الآية ٣٠ من سورة العنكبوت

الإسلام > القرآن > سور > سورة 29 العنكبوت > الآية ٣٠ من سورة العنكبوت

قَالَ رَبِّ ٱنصُرْنِى عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْمُفْسِدِينَ ٣٠

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 61 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٣٠ من سورة العنكبوت: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٣٠ من سورة العنكبوت عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ولهذا استنصر عليهم نبي الله فقال : ( رب انصرني على القوم المفسدين ) .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ (30)

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

ثم استنصر لوط عليه السلام ربه فبعث عليهم ملائكة لعذابهم ،

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

فأيس منهم نبيهم، وعلم استحقاقهم العذاب، وجزع من شدة تكذيبهم له، فدعا عليهم و{ قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ } فاستجاب اللّه دعاءه.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( قال ) لوط : ( رب انصرني على القوم المفسدين ) بتحقيق قولي في العذاب .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«قال رب انصرني» بتحقيق قولي في إنزال العذاب «على القوم المفسدين» العاصين بإتيان الرجال فاستجاب الله دعاءه.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

قال: رب انصرني على القوم المفسدين بإنزال العذاب عليهم؛ حيث ابتدعوا الفاحشة وأصرُّوا عليها، فاستجاب الله دعاءه.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ولذا لجأ لوط - عليه السلام - إلى ربه ، يلتمس منه النصرة والعون فقال : ( رَبِّ انصرني عَلَى القوم المفسدين ) ، اى : انصرنى بأن تنزل عذابك على هؤلاء القوم المفسدين ، الذين مردوا على ارتكاب فواحش ، لم يسبقهم بها من أحد من العالمين .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

الإعراب في لوط، والتفسير كما ذكرنا في قوله: ﴿ وإبراهيم إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ  ﴾ وهاهنا مسائل: المسألة الأولى: قال إبراهيم لقومه ﴿ اعبدوا الله ﴾ وقال عن لوط هاهنا أنه قال لقومه ﴿ لَتَأْتُونَ الفاحشة ﴾ فنقول لما ذكر الله لوطاً عند ذكر إبراهيم وكان لوط في زمان إبراهيم لم يذكر عن لوط أنه أمر قومه بالتوحيد مع أن الرسول لابد من أن يقول ذلك فنقول حكاية لوط وغيرها هاهنا ذكرها الله على سبيل الاختصار، فاقتصر على ما اختص به لوط وهو المنع من الفاحشة، ولم يذكر عنه الأمر بالتوحيد وإن كان قاله في موضع آخر حيث قال: ﴿ اعبدوا الله مَا لَكُم مّنْ إله غَيْرُهُ  ﴾ لأن ذلك كان قد أتى به إبراهيم وسبقه فصار كالمختص به ولوط يبلغ ذلك عن إبراهيم.

وأما المنع من عمل قوم لوط كان مختصاً بلوط، فإن إبراهيم لم يظهر ذلك (في زمنه) ولم يمنعهم منه فذكر كل واحد بما اختص به وسبق به غيره.

المسألة الثانية: لم سمى ذلك الفعل فاحشة؟

فنقول الفاحشة هو القبيح الظاهر قبحه، ثم إن الشهوة والغضب صفتا قبح لولا مصلحة ما كان يخلقهما الله في الإنسان، فمصلحة الشهوة الفرجية هي بقاء النوع بتوليد الشخص، وهذه المصلحة لا تحصل إلا بوجود الولد وبقائه بعد الأب، فإنه لو وجد ومات قبل الأب كان يفنى النوع بفناء القرن الأول، لكن الزنا قضاء شهوة ولا يفضي إلى بقاء النوع، لأنا بينا أن البناء بالوجود وبقاء الولد بعد الأب لكن الزنا وإن كان يفضي إلى وجود الولد ولكن لا يفضي إلى بقائه، لأن المياه إذا اشتبهت لا يعرف الوالد ولده فلا يقوم بتربيته والإنفاق عليه فيضيع ويهلك، فلا يحصل مصلحة البقاء، فإذن الزنا شهوة قبيحة خالية عن المصلحة التي لأجلها خلقت، فهو قبيح ظاهر قبحه حيث لا تستره المصلحة فهو فاحشة، وإذا كان الزنا فاحشة مع أنه يفضي إلى وجود الولد ولكن لا يفضي إلى بقائه، فاللواطة التي لا تفضي إلى وجوده أولى بأن تكون فاحشة.

المسألة الثالثة: الآية دالة على وجوب الحد في اللواطة، لأنها مع الزنا اشتركت في كونهما فاحشة حيث قال الله تعالى: ﴿ وَلاَ تَقْرَبُواْ الزنى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً  ﴾ واشتراكهما في الفاحشة يناسب الزجر عنه، فما شرع زاجراً هناك يشرع زاجراً هاهنا، وهذا وإن كان قياساً إلا أن جامعه مستفاد من الآية، ووجه آخر، وهو أن الله جعل عذاب من أتى بها إمطار الحجارة حيث أمطر عليهم حجارة عاجلاً، فوجب أن يعذب من أتى به بإمطار الحجارة به عاجلاً وهو الرجم، وقوله: ﴿ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أن قبلهم لم يأت أحد بهذا القبيح وهذا ظاهر، والثاني: أن قبلهم ربما أتى به واحد في الندرة لكنهم بالغوا فيه، فقال لهم ما سبقكم بها من أحد، كما يقال إن فلاناً سبق البخلاء في البخل، وسبق اللئام في اللؤم إذا زاد عليهم، ثم قال تعالى: ﴿ أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرجال وَتَقْطَعُونَ السبيل ﴾ بياناً لما ذكرنا، يعنى تقضون الشهوة بالرجال مع قطع السبيل المعتاد مع النساء المشتمل على المصلحة التي هي بقاء النوع، حتى يظهر أنه قبيح لم يستر قبحه مصلحة، وحينئذ يصير هذا كقوله تعالى: ﴿ أَتَأْتُونَ الرجال شَهْوَةً مّن دُونِ النساء  ﴾ يعنى إتيان النساء شهوة قبيحة مستترة بالمصلحة فلكم دافع لحاجتكم لا فاحشة فيه وتتركونه وتأتون الرجال شهوة مع الفاحشة وقوله: ﴿ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ المنكر ﴾ يعني ما كفاكم قبح فعلكم حتى تضمون إليه قبح الإظهار، وقوله: ﴿ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ ﴾ في التفسير، كقوله في قصة إبراهيم ﴿ وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ ﴾ وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قال قوم إبراهيم ﴿ اقتلوه أَوْ حَرّقُوهُ  ﴾ وقال قوم لوط ﴿ ائتنا بِعَذَابِ الله ﴾ وما هددوه، مع أن إبراهيم كان أعظم من لوط، فإن لوطاً كان من قومه، فنقول إن إبراهيم كان يقدح في دينهم ويشتم آلهتهم بتعديد صفات نقصهم بقوله: لا يسمع، ولا يبصر، ولا يغني والقدح في الدين صعب، فجعلوا جزاءه القتل والتحريق، ولوط كان ينكر عليهم فعلهم وينسبهم إلى ارتكاب المحرم وهم ما كانوا يقولون إن هذا واجب من الدين، فلم يصعب عليهم مثل ما صعب على قوم إبراهيم قول إبراهيم، فقالوا إنك تقول إن هذا حرام والله يعذب عليه ونحن نقول لا يعذب، فإن كنت صادقاً فأتنا بالعذاب، فإن قيل إن الله تعالى قال في موضع آخر ﴿ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُواْ أَخْرِجُواْ ءالَ لُوطٍ مّن قَرْيَتِكُمْ  ﴾ وقال هاهنا ﴿ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُواْ ائتنا ﴾ فكيف الجمع؟

فنقول لوط كان ثابتاً على الإرشاد مكرراً عليهم التغيير والنهي والوعيد، فقالوا أولا ائتنا، ثم لما كثر منه ذلك ولم يسكت عنهم قالوا أخرجوا، ثم إن لوطاً لما يئس منهم طلب النصرة من الله وذكرهم بما لا يحب الله ﴿ فَقَالَ رَبّ انصرنى عَلَى القوم المفسدين ﴾ فإن الله لا يحب المفسدين، حتى ينجز النصر.

واعلم أن نبياً من الأنبياء ما طلب هلاك قوم إلا إذا علم أن عدمهم خير من وجودهم، كما قال نوح: ﴿ إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّواْ عِبَادَكَ وَلاَ يَلِدُواْ إِلاَّ فَاجِراً كَفَّاراً  ﴾ يعني المصلحة إما فيهم حالا أو بسببهم مآلا ولا مصلحة فيهم، فإنهم يضلون في الحال وفي المآل فإنهم يوصون الأولاد من صغرهم بالامتناع من الاتباع، فكذلك لوط لما رأى أنهم يفسدون في الحال واشتغلوا بما لا يرجى معه منهم ولد صالح يعبد الله، بطلت المصلحة حالا ومآلا، فعدمهم صار خيراً، فطلب العذاب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ وَلُوطاً ﴾ معطوف على إبراهيم، أو على ما عطف عليه.

و ﴿ الفاحشة ﴾ الفعلة البالغة في القبح.

و ﴿ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مّن العالمين ﴾ جملة مستأنفة مقررة لفحاشة تلك الفعلة، كأن قائلاً قال: لم كانت فاحشة؟

فقيل له: لأن أحداً قبلهم لم يقدم عليها اشمئزازاً منها في طباعهم لإفراط قبحها، حتى أقدم عليها قوم لوط لخبث طينتهم وقذر طباعهم.

قالوا لم ينزُ ذكر على ذكر قبل قوم لوط قط.

وقريء: إنكم، بغير استفهام في الأوّل دون الثاني: قال أبو عبيدة: وجدته في الإمام بحرف واحد بغير ياء، ورأيت الثاني بحرفين الياء والنون وقطع السبيل: عمل قطاع الطريق، من قتل الأنفس وأخذ الأموال.

وقيل: اعتراضهم السابلة بالفاحشة.

وعن الحسن: قطع النسل بإتيان ما ليس بحرث.

و ﴿ المنكر ﴾ عن ابن عباس رضي الله عنهما هو الخذف بالحصى، والرمي بالبنادق، والفرقعة، ومضغ العلك، والسواك بين الناس، وحل الأزرار، والسباب، والفحش في المزاح.

وعن عائشة رضي الله عنها: كانوا يتحابقون وقيل السخرية بمن مرَّ بهم.

وقيل: المجاهرة في ناديهم بذلك العمل، وكل معصية فإظهارها أقبح من سترها، ولذلك جاء: من خرق جلباب الحياء فلا غيبة له.

ولا يقال للمجلس: ناد، إلا ما دام فيه أهله، فإذا قاموا عنه لم يبق نادياً ﴿ إِن كُنتَ مِنَ الصادقين ﴾ فيما تعدناه من نزول العذاب.

