الآية ٤٧ من سورة العنكبوت

الإسلام > القرآن > سور > سورة 29 العنكبوت > الآية ٤٧ من سورة العنكبوت

وَكَذَٰلِكَ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ ۚ فَٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ يُؤْمِنُونَ بِهِۦ ۖ وَمِنْ هَـٰٓؤُلَآءِ مَن يُؤْمِنُ بِهِۦ ۚ وَمَا يَجْحَدُ بِـَٔايَـٰتِنَآ إِلَّا ٱلْكَـٰفِرُونَ ٤٧

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 76 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٤٧ من سورة العنكبوت: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٤٧ من سورة العنكبوت عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

قال ابن جرير : يقول الله تعالى : كما أنزلنا الكتب على من قبلك - يا محمد - من الرسل ، كذلك أنزلنا إليك هذا الكتاب .

وهذا الذي قاله حسن ومناسبة وارتباط جيد .

وقوله : ( فالذين آتيناهم الكتاب يؤمنون به ) أي : الذين أخذوه فتلوه حق تلاوته من أحبارهم العلماء الأذكياء ، كعبد الله بن سلام ، وسلمان الفارسي ، وأشباههما .

وقوله : ( ومن هؤلاء من يؤمن به ) ، يعني العرب من قريش وغيرهم ، ( وما يجحد بآياتنا إلا الكافرون ) ، أي : ما يكذب بها ويجحد حقها إلا من يستر الحق بالباطل ، ويغطي ضوء الشمس بالوصائل ، وهيهات .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هَؤُلاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلا الْكَافِرُونَ (47) يقول تعالى ذكر: كما أنـزلنا الكتب على مَن قبلك يا محمد من الرسل (كَذلكَ أنـزلْنَا إلَيْكَ) هذا(الكِتابَ فالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ) من قبلك من بني إسرائيل (يُؤْمِنُون بِهِ وَمِنْ هَؤُلاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ) يقول: ومن هؤلاء الذين هم بين ظهرانيك اليوم، من يؤمن به، كعبد الله بن سلام، ومن آمن برسوله من بني إسرائيل.

وقوله: ( وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلا الْكَافِرُونَ ) يقول تعالى ذكره: وما يجحد بأدلتنا وحججنا إلا الذي يجحد نعمنا عليه، وينكر توحيدنا وربوبيتنا على علم منه عنادا لنا.

كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة ( وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلا الْكَافِرُونَ ) قال: إنما يكون الجحود بعد المعرفة.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

لا يوجد تفسير لهذه الأية

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: { وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ } يا محمد، هذا { الْكِتَاب } الكريم، المبين كل نبأ عظيم، الداعي إلى كل خلق فاضل، وأمر كامل، المصدق للكتب السابقة، المخبر به الأنبياء الأقدمون.{ فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ } فعرفوه حق معرفته، ولم يداخلهم حسد وهوى.{ يُؤْمِنُونَ بِهِ } لأنهم تيقنوا صدقه، بما لديهم من الموافقات، وبما عندهم من البشارات، وبما تميزوا به من معرفة الحسن والقبيح، والصدق والكذب.{ وَمِنْ هَؤُلَاءِ } الموجودين { مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ } إيمانا عن بصيرة، لا عن رغبته ولا رهبته.

{ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ } الذين دأبهم الجحود للحق والعناد له.

وهذا حصر لمن كفر به، أنه لا يكون من أحد قصده متابعة الحق، وإلا، فكل من له قصد صحيح، فإنه لا بد أن يؤمن به، لما اشتمل عليه من البينات، لكل من له عقل، أو ألقى السمع وهو شهيد.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ) ( وكذلك ) أي : كما أنزلنا إليهم الكتب ( أنزلنا إليك الكتاب فالذين آتيناهم الكتاب يؤمنون به ) يعني : مؤمني أهل الكتاب ، عبد الله بن سلام وأصحابه ) ( ومن هؤلاء ) يعني : أهل مكة ، ( من يؤمن به ) وهم مؤمنوا أهل مكة ( وما يجحد بآياتنا إلا الكافرون ) ، وذلك أن اليهود عرفوا أن محمدا نبي ، والقرآن حق ، فجحدوا .

قال قتادة : الجحود إنما يكون بعد المعرفة .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وكذلك أنزلنا إليك الكتاب» القرآن كما أنزلنا إليهم التوراة وغيرها «فالذين آتيناهم الكتاب» التوراة كعبد الله بن سلام وغيره «يؤمنون به» بالقرآن «ومن هؤلاء» أهل مكة «من يؤمن به وما يجحد بآياتنا» بعد ظهورها «إلا الكافرون» أي اليهود وظهر لهم أن القرآن حق والجائي به محق وجحدوا ذلك.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وكما أنزلنا -أيها الرسول- الكتب على مَن قبلك من الرسل، أنزلنا إليك هذا الكتاب المصدق للكتب السابقة، فالذين آتيناهم الكتاب من بني إسرائيل فعرفوه حق معرفته يؤمنون بالقرآن، ومِن هؤلاء العرب من قريش وغيرهم مَن يؤمن به، ولا ينكر القرآن أو يتشكك في دلائله وبراهينه البينة إلا الكافرون الذين دَأْبُهم الجحود والعناد.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - موقف الناس من هذا الكتاب الذى أنزله على نبيه صلى الله عليه وسلم - فقال : ( وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ الكتاب فالذين آتَيْنَاهُمُ الكتاب يُؤْمِنُونَ بِهِ .

.

) .والكاف بمعنى مثل : واسم الإِشارة يعود إلى المصدر المفهوم من أنزلنا .

أى : ومثل ذلك الإِنزال المعجز البديع ، أنزلنا إليك الكتاب - أيها الرسول الكريم - ليكون هداية للناس ، فالذين آتيناهم الكتاب الشامل للتوراة والإِنجيل وعقلوه وفتحوا قلوبهم للحق ، يؤمنون بهذا الكتاب الذى نزل عليك ، وهو القرآن .فالمراد بالذين أوتوا الكتاب : المؤمنون منهم كعبد الله بن سلام وأمثاله .

والمراد بالكتاب جنسه .

والضمير فى " به " يعود إلى القرآن الكريم الذى أنزله الله على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم وخص هؤلاء المؤمنين منهم بإيتاء الكتاب ، على سبيل المدح لهم .

لأنهم انتفعوا بما أوتوه من علم وعملوا بمقتضاه ، أما غيرهم من بقى على كفره ، فلكونه لم ينتفع بما فى الكتاب من هدايات ، فكأنه لم يره أصلاً .وقوله : ( وَمِنْ هؤلاء مَن يُؤْمِنُ بِهِ ) : ومن هؤلاء العرب الذين أرسلت إليهم - أيها الرسول الكريم - من يؤمن بهذا القرآن الذى أنزلناه إليك .و " من " للتبعيض ، لأنه ملم يؤمنوا جميعاً ، وإنما من منهم من هداه الله - تعالى - إلى الصراط المستقيم .( وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَآ ) الدالة على وحدانيتنا وقدرتنا ، وعلى صدقك فيما تبلغه عنا ، ( إِلاَّ الكافرون ) أى : إلا الموغلون فى الكفر ، المصرون عليه إصراراً تاماً .والجحود : إنكار الحق مع معرفة أنه حق .وعبر عن الكتاب بالآيات ، للإِشعار بأنها فى غاية الظهور والدلالة على كونها من عند الله - تعالى - ، وأنه ما يكذب بها إلا من غطى الحق بالباطل عن تعمد وإصرار .فأنت ترى أن الآية الكريمة قد بينت أن من الناس من قابل هذا القرآن بالتصديق والإِذعان ، ومنهم من قابله بالجحود والنكران .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

لما بين الله طريقة إرشاد المشركين ونفع من انتفع وحصل اليأس ممن امتنع بين طريقة إرشاد أهل الكتاب فقال: ﴿ وَلاَ تجادلوا أَهْلَ الكتاب إِلاَّ بالتى هِىَ أَحْسَنُ ﴾ قال بعض المفسرين المراد منه لا تجادلوهم بالسيف، وإن لم يؤمنوا إلا إذا ظلموا وحاربوا، أي إذا ظلموا زائداً على كفرهم، وفيه معنى ألطف منه وهو أن المشرك جاء بالمنكر على ما بيناه فكان اللائق أن يجادل بالأخشن ويبالغ في تهجين مذهبه وتوهين شبهه، ولهذا قال تعالى في حقهم ﴿ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْىٌ  ﴾ وقال: ﴿ لَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا ولهم آذان لا يسمعون بها  ﴾ إلى غير ذلك.

وأما أهل الكتاب فجاءوا بكل حسن إلا الاعتراف بالنبي عليه السلام فوحدوا وآمنوا بإنزال الكتب وإرسال الرسل والحشر، فلمقابلة إحسانهم يجادلون أولا بالأحسن ولا تستخف آراؤهم ولا ينسب الضلال آباؤهم، بخلاف المشرك، ثم على هذا فقوله: ﴿ إِلاَّ الذين ظَلَمُواْ ﴾ تبيين له حسن آخر، وهو أن يكون المراد إلا الذين أشركوا منهم بإثبات الولد لله والقول بثالث ثلاثة فإنهم ضاهوهم في القول المنكر فهم الظالمون، لأن الشرك ظلم عظيم، فيجادلون بالأخشن من تهجين مقالتهم وتبيين جهالتهم، ثم إنه تعالى بين ذلك الأحسن فقدم محاسنهم بقوله: ﴿ وَقُولُواْ ءامَنَّا بالذى أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وإلهنا وإلهكم وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ﴾ فيلزمنا اتباع ما قاله لكنه بين رسالتي في كتبكم فهو دليل مضيء، ثم بعد ذلك ذكر دليلاً قياسياً فقال: ﴿ وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الكتاب ﴾ يعني كما أنزلنا على من تقدمك أنزلنا عليك وهذا قياس، ثم قال: ﴿ فالذين ءاتيناهم الكتاب يُؤْمِنُونَ بِهِ ﴾ لوجود النص ومن هؤلاء كذلك، واختلف المفسرون فقال بعضهم: المراد بالذين آتيناهم الكتاب من آمن بنبينا من أهل الكتاب كعبد الله بن سلام وغيره وبقوله: ﴿ وَمِنْ هَؤُلاء ﴾ أي من أهل مكة وقال بعضهم: المراد بالذين آتيناهم الكتاب هم الذين سبقوا محمداً صلى الله عليه وسلم زماناً من أهل الكتاب، ومن هؤلاء الذين هم في زمان محمد صلى الله عليه وسلم من أهل الكتاب وهذا أقرب، فإن قوله: ﴿ هَؤُلاء ﴾ صرفه إلى أهل الكتاب أولى، لأن الكلام فيهم ولا ذكر للمشركين هاهنا، إذ كان هذا الكلام بعد الفراغ من ذكرهم والإعراض عنهم لإصرارهم على الكفر، وهاهنا وجه آخر أولى وأقرب إلى العقل والنقل، وأقرب إلى الأحسن من الجدال المأمور به، وهو أن نقول المراد بالذين آتيناهم الكتاب هم الأنبياء وبقوله: ﴿ وَمِنْ هَؤُلاء ﴾ أي من أهل الكتاب وهو أقرب، لأن الذين آتاهم الكتاب في الحقيقة هم الأنبياء، فإن الله ما آتى الكتاب إلا للأنبياء، كما قال تعالى: ﴿ أولئك الذين ءاتيناهم الكتاب  ﴾ وقال: ﴿ وَءاتَيْنَا دَاوُودُ زَبُوراً  ﴾ وقال: ﴿ وَءاتَانِي الكتاب  ﴾ وإذا حملنا الكلام على هذا لا يدخله التخصيص، لأن كل الأنبياء آمنوا بكل الأنبياء، وإذا قلنا بما قالوا به يكون المراد من الذين آتيناهم الكتاب عبد الله بن سلام واثنين أو ثلاثة معه أو عدداً قليلاً، ويكون المراد بقوله: ﴿ وَمِنْ هَؤُلاء ﴾ غير المذكورين، وعلى ما ذكرنا يكون مخرج الكلام كأنه قسم القوم قسمين أحدهما المشركين وتكلم فيهم وفرغ منهم والثاني أهل الكتاب وهو بعد في بيان أمرهم، والوقت وقت جريان ذكرهم، فإذا قال هؤلاء يكون منصرفاً إلى أهل الكتاب الذين هم في وصفهم، وإذا قال أولئك يكون منصرفاً إلى المشركين الذين سبق ذكرهم وتحقق أمرهم، وعلى هذا التفسير يكون الجدال على أحسن الوجوه، وذلك لأن الخلاف في الأنبياء والأئمة قريب من الخلاف في فضيلة الرؤساء والملوك، فإذا اختلف حزبان في فضيلة ملكين أو رئيسين، وأدى الاختلاف إلى الاقتتال يكون أقوى كلام يصلح بينهم أن يقال لهم هذان الملكان متوافقان متصادقان، فلا معنى لنزاعكم فكذلك هاهنا قال النبي صلى الله عليه وسلم نحن آمنا بالأنبياء وهم آمنوا بي فلا معنى لتعصبكم لهم وكذلك أكابركم وعلماؤكم آمنوا، ثم قال تعالى: ﴿ وما يجحد بآياتنا إِلاَّ الكافرون ﴾ تنفيراً لهم عما هم عليه، يعني أنكم آمنتم بكل شيء، وامتزتم عن المشركين بكل فضيلة، إلا هذه المسألة الواحدة، وبإنكارها تلتحقون بهم وتبطلون مزاياكم، فإن الجاحد بآية يكون كافراً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

ومثل ذلك الإنزال ﴿ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الكتاب ﴾ أي: أنزلناه مصدّقاً لسائر الكتب السماوية، تحقيقاً لقوله: آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم.

وقيل: كما أنزلنا الكتب إلى من كان قبلك أنزلنا إليك الكتاب ﴿ فالذين ءاتيناهم الكتاب ﴾ هم عبد الله بن سلام ومن آمن معه ﴿ وَمِنْ هَؤُلاءِ ﴾ من أهل مكة وقيل: أراد بالذين أوتوا الكتاب الذين تقدموا عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل الكتاب.

ومن هؤلاء ممن في عهده منهم ﴿ وَمَا يَجْحَدُ باياتنآ ﴾ مع ظهورها وزوال الشبهة عنها، إلا المتوغلون في الكفر المصممون عليه.

وقيل: هم كعب بن الأشرف وأصحابه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَلا تُجادِلُوا أهْلَ الكِتابِ إلا بِالَّتِي هي أحْسَنُ ﴾ إلّا بِالخَصْلَةِ الَّتِي هي أحْسَنُ كَمُعارَضَةِ الخُشُونَةِ بِاللِّينِ والغَضَبِ بِالكَظْمِ والمُشاغَبَةِ بِالنُّصْحِ، وقِيلَ هو مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ إذْ لا مُجادَلَةَ أشَدُّ مِنهُ وجَوابُهُ أنَّهُ آخِرُ الدَّواءِ، وقِيلَ المُرادُ بِهِ ذُو العَهْدِ مِنهم.

﴿ إلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهُمْ ﴾ بِالإفْراطِ في الِاعْتِداءِ والعِنادِ أوْ بِإثْباتِ الوَلَدِ وقَوْلِهِمْ ﴿ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ ﴾ أوْ بِنَبْذِ العَهْدِ ومَنعِ الجِزْيَةِ.

﴿ وَقُولُوا آمَنّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إلَيْنا وأُنْزِلَ إلَيْكُمْ ﴾ هو مِنَ المُجادَلَةِ بِالَّتِي هي أحْسَنُ.

وَعَنِ النَّبِيِّ  «لا تُصَدِّقُوا أهْلَ الكِتابِ ولا تُكَذِّبُوهم وقُولُوا آمَنًّا بِاللَّهِ وبِكُتُبِهِ ورُسُلِهِ فَإنْ قالُوا باطِلًا لَمْ تُصَدِّقُوهم وإنْ قالُوا حَقًّا لَمْ تُكَذِّبُوهم» .

﴿ وَإلَهُنا وإلَهُكم واحِدٌ ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ﴾ مُطِيعُونَ لَهُ خاصَّةً وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِاتِّخاذِهِمْ أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ.

﴿ وَكَذَلِكَ ﴾ ومِثْلُ ذَلِكَ الإنْزالِ.

﴿ أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ ﴾ وحْيًا مُصَدِّقًا لِسائِرِ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ وهو تَحْقِيقٌ لِقَوْلِهِ: ﴿ فالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ﴾ هم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ وأضْرابُهُ، أوْ مَن تَقَدَّمَ عَهْدَ الرَّسُولِ  مِن أهْلِ الكِتابِ.

﴿ وَمِن هَؤُلاءِ ﴾ ومِنَ العَرَبِ أوْ أهْلِ مَكَّةَ أوْ مِمَّنْ في عَهْدِ الرَّسُولِ مِن أهْلِ الكِتابَيْنِ.

﴿ مَن يُؤْمِنُ بِهِ ﴾ بِالقُرْآنِ.

﴿ وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا ﴾ مَعَ ظُهُورِها وقِيامِ الحُجَّةِ عَلَيْها.

﴿ إلا الكافِرُونَ ﴾ إلّا المُتَوَغِّلُونَ في الكُفْرِ فَإنَّ جَزْمَهم بِهِ يَمْنَعُهم عَنِ التَّأمُّلِ فِيما يُفِيدُ لَهم صِدْقُها لِكَوْنِها مُعْجِزَةً بِالإضافَةِ إلى الرَّسُولِ  كَما أشارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: <div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وكذلك} ومثل ذلك الإنزال {أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الكتاب} أي أنزلناه مصدقاً لسائر الكتب السماوية أو كما أنزلنا الكتب إلى من قبلك أنزلنا إليك الكتاب {فالذين آتيناهم الكتاب يُؤْمِنُونَ بِهِ} هم عبد الله بن سلام ومن معه {وَمِنْ هَؤُلاء} أي من اهل مكة {من يؤمن به} أو أراد بالذين أوتو الكتاب الذين تقدموا عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل الكتاب ومن هؤلاء الذين كانوا فى عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم {وما يجحد بآياتنا} مع ظهورها وزوال الشبهة عنها {إِلاَّ الكافرون} إلا المتوغلون في الكفر المصممون عليه ككعب بن الاشرف واضرابه

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وكَذَلِكَ أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ ﴾ تَجْرِيدٌ لِلْخِطابِ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وذَلِكَ إشارَةٌ إلى مَصْدَرِ الفِعْلِ الَّذِي بَعْدَهُ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِبُعْدِ مَنزِلَةِ المُشارِ إلَيْهِ في الفَضْلِ، أيْ مِثْلُ ذَلِكَ الإنْزالِ البَدِيعِ الشَّأْنِ المُوافِقِ لِإنْزالِ سائِرِ الكُتُبِ أنْزَلْنا إلَيْكَ القُرْآنَ الَّذِي مِن جُمْلَتِهِ هَذِهِ الآيَةُ النّاطِقَةُ بِما ذُكِرَ مِنَ المُجادَلَةِ بِالَّتِي هي أحْسَنُ، وقِيلَ: الإشارَةُ إلى ما تَقَدَّمَ لِذِكْرِ الكِتابِ، وأهْلِهِ، أيْ وكَما أنْزَلْنا الكُتُبَ إلى مَن قَبْلِكَ أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ.

﴿ فالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ ﴾ مِنَ الطّائِفَتَيْنِ اليَهُودِ والنَّصارى عَلى أنَّ المُرادَ بِالكِتابِ جِنْسُهُ الشّامِلُ لِلتَّوْراةِ والإنْجِيلِ، والكَلامُ عَلى ظاهِرِهِ، وقِيلَ: هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ آتَيْناهم عِلْمَ الكِتابِ ﴿ يُؤْمِنُونَ بِهِ ﴾ بِالكِتابِ الَّذِي أُنْزِلَ إلَيْكَ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وهو كَما تَرى، والمُرادُ بِهِمْ في قَوْلِ مَن تَقَدَّمَ عَهْدَ النَّبِيِّ صَلّى تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِن أُولَئِكَ حَيْثُ كانُوا، مُصَدِّقِينَ بِنُزُولِ القُرْآنِ حَسْبَما عَلِمُوا مِمّا عِنْدَهم مِنَ الكِتابِ، والمُضارِعُ لِاسْتِحْضارِ تِلْكَ الصُّورَةِ في الحِكايَةِ، وتَخْصِيصُهم بِإيتاءِ الكِتابِ لِلْإيذانِ بِأنَّ ما بَعَدَهم مِن مُعاصِرِي رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قَدْ نُزِعَ عَنْهُمُ الكِتابُ بِالنَّسْخِ، وفي قَوْلٍ آخَرَ: مُعاصِرُوهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ العامِلُونَ بِكِتابِهِمْ مِن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وأضْرابِهِ، وتَخْصِيصُهم بِإيتاءِ الكِتابِ لِما أنَّهم هُمُ المُنْتَفِعُونَ بِهِ، فَكَأنَّ مَن عَداهم لَمْ يُؤْتَوْهُ، قِيلَ: هَذا يُؤَيِّدُ القَوْلَ: بِأنَّ الآياتِ المَذْكُورَةَ مَدَنِيَّةٌ، إذْ كَوْنُها مَكِّيَّةً، وعَبْدُ اللَّهِ مِمَّنْ أسْلَمَ بَعْدَ الهِجْرَةِ بِناءً عَلى أنَّهُ إعْلامٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِإسْلامِهِمْ في المُسْتَقْبَلِ، والتَّفْصِيلُ بِاعْتِبارِ الإعْلامِ بَعِيدٌ جِدًّا، وجَوَّزَ الطَّبَرْسِيُّ أنْ يُرادَ بِالمَوْصُولِ المُسْلِمُونَ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ، وضَمِيرُ ( بِهِ ) لِلْقُرْآنِ، ولا يَخْفى ما فِيهِ، ولَعَلَّ الأظْهَرَ كَوْنُ المُرادِ بِهِ عُلَماءُ أهْلِ الكِتابَيْنِ الحَرِيُّونَ بِأنْ يُنْسَبَ إلَيْهِمْ إيتاءُ الكِتابِ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ، وأضْرابِهِ، ولا بُعْدَ في كَوْنِ الآياتِ مَكِّيَّةً بِناءً عَلى ما سَمِعْتَ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها، فَإنَّ إيمانَهم بِهِ مُتَرَتِّبٌ عَلى إنْزالِهِ عَلى الوَجْهِ المَذْكُورِ ﴿ ومِن هَؤُلاءِ ﴾ أيْ ومِنَ العَرَبِ، أوْ مِن أهْلِ مَكَّةَ، عَلى أنَّ المُرادَ بِالمَوْصُولِ عَبْدُ اللَّهِ، وأضْرابُهُ، أوْ مِمَّنْ في عَصْرِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى، عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ مَن تَقَدَّمَ ﴿ مَن يُؤْمِنُ بِهِ ﴾ أيْ بِالكِتابِ الَّذِي أُنْزِلَ إلَيْكَ، ( ومِن ) عَلى ما اسْتَظْهَرَهُ بَعْضُهم تَبْعِيضِيَّةٌ واقِعَةٌ مَوْقِعَ المُبْتَدَإ، ولَهُ نَظائِرُ في الكِتابِ الكَرِيمِ ﴿ وما يَجْحَدُ بِآياتِنا ﴾ أيْ وما يَجْحَدُ بِهِ، وأُقِيمَ هَذا الظّاهِرُ مَقامَ الضَّمِيرِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى ظُهُورِ دِلالَةِ الكِتابِ عَلى ما فِيهِ، وكَوْنِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، والإضافَةُ إلى نُونِ العَظَمَةِ لِمَزِيدِ التَّفْخِيمِ، وفِيما ذُكِرَ غايَةُ التَّشْنِيعِ عَلى مَن يَجْحَدُ بِهِ.

والجَحْدُ كَما قالَ الرّاغِبُ: نَفْيُ ما في القَلْبِ ثَباتُهُ، وإثْباتُ ما في القَلْبِ نَفْيُهُ، وفُسِّرَ هُنا بِالإنْكارِ عَنْ عِلْمٍ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: وما يُنْكِرُ آياتِنا مَعَ العِلْمِ بِها ﴿ إلا الكافِرُونَ ﴾ أيِ المُتَوَغِّلُونَ في الكُفْرِ المُصَمِّمُونَ عَلَيْهِ، فَإنَّ ذَلِكَ يَمْنَعُهم عَنِ الإقْرارِ والتَّسْلِيمِ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يُفَسَّرَ بِمُطْلَقِ الإنْكارِ، ويُرادَ بِالكافِرِينَ المُتَوَغِّلُونَ في الكُفْرِ أيْضًا، لِدَلالَةِ فَحْوى الكَلامِ، والتَّعْبِيرِ بِآياتِنا عَلى ذَلِكَ، أيْ وما يُنْكِرُ آياتِنا مَعَ ظُهُورِها وارْتِفاعِ شَأْنِها إلّا المُتَوَغِّلُونَ في الكُفْرِ، لِأنَّ ذَلِكَ يَصُدُّهم عَنِ الِاعْتِناءِ بِها، والِالتِفاتِ إلَيْها، والتَّأمُّلِ فِيما يُؤَدِّيهِمْ إلى مَعْرِفَةِ حَقِيقَتِها، والمُرادُ بِهِمْ مَنِ اتَّصَفَ بِتِلْكَ الصِّفَةِ مِن غَيْرِ قَصْدٍ إلى مُعَيَّنٍ، وقِيلَ: هم كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ، وأصْحابُهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال عز وجل: وَكَذلِكَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ يعني: القرآن، كما أنزلنا إلى موسى وعيسى عليهما السلام فَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ وهم مؤمنو أهل الكتاب يُؤْمِنُونَ بِهِ يعني: يصدقون بالقرآن وَمِنْ هؤُلاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ يعني: قريشا وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا يعني: بمحمد  وبالقرآن إِلَّا الْكافِرُونَ من اليهود ومشركي العرب.

ثم قال عز وجل: وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ يعني: قبل القرآن وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ يعني: لم تكن تكتب شيئاً بيدك.

إِذاً لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ يعني: فلو كنت قرأت الكتب أو كنت تكتب بيدك لشكَّ أهل مكة في أمرك، ويقولون إنه قرأ الكتب وأخذ منها، ويقال: معناه لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ يعني: لشك أهل الكتاب في أمرك لأنهم وجدوا في كتبهم نعته وصفته أنه أمي لا يقرأ الكتب، كيلا يشكوا في صفته.

بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ يعني: بل هو يقين أنه نبي عند أهل العلم، ويقال: يعني: القرآن آياتٌ بَيِّناتٌ يعني: واضحات، ويقال: بل إنه لا يقرأ ولا يكتب آيات بينات، لأنه أخبر عن أقاصيص الأولين فى صدور الذين أوتوا العلم، يعني: مؤمني أهل الكتاب وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلَّا الظَّالِمُونَ يعني: الكافرين.

قوله عز وجل: وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِنْ رَبِّهِ يعني: علامة من ربه قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ يعني: العلامات عِنْدَ اللَّهِ يعني: من عند الله عز وجل وليس بيدي شيء.

وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ يعني: مخوفاً مفقهاً لكم، أنبئكم بلغة تعرفونها.

قرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر وعاصم في رواية حفص آياتٌ بلفظ الجماعة، يعني: آيات القرآن.

وقرأ الباقون آية يعني: آية واحدة، يعني: أنه كان لا يكتب، وكان له في ذلك آية بينة لنبوته، ويجوز أن يكون معناه: الآيات للجنس.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

قال الله عز وجل: فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ [البقرة: ١٥٢] .

وعبارة الشيخ ابن أبي جمرة: وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ معناه: ذكره لك في الأزل أن جعلك من الذاكرينَ له أكبرٌ من ذكرِك أنت الآن له، انتهى.

قال القُشَيْريُّ في «رسالته» : الذكر ركن قوي في طريق الحق سبحانه وهو العمدة في هذا الطريق ولا يصل أحد إلى الله سبحانه إلا بدوام الذكر، ثم الذكرُ على ضربين: ذكر باللسان، وذكرٌ بالقلب، فذكر اللسان: به يصل العبد إلى استدامة ذكر القلب، والتأثيرُ لذكر القلب، فإذا كان العبد ذاكراً بلسانه، وقلبه فهو الكامل في وصفه، سمعتُ أبا علي الدقاق يقول: الذكر منشورُ الولاية، فمن وُفِّقَ للذكر فقد وُفِّقَ للمنشور ومن سُلِبَ الذكرَ فقد عُزِلَ، والذكر بالقلب مستدام في عموم الحالات.

وأسند القشيريُّ عن المظفر الجصاص قال: كنت أنا ونصرَ الخراط ليلةً في موضع فتذاكرنا شَيْئاً من العلم فقال الخراط:

الذاكر للَّه تعالى فائدته في أول ذكره: أنْ يعلمَ أنَّ الله ذكَره فبذكر الله له ذِكرُه، قال:

فخالفته، فقال: لو كان الخضرُ هاهنا لشهد لصحته، قال: فإذا نحن بشيخٍ يجيء بين السماء والأرض، حتى بلغ إلينا وقال: صدق الذاكر للَّه بفضل الله، وذكره له ذكرَه، فعلمنا أنه الخضر عَليه السلام، انتهى.

وباقي الآيةِ ضَرْبٌ من التَوعُّدِ وحثٌّ على المراقبةِ، قال البَاجِيُّ في «سنن الصالحين» : / قال بعض العلماء: إن الله عز وجل يقول: «أيّما عبد ٦٣ أاطّلعت عَلَى قَلْبِهِ فَرَأَيْتُ الغَالِبَ عَلَيْهِ التَّمَسُّكَ بِذِكْرِي تَوَلَّيْتُ سِيَاسَتَهُ، وَكُنْتُ جَلِيسَهُ وَمُحَادِثَهُ وَأَنِيسَهُ» .

انتهى.

وقوله تعالى: وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ هذه الآية مَكيةٌ، ولم يكن يومئذٍ قتالٌ، وكانتِ اليهودُ يومئذٍ بمكة وفيما جاورها، فربما وقع بينهم وبين بعض المؤمنين جدالٌ واحتجاجٌ في أمر الدينِ وتكذيب، فأَمر الله المؤمنين ألا يجادلوهم إلا بالتي هي أحسن دعاءً إلى الله تعالى وملاينةً، ثم استثنى من ظلم منهم المؤمنين وحصلت منه أذية فإن هذه الصنيفة استُثْنِيَ لأهل الإسلام معارضَتُهَا بالتغيير عليها،

والخروج معها عن التي هي أحسن.

ثم نُسِخَ هذا بَعْدُ بآية القتال وهذا قول قتادة «١» وهو أحسن ما قيل في تأويل الآية.

ت: قال عزُّ الدين بْنُ عَبْدِ السَّلاَمِ في «اختصاره لقواعد الأحكام» «٢» : فائدة: لا يجوز الجدال والمناظرة إلا لإظهار الحقِّ ونُصْرَتِهِ ليُعْرَفَ ويُعْمَلَ به، فمن جادل لذلك فقد أطاع، ومن جادَلَ لغرضٍ آخر، فقد عصى وخَابَ، ولا خير فيمن يتحيَّلُ لِنُصْرَةِ مذهبه مع ضعفه وبُعْدِ أدلته من الصواب، انتهى.

تنبيه: رَوَى الترمذيُّ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلّم أنه قَالَ: «الحَيَاءُ وَالْعِيُّ: شُعْبَتَانِ مِنَ الإيمَانِ، والبَذَاءُ وَالبَيَانُ شُعْبَتَانِ مِنَ النَّفَاقِ» «٣» .

وروى أبو داود والترمذيّ عن النبيّ صلى الله عليه وسلّم أنه قال: «إنَّ اللهَ يَبْغَضُ البَلِيغَ مِنَ الرِّجَالِ الَّذِي يَتَخَلَّلُ بِلِسَانِهِ كَمَا تَتَخَلَّلُ البَقَرَةُ بلسانها» حديث «٤»

غريب، انتهى وهما في «مصابيح البغوي» .

وروى أبو داودَ عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: «مَنْ تَعَلَّمَ صَرْفَ الكَلاَمِ لِيَسْبِيَ بِه قُلُوبَ الرِّجَالِ، أَوِ النَّاسِ- لَمْ يَقْبَلِ اللهُ مِنْهُ يَوْمَ القِيَامَةِ صَرْفاً وَلاَ عَدْلاً» «١» انتهى.

وقوله تعالى: وَقُولُوا آمَنَّا الآية، قال أبو هريرة: كان أهل الكتاب يقرؤون التوراةَ بالعبرانيةِ ويفسرونها بالعربية للمسلمين، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلّم: «لاَ تُصَدِّقُوا أَهْلَ الْكِتَابِ، وَلاَ تُكَذِّبُوهُمْ «٢» » ، وقُولُوا: آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلهُنا وَإِلهُكُمْ واحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ» وَرَوَى ابنُ مسعود أن النبيّ صلى الله عليه وسلّم قال: «لاَ تَسْأَلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ عَنْ شَيْءٍ، فَإنَّهُمْ لَنْ يَهْدُوْكُمْ وَقَدْ ضَلُّوا: إمَّا أَنْ تُكَذِّبُوا بِحَقٍّ، وإمَّا أَنْ تُصَدِّقُوا بِبَاطِلٍ» «٣» .

وقوله تعالى: فَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يريدُ: التوراة والإنجيل كانوا في وقت نزول الكتاب عليهم يؤمنون بالقرآن.

ثم أخبر عن معاصري نبينا محمد صلى الله عليه وسلّم أن منهم أيضاً مَنْ يؤمن به ولم يكونوا آمنوا بَعْدُ، ففي هذا إخبارٌ بغيب بَيَّنَه الوجودُ بَعْدَ ذلك.

قوله تعالى: وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلَّا الْكافِرُونَ يُشْبِهُ أَن يُرَادَ بهذا الانحناءِ كفارُ قريش.

ثم بيَّن تَعَالى الحجةَ وأوضحَ البرهانَ: أَن مما يقوى أَنَّ نزولَ هذا القرآن مِن عِنْدِ الله أن محمداً- عليه السلام- جاء به في غاية الإعجاز والطُّول والتَّضَمُنِ للغيوب، وغير ذلك؟

وهو أمِّيَّ لا يقرأ ولا يكتب ولا يتلو كتاباً/ ولا يخط حروفاً ولا سبيلَ له إلى ٦٣ ب التعلم، ولو كان ممن يقرأ أو يخط، لارتاب المبطلون، وكان لهم في ارتيابهم مُعَلَّق، وأما ارتيابهُم مع وضوحِ هذهِ الحجةِ فظاهرٌ فساده.

قوله تعالى: بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ يعني: القرآن، ويحتمل أن يعودَ على أمر محمد صلى الله عليه وسلّم والظَّالِمُونَ والْمُبْطِلُونَ يعمّ لفظهما كلّ مكذّب للنبي صلى الله عليه وسلّم، ولكنّ عظم

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ ﴾ أيْ: وكَما أنْزَلَنا الكِتابَ عَلَيْهِمْ ﴿ أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ فالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ﴾ يَعْنِي: مُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ ﴿ وَمِن هَؤُلاءِ ﴾ يَعْنِي أهْلَ مَكَّةَ ﴿ مَن يُؤْمِنُ بِهِ ﴾ وهْمُ الَّذِينَ أسْلَمُوا ﴿ وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إلا الكافِرُونَ ﴾ قالَ قَتادَةُ: إنَّما يَكُونُ الجَحْدُ بَعْدَ المَعْرِفَةِ.

قالَ مُقاتِلٌ: وهُمُ اليَهُودُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما كُنْتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتابٍ ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ.

مَجازُهُ: ما كُنْتَ تَقْرَأُ قَبْلَهُ كِتابًا، و " مِن " زائِدَةٌ.

فَأمّا الهاءُ في " قَبْلِهِ " فَهي عائِدَةٌ إلى القُرْآنِ.

والمَعْنى: ما كُنْتَ قارِئًا قَبْلَ الوَحْيِ ولا كاتِبًا، وهَكَذا كانَتْ صِفَتُهُ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ أنَّهُ أُمِّيٌّ لا يَقْرَأُ ولا يَكْتُبُ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الَّذِي جاءَ بِهِ، مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذًا لارْتابَ المُبْطِلُونَ ﴾ أيْ: لَوْ كُنْتَ قارِئًا كاتِبًا لَشَكَّ اليَهُودُ فِيكَ، ولَقالُوا: لَيْسَتْ هَذِهِ صَفَتُهُ في كِتابِنا.

والمُبْطِلُونَ: الَّذِينَ يَأْتُونَ بِالباطِلِ، وفِيهِمْ ها هُنا قَوْلانِ.

أحَدُهُما: كُفّارُ قُرَيْشٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّانِي: كُفّارُ اليَهُودِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَلْ هو آياتٌ بَيِّناتٌ ﴾ في المَكْنِيِّ عَنْهُ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ النَّبِيُّ مُحَمَّدٌ  ، ثُمَّ في مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّ المَعْنى: بَلْ وُجْدانُ أهْلِ الكِتابِ في كُتُبِهِمْ أنَّ مُحَمَّدًا  لا يَكْتُبُ ولا يَقْرَأُ، وأنَّهُ أُمِّيٌّ، آياتٌ بَيِّناتٌ في صُدُورِهِمْ، وهَذا مَذْهَبُ ابْنِ عَبّاسٍ، والضَّحّاكِ، وابْنِ جُرَيْجٍ.

والثّانِي: أنَّ المَعْنى: بَلْ مُحَمَّدٌ ذُو آياتٍ بَيِّناتٍ في صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ مِن أهْلِ الكِتابِ، لِأنَّهم يَجِدُونَهُ بِنَعْتِهِ وصِفَتِهُ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّانِي: أنَّهُ القُرْآنُ والَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ: المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ حَمَلُوا القُرْآنَ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ  وحَمَلُوهُ بَعْدَهُ.

وإنَّما أُعْطِي الحِفْظَ هَذِهِ الأُمَّةُ، وكانَ مَن قَبْلَهم لا يَقْرَؤُونَ كِتابَهم إلّا نَظَرًا، فَإذا أطْبَقُوهُ لَمْ يَحْفَظُوا ما فِيهِ سِوى الأنْبِياءِ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ.

وَفِي المُرادِ بِالظّالِمِينَ هاهُنا قَوْلانِ.

أحَدُهُما: المُشْرِكُونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: كُفّارُ اليَهُودِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَكَذَلِكَ أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ فالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ومِن هَؤُلاءِ مَن يُؤْمِنُ بِهِ وما يَجْحَدُ بِآياتِنا إلا الكافِرُونَ ﴾ ﴿ وَما كُنْتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتابٍ ولا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إذًا لارْتابَ المُبْطِلُونَ ﴾ ﴿ بَلْ هو آياتٌ بَيِّناتٌ في صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ وما يَجْحَدُ بِآياتِنا إلا الظالِمُونَ ﴾ تَقَدَّمَ القَوْلُ في الآيَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ ما يَتَضَمَّنُ نُزُولَ شَرْعٍ وكِتابٍ مِن عِنْدِ اللهِ عَلى أنْبِياءٍ قَبْلَ مُحَمَّدٍ  ، فَحَسُنَ لِذَلِكَ عَطْفُ " كَذَلِكَ أنْزَلْنا إلَيْك الكِتابَ " عَلى ما في الضِمْنِ، أيْ: وكَإنْزالِنا عَلى مَن تَقَدَّمَكَ أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ، و"الكِتابُ": القُرْآنُ.

وقَوْلُهُ: ﴿ فالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ ﴾ يُرِيدُ التَوْراةَ والإنْجِيلَ، أيْ: فالَّذِينَ كانُوا في عَصْرِ نُزُولِ الكِتابِ وأُوتُوهُ حِينَئِذٍ يُؤْمِنُونَ بِهِ، أيْ: كانُوا مُصَدِّقِينَ بِهَذا الكِتابِ الَّذِي أنْزَلْناهُ إلَيْكَ، فالضَمِيرُ في "بِهِ" عائِدٌ عَلى القُرْآنِ.

ثُمْ أخْبَرَ عن مُعاصِرِي مُحَمَّدٍ  أنَّ مِنهم أيْضًا مَن يُؤْمِنُ بِهِ.

ولَمْ يَكُونُوا آمَنُوا بَعْدُ، فَفي هَذا الإخْبارِ بِغَيْبٍ بَيَّنَهُ الوُجُودُ بَعْدَ ذَلِكَ، ثُمْ أنْحى عَلى الجاحِدِينَ مِن أُمَّةٍ قَدْ آمَنَ سَلَفُها في القَدِيمِ وبَعْضُها في الحَدِيثِ، وحَصَلَ الجاحِدُونَ مِنهم في أحْسَنِ رُتْبَةٍ مِنَ الضَلالِ، ويُشْبِهُ أنْ يُرادَ أيْضًا في هَذا الإنْحاءِ كُفّارُ قُرَيْشٍ مَعَ كُفّارِ بَنِي إسْرائِيلَ.

ثُمْ بَيَّنَ تَعالى الحُجَّةَ عَلى المُبْطِلِينَ المُرْتابِينَ، وأوضَحَ أنَّ مِمّا يُقَوِّي نُزُولَ هَذا القُرْآنِ مِن عِنْدِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى أنَّ مُحَمَّدًا  جاءَ بِهِ في غايَةِ الإعْجازِ والطُولِ والتَضَمُّنِ لِلْغُيُوبِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وهو أُمِّيٌّ لا يَقْرَأُ ولا يَكْتُبُ، ولا يَتْلُو كِتابًا، ولا يَخُطُّ حَرْفًا، ولا سَبِيلَ لَهُ إلى التَعَلُّمْ، فَإنَّهُ لَوْ كانَ مِمَّنْ يَقْرَأُ لارْتابَ المُبْطِلُونَ، ولَكانَ لَهم في ارْتِيابِهِمْ تَعَلُّقٌ، وأمّا ارْتِيابُهم مَعَ وُضُوحِ هَذِهِ الحُجَّةِ فَظاهِرٌ فَسادُهُ.

وقالَ مُجاهِدٌ: كانَ أهْلُ الكِتابِ يَجِدُونَ في كُتُبِهِمْ أنَّ مُحَمَّدًا  لا يَخُطُّ ولا يَقْرَأُ كِتابًا فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وذَكَرَ النِقاشُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ عَنِ الشَعْبِيِّ أنَّهُ قالَ: «ما ماتَ النَبِيُّ  حَتّى كَتَبَ»، وأسْنَدَ أيْضًا حَدِيثًا لِأبِي كَبْشَةَ السَلُولِيِّ، مُضَمِّنُهُ «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ قَرَأ صَحِيفَةً لِعُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ»، وأخْبَرَ بِمَعْناها.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا كُلُّهُ ضَعِيفٌ.

وقَوْلُ الباجِيِّ رَحِمَهُ اللهُ مِنهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَلْ هو آياتٌ بَيِّناتٌ ﴾ إضْرابٌ عن مُقَدَّرٍ مِنَ الكَلامِ يَقْتَضِي ما تَقَدَّمَ، كَأنَّهُ قالَ: "لَيْسَ الأمْرُ كَما حَسِبُوا، بَلْ هو..."، وهَذا الضَمِيرُ يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى القُرْآنِ، ويُؤَيِّدُهُ أنَّ في قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "بَلْ هي آياتٌ"، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودُ عَلى مُحَمَّدٍ -  ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ مَن قَرَأ: "بَلْ هو آيَةٌ بَيِّنَةٌ" عَلى الإفْرادِ، وقالَ: المُرادُ النَبِيُّ  ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى أمْرِ مُحَمَّدٍ  أنَّهُ لَمْ يَتْلُ ولا خَطَّ، وبِكُلِّ احْتِمالٍ قالَتْ فِرْقَةٌ، وكَوْنُ هَذا كُلُّهُ آياتٌ -أيْ عَلاماتٌ في صُدُورِ العُلَماءِ مِنَ المُؤْمِنِينَ في أمْرِ مُحَمَّدٍ  - يُرادُ بِهِ مَعَ النَظَرِ والِاعْتِبارِ.

و"الظالِمُونَ" و"المُبْطِلُونَ" قِيلَ: يَعُمْ لَفْظَهُما كُلُّ مُكَذِّبٍ بِمُحَمَّدٍ  ، ولَكِنْ مُعْظَمُ الإشارَةِ بِهِما إلى قُرَيْشٍ لِأنَّهُمُ الأهَمُّ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

وقالَ قَتادَةُ: "المُبْطِلُونَ": اليَهُودُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

هذا عود إلى مجادلة المشركين في إثبات أن القرآن منزل من الله على رسوله صلى الله عليه وسلم فالمعنى: ومثلَ ذلك التنزيل البديع أنزلنا إليك الكتاب، فهو بديع في فصاحته، وشرف معانيه، وعذوبة تراكيبه، وارتفاعه على كل كلام من كلام البلغاء، وفي تنجيمه، وغير ذلك.

وقد تقدم بيان مثل هذه الإشارة عند قوله تعالى: ﴿ وكذلك جعلناكم أمة وسَطاً ﴾ في سورة [البقرة: 143].

وقد تفرع على بداعة تنزيله الإخبارُ بأن الذين علمهم الله الكتاب يؤمنون به أي يصدقون أنه من عند الله لأنهم أدرى بأساليب الكتب المنزَّلة على الرسل والأنبياء وأعلم بسمات الرسل وشمائلهم.

وإنما قال: فالذين ءاتيناهم الكتاب } دون أن يقول: فأهل الكتاب، لأن في ﴿ آتيناهم الكتاب ﴾ تذكيراً لهم بأنهم أمناء عليه كما قال تعالى: ﴿ بما استحفظوا من كتاب الله ﴾ [المائدة: 44].

وجيء بصيغة المضارع للدلالة على أنه سيقع في المستقبل أو للدلالة على تجدد إيمان هذا الفريق به، أي إيمان من آمن منهم مستمرّ يزداد عدد المؤمنين يوماً فيوماً.

والإشارة ب ﴿ هؤلاء ﴾ إلى أهل مكة بتنزيلهم منزلة الحاضرين عند نزول الآية لأنهم حاضرون في الذهن بكثرة ممارسة أحوالهم وجدالهم.

وهكذا اصطلاح القرآن حيث يذكر ﴿ هؤلاء ﴾ بدون سبق ما يصلح للإشارة إليه، وهذا قد ألهمني الله إليه، وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ فإن يكفر بها هؤلاء ﴾ في سورة [الأنعام: 89].

والمعنى: ومن مشركي أهل مكة من يؤمن به، أي بأن القرآن منزل من الله، وهؤلاء هم الذين أسلموا والذين يسلمون من بعد، ومنهم من يؤمن به في باطنه ولا يظهر ذلك عناداً وكِبراً مثل الوليد بن المغيرة.

وقد أشار قوله تعالى: وما يجحد بآياتنا إلاّ الكافرون } إلى أن من هؤلاء الذين يؤمنون بالقرآن من أهل الكتاب وأهل مكة من يكتم إيمانه جحوداً منهم لأجل تصلبهم في الكفر.

فالتعريف في ﴿ الكافرون ﴾ للدلالة على معنى الكمال في الوصف المعرّف، أي إلا المتوغلون في الكفر الراسخون فيه، ليظهر وجه الاختلاف بين ﴿ ما يجحد ﴾ وبين ﴿ الكافرون ﴾ إذ لولا الدلالة على معنى الكمال لصار معنى الكلام: وما يجحد إلا الجاحدون.

وعبر عن ﴿ الكتاب ﴾ ب (الآيات) لأنه آيات دالة على أنه من عند الله بسبب إعجازه وتحدّيه وعجز المعاندين عن الإتيان بسورة مثله.

وهذا يتوجه ابتداء إلى المشركين لأن جحودهم واقع، وفيه تهيئة لتوجهه إلى من عسى أن يجحد به من أهل الكتاب من دون أن يواجههم بأنهم كافرون لأنه لم يعرف منهم ذلك الآن فإن فعلوه فقد أوجبوا ذلك على أنفسهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما كُنْتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتابٍ ولا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ ﴿ وَما كُنْتَ تَتْلُو مِن ﴾ قَبْلِ القُرْآنِ كِتابًا مِن كُتُبِ اللَّهِ المُنَزَّلَةِ ولا تَخُطُّهُ أيْ تَكْتُبُهُ بِيَمِينِكَ فَتَعْلَمُ ما أنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ حَتّى يَشُكُّوا في إخْبارِكَ عَنْهُ إنَّهُ مِن وحْيِ اللَّهِ سُبْحانَهُ إلَيْكَ وهو مَعْنى قَوْلِ يَحْيى بْنِ سَلّامٍ.

الثّانِي: أنَّهُ كانَ أهْلُ الكِتابِ يَجِدُونَهُ في كُتُبِهِمْ أنَّ مُحَمَّدًا لا يَخُطُّ بِيَمِينِهِ ولا يَقْرَأُ كِتابًا فَنَزَلَ ذَلِكَ فِيهِمْ لِيَدُلَّهم عَلى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ، وهو مَعْنى قَوْلِ مُجاهِدٍ.

﴿ إذًا لارْتابَ المُبْطِلُونَ ﴾ فِيهِمْ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهم مُشْرِكُو قُرَيْشٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: مُشْرِكُو العَرَبِ أنْ يَقُولُوا لَوْ كانَ يَقْرَأُ قَدْ تَعَلَّمَهُ مِن غَيْرِهِ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّالِثُ: أنَّهُمُ المُكَذِّبُونَ مِنَ اليَهُودِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَلْ هو آياتٌ بَيِّناتٌ في صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ النَّبِيُّ  في كَوْنِهِ أُمِّيًّا لا يَكْتُبُ ولا يَقْرَأُ ﴿ آياتٌ بَيِّناتٌ في صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ ﴾ مِن أهْلِ الكِتابِ لِأنَّهُ مَنعُوتٌ في كُتُبِهِمْ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّانِي: أنَّهُ القُرْآنُ ﴿ آياتٌ بَيِّناتٌ في صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ ﴾ وهُمُ النَّبِيُّ  والمُؤْمِنُونَ بِهِ، قالَهُ الحَسَنُ.

قالَ الحَسَنُ: أُعْطِيَتْ هَذِهِ الأُمَّةُ الحِفْظَ وكانَ مِن قَبْلِها لا يَقْرَأُونَ كِتابَهم إلّا نَظَرًا فَإذا طَبَّقُوهُ لَمْ يَحْفَظُوا ما فِيهِ إلّا النَّبِيِّينَ.

وَقالَ كَعْبٌ في صِفَةِ هَذِهِ الأُمَّةِ: إنَّهم حُلَماءُ عُلَماءُ كَأنَّهم في الفِقْهِ أنْبِياءُ.

﴿ وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إلا الظّالِمُونَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المُشْرِكُونَ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج الفريابي وابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿ ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم ﴾ قال: الذين قالوا: مع الله إله أو له ولد أو له شريك، أو يد الله مغلولة، أو الله فقير ونحن أغنياء، أو آذى محمداً صلى الله عليه وسلم وهم أهل الكتاب.

وفي قوله: ﴿ وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم ﴾ قال: لمن يقول هذا منهم.

يعني من لم يقل مع الله إله، أو له ولد، أو له شريك، أو يد الله مغلولة، أو الله فقيراً، وآذى محمداً صلى الله عليه وسلم.

وأخرج الفريابي وابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿ ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن ﴾ قال: إن قالوا شراً فقولوا خيراً ﴿ إلا الذين ظلموا منهم ﴾ فانتصروا منهم.

وأخرج الفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم ﴾ قال: لا تقاتلوا إلا من قاتل ولم يعط الجزية، ومن أدى منهم الجزية فلا تقولوا لهم إلا حسناً.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن ﴾ قال: بلا إله إلا الله.

وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان بن حسين في الآية قال: ﴿ بالتي هي أحسن ﴾ قولوا ﴿ آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون ﴾ فهذه مجادلتهم بالتي هي أحسن.

وأخرج أبو داود في ناسخه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف عن قتادة ﴿ ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن ﴾ قال: نهى عن مجادلتهم في هذه الآية.

ثم نسخ ذلك فقال: ﴿ قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر...

﴾ ولا مجادلة أشد من السيف.

وأخرج البخاري والنسائي وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان أهل الكتاب يقرأون التوراة بالعبرانية، ويفسرونها بالعربية لأهل الإِسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، وقولوا ﴿ آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون ﴾ » .

وأخرج عبد الرزاق والفريابي وابن جرير عن عطاء بن يسار رضي الله عنه قال: كانت اليهود يحدثون أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فيسبحون كأنهم يعجبون، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تصدقوهم ولا تكذبوهم، وقولوا ﴿ آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون ﴾ » .

وأخرج عبد الرزاق في المصنف وابن سعد وأحمد والبيهقي في سننه عن أبي نملة الأنصاري رضي الله عنه أن رجلاً من اليهود قال لجنازة: أنا أشهد أنها تتكلم.

فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم «إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم، وقولوا: آمنا بالله وكتبه ورسله، فإن كان حقاً لم تكذبوهم، وإن كان باطلاً لم تصدقوهم» .

وأخرج البيهقي في سننه وفي الشعب والديلمي وأبو نصر السجزي في الابانة عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تسألوا هل الكتاب عن شيء فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا، إما أن تصدقوا بباطل أو تكذبوا بحق، والله لو كان موسى حياً بين أظهركم ما حل له إلا أن يتبعني» .

وأخرج عبد الرزاق عن زيد بن أسلم قال: بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا أنفسهم» .

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا، لتكذبوا بحق وتصدقوا بباطل.

فإن كنتم سائليهم لا محالة فانظروا ما واطأ كتاب الله فخذوه، وما خالف كتاب الله فدعوه.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

وقوله: ﴿ وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ ﴾ أي: وكما أنزلنا الكتاب عليهم أنزلنا عليك الكتاب ﴿ فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ﴾ يعني مؤمني أهل الكتاب (١) ﴿ وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ ﴾ يعني مسلمي أهل مكة (٢) ﴿ فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ﴾ يعني: كانوا قبل عصر النبي -  - من اليهود والنصارى كانوا مؤمنين بمحمد -  - ﴿ وَمِنْ هَؤُلَاءِ ﴾ يعني: الذين محمد بين أظهرهم، من أهل الكتاب ﴿ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ ﴾ وهم مؤمنو أهل الكتاب (٣) (٤) ثم قال: ﴿ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا ﴾ أي: بعد المعرفة (٥) ﴿ إِلَّا الْكَافِرُونَ ﴾ من اليهود، وذلك أنهم عرفوا أن محمدًا نبي، والقرآنَ حق (٦) (١) "تفسير الثعلبي" 8/ 161 ب، وزاد: عبد الله بن سلام، وأصحابه.

(٢) "معاني القرآن" للفراء 2/ 317.

و"تفسير الثعلبي" 8/ 161 ب.

(٣) تفسير ابن جرير 21/ 4، بمعناه.

(٤) وهو قول مقاتل، "تفسير مقاتل" 74 أ.

(٥) أخرج ابن جرير 21/ 4، وابن أبي حاتم 9/ 3070، عن قتادة.

وذكره عنه الثعلبي 8/ 161 ب.

(٦) "تفسير مقاتل" 74 أ.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ الكتاب ﴾ أي كما أنزلنا الكتاب على من قبلك أنزلناه عليك ﴿ فالذين آتَيْنَاهُمُ الكتاب ﴾ يعني عبد الله بن سلام وأمثاله، ممن أسلم من اليهود والنصارى ﴿ وَمِنْ هؤلاء مَن يُؤْمِنُ بِهِ ﴾ أراد بالذين أوتوا الكتاب أهل التوراة والإنجيل، وأراد بقوله: ﴿ وَمِنْ هؤلاء مَن يُؤْمِنُ بِهِ ﴾ كفار قريش، وقيل: أراد بالذين أوتوا الكتاب المتقدّمين من أهل التوراة والإنجيل، وأراد بهؤلاء المعاصرين لمحمد صلى الله عليه وسلم منهم كعب الله بن سلام.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ما يدعون ﴾ بياء الغيبة: أبو عمرو وسهل ويعقوب وعاصم غير الأعشى والبرجمي.

الباقون: بتاء الخطاب ﴿ آية ﴾ على التوحيد: ابن كثير وعاصم سوى حفص والمفضل وحمزة وعلي غير قتيبة وخلف لنفسه.

﴿ ويقول ﴾ بالياء: نافع وعاصم وحمزة وعلي وخلف.

الباقون: بالنون ﴿ يا عبادي الذين ﴾ بسكون الياء: أبو عمرو وسهل ويعقوب وحمزة وعلي وخلف.

الباقون: بفتح الياء والوقف للجميع بالياء لا غير ﴿ ارضي ﴾ بفتح الياء ابن عامر ﴿ يرجعون ﴾ بضم الياء التحتانية وفتح الجيم: يحيى وهشام ﴿ ترجعون ﴾ بفتح التاء الفوقانية وكسر الجيم.

الباقون: بضم التاء الفوقانية وفتح الجيم ﴿ لنثوينهم ﴾ بسكون الثاء المثلثة: حمزة وعلي وخلف.

والآخرون: بفتح الياء التحتانية الموحدة.

وتشديد الواو ﴿ وليتمتعوا ﴾ بسكون اللام: ابن كثير وقالون وحمزة وعلي وخلف ﴿ سبلنا ﴾ بسكون الباء: أبو عمرو.

الوقوف: ﴿ من شيء ﴾ ط ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ للناس ﴾ ط لاختلاف الجملتين والعدول عن العموم إلى الخصوص ﴿ العالمون ﴾ ه ﴿ بالحق ﴾ ه ﴿ للمؤمنين ﴾ ه ﴿ الصلاة ﴾ ط ﴿ والمنكر ﴾ ط ﴿ أكبر ﴾ ط ﴿ ما تصنعون ﴾ ه ﴿ مسلمون ﴾ ه ﴿ إليك الكتاب ﴾ ط ﴿ يؤمنون به ﴾ ج فصلاً بين حال الفريقين مع اتفاق الجملتين ﴿ يؤمن به ﴾ ط ﴿ الكافرون ﴾ ه ﴿ المبطلون ﴾ ه ﴿ العلم ﴾ ط ﴿ الظالمون ﴾ ه ﴿ من ربه ﴾ ط ﴿ عند الله ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ عليهم ﴾ ط ﴿ يؤمنون ﴾ ه ﴿ شهيداً ﴾ ج لأن ما بعده يصلح وصفاً واستئنافاً ﴿ والأرض ﴾ ﴿ بالله ﴾ لا لأن ما بعده خبر ﴿ الخاسرون ﴾ ه ﴿ بالعذاب ﴾ ط ﴿ العذاب ﴾ ط ﴿ لا يشعرون ﴾ ه ﴿ بالعذاب ﴾ ط ﴿ بالكافرين ﴾ ه لا لأن ﴿ يوم ﴾ ظرف ﴿ المحيطة ﴾ ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ فاعبدون ﴾ ط ﴿ ترجعون ﴾ ه ﴿ خالدين فيها ﴾ ط ﴿ العاملين ﴾ قف بناء على أن التقدير هم الذين أو أعني الذين ﴿ يتوكلون ﴾ ه ﴿ رزقها ﴾ ق قد قيل: والوصل أولى لأنه وصف آخر لدابة ﴿ وإياكم ﴾ ج لاحتمال الاستئناف والوصل أولى ليكون حالاً متمماً للمعنى ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ ليقولن الله ﴾ لا للاستفهام مع الفاء ﴿ يؤفكون ﴾ ه ﴿ ويقدر له ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ ليقولن الله ﴾ ط ﴿ الحمد لله ﴾ ط لتمام المقول ﴿ لا يعقلون ﴾ ه ﴿ ولعب ﴾ ط ﴿ الحيوان ﴾ ط لأن الشرط غير معلق ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ الذين ﴾ ه ﴿ يشركون ﴾ لا لتعلق لام كي ومن جعلها لام أمر تهديد وقف عليه ﴿ آتيناهم ﴾ ط لمن قرأ ﴿ وليتمتعوا ﴾ بالجزم على استئناف الأمر، ومن جعل لام ﴿ ليكفروا ﴾ للأمر عطف هذه عليها فلم يقف ﴿ وليتمتعوا ﴾ لا لاستئناف التهديد ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ من حولهم ﴾ ط ﴿ يكفرون ﴾ ه ﴿ جاءه ﴾ ط ﴿ الكافرين ﴾ ه ﴿ سبلنا ﴾ ط ﴿ المحسنين ﴾ ه.

التفسير: هذا توكيد للمثل المذكور وزيادة عليه حيث لم يجعل ما يدعونه شيئاً هذا على تقدير كون "ما" نافية و"من" زائدة، ويجوز أن تكون استفهاماً نصباً بـ ﴿ يدعون ﴾ أو بمعنى الذي و "من" للتبيين المراد ما يدعون من دونه من شيء فإن الله يعلمه.

وهو العزيز الحكيم قادر على إعدامه وإهلاكهم لكنه حكيم يمهلهم ليكون الهلاك عن بينة والحياة عن بينة.

وفيه ايضاً تجهيل لهم حيث عبدوا ما هو أقل من لا شيء وتركوا عبادة القاهر القادر الحكيم.

ثم إن الجهلة من قريش كانوا يسخرون من ضرب المثل بالذباب والعنكبوت ونحوهما فنزلت ﴿ وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون ﴾ وذلك لأن الأمثال والتشبيهات وسائل إلى المعاني المحتجبة في الأستار كما سبق في أول البقرة، حيث ضرب المثل بالبعوضة.

قال الحكيم: العلم الحدسي يعرفه العاقل، وأما إذا كان فكرياً دقيقاً فإنه لا يعقله إلا العالم لافتقاره إلى مقدمات سابقة.

والمثل مما يفتقر في إدراك صحته وحسن موقعه إلى أمور سابقة ولاحقة يعرف بها تناسب مورده ومضربه وفائدة إيراده فلا يعقل صحتها إلا العلماء.

وحين أمر الخلق بالإيمان وأظهر الحق بالبرهان وقص قصصاً فيها عبر، وأنذر أهل الكفر بإهلاك من غبر ووصف سبيل أهل الاباطيل بالتمثيل، قوى قلوب أهل الإيمان بأن كفرهم ينبغي أن لا يورث شكاً في صحة دينكم، وشكهم يجب أن لا يؤثر في رد يقينكم، ففي خلق السموات والأرض بالحق بيان ظاهر وبرهان باهر وإن لم يؤمن به على وجه الأرض كافر.

وإنما قال ههنا ﴿ لآية للمؤمنين ﴾ مع قوله ﴿ ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض...

ليقولن الله ﴾ وقوله ﴿ إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار  ﴾ إلى قوله ﴿ لآيات لقوم يعقلون  ﴾ لأن المؤمن لا يقصر نظره من الخلق على معرفة الخالق فحسب ولكنه يرتقي منه إلى نعوت الكمال والجلال فيعرف أنه خلقهما متقناً محكماً وهو المراد بقوله ﴿ بالحق ﴾ والخلق المتقن المحكم لا يصدر إلا عن العالم بالكليات والجزئيات، وإلا عن الواجب الواحد الذات والصفات كقوله ﴿ لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا  ﴾ ثم يرتقي من مجموع هذه المقدمات إلى صحة الرسالة وحقيقة المعاد فيحصل له الإيمان بتمامه من خلق ما خلقه على أحسن نظامة.

وإنما وحد الآية ههنا لأنه إشارة إلى التوحيد وهو  واحد لا شريك له.

وفي قصة إبراهيم إشارة إلى النبوة وفي النبيين  كثرة.

وحيث قوى قلب المؤمنين بالتخصيص المذكور سلى رسول الله  بقوله ﴿ اتل ما أوحي إليك من الكتاب ﴾ لتعلم أن نوحاً ولوطاً وغيرهما بلغوا الرسالة وبالغوا في إقامة الدلالة، ولم ينقذوا قومهم من الضلالة والجهالة، ولهذا قال ﴿ اتل ﴾ ولم يقل "اتل عليهم" لأن التلاوة بعد اليأس منهم ما كانت إلا لتسلية قلب النبي  .

أو نقول: إن الكاتب الإلهي قانون كلي فيه شفاء للصدور فيجب تلاوته مرة بعد أخرى ليبلغ إلى حد التواتر وينقله قرن إلى قرن ويأخذه قوم من قوم إلى يوم النشور.

وأيضاً فيه من العبر والمواعظ ما يهش لها الأسماع وتطمئن إليها القلوب كالمسك يفوح لحظة فلحظة، وكالروض يستلذه النظر ساعة فساعة.

وفي الجمع بين الأمرين التلاوة وأقامة الصلاة معنيان: أحدهما زيادة تسلية النبي  كأنه قيل له: إذا تلوت ولم يقبل منك فأقبل على الصلاة لأنك وساطة بين الطرفين، فإن لم يتصل الطرف الأول وهو من الخالق إلى المخلوق، فليتصل الطرف الآخر وهو من المخلوق إلى الخالق.

والثاني أن العبادات إما اعتقادية وهي لا تتكرر بل تبقى مستمراً عليها.

وإما لسانية، وإما بدنية خارجية وافضلها الصلاة، فأمر بتكرار الذكر والصلاة حيازة للفضيلتين ثم علل الأمر بإقامة الصلاة فقال ﴿ إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ﴾ فقال بعض المفسرين: اراد بالصلاة القرآن وفيه النهي عنهما وهو بعيد وقيل: أراد نفس الصلاة وإنما تنهى عنهما ما دام العبد في الصلاة، وضعف بأنه ليس مدحاً كاملاً لأن غيرها من الأعمال الفاضلة والمباحة قد يكون كذلك كالنوم وغيره.

والذي عليه المحققون أن للصلاة لطفاً في ترك المعاصي فكأنها ناهية عنها وذلك إذا كانت الشروط من الخشوع وغيره مرعية.

فقد روي عن ابن عباس: "من لم تأمره صلاته بالمعروف ولم تنهه عن المنكر لم يزدد بصلاته من الله إلا بعداً" .

"وروي أن رسول الله  قيل له: إن فلاناً يصلي بالنهار ويسرق بالليل.

فقال: إن صلاته لتردعه" "وروي أن فتى من الأنصار كان يصلي معه الصلاة ثم يرتكب الفواحش، فوصف ذلك للنبي  فقال: إن صلاته ستنهاه، فلم يلبث أن تاب" .

وعلى كل حال فالمراعي لأوقات الصلاة لا بد أن يكون أبعد من القبائح.

واللفظ لا يقتضي إلا هذا القدر وكيف لا تنهى ونحن نرى أن من لبس ثوباً فاخراً فإنه يتجنب مباشرة القاذورات، فمن لبس لباس القتوى كيف لا يتجنب الفواحش.

وإيضاً الصلاة توجب القرب من الله  كما قال ﴿ واسجد واقترب  ﴾ ومقرِّب الملك المجازي يجل منصبه أن يتعاطى الشغال الخسيسة فكيف يكون مقرب الملك الحقيقي؟

وأيضاً من دخل في خدمة الملك فأعطاه منصباً له مقام خاص مرتفع فإذا دخل وجلس في صف النعال لم يتركه الملك هنالك، فإذا صار العبد برعاية شروط الصلاة وحقوقها من أصحاب اليمين فكيف يتركه الله الكريم في أصحاب الشمال؟

وتفسير الفحشاء والمنكر مذكور مراراً، وقال أهل التحقيق: الفحشاء التعطيل وهو إنكار وجود الصانع، والمنكر الإشراك به وهو إثبات إله غير الله وذلك أن وجود الواجب الواحد أظهر من الشمس وإنكار الظاهر منكر ظاهر.

واعلم أن الصلاة لها هيئة فأولها وقوف بين يدي الله كوقوف العبد بين يدي السلطان، وآخرها جثو بين يدي الله كما يجثو أهل الإخلاص بين يدي السلطان.

وإذا جثا في الدنيا هكذا لم يجث في الآخرة كما قال ﴿ ونذر الظالمين فيها جثياً  ﴾ فالمصلي إذا قال "الله" نفى التعطيل وإذا قال "أكبر" نفى الشرك لأن الشريك لا يكون أكبر من الشريك الآخر فيما فيه الاشتراك، وإذا قال ﴿ بسم الله ﴾ نفى التعطيل، وإذا قال ﴿ الرحمن الرحيم ﴾ نفى الإشراك لأن الرحمن هو المعطي للوجود بالخلق والرحيم هو المفيض للبقاء بالرزق، وهكذا ﴿ الحمد لله ﴾ خلاف التعطيل، وقوله ﴿ رب العالمين ﴾ خلاف التشريك وفي قوله ﴿ إياك نعبد ﴾ نفي التعطيل والإشراك من حيث إفادة التقديم الاختصاص بالعبادة، وكذا قوله ﴿ وإياك نستعين ﴾ وفي قوله ﴿ اهدنا الصراط ﴾ نفى التعطيل لأن المعطل لا مقصد له.

وفي قوله ﴿ المستقيم ﴾ نفى الإشراك لأن المستقيم أقرب الطرق وهو أحد، والمشرك يزيد في الطريق بتحصيل الوسائط.

وعلى هذا إلى آخر الصلاة وهو قوله في التشهد "أشهد أن لا إله إلا الله" نفى التعطيل والإشراك، فأول الصلاة "الله" وآخرها "الله".

ثم إن الله  كأنه قال للعبد: أنت إنما وصلت إلى هذه المنزلة الرفيعة بهداية محمد  ، فقل بعد ذكري: أشهد أن محمدا رسول الله، واذكر إحسانه بالصلاة عليه.

ثم إذا رجعت من معراجك وانتهيت إلى إخوانك فسلم عليهم وبلغه سلامي كما هو دأب المسافرين ﴿ ولذكر الله ﴾ أي الصلاة ﴿ أكبر ﴾ من غيرها من الطاعات.

وفي تسمية الصلاة بالذكر إشارة إلى أن شرف الصلاة بالذكر.

وجوز في الكشاف أن يراد ولذكر الله عند الفحشاء والمنكر وذكر نهيه عنهما ووعيده عليهما أكبر فكان أولى بأن ينهى من اللطف الذي في الصلاة.

وعن ابن عباس: ولذكر الله إياكم برحمته أكبر من ذكركم إياه بالطاعة.

﴿ والله يعلم ما تصنعون ﴾ من الأعمال فيثيبكم أو يعاقبكم على حسب ذلك.

وحين بين طريقة إرشاد المسلمين ونفع من انتفع واليأس ممن امتنع، أراد ان يبين طريقة إرشاد أهل الكتاب وهي مجادلتهم بالخصلة التي هي أحسن، يعني مقابلة الخشونة باللين والغضب بالحلم والعجلة بالتأني.

قال بعض المفسرين: أراد لا تجادلهم بالسيف وإن لم يؤمنوا إلا إذا ظلموا فنبذوا الذمة أو منعوا الجزية.

وقيل: إلاّ الذين اشركوا منهم بإثبات الولد لله والقول بثالث ثلاثة وقيل: إلا الذين آذوا رسول الله.

والتحقيق أن أكثر أهل الكتاب جاؤا بكل حسن إلا الاعتراف بمحمد  فوحدوا وآمنوا بإنزال الكتب وإرسال الرسل والمبدأ والمعاد، فلمقابلة إحسانهم يجادلون أولاً بالأحسن، ولا تستهجن آراؤهم ولا ينسب إلى الضلال آباؤهم بل يقال لهم ﴿ آمنا بالذي أنزل إلينا ﴾ إلى آخر الاية.

وعن النبي  "ما حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم وقولوا آمنا بالله وكتبه ورسله، فإن كان باطلاً لم تصدقوهم، وإن كان حقاً لم تكذبوهم" .

ثم ذكر دليلاً قياسياً فقال ﴿ وكذلك ﴾ يعني كما أنزلنا على من تقدمك أنزلنا عليك وقال جار الله: هو تحقيق لقوله ﴿ آمنا بالذي أنزل إلينا ﴾ اي ومثل ذلك الإنزال أنزلناه مصدقاً لسائر الكتب السماوية.

﴿ فالذين آتيناهم الكتاب ﴾ هم عبد الله بن سلام وأضرابه ﴿ ومن هؤلاء ﴾ اي من اهل مكة أو الأولون هم الأقدمون من أهل الكتاب، والآخرون هم المعاصرون منهم للنبي  وقيل: الأولون هم الأنبياء لأن كلهم آمنوا بكلهم ومن هؤلاء هم أهل الكتاب ﴿ وما يجحد بآياتنا ﴾ مع وضوحها إلا المصرون على الكفر المتوغلون فيه نحو كعب الأشرف وأصحابه.

واعلم أن المجادل إذا ذكر مسألة خلافية كقوله: الزكاة تجب في مال الصغير.

فإذا قيل له: لم؟

قال: كما تجب النفقة في ماله ولا يذكر الجامع بينهما.

فإن فهم الجامع من نفسه فذاك، وإلا قيل له: لأن كليهما مال فضل عن الحاجة.

فالله  ذكر أولاً التمسك بقوله ﴿ وكذلك أنزلنا ﴾ ثم ذكر الجامع بقوله ﴿ وما كنت تتلو ﴾ الآية.

وفي قوله ﴿ بيمينك ﴾ زيادة تصوير لما نفى عنه من كونه كاتباً.

ومعنى ﴿ إذا لارتاب ﴾ لو كان شيء من ذلك أي من التلاوة والخط لارتاب ﴿ المبطلون ﴾ من أهل الكتاب، وارتاب الذين من شأنهم الركون إلى الأباطيل، لأن النبي إذا كان قارئاً كاتباً أمكن أن يسبق إلى الوهم أن الكلام كلامه لا كلام الله، وإذا كان أمياً فلا مجال لهذا الوهم.

أو المراد أن سائر الأنبياء لم يكونوا أميين ووجب الإيمان بهم لمكان معجزتهم فهبوا أنه قارئ كاتب اليس صاحب آيات ومعجزات فإذا هم مبطلون على كل حال.

ثم أكد إزالة ريبهم بقوله ﴿ بل هو ﴾ يعني القرآن ﴿ آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم ﴾ وهو الحفاظ والقراء وسائر الكتب السماوية، ما كانت تقرأ إلا من القراطيس ولهذا جاء في صفة هذه الأمة "صدورهم أناجيلهم" ﴿ وما يجحد بآياتنا ﴾ الباهرة النيرة إلا المتوغلون في الظلم.

سماهم أولاً كافرين لأجل مجرد الجحود، ثم بعد بيان المعجزة سماهم ظالين لأن الكفر إذا انضم معه الظلم كان أشنع.

ويجوز أن يراد بالظلم الشرك كأنهم بغولهم في الجحود ألحقوا بأهل الشرك حكماً أو حقيقة.

ولما بين الدليل من جانب النبي  ذكر شبهتهم وهي الفرق بين المقيس والمقيس عليه، وذلك أن موسى أوتي تسع آيات علم بها كون الكتاب من عند الله وأنت ما أوتيت شيئاً منها فأرشد الله نبيه إلى الجواب وهو أن يقول ﴿ إنما الآيات عند الله ﴾ ووجههأنه ليس من شرط الرسالة إظهار المعجزة وإنما المعجزة بعد التوقف في الرسالة، ولهذا علم وجود رسل كشيث وادريس وشعيب، ولم يعلم لهم معجزة وكان في بني إسرائيل أنبياء لم تعرف نبوتهم إلا بقول موسى أو غيره، فليس على النبي إلا النذارة.

وأما إنزال الآية فإلى رحمة الله إذا شاء تخليص القوم من تصديق المتنبئ وتكذيب النبي.

ثم قال ﴿ أولم يكفهم ﴾ الآية.

والمعنى هبوا أن إنزال الآية شرط أليس القرآن المتلو الذي أخرس شقاشق فصائحهم كافياً في بيان الإعجاز؟

﴿ إن في ذلك ﴾ المتلو على وجه الأرضين ﴿ لرحمة ﴾ من الله على الخلق وإلا اشتبه عليهم النبي بالمتنبئ ﴿ وذكرى ﴾ ليتعظ بها الناس ما بقي الزمان.

وإنما كانت هذه الرحمة من الله على الخلق والتذكرة مختصة بالمؤمنين، لأن المعجزة للكافرين سبب لمزيد الإنكار المستلزم لإلزام الحجة والخلود في النار، ثم ختم الدلائل بأن أمر نبيه  بكلام منصف وهو قوله ﴿ كفى بالله بيني وبينكم شهيداً ﴾ وقال في آخر سورة الرعد ﴿ قل كفى بالله شهيداً بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب  ﴾ لأن الكلام هناك مع المشركين فاستشهد عليهم بأهل الكتاب أيضاً وأما هنا فالكلام مع أهل الكتاب فاقتصر على شهادة الله، ثم بين كون شهادة الله كافية بقوله ﴿ يعلم ما في السموات والأرض ﴾ ثم هددهم بقوله ﴿ والذين آمنوا بالباطل وكفروا بالله ﴾ وهما متلازمان لأن الإيمان بما سوى الله وهو الباطل الهالك الزائل الزاهق كفر بالله وجحود بحقه.

﴿ أولئك هم الخاسرون ﴾ لا يستحق لهذا الاسم في الحقيقة غيرهم إذ لا غبن افحش من اشتراء الباطل بالحق والكفر بالإيمان وإضاعة العمر في ما عبادة مالا ينفعهم بل يضرهم قيل: إن ناساً من المسلمين أتوا رسول الله  بكتف قد كتبوا فيها بعض ما يقول اليهود، فلما نظر إليها ألقاها وقال: كفى بها حماقة قوم ان يرغبوا عما جاءهم به نبيهم إلى ما جاء به غير نبيهم فنزلت ﴿ أولم يكفهم ﴾ الآية.

ويروى أن كعب بن الأشرف وأصحابه قالوا: يا محمد من يشهد لك بأنك رسو الله؟

فنزلت ﴿ قل كفى ﴾ الآية.

فعلى هذا فالآية نازلة في المشركين، وعلى ا مر فهل يتناول أهل الكتاب؟

قالوا: نعم، لأنه صح عندهم معجزة محمد  وقطعوا بأنها ليست من عند الله بل من تلقاء محمد  فيلزمهم أن يقولوا: إن محمداً هو الله فيكون إيماناً بالباطل وكفراً بالله.

قلت: ولعل وجه التناول هو أنهم آمنوا بالمحرف من التوراة وعبدوا العجل والله أعلم.

ثم إن النضر بن الحرث وغيره من كفار قريش كانوا يستعجلون بالعذاب كما مر استهزاء منهم وتكذيباً فنزلت ﴿ ويستعجلونك بالعذاب ولولا أجل مسمى ﴾ هو الموت أو يوم بدر أو ما كتب في اللوح أنه لا يعذب هذه الأمة عذاب الاستئصال إلى يوم القيامة.

وقوله ﴿ وهم لايشعرون ﴾ تأكيد للبغتة، أو هو كلام مستقل أي إنهم لا يشعرون هذا الأمر ويظنون أن العذاب لا يأتيهم اصلاً.

ثم كرر قوله ﴿ يستعجلونك بالعذاب ﴾ تعجباً منهم وتعجيباً، فإن من توعد بأمر يسير كلطمة أو لكمة يحتمل أن يظهر من نفسه الجلادة ويقول: هات ما عندك.

وأما الذي توعد بإحراق ونحوه فكيف يتجلد ويستعجل خصوصاً إذا كان الموعد لا يخلف الميعاد ويقدر على كل ما اراد.

وقوله ﴿ لمحيطة ﴾ بمعنى الاستقبال أي ستحبط بهم يوم كذا ويجوز أن يكون بمعنى الحال حقيقة لأن المعاصي التي توجبها محيطة بهم في الدنيا، أو مجازاً لأن جهنم مآلهم ومرجعهم فكأنها الساعة محيطة بهم.

والظرف على هذين الوجهين منصوب بمضمر اي ﴿ يوم يغشاهم العذاب ﴾ كان كيت وكيت.

وإنما خص الغشيان بالفوق والتحت دون باقي الجهات، لأن نار جهنم بذلك تتميز عن نار الدنيا لأن نار الدنيا، لا تنزل من فوق ولا تؤثر شعلتها من تحت بل تنطفئ الشعلة تحت القدم، وإنما لم يقل "ومن تحتهم" كما قال ﴿ من فوقهم ﴾ لأن نزول النار من فوق عجيب سواء كان من سمت الراس أو من موضع آخر.

وأما الاشتعال من تحت فليس بعجيب إلا حيث يحاذي الرجل.

ويجوز أن يكون زيادة الأرجل تصويراً لوقوفهم في النار أو لجثوهم فيها.

وقوله ﴿ ذوقوا ما كنتم ﴾ أي جزاء ما كنتم تعملونه أمر إهانة، وحين ذكر حال الكفرة من أهل الكتاب والمشركين وجمعهم في الإنذار وجعلهم من اهل النار اشتد عنادهم وزاد فسادهم وسعوا في إيذاء المؤمنين ومنعهم من عبادة الله فقال ﴿ يا عبادي ﴾ فإن كانت الإضافة للتشريف كقوله ﴿ عيناً يشرب بها عباد الله  ﴾ فقوله ﴿ الذين آمنوا ﴾ صفة موضحة.

وإن كانت للتخصيص فهي صفة مميزة.

ومعنى الآية أن المؤمن إذا لم يتسهل له عبادة الله في بلد على وجه الإخلاص فليهاجر عنه إلى بلد يكون فيه أفرغ بالاً أو ارفع حالاً وأقل عوارض نفسانية وأكمل دواعي روحانية عن رسول الله  "من فر بدينه من أرض إلى أرض وإن كان شبراً من الأرض استوجب الجنة وكان رفيق إبراهيم ومحمد" .

واعلم أني عند الوصول إلى تفسير هذه السورة عنَّ لي سفر من غير اختيار كلي فأقول متضرعاً إلى الله الكريم ومستمداً من إعجاز الفرقان العظيم: اللهم إن كنت تعلم أن هذا السفر مشوب بشيء من رضاك فإن كل الرضا لا يمكنني أن أراعيه فاجعله سبباً لنجح المقاصد وحصول المآرب والاشتمال على الفوائد الدنيوية والدينية والخلاص من شماتة الأعداء الدنية حتى أفرع لنشر العلوم الشرعية إنك على ما تشاء قدير وبالإسعاف والإجابة جدير.

والفاء في قوله ﴿ فإياي ﴾ للدلالة على أنه جواب الشرط كأنه قال: إذا كان لا مانع من عبادتي ﴿ فاعبدوني ﴾ ثم أريد معنى الاختصاص والإخلاص فقدم المفعول على شريطة التفسير، وجيء بالفاء الثانية الدالة على ترتيب المقتضى على المقتضي كما يقال: هذا عالم فأكرموه كما مر في قوله ﴿ وإياي فارهبون  ﴾ فصار حاصل المعنى: إن لم تخلصوا العبادة لي في ارض فاخلصوها لي في غيرها.

والفائدة في الأمر بالعبادة بعد قوله ﴿ يا عبادي ﴾ الدال على العبودية إما المداومة أي يا من عبدتموني في الماضي اعبدوني في المستقبل، أو الإخلاص في العبادة.

ويجوز أن يقال: العبودية غير العبادة، فكم من عبد لا يطيع سيده، ثم لما أمر المؤمنين بالمهاجرة صعب عليهم ترك الأوطان ومفارقة الإخوان والخلان فقال ﴿ كل نفس ذائقة الموت ﴾ أي إن الذي تكرهون لا بد من وقوعه فالأولى أن يكون ذلك في سبيل الله ﴿ ثم إلينا ترجعون ﴾ فنثيبكم على ذلك، وفيه أن كل نفس ذائقة الموت اضطراراً فمن اراد أن لا يموت ابداً فليمت اختياراً فإن أولياء الله لا يموتون ولكن ينقلون من دار إلى دار.

ثم بين أن للمؤمنين الجنان في مقابلة ما للكافرين من النيران، وأن في الجنة غرفاً تجري من تحتها الأنهار في مقابلة ما يحيط بالكافرين من النار.

وبين أن ذلك أجر عملهم بقوله ﴿ نعم أجر العالمين ﴾ بإزاء ما بين جزاء عمل الكفار بقوله ﴿ ذوقوا ما كنتم تعلمون ﴾ وقوله ﴿ لنبوئنهم ﴾ أَ لننزلنهم ﴿ من الجنة ﴾ عوالي ومن قرأ بالثاء المثلثة فمن الثواء يقال: ثوى في المنزل لازماً وأثوى غيره متعدياً إلى واحد.

فانتصاب ﴿ غرفاً ﴾ إمات بنزع الخافض، وإما لتضمين الإِثواء معنى التبوئة والإِنزال، وإما التشبيه الظرف المؤقت بالمبهم.

ثم مدح ﴿ الذين صبروا ﴾ على المكاره في الحال.

﴿ وعلى ربهم يتوكلون ﴾ فيما يحتاجون إليه في الاستقبال.

وكل واحد من الصبر والتوكل يحتاج إليه المسافر والمقيم، فكما أن المهاجر يصبر على فراق الأوطان ويتوكل في سفره على الرحمن، فالمتوطن يصبر على الأذيات والمحن ويتوكل في أموره على فضل ذي المنن.

والصبر والتوكل صفتان لا تحصلان إلا مع سعة العلم بالله وبما سوى الله، فمن علم أنه باق لا يصبر عنه ولا يتوكل في الأمور إلا عليه، ومن علم أن ما سواه فإن هان عليه الصبر وعلم أنه لا يصلح للاعتماد عليه.

ثم ذكر ما يعين على الصبر والتوكل وهو النظر في حال الدواب.

وقال المفسرون: لما أمر رسول الله  من اسلم بمكة بالهجرة خافوا الفقر والضيعة فكان الرجل منهم يقول: كيف اقدم بلدة ليست لي فيها معيشة فنزلت ﴿ وكاين من دابة لا تحمل رزقها ﴾ عن الحسن اي لا تدخره وقال غيره: لا تطيق حمل الرزق ﴿ الله يرزقها ﴾ بإيجاد غذائها وهدايتها إليه.

ثم بتشبث ذلك الغذاء بالمغتذي بتوسط قوى أودعها فيها وهيأها لذلك.

﴿ وإياكم ﴾ بمثل ما قلنا وبزيادة الاهتداء إلى وجوه المكاسب والمعايش وترتيب الملبس والمسكن وتهيئة الأقوات وادخار الأموال وتملكها اختياراً وقهراً، ومنه يعلم أن الاشتغال بترتيب بعض الوسائط وتدبيرها لا ينافي التوكل فقد يكون الزارع الحاصد متوكلاً والراكع الساجد غير متوكل.

عن ابن عيينة: ليس شيء يخبأ إلا الإِنسان والنملة والفأرة وللعقعق مخابئ إلا أنه ينساها.

وحكي أن البلبل يحتكر في حضنيه أي يجمع.

وإذا كان أكثر الحيوان على صورة المتوكلين فالإنسان العاقل العارف بالمبدأ والمعاد، العالم بوجوه المكاسب الذي يأتيه الرزق من جهات الإرث والعمارة والهدية ونحوها، كيف يظاهر على الحطام الزائل أشد حرص؟!

﴿ وهو السميع ﴾ لدعاء طلبة الرزق ﴿ العليم ﴾ بطوياتهم ومقادير حاجاتهم.

ثم عجب أهل العجب من حال المشركين من أهل مكة وغيرهم لم يعبدوا الله مخلصين مع علمهم بأنه خالقهم ورازقهم، فكيف يصرفون عن توحيد الله؟

فإن من علمت عظمته وجبت خدمته، ولا عظمة فوق عظمة خالق الذرات وإليه اشار بخلق الأرض والسموات موجد الصفات وإليه الإشارة بتسخير الشمس والقمر ولا حقارة فوق حقارة الجماد لأنه دون النبات وهو دون الحيوان وهو دون الإنسان وهو دون سكان السموات، فكيف يتركون عبادة أشرف الموجودات ويشتغلون بعبادة أخس المخلوقات، وحين ذكر الخلق أتبعه ذكر الرزق وحكمة البسط والقبض في ذلك الباب.

ومعنى ﴿ يقدر ﴾ يضيق فالضمير في ﴿ له ﴾ إما للشخص المعين المبسوط له والمراد أن تعاقب الأمرين عليه بمشيئة الله وإما لمبهم غير معين كأن الضمير وضع موضع من يشاء.

وفي قوله ﴿ إن الله بكل شيء عليم ﴾ إشارة إلى أنه عالم بمقادير الحاجات فإذا علم احتياج العبد إلى الرزق أوصله إليه من غير تأخير إن شاء.

ثم احتج على المشركين بوجه آخر وهو اعترافهم بأن إِحياء الأرض الميتة بواسطة تنزيل ماء السماء هو من الله.

ثم قال ﴿ قل الحمد لله ﴾ وهو كلام مستقل على سبيل الاعتراض أو هو متصل بما قبله كأنه استحمد رسوله على البراءة من التناقض والتهافت خلاف أهل الشرك المعترفين بأن النعمة من الله ثم يتركون عبادته إلى عبادة الصنم الذي لا يملك نفعاً ولا ضراً.

وفيه أن العالم إذا لم يعمل بعلمه انخرط في سلك من لا عقل له ولهذا عقبه بقوله ﴿ بل أكثرهم لا يعقلون ﴾ وقال جار الله: اراد لا يعقلون ما يقولون وما فيه من الدلالة على بطلان الشرك وصحة التوحيد، أو لا يعقلون ما تريد بقولك: "الحمد لله" ولا يفطنون لم حمدت الله عند مقالتهم.

واعلم أن المشركين معترفون بأن الخلق والرزق من الله، ولكن حب الدنيا وزينتها حملتهم على موافقة أهل الشرك والمداومة على الدين الباطل، فصغر الله  أمر الدنيا وعظم أمر الاخرة ليعلم أن رعاية جانب الآخرة أهم من رعاية صلاح الدنيا.

قال أهل العلم: الإقبال على الباطل لعب، والإعراض عن الحق لهو، والمشتغل بالدنيا كذلك.

ويمكن أن يقال: المشتغل بها لا على وجه الاستغراق بل على وجه يفرغ لبعض أمور الآخرة لاعب، والمشغول بها بحيث ينسى الآخرة بالكلية لاهٍ وحين كان الكلام في الأنعام بعد ذكر الآخرة وما يجري فيها من الحيرة والحسرة قدم اللعب هناك لأن الاستغراق الكلي بالنسبة إلى أهل الآخرة أبعد فأخر الأبعد.

ولما كان المذكور ههنا من قبيل الدنيا ولهذا أشار إليها بقوله ﴿ وما هذه الحياة الدنيا ﴾ وقال في الأنعام ﴿ وما الحياة الدنيا  ﴾ وهي خداعة تدعو النفوس إلى الإقبال عليها بالكلية، فلا جرم قدم اللهو.

ويحتمل أن يقال: إنه  قدم اللعب على اللهو في موضعين من "الأنعام" وكذلك في القتال ويقال لها "سورة محمد"  وفي "الحديد".

وقدم اللهو على اللعب في "الأعراف" و"العنكبوت".

فاللعب مقدم في الأكثر لأن اللعب زمانه الصبا، واللهو زمانه الشباب، وزمان الصبا مقدم على زمان الشباب.

"تنبيه" ما ذكر في الحديد ﴿ اعلموا أَنما الحياة الدنيا لعب  ﴾ كلعب الصبيان ﴿ ولهو  ﴾ كلهو الشبان و ﴿ زينة  ﴾ كزينة النسوان ﴿ وتفاخر  ﴾ كتفاخر الإخوان ﴿ وتكاثر  ﴾ كتكاثر السلطان وقدم اللهو في الأعراف لأن ذلك في القيامة فذكر على ترتيب ما انقضى وبدأ بما بدأ به الإنسان وانتهى من الجانبين.

وأما هذه السورة فأراد فيها ذكر سرعة زمان الآخرة، فبدأ بذكر ما هو أكثر ليكون غلى المقصود اقرب.

ثم إن الحال في سورة الأنعام لما كانت حال إظهار الحسرة لم يحتج المكلف إلى وازع قوي فاقتصر على قوله ﴿ وللدار الآخرة خير  ﴾ ولما كان ههنا حال الاشتغال بالدنيا احتاج إلى وازع أقوى فقال ﴿ وإن الدار الآخرة لهي الحيوان ﴾ أي لا حياة إلا حياة الآخرة وليس فيها إلا حياة مستمرة دائمة بلا موت فكأنها في ذاتها حياة.

ولا يخفى ما في التركيب من أنواع المبالغة من جهة "إن" ومن جهة صيغة الفصل، ولام التأكيد، وبناء الفعلان بتحريك العين وهو مصدر "حيي" بياءين لفقد ما عينه ياء ولامه واو.

ولو كانا واوين لقيل: حوى مثل قوى وقياسه "حييان" بياءين قلبت الثانية واواً على منوال حيوة في اسم رجل.

ولأن المبالغة ههنا أزيد مما في الأنعام قال ههنا ﴿ لو كانوا يعلمون ﴾ وهنالك ﴿ أفلا تعقلون  ﴾ لأن المعلوم أكثر مقمدة من المعقول وقد مر في السورة ثم أشار بقوله ﴿ فإذا ركبوا في الفلك ﴾ إلى أن المانع من التوحيد والإخلاص هو الحياة الدنيا لأنهم إذا انقطع رجاؤهم رجعوا إلى الفطرة الشاهدة بالتوحيد والإخلاص، فإذا نجاهم إلى البر عادوا إلى ما كانوا عليه من حب الدنيا وأشركوا لأجلها.

ثم بين أن نعمة الأمن يجب أن تقابل بالشكر لا بالكفر فقال ﴿ أولم يروا ﴾ الآية.

وقد مر مثله في "القصص".

ثم ذكر أن الذين سمعوا البيانات المذكورة ولم يؤمنوا فلا أظلم منهم لأن من وضع شيئاً في غير موضعه فهو ظالم.

فمن وضع شيئاً في موضع لا يمكن أن يكون ذلك موضعه يكون أظلم، وإنهم جعلوا الله شريكاً مع عدم إمكان الشريك له، فلا أظلم منهم.

وأيضاً من كذب صادقاً يجوز عليه الكذب كان ظالماً، فمن كذب صادقاً لا يجوز عليه الكذب يكون حاله وإنهم كذبوا النبي والقرآن؟

وفي قوله ﴿ لما جاءه ﴾ إشارة إلى أنهم لم يتلعثموا في التكذيب وقت أن سمعوه ولم يستعملوا التدبر التفكر فيما يجب أن يستعمل فيه التأني والتثبت، وهذا أيضاً نوع من الظلم بل ظلم مضموم إلى ظلم.

وفي قوله ﴿ اليس ﴾ معنيان بعد كون الاستفهام للتقرير.

فإن أريد نفي الحال فمعناه ألم يصح عندهم أن في جهنم مثوى للكافرين حتى اجترؤا على مثل هذه الجرأة؟

وإن اريد نفي الاستقبال فالمراد ألا يثوون في جهنم وقد افتروا على الله وكذبوا بالحق؟

وقيل: هو من الكلام المنصف لأنه قدم مقدمة هي أنه لا أظلم من المفتري وهو المتنبئ ومن الذي كذب النبي.

ثم ذكر أن جهنم مقام الكافر سواء كان هو المتنبئ أو المكذب للنبي فهو كقوله ﴿ وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين  ﴾ ثم ختم السورة بآية جامعة فيها تسلية قلوب المؤمنين والمراد أن من جاهد النفس أو الشيطان الجني والإنسي ﴿ فينا ﴾ أي في حقنا ومن أجل رضانا خالصاً ﴿ لنهدينهم ﴾ سبيل الجنة أو سبيل الخير بإعطاء ميزد اللطاف والتوفيق.

وقيل: والذين جاهدوا فيما علموا ولم يقصروا في العمل به لنهدينهم إلى ما لم يعلموا وهو قريب من قول الحكيم: إن النظر في المقدمات يعد النفس لقبول الفيض وهو النتيجة من واهب الصور الجسمانية والعقلية.

وقوله ﴿ وإن الله لمع المحسنين ﴾ أي بالنصر والإعانة إشارة إلى مرتبة أعلى من الاستدلال وهو الذي يسمى العلم اللدني، فكأنه  أشار في خاتمة السورة إلى الفرق الثلاث.

فأشار إلى الناقصين بقوله ﴿ ومن أظلم ﴾ وذلك أنهم صرفوا الاستعداد في غير ما خلق لأجله، وإلى المتوسطين الذين يحصلون العلم بالكد بقوله ﴿ والذين جاهدوا ﴾ وإلى اصحاب الحدس وصفاء الضمير بقوله ﴿ وإن الله لمع المحسنين ﴾ والله أعلم بمراده.

التأويل: ﴿ وما يعقلها إلا العالمون ﴾ بالله لأن عقولهم مؤيدة بأنوار العلم اللدني ﴿ إن في ذلك لآية للمؤمنين ﴾ الذين ينظرون بنور الله فان النور لا يرى إلا بالنور ﴿ اتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة ﴾ فيه أن التلاوة والعمل به يجب أن يتقارنا حتى يتخلق بخلق القرآن ويحصل الانتهاء عن الفحشاء وهي طلب الدنيا.

والمنكر وهو الالتفات إلى غير الله فإن لم تكن الصلاة متصفة بذلك فهي كالصلاة.

﴿ ولذكر الله ﴾ في إزالة مرض القلب ﴿ أكبر ﴾ من تلاوة القرآن وإقامة الصلاة، لأن القلب لا يطمئن إلا بذكر الله، وعند الاطمئنان توجد سلامة القلب.

فلاذكر له خاصية الإكسير في جعل الإبريز ذهباً خالصاً.

﴿ والله يعلم ما تصنعون ﴾ من استعمال مفتاح الشريعة وآداب الطريقة لفتح أبواب طلسم الوجود المجازي والوصول إلى الكنز الخفي ﴿ ولا تجادلوا ﴾ يا ارباب القلوب أهل العلم الظاهر إلا بطريق الإنصاف والرفق ﴿ إلا الذين ظلموا ﴾ بمزيد الإنكار والعناد فحينئذ لا تجادلوهم إذ لا يرجى منهم قبول الحق والإذعان له، فخلوا بينهم وبين باطلهم ﴿ وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا ﴾ من العلوم الباطنة ﴿ وأنزل إليكم ﴾ من العلوم الظاهرة ﴿ وكذلك ﴾ اي كما أنزلنا الدلائل والبراهين العقلية على أهل الظاهر ﴿ أنزلنا عليكم ﴾ الكشوف والمعارف ﴿ فالذين آتيناهم الكتاب ﴾ وهم أرباب القلوب يصدقون به، ﴿ ومن هؤلاء ﴾ العلماء الظاهريين من يؤمن به ﴿ وما يجحد بآياتنا إلا الذين ﴾ يشترون الحق بالباطل ﴿ وما كنت تتلو ﴾ وفيه أن القلب إذا كان خالياً عن النقوش الفاسدة كان أقبل للعلوم اللدنية كقلب النبي  ، ولذلك قال ﴿ بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم ﴾ يعني أن قلوب الخواص خزائن الغيب.

سأل موسى  : إلهي أين أطلبك؟

فقال: أنا عند المنكسرة قلوبهم لأجلي.

ثم اشار بقوله ﴿ وما يجحد ﴾ إلى أن الحرمان من الرؤية من خصوصية الرين ولهذا قالوا ﴿ لولا أنزل عليه آية ﴾ وذلك لعمى عيون قلوبهم.

ثم أشار إلى ظلومية الإنسان وجهوليته بأنه يستعجل بالعذاب مع عدم صبره عليه ﴿ وإن جهنم ﴾ الحرص وغيره من الأخلاق الذميمة ﴿ لمحيطة ﴾ بهم من فوقهم وهو الكبر والغضب ﴿ ومن تحت أرجلهم ﴾ وهو الحرص والشره والشهوة ﴿ وهم لا يشعرون ﴾ لأنهم نائمون فإذا ماتوا انتبهوا ﴿ يا عبادي ﴾ أن أرض حضرة جلالي ﴿ واسعة ﴾ فهاجروا بالخروج من حبس وجودكم إلى سرادقات هويتي ﴿ كل نفس ذائقة الموت ﴾ بالإضطرار فارجعوا إلينا بالاختيار ﴿ لنبوئنكم ﴾ من جنة الوصال غرفاً من المعارف ﴿ تجري من تحتها ﴾ أنهار الحكمة ﴿ الذين صبروا ﴾ في الباية على حبس النفس بالفطام عن المرام، وفي الوسط على تجرع القلب كاسات التقدير من غير تعبير، وفي النهاية صبروا على بذل الروح لنيل الفتوح ﴿ وكأين من دابة ﴾ شخص كالدابة ﴿ لا تحمل ﴾ النظر عن ﴿ رزقها ﴾ لضعف نفسها عن التوكل ﴿ الله يرزقها وإياكم ﴾ أيها الطالبون للمشاهدات والمكاشفات ﴿ ليقولن الله ﴾ لأن كلهم قالوا في الأزل: بلى عند خطاب ﴿ ألست بربكم  ﴾ والفرق إثبات الشريك ونفيه وذلك لعدم إصابة النور المرشش وإصابة دليله قوله ﴿ الله يبسط الرزق ﴾ بإصابته النور ﴿ ويقدر ﴾ بأخطائه ﴿ إن الله عليم ﴾ باستحقاق كل فريق من نزل من سماء الروحاينة ماء الإيمان فأحيا به أرض القلوب ﴿ لهي الحيوان ﴾ لأن جميع أجزائها حي فقد ورد في الحديث "إن الجنة وما فيها من الأشجار والأثمار والغرف والحيطان والأنار حتى ترابها وحصباؤها كلها حي" قلت: ولعل ذلك لبقاء كل منها على كماله الآخر.

ثم بين بقوله ﴿ فإذا ركبوا ﴾ أن إخلاص المؤمن بثابت وإخلاص الكافر مضطرب ثم بين أن حرم القلب آمن وما حوله من صفات النفس ومشاهدة ربها مظنة تصرف الشيطان، فمن افترى على الله بأن لا يكون له مع الله وقت وحال ويظهر ذلك من نفسه، أو كذب طريقة أهل الحق جاهدوا فينا يخرج منه مجاهدة الرهبانيين والفلاسفة والبراهمة ونحوهم لأنهم مرتاضون رياء وكسلاً.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَلاَ تُجَادِلُوۤاْ أَهْلَ ٱلْكِتَابِ إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ ﴾ الآية تخرج على وجوه ثلاثة: أحدها: ﴿ وَلاَ تُجَادِلُوۤاْ أَهْلَ ٱلْكِتَابِ إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾ إلا الذين ظلموا منهم فلا تجادلوهم بالتي هي أحسن ولا غيره، وهم الذين لا يقبلون الحجة، ولا يؤمنون إذا لزمتهم الحجة، وهم أهل عناد ومكابرة، والأوّلون يقبلون الحجة، ويؤمنون بها.

والثاني: ﴿ وَلاَ تُجَادِلُوۤاْ أَهْلَ ٱلْكِتَابِ إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾ ؛ فقوله: ﴿ إِلاَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ ﴾ ليس على الثنيا من الأوّل، ولكن على الابتداء؛ كأنه قال: ﴿ إِلاَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ ﴾ قولوا: ﴿ آمَنَّا بِٱلَّذِيۤ أُنزِلَ إِلَيْنَا...

﴾ إلى آخر ما ذكر؛ أي: قولوا لهم هذا، ولا تجادلوهم؛ فإنكم وإن جادلتم إياهم فلا يؤمنون، وهو كقوله: ﴿ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَٱخْشَوْنِي  ﴾ قوله: ﴿ إِلاَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ ﴾ ليس على الثنيا من الأول، ولكن ابتداء نهي؛ أي: لا تخشوهم واخشوني، فعلى ذلك يحتمل الأول مثله.

والثالث: جائز أن يكون قوله: ﴿ وَقُولُوۤاْ آمَنَّا بِٱلَّذِيۤ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ...

﴾ إلى آخر ما ذكر: هي المجادلة الحسنة التي أمروا بها؛ لأن تلك مما يقبلها العقل والطبع، وبها جاءت الكتب والرسل، فلا سبيل إلى ردّ ذلك.

وقال بعضهم: ﴿ وَلاَ تُجَادِلُوۤاْ أَهْلَ ٱلْكِتَابِ إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾ أي: جادلوا الذين يصدّقون منهم ولا يكتمون نعت محمد وما في كتبهم من الحق، فأمّا الذين تعلمون أنهم يكتمون ولا يصدّقون فلا تجادلوهم، وهو كقوله: ﴿ فَٱسْأَلُواْ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ  ﴾ والأوّل كقوله: ﴿ تَعَالَوْاْ إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَآءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ...

﴾ الآية [آل عمران: 64]، والمجادلة الحسنة هي التي جاء بها الكتاب ويوجبها العقل.

ثم فيه دلالة جواز المناظرة والمجادلة مع الكفرة في الدين، وكذلك - قوله  -: ﴿ وَجَٰدِلْهُم بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ  ﴾ ليس كما يقول بعض الناس: إنه لا يجوز معهم المناظرة، وذلك لجهلهم بحجج الإسلام وبراهينه؛ [على] ما ينهون عن المجادلة والمناظرة معهم.

وقال بعضهم: من لا عهد معهم فجادلهم بالسيوف، ومن كان معه عهد وكتاب فجادلهم بالحجج.

وقال بعضهم: هو منسوخ بقوله: ﴿ قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ...

﴾ الآية [التوبة: 29].

ومنهم من يقول: من أدّى إليكم الجزية فلا تغلظوا له القول وقولا لهم قولا حسناً، ومن لم يؤدّ فاغلظوا لهم وجادلوهم بالسيوف، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ ﴾ أي: كما أخبرناك في الكتاب، فقل لهم، أو جادلهم.

وقوله: ﴿ فَٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ﴾ يخرج على وجهين: أحدهما: الذين آتيناهم الكتاب فيتلونه حق تلاوته، فهم يؤمنون به؛ على ما ذكرنا في آية أخرى: ﴿ #1649;لَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ أُوْلَـٰئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ  ﴾ فتكون هذه الآية تعريفاً للأولى، وأمّا من لم يتله حق تلاوته فلا يؤمنون به.

والثاني: فالذين آتيناهم الكتاب وانتفعوا به؛ أي: يؤمنون بالذى أوتوا من الكتاب.

﴿ وَمِنْ هَـٰؤُلاۤءِ مَن يُؤْمِنُ بِهِ ﴾ يحتمل قوله: ﴿ وَمِنْ هَـٰؤُلاۤءِ ﴾ أي: من أهل مكة من يؤمن به، وقد آمن كثير منهم.

وجائز أن يكون ذلك إلى قوم كانوا بحضرته، فقال: ﴿ وَمِنْ هَـٰؤُلاۤءِ مَن يُؤْمِنُ بِهِ ﴾ ، والله أعلم.

﴿ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَآ إِلاَّ ٱلْكَافِرونَ ﴾ قال قتادة: لا يكون الجحد إلا بعد معرفة أن اليهود والنصارى عرفوه كما عرفوا أبناءهم، لكنهم جحدوه، وكل من أنكر شيئاً فقد جحده؛ عرفه أو لم يعرفه.

وقوله: ﴿ وَمَا كُنتَ تَتْلُواْ مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ ﴾ تأويله - والله أعلم -: أي: ما كنت تتلو من قبله - أي: من قبل هذا الكتاب - من كتاب، ولو كنت تتلو لارتاب المبطلون فيقولون: إن ما أنبأتهم من الأنباء المتقدمة أو كلام الحكمة إنما تلقفت وأخذت من تلك الكتب المتقدمة أو كتب الحكماء، ولو كنت تخطه بيمينك يقولون: إن ذلك من تأليفك ووصفك؛ لأن القرآن حجة عليهم من وجهين: أحدهما: ما ذكر فيه من الأنباء المتقدمة المترجمة بغير لسان المتقدم ما علموا بأجمعهم أن رسول الله - صلوات الله عليه - كان لا يعرفها بمترجم ولا شهدها هو، ثم أنبأهم على ما كان، فعلموا أنه بالله عرفها.

والثاني: هو آية معجزة نظماً ووصفاً ما يعملون أنه ليس من نظم البشر ولا وصفه، فيقول: ما كنت تتلو من قبله كتاباً فيه تلك الأنباء والحكمة ولا تخطه بيمينك؛ فيقولون: هو من تأليفك أو من نظمك، فلو كنت كذلك إذن لارتاب المبطلون بما ذكرنا على عناد منهم ومكابرة، ولا يرتاب المحقون، وإن كان كما ذكر؛ لما عرفوا صدقه بأشياء وبآيات كانت فيه.

وقال بعضهم في قوله: ﴿ وَمَا كُنتَ تَتْلُواْ مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ ﴾ يقول: قبل القرآن ﴿ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ ﴾ أي: لا تكتبه بيدك، ولو كنت تقرأ كتاباً من قبله أو كنت تكتب بيدك إذن لارتاب المبطلون؛ يقول: لاتهموك؛ هذا قد ذكرناه، ولكن نقول في قوله: ﴿ بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ ﴾ بل هو اليقين أنك لا تقرؤه، أو لا تكتبه عند الذين أوتوا العلم، وهم مؤمنو أهل الكتاب من نحو عبد الله بن سلام وأصحابه.

وقوله: ﴿ بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ ﴾ يحتمل القرآن؛ إذ فيه آيات وحدانية الله وحججه، وآيات البعث وحججه وآياته.

ويحتمل قوله: ﴿ بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ ﴾ رسول الله  كان من أول ما نشأ إلى آخر أمره آية؛ لما ذكر من النور في وجه أبيه ما دام في صلبه، ثم في وجه أمه؛ إذا وقع في رحمها، ثم من ضياء الليلة التي ولد فيها، ثم من ظل السحاب الذي أظله وقت ما خرج من وطنه، وأمثال ذلك كثير ما لا يقدر إحصاؤه، والله أعلم.

فذلك كله يدل على رسالته ونبوته، لا يرتاب فيه إلا المبطل المعاند المكابر.

وقوله: ﴿ فِي صُدُورِ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ ﴾ جائز أن يكون قوله: ﴿ فِي صُدُورِ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ ﴾ أي: أوتوا منافع العلم، أي: هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا منافع العلم، فأمّا من لم يؤت منافع العلم فلا.

وقوله: ﴿ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَآ إِلاَّ ٱلظَّالِمُونَ ﴾ يحتمل: الظلم: ظلم الآيات، لم يضعوها في موضعها.

ويحتمل: الظالمون: الكافرون.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وكما أنزلنا الكتب على من قبلك أنزلنا عليك القرآن، فبعض هؤلاء الذين يقرؤون التوراة -مثل عبد الله بن سلام- يؤمنون به؛ لما يجدونه من نَعْتِه في كتبهم، ومن هؤلاء المشركين من يؤمن به، وما يكفر بآياتنا إلا الكافرون الذين دأبهم الكفر والجحود للحق مع ظهوره.

<div class="verse-tafsir" id="91.BomY1"

مزيد من التفاسير لسورة العنكبوت

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.8 / 29.5
الإضاءة 24%
البدر بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله