الآية ١٧ من سورة العنكبوت

الإسلام > القرآن > سور > سورة 29 العنكبوت > الآية ١٧ من سورة العنكبوت

إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوْثَـٰنًۭا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا ۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًۭا فَٱبْتَغُوا۟ عِندَ ٱللَّهِ ٱلرِّزْقَ وَٱعْبُدُوهُ وَٱشْكُرُوا۟ لَهُۥٓ ۖ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ١٧

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 66 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٧ من سورة العنكبوت: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٧ من سورة العنكبوت عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ثم أخبرهم أن الأصنام التي يعبدونها والأوثان ، لا تضر ولا تنفع ، وإنما اختلقتم أنتم لها أسماء ، سميتموها آلهة ، وإنما هي مخلوقة مثلكم .

هكذا روى العوفي عن ابن عباس .

وبه قال مجاهد ، والسدي .

وروى الوالبي ، عن ابن عباس : وتصنعون إفكا ، أي : تنحتونها أصناما .

وبه قال مجاهد - في رواية - وعكرمة ، والحسن ، وقتادة وغيرهم ، واختاره ابن جرير ، رحمه الله .

وهي لا تملك لكم رزقا ، ( فابتغوا عند الله الرزق ) وهذا أبلغ في الحصر ، كقوله : ( إياك نعبد وإياك نستعين ) [ الفاتحة : 5 ] ، ( رب ابن لي عندك بيتا في الجنة ) [ التحريم : 11 ] ، ولهذا قال : ( فابتغوا ) أي : فاطلبوا ( عند الله الرزق ) أي : لا عند غيره ، فإن غيره لا يملك شيئا ، ( واعبدوه واشكروا له ) أي : كلوا من رزقه واعبدوه وحده ، واشكروا له على ما أنعم به عليكم ، ( إليه ترجعون ) أي : يوم القيامة ، فيجازي كل عامل بعمله .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (17) يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل خليله إبراهيم لقومه: إنما تعبدون أيها القوم من دون الله أوثانا، يعني مُثُلا.

كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال ثنا سعيد، عن قَتادة، قوله: ( إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا ) أصناما.

واختلف أهل التأويل في تأويل قوله: ( وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا ) فقال بعضهم: معناه: &; 20-19 &; وتصنعون كذبا.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله: ( وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا ) يقول: تصنعون كذبا.

وقال آخرون: وتقولون كذبا.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ( وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا ) يقول: وتقولون إفكا.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ( وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا ) يقول: تقولون كذبا.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: وتنحِتون إفكا.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن عطاء الخراسانيّ، عن ابن عباس قوله: ( وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا ) قال: تنحِتون تصوّرون إفكا.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة ( وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا ) أي: تصنعون أصنامًا.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ( وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا ) الأوثان التي ينحتونها بأيديهم.

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: معناه: وتصنعون كذبًا.

وقد بيَّنا معنى الخلق فيما مضى بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.

فتأويل الكلام إذن: إنما تعبدون من دون الله أوثانا، وتصنعون كذبا وباطلا.

وإنما في قوله: (1) (إفْكًا) مردود على إنما، كقول القائل: إنما تفعلون كذا، وإنما تفعلون كذا.

وقرأ جميع قرّاء الأمصار: ( وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا ) بتخفيف الخاء من قوله: (وَتَخْلُقُونَ) وَضَمَّ اللام: من الخَلْق.

وذُكر عن أبي عبد الرحمن السُلميّ أنه قرأ ( وَتَخَلِّقُونَ إِفْكًا ) بفتح الخاء وتشديد اللام، من التخليق.

والصواب من القراءة في ذلك عندنا ما عليه قرّاء الأمصار، لإجماع الحجة من القرّاء عليه.

وقوله: ( إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا ) يقول جلّ ثناؤه: إن أوثانكم التي تعبدونها، لا تقدر أن ترزقكم شيئا( فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ ) يقول: فالتمسوا عند الله الرزق لا من عند أوثانكم، تدركوا ما تبتغون من ذلك (وَاعْبُدُوهُ) يقول: وذلوا له (وَاشْكُرُوا لهُ) على رزقه إياكم، ونعمه التي أنعمها عليكم، يقال: شكرته وشكرتُ له، أفصح من شكرته.

وقوله: (إلَيْهِ تُرْجَعُونَ) يقول: إلى الله تُرَدّون من بعد مماتكم، فيسألكم عما أنتم عليه من عبادتكم غيره وأنتم عباده وخلقه، وفي نعمه تتقلَّبون، ورزقه تأكلون.

--------------------- الهوامش : الهوامش: (1) لعل مراده: وإنما المقدرة في قوله إفكًا: مردود ..

إلخ، والمقصود منه واضح.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : إنما تعبدون من دون الله أوثانا أي أصناما .

قال أبو عبيدة : الصنم ما يتخذ من ذهب أو فضة أو نحاس ، والوثن ما يتخذ من جص أو حجارة .

الجوهري : الوثن : الصنم ، والجمع وثن وأوثان ، مثل أسد وآساد وتخلقون إفكا قال الحسن : معنى ( تخلقون ) : تنحتون ، فالمعنى : إنما تعبدون أوثانا وأنتم تصنعونها .

وقال مجاهد : الإفك : الكذب ، والمعنى : تعبدون الأوثان وتخلقون الكذب .

وقرأ أبو عبد الرحمن : ( وتخلقون ) وقرئ : ( تخلقون ) بمعنى التكثير من ( خلق ) و ( تخلقون ) من تخلق بمعنى تكذب وتخرص وقرئ : ( أفكا ) وفيه وجهان : أن يكون مصدرا نحو : كذب ولعب .

والإفك مخففا منه كالكذب واللعب ، وأن يكون صفة على ( فعل ) أي خلقا أفكا أي ذا إفك وباطل و ( أوثانا ) نصب ب ( تعبدون ) و ( ما ) كافة .

ويجوز في غير القرآن رفع ( أوثان ) على أن تجعل ( ما ) اسما ; لأن ( تعبدون ) صلته ، وحذفت الهاء لطول الاسم وجعل ( أوثانا ) خبر ( إن ) .

فأما وتخلقون إفكا فهو منصوب بالفعل لا غير .

وكذا لا يملكون لكم رزقا فابتغوا عند الله الرزق أي اصرفوا رغبتكم في أرزاقكم إلى الله فإياه فاسألوه وحده دون غيره .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

فلما أمرهم بعبادة الله وتقواه، نهاهم عن عبادة الأصنام، وبيَّن لهم نقصها وعدم استحقاقها للعبودية، فقال: { إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا } تنحتونها وتخلقونها بأيديكم، وتخلقون لها أسماء الآلهة، وتختلقون الكذب بالأمر بعبادتها والتمسك بذلك، { إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ } في نقصه، وأنه ليس فيه ما يدعو إلى عبادته، { لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا } فكأنه قيل: قد بان لنا أن هذه الأوثان مخلوقة ناقصة، لا تملك نفعا ولا ضرا، ولا موتا ولا حياة ولا نشورا، وأن من هذا وصفه، لا يستحق أدنى أدنى أدنى مثقال مثقال مثقال ذرة من العبادة والتأله، والقلوب لا بد أن تطلب معبودا تألهه وتسأله حوائجها، فقال -حاثا لهم على من يستحق العبادة- { فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ } فإنه هو الميسر له، المقدر، المجيب لدعوة من دعاه في أمر دينه ودنياه { وَاعْبُدُوهُ } وحده لا شريك له، لكونه الكامل النافع الضار، المتفرد بالتدبير، { وَاشْكُرُوا لَهُ } وحده، لكون جميع ما وصل ويصل إلى الخلق من النعم فمنه، وجميع ما اندفع ويندفع من النقم عنهم فهو الدافع لها.

{ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } يجازيكم على ما عملتم، وينبئكم بما أسررتم وأعلنتم، فاحذروا القدوم عليه وأنتم على شرككم، وارغبوا فيما يقربكم إليه، ويثيبكم -عند القدوم- عليه.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( إنما تعبدون من دون الله أوثانا ) أصناما ( وتخلقون إفكا ) تقولون كذبا .

قال مجاهد : تصنعون أصناما بأيدكم فتسمونها آلهة ( إن الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم رزقا ) لا يقدرون أن يرزقوكم ) ( فابتغوا ) فاطلبوا ( عند الله الرزق واعبدوه واشكروا له إليه ترجعون )

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«إنما تعبدون من دون الله» أي غيره «أوثاناً وتخلقون إفكا» تقولون كذباً إن الأوثان شركاء الله «إن الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم رزقا» لا يقدرون أن يرزقوكم «فابتغوا عند الله الرزق» اطلبوه منه «واعبدوه واشكروا له إليه ترجعون».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ما تعبدون -أيها القوم- مِن دون الله إلا أصنامًا، وتفترون كذبًا بتسميتكم إياها آلهة، إنَّ أوثانكم التي تعبدونها من دون الله لا تقدر أن ترزقكم شيئًا، فالتمسوا عند الله الرزق لا من عند أوثانكم، وأخلصوا له العبادة والشكر على رزقه إياكم، إلى الله تُردُّون من بعد مماتكم، فيجازيكم على ما عملتم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بعد ذلك نفرهم من فساد ما هم عليه من باطل ، فقال كما حكى القرآن عنه : ( إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله أَوْثَاناً وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً .

.

.

) .والأوثان : جمع وثن .

وتطلق الأوثان على التماثيل والأصنام التى كانوا يصنعونها بأديهم من الحجارة أو ما يشبهها ، ثم يعبدونها من دون الله - تعالى - .وقوله : ( وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً ) أى : وتكذبون كذاب واضحا ، حيث سميتم هذه الأوثان آلهة ، مع أنها لا تضر ولا تفنع ، ولا تغنى عنكم ولا عن نفسها شيئا .أو يكون قوله ( وَتَخْلُقُونَ ) بمعنى وتصنعون وتنحتون .

أى : وتصنعون بأديكم هذه الأوثان صنعا ، من أجل الإِفك والكذب والانصراف عن كل ما هو حق إلى كل ما هو باطل .ثم بين لهم تفاهة هذه الأوثان فقال : ( إِنَّ الذين تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله ) من أوثان وأصنام ( لاَ يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً ) أى : لا يملكون لكم شيئا من الرزق حتى ولو كان غاية فى القلة .وما دام الأمر كذلك : ( فابتغوا عِندَ الله ) - تعالى - وحده ( الرزق ) الذى يكفيكم ويغنيكم ( واعبدوه ) وحده - سبحانه - ( واشكروا لَهُ ) نعماءه ومننه وعطاياه .فأنتم وجميع الخلق ( إِلَيْهِ ) وحده ( تُرْجَعُونَ ) لا إلى غيره ، فيجازيكم على أعمالكم وهكذا نرى إبراهيم - عليه السلام - قد سلك فى دعوته قومه إلى الحق أبلغ الأساليب وأحكمها ، حيث أمرهم بعبادة الله وتقواه ، وبين لهم منافع ذلك ، وحرضهم على سلوك طريق العلم لا طريق الجهل ، ونفرهم من عبادة الأوثان ، حيث بين لهم تفاهتها وحقارتها وعجزها ، وحضهم على طلب الرزق ممن يملكه وهو الله - عز وجل - الذى إليه المرجع والمآب .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

ثم قال تعالى: ﴿ إنما تعبدون من دون الله أوثانا وتخلقون إفكاً ﴾ .

ذكر بطلان مذهبهم بأبلغ الوجوه، وذلك لأن المعبود إنما يعبد لأحد أمور، إما لكونه مستحقاً للعبادة بذاته كالعبد يخدم سيده الذي اشتراه سواء أطعمه من الجوع أو منعه من الهجوع، وإما لكونه نافعاً في الحال كمن يخدم غيره لخير يوصله إليه كالمستخدم بأجرة، وإما لكونه نافعاً في المستقبل كمن يخدم غيره متوقعاً منه أمراً في المستقبل، وإما لكونه خائفاً منه.

فقال إبراهيم: ﴿ إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله أوثانا ﴾ إشارة إلى أنها لا تستحق العبادة لذاتها لكونها أوثاناً لا شرف لها.

قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الذين تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله لاَ يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً فابتغوا عِندَ الله الرزق واعبدوه واشكروا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ .

إشارة إلى عدم المنفعة في الحال وفي المآل، وهذا لأن النفع، إما في الوجود، وإما في البقاء لكن ليس منهم نفع في الوجود، لأن وجودهم منكم حيث تخلقونها وتنحتونها، ولا نفع في البقاء لأن ذلك بالرزق، وليس منهم ذلك، ثم بين أن ذلك كله حاصل من الله فقال: ﴿ فابتغوا عِندَ الله الرزق ﴾ فقوله: ﴿ الله ﴾ إشارة إلى استحقاق عبوديته لذاته وقوله: ﴿ الرزق ﴾ إشارة إلى حصول النفع منه عاجلاً وآجلاً وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قال: ﴿ لاَ يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً ﴾ نكرة، وقال: ﴿ فابتغوا عِندَ الله الرزق ﴾ معرفاً فما الفائدة؟

فنقول قال الزمخشري قال: ﴿ لاَ يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً ﴾ نكرة في معرض النفي أي لا رزق عندهم أصلاً، وقال معرفة عند الإثبات عند الله أي كل الرزق عنده فاطلبوه منه، وفيه وجه آخر وهو أن الرزق من الله معروف بقوله: ﴿ وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الأرض إِلاَّ عَلَى الله رِزْقُهَا  ﴾ والرزق من الأوثان غير معلوم فقال: ﴿ لاَ يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً ﴾ لعدم حصول العلم به وقال: ﴿ فابتغوا عِندَ الله الرزق ﴾ الموعود به، ثم قال: ﴿ فاعبدوه ﴾ أي اعبدوه لكونه مستحقاً للعبادة لذاته واشكروا له أي لكونه سابق النعم بالخلق وواصلها بالرزق ﴿ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ أي اعبدوه لكونه مرجعاً منه يتوقع الخير لا غير.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

نصب ﴿ إِبْرَاهِيمَ ﴾ بإضمار اذكر، وأبدل عنه ﴿ إِذْ ﴾ بدل الاشتمال؛ لأنّ الأحيان تشتمل على ما فيها.

أو هو معطوف على ﴿ نُوحاً ﴾ وإذ ظرف لأرسلنا، يعني: أرسلناه حين بلغ من السنّ والعلم مبلغاً صلح فيه لأن يعظ قومه وينصحهم ويعرض عليهم الحق ويأمرهم بالعبادة والتقوى وقرأ إبراهيم النخعي وأبو حنيفة رحمهما الله.

(وإبراهيم)، بالرفع على معنى: ومن المرسلين إبراهيم ﴿ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ يعني: إن كان فيكم علم بما هو خير لكم مما هو شر لكم.

أو إن نظرتم بعين الدراية المبصرة دون عين الجهل العمياء: علمتم أنه خير لكم وقرئ: ﴿ تخلقون من خلق ﴾ بمعنى التكثير في خلق.

وتخلقون، من تخلق بمعنى تكذب وتخرص.

وقرئ: ﴿ إفكاً ﴾ ، و فيه وجهان: أن يكون مصدراً، نحو: كذب ولعب.

والإفك: مخفف منه، كالكذب واللعب من أصلهما، وأن يكون صفة على فعل، أي خلقاً إفكا، أي ذا إفك وباطل.

واختلاقهم الإفك: تسميتهم الأوثان آلهة وشركاء لله أو شفعاء إليه.

أو سمى الأصنام: إفكا، وعملهم لها ونحتهم: خلقاً للإفك.

فإن قلت: لم نكر الرزق ثم عرفه؟

قلت: لأنه أراد لا يستطيعون أن يرزقوكم شيئاً من الرزق، فابتغوا عند الله الرزق كله.

فإنه هو الرزاق وحده لا يرزق غيره ﴿ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ وقرئ: بفتح التاء، فاستعدوا للقائه بعبادته والشكر له على أنعمه، وإن تكذبونني فلا تضرونني بتكذيبكم، فإنّ الرسل قبلي قد كذبتهم أممهم، وما ضرّوهم وإنما ضروا أنفسهم، حيث حلّ بهم ما حل بسبب تكذيب الرسل: وأما الرسول فقد تم أمره حين بلغ البلاغ المبين الذي زال معه الشكّ، وهو اقترانه بآيات الله ومعجزاته.

أو: وإن كنت مكذباً فيما بينكم فلي في سائر الأنبياء أسوة وسلوة حيث كذبوا، وعلى الرسول أن يبلغ وما عليه أن يصدق ولا يكذب، وهذه الآية والآيات التي بعدها إلى قوله: ﴿ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ ﴾ محتملة أن تكون من جملة قول إبراهيم صلوات الله عليه لقومه، وأن تكون آيات وقعت معترضة في شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم وشأن قريش بين أوّل قصة إبراهيم وآخرها.

فإن قلت: إذا كانت من قول إبراهيم فما المراد بالأمم قبله؟

قلت: قوم شيث وإدريس ونوح وغيرهم، وكفى بقوم نوح أمّة في معنى أمم جمة مكذبة، ولقد عاش إدريس ونوح وغيرهم، وكفى بقوم نوح أمّة في معنى أمم جمة مكذبة، ولقد عاش إدريس ألف سنة في قومه إلى أن رفع إلى السماء.

وآمن به ألف إنسان منهم على عدد سنيه، وأعقابهم على التكذيب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَإبْراهِيمَ ﴾ عُطِفَ عَلى ( نُوحًا ) أوْ نُصِبَ بِإضْمارِ اذْكُرْ، وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى تَقْدِيرِ ومِنَ المُرْسَلِينَ إبْراهِيمَ.

﴿ إذْ قالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ ﴾ ظَرْفٌ لَأرْسَلْنا أيْ أرْسَلْناهُ حِينَ كَمُلَ عَقْلُهُ وتَمَّ نَظَرُهُ بِحَيْثُ عَرَفَ الحَقَّ وأمَرَ النّاسَ بِهِ، أوْ بَدَلٌ مِنهُ بَدَلَ اشْتِمالٍ إنْ قُدِّرَ بِاذْكُرْ.

﴿ واتَّقُوهُ ذَلِكم خَيْرٌ لَكُمْ ﴾ مِمّا أنْتُمْ عَلَيْهِ.

﴿ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ الخَيْرَ والشَّرَّ وتُمَيِّزُونَ ما هو خَيْرٌ مِمّا هو شَرٌّ، أوْ كُنْتُمْ تَنْظُرُونَ في الأُمُورِ بِنَظَرِ العِلْمِ دُونَ نَظَرِ الجَهْلِ.

﴿ إنَّما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أوْثانًا وتَخْلُقُونَ إفْكًا ﴾ وتَكْذِبُونَ كَذِبًا في تَسْمِيَتِها آلِهَةً وادِّعاءَ شَفاعَتِها عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، أوْ تَعْمَلُونَها وتَنْحِتُونَها لِلْإفْكِ وهو اسْتِدْلالٌ عَلى شَرارَةِ ما هم عَلَيْهِ مِن حَيْثُ إنَّهُ زُورٌ وباطِلٌ، وقُرِئَ «تَخْلُقُونَ» مِن خَلَقَ لِلتَّكْثِيرِ و «تُخَلِّقُونَ» مِن تَخَلَّقَ لِلتَّكَلُّفِ، و «إفْكًا» عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ كالكَذِبِ أوْ نَعْتٌ بِمَعْنى خَلْقًا ذا إفْكٍ.

﴿ إنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكم رِزْقًا ﴾ دَلِيلٌ ثانٍ عَلى شَرارَةِ ذَلِكَ مِن حَيْثُ إنَّهُ لا يُجْدِي بِطائِلٍ، و ( رِزْقًا ) يَحْتَمِلُ المَصْدَرَ بِمَعْنى لا يَسْتَطِيعُونَ أنْ يَرْزُقُوكم وأنْ يُرادَ المَرْزُوقُ وتَنْكِيرُهُ لِلتَّعْمِيمِ.

﴿ فابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ ﴾ كُلَّهُ فَإنَّهُ المالِكُ لَهُ.

﴿ واعْبُدُوهُ واشْكُرُوا لَهُ ﴾ مُتَوَسِّلِينَ إلى مَطالِبِكم بِعِبادَتِهِ مُقَيَّدِينَ لِما حَفَّكم مِنَ النِّعَمِ بِشُكْرِهِ، أوْ مُسْتَعِدِّينَ لِلِقائِهِ بِهِما، فَإنَّهُ: ﴿ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ وقُرِئَ بِفَتْحِ التّاءِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله أوثانا} أصناماً {وتخلقون}

العنكبوت (١٩ - ١٧)

وتكذبون أو تصنعون وقرأ أبو حذيفة والسلمى رضي الله عنهما وتخلّقون من خلق بمعنى التكثير في خلق {إِفْكاً} وقرىء أفكا وهو مصدر نحو كذب ولعب والإفك مخفف منه كالكذب واللعب من أصلهما واختلافهم الإفك تسميتهم الأوثان آلهة وشركاء لله {إِنَّ الذين تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله لاَ يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً} لا يستطيعون أن يرزقوكم شيئاً من الرزق {فابتغوا عِندَ الله الرزق} كله فإنه هو الرزاق وحده لا يرزق غيره {واعبدوه واشكروا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} فاستعدوا للقائه بعبادته والشكر له على أنعمه وبفتح التاء وكسر الجيم يعقوب

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ إنَّما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أوْثانًا ﴾ بَيانٌ لِبُطْلانِ دِينِهِمْ وشَرِّيَّتِهِ في نَفْسِهِ بَعْدَ بَيانِ شَرِّيَّتِهِ بِالنِّسْبَةِ إلى الدِّينِ الحَقِّ، أيْ ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ تَعالى إلّا أوْثانًا هي في نَفْسِها تَماثِيلُ مَصْنُوعَةٌ لَكم لَيْسَ فِيها وصْفٌ غَيْرُ ذَلِكَ ﴿ وتَخْلُقُونَ إفْكًا ﴾ أيْ وتَكْذِبُونَ كَذِبًا حَيْثُ تُسَمُّونَها آلِهَةً وتَدَّعُونَ أنَّها شُفَعاؤُكم عِنْدَ اللَّهِ سُبْحانَهُ أوْ تَعْمَلُونَها وتَنْحِتُونَها لِلْإفْكِ والكَذِبِ، واللّامُ لامُ العاقِبَةِ وإلّا فَهم لَمْ يَعْمَلُوها لِأجْلِ الكَذِبِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِن بابِ التَّهَكُّمِ.

وقالَ بَعْضُ الأفاضِلِ: الأظْهَرُ كَوْنُ إفْكًا مَفْعُولًا بِهِ والمُرادُ بِهِ نَفْسُ الأوْثانِ وجَعْلُها كَذِبًا مُبالَغَةٌ، أوِ الإفْكُ بِمَعْنى المَأْفُوكِ وهو المَصْرُوفُ عَمّا هو عَلَيْهِ، وإطْلاقُهُ عَلى الأوْثانِ لِأنَّها مَصْنُوعَةٌ وهم يَجْعَلُونَها صانِعًا.

وقَرَأ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ والسُّلَمِيُّ وعَوْنٌ العَقِيلِيُّ وعُبادَةُ وابْنُ أبِي لَيْلى وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما «(تَخَلَّقُونَ)» بِفَتْحِ التّاءِ والخاءِ واللّامِ مُشَدَّدَةً، قالَ ابْنُ مُجاهِدٍ: ورُوِيَتْ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ وأصْلُهُ تَتَخَلَّقُونَ فَحُذِفَتْ إحْدى التّاءَيْنِ وهو مِن تَخَلَّقَ بِمَعْنى تَكْذِبُ وصِيغَةُ التَّكَلُّفِ لِلْمُبالَغَةِ.

وزَعَمَ بَعْضُهم جَوازَ أنْ يَكُونَ تَفَعَّلَ بِمَعْنى فَعَلَ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أيْضًا «تُخَلِّقُونَ» مَن خَلَّقَ بِالتَّشْدِيدِ لِلتَّكْثِيرِ في الخَلْقِ بِمَعْنى الكَذِبِ والِافْتِراءِ، وقَرَأابْنُ الزُّبَيْرِ وفُضَيْلُ بْنُ زُرْقانَ «أفِكًا» بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وكَسْرِ الفاءِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ كالكَذِبِ واللَّعِبِ أوْ وصْفٌ كالحَذَرِ وقَعَ صِفَةً لِمَصْدَرٍ مُقَدَّرٍ أيْ خَلْقًا أفِكًا أيْ ذا أفَكٍ ﴿ إنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكم رِزْقًا ﴾ بَيانٌ لِشَرِّيَّةِ ما يَعْبُدُونَهُ مِن حَيْثُ إنَّهُ لا يَكادُ يُجْدِيهِمْ نَفْعًا، ﴿ ورِزْقًا ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا مَفْعُولًا بِهِ لِيَمْلِكُونَ، والمَعْنى لا يَسْتَطِيعُونَ أنْ يَرْزُقُوكم شَيْئًا مِنَ الرِّزْقِ، وأنْ يَكُونَ بِمَعْنى المَرْزُوقِ أيْ لا يَسْتَطِيعُونَ، إيتاءَ شَيْءٍ مِنِ الرِّزْقِ وجُوِّزَ عَلى المَصْدَرِيَّةِ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا مُطْلَقًا لِيَمْلِكُونَ مِن مَعْناهُ ولِمَحْذُوفٍ والأصْلُ لا يَمْلِكُونَ أنْ يَرْزُقُوكم رِزْقًا وهو كَما تَرى ونُكِّرَ.

وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: لِلتَّحْقِيرِ والتَّقْلِيلِ مُبالَغَةً في النَّفْيِ، وخَصَّ الرِّزْقَ لِمَكانَتِهِ مِنَ الخَلْقِ ﴿ فابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ ﴾ أيْ كُلَّهُ عَلى أنَّ تَعْرِيفَ الرِّزْقِ لِلِاسْتِغْراقِ.

قالَ الطَّيِّبِيُّ: هَذا مِنَ المَواضِعِ الَّتِي لَيْسَتِ المَعْرِفَةُ المُعادَةُ عَيْنَ الأوَّلِ فِيها، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ عَيْنَ الأوَّلِ بِناءً عَلى أنَّ كُلًّا مِنهُما مُسْتَغْرَقٌ ﴿ واعْبُدُوهُ ﴾ عَزَّ وجَلَّ وحْدَهُ ﴿ واشْكُرُوا لَهُ ﴾ عَلى نَعْمائِهِ مُتَوَسِّلِينَ إلى مَطالِبِكم بِعِبادَتِهِ مُقَيَّدِينَ بِشُكْرِهِ تَعالى لِلْعَتِيدِ ومُسْتَجْلِبِينَ بِهِ لِلْمَزِيدِ، فالجُمْلَتانِ ناظِرَتانِ لِما قَبْلَهُما، وجُوِّزَ أنْ يَكُونا ناظِرَتَيْنِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: اسْتَعِدُّوا لِلِقائِهِ تَعالى بِالعِبادَةِ والشُّكْرِ فَإنَّهُ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ، وجَوَّزَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ تَذْيِيلًا لِجُمْلَةِ ما سَبَقَ مِمّا حُكِيَ عَنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أوْ لِأوَّلِهِ، والمَعْنى إلَيْهِ تَعالى لا إلى غَيْرِهِ سُبْحانَهُ تُرْجَعُونَ بِالمَوْتِ ثُمَّ بِالبَعْثِ فافْعَلُوا ما أمَرْتُكم بِهِ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ لِتَقْرِيرِ الشَّرِّيَّةِ كَما سَمِعْتَ.

وقُرِئَ «تَرْجِعُونَ» بِفَتْحِ التّاءِ مِن رَجَعَ رُجُوعًا <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: وَإِبْراهِيمَ يعني: وأرسلنا إبراهيم عطفاً على قوله: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً ويقال: معناه واذكر إبراهيم إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ يعني: وحدوا الله عز وجل، وَاتَّقُوهُ يعني: اخشوه ولا تعصوه ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ يعني: التوحيد وعبادة الله عز وجل خير من عبادة الأوثان إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ.

قوله عز وجل: إِنَّما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثاناً يعني: أصناما وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً يعني: تعملونها بأيديكم، ثم تقولون إنها آلهة، ويقال: تتخذونها آلهة كذباً ثم قال: إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وهي الأصنام لاَ يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً يعني: لا يقدرون أن يعطوكم مالاً، ولا يقدرون أن يرزقوكم.

ثمّ قال: فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ يعني: الله عزّ وجل هو الذي يملك رزقكم، فاطلبوا الرزق من الله عز وجل: وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ أي: وحدّوه واشكروا له في النعم، فإن مصيركم إليه وإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ بعد الممات.

قال الله عزّ وجلّ للنبي  : قل لأهل مكة وَإِنْ تُكَذِّبُوا بما أخبرتكم من قصة نوح وإبراهيم عليهما السلام فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ يعني: كذبوا رسلهم وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ يعني: إلا أن يبلغ الرسالة، ويبين أمر العذاب.

ويقال: إلا أن يبلغ الرسالة، ويبين مراد الرسالة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله تعالى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ ...

الآية، العطفُ بالفاءِ يقتضي ظاهرُه أنه لَبِثَ هذه المدةَ رسولاً يدعو إلى عبادة الله تعالى، والطُّوفانُ:

العظيمُ الطامي، ويقال ذلك لكل طامٍ خَرَجَ عن العادة من ماء، أو نار، أو موت.

وقوله: وَهُمْ ظالِمُونَ يريد: بالشرك.

ثم ذكر تعالى قصةَ إبراهيم عليه السلام وقومِه، وذلك أيضاً تمثيل لقريش.

وقوله تعالى: وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً قال ابن عباس «١» : هو نحت الأصنام.

وقال مجاهد «٢» : هو اختلاق الكذب في أمر الأوثان وغير ذلك.

فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ قالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٢٤) وَقالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثاناً مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً وَمَأْواكُمُ النَّارُ وَما لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٢٥)

وقوله تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ...

الآية، هذه الحالةُ هي على ما يظهر مع الأحيان من إحياءِ الأرض، والنبات وإعادته ونحو ذلك مما هو دليل على البعث من القبور، ثم أمر تعالى نبيّه محمّدا صلى الله عليه وسلّم، ويحتملُ أن يكون إبراهيم عليه السلام بأن يأمرهم على جهة الاحتجاج، بالسير في الأرضِ، والنظر في أقطارها، والنَّشْأَةَ الْآخِرَةَ: نشأةُ القيام من القبور.

وقوله تعالى: وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ ...

الآية، قال ابن

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإبْراهِيمَ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هو مَعْطُوفٌ عَلى نُوحٍ، والمَعْنى: أرْسَلْنا إبْراهِيمَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكُمْ ﴾ يَعْنِي عِبادَةَ اللَّهِ ﴿ خَيْرٌ لَكُمْ ﴾ مِن عِبادَةِ الأوْثانِ، ﴿ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ ما هو خَيْرٌ لَكم مِمّا هو شَرٌّ لَكُمْ؛ والمَعْنى: ولَكِنَّكم لا تَعْلَمُونَ.

﴿ إنَّما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أوْثانًا ﴾ قالَ الفَرّاءُ: " إنَّما " في هَذا المَوْضِعِ حَرْفٌ واحِدٌ، ولَيْسَتْ عَلى مَعْنى " الَّذِي "، وقَوْلُهُ: ﴿ وَتَخْلُقُونَ إفْكًا ﴾ مَرْدُودٌ عَلى " إنَّما "، كَقَوْلِكَ: إنَّما تَفْعَلُونَ كَذا، وإنَّما تَفْعَلُونَ كَذا.

وقالَ مُقاتِلٌ: الأوْثانُ: الأصْنامُ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: واحِدُها وثَنٌ، وهو ما كانَ مِن حِجارَةٍ أوْ جَصٍّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَتَخْلُقُونَ إفْكًا ﴾ وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْفَعِ، وأبُو المُتَوَكِّلِ: " وتَخْتَلِقُونَ " بِزِيادَةِ تاءٍ.

ثُمَّ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: تَخْتَلِقُونَ كَذِبًا في زَعْمِكم أنَّها آلِهَةٌ.

والثّانِي: تَصْنَعُونَ الأصْنامَ؛ والمَعْنى: تَعْبُدُونَ أصْنامًا أنْتُمْ تَصْنَعُونَها.

ثُمَّ بَيَّنَ عَجْزَهم بِقَوْلِهِ: ﴿ لا يَمْلِكُونَ لَكم رِزْقًا ﴾ أيْ: لا يَقْدِرُونَ عَلى أنْ يَرْزُقُوكم ﴿ فابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ ﴾ أيْ: فاطْلُبُوا مِنَ اللَّهِ، فَإنَّهُ القادِرُ عَلى ذَلِكَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ تُكَذِّبُوا ﴾ هَذا تَهْدِيدٌ لِقُرَيْشٍ ﴿ فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِن قَبْلِكُمْ ﴾ والمَعْنى: فَأُهْلِكُوا.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإبْراهِيمَ إذْ قالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللهَ واتَّقُوهُ ذَلِكم خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ إنَّما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ أوثانًا وتَخْلُقُونَ إفْكًا إنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ لا يَمْلِكُونَ لَكم رِزْقًا فابْتَغُوا عِنْدَ اللهِ الرِزْقَ واعْبُدُوهُ واشْكُرُوا لَهُ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ " إبْراهِيمَ " مَعْطُوفًا عَلى " نُوحٍ "، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى الضَمِيرِ في "أنْجَيْناهُ"، ويَجُوزُ أنْ يَنْصِبَهُ فِعْلٌ تَقْدِيرُهُ: واذْكُرْ إبْراهِيمَ.

وهَذِهِ القِصَّةُ أيْضًا تَمْثِيلٌ لِقُرَيْشٍ، وكانَ نَمْرُوذُ وأهْلُ مَدِينَتِهِ عَبَدَةُ أصْنامٍ، فَدَعاهم إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ إلى تَوْحِيدِ اللهِ تَعالى وعِبادَتِهِ، ثُمْ قَرَّرَ لَهم ما هم عَلَيْهِ مِنَ الضَلالِ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "تَخْلُقُونَ إفْكًا"، وقَرَأ ابْنُ الزُبَيْر ، وفُضَيْلٌ: "أفَكا" عَلى وزْنِ (فَعَلَ)، وهو مَصْدَرٌ كالكَذِبِ والضَحِكِ ونَحْوِهِ، واخْتَلَفَ في مَعْنى "تَخْلُقُونَ"، فَقِيلَ: هو نَحْتُ الأصْنامِ وخَلْقُها.

سَمّاها إفْكًا تَوَسُّعًا مِن حَيْثُ يَفْتَرُونَ بِها الإفْكَ في أنَّها آلِهَةٌ، وقالَ مُجاهِدٌ: هو اخْتِلاقُ الكَذِبِ في أمْرِ الأوثانِ، وغَيْرِ ذَلِكَ.

وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ السِلْمِيُّ، وعَوْنُ العُقَيْلِيُّ، وقَتادَةُ، وابْنُ أبِي لَيْلى: "وَتَخَلَّقُونَ إفْكًا" بِفَتْحِ الخاءِ وشَدِّ اللامِ وفَتْحِها، و"الإفْكُ" -عَلى هَذِهِ القِراءَةِ- الكَذِبُ.

ثُمْ وقَّفَهم عَلى جِهَةِ الِاحْتِجاجِ عَلَيْهِمْ بِأمْرٍ يَفْهَمُهُ عامَّتُهم وخاصَّتُهُمْ، وهو أمْرُ الرِزْقِ، فَقَرَّرَ أنَّ الأصْنامَ لا تُرْزَقُ، وأمْرُ الخَيْرِ عِنْدَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، وخَصَّصَ الرِزْقَ لِمَكانَتِهِ مِنَ الخَلْقِ، فَهو خَيْرٌ يَدُلُّ عَلى جِنْسِهِ كُلِّهِ.

ويُقالُ: شَكَرْتُ لَكَ، وشَكَرْتُكَ، بِمَعْنًى واحِدٍ.

ثُمْ أخْبَرَهم بِالمَعادِ والحَشْرِ إلَيْهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

انتقل من خبر نوح إلى خبر إبراهيم لمناسبة إنجاء إبراهيم من النار كإنجاء نوح من الماء.

وفيه تنبيه إلى عظم القدرة إذ أنجت من الماء ومن النار.

و ﴿ إبراهيم ﴾ عطف على ﴿ نوحاً ﴾ [العنكبوت: 14].

والتقدير: وأرسلنا إبراهيم.

و ﴿ إذ ﴾ ظرف متعلق ب (أرسلنا) المقدَّر، أي في وقت قوله لقومه ﴿ اعبدوا الله ﴾ الخ وهو أول زمن دعوته.

واقتضى قوله ﴿ اعبدوا الله ﴾ أنهم لم يكونوا عابدين لله أصلاً.

وجملة ﴿ ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون ﴾ تعليل للأمر بعبادة الله.

وقد أجمل الخبر في هذه الجملة وفُصل بقوله ﴿ إن الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم رزقاً ﴾ الآية.

ومعنى ﴿ إن كنتم تعلمون ﴾ إن كنتم تعلمون أدلة اختصاص الله بالإلهية فمفعول العلم محذوف لدلالة ما قبله عليه.

ويجوز جعل فعل ﴿ تعلمون ﴾ منزلاً منزلة اللازم، أي إن كنتم أهل علم ونظر.

وجملة ﴿ إنما تعبدون من دون الله أوثاناً ﴾ تعليل لجملة ﴿ اعبدوا الله ﴾ .

وقَصْرُهم على عبادة الأوثان يجوز أن يكون قصراً على عبادتهم الأوثان، أي دون أن يعبدوا الله فهو قصر حقيقي إذ كان قوم إبراهيم لا يعبدون الله فالقصر منصب على قوله ﴿ من دون الله ﴾ أي إنما تعبدون غير الله وبذلك يكون ﴿ من دون الله ﴾ حالاً من ﴿ أوثاناً ﴾ ، أي حال كونها معبودة من دون الله، وهذا مقابل قوله ﴿ اعبدوا الله ﴾ دون أن يقول لهم: لا تعبدوا إلا الله؛ لكن قوم إبراهيم قد وصفوا بالشرك في قوله تعالى في سورة [الأنعام: 78] ﴿ قال يا قوم إني بريء مما تشركون ﴾ فهم مثل مشركي العرب، فالقصر منصب على عبادتهم الموصوفة بالوثنية، أي ما تعبدون إلا صُوراً لا إدراك لها، فيكون قصر قلب لإبطال اعتقادهم إلهية تلك الصور كما قال تعالى ﴿ قال أتعبدون ما تنحتون ﴾ [الصافات: 95].

وعلى كلا الوجهين يتخرج معنى قوله ﴿ من دون الله ﴾ فإن ﴿ دون ﴾ يجوز أن تكون بمعنى (غير) فتكون ﴿ من ﴾ زائدة، والمعنى: تعبدون أوثاناً غير الله.

ويجوز أن تكون كلمة ﴿ دون ﴾ اسماً للمكان المباعد فهي إذن مستعارة لمعنى المخالفة فتكون ﴿ من ﴾ ابتدائية، والمعنى: تعبدون أوثاناً موصوفة بأنها مخالفة لصفات الله.

والأوثان: جمع وثن بفتحتين، وهو صورة من حجر أو خشب مجسمة على صورة إنسان أو حيوان.

والوثن أخص من الصنم لأن الصنم يطلق على حجارة غير مصورة مثل أكثر أصنام العرب كصنم ذي الخلصة لخثعم، وكانت أصنام قوم إبراهيم صوراً قال تعالى ﴿ قال أتعبدون ما تنحتون ﴾ [الصافات: 95].

وتقدم وصف أصنامهم في سورة الأنبياء.

و ﴿ تخلُقون ﴾ مضارع خلق الخبر، أي اختلقه، أي كذبه ووضعه، أي وتضعون لها أخباراً ومناقب وأعمالا مكذوبة موهومة.

والإفك: الكذب.

وتقدم في قوله ﴿ إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم ﴾ في سورة [النور: 11].

وجملة ﴿ إن الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم رزقاً ﴾ إن كان قوم إبراهيم يعترفون لله تعالى بالإلهية والخلق والرزق ولكنهم يجعلون له شركاء في العبادة ليكونوا لهم شفعاء كحال مشركي العرب تكون الجملة تعليلاً لجملة ﴿ اعبدوا الله واتقوه ﴾ أي هو المستحق للعبادة التي هي شكر على نعمه، وإن كان قومه لا يثبتون إلهية لغير أصنامهم كانت جملة ﴿ إن الذين تعبدون من دون الله ﴾ مستأنفة ابتدائية إبطالاً لاعتقادهم أن آلهتهم ترزقهم، ويرجح هذا الاحتمال التفريعُ في قوله ﴿ فابتغوا عند الله الرزق ﴾ .

وقد تقدم في سورة الشعراء التردد في حال إشراك قوم إبراهيم وكذلك في سورة الأنبياء.

وتنكير ﴿ رِزقاً ﴾ في سياق النفي يدل على عموم نفي قدرة أصنامهم على كل رزق ولو قليلاً.

وتفريع الأمر بابتغاء الرزق من الله إبطال لظنهم الرزق من أصنامهم أو تذكير بأن الرازق هو الله، فابتغاء الرزق منه يقتضي تخصيصه بالعبادة كما دل عليه عطف ﴿ واعبدوه واشكروا له ﴾ .

وقد سلك إبراهيم مسلك الاستدلال بالنعم الحسية لأن إثباتها أقرب إلى أذهان العموم.

و ﴿ عند ﴾ ظرف مكان وهو مجاز.

شبّه طلب الرزق من الله بالبحث عن شيء في مكان يختص به فاستعير له ﴿ عند ﴾ الدالة على المكان المختص بما يضاف إليه الظرف.

وعُدّي الشكر باللام جرياً على أكثر استعماله في كلام العرب لقصد إفادة ما في اللام من معنى الاختصاص أي الاستحقاق.

ولام التعريف في ﴿ الرزق ﴾ لام الجنس المفيدة للاستغراق بمعونة المقام، أي فاطلبوا كل رزق قلّ أو كثر من الله دون غيره.

والمعرّف بلام الجنس في قوة النكرة فكأنه قيل: فابتغوا عند الله رزقاً، ولذلك لم تكن إعادة لفظ الرزق بالتعريف مقتضية كونه غير الأول، فلا تنطبق هنا قاعدة النكرة إذا أعيدت معرفة كانت عين الأولى.

وجملة ﴿ إليه ترجعون ﴾ تعليل للأمر بعبادته وشكره، أي لأنه الذي يجازي على ذلك ثواباً وعلى ضده عقاباً إذ إلى الله لا إلى غيره مرجعكم بعد الموت.

وفي هذا إدماج تعليل بالعبادة بإثبات البعث.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُعَذِّبُ مَن يَشاءُ ويَرْحَمُ مَن يَشاءُ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يُعَذِّبُ مَن يَشاءُ بِالِانْقِطاعِ إلى الدُّنْيا، ويَرْحَمُ مَن يَشاءُ بِالإعْراضِ عَنْها.

الثّانِي: يُعَذِّبُ مَن يَشاءُ بِالحِرْصِ، ويَرْحَمُ مَن يَشاءُ بِالقَناعَةِ.

الثّالِثُ: يُعَذِّبُ مَن يَشاءُ بِسُوءِ الخُلُقِ، ويَرْحَمُ مَن يَشاءُ بِحُسْنِ الخُلُقِ.

الرّابِعُ: يُعَذِّبُ مَن يَشاءُ بِبُغْضِ النّاسِ لَهُ، ويَرْحَمُ مَن يَشاءُ بِحُبِّهِمْ لَهُ.

الخامِسُ: يُعَذِّبُ مَن يَشاءُ بِمُتابَعَةِ البِدْعَةِ، ويَرْحَمُ مَن يَشاءُ بِمُلازَمَةِ السُّنَّةِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ إنما تعبدون من دون الله أوثاناً ﴾ قال: أصناماً ﴿ وتخلقون إفكا ﴾ قال: تصنعون أصناماً.

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن الحسن في قوله: ﴿ وتخلقون إفكا ﴾ قال: تنحتون.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ وتخلقون إفكا ﴾ قال: تصنعون كذباً.

وأخرج الفريابي وابن جرير عن مجاهد، مثله.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ كيف يُبْدِئ الله الخلق ثم يعيده ﴾ قال: يبعثه.

وفي قوله: ﴿ فانظروا كيف بدأ الخلق ﴾ قال: خلق السموات والأرض ﴿ ثم الله ينشئ النشأة الآخرة ﴾ قال: البعث بعد الموت.

وفي قوله: ﴿ فما كان جواب قومه ﴾ قال: قوم إبراهيم.

وفي قوله: ﴿ فأنجاه الله من النار ﴾ قال: قال كعب ما أحرقت النار منه إلا وثاقه.

وفي قوله: ﴿ قال إنما اتخذتم من دون الله أوثاناً مودة بينكم في الحياة الدنيا ﴾ قال: اتخذوها لثوابها في الحياة الدنيا ﴿ ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضاً ﴾ قال: صارت كل خلة في الدنيا عداوة على أهلها يوم القيامة إلا خلة المتقين.

وفي قوله: ﴿ فآمن له لوط ﴾ قال: فصدقة لوط ﴿ وقال إني مهاجر إلى ربي ﴾ قال: هاجرا جميعاً من كوثي: وهي من سواد الكوفة إلى الشام.

وفي قوله: ﴿ وآتيناه أجره في الدنيا ﴾ قال: عافية وعملاً صالحاً وثناء حسناً، فلست تلقى أحداً من أهل الملل إلا يرضى إبراهيم يتولاه.

وأخرج عبد بن حميد عن عاصم بن أبي النجود رضي الله عنه أنه قرأ ﴿ وتخلقون افكا ﴾ خفيفتين وقرأ ﴿ اوثاناً مودة ﴾ منصوبة منونة ﴿ بينكم ﴾ نصب.

وأخرج ابن أبي شيبة عن جبلة بن سحيم قال: سألت ابن عمر رضي الله عنهما عن صلاة المريض على العود قال: لا آمركم أن تتخذوا من دون الله أوثاناً.

إن استطعت أن تصلي قائماً، وإلا فقاعداً، وإلا فمضطجعاً.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ النشأة الآخرة ﴾ قال: هي الحياة بعد الموت: وهو النشور.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ فآمن له لوط ﴾ قال: صدق لوط إبراهيم عليهما السلام.

وأخرج ابن جرير عن الضحاك في قوله: ﴿ وقال إني مهاجر إلى ربي ﴾ قال: هو إبراهيم عليه السلام القائل إني مهاجر إلى ربي.

وأخرج ابن أبي حاتم عن كعب رضي الله عنه في قوله: ﴿ وقال إني مهاجر إلى ربي ﴾ قال: إلى حران.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج، مثله.

وأخرج ابن عساكر عن قتادة في قوله: ﴿ وقال إني مهاجر إلى ربي ﴾ قال: إلى الشام كان مهاجر.

وأخرج ابن عساكر عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «سيهاجر خيار أهل الأرض هجرة بعد هجرة إلى مهاجر إبراهيم عليه السلام» .

وأخرج أبو يعلى وابن مردويه عن أنس رضي الله عنه قال: أول من هاجر من المسلمين إلى الحبشة بأهله عثمان بن عفان، فقال النبي صلى الله عليه وسلم «صحبهما الله إن عثمان لأول من هاجر إلى الله بأهله بعد لوط» .

وأخرج ابن منده وابن عساكر عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت: هاجر عثمان إلى الحبشة فقال النبي صلى الله عليه وسلم «إنه أول من هاجر بعد إبراهيم ولوط» .

وأخرج ابن عساكر والطبراني والحاكم في الكنى عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما كان بين عثمان ورقية وبين لوط من مهاجر» .

وأخرج ابن عساكر عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أول من هاجر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عثمان بن عفان كما هاجر لوط إلى إبراهيم.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ووهبنا له إسحاق ويعقوب ﴾ قال: هما ولدا إبراهيم.

وفي قوله: ﴿ وآتيناه أجره في الدنيا ﴾ قال: إن الله رضي أهل الأديان بدينه، فليس من أهل دين إلا وهم يتولون إبراهيم ويرضون به.

وأخرج ابن ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وآتيناه أجره في الدنيا ﴾ قال: الثناء.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ وآتيناه أجره في الدنيا ﴾ قال: الولد الصالح والثناء.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

وقوله: ﴿ إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا ﴾ قال أبو عبيدة: الأوثان: كل ما كان منحوتًا من خشب أو حجر، والصنم: ما كان من ذهب أو فضة أو نحاس (١) وهذا كما قال ابن عباس: يريد الأصنام التىِ تتخذ من الحجارة (٢) ﴿ وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا ﴾ قال أبو عبيدة: خلق واختلق، وخرق واخترق وافترى؛ واحد كله (٣) (٤) (٥) القول الثاني: أن هذا محمول على الصنع باليد؛ قال مجاهد: وتصنعون أصنامًا بأيديكم فتسمونها آلهة (٦) (٧) ﴿ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ﴾ \[المؤمنون: == 14\]: أي: المصورين المقدرين، والخلق في اللغة: التقدير، والعرب تقول: قدرت الأديم وخلقته؛ إذا قِسته لتقطع منه مزادة أو قربة أو خفًا.]].

وقال الكلبي: جعلتم بأيديكم من العيدان والحجارة إفكًا (٨) وقال قتادة: تصنعون أصنامًا وتنحتونها (٩) وقال الحسن: وتنحتون إفكًا (١٠) وقال مقاتل: تعملونها بأيديكم، ثم تزعمون أنها آلهة كذبًا (١١) قال أبو إسحاق: ويكون التأويل على هذا القول: إنما تعبدون من دون الله أوثانًا وأنتم تصنعونها (١٢) (١) "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 114، بلفظ: الوثن: ما كان من حجارة أو جص.

وليس فيه ما يتعلق بالصنم، وما ذكره أبو عبيدة في المجاز ذكره ابن قتيبة بنصه في "غريب القرآن" 337، ولم ينسبه.

وقد تتبعت الآيات التي وردت فيها كلمة: أصنام، فلم أجد أبا عبيدة تكلم عن هذه المسألة في كتابه "المجاز".

وقريب مما ذكر الواحدي عند الأزهري؛ قال: وقال شمر فيما قرأت بخطه: أصل الأمثال == عند العرب: كل تمثال من خشب، أو حجارة، أو ذهب، أو فضة، أو نحاس، ونحوها.

"تهذيب اللغة" 15/ 144 (وثن).

(٢) أخرجه ابن جرير 20/ 137، وابن أبي حاتم 9/ 3043، عن قتادة، بلفظ: أصناما.

(٣) في مجاز القرآن لأبي عبيدة 2/ 114: مجازه: تختلقون وتفترون.

ولم أجده عند الأزهري، مادة.

خلق.

(٤) أخرجه ابن أبي حاتم 9/ 3044.

(٥) أخرجه ابن جرير 20/ 137.

وهو قول ابن قتيبة، قال: تخرصون كذبا.

"تأويل مشكل القرآن" 506.

وفي "غريب القرآن" 337، قال: تختلقون كذبا.

(٦) ذكره الثعلبي 8/ 157 ب، بنصه عن مجاهد.

وأخرج نحوه ابن جرير 20/ 137، عن ابن عباس، من طريق عطاء.

ولم أجد فيه القول الذي نسبه لمجاهد، لكن أخرج ابن جرير 20/ 137، وابن أبي حاتم 9/ 3044، عنه: تقولون كذبا.

(٧) وبهذا المعنى فسر الآية ابن الأنباري، فقال: والخلق: التقدير، قال الله جل اسمه: ﴿ وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا ﴾ أي: تقدرون كذبا.

"الزاهر في معاني كلمات الناس" 1/ 88، و"الأضداد" (159).

(٨) "تنوير المقباس" 333، بمعناه.

(٩) أخرجه ابن جرير 20/ 137، وابن أبي حاتم 9/ 3044، عن ابن عباس، وقتادة.

(١٠) أخرجه عبد الرزاق 2/ 96.

(١١) "تفسير مقاتل" 71 ب.

(١٢) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 165.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً ﴾ هو من الخلقة يريد به نحت الأصنام فسماه خلقة على وجه التجوّز، وقيل هو من اختلاق الكذب ﴿ لاَ يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً ﴾ الآية: احتجاج على الوحدانية ونفي الشركاء، فإن قيل: لم نكَّر الرزق أولاً، ثم عرَّفه في قوله: ﴿ فابتغوا عِندَ الله ﴾ ؟

فالجواب: أنه نكره في قوله: ﴿ لاَ يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً ﴾ لقصد العموم في النفي، فإن النكرة في سياق النفي تقتضي العموم.

ثم عرَّفه بعد ذلك لقصد العموم في طلب الرزق كله من الله، لأنه لا يقتضي العموم، في سياق الإثبات إلا مع التعريف فكأنه قال: ابتغوا الرزق كله عند الله.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ أولم تروا ﴾ بتاء الخطاب: حمزة وعلي وخلف وعاصم سوى حفص والمفضل ﴿ النشاءة ﴾ بفتح الشين بعدها ألف ممدودة حيث كان: ابن كثير وأبو عمرو ﴿ مودّة ﴾ بالرفع ﴿ بينكم ﴾ بالجر على الإضافة: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب وعلي وابو زيد عن المفضل ﴿ مودة ﴾ بالرفع ﴿ بينكم ﴾ بالفتح: الشموني والبرجمي.

﴿ مودة ﴾ بالنصب ﴿ بينكم ﴾ على الإضافة: حمزة وحفص.

الباقون: ﴿ مودة ﴾ بالنصب ﴿ بينكم ﴾ بالفتح ﴿ ربي إنه ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو ﴿ إنكم ﴾ بهمز واحد ﴿ أينكم ﴾ بهمزة بعدها ياء: ابن كثير ونافع غير قالون وسهل ويعقوب.

زيد: مثله.

بزيادة مدّة في الثانية: يزيد وقالون كلاهما مثل هذه الثانية أبو عمرو.

والأولى بهمزة واحدة الثانية بهمزتين: ابن عامر وحفص هشام يدخل بينهما مدَّة.

الباقون بهمزتين فيهما ﴿ أئنكم ﴾ كنظائره.

﴿ وللننجينه ﴾ بسكون النون من الإنجاء: يعقوب وحمزة وعلي وخلف ﴿ سيء بهم ﴾ كما ذكر في "هود" و ﴿ منجوك ﴾ من الإنجاء: ابن كثير ويعقوب وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير حفص والمفضل ﴿ منزلون ﴾ بالتشديد: ابن عامر و ﴿ ثمود ﴾ غير مصروف في الحالين: حمزة وحفص وسهل ويعقوب.

الوقوف: ﴿ واتقوه ﴾ ط ﴿ تعلمون ﴾ ه ﴿ افكاً ﴾ ط ﴿ واشكروا له ﴾ ط ﴿ ترجعون ﴾ ه ﴿ من قبلكم ﴾ ج للعطف مع الاختلاف بالإثبات والنفي ﴿ المبين ﴾ ه ﴿ يعيده ﴾ ط ﴿ يسير ﴾ ه ﴿ الآخرة ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه ج لأن ما بعده يصلح وصفاً واستئنافاً ﴿ من يشاء ﴾ ط لانقطاع النظم بتقديم المفعول مع اتفاق الجملتين ﴿ تقلبون ﴾ ه ﴿ السماء ﴾ ز فصلاً بين الأمرين المعظمين مع اتفاق الجملتين ﴿ نصير ﴾ ه ﴿ اليم ﴾ ه ﴿ النار ﴾ ط ﴿ يؤمنون ﴾ ه ﴿ أوثاناً ﴾ ج لمن قرأ ﴿ مودة ﴾ بالرفع ﴿ الدنيا ﴾ ج لاختلاف الجملتين والفصل بين تباين الدارين ﴿ بعضاً ﴾ ط لاختلاف الجملتين مع اتحاد المقصود ﴿ من ناصرين ﴾ 5 قيل: لا وقف لتعليق الفاء ﴿ لوط ﴾ م لأن قوله ﴿ وقال ﴾ فاعله ﴿ إبراهيم ﴾ ولو وصل لأوهم اتحاد الفاعل ﴿ ربي ﴾ ط ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ الدنيا ﴾ ج للابتداء بأن مع واو العطف ﴿ الصالحين ﴾ ه ﴿ الفاحشة ﴾ ز لأن ما بعده يصلح مستأنفاً أو حالاً أو وصفاً ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ المنكر ﴾ ط لانتهاء الخطاب لابتداء الجواب ﴿ الصادقين ﴾ ه ﴿ المفسدين ﴾ ه ﴿ بالبشرى ﴾ لا لأن ﴿ قالوا ﴾ جواب "لما" ﴿ القرية ﴾ ج للابتداء بأن مع احتمال التعليل.

﴿ ظالمين ﴾ ه وقد يوصل دلالة على تدارك إبراهيم ﴿ لوطاً ﴾ ط ﴿ بمن فيها ﴾ ج لأن لام التوكيد تقتضي قسماً أي والله لننجينه مع تمام المقصود في التنجية ﴿ إلا امرأته ﴾ ج لأن ما بعده يصلح مستأنفاً في النظم ولكنه حال المرأة لأن المستثنى مشبه بالمفعول أي يستثنى امرأته كائنة من الغابرين ﴿ ولا تحزن ﴾ ط فصلاً بين البشارتين وتوفيراً للفرح ﴿ الغابرين ﴾ ه ﴿ يفسقون ﴾ ه ﴿ يعقلون ﴾ ه ﴿ شعيباً ﴾ لا لتعلق الفاء ﴿ مفسدين ﴾ ه ﴿ جاثمين ﴾ ه لأن ﴿ عاداً ﴾ يحتمل أن يكون منصوباً بـ ﴿ ـأخذتهم ﴾ أو بمحذوف أي واذكر وهذا أوجه لأن قوله ﴿ وقد تبين ﴾ حال ولا يحسن أن يكون عامله ﴿ فأخذتهم ﴾ والأوجه انتصابه بمحذوف وهو "أذكر" أو أهلكنا.

﴿ مساكنهم ﴾ ط لأن التقدير مقدرين وعامله فأخذتهم ﴿ مستبصرين ﴾ ه ج للعطف ﴿ وهامان ﴾ يحتمل عندي الوقف وقيل: لا بناء على أن قوله ﴿ ولقد جاءهم ﴾ حال عامله ﴿ فأخذتهم ﴾ .

﴿ سابقين ﴾ ه لانقطاع النظم بتقديم المفعول مع اتفاق الجملتين ﴿ بذنبه ﴾ ط وكذلك ﴿ حاصباً ﴾ ط ﴿ وأخذته الصيحة ﴾ ط ﴿ وخسفنا به الأرض ﴾ ط ﴿ وأغرقنا ﴾ ط لعطف الجمل والوقف أوجه تفصيلاً لأنواع النقم وإمهالاً لفرصة الاعتبار ﴿ يظلمون ﴾ ه ﴿ العنكبوت ﴾ ج لأن ما بعده يصلح وصفاً واستئنافاً ﴿ بيتاً ﴾ ط ﴿ العنكبوت ﴾ ج لأن وهن بيت العنكبوت معلق ﴿ يعلمون ﴾ ه.

التفسير: قوله ﴿ وإبراهيم ﴾ منصوب بمضمر وهو "اذكر".

وقوله ﴿ إذ قال ﴾ بدل منه بدل الاشتمال لأن الأحيان تشتمل على ما فيها أي اذكر وقت قوله لقومه، وجوز أن يكون معطوفاً على ﴿ نوحاً ﴾ فأورد عليه أن الإرسال قبل الدعوة فكيف يكون وقت الدعوة ظرفاً للإرسال؟

وأجيب بأن الإرسال أمر ممتد إلى أوان الدعوة أو المراد أرسلناه حين كان صالحاً لأن يقول لقومه اعبدوا الله خصوه بالعبادة واتقوا مخالفته.

﴿ ذلكم ﴾ الإِخلاص والتقوى ﴿ خير لكم إن كنتم تعلمون ﴾ أما العبادة فلأنها غاية الخضوع فلا تصلح إلا لمن هو في غاية الكمال فضلاً عن الجماد، وأما اتقاء خلافه فلأن من قدر على إهلاك الماضين فهو قادر على إهلاك الباقين وتعذيبهم إذا عصوه، فالعاقل من يحذر خلاف القادر.

ثم بين بقوله ﴿ إنما تعبدون من دون الله أوثاناً ﴾ أن الذي يعبدونه في غاية الخسة لأنه صنم لا روح له، ولا ظلم أشنع من وضع الأخس موضع الاشرف.

وبين بقوله ﴿ وتخلقون افكاً ﴾ أن الذين يزعمون أنها شفعاؤهم عند الله كذب وزور، ثم ذكرهم أنهم لا يقدرون على نفع ولا على إيصال رزق أيّ رزق كان.

ثم أشار بقوله ﴿ فابتغوا عند الله الرزق ﴾ إلى أن هذه الهبة والرزق الموعود في قوله ﴿ وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها  ﴾ يجب أن يطلب من الله فقط، وإذا كان الرزق منه فالشكر يجب أن يكون له.

ثم بين بقوله ﴿ إليه ترجعون ﴾ أن المعاقب والمثيب هو وحده فلا رهبة إلا منه ولا رغبة إلا فيه.

ثم إن قوله ﴿ وإن تكذبوا فقد كذب أمم من قبلكم ﴾ إلى قوله ﴿ فما كان جواب قومه ﴾ إن كان اعتراضاً خطاباً لكفار قريش فظاهر، وإن كان تتمة قول إبراهيم فالأمم المتقدمة عليه إما قوم نوح وقوم إدريس وقوم شيث وقوم آدم، وإما قوم نوح وحده.

وعبر عن أمته بالأمم لأنه عاش ألف سنة وأكثر فمضت عليه القرون، وكان كل قرن يوصون من بعدهم من الأبناء أن يكذبوا نوحاً والبلاغ ذكر المسائل والإبانة وإقامة البرهان عليه، وفيه دليل على أن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز وإلا لم يكن البلاغ مبيناً.

وحين بين التوحيد والرسالة شرع في بيان المعاد فإِن هذه الأصول الثلاثة لا تكاد تنفصل في الذكر الإِلهي فقال ﴿ أولم يروا ﴾ أي ألم يعلموا بالبرهان النير القائم مقام الرؤية ﴿ كيف يبدئ الله الخلق ﴾ ثم يعيده.

أما إبداء الخلق المطلق فلأن المخلوق لا بد له من خالق أوّل تنتهي إليه سلسلة المخلوقات، وأما خلق الإنسان بل كيفيته فإنه كالمشاهد المحسوس فإنا نرى النطفة وقعت في الرحم فدارت عليها الأطوار حتى حصلت خلقاً آخر.

وأما الإعادة فلأنها أهون في القياس العقلي ولهذا ختم الآية بقوله ﴿ إن ذلك على الله يسير ﴾ وحين اشار إلى العلم الحدسي الحاصل من غير طلب أمر نبينا  أو حكى إبراهيم قول ربه له ﴿ قل سيروا في الأرض ﴾ أي إن لم يحصل لكم الحدس المذكور فسيروا في أقطار الأرض وتفكروا في كيفية تكوّن المواليد الثلاثة: المعادن والنبات والحيوان.

حتى يفضى بكم النظر إلى العيان؛ فالآية الأولى إشارة إلى ما هو كالمركوز في الأذهان ولهذا قال بطريق الاستفهام ﴿ أولم يروا ﴾ الآية الثانية أمر بالنظر المؤدي إلى العلم والإيقان على تقدير عدم حضور ذلك البيان والعيان.

وإنما قال أوّلاً ﴿ كيف يبدئ ﴾ بلفظ المستقبل وثانياً ﴿ كيف بدأ ﴾ بلفظ الماضي، لأن العلم الحدسي حاصل في كل حال، وأما العلم الاستقرائي فلا يفيد اليقين إلا فيما شاهد وتتبع فكأنه قيل: إن لم يحصل لكم العلم بأن الله في كل حال موصوف بالإبداء والإعادة فانظروا في أصناف المخلوقات حتى تعرفوا أنه كيف بدأها ثم تستدلوا من ذلك على أنه ينشئها النشأة الثانية، فهذا عطف على المعنى كأنه قال: وانظروا كيف بدأ هذا.

وتكلف جار الله فقال: هو معطوف على جملة قوله ﴿ أولم يروا ﴾ كما قال قوله ﴿ ثم يعيده ﴾ إخبار على حياله وليس بمعطوف على ﴿ يبدئ ﴾ ثم في إقامة اسم الله مقام الضمير في قوله ﴿ ثم الله ينشئ النشأة ﴾ إشارة إلى أنه لا يقدر على هذه النشأة إلا المعبود الكامل الذات المتصف بالعلم والحياة وبسائر نعوت الجلال.

وحين ذكر دلائل الأنفس والآفاق صرح بالنتيجة الكلية فقال ﴿ إن الله على كل شيء ﴾ من الإبداء والإعادة ﴿ قدير ﴾ وكذا على التكليف والجزاء تقريره قوله ﴿ يعذب من يشاء ويرحم من يشاء وإليه تقلبون ﴾ يقال: قلب فلان في مكانه إذا اردى.

وفي الآية لطائف منها: أنه قدم التعذيب على الرحمة مع قوله "سبقت رحمتي غضبي" لأن الآية مسوقة لتهديد المكذبين ومع ذلك لم يخل الكلام عن ذكر الرحمة وإنه يؤكد قوله "سبقت رحمتي غضبي" ومنها أنه لم يقل يعذب الكافر ويرحم المؤمن إظهاراً للهيبة الإلهية.

ومنها أنه قال أوّلا ﴿ وإليه ترجعون ﴾ ثم أعاده ههنا لأن التعذيب والرحمة قد يكونان عاجلين وكأنه قال: وإن تأخر ثوابكم وعقابكم فإن إلينا إيابكم وعلينا حسابكم وعندنا يدّخر لكم ذلك فلا تظنوا فواته يؤكده قوله ﴿ وما أنتم بمعجزين ﴾ وفيه أن الانقلاب إليه لا منه، وذلك أن الإعجاز إما بالهرب وإما مع الثبات وقد نفى الأول بقوله ﴿ وما أنتم بمعجزين في الأرض ولا في السماء ﴾ أي لو هبطتم إلى موضع السمك في الماء أو صعدتم إلى محل السماك في السماء لم تخرجوا من قبضة قدرة الله.

وقدّم الأرض على السماء لأن السماء أبعد وأفسح أي إن هربتم من حكمه وقضائه في الأرض الفسيحة أو في السماء التي هي أفسح منها وأبعد فإنكم لا تفوتون الله، والمراد لا تعجزونه كيفما هبطتم في أعماق الأرض أو علوتم إلى البروج المشيدة الذاهبة في السماء كقوله ﴿ ولو كنتم في بروج مشيدة  ﴾ أو اراد لا تعجزون بلاءه الظاهر في الأرض أو النازل من السماء.

وجوّز بعضهم أن يراد وما أنتم بمعجزين من في الأرض ولا في السماء بحذف الموصول، واقتصر في الشورى على قوله ﴿ وما أنتم بمعجزين في الأرض  ﴾ لأنه خطاب للمؤمنين.

ونفى الثاني بقوله ﴿ وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير ﴾ لأن الركن الشديد الذي يستند إليه إما وليّ يشفع أو ناصر يدفع، والأول أسهل الطيرقين فلذلك قدم الوليّ على النصير.

ثم خص الوعيد بالكافرين بآياته أي بدلائل الوحداينة وبالكتب والمعجزات.

وفي زيادة قوله ﴿ أولئك ﴾ إشارة إلى أن اليأس من الرحمة منحصر فيهم لقوله ﴿ إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون  ﴾ ونسبة اليأس إليهم إمّا على سبيل الإخبار عن حالهم يوم القيامة، أو على سبيل وصف الحال، فإن وصف المؤمن أن يكون راجياً خاشياً ونعت الكافر أن لا يخطر بباله خوف ولا رجاء بل يكون خائفاً كما قيل: الخائن خائف.

وجوز في الكشاف أن يكون على طريقة التشبيه كأنه يشبه حالهم في انتفاء الرحمة عنهم بحال من يئس من رحمة الله.

ولعله ذهب إلى هذا التشبه لأن اليأس من رحمة الله متوقف على الاعتراف بالله وبرحمته والكافر غير معترف بواحد من الأمرين.

ثم بين بتكرير أولئك في قوله ﴿ وأولئك لهم عذاب أليم ﴾ أن كل واحد من الوعيدين لا يوجد إلا فيهم وإن كان الوعيدان متلازمين في الحقيقة.

ثم حكى أن جواب قوم إبراهيم لم يكن إلا أن قالوا فيما بينهم أو قال واحد ورضي به الباقون ﴿ اقتلوه ﴾ بالسيف ونحوه ﴿ أو حرقوه ﴾ بالنار وهذا ليس جواباً في الحقيقة ولكنه كقولهم "عتابك السيف".

وفيه بيان جهالتهم أنهم وضعوا الوعيد موضع الائتمار للنصيحة والإذعان للحق.

ثم بين أنهم اتفقوا على تحريقه فأنجاه من النار.

والقصة مذكورة في سورة الأنبياء.

﴿ إن في ذلك ﴾ الإنجاء ﴿ لآيات ﴾ جمع الآية لعظم تلك الحالة كقوله ﴿ إن إبراهيم كان أمة  ﴾ أو لأنها مشتملة على أحوال عجيبة كالرمي من المنجنيق من غير أن لحق به ضرر، وكما يروى أن النار صارت عليه روحاً وريحاناً إلى غير ذلك.

وإنما قال في قصة نوح  ﴿ وجعلناها آية  ﴾ ولم يذكر الجعل ههنا لأن الخلاص من مثل تلك النار آية في نفسه، وأما السفينة فقد جعلها الله آية بأن أحدث الطوفان وصانها عن الغرق، ويمكن أن يقال: إن الصون عن النار أعجب من الصون عن الماء فلذلك وحد الآية هناك وجمعها ههنا.

وإنما قال هناك ﴿ آية للعالمين  ﴾ وههنا ﴿ لآيات لقوم يؤمنون ﴾ لأن تلك السفينة بقيت أعواماً حتى مرّ عليها الناس ورأوها فحصل العلم بها لكل أحد.

أو نقول: جنس السفينة حصلت بعد ذلك فما بين الناس فكانت آية للعالمين.

وأما تبريد النار فلم يبق من ذلك أثر فلم يظهر لمن بعده إلا بطريق الإيمان به.

وههنا لطيفة وهي أن الله  جعل النار برداً وسلاماً على إبراهيم بسبب اهتدائه في نفسه وهدايته لغيره وقال ﴿ قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم  ﴾ فحصل للمؤمنين بشارة بأن الله سيجعل النار على المؤمن المهتدي برداً وسلاماً.

ثم حكى أنه بعد أن خرج من النار عاد إلى النصيحة والدعاء لقومه إلى التوحيد والإخلاص وذلك قوله ﴿ وقال إنما اتخذتم من دون الله أوثاناً مودة ﴾ قال جار الله: من قرأ بالنصب بغير إضافة أو بإضافة فعلى وجهين: أحدهما التعليل اي لتتوددوا بينكم وتتواصلوا لاتفاقكم وائتلافكم على عبادتها كما يتفق الناس على مذهب فيكون بينهم نسبة من ذلك.

الوجه الثاني: أن يكون مفعولاً ثانياً على حذف المضاف، أو على أن المصدر بمعنى المفعول أي اتخذتم الأوثان سبب المودة بينكم واتخذتموها مودودة بينكم.

ومن قرأ بالرفع بإضافة أو بغير إضافة فعلى وجهين أيضاً: أن يكون خبراً لأن على أن ما موصولة والتقدير: إن التي اتخذتموها أوثاناً هي سبب مودة بينكم أو مودودة بينكم.

وأن يكون خبر مبتدأ محذوف أي هي مودودة أو سبب مودة وعلى هذا فالوقف على ﴿ أوثاناً ﴾ حسن كما مر.

﴿ ثم يوم القيامة ﴾ يقوم بين العبدة وكذا بينهم وبين أوثانهم التباغض والتلاعن نظيره ﴿ كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضداً  ﴾ والتحقيق فيه أنهم غلبت عليهم الجسمية ولذاتها فلهذا ألفوا الأصنام ولم تقبل عقولهم موجوداً منزهاً عن الأجسام وخواصها، فلا جرم إذا رفعت الحجب وكشف الغطاء عن عالم الأرواح زالت نسبة الجسمية وظهرت الآلام الروحانية وعذبوا بنار الخسران والحرمان من غير شفعاء ولا أعوان، فلذلك قال ﴿ ومأواكم النار وما لكم من ناصرين ﴾ وإنما لم يقل ههنا ﴿ وما لكم من دون الله  ﴾ لأن الله لا ينصر الكفار من اهل النار.

وإنما جمع ههنا لأنه أراد في الأول جنس النصير وههنا أراد نفي الناصرين الذين كان أهل الشرك يزعمون أنهم شفعاؤهم عند الله ﴿ فآمن له لوط ﴾ وكان ابن أخي إبراهيم صدقه حين رأى النار لم تحرقه.

قالت العلماء: إن لوطاً آمن برسالة إبراهيم حين رأى المعجزة.

وأما بالوحدانية فآمن حين سمع مقالته إذ لو توقف في الإيمان إلى وقت إظهار المعجزة كان نقصاً في مرتبته وقدحاً في نور باطنه، ألا ترى أن أبا بكر وعلياً أسلما كما عرض النبي  الإسلام عليهما.

﴿ وقال ﴾ إبراهيم ﴿ إني مهاجر ﴾ من كوثى وهي من سواد الكوفة إلى حران ثم منها إلى فلسطين ولهذا قالوا: لكل نبي هجرة ولإبراهيم هجرتان.

وكان معه في هجرته امراته سارة وهاجر وهو ابن خمس وسبعين سنة وهاجر معه لوط أيضاً.

ومعنى ﴿ إلى ربي ﴾ أي إلى حيث أمر ربي بالهجرة إليه ومثله قوله ﴿ إني ذاهب إلى ربي  ﴾ وعبارة القرآن أدخل في الإخلاص لأن المهاجر إلى حيث أمره الملك قد يهاجر إليه مرة أخرى لغرض نفسه فيصدق أنه مهاجر إلى حيث أمره الملك ولا يصدق أنه مهاجر لأجل الملك ولرضاه.

وفي قوله ﴿ إنه هو العزيز الحكيم ﴾ نوع تهديد لقومه وتصويب لما بدا له من الهجرة بأمر الله.

قال في الكشاف: إنه هو العزيز الذي يمنعني من أعدائي، الحكيم الذي لا يأمرني إلا بما هو مصلحتي.

ثم ذكر ما أنعم به عليه من الأولاد والأحفاد، ومن جعل النبوة وجنس الكتاب الإلهي فيهم.

وهو التوراة والإنجيل والزبور والفرقان -ولهذا اندرج ذكر إسماعيل في الآية.

ولعل السر في عدم ذكر إسماعيل والتصريح بذكره أن الله  جعل الزمان بعد إبراهيم قسمين: أحدهما زمن إسحاق ويعقوب وذراريهما إلى زمان الفترة، والآخر من محمد  إلى يوم قيام الساعة وهو من ولد إسماعيل فطي ذكر إسماعيل إشارة إلى تأخر زمان دولته والله أعلم.

ثم كرر ذكر النعمة بقوله ﴿ وأتيناه أجره في الدنيا ﴾ قال أهل التحقيق: إن الله  بدل جميع أحوال إبراهيم  بأضدادها.

لما أراد القوم تعذيبه بالنار فجعلها الله عليه برداً وسلاماً، وهاجر فريداً وحيداً فوهب الله له ذريّة طيبة مباركة كما وصفنا، وكان لا مال له فكثر ماله حتى حصل له من المواشي ما علم الله عدده فقط.

يروى أنه كان له اثنا عشر ألف كلب حارس في أعناقها أطواق من ذهب.

وكان خاملاً حتى قال قائلهم ﴿ سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم  ﴾ فجعل الله له لسان صدق في الآخرين.

اللهم صلى على محمد وآل محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم.

ثم بين بقوله ﴿ وإنه في الآخرة لمن الصالحين ﴾ أن تلك النعمة الدنيوية ولذاتها مقرونة بفلاح الآخرة وصلاحها جعلنا الله  ببركته أهلاً لبعض ذلك وهو المستعان.

قوله ﴿ ولوطا إذ قال ﴾ إعرابه كإعراب قوله ﴿ وإبراهيم إذ قال ﴾ وقد مروالظاهر أن لوطاً يكون قد أمر قومه بالتوحيد والعبادة أوّلاً ثم نهاهم عن الفاحشة ثانياً.

إلا أن الله  قد حكى عنه ما اختص به وبقومه وهو قوله ﴿ إنكم لتأتون الفاحشة ﴾ ويحتمل أن يكونوا موحدين إلا أنهم بسبب الإصرار على الفعلة الشنعاء وتحليلها مع وجود النبي  الناهي عنها صاروا في حكم الكفرة.

وإذا كان الزنا فاحشة كما قال ﴿ ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة  ﴾ مع أن الزنا لا يفضي إلى قطع النسل فاللواطة أولى بكونها فاحشة لتماديها في القبح ولإفضائها إلى انقطاع النسل، ويعلم منه احتياجها إلى الزاجر كالزنا بل أولى ويعلم منه افتقارها إلى الرجم بدليل إمطار الحجارة على أهلها.

ومعنى ﴿ ما سبقكم بها ﴾ أنه لم يأت بمثل هذا الفعل أحد قبلهم أو لم يشتهر به ولم يبالغ فيه أحد وإن ارتكبه بعضهم في الندرة كما يقال: إن فلاناً سبق البخلاء في البخل، واللئام في اللؤم إذا زاد عليهم.

ومعنى ﴿ تقطعون السبيل ﴾ تقضون الشهوة بالرجال مع قطع السبيل المعتاد مع النساء.

ويجوز أن يكونوا قطاع الطريق والظاهر يشعر به ﴿ وتأتون في ناديكم المنكر ﴾ أي تضمون إلى قبح فعلكم قبح الإظهار.

والنادي هو المجلس ما دام فيه الناس.

وعن عائشة: كانوا يتجامعون.

وعن ابن عباس: هو الحذف ومضغ العلك وحل الإزار والفحش في المزاح والسخرية بمن مر بهم ﴿ فما كان جواب قومه إلا أن قالوا ائتنا بعذاب الله ﴾ ولم يهددوه بنحو القتل والتخويف كما في قصة إبراهيم، لأن إبراهيم كان يقدح في آلهتهم ويشتمهم بتعديد نقائصهم ﴿ يا أبت لم تعبد مالا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئاً  ﴾ فجعلوا جزاءه شر الجزاء.

وأما لوط فكان ينكر عليهم فعلهم فهددوه بالإخراج أوّلاً ﴿ أخرجوا آل لوط من قريتكم  ﴾ واقترحوا من عذاب الله ثانياً.

ويجوز أن يكون على سبيل الاستهزاء فلا جرم ﴿ قال رب انصرني على القوم المفسدين ﴾ كأنه أيس من توبتهم وإنابتهم ومن أن يلدوا تائباً مطيعاً كما قال نوح ﴿ ولا يلدوا إلا فاجراً كفارا  ﴾ ولعلهم كانوا يفسدون الناس بحملهم على ما كانوا عليه من المعاصي والفواحش طوعاً وكرهاً أو بابتداء الفواحش واقتداء من بعدهم بهم.

والبشرى هي البشارة بالولد، والنافلة إسحق ويعقوب، وإضافة ﴿ مهلكو ﴾ إضافة تخفيف لا تعريف لأنه بمعنى الاستقبال أو الحال القريب منه لا الماضي، ولأن المقصود يتضح بذلك لا بوصف الملائكة لمطلق الإهلاك.

والقرية سذوم.

ثم علل الإهلاك بأن الظلم قد استمر فيهم بناء على أن كان للثبوت والاستمرار، ويحتمل أن يكون للزمان الماضي فإن هذا القدر يكفي للتعليل والزائد عليه لا تحتاج الملائكة إلى تقريره بخلاف ما في قصة نوح ﴿ فأخذهم الطوفان وهم ظالمون  ﴾ فإن ذلك إخبار من الله  ولا يحسن من الكريم أن يعاقب على الجرم السابق إلا بعد تحقق الإصرار والاستمرار.

قال بعضهم: إن تعلق ﴿ البشرى ﴾ بهذا الإنذار هو أنه كان في إهلاك قوم لوط إخلاء الأرض من العباد فقدمت البشارة المذكورة المتضمنة لوجود عباد صالحين حتى لا يتأسف على إهلاك قوم من أبناء جنسه.

ثم إن إبراهيم لما سمع إنذار الملائكة أظهر الإشفاق على لوط والحزن له قائلاً ﴿ إن فيها لوطاً قالوا نحن أعلم ﴾ منك ﴿ بمن فيها ﴾ وأخبروا بحاله وحال قومه.

ومعنى ﴿ من الغابرين ﴾ من الماضين ذكرهم أو ممن يمضي زمانه وبفنى أو من الباقين في المهلكين و ﴿ سيء بهم وضاق بهم ذرعاً ﴾ قد مر في "هود" وقال بعضهم: يحتمل أن يكون ضيق الذرع عبارة عن انقباض الروح فعند ذلك تجتمع أعضاء الإنسان وتقل مساحتها.

فقالت الملائكة ﴿ لا تخف ﴾ علينا ﴿ ولا تحزن ﴾ بسبب التفكر في أمرنا.

وقال أهل البرهان: وإنما قيل ههنا ﴿ ولما أن جاءت ﴾ بزيادة "أن" لأن "لما" تقتضي جواباً وإذا اتصل به "أن" دل على أن الجواب وقع في الحال من غير تراخ في الظاهر كما في هذه السورة وهو قوله ﴿ سيء بهم ﴾ وفي هود اتصل به كلام بعد كلام فطال فلم يحسن دخول "أن" ظاهراً مع أن القصة واحدة.

ثم إن الملائكة قالوا للوط ﴿ إنا منجوك ﴾ بلفظ اسم الفاعل وقالوا لإبراهيم  ﴿ لننجينه ﴾ بلفظ الفعل لأن ذلك ابتداء الوعد وهذا أوان إنجازه فأرادوا أن ذلك الوعد حتم واقع منا كقولك: أنا ميت لضرورة وقوعه ووجوده.

والرجز العذاب الذي يوقع صاحبه في القلق والاضطراب من قولهم: ارتجز وارتجس إذا اضطرب، والمراد الحجارة.

وقيل: النار.

وقيل: الخسف.

وعلى هذا يراد أن الأمر بالخسف والقضاء به من السماء ﴿ ولقد تركنا منها ﴾ أي من القرية ﴿ آية بينة ﴾ هي آثار منازلهم الخربة أو بقية الحجارة أو الماء الأسود أو قصتهم وخبرهم.

وقوله ﴿ القوم ﴾ يتعلق بـ ﴿ تركنا ﴾ أبو بـ ﴿ بينة ﴾ ولزيادة قوله ﴿ بينة ﴾ قال ﴿ لقوم يعقلون ﴾ بخلاف قوله في قصة نوح  ﴿ وجعلناها آية للعالمين  ﴾ لأن الآية لا تتبين إلا لذوي العقول وليس كل من في العالم بذي عقل.

ثم أجمل سائر القصص والرجاء إما على أصله أو بمعنى الخوف.

وعلى الأول قال جار الله: اراد افعلوا ما ترجون به العاقبة، فأقيم المسبب مقام السبب.

أو أمروا الرجاء والمراد اشتراط ما يسوغه من الإيمان كما يؤمر الكافر بالصلاة مثلاً على إرادة الشرط وهو الإسلام.

﴿ فكذبوه ﴾ إنما صح إطلاق التكذيب مع أن ذكره شعيب أمر ونهي، والأمر لكونه طلباً لا يحتمل التصديق والتكذيب، وكذا النهي لأن قول شعيب يتضمن قوله الله واحد والحشر كائن والفساد محرم وكل واحد من هذه خبر.

ومعنى الرجفة والصيحة قد مر في "الأعراف" وفي "هود".

وكذا إنه لم قال مع الرجفة في دارهم على التوحيد، ومع الصيحة في ديارهم على الجمع.

﴿ و ﴾ أهلكنا ﴿ عاداً وثمود وقد تبين لكم ﴾ ذلك الإهلاك ﴿ من ﴾ جهة ﴿ مساكنهم ﴾ إذا نظرتم إليها عند مروركم بها ﴿ وكانوا مستبصرين ﴾ أي عقلاء متمكنين من النظر والاستدلال، وكانوا عارفين بأخبار الرسل أن العذاب نازل بهم ولكنهم لم ينظروا في الدليل ولجوا حتى هلكوا ﴿ وما كانوا سابقين ﴾ أي أدركهم أمر الله فلم يفوتوه.

ثم قرر أمر المذنبين بإجمال آخر يفيد أنهم عذبوا بالعناصر الربعة، فجعل ما منه تركيبهم سبباً لعدمهم وما منه بقاؤهم سبباً لفنائهم.

فالحاصب حجارة محماة تقع على كل واحد منهم فتنفذ من الجانب الآخر وهو إشارة إلى التعذيب بعنصر النار وأنه لقوم لوط.

والصيحة وهي تموّج شديد في الهواء لمدين.

وثمود.

والخسف لقارون والغرق لقوم نوح وفرعون ﴿ وما كان الله ليظلمهم ﴾ بالإهلاك ﴿ ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ﴾ بالإشراك وقال بعض أهل العرفان: وما كان الله ليضعهم في غير موضعهم فإن موضعهم الكرامة ولكنهم وضعوا أنفسهم مع شرفها في عبادة الوثن الذي هو في غاية الخسة فلذلك ضرب لهم المثل بالعنكبوت ونسجه الذي هو عند الناس في غاية الوهن والضعف.

فإن كان تشبيهاً مركباً فظاهر، وإن كان مفرقاً فالمشرك كالعنكبوت واتخاذه الصنم معبوداً وملجاً كاتخاذ العنكبوت نسجه بيتاً فإنه يصير سبباً لهلاكه ولتنظيف البيت منه كعابد الوثن يقع في النار بسبب عبادته.

وفيه أن العنكبوت كما أنه يصطاد بسبب نسجه الذباب ولكنه لا بقاء له ويتلاشى بأدتنى سبب كذلك الكافر يستفيد بشركه ما هو أقل من جناح بعوضة وهو بعض متاع الدنيا ولكنه كعمله يصير آخر الأمر هباء منثوراً.

ثم عرض على العقول صحة المثل المضروب قائلاً ﴿ وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت ﴾ بأنه لا يصلح للبقاء ولا للاتسدفاء ولا للاستظلال ولا للاستكنان والنسج في نفسه إن فرض له فائدة كما أن الصنم في نفسه يمكن أن ينتفع به ولكن اتخاذ النسج بتاً لا شك انه غير مفيد بل مضر كما مر فكذلك عبادة الصنم.

ثم قال ﴿ لو كانوا يعلمون ﴾ فحذف الجواب ليذهب الوهم كل مذهب أي لو كانوا يعلمون أن هذا مثلهم وأمر دينهم لتابوا وندموا، ولو كانوا يعلمون صحة هذا التشبيه وقد صح أن أوهن البيوت إذا استقريتها بيتاً بيتاً العنكبوت.

فقد تبين أن دينهم أوهن الأديان إذا استقريتها ديناً ديناً.

وصاحب الكشاف علق هذا الشرط بما قبله وليس بذاك وقد مر في الوقوف والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَىٰ قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عَاماً ﴾ : يذكر هذا النبأ لوجهين: أحدهما: يصبر رسوله على أذى قومه؛ لأنه ذكر أن نوحاً لبث في قومه ألف عام غير خمسين عاما، كان يدعوهم إلى توحيد الله، فلم يجبه إلا نفر من أهله؛ فلم يمنعه من الدعاء إلى دين الله ما أوعدوه من المواعيد حيث قالوا: ﴿ لَئِنْ لَّمْ تَنْتَهِ يٰنُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمَرْجُومِينَ  ﴾ ونحو ذلك من المواعيد، فذلك لم يمنعه عن الدعاء؛ ولذلك قال: ﴿ فَٱصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ ٱلْعَزْمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ  ﴾ .

والثاني: ينقض على المتقشفة مذهبهم؛ لأنهم يقولون: إن الموعظة إنما لا تنجع في الموعوظين لتفريط الواعظ وترك استعمال نفسه ذلك، فيقال: إن نوحاً قد دعا قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً، فلم يجبه إلا نفر؛ فلا يحتمل أن يكون منه تقصير أو تفريط؛ فدل أنها لا تنجع ربما لشقاوة الموعوظ.

وقوله: ﴿ فَأَخَذَهُمُ ٱلطُّوفَانُ ﴾ : قال بعضهم: هو المطر الشديد.

وجائز أن يكون الطوفان كل بلاء فيه الهلاك.

والطوفان هو ما أرسل عليهم من الماء فأغرقهم، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فأَنْجَيْناهُ ﴾ أي: نوحاً، ﴿ وأَصْحَابَ ٱلسَّفِينَةِ ﴾ أي: من دخل السفينة، ﴿ وَجَعَلْنَاهَآ آيَةً لِّلْعَالَمِينَ ﴾ قال بعضهم: جعلها آية: هو أن هلكت كل سفينة كانت، وهي باقية اليوم على ما هي عليه.

وقال بعضهم: ﴿ وَجَعَلْنَاهَآ آيَةً ﴾ لمن بعدهم، فتمنعهم عن تكذيب الرسل والعناد معهم.

قال الزجاج: الاستثناء يخرج على تأكيد ما تقدم من الكلام؛ كذكر الكل على أثر ما تقدم من الكلام، أو كلام نحوه.

وقلنا نحن: إن كان ما تقدم من الذكر كافياً تامّاً، فيخرج الثنيا على أثره مخرج التأكيد لما تقدم؛ نحو قوله: ﴿ إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إِلَىٰ قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ  إِلاَّ آلَ لُوطٍ إِنَّا  ﴾ ، قوله: ﴿ إِلَىٰ قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ ﴾ كافٍ تام مفهوم ألاَّ يدخل فيه آل لوط حيث ذكر المجرم؛ إذ آله غير مجرمين، فهو كاف مفهوم لا يحتاج إلى ذكر آل لوط، لكنه ذكر على التأكيد له.

وكذلك قوله: ﴿ مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَٰفِحِينَ  ﴾ و ﴿ مُحْصَنَٰتٍ غَيْرَ مُسَٰفِحَٰتٍ  ﴾ ؛ إذا قال: محصنين: يفهم أنهن غير مسافحات ولا متخذات أخدان، لكنه ذكر على التأكيد.

وإذا كان ما تقدم من الكلام محتملا مرسلا، فيخرج ذكر الثنيا مخرج تحصيل المراد منه على إضمار حرف "مِن" فيه؛ كقوله: ﴿ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عَاماً ﴾ كأنه قال: فلبث فيهم من ألف سنة تسعمائة وخمسين؛ وكذلك قول الناس لفلان: عليّ عشرة دراهم إلا كذا، كأنه قال: لفلان علي من عشرة دراهم كذا، فهو على التحصيل يخرج ذكره.

وقال بعضهم: الطوفان كل ماء طافٍ فاشٍ من سبيل أو غيره؛ وكذلك الموت الجارف يسمى الطوفان وماء الطوفان، وهو ما ذكر في سورة الأعراف.

وقال بعضهم: هو الغرق، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ ﴾ : هو نسق على قوله: ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَىٰ قَوْمِهِ ﴾ ، وأرسلنا إبراهيم أيضاً إلى قومه.

أو أن يكون نسقاً على قوله: ﴿ فأَنْجَيْناهُ وأَصْحَابَ ٱلسَّفِينَةِ ﴾ ، وأنجينا إبراهيم أيضاً حين ألقي في النار.

أو يقال: اذكر إبراهيم إذ قال لقومه: اعبدوا الله.

وقوله: ﴿ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱتَّقُوهُ ﴾ : يحتمل في حق الاعتقاد، أي: وحدوا الله.

وقوله: ﴿ وَٱتَّقُوهُ ﴾ : الشرك.

ويحتمل قوله: ﴿ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ ﴾ في حق المعاملة، أي: إليه اصرفوا العبادة، ﴿ وَٱتَّقُوهُ ﴾ أي: اتقوا عبادة من تعبدون من الأوثان؛ يكون قوله: اتقوا في موضع النهي، أي: اعبدوا الله ووحدوه ولا تعبدوا غيره؛ يكون فيه نهي عن مخالفة ما تقدم من الأمر: افعلوا كذا، واتقوا ما يضاده ويخالفه، والله أعلم.

وقوله: ﴿ ذٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ ﴾ أي: عبادة الله خير لكم.

وقوله: ﴿ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ يحتمل قوله: ﴿ إِن ﴾ إذا كنتم تعلمون: أن ذلك خير لكم، وجائز ذكر (إن) مكان (إذ) في اللغة.

أو يكون صلة قوله: ﴿ ذٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ .

وقوله: ﴿ إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوْثَاناً وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً ﴾ أي: تخلقون كذبا في تسميتكم الأوثان آلهة معبودين، أي: ليسوا بآلهة ولا معبودين.

أو يقال: ﴿ وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً ﴾ ، أي: كذباً في صرف عبادتكم إليها واستحقاق العبادة، أي: لا يستحقون العبادة، إنما المستحق للعبادة دون من تعبدون.

وقال بعضهم: أي: جعلتم كذباً من الآلهة لا حقّاً؛ وهو قريب مما ذكرنا.

ثم بيّن سفههم في صرف العبادة إلى الأصنام وعجزها عمن يعبدها حيث قال: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لاَ يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً ﴾ : يقول - والله أعلم -: إن في الشاهد لا يخدم أحد أحداً إلا لما يأمل من النفع له بالخدمة، أو لسابقة إحسان كان منه إليه، فالأصنام التي تعبدونها لا يملكون أن يرزقوكم ولا ينفعوكم، ولا كان منها إليكم سابقة صنع، فكيف تعبدونها؟!

وقوله: ﴿ فَٱبْتَغُواْ عِندَ ٱللَّهِ ٱلرِّزْقَ ﴾ أي: اعبدوا الله الذي يرزقكم وينفعكم ويملك ذلك لكم، واتركوا عبادة من لا يملك ذلك.

﴿ وَٱعْبُدُوهُ ﴾ : يحتمل الوجهين اللذين ذكرناهما فيما تقدم: التوحيد، والعبادة.

وقوله: ﴿ وَٱشْكُرُواْ لَهُ ﴾ أي: اشكروا له فيما أنعم عليكم.

﴿ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ .

وقوله: ﴿ وَإِن تُكَذِّبُواْ فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِّن قَبْلِكُمْ ﴾ : هذا يحتمل وجهين: أحدهما: وإن يكذبوك فيما تخبر من نبأ إبراهيم، فقد كذب أمم من قبلك رسلهم فيما أخبروا عن إبراهيم بعد انتساب كل فريق منهم إليه، وادعائه نحلته ومذهبه.

والثاني: وإن يكذبوك فيما تبلغ إليهم من الرسالة، فقد كذب أمم من قبلك رسلهم في تبليغ الرسالة، وما على الرسول إلا البلاغ المبين، يبين لهم أنها رسالة ربهم بالحجج والبراهين والآيات، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

إنما تعبدون -أيها المشركون- أصنامًا لا تنفع ولا تضرّ، وتختلقون الكذب حين تزعمون استحقاقها للعبادة، إن الذين تعبدونهم من دون الله لا يملكون لكم رزقًا فيرزقوكم، فاطلبوا عند الله الرزق فهو الرزاق، واعبدوه وحده واشكروا له ما أنعم به عليكم من الرزق، إليه وحده ترجعون يوم القيامة للحساب والجزاء لا إلى أصنامكم.

<div class="verse-tafsir" id="91.L1eRw"

مزيد من التفاسير لسورة العنكبوت

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.1 / 29.5
الإضاءة 27%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله