الآية ٤١ من سورة العنكبوت

الإسلام > القرآن > سور > سورة 29 العنكبوت > الآية ٤١ من سورة العنكبوت

مَثَلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُوا۟ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوْلِيَآءَ كَمَثَلِ ٱلْعَنكَبُوتِ ٱتَّخَذَتْ بَيْتًۭا ۖ وَإِنَّ أَوْهَنَ ٱلْبُيُوتِ لَبَيْتُ ٱلْعَنكَبُوتِ ۖ لَوْ كَانُوا۟ يَعْلَمُونَ ٤١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 77 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٤١ من سورة العنكبوت: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٤١ من سورة العنكبوت عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

هذا مثل ضربه الله تعالى للمشركين في اتخاذهم آلهة من دون الله ، يرجون نصرهم ورزقهم ، ويتمسكون بهم في الشدائد ، فهم في ذلك كبيت العنكبوت في ضعفه ووهنه فليس في أيدي هؤلاء من آلهتهم إلا كمن يتمسك ببيت العنكبوت ، فإنه لا يجدي عنه شيئا ، فلو علموا هذا الحال لما اتخذوا من دون الله أولياء ، وهذا بخلاف المسلم المؤمن قلبه لله ، وهو مع ذلك يحسن العمل في اتباع الشرع فإنه مستمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها ، لقوتها وثباتها .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (41) يقول تعالى ذكره: مثل الذين اتخذوا الآلهة والأوثان من دون الله أولياء يرجون نَصْرها ونفعها عند حاجتهم إليها في ضعف احتيالهم، وقبح رواياتهم، وسوء اختيارهم لأنفسهم، ( كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ ) في ضعفها، وقلة احتيالها لنفسها، ( اتَّخَذَتْ بَيْتًا ) لنفسها ، كيما يُكِنهَا، فلم يغن عنها شيئا عند حاجتها إليه، فكذلك هؤلاء المشركون لم يغن عنهم حين نـزل بهم أمر الله، وحلّ بهم سخطه أولياؤُهم الذين اتخذوهم من دون الله شيئا، ولم يدفعوا عنهم ما أحلّ الله بهم من سخطه بعبادتهم إياهم.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ( مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا ...) إلى آخر الآية، قال: ذلك مثل ضربه الله لمن عبد غيره، إن مثله كمثل بيت العنكبوت.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة، قوله: ( مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ ) قال: هذا مثل ضربه الله للمشرك مَثل إلهه الذي يدعوه من دون الله كمثل بيت العنكبوت واهن ضعيف لا ينفعه.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ( مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا ) قال: هذا مثل ضربه الله، لا يغني أولياؤهم عنهم شيئا، كما لا يغني العنكبوت بيتها هذا.

وقوله: ( وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ ) يقول: إن أضعف البيوت ( لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ) يقول تعالى ذكره: لو كان هؤلاء الذين اتخذوا من دون الله أولياء، يعلمون أن أولياءهم الذين اتخذوهم من دون الله في قلة غنائهم عنهم، كغناء بيت العنكبوت عنها، لكنهم يجهلون ذلك، فيحسبون أنهم ينفعونهم ويقرّبونهم إلى الله زلفى.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت قال الأخفش : كمثل العنكبوت وقف تام ، ثم قص قصتها فقال : اتخذت بيتا .

قال ابن الأنباري : [ ص: 318 ] وهذا غلط ; لأن اتخذت بيتا صلة للعنكبوت ، كأنه قال : كمثل التي اتخذت بيتا .

فلا يحسن الوقف على الصلة دون الموصول ، وهو بمنزلة قوله : كمثل الحمار يحمل أسفارا ف ( يحمل ) صلة للحمار .

ولا يحسن الوقف على ( الحمار ) دون ( يحمل ) .

قال الفراء : هو مثل ضربه الله سبحانه لمن اتخذ من دونه آلهة لا تنفعه ولا تضره ; كما أن بيت العنكبوت لا يقيها حرا ولا بردا .

ولا يحسن الوقف على ( العنكبوت ) لأنه لما قصد بالتشبيه لبيتها الذي لا يقيها من شيء فشبهت الآلهة التي لا تنفع ولا تضر به .

وإن أوهن البيوت أي أضعف البيوت لبيت العنكبوت .

قال الضحاك : ضرب مثلا لضعف آلهتهم ووهنها فشبهها ببيت العنكبوت .

لو كانوا يعلمون ( لو ) متعلقة ب ( بيت العنكبوت ) أي لو علموا أن عبادة الأوثان كاتخاذ بيت العنكبوت التي لا تغني عنهم شيئا ، وأن هذا مثلهم - لما عبدوها ; لأنهم يعلمون أن بيت العنكبوت ضعيف .

وقال النحاة : إن تاء ( العنكبوت ) في آخرها مزيدة ; لأنها تسقط في التصغير والجمع وهي مؤنثة .

وحكى الفراء تذكيرها ، وأنشد :على هطالهم منهم بيوت كأن العنكبوت قد ابتناهاويروى :على أعطالهم منهم بيوتقال الجوهري والهطال : اسم جبل .

والعنكبوت الدويبة المعروفة التي تنسج نسجا رقيقا مهلهلا بين الهواء .

ويجمع عناكيب وعكاب وعكب وأعكب .

وقد حكي أنه يقال عنكب وعكنباة .

قال الشاعر :كأنما يسقط من لغامها بيت عكنباة على زمامهاوتصغر فيقال : عنيكب .

وقد حكي عن يزيد بن ميسرة أن العنكبوت شيطان مسخها الله تعالى وقال عطاء الخراساني : نسجت العنكبوت مرتين : مرة على داود حين كان جالوت يطلبه ومرة على النبي صلى الله عليه وسلم ; ولذلك نهى عن قتلها .

ويروى عن علي رضي الله عنه أنه قال : طهروا بيوتكم من نسج العنكبوت ; فإن تركه في البيوت يورث الفقر ومنع الخمير يورث الفقر .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

هذا مثل ضربه اللّه لمن عبد معه غيره، يقصد به التعزز والتَّقَوِّي والنفع، وأن الأمر بخلاف مقصوده، فإن مثله كمثل العنكبوت، اتخذت بيتا يقيها من الحر والبرد والآفات، { وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ } أضعفها وأوهاها { لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ } فالعنكبوت من الحيوانات الضعيفة، وبيتها من أضعف البيوت، فما ازدادت باتخاذه إلا ضعفا، كذلك هؤلاء الذين يتخذون من دونه أولياء، فقراء عاجزون من جميع الوجوه، وحين اتخذوا الأولياء من دونه يتعززون بهم ويستنصرونهم، ازدادوا ضعفا إلى ضعفهم، ووهنا إلى وهنهم.فإنهم اتكلوا عليهم في كثير من مصالحهم، وألقوها عليهم، وتخلوا هم عنها، على أن أولئك سيقومون بها، فخذلوهم، فلم يحصلوا منهم على طائل، ولا أنالوهم من معونتهم أقل نائل.فلو كانوا يعلمون حقيقة العلم، حالهم وحال من اتخذوهم، لم يتخذوهم، ولتبرأوا منهم، ولتولوا الرب القادر الرحيم، الذي إذا تولاه عبده وتوكل عليه، كفاه مئونة دينه ودنياه، وازداد قوة إلى قوته، في قلبه وفي بدنه وحاله وأعماله.ولما بين نهاية ضعف آلهة المشركين، ارتقى من هذا إلى ما هو أبلغ منه، وأنها ليست بشيء، بل هي مجرد أسماء سموها، وظنون اعتقدوها، وعند التحقيق، يتبين للعاقل بطلانها وعدمها.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء ) يعني : الأصنام ، يرجون نصرها ونفعها ( كمثل العنكبوت اتخذت بيتا ) لنفسها تأوي إليه ، وإن بيتها في غاية الضعف والوهاء ، لا يدفع عنها حرا ولا بردا ، وكذلك الأوثان لا تملك لعابديها نفعا ولا ضرا .

( وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون )

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء» أي أصناماً يرجون نفعها «كمثل العنكبوت اتخذت بيتاً» لنفسها تأوي إليه «وإن أوهن» أضعف «البيوت لبيت العنكبوت» لا يدفع عنها حراً ولا برداً كذلك الأصنام لا تنفع عابديها «لو كانوا يعلمون» ذلك ما عبدوها.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

مثل الذين جعلوا الأوثان من دون الله أولياء يرجون نصرها، كمثل العنكبوت التي عملت بيتًا لنفسها ليحفظها، فلم يُغن عنها شيئًا عند حاجتها إليه، فكذلك هؤلاء المشركون لم يُغْن عنهم أولياؤهم الذين اتخذوهم من دون الله شيئًا، وإن أضعف البيوت لَبيت العنكبوت، لو كانوا يعلمون ذلك ما اتخذوهم أولياء، فهم لا ينفعونهم ولا يضرونهم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم ضرب الله مثلا ، لمن يتخذ آلهة من دونه : وتوعد من يفعل ذلك بأشد أنواع العذاب ، فقال - تعالى - ( مَثَلُ الذين اتخذوا .

.

.

إِلاَّ العالمون ) .والمثَل والمِثْل : النظير والشبيه ، ثم أطلق المثل على القول السائر المعروف ، لمماثلة مضربه - وهو الذى يضرب فيه - لمورده - وهو الذى ورد فيه أولا - ولا يكون إلا فيما فيه غرابة - ثم استعير للصفة أو الحال أو القصة ، إذا كان لها شأن عجيب ، وفيها غرابة .

وعلى هذا المعنى يحمل المثل هنا .وإنما تضرب الأمثال لإِيضاح المعنى الخفى ، وتقريب الشئ المعقول من الشئ المحسوس ، وعرض الغائب فى صورة الحاضر ، فيكون المعنى الذى ضرب له المثل ، أوقع فى القلوب ، وأثبت فى النفوس .والعنكبوت : حشرت معروفة ، تنسج لنفسها فى الهواء بيتا رقيقا ضعيفا ، لا يغنى عنا شيئا ، وتطلق هذه الكلمة على الواحد والجمع والمذكر والمؤنث والغالب فى استعمالها التأنيث .

والواو والتاء زائدتان ، كما فى لفظ طاغوت .والمعنى : حال هؤلاء المشركين الذين اتخذوا من دون الله - تعالى - أصناماً يعبدونها ، ويرجون نفعها وشفاعتها .

.

كحال العنكبوت فى اتخاذها بيتاً ضعيفاً مهلهلاً ، لا ينفعها لا فى الحر ولا فى القر ، ولا يدفع عنها شيئاً من الأذى .فالمقصود من المثل تجهيل المشركين وتقريعهم ، حيث عبدوا من دون الله - تعالى - آلهة ، هى فى ضعفها ووهنا تشبه بيت العنكبوت ، وأنهم لو كانوا من ذوى العلم لما عبدوا تلك الآلهة .قال صاحب الكشاف : الغرض تشبيه ما اتخذوه متكلاً ومتعمداً فى دينهم ، وتولوه من دون الله ، بما هو مثل عند الناس فى الوهن وضعف القوة .

وهو نسج العنكبوت .

ألا ترى غلى مقطع التشبيه ، وهو قوله : ( وَإِنَّ أَوْهَنَ البيوت لَبَيْتُ العنكبوت ) .فإن قلت : ما معنى قوله : ( لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ ) وكل أحد يعلم وهن بيت العنكبوت؟

قلت : معناه ، لو كانوا يعلمون أن هذا مثلهم ، وأن أمر دينهم بالغ هذه الغاية من الوهن .

.وقال الآلوسى : قوله : ( لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ ) أى : لو كانوا يعلمون شيئاً من الأشياء ، لعلموا أن هذا مثلهم ، أو أن أمر دينهم بالغ هذه الغاية من الوهن .

و " لو " شرطية ، وجوابها محذوف ، وجوز بعضهم كونها لللتمنى فى جواب لها ، وهو غير ظاهر .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

ثم قال تعالى: ﴿ مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتاً ﴾ .

لما بين الله تعالى أنه أهلك من أشرك عاجلاً وعذب من كذب آجلاً، ولم ينفعه في الدارين معبوده ولم يدفع ذلك عنه ركوعه وسجوده، مثل اتخاذه ذلك معبوداً باتخاذ العنكبوت بيتاً لا يجير آوياً ولا يريح ثاوياً، وفي الآية لطائف نذكرها في مسائل: المسألة الأولى: ما الحكمة في اختيار هذا المثل من بين سائر الأمثال؟

فنقول فيه وجوه: الأول: أن البيت ينبغي أن يكون له أمور: حائط حائل، وسقف مظل، وباب يغلق، وأمور ينتفع بها ويرتفق، وإن لم يكن كذلك فلابد من أحد أمرين.

إما حائط حائل يمنع من البرد وإما سقف مظل يدفع عنه الحر، فإن لم يحصل منهما شيء فهو كالبيداء ليس ببيت لكن بيت العنكبوت لا يجنها ولا يكنها وكذلك المعبود ينبغي أن يكون منه الخلق والرزق وجر المنافع وبه دفع المضار، فإن لم تجتمع هذه الأمور فلا أقل من دفع ضر أو جر نفع، فإن من لا يكون كذلك فهو والمعدوم بالنسبة إليه سواء، فإذن كما لم يحصل للعنكبوت باتخاذ ذلك البيت من معاني البيت شيء، كذلك الكافر لم يحصل له باتخاذ الأوثان أولياء من معاني الأولياء شيء الثاني: هو أن أقل درجات البيت أن يكون للظل فإن البيت من الحجر يفيد الاستظلال ويدفع أيضاً الهواء والماء والنار والتراب، والبيت من الخشب يفيد الاستظلال ويدفع الحر والبرد ولا يدفع الهواء القوي ولا الماء ولا النار، والخباء الذي هو بيت من الشعر أو الخيمة التي هي من ثوب إن كان لا يدفع شيئاً يظل ويدفع حر الشمس لكن بيت العنكبوت لا يظل فإن الشمس بشعاعها تنفذ فيه، فكذلك المعبود أعلى درجاته أن يكون نافذ الأمر في الغير، فإن لم يكن كذلك فيكون نافذ الأمر في العابد، فإن لم يكن فلا أقل من أن لا ينفذ أمر العابد فيه لكن معبودهم تحت تسخيرهم إن أرادوا أجلوه وإن أحبوا أذلوه الثالث: أدنى مراتب البيت أنه إن لم يكن سبب ثبات وارتفاق لا يصير سبب شتات وافتراق، لكن بيت العنكبوت يصير سبب انزعاج العنكبوت، فإن العنكبوت لو دام في زاوية مدة لا يقصد ولا يخرج منها، فإذا نسج على نفسه واتخذ بيتاً يتبعه صاحب الملك بتنظيف البيت منه والمسح بالمسوح الخشنة المؤذية لجسم العنكبوت، فكذلك العابد بسبب العبادة ينبغي أن يستحق الثواب، فإن لم يستحقه فلا أقل من أن لا يستحق بسببها العذاب، والكافر يستحق بسبب العبادة العذاب.