كانوا يفسدون الناس بحملهم على ما كانوا عليه من المعاصي والفواحش طوعاً وكرهاً ولأنهم ابتدعوا الفاحشة وسنوها فيمن بعدهم، وقال الله تعالى: ﴿ الذين كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ الله زدناهم عَذَابًا فَوْقَ العذاب بِمَا كَانُواْ يُفْسِدُونَ ﴾ [النحل: 88] فأراد لوط عليه السلام أن يشتد غضب الله عليهم، فذكر لذلك صفة المفسدين في دعائه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ أإنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ وتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ ﴾ وتَتَعَرَّضُونَ لِلسّابِلَةِ بِالقَتْلِ وأخْذِ المالِ أوْ بِالفاحِشَةِ حَتّى انْقَطَعَتِ الطُّرُقُ، أوْ تَقْطَعُونَ سَبِيلَ النَّسْلِ بِالإعْراضِ عَنِ الحَرْثِ وإتْيانِ ما لَيْسَ بِحَرْثٍ.

﴿ وَتَأْتُونَ في نادِيكُمُ ﴾ في مَجالِسِكُمُ الغاصَّةِ بِأهْلِها ولا يُقالُ لِلنّادِي إلّا لِما فِيهِ أهْلُهُ.

﴿ المُنْكَرَ ﴾ كالجِماعِ والضُّراطِ وحَلِّ الإزارِ وغَيْرِها مِنَ القَبائِحِ عَدَمَ مُبالاةٍ بِها.

وقِيلَ الخَذْفُ ورَمْيُ البَنادِقِ.

﴿ فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلا أنْ قالُوا ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ ﴾ في اسْتِقْباحِ ذَلِكَ أوْ في دَعْوى النُّبُوَّةِ المَفْهُومَةِ مِنَ التَّوْبِيخِ.

﴿ قالَ رَبِّ انْصُرْنِي ﴾ بِإنْزالِ العَذابِ.

﴿ عَلى القَوْمِ المُفْسِدِينَ ﴾ بِابْتِداعِ الفاحِشَةِ وسَنِّها فِيمَن بَعْدَهم، وصَفَهم بِذَلِكَ مُبالَغَةً في اسْتِنْزالِ العَذابِ وإشْعارًا بِأنَّهم أحِقّاءُ بِأنْ يُعَجَّلَ لَهُمُ العَذابُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{قَالَ رَبّ انصرنى} بإنزال العذاب {عَلَى القوم المفسدين} كانوا يفسدون الناس بحملهم على ما كانوا عليه من المعاصي والفواحش

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ قالَ رَبِّ انْصُرْنِي ﴾ أيْ بِإنْزالِ العَذابِ المَوْعُودِ ﴿ عَلى القَوْمِ المُفْسِدِينَ ﴾ بِابْتِداعِ الفاحِشَةِ وسَنِّها فِيما بَعْدَهم والإصْرارِ عَلَيْها واسْتِعْجالِ العَذابِ بِطَرِيقِ السُّخْرِيَةِ، وإنَّما وصَفَهم بِذَلِكَ مُبالَغَةً في اسْتِنْزالِ العَذابِ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ يعني: صدق لوطا إبراهيم عليهما السلام على الهجرة، ويقال: صدقه بالنبوة حين لم تحرقه النار وَقالَ إبراهيم إِنِّي مُهاجِرٌ إِلى رَبِّي يعني: إلى رضاء ربي وطاعة ربي.

ويقال: إلى أرض من أرض ربي، فهجر قومه الكافرين وخرج إلى الأرض المقدسة، ومعه سارة ثم قال: إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ في ملكه الْحَكِيمُ في أمره.

ويقال: حكيم حكم أن من لم يقدر في بلدة على طاعة الله عز وجل فليخرج إلى بلدة أخرى.

قوله عز وجل: وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ يعني: لمّا هاجر إلى طاعة الله عز وجل، أكرمه الله في الدنيا وأعطاه ذرية طيبة، وهو ولده إسحاق، وولد ولده يعقوب عليهم السلام، - ووهب له أربعة أولاد: إسحاق من سارة، وإسماعيل من هاجر، ومدين ومداين من غيرهما (١) الزبور والتوراة والإنجيل والفرقان وَآتَيْناهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيا يعني: أعطيناه في الدنيا الثناء الحسن وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ يعني: مع النبيين في الجنة.

قوله عز وجل: وَلُوطاً يعني: وأرسلنا لوطاً إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ قرأ ابن كثير ونافع وابن عامر وعاصم في رواية حفص، إِنَّكُمْ على معنى الخبر.

وقرأ أبو عمرو ءائنكم بالمد على معنى الاستفهام، لَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ يعني: المعصية مَا سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ.

ثم قال: أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ واتفقوا في هذا الحرف على لفظ الاستفهام، واختلفوا في الأول، فقرأ الذين سميناهم على وجه الإخبار عنهم إنكم تفعلون، وتكون على وجه التعيير.

وقرأ الباقون الأول على وجه الاستفهام، فيكون اللفظ لفظ الاستفهام، والمعنى فيه: التوبيخ والتقريع.

ثم قال: وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ يعني: تعترضون الطريق لمن مرّ بكم بعملكم الخبيث.

ويقال: وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ.

يعني: تأخذون أموالهم، كانوا يفعلون ذلك لكيلا يدخلوا في بلدهم، ويتناولوا من ثمارهم، ويقال: تَقْطَعُونَ السَّبِيلَ يعني: النسل وَتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ الْمُنْكَرَ يعني: تعملون في مجالسكم المنكر.

وقال بعضهم: يعني به اللواطة كانوا يفعلون ذلك في المجالس بالعلانية.

ويقال: أراد به المعاصي، وهي: الرمي بالبندق والصّفير، والحذف، ومضغ العلك، وحل إزار القباء، واللعب بالحمام، وشرب الخمر، وضرب العود والمزامير، وغير ذلك من المعاصي.

وروت أم هانئ عن النبيّ  في قوله: وَتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ الْمُنْكَرَ قال: «كَانُوا يَحْذِفُونَ أهْلَ الطَّرِيقِ وَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ» فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قالُوا ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ بالعذاب، وإن العذاب نازل بنا قالَ رَبِّ انْصُرْنِي يعني: أعني عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ يعني: المشركين.

(١) ما بين معقوفتين ساقط من النسخة: «أ» .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

زيد «١» : لا يعجزه أهلُ الأرض في الأرض، ولا أهلُ السَّمَاءِ في السماء إن عصوه.

وقيل:

معناه: ولا في السماء لو كنتم فيها.

وقيل: المعنى: ليس للبشر حيلةٌ إلى صعودٍ أو نزول يفلتون بها.

قال قتادة: ذَمَّ الله قوماً هانوا عليه فقال: أُولئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي ...

الآية.

قال ع «٢» : وما تَقَدَّمَ من قوله: أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ ...

إلى هذه الآيةِ المستأَنفةِ يُحْتَمَلُ أَن يكونَ خطاباً لمحمد صلى الله عليه وسلّم، ويكون اعتراضا في قصَّة إبراهيم عليه السلام، ويحتمل أن يكونَ خطاباً لإبراهيم عليه السلام ومحاورة لقومه وعند آخر ذلك ذكر جواب قومه.

وقوله تعالى: فَأَنْجاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ أي بأن جعلها برداً وسلاماً.

قال كعب «٣» الأحبار- رضي الله عنه-: ولم تحرقِ النارُ إلا الحبل الذي أو ثقوه به وجعل سبحانه ذلك آية، وعبرةً، ودليلاً على توحيده لِمن شرح صدره ويسره للإيمان.

ثم ذكر تعالى أن إبراهيم- عليه السلام- قررهم على أنَّ اتخاذَهم الأوثانَ إنما كان اتباعاً من بعضهم لبعضٍ وحفظاً لمودتهم الدنيوية وأنهم يوم القيامة يَجْحَدُ بعضُهم بعضاً، ويتَلاَعَنُون لأن توادَّهم كان على غير تقوى، الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ [الزخرف: ٦٧] .

وقوله تعالى: فَآمَنَ لَهُ/ لُوطٌ معناه: صدق، وآمن: يتعدى باللام والباء، والقائل ٦٢ أإِنِّي مُهاجِرٌ هو إبراهيم عليه السلام.

قاله قتادةُ والنخعيُّ «١» وقالت فرقةٌ: هو لوط- عليه السلام-.

وقوله تعالى: وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ وَآتَيْناهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيا ...

الآية، الأجرُ الذي آتاهُ الله في الدنيا: العافيةُ من النار ومن المَلِكِ الجائرِ.

والعملُ الصالحُ أو الثناءُ الحسنُ قاله مجاهد «٢» ويدخل في عموم اللفظ غيرُ ما ذُكِرَ.

قوله تعالى: وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ، أي: في عداد الصالحين الذين نالوا رضا الله عز وجل، وقول لوط عليه السلام: أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ، قالت فرقة: كان قطعُ الطريقِ بالسلب فاشياً فيهم، وقيل غيرُ هذا، والنادي، المجلس الذي يجتمع الناس فيه.

واخْتُلِفَ في هذا المُنْكَرِ الذي يأتونه في ناديهم: فقالت فرقة: كانوا يحذفونَ الناسَ بالحصباءِ ويَسْتَخِفُّونَ بالغريب والخاطر عليهم وروته أم هانىءٍ عن النبي صلى الله عليه وسلّم»

: وَكَانَتْ خُلقهُمْ مُهْمَلَةً لاَ يَرْبِطُهُمْ دِينٌ وَلاَ مروءة، وقال

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ ﴾ أيْ: صَدَّقَ بِإبْراهِيمَ ﴿ وَقالَ ﴾ يَعْنِي إبْراهِيمُ ﴿ إنِّي مُهاجِرٌ إلى رَبِّي ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: إلى رِضى رَبِّي.

والثّانِي: إلى حَيْثُ أمَرَنِي رَبِّي، فَهاجَرَ مِن سَوادِ العِراقِ إلى الشّامِ وهَجَرَ قَوْمَهُ المُشْرِكِينَ.

﴿ وَوَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ﴾ بَعْدَ إسْماعِيلَ ﴿ وَيَعْقُوبَ ﴾ مِن إسْحاقَ ﴿ وَجَعَلْنا في ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ والكِتابَ ﴾ وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَبْعَثْ نَبِيًّا بَعْدَ إبْراهِيمَ إلّا مِن صُلْبِهِ ﴿ وَآتَيْناهُ أجْرَهُ في الدُّنْيا ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: الذِّكْرُ الحَسَنُ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: الثَّناءُ الحَسَنُ والوَلَدُ الصّالِحُ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: العافِيَةُ والعَمَلُ الحَسَنُ والثَّناءُ، فَلَسْتَ تَلْقى أحَدًا مِن أهْلِ المِلَلِ إلّا يَتَوَلّاهُ، قالَهُ قَتادَةُ، والرّابِعُ: أنَّهُ أُرِيَ مَكانَهُ مِنَ الجَنَّةِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ ﴾ قَدْ سَبَقَ بَيانُهُ [البَقَرَةِ: ١٣٠] .

قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: لَهُ هُناكَ جَزاءُ الصّالِحِينَ غَيْرَ مَنقُوصٍ مِنَ الآخِرَةِ بِما أُعْطِيَ في الدُّنْيا مِنَ الأجْرِ.

وما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ بَيانُهُ [الأعْرافِ: ٨٠] إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهم كانُوا يَعْتَرِضُونَ مَن مَرَّ بِهِمْ لِعَمَلِهِمُ الخَبِيثِ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهم كانُوا إذا جَلَسُوا في مَجالِسِهِمْ يَرْمُونَ ابْنَ السَّبِيلِ بِالحِجارَةِ، فَيَقْطَعُونَ سَبِيلَ المُسافِرِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّالِثُ: أنَّهُ قَطْعُ النَّسْلِ لِلْعُدُولِ عَنِ النِّساءِ إلى الرِّجالِ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَتَأْتُونَ في نادِيكُمُ المُنْكَرَ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: النّادِي: المَجْلِسُ، والمُنْكَرُ يَجْمَعُ الفَواحِشَ مِنَ القَوْلِ والفِعْلِ.

وَلِلْمُفَسِّرِينَ في المُرادِ بِهَذا المُنْكَرِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهم كانُوا يَحْذِفُونَ أهْلَ الطَّرِيقِ ويَسْخَرُونَ مِنهُمْ، فَذَلِكَ المُنْكَرُ، رَوَتْهُ أمُّ هانِئٍ بِنْتُ أبِي طالِبٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  .

وقالَ عِكْرِمَةُ، والسُّدِّيُّ: كانُوا يَحْذِفُونَ كُلَّ مَن مَرَّ بِهِمْ.

والثّانِي: لَفُّ القَمِيصِ عَلى اليَدِ، وجَرُّ الإزارِ، وحَلُّ الأزْرارِ، والحَذْفُ والرَّمْيُ بِالبُنْدُقِ، ولِعْبُ الحَمامِ، والصَّفِيرُ، في خِصالٍ أُخَرَ رَواها مَيْمُونُ بْنُ مِهْرانَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ الضُّراطُ، رَواهُ عُرْوَةُ عَنْ عائِشَةَ، وكَذَلِكَ فَسَّرَهُ القاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ.

والرّابِعُ: أنَّهُ إتْيانُ الرِّجالِ في مَجالِسِهِمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ وابْنُ زَيْدٍ.

وَهَذِهِ الآيَةُ [تَدُلُّ] عَلى أنَّهُ لا يَنْبَغِي لِلْمُجْتَمِعِينَ أنْ يَتَعاشَرُوا إلّا عَلى ما يُقَرِّبُ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ولا يَنْبَغِي أنْ يَجْتَمِعُوا عَلى الهُزْءِ واللَّعِبِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ رَبِّ انْصُرْنِي ﴾ أيْ: بِتَصْدِيقِ قَوْلِي في العَذابِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ أإنَّكم لَتَأْتُونَ الرِجالَ وتَقْطَعُونَ السَبِيلَ وتَأْتُونَ في نادِيكُمُ المُنْكَرَ فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلا أنْ قالُوا ائْتِنا بِعَذابِ اللهِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصادِقِينَ ﴾ ﴿ قالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلى القَوْمِ المُفْسِدِينَ ﴾ ﴿ وَلَمّا جاءَتْ رُسُلُنا إبْراهِيمَ بِالبُشْرى قالُوا إنّا مُهْلِكُو أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ إنَّ أهْلَها كانُوا ظالِمِينَ ﴾ تَقَدَّمَ ذِكْرُ القِراءاتِ في "أإنَّكُمْ"، واخْتَلَفَ الناسُ في "قَطْعِ السَبِيلِ" المُشارِ إلَيْها هُنا، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: كانَ قَطْعُ الطَرِيقِ بِالسَلْبِ فاشِيًّا فِيهِمْ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: كانُوا يَقْطَعُونَ الطُرُقَ عَلى الناسِ لِطَلَبِ الفاحِشَةِ، فَكانُوا يَحِيفُونَ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ أرادَ قَطْعَ سَبِيلِ النَسْلِ في تَرْكِ النِساءِ وإتْيانِ الرِجالِ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: أرادَ أنَّهم بِفَتْحِ الأُحْدُوثَةِ عنهم يَقْطَعُونَ سَبِيلَ الناسِ عن قَصْدِهِمْ في التِجاراتِ وغَيْرِها.

و"النادِي": المَجْلِسُ الَّذِي يَجْتَمِعُ الناسُ فِيهِ، وهو اسْمُ جِنْسٍ؛ لِأنَّ الأنْدِيَةَ في المُدُنِ كَثِيرَةٌ، كَأنَّهُ قالَ: وتَأْتُونَ في اجْتِماعِكم حَيْثُ اجْتَمَعْتُمْ، واخْتَلَفَ الناسُ في "المُنْكَرِ"، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: كانُوا يَحْذِفُونَ الناسَ بِالحَصى، ويَسْتَخِفُّونَ بِالغَرِيبِ والخاطِرِ عَلَيْهِمْ، ورَوَتْهُ أمُّ هانِئٍ عَنِ النَبِيِّ  ، وكانُوا لا يَرْبُطُهم دِينٌ ولا مُرُوءَةٌ، وقالَ مُجاهِدٌ، ومَنصُورٌ: كانُوا يَأْتُونَ الرِجالَ في مَجالِسِهِمْ وبَعْضُهم يَرى بَعْضًا، وقالَ القاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ: مُنْكَرُهم أنَّهم كانُوا يَتَفاعَلُونَ في مَجالِسِهِمْ، ذَكَرَهُ الزَهْراوِيُّ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: كانَ يَتَضارَطُونَ في مَجالِسِهِمْ، وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: كانَ أمْرُهم لِعْبُ الحَمامِ، وتَطْرِيفُ الأصابِعِ بِالحِنّاءِ، والصَفِيرِ، والحَذْفِ، ونَبْذِ الحَياءِ في جَمِيعِ أُمُورِهِمْ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقَدْ تُوجَدُ هَذِهِ الأشْياءُ في بَعْضِ عُصاةِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ  ، فالتَناهِي واجِبٌ.

فَلَمّا وقَّفَهم لُوطٌ عَلَيْهِ السَلامُ عَلى هَذِهِ القَبائِحِ رَجَعُوا إلى التَكْذِيبِ واللَجاجِ، أيِ: ائْتِنا بِالعَذابِ، فَإنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ، ولا تَقْدِرُ عَلَيْهِ، وهم لَمْ يَقُولُوا هَذا إلّا وهم مُصَمِّمُونَ عَلى اعْتِقادِ كَذِبِهِ، ولَيْسَ يَصِحُّ في الفِطْرَةِ أنْ يَكُونَ مُعانِدٌ يَقُولُ هَذا، [ثُمُ اسْتَنْصَرَ لُوطٌ عَلَيْهِ السَلامُ رَبَّهُ، فَبَعَثَ عَلَيْهِمْ مَلائِكَةً لِعَذابِهِمْ]، فَجاؤُوا إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ أوَّلًا مُبَشِّرِينَ بِإسْحاقَ، ومُبَشِّرِينَ بِنُصْرَةِ لُوطٍ عَلى قَوْمِهِ، وكانَ لِقاؤُهم لِإبْراهِيمَ عَلى الصُورَةِ الَّتِي بُيِّنَتْ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، فَلَفْظَةُ "البُشْرى" -فِي هَذا المَوْضِعِ- تَتَضَمَّنُ أمْرَ إسْحاقَ ونُصْرَةَ لُوطٍ عَلَيْهِما السَلامُ، فَلَمّا أخْبَرُوهُ بِإهْلاكِ القَرْيَةِ عَلى ظُلْمِهِمْ أشْفَقَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ عَلى لُوطٍ عَلَيْهِ السَلامُ، فَعارَضَهم بِحَسَبِ ما يَأْتِي.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الفاحشة مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ العالمين * أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرجال وَتَقْطَعُونَ السبيل وَتَأْتُونَ فِى نَادِيكُمُ المنكر ﴾ الانتقال من رسالة إبراهيم إلى قومه إلى رسالة لوط لمناسبة أنه شابه إبراهيم في أن أنجاه الله من عذاب الرجز.

والقول في صدر هذه الآية كالقول في آية ﴿ وإبراهيم إذ قال لقومه ﴾ [العنكبوت: 16] المتقدم آنفاً.

وتقدم نظيرها في سورة النمل وفي سورة الشعراء.

وما بين الآيات من تفاوت هو تفنن في حكاية القصة للغرض الذي ذكرته في المقدمة السابعة، إلا قوله هنا ﴿ إنكم لتأتون الفاحشة ﴾ فإنه لم يقع له نظير فيما مضى.

وقوم لوط من الكنعانيين وتقدم ذكرهم في سورة الأعراف.

وتوكيد الجملة ب (إن) واللام توكيد لتعلق النسبة بالمفعول لا تأكيد للنسبة، فالمقصود تحقيق أن الذي يفعلونه فاحشة، أي عمل قبيح بالغ الغاية في القبح، لأن الفحش بلوغ الغاية في شيء قبيح لأنهم كانوا غير شاعرين بشناعة عملهم وقبحه.

وقرأ نافع وابن كثير وابن عامر وحفص عن عاصم وأبو جعفر ﴿ إنكم لتأتون الفاحشة ﴾ بهمزة واحدة على الإخبار المستعمل في التوبيخ.

وقرأه أبو عمرو وحمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم ويعقوب وخلف بهمزتين: همزة الاستفهام وهمزة (إنّ).

وقرأ الجميع ﴿ أإنكم لتأتون الرجال ﴾ بهمزتين.

وفي «الكشاف»: قال أبو عبيد: وجدت الأول أي ﴿ إنكم لتأتون الفاحشة ﴾ في الإمام بحرف واحد بغير ياء، أي بغير الياء التي تكتب الهمزة المكسورة على صورتها ورأيت الثاني (أي ﴿ أينكم لتأتون الرجال ﴾ ) بحرفي الياء والنون اه.

(يعني الياء بعد همزة الاستفهام والنون نون إن).

ولعله يعني بالإمام مصحف البصرة أو الكوفة فتكون قراءة قرائهما رواية مخالفة لصورة الرسم.

وجملة ﴿ أينكم لتأتون الرجال ﴾ الخ بدل اشتمال من مضمون جملة ﴿ لتأتون الفاحشة ﴾ ، باعتبار ما عطف على جملة ﴿ أئنكم لتأتون الرجال ﴾ من قوله ﴿ وتقطعون السبيل ﴾ الخ لأن قطع السبيل وإتيان المنكر في ناديهم مما يشتمل عليه إتيان الفاحشة.

وأدخل استفهام الإنكار على جميع التفصيل وأعيد حرف التأكيد لتتطابق جملة البدل مع الجملة المبدل منها لأنها الجزء الأول من هذه الجملة المبدلة عند قطع النظر عما عطف عليها تكون من الجملة المبدل منها بمنزلة البدل المطابق.

وقطع السبيل: قطع الطريق، أي التصدي للمارين فيه بأخذ أموالهم أو قتل أنفسهم أو إكراههم على الفاحشة.

وكان قوم لوط يقعدون بالطرق ليأخذوا من المارة من يختارونه.

فقطع السبيل فساد في ذاته وهو أفسد في هذا المقصد.

وأما إتيان المنكر في ناديهم فإنهم جعلوا ناديهم للحديث في ذكر هذه الفاحشة والاستعداد لها ومقدماتها كالتغازل برمي الحصى اقتراعاً بينهم على من يرومونه، والتظاهر بتزيين الفاحشة زيادة في فسادها وقبحها لأنه معين على نبذ التستر منها ومعين على شيوعها في الناس.

وفي قوله ﴿ ما سبقكم بها من أحد من العالمين ﴾ تشديد في الإنكار عليهم في أنهم الذين سنوا هذه الفاحشة السيئة للناس وكانت لا تخطر لأحد ببال، وإن كثيراً من المفاسد تكون الناس في غفلة عن ارتكابها لعدم الاعتياد بها حتى إذا أقدم أحد على فعلها وشوهد ذلك منه تنبهت الأذهان إليها وتعلقت الشهوات بها.

