وهذا كما نصفه على الإطلاق: أنه رب كل شيء وخالق كل شيء، ولا نقول: يا خالق الأنجاس ويا رب الأقذار ونحوه، إن كان هذا داخلا في الجملة أنه خالقها وربها؛ لأنه على الإطلاق يخرج مخرج المدح له والثناء وعلى التخصيص مخرج الذم له؛ فعلى ذلك الأول.
وقوله: ﴿ صُنْعَ ٱللَّهِ ٱلَّذِيۤ أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ : على أثر وصف الجبال بما وصف من انتقاضها وإفسادها، وإخراجها عن الصفة التي أنشأها إلى ما ذكر لم يخرج من الإتقان والإحكام والإبرام؛ ليعلم أن ليس في إفساد الشيء خروج عن الإتقان إذا كان ذلك لحكمة، والله أعلم.
وقوله: ﴿ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ ﴾ : وعيد لهم.
وقوله: ﴿ مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ ﴾ : قالوا جميعاً: الحسنة هاهنا: التوحيد والإيمان.
وقوله: ﴿ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا ﴾ : قيل فيه بوجوه: أحدها: من جاء بالتوحيد: توحيد ربه [يوم] البعث فله خير منها، ومجيئه ربه بالتوحيد إذا ختم به فله ما ذكر، شرط المجيء به، ولم يقل: من عمل بالحسنة فله كذا؛ لأن الرجل قد يعمل بالحسنات ثم يفسدها ويبطلها؛ فلا يثاب عليها؛ ليعلم أن ما ينتفع بالحسنات في الآخرة الحسنة التي ختم عليها وجاء بها ربه.
وقال بعضهم: قوله: ﴿ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا ﴾ أي: ما يعطى في الآخرة له من الثواب، والثواب والجزاء إنما يكون من الحسنة التي كانت منه في الدنيا منها يكون له جميع الخيرات في الآخرة.
وقال بعضهم: ﴿ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا ﴾ أي: الذي أعطي له في الآخرة من الخيرات خير مما ترك في الدنيا من النعم وصبر عليها، فذلك خير مما ترك، كقوله: ﴿ إِلاَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ ﴾ كذا.
وقال بعضهم: ﴿ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا ﴾ أي: رؤية الرب ولقاؤه خير مما أعطي غيرها من الخيرات، على ما يكون في الدنيا رؤية الملك ولقاؤه على الرعية أعظم وأفضل عندهم من غيره من الكرامات وإن عظمت وجلت.
وقال بعضهم: ذلك الثواب والجزاء في الآخرة خير مما عملوا به من الخيرات في الدنيا؛ لأن الثواب وجوبه الفضل والرحمة لا الاستيجاب والاستحقاق؛ إذ في الحكمة والعقل وجوب العمل، وليس فيهما وجوب الثواب، فما هو سبيله فضل الله خير مما هو غيره.
لكنه عورض بأن ما كان سبيل وجوبه الحكمة والعقل خير مما كان سبيل وجوبه الإفضال؛ إذ ما كان سبيل وجوبه الحكمة والعقل لا يسع تركه، وما كان [سبيل] وجوبه الإفضال له تركه، لكنه قال: إن قوله: ﴿ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا ﴾ ، أي: في طباعكم ووهمكم ذلك الثواب خير من ذلك، لا أنه في الحقيقة خير؛ وهو كقوله: ﴿ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ ﴾ أي: في طباعكم، وعندكم أن إعادة الشيء أهون من ابتدائه؛ إذ ليس شيء أهون على الله من شيء، ولكن عندكم أن إعادة الشيء أهون من ابتدائه؛ فعلى ذلك الأول، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَهُمْ مِّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ ﴾ أخبر أنهم إذا أتوا ربهم بالتوحيد يكونون آمنين من فزع ذلك اليوم وهوله.
وقوله: ﴿ وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ ﴾ أي: بالشرك، ﴿ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي ٱلنَّارِ ﴾ : المنكب على الوجه: هو الملقى على الوجه، كقوله: ﴿ يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي ٱلنَّارِ ﴾ .
وقوله: ﴿ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ أي: ما تجزون إلا بأعمالكم.
<div class="verse-tafsir"
ومن جاء بالكفر والمعاصي فلهم النار يلقون فيها على وجوههم، ويقال لهم توبيخًا لهم وإهانة: هل تجزون إلا ما كنتم تعملونه في الدنيا من الكفر والمعاصي؟
<div class="verse-tafsir" id="91.a5pPN"