المسألة الثانية: مثل الله اتخاذهم الأوثان أولياء باتخاذ العنكبوت نسجه بيتاً ولم يمثله بنسجه وذلك لوجهين: أحدهما: أن نسجه فيه فائدة له، لولاه لما حصل وهو اصطيادها الذباب به من غير أن يفوته ما هو أعظم منه، واتخاذهم الأوثان وإن كان يفيدهم ما هو أقل من الذباب من متاع الدنيا، لكن يفوتهم ما هو أعظم منها وهو الدار الآخرة التي هي خير وأبقى فليس اتخاذهم كنسج العنكبوت الوجه الثاني: هو أن نسجه مفيد لكن اتخاذها ذلك بيتاً أمر باطل فكذلك هم لو اتخذوا الأوثان دلائل على وجود الله وصفات كماله وبراهين على نعوت إكرامه وأوصاف جلاله لكان حكمة، لكنهم اتخذوها أولياء كجعل العنكبوت النسج بيتاً وكلاهما باطل.

المسألة الثالثة: كما أن هذا المثل صحح في الأول فهو صحيح في الآخر، فإن بيت العنكبوت إذا هبت ريح لا يرى منه عين ولا أثر بل يصير هباءً منثوراً، فكذلك أعمالهم للأوثان كما قال تعالى: ﴿ وَقَدِمْنَا إلى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُوراً  ﴾ .

المسألة الرابعة: قال: ﴿ مَثَلُ الذين اتخذوا مِن دُونِ الله أَوْلِيَاء ﴾ ولم يقل آلهة إشارة إلى إبطال الشرك الخفي أيضاً، فإن من عبد الله رياء لغيره فقد اتخذ ولياً غيره فمثله مثل العنكبوت يتخذ نسجه بيتاً.

ثم إنه تعالى قال: ﴿ وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون ﴾ .

إشارة إلى ما بينا أن كل بيت ففيه إما فائدة الاستظلال أو غير ذلك، وبيته يضعف عن إفادة ذلك لأنه يخرب بأدنى شيء ولا يبقى منه عين ولا أثر فكذلك عملهم لو كانوا يعلمون.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

الغرض تشبيه ما اتخذوه متكلاً ومعتمداً في دينهم وتولوه من دون الله، بما هو مثل عند الناس في الوهن وضعف القوّة.

وهو نسج العنبكوت.

ألا ترى إلى مقطع التشبيه وهو قوله: ﴿ وَإِنَّ أَوْهَنَ البيوت لَبَيْتُ العنكبوت ﴾ ؟

فإن قلت: ما معنى قوله: ﴿ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ ﴾ وكل أحد يعلم وهن بيت العنكبوت؟

قلت: معناه لو كانوا يعلمون أن هذا مثلهم وأن أمر دينهم بالغ هذه الغاية من الوهن.

ووجه آخر: وهو أنه إذا صحّ تشبيه ما اعتمدوه في دينهم ببيت العنكبوت، وقد صح أن أوهن البيوت بيت العنكبوت، فقد تبين أن دينهم أوهن الأديان لو كانوا يعملون.

أو أخرج الكلام بعد تصحيح التشبيه مخرج المجاز، فكأنه قال: وإن أوهن ما يعتمد عليه في الدين عبادة الأوثان لو كانوا يعلمون.

ولقائل أن يقول: مثل المشرك الذي يعبد الوثن بالقياس إلى المؤمن الذي يعبد الله، مثل عنكبوت يتخذ بيتاً، بالإضافة إلى رجل يبني بيتاً بآجر وجص أو ينحته من صخر، وكما أن أوهن البيوت إذا استقريتها بيتاً بيتاً بيت العنكبوت، كذلك أضعف الأديان إذا استقريتها ديناً ديناً عبادة الأوثان لو كانوا يعلمون.

قرئ: (تدعون) بالتاء والياء.

وهذا توكيد للمثل وزيادة عليه، حيث لم يجعل ما يدعونه شيئاً ﴿ وَهُوَ العزيز الحكيم ﴾ فيه تجهيل لهم حيث عبدوا ما ليس بشيء؛ لأنه جماد ليس معه مصحح العلم والقدرة أصلاً، وتركوا عبادة القادر القاهر على كل شيء، الحكيم الذي لا يفعل شيئاً إلا بحكمة وتدبير.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أوْلِياءَ ﴾ فِيما اتَّخَذُوهُ مُعْتَمَدًا ومُتَّكَلًا.

﴿ كَمَثَلِ العَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا ﴾ فِيما نَسَجَتْهُ في الوَهْنِ والخَوْرِ بَلْ ذاكَ أوْهَنُ فَإنَّ لِهَذا حَقِيقَةً وانْتِفاعًا ما، أوْ مَثَلَهم بِالإضافَةِ إلى المُوَحَّدِ كَمَثَلِها بِالإضافَةِ إلى رَجُلٍ بَنى بَيْتًا مِن حَجَرٍ وجَصٍّ، والعَنْكَبُوتُ يَقَعُ عَلى الواحِدِ والجَمْعِ والمُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ، والتّاءُ فِيهِ كَتاءِ طاغُوتَ ويُجْمَعُ عَلى عَناكِيبَ وعَناكِبَ وعُكابٍ وعِكْبَةَ وأعْكُبٍ.

﴿ وَإنَّ أوْهَنَ البُيُوتِ لَبَيْتُ العَنْكَبُوتِ ﴾ لا بَيْتَ أوْهَنُ وأقَلُّ وِقايَةً لِلْحَرِّ والبَرْدِ مِنهُ.

﴿ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ﴾ يَرْجِعُونَ إلى عِلْمٍ لَعَلِمُوا أنَّ هَذا مَثَلُهم وأنَّ دِينَهم أوْهَنُ مِن ذَلِكَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِبَيْتِ العَنْكَبُوتِ دِينَهم سَمّاهُ بِهِ تَحْقِيقًا لِلتَّمْثِيلِ فَيَكُونُ المَعْنى: وإنَّ أوْهَنَ ما يُعْتَمَدُ بِهِ في الدِّينِ دِينُهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء} أي آلهة يعني مثل من أشرك بالله الأوثان في الضعف وسوء الاختيار {كَمَثَلِ العنكبوت اتخذت بَيْتاً} أي كمثل العنكبوت فيما تتخذه لنفسها من بيت فإن ذلك بيت لا يدفع عنها الحر والبرد ولا يقي ما تقي البيوت فكذلك الأوثان لا تنفعهم في الدنيا والآخرة جعل حاتم اتخذت حالاً {وَإِنَّ أوهن البيوت لبيت العنكبوت} لابيت أوهن من بيتها عن علي رضي الله عنه طهروا بيوتكم من نسج العنكبوت فإن تركه يورث الفقر {لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ} أن هذا مثلهم وأن أمر دينهم بالغ هذه الغاية من الوهن وقيل معنى الآية مثل المشرك الذي يعبد الوثن بالقياس إلى المؤمن الذي يعبد الله مثل عنكبوت تتخذ بيتاً بالإضافة إلى رجل يبنى بيتاً بآجر وجص أو ينحته من صخر وكما أن أوهن البيوت إذا استقريتها بيتاً بيتاً بيت العنكبوت كذلك أضعف الأديان إذا استقريتها ديناً ديناً عبادة الأوثان لو كانوا يعلمون وقال الزجاج في جماعة تقدير الآية مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء لو كانوا يعلمون كمثل العنكبوت

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أوْلِياءَ ﴾ اسْتِئْنافٌ مُتَضَمِّنٌ تَقْبِيحَ حالِ أُولَئِكَ المُهْلَكِينَ الظّالِمِينَ لِأنْفُسِهِمْ وأضْرابِهِمْ مِمَّنْ تَوَلّى غَيْرَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أعْظَمِ أنْواعِ ظُلْمِهِمْ فالمُرادُ بِالمَوْصُولِ جَمِيعُ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ عَبَدُوا مِن دُونِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ الأوْثانَ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ جَمِيعُ مَنِ اتَّخَذَ غَيْرَهُ تَعالى مُتَّكَلًا ومُعْتَمَدًا آلِهَةً كانَ ذَلِكَ أوْ غَيْرَها، ولِذا عَدَلَ إلى أوْلِياءَ مِن آلِهَةٍ أيْ صِفَتِهِمْ أوْ شَبَهِهِمْ ﴿ كَمَثَلِ العَنْكَبُوتِ ﴾ أيْ كَصِفَتِها أوْ شَبَهِها.

﴿ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وإنَّ أوْهَنَ البُيُوتِ لَبَيْتُ العَنْكَبُوتِ ﴾ بَيانٌ لِصِفَةِ العَنْكَبُوتِ الَّتِي يَدُورُ عَلَيْها أمْرُ التَّشْبِيهِ، والجُمْلَةُ عَلى ما نُقِلَ عَنِ الأخْفَشِ مِن لُزُومِ الوَقْفِ عَلى العَنْكَبُوتِ مُسْتَأْنِفَةٌ لِذَلِكَ ﴿ وإنَّ أوْهَنَ البُيُوتِ ﴾ إلَخْ في مَوْضِعِ الحالِ مِن فاعِلِ اتَّخَذَتِ المُسْتَكِنَّ فِيهِ، وجُوِّزَ كَوْنُهُ في مَوْضِعِ الحالِ مِن مَفْعُولِهِ بِناءً عَلى جَوازِ مَجِيءِ الحالِ مِنَ النَّكِرَةِ، وعَلى الوَجْهَيْنِ وُضِعَ المُظْهَرُ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ الرّاجِعِ إلى ذِي الحالِ، والجُمْلَةُ مِن تَتِمَّةِ الوَصْفِ.

واللّامُ في البُيُوتِ لِلِاسْتِغْراقِ، والمَعْنى مَثَلُ المُتَّخِذِينَ لَهم مِن دُونِ اللَّهِ تَعالى أوْلِياءَ في اتِّخاذِهِمْ إيّاهم كَمَثَلِ العَنْكَبُوتِ وذَلِكَ أنَّها اتَّخَذَتْ لَها بَيْتًا والحالُ أنَّ أوْهَنَ كُلِّ البُيُوتِ وأضْعَفَها بَيْتُها، وهَؤُلاءِ اتَّخَذُوا لَهم مِن دُونِ اللَّهِ تَعالى أوْلِياءَ والحالُ أنَّ أوْهَنَ كُلِّ الأوْلِياءِ وأضْعَفَها أوْلِياؤُهُمْ، وإنْ شِئْتَ فَقُلْ: إنَّها اتَّخَذَتْ بَيْتًا في غايَةِ الضَّعْفِ وهَؤُلاءِ اتَّخَذُوا لَها أوْ مُتَّكَلًا في غايَةِ الضَّعْفِ فَهم وهي مُشْتَرِكانِ في اتِّخاذِ ما هو في غايَةِ الضَّعْفِ في بابِهِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ اتَّخَذَتْ حالًا مِنَ العَنْكَبُوتِ بِتَقْدِيرِ قَدْ أوْ بِدُونِها أوْ صِفَةً لَها لِأنَّ ألْ فِيها لِلْجِنْسِ، وقَدْ جَوَّزُوا الوَجْهَيْنِ في الجُمَلِ الواقِعَةِ بَعْدَ المُعَرَّفِ بِألِ الجِنْسِيَّةِ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كَمَثَلِ الحِمارِ يَحْمِلُ أسْفارًا  ﴾ وعَنِ الفَرّاءِ أنَّ الجُمْلَةَ صِلَةٌ لِمَوْصُولٍ مَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةَ ﴿ العَنْكَبُوتِ ﴾ أيِ الَّتِي اتَّخَذَتْ، وخَرَّجَ الآيَةَ الَّتِي ذَكَرْناها عَلى هَذا واخْتارَ حَذْفَ المَوْصُولِ في مِثْلِهِ ابْنُ دَرَسْتَوَيْهِ، وعَلَيْهِ لا يُوقَفُ عَلى العَنْكَبُوتِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ كَوْنَ الجُمْلَةِ صِفَةً أظْهَرُ.

والمَعْنى حِينَئِذٍ مَثَلُ المُشْرِكِ الَّذِي عَبَدَ الوَثَنَ بِالقِياسِ إلى المُوَحِّدِ الَّذِي عَبَدَ اللَّهَ تَعالى كَمَثَلِ عَنْكَبُوتٍ اتَّخَذَتْ بَيْتًا بِالإضافَةِ إلى رَجُلٍ بَنى بَيْتًا بِآجُرٍّ وجِصٍّ أوْ نَحَتَهُ مِن صَخْرٍ وكَما أنَّ أوْهَنَ البُيُوتِ إذا اسْتَقْرَيْتَها بَيْتًا بَيْتًا بَيْتُ العَنْكَبُوتِ كَذَلِكَ أضْعَفُ الأدْيانِ إذا اسْتَقْرَيْتَها دِينًا دِينًا عِبادَةُ الأوْثانِ، وهو وجْهٌ حَسَنٌ ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ في الآيَةِ، وقَدِ اعْتُبِرَ فِيهِ تَفْرِيقُ التَّشْبِيهِ، والغَرَضُ إبْرازُ تَفاوُتِ المُتَّخِذِينَ والمُتَّخِذُ مَعَ تَصْوِيرِ تَوْهِينِ أمْرِ أحَدِهِما وإدْماجِ تَوْطِيدِ الآخَرِ، وعَلَيْهِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وإنَّ أوْهَنَ البُيُوتِ ﴾ جُمْلَةً حالِيَّةً لِأنَّهُ مِن تَتِمَّةِ التَّشْبِيهِ، وأنْ يَكُونَ اعْتِراضِيَّةً لِأنَّهُ لَوْ لَمْ يُؤْتَ بِهِ لَكانَ في ضِمْنِهِ ما يُرْشِدُ إلى هَذا المَعْنى وإلى كَوْنِهِ جُمْلَةً حالِيَّةً ذَهَبَ الطَّيِّبِيُّ.

وقالَ صاحِبُ الكَشْفِ: كَلامُ الزَّمَخْشَرِيِّ إلى كَوْنِهِ اعْتِراضِيَّةً أقْرَبُ لِأنَّ قَوْلَهُ: وكَما أنَّ أوْهَنَ البُيُوتِ إلَخْ لَيْسَ فِيهِ إيماءٌ إلى تَقْيِيدِ الأوَّلِ، وقَدْ تَعَقَّبَ أبُو حَيّانَ هَذا الوَجْهَ بِأنَّهُ لا يَدُلُّ عَلَيْهِ لَفْظُ الآيَةِ، وإنَّما هو تَحْمِيلُ اللَّفْظِ ما لا يَحْتَمِلُهُ كَعادَتِهِ في كَثِيرٍ مِن تَفْسِيرِهِ، وهَذِهِ مُجازَفَةٌ عَلى صاحِبِ الكَشّافِ كَما لا يَخْفى، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى مِثْلَ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أوْلِياءَ فِيما اتَّخَذُوهُ مُعْتَمَدًا ومُتَّكَلًا في دِينِهِمْ وتَوَلَّوْهُ مِن دُونِ اللَّهِ تَعالى كَمَثَلِ العَنْكَبُوتِ فِيما نَسَجَتْهُ واتَّخَذَتْهُ بَيْتًا، والتَّشْبِيهُ عَلى هَذا مِنَ المُرَكَّبِ فَيُعْتَبَرُ في جانِبِ المُشَبَّهِ اتِّخاذٌ ومُتَّخَذٌ واتِّكالٌ عَلَيْهِ، وكَذَلِكَ في الجانِبِ الآخَرِ ما يُناسِبُهُ ويَعْتَبِرُ تَشْبِيهَ الهَيْئَةِ المُنْتَزَعَةِ مِن ذَلِكَ كُلِّهِ بِالهَيْئَةِ المُنْتَزَعَةِ مِن هَذا بِالأسْرِ، والغَرَضُ تَقْرِيرُ وهْنِ أمْرِ دِينِهِمْ وأنَّهُ بَلَغَ الغايَةَ الَّتِي لا غايَةَ بَعْدَها، ومَدارُ قُطْبِ التَّشْبِيهِ أنَّ أوْلِياءَهم بِمَنزِلَةِ مَنسُوجِ العَنْكَبُوتِ ضَعْفَ حالٍ وعَدَمَ صُلُوحِ اعْتِمادٍ، وعَلى هَذا يَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وإنَّ أوْهَنَ البُيُوتِ ﴾ تَذْيِيلًا يُقَرِّرُ الغَرَضَ مِنَ التَّشْبِيهِ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى والغَرَضُ مِنَ التَّشْبِيهِ ما سَمِعْتَ إلّا أنَّهُ يَجْعَلُ التَّذْيِيلَ اسْتِعارَةً تَمْثِيلِيَّةً ويَكُونُ ما تَقَدَّمَ كالتَّوْطِئَةِ لَها، فَكَأنَّهُ قِيلَ: وإنَّ أوْهَنَ ما يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ في الدِّينِ عِبادَةُ الأوْثانِ، وهي تُقَرِّرُ الغَرَضَ مِنَ التَّشْبِيهِ بِتَبَعِيَّةِ تَقْرِيرِ المُشَبَّهِ، وكَأنَّ التَّقْرِيرَ في الوَجْهِ السّابِقِ بِتَبَعِيَّةِ تَقْرِيرِ المُشَبَّهِ بِهِ، وهَذا قَرِيبٌ مِن تَجْرِيدِ الِاسْتِعارَةِ وتَرْشِيحِها، ونَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُكَ: زَيْدٌ في الكَرَمِ بَحْرٌ والبَحْرُ لا يُخَيِّبُ مَن أتاهُ إذا كانَ البَحْرُ الثّانِي مُسْتَعارًا لِلْكَرِيمِ، وذِكْرُ الطَّرَفَيْنِ إنَّما يَمْنَعُ مِن كَوْنِهِ اسْتِعارَةً لَوْ كانَ في جُمْلَتِهِ، ورُجِّحَ السّابِقُ لَأنَّ عادَةَ البُلَغاءِ تَقْرِيرُ أمْرِ المُشَبَّهِ بِهِ لِيَدُلَّ بِهِ عَلى تَقْرِيرِ المُشَبَّهِ، ولِأنَّ هَذا إنَّما يَتَمَيَّزُ عَنِ الألْغازِ بَعْدَ سَبْقِ التَّشْبِيهِ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَثَلُ الَّذِينَ ﴾ إلَخْ كالمُقَدِّمَةِ الأُولى، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ وإنَّ أوْهَنَ البُيُوتِ ﴾ كالثّانِيَةِ وما هو كالنَّتِيجَةِ مَحْذُوفٌ مَدْلُولٌ عَلَيْهِ بِما بَعْدُ كَما في الكَشْفِ، والمَجْمُوعُ يَدُلُّ عَلى المُرادِ مِن تَقْرِيرِ وهْنِ أمْرِ دِينِهِمْ وأنَّهُ بَلَغَ الغايَةَ الَّتِي لا غايَةَ بَعْدَها عَلى سَبِيلِ الكِنايَةِ الإيمائِيَّةِ فَتَأمَّلْ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِالعَنْكَبُوتِ النَّوْعُ الَّذِي يَنْسِجُ بَيْتَهُ في الهَواءِ ويَصِيدُ بِهِ الذُّبابَ لا النَّوْعُ الآخَرُ الَّذِي يَحْفِرُ بَيْتَهُ في الأرْضِ ويَخْرُجُ في اللَّيْلِ كَسائِرِ الهَوامِّ، وهي عَلى ما ذَكَرَهُ غَيْرُ واحِدٍ مِن ذَواتِ السُّمُومِ فَيُسَنُّ قَتْلُها لِذَلِكَ، لا لِما أخْرَجَ أبُو داوُدَ في مَراسِيلِهِ عَنْ يَزِيدَ بْنِ مَرْثَدٍ مِن قَوْلِهِ  : ««العَنْكَبُوتُ شَيْطانٌ مَسَخَها اللَّهَ تَعالى فَمَن وجَدَها فَلْيَقْتُلْها»» فَإنَّهُ كَما ذَكَرَ الدُّمَيْرِيُّ ضَعِيفٌ.

وقِيلَ: لا يُسَنُّ قَتْلُها فَقَدْ أخْرَجَ الخَطِيبُ عَنْ (عَلِيٍّ كَرَّمَ) اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ  «دَخَلْتُ أنا وأبُو بَكْرٍ الغارَ فاجْتَمَعَتِ العَنْكَبُوتُ فَنَسَجَتْ بِالبابِ فَلا تَقْتُلُوهُنَّ»» ذَكَرَ هَذا الخَبَرَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ في الدُّرِّ المَنثُورِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِصِحَّتِهِ وكَوْنِهِ مِمّا يَصْلُحُ لِلِاحْتِجاجِ بِهِ، ونَصُّوا عَلى طِهارَةِ بَيْتِها لِعَدَمِ تَحَقُّقِ كَوْنِ ما تَنْسِجُ بِهِ مِن غِذائِها المُسْتَحِيلِ في جَوْفِها مَعَ أنَّ الأصْلَ في الأشْياءِ الطَّهارَةُ، وذَكَرَ الدُّمَيْرِيُّ أنَّ ذَلِكَ لا تُخْرِجُهُ مِن جَوْفِها بَلْ مِن خارِجِ جِلْدِها، وفي هَذا بُعْدٌ.

وأنا لَمْ أتَحَقَّقْ أمْرَ ذَلِكَ ولَمْ أُعَيِّنْ كَوْنَهُ مِن فَمِها أوْ دُبُرِها أوْ خارِجَ جِلْدِها لِعَدَمِ الِاعْتِناءِ بِشَأْنِ ذَلِكَ لا لِعَدَمِ إمْكانِ الوُقُوفِ عَلى الحَقِيقَةِ، وذَكَرَ أنَّهُ يَحْسُنُ إزالَةُ بَيْتِها مِنَ البُيُوتِ لِما أسْنَدَ الثَّعْلَبِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ وغَيْرُهُما عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ قالَ: «طَهِّرُوا بُيُوتَكم مِن نَسْجِ العَنْكَبُوتِ فَإنَّ تَرْكَهُ في البُيُوتِ يُورِثُ الفَقْرَ» وهَذا إنْ صَحَّ عَنِ الإمامِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ فَذاكَ، وإلّا فَحُسْنُ الإزالَةِ لِما فِيها مِنَ النَّظافَةِ ولا شَكَّ بِنَدْبِها.

والتّاءُ في العَنْكَبُوتِ زائِدَةٌ كَتاءِ طالُوتَ فَوَزْنُهُ فَعْلَلُوتٌ وهو يَقَعُ عَلى الواحِدِ والجَمْعِ والمُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ، ومِنِ اسْتِعْمالِهِ مُذَكَّرًا قَوْلُهُ: عَلى هِطالِهِمْ مِنهم بُيُوتٌ كَأنَّ العَنْكَبُوتَ هو ابْتَناها واسْتَظْهَرَ الفاضِلُ سَعْدِيِّ جَلْبِيٍّ كَوْنَ المُرادِ بِهِ هُنا الواحِدَ، وذَهَبَ إلى تَأْنِيثِهِ أيْضًا فَذَكَرَ أنَّهُ اخْتِيرَ هُنا تَأْنِيثُهُ لِأنَّهُ المُناسِبُ لِبَيانِ الخَوْرِ والضَّعْفِ فِيما يَتَّخِذُهُ، وقالَ مَوْلانا الخَفاجِيُّ مُعَرِّضًا بِهِ: الظّاهِرُ أنَّ المُرادَ الجَمْعُ لا الواحِدُ لِقَوْلِهِ تَعالى: (الَّذِينَ) وأمّا أفْرادُ البَيْتِ فَلِأنَّ المُرادَ الجِنْسُ، ولِذَلِكَ أنَّثَ ﴿ اتَّخَذَتْ ﴾ لا لِأنَّ المُرادَ المُؤَنَّثُ، وفي القامُوسِ العَنْكَبُوتُ مَعْرُوفٌ وهي العَنْكَباةُ والعَنْكَبُوَةُ والعَنْكَباءُ، والذَّكَرُ عَنْكَبٌ وهي عَنْكَبَةٌ، وجَمْعُهُ عَنْكَبُوتاتٌ وعَناكِبُ، والعُكابُ، والعَكَبُ والأعْكَبُ أسْماءُ الجُمُوعِ، وتُعُقِّبَ بِأنْ عُدَّ ما عَدا ما ذَكَرَهُ أوَّلًا اسْمَ جَمْعٍ لا وجْهَ لَهُ لِأنَّ أعْكَبَ لا يَصِحُّ فِيهِ ذَلِكَ، وذَكَرُوا في جَمْعِهِ أيْضًا عَناكِيبُ، واخْتُلِفَ في نُونِهِ فَقِيلَ أصْلِيَّةٌ، وقِيلَ: زائِدَةٌ كالتّاءِ، وجَمْعُهُ عَلى عُكابٍ يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ.

وذَكَرَ السِّجِسْتانِيُّ في غَرِيبِ سِيبَوَيْهِ أنَّهُ ذَكَرَ عَناكِبَ في مَوْضِعَيْنِ فَقالَ في مَوْضِعٍ: وزْنُهُ فَناعِلُ وفي آخَرَ فَعالِلُ، فَعَلى الأوَّلِ النُّونُ زائِدَةٌ وهو مُشْتَقٌّ مِنَ العَكَبِ وهو الغِلَظُ اهـ المُرادُ مِنهُ، ولَعَلَّ الأقْرَبَ عَلى ذَلِكَ كَوْنُهُ مُشْتَقًّا مِنَ العَكَبِ بِالفَتْحِ بِمَعْنى الشِّدَّةِ في السَّيْرِ فَكَأنَّهُ لِشِدَّةِ وثْبِهِ لِصَيْدِ الذُّبابِ أوْ لِشِدَّةِ حَرَكَتِهِ عِنْدَ قَرارِهِ أُطْلِقَ عَلَيْهِ اسْمُ العَنْكَبُوتِ ﴿ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ﴾ أيْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ لَعَلِمُوا أنَّ هَذا مِثْلُهم أوْ أنَّ أمْرَ دِينِهِمْ بالِغٌ هَذِهِ الغايَةَ مِنَ الوَهْنِ، وقِيلَ: أيْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ وهْنَ الأوْثانِ لَما اتَّخَذُوها أوْلِياءَ مِن دُونِ اللَّهِ تَعالى، وفي الكَشْفِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ﴾ عَلى جَمِيعِ التَّقادِيرِ أيِ المَذْكُورَةِ في الكَشّافِ وقَدْ ذَكَرْناها فِيما مَرَّ مِنَ الإيغالِ، جَهَّلَهم سُبْحانَهُ في الِاتِّخاذِ ثُمَّ زادَهم جَلَّ وعَلا تَجْهِيلًا أنَّهم لا يَعْلَمُونَ هَذا الجَهْلَ البَيِّنَ الَّذِي لا يَخْفى عَلى مَن لَهُ أدْنى مُسْكَةٍ، (ولَوْ) شَرْطِيَّةٌ وجَوابُها مَحْذُوفٌ عَلى ما أشَرْنا إلَيْهِ، وجَوَّزَ بَعْضُهم كَوْنَها لِلتَّمَنِّي فَلا جَوابَ لَها وهو غَيْرُ ظاهِرٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ يعني: مثل عبادتهم الأصنام في الضعف، وقلة نفعهم إياهم.

كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ يعني: أضعف البيوت لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لأنه لا يغني من حر ولا من برد ولا من مطر وكذلك آلهتهم لا يدفعون عنهم ضرّاً، ولا يقدرون لهم نفعاً.

ثم قال: لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ يعني: لو كانوا يعلمون أن اتخاذهم الأصنام كذلك، لأنهم قد علموا أن بيت العنكبوت أوهن البيوت، ولكن قوله لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ انصرف إلى قوله: اتَّخَذُوا، يعني: لا يعلمون أن هذا مثله.

ثم قال عز وجل: إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وهذه كلمة تهديد، يعني: يعلم بعقوبتهم.

ويقال: إن الله يعلم أن الآلهة لا شفاعة لهم ولا قدرة.

وَهُوَ الْعَزِيزُ بالنقمة لمن عصاه الْحَكِيمُ حكم بالعقوبة على من عبد غيره، ويقال: حكم أن لا يعبد غيره.

ثم قال: وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ يعني: أمثال آلهتهم نبينها للناس.

وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ يعني: لا يفهمها ولا يعلمها إلا الْعالِمُونَ يعني: الموحدون، ويقال: يعني: العاقلين.

قرأ أبو عمرو وعاصم إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يَدْعُونَ بالياء على لفظ المغايبة.

وقرأ الباقون بالتاء على لفظ المخاطبة، يعني: قل لهم يا محمد أن الله يعلم ما تدعون من دونه.

ثم قال عز وجل: خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يعني: بالعدل، ويقال: لبيان الحق، ولم يخلقها باطلاً.

إِنَّ فِي ذلِكَ يعني: في خلق السموات والأرض لَآيَةً يعني: لعبرات لِلْمُؤْمِنِينَ يعني: المصدقين.

وإنما أضاف إلى المؤمنين، لأنهم هم الذين ينتفعون بها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

مجاهد «١» : كانوا يأتون الرجالَ في مَجَالِسِهِمْ وبعضُهُمْ يرى بَعْضاً.

وقال ابن عباس «٢» : كانوا يَتَضَارَطُونَ ويَتَصَافَعُونَ في مجالسهم، وقيل غير هذا، وقد تقدم قصص الآيةِ مكَرِّراً والرجزُ: العذابُ.

وقوله تعالى: وَلَقَدْ تَرَكْنا مِنْها أي: من خبرها وما بقي من آثارها، والآية:

موضع العبرة، وعلامة القدرة، ومزدجر النفوس عن الوقوع في سخط الله تعالى.

وقوله تعالى: وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ ...

الآية، الرجاء في الآية: على بابه، وذهب أبو عُبَيْدَةَ إلى أن المعنى: وخافوا، وتَعْثَوْا معناه: تفسدوا، والسَّبِيلِ: هي طريق الإيمان، ومنهجُ النجاة من النار، وما كانُوا سابِقِينَ، أي: مفلتين أخذنا وعقابنا، وقيل: معناه: وما كانوا سابقينَ الأمَمَ إلى الكُفْر، وباقي الآية بيّن.

إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٤٢) وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلاَّ الْعالِمُونَ (٤٣) خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (٤٤) اتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تَصْنَعُونَ (٤٥)

وقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ، قيل: معناه: إن الله يعلم الذين تدعون من دونه من جميع الأشياء، وقيل: ما نافية وفيه نظر، وقيل: ما استفهامية، قال جابر: قال النبيُّ صلى الله عليه وسلّم في قوله تعالى: وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ: العَالِمُ:

مَنْ عَقَلَ عَنِ اللهِ تعالى فَعَمِلَ بطاعته وانتهى عن معصيته.

وقوله تعالى: خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ أي: لا للعبث واللعب بل ليدل على سلطانه وتثبيت شرائعه، ويضع الدلالة لأهلها ويعم بالمنافع إلى غير ذلك مما لا يحصى عداً.

ثم أمر تعالى نبيه عليه السلام بالنفوذ لأمره وتلاوة القرآن الذي أُوحِيَ إليه، وإقامة الصلاة، أي: إدامتها والقيام بحدودها.

ثم أخبر سبحانه حُكْماً منه أن الصلاة تنهى صاحبَها وممتثلَها عن الفحشاء والمنكر.

قال ع «١» : وذلك عندي بأن المصلي إذا كان على الواجبِ من الخشوعِ، والإخبات «٢» وتذكرِ الله، وَتَوَهِّمِ الوقوف بين يديه، وإنَّ قلبه وإخلاصه مُطّلَعٌ عليه مَرْقُوبٌ صَلُحَتْ لذلك نَفْسُهُ، وتذلَّلَتْ، وخَامَرَها ارتقابُ الله تعالى فاطَّرَدَ ذلك في أقواله، وأفعاله، وانتهَى عن الفحشاء والمنكر، ولم يكَدْ يَفْتُرُ من ذلك حتى تظله صلاةٌ أخْرى يرجع بها إلى أفضل حاله فهذا معنى هذا الإخبار لأن صلاةَ المؤمن هكذا ينبغي أن تكون، وقد رُوِيَ عن بعض السلف: أنه كان إذا أقام الصلاة ارتعد، واصفر لونُه، فكُلِّم في ذلك، فقال: إني أقف بين يدي الله تعالى.

قال ع «٣» : فهذه صلاة تنهى- ولا بد- عن الفحشاء/ والمنكر، وأما من كانت ٦٢ ب صلاته دائرةً حول الإجزاء، بلا تذكر ولا خشوع، ولا فضائل فتلك تترك صاحبَها من منزلته حيثُ كانَ.

وقوله تعالى: وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ قال ابن عباس «٤» وأبو الدرداء «٥» وسلمان «٦» وابن

مسعود «١» وأبو قرة «٢» : معناه: ولذكر الله إياكم أكبر من ذكركم إياه.

وقيل: معناه: ولذكر الله أكبر مع المداومة من الصلاة في النهي عن الفحشاء والمنكر.

وقال ابن زيد وغيره: معناه: ولذكر الله أكبر «٣» من كل شيء.

وقيل لسلمان: أيُّ الأعمالِ أفضل؟

فقال: أَمَا تَقْرَأُ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ.

والأحاديثُ في فَضْلِ الذّكْر كثيرةٌ لا تنحصر.

وقال ابن العربي في «أحكامه» «٤» : قوله: ولَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ فيه أربعة أقوال:

الأول: ذكر الله لكم أفضلُ من ذكرِكم له أضاف المصدر إلى الفاعل.

الثاني: ذكر الله أفضل من كل شيء.

الثالث: ذكر الله في الصلاة أفضل من ذكره في غيرها يعني: لأنهما عبادتان.

الرابع: ذكر الله في الصلاة أكبر من الصلاة وهذه الثلاثة الأخيرة من إضافة المصدر إلى المفعول، وهذه كلها صحيحةٌ، وإن للصلاةِ بركةً عظيمةً، انتهى.

قال ع «٥» : وعندي، أن المعنى: ولذكر الله أكبر على الإطلاق، أي: هو الذي ينهى عن الفحشاء والمنكر، فالجُزء الذي منه في الصلاة يفعل ذلك، وكذلك يفعل في غير الصلاة، لأنَّ الانتهاءَ لا يكونُ إلا من ذَاكِرٍ للَّهِ تعالى، مراقب له، وثوابُ ذلك الذكر أن يذكُرَه الله تعالى، كما في الحديث الصحيح: «ومن ذَكَرَنِي فِي مَلإِ ذَكَرْتُهُ فِي مَلإِ خَيْرٍ مِنْهُمْ» «٦» والحركاتُ التي في الصلاة لا تأثيرَ لها في نهي، والذكرُ النافع هو مع العلم وإقبال القلب وتفرُّغه إلا من الله تعالى.

وأما ما لا يتجاوز اللسانَ ففي رتبة أخرى، وذكر الله تعالى للعبد هو إفاضةُ الهدى ونور العلم عليه وذلك ثمرة ذكر العبد ربّه.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أوْلِياءَ ﴾ يَعْنِي الأصْنامَ يَتَّخِذُها المُشْرِكُونَ أوْلِياءَ يَرْجُونَ نَفْعَها ونَصْرَها، فَمَثَلُهم في ضَعْفِ احْتِيالِهِمْ ﴿ كَمَثَلِ العَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا ﴾ قالَ ثَعْلَبٌ: والعَنْكَبُوتُ أُنْثى، وقَدْ يُذَكِّرُها بَعْضُ العَرَبِ، قالَ الشّاعِرُ: [عَلى هَطّالِهِمْ مِنهم بُيُوتٌ] كَأنَّ العَنْكَبُوتَ هو ابْتَناها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يَدْعُونَ مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ ﴾ أيْ: هو عالِمٌ بِما عَبَدُوهُ مِن دُونِهِ، لا يَخْفى عَلَيْهِ ذَلِكَ؛ والمَعْنى أنَّهُ يُجازِيهِمْ عَلى كُفْرِهِمْ.

﴿ وَتِلْكَ الأمْثالُ ﴾ يَعْنِي أمْثالَ القُرْآنِ الَّتِي شَبَّهَ بِها أحْوالَ الكُفّارِ؛ وقِيلَ: إنَّ " تِلْكَ " بِمَعْنى " هَذِهِ "، و ﴿ العالِمُونَ ﴾ : الَّذِينَ يَعْقِلُونَ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللهِ أولِياءَ كَمَثَلِ العنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وإنَّ أوهَنَ البُيُوتِ لَبَيْتُ العنكَبُوتِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ إنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما يَدْعُونَ مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ ﴾ ﴿ وَتِلْكَ الأمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ وما يَعْقِلُها إلا العالِمُونَ ﴾ شَبَّهَ تَبارَكَ وتَعالى الكَفّارَ في عِبادَتِهِمُ الأصْنامَ وبِنائِهِمْ جَمِيعَ أُمُورِهِمْ عَلى ذَلِكَ بِالعنكَبُوتِ الَّتِي تَبْنِي وتَجْتَهِدُ، وأمْرُها كُلُّها ضَعِيفٌ مَتى مَسَّتْهُ أدْنى هابَّةٍ دَهَمَتْهُ، وكَذَلِكَ أمْرُ أُولَئِكَ وسَعْيُهم مُضْمَحِلٌّ لا قُوَّةَ لَهُ ولا مُعْتَمَدَ، ومِن حَدِيثٍ ذَكَرَهُ النِقاشُ: «العنكَبُوتُ شَيْطانٌ مَسَخَهُ اللهُ تَعالى فاقْتُلُوهُ»، ورُوِيَ عن عَلِيِّ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ قالَ: طَهِّرُوا بُيُوتَكم مِن نَسْجِ العنكَبُوتِ، فَإنَّ تَرْكَهُ يُورِثُ الفَقْرَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ﴾ أيْ: يَعْلَمُونَ أنَّ هَذا مَثَلُهُمْ، وأنَّ حالَهم ونِسْبَتَهم مِنَ الحَقِّ هَذِهِ الحالَةُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما يَدْعُونَ مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ ﴾ .

قَرَأ أبُو عَمْرٍو، وسَلّامٌ: "يَعْلَمُ ما" بِالإدْغامِ، وقَرَأ عامَّةُ القُرّاءِ بِالفَكِّ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "تَدْعُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقَ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وعاصِمْ بِخِلافٍ- "يَدَّعُونَ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ عَلى الغَيْبَةِ.

فَأمّا مَوْضِعُ "ما" مِنَ الإعْرابِ، فَقِيلَ: مَعْناهُ أنَّ اللهَ يَعْلَمُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مَن دُونِهِ مِن جَمِيعِ الأشْياءِ أنَّ حالَهم هَذِهِ، وأنَّهم أمْرٌ لا قَدْرَ لَهُ، وقِيلَ: قَوْلُهُ: ﴿ إنَّ اللهَ يَعْلَمُ ﴾ إخْبارٌ تامٌّ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ ﴾ مُتَّصِلٌ بِهِ، واعْتَرَضَ بَيْنَ الكَلامَيْنِ ﴿ ما يَدْعُونَ مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ ﴾ ، وذَلِكَ عَلى هَذا النَحْوِ مِنَ النَظَرِ، ويَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما أنْ تَكُونَ "ما" نافِيَةً، أيْ: لَسْتُمْ تَدْعُونَ شَيْئًا لَهُ بالٌ ولا قَدْرٌ، فَيَصْلُحُ أنْ يُسَمّى شَيْئًا، وفي هَذا تَعْلِيقُ "يَعْلَمُ"، وفِيهِ نَظَرٌ، والثانِي أنْ تَكُونَ "ما" اسْتِفْهامًا، كَأنَّهُ قَرَّرَ -عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ- عَلى هَذا المَعْبُودِ مِن جَمِيعِ الأشْياءِ ما هو إذْ لَمْ يَكُنِ اللهُ تَعالى، أيْ: لَيْسَ لَهم -عَلى هَذا التَقْدِيرِ- مُقْنِعٌ إلَيْهِ، فَـ "مِن" عَلى القَوْلِ الأوَّلِ والثالِثِ لِلتَّبْعِيضِ المُجَرَّدِ، وعَلى القَوْلِ الوَسَطِ هي زائِدَةٌ في الجَحْدِ، ومَعْناها التَأْكِيدُ، وقالَ أبُو عَلِيٍّ: "ما" اسْتِفْهامٌ نُصِبَ بـِ "يَدْعُونَ"، ولا يَجُوزُ نَصْبُها بـِ "يَعْلَمُ"، والجُمْلَةُ الَّتِي هي مِنها في مَوْضِعِ نَصْبٍ بـِ "يَعْلَمُ"، والتَقْدِيرُ: إنَّ اللهَ تَعالى يَعْلَمُ أوثانًا تَدْعُونَ مِن دُونِهِ أو غَيْرِها لا يَخْفى ذَلِكَ عَلَيْهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَتِلْكَ الأمْثالُ ﴾ إشارَةٌ إلى هَذا المَثَلِ ونَحْوِهِ، و"نَضْرِبُها" مَأْخُوذٌ مِنَ الضَرْبِ، أيِ: النَوْعِ، كَما تَقُولُ: "هَذانَ مِن ضَرْبٍ واحِدٍ"، "وَهَذا ضَرْبُ هَذا"، أيْ: قَرِينُهُ وشَبْهُهُ، فَكَأنَّ "ضَرْبَ المَثَلِ" هو أنْ تَجْعَلَ الأمْرَ المُمَثَّلَ ضَرِيبٌ.

وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.

وقالَ جابِرٌ: قالَ النَبِيُّ  في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إلا العالِمُونَ ﴾ : «العاقِلُ مَن عَقَلَ عَنِ اللهِ تَعالى، وعَمِلَ بِطاعَتِهِ، وانْتَهى عن مَعْصِيَتِهِ».

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

لما بينت لهم الأشباه والأمثال من الأمم التي اتخذت الأصنام من دون الله فما أغنت عنهم أصنامهم لما جاءهم عذاب الله أعقب ذلك بضرب المثل لحال جميع أولئك وحال من ماثلهم من مشركي قريش في اتخاذهم ما يحسبونه دافعاً عنهم وهو أضعف من أن يدفع عن نفسه، بحال العنكبوت تتخذ لنفسها بيتاً تحسب أنها تعتصم به من المعتدي عليها فإذا هو لا يصمد ولا يثبت لأضعف تحريك فيسقط ويتمزق.

والمقصود بهذا الكلام مشركو قريش، وتعلم مساواة غيرهم لهم في ذلك بدلالة لحن الخطاب، والقرينة قوله بعده ﴿ إن الله يعلم ما تدعون من دونه من شيء ﴾ [العنكبوت: 42] فضمير ﴿ اتخذوا ﴾ عائد إلى معلوم من سياق الكلام وهم مشركو قريش.

وجملة ﴿ اتخذت بيتاً ﴾ حال من ﴿ العنكبوت ﴾ وهي قيد في التشبيه.

وهذه الهيئة المشبه بها مع الهيئة المشبهة قابلة لتفريق التشبيه على أجزائها فالمشركون أشبهوا العنكبوت في الغرور بما أعدوه، وأولياؤهم أشبهوا بيت العنكبوت في عدم الغناء عمن اتخذوها وقت الحاجة إليها وتزول بأقل تحريك، وأقصى ما ينتفعون به منها نفع ضعيف وهو السكنى فيها وتوهم أن تدفع عنهم كما ينتفع المشركون بأوهامهم في أصنامهم.

وهو تمثيل بديع من مبتكرات القرآن كما سيأتي قريباً عند قوله ﴿ وتلك الأمثال نضربها للناس ﴾ في هذه السورة.

(43) و ﴿ العنكبوت ﴾ : صنف من الحشرات ذات بطون وأرجل وهي ثلاثة أصناف، منها صنف يسمى ليث العناكب وهو الذي يفترس الذباب، وكلها تتخذ لأنفسها نسيجاً تنسجه من لُعابها يكون خيوطاً مشدودة بين طرفين من الشجر أو الجدران، وتتخذ في وسط تلك الخيوط جانباً أغلظ وأكثر اتصال خيوط تحتجب فيه وتفرّخ فيه.

وسمي بيتاً لشبهه بالخيمة في أنه منسوج ومشدود من أطرافه فهو كبيت الشعر.

وجملة ﴿ وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت ﴾ معترضة مبينة وجه الشبه.

وهذه الجملة تجري مجرى المثل فيضرب لقلة جدوى شيء فاقتضى ذلك أن الأديان التي يعبد أهلها غير الله هي أحقر الديانات وأبعدها عن الخير والرشد وإن كانت متفاوتة فيما يعرض لتلك العبادات من الضلالات كما تتفاوت بيوت العنكبوت في غلظها بحسب تفاوت الدويبات التي تنسجها في القوة والضعف.

وجملة ﴿ لو كانوا يعلمون ﴾ متصلة بجملة ﴿ كمثل العنكبوت ﴾ لا بجملة ﴿ وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت ﴾ .

فتقدير جواب ﴿ لو ﴾ هكذا: لو كانوا يعلمون أن ذلك مثَلُهم، أي ولكنهم لا يعلمون انعدام غناء ما اتخذوه عنهم.

وأما أوهنية بيت العنكبوت فلا يجهلها أحد.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أوْلِياءَ ﴾ يَعْنِي آلِهَةً مِنَ الأصْنامِ والأوْثانِ عَبَدُوها.

﴿ كَمَثَلِ العَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا ﴾ يَعْنِي أنَّهم عَبَدُوا ما لا يُغْنِي عَنْهم شَيْئًا كَبَيْتِ العَنْكَبُوتِ الَّذِي لا يَدْفَعُ شَيْئًا وهو مِن أبْلَغِ الأمْثالِ فِيهِمْ.

﴿ وَإنَّ أوْهَنَ البُيُوتِ لَبَيْتُ العَنْكَبُوتِ ﴾ لِأنَّهُ يَسْتُرُ الإبْصارَ ولا يَدْفَعُ الأيْدِيَ، وقَدْ حُكِيَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ مَيْسَرَةَ أنَّ العَنْكَبُوتَ شَيْطانٌ مَسْخَها اللَّهَ.

وَقالَ عَطاءٌ: نَسَجَتِ العَنْكَبُوتُ مَرَّتَيْنِ مَرَّةً عَلى داوُدَ، ومَرَّةً عَلى النَّبِيِّ  .

وجَمْعُ العَنْكَبُوتِ عَناكِبُ وتَصْغِيرُهُ عُنَيْكَبٌ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت ﴾ قال: هذا مثل ضربه الله للمشرك.

انه لن يغني عنه إلهه شيئاً من ضعفه وقلة اجزائه، مثل ضعف بيت العنكبوت.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء ﴾ قال: ذاك مثل ضربه الله لمن عبد غيره.

إن مثله كمثل بيت العنكبوت.

وأخرج أبو داود في مراسيله عن يزيد بن مرثد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «العنكبوت شيطان مسخها الله، فمن وجدها فليقتلها» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن زيد بن ميسرة قال العنكبوت شيطان.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء قال: نسجت العنكبوت مرتين.

مرة على داود عليه السلام.

والثانية على النبي صلى الله عليه وسلم.

وأخرج الخطيب عن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «دخلت أنا وأبو بكر الغار، فاجتمعت العنكبوت فنسجت بالباب، فلا تقتلوهن» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

ثم ضرب لهم مثلًا فقال: ﴿ مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ ﴾ يعني: الأصنام يتخذونها أولياء يرجون نصرها ونفعها (١) ﴿ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ ﴾ قال الليث: هي دويبة تنسج نسجًا رقيقًا مهلهلاً، بين الهواء، وعلى رأس البئر (٢) هي اصطنعته وحدها أو تعاونت ...

على نسجها بين الصفيح عناكبه (٣) فجاءتْ بنَسْج العنكبوت كأنه ...

على عَصَوَيْها سَابريٌّ مُشَبْرَقُ (٤) ويجوز في جمع العنكبوت: عناكيب وعنكبوتات، ويصغر: عُنَيْكبا، وعُنَيْكيبا (٥) (٦) قال اللحياني: ويقال للعنكبوت: عَكَنْبَاة، وأنشد: كأنما يسقطُ من لُغامها ...

بيتُ عَكَنْبَاةٍ على زِمامِها (٧) قال الفراء: العنكبوت أنثى، وقد يذكرها بعض العرب، وأنشد: على هَطَّالهم منها بيوتٌ ...

كأن العنكبوت هو ابتَنَاها (٨) (٩) (١٠) وقال أبو إسحاق: إن بيت العنكبوت لا بيتَ أضعفُ منه فيما يتخذه الهوام، ولا أقل وقاية من حر أو برد؛ والمعنى: أن أولياءهم لا ينفعونهم، ولا يرزقونهم، ولا يدفعون عنهم ضررًا، كما أن بيت العنكبوت غير موقٍ لها (١١) قوله تعالى: ﴿ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴾ أي: لو كانوا يعلمون أن اتخاذهم الأولياء كاتخاذ العنكبوت بيتًا؛ ليس أنهم لا يعلمون أن بيت العنكبوت ضعيف (١٢) (١) "تفسير الثعلبي" 8/ 159 ب.

(٢) كتاب "العين" 2/ 309 (عنكب)، ونقله عنه الأزهري، "تهذيب اللغة" 3/ 309.

وتعيش العناكب في أي مكان يتوفر فيه أغذاؤاها، ويمكن مشاهدتها في الحقول، والغابات، والمستنقعات، والكهوف، والصحاري، وهناك نوع من العناكب يمضي معظم حياته تحت الماء، ويعيش نوع آخر بالقرب من قمة جبل: إيفرست، أعلى جبل على الكرة الأرضية، وتعيش بعض العناكب داخل المنازل، ومخازن الحبوب، والحظائر وغيرها، ويوجد ما يقرب من ثلاثين ألف نوع من العناكب، وقد تصل إلى مائة ألف نوع، وحجم بعض العناكب أصغر من رأس الدبوس، وبعضها كبير بحيث يصل إلى حجم كف يد الإنسان، أو أكبر قليلاً، فسبحان الله العظيم.

انظر مجلة: "القافلة" صفر 1419 هـ بقلم د/ أحمد محمد الصغير.

(٣) كتاب "العين" 2/ 309 (عنكب) ونسب البيت لذي الرمة، ولفظه: هي اصطنعته نحوها وتعاونت ...

على نسجها بين المثاب عناكبه.= ورواية الديوان 299: هي انتسجته وحدها أو تعاونت ...

على نسجه بين المثاب عناكبه وفي شرح الديوان: المثاب: مقام الساقي حيث يضع رجليه.

ولم أجد البيت في "تهذيب اللغة".

(٤) ديوان ذي الرمة 178، وقال الخطيب التبريزي في شرحه: فجاءت: يعني الدلو، كأنه: كأن النسيج، على عصويها: يعني: العَرَاقي، مشبرق: مقطع مشقق.

أ.

هـ.

يقال للخشبتين اللتين تعرضان على الدلو كالصليب: العَرْقُوتان؛ وهي العَراقي.

"تهذيب اللغة" 1/ 227 (عرق).

والسابري من الثياب: الرقاق، والبيت في "لسان العرب" 4/ 341، للدلالة على ذلك، ونسبه لذي الرمة.

(٥) "تهذيب اللغة" 3/ 309 (عنكب).

(٦) "تهذيب اللغة" 3/ 309 (عنكب)، من كلام الليث.

وفي كتاب "العين" 2/ 309: العنكبوت بلغة أهل اليمن: العنكبوه، والعنكباه، والجمع: العناكب.

(٧) "لسان العرب" 1/ 632 (عنكب)، عن اللحياني، وفيه إنشاد البيت، دون نسبة.

لُغام البعير: زَبَده، واللُّغام: زَبَد أفواه الإبل.

"لسان العرب" 12/ 545 (لغم).

والزِّمام: الحبل الذي تشد به الإبل؛ يقال: زممت البعير، أي: خطمته.

"لسان العرب" 12/ 272 (زمم).

(٨) "معاني القرآن" للفراء 2/ 317، ولم ينسب البيت، وفي الحاشية: هطال: جبل، == ورواية البيت عند الفراء، والأزهري 3/ 309، و"لسان العرب" 1/ 632: منهم.

وفي النسختين: منها.

وعن الفراء ذكره الثعلبي 8/ 159 ب.

ولم ينسبوه.

(٩) القُرُّ: البرد.

"تهذيب اللغة" 8/ 276 (قرر).

وفي "تنوير المقباس" 335: برد.

(١٠) "تنوير المقباس" 335.

وأخرج نحوه عبد الرزاق 2/ 97، عن قتادة.

(١١) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 169.

(١٢) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 169، بمعناه.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ مَثَلُ الذين اتخذوا مِن دُونِ الله أَوْلِيَآءَ كَمَثَلِ العنكبوت اتخذت بَيْتاً ﴾ شبه الله الكافرين في عبادتهم للأصنام بالعنكبوت في بنائها بيتاً ضعيفاً، فكان ما اعتمدت عليه العنكبوت في بيتها ليس بشيء فكذلك ما اعتمدت عليه الكفار من آلهتهم ليس بشيء لأنهم لا ينفعون ولا يضرون ﴿ أَوْهَنَ البيوت ﴾ أي أضعفها ﴿ كَانُواْ يَعْلَمُونَ ﴾ أي لو كانوا يعلمون أن هذا مثلهم.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ أولم تروا ﴾ بتاء الخطاب: حمزة وعلي وخلف وعاصم سوى حفص والمفضل ﴿ النشاءة ﴾ بفتح الشين بعدها ألف ممدودة حيث كان: ابن كثير وأبو عمرو ﴿ مودّة ﴾ بالرفع ﴿ بينكم ﴾ بالجر على الإضافة: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب وعلي وابو زيد عن المفضل ﴿ مودة ﴾ بالرفع ﴿ بينكم ﴾ بالفتح: الشموني والبرجمي.

﴿ مودة ﴾ بالنصب ﴿ بينكم ﴾ على الإضافة: حمزة وحفص.

الباقون: ﴿ مودة ﴾ بالنصب ﴿ بينكم ﴾ بالفتح ﴿ ربي إنه ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو ﴿ إنكم ﴾ بهمز واحد ﴿ أينكم ﴾ بهمزة بعدها ياء: ابن كثير ونافع غير قالون وسهل ويعقوب.

زيد: مثله.

بزيادة مدّة في الثانية: يزيد وقالون كلاهما مثل هذه الثانية أبو عمرو.

والأولى بهمزة واحدة الثانية بهمزتين: ابن عامر وحفص هشام يدخل بينهما مدَّة.

الباقون بهمزتين فيهما ﴿ أئنكم ﴾ كنظائره.

﴿ وللننجينه ﴾ بسكون النون من الإنجاء: يعقوب وحمزة وعلي وخلف ﴿ سيء بهم ﴾ كما ذكر في "هود" و ﴿ منجوك ﴾ من الإنجاء: ابن كثير ويعقوب وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير حفص والمفضل ﴿ منزلون ﴾ بالتشديد: ابن عامر و ﴿ ثمود ﴾ غير مصروف في الحالين: حمزة وحفص وسهل ويعقوب.

الوقوف: ﴿ واتقوه ﴾ ط ﴿ تعلمون ﴾ ه ﴿ افكاً ﴾ ط ﴿ واشكروا له ﴾ ط ﴿ ترجعون ﴾ ه ﴿ من قبلكم ﴾ ج للعطف مع الاختلاف بالإثبات والنفي ﴿ المبين ﴾ ه ﴿ يعيده ﴾ ط ﴿ يسير ﴾ ه ﴿ الآخرة ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه ج لأن ما بعده يصلح وصفاً واستئنافاً ﴿ من يشاء ﴾ ط لانقطاع النظم بتقديم المفعول مع اتفاق الجملتين ﴿ تقلبون ﴾ ه ﴿ السماء ﴾ ز فصلاً بين الأمرين المعظمين مع اتفاق الجملتين ﴿ نصير ﴾ ه ﴿ اليم ﴾ ه ﴿ النار ﴾ ط ﴿ يؤمنون ﴾ ه ﴿ أوثاناً ﴾ ج لمن قرأ ﴿ مودة ﴾ بالرفع ﴿ الدنيا ﴾ ج لاختلاف الجملتين والفصل بين تباين الدارين ﴿ بعضاً ﴾ ط لاختلاف الجملتين مع اتحاد المقصود ﴿ من ناصرين ﴾ 5 قيل: لا وقف لتعليق الفاء ﴿ لوط ﴾ م لأن قوله ﴿ وقال ﴾ فاعله ﴿ إبراهيم ﴾ ولو وصل لأوهم اتحاد الفاعل ﴿ ربي ﴾ ط ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ الدنيا ﴾ ج للابتداء بأن مع واو العطف ﴿ الصالحين ﴾ ه ﴿ الفاحشة ﴾ ز لأن ما بعده يصلح مستأنفاً أو حالاً أو وصفاً ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ المنكر ﴾ ط لانتهاء الخطاب لابتداء الجواب ﴿ الصادقين ﴾ ه ﴿ المفسدين ﴾ ه ﴿ بالبشرى ﴾ لا لأن ﴿ قالوا ﴾ جواب "لما" ﴿ القرية ﴾ ج للابتداء بأن مع احتمال التعليل.

﴿ ظالمين ﴾ ه وقد يوصل دلالة على تدارك إبراهيم ﴿ لوطاً ﴾ ط ﴿ بمن فيها ﴾ ج لأن لام التوكيد تقتضي قسماً أي والله لننجينه مع تمام المقصود في التنجية ﴿ إلا امرأته ﴾ ج لأن ما بعده يصلح مستأنفاً في النظم ولكنه حال المرأة لأن المستثنى مشبه بالمفعول أي يستثنى امرأته كائنة من الغابرين ﴿ ولا تحزن ﴾ ط فصلاً بين البشارتين وتوفيراً للفرح ﴿ الغابرين ﴾ ه ﴿ يفسقون ﴾ ه ﴿ يعقلون ﴾ ه ﴿ شعيباً ﴾ لا لتعلق الفاء ﴿ مفسدين ﴾ ه ﴿ جاثمين ﴾ ه لأن ﴿ عاداً ﴾ يحتمل أن يكون منصوباً بـ ﴿ ـأخذتهم ﴾ أو بمحذوف أي واذكر وهذا أوجه لأن قوله ﴿ وقد تبين ﴾ حال ولا يحسن أن يكون عامله ﴿ فأخذتهم ﴾ والأوجه انتصابه بمحذوف وهو "أذكر" أو أهلكنا.

﴿ مساكنهم ﴾ ط لأن التقدير مقدرين وعامله فأخذتهم ﴿ مستبصرين ﴾ ه ج للعطف ﴿ وهامان ﴾ يحتمل عندي الوقف وقيل: لا بناء على أن قوله ﴿ ولقد جاءهم ﴾ حال عامله ﴿ فأخذتهم ﴾ .

﴿ سابقين ﴾ ه لانقطاع النظم بتقديم المفعول مع اتفاق الجملتين ﴿ بذنبه ﴾ ط وكذلك ﴿ حاصباً ﴾ ط ﴿ وأخذته الصيحة ﴾ ط ﴿ وخسفنا به الأرض ﴾ ط ﴿ وأغرقنا ﴾ ط لعطف الجمل والوقف أوجه تفصيلاً لأنواع النقم وإمهالاً لفرصة الاعتبار ﴿ يظلمون ﴾ ه ﴿ العنكبوت ﴾ ج لأن ما بعده يصلح وصفاً واستئنافاً ﴿ بيتاً ﴾ ط ﴿ العنكبوت ﴾ ج لأن وهن بيت العنكبوت معلق ﴿ يعلمون ﴾ ه.

التفسير: قوله ﴿ وإبراهيم ﴾ منصوب بمضمر وهو "اذكر".

وقوله ﴿ إذ قال ﴾ بدل منه بدل الاشتمال لأن الأحيان تشتمل على ما فيها أي اذكر وقت قوله لقومه، وجوز أن يكون معطوفاً على ﴿ نوحاً ﴾ فأورد عليه أن الإرسال قبل الدعوة فكيف يكون وقت الدعوة ظرفاً للإرسال؟

وأجيب بأن الإرسال أمر ممتد إلى أوان الدعوة أو المراد أرسلناه حين كان صالحاً لأن يقول لقومه اعبدوا الله خصوه بالعبادة واتقوا مخالفته.

﴿ ذلكم ﴾ الإِخلاص والتقوى ﴿ خير لكم إن كنتم تعلمون ﴾ أما العبادة فلأنها غاية الخضوع فلا تصلح إلا لمن هو في غاية الكمال فضلاً عن الجماد، وأما اتقاء خلافه فلأن من قدر على إهلاك الماضين فهو قادر على إهلاك الباقين وتعذيبهم إذا عصوه، فالعاقل من يحذر خلاف القادر.

ثم بين بقوله ﴿ إنما تعبدون من دون الله أوثاناً ﴾ أن الذي يعبدونه في غاية الخسة لأنه صنم لا روح له، ولا ظلم أشنع من وضع الأخس موضع الاشرف.

وبين بقوله ﴿ وتخلقون افكاً ﴾ أن الذين يزعمون أنها شفعاؤهم عند الله كذب وزور، ثم ذكرهم أنهم لا يقدرون على نفع ولا على إيصال رزق أيّ رزق كان.

ثم أشار بقوله ﴿ فابتغوا عند الله الرزق ﴾ إلى أن هذه الهبة والرزق الموعود في قوله ﴿ وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها  ﴾ يجب أن يطلب من الله فقط، وإذا كان الرزق منه فالشكر يجب أن يكون له.

ثم بين بقوله ﴿ إليه ترجعون ﴾ أن المعاقب والمثيب هو وحده فلا رهبة إلا منه ولا رغبة إلا فيه.

ثم إن قوله ﴿ وإن تكذبوا فقد كذب أمم من قبلكم ﴾ إلى قوله ﴿ فما كان جواب قومه ﴾ إن كان اعتراضاً خطاباً لكفار قريش فظاهر، وإن كان تتمة قول إبراهيم فالأمم المتقدمة عليه إما قوم نوح وقوم إدريس وقوم شيث وقوم آدم، وإما قوم نوح وحده.

وعبر عن أمته بالأمم لأنه عاش ألف سنة وأكثر فمضت عليه القرون، وكان كل قرن يوصون من بعدهم من الأبناء أن يكذبوا نوحاً والبلاغ ذكر المسائل والإبانة وإقامة البرهان عليه، وفيه دليل على أن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز وإلا لم يكن البلاغ مبيناً.

وحين بين التوحيد والرسالة شرع في بيان المعاد فإِن هذه الأصول الثلاثة لا تكاد تنفصل في الذكر الإِلهي فقال ﴿ أولم يروا ﴾ أي ألم يعلموا بالبرهان النير القائم مقام الرؤية ﴿ كيف يبدئ الله الخلق ﴾ ثم يعيده.

أما إبداء الخلق المطلق فلأن المخلوق لا بد له من خالق أوّل تنتهي إليه سلسلة المخلوقات، وأما خلق الإنسان بل كيفيته فإنه كالمشاهد المحسوس فإنا نرى النطفة وقعت في الرحم فدارت عليها الأطوار حتى حصلت خلقاً آخر.

وأما الإعادة فلأنها أهون في القياس العقلي ولهذا ختم الآية بقوله ﴿ إن ذلك على الله يسير ﴾ وحين اشار إلى العلم الحدسي الحاصل من غير طلب أمر نبينا  أو حكى إبراهيم قول ربه له ﴿ قل سيروا في الأرض ﴾ أي إن لم يحصل لكم الحدس المذكور فسيروا في أقطار الأرض وتفكروا في كيفية تكوّن المواليد الثلاثة: المعادن والنبات والحيوان.

حتى يفضى بكم النظر إلى العيان؛ فالآية الأولى إشارة إلى ما هو كالمركوز في الأذهان ولهذا قال بطريق الاستفهام ﴿ أولم يروا ﴾ الآية الثانية أمر بالنظر المؤدي إلى العلم والإيقان على تقدير عدم حضور ذلك البيان والعيان.

وإنما قال أوّلاً ﴿ كيف يبدئ ﴾ بلفظ المستقبل وثانياً ﴿ كيف بدأ ﴾ بلفظ الماضي، لأن العلم الحدسي حاصل في كل حال، وأما العلم الاستقرائي فلا يفيد اليقين إلا فيما شاهد وتتبع فكأنه قيل: إن لم يحصل لكم العلم بأن الله في كل حال موصوف بالإبداء والإعادة فانظروا في أصناف المخلوقات حتى تعرفوا أنه كيف بدأها ثم تستدلوا من ذلك على أنه ينشئها النشأة الثانية، فهذا عطف على المعنى كأنه قال: وانظروا كيف بدأ هذا.

وتكلف جار الله فقال: هو معطوف على جملة قوله ﴿ أولم يروا ﴾ كما قال قوله ﴿ ثم يعيده ﴾ إخبار على حياله وليس بمعطوف على ﴿ يبدئ ﴾ ثم في إقامة اسم الله مقام الضمير في قوله ﴿ ثم الله ينشئ النشأة ﴾ إشارة إلى أنه لا يقدر على هذه النشأة إلا المعبود الكامل الذات المتصف بالعلم والحياة وبسائر نعوت الجلال.

وحين ذكر دلائل الأنفس والآفاق صرح بالنتيجة الكلية فقال ﴿ إن الله على كل شيء ﴾ من الإبداء والإعادة ﴿ قدير ﴾ وكذا على التكليف والجزاء تقريره قوله ﴿ يعذب من يشاء ويرحم من يشاء وإليه تقلبون ﴾ يقال: قلب فلان في مكانه إذا اردى.

وفي الآية لطائف منها: أنه قدم التعذيب على الرحمة مع قوله "سبقت رحمتي غضبي" لأن الآية مسوقة لتهديد المكذبين ومع ذلك لم يخل الكلام عن ذكر الرحمة وإنه يؤكد قوله "سبقت رحمتي غضبي" ومنها أنه لم يقل يعذب الكافر ويرحم المؤمن إظهاراً للهيبة الإلهية.

ومنها أنه قال أوّلا ﴿ وإليه ترجعون ﴾ ثم أعاده ههنا لأن التعذيب والرحمة قد يكونان عاجلين وكأنه قال: وإن تأخر ثوابكم وعقابكم فإن إلينا إيابكم وعلينا حسابكم وعندنا يدّخر لكم ذلك فلا تظنوا فواته يؤكده قوله ﴿ وما أنتم بمعجزين ﴾ وفيه أن الانقلاب إليه لا منه، وذلك أن الإعجاز إما بالهرب وإما مع الثبات وقد نفى الأول بقوله ﴿ وما أنتم بمعجزين في الأرض ولا في السماء ﴾ أي لو هبطتم إلى موضع السمك في الماء أو صعدتم إلى محل السماك في السماء لم تخرجوا من قبضة قدرة الله.

وقدّم الأرض على السماء لأن السماء أبعد وأفسح أي إن هربتم من حكمه وقضائه في الأرض الفسيحة أو في السماء التي هي أفسح منها وأبعد فإنكم لا تفوتون الله، والمراد لا تعجزونه كيفما هبطتم في أعماق الأرض أو علوتم إلى البروج المشيدة الذاهبة في السماء كقوله ﴿ ولو كنتم في بروج مشيدة  ﴾ أو اراد لا تعجزون بلاءه الظاهر في الأرض أو النازل من السماء.

وجوّز بعضهم أن يراد وما أنتم بمعجزين من في الأرض ولا في السماء بحذف الموصول، واقتصر في الشورى على قوله ﴿ وما أنتم بمعجزين في الأرض  ﴾ لأنه خطاب للمؤمنين.

ونفى الثاني بقوله ﴿ وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير ﴾ لأن الركن الشديد الذي يستند إليه إما وليّ يشفع أو ناصر يدفع، والأول أسهل الطيرقين فلذلك قدم الوليّ على النصير.

ثم خص الوعيد بالكافرين بآياته أي بدلائل الوحداينة وبالكتب والمعجزات.

وفي زيادة قوله ﴿ أولئك ﴾ إشارة إلى أن اليأس من الرحمة منحصر فيهم لقوله ﴿ إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون  ﴾ ونسبة اليأس إليهم إمّا على سبيل الإخبار عن حالهم يوم القيامة، أو على سبيل وصف الحال، فإن وصف المؤمن أن يكون راجياً خاشياً ونعت الكافر أن لا يخطر بباله خوف ولا رجاء بل يكون خائفاً كما قيل: الخائن خائف.

وجوز في الكشاف أن يكون على طريقة التشبيه كأنه يشبه حالهم في انتفاء الرحمة عنهم بحال من يئس من رحمة الله.

ولعله ذهب إلى هذا التشبه لأن اليأس من رحمة الله متوقف على الاعتراف بالله وبرحمته والكافر غير معترف بواحد من الأمرين.

ثم بين بتكرير أولئك في قوله ﴿ وأولئك لهم عذاب أليم ﴾ أن كل واحد من الوعيدين لا يوجد إلا فيهم وإن كان الوعيدان متلازمين في الحقيقة.

ثم حكى أن جواب قوم إبراهيم لم يكن إلا أن قالوا فيما بينهم أو قال واحد ورضي به الباقون ﴿ اقتلوه ﴾ بالسيف ونحوه ﴿ أو حرقوه ﴾ بالنار وهذا ليس جواباً في الحقيقة ولكنه كقولهم "عتابك السيف".

وفيه بيان جهالتهم أنهم وضعوا الوعيد موضع الائتمار للنصيحة والإذعان للحق.

ثم بين أنهم اتفقوا على تحريقه فأنجاه من النار.

والقصة مذكورة في سورة الأنبياء.

﴿ إن في ذلك ﴾ الإنجاء ﴿ لآيات ﴾ جمع الآية لعظم تلك الحالة كقوله ﴿ إن إبراهيم كان أمة  ﴾ أو لأنها مشتملة على أحوال عجيبة كالرمي من المنجنيق من غير أن لحق به ضرر، وكما يروى أن النار صارت عليه روحاً وريحاناً إلى غير ذلك.

وإنما قال في قصة نوح  ﴿ وجعلناها آية  ﴾ ولم يذكر الجعل ههنا لأن الخلاص من مثل تلك النار آية في نفسه، وأما السفينة فقد جعلها الله آية بأن أحدث الطوفان وصانها عن الغرق، ويمكن أن يقال: إن الصون عن النار أعجب من الصون عن الماء فلذلك وحد الآية هناك وجمعها ههنا.

وإنما قال هناك ﴿ آية للعالمين  ﴾ وههنا ﴿ لآيات لقوم يؤمنون ﴾ لأن تلك السفينة بقيت أعواماً حتى مرّ عليها الناس ورأوها فحصل العلم بها لكل أحد.

أو نقول: جنس السفينة حصلت بعد ذلك فما بين الناس فكانت آية للعالمين.

وأما تبريد النار فلم يبق من ذلك أثر فلم يظهر لمن بعده إلا بطريق الإيمان به.

وههنا لطيفة وهي أن الله  جعل النار برداً وسلاماً على إبراهيم بسبب اهتدائه في نفسه وهدايته لغيره وقال ﴿ قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم  ﴾ فحصل للمؤمنين بشارة بأن الله سيجعل النار على المؤمن المهتدي برداً وسلاماً.

ثم حكى أنه بعد أن خرج من النار عاد إلى النصيحة والدعاء لقومه إلى التوحيد والإخلاص وذلك قوله ﴿ وقال إنما اتخذتم من دون الله أوثاناً مودة ﴾ قال جار الله: من قرأ بالنصب بغير إضافة أو بإضافة فعلى وجهين: أحدهما التعليل اي لتتوددوا بينكم وتتواصلوا لاتفاقكم وائتلافكم على عبادتها كما يتفق الناس على مذهب فيكون بينهم نسبة من ذلك.

الوجه الثاني: أن يكون مفعولاً ثانياً على حذف المضاف، أو على أن المصدر بمعنى المفعول أي اتخذتم الأوثان سبب المودة بينكم واتخذتموها مودودة بينكم.

ومن قرأ بالرفع بإضافة أو بغير إضافة فعلى وجهين أيضاً: أن يكون خبراً لأن على أن ما موصولة والتقدير: إن التي اتخذتموها أوثاناً هي سبب مودة بينكم أو مودودة بينكم.

وأن يكون خبر مبتدأ محذوف أي هي مودودة أو سبب مودة وعلى هذا فالوقف على ﴿ أوثاناً ﴾ حسن كما مر.

﴿ ثم يوم القيامة ﴾ يقوم بين العبدة وكذا بينهم وبين أوثانهم التباغض والتلاعن نظيره ﴿ كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضداً  ﴾ والتحقيق فيه أنهم غلبت عليهم الجسمية ولذاتها فلهذا ألفوا الأصنام ولم تقبل عقولهم موجوداً منزهاً عن الأجسام وخواصها، فلا جرم إذا رفعت الحجب وكشف الغطاء عن عالم الأرواح زالت نسبة الجسمية وظهرت الآلام الروحانية وعذبوا بنار الخسران والحرمان من غير شفعاء ولا أعوان، فلذلك قال ﴿ ومأواكم النار وما لكم من ناصرين ﴾ وإنما لم يقل ههنا ﴿ وما لكم من دون الله  ﴾ لأن الله لا ينصر الكفار من اهل النار.

وإنما جمع ههنا لأنه أراد في الأول جنس النصير وههنا أراد نفي الناصرين الذين كان أهل الشرك يزعمون أنهم شفعاؤهم عند الله ﴿ فآمن له لوط ﴾ وكان ابن أخي إبراهيم صدقه حين رأى النار لم تحرقه.

قالت العلماء: إن لوطاً آمن برسالة إبراهيم حين رأى المعجزة.

وأما بالوحدانية فآمن حين سمع مقالته إذ لو توقف في الإيمان إلى وقت إظهار المعجزة كان نقصاً في مرتبته وقدحاً في نور باطنه، ألا ترى أن أبا بكر وعلياً أسلما كما عرض النبي  الإسلام عليهما.

﴿ وقال ﴾ إبراهيم ﴿ إني مهاجر ﴾ من كوثى وهي من سواد الكوفة إلى حران ثم منها إلى فلسطين ولهذا قالوا: لكل نبي هجرة ولإبراهيم هجرتان.

وكان معه في هجرته امراته سارة وهاجر وهو ابن خمس وسبعين سنة وهاجر معه لوط أيضاً.

ومعنى ﴿ إلى ربي ﴾ أي إلى حيث أمر ربي بالهجرة إليه ومثله قوله ﴿ إني ذاهب إلى ربي  ﴾ وعبارة القرآن أدخل في الإخلاص لأن المهاجر إلى حيث أمره الملك قد يهاجر إليه مرة أخرى لغرض نفسه فيصدق أنه مهاجر إلى حيث أمره الملك ولا يصدق أنه مهاجر لأجل الملك ولرضاه.

وفي قوله ﴿ إنه هو العزيز الحكيم ﴾ نوع تهديد لقومه وتصويب لما بدا له من الهجرة بأمر الله.

قال في الكشاف: إنه هو العزيز الذي يمنعني من أعدائي، الحكيم الذي لا يأمرني إلا بما هو مصلحتي.

ثم ذكر ما أنعم به عليه من الأولاد والأحفاد، ومن جعل النبوة وجنس الكتاب الإلهي فيهم.

وهو التوراة والإنجيل والزبور والفرقان -ولهذا اندرج ذكر إسماعيل في الآية.

ولعل السر في عدم ذكر إسماعيل والتصريح بذكره أن الله  جعل الزمان بعد إبراهيم قسمين: أحدهما زمن إسحاق ويعقوب وذراريهما إلى زمان الفترة، والآخر من محمد  إلى يوم قيام الساعة وهو من ولد إسماعيل فطي ذكر إسماعيل إشارة إلى تأخر زمان دولته والله أعلم.

ثم كرر ذكر النعمة بقوله ﴿ وأتيناه أجره في الدنيا ﴾ قال أهل التحقيق: إن الله  بدل جميع أحوال إبراهيم  بأضدادها.

لما أراد القوم تعذيبه بالنار فجعلها الله عليه برداً وسلاماً، وهاجر فريداً وحيداً فوهب الله له ذريّة طيبة مباركة كما وصفنا، وكان لا مال له فكثر ماله حتى حصل له من المواشي ما علم الله عدده فقط.

يروى أنه كان له اثنا عشر ألف كلب حارس في أعناقها أطواق من ذهب.

وكان خاملاً حتى قال قائلهم ﴿ سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم  ﴾ فجعل الله له لسان صدق في الآخرين.

اللهم صلى على محمد وآل محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم.

ثم بين بقوله ﴿ وإنه في الآخرة لمن الصالحين ﴾ أن تلك النعمة الدنيوية ولذاتها مقرونة بفلاح الآخرة وصلاحها جعلنا الله  ببركته أهلاً لبعض ذلك وهو المستعان.

قوله ﴿ ولوطا إذ قال ﴾ إعرابه كإعراب قوله ﴿ وإبراهيم إذ قال ﴾ وقد مروالظاهر أن لوطاً يكون قد أمر قومه بالتوحيد والعبادة أوّلاً ثم نهاهم عن الفاحشة ثانياً.

إلا أن الله  قد حكى عنه ما اختص به وبقومه وهو قوله ﴿ إنكم لتأتون الفاحشة ﴾ ويحتمل أن يكونوا موحدين إلا أنهم بسبب الإصرار على الفعلة الشنعاء وتحليلها مع وجود النبي  الناهي عنها صاروا في حكم الكفرة.

وإذا كان الزنا فاحشة كما قال ﴿ ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة  ﴾ مع أن الزنا لا يفضي إلى قطع النسل فاللواطة أولى بكونها فاحشة لتماديها في القبح ولإفضائها إلى انقطاع النسل، ويعلم منه احتياجها إلى الزاجر كالزنا بل أولى ويعلم منه افتقارها إلى الرجم بدليل إمطار الحجارة على أهلها.

ومعنى ﴿ ما سبقكم بها ﴾ أنه لم يأت بمثل هذا الفعل أحد قبلهم أو لم يشتهر به ولم يبالغ فيه أحد وإن ارتكبه بعضهم في الندرة كما يقال: إن فلاناً سبق البخلاء في البخل، واللئام في اللؤم إذا زاد عليهم.

ومعنى ﴿ تقطعون السبيل ﴾ تقضون الشهوة بالرجال مع قطع السبيل المعتاد مع النساء.

ويجوز أن يكونوا قطاع الطريق والظاهر يشعر به ﴿ وتأتون في ناديكم المنكر ﴾ أي تضمون إلى قبح فعلكم قبح الإظهار.

والنادي هو المجلس ما دام فيه الناس.

وعن عائشة: كانوا يتجامعون.

وعن ابن عباس: هو الحذف ومضغ العلك وحل الإزار والفحش في المزاح والسخرية بمن مر بهم ﴿ فما كان جواب قومه إلا أن قالوا ائتنا بعذاب الله ﴾ ولم يهددوه بنحو القتل والتخويف كما في قصة إبراهيم، لأن إبراهيم كان يقدح في آلهتهم ويشتمهم بتعديد نقائصهم ﴿ يا أبت لم تعبد مالا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئاً  ﴾ فجعلوا جزاءه شر الجزاء.

وأما لوط فكان ينكر عليهم فعلهم فهددوه بالإخراج أوّلاً ﴿ أخرجوا آل لوط من قريتكم  ﴾ واقترحوا من عذاب الله ثانياً.

ويجوز أن يكون على سبيل الاستهزاء فلا جرم ﴿ قال رب انصرني على القوم المفسدين ﴾ كأنه أيس من توبتهم وإنابتهم ومن أن يلدوا تائباً مطيعاً كما قال نوح ﴿ ولا يلدوا إلا فاجراً كفارا  ﴾ ولعلهم كانوا يفسدون الناس بحملهم على ما كانوا عليه من المعاصي والفواحش طوعاً وكرهاً أو بابتداء الفواحش واقتداء من بعدهم بهم.

والبشرى هي البشارة بالولد، والنافلة إسحق ويعقوب، وإضافة ﴿ مهلكو ﴾ إضافة تخفيف لا تعريف لأنه بمعنى الاستقبال أو الحال القريب منه لا الماضي، ولأن المقصود يتضح بذلك لا بوصف الملائكة لمطلق الإهلاك.

والقرية سذوم.

ثم علل الإهلاك بأن الظلم قد استمر فيهم بناء على أن كان للثبوت والاستمرار، ويحتمل أن يكون للزمان الماضي فإن هذا القدر يكفي للتعليل والزائد عليه لا تحتاج الملائكة إلى تقريره بخلاف ما في قصة نوح ﴿ فأخذهم الطوفان وهم ظالمون  ﴾ فإن ذلك إخبار من الله  ولا يحسن من الكريم أن يعاقب على الجرم السابق إلا بعد تحقق الإصرار والاستمرار.

قال بعضهم: إن تعلق ﴿ البشرى ﴾ بهذا الإنذار هو أنه كان في إهلاك قوم لوط إخلاء الأرض من العباد فقدمت البشارة المذكورة المتضمنة لوجود عباد صالحين حتى لا يتأسف على إهلاك قوم من أبناء جنسه.

ثم إن إبراهيم لما سمع إنذار الملائكة أظهر الإشفاق على لوط والحزن له قائلاً ﴿ إن فيها لوطاً قالوا نحن أعلم ﴾ منك ﴿ بمن فيها ﴾ وأخبروا بحاله وحال قومه.

ومعنى ﴿ من الغابرين ﴾ من الماضين ذكرهم أو ممن يمضي زمانه وبفنى أو من الباقين في المهلكين و ﴿ سيء بهم وضاق بهم ذرعاً ﴾ قد مر في "هود" وقال بعضهم: يحتمل أن يكون ضيق الذرع عبارة عن انقباض الروح فعند ذلك تجتمع أعضاء الإنسان وتقل مساحتها.

فقالت الملائكة ﴿ لا تخف ﴾ علينا ﴿ ولا تحزن ﴾ بسبب التفكر في أمرنا.

وقال أهل البرهان: وإنما قيل ههنا ﴿ ولما أن جاءت ﴾ بزيادة "أن" لأن "لما" تقتضي جواباً وإذا اتصل به "أن" دل على أن الجواب وقع في الحال من غير تراخ في الظاهر كما في هذه السورة وهو قوله ﴿ سيء بهم ﴾ وفي هود اتصل به كلام بعد كلام فطال فلم يحسن دخول "أن" ظاهراً مع أن القصة واحدة.

ثم إن الملائكة قالوا للوط ﴿ إنا منجوك ﴾ بلفظ اسم الفاعل وقالوا لإبراهيم  ﴿ لننجينه ﴾ بلفظ الفعل لأن ذلك ابتداء الوعد وهذا أوان إنجازه فأرادوا أن ذلك الوعد حتم واقع منا كقولك: أنا ميت لضرورة وقوعه ووجوده.

والرجز العذاب الذي يوقع صاحبه في القلق والاضطراب من قولهم: ارتجز وارتجس إذا اضطرب، والمراد الحجارة.

وقيل: النار.

وقيل: الخسف.

وعلى هذا يراد أن الأمر بالخسف والقضاء به من السماء ﴿ ولقد تركنا منها ﴾ أي من القرية ﴿ آية بينة ﴾ هي آثار منازلهم الخربة أو بقية الحجارة أو الماء الأسود أو قصتهم وخبرهم.

وقوله ﴿ القوم ﴾ يتعلق بـ ﴿ تركنا ﴾ أبو بـ ﴿ بينة ﴾ ولزيادة قوله ﴿ بينة ﴾ قال ﴿ لقوم يعقلون ﴾ بخلاف قوله في قصة نوح  ﴿ وجعلناها آية للعالمين  ﴾ لأن الآية لا تتبين إلا لذوي العقول وليس كل من في العالم بذي عقل.

ثم أجمل سائر القصص والرجاء إما على أصله أو بمعنى الخوف.

وعلى الأول قال جار الله: اراد افعلوا ما ترجون به العاقبة، فأقيم المسبب مقام السبب.

أو أمروا الرجاء والمراد اشتراط ما يسوغه من الإيمان كما يؤمر الكافر بالصلاة مثلاً على إرادة الشرط وهو الإسلام.

﴿ فكذبوه ﴾ إنما صح إطلاق التكذيب مع أن ذكره شعيب أمر ونهي، والأمر لكونه طلباً لا يحتمل التصديق والتكذيب، وكذا النهي لأن قول شعيب يتضمن قوله الله واحد والحشر كائن والفساد محرم وكل واحد من هذه خبر.

ومعنى الرجفة والصيحة قد مر في "الأعراف" وفي "هود".

وكذا إنه لم قال مع الرجفة في دارهم على التوحيد، ومع الصيحة في ديارهم على الجمع.

﴿ و ﴾ أهلكنا ﴿ عاداً وثمود وقد تبين لكم ﴾ ذلك الإهلاك ﴿ من ﴾ جهة ﴿ مساكنهم ﴾ إذا نظرتم إليها عند مروركم بها ﴿ وكانوا مستبصرين ﴾ أي عقلاء متمكنين من النظر والاستدلال، وكانوا عارفين بأخبار الرسل أن العذاب نازل بهم ولكنهم لم ينظروا في الدليل ولجوا حتى هلكوا ﴿ وما كانوا سابقين ﴾ أي أدركهم أمر الله فلم يفوتوه.

ثم قرر أمر المذنبين بإجمال آخر يفيد أنهم عذبوا بالعناصر الربعة، فجعل ما منه تركيبهم سبباً لعدمهم وما منه بقاؤهم سبباً لفنائهم.

فالحاصب حجارة محماة تقع على كل واحد منهم فتنفذ من الجانب الآخر وهو إشارة إلى التعذيب بعنصر النار وأنه لقوم لوط.

والصيحة وهي تموّج شديد في الهواء لمدين.

وثمود.

والخسف لقارون والغرق لقوم نوح وفرعون ﴿ وما كان الله ليظلمهم ﴾ بالإهلاك ﴿ ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ﴾ بالإشراك وقال بعض أهل العرفان: وما كان الله ليضعهم في غير موضعهم فإن موضعهم الكرامة ولكنهم وضعوا أنفسهم مع شرفها في عبادة الوثن الذي هو في غاية الخسة فلذلك ضرب لهم المثل بالعنكبوت ونسجه الذي هو عند الناس في غاية الوهن والضعف.

فإن كان تشبيهاً مركباً فظاهر، وإن كان مفرقاً فالمشرك كالعنكبوت واتخاذه الصنم معبوداً وملجاً كاتخاذ العنكبوت نسجه بيتاً فإنه يصير سبباً لهلاكه ولتنظيف البيت منه كعابد الوثن يقع في النار بسبب عبادته.

وفيه أن العنكبوت كما أنه يصطاد بسبب نسجه الذباب ولكنه لا بقاء له ويتلاشى بأدتنى سبب كذلك الكافر يستفيد بشركه ما هو أقل من جناح بعوضة وهو بعض متاع الدنيا ولكنه كعمله يصير آخر الأمر هباء منثوراً.

ثم عرض على العقول صحة المثل المضروب قائلاً ﴿ وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت ﴾ بأنه لا يصلح للبقاء ولا للاتسدفاء ولا للاستظلال ولا للاستكنان والنسج في نفسه إن فرض له فائدة كما أن الصنم في نفسه يمكن أن ينتفع به ولكن اتخاذ النسج بتاً لا شك انه غير مفيد بل مضر كما مر فكذلك عبادة الصنم.

ثم قال ﴿ لو كانوا يعلمون ﴾ فحذف الجواب ليذهب الوهم كل مذهب أي لو كانوا يعلمون أن هذا مثلهم وأمر دينهم لتابوا وندموا، ولو كانوا يعلمون صحة هذا التشبيه وقد صح أن أوهن البيوت إذا استقريتها بيتاً بيتاً العنكبوت.

فقد تبين أن دينهم أوهن الأديان إذا استقريتها ديناً ديناً.

وصاحب الكشاف علق هذا الشرط بما قبله وليس بذاك وقد مر في الوقوف والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

والعنكبوت: هذه التي تغزل، وهي دويبة كثيرة القوائم، وعناكب: جمع.

وقوله: ﴿ مَثَلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوْلِيَآءَ كَمَثَلِ ٱلْعَنكَبُوتِ ٱتَّخَذَتْ بَيْتاً ﴾ يشبه أن يكون ضرب مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء ببيت العنكبوت هم الرؤساء منهم والمتبوعون.

يقول - والله أعلم -: مثل اتخاذكم أولئك أولياء من دون الله وما تأملون منهم كمثل بيت العنكبوت، لا ينفع ولا يغني ما يؤمل من البيت من دفع الحرّ والبرد وغيره، فعلى ذلك اتخاذكم واتباعكم هؤلاء أولياء من دون الله مثل ما ذكر، لا ينفع ولا يغني ولا يدفع عنكم ما ينزل بكم، وهو ما قال: ﴿ إِنَّمَا ٱتَّخَذْتُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ أَوْثَاناً مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ...

﴾ الآية [العنكبوت: 25]، ظاهر ما ذكر من الأولياء أن يكون المتبوعون منهم.

وجائز أن تكون الأصنام التي اتخذوها آلهة، ضرب مثل عبادتهم الأصنام واتخاذهم إياها آلهة ببيت العنكبوت، وذلك أن العنكبوت اتخذت البيت رجاء أن تنتفع به كما ينتفع بالبيوت في دفع الحر والبرد، والستر والحجاب، فلما أن وقعت الحاجة إليه لم تنتفع ما كان تأمل منه في شيء مما كانت تأمل، فعلى ذلك هؤلاء الذين اتخذوا الأصنام آلهة ومعبوداً؛ رجاء أن ينفعهم ذلك يوماً، فلما أن وقعت لهم الحاجة لم يجدوا ما كانوا يأملون من عبادتهم إياها واتخاذهم آلهة؛ بل في بيت العنكبوت للعنكبوت شيء من المنفعة، وليس لأولياء العبدة لتلك الأصنام شيء مما كانوا يأملون، فهي دون بيت العنكبوت في المنفعة، لكنه - والله أعلم - ضرب مثلها ببيت العنكبوت؛ لما لا شيء أوهن وأضعف عند الخلق من بيتها، وهو ما شبه أعمال الكفرة برماد اشتدت به الريح، وبسراب بقيعة؛ لما ليس شيء أضيع ولا أبعد في الوجود والقدرة عليه في الوهم مما ذكر؛ فيشبه أعمالهم به، فعلى ذلك تشبيه اتخاذ أولئك الأصنام آلهة وأولياء من دون الله ببيت العنكبوت، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَإِنَّ أَوْهَنَ ٱلْبُيُوتِ لَبَيْتُ ٱلْعَنكَبُوتِ ﴾ أي: أضعف وأبعد من المنفعة بيت العنكبوت، فعلى ذلك عبادتهم الأصنام واتخاذهم إياها معبوداً أوهن وأبعد مما يأملون ﴿ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ ﴾ أي: إن كانوا يعلمون ضعفها وعجزها، والله أعلم.

وقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ ﴾ \[هو\] - والله أعلم -: أن الله لم يزل عالماً بما يكون منهم من اتخاذهم الأصنام معبوداً، وأنه عن علم أنشأ لهم ذلك لا عن غفلة وسهو، لكن أنشأهم لمنافع أنفسهم ولحاجة لهم لا لحاجة ومنفعة له في إنشائه إياها، وهو ما قال: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ ٱلْعَالَمِينَ  ﴾ وقال هاهنا: ﴿ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ﴾ العزيز: قيل: إنه المنيع.

وقيل: إنه الذي يذل كل شيء دونه.

لكن العزيز عندنا: هو الذي لا يعلو سلطانه شيء، ولا يقهر ملكه شيء، ويعلو سلطانه وإرادته على جميع الأشياء ويقهرها.

والحكيم: قيل: الذي له الحكم.

وقيل: هو المصيب.

وقيل: هو الذي يضع كل شيء موضعه.

والحكيم عندنا: هو الذي لا يلحقه الخطأ في التدبير، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَتِلْكَ ٱلأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَآ إِلاَّ ٱلْعَالِمُونَ ﴾ فإن قيل: ذكر أنه لا يعقلها إلا العالمون، والعقل يسبق العلم بالشيء؛ إذ بالعقل يعلم ما يعلم، فكيف ذكر أنه لا يعقل إلا العالمون، ولم يقل: وما يعلمها [إلا] العاقلون؟

فهو - والله أعلم - لوجوه: أحدها: أن الأمثال إنما تضرب لتقريب ما يبعد عن الأوهام، ولكشف ما استتر من الأشياء على الأفهام وتجليها عما خفيت فلا يعقل الأمثال أنها لماذا ضربت؟

- إلا العالم.

والثاني: أن العقول تعرف أسباب الأشياء ودلائلها، فإما أن تعرف حقائق الأشياء وأنفسها فلا، من نحو المسالك والطرق إلى البلد التي تعرف مسالكها وطرقها التي بها يوصل إليها، فأما أعينها فلا، وكذا المراقي التي بها يعلو ويرتفع، فأمّا عين العلوّ فلا، وأما العلم فإنه يوصل إلى معرفة حقائق الأشياء وأنفسها وصورها؛ لذلك كان ما ذكر.

والثالث: أن يكون قوله: ﴿ وَمَا يَعْقِلُهَآ ﴾ أي: وما ينتفع بما ذكر إلا العالمون، وهو كما قال: ﴿ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ  ﴾ نفى عنهم هذه الحواس وإن كانت لهم أنفس تلك الحواس لما لم يستعملوها فيما جعلت وأنشئت، ولم ينتفعوا بها، فنفى عنهم تلك؛ فعلى ذلك جائز أن يكون قوله: ﴿ وَمَا يَعْقِلُهَآ إِلاَّ ٱلْعَالِمُونَ ﴾ أي: ما ينتفع بما يعقل إلا العالم، فأما من لم ينتفع فلا يعقل، والله أعلم.

وقوله: ﴿ خَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ ﴾ يحتمل قوله: ﴿ بِٱلْحَقِّ ﴾ أي: لعاقبة، وهو البعث؛ لأنه لم يخلقهما لأنفسهما، وكذلك لم يخلق الدنيا للدنيا، ولكن إنما خلقها للآخرة؛ إذ بالآخرة يصير خلقها حكمة وحقّاً؛ لأنه لو لم يكن خلقها لعاقبة كان خلقها عبثاً باطلا، وهو ما قال: ﴿ وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ  ﴾ لا كافر يظن أنه خلقهما باطلا، ولكن تركوا الإيمان بالبعث وأنكروا البعث؛ كأنهم ظنوا أنه خلقهما باطلا؛ إذ لولا البعث كان خلقهما باطلا عبثاً فإنما صار خلقهما حقّاًَ وحكمة بالبعث، فإذا أنكروا ما به صار خلقه إياهما حكمة وحقّاً - فقد ظنوا الباطل بخلقهما، فنسأل الله التوفيق والصواب.

ويحتمل قوله: إنه خلقهما؛ لتدلا على الحق؛ لأنهما تدلان على وحدانية الله وربوبيته وتعاليه عن الأشباه والشركاء وجميع الآفات.

أو أن يكون بالحق الذي لله عليهم.

أو بالحق الذي لبعضهم على بعض، والله أعلم.

﴿ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ ﴾ صير آية لمن أقر بها وآمن؛ إذ هو المنتفع بها، فأمّا من أنكر وجحد وكذبها فهو آية عليه لا له، والله أعلم.

وقوله: ﴿ ٱتْلُ مَا أُوْحِيَ إِلَيْكَ مِنَ ٱلْكِتَابِ وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ ﴾ جائز أن يكون قوله: اتل ما أوحي إليك من الكتاب، وأقم به الصلاة أي: بالكتاب الذي أوحي إليك.

ويحتمل: اتل ما أوحي إليك من الكتاب عليهم، وأقم بهم الصلاة؛ فالخطاب وإن كان لرسول الله فهو لكل أحد؛ على ما ذكرنا في سائر المخاطبات، والله أعلم.

وقوله: ﴿ إِنَّ ٱلصَّلاَةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنْكَرِ ﴾ ، هذا يخرج على وجهين: أحدهما: على الامتنان.

والثاني: على الإلزام.

فأما وجه الامتنان: فهو أن جعل لكم الصلاة لتمنعكم عن الفحشاء والمنكر ما لو لم يجعلها لكم لا شيء يمنعكم عن الفحشاء والمنكر؛ فيمنُّ عليهم بجعل الصلاة لهم؛ لما تمنعهم عما ذكر.

وأما وجه الإلزام: فإنه يخرج على وجهين: أحدهما: أن الصلاة لو كان موهوماً منها النطق والنهي، لكانت تنهى عن الفحشاء والمنكر؛ على ما أضاف التغرير والتزيين إلى الحياة الدنيا؛ أي: لو كان هذا الذي كان من الدنيا، كان ممن له التغرير - كان ذلك تغريراً؛ فعلى ذلك الصلاة لو كان منها حقيقة الأمر والنهي لكانت تنهى عن الفحشاء والمنكر.

والثاني: أضيف النهي إلى الصلاة؛ لما بها يعرف ذلك، فقد تضاف الأشياء إلى الأسباب وإن لم يكن منها حقيقة ما أضيف إليها؛ نحو ما يضاف الأمر والنهي إلى الكتاب والسنة ونحوه؛ يقال: أمرنا الكتاب بكذا، والسنة بكذا، ونهانا عن كذا، وإن لم يكن منهما أمر حقيقة ولا نهي؛ لما بهما يعرف الأمر والنهي، وهما سببا ذلك؛ فعلى ذلك جائز إضافة النهي إلى الصلاة أن يكون على هذا السبيل.

وقوله: ﴿ وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ ﴾ اختلف فيه: قال بعضهم: ذكر الله أكبر في العبادات من أنفس تلك العبادات.

ووجه هذا - والله أعلم -: أن العبادات إنما تكون بجوارح تغلب وتقهر وتستعمل؛ فلا تعرف تلك أنها لله إلا بتأويل.

وأمّا ذكر الله إنما يكون باللسان والقلب، وهما لا يغلبان، ولا يستعملان ولا يقهران، فهو يعرف أن ذلك لله حقيقة، فهو أكبر.

وقال بعضهم: ﴿ وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ ﴾ من سائر الأذكار التي ليست لله؛ فهذا ليس فيه كبير حكمة؛ لأن ذلك يعرفه كل أحد.

وقال بعضهم: ذكر الله أكبر في النهي عن الفحشاء والمنكر من الصلاة.

وقال بعضهم: ذكر الله إياكم أكبر من ذكركم إياه؛ لأن ذكره إياكم رحمة ومغفرة، وذلك مما لا يعدله ولا يوازيه شيء، وأما العبد فإنه يذكر ربه بأدنى شيء.

وقال بعضهم: ﴿ وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ ﴾ : أي: ما وفق الله العبد من ذكره إياه وطاعته له أكبر من نفس ذلك الذكر ونفس تلك العبادة.

وذكر في حرف ابن مسعود وأبيٍّ وحفصة: ﴿ إن الصلاة تأمر بالمعروف وتنهى عن الفحشاء والمنكر ﴾ .

وعن الحسن يحدث عن النبي  أنه قال: "من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد بها من الله إلا بعداً، ولم يزدد بها عند الله إلا مقتاً" وعن سلمان الفارسي قال: ذكر الله إياكم أكبر من ذكركم إياه.

وعن ابن عباس -  - قال: لهذا وجهان: أحدهما: يقول: ذكر الله أكبر مما سواه من أعمال البر.

والآخر: يقول: ذكر الله إياكم أكبر من ذكركم إياه.

والضحاك يقول: العبد يذكر الله عند ما أحل له وحرم عليه، فيأخذ بما أحل ويجتنب ما حرم عليه.

وقتادة يقول: لا شيء أكبر من ذكر الله.

وأصله ما ذكرنا من الوجوه التي تقدم ذكرها.

وقوله: ﴿ إِنَّ ٱلصَّلاَةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنْكَرِ ﴾ قال بعضهم: تنهى وتمنع ما دام فيها لا يعمل بالفحشاء والمنكر.

والثاني: أن الصلاة تأمر بالمعروف وتنهى عن الفحشاء والمنكر؛ أي: لو كانت لها النطق بالأمر والنهي لكانت تنهى عما ذكر.

والوجه فيه ما ذكرنا بدءاً، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ ﴾ وعيد؛ ليكونوا أبداً على حذر ويقظة.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

مثل المشركين الذين اتخذوا من دون الله أصنامًا يعبدونهم رجاء نفعهم أو شفاعتهم كمثل العنكبوت اتخذت بيتًا يحميها من الاعتداء عليها، وإن أضعف البيوت لبيت العنكبوت، فهو لا يدفع عنها عدوًّا، وكذلك أصنامهم لا تنفع ولا تضر ولا تشفع، لو كان المشركون يعلمون ذلك لَمَا اتخذوا أصنامًا يعبدونها من دون الله.

<div class="verse-tafsir" id="91.vqYQk"

مزيد من التفاسير لسورة العنكبوت

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
الحمد لله