الآية ١٥ من سورة العنكبوت

الإسلام > القرآن > سور > سورة 29 العنكبوت > الآية ١٥ من سورة العنكبوت

فَأَنجَيْنَـٰهُ وَأَصْحَـٰبَ ٱلسَّفِينَةِ وَجَعَلْنَـٰهَآ ءَايَةًۭ لِّلْعَـٰلَمِينَ ١٥

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 55 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٥ من سورة العنكبوت: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٥ من سورة العنكبوت عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( فأنجيناه وأصحاب السفينة ) أي : الذين آمنوا بنوح عليه السلام .

وقد تقدم ذكر ذلك مفصلا في سورة " هود " ، وتقدم تفسيره بما أغنى عن إعادته .

وقوله : ( وجعلناها آية للعالمين ) أي : وجعلنا تلك السفينة باقية ، إما عينها كما قال قتادة : إنها بقيت إلى أول الإسلام على جبل الجودي ، أو نوعها جعله للناس تذكرة لنعمه على الخلق ، كيف نجاهم من الطوفان ، كما قال تعالى : ( وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون .

وخلقنا لهم من مثله ما يركبون .

وإن نشأ نغرقهم فلا صريخ لهم ولا هم ينقذون .

إلا رحمة منا ومتاعا إلى حين ) [ يس : 41 - 44 ] ، وقال تعالى : ( إنا لما طغى الماء حملناكم في الجارية .

لنجعلها لكم تذكرة وتعيها أذن واعية ) [ الحاقة : 11 ، 12 ] ، وقال هاهنا : ( فأنجيناه وأصحاب السفينة وجعلناها آية للعالمين ) ، وهذا من باب التدريج من الشخص إلى الجنس ، كقوله تعالى : ( ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوما للشياطين ) [ الملك : 5 ] أي : وجعلنا نوعها ، فإن التي يرمى بها ليست هي التي زينة للسماء .

وقال تعالى : ( ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين .

ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ) [ المؤمنون : 12 ، 13 ] ، ولهذا نظائر كثيرة .

وقال ابن جرير : لو قيل : إن الضمير في قوله : ( وجعلناها ) ، عائد إلى العقوبة ، لكان وجها ، والله أعلم .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ (15) يقول تعالى ذكره: فأنجينا نوحا وأصحاب سفينته، وهم الذين حملهم في سفينته من ولده وأزواجهم.

&; 20-18 &; وقد بيَّنا ذلك فيما مضى قبل، وذكرنا الروايات فيه، فأغنى ذلك عن إعادته في هذا الموضع.

( وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ ) يقول: وجعلنا السفينة التي أنجيناه وأصحابه فيها عبرة وعظة للعالمين، وحجة عليهم.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة، قوله: ( فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ ...) الآية.

قال: أبقاها الله آية للناس بأعلى الجوديّ.

ولو قيل: معنى ( وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ ) وجعلنا عقوبتنا إياهم آية للعالمين، وجعل الهاء والألف في قوله: (وَجَعَلْناها) كناية عن العقوبة أو السخط، ونحو ذلك، إذ كان قد تقدم ذلك في قوله: فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ كان وجها من التأويل.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : فأنجيناه وأصحاب السفينة معطوف على الهاء .

وجعلناها آية للعالمين والهاء والألف في ( جعلناها ) للسفينة أو للعقوبة أو للنجاة ; ثلاثة أقوال .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ } الذين ركبوا معه، أهله ومن آمن به.

{ وَجَعَلْنَاهَا } أي: السفينة، أو قصة نوح { آيَةً لِلْعَالَمِينَ } يعتبرون بها، على أن من كذب الرسل، آخر أمره الهلاك، وأن المؤمنين سيجعل اللّه لهم من كل هم فرجا، ومن كل ضيق مخرجا.وجعل اللّه أيضا السفينة، أي: جنسها آية للعالمين، يعتبرون بها رحمة ربهم، الذي قيض لهم أسبابها، ويسر لهم أمرها، وجعلها تحملهم وتحمل متاعهم من محل إلى محل ومن قُطرٍ إلى قُطرٍ.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( فأنجيناه وأصحاب السفينة ) يعني من الغرق ) ( وجعلناها ) يعني السفينة ) ( آية ) أي : عبرة ) ( للعالمين ) فإنها كانت باقية على الجودي مدة مديدة .

وقيل : جعلنا عقوبتهم للغرق عبرة .

وقال ابن عباس - رضي الله عنهما - : بعث نوح لأربعين سنة ، وبقي في قومه يدعوهم ألف سنة إلا خمسين عاما ، وعاش بعد الطوفان ستين سنة حتى كثر الناس وفشوا ، وكان عمره ألفا وخمسين سنة .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«فأنجيناه» أي نوحا «وأصحاب السفينة» الذين كانوا معه فيها «وجعلناها آية» عبرة «للعالمين» لمن بعدهم من الناس إن عصوا رسلهم وعاش نوح بعد الطوفان ستين سنة أو أكثر حتى كثر الناس.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

فأنجينا نوحًا ومَن تبعه ممن كان معه في السفينة، وجعلنا ذلك عبرة وعظة للعالمين.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - حسن عاقبة نوح ومن آمن معه فقال : ( فأَنْجَيْناهُ وأَصْحَابَ السفينة ) : آى : فأنجينا نوحا ومن آمن معه ، وهم الذين ركبوا معه فى السفينة ، قيل : كان عدد هؤلاء الذين آمنوا به ثمانين ما بين ذكر وأنثى ، وقيل كانوا أقل من ذلك .والضمير فى قوله - سبحانه - : ( وَجَعَلْنَاهَآ آيَةً لِّلْعَالَمِينَ ) للسفينة ، أو للحادثة والقصة .أى : فأنجينا نوحا ومن ركب معه فى السفينة ، وجعلناها أى هذه الحادثة عبرة وعظة للعالمين ، حيث شاهدوا سوء عاقبة الكفر والظلم على ممر الأيام والأعوام .قالوا : ومن مظاهر وجوه العبرة فى قصة نجاة نوح ومن معه : أن السفينة التى حملتهم وأقلتهم بقيت مدة طويلة ، وهى مسترة على جبل الجودى ، الذى يرى كثير من المؤرخين أن مكانه بشمال العراق ، بالقرب من مدينة الموصل .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

في الراجع إليه الهاء في قوله: ﴿ جعلناها ﴾ وجهان: أحدهما: أنها راجعة إلى السفينة المذكورة وعلى هذا ففي كونها آية وجوه: أحدها: أنه اتخذت قبل ظهور الماء ولولا إعلام الله نوحاً وإنباؤه إياه به لما اشتغل بها فلا تحصل لهم النجاة.

وثانيها: أن نوحاً أمر بأخذ قوم معه ورفع قدر من القوت والبحر العظيم لا يتوقع أحد نضوبه، ثم إن الماء غيض قبل نفاد الزاد ولولا ذلك لما حصل النجاة فهو بفضل الله لا بمجرد السفينة.

وثالثها: أن الله تعالى كتب سلامة السفينة عن الرياح المرجفة والحيوانات المؤذية، ولولا ذلك لما حصلت النجاة والثاني: أنها راجعة إلى الواقعة أو إلى النجاة أي جعلنا الواقعة أو النجاة آية للعالمين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

كان عمر نوح عليه السلام ألفاً وخمسين سنة، بعث على رأس أربعين، ولبث في قومه تسعمائة وخمسين، وعاش بعد الطوفان ستين.

وعن وهب: أنه عاش ألفاً وأربعمائة سنة.

فإن قلت: هلا قيل: تسعمائة وخمسين سنة؟

قلت: ما أورده الله أحكم.

لأنه لو قيل كما قلت، لجاز أن يتوهم إطلاق هذا العدد على أكثره، وهذا التوهم زائل مع مجيئه كذلك، وكأنه قيل: تسعمائة وخمسين سنة كاملة وافية العدد، إلا أنّ ذلك أخصر وأعذب لفظاً وأملأ بالفائدة، وفيه نكتة أخرى: وهي أنّ القصة مسوقة لذكر ما ابتلي به نوح عليه السلام من أمّته وما كابده من طول المصابرة، تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتثبيتاً له، فكان ذكر رأس العدد الذي لا رأس أكثر منه، أوقع وأوصل إلى الغرض من استطالة السامع مدّة صبره.

فإن قلت: فلم جاء المميز أوّلاً بالسنة وثانياً بالعام؟

قلت: لأنّ تكرير اللفظ الواحد في الكلام الواحد حقيق بالاجتناب في البلاغة، إلا إذا وقع ذلك لأجل غرض ينتحيه المتكلم من تفخيم أو تهويل أو تنويه أو نحو ذلك.

و ﴿ الطوفان ﴾ ما أطاف وأحاط بكثرة وغلبة، من سيل أو ظلام ليل أو نحوهما.

قال العجاج: وَغَمَّ طُوفَانُ الظَّلاَمِ الأَثْأَبَا ﴿ وأصحاب السفينة ﴾ كانوا ثمانية وسبعين نفساً: نصفهم ذكور، ونصفهم إناث، منهم أولاد نوح عليه السلام: سام، وحام، ويافث، ونساؤهم.

وعن محمد بن إسحق: كانوا عشرة.

خمسة رجال وخمس نسوة.

وقد روى عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: «كانوا ثمانية: نوح وأهله وبنوه الثلاثة» والضمير في ﴿ وجعلناها ﴾ للسفينة أو للحادثة والقصة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَلَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ ألْفَ سَنَةٍ إلا خَمْسِينَ عامًا ﴾ بَعْدَ المَبْعَثِ، إذْ رُوِيَ أنَّهُ بُعِثَ عَلى رَأْسِ الأرْبَعِينَ ودَعا قَوْمًا تِسْعَمِائَةٍ وخَمْسِينَ وعاشَ بَعْدَ الطُّوفانِ سِتِّينَ، ولَعَلَّ اخْتِيارَ هَذِهِ العِبارَةِ لِلدَّلالَةِ عَلى كَمالِ العَدَدِ فَإنَّ تِسْعَمِائَةٍ وخَمْسِينَ قَدْ يُطْلَقُ عَلى ما يَقْرُبُ مِنهُ ولِما في ذِكْرِ الألْفِ مِن تَخْيِيلِ طُولِ المُدَّةِ إلى السّامِعِ، فَإنَّ المَقْصُودَ مِنَ القِصَّةِ تَسْلِيَةُ رَسُولِ اللَّهِ  وتَثْبِيتُهُ عَلى ما يُكابِدُهُ مِنَ الكَفَرَةِ واخْتِلافُ المُمَيَّزَيْنِ لِما في التَّكْرِيرِ مِنَ البَشاعَةِ.

﴿ فَأخَذَهُمُ الطُّوفانُ ﴾ طُوفانُ الماءِ وهو لِما طافَ بِكَثْرَةٍ مِن سَيْلٍ أوْ ظَلامٍ أوْ نَحْوِهِما.

﴿ وَهم ظالِمُونَ ﴾ بِالكُفْرِ.

﴿ فَأنْجَيْناهُ ﴾ أيْ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ.

﴿ وَأصْحابَ السَّفِينَةِ ﴾ ومَن أرْكَبَ مَعَهُ مِن أوْلادِهِ وأتْباعِهِ وكانُوا ثَمانِينَ.

وقِيلَ ثَمانِيَةً وسَبْعِينَ وقِيلَ عَشَرَةً نَصِفُهم ذُكُورٌ ونِصْفُهم إناثٌ.

﴿ وَجَعَلْناها ﴾ أيِ السَّفِينَةَ أوِ الحادِثَةَ.

﴿ آيَةً لِلْعالَمِينَ ﴾ يَتَّعِظُونَ ويَسْتَدِلُّونَ بِها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{فأنجيناه} أي نوحاً {وأصحاب السفينة} وكانوا ثمانية وسبعين نفساً نصفهم ذكور ونصفهم إناث منهم أولاد نوح سام وحام ويافث ونساؤهم {وجعلناها} أي السفينة أو الحادثة أو القصة {آية} عبرة وعظة {للعالمين} يتعظون بها

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ فَأنْجَيْناهُ ﴾ أيْ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿ وأصْحابَ السَّفِينَةِ ﴾ أيْ مَن رَكِبَ فِيها مَعَهُ مِن أوْلادِهِ وأتْباعِهِ، وكانُوا ثَمانِينَ، وقِيلَ: ثَمانِيَ وسَبْعِينَ نِصْفُهم ذُكُورٌ ونِصْفُهم إناثٌ مِنهم أوْلادُ نُوحٍ سامٌ وحامٌ ويافَثُ ونِساؤُهُمْ، وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ كانُوا عَشَرَةً خَمْسَةَ رِجالٍ وخَمْسَ نِسْوَةٍ، ورُوِيَ مَرْفُوعًا «كانُوا ثَمانِيَةً نُوحٌ وأهْلُهُ وبَنُوهُ الثَّلاثَةُ» أيْ مَعَ أهْلِيهِمْ ﴿ وجَعَلْناها ﴾ أيِ السَّفِينَةَ ﴿ آيَةً لِلْعالَمِينَ ﴾ عِبْرَةً وعِظَةً لَهم لِبَقائِها زَمانًا طَوِيلًا عَلى الجُودِيِّ يُشاهِدُها المارَّةُ ولِاشْتِهارِها فِيما بَيْنَ النّاسِ، ويَجُوزُ كَوْنُ الضَّمِيرِ لِلْحادِثَةِ والقِصَّةِ المَفْهُومَةِ مِمّا قَبْلُ وهي عِبْرَةٌ لِلْعالِمِينَ لِاشْتِهارِها فِيما بَيْنَهُمْ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أي: جحدوا وأنكروا لِلَّذِينَ آمَنُوا وذلك: أن أبا سفيان بن حرب، وأمية بن خلف، وعتبة بن شيبة، قالوا لعمر بن الخطاب  : وخباب بن الأرت، وأناس آخرين من المسلمين: اتَّبِعُوا سَبِيلَنا يعني: ديننا الذي نحن عليه، واكفروا بمحمد  ودينه وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ يعني: نحن الكفلاء لكم بكل تبعة من الله عز وجل تصيبكم، وأهل مكة شهداء علينا.

يقول الله عز وجل: وَما هُمْ بِحامِلِينَ مِنْ خَطاياهُمْ مِنْ شَيْءٍ يعني: لا يقدرون أن يحملوا خطاياهم، يعني: وبال خطاياهم عنهم، ولا يدفعون عنهم، لأنهم لو استطاعوا أن يدفعوا لدفعوا عن أنفسهم إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ في مقالتهم.

ثم قال عز وجل: وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ يعني: أوزار أنفسهم يكون في عنقهم، وَأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ يعني: يحملون أوزار الذين يضلونهم من غير أن ينقص من أوزار العاملين من شيء، وهذا كقوله عز وجل: لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ [النحل: 25] وهذا كما روي في الخبر «من سن سنة سيئة، كان عليه وزرها، ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة» ثمّ قال: وَلَيُسْئَلُنَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَمَّا كانُوا يَفْتَرُونَ يعني: عما يقولون من الكذب.

قوله: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَاماً يدعوهم إلى الإسلام، ويحذرهم وينذرهم، فأبوا أن يجيبوه فكذبوه فَأَخَذَهُمُ الطُّوفانُ يعني: الغرق وَهُمْ ظالِمُونَ وقال القتبي: الطوفان، المطر الشديد، وكذلك الموت إذا كثر.

وقال مقاتل: الطوفان يعني: ما طغى فوق كل شيء.

وقال بعض أهل اللغة: هذا الاشتقاق غير صحيح، لأنه لو كان هذا لقال: طغوان، لأنه يقال: طغى يطغو.

وقال بعضهم: هذا على وجه القلب، كما يقال: جذب وجبذ.

ويقال: أصله من الطوف، يعني: سال وطاف في الأرض.

وقال الزجاج: الطوفان من كل شيء ما كان كثيراً كالقتل الذريع الكثير يسمى طوفانا.

ثم قال عز وجل: فَأَنْجَيْناهُ يعني: نوحاً  وَأَصْحابَ السَّفِينَةِ من الغرق وَجَعَلْناها آيَةً لِلْعالَمِينَ يعني: جعلنا السفينة عبرة لمن بعدهم، وقد بقيت السفينة على الجودي إلى وقت قريب من وقت خروج النبيّ  ، فكان ذلك علامة وعبرة لمن رآها، ولمن لم يرها، لأن الخبر قد بلغه.

ويقال: رسم السفينة التي بقيت بين الخلق وقت نوح، وتجري في البحر علامة للعالمين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله تعالى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ ...

الآية، العطفُ بالفاءِ يقتضي ظاهرُه أنه لَبِثَ هذه المدةَ رسولاً يدعو إلى عبادة الله تعالى، والطُّوفانُ:

العظيمُ الطامي، ويقال ذلك لكل طامٍ خَرَجَ عن العادة من ماء، أو نار، أو موت.

وقوله: وَهُمْ ظالِمُونَ يريد: بالشرك.

ثم ذكر تعالى قصةَ إبراهيم عليه السلام وقومِه، وذلك أيضاً تمثيل لقريش.

وقوله تعالى: وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً قال ابن عباس «١» : هو نحت الأصنام.

وقال مجاهد «٢» : هو اختلاق الكذب في أمر الأوثان وغير ذلك.

فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ قالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٢٤) وَقالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثاناً مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً وَمَأْواكُمُ النَّارُ وَما لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٢٥)

وقوله تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ...

الآية، هذه الحالةُ هي على ما يظهر مع الأحيان من إحياءِ الأرض، والنبات وإعادته ونحو ذلك مما هو دليل على البعث من القبور، ثم أمر تعالى نبيّه محمّدا صلى الله عليه وسلّم، ويحتملُ أن يكون إبراهيم عليه السلام بأن يأمرهم على جهة الاحتجاج، بالسير في الأرضِ، والنظر في أقطارها، والنَّشْأَةَ الْآخِرَةَ: نشأةُ القيام من القبور.

وقوله تعالى: وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ ...

الآية، قال ابن

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ ﴾ في هَذِهِ القِصَّةِ تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيِّ  حَيْثُ أُعْلِمَ أنَّ الأنْبِياءَ قَدِ ابْتُلُوا قَبْلَهُ، وفِيها وعِيدٌ شَدِيدٌ لِمَن أقامَ عَلى الشِّرْكِ، فَإنَّهم وإنْ أُمْهِلُوا، فَقَدْ أُمْهِلَ قَوْمُ نُوحٍ أكْثَرَ ثُمَّ أُخِذُوا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَبِثَ فِيهِمْ ألْفَ سَنَةٍ إلا خَمْسِينَ عامًا ﴾ اخْتَلَفُوا في عُمْرِ نُوحٍ عَلى خَمْسَةِ أقْوالٍ.

أحَدُها: بُعِثَ بَعْدَ أرْبَعِينَ سَنَةً، وعاشَ في قَوْمِهِ ألْفَ سَنَةٍ إلّا خَمْسِينَ عامًا يَدْعُوهُمْ، وعاشَ بَعْدَ الطُّوفانِ سِتِّينَ سَنَةً، رَواهُ يُوسُفُ بْنُ مِهْرانَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُ لَبِثَ فِيهِمْ ألْفَ سَنَةٍ إلّا خَمْسِينَ عامًا، وعاشَ بَعْدَ ذَلِكَ سَبْعِينَ عامًا، فَكانَ مَبْلَغُ عُمْرِهِ ألْفَ سَنَةٍ وعِشْرِينَ سَنَةً، قالَهُ كَعْبُ الأحْبارِ.

والثّالِثُ: أنَّهُ بُعِثَ وهو ابْنُ خَمْسِينَ وثَلاثِمِائَةٍ، فَلَبِثَ فِيهِمْ ألْفَ سَنَةٍ إلّا خَمْسِينَ عامًا، ثُمَّ عاشَ بَعْدَ ذَلِكَ خَمْسِينَ وثَلاثَمِائَةٍ، قالَهُ عَوْنُ بْنُ أبِي شَدّادٍ.

والرّابِعُ: أنَّهُ لَبِثَ فِيهِمْ قَبْلَ أنْ يَدْعُوَهم ثَلاثَمِائَةِ سَنَةٍ، [وَدَعاهم ثَلاثَمِائَةِ سَنَةٍ] ولَبِثَ بَعْدَ الطُّوفانِ ثَلاثَمِائَةٍ وخَمْسِينَ سَنَةً، قالَهُ قَتادَةُ.

وقالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: بُعِثَ لِخَمْسِينَ سَنَةً.

والخامِسُ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ بَيَّنَتْ مِقْدارَ عُمْرِهِ كُلِّهِ حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.

فَإنْ قِيلَ: ما فائِدَةُ قَوْلِهِ: ﴿ إلا خَمْسِينَ عامًا ﴾ ، فَهَلّا قالَ: تِسْعَمِائَةٍ وخَمْسِينَ؟

فالجَوابُ: أنَّ المُرادَ بِهِ تَكْثِيرَ العَدَدِ، وذِكْرُ الألْفِ أفْخَمُ في اللَّفْظِ، وأعْظَمُ لِلْعَدَدِ.

قالَ الزَّجّاجُ: تَأْوِيلُ الِاسْتِثْناءِ في كَلامِ العَرَبِ: التَّوْكِيدُ، تَقُولُ: جاءَنِي إخْوَتُكَ إلّا زَيْدًا، فَتُؤَكِّدُ أنَّ الجَماعَةَ جاؤُوا، وتَنْقُصُ زَيْدًا.

واسْتِثْناءُ نِصْفِ الشَّيْءِ قَبِيحٌ جِدًّا لا تَتَكَلَّمُ بِهِ العَرَبُ، وإنَّما تَتَكَلَّمُ بِالِاسْتِثْناءِ كَما تَتَكَلَّمُ بِالنُّقْصانِ، تَقُولُ: عِنْدِي دِرْهَمٌ يَنْقُصُ قِيراطًا، فَلَوْ قُلْتَ: يَنْقُصُ نِصْفُهُ، كانَ الأوْلى أنْ تَقُولَ: عِنْدِي نِصْفُ دِرْهَمٍ، ولَمْ يَأْتِ الِاسْتِثْناءُ في كَلامِ العَرَبِ إلّا قَلِيلٌ مِن كَثِيرٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأخَذَهُمُ الطُّوفانُ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: المَوْتُ، رَوَتْ عائِشَةُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  في قَوْلِهِ: ﴿ فَأخَذَهُمُ الطُّوفانُ ﴾ قالَ: المَوْت.

والثّانِي: المَطَرُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هو المَطَرُ الشَّدِيدُ.

والثّالِثُ: الغَرَقُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

قالَ الزَّجّاجُ: الطُّوفانُ مِن كُلِّ شَيْءٍ: ما كانَ كَثِيرًا مُطِيفًا بِالجَماعَةِ كُلِّها، فالغَرَقُ الَّذِي يَشْتَمِلُ عَلى المُدُنِ الكَثِيرَةِ: طُوفانٌ، وكَذَلِكَ القَتْلُ الذَّرِيعُ، والمَوْتُ الجارِفُ: طُوفانٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهم ظالِمُونَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كافِرُونَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجَعَلْناها ﴾ يَعْنِي السَّفِينَةَ، قالَ قَتادَةُ: أبْقاها اللَّهُ آيَةً لِلنّاسِ بِأعْلى الجُودِيِّ.

قالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: وجائِزٌ أنْ يَكُونَ أرادَ: الفِعْلَةَ الَّتِي فَعَلَها بِهِمْ مِنَ الغَرَقِ (آيَةً)، أيْ: عِبْرَةً ﴿ لِلْعالَمِينَ ﴾ \[بَعْدَهُمْ\] .

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنا ولْنَحْمِلْ خَطاياكم وما هم بِحامِلِينَ مِن خَطاياهم مِن شَيْءٍ إنَّهم لَكاذِبُونَ ﴾ ﴿ وَلَيَحْمِلُنَّ أثْقالَهم وأثْقالا مَعَ أثْقالَهم ولَيُسْألُنَّ يَوْمَ القِيامَةِ عَمّا كانُوا يَفْتَرُونَ ﴾ ﴿ وَلَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ ألْفَ سَنَةٍ إلا خَمْسِينَ عامًا فَأخَذَهُمُ الطُوفانُ وهم ظالِمُونَ ﴾ ﴿ فَأنْجَيْناهُ وأصْحابَ السَفِينَةِ وجَعَلْناها آيَةً لِلْعالَمِينَ ﴾ رُوِيَ أنَّ قائِلَ هَذِهِ المَقالَةِ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، وقِيلَ: بَلْ كانَتْ شائِعَةً مِن كُفّارِ قُرَيْشٍ، قالُوا لِأتْباعِ النَبِيِّ  : ادْخُلُوا في أمْرِنا، وأقِرُّوا بِآلِهَتِنا واعْبُدُوها، ونَحْنُ لِيَقِينِنا أنَّهُ لا بَعْثَ بَعْدَ المَوْتِ ولا رُجُوعَ نَضْمَنُ لَكم حَمْلَ خَطاياكُمْ، ونَحْمِلُها عنكم فِيما دَعَوْناكم إلَيْهِ إنْ كانَ في ذَلِكَ دَرْكٌ كَما تَزْعُمُونَ أنْتُمْ، وقَوْلُهُمْ: "وَلْنَحْمِلْ" إخْبارٌ أنَّهم يَحْمِلُونَ خَطاياهم عَلى جِهَةِ التَشْبِيهِ بِالنَقْلِ، ولَكِنَّهم أخْرَجُوهُ في صِيغَةِ الأمْرِ لِأنَّها أوجَبُ وأشَدُّ تَأْكِيدًا في نَفْسِ السامِعِ مِنَ المَجازاتِ، وهَذا نَحْوُ قالَ الشاعِرُ: فَقُلْتُ ادْعِي وأدْعُ فَإنَّ أنْدى لِصَوْتٍ أنْ يُنادِيَ داعِيانِ وَلِكَوْنِهِ خَبَرًا حَسُنَ تَكْذِيبُهم فِيهِ، فَأخْبَرَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ أنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ باطِلٌ، وأنَّهم لَوْ فَعَلُوهُ لَمْ يُتَحَمَّلْ عن أحَدٍ مِن هَؤُلاءِ المُغْتَرِّينَ بِهِمْ شَيْءٌ مِن خَطاياهُ الَّتِي تَخْتَصُّ بِهِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَلْنَحْمِلْ" بِجَزْمِ اللامِ، وقَرَأ عِيسى ونُوحٌ القارِي: "وَلِنَحْمِلْ" بِكَسْرِ اللامِ.

وقَرَأ داوُدُ بْنُ أبِي هِنْدٍ: "مِن خَطَيِهِمْ" بِكَسْرِ الياءِ وفَتْحِ الطاءِ، وحَكى عنهُ أبُو عَمْرٍو أنَّهُ قَرَأ: "مِن خَطِيئاتِهِمْ" بِكَسْرِ الطاءِ وهَمْزَةٍ وتاءٍ بَعْدَ الألِفِ.

وقالَ مُجاهِدٌ: الحَمْلُ هو مِنَ الحَمالَةِ لا مِنَ الحَمْلِ عَلى الظَهْرِ.

ثُمْ أخْبَرَ تَعالى عن أُولَئِكَ الكَفَرَةِ أنَّهم يَحْمِلُونَ أثْقالَهم وأثْقالًا مَعَ أثْقالِهِمْ، أيْ: أثْقالًا مِن كُفْرِهِمُ الَّذِي يَخْتَرِعُونَهُ ويَتَلَبَّسُونَ بِهِ، ﴿ وَأثْقالا مَعَ أثْقالِهِمْ ﴾ يُرِيدُ: ما يَلْحَقُهم مِن أعْوانِهِمْ وأتْباعِهِمْ، فَإنَّهُ يَلْحَقُ بِكُلِّ داعٍ إلى ضَلالَةٍ كِفْلٌ مِنها حَسَبَ الحَدِيثِ المَشْهُورِ، «أيُّما داعٍ إلى هُدًى فاتُّبِعَ عَلَيْهِ فَلَهُ مِثْلُ أُجُورِ مَنِ اتَّبَعَهُ، لا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِن أجْرِهِمْ شَيْئًا، وأيُّما داعٍ دَعا إلى ضَلالَةٍ».....

الحَدِيثُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وإنَّما كانَتْ مَعَ أثْقالِهِمْ لِكَوْنِها بِسَبَبِ غَيْرِهِمْ وعن غَيْرِ كُفْرٍ تَلْبَّسُوهُ، فَرَّقَ بَيْنَها وبَيْنَ أثْقالِهِمْ، ولَمْ يَنْسِبْها إلى غَيْرِهِمْ، بَلْ جَعَلَها في رُتْبَةٍ أُخْرى فَقَطْ، فَهم فِيها إنَّما يَزِرُونَ بِوِزْرِ أنْفُسِهِمْ، وقَدْ يَتَرَتَّبُ حَمْلُ أثْقالِ الغَيْرِ بِما ورَدَ عَنِ النَبِيِّ  : «فَإنْ لَمْ يَبْقَ لِلظّالِمْ أُخِذَ مِن سَيِّئاتِ المَظْلُومِ فاطَّرَحَ فَطُرِحَ عَلَيْهِ».

وقَوْلُهُ تَعالى: "وَلَيُسْئَلُنَّ" عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ والتَقْرِيعِ، لا عَلى جِهَةِ الِاسْتِفْهامِ والِاسْتِعْلامِ، و"يَفْتَرُونَ" مَعْناهُ: يَخْتَلِقُونَ مِنَ الكُفْرِ ودَعْوى الصاحِبَةِ والوَلَدِ وغَيْرِ ذَلِكَ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا ﴾ الآيَةُ.

قِصَّةٌ فِيها تَسْلِيَةٌ لِمُحَمَّدٍ  عَمّا تَضَمَّنَتْهُ الآياتُ قَبْلَها مِن تَعَنُّتِ قَوْمِهِ، وفِتْنَتِهِمْ لِلْمُؤْمِنِينَ وغَيْرِ ذَلِكَ، وفِيها وعِيدٌ لَهم بِتَمْثِيلِ أمْرِهِمْ بِأمْرِ قَوْمِ نُوحٍ، والواوُ في قَوْلِهِ "وَلَقَدْ" عاطِفَةٌ جُمْلَةَ كَلامٍ عَلى جُمْلَةِ كَلامٍ، والقَسَمُ فِيها بِعِيدٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "أرْسَلْنا"، "فَلَبِثَ"، هَذا العَطْفُ بِالفاءِ يَقْتَضِي ظاهِرُهُ أنَّهُ لَبِثَ هَذِهِ المُدَّةَ رَسُولًا يَدْعُو، وقَدْ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ المُدَّةُ المَذْكُورَةُ مُدَّةَ إقامَتِهِ، مِن لَدُنْ مَوْلِدِهِ إلى غَرَقِ قَوْمِهِ، وأمّا عَلى التَأْوِيلِ الأوَّلِ فاخْتُلِفَ في سِنِّهِ الَّتِي بُعِثَ عِنْدَها، فَقِيلَ: أرْبَعُونَ، وقِيلَ: ثَمانُونَ، وقالَ عَوْنُ بْنُ أبِي شَدّادٍ: ثَلاثُمِائَةٍ وخَمْسُونَ، ولِذَلِكَ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ وفاتُهُ عَلَيْهِ السَلامُ عِنْدَ غَرَقِ قَوْمِهِ بَعْدَ ذَلِكَ بِيَسِيرٍ، وَقَدْ رُوِيَ أنَّهُ عُمِّرَ بَعْدَ ذَلِكَ ثَلاثَمِائَةٍ وخَمْسِينَ عامًا، وأنَّهُ عاشَ ألْفَ سَنَةٍ وسِتَّمِائَةِ سَنَةٍ وخَمْسِينَ سَنَةٍ.

وقَوْلُهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ فَأخَذَهُمُ الطُوفانُ ﴾ يَقْتَضِي أنَّهُ أخَذَ قَوْمَهُ فَقَطْ، وقَدِ اخْتُلِفَ في ذَلِكَ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّما غَرِقَ في الطُوفانِ طائِفَةٌ مِنَ الأرْضِ وهي المُخْتَصَّةُ بِقَوْمِ نُوحٍ، وقالَتْ فِرْقَةٌ -هِيَ الجُمْهُورُ-: إنَّما غَرِقَتِ المَعْمُورَةُ كُلُّها.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا هو ظاهِرُ الأمْرِ؛ لِاتِّخاذِهِ السَفِينَةَ، ولِبَعْثِهِ الطَيْرَ تَرْتادُ زَوالَ الماءِ، ولِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الدَلائِلِ، وبَقِيَ أنْ يُعْتَرَضَ هَذا بِأنْ يُقالَ: كَيْفَ غَرِقَ الجَمِيعُ والرِسالَةُ إلى البَعْضِ؟

فالوَجْهُ في ذَلِكَ أنْ يُقالَ: إنَّ اخْتِصاصَ نَبِيٍّ بِأُمَّةٍ لَيْسَ هو بِألّا يَهْدِيَ غَيْرَها، ولا يَدْعُوَها إلى تَوْحِيدِ اللهِ تَعالى، وإنَّما هو بِألّا يَأْخُذَ بِقَتْلِ غَيْرِها، ولا يَبُثَّ العِباداتِ فِيهِمْ، ولَمْ يَكُنِ الناسُ يَوْمَئِذٍ كَثِيرِينَ بِحُكْمِ القُرْبِ مِن آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ، فَلا مَحالَةَ أنَّ دُعاءَهُ إلى تَوْحِيدِ اللهِ تَعالى قَدْ كانَ بَلَغَ الكُلَّ، فَنالَهُمُ الغَرَقُ لِإعْراضِهِمْ وتَمادِيهِمْ.

و"الطُوفانُ": العَظِيمُ الطامِّي، ويُقالُ ذَلِكَ لِكُلِّ طامٍّ خَرَجَ عَنِ العادَةِ مِن ماءٍ أو نارٍ أو مَوْتٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: أفْناهم طُوفانُ مَوْتٍ جارِفٌ و"طُوفانٌ" وزْنُهُ فُعْلانٌ بِناءُ مُبالَغَةٍ مِن: طافَ يَطُوفُ إذا عَمَّ مِن كُلِّ جِهَةٍ، ولَكِنَّهُ كَثُرَ اسْتِعْمالُهُ في الماءِ خاصَّةً، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهم ظالِمُونَ ﴾ يُرِيدُ: بِالشِرْكِ.

وَ " أصْحابَ السَفِينَةِ " تَقَدَّمَ في غَيْرِ هَذِهِ السُورَةِ الخِلافُ في عَدَدِهِمْ، وهم بَنُوهُ وقَوْمٌ آمَنُوا، والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "وَجَعَلْناها" يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى السَفِينَةِ، و"الآيَةُ" هُنا العِبْرَةُ والعَلامَةُ عَلى قُدْرَةِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى في شِدَّةِ بَطْشِهِ، قالَ قَتادَةُ: أبْقاها آيَةً عَلى الجُودِيِّ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

سيقت هذه القصة واللاتي بعدها شواهد على ما لقي الرسل والذين آمنوا معهم من تكذيب المشركين كما صرح به قوله عقب القصتين ﴿ وإن تُكذّبوا فقد كذّب أمم من قبلكم ﴾ [العنكبوت: 18] على أحد الوجهين الآتيين.

وابتدئت القصص بقصة أول رسول بعثه الله لأهل الأرض فإن لأوليات الحوادث وقعاً في نفوس المتأمّلين في التاريخ، وقد تقدم تفصيل قصته في سورة هود.

وزادت هذه الآية أنه لبث في قومه تسعمائة وخمسين سنة.

وظاهر الآية أن هذه مدة رسالته إلى قومه ولا غرض في معرفة عمره يوم بعثه الله إلى قومه، وفي ذلك اختلاف بين المفسرين، وفائدة ذكر هذه المدة للدلالة على شدة مصابرته على أذى قومه ودوامه على إبلاغ الدعوة تثبيتاً للنبيء صلى الله عليه وسلم وأوثر تمييز ﴿ ألف ﴾ ب ﴿ سنة ﴾ لطلب الخفة بلفظ ﴿ سنة ﴾ ، وميز ﴿ خمسين ﴾ بلفظ ﴿ عاماً ﴾ لئلا يكرر لفظ ﴿ سنة ﴾ .

والفاء من قوله: ﴿ فأخذهم الطوفان ﴾ عطف على ﴿ أرسلنا ﴾ كما عطف عليه ﴿ فلبث ﴾ وقد طوي ذكر ما ترتب عليه أخذهم بالطوفان وهو استمرار تكذيبهم.

وجملة ﴿ وهم ظالمون ﴾ حال، أي أخذهم وهم متلبسون بالظلم، أي الشرك وتكذيب الرسول، تلبساً ثابتاً لهم متقرراً وهذا تعريض للمشركين بأنهم سيأخذهم عذاب.

وفاء ﴿ فأنجيناه ﴾ عطف على ﴿ فأخذهم الطوفان ﴾ .

وهذا إيماء إلى أن الله منجي المؤمنين من العذاب.

وقوله ﴿ وجعلناها ءاية للعالمين ﴾ الضمير للسفينة.

ومعنى كونها آية أنها دليل على وقوع الطوفان عذاباً من الله للمكذبين الرسل، فكانت السفينة آية ماثلة في عصور جميع الأمم الذين جاءتهم الرسل بعد نوح موعظة للمكذبين وحجة للمؤمنين.

وقد أبقى الله بقية السفينة إلى صدر الأمة الإسلامية ففي «صحيح البخاري»: «قال قتادة: بقيت بقايا السفينة على الجودي حتى نظرتها أوائل هذه الأمة».

ويقال إنها دامت إلى أوائل الدولة العباسية ثم غمرتها الثلوج.

وكان الجودي قرب (باقِرْدَى) وهي قرية من جزيرة ابن عمر بالموصل شرقي دجلة (وباقردى بموحدة بعدها ألف ثم قاف مكسورة ويجوز فتحها ودال فألف مقصورة وقال تعالى في سورة القمر ﴿ ولقد تركناها ءاية فهل من مدُكر.

﴾ وإنما قال ﴿ للعالمين ﴾ الشامل لجميع سكان الأرض لأن من لم يشاهد بقايا سفينة نوح يشاهد السفن فيتذكر سفينة نوح وكيف كان صنعها بوحي من الله لإنجاء نوح ومن شاء الله نجاته، ولأن الذين من أهل قريتها يُخبرون عنها وتنقل أخبارهم فتصير متواترة.

هذا وقد وقع في الإصحاح الثامن من سفر التكوين من التوراة «واستقر الفلك على جبال آراراط»، وقد اختلف الباحثون في تعيين جبال أراراط، فمنهم من قال: إنه اسم الجودي وعينوا أنه من جبال بلاد الأكراد في الحد الجنوبي لأرمينيا في سهول ما بين النهرين ووصفوه بأن نهر دجلة يجري بين مرتفعاته بحيث لا يمكن العبور بين الجبل ونهر دجلة إلا في الصيف، وأيدوا قولهم بوجود بقية سفينة على قمة ذلك الجبل.

وبعضهم زعم أن (أراراط) في بلاد أرمينيا وهو قريب من القول الأول لتجاور مواطن الكردستان وأرمينيا وقد تختلف حدود المواطن باختلاف الدول والفتوح.

ويجوز أن يكون ضمير النصب في ﴿ وجعلناها ﴾ عائداً إلى الخبر المذكور بتأويل القصة أو الحادثة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ ﴾ رَوى قَتادَةُ عَنْ أنَسٍ أنَّ النَّبِيَّ  قالَ: «أوَّلُ نَبِيٍّ أُرْسِلَ نُوحٌ» قالَ قَتادَةُ: وبُعِثَ مِنَ الجَزِيرَةِ.

﴿ فَلَبِثَ فِيهِمْ ألْفَ سَنَةٍ إلا خَمْسِينَ عامًا ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ هَذا مَبْلَغُ عُمُرِهِ كُلِّهِ.

قالَ قَتادَةُ: لَبِثَ فِيهِمْ قَبْلَ أنْ يَدْعُوَهم ثَلاثَمِائَةِ سَنَةٍ ودَعاهم ثَلاثَمِائَةِ سَنَةٍ ولَبِثَ بَعْدَ الطُّوفانِ ثَلاثَمِائَةِ سَنَةٍ وخَمْسِينَ سَنَةً.

فَإنْ قِيلَ فَلِمَ قالَ: ﴿ ألْفَ سَنَةٍ إلا خَمْسِينَ عامًا ﴾ ولَمْ يَقُلْ تِسْعَمِائَةٍ وخَمْسِينَ عامًا فَعَنْهُ جَوابانِ: أحَدُهُما: أنَّ المَقْصُودَ بِهِ تَكْثِيرُ العَدَدِ فَكانَ ذِكْرُ الألْفِ أفْخَمَ في اللَّفْظِ وأكْثَرَ في العَدَدِ.

الثّانِي: ما رُوِيَ أنَّهُ أُعْطِيَ مِنَ العُمْرِ ألْفُ سَنَةٍ فَوَهَبَ مِن عُمْرِهِ خَمْسِينَ سَنَةً لِبَعْضِ ولَدِهِ فَلَمّا حَضَرَتْهُ الوَفاةُ راجَعَ في اسْتِكْمالِ الألْفِ فَذَكَرَ اللَّهُ ذَلِكَ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ النَّقِيصَةَ كانَتْ مِن جِهَتِهِ، فَهَذا قَوْلٌ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ بُعِثَ لِأرْبَعِينَ سَنَةً مِن عُمُرِهِ ولَبِثَ في قَوْمِهِ ألْفَ سَنَةٍ إلّا خَمْسِينَ عامًا، وعاشَ بَعْدَ الطُّوفانِ سِتِّينَ عامًا فَكانَ مَبْلَغُ عُمُرِهِ ألْفَ سَنَةٍ وخَمْسِينَ سَنَةً، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّالِثُ: أنَّهُ لَبِثَ فِيهِمْ ألْفَ سَنَةٍ إلّا خَمْسِينَ عامًا، وعاشَ بَعْدَ ذَلِكَ سَبْعِينَ سَنَةً، فَكانَ مَبْلَغُ عُمْرِهِ ألْفَ سَنَةٍ وعِشْرِينَ سَنَةً، قالَهُ كَعْبُ الأحْبارِ.

والقَوْلُ الرّابِعُ: أنَّهُ بُعِثَ وهو ابْنُ خَمْسِينَ وثَلاثِمِائَةِ سَنَةٍ ولَبِثَ في قَوْمِهِ داعِيًا ألْفَ سَنَةٍ إلّا خَمْسِينَ عامًا وعاشَ بَعْدَ الطُّوفانِ ثَلاثَمِائَةٍ وخَمْسِينَ عامًا فَكانَ مَبْلَغُ عُمُرِهِ ألْفَ سَنَةٍ وسِتَّمِائَةٍ وخَمْسِينَ سَنَةً.

قالَهُ عَوْنُ بْنُ أبِي شَدّادٍ.

﴿ فَأخَذَهُمُ الطُّوفانُ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ الطُّوفانَ المَطَرُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُبَيْرٍ وقَتادَةُ والسُّدِّيُّ.

الثّانِي: أنَّ الطُّوفانَ الغَرَقُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّالِثُ: أنَّهُ المَوْتُ، رَوَتْهُ عائِشَةُ عَنِ النَّبِيِّ  ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: أفْناهم طُوفانُ مَوْتٍ جارِفٍ وَقِيلَ إنَّ الطُّوفانَ كُلُّ عامٍّ مِنَ الأذى.

وَحَكى إسْماعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أنَّ الطُّوفانَ كانَ في نِيسانَ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والحاكم وصححه وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: بعث الله نوحاً وهو ابن أربعين سنة، ولبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً يدعوهم إلى الله، وعاش بعد الطوفان ستين سنة حتى كثر الناس وفشوا.

وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة رضي الله عنه قال: كان عمر نوح عليه السلام قبل أن يبعث إلى قومه وبعدما بعث الفاً وسبعمائة سنة.

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد قال: قال لي ابن عمر رضي الله عنهما كم لبث نوح عليه السلام في قومه؟

قلت: الف سنة إلا خمسين عاماً، قال: فإن من كان قبلكم كانوا أطول أعماراً، ثم لم يزل الناس ينقصون في الأخلاق والآجال والأحلام والأجسام إلى يومهم هذا.

وأخرج ابن جرير عن عون بن أبي شداد رضي الله عنه قال: إن الله أرسل نوحاً عليه السلام إلى قومه وهو ابن خمسين وثلاثمائة سنة، فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً، ثم عاش بعد ذلك خمسين وثلاثمائة سنة.

وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب ذم الدنيا عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: جاء ملك الموت إلى نوح عليه السلام فقال: يا أطول النبيين عمراً كيف وجدت الدنيا ولذتها؟

قال: كرجل دخل بيتاً له بابان فوقف وسط الباب هنيهة ثم خرج من الباب الآخر.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ فأخذهم الطوفان ﴾ قال: الماء الذي أرسل عليهم.

وأخرج ابن جرير عن الضحاك رضي الله عنه قال: ﴿ الطوفان ﴾ الغرق.

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ فأنجيناه وأصحاب السفينة ﴾ قال: نوح وبنوه ونساء بنيه.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ وجعلناها آية للعالمين ﴾ قال: أبقاها الله آية فهي على الجودي.

والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

﴿ فَأَنْجَيْنَاهُ ﴾ يعني نوحًا من الغرق (١) ﴿ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ ﴾ يعني الذين ركبوها معه ﴿ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ ﴾ قال ابن عباس: يريد تركت السفينة آية لمن بعد نوح (٢) وقال مقاتل والكلبي: يعني عبرة لمن بعدهم من الناس (٣) (٤) (١) "تفسير مقاتل" 71 ب.

(٢) أخرجه ابن جرير 20/ 136، وابن أبي حاتم 9/ 3043، عن قتادة، بنحوه.

(٣) "تفسير مقاتل" 71 ب.

"تنوير المقباس" 333.

(٤) قال ابن جرير 20/ 136: ولو قيل: معنى: ﴿ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ ﴾ وجعلنا عقوبتنا إياهم آية للعالمين، وجعل الهاء والألف في قوله: ﴿ وَجَعَلْنَاهَا ﴾ كناية عن العقوبة أو السخط ونحو ذلك، إذ كان تقدم ذلك في قوله: ﴿ فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ ﴾ كان وجهًا من التأويل.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَجَعَلْنَاهَآ آيَةً ﴾ يحتمل أن يعود الضمير على السفينة، أو على النجاة، أو على القصة بكاملها.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

الوقوف: ﴿ الم ﴾ كوفي.

﴿ لا يفتنون ﴾ ه ﴿ الكاذبين ﴾ ه ﴿ يسبقونا ﴾ ط ﴿ يحكمون ﴾ ه ج ﴿ لآت ﴾ ط ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ لنفسه ﴾ ط ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ حسناً ﴾ ط ﴿ فلا تطعهما ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ الصالحين ﴾ ه ﴿ كعذاب الله ﴾ ط ﴿ معكم ﴾ ط ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ المنافقين ﴾ ه ﴿ خطاياكم ﴾ ط ﴿ شيء ﴾ ط ﴿ لكاذبون ﴾ ه ﴿ مع أثقالهم ﴾ ط فصلاً بين الأمرين المعظمين مع اتفاق الجملتين.

﴿ يفترون ﴾ ه ﴿ عاماً ﴾ ط لحق الحذف اي فلم يؤمنوا فأخذهم ﴿ الطوفان ﴾ ط ﴿ ظالمون ﴾ ه ﴿ للعالمين ﴾ ه.

التفسير: إنه  لما قال في خواتيم السور المتقدمة ﴿ إن الذي فرض عليك القرآن لرادّك إلى معاد  ﴾ أي إلى مكة ظاهراً ظافراً، وكان في ذلك الرد من احتمال مشاق الحوادث ما كان قال بعده ﴿ ألم أحسب الناس ﴾ إلى قوله ﴿ وهم لا يفتنون ﴾ بالجهاد أو نقول: لما أمر بالدعاء إلى الدين القويم في قوله ﴿ وادع إلى ربك  ﴾ وكان دونه من المتاعب وأعباء الرسالة مالا يخفى، بدا السورة بما يهوّن على النفس بعض ذلك.

وايضاً لما بين أن كل هالك له رجوع إليه، ردّ على منكري الحشر بأن الأمر ليس على ما حسبوه ولكنهم يكلفون في دار الدنيا ثم يرجعون إلى مقام الجزاء والحساب.

قال أهل البرهان: وقوع الاستفهام بعد "ألم" يدل على استقلالها وانقطاعها عما بعدها في هذه السورة وفي غيرها من السور.

وفي تصدير السورة بأمثال هذه الحروف تنبيه للمخاطب وإيقاظ له من سنة الغفلة كما يقدم لذلك كلام له معنى مفهوم كقول القائل: اسمع وكن لي.

ولا يقدم إلا إذا كان في الحديث شأن وبالخطاب اهتمام، ولهذا ورد بعد هذه الحروف ذكر الكتاب أو التنزيل أو القرآن الذي لا يخفى غناؤه والاهتمام بشأنه كقوله ﴿ الم ذلك الكتاب  ﴾ ﴿ الم الله لا إله إلا هو الحي القيوم نزل عليك الكتاب  ﴾ ﴿ المص كتاب أنزل إليك  ﴾ ﴿ يس والقرآن  ﴾ ﴿ ص والقرآن  ﴾ ﴿ الم تنزيل الكتاب  ﴾ إلا ثلاث سور: ﴿ كهيعص  ﴾ ﴿ الم أحسب الناس ﴾ } { ﴿ الم غلبت الروم  ﴾ ولا يخفى أن ما بعد حروف التهجي فيها من الأمور العظام التي يحق أن ينبه عليها بيانه في هذه السورة أن القرآن ثقله وعبؤة بما فيه من التكاليف، وبيانه في سورة مريم ظاهر، لأن خلق الولد فيما بين الشيخ الفاني والعجوز العاقر معجز.

وكذا الإخبار عن غلبة الروم قبل وقوعها.

ومعنى الآية راجع إلى أن الناس لا يتركون بمجرد التلفظ بكلمة الإِيمان بل يؤمرون بأنواع التكاليف.

واختلفوا في سبب نزولها فقيل: نزلت في عمار بن ياسر والوليد بن الوليد وسلمة بن هشام وكانوا يعذبون بمكة.

وقيل: نزلت في أقوام هاجروا وتبعهم الكفار فاستشهد بعضهم ونجا الباقون.

وقيل: في مهجع بن عبد الله مولى عمر بن الخطاب وهو أول قتيل من المسلمين، رماه عامر بن الحضرمي يوم بدر فقال رسول الله  : سيد الشهداء مهجع، وهو أول من يدعى إلى باب الجنة من هذه الأمة.

قال جار الله: مفعولا الحسبان الترك وعلته والتقدير أحسبوا تركهم غير مفتونين لقولهم آمنا.

قال: والترك بمعنى التصيير.

فقوله ﴿ وهم لا يفتنون ﴾ حال سدّ مسدّ ثاني مفعوليه.

وقال آخرون: تقديره أحسبوا أنفسهم متروكة غير مفتونين لأن ﴿ قالوا آمنا ﴾ وأقول: إن من خواص "أن" مع الفعل و"أن" مع جزأيه سدّها مسدّ مفعولي أفعال القلوب، والحكم بأن الترك ههنا بمعنى التصيير غير لازم يؤيد ما ذكرناه من المعنيين قوله  في موضع آخر ﴿ أم حسبتم أن تتركوا  ﴾ والفتنة الامتحان بشدائد التكليف من مفارقة الأوطان وكل ما يحب ويستلذ، ومن ملاقاة الأعداء والمصابرة على أذاهم وسائر ما تكرهه النفس.

والتحقي أن المقصود من خلق البشر هو العبادة الخالصة لله.

فإذا قال باللسان: آمنت فقد ادعى طاعة الله بالجنان فلا بدّ له من شهود وهو الإتيان بالأركان، وإذا حصل الشهود فلا بدلا له من مزك وهو بذل النفس والمال في سبيل الرحمن.

فمعنى الآية: أحسبوا أن يقبل منهم دعواهم بلا شهود وشهود بلا مزك؟

أو المراد أحسبوا أن يتركوا في أول المقامات لا بل ينقلون إلى أعلى الدرجات وهو مقام الإخلاص والقربات؟

ثم مثل حال هؤلاء بحال السلف منهم قائلاً ﴿ ولقد فتنا الذين من قبلهم ﴾ أراد كذلك فعل الله بمن قبلهم لم يتركهم بمجرد قولهم "آمنا"، بل أمرهم بالطاعات وزجرهم عن المنهيات.

وقوله ﴿ فليعلمن الله ﴾ كقوله ﴿ وليعلم الله  ﴾ وقد مر تحقيقه في "آل عمران".

والحاصل أن التجدد يرجع إلى المعلوم لا إلى العالم ولا إلى العلم، وذلك لأن الأول زماني دون الأخيرين.

وأما عبارات المفسرين فقال مقاتل: فليرين الله وليظهرن الله.

وقيل: فليميزن، وجوز جار الله أن يكون وعداً ووعيداً كأنه قال: وليبينن الذي صدقوا وليعاقبن الكاذبين.

قال الإمام فخر الدين الرازي: في وقت نزول الآية كانت الحكاية عن قوم قريبي العهد بالإسلام في أول إيجاب التكليف وعن قوم مستديمي الكفر مستمرين عليه، فقال في حق الأوّلين ﴿ الذين صدقوا ﴾ بصيغة الفعل المنبئ عن التجدد، وقال في حق الآخرين ﴿ وليعلمن الكاذبين ﴾ بالصيغة المنبئة عن الثبات.

وإنما قال ﴿ يوم ينفع الصادقين صدقهم  ﴾ بلفظ اسم الفاعل لأن الصدق يومئذ قد يرسخ في قلوب المؤمنين بخلاف أوائل الإِسلام.

ثم بين بقوله ﴿ أم حسب الذين ﴾ الخ.

أن من كلف بشيء ولم يمتثل عذب في الحال وإلا يعذب في الاستقبال نظيره قوله ﴿ ولا تحسبن الذين كفروا سبقوا  ﴾ والحاصل أن الإمهال لا يوجب الإهمال، والتعجيل في جزاء الأعمال إنما يوجد ممن يخاف الفوت لولا الاستعجال.

ومعنى الإضراب أن هذا الحسبان أشنع من الحسبان الأول، لأن ذلك يقدر أنه لا يمتحن لإيمانه وهذا يظن أنه لا يجازى بمساويه ولهذا ختم الآية بقوله ﴿ ساء ما يحكمون ﴾ والمخصوص محذوف و"ما" موصولة أو مبهمة والتقدير: بئس الذي يحكمون حكمهم هذا، وبئس حكماً يحكمونه حكمهم هذا.

وفي الآية إبطال قول من ذهب إلى أن التكاليف إرشادات وإلا يعاد عليها ترغيب وترهيب ولا يوجب من الله تعذيب.

واعلم أن أصول الدين ثلاثة: معرفة المبدأ وأشار إليه بقوله ﴿ آمنا ﴾ ، ومعرفة الوسط وهو إرسال الرسل.

وإيضاح السبل وإليه أشار بقوله ﴿ وهم لا يفتنون ولقد فتنا ﴾ ومعرفة المعاد إما للأشقياء وهو قوله ﴿ الم أحسب ﴾ الآية وإما للسعداء وهو قوله ﴿ من كان يرجو ﴾ أي يأمل ﴿ لقاء ﴾ جزاء ﴿ الله فإن أجل الله لآت ﴾ فإن أراد بالأجل الموت ففيه إشارة إلى بقاء النفس بعد فراق البدن، فلولا البقاء لما حصل اللقاء كقولك: من كان يرجو الخير فإن السلطان واصل.

فإِنه لا يفهم منه إلا إيصال الخير بوصوله.

ومثله: من كان يرجو لقاء الملك فإن يوم الجمعة قريب.

إذا علم أنه يقعد للناس يوم الجمعة.

ويحتمل أن يراد بالأجل الوقت المضروب للحشر.

وقيل: يرجو بمعنى يخاف من قول الهذلي: إذا لسعته الدبر لم يرج لسعها *** ﴿ وهو السميع ﴾ لأقوال العباد صدقوا أم كذبوا ﴿ العليم ﴾ بنياتهم وطوياتهم وبسائر أعمالهم فيجازيهم بالمسموع ما لا أذن سمعت، وبالمرئي مالا عين رأت وبالنيات مالا خطر على قلب بشر.

ثم بين بقوله ﴿ ومن جاهد ﴾ الآية.

أن فائدة التكاليف والمجاهدات إنما ترجع إلى المكلف والله غني عن كل ذلك.

قال المتكلمون من الأشاعرة: في الآية دلالة على ان رعاية الأصلح لا تجب على الله وإلا كان مستكملاً بذلك، وأن أفعاله لا تعلل بغرض لأن ذلك خلاف الغني، وأنه ليس في مكان وإلا لزم افتقاره، وأنه ليس قادريته بقدرة ولا عالميته بعلم لأن القدرة والعلم غيره فيلزم افتقاره.

ويمكن أن يجاب عن الأول بأن وجوب صدور الأصلح عنه لمقتضى الحكمة لا يوجب الاستكمال.

وعن الثاني بأن استتباع الفائدة لا يوجب افتقار المفيد.

وعن الثالث أن استصحاب المكان غير الافتقار إليه.

وعن الرابع أن العالم هو ما يغاير ذات الله مع صفاته.

وفي الآية بشارة من وجه وإنذار من وجه آخر، وذلك أن الاستغناء عن الكل يوجب غناه عن تعذيب كل فاجر كما أنه يمكن أن يهلك كل صالح ولا شيء عليه إلا أنه رجح جانب البشارة بقوله ﴿ والذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴾ الآية وقد مر مراراً أن الإيمان في الشرع عبارة عن التصديق بجميع ما قال الله  وقال رسول الله  تفصيلاً فيما علم وإجمالاً فيما لم يعلم، والعمل الصالح هو الذي ندب الله ورسوله إليه، والفاسد ما نهى الله ورسوله  عنه.

وعند المعتزلة الأمر والنهي مترتب على الحسن والقبح.

ثم العمل الصالح باق لأنه في مقابلة الفاسد والفاسد هو الهالك التالف.

يقال: فسد الزرع إذا خرج عن حد الانتفاع.

ولكن العمل عرض لا يبقى بنفسه ولا بالعامل لأن كل شيء هالك إلا وجهه، فبقاؤه إنما يتصور إذا كان لوجه الله.

ومنه يعلم أن النية شرط في الأعمال الصالحة وهي كونها لله  .

وخالف زفر في نية الصوم وأبو حنيفة في نية الوضوء، وقد مر.

ثم إنه  ذكر في مقابلة الإيمان والعمل الصالح أمرين: تكفير السيئات والجزاء بالأحسن.

فتكفير السيئات في مقابلة الإيمان، والجزاء بالأحسن في مقابلة العمل الصالح، ومنه يعلم أن الإيمان يقتضي عدم الخلود في النار لأن الذي كفر سيئاته يدخل الجنة لا محالة، فالجزاء الأحسن يكون غير الجنة وهو مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، ولا يبعد أن يكون هو الرؤية عند من يقول بها.

وههنا بحث وهو أن قوله ﴿ لنكفرن ﴾ يستدعي وجود السيئات حتى تكفر، فالمراد بالذين آمنوا وعملوا إما قوم مسلمون مذنبون، وإما قوم مشركون آمنوا فحط الإيمان ما قبله.

أو يقال إن وعد الجميع بأشياء لا يستدعي وعد كل واحد بكل واحد من تلك الأشياء، نظيره قول الملك لقوم: إذا أطعتموني أكرم آباءكم وأحترم أبناءكم.

وهذا لا يقتضي أن يكرم آباء من توفي ابوه ويحترم ابن من لم يولد له ابن، ولكن مفهومه أنه يكرم آباء من له أب ويحترم ابن من له ابن.

أو يقال: ما من مكلف إلا وله سيئة حتى الأنبياء، فإن ترك الأولى بالنسبة إليهم سيئة بل حسنات الأبرار سيئات المقربين.

وحين بين حسن التكاليف ووقوعها وذكر ثواب من حقق التكاليف أصولها وفروعها اشار بقوله ﴿ ووصينا الإنسان ﴾ الآية إلى أنه لا دافع لهذه السيرة ولا مانع لهذه الطريقة فإن الإنسان إذا انقاد لأحد ينبغي أن ينقاد لأبويه، ومع هذا لو أمروه بالمعصية لا يجوز اتباعهم فكيف غيره؟

ومنه يعلم أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.

ومعنى ﴿ وصينا ﴾ أمرنا كما مر في قوله ﴿ ووصى بها إبراهيم  ﴾ وقوله ﴿ بوالديه ﴾ أي بتعهدهما ورعاية حقوقهما، وعلى هذا ينتصب ﴿ حسناً ﴾ بمضمر يدل عليه ما قبله أي أولهما حسناً أو افعل بهما حسناً كأنه قال: قلنا له ذلك وقلنا له ﴿ وإن جاهداك ﴾ إلى آخره فلو وقف على قوله ﴿ بوالديه ﴾ حسن ويجوز أن يراد وصيناه بإيتاء والديه حسناً وقلنا له ﴿ وإن جاهداك ﴾ وقوله ﴿ ما ليس لك به علم ﴾ كقوله ﴿ ما لم ينزل به عليكم سلطاناً  ﴾ أي لا معلوم ليتعلق العلم به.

وإذا كان التقليد في الإيمان قبيحاً فكيف يكون حال التقليد في الكفر.

وعلى وجوب ترك طاعة الوالدين إذا ارادا ولدهما على الإشراك دليل عقلي، وذلك أن طاعتهما وجبت بأمر الله فإذا نفيا طاعة الله في الإشراك به فقد أبطلا طاعة الله مطلقاً، ويلزم منه عدم لزوم طاعة الوالدين بأمر الله، وكل ما يفضي وجوده إلى عدمه فهو باطل.

فطاعة الوالدين في اتخاذ الشرك بالله من الممتنعات.

وفي قوله ﴿ إليّ مرجعكم ﴾ ترغيب في رعاية حقوق الوالدين وترهيب عن عقوقهما وإن كانا كافرين إلا في الدعاء إلى الشرك.

وفيه أن المجازي للمؤمن والمشرك إذا كان هو الله وحده فلا ينبغي أن يعق الوالدين لأجل كفرهما.

وفي قوله ﴿ فأنبئكم ﴾ دليل على أنه  عالم بالخفيات لا يعزب عنه شيء.

يروى أن سعد بن أبي وقاص الزهري حين اسلم قالت أمه وهي حمنة بنت أبي سفيان: يا سعد بلغني أنك قد صبأت، فوالله لا يظلني سقف بيت وإن الطعام والشراب عليّ حرام حتى تكفر بمحمد.

وكان أحب ولدها إليها فابى سعد وبقيت ثلاثة أيام كذلك فنزلت هذه الآية، فأمر رسول الله  سعداً أن يداريها ويرضيها بالإحسان.

ثم أكد جزاء من آمن وعمل صالحاً بتكرير قوله ﴿ والذين آمنوا وعملوا الصالحات لندخلنهم في الصالحين ﴾ اي في زمرتهم ﴿ وحسن أولئك رفيقاً  ﴾ قال الحكماء: أي في المجردين الذين لا كون لهم ولا فساد فيدخل فيه العلويات عندهم.

ثم بين حال أهل النفاق بعد تقرير حال أهل الكفر والوفاق فقال ﴿ ومن الناس من يقول آمنا بالله ﴾ يعني أنا والمؤمنون حقاً آمنا ادّعى أن إيمانه كإِيمانهم فأخبر أن إيمانه لا تحقيق له بدليل قوله ﴿ فإذا أوذي في الله ﴾ اي في سبيله ودينه ﴿ جعل فتنة الناس كعذاب الله ﴾ قال جار الله: أي جعل فتنة الناس صارفة عن الإيمان كما أن عذاب الله صارف للمؤمنين عن الكفر، وهذا على التوهم أو كما يجب أن يكون عذاب الله صارفاً وهذا في الواقع.

وقيل: جزعوا من عذاب الناس كما جزعوا من عذاب الله.

وبالجملة معناه أنهم جعلوا فتنة الناس مع ضعفها وانقطاعها كعذاب الله الأليم الدائم حتى تردّدوا في الأمر وقالوا: إن آمنا نتعرض للتأذي من الناس، وذلك أنهم كانوا يمسهم أذى من الكفار، وإن تركنا الإِيمان نتعرض لما توعدنا به محمد فاختاروا الاحتراز عن التعرض العاجل ونافقوا.

وإنما قال ﴿ فتنة الناس ﴾ ولم يقل "عذاب الناس" لأن فعل العبد ابتلاء من الله.

وليس في الاية منع من إظهار كلمة الكفر إكراهاً، وإنما المنع من إظهارها مع مواطأة القلب التي كانوا عليها.

ومما يؤكد تذبذبهم قوله ﴿ ولئن جاء نصر من ربك ﴾ ويلزمه الغنيمة غالباً ﴿ ليقولن إنا كنا معكم ﴾ يعني دأب المنافق أنه إذا رأى اليد للكافر أظهر ما أضمر من الكفر، وإن كان النصر للمؤمن أضمر ما أضمر وأظهر المعية وادّعى التبعية.

وفي تخصيص اسم الرب بالمقام إشارة إلى أن التوبة والرحمة هي التي أوجبت النصر.

ثم أخبر أنه  أعلم بما في صدور العالمين منهم بما في صدورهم، لأنه خبير بما بأنفسهم كما هي وهم لا يعرفون نفوسهم كما هي، فالتلبيس لا يفيد المنافق بالنسبة إلى الله شيئاً لأنه لا يجوز عليه الالتباس دليله قوله ﴿ وليعلمنّ الله الذين آمنوا وليعلمنّ المنافقين ﴾ وفيه وعد للمؤمنين ووعيد للمنافقين.

اعتبر أمر القلب ههنا وهو في المؤمن التصديق، وفي المنافق النفاق، واعتبر في أول السورة أمر اللسان وهو في الكافر الكذب لأنه يقول: الله غير موجود، أو الله أكثر من واحد.

وفي المؤمن الصدق لأنه يقول: الله واحد.

وحين بين أحوال الفرق الثلاثة وذكر أن الكافر يدعو من يقول آمنت إلى الكفر بالفتنة، وبين أن عذاب الله فوقها وكان للكافر أن يقول للمؤمن لم تصبر في الذل على الإيذاء ولم لا تدفع الذل والعذاب عن نفسك بموافقتنا، وكان جواب المؤمن أن يقول خوفاً من عذاب الله خطيئة مذهبكم فقالوا: لا خطيئة فيه، وإن كان فيه خطيئة فعلينا، اشار إلى جميع ذلك قوله ﴿ وقال الذين كفروا للذين آمنوا اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم ﴾ أرادوا وليجتمع هذا الأمران في الحصول أن تتبعوا طريقتنا وأن نحمل خطاياكم، نظيره "ليكن منك العطاء وليكن مني الدعاء" وليس هو في الحقيقة أمر طلب وإيجاب ولكنه حكاية قول صناديد قريش.

كانوا يقولون لمن آمن منهم: لا نبعث نحن ولا أنتم فإِن عسى كان جزاء ومعاد فإنا نتحمل عنكم الإثم.

وترى نظيره في الإسلام يشجع أحدهم أخاه على ارتكاب بعض المآثم فيقول: افعل هذا وإثمه عليّ، وكم من مغرور بمثل هذا الضمان.

ثم أخبر الله  عنهم بأنهم لا يحملون شيئاً من خطاياهم، ولا ريب أن هذا مخالف لما زعموا من أنهم يحملون أوزارهم فلهذا حكم الله عليهم بأنهم كاذبون.

ويجوز أن يكونوا كاذبين لأنهم وعدوا وفي قلوبهم نية الخلف.

ولا حاجة في توجيه تسميتهم كاذبين إلى التشبيه الذي ذكره في الكشاف.

أما الجمع بين قوله ﴿ وما هم بحاملين ﴾ وبين قوله ﴿ وليحملن أثقالهم وأثقالاً مع أثقالهم ﴾ فهو أن النفي راجع إلى الحمل الذي يخفف عن صاحبه بسببه، والإثبات يرجع إلى انهم يحملون وزر الإضلال ووزر الضلال مع أن أتباعهم حاملون وزر الضلال كما قال عليه الصلاة والسلام "من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها من غير أن ينقص من وزره شيء" قال ﴿ وليسئلن ﴾ سؤال تقريع ﴿ يوم القيمة عما كانوا يفترون ﴾ من أنه لا حشر، وعلى تقدير وجوده يحملون خطايا التابعين.

ثم أجمل قصة نوح ومن بعده تصديقاً لقوله في أول السورة ﴿ ولقد فتنا الذين من قبلهم ﴾ وفيه تثبيت للنبي عليه الصلاة والسلام كأنه قيل له: إن نوحاً لبث الف سنة تقريباً يدعو قومه ولم يؤمن منهم إلا قليل، فأنت أولى بالصبر لقلة مدة لبثك وكثرة عدد أمتك، وفيه تحذير لكفار قريش فإن أولئك الكفار ما نجوا من العذاب مع تلك الأعمار الطوال، فهؤلاء كيف يسلمون أم كيف يغترون؟

سؤال: ما الفائدة في قوله ﴿ ألف سنة إلا خمسين عاماً ﴾ دون أن يقول: تسعمائة وخمسين.

الجواب: لأن العبارة الثانية تحتمل التجويز والتقريب.

فإن من قال: عاش فلان ألف سنة يمكن أن يتوهم أنه يدعي ذلك تقريباً لا تحقيقاً.

فإذا قال: إلا شهراً أو إلا سنة، زال ذلك الوهم.

وأيضاً المقصود تثبيت النبي  ، وذكر الألف الذي هو عقد معتبر أوصل إلى هذا الغرض.

وإنما جاء بالمميز في المستثنى مخالفاً لما في المستثنى منه تجنباً من التكرار الخالي عن الفائدة وتوسعة في الكلام.

قال بعض الأطباء: العمر الطبيعي للإِنسان مائة وعشرون سنة.

فاعترضوا عليهم بعمر نوح  وغيره، وذلك أن المفسرين قالوا: عمر نوح الفاً وخمسين سنة بعث على رأس أربعين، ولبث في قومه تسعمائة وخمسين، وعاش بعد الطوفان ستين.

وعن وهب أنه عاش ألفاً واربعمائة سنة.

ويمكن أن يقال: إنهم ارادوا بالطبيعي ما كان أكثرياً في أعصارهم.

ولا ينافي هذا كون بعض الأعمار زائداً على هذا القدر بطريق خرق العادة على أن العادة قد تختلف باختلاف الأعصار والأدوار، ولهذا قال  "أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين" والطوفان ما عم كل المكان بكثرة وغلبة من سيل أو ظلام ليل.

وفي قوله ﴿ وهم ظالمون ﴾ دليل على أن العذاب أخذهم وهم مصرون على الظلم ولو كانوا قد تركوه لما أهلكهم.

والضمير في قوله ﴿ وجعلناها ﴾ إما للحادثة أو للقصة أو للسفينة.

وأعاجيب هذه القصة وأحوال السفينة وأهوالها قد تقدّمت مراراً ولا ريب أنها آيات يجب أن يستدل بها على موجدها.

التأويل: أقسم بفردانيته وبآلائه ونعمائه أنه مهما يكون من العبد التقرب إليه بأصناف العبودية يكون منه التقرب إلى العبد بالطاف الربوبية يؤكده قوله ﴿ أحسب الناس ﴾ أي الناسون من أهل البطالة أن يتركوار بمجرد الدعوى ولا يطالبون بالبلوى، فالمحبة والمحنة توأمان وبالامتحان يكرم الرجل أو يهان، فمن زاد قدر معناه زاد قدر بلواه.

فالبلاء للنفوس لإخراجها عن أوطان الكسل وتصريفها في حسن العمل، والبلاء على القلوب لتصفيتها من شين الرين لقبول نقوش الغيب، والبلاء على الأرواح لتجردها بالبوائق عن العلائق، والبلاء على الأسرار في اعتكافها في مشاهدة الكشف بالصبر على آثار التجلي إلى أن تصير مستهلكة فيه بإفنائه، وإن أشدّ الفتن حفظ وجود التوحيد لئلا يجري عليه نكر في أوقات غلبات شواهد الحق فيظن أنه هو الحق لا يدري أنه من الحق ولا يقال: إنه الحق وعزيز من يهتدي إلى ذلك ﴿ أم حسب الذين ﴾ فيه أن موجبات عمل السيئات سواد مرآة القلوب بصدأ الحسبان ورين الكفران ليتوهموا ﴿ أن يسبقونا ﴾ بالعدوان عن طريق سنتنا في الانتقام من أهل الحال والإجرام.

﴿ ساء ما يحكمون ﴾ بالنجاة عن الدركات باتباع الشهوات هيهات هيهات.

﴿ من كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لآت ﴾ فإن من رجى عمره في رجاء لقائنا فهو الذي نبيح له النظر إلى جمالنا ﴿ وهو السميع ﴾ لأنين المشتاقين العليم بطويات الصادقين.

ومن جاهد بالسعي في طلبنا فإنما يجاهد لنفسه لأنها بالتخلية عن الأخلاق الذميمة وبالتحلية بالصفات الحميدة تخلص عن الإمارية وتستأهل للمطمئنية فتستحق لجذبة ﴿ ارجعي إلى ربك  ﴾ والذين آمنت قلوبهم بمحبتنا ﴿ وعملوا الصالحات ﴾ ببذل الوجود في طلب جودنا ﴿ لنكفرن عنهم ﴾ سيئات وجودهم المجازي ﴿ ولنجزينهم ﴾ وجوداً حقيقياً أحسن منه ﴿ وإن جاهداك لتشرك بي ﴾ فيه إشارة إلى أن المريد إذا تمسك بذيل شيخ كامل وتوجه إلى الحضرة بعزيمة من عزائم الرجال فإن منعه الوالدان عن ذلك فعليه أن لا يطيعهما لأنه سبب ولادته في عالم الأرواح وهما سبب ولادته في عالم الاشباح كما قال عيسى  : لن يلج ملكوت السموات والأرض من لم يولد مرتين.

فهو احق برعاية الحقوق منهما.

﴿ جعل فتنة الناس كعذاب الله ﴾ فيه أن المؤمن من كف الأذى والولي من يتحمل من الخلق الأذى ولا تترشح عنه الشكوى من البلوى كالأرض يلقى عليها كل قبيح فينبت منها كل مليح.

والمنافق إذا لم يكن في حماية خشية الله يفترسه خوف الخلق إذا أوذي في الله.

﴿ وقال الذين كفروا ﴾ فيه أن كافر النفس وصفاته يقولون بلسان الطبيعة الإنسانية لموسى القلب والسر والروح وصفاتهم ﴿ اتبعوا سبيلنا ﴾ في طلب الشهوات الحيوانية ﴿ ولنحمل خطاياكم ﴾ أي ندفع عنكم ضرر ما يرجع إليكم في متابعة شهوات الدنيا وطيباتها ﴿ وما هم بحاملين ﴾ شيئاً ﴿ من خطاياهم ﴾ وهو العمى والصمم والبكم وسائر الصفات النفسانية، ولكن يحملون أثقالهم هذه الأوقات مع الآفات التي تختص بها والله أعلم بالصواب.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَىٰ قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عَاماً ﴾ : يذكر هذا النبأ لوجهين: أحدهما: يصبر رسوله على أذى قومه؛ لأنه ذكر أن نوحاً لبث في قومه ألف عام غير خمسين عاما، كان يدعوهم إلى توحيد الله، فلم يجبه إلا نفر من أهله؛ فلم يمنعه من الدعاء إلى دين الله ما أوعدوه من المواعيد حيث قالوا: ﴿ لَئِنْ لَّمْ تَنْتَهِ يٰنُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمَرْجُومِينَ  ﴾ ونحو ذلك من المواعيد، فذلك لم يمنعه عن الدعاء؛ ولذلك قال: ﴿ فَٱصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ ٱلْعَزْمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ  ﴾ .

والثاني: ينقض على المتقشفة مذهبهم؛ لأنهم يقولون: إن الموعظة إنما لا تنجع في الموعوظين لتفريط الواعظ وترك استعمال نفسه ذلك، فيقال: إن نوحاً قد دعا قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً، فلم يجبه إلا نفر؛ فلا يحتمل أن يكون منه تقصير أو تفريط؛ فدل أنها لا تنجع ربما لشقاوة الموعوظ.

وقوله: ﴿ فَأَخَذَهُمُ ٱلطُّوفَانُ ﴾ : قال بعضهم: هو المطر الشديد.

وجائز أن يكون الطوفان كل بلاء فيه الهلاك.

والطوفان هو ما أرسل عليهم من الماء فأغرقهم، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فأَنْجَيْناهُ ﴾ أي: نوحاً، ﴿ وأَصْحَابَ ٱلسَّفِينَةِ ﴾ أي: من دخل السفينة، ﴿ وَجَعَلْنَاهَآ آيَةً لِّلْعَالَمِينَ ﴾ قال بعضهم: جعلها آية: هو أن هلكت كل سفينة كانت، وهي باقية اليوم على ما هي عليه.

وقال بعضهم: ﴿ وَجَعَلْنَاهَآ آيَةً ﴾ لمن بعدهم، فتمنعهم عن تكذيب الرسل والعناد معهم.

قال الزجاج: الاستثناء يخرج على تأكيد ما تقدم من الكلام؛ كذكر الكل على أثر ما تقدم من الكلام، أو كلام نحوه.

وقلنا نحن: إن كان ما تقدم من الذكر كافياً تامّاً، فيخرج الثنيا على أثره مخرج التأكيد لما تقدم؛ نحو قوله: ﴿ إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إِلَىٰ قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ  إِلاَّ آلَ لُوطٍ إِنَّا  ﴾ ، قوله: ﴿ إِلَىٰ قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ ﴾ كافٍ تام مفهوم ألاَّ يدخل فيه آل لوط حيث ذكر المجرم؛ إذ آله غير مجرمين، فهو كاف مفهوم لا يحتاج إلى ذكر آل لوط، لكنه ذكر على التأكيد له.

وكذلك قوله: ﴿ مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَٰفِحِينَ  ﴾ و ﴿ مُحْصَنَٰتٍ غَيْرَ مُسَٰفِحَٰتٍ  ﴾ ؛ إذا قال: محصنين: يفهم أنهن غير مسافحات ولا متخذات أخدان، لكنه ذكر على التأكيد.

وإذا كان ما تقدم من الكلام محتملا مرسلا، فيخرج ذكر الثنيا مخرج تحصيل المراد منه على إضمار حرف "مِن" فيه؛ كقوله: ﴿ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عَاماً ﴾ كأنه قال: فلبث فيهم من ألف سنة تسعمائة وخمسين؛ وكذلك قول الناس لفلان: عليّ عشرة دراهم إلا كذا، كأنه قال: لفلان علي من عشرة دراهم كذا، فهو على التحصيل يخرج ذكره.

وقال بعضهم: الطوفان كل ماء طافٍ فاشٍ من سبيل أو غيره؛ وكذلك الموت الجارف يسمى الطوفان وماء الطوفان، وهو ما ذكر في سورة الأعراف.

وقال بعضهم: هو الغرق، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ ﴾ : هو نسق على قوله: ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَىٰ قَوْمِهِ ﴾ ، وأرسلنا إبراهيم أيضاً إلى قومه.

أو أن يكون نسقاً على قوله: ﴿ فأَنْجَيْناهُ وأَصْحَابَ ٱلسَّفِينَةِ ﴾ ، وأنجينا إبراهيم أيضاً حين ألقي في النار.

أو يقال: اذكر إبراهيم إذ قال لقومه: اعبدوا الله.

وقوله: ﴿ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱتَّقُوهُ ﴾ : يحتمل في حق الاعتقاد، أي: وحدوا الله.

وقوله: ﴿ وَٱتَّقُوهُ ﴾ : الشرك.

ويحتمل قوله: ﴿ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ ﴾ في حق المعاملة، أي: إليه اصرفوا العبادة، ﴿ وَٱتَّقُوهُ ﴾ أي: اتقوا عبادة من تعبدون من الأوثان؛ يكون قوله: اتقوا في موضع النهي، أي: اعبدوا الله ووحدوه ولا تعبدوا غيره؛ يكون فيه نهي عن مخالفة ما تقدم من الأمر: افعلوا كذا، واتقوا ما يضاده ويخالفه، والله أعلم.

وقوله: ﴿ ذٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ ﴾ أي: عبادة الله خير لكم.

وقوله: ﴿ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ يحتمل قوله: ﴿ إِن ﴾ إذا كنتم تعلمون: أن ذلك خير لكم، وجائز ذكر (إن) مكان (إذ) في اللغة.

أو يكون صلة قوله: ﴿ ذٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ .

وقوله: ﴿ إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوْثَاناً وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً ﴾ أي: تخلقون كذبا في تسميتكم الأوثان آلهة معبودين، أي: ليسوا بآلهة ولا معبودين.

أو يقال: ﴿ وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً ﴾ ، أي: كذباً في صرف عبادتكم إليها واستحقاق العبادة، أي: لا يستحقون العبادة، إنما المستحق للعبادة دون من تعبدون.

وقال بعضهم: أي: جعلتم كذباً من الآلهة لا حقّاً؛ وهو قريب مما ذكرنا.

ثم بيّن سفههم في صرف العبادة إلى الأصنام وعجزها عمن يعبدها حيث قال: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لاَ يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً ﴾ : يقول - والله أعلم -: إن في الشاهد لا يخدم أحد أحداً إلا لما يأمل من النفع له بالخدمة، أو لسابقة إحسان كان منه إليه، فالأصنام التي تعبدونها لا يملكون أن يرزقوكم ولا ينفعوكم، ولا كان منها إليكم سابقة صنع، فكيف تعبدونها؟!

وقوله: ﴿ فَٱبْتَغُواْ عِندَ ٱللَّهِ ٱلرِّزْقَ ﴾ أي: اعبدوا الله الذي يرزقكم وينفعكم ويملك ذلك لكم، واتركوا عبادة من لا يملك ذلك.

﴿ وَٱعْبُدُوهُ ﴾ : يحتمل الوجهين اللذين ذكرناهما فيما تقدم: التوحيد، والعبادة.

وقوله: ﴿ وَٱشْكُرُواْ لَهُ ﴾ أي: اشكروا له فيما أنعم عليكم.

﴿ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ .

وقوله: ﴿ وَإِن تُكَذِّبُواْ فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِّن قَبْلِكُمْ ﴾ : هذا يحتمل وجهين: أحدهما: وإن يكذبوك فيما تخبر من نبأ إبراهيم، فقد كذب أمم من قبلك رسلهم فيما أخبروا عن إبراهيم بعد انتساب كل فريق منهم إليه، وادعائه نحلته ومذهبه.

والثاني: وإن يكذبوك فيما تبلغ إليهم من الرسالة، فقد كذب أمم من قبلك رسلهم في تبليغ الرسالة، وما على الرسول إلا البلاغ المبين، يبين لهم أنها رسالة ربهم بالحجج والبراهين والآيات، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

فأنقذنا نوحًا ومن معه من المؤمنين في السفينة من الهلاك بالغرق، وجعلنا السفينة عبرة للناس يعتبرون بها.

<div class="verse-tafsir" id="91.zW8GJ"

مزيد من التفاسير لسورة العنكبوت

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.8 / 29.5
الإضاءة 24%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده