الإسلام > القرآن > سور > سورة 29 العنكبوت > الآية ١ من سورة العنكبوت
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 89 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١ من سورة العنكبوت: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
مكية قد اختلف المفسرون في الحروف المقطعة التي في أوائل السور فمنهم من قال هي مما استأثر الله بعلمه فردوا علمها إلى الله ولم يفسرها حكاه القرطبي في تفسـره عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود رضي الله عنهم أجمعين وقاله عامر الشعبي وسفيان الثوري والربيع بن خيثم واختاره أبو حاتم بن حبان.
ومنهم من فسرها واختلف هؤلاء في معناها فقال عبدالرحمن بن زيد بن أسلم إنما هي أسماء السور.
قال العلامة أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري في تفسيره وعليه إطباق الأكثر ونقل عن سيبويه أنه نص عليه ويعتضد لهذا بما ورد في الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في صلاة الصبح يوم الجمعة "الم" السجدة و "هل أتى على الإنسان" وقال سفيان الثوري عن ابن أبي نجيح عن مجاهد أنه قال: الم وحم والمص وص.
فواتح افتتح الله بها القرآن وكذا قال غيره عن مجاهد وقال مجاهد في رواية أبي حذيفة موسى بن مسعود عن شبل عن ابن أبي نجيح عنه أنه قال الم اسم من أسماء القرآن وهكذا وقال قتادة وزيد بن أسلم ولعل هذا يرجع إلى معنى قول عبدالرحمن بن زيد بن أسلم أنه اسم من أسماء السور فإن كل سورة يطلق عليها اسم القرآن فإنه يبعد أن يكون المص اسما للقرآن كله لأن المتبادر إلى فهم سامع من يقول قرأت المص إنما ذلك عبارة عن سورة الأعراف لا لمجموع القرآن والله أعلم.
وقيل هي اسم من أسماء الله تعالى فقال عنها في فواتح السور من أسماء الله تعالى وكذلك قال سالم بن عبدالله وإسماعيل بن عبدالرحمن السدي الكبير وقال شعبة عن السدي بلغني أن ابن عباس قال الم اسم من أسماء الله الأعظم.
هكذا رواه ابن أبي حاتم من حديث شعبة ورواه ابن جرير عن بندار عن ابن مهدي عن شعبة قال سألت السدي عن حم وطس والم فقال قال ابن عباس هي اسم الله الأعظم وقال ابن جرير وحدثنا محمد بن المثنى حدثنا أبو النعمان حدثنا شعبة عن إسماعيل السدي عن مرة الهمذاني قال: قال عبدالله فذكر نحوه.
وحُكي مثله عن علي وابن عباس وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس هو قسم أقسم الله به وهو من أسماء الله تعالى وروى ابن أبي حاتم وابن جرير من حديث ابن علية عن خالد الحذاء عن عكرمة أنه قال الم قسم.
وروينا أيضا من حديث شريك بن عبدالله بن عطاء بن السائب عن أبى الضحى عن ابن عباس: الم قال أنا الله أعلم وكذا قال سعيد بن جبير وقال السدي عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة الهمذاني عن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الم قال أما الم فهي حروف استفتحت من حروف هجاء أسماء الله تعالى.
قال وأبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية في قوله تعالى الم قال هذه الأحرف الثلاثة من التسعة والعشرين حرفا دارت فيها الألسن كلها ليس منها حرف إلا وهو مفتاح اسم من أسمائه وليس منها حرف إلا وهو من آلائه وبلألائه ليس منها حرف إلا وهو في مدة أقوام وآجالهم.
قال عيسى ابن مريم عليه السلام وعجب: فقال أعجب أنهم يظنون بأسمائه ويعيشون في رزقه فكيف يكفرون به فالألف مفتاح الله واللام مفتاح اسمه لطيف والميم مفتاح اسمه مجيد فالألف آلاء الله واللام لطف الله والميم مجد الله والألف سنة واللام ثلاثون سنة والميم أربعون سنة.
هذا لفظ ابن أبي حاتم ونحوه رواه ابن جرير ثم شرع يوجه كل واحد من هذه الأقوال ويوفق بينها وأنه لا منافاة بين كل واحد منها وبين الآخر وأن الجمع ممكن فهي أسماء للسور ومن أسماء الله تعالى يفتتح بها السور فكل حرف منها دل على اسم من أسمائه وصفة من صفاته كما افتتح سورا كثيرة بتحميده وتسبيحه وتعظيمه قال ولا مانع من دلالة الحرف منها على اسم من أسماء الله وعلى صفة من صفاته وعلى مدة وغير ذلك كما ذكره الربيع بن أنس عن أبي العالية لأن الكلمة الواحدة تطلق على معاني كثيرة كلفظة الأمة فإنها تطلق ويراد به الدين كقوله تعالى "إنا وجدنا آباءنا على أمة" وتطلق ويراد بها الرجل المطيع لله كقوله تعالى "إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين" وتطلق ويراد بها الجماعة كقوله تعالى "وجد عليه أمة من الناس يسقون" وقوله تعالى "ولقد بعثنا في كل أمة رسولا" وتطلق ويراد بها الحين من الدهر كقوله تعالى "وقال الذي نجا منهما وادكر بعد أمة" أي بعد حين على أصح القولين قال فكذلك هذا.
هذا حاصل كلامه موجها ولكن هذا ليس كما ذكره أبو العالية فإن أبا العالية زعم أن الحرف دل على هذا وعلى هذا وعلى هذا معا ولفظة الأمة وما أشبهها من الألفاظ المشتركة في الاصطلاح إنما دل في القرآن في كل موطن على معنى واحد دل عليه سياق الكلام فأما حمله على مجموع محامله إذا أمكن فمسألة مختلف فيها بين علماء الأصول ليس هذا موضع البحث فيها والله أعلم.
ثم إن لفظة الأمة تدل على كل من معانيها في سياق الكلام بدلالة الوضع فأما دلالة الحرف الواحد على اسم يمكن أن يدل على اسم آخر من غير أن يكون أحدهما أولى من الآخر في التقدير أو الإضمار بوضع ولا بغيره فهذا مما لا يفهم إلا بتوقيف والمسألة مختلف فيها وليس فيها إجماع حتى يحكم به وما أنشدوه من الشواهد على صحة إطلاق الحرف الواحد على بقية الكلمة فإن في السياق ما يدل على ما حذف بخلاف هذا كما قال الشاعر: قلنا قفي لنا فقالت قاف لا تحسبي أنا نسينا الإيجاف تعني وقفت.
وقال الآخر: ما للظليم عال كيف لايـ ينقد عنه جلده إذا يـ فقال ابن جرير كأنه أراد أن يقول إذا يفعل كذا وكذا فاكتفى بالياء من يفعل وقال الآخر: بالخير خيرات وان شرا فا ولا أريد الشر إلا أن تـ يقول وإن شرا فشرا ولا أريد الشر إلا أن تشاء فاكتفى بالفاء والتاء من الكلمتين عن بقيتهما ولكن هذا ظاهر من سياق الكلام والله أعلم.
قال القرطبي وفي الحديث "من أعان على قتل مسلم بشطر كلمة" الحديث قال سفيان هو أن يقول في اقتل"ا قـ" وقال خصيف عن مجاهد أنه قال فواتح السور كلها"ق وص وحم وطسم والر" وغير ذلك هجاء موضوع وقال بعض أهل العربية هي حروف من حروف المعجم استغنى بذكر ما ذكر منها في أوائل السور عن ذكر بواقيها التي هي تتمة الثمانية والعشرين حرفا كما يقول القائل ابني يكتب في - ا ب ت ث - أي في حروف المعجم الثمانية والعشرين فيستغني بذكر بعضها عن مجموعها حكاه ابن جرير.
قلت مجموع الحروف المذكورة في أوائل السور بحذف المكرر منها أربعة عشر حرفا وهي - ال م ص ر ك ه ي ع ط س ح ق ن- يجمعها قولك: نص حكيم قاطع له سر.
وهي نصف الحروف عددا والمذكور منها أشرف من المتروك وبيان ذلك من صناعة التصريف.
قال الزمخشري وهذه الحروف الأربعة عشر مشتملة على أصناف أجناس الحروف يعني من المهموسة والمجهورة ومن الرخوة والشديدة ومن المطبقة والمفتوحة ومن المستعلية والمنخفضة ومن حروف القلقلة.
وقد سردها مفصلة ثم قال: فسبحان الذي دقت في كل شئ حكمته.
وهذه الأجناس المعدودة مكثورة بالمذكورة منها وقد علمت أن معظم الشيء وجله ينزل منزلة كله وههنا ههنا لخص بعضهم في هذا المقام كلاما فقال: لا شك أن هذه الحروف لم ينزلها سبحانه وتعالى عبثا ولا سدى ومن قال من الجهلة إن في القرآن ما هو تعبد لا معنى له بالكلمة فقد أخطأ خطأ كبيرا فتعين أن لها معنى في نفس الأمر فإن صح لنا فيها عن المعصوم شيء قلنا به وإلا وقفنا حيث وقفنا وقلنا "آمنا به كل من عند ربنا" ولم يجمع العلماء فيها على شيء معين وإنما اختلفوا فمن ظهر له بعض الأقوال بدليل فعليه اتباعه وإلا فالوقف حتى يتبين هذا المقام.
المقام الآخر في الحكمة التي اقتضت إيراد هذه الحروف في أوائل السور ما هي مع قطع النظر عن معانيها في أنفسها فقال بعضهم إنما ذكرت ليعرف بها أوائل السور حكاه ابن جرير وهذا ضعيف لأن الفصل حاصل بدونها فيما لم تذكر فيه وفيما ذكرت فيه البسملة تلاوة وكتابة وقال آخرون بل ابتدئ بها لتفتح لاستماعها أسماع المشركين إذ تواصوا بالإعراض عن القرآن حتى إذا استمعوا له تلا عليهم المؤلف منه حكاه ابن جرير أيضا وهو ضعيف أيضا لأنه لو كان كذلك لكان ذلك في جميع السور لا يكون في بعضها بل غالبها ليس كذلك ولو كـان كذلك أيضا لانبغى الإبتداء بها في أوائل الكلام معهم سواء كان افتتاح سورة أو غير ذلك ثم إن هذه السورة والتي تليها أعني البقرة وآل عمران مدنيتان ليستا خطابا للمشركين فانتقض ما ذكروه بهذه الوجوه.
وقال آخرون بل إنما ذكرت هذه الحروف في أوائل السور التي ذكرت فيها بيانا لإعجاز القرآن وأن الخلق عاجزون عن معارضته بمثله هذا مع أنه مركب من هذه الحروف المقطعة التي يتخاطبون بها وقد حكى هذا المذهب الرازي في تفسيره عن المبرد وجمع من المحققين وحكى القرطبي عن الفراء وقطرب نحو هذا وقرره الزمخشري فى كشافه ونصره أتم نصر وإليه ذهب الشيخ الإمام العلامة أبو العباس ابن تيمية وشيخنا الحافظ المجتهد أبو الحجاج المزي وحكاه لي عن ابن تيمية.
قال الزمخشري ولم ترد كلها مجموعة في أول القرآن وإنما كررت ليكون أبلغ في التحدي والتبكيت كما كررت قصص كثيرة وكرر التحدي بالصريح في أماكن قال وجاء منها على حرف واحد كقوله - ص ن ق- وحرفين مثل "حم" وثلاثة مثل "الم" وأربعة مثل "المر" و "المص" وخمسة مثل "كهيعص- و- حم عسق" لأن أساليب كلامهم على هذا من الكلمات ما هو على حرف وعلى حرفين وعلى ثلاثة وعلى أربعة وعلى خمسة لا أكثر من ذلك "قلت" ولهذا كل سورة افتتحت بالحروف فلا بد أن يذكر فيها الانتصار للقرآن وبيان إعجازه وعظمته وهذا معلوم بالاستقراء وهو الواقع في تسع وعشرين سورة ولهذا يقول تعالى "الم ذلك الكتاب لا ريب فيه" "الم الله لا إله إلا هو الحي القيوم نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه" "المص كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه" "الر كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم" "الم تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين" "حم تنزيل من الرحمن الرحيم" "حم عسق كذلك يوحي إليك وإلى الذين من قبلك الله العزيز الحكيم" وغير ذلك من الآيات الدالة على صحة ما ذهب إليه هؤلاء لمن أمعن النظر والله أعلم.
وأما من زعم أنها دالة على معرفة المدد وأنه يستخرج من ذلك أوقات الحوادث والفتن والملاحم فقد ادعى ما ليس له وطار في غير مطاره وقد ورد في ذلك حديث ضعيف وهو مع ذلك أدل على بطلان هذا المسلك من التمسك به على صحته وهو ما رواه محمد بن إسحق بن يسار صاحب المغازي حدثني الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس عن جابر بن عبدالله بن رباب قال مر أبو ياسر بن أخطب في رجال من يهود برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يتلو فاتحة سورة البقرة "الم ذلك الكتاب لا ريب فيه" فأتى أخاه بن أخطب في رجال من اليهود فقال تعلمون والله لقد سمعت محمدا يتلو فيما أنزل الله تعالى عليه "الم ذلك الكتاب لا ريب فيه" فقال أنت سمعته قال نعم قال فمشى حي بن أخطب في أولئك النفر من اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا يا محمد ألم يذكر أنك تتلوا فيما أنزل الله عليك "الم ذلك الكتاب"؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "بلى" فقالوا جاءك بهذا جبريل من عند الله؟
فقال "نعم" قالوا لقد بعث الله قبلك أنبياء ما نعلمه بين لنبي منهم ما مدة ملكه وما أجل أمته غيرك.
فقام حي بن أخطب وأقبل على من كان معه فقال لهم الألف واحدة واللام ثلاثون والميم أربعون فهذه إحدى وسبعون سنة أفتدخلون في دين نبي إنما مدة ملكه وأجل أمته إحدى وسبعون سنة؟
ثم أقبل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا محمد هل مع هذا غيره فقال "نعم" قال ما ذاك؟
قال "المص" قال هذا أثقل وأطول الألف واحد واللام ثلاثون والميم أربعون والصاد تسعون فهذه إحدى وثلاثون ومائة سنة.
هل مع هذا يا محمد غيره؟
قال "نعم" قال ما ذاك؟
قال "الر" قال هذا أثقل وأطول الألف واحدة واللام ثلاثون والراء مائتان فهذه إحدى وثلاثون ومائتا سنة.
فهل مع هذا يا محمد غيره؟
قال "نعم" قال ماذا قال "المر" قال هذه أثقل وأطول الألف واحدة واللام ثلاثون والميم أربعون والراء مائتان فهذه إحدى وسبعون ومائتان ثم قال: لقد لبس علينا أمرك يا محمد حتى ما ندري أقليلا أعطيت أم كثيرا.
ثم قال قوموا عنه ثم قال أبو ياسر لأخيه حي بن أخطب ولمن معه من الأحبار ما يدريكم لعله قد جمع هذا لمحمد كله إحدى وسبعون وإحدى وثلاثون ومائة وإحدى وثلاثون ومائتان وإحدى وسبعون ومائتان فذلك سبعمائة وأربع سنين؟
فقالوا لقد تشابه علينا أمره فيزعمون أن هؤلاء الآيات نزلت فيهم "هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات" فهذا الحديث مداره على محمد بن السائب الكلبي وهو ممن لا يحتج بما انفرد به ثم كان مقتضى هذا المسلك إن كان صحيحا أن يحسب ما لكل حرف من الحروف الأربعة عشر التي ذكرناها وذلك يبلغ منه جملة كثيرة وإن حسبت مع التكرر فأطم وأعظم والله أعلم.
القول في تأويل قوله تعالى : الم (1) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ قال أبو جعفر: وقد بيَّنا معنى قول الله تعالى ذكره: (الم) وذكرنا أقوال أهل التأويل في تأويله، والذي هو أولى بالصواب من أقوالهم عندنا بشواهده فيما مضى بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.
مكية إلا من آية 1 إلى آية 11 فمدنية وآياتها 69 نزلت بعد الروم مكية كلها في قول الحسن وعكرمة وعطاء وجابر ومدنية كلها في أحد قولي ابن عباس وقتادة وفي القول الآخر لهما وهو قول يحيى بن سلام أنها مكية إلا عشر آيات من أولها فإنها نزلت بالمدينة في شأن من كان من المسلمين بمكة وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : نزلت بين مكة والمدينة وهي تسع وستون آيةاختلف أهل التأويل في الحروف التي في أوائل السورة ; فقال عامر الشعبي وسفيان الثوري وجماعة من المحدثين : هي سر الله في القرآن , ولله في كل كتاب من كتبه سر .فهي من المتشابه الذي انفرد الله تعالى بعلمه , ولا يجب أن يتكلم فيها , ولكن نؤمن بها ونقرأ كما جاءت .وروي هذا القول عن أبي بكر الصديق وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما .وذكر أبو الليث السمرقندي عن عمر وعثمان وابن مسعود أنهم قالوا : الحروف المقطعة من المكتوم الذي لا يفسر .وقال أبو حاتم : لم نجد الحروف المقطعة في القرآن إلا في أوائل السور , ولا ندري ما أراد الله جل وعز بها .قلت : ومن هذا المعنى ما ذكره أبو بكر الأنباري : حدثنا الحسن بن الحباب حدثنا أبو بكر بن أبي طالب حدثنا أبو المنذر الواسطي عن مالك بن مغول عن سعيد بن مسروق عن الربيع بن خثيم قال : إن الله تعالى أنزل هذا القرآن فاستأثر منه بعلم ما شاء , وأطلعكم على ما شاء , فأما ما استأثر به لنفسه فلستم بنائليه فلا تسألوا عنه , وأما الذي أطلعكم عليه فهو الذي تسألون عنه وتخبرون به , وما بكل القرآن تعلمون , ولا بكل ما تعلمون تعملون .قال أبو بكر : فهذا يوضح أن حروفا من القرآن سترت معانيها عن جميع العالم , اختبارا من الله عز وجل وامتحانا ; فمن آمن بها أثيب وسعد , ومن كفر وشك أثم وبعد .حدثنا أبو يوسف بن يعقوب القاضي حدثنا محمد بن أبي بكر حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان عن الأعمش عن عمارة عن حريث بن ظهير عن عبد الله قال : ما آمن مؤمن أفضل من إيمان بغيب , ثم قرأ : " الذين يؤمنون بالغيب " [ البقرة : 3 ] .قلت : هذا القول في المتشابه وحكمه , وهو الصحيح على ما سبق بيانه في ( آل عمران ) .وقال جمع من العلماء كبير : بل يجب أن نتكلم فيها , ويلتمس الفوائد التي تحتها , والمعاني التي تتخرج عليها ; واختلفوا في ذلك على أقوال عديدة ; فروي عن ابن عباس وعلي أيضا : أن الحروف المقطعة في القرآن اسم الله الأعظم , إلا أنا لا نعرف تأليفه منها .وقال قطرب والفراء وغيرهما : هي إشارة إلى حروف الهجاء أعلم الله بها العرب حين تحداهم بالقرآن أنه مؤتلف من حروف هي التي منها بناء كلامهم ; ليكون عجزهم عنه أبلغ في الحجة عليهم إذ لم يخرج عن كلامهم .قال قطرب : كانوا ينفرون عند استماع القرآن , فلما سمعوا : " الم " و " المص " استنكروا هذا اللفظ , فلما أنصتوا له صلى الله عليه وسلم أقبل عليهم بالقرآن المؤتلف ليثبته في أسماعهم وآذانهم ويقيم الحجة عليهم .وقال قوم : روي أن المشركين لما أعرضوا عن سماع القرآن بمكة وقالوا : " لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه " [ فصلت : 26 ] نزلت ليستغربوها فيفتحون لها أسماعهم فيسمعون القرآن بعدها فتجب عليهم الحجة .وقال جماعة : هي حروف دالة على أسماء أخذت منها وحذفت بقيتها ; كقول ابن عباس وغيره : الألف من الله , واللام من جبريل , والميم من محمد صلى الله عليه وسلم .وقيل : الألف مفتاح اسمه الله , واللام مفتاح اسمه لطيف , والميم مفتاح اسمه مجيد .وروى أبو الضحى عن ابن عباس في قوله : " الم " قال : أنا الله أعلم , " الر " أنا الله أرى , " المص " أنا الله أفضل .فالألف تؤدي عن معنى أنا , واللام تؤدي عن اسم الله , والميم تؤدي عن معنى أعلم .واختار هذا القول الزجاج وقال : أذهب إلى أن كل حرف منها يؤدي عن معنى ; وقد تكلمت العرب بالحروف المقطعة نظما لها ووضعا بدل الكلمات التي الحروف منها , كقوله : فقلت لها قفي فقالت قاف أراد : قالت وقفت .وقال زهير : بالخير خيرات وإن شرا فا ولا أريد الشر إلا أن تا أراد : وإن شرا فشر .وأراد : إلا أن تشاء .وقال آخر : نادوهم ألا الجموا ألا تا قالوا جميعا كلهم ألا فا أراد : ألا تركبون , قالوا : ألا فاركبوا .وفي الحديث : ( من أعان على قتل مسلم بشطر كلمة ) قال شقيق : هو أن يقول في اقتل : اق ; كما قال عليه السلام ( كفى بالسيف شا ) معناه : شافيا .وقال زيد بن أسلم : هي أسماء للسور .وقال الكلبي : هي أقسام أقسم الله تعالى بها لشرفها وفضلها , وهي من أسمائه ; عن ابن عباس أيضا ورد بعض العلماء هذا القول فقال : لا يصح أن يكون قسما لأن القسم معقود على حروف مثل : إن وقد ولقد وما ; ولم يوجد هاهنا حرف من هذه الحروف , فلا يجوز أن يكون يمينا .والجواب أن يقال : موضع القسم قوله تعالى : " لا ريب فيه " فلو أن إنسانا حلف فقال : والله هذا الكتاب لا ريب فيه ; لكان الكلام سديدا , وتكون " لا " جواب القسم .فثبت أن قول الكلبي وما روي عن ابن عباس سديد صحيح .فإن قيل : ما الحكمة في القسم من الله تعالى , وكان القوم في ذلك الزمان على صنفين : مصدق , ومكذب ; فالمصدق يصدق بغير قسم , والمكذب لا يصدق مع القسم ؟
.قيل له : القرآن نزل بلغة العرب ; والعرب إذا أراد بعضهم أن يؤكد كلامه أقسم على كلامه ; والله تعالى أراد أن يؤكد عليهم الحجة فأقسم أن القرآن من عنده .وقال بعضهم : " الم " أي أنزلت عليك هذا الكتاب من اللوح المحفوظ .وقال قتادة في قوله : " الم " قال اسم من أسماء القرآن .وروي عن محمد بن علي الترمذي أنه قال : إن الله تعالى أودع جميع ما في تلك السورة من الأحكام والقصص في الحروف التي ذكرها في أول السورة , ولا يعرف ذلك إلا نبي أو ولي , ثم بين ذلك في جميع السورة ليفقه الناس .وقيل غير هذا من الأقوال ; فالله أعلم .والوقف على هذه الحروف على السكون لنقصانها إلا إذا أخبرت عنها أو عطفتها فإنك تعربها .واختلف : هل لها محل من الإعراب ؟
فقيل : لا ; لأنها ليست أسماء متمكنة , ولا أفعالا مضارعة ; وإنما هي بمنزلة حروف التهجي فهي محكية .هذا مذهب الخليل وسيبويه .ومن قال : إنها أسماء السور فموضعها عنده الرفع على أنها عنده خبر ابتداء مضمر ; أي هذه " الم " ; كما تقول : هذه سورة البقرة .أو تكون رفعا على الابتداء والخبر ذلك ; كما تقول : زيد ذلك الرجل .وقال ابن كيسان النحوي : " الم " في موضع نصب ; كما تقول : اقرأ " الم " أو عليك " الم " .وقيل : في موضع خفض بالقسم ; لقول ابن عباس : إنها أقسام أقسم الله بها .
الحروف المقطعة في أوائل السور ، الأسلم فيها السكوت عن التعرض لمعناها من غير مستند شرعي ، مع الجزم بأن الله تعالى لم ينزلها عبثا بل لحكمة لا نعلمها.
«الم» الله أعلم بمراده بذلك.
الم: سبق الكلام على الحروف المقطَّعة في أول سورة البقرة.
سورة العنكبوت من السور التى افتتحت ببعض حروف التهجى ( الاما ) ، ويبلغ عدد السور التى افتتحت بحروف التهجى ، تسعاً وعشرين سورة .وقد سبق أن قلنا : لعل أقرب الأقوال إلى الصواب ، أن هذه الحروف المقطعة قد وردت فى افتتاح بعض السور ، على سبيل الإِيقاظ والتنبيه ، للذين تحداهم القرآن الكريم ، فكأن الله - تعالى - يقول لأولئك العارضين فى أن القرآن من عند الله : هاكم القرآن ترونه مؤلفا من كلام هو من جنس ما تؤلفون منه كلامهم ، ومنظوما من حروف هى من جنس الحروف الهجائية التى تنظمون منها حروفكم ، فإن كنتم فى شك من كونه منزلا من عند الله ، فهاتوا مثله ، وادعوا من شئتم من الخلق لكى يعاونكم فى ذلك .
.
المسألة الأولى: في تعلق أول هذه السورة بما قبلها وفيه وجوه: الأول: لما قال الله تعالى قبل هذه السورة: ﴿ إِنَّ الذي فَرَضَ عَلَيْكَ القرءان لَرَادُّكَ إلى مَعَادٍ ﴾ وكان المراد منه أن يرده إلى مكة ظاهراً غالباً على الكفار ظافراً طالباً للثأر، وكان فيه احتمال مشاق القتال صعب على البعض ذلك فقال الله تعالى: ﴿ آلم أَحَسِبَ الناس أَن يُتْرَكُواْ أَن يَقُولُواْ ءامَنَّا ﴾ ولا يؤمروا بالجهاد الوجه الثاني: هو أنه تعالى لما قال في أواخر السورة المتقدمة ﴿ وادع إلى رَبّكَ ﴾ وكان في الدعاء إليه الطعان والحراب والضراب، لأن النبي عليه السلام وأصحابه كانوا مأمورين بالجهاد إن لم يؤمن الكفار بمجرد الدعاء فشق على البعض ذلك فقال: ﴿ أَحَسِبَ الناس أَن يُتْرَكُواْ ﴾ الوجه الثالث: هو أنه تعالى لما قال في آخر السورة المتقدمة ﴿ كُلُّ شَيء هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَه ﴾ ذكر بعده ما يبطل قول المنكرين للحشر فقال: ﴿ لَهُ الحكم وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ يعني ليس كل شيء هالكاً من غير رجوع بل كل هالك وله رجوع إلى الله.
إذا تبين هذا، فاعلم أن منكري الحشر يقولون لا فائدة في التكاليف فإنها مشاق في الحال ولا فائدة لها في المآل إذ لا مآل ولا مرجع بعد الهلاك والزوال، فلا فائدة فيها.
فلما بين الله أنهم إليه يرجعون بين أن الأمر ليس على ما حسبوه، بل حسن التكليف ليثيب الشكور ويعذب الكفور فقال: ﴿ أَحَسِبَ الناس أَن يُتْرَكُواْ ﴾ غير مكلفين من غير عمل يرجعون به إلى ربهم.
المسألة الثانية: في حكمة افتتاح هذه السورة بحروف من التهجي، ولنقدم عليه كلاماً كلياً في افتتاح السور بالحروف فنقول: الحكيم إذا خاطب من يكون محل الغفلة أو من يكون مشغول البال بشغل من الأشغال يقدم على الكلام المقصود شيئاً غيره ليلتفت المخاطب بسببه إليه ويقبل بقلبه عليه، ثم يشرع في المقصود.
إذا ثبت هذا فنقول ذلك المقدم على المقصود قد يكون كلاماً له معنى مفهوم، كقول القائل اسمع، واجعل بالك إلي، وكن لي، وقد يكون شيئاً هو في معنى الكلام المفهوم كقول القائل أزيد ويازيد وألا يازيد، وقد يكون ذلك المقدم على المقصود صوتاً غير مفهوم كمن يصفر خلف إنسان ليلتفت إليه، وقد يكون ذلك الصوت بغير الفم كما يصفق الإنسان بيديه ليقبل السامع عليه.
ثم إن موقع الغفلة كلما كان أتم والكلام المقصود كان أهم، كان المقدم على المقصود أكثر.
ولهذا ينادي القريب بالهمزة فيقال أزيد والبعيد بيا فيقال يا زيد، والغافل ينبه أولاً فيقال ألا يا زيد.
إذا ثبت هذا فنقول إن النبي صلى الله عليه وسلم وإن كان يقظان الجنان لكنه إنسان يشغله شأن عن شأن فكان يحسن من الحكيم أن يقدم على الكلام المقصود حروفاً هي كالمنبهات، ثم إن تلك الحروف إذا لم تكن بحيث يفهم معناها تكون أتم في إفادة المقصود الذي هو التنبيه من تقديم الحروف التي لها معنى، لأن تقديم الحروف إذا كان لإقبال السامع على المتكلم لسماع ما بعد ذلك فإذا كان ذلك المقدم كلاماً منظوماً وقولا مفهوماً فإذا سمعه السامع ربما يظن أنه كل المقصود ولا كلام له بعد ذلك فيقطع الالتفات عنه.
أما إذا سمع منه صوتاً بلا معنى يقبل عليه ولا يقطع نظره عنه ما لم يسمع غيره لجزمه بأن ما سمعه ليس هو المقصود، فإذن تقديم الحروف التي لا معنى لها في الوضع على الكلام المقصود فيه حكمة بالغة، فإن قال قائل فما الحكمة في اختصاص بعض السور بهذه الحروف؟
فنقول عقل البشر عن إدراك الأشياء الجزئية على تفاصيلها عاجز، والله أعلم بجميع الأشياء، لكن نذكر ما يوفقنا الله له فنقول كل سورة في أوائلها حروف التهجي فإن في أوائلها ذكر الكتاب أو التنزيل أو القرآن كقوله تعالى: ﴿ الٓمٓ ذَٰلِكَ ٱلْكِتَٰبُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ ﴾ ﴿ الٓمٓ ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلْحَىُّ ٱلْقَيُّومُ نَزَّلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَٰبَ بِٱلْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ ٱلتَّوْرَىٰةَ وَٱلْإِنجِيلَ ﴾ ، ﴿ الٓمٓصٓ كِتَٰبٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُن فِى صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ لِتُنذِرَ بِهِۦ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ ، ﴿ يسٓ وَٱلْقُرْءَانِ ٱلْحَكِيمِ ﴾ ، ﴿ ص والقرءان ﴾ ﴿ ق والقرءان ﴾ ، ﴿ الٓمٓ تَنزِيلُ ٱلْكِتَٰبِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ ﴾ ، ﴿ حمٓ تَنزِيلُ ٱلْكِتَٰبِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ ﴾ إلا ثلاث سور ﴿ كهعيصا ﴾ ، ﴿ الم * أَحَسِبَ الناس ﴾ ، ﴿ الٓمٓ غُلِبَتِ ٱلرُّومُ ﴾ والحكمة في افتتاح السور التي فيها القرآن أو التنزيل أو الكتاب بالحروف هي أن القرآن عظيم والإنزال له ثقل والكتاب له عبء كما قال تعالى: ﴿ إِنَّا سَنُلْقِى عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً ﴾ وكل سورة في أولها ذكر القرآن والكتاب والتنزيل قدم عليها منبه يوجب ثبات المخاطب لاستماعه، لا يقال كل سورة قرآن واستماعه استماع القرآن سواء كان فيها ذكر القرآن لفظاً أو لم يكن، فكان الواجب أن يكون في أوائل كل سورة منبه، وأيضاً فقد وردت سورة فيها ذكر الإنزال والكتاب ولم يذكر قبلها حروف كقوله تعالى: ﴿ الحمد لِلَّهِ الذي أَنْزَلَ على عَبْدِهِ الكتاب ﴾ وقوله: ﴿ سُورَةٌ أنزلناها ﴾ وقوله: ﴿ تَبَارَكَ الذي نَزَّلَ الفرقان ﴾ وقوله: ﴿ إِنَّا أنزلناه فِي لَيْلَةِ القدر ﴾ لأنا نقول جواباً عن الأول لا ريب في أن كل سورة من القرآن لكن السورة التي فيها ذكر القرآن والكتاب مع أنها من القرآن تنبه على كل القرآن فإن قوله تعالى: ﴿ طه مَآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْءَانَ لِتَشْقَىٰٓ ﴾ مع أنها بعض القرآن فيها ذكر جميع القرآن فيصير مثاله مثال كتاب يرد من ملك على مملوكه فيه شغل ما، وكتاب آخر يرد منه عليه فيه: إنا كتبنا إليك كتباً إليك كتباً فيها أوامرنا فامتثلها، لا شك أن عبء الكتاب الآخر أكثر من ثقل الأول وعن الثاني أن قوله: ﴿ الحمد للَّهِ ﴾ ، وَ ﴿ تَبَارَكَ الذي ﴾ تسبيحات مقصودة وتسبيح الله لا يغفل عنه العبد فلا يحتاج إلى منبه بخلاف الأوامر والنواهي، وأما ذكر الكتاب فيها فلبيان وصف عظمة من له التسبيح ﴿ سُورَةٌ أنزلناها ﴾ قد بينا أنها من القرآن فيها ذكر إنزالها وفي السورة التي ذكرناها ذكر جميع القرآن فهو أعظم في النفس وأثقل.
وأما قوله تعالى: ﴿ إِنَّا أنزلناه ﴾ فنقول هذا ليس وارداً على مشغول القلب بشيء غيره بدليل أنه ذكر الكناية فيها وهي ترجع إلى مذكور سابق أو معلوم وقوله: ﴿ إِنَّا أنزلناه ﴾ الهاء راجع إلى معلوم عند النبي صلى الله عليه وسلم فكان متنبهاً له فلم ينبه، واعلم أن التنبيه قد حصل في القرآن بغير الحروف التي لا يفهم معناها كما في قوله تعالى: ﴿ يا أيها الناس اتقوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ الساعة شَيء عَظِيمٌ ﴾ وقوله: ﴿ يا أيها النبى اتق الله ﴾ ﴿ يا أيها النبى لِمَ تُحَرّمُ ﴾ لأنها أشياء هائلة عظيمة، فإن تقوى الله حق تقاته أمر عظيم فقدم عليها النداء الذي يكون للبعيد الغافل عنها تنبيهاً، وأما هذه السورة افتتحت بالحروف وليس فيها الابتداء بالكتاب والقرآن، وذلك لأن القرآن ثقله وعبئه بما فيه من التكاليف والمعاني، وهذه السورة فيها ذكر جميع التكاليف حيث قال: ﴿ أَحَسِبَ الناس أَن يُتْرَكُواْ أَن يَقُولُواْ ءامَنَّا ﴾ يعني لا يتركون بمجرد ذلك بل يؤمرون بأنواع من التكاليف فوجد المعنى الذي في السور التي فيها ذكر القرآن المشتمل على الأوامر والنواهي فإن قيل مثل هذا الكلام، وفي معناه ورد في سورة التوبة وهو قوله تعالى: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُواْ وَلَمَّا يَعْلَمِ الله الذين جاهدوا مِنكُمْ ﴾ ولم يقدم عليه حروف التهجي فنقول الجواب عنه في غاية الظهور، وهو أن هذا ابتداء كلام، ولهذا وقع الاستفهام بالهمزة فقال: ﴿ أَحَسِبَ ﴾ وذلك وسط كلام بدليل وقوع الاستفهام بأم والتنبيه يكون في أول الكلام لا في أثنائه، وأما ﴿ الٓمٓ غُلِبَتِ ٱلرُّومُ ﴾ فسيجيء في موضعه إن شاء الله تعالى هذا تمام الكلام في الحروف.
المسألة الثالثة: في إعراب ﴿ ألم ﴾ وقد ذكر تمام ذلك في سورة البقرة مع الوجوه المنقولة في تفسيره ونزيد هاهنا على ما ذكرناه أن الحروف لا إعراب لها لأنها جارية مجرى الأصوات المنبهة.
المسألة الرابعة: في سبب نزول هذه الآيات وفيه أقوال: الأول: أنها نزلت في عمار بن ياسر وعياش بن أبي ربيعة والوليد بن الوليد وسلمة بن هشام وكانوا يعذبون بمكة الثاني: أنها نزلت في أقوام بمكة هاجروا وتبعهم الكفار فاستشهد بعضهم ونجا الباقون الثالث: أنها نزلت في مهجع بن عبد الله قتل يوم بدر.
المسألة الخامسة: في التفسير قوله: ﴿ أَحَسِبَ الناس أَن يُتْرَكُواْ ﴾ يعني أظنوا أنهم يتركون بمجرد قولهم آمنا وهم لا يفتنون لا يبتلون بالفرائض البدنية والمالية، واختلف أئمة النحو في قوله: ﴿ أَن يَقُولُواْ ﴾ فقال بعضهم: أن يتركوا بأن يقولوا، وقال بعضهم: أن يتركوا يقولون آمنا، ومقتضى ظاهر هذا أنهم يمنعون من قولهم آمنا، كما يفهم من قول القائل تظن أنك تترك أن تضرب زيد أي تمنع من ذلك، وهذا بعيد فإن الله لا يمنع أحداً من أن يقول آمنت، ولكن مراد هذا المفسر هو أنهم لا يتركون يقولون آمنا من غير ابتلاء فيمنعون من هذا المجموع بإيجاب الفرائض عليهم.
المسألة السادسة: في الفوائد المعنوية وهي أن المقصود الأقصى من الخلق العبادة والمقصد الأعلى في العبادة حصول محبة الله كما ورد في الخبر لا يزال العبد يتقرب إلي بالعبادة حتى أحبه وكل من كان قلبه أشد امتلأ من محبة الله فهو أعظم درجة عند الله لكن للقلب ترجمان وهو اللسان، وللسان مصدقات هي الأعضاء، ولهذه المصدقات مزكيات فإذا قال الإنسان آمنت باللسان فقد ادعى محبة الله في الجنان، فلابد له من شهود فإذا استعمل الأركان في الإتيان بما عليه بنيان الإيمان حصل له على دعواه شهود مصدقات فإذا بذل في سبيل الله نفسه وماله، وزكى بترك ما سواه أعماله، زكى شهوده الذين صدقوه فيما قاله، فيحرر في جرائد المحبين اسمه، ويقرر في أقسام المقربين قسمه، وإليه الإشارة بقوله: ﴿ أَحَسِبَ الناس أَن يُتْرَكُواْ أَن يَقُولُواْ ءامَنَّا ﴾ يعني أظنوا أن تقبل منهم دعواهم بلا شهود وشهودهم بلا مزكين، بل لابد من ذلك جميعه ليكونوا من المحبين.
فائدة ثانية: وهي أن أدنى درجات العبد أن يكون مسلماً فإن ما دونه دركات الكفر، فالإسلام أول درجة تحصل للعبد فإذا حصل له هذه المرتبة كتب اسمه وأثبت قسمه، لكن المستخدمين عند الملوك على أقسام منهم من يكون ناهضاً في شغله ماضياً في فعله، فينقل من خدمة إلى خدمة أعلى منها مرتبة، ومنهم من يكون كسلاناً متخلفاً فينقل من خدمة إلى خدمة أدنى منها، ومنهم من يترك على شغله من غير تغيير، ومنهم من يقطع رسمه ويمحى من الجرائد اسمه، فكذلك عباد الله قد يكون المسلم عابداً مقبلاً على العبادة مقبولاً للسعادة فينقل من مرتبة المؤمنين إلى درجة الموقنين وهي درجة المقربين ومنهم من يكون قليل الطاعة مشتغلاً بالخلاعة، فينقل إلى مرتبة دونه وهي مرتبة العصاة ومنزلة القساة، وقد يستصغر العيوب ويستكثر الذنوب فيخرج من العبادة محروماً ويلحق بأهل العناد مرجوماً، ومنهم من يبقى في أول درجة الجنة وهم البله، فقال الله بشارة للمطيع الناهض ﴿ أَحَسِبَ الناس أَن يُتْرَكُواْ ﴾ يعني أظنوا أنهم يتركون في أول المقامات لا، بل ينقلون إلى أعلى الدرجات كما قال تعالى: ﴿ والذين أُوتُواْ العلم درجات ﴾ ﴿ فَضَّلَ الله المجاهدين...
عَلَى القاعدين دَرَجَةً ﴾ .
وقال بضده للكسلان ﴿ أَحَسِبَ الناس أَن يُتْرَكُواْ أَن يَقُولُواْ ءامَنَّا ﴾ يعني إذا قال آمنت ويتخلف بالعصيان يترك ويرضى منه، لا بل ينقل إلى مقام أدنى وهو مقام العاصي أو الكافر.
<div class="verse-tafsir"
الحسبان لا يصح تعليقه بمعاني المفردات، ولكن بمضامين الجمل.
ألا ترى أنك لو قلت: حسبت زيداً وظننت الفرس: لم يكن شيئاً حتى تقول: حسبت زيداً عالماً؛ وظننت الفرس جواداً، لأنّ قولك: زيد عالم، أو الفرس جواد: كلام دال على مضمون، فأردت الإخبار عن ذلك المضمون ثابتاً عندك على وجه الظن لا اليقين، فلم تجد بدّا في العبارة عن ثباته عندك على ذلك الوجه، من ذكر شطري الجملة مدخلاً عليهما فعل الحسبان، حتى يتم لك غرضك.
فإن قلت: فأين الكلام الدال على المضمون الذي يقتضيه الحسبان في الآية؟
قلت: هو في قوله: ﴿ أَن يُتْرَكُواْ أَن يَقُولُواْ ءامَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ ﴾ وذلك أن تقديره: أحسبوا تركهم غير مفتونين، لقولهم: آمنا، فالترك أول مفعولي حسب؛ ولقولهم: آمنا، هو الخبر.
وأما ﴿ غير مفتونين ﴾ فتتمة الترك، لأنه من الترك الذي هو بمعنى التصيير، كقوله: فَتَرَكْتُهُ جَزَرَ السِّبَاعِ يَنُشْنَهُ ألا ترى أنك قبل المجيء بالحسبان، تقدر أن تقول: تركهم غير مفتونين، لقولهم: آمنا، على تقدير: حاصل ومستقر، قبل اللام.
فإن قلت: ﴿ أَن يَقُولُواْ ﴾ هو علة تركهم غير مفتونين، فكيف يصح أن يقع خبر مبتدأ؟
قلت: كما تقول خروجه لمخافة الشر، وضربه للتأديب، وقد كان التأديب والمخافة في قولك: خرجت مخافة الشر، وضربته تأديباً: تعليلين.
وتقول أيضاً: حسبت خروجه لمخافة الشر، وظننت ضربه للتأديب، فتجعلهما مفعولين كما جعلتهما مبتدأ وخبراً.
والفتنة: الامتحان بشدائد التكليف: من مفارقة الأوطان، ومجاهدة الأعداء، وسائر الطاعات الشاقة، وهجر الشهوات والملاذ، وبالفقر؛ والقحط، وأنواع المصائب في الأنفس والأموال، وبمصابرة الكفار على أذاهم وكيدهم وضرارهم.
والمعنى: أحسب الذين أجروا كلمة الشهادة على ألسنتهم وأظهروا القول بالإيمان: أنهم يتركون بذلك غير ممتحنين، بل يمحنهم الله بضروب المحن، حتى يبلو صبرهم، وثبات أقدامهم، وصحة عقائدهم، ونصوع نياتهم، ليتميز المخلص من غير المخلص، والراسخ في الدين من المضطرب، والمتمكن من العابد على حرف، كما قال: ﴿ لتبلونّ في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذىً كثيراً وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور ﴾ [آل عمران: 186] وروي أنها نزلت في ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جزعوا من أذى المشركين.
وقيل في عمار بن ياسر: وكان يعذب في الله.
وقيل: في ناس أسلموا بمكة، فكتب إليهم المهاجرون: لا يقبل منكم إسلامكم حتى تهاجروا، فخرجوا فتبعهم المشركون فردّوهم، فلما نزلت كتبوا بها إليهم؛ فخرجوا فاتبعهم المشركون فقاتلوهم، فمنهم من قتل ومنهم من نجا.
وقيل: في مهجع بن عبد الله مولى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وهو أوّل قتيل من المسلمين يوم بدر، رماه عامر بن الحضرمي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سيد الشهداء مهجع، وهو أول من يدعى إلى باب الجنة من هذه الأمة» فجزع عليه أبواه وامرأته ﴿ وَلَقَدْ فَتَنَّا ﴾ موصول بأحسب أو بلا يفتنون، كقولك: ألا يمتحن فلان وقد امتحن من هو خير منه، يعني: أن أتباع الأنبياء عليهم السلام قبلهم، قد أصابهم من الفتن والمحن نحو ما أصابهم.
أو ما هو أشدّ منه فصبروا، كما قال: ﴿ وَكَأَيّن مّن نَّبِىّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ...
﴾ الآية [آل عمران: 146] وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «قد كان مَن قبلكم يؤخذ فيوضع المنشار على رأسه فيفرق فرقتين، وما يصرفه ذلك عن دينه؛ ويمشط بأمشاط الحديد ما دون عظمه من لحم وعصب، ما يصرفه ذلك عن دينه» ﴿ فَلَيَعْلَمَنَّ الله ﴾ بالامتحان ﴿ الذين صَدَقُوا ﴾ في الإيمان ﴿ وَلَيَعْلَمَنَّ الكاذبين ﴾ فيه.
فإن قلت: كيف وهو عالم بذلك فيما لم يزل؟
قلت: لم يزل يعلمه معدوماً، ولا يعلمه موجوداً إلا إذا وجد، والمعنى: وليتميزن الصادق منهم من الكاذب.
ويجوز أن يكون وعداً ووعيداً، كأنه قال: وليثيبن الذي صدقوا وليعاقبنّ الكاذبين.
وقرأ علي رضي الله عنه والزهري: وليعلمنّ، من الإعلام، أي: وليعرفنهم الله الناس من هم.
أو ليسمنهم بعلامة يعرفون بها من بياض الوجوه وسوادها، وكحل العيون وزرقتها.
<div class="verse-tafsir"
29 سُورَةُ العَنْكَبُوتِ مَكِّيَّةٌ وآيُها تِسْعٌ وسِتُّونَ آيَةً بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ الم ﴾ سَبَقَ القَوْلُ فِيهِ، ووُقُوعُ الِاسْتِفْهامِ بَعْدَهُ دَلِيلُ اسْتِقْلالِهِ بِنَفْسِهِ أوْ بِما يُضْمَرُ مَعَهُ.
﴿ أحَسِبَ النّاسُ ﴾ الحُسْبانَ مِمّا يَتَعَلَّقُ بِمَضامِينِ الجُمَلِ لِلدَّلالَةِ عَلى جِهَةِ ثُبُوتِها ولِذَلِكَ اقْتَضى مَفْعُولَيْنِ مُتَلازِمَيْنِ أوْ ما يَسُدُّ مَسَدَّهُما كَقَوْلِهِ: ﴿ أنْ يُتْرَكُوا أنْ يَقُولُوا آمَنّا وهم لا يُفْتَنُونَ ﴾ فَإنَّ مَعْناهُ أحَسِبُوا تَرْكَهم غَيْرَ مَفْتُونِينَ لِقَوْلِهِمْ ( آمَنّا )، فالتَّرْكُ أوَّلُ مَفْعُولَيْهِ وغَيْرُ مَفْتُونِينَ مِن تَمامِهِ ولِقَوْلِهِمْ ( آمَنّا ) هو الثّانِي كَقَوْلِكَ: حَسِبْتُ ضَرْبَهُ لِلتَّأْدِيبِ، أوْ أنْفُسَهم مَتْرُوكِينَ غَيْرَ مَفْتُونِينَ لِقَوْلِهِمْ ( آمَنّا ) بَلْ يَمْتَحِنُهُمُ اللَّهُ بِمَشاقِّ التَّكالِيفِ، كالمُهاجَرَةِ والمُجاهَدَةِ ورَفْضِ الشَّهَواتِ ووَظائِفِ الطّاعاتِ وأنْواعِ المَصائِبِ في الأنْفُسِ والأمْوالِ لِيَتَمَيَّزَ المُخْلِصُ مِنَ المُنافِقِ والثّابِتُ في الدِّينِ مِنَ المُضْطَرِبِ فِيهِ، ولِيَنالُوا بِالصَّبْرِ عَلَيْها عَوالِيَ الدَّرَجاتِ، فَإنَّ مُجَرَّدَ الإيمانِ وإنْ كانَ عَنْ خُلُوصٍ لا يَقْتَضِي غَيْرَ الخَلاصِ مِنَ الخُلُودِ في العَذابِ.
رُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ في ناسٍ مِنَ الصَّحابَةِ جَزِعُوا مِن أذى المُشْرِكِينَ، وقِيلَ في عَمّارٍ وقَدْ عُذِّبَ في اللَّهِ تَعالى، وقِيلَ في مَهْجَعِ مَوْلى عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَماهُ عامِرُ بْنُ الحَضْرَمِيِّ بِسَهْمٍ يَوْمَ بَدْرٍ فَقَتَلَهُ فَجَزِعَ عَلَيْهِ أبَواهُ وامْرَأتُهُ.
<div class="verse-tafsir"
{ولقد فتنا} اختبرنا وهو موصول بأحسب أو بلا يفتنون {الذين مِن قَبْلِهِمْ} بأنواع الفتن فمنهم من يوضع المنشار على رأسه فيفرق فرقتين ما يصرفه ذلك عن دينه ومنهم من يمشط بأمشاط الحديد ما يصرفه ذلك عن دينه {فَلَيَعْلَمَنَّ الله} بالامتحان {الذين صَدَقُوا} في الإيمان {وَلَيَعْلَمَنَّ الكاذبين} فيه ومعنى علمه تعالى وهو عالم بذلك فيما لم يزل أن يعلمه موجوداً عند وجوده كما علمه قبل وجوده أنه يوجد والمعنى وليتميزن الصادق منهم من الكاذب قال بن عطاء يتبين صدق العبد من كذبه في أوقات الرخاء والبلاء فمن شكر في أيام الرخاء وصبر في أيام البلاء فهو من الصادقين ومن بطر في أيام الرخاء وجزع في أيام البلاء فهو من الكاذبين
سُورَةُ العَنْكَبُوتِ أخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ والنَّحّاسُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّها نَزَلَتْ بِمَكَّةَ، وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ نَحْوَ ذَلِكَ، ورُوِيَ القَوْلُ بِأنَّها مَكِّيَّةٌ عَنِ الحَسَنِ وجابِرٍ وعِكْرِمَةَ وعَنْ بَعْضِهِمْ أنَّها آخِرُ ما نَزَلَ بِمَكَّةَ.
وفي البَحْرِ عَنِ الحَبْرِ وقَتادَةَ أنَّها مَدَنِيَّةٌ وقالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ: هي مَكِّيَّةٌ إلّا مِن أوَّلِها إلى قَوْلِهِ: ﴿ ولَيَعْلَمَنَّ المُنافِقِينَ ﴾ وذَكَرَ ذَلِكَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ في الإتْقانِ ولَمْ يَعْزُهُ، وأنَّهُ لَمّا أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ في سَبَبِ نُزُولِها ثُمَّ قالَ: قُلْتُ ويُضَمُّ إلى ذَلِكَ ﴿ وكَأيِّنْ مِن دابَّةٍ ﴾ الآيَةَ لِما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ في سَبَبِ نُزُولِها وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى الكَلامُ في ذَلِكَ وهي تِسْعٌ وسِتُّونَ آيَةً بِالإجْماعِ كَما قالَ الدّانِيُّ والطَّبَرْسِيُّ، وذَكَرَ الجَلالُ في وجْهِ اتِّصالِها بِما قَبْلَها أنَّهُ تَعالى أخْبَرَ في أوَّلِ السُّورَةِ السّابِقَةِ عَنْ فِرْعَوْنَ أنَّهُ ﴿ عَلا في الأرْضِ وجَعَلَ أهْلَها شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنهم يُذَبِّحُ أبْناءَهم ويَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ ﴾ وافْتَتَحَ هَذِهِ بِذِكْرِ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ فَتَنَهُمُ الكَفّارُ وعَذَّبُوهم عَلى الإيمانِ بِعَذابٍ دُونَ ما عَذَّبَ بِهِ فِرْعَوْنُ بَنِي إسْرائِيلَ بِكَثِيرٍ تَسْلِيَةً لَهم بِما وقَعَ لِمَن قَبْلَهم وحَثًّا عَلى الصَّبْرِ، ولِذا قِيلَ هُنا: ﴿ ولَقَدْ فَتَنّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ وأيْضًا لِما كانَ في خاتِمَةِ الأُولى الإشارَةُ إلى هِجْرَةِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أيْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ القُرْآنَ لَرادُّكَ إلى مَعادٍ ﴾ عَلى بَعْضِ الأقْوالِ، وفي خاتِمَةِ هَذِهِ الإشارَةِ إلى هِجْرَةِ المُؤْمِنِينَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ أرْضِي واسِعَةٌ ﴾ ناسَبَ تَتالِيَهُما.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ الم ﴾ سَبَقَ الكَلامُ فِيهِ وفي نَظائِرِهِ ولَمْ يُجَوِّزْ بَعْضُهم هُنا ارْتِباطَ ما بَعْدَهُ بِهِ ارْتِباطًا أعْرابِيًّا لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ مانِعٌ مِنهُ وبُحِثَ فِيهِ بِأنَّ اللّازِمَ في الِاسْتِفْهامِ تَصَدُّرُهُ في جُمْلَتِهِ وهو لا يُنافِي وُقُوعَ تِلْكَ الجُمْلَةِ خَبَرًا ونَحْوَهُ كَقَوْلِكَ: زَيْدٌ هَلْ قامَ أبُوهُ؟
فَلَوْ قِيلَ هُنا المَعْنى المَتْلُوُّ <div class="verse-tafsir"
مكية وهي ستون وتسع آيات مكية قوله سبحانه وتعالى: الم أَحَسِبَ النَّاسُ يعني: أظنّ الناس أَنْ يُتْرَكُوا يعني: أن يمهلوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا أي: صدقنا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ يعني: لا يبتلون.
قال في رواية الكلبي: لما نزلت هذه الآية قُلْ هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ [الأنعام: 65] فقال رسول الله : «يَا جِبْرِيلُ ما بَقَاءُ أمَّتِي عَلَى هذا» فقال له جبريل : فادع الله لأمتك، فقام فتوضأ، ثم صلى ركعتين، ثم سأل ربه عز وجل أن لا يبعث عليهم العذاب.
قال: فنزل جبريل ، فقال: يا محمد أن الله عزَّ وجلَّ قد أجار أمتك من خصلتين، وألزمهم خصلتين، فعاد رسول الله فتوضأ ثم صلى، فأحسن الصلاة، ثم سأل ربه عز وجل لأمته أن لا يلبسهم شيعاً، ولا يذيق بَعْضُهُمْ بَأْسَ بَعْضٍ، فنزل جبريل ، فقال: يا محمد قد سمع الله عز وجل مقالتك، فإنه يقول: ولقد أرسلنا رسلا من قبلك، فصدقهم مصدقون، وكذبهم مكذبون، ثم لم يمنعنا أن نبتليهم بعد قبض أنبيائهم ببلاء يعرف فيه الصادق من الكاذب، ثم نزل قوله عز وجل الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون الآية.
قال مقاتل: نزلت في مهجع بن عبد الله مولى عمر بن الخطاب ، أول قتيل قتل من المسلمين يوم بدر، وهو أول من يدعى إلى باب الجنة من هذه الأمة، فجزع أبواه وامرأته وقد كان الله بيّن للمسلمين أنه لا بد لهم من البلاء والمشقة في ذات اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فَنَزل الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا.
وقال بعضهم: لما أصيب المسلمون يوم أحد، وكانت الكرة عليهم، فعيرهم اليهود والنصارى والمشركون، فشقّ ذلك على المسلمين، فنزلت هذه الآية.
ويقال: نزلت في عياش بن أبي ربيعة، وفي نفر معه أخذهم المشركون وعذبوهم على الإسلام، فنزلت هذه الآية.
ويقال: نزلت في جميع المسلمين.
ومعناه: أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا ثم لا يفرض عليهم الفرائض.
وقال الزجاج: هذا اللفظ لفظ الاستخبار، والمعنى به تقرير وتوبيخ، يعني: أحسب الناس أن يقنع منهم بأن يقولوا: آمنا فقط، ولا يختبروا.
ويقال: أن لا يعذبوا في الدنيا.
ثم قال عز وجل: وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ يعني: اختبرنا الذين كانوا من قبل هذه الأمة وابتليناهم ببلايا فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا يعني: إنما يبتليهم ليبين الذين صدقوا من المؤمنين في إيمانهم وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ منهم فشكوا عند البلاء.
ويقال: معناه ليبين صدق الصادق، وكذب الكاذب بوقوع صدقه، ووقوع كذبه.
وقال القتبي: يعني: ليميزن الله الذين صدقوا، ويميز الكاذبين.
<div class="verse-tafsir"
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ٦١ أ/ وصلّى الله على سيّدنا ومولانا محمّد وآله
تفسير «سورة العنكبوت»
وهي مكّيّة إلا الصدر منها العشر الآيات فإنها مدنية نزلت في شأن من كان من المسلمين بمكة هذا أصحّ ما قيل هنا والله تعالى أعلم.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
قوله تعالى: الم تقدم الكلام على هذه الحروف.
وقوله تعالى: أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ نزلت هذه الآيةُ في قوم من المؤمنينَ بمكةَ وكان كفار قريش يؤذونهم، ويعذبونهم على الإسلام، فكانت صدورهم تضيق لذلك وربما استنكر بعضهم أن يُمَكِّنَ اللهُ الكفرةَ من المؤمنين.
قال مجاهد وغيره: فنزلت هذه الآيةُ مسليةً، ومعلمةً أن هذه هي سيرة الله في عباده اختباراً للمؤمنين، ليعلم الصادقَ من الكاذِبَ «١» ، و «حِسبَ» بمعنى «٢» : ظَنَّ.
والَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ يريد بهم: المؤْمنين مع الأنبياء في سالف الدّهر.
سُورَةُ العَنْكَبُوتِ * فَصْلٌ في نُزُولِها رَوى العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها مَكِّيَّةٌ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، وعَطاءٌ، وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ، ومُقاتِلٌ.
وفي رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها مَدَنِيَّةٌ.
وقالَ هِبَةُ اللَّهِ [ابْنُ سَلامَةَ] المُفَسِّرُ: نَزَلَ مِنَ أوَّلِها إلى رَأْسِ العَشْرِ بِمَكَّةَ، وباقِيها بِالمَدِينَةِ.
وقالَ غَيْرُهُ عَكْسَ هَذا: نَزَلَ العَشْرُ بِالمَدِينَةِ، وباقِيها بِمَكَّةَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الم ﴾ ﴿ أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ لَمّا أُمِرَ بِالهِجْرَةِ، كَتَبَ المُسْلِمُونَ إلى إخْوانِهِمْ بِمَكَّةَ أنَّهُ لا يُقْبَلُ مِنكم إسْلامُكم حَتّى تُهاجِرُوا، فَخَرَجُوا نَحْوَ المَدِينَةِ فَأدْرَكَهُمُ المُشْرِكُونَ فَرَدُّوهُمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ مِن أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ عَشْرَ آياتٍ، فَكَتَبُوا إلَيْهِمْ يُخْبِرُونَهم بِما نَزَلَ فِيهِمْ، فَقالُوا: نَخْرُجُ، فَإنِ اتَّبَعَنا أحَدٌ قاتَلْناهُ، فَخَرَجُوا فاتَّبَعَهُمُ المُشْرِكُونَ فَقاتَلُوهُمْ، فَمِنهم مَن قُتِلَ، ومِنهم مَن نَجا، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ فِيهِمْ: ﴿ ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِن بَعْدِ ما فُتِنُوا ﴾ ، هَذا قَوْلُ الحَسَنِ، والشَّعْبِيِّ.
والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ إذْ كانَ يُعَذَّبُ في اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ.
والثّالِثُ: أنَّها نَزَلَتْ في مِهْجَعٍ مَوْلى عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ حِينَ قُتِلَ بِبَدْرٍ، فَجَزِعَ عَلَيْهِ أبَواهُ وامْرَأتُهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى في أبَوَيْهِ وامْرَأتِهِ هَذِهِ الآيَةَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أحَسِبَ النّاسُ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ بِالنّاسِ: الَّذِينَ آمَنُوا بِمَكَّةَ، كَعَيّاشِ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ، وعَمّارِ بْنِ ياسِرٍ، وسَلَمَةَ بْنِ هِشامٍ، وغَيْرِهِمْ.
قالَ الزَّجّاجُ: لَفْظُ الآيَةِ اسْتِخْبارٌ، ومَعْناهُ مَعْنى التَّقْرِيرِ والتَّوْبِيخِ؛ والمَعْنى: أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا بِأنْ يَقُولُوا: آمَنّا، ولِأنْ يَقُولُوا: آمَنّا، أيْ: أحَسِبُوا أنْ يُقْنَعَ مِنهم بِأنْ يَقُولُوا: إنّا مُؤْمِنُونَ، فَقَطْ، ولا يُمْتَحَنُونَ بِما يُبَيِّنُ حَقِيقَةَ إيمانِهِمْ، ﴿ وَهم لا يُفْتَنُونَ ﴾ أيْ: لا يُخْتَبَرُونَ بِما يُعْلَمُ بِهِ صِدْقُ إيمانِهِمْ مِن كَذِبِهِ.
وَلِلْمُفَسِّرِينَ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: لا يُفْتَنُونَ في أنْفُسِهِمْ بِالقَتْلِ والتَّعْذِيبِ، قالَهُ مُجاهِدٌ ٌ.
والثّانِي: لا يُبْتَلَوْنَ بِالأوامِرِ والنَّواهِي.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ فَتَنّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ أيِ: ابْتَلَيْناهم واخْتَبَرْناهُمْ، ﴿ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: فَلَيَرَيَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا في إيمانِهِمْ عِنْدَ البَلاءِ إذا صَبَرُوا لِقَضائِهِ ولَيَرَيَنَّ الكاذِبِينَ في إيمانِهِمْ إذا شَكُّوا عِنْدَ البَلاءِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّانِي: فَلْيُمَيِّزَنَّ، لِأنَّهُ [قَدْ] عِلَمَ ذَلِكَ مِن قَبْلُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.
والثّالِثُ: فَلَيُظْهِرَنَّ ذَلِكَ حَتّى يُوجَدَ مَعْلُومًا، حَكاهُ الثَّعْلَبِيُّ.
وَقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ: " فَلَيُعْلِمَنَّ اللَّهُ " " ولَيُعْلِمَنَّ الكاذِبِينَ " " ولَيُعْلِمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ولَيُعْلِمَنَّ المُنافِقِينَ " [العَنْكَبُوتِ: ١١] بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ اللّامِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمْ حَسِبَ ﴾ أيْ: أيَحْسَبُ ﴿ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ ﴾ يَعْنِي الشِّرْكَ ﴿ أنْ يَسْبِقُونا ﴾ أيْ: يَفُوتُونا ويُعْجِزُونا ﴿ ساءَ ما يَحْكُمُونَ ﴾ أيْ: بِئْسَ ما حَكَمُوا لِأنْفُسِهِمُ حِينَ ظَنُّوا ذَلِكَ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: عَنى بِهِمُ الوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ، وأبا جَهْلٍ، والعاصَ بْنَ هِشامٍ، وغَيْرَهم.
<div class="verse-tafsir"
بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ العنكَبُوتِ هَذِهِ السُورَةُ مَكِّيَّةٌ إلّا الصَدْرَ مِنها، العَشْرَ الآياتِ، فَإنَّها مَدَنِيَّةٌ، نَزَلَتْ في شَأْنِ مَن كانَ مِنَ المُسْلِمِينَ بِمَكَّةَ، وفي هَذا اخْتِلافٌ.
قوله عزّ وجلّ: ﴿ الم ﴾ ﴿ أحَسِبَ الناسُ أنْ يُتْرَكُوا أنْ يَقُولُوا آمَنّا وهم لا يُفْتَنُونَ ﴾ ﴿ وَلَقَدْ فَتَنّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ صَدَقُوا ولَيَعْلَمَنَّ الكاذِبِينَ ﴾ تَقَدَّمَ القَوْلَ في الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ في أوائِلِ السُوَرِ، وقَرَأ ورْشٌ: "الم احْسِبَ الناسُ أنْ يُتْرَكُوا" بِفَتْحِ المِيمِ مِن غَيْرِ هَمْزٍ بَعْدَها، وذَلِكَ عَلى تَخْفِيفِ الهَمْزَةِ وإلْقاءِ حَرَكَتِها عَلى المِيمِ.
وهَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ كانُوا بِمَكَّةَ، وكانَ الكُفّارُ مِن قُرَيْشٍ يُؤْذُونَهم ويُعَذِّبُونَهم عَلى الإسْلامِ، فَكانَتْ صُدُورُهم تَضِيقُ لِذَلِكَ، ورُبَّما اسْتُنْكِرَ أنْ يُمَكِّنَ اللهُ الكَفَرَةَ مِنَ المُؤْمِنِينَ، قالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ مُسَلِّيَةً ومُعْلِمَةً أنَّ هَذِهِ السِيرَةَ هِيَ سِيرَةُ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى في عِبادِهِ اخْتِبارًا لِلْمُؤْمِنِينَ وقْتَئِذٍ؛ لِيَعْلَمَ الصادِقَ ويَرى ثَوابَ اللهِ تَعالى لَهُ، ويَعْلَمَ الكاذِبَ ويَرى عِقابَهُ إيّاهُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ الآيَةُ -وَإنْ كانَتْ نَزَلَتْ بِهَذا السَبَبِ، وفي هَذِهِ الجَماعَةِ- فَهي بِمَعْناها باقِيَةٌ في أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ، مَوْجُودٌ حُكْمُها بَقِيَّةَ الدَهْرِ، وذَلِكَ أنَّ الفِتْنَةَ مِنَ اللهِ تَعالى باقِيَةٌ في ثُغُورِ المُسْلِمِينَ بِالأسْرِ ونِكايَةِ العَدُوِّ وغَيْرِ ذَلِكَ، وإذا اعْتُبِرَ أيْضًا كُلُّ مَوْضِعٍ فَفِيهِ ذَلِكَ بِالأمْراضِ وأنْواعِ المِحَنِ، ولَكِنَّ الَّتِي تُشْبِهُ نازِلَةَ المُؤْمِنِينَ مَعَ قُرَيْشٍ هي ما ذَكَرْناهُ مَعَ أمْرِ العَدُوِّ في كُلِّ ثَغْرٍ.
وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُما: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ ؛ -إذْ كانَ يُعَذَّبُ في اللهِ- ونُظَرائِهِ.
وقالَ الشَعْبِيُّ: سَبَبُ الآيَةِ ما كُلِّفَهُ المُؤْمِنُونَ، أمّا الفِتْنَةُ فَهي الهِجْرَةُ الَّتِي لَمْ يُتْرَكُوا دُونَها؛ لا سِيَّما وقَدْ لَحِقَهم بِسَبَبِها أنِ اتَّبَعَهُمُ الكُفّارُ ورَدُّوهم وقاتَلُوهُمْ، فَقُتِلَ مَن قُتِلَ ونَجا مَن نَجا.
وقالَ السُدِّيُّ: نَزَلَتْ في مُسْلِمِينَ كانُوا بِمَكَّةَ وكَرِهُوا الجِهادَ والقِتالَ حِينَ فُرِضَ عَلى النَبِيِّ .
و"حَسِبَ" مَعْناهُ: ظَنَّ، و"أنْ" نُصِبَ بِـ "حَسِبَ"، وهي والجُمْلَةُ الَّتِي بَعْدَها تَسُدُّ مَسَدَّ مَفْعُولَيْ "حَسِبَ"، و"أنْ" الثانِيَةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى تَقْدِيرِ إسْقاطِ حَرْفِ الخَفْضِ، وتَقْدِيرُهُ: "بِأنْ يَقُولُوا"، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقَدَّرَ: "لِأنْ يَقُولُوا"، والمَعْنى في الباءِ واللامِ مُخْتَلِفٌ، وذَلِكَ أنَّهُ في الباءِ كَما تَقُولُ: "تَرَكْتُ زَيْدًا بِحالِهِ"، وهي في اللامِ بِمَعْنى: "مِن أجْلِ"، أيْ: حَسِبُوا أنَّ إيمانَهم عِلَّةٌ لِلتُّرْكِ.
و ﴿ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ يُرِيدُ بِهِمُ المُؤْمِنِينَ مَعَ الأنْبِياءِ في سالِفِ الدَهْرِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "فَلَيَعْلَمْنَّ" بِفَتْحِ الياءِ واللامِ الثانِيَةِ، ومَعْنى ذَلِكَ: لَيُظْهِرَنَّ عِلْمَهُ ويُوجِدُ ما عَلِمَهُ أزَلًا، وذَلِكَ أنَّ عِلْمَهُ بِهَذا أزَلًا قَدِيمٌ، وإنَّما هو عِبارَةٌ عَنِ الإيجادِ بِالحالَةِ الَّتِي تَضَمَّنَها العِلْمُ القَدِيمُ، والصِدْقُ والكَذِبُ عَلى بابِهِما، أيْ: مَن صَدَقَ فِعْلُهُ وَقَوْلُهُ ومَن كَذَبَ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّما هي اسْتِعارَةٌ، وإنَّما أرادَ بِهِما الصَلابَةَ في الدِينِ، أوِ الِاضْطِرابِ فِيهِ وفي جِهادِ العَدُوِّ، ونَحْوِ هَذا، ونَظِيرُ هَذا قَوْلُ زُهَيْرٍ: لَيْثٌ بِعَثَّرَ يَصْطادُ الرِجالَ إذا ما كَذَّبَ اللَيْثُ عن أقْرانِهِ صَدَقا قالَ النَقّاشُ: وقِيلَ: إنَّ الإشارَةَ بِـ "صَدَقُوا" إلى مِهْجَعِ مَوْلى عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهُ؛ لِأنَّهُ أوَّلُ قَتِيلٍ قُتِلَ مِنَ المُؤْمِنِينَ يَوْمَ بَدْرٍ.
وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "فَلَيُعْلِمَنَّ" بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ اللامِ الثانِيَةِ، وهَذِهِ القِراءَةُ تَحْتَمِلُ ثَلاثَةَ مَعانٍ: أحُدُّها أنْ يُعْلِمْ في الآخِرَةِ هَؤُلاءِ الصادِقِينَ والكاذِبِينَ بِمَنازِلِهِمْ مِن ثَوابِهِ وعِقابِهِ، وبِأعْمالِهِمْ في الدُنْيا، بِمَعْنى يُوقِفُهم عَلى ما كانَ مِنهُمْ، والثانِي أنْ يُعْلِمُ الناسَ والعالَمَ هَؤُلاءِ الصادِقِينَ والكاذِبِينَ، أيْ: يَفْضَحُهم ويُشْهِرُهُمْ، هَؤُلاءِ في الخَيْرِ، وهَؤُلاءِ في الشَرِّ، وذَلِكَ في الدُنْيا والآخِرَةِ، والثالِثُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنَ العَلامَةِ، أيْ: يَضَعُ لِكُلِّ طائِفَةٍ عَلَمًا تُشْهَرُ بِهِ، فالآيَةُ -عَلى هَذا- يَنْظُرُ إلَيْها قَوْلُ النَبِيِّ : «مَن أسَرَّ سَرِيرَةً ألْبَسُهُ اللهُ رِداءَها».
وعَلى كُلِّ مَعْنًى مِنها فَفِيها وعْدٌ لِلْمُؤْمِنِينَ الصادِقِينَ، ووَعِيدٌ لِلْكافِرِينَ.
وقَرَأ الزُهْرِيُّ الأُولى كَقِراءَةِ الجَماعَةِ، والثانِيَةَ كَقِراءَةِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ.
<div class="verse-tafsir"
تقدم القول في معاني أمثالها مستوفى عند مفتتح سورة البقرة.
واعلم أن التهجي المقصود به التعجيز يأتي في كثير من سور القرآن وليس يلزم أن يقع ذكر القرآن أو الكتاب بعد تلك الحروف وإن كان ذلك هو الغالب في سور القرآن ما عدا ثلاث سور وهي فاتحة سورة مريم وفاتحة هذه السورة وفاتحة سورة الروم.
على أن هذه السورة لم تخْلُ من إشارة إلى التحدّي بإعجاز القرآن لقوله تعالى ﴿ أوَ لَمْ يَكْفِهِم أنّا أنزلنا إليك الكتاب يُتْلى عليهم ﴾ [العنكبوت: 51].
<div class="verse-tafsir"
سُورَةُ العَنْكَبُوتِ مَكِّيَّةٌ كُلُّها في قَوْلِ الحَسَنِ وعِكْرِمَةَ وعَطاءٍ وجابِرٍ.
وَمَدَنِيَّةٌ كُلُّها في أحَدِ قَوْلَيِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ.
وَفي القَوْلِ الثّانِي لَهُما وهو قَوْلُ يَحْيى بْنِ سَلّامٍ مَكِّيَّةٌ كُلُّها إلّا عَشْرَ آياتٍ مِن أوَّلِها مَدَنِيَّةٌ إلى قَوْلِهِ ﴿ وَلَيَعْلَمَنَّ المُنافِقِينَ ﴾ وقالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ نَزَلَتْ بَيْنَ مَكَّةَ والمَدِينَةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الم ﴾ ﴿ أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا ﴾ هَذا لَفْظُ اسْتِفْهامٍ أُرِيدَ بِهِ التَّقْرِيرُ والتَّوْبِيخُ وفِيهِ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: مَعْناهُ أظُنُّ الَّذِينَ قالُوا لا إلَهَ إلّا اللَّهُ أنْ يُتْرَكُوا فَلا يُخْتَبَرُوا أصَدَقُوا أمْ كَذَبُوا.
قالَهُ الحَسَنُ.
الثّانِي: أظَنَّ المُؤْمِنُونَ ألّا يُؤْمَرُوا ولا يُنْهَوْا، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.
الثّالِثُ: أظَنَّ المُؤْمِنُونَ ألّا يُؤْذَوْا ويُقْتَلُوا.
قالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ.
وَقالَ قَتادَةُ: نَزَلَتْ في أُناسٍ مِن أهْلِ مَكَّةَ خَرَجُوا لِلْهِجْرَةِ فَعَرَضَ لَهُمُ المُشْرِكُونَ فَرَجَعُوا فَنَزَلَتْ فِيهِمْ فَلَمّا سَمِعُوها خَرَجُوا فَقُتِلَ مِنهم مَن قُتِلَ وخَلَصَ مَن خَلَصَ فَنَزَلَ فِيهِمْ ﴿ والَّذِينَ جاهَدُوا فِينا ﴾ الآيَةَ.
الرّابِعُ: أنَّها نَزَلَتْ في عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ ومَن كانَ يُعَذَّبُ في اللَّهِ بِمَكَّةَ، قالَهُ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ.
قالَ الضَّحّاكُ: نَزَلَتْ في عَبّاسِ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ أسْلَمَ وكانَ أخا أبِي جَهْلٍ لِأُمِّهِ أخَذَهُ وعَذَّبَهُ عَلى إسْلامِهِ حَتّى تَلَفَّظَ بِكَلِمَةِ الشِّرْكِ مُكْرَهًا.
الخامِسُ: نَزَلَتْ في قَوْمٍ أسْلَمُوا قَبْلَ فَرْضِ الجِهادِ والزَّكاةِ فَلَمّا فُرِضا شُقَّ عَلَيْهِمْ فَنَزَلَ ذَلِكَ فِيهِمْ، حَكاهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ.
وَفي قَوْلِهِ: ﴿ وَهم لا يُفْتَنُونَ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: لا يُسْألُونَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: لا يُخْتَبَرُونَ في أمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ بِالصَّبْرِ عَلى أوامِرِ اللَّهِ وعَنْ نَواهِيهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ فَتَنّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: بِما افْتَرَضَهُ عَلَيْهِمْ.
الثّانِي: بِما ابْتَلاهم بِهِ.
﴿ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: فَلَيُظْهِرَنَّ اللَّهُ لِرَسُولِهِ صِدْقَ الصّادِقِ، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ.
الثّانِي: فَلَيُمَيِّزَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا مِنَ الكاذِبِينَ، قالَهُ النَّقّاشُ وذَكَرَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في مِهْجَعٍ مَوْلى عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وهو أوَّلُ قَتِيلٍ مِنَ المُسْلِمِينَ يَوْمَ بَدْرٍ قَتَلَهُ عامِرُ ابْنُ الحَضْرَمِيِّ، ويُقالُ إنَّهُ أوَّلُ مَن يُدْعى إلى الجَنَّةِ مِن شُهَداءِ المُسْلِمِينَ، وفِيهِ يَقُولُ النَّبِيُّ يَوْمَ بَدْرٍ « (سَيِّدُ الشُّهَداءِ مِهْجَعٌ» .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ ﴾ قالَ قَتادَةُ: الشِّرْكُ وزَعَمَ أنَّهُمُ اليَهُودُ.
﴿ أنْ يَسْبِقُونا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنْ يَسْبِقُوا ما كَتَبْنا عَلَيْهِمْ في مَحْتُومِ القَضاءِ.
الثّانِي: أنْ يُعْجِزُونا حَتّى لا نَقْدِرَ عَلَيْهِمْ، وهو مَعْنى قَوْلِ مُجاهِدٍ.
وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أنْ يَفُوتُونا حَتّى لا نُدْرِكَهم.
﴿ ساءَ ما يَحْكُمُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: ساءَ ما يَظُنُّونَ، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ.
الثّانِي: ساءَ ما يَقْضُونَ لِأنْفُسِهِمْ عَلى أعْدائِهِمْ، قالَهُ النَّقّاشُ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الشعبي رضي الله عنه في قوله: ﴿ الم ﴾ ﴿ أحسب الناس أن يتركوا..
﴾ قال: أنزلت في أناس بمكة قد اقروا بالإِسلام، فكتب إليهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة لما نزلت آية الهجرة: إنه لا يقبل منكم قرار ولا إسلام حتى تهاجروا قال: فخرجوا عامدين إلى المدينة، فأتبعهم المشركون فردوهم، فنزلت فيهم هذه الآية، فكتبوا إليهم أنه قد نزلت فيكم آية كذا وكذا فقالوا: نخرج فإن اتبعنا أحد قاتلناه.
فخرجوا فاتبعهم المشركون، فقاتلوهم فمنهم من قتل ومنهم من نجا، فأنزل الله فيهم ﴿ ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها لغفور رحيم ﴾ [ النحل: 110] .
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ الم ﴾ ﴿ أحسب الناس...
﴾ قال نزلت في أناس من أهل مكة خرجوا يريدون النبي صلى الله عليه وسلم فعرض لهم المشركون فرجعوا، فكتب إليهم إخوانهم بما نزل فيهم من القرآن فخرجوا، فقتل من قتل وخلص من خلص، فنزل القرآن ﴿ والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه قال: نزلت هذه الآيات في القوم الذين ردهم المشركون إلى مكة، وهؤلاء الآيات العشر مدنيات، وسائرها مكي.
وأخرج ابن سعد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن عساكر عن عبد الله بن عبيد بن عمير قال: نزلت في عمار بن ياسر يعذَّب في الله ﴿ أحسب الناس أن يتركوا..
﴾ .
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج قال: سمعت ابن عمير وغيره يقولون: كان أبو جهل لعنه الله يعذب عمار بن ياسر وأمه، ويجعل على عمار درعاً من حديد في اليوم الصائف، وطعن في حياة أمه برمح.
ففي ذلك نزلت ﴿ أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ﴾ .
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وهم لا يفتنون ﴾ قال: لا يبتلون في أموالهم وأنفسهم ﴿ ولقد فتنا الذين من قبلهم ﴾ قال: ابتلينا.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة ﴿ أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ﴾ قال: يبتلون ﴿ ولقد فتنا الذين من قبلهم ﴾ قال: ابتلينا الذين من قبلهم ﴿ فليعلمن الله الذين صدقوا ﴾ قال: ليعلم الصادق من الكاذب، والطائع من العاصي، وقد كان يقال: إن المؤمن ليضرب بالبلاء كما يفتن الذهب بالنار، وكان يقال: إن مثل الفتنة كمثل الدرهم الزيف يأخذه الأعمى ويراه البصير.
وأخرج ابن أبي حاتم عن علي رضي الله عنه أنه كان يقرأ ﴿ فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين ﴾ قال: يعلمهم الناس.
وأخرج ابن مردويه وأبو نعيم في الحلية عن ابن عباس رضي الله عنهما في الآية قال: كان الله يبعث النبي إلى أمته فيلبث فيهم إلى انقضاء اجله في الدنيا، ثم يقبضه الله إليه فتقول الأمة من بعده، أو من شاء الله منهم: إنا على منهاج النبي وسبيله، فينزل الله بهم البلاء فمن ثبت منهم على ما كان عليه فهو الصادق، ومن خالف إلى غير ذلك فهو الكاذب.
وأخرج ابن ماجة وابن مردويه عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: أول من أظهر اسلامه سبعة: رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر، وسمية أم عمار، وعمار، وصهيب، وبلال، والمقداد، فأما رسول الله صلى الله عليه وسلم فمنعه الله بعمه أبي طالب، وأما أبو بكر فمنعه الله بقومه، وأما سائرهم فأخذهم المشركون فألبسوهم ادراع الحديد، فإنه هانت عليه نفسه في الله، وهان على قومه، فأخذوه فأعطوه الولدان، فجعلوا يطوفون به في شعاب مكة وهو يقول: أحد أحد...
والله تعالى أعلم.
<div class="verse-tafsir"
﴿الم (1) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا﴾ قال الشعبي: لما نزلت آية الهجرة كتب بها المسلمون إلى إخوانهم بمكة، فخرجوا حتى إذا كانوا ببعض الطريق أدركهم المشركون، فردوهم، فأنزل الله: ﴿الم (1) أَحَسِبَ النَّاسُ﴾ عشر آيات من أول السورة (١) (٢) وعدة من بني مخزوم، وغيرهم من قريش (٣) روى سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله: ﴿ الم ﴾ قال: أنَّ الله أعلم (٤) ﴿ الم ﴾ أَن قسم (٥) واختار الزجاج قول ابن عباس (٦) وقال في قوله: ﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ ﴾ اللفظ لفظ استخبار، والمعنى معني تقرير وتوبيخ، ومعناه: أحسبوا بمعنى الذين جزعوا من أذى المشركين أن نقنع منهم بأن يقولوا: إنا مؤمنون فقط، ولا يمتحنون بما يتبين به حقيقة إيمانهم (٧) وقوله: ﴿ أَنْ يُتْرَكُوا ﴾ (أن) في موضع نصب بحَسِب.
وقوله: ﴿ أَنْ يَقُولُوا ﴾ (أن) في موضع نصب من جهتين؛ ذكرهما الفراء والزجاج؛ إحداهما أن التقدير: ﴿ أَنْ يُتْرَكُوا ﴾ لأن يقولوا أو بأن يقولوا، فلما حذف حرف الخفض وصل ﴿ يُتْرَكُوا ﴾ إلى أن فنصب.
والثانية: أن تجعل ﴿ أَحَسِبَ ﴾ مكررة عليها، المعنى: ﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا ﴾ أحسبوا (٨) ﴿ أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ﴾ (٩) (١٠) قال أبو علي: إن تَرَك، يتعدَى إلى مفعول واحد، فإنْ بُنِيَ للمفعول لم يتعدَّ إلى آخَر، فـ ﴿ أَنْ يَقُولُوا ﴾ لا يتعلق به ولا يتعدى إليه، حتى يقدر محذوفٌ (١١) (١٢) قوله تعالى: ﴿ وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ﴾ قال ابن عباس والسدي ومجاهد وقتادة: لا يفتنون في إيمانهم وأموالهم وأنفسهم (١٣) قال مقاتل وقتادة: يقول: أحسبوا أن يتركوا على التصديق بتوحيد الله وهم لا يبتلون بالقتل وبالتعذيب في الدنيا بقولهم: آمنا (١٤) (١٥) ﴿ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ﴾ .
(١) أخرجه عبد الرزاق 2/ 95.
وابن جرير 20/ 129، وابن أبي حاتم 9/ 3031.
وذكره الثعلبي 8/ 155 ب، والواحدي "أسباب النزول" 340.
(٢) سلمة بن هشام، هو أخو أبي جهل، من السابقين إلى الإسلام، هاجر إلى الحبشة، ثم رجع إلى مكة، فحبسه أخوه وكان النبي - - يدعو له ولعياش بن أبي ربيعة في القنوت، ثم هرب مهاجرًا بعد الخندق، - -.
"سير أعلام النبلاء" 1/ 316، "الإصابة في معرفة الصحابة" 3/ 120.
== - عياش بن أبي ربيعة، اسم أبيه: عمرو بن المغيرة، وكان عياش من السابقين إلى الإسلام، وهاجر الهجرتين، ثم خدعه أبو جهل فرجع إلى مكه، ثم فرَّ مع رفيقيه، الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام، وعاش إلى خلافة عمر - -، فمات سنة: خمس عشرة، وقيل: قبل ذلك.
وقيل: استشهد في اليمامة، وقيل: اليرموك.
"فتح الباري" 8/ 227، و"الإصابة" 5/ 47.
و"سير أعلام النبلاء" 1/ 316.
- الوليد بن الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشي المخزومي، أخو خالد بن الوليد، أُسر مع من أسر من المشركين في بدر، ثم أسلم بعد ذلك، فلما أسلم حبسه أخواله فكان النبي - - يدعو له في القنوت مع غيره من المستضعفين، ثم أفلت من أسرهم ولحق بالنبي - - في عمرة القضية.
"الاستيعاب في معرفة الأصحاب" 11/ 34، و"الإصابة في معرفة الصحابة" 6/ 323.
- ياسر بن عامر بن مالك بن كنانة بن قيس بن الحصين، حليف لبني مخزوم، يكنى: أبا عمار بابنه عمار بن ياسر، كان قد قدم من اليمن، وحالف أبا حذيفة بن المغيرة المخزومي، وزوجه أبو حذيفة أمة له يقال لها: سمية فولدت له عمارًا، فأعتقه أبو حذيفة، وجاء الله بالإِسلام فأسلم ياسر وابنه عمار وسمية، وعبد الله أخو عمار بن ياسر، وكان إسلامهم قديمًا في أول الإسلام، وكانوا ممن يعذب في الله، وقتل ياسر وسمية وعبد الله وهم يعذبون - -.
"الاستيعاب في معرفة الأصحاب" 11/ 99، و"الإصابة في معرفة الصحابة" 6/ 332.
وقد ثبت في الصحيح دعاء النبي - - لعياش بن أبي ربيعة، ومن كان معه من المستضعفين في مكة، في حديث أبي هريرة أن النبي - - كان إذا رفع رأسه من الركعة الآخرة يقول: "اللَّهم أنج عياش بن أبي ربيعة، اللَّهم أنج سلمة بن هشام، اللَّهم أنج الوليد بن الوليد، اللهم أنج المستضعفين من المؤمنين، اللَّهم اشدد وطأتك على مُضر، اللَّهم اجعلها سنين كسني يوسف".
قال ابن أبي الزناد عن أبيه: هذا كله في الصبح.
أخرجه البخاري، كتاب الاستسقاء، رقم الحديث (1006) ، "فتح الباري" 2/ 492.
وأخرجه مسلم 1/ 467، في المساجد، رقم (675)، وفي آخره قال أبو هريرة: ثم رأيت رسول الله - - ترك الدعاء بعدُ فقلت: أرى رسول الله - - قد ترك الدعاء لهم قال: فقيل: وما تراهم قد قدموا.
وفي حاشية صحيح مسلم: وما تراهم قد قدموا، معناه: ماتوا!.
ولم أجد هذا المعنى في = (٣) لم أجد هذا القول، وهناك قول آخر في سبب النزول؛ ذكره مقاتل 70 ب؛ قال: نزلت في مِهْجَع بن عبد الله مولى عمر بن الخطاب - -، كان أول قتيل من المسلمين يوم بدر، وهو أول من يدعى إلى الجنة من شهداء أمة محمد - -، فجزع عليه أبواه.
وذكره عنه الثعلبي 8/ 155 ب.
والواحدي في "أسباب النزول" 340.
وقال عنه الزيلعي: غريب.
"تخريج أحاديث الكشاف" 3/ 39، وساق ما روي في شأن مهجع - -.
ولا تعارض بين هذه الأسباب فكلها أمثلة لمن حصل لهم البلاء بسبب إيمانهم.
وحكمها باقٍ؛ قال ابن عطية: وهذه الآية وإن كانت نازلة بهذا السبب، وفي هذه الجماعة، فهي بمعناها باقية في أمة محمد - -، موجود حكمها بقية الدهر، وذلك أن الفتنة من الله تعالى باقية في ثغور المسلمين بالأسر ونِكاية العدو، وغير ذلك.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم 9/ 3029، عن ابن عباس، من طريق سعيد بن جبير، وأبي الضحى.
وسبق ذكر رأي الواحدي في الحروف المقطعة والتعليق عليه في أول سورة الشعراء.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم 9/ 3030.
(٦) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 159.
(٧) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 159.
(٨) أحسبوا.
زيادة من الفراء.
(٩) "معاني القرآن" للفراء 2/ 314.
التقدير على هذا القول: ﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا ﴾ أحسب الناس ﴿ أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا ﴾ وجملة ﴿ وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ﴾ متعلقة بالحالين: الترك، والقول.
والله أعلم.
(١٠) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 159.
(١١) محذوف، من نسخة: (ب).
(١٢) "الإغفال فيما أغفله الزجاج من المعاني" 2/ 221 أ.
والحرف المقدر هو ما سبق ذكره في قول الفراء والزجاج: لأن يقولوا، أو: بأن يقولوا.
(١٣) أخرجه ابن جرير 20/ 128، عن مجاهد.
وأخرجه عبد الرزاق 2/ 96، وابن جرير 20/ 128، عن قتادة بلفظ: لا يبتلون.
وأخرجه ابن أبي حاتم 9/ 3032، عن مجاهد، وسعيد بن جبير، وقتادة، والربيع بن أنس.
(١٤) "تفسير مقاتل" 70 ب، بمعناه.
قال ابن قتيبة: ﴿ وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ﴾ أي: لا يقتلون ولا يعذبون.
"غريب القرآن" 337.
(١٥) "تفسير مقاتل" 70 ب.
<div class="verse-tafsir"
﴿ الم ﴾ ذكر في البقرة.
<div class="verse-tafsir"
الوقوف: ﴿ الم ﴾ كوفي.
﴿ لا يفتنون ﴾ ه ﴿ الكاذبين ﴾ ه ﴿ يسبقونا ﴾ ط ﴿ يحكمون ﴾ ه ج ﴿ لآت ﴾ ط ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ لنفسه ﴾ ط ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ حسناً ﴾ ط ﴿ فلا تطعهما ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ الصالحين ﴾ ه ﴿ كعذاب الله ﴾ ط ﴿ معكم ﴾ ط ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ المنافقين ﴾ ه ﴿ خطاياكم ﴾ ط ﴿ شيء ﴾ ط ﴿ لكاذبون ﴾ ه ﴿ مع أثقالهم ﴾ ط فصلاً بين الأمرين المعظمين مع اتفاق الجملتين.
﴿ يفترون ﴾ ه ﴿ عاماً ﴾ ط لحق الحذف اي فلم يؤمنوا فأخذهم ﴿ الطوفان ﴾ ط ﴿ ظالمون ﴾ ه ﴿ للعالمين ﴾ ه.
التفسير: إنه لما قال في خواتيم السور المتقدمة ﴿ إن الذي فرض عليك القرآن لرادّك إلى معاد ﴾ أي إلى مكة ظاهراً ظافراً، وكان في ذلك الرد من احتمال مشاق الحوادث ما كان قال بعده ﴿ ألم أحسب الناس ﴾ إلى قوله ﴿ وهم لا يفتنون ﴾ بالجهاد أو نقول: لما أمر بالدعاء إلى الدين القويم في قوله ﴿ وادع إلى ربك ﴾ وكان دونه من المتاعب وأعباء الرسالة مالا يخفى، بدا السورة بما يهوّن على النفس بعض ذلك.
وايضاً لما بين أن كل هالك له رجوع إليه، ردّ على منكري الحشر بأن الأمر ليس على ما حسبوه ولكنهم يكلفون في دار الدنيا ثم يرجعون إلى مقام الجزاء والحساب.
قال أهل البرهان: وقوع الاستفهام بعد "ألم" يدل على استقلالها وانقطاعها عما بعدها في هذه السورة وفي غيرها من السور.
وفي تصدير السورة بأمثال هذه الحروف تنبيه للمخاطب وإيقاظ له من سنة الغفلة كما يقدم لذلك كلام له معنى مفهوم كقول القائل: اسمع وكن لي.
ولا يقدم إلا إذا كان في الحديث شأن وبالخطاب اهتمام، ولهذا ورد بعد هذه الحروف ذكر الكتاب أو التنزيل أو القرآن الذي لا يخفى غناؤه والاهتمام بشأنه كقوله ﴿ الم ذلك الكتاب ﴾ ﴿ الم الله لا إله إلا هو الحي القيوم نزل عليك الكتاب ﴾ ﴿ المص كتاب أنزل إليك ﴾ ﴿ يس والقرآن ﴾ ﴿ ص والقرآن ﴾ ﴿ الم تنزيل الكتاب ﴾ إلا ثلاث سور: ﴿ كهيعص ﴾ ﴿ الم أحسب الناس ﴾ } { ﴿ الم غلبت الروم ﴾ ولا يخفى أن ما بعد حروف التهجي فيها من الأمور العظام التي يحق أن ينبه عليها بيانه في هذه السورة أن القرآن ثقله وعبؤة بما فيه من التكاليف، وبيانه في سورة مريم ظاهر، لأن خلق الولد فيما بين الشيخ الفاني والعجوز العاقر معجز.
وكذا الإخبار عن غلبة الروم قبل وقوعها.
ومعنى الآية راجع إلى أن الناس لا يتركون بمجرد التلفظ بكلمة الإِيمان بل يؤمرون بأنواع التكاليف.
واختلفوا في سبب نزولها فقيل: نزلت في عمار بن ياسر والوليد بن الوليد وسلمة بن هشام وكانوا يعذبون بمكة.
وقيل: نزلت في أقوام هاجروا وتبعهم الكفار فاستشهد بعضهم ونجا الباقون.
وقيل: في مهجع بن عبد الله مولى عمر بن الخطاب وهو أول قتيل من المسلمين، رماه عامر بن الحضرمي يوم بدر فقال رسول الله : سيد الشهداء مهجع، وهو أول من يدعى إلى باب الجنة من هذه الأمة.
قال جار الله: مفعولا الحسبان الترك وعلته والتقدير أحسبوا تركهم غير مفتونين لقولهم آمنا.
قال: والترك بمعنى التصيير.
فقوله ﴿ وهم لا يفتنون ﴾ حال سدّ مسدّ ثاني مفعوليه.
وقال آخرون: تقديره أحسبوا أنفسهم متروكة غير مفتونين لأن ﴿ قالوا آمنا ﴾ وأقول: إن من خواص "أن" مع الفعل و"أن" مع جزأيه سدّها مسدّ مفعولي أفعال القلوب، والحكم بأن الترك ههنا بمعنى التصيير غير لازم يؤيد ما ذكرناه من المعنيين قوله في موضع آخر ﴿ أم حسبتم أن تتركوا ﴾ والفتنة الامتحان بشدائد التكليف من مفارقة الأوطان وكل ما يحب ويستلذ، ومن ملاقاة الأعداء والمصابرة على أذاهم وسائر ما تكرهه النفس.
والتحقي أن المقصود من خلق البشر هو العبادة الخالصة لله.
فإذا قال باللسان: آمنت فقد ادعى طاعة الله بالجنان فلا بدّ له من شهود وهو الإتيان بالأركان، وإذا حصل الشهود فلا بدلا له من مزك وهو بذل النفس والمال في سبيل الرحمن.
فمعنى الآية: أحسبوا أن يقبل منهم دعواهم بلا شهود وشهود بلا مزك؟
أو المراد أحسبوا أن يتركوا في أول المقامات لا بل ينقلون إلى أعلى الدرجات وهو مقام الإخلاص والقربات؟
ثم مثل حال هؤلاء بحال السلف منهم قائلاً ﴿ ولقد فتنا الذين من قبلهم ﴾ أراد كذلك فعل الله بمن قبلهم لم يتركهم بمجرد قولهم "آمنا"، بل أمرهم بالطاعات وزجرهم عن المنهيات.
وقوله ﴿ فليعلمن الله ﴾ كقوله ﴿ وليعلم الله ﴾ وقد مر تحقيقه في "آل عمران".
والحاصل أن التجدد يرجع إلى المعلوم لا إلى العالم ولا إلى العلم، وذلك لأن الأول زماني دون الأخيرين.
وأما عبارات المفسرين فقال مقاتل: فليرين الله وليظهرن الله.
وقيل: فليميزن، وجوز جار الله أن يكون وعداً ووعيداً كأنه قال: وليبينن الذي صدقوا وليعاقبن الكاذبين.
قال الإمام فخر الدين الرازي: في وقت نزول الآية كانت الحكاية عن قوم قريبي العهد بالإسلام في أول إيجاب التكليف وعن قوم مستديمي الكفر مستمرين عليه، فقال في حق الأوّلين ﴿ الذين صدقوا ﴾ بصيغة الفعل المنبئ عن التجدد، وقال في حق الآخرين ﴿ وليعلمن الكاذبين ﴾ بالصيغة المنبئة عن الثبات.
وإنما قال ﴿ يوم ينفع الصادقين صدقهم ﴾ بلفظ اسم الفاعل لأن الصدق يومئذ قد يرسخ في قلوب المؤمنين بخلاف أوائل الإِسلام.
ثم بين بقوله ﴿ أم حسب الذين ﴾ الخ.
أن من كلف بشيء ولم يمتثل عذب في الحال وإلا يعذب في الاستقبال نظيره قوله ﴿ ولا تحسبن الذين كفروا سبقوا ﴾ والحاصل أن الإمهال لا يوجب الإهمال، والتعجيل في جزاء الأعمال إنما يوجد ممن يخاف الفوت لولا الاستعجال.
ومعنى الإضراب أن هذا الحسبان أشنع من الحسبان الأول، لأن ذلك يقدر أنه لا يمتحن لإيمانه وهذا يظن أنه لا يجازى بمساويه ولهذا ختم الآية بقوله ﴿ ساء ما يحكمون ﴾ والمخصوص محذوف و"ما" موصولة أو مبهمة والتقدير: بئس الذي يحكمون حكمهم هذا، وبئس حكماً يحكمونه حكمهم هذا.
وفي الآية إبطال قول من ذهب إلى أن التكاليف إرشادات وإلا يعاد عليها ترغيب وترهيب ولا يوجب من الله تعذيب.
واعلم أن أصول الدين ثلاثة: معرفة المبدأ وأشار إليه بقوله ﴿ آمنا ﴾ ، ومعرفة الوسط وهو إرسال الرسل.
وإيضاح السبل وإليه أشار بقوله ﴿ وهم لا يفتنون ولقد فتنا ﴾ ومعرفة المعاد إما للأشقياء وهو قوله ﴿ الم أحسب ﴾ الآية وإما للسعداء وهو قوله ﴿ من كان يرجو ﴾ أي يأمل ﴿ لقاء ﴾ جزاء ﴿ الله فإن أجل الله لآت ﴾ فإن أراد بالأجل الموت ففيه إشارة إلى بقاء النفس بعد فراق البدن، فلولا البقاء لما حصل اللقاء كقولك: من كان يرجو الخير فإن السلطان واصل.
فإِنه لا يفهم منه إلا إيصال الخير بوصوله.
ومثله: من كان يرجو لقاء الملك فإن يوم الجمعة قريب.
إذا علم أنه يقعد للناس يوم الجمعة.
ويحتمل أن يراد بالأجل الوقت المضروب للحشر.
وقيل: يرجو بمعنى يخاف من قول الهذلي: إذا لسعته الدبر لم يرج لسعها *** ﴿ وهو السميع ﴾ لأقوال العباد صدقوا أم كذبوا ﴿ العليم ﴾ بنياتهم وطوياتهم وبسائر أعمالهم فيجازيهم بالمسموع ما لا أذن سمعت، وبالمرئي مالا عين رأت وبالنيات مالا خطر على قلب بشر.
ثم بين بقوله ﴿ ومن جاهد ﴾ الآية.
أن فائدة التكاليف والمجاهدات إنما ترجع إلى المكلف والله غني عن كل ذلك.
قال المتكلمون من الأشاعرة: في الآية دلالة على ان رعاية الأصلح لا تجب على الله وإلا كان مستكملاً بذلك، وأن أفعاله لا تعلل بغرض لأن ذلك خلاف الغني، وأنه ليس في مكان وإلا لزم افتقاره، وأنه ليس قادريته بقدرة ولا عالميته بعلم لأن القدرة والعلم غيره فيلزم افتقاره.
ويمكن أن يجاب عن الأول بأن وجوب صدور الأصلح عنه لمقتضى الحكمة لا يوجب الاستكمال.
وعن الثاني بأن استتباع الفائدة لا يوجب افتقار المفيد.
وعن الثالث أن استصحاب المكان غير الافتقار إليه.
وعن الرابع أن العالم هو ما يغاير ذات الله مع صفاته.
وفي الآية بشارة من وجه وإنذار من وجه آخر، وذلك أن الاستغناء عن الكل يوجب غناه عن تعذيب كل فاجر كما أنه يمكن أن يهلك كل صالح ولا شيء عليه إلا أنه رجح جانب البشارة بقوله ﴿ والذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴾ الآية وقد مر مراراً أن الإيمان في الشرع عبارة عن التصديق بجميع ما قال الله وقال رسول الله تفصيلاً فيما علم وإجمالاً فيما لم يعلم، والعمل الصالح هو الذي ندب الله ورسوله إليه، والفاسد ما نهى الله ورسوله عنه.
وعند المعتزلة الأمر والنهي مترتب على الحسن والقبح.
ثم العمل الصالح باق لأنه في مقابلة الفاسد والفاسد هو الهالك التالف.
يقال: فسد الزرع إذا خرج عن حد الانتفاع.
ولكن العمل عرض لا يبقى بنفسه ولا بالعامل لأن كل شيء هالك إلا وجهه، فبقاؤه إنما يتصور إذا كان لوجه الله.
ومنه يعلم أن النية شرط في الأعمال الصالحة وهي كونها لله .
وخالف زفر في نية الصوم وأبو حنيفة في نية الوضوء، وقد مر.
ثم إنه ذكر في مقابلة الإيمان والعمل الصالح أمرين: تكفير السيئات والجزاء بالأحسن.
فتكفير السيئات في مقابلة الإيمان، والجزاء بالأحسن في مقابلة العمل الصالح، ومنه يعلم أن الإيمان يقتضي عدم الخلود في النار لأن الذي كفر سيئاته يدخل الجنة لا محالة، فالجزاء الأحسن يكون غير الجنة وهو مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، ولا يبعد أن يكون هو الرؤية عند من يقول بها.
وههنا بحث وهو أن قوله ﴿ لنكفرن ﴾ يستدعي وجود السيئات حتى تكفر، فالمراد بالذين آمنوا وعملوا إما قوم مسلمون مذنبون، وإما قوم مشركون آمنوا فحط الإيمان ما قبله.
أو يقال إن وعد الجميع بأشياء لا يستدعي وعد كل واحد بكل واحد من تلك الأشياء، نظيره قول الملك لقوم: إذا أطعتموني أكرم آباءكم وأحترم أبناءكم.
وهذا لا يقتضي أن يكرم آباء من توفي ابوه ويحترم ابن من لم يولد له ابن، ولكن مفهومه أنه يكرم آباء من له أب ويحترم ابن من له ابن.
أو يقال: ما من مكلف إلا وله سيئة حتى الأنبياء، فإن ترك الأولى بالنسبة إليهم سيئة بل حسنات الأبرار سيئات المقربين.
وحين بين حسن التكاليف ووقوعها وذكر ثواب من حقق التكاليف أصولها وفروعها اشار بقوله ﴿ ووصينا الإنسان ﴾ الآية إلى أنه لا دافع لهذه السيرة ولا مانع لهذه الطريقة فإن الإنسان إذا انقاد لأحد ينبغي أن ينقاد لأبويه، ومع هذا لو أمروه بالمعصية لا يجوز اتباعهم فكيف غيره؟
ومنه يعلم أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
ومعنى ﴿ وصينا ﴾ أمرنا كما مر في قوله ﴿ ووصى بها إبراهيم ﴾ وقوله ﴿ بوالديه ﴾ أي بتعهدهما ورعاية حقوقهما، وعلى هذا ينتصب ﴿ حسناً ﴾ بمضمر يدل عليه ما قبله أي أولهما حسناً أو افعل بهما حسناً كأنه قال: قلنا له ذلك وقلنا له ﴿ وإن جاهداك ﴾ إلى آخره فلو وقف على قوله ﴿ بوالديه ﴾ حسن ويجوز أن يراد وصيناه بإيتاء والديه حسناً وقلنا له ﴿ وإن جاهداك ﴾ وقوله ﴿ ما ليس لك به علم ﴾ كقوله ﴿ ما لم ينزل به عليكم سلطاناً ﴾ أي لا معلوم ليتعلق العلم به.
وإذا كان التقليد في الإيمان قبيحاً فكيف يكون حال التقليد في الكفر.
وعلى وجوب ترك طاعة الوالدين إذا ارادا ولدهما على الإشراك دليل عقلي، وذلك أن طاعتهما وجبت بأمر الله فإذا نفيا طاعة الله في الإشراك به فقد أبطلا طاعة الله مطلقاً، ويلزم منه عدم لزوم طاعة الوالدين بأمر الله، وكل ما يفضي وجوده إلى عدمه فهو باطل.
فطاعة الوالدين في اتخاذ الشرك بالله من الممتنعات.
وفي قوله ﴿ إليّ مرجعكم ﴾ ترغيب في رعاية حقوق الوالدين وترهيب عن عقوقهما وإن كانا كافرين إلا في الدعاء إلى الشرك.
وفيه أن المجازي للمؤمن والمشرك إذا كان هو الله وحده فلا ينبغي أن يعق الوالدين لأجل كفرهما.
وفي قوله ﴿ فأنبئكم ﴾ دليل على أنه عالم بالخفيات لا يعزب عنه شيء.
يروى أن سعد بن أبي وقاص الزهري حين اسلم قالت أمه وهي حمنة بنت أبي سفيان: يا سعد بلغني أنك قد صبأت، فوالله لا يظلني سقف بيت وإن الطعام والشراب عليّ حرام حتى تكفر بمحمد.
وكان أحب ولدها إليها فابى سعد وبقيت ثلاثة أيام كذلك فنزلت هذه الآية، فأمر رسول الله سعداً أن يداريها ويرضيها بالإحسان.
ثم أكد جزاء من آمن وعمل صالحاً بتكرير قوله ﴿ والذين آمنوا وعملوا الصالحات لندخلنهم في الصالحين ﴾ اي في زمرتهم ﴿ وحسن أولئك رفيقاً ﴾ قال الحكماء: أي في المجردين الذين لا كون لهم ولا فساد فيدخل فيه العلويات عندهم.
ثم بين حال أهل النفاق بعد تقرير حال أهل الكفر والوفاق فقال ﴿ ومن الناس من يقول آمنا بالله ﴾ يعني أنا والمؤمنون حقاً آمنا ادّعى أن إيمانه كإِيمانهم فأخبر أن إيمانه لا تحقيق له بدليل قوله ﴿ فإذا أوذي في الله ﴾ اي في سبيله ودينه ﴿ جعل فتنة الناس كعذاب الله ﴾ قال جار الله: أي جعل فتنة الناس صارفة عن الإيمان كما أن عذاب الله صارف للمؤمنين عن الكفر، وهذا على التوهم أو كما يجب أن يكون عذاب الله صارفاً وهذا في الواقع.
وقيل: جزعوا من عذاب الناس كما جزعوا من عذاب الله.
وبالجملة معناه أنهم جعلوا فتنة الناس مع ضعفها وانقطاعها كعذاب الله الأليم الدائم حتى تردّدوا في الأمر وقالوا: إن آمنا نتعرض للتأذي من الناس، وذلك أنهم كانوا يمسهم أذى من الكفار، وإن تركنا الإِيمان نتعرض لما توعدنا به محمد فاختاروا الاحتراز عن التعرض العاجل ونافقوا.
وإنما قال ﴿ فتنة الناس ﴾ ولم يقل "عذاب الناس" لأن فعل العبد ابتلاء من الله.
وليس في الاية منع من إظهار كلمة الكفر إكراهاً، وإنما المنع من إظهارها مع مواطأة القلب التي كانوا عليها.
ومما يؤكد تذبذبهم قوله ﴿ ولئن جاء نصر من ربك ﴾ ويلزمه الغنيمة غالباً ﴿ ليقولن إنا كنا معكم ﴾ يعني دأب المنافق أنه إذا رأى اليد للكافر أظهر ما أضمر من الكفر، وإن كان النصر للمؤمن أضمر ما أضمر وأظهر المعية وادّعى التبعية.
وفي تخصيص اسم الرب بالمقام إشارة إلى أن التوبة والرحمة هي التي أوجبت النصر.
ثم أخبر أنه أعلم بما في صدور العالمين منهم بما في صدورهم، لأنه خبير بما بأنفسهم كما هي وهم لا يعرفون نفوسهم كما هي، فالتلبيس لا يفيد المنافق بالنسبة إلى الله شيئاً لأنه لا يجوز عليه الالتباس دليله قوله ﴿ وليعلمنّ الله الذين آمنوا وليعلمنّ المنافقين ﴾ وفيه وعد للمؤمنين ووعيد للمنافقين.
اعتبر أمر القلب ههنا وهو في المؤمن التصديق، وفي المنافق النفاق، واعتبر في أول السورة أمر اللسان وهو في الكافر الكذب لأنه يقول: الله غير موجود، أو الله أكثر من واحد.
وفي المؤمن الصدق لأنه يقول: الله واحد.
وحين بين أحوال الفرق الثلاثة وذكر أن الكافر يدعو من يقول آمنت إلى الكفر بالفتنة، وبين أن عذاب الله فوقها وكان للكافر أن يقول للمؤمن لم تصبر في الذل على الإيذاء ولم لا تدفع الذل والعذاب عن نفسك بموافقتنا، وكان جواب المؤمن أن يقول خوفاً من عذاب الله خطيئة مذهبكم فقالوا: لا خطيئة فيه، وإن كان فيه خطيئة فعلينا، اشار إلى جميع ذلك قوله ﴿ وقال الذين كفروا للذين آمنوا اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم ﴾ أرادوا وليجتمع هذا الأمران في الحصول أن تتبعوا طريقتنا وأن نحمل خطاياكم، نظيره "ليكن منك العطاء وليكن مني الدعاء" وليس هو في الحقيقة أمر طلب وإيجاب ولكنه حكاية قول صناديد قريش.
كانوا يقولون لمن آمن منهم: لا نبعث نحن ولا أنتم فإِن عسى كان جزاء ومعاد فإنا نتحمل عنكم الإثم.
وترى نظيره في الإسلام يشجع أحدهم أخاه على ارتكاب بعض المآثم فيقول: افعل هذا وإثمه عليّ، وكم من مغرور بمثل هذا الضمان.
ثم أخبر الله عنهم بأنهم لا يحملون شيئاً من خطاياهم، ولا ريب أن هذا مخالف لما زعموا من أنهم يحملون أوزارهم فلهذا حكم الله عليهم بأنهم كاذبون.
ويجوز أن يكونوا كاذبين لأنهم وعدوا وفي قلوبهم نية الخلف.
ولا حاجة في توجيه تسميتهم كاذبين إلى التشبيه الذي ذكره في الكشاف.
أما الجمع بين قوله ﴿ وما هم بحاملين ﴾ وبين قوله ﴿ وليحملن أثقالهم وأثقالاً مع أثقالهم ﴾ فهو أن النفي راجع إلى الحمل الذي يخفف عن صاحبه بسببه، والإثبات يرجع إلى انهم يحملون وزر الإضلال ووزر الضلال مع أن أتباعهم حاملون وزر الضلال كما قال عليه الصلاة والسلام "من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها من غير أن ينقص من وزره شيء" قال ﴿ وليسئلن ﴾ سؤال تقريع ﴿ يوم القيمة عما كانوا يفترون ﴾ من أنه لا حشر، وعلى تقدير وجوده يحملون خطايا التابعين.
ثم أجمل قصة نوح ومن بعده تصديقاً لقوله في أول السورة ﴿ ولقد فتنا الذين من قبلهم ﴾ وفيه تثبيت للنبي عليه الصلاة والسلام كأنه قيل له: إن نوحاً لبث الف سنة تقريباً يدعو قومه ولم يؤمن منهم إلا قليل، فأنت أولى بالصبر لقلة مدة لبثك وكثرة عدد أمتك، وفيه تحذير لكفار قريش فإن أولئك الكفار ما نجوا من العذاب مع تلك الأعمار الطوال، فهؤلاء كيف يسلمون أم كيف يغترون؟
سؤال: ما الفائدة في قوله ﴿ ألف سنة إلا خمسين عاماً ﴾ دون أن يقول: تسعمائة وخمسين.
الجواب: لأن العبارة الثانية تحتمل التجويز والتقريب.
فإن من قال: عاش فلان ألف سنة يمكن أن يتوهم أنه يدعي ذلك تقريباً لا تحقيقاً.
فإذا قال: إلا شهراً أو إلا سنة، زال ذلك الوهم.
وأيضاً المقصود تثبيت النبي ، وذكر الألف الذي هو عقد معتبر أوصل إلى هذا الغرض.
وإنما جاء بالمميز في المستثنى مخالفاً لما في المستثنى منه تجنباً من التكرار الخالي عن الفائدة وتوسعة في الكلام.
قال بعض الأطباء: العمر الطبيعي للإِنسان مائة وعشرون سنة.
فاعترضوا عليهم بعمر نوح وغيره، وذلك أن المفسرين قالوا: عمر نوح الفاً وخمسين سنة بعث على رأس أربعين، ولبث في قومه تسعمائة وخمسين، وعاش بعد الطوفان ستين.
وعن وهب أنه عاش ألفاً واربعمائة سنة.
ويمكن أن يقال: إنهم ارادوا بالطبيعي ما كان أكثرياً في أعصارهم.
ولا ينافي هذا كون بعض الأعمار زائداً على هذا القدر بطريق خرق العادة على أن العادة قد تختلف باختلاف الأعصار والأدوار، ولهذا قال "أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين" والطوفان ما عم كل المكان بكثرة وغلبة من سيل أو ظلام ليل.
وفي قوله ﴿ وهم ظالمون ﴾ دليل على أن العذاب أخذهم وهم مصرون على الظلم ولو كانوا قد تركوه لما أهلكهم.
والضمير في قوله ﴿ وجعلناها ﴾ إما للحادثة أو للقصة أو للسفينة.
وأعاجيب هذه القصة وأحوال السفينة وأهوالها قد تقدّمت مراراً ولا ريب أنها آيات يجب أن يستدل بها على موجدها.
التأويل: أقسم بفردانيته وبآلائه ونعمائه أنه مهما يكون من العبد التقرب إليه بأصناف العبودية يكون منه التقرب إلى العبد بالطاف الربوبية يؤكده قوله ﴿ أحسب الناس ﴾ أي الناسون من أهل البطالة أن يتركوار بمجرد الدعوى ولا يطالبون بالبلوى، فالمحبة والمحنة توأمان وبالامتحان يكرم الرجل أو يهان، فمن زاد قدر معناه زاد قدر بلواه.
فالبلاء للنفوس لإخراجها عن أوطان الكسل وتصريفها في حسن العمل، والبلاء على القلوب لتصفيتها من شين الرين لقبول نقوش الغيب، والبلاء على الأرواح لتجردها بالبوائق عن العلائق، والبلاء على الأسرار في اعتكافها في مشاهدة الكشف بالصبر على آثار التجلي إلى أن تصير مستهلكة فيه بإفنائه، وإن أشدّ الفتن حفظ وجود التوحيد لئلا يجري عليه نكر في أوقات غلبات شواهد الحق فيظن أنه هو الحق لا يدري أنه من الحق ولا يقال: إنه الحق وعزيز من يهتدي إلى ذلك ﴿ أم حسب الذين ﴾ فيه أن موجبات عمل السيئات سواد مرآة القلوب بصدأ الحسبان ورين الكفران ليتوهموا ﴿ أن يسبقونا ﴾ بالعدوان عن طريق سنتنا في الانتقام من أهل الحال والإجرام.
﴿ ساء ما يحكمون ﴾ بالنجاة عن الدركات باتباع الشهوات هيهات هيهات.
﴿ من كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لآت ﴾ فإن من رجى عمره في رجاء لقائنا فهو الذي نبيح له النظر إلى جمالنا ﴿ وهو السميع ﴾ لأنين المشتاقين العليم بطويات الصادقين.
ومن جاهد بالسعي في طلبنا فإنما يجاهد لنفسه لأنها بالتخلية عن الأخلاق الذميمة وبالتحلية بالصفات الحميدة تخلص عن الإمارية وتستأهل للمطمئنية فتستحق لجذبة ﴿ ارجعي إلى ربك ﴾ والذين آمنت قلوبهم بمحبتنا ﴿ وعملوا الصالحات ﴾ ببذل الوجود في طلب جودنا ﴿ لنكفرن عنهم ﴾ سيئات وجودهم المجازي ﴿ ولنجزينهم ﴾ وجوداً حقيقياً أحسن منه ﴿ وإن جاهداك لتشرك بي ﴾ فيه إشارة إلى أن المريد إذا تمسك بذيل شيخ كامل وتوجه إلى الحضرة بعزيمة من عزائم الرجال فإن منعه الوالدان عن ذلك فعليه أن لا يطيعهما لأنه سبب ولادته في عالم الأرواح وهما سبب ولادته في عالم الاشباح كما قال عيسى : لن يلج ملكوت السموات والأرض من لم يولد مرتين.
فهو احق برعاية الحقوق منهما.
﴿ جعل فتنة الناس كعذاب الله ﴾ فيه أن المؤمن من كف الأذى والولي من يتحمل من الخلق الأذى ولا تترشح عنه الشكوى من البلوى كالأرض يلقى عليها كل قبيح فينبت منها كل مليح.
والمنافق إذا لم يكن في حماية خشية الله يفترسه خوف الخلق إذا أوذي في الله.
﴿ وقال الذين كفروا ﴾ فيه أن كافر النفس وصفاته يقولون بلسان الطبيعة الإنسانية لموسى القلب والسر والروح وصفاتهم ﴿ اتبعوا سبيلنا ﴾ في طلب الشهوات الحيوانية ﴿ ولنحمل خطاياكم ﴾ أي ندفع عنكم ضرر ما يرجع إليكم في متابعة شهوات الدنيا وطيباتها ﴿ وما هم بحاملين ﴾ شيئاً ﴿ من خطاياهم ﴾ وهو العمى والصمم والبكم وسائر الصفات النفسانية، ولكن يحملون أثقالهم هذه الأوقات مع الآفات التي تختص بها والله أعلم بالصواب.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ الۤـمۤ ﴾ : قد ذكرناه في غير موضع.
وقوله: ﴿ أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ ﴾ .
قوله: ﴿ أَحَسِبَ ﴾ : هو وإن كان في الظاهر استفهاماً فهو على الإيجاب لا الاستخبار؛ إذ حقيقة الاستفهام والاستخبار إنما تكون ممن يجهل الأمور فيستخبر ويستفهم ليعرف ذلك، فالله يتعالى عن أن يخفى عليه شيء، فهو على التقرير والإيجاب منه لذلك.
ثم يخرج قوله: ﴿ أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ ﴾ على أحد وجهين؛ [أحدهما] أي: قد حسب الناس.
والثاني: أي: لا يحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا: آمنا.
وقوله: ﴿ أَن يَقُولُوۤاْ آمَنَّا ﴾ : ذكر الإيمان ولم يذكره بمن؟
بالله أو بغيره؟
وليس أحد من الخلائق إلا وهو يؤمن بأحد ويكفر بغيره، وليس في الآية بيان الإيمان به أو بمن؟
إلا أن الله سخر الخلق على الفهم من الإيمان المطلق المرسل: الإيمان بالله وبرسله، وسخرهم حتى فهموا من الكتاب المطلق: كتاب الله، والدار الآخرة: الجنة، وأمثال ذلك ما فهموا من الكتاب المطلق: كان كتاب الله، وفهموا ما ذكرنا من الإيمان المطلق: الإيمان بالله وبرسله، وفهموا أيضاً من الدين المطلق: دين الله؛ فيكون قوله: ﴿ أَن يَقُولُوۤاْ ﴾ آمنا بالله أو برسله.
وقوله: ﴿ وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ ﴾ أي: لا يبتلون، والفتنة: هي الابتلاء الذي فيه الشدة، يمتحن الله عباده باختلاف الأحوال: مرة بالضيق والشدة، ومرة بالسعة والرخاء وأنواع العبادات؛ ليكون ذلك علما للخلق في صدق الإيمان به والكذب به والكذب فيه، فيعرفوا صدق كل مخبر عن نفسه الإيمان بالله وكذبه؛ إذ قد يجوز أن يكون فيما يخبر ويقول: آمنت - كاذباً، فجعل الله للعلم في صدقهم وكذبهم أعمالا يظهر بها عنده صدقهم ما لو كان الابتلاء والامتحان بجهة لعله لا يظهر ذلك، وهو ما أخبر عن المنافقين فقال: ﴿ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ...
﴾ الآية [الحج: 11]، هذا يدل أن الفتنة هي المحنة التي فيها الشدة والبلاء، و[هو] ما قال: ﴿ وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ﴾ ، فإنما يظهر صدق الرجل في إيمانه بما يصيبه من الشدة، فأما السعة والرخاء فهو ما يوافق طبعه وهوى نفسه، فلا يظهر صدقه بما يوافق طبعه، وإنما يظهر ذلك بما يخالف طبعه ويثقل عليه تحمل ذلك.
ثم قال بعضهم: نزلت الآية في قوم أظهروا الإيمان باللسان، وأضمروا الخلاف والكذب.
وقال بعضهم: نزلت في قوم آمنوا بالله وبرسوله حقيقة، ثم عذبوا بأنواع العذاب؛ فتركوا الإيمان وكفروا به؛ وفيهم نزل: ﴿ فَإِذَآ أُوذِيَ فِي ٱللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ ٱلنَّاسِ كَعَذَابِ ٱللَّهِ ﴾ فكيفما كان ففيه أن من أقر بالإيمان وقبله، يمتحن بأنواع المحن بموافقة الطبع ومخالفته؛ ليظهر صدقه عند الناس فيعاملونه على ذلك، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَلَقَدْ فَتَنَّا ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ ﴾ : [ذكرنا] فيما تقدم أنه يعلم ظاهراً كائناً ما قد علمه غير كائن أنه يكون، وليعلمه موجوداً ما قد علمه غير موجود أنه يوجد، والله أعلم.
وقوله: ﴿ أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّئَاتِ ﴾ : هذا أيضاً يخرج على وجهين: أحدهما: قد حسب الذين ...
ما ذكر.
والثاني: لا يحسب؛ على النهي.
وقوله: ﴿ أَن يَسْبِقُونَا ﴾ : لا أحد يقدر أن يسبق الله في عذابه ونقمته، لكنهم إذا رأوا الكافر والمسلم في هذه الدنيا على السواء في نعيمها وسعتها، ورأوا أيضاً عند الموت أنه لم ينزل على الكافر عذاب كالمسلم - ظنوا أن لا بعث وما ينبئهم باطلا ذلك ظن الذين كفروا حملهم ذلك على إنكار البعث؛ كقوله: ﴿ وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلأَرْضَ ﴾ حين خلقهما إذا لم يكن بعث باطلا، وهم قد علموا أن خلقه إياهما ليس بباطل، ولكن صير خلقهما إذا لم يكن بعث باطلا، فإذا أنكروا البعث ظنوا أن لا عذاب ولا جزاء، والله أعلم.
وقوله: ﴿ مَن كَانَ يَرْجُواْ لِقَآءَ ٱللَّهِ ﴾ : أضاف اللقاء إلى نفسه، وكذلك ما ذكر من المصير إليه لقوله: ﴿ وَإِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ ﴾ ، وقوله: ﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ ٱلأَمْرُ كُلُّهُ ﴾ ، وقوله: ﴿ وَبَرَزُواْ لِلَّهِ جَمِيعاً ﴾ ونحوه، هذا كله لأن خلق الدنيا وخلق العالم فيها لا لها، ولكن المقصود بخلقها وخلق العالم فيها الآخرة، فإنما صار خلق هذه الأشياء فيها حكمة بالآخرة؛ إذ لو لم يكن آخرة، كان خلق ما ذكر في هذه الدنيا لعباً باطلا؛ كقوله: ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ ﴾ \[المؤمنون: 115\] صير خلقهم لا للرجوع إليه لعباً باطلا.
وقوله: ﴿ فَإِنَّ أَجَلَ ٱللَّهِ لآتٍ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ ﴾ : بما يقولون ويظهرون، والعليم بما يضمرون ويسرون؛ لأن القصة قصة المنافقين.
أو السميع المجيب العليم بحوائجهم وأمورهم، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ ﴾ ، وكذلك قوله: ﴿ مَّنْ عَمِلَ صَـٰلِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا ﴾ ، وقوله: ﴿ إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا ﴾ ، أي: فعليها.
ففي هذا: أن الله إنما امتحن الخلائق لا لحاجة له فيما امتحنهم من دفع مضرة أو جر نفع، لكن إنما امتحنهم لحاجة أنفسهم في دفع المضار وجر المنافع؛ وكذلك إنما أنشأ الدنيا وهذا العالم فيها لا لحاجة له في إنشاء ذلك، ولكن لحوائج أنفسهم، وكذلك ما أنشأ من الخلائق سوى البشر إنما أنشأ البشر وله سخر جميع ذلك، وجعل البشر بحيث يقدر على استعمال جميع ذلك لمنافع أنفسهم وحاجتهم، وهو ما ذكر في غير آي من القرآن حيث قال: ﴿ وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً مِّنْهُ ﴾ ، وقوله: ﴿ هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً ﴾ ونحو ذلك؛ فعلى ذلك امتحن هذا العالم لحاجة أنفسهم في دفع مضار وجر نفع؛ لذلك قال: ﴿ وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ ﴾ أي: لحاجة نفسه ومنفعة نفسه، لا لمنفعة أو لحاجة لله .
﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ : هذا تفسير ما ذكر.
ثم المجاهدة تكون مرة مع الشيطان والجن، ومرة مع أعدائه من الإنس، ومرة مع هوى النفس، ومرة في أمر الدنيا، كل ذلك مجاهدة في الله؛ قال الله : ﴿ وَٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ﴾ ، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ الم ﴾ : سبق الكلام عن نظائرها في بداية سورة البقرة.
<div class="verse-tafsir" id="91.LZ06x"