والنادي: المكان الذي ينتدي فيه الناس، أي يجتمعون نهاراً للمحادثة والمشاورة وهو مشتق من النَدْو بوزن العفو وهو الاجتماع نهاراً.

وأما مكان الاجتماع ليلاً فهو السامر، ولا يقال للمجلس ناد إلا ما دام فيه أهله فإذا قاموا عنه لم يسم نادياً.

﴿ نَادِيكُمُ المنكر فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُواْ ائتنا بِعَذَابِ الله إِن كُنتَ ﴾ ﴿ مِنَ الصادقين * قَالَ رَبِّ انصرنى عَلَى القوم المفسدين ﴾ .

الكلام فيه كالقول في نظيره المتقدم آنفاً في قوله ﴿ فما كان جواب قومه إلا أن قالوا اقتلوه ﴾ [العنكبوت: 24] الآية، والأمر في ﴿ ائتنا بعذاب الله ﴾ للتعجيز وهو يقتضي أنه أنذرهم العذاب في أثناء دعوته.

ولم يتقدم ذكر ذلك في قصة لوط فيما مضى لكن الإنذار من شؤون دعوة الرسل.

وأراد بالنصر عقاب المكذبين ليريهم صدق ما أبلغهم من رسالة الله.

ووصفهم ب ﴿ المفسدين ﴾ لأنهم يفسدون أنفسهم بشناعات أعمالهم ويفسدون الناس بحملهم على الفواحش وتدريبهم بها، وفي هذا الوصف تمهيد للإجابة بالنصر لأن الله لا يحب المفسدين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أإنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ ﴾ أيْ تَنْكِحُونَ الرِّجالَ.

﴿ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ قَطْعُ الطَّرِيقِ عَلى المُسافِرِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

الثّانِي: أنَّهم بِإتْيانِ الفاحِشَةِ مِنَ الرِّجالِ قَطَعُوا النّاسَ عَنِ الأسْفارِ حَذَرًا مِن فِعْلِهِمُ الخَبِيثِ، حَكاهُ ابْنُ شَجَرَةَ.

الثّالِثُ: أنَّهُ قَطْعُ النَّسْلِ لِلْعُدُولِ عَنِ النِّساءِ إلى الرِّجالِ، قالَ وهْبٌ: اسْتَغْنُوا عَنِ النِّساءِ بِالرِّجالِ.

﴿ وَتَأْتُونَ في نادِيكُمُ المُنْكَرَ ﴾ أيْ في مَجالِسِكُمُ المُنْكَرَ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: هو أنَّهم كانُوا يَتَضارَطُونَ في مَجالِسِهِمْ، قالَتْهُ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها.

الثّانِي: أنَّهم كانُوا يَخْذِفُونَ مَن يَمُرُّ بِهِمْ ويَسْخَرُونَ مِنهُ رَوَتْهُ أُمُّ هانِئٍ عَنِ النَّبِيِّ  .

الثّالِثُ: أنَّهم كانُوا يُجامِعُونَ الرِّجالَ في مَجالِسِهِمْ، رَواهُ مَنصُورٌ عَنْ مُجاهِدٍ.

الرّابِعُ: هو الصَّفِيرُ ولَعِبُ الحَمامِ والجَلاهِقُ والسِّحاقُ وحَلُّ أزْرارِ القِيانِ في المَجْلِسِ، رَواهُ الحاكِمُ عَنْ مُجاهِدٍ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وتقطعون السبيل ﴾ قال: الطريق إذا مر بهم المسافر، وهو ابن السبيل قطعوا به وعملوا به ذلك العمل الخبيث.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم في قوله: ﴿ وتأتون في ناديكم ﴾ قال: مجلسكم.

وأخرج الفريابي وأحمد وعبد بن حميد والترمذي وحسنه وابن أبي الدنيا في كتاب الصمت وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والشاشي في مسنده والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان وابن عساكر عن أم هانئ بنت أبي طالب رضي الله عنها قالت: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قول الله تعالى ﴿ وتأتون في ناديكم المنكر ﴾ قال: «كانوا يجلسون بالطريق فيخذفون ابن السبيل ويسخرون منهم» .

وأخرج ابن مردويه عن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الخذف، وهو قول الله: ﴿ وتأتون في ناديكم المنكر ﴾ .

وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وتأتون في ناديكم المنكر ﴾ قال: الخذف، فقال رجل: وما لي قلت هكذا؟

فأخذ ابن عمر كفا من حصباء، فضرب به وجهه وقال: في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم تأخذ بالمعاريض.

وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وتأتون في ناديكم المنكر ﴾ قال: الخذف.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن عكرمة رضي الله عنه ﴿ وتأتون في ناديكم المنكر ﴾ قال: كانوا يخذفون الناس.

وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والخرائطي في مساوي الأخلاق عن مجاهد في قوله: ﴿ وتأتون في ناديكم المنكر ﴾ قال: كان يجامع بعضهم بعضاً في المجالس.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ﴿ وتأتون في ناديكم المنكر ﴾ قال كانوا يعملون الفاحشة في مجالسهم.

وأخرج البخاري في تاريخه وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن عائشة رضي الله عنها في قوله: ﴿ وتأتون في ناديكم المنكر ﴾ قال: الضراط.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه سئل عن قول الله: ﴿ وتأتون في ناديكم المنكر ﴾ ماذا كان المنكر الذي كانوا يأتون؟

قال: كانوا يتضارطون في مجالسهم، يضرط بعضهم على بعض.

والنادي هو المجلس.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وتأتون في ناديكم المنكر ﴾ قال: الصفير، ولعب الحمام، والجلاهق، وحل ازرار القباء.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن عساكر عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ قال إن فيها لوطاً قالوا نحن أعلم بمن فيها ﴾ قال: لا يلقى المؤمن إلا يرحم المؤمن ويحوطه حيثما كان وفي قوله: ﴿ إلا امرأته كانت من الغابرين ﴾ قال: من الباقين في عذاب الله.

وفي قوله: ﴿ ولما جاءت رسلنا لوطاً سيء بهم وضاق بهم ذرعاً ﴾ قال: ساء بقومه ظناً، يتخوّفهم على اضيافه، وضاق ذرعاً بضيفه مخافة عليهم.

وفي قوله: ﴿ إنا منزلون على أهل هذه القرية رجزاً من السماء ﴾ قال: عذاباً من السماء.

وفي قوله: ﴿ ولقد تركنا منها آية بينة ﴾ قال: هي الحجارة التي أمطرت عليهم أبقاها الله.

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ ولقد تركنا منها آية بينة ﴾ قال: عبرة.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

﴿ قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي ﴾ قال مقاتل: أي بتحقيق قولي في العذاب فعذبهم (١) قوله تعالى: ﴿ عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ ﴾ يعني: العاصين بإتيان الرجال في أدبارهم.

قاله الكلبي ومقاتل (٢) (١) "تفسير مقاتل" 72 ب.

(٢) "تفسير مقاتل" 72 ب.

وفي "تنوير المقباس" 334: المشركين.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَتَقْطَعُونَ السبيل ﴾ قيل أراد قطع الطرق للسلب والقتل، وقيل: أراد قطع سبيل النسل بترك النساء وإتيان الرجال ﴿ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ المنكر ﴾ النادي المجلس الذي يجتمع فيه الناس، والمنكر فعلهم بالرجال، وقيل: إذايتهم للناس.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ أولم تروا ﴾ بتاء الخطاب: حمزة وعلي وخلف وعاصم سوى حفص والمفضل ﴿ النشاءة ﴾ بفتح الشين بعدها ألف ممدودة حيث كان: ابن كثير وأبو عمرو ﴿ مودّة ﴾ بالرفع ﴿ بينكم ﴾ بالجر على الإضافة: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب وعلي وابو زيد عن المفضل ﴿ مودة ﴾ بالرفع ﴿ بينكم ﴾ بالفتح: الشموني والبرجمي.

﴿ مودة ﴾ بالنصب ﴿ بينكم ﴾ على الإضافة: حمزة وحفص.

الباقون: ﴿ مودة ﴾ بالنصب ﴿ بينكم ﴾ بالفتح ﴿ ربي إنه ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو ﴿ إنكم ﴾ بهمز واحد ﴿ أينكم ﴾ بهمزة بعدها ياء: ابن كثير ونافع غير قالون وسهل ويعقوب.

زيد: مثله.

بزيادة مدّة في الثانية: يزيد وقالون كلاهما مثل هذه الثانية أبو عمرو.

والأولى بهمزة واحدة الثانية بهمزتين: ابن عامر وحفص هشام يدخل بينهما مدَّة.

الباقون بهمزتين فيهما ﴿ أئنكم ﴾ كنظائره.

﴿ وللننجينه ﴾ بسكون النون من الإنجاء: يعقوب وحمزة وعلي وخلف ﴿ سيء بهم ﴾ كما ذكر في "هود" و ﴿ منجوك ﴾ من الإنجاء: ابن كثير ويعقوب وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير حفص والمفضل ﴿ منزلون ﴾ بالتشديد: ابن عامر و ﴿ ثمود ﴾ غير مصروف في الحالين: حمزة وحفص وسهل ويعقوب.

الوقوف: ﴿ واتقوه ﴾ ط ﴿ تعلمون ﴾ ه ﴿ افكاً ﴾ ط ﴿ واشكروا له ﴾ ط ﴿ ترجعون ﴾ ه ﴿ من قبلكم ﴾ ج للعطف مع الاختلاف بالإثبات والنفي ﴿ المبين ﴾ ه ﴿ يعيده ﴾ ط ﴿ يسير ﴾ ه ﴿ الآخرة ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه ج لأن ما بعده يصلح وصفاً واستئنافاً ﴿ من يشاء ﴾ ط لانقطاع النظم بتقديم المفعول مع اتفاق الجملتين ﴿ تقلبون ﴾ ه ﴿ السماء ﴾ ز فصلاً بين الأمرين المعظمين مع اتفاق الجملتين ﴿ نصير ﴾ ه ﴿ اليم ﴾ ه ﴿ النار ﴾ ط ﴿ يؤمنون ﴾ ه ﴿ أوثاناً ﴾ ج لمن قرأ ﴿ مودة ﴾ بالرفع ﴿ الدنيا ﴾ ج لاختلاف الجملتين والفصل بين تباين الدارين ﴿ بعضاً ﴾ ط لاختلاف الجملتين مع اتحاد المقصود ﴿ من ناصرين ﴾ 5 قيل: لا وقف لتعليق الفاء ﴿ لوط ﴾ م لأن قوله ﴿ وقال ﴾ فاعله ﴿ إبراهيم ﴾ ولو وصل لأوهم اتحاد الفاعل ﴿ ربي ﴾ ط ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ الدنيا ﴾ ج للابتداء بأن مع واو العطف ﴿ الصالحين ﴾ ه ﴿ الفاحشة ﴾ ز لأن ما بعده يصلح مستأنفاً أو حالاً أو وصفاً ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ المنكر ﴾ ط لانتهاء الخطاب لابتداء الجواب ﴿ الصادقين ﴾ ه ﴿ المفسدين ﴾ ه ﴿ بالبشرى ﴾ لا لأن ﴿ قالوا ﴾ جواب "لما" ﴿ القرية ﴾ ج للابتداء بأن مع احتمال التعليل.

﴿ ظالمين ﴾ ه وقد يوصل دلالة على تدارك إبراهيم ﴿ لوطاً ﴾ ط ﴿ بمن فيها ﴾ ج لأن لام التوكيد تقتضي قسماً أي والله لننجينه مع تمام المقصود في التنجية ﴿ إلا امرأته ﴾ ج لأن ما بعده يصلح مستأنفاً في النظم ولكنه حال المرأة لأن المستثنى مشبه بالمفعول أي يستثنى امرأته كائنة من الغابرين ﴿ ولا تحزن ﴾ ط فصلاً بين البشارتين وتوفيراً للفرح ﴿ الغابرين ﴾ ه ﴿ يفسقون ﴾ ه ﴿ يعقلون ﴾ ه ﴿ شعيباً ﴾ لا لتعلق الفاء ﴿ مفسدين ﴾ ه ﴿ جاثمين ﴾ ه لأن ﴿ عاداً ﴾ يحتمل أن يكون منصوباً بـ ﴿ ـأخذتهم ﴾ أو بمحذوف أي واذكر وهذا أوجه لأن قوله ﴿ وقد تبين ﴾ حال ولا يحسن أن يكون عامله ﴿ فأخذتهم ﴾ والأوجه انتصابه بمحذوف وهو "أذكر" أو أهلكنا.

﴿ مساكنهم ﴾ ط لأن التقدير مقدرين وعامله فأخذتهم ﴿ مستبصرين ﴾ ه ج للعطف ﴿ وهامان ﴾ يحتمل عندي الوقف وقيل: لا بناء على أن قوله ﴿ ولقد جاءهم ﴾ حال عامله ﴿ فأخذتهم ﴾ .

﴿ سابقين ﴾ ه لانقطاع النظم بتقديم المفعول مع اتفاق الجملتين ﴿ بذنبه ﴾ ط وكذلك ﴿ حاصباً ﴾ ط ﴿ وأخذته الصيحة ﴾ ط ﴿ وخسفنا به الأرض ﴾ ط ﴿ وأغرقنا ﴾ ط لعطف الجمل والوقف أوجه تفصيلاً لأنواع النقم وإمهالاً لفرصة الاعتبار ﴿ يظلمون ﴾ ه ﴿ العنكبوت ﴾ ج لأن ما بعده يصلح وصفاً واستئنافاً ﴿ بيتاً ﴾ ط ﴿ العنكبوت ﴾ ج لأن وهن بيت العنكبوت معلق ﴿ يعلمون ﴾ ه.

التفسير: قوله ﴿ وإبراهيم ﴾ منصوب بمضمر وهو "اذكر".

وقوله ﴿ إذ قال ﴾ بدل منه بدل الاشتمال لأن الأحيان تشتمل على ما فيها أي اذكر وقت قوله لقومه، وجوز أن يكون معطوفاً على ﴿ نوحاً ﴾ فأورد عليه أن الإرسال قبل الدعوة فكيف يكون وقت الدعوة ظرفاً للإرسال؟

وأجيب بأن الإرسال أمر ممتد إلى أوان الدعوة أو المراد أرسلناه حين كان صالحاً لأن يقول لقومه اعبدوا الله خصوه بالعبادة واتقوا مخالفته.

﴿ ذلكم ﴾ الإِخلاص والتقوى ﴿ خير لكم إن كنتم تعلمون ﴾ أما العبادة فلأنها غاية الخضوع فلا تصلح إلا لمن هو في غاية الكمال فضلاً عن الجماد، وأما اتقاء خلافه فلأن من قدر على إهلاك الماضين فهو قادر على إهلاك الباقين وتعذيبهم إذا عصوه، فالعاقل من يحذر خلاف القادر.

ثم بين بقوله ﴿ إنما تعبدون من دون الله أوثاناً ﴾ أن الذي يعبدونه في غاية الخسة لأنه صنم لا روح له، ولا ظلم أشنع من وضع الأخس موضع الاشرف.

وبين بقوله ﴿ وتخلقون افكاً ﴾ أن الذين يزعمون أنها شفعاؤهم عند الله كذب وزور، ثم ذكرهم أنهم لا يقدرون على نفع ولا على إيصال رزق أيّ رزق كان.

ثم أشار بقوله ﴿ فابتغوا عند الله الرزق ﴾ إلى أن هذه الهبة والرزق الموعود في قوله ﴿ وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها  ﴾ يجب أن يطلب من الله فقط، وإذا كان الرزق منه فالشكر يجب أن يكون له.

ثم بين بقوله ﴿ إليه ترجعون ﴾ أن المعاقب والمثيب هو وحده فلا رهبة إلا منه ولا رغبة إلا فيه.

ثم إن قوله ﴿ وإن تكذبوا فقد كذب أمم من قبلكم ﴾ إلى قوله ﴿ فما كان جواب قومه ﴾ إن كان اعتراضاً خطاباً لكفار قريش فظاهر، وإن كان تتمة قول إبراهيم فالأمم المتقدمة عليه إما قوم نوح وقوم إدريس وقوم شيث وقوم آدم، وإما قوم نوح وحده.

وعبر عن أمته بالأمم لأنه عاش ألف سنة وأكثر فمضت عليه القرون، وكان كل قرن يوصون من بعدهم من الأبناء أن يكذبوا نوحاً والبلاغ ذكر المسائل والإبانة وإقامة البرهان عليه، وفيه دليل على أن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز وإلا لم يكن البلاغ مبيناً.

وحين بين التوحيد والرسالة شرع في بيان المعاد فإِن هذه الأصول الثلاثة لا تكاد تنفصل في الذكر الإِلهي فقال ﴿ أولم يروا ﴾ أي ألم يعلموا بالبرهان النير القائم مقام الرؤية ﴿ كيف يبدئ الله الخلق ﴾ ثم يعيده.

أما إبداء الخلق المطلق فلأن المخلوق لا بد له من خالق أوّل تنتهي إليه سلسلة المخلوقات، وأما خلق الإنسان بل كيفيته فإنه كالمشاهد المحسوس فإنا نرى النطفة وقعت في الرحم فدارت عليها الأطوار حتى حصلت خلقاً آخر.

وأما الإعادة فلأنها أهون في القياس العقلي ولهذا ختم الآية بقوله ﴿ إن ذلك على الله يسير ﴾ وحين اشار إلى العلم الحدسي الحاصل من غير طلب أمر نبينا  أو حكى إبراهيم قول ربه له ﴿ قل سيروا في الأرض ﴾ أي إن لم يحصل لكم الحدس المذكور فسيروا في أقطار الأرض وتفكروا في كيفية تكوّن المواليد الثلاثة: المعادن والنبات والحيوان.

حتى يفضى بكم النظر إلى العيان؛ فالآية الأولى إشارة إلى ما هو كالمركوز في الأذهان ولهذا قال بطريق الاستفهام ﴿ أولم يروا ﴾ الآية الثانية أمر بالنظر المؤدي إلى العلم والإيقان على تقدير عدم حضور ذلك البيان والعيان.

وإنما قال أوّلاً ﴿ كيف يبدئ ﴾ بلفظ المستقبل وثانياً ﴿ كيف بدأ ﴾ بلفظ الماضي، لأن العلم الحدسي حاصل في كل حال، وأما العلم الاستقرائي فلا يفيد اليقين إلا فيما شاهد وتتبع فكأنه قيل: إن لم يحصل لكم العلم بأن الله في كل حال موصوف بالإبداء والإعادة فانظروا في أصناف المخلوقات حتى تعرفوا أنه كيف بدأها ثم تستدلوا من ذلك على أنه ينشئها النشأة الثانية، فهذا عطف على المعنى كأنه قال: وانظروا كيف بدأ هذا.

وتكلف جار الله فقال: هو معطوف على جملة قوله ﴿ أولم يروا ﴾ كما قال قوله ﴿ ثم يعيده ﴾ إخبار على حياله وليس بمعطوف على ﴿ يبدئ ﴾ ثم في إقامة اسم الله مقام الضمير في قوله ﴿ ثم الله ينشئ النشأة ﴾ إشارة إلى أنه لا يقدر على هذه النشأة إلا المعبود الكامل الذات المتصف بالعلم والحياة وبسائر نعوت الجلال.

وحين ذكر دلائل الأنفس والآفاق صرح بالنتيجة الكلية فقال ﴿ إن الله على كل شيء ﴾ من الإبداء والإعادة ﴿ قدير ﴾ وكذا على التكليف والجزاء تقريره قوله ﴿ يعذب من يشاء ويرحم من يشاء وإليه تقلبون ﴾ يقال: قلب فلان في مكانه إذا اردى.

وفي الآية لطائف منها: أنه قدم التعذيب على الرحمة مع قوله "سبقت رحمتي غضبي" لأن الآية مسوقة لتهديد المكذبين ومع ذلك لم يخل الكلام عن ذكر الرحمة وإنه يؤكد قوله "سبقت رحمتي غضبي" ومنها أنه لم يقل يعذب الكافر ويرحم المؤمن إظهاراً للهيبة الإلهية.

ومنها أنه قال أوّلا ﴿ وإليه ترجعون ﴾ ثم أعاده ههنا لأن التعذيب والرحمة قد يكونان عاجلين وكأنه قال: وإن تأخر ثوابكم وعقابكم فإن إلينا إيابكم وعلينا حسابكم وعندنا يدّخر لكم ذلك فلا تظنوا فواته يؤكده قوله ﴿ وما أنتم بمعجزين ﴾ وفيه أن الانقلاب إليه لا منه، وذلك أن الإعجاز إما بالهرب وإما مع الثبات وقد نفى الأول بقوله ﴿ وما أنتم بمعجزين في الأرض ولا في السماء ﴾ أي لو هبطتم إلى موضع السمك في الماء أو صعدتم إلى محل السماك في السماء لم تخرجوا من قبضة قدرة الله.

وقدّم الأرض على السماء لأن السماء أبعد وأفسح أي إن هربتم من حكمه وقضائه في الأرض الفسيحة أو في السماء التي هي أفسح منها وأبعد فإنكم لا تفوتون الله، والمراد لا تعجزونه كيفما هبطتم في أعماق الأرض أو علوتم إلى البروج المشيدة الذاهبة في السماء كقوله ﴿ ولو كنتم في بروج مشيدة  ﴾ أو اراد لا تعجزون بلاءه الظاهر في الأرض أو النازل من السماء.

وجوّز بعضهم أن يراد وما أنتم بمعجزين من في الأرض ولا في السماء بحذف الموصول، واقتصر في الشورى على قوله ﴿ وما أنتم بمعجزين في الأرض  ﴾ لأنه خطاب للمؤمنين.

ونفى الثاني بقوله ﴿ وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير ﴾ لأن الركن الشديد الذي يستند إليه إما وليّ يشفع أو ناصر يدفع، والأول أسهل الطيرقين فلذلك قدم الوليّ على النصير.

ثم خص الوعيد بالكافرين بآياته أي بدلائل الوحداينة وبالكتب والمعجزات.

وفي زيادة قوله ﴿ أولئك ﴾ إشارة إلى أن اليأس من الرحمة منحصر فيهم لقوله ﴿ إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون  ﴾ ونسبة اليأس إليهم إمّا على سبيل الإخبار عن حالهم يوم القيامة، أو على سبيل وصف الحال، فإن وصف المؤمن أن يكون راجياً خاشياً ونعت الكافر أن لا يخطر بباله خوف ولا رجاء بل يكون خائفاً كما قيل: الخائن خائف.

وجوز في الكشاف أن يكون على طريقة التشبيه كأنه يشبه حالهم في انتفاء الرحمة عنهم بحال من يئس من رحمة الله.

ولعله ذهب إلى هذا التشبه لأن اليأس من رحمة الله متوقف على الاعتراف بالله وبرحمته والكافر غير معترف بواحد من الأمرين.

ثم بين بتكرير أولئك في قوله ﴿ وأولئك لهم عذاب أليم ﴾ أن كل واحد من الوعيدين لا يوجد إلا فيهم وإن كان الوعيدان متلازمين في الحقيقة.

ثم حكى أن جواب قوم إبراهيم لم يكن إلا أن قالوا فيما بينهم أو قال واحد ورضي به الباقون ﴿ اقتلوه ﴾ بالسيف ونحوه ﴿ أو حرقوه ﴾ بالنار وهذا ليس جواباً في الحقيقة ولكنه كقولهم "عتابك السيف".

وفيه بيان جهالتهم أنهم وضعوا الوعيد موضع الائتمار للنصيحة والإذعان للحق.

ثم بين أنهم اتفقوا على تحريقه فأنجاه من النار.

والقصة مذكورة في سورة الأنبياء.

﴿ إن في ذلك ﴾ الإنجاء ﴿ لآيات ﴾ جمع الآية لعظم تلك الحالة كقوله ﴿ إن إبراهيم كان أمة  ﴾ أو لأنها مشتملة على أحوال عجيبة كالرمي من المنجنيق من غير أن لحق به ضرر، وكما يروى أن النار صارت عليه روحاً وريحاناً إلى غير ذلك.

وإنما قال في قصة نوح  ﴿ وجعلناها آية  ﴾ ولم يذكر الجعل ههنا لأن الخلاص من مثل تلك النار آية في نفسه، وأما السفينة فقد جعلها الله آية بأن أحدث الطوفان وصانها عن الغرق، ويمكن أن يقال: إن الصون عن النار أعجب من الصون عن الماء فلذلك وحد الآية هناك وجمعها ههنا.

وإنما قال هناك ﴿ آية للعالمين  ﴾ وههنا ﴿ لآيات لقوم يؤمنون ﴾ لأن تلك السفينة بقيت أعواماً حتى مرّ عليها الناس ورأوها فحصل العلم بها لكل أحد.

أو نقول: جنس السفينة حصلت بعد ذلك فما بين الناس فكانت آية للعالمين.

وأما تبريد النار فلم يبق من ذلك أثر فلم يظهر لمن بعده إلا بطريق الإيمان به.

وههنا لطيفة وهي أن الله  جعل النار برداً وسلاماً على إبراهيم بسبب اهتدائه في نفسه وهدايته لغيره وقال ﴿ قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم  ﴾ فحصل للمؤمنين بشارة بأن الله سيجعل النار على المؤمن المهتدي برداً وسلاماً.

ثم حكى أنه بعد أن خرج من النار عاد إلى النصيحة والدعاء لقومه إلى التوحيد والإخلاص وذلك قوله ﴿ وقال إنما اتخذتم من دون الله أوثاناً مودة ﴾ قال جار الله: من قرأ بالنصب بغير إضافة أو بإضافة فعلى وجهين: أحدهما التعليل اي لتتوددوا بينكم وتتواصلوا لاتفاقكم وائتلافكم على عبادتها كما يتفق الناس على مذهب فيكون بينهم نسبة من ذلك.

الوجه الثاني: أن يكون مفعولاً ثانياً على حذف المضاف، أو على أن المصدر بمعنى المفعول أي اتخذتم الأوثان سبب المودة بينكم واتخذتموها مودودة بينكم.

ومن قرأ بالرفع بإضافة أو بغير إضافة فعلى وجهين أيضاً: أن يكون خبراً لأن على أن ما موصولة والتقدير: إن التي اتخذتموها أوثاناً هي سبب مودة بينكم أو مودودة بينكم.

وأن يكون خبر مبتدأ محذوف أي هي مودودة أو سبب مودة وعلى هذا فالوقف على ﴿ أوثاناً ﴾ حسن كما مر.

﴿ ثم يوم القيامة ﴾ يقوم بين العبدة وكذا بينهم وبين أوثانهم التباغض والتلاعن نظيره ﴿ كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضداً  ﴾ والتحقيق فيه أنهم غلبت عليهم الجسمية ولذاتها فلهذا ألفوا الأصنام ولم تقبل عقولهم موجوداً منزهاً عن الأجسام وخواصها، فلا جرم إذا رفعت الحجب وكشف الغطاء عن عالم الأرواح زالت نسبة الجسمية وظهرت الآلام الروحانية وعذبوا بنار الخسران والحرمان من غير شفعاء ولا أعوان، فلذلك قال ﴿ ومأواكم النار وما لكم من ناصرين ﴾ وإنما لم يقل ههنا ﴿ وما لكم من دون الله  ﴾ لأن الله لا ينصر الكفار من اهل النار.

وإنما جمع ههنا لأنه أراد في الأول جنس النصير وههنا أراد نفي الناصرين الذين كان أهل الشرك يزعمون أنهم شفعاؤهم عند الله ﴿ فآمن له لوط ﴾ وكان ابن أخي إبراهيم صدقه حين رأى النار لم تحرقه.

قالت العلماء: إن لوطاً آمن برسالة إبراهيم حين رأى المعجزة.

وأما بالوحدانية فآمن حين سمع مقالته إذ لو توقف في الإيمان إلى وقت إظهار المعجزة كان نقصاً في مرتبته وقدحاً في نور باطنه، ألا ترى أن أبا بكر وعلياً أسلما كما عرض النبي  الإسلام عليهما.

﴿ وقال ﴾ إبراهيم ﴿ إني مهاجر ﴾ من كوثى وهي من سواد الكوفة إلى حران ثم منها إلى فلسطين ولهذا قالوا: لكل نبي هجرة ولإبراهيم هجرتان.

وكان معه في هجرته امراته سارة وهاجر وهو ابن خمس وسبعين سنة وهاجر معه لوط أيضاً.

ومعنى ﴿ إلى ربي ﴾ أي إلى حيث أمر ربي بالهجرة إليه ومثله قوله ﴿ إني ذاهب إلى ربي  ﴾ وعبارة القرآن أدخل في الإخلاص لأن المهاجر إلى حيث أمره الملك قد يهاجر إليه مرة أخرى لغرض نفسه فيصدق أنه مهاجر إلى حيث أمره الملك ولا يصدق أنه مهاجر لأجل الملك ولرضاه.

وفي قوله ﴿ إنه هو العزيز الحكيم ﴾ نوع تهديد لقومه وتصويب لما بدا له من الهجرة بأمر الله.

قال في الكشاف: إنه هو العزيز الذي يمنعني من أعدائي، الحكيم الذي لا يأمرني إلا بما هو مصلحتي.

ثم ذكر ما أنعم به عليه من الأولاد والأحفاد، ومن جعل النبوة وجنس الكتاب الإلهي فيهم.

وهو التوراة والإنجيل والزبور والفرقان -ولهذا اندرج ذكر إسماعيل في الآية.

ولعل السر في عدم ذكر إسماعيل والتصريح بذكره أن الله  جعل الزمان بعد إبراهيم قسمين: أحدهما زمن إسحاق ويعقوب وذراريهما إلى زمان الفترة، والآخر من محمد  إلى يوم قيام الساعة وهو من ولد إسماعيل فطي ذكر إسماعيل إشارة إلى تأخر زمان دولته والله أعلم.

ثم كرر ذكر النعمة بقوله ﴿ وأتيناه أجره في الدنيا ﴾ قال أهل التحقيق: إن الله  بدل جميع أحوال إبراهيم  بأضدادها.

لما أراد القوم تعذيبه بالنار فجعلها الله عليه برداً وسلاماً، وهاجر فريداً وحيداً فوهب الله له ذريّة طيبة مباركة كما وصفنا، وكان لا مال له فكثر ماله حتى حصل له من المواشي ما علم الله عدده فقط.

يروى أنه كان له اثنا عشر ألف كلب حارس في أعناقها أطواق من ذهب.

وكان خاملاً حتى قال قائلهم ﴿ سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم  ﴾ فجعل الله له لسان صدق في الآخرين.

اللهم صلى على محمد وآل محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم.

ثم بين بقوله ﴿ وإنه في الآخرة لمن الصالحين ﴾ أن تلك النعمة الدنيوية ولذاتها مقرونة بفلاح الآخرة وصلاحها جعلنا الله  ببركته أهلاً لبعض ذلك وهو المستعان.

قوله ﴿ ولوطا إذ قال ﴾ إعرابه كإعراب قوله ﴿ وإبراهيم إذ قال ﴾ وقد مروالظاهر أن لوطاً يكون قد أمر قومه بالتوحيد والعبادة أوّلاً ثم نهاهم عن الفاحشة ثانياً.

إلا أن الله  قد حكى عنه ما اختص به وبقومه وهو قوله ﴿ إنكم لتأتون الفاحشة ﴾ ويحتمل أن يكونوا موحدين إلا أنهم بسبب الإصرار على الفعلة الشنعاء وتحليلها مع وجود النبي  الناهي عنها صاروا في حكم الكفرة.

وإذا كان الزنا فاحشة كما قال ﴿ ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة  ﴾ مع أن الزنا لا يفضي إلى قطع النسل فاللواطة أولى بكونها فاحشة لتماديها في القبح ولإفضائها إلى انقطاع النسل، ويعلم منه احتياجها إلى الزاجر كالزنا بل أولى ويعلم منه افتقارها إلى الرجم بدليل إمطار الحجارة على أهلها.

ومعنى ﴿ ما سبقكم بها ﴾ أنه لم يأت بمثل هذا الفعل أحد قبلهم أو لم يشتهر به ولم يبالغ فيه أحد وإن ارتكبه بعضهم في الندرة كما يقال: إن فلاناً سبق البخلاء في البخل، واللئام في اللؤم إذا زاد عليهم.

ومعنى ﴿ تقطعون السبيل ﴾ تقضون الشهوة بالرجال مع قطع السبيل المعتاد مع النساء.

ويجوز أن يكونوا قطاع الطريق والظاهر يشعر به ﴿ وتأتون في ناديكم المنكر ﴾ أي تضمون إلى قبح فعلكم قبح الإظهار.

والنادي هو المجلس ما دام فيه الناس.

وعن عائشة: كانوا يتجامعون.

وعن ابن عباس: هو الحذف ومضغ العلك وحل الإزار والفحش في المزاح والسخرية بمن مر بهم ﴿ فما كان جواب قومه إلا أن قالوا ائتنا بعذاب الله ﴾ ولم يهددوه بنحو القتل والتخويف كما في قصة إبراهيم، لأن إبراهيم كان يقدح في آلهتهم ويشتمهم بتعديد نقائصهم ﴿ يا أبت لم تعبد مالا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئاً  ﴾ فجعلوا جزاءه شر الجزاء.

وأما لوط فكان ينكر عليهم فعلهم فهددوه بالإخراج أوّلاً ﴿ أخرجوا آل لوط من قريتكم  ﴾ واقترحوا من عذاب الله ثانياً.

ويجوز أن يكون على سبيل الاستهزاء فلا جرم ﴿ قال رب انصرني على القوم المفسدين ﴾ كأنه أيس من توبتهم وإنابتهم ومن أن يلدوا تائباً مطيعاً كما قال نوح ﴿ ولا يلدوا إلا فاجراً كفارا  ﴾ ولعلهم كانوا يفسدون الناس بحملهم على ما كانوا عليه من المعاصي والفواحش طوعاً وكرهاً أو بابتداء الفواحش واقتداء من بعدهم بهم.

والبشرى هي البشارة بالولد، والنافلة إسحق ويعقوب، وإضافة ﴿ مهلكو ﴾ إضافة تخفيف لا تعريف لأنه بمعنى الاستقبال أو الحال القريب منه لا الماضي، ولأن المقصود يتضح بذلك لا بوصف الملائكة لمطلق الإهلاك.

والقرية سذوم.

ثم علل الإهلاك بأن الظلم قد استمر فيهم بناء على أن كان للثبوت والاستمرار، ويحتمل أن يكون للزمان الماضي فإن هذا القدر يكفي للتعليل والزائد عليه لا تحتاج الملائكة إلى تقريره بخلاف ما في قصة نوح ﴿ فأخذهم الطوفان وهم ظالمون  ﴾ فإن ذلك إخبار من الله  ولا يحسن من الكريم أن يعاقب على الجرم السابق إلا بعد تحقق الإصرار والاستمرار.

قال بعضهم: إن تعلق ﴿ البشرى ﴾ بهذا الإنذار هو أنه كان في إهلاك قوم لوط إخلاء الأرض من العباد فقدمت البشارة المذكورة المتضمنة لوجود عباد صالحين حتى لا يتأسف على إهلاك قوم من أبناء جنسه.

ثم إن إبراهيم لما سمع إنذار الملائكة أظهر الإشفاق على لوط والحزن له قائلاً ﴿ إن فيها لوطاً قالوا نحن أعلم ﴾ منك ﴿ بمن فيها ﴾ وأخبروا بحاله وحال قومه.

ومعنى ﴿ من الغابرين ﴾ من الماضين ذكرهم أو ممن يمضي زمانه وبفنى أو من الباقين في المهلكين و ﴿ سيء بهم وضاق بهم ذرعاً ﴾ قد مر في "هود" وقال بعضهم: يحتمل أن يكون ضيق الذرع عبارة عن انقباض الروح فعند ذلك تجتمع أعضاء الإنسان وتقل مساحتها.

فقالت الملائكة ﴿ لا تخف ﴾ علينا ﴿ ولا تحزن ﴾ بسبب التفكر في أمرنا.

وقال أهل البرهان: وإنما قيل ههنا ﴿ ولما أن جاءت ﴾ بزيادة "أن" لأن "لما" تقتضي جواباً وإذا اتصل به "أن" دل على أن الجواب وقع في الحال من غير تراخ في الظاهر كما في هذه السورة وهو قوله ﴿ سيء بهم ﴾ وفي هود اتصل به كلام بعد كلام فطال فلم يحسن دخول "أن" ظاهراً مع أن القصة واحدة.

ثم إن الملائكة قالوا للوط ﴿ إنا منجوك ﴾ بلفظ اسم الفاعل وقالوا لإبراهيم  ﴿ لننجينه ﴾ بلفظ الفعل لأن ذلك ابتداء الوعد وهذا أوان إنجازه فأرادوا أن ذلك الوعد حتم واقع منا كقولك: أنا ميت لضرورة وقوعه ووجوده.

والرجز العذاب الذي يوقع صاحبه في القلق والاضطراب من قولهم: ارتجز وارتجس إذا اضطرب، والمراد الحجارة.

وقيل: النار.

وقيل: الخسف.

وعلى هذا يراد أن الأمر بالخسف والقضاء به من السماء ﴿ ولقد تركنا منها ﴾ أي من القرية ﴿ آية بينة ﴾ هي آثار منازلهم الخربة أو بقية الحجارة أو الماء الأسود أو قصتهم وخبرهم.

وقوله ﴿ القوم ﴾ يتعلق بـ ﴿ تركنا ﴾ أبو بـ ﴿ بينة ﴾ ولزيادة قوله ﴿ بينة ﴾ قال ﴿ لقوم يعقلون ﴾ بخلاف قوله في قصة نوح  ﴿ وجعلناها آية للعالمين  ﴾ لأن الآية لا تتبين إلا لذوي العقول وليس كل من في العالم بذي عقل.

ثم أجمل سائر القصص والرجاء إما على أصله أو بمعنى الخوف.

وعلى الأول قال جار الله: اراد افعلوا ما ترجون به العاقبة، فأقيم المسبب مقام السبب.

أو أمروا الرجاء والمراد اشتراط ما يسوغه من الإيمان كما يؤمر الكافر بالصلاة مثلاً على إرادة الشرط وهو الإسلام.

﴿ فكذبوه ﴾ إنما صح إطلاق التكذيب مع أن ذكره شعيب أمر ونهي، والأمر لكونه طلباً لا يحتمل التصديق والتكذيب، وكذا النهي لأن قول شعيب يتضمن قوله الله واحد والحشر كائن والفساد محرم وكل واحد من هذه خبر.

ومعنى الرجفة والصيحة قد مر في "الأعراف" وفي "هود".

وكذا إنه لم قال مع الرجفة في دارهم على التوحيد، ومع الصيحة في ديارهم على الجمع.

﴿ و ﴾ أهلكنا ﴿ عاداً وثمود وقد تبين لكم ﴾ ذلك الإهلاك ﴿ من ﴾ جهة ﴿ مساكنهم ﴾ إذا نظرتم إليها عند مروركم بها ﴿ وكانوا مستبصرين ﴾ أي عقلاء متمكنين من النظر والاستدلال، وكانوا عارفين بأخبار الرسل أن العذاب نازل بهم ولكنهم لم ينظروا في الدليل ولجوا حتى هلكوا ﴿ وما كانوا سابقين ﴾ أي أدركهم أمر الله فلم يفوتوه.

ثم قرر أمر المذنبين بإجمال آخر يفيد أنهم عذبوا بالعناصر الربعة، فجعل ما منه تركيبهم سبباً لعدمهم وما منه بقاؤهم سبباً لفنائهم.

فالحاصب حجارة محماة تقع على كل واحد منهم فتنفذ من الجانب الآخر وهو إشارة إلى التعذيب بعنصر النار وأنه لقوم لوط.

والصيحة وهي تموّج شديد في الهواء لمدين.

وثمود.

والخسف لقارون والغرق لقوم نوح وفرعون ﴿ وما كان الله ليظلمهم ﴾ بالإهلاك ﴿ ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ﴾ بالإشراك وقال بعض أهل العرفان: وما كان الله ليضعهم في غير موضعهم فإن موضعهم الكرامة ولكنهم وضعوا أنفسهم مع شرفها في عبادة الوثن الذي هو في غاية الخسة فلذلك ضرب لهم المثل بالعنكبوت ونسجه الذي هو عند الناس في غاية الوهن والضعف.

فإن كان تشبيهاً مركباً فظاهر، وإن كان مفرقاً فالمشرك كالعنكبوت واتخاذه الصنم معبوداً وملجاً كاتخاذ العنكبوت نسجه بيتاً فإنه يصير سبباً لهلاكه ولتنظيف البيت منه كعابد الوثن يقع في النار بسبب عبادته.

وفيه أن العنكبوت كما أنه يصطاد بسبب نسجه الذباب ولكنه لا بقاء له ويتلاشى بأدتنى سبب كذلك الكافر يستفيد بشركه ما هو أقل من جناح بعوضة وهو بعض متاع الدنيا ولكنه كعمله يصير آخر الأمر هباء منثوراً.

ثم عرض على العقول صحة المثل المضروب قائلاً ﴿ وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت ﴾ بأنه لا يصلح للبقاء ولا للاتسدفاء ولا للاستظلال ولا للاستكنان والنسج في نفسه إن فرض له فائدة كما أن الصنم في نفسه يمكن أن ينتفع به ولكن اتخاذ النسج بتاً لا شك انه غير مفيد بل مضر كما مر فكذلك عبادة الصنم.

ثم قال ﴿ لو كانوا يعلمون ﴾ فحذف الجواب ليذهب الوهم كل مذهب أي لو كانوا يعلمون أن هذا مثلهم وأمر دينهم لتابوا وندموا، ولو كانوا يعلمون صحة هذا التشبيه وقد صح أن أوهن البيوت إذا استقريتها بيتاً بيتاً العنكبوت.

فقد تبين أن دينهم أوهن الأديان إذا استقريتها ديناً ديناً.

وصاحب الكشاف علق هذا الشرط بما قبله وليس بذاك وقد مر في الوقوف والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ ﴾ : كأنه يقول - والله أعلم -: اذكر لوطاً إذ قال لقومه.

ثم ذكره إياه يخرج على وجهين: أحدهما: أن اذكر نبأ لوط وخبره؛ ليكون لك آية على رسالتك ونبوتك؛ إذ يعلمون أنك لم تشاهده ولا شهدت زمنه، فأخبرت على ما في كتبهم ليعرفوا أنك إنما عرفت ذلك بالله.

والثاني: اذكره: أن كيف صبر على أذى قومه، وكيف عامل قومه مع سوء صنيعهم من ارتكاب الفواحش والمناكير وسوء معاملتهم إياه، فاصبر أنت على أذى قومك وسوء معاملتهم إياك.

هذا - والله أعلم - يشبه أن يكون معنى ذكر لوط إياه، وعلى هذا يخرج قوله: ﴿ وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ  ﴾ أي: اذكر يا إبراهيم ونبأه: أن كيف عامل قومه؟

وماذا قال لهم؟

وكيف صبر على أذاهم؟

فتعامل أنت قومك مثله، واصبر على أذاهم كما صبر أولئك، والله أعلم.

وقوله: ﴿ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ ٱلْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ : قال لهم: ﴿ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ ، ثم لم يتهيأ لهم أن يعارضوا لقوله: ﴿ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ ، بل قد كان سبقنا بذلك أحد، فكان في ذلك وجهان: أحدهما: أن يكون ذلك آية لرسالته، وأنه إنما علم بالله: أنه لم يسبقهم بها أحد كما ذكر.

والثاني: أنهم يعبدون الأصنام ويرتكبون فواحش، ويقولون: ﴿ بَلْ وَجَدْنَآ آبَآءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ  ﴾ وإن الله أمرهم بذلك، ليعلم أنهم كذبة في قولهم: إن آباءهم على ذلك، حيث أخبر أنهم لم يسبقهم بها من أحد، ولو كان آباؤهم على ذلك لذكروه وعارضوه، فإذا لم يفعلوا ولم يشتغلوا بشيء من ذلك، علم أنهم كذبة فيما يقولون، والله أعلم.

وقوله: ﴿ أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ ٱلرِّجَالَ ﴾ : هو ما ذكرنا: ﴿ أَتَأْتُونَ ٱلذُّكْرَانَ مِنَ ٱلْعَالَمِينَ  ﴾ .

وقوله: ﴿ وَتَقْطَعُونَ ٱلسَّبِيلَ ﴾ : قال بعضهم: أي: تعترضون الطريق لمن مر بكم لعملكم الخبيث؛ لأنه ذكر أنهم إنما كانوا يعملون ذلك بالغرباء.

وقال بعضهم: ﴿ وَتَقْطَعُونَ ٱلسَّبِيلَ ﴾ أي: تقطعون السبيل على الناس؛ من قطع الطريق.

﴿ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ ٱلْمُنْكَرَ ﴾ أي: وتعملون في مجلسكم المنكر.

اختلف في هذا: قال بعضهم: أي: تعملون في مجلسكم اللواطة أيضاً.

وقال بعضهم: حذف بالحصى ورمي بالبندق وأمثاله.

لكنه يخبر عن سوء صنيعهم في كل حال وكل وقت، يقول: إنكم تعملون بالفواحش والمناكير في كل حال: في الطريق، وفي المجلس، وفي المنزل، ما سبقكم بذلك كله من أحد من العالمين، والله أعلم.

ثم قال: ﴿ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُواْ ٱئْتِنَا بِعَذَابِ ٱللَّهِ ﴾ ، وقال في موضع آخر: ﴿ إِلاَّ أَن قَالُوۤاْ أَخْرِجُوهُمْ مِّن قَرْيَتِكُمْ  ﴾ ، وقال في موضع آخر: ﴿ لَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُخْرَجِينَ  ﴾ ، هذه الآيات في الظاهر بعضها مخالف لبعض؛ لأنه يقول في بعضها: ﴿ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُواْ ٱئْتِنَا بِعَذَابِ ٱللَّهِ ﴾ ، وفي بعضها: ﴿ وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُوۤاْ أَخْرِجُوهُمْ مِّن قَرْيَتِكُمْ  ﴾ ، وفي بعضها: ﴿ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُوۤاْ أَخْرِجُوۤاْ آلَ لُوطٍ  ﴾ - فهو يخرج على وجوه: أحدها: أن يكون قوله: ﴿ إِلاَّ أَن قَالُوۤاْ أَخْرِجُوهُمْ  ﴾ ، و ﴿ أَخْرِجُوۤاْ آلَ لُوطٍ  ﴾ إنما ذلك فيما بينهم يقول بعضهم لبعض: أخرجوهم، وقوله: ﴿ ٱئْتِنَا بِعَذَابِ ٱللَّهِ ﴾ إنما قالوا ذلك للوط، فإذا كان كذلك فليس في الظاهر فيه خلاف.

والثاني: فما كان جواب قومه في مشهد وفي وقت إلا كذا، وقد كان منهم له أجوبة أخر سواها في غير ذلك المشهد وفي غير ذلك الوقت.

أو أن يكون قوله: فما كان آخر جواب قومه إلا أن قالوا: ﴿ ٱئْتِنَا بِعَذَابِ ٱللَّهِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ ﴾ بنزول العذاب علينا، إنما قالوا ذلك له استهزاء وتكذيباً.

ثم دعا لوط ربه فقال: ﴿ رَبِّ ٱنصُرْنِي عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْمُفْسِدِينَ ﴾ فأجيب.

وقوله: ﴿ وَلَمَّا جَآءَتْ رُسُلُنَآ إِبْرَاهِيمَ بِٱلْبُشْرَىٰ ﴾ : يحتمل البشرى: بشارة بالولد في كبر سنه وسن زوجته ما لم يطمع من أمثالهما الولد إذا بلغوا ذلك الوقت، وهو ما ذكر: ﴿ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ  ﴾ .

ويحتمل غيره.

﴿ قَالُوۤاْ إِنَّا مُهْلِكُوۤ أَهْلِ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُواْ ظَالِمِينَ ﴾ .

وقال في آية أخرى: ﴿ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَىٰ قَوْمِ لُوطٍ  ﴾ ، ولم يذكروا فيه بم أرسلوا؟

وبين في هذا، ثم قال إبراهيم: ﴿ إِنَّ فِيهَا لُوطاً قَالُواْ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَن فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ ٱمْرَأَتَهُ ﴾ ففي الآية الدليل من وجهين: أحدهما: يخرج الخطاب على العموم والمراد منه الخصوص؛ لأن الملائكة قالوا عامّاً: ﴿ إِنَّا مُهْلِكُوۤ أَهْلِ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ ﴾ ، ولم يكن الأمر بإهلاك كل أهل القرية، ثم استثنوا لوطاً وأهله بعدما قال إبراهيم: ﴿ إِنَّ فِيهَا لُوطاً ﴾ حيث قالوا: ﴿ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَن فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ ﴾ .

والثاني: فيه جواز تأخير البيان حيث لم يبينوا إلا بعد سؤال إبراهيم إياهم.

وفيه وجه آخر في امتحان الملائكة بمختلف الأشياء؛ لأن هؤلاء أمروا بالبشارة، وأمروا بإهلاك قوم لوط؛ ليعلم أنهم يمتحنون بمختلف الأشياء، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ ٱلْمُنْكَرَ ﴾ : روي عن أم هانئ "عن النبي  أنه قال في قوله: ﴿ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ ٱلْمُنْكَرَ ﴾ قال: كانوا يحذفون أهل الأرض ويسخرون منهم" ، فإن ثبت هذا كان تفسيراً له لا يحتاج إلى غيره.

والنادي: قال أبو عوسجة: المجلس، وأندية جماعة؛ وكذلك قال القتبي.

قال أبو معاذ: الندي والنادي لغتان، فجمع النادي: أندية، وجمع الندي: نُدى وندي؛ كقراءة بعض الناس في سورة مريم: ﴿ وَأَحْسَنُ نَدِيّاً  ﴾ أي: مجالس، وقراءة العامة: ﴿ نَدِيّاً ﴾ مجلسا، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَلَمَّآ أَن جَآءَتْ رُسُلُنَا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ ﴾ : ظاهر هذا أنه سيء بالواقع من الفعل بهم، لكن ساء ظنه أنهم يفعلون بهم لما يعلم من قومه الخبيث من العمل.

﴿ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعاً ﴾ هذه كلمة تتكلم بها العرب عند انقطاع جميع الحيل، فلوط إنما قال ذلك لما لم ير لنفسه حيلة يدفع بها شرهم، وما قصدوا بهم؛ ألا ترى أنه قال في آية أخرى: ﴿ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِيۤ إِلَىٰ رُكْنٍ شَدِيدٍ  ﴾ .

﴿ وَقَالُواْ لاَ تَخَفْ وَلاَ تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ ﴾ هذا يدل على أنهم قد قصدوا هم لوطاً بالهلاك؛ ألا ترى أنه قال في آية أخرى ﴿ لَن يَصِلُوۤاْ إِلَيْكَ  ﴾ دل هذا أنهم قد قصدوه بالهلاك؛ حتى قالوا: ﴿ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ ﴾ وأنهم إنما أرادوا بالإخراج بقولهم: ﴿ لَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُخْرَجِينَ  ﴾ إخراج قتل؛ إذ لو كان إخراجاً من القرية لا بقتل، لكان لا يكون له النجاة منهم والأمن، والله أعلم.

وقوله: ﴿ إِلاَّ ٱمْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ ٱلْغَابِرينَ ﴾ وفي بعض الآيات: ﴿ إِلاَّ ٱمْرَأَتَهُ قَدَّرْنَآ إِنَّهَا لَمِنَ ٱلْغَابِرِينَ  ﴾ والغبور فعلها، ثم أخبر أنه قدر ذلك؛ دل أن أفعال العباد مخلوقة لله مقدرة له، والله أعلم.

وقوله: ﴿ إِنَّا مُنزِلُونَ عَلَىٰ أَهْلِ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ رِجْزاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ ﴾ أي: عذاباً، والرجز: اسم كل عذاب فيه شدة؛ ألا ترى أنه قال في آية أخرى: ﴿ هَـٰذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ  ﴾ أي: شديد.

ثم ذكر أنه ينزل من السماء، فإن ثبت ما ذكر أن جبريل أدخل إحدى جناحيه تحت الأرض فرفع بها قريات لوط إلى السماء حتى سمع أهل السماء صياحهم وضجتهم، ثم أرسلها - فهو نزول العذاب من السماء، وأن قوله: ﴿ حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ  ﴾ أن السجيل لو كان مكاناً منه ينزل فهو في السماء؛ على ما يقول بعض الناس إنه مكان.

وقال بعضهم: هو اسم ذلك الحجر، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَلَقَد تَّرَكْنَا مِنْهَآ آيَةً بَيِّنَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ آية بينة لمن عقل وعرف السبب الذي أهلك قريات لوط؛ كقوله: ﴿ وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ  وَبِٱلَّيلِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ  ﴾ لماذا أهلكوا؟

أي: تعقلون هذه الأنباء والقصص التي ذكرها الله -  - في القرآن الكريم، وكررها، وأعادها مرة بعد مرة؛ لأن الأنباء والقصص إنما تذكر للحجاج على الكفرة، فتكرر وتعاد؛ ليحتج بها عليهم، وأمّا الأحكام فإنما هي لأهل الإسلام خاصّة، فهم يطلبون ما عليهم من الأحكام؛ فلا تقع الحاجة إلى التكرار والإعادة.

ثم الكفرة كانوا على أصناف ثلاثة، منها: أهل العناد والمكابرة، وأهل شك وحيرة، وأهل استرشاد.

ومن كان همته الاسترشاد يؤمن بها بالبداهة، وفي أوّل ما وقع في مسامعهم؛ فلا تقع الحاجة إلى التكرار والإعادة.

وأمّا أهل العناد والمكابرة فإنها تكرر عليهم لعلها تنجع فيهم فيؤمنوا بها، وهذه الآيات كانت آيات وحججاً للتوحيد، والبعث، والرسالة، وعلى ذلك جاءت الرسل بالدعاء إلى التوحيد، وإلى الإقرار بالبعث والإيمان به، وإلى الإيمان بالرسل؛ فشعيب -  - جمع هذه الخصال الثلاث في قوله: ﴿ يٰقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱرْجُواْ ٱلْيَوْمَ ٱلأَخِرَ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي ٱلأَرْضِ مُفْسِدِينَ  ﴾ دعاهم إلى التوحيد بقوله: ﴿ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ ﴾ وفيه نهي عن عبادة من دونه، ودعاهم إلى الإيمان بالبعث بقوله: ﴿ وَٱرْجُواْ ٱلْيَوْمَ ٱلأَخِرَ ﴾ أي: خافوا عذاب ذلك اليوم، ونهى عن جميع المعاصي بقوله: ﴿ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي ٱلأَرْضِ مُفْسِدِينَ * فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ ﴾ قد ذكرنا هذا.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

قال لوط  داعيًا ربه بعد تعنُّت قومه وطلبهم إنزال العذاب عليهم استخفافًا به: ربِّ انصرني على القوم المفسدين في الأرض بما ينشرونه من الكفر والمعاصي المستقبحة.

من فوائد الآيات عناية الله بعباده الصالحين حيث ينجيهم من مكر أعدائهم.

فضل الهجرة إلى الله.

عظم منزلة إبراهيم وآله عند الله تعالى.

تعجيل بعض الأجر في الدنيا لا يعني نقص الثواب في الآخرة.

قبح تعاطي المنكرات في المجالس العامة.

<div class="verse-tafsir" id="91.ADJbl"

مزيد من التفاسير لسورة العنكبوت

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.8 / 29.5
الإضاءة 24%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد