الإسلام > القرآن > سور > سورة 31 لقمان > الآية ٣٤ من سورة لقمان
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 119 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٣٤ من سورة لقمان: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
هذه مفاتيح الغيب التي استأثر الله تعالى بعلمها ، فلا يعلمها أحد إلا بعد إعلامه تعالى بها; فعلم وقت الساعة لا يعلمه نبي مرسل ولا ملك مقرب ، ( لا يجليها لوقتها إلا هو ) [ الأعراف : 187 ] ، وكذلك إنزال الغيث لا يعلمه إلا الله ، ولكن إذا أمر به علمته الملائكة الموكلون بذلك ومن شاء الله من خلقه .
وكذلك لا يعلم ما في الأرحام مما يريد أن يخلقه [ الله ] تعالى سواه ، ولكن إذا أمر بكونه ذكرا أو أنثى ، أو شقيا أو سعيدا علم الملائكة الموكلون بذلك ، ومن شاء الله من خلقه .
وكذلك لا تدري نفس ماذا تكسب غدا في دنياها وأخراها ، ( وما تدري نفس بأي أرض تموت ) في بلدها أو غيره من أي بلاد الله كان ، لا علم لأحد بذلك .
وهذه شبيهة بقوله تعالى : ( وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ) الآية [ الأنعام : 59 ] .
وقد وردت السنة بتسمية هذه الخمس : مفاتيح الغيب .
قال الإمام أحمد : حدثنا زيد بن الحباب ، حدثني حسين بن واقد ، حدثني عبد الله بن بريدة ، سمعت أبي - بريدة - يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " خمس لا يعلمهن إلا الله عز وجل : ( إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير ) .
هذا حديث صحيح الإسناد ، ولم يخرجوه .
حديث ابن عمر : قال الإمام أحمد : حدثنا وكيع ، حدثنا سفيان ، عن عبد الله بن دينار ، عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم مفاتيح الغيب خمس لا يعلمهن إلا الله : ( إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير ) .
انفرد بإخراجه البخاري ، فرواه في " كتاب الاستسقاء " من صحيحه ، عن محمد بن يوسف الفريابي ، عن سفيان بن سعيد الثوري ، به .
ورواه في التفسير من وجه آخر فقال : حدثنا يحيى بن سليمان ، حدثنا ابن وهب ، حدثني عمر بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر : أن أباه حدثه أن عبد الله بن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " مفاتيح الغيب خمس " .
ثم قرأ : ( إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام ) انفرد به أيضا .
ورواه الإمام أحمد عن غندر ، عن شعبة ، عن عمر بن محمد ; أنه سمع أباه يحدث ، عن ابن عمر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " أوتيت مفاتيح كل شيء إلا الخمس : ( إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير ) .
[ حديث ابن مسعود ، رضي الله عنه : قال الإمام أحمد : حدثنا يحيى ، عن شعبة ، حدثني عمرو بن مرة ، عن عبد الله بن سلمة قال : قال عبد الله : أوتي نبيكم صلى الله عليه وسلم مفاتيح كل شيء غير خمس : ( إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير ) ] .
وكذا رواه عن محمد بن جعفر ، عن شعبة ، عن عمرو بن مرة ، به .
وزاد في آخره : قال : قلت له : أنت سمعته من عبد الله ؟
قال : نعم .
أكثر من خمسين مرة .
ورواه أيضا عن وكيع ، عن مسعر ، عن عمرو بن مرة به .
وهذا إسناد حسن على شرط أصحاب السنن ولم يخرجوه .
حديث أبي هريرة : قال البخاري عند تفسير هذه الآية : حدثنا إسحاق ، عن جرير ، عن أبي حيان ، عن أبي زرعة ، عن أبي هريرة ، رضي الله عنه ; أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يوما بارزا للناس ، إذ أتاه رجل يمشي ، فقال : يا رسول الله ، ما الإيمان ؟
قال : " الإيمان : أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله ولقائه ، وتؤمن بالبعث الآخر " .
قال : يا رسول الله ، ما الإسلام ؟
قال : " الإسلام : أن تعبد الله ولا تشرك به شيئا ، وتقيم الصلاة ، وتؤتي الزكاة المفروضة ، وتصوم رمضان " .
فقال : يا رسول الله ، ما الإحسان ؟
قال : " الإحسان : أن تعبد الله كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك " .
قال : يا رسول الله ، متى الساعة ؟
قال : " ما المسؤول عنها بأعلم من السائل ، ولكن سأحدثك عن أشراطها : إذا ولدت الأمة ربتها ، فذاك من أشراطها .
وإذا كان الحفاة العراة رؤوس الناس ، فذاك من أشراطها ، في خمس لا يعلمهن إلا الله .
( إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام ) ، ثم انصرف الرجل فقال : " ردوه علي " .
فأخذوا ليردوه ، فلم يروا شيئا ، فقال : " هذا جبريل ، جاء ليعلم الناس دينهم " .
ورواه البخاري أيضا في " كتاب الإيمان " ، ومسلم من طرق ، عن أبي حيان ، به .
وقد تكلمنا عليه في أول شرح البخاري .
وذكرنا ثم حديث أمير المؤمنين عمر بن الخطاب في ذلك بطوله ، وهو من أفراد مسلم .
حديث ابن عباس : قال الإمام أحمد : حدثنا أبو النضر ، حدثنا عبد الحميد ، حدثنا شهر ، حدثنا عبد الله بن عباس ، رضي الله عنهما ، قال : جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلسا له ، فأتاه جبريل فجلس بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم واضعا كفيه على ركبتي النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا رسول الله ، [ حدثني ] ما الإسلام ؟
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الإسلام أن تسلم وجهك لله عز وجل ، وتشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأن محمدا عبده ورسوله " .
قال : فإذا فعلت ذلك فقد أسلمت ؟
قال : " إذا فعلت ذلك فقد أسلمت " .
قال : يا رسول الله ، فحدثني ما الإيمان ؟
قال : " الإيمان : أن تؤمن بالله ، واليوم الآخر ، والملائكة ، والكتاب ، والنبيين ، وتؤمن بالموت ، وبالحياة بعد الموت ، وتؤمن بالجنة والنار ، والحساب والميزان ، وتؤمن بالقدر كله خيره وشره " .
قال : فإذا فعلت ذلك فقد آمنت ؟
قال : " إذا فعلت ذلك فقد آمنت " .
قال : يا رسول الله ، حدثني ما الإحسان ؟
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الإحسان أن تعمل لله كأنك تراه ، فإن كنت لا تراه فإنه يراك " .
قال : يا رسول الله ، فحدثني متى الساعة ؟
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " سبحان الله .
في خمس لا يعلمهن إلا هو : ( إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير ) ، ولكن إن شئت حدثتك بمعالم لها دون ذلك ؟
" .
قال : أجل ، يا رسول الله ، فحدثني .
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا رأيت الأمة ولدت ربتها - أو : ربها - ورأيت أصحاب الشاء يتطاولون في البنيان ، ورأيت الحفاة الجياع العالة [ كانوا رؤوس الناس ، فذلك من معالم الساعة وأشراطها " .
قال : يا رسول الله ، ومن أصحاب الشاء والحفاة الجياع العالة ؟
قال : " العرب " ] .
حديث غريب ، ولم يخرجوه .
حديث رجل من بني عامر : روى الإمام أحمد : حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة ، عن منصور ، عن ربعي بن حراش ، عن رجل من بني عامر ; أنه استأذن على النبي صلى الله عليه وسلم فقال : أألج ؟
فقال النبي صلى الله عليه وسلم لخادمه : " اخرجي إليه ، فإنه لا يحسن الاستئذان فقولي له : فليقل : " السلام عليكم ، أأدخل ؟
" قال : فسمعته يقول ذلك ، فقلت : السلام عليكم ، أأدخل ؟
فأذن ، فدخلت ، فقلت : بم أتيتنا به ؟
قال : " لم آتكم إلا بخير ، أتيتكم أن تعبدوا الله وحده لا شريك له ، وأن تدعوا اللات والعزى ، وأن تصلوا بالليل والنهار خمس صلوات; وأن تصوموا من السنة شهرا ، وأن تحجوا البيت ، وأن تأخذوا الزكاة من مال أغنيائكم فتردوها على فقرائكم " .
قال : فقال : فهل بقي من العلم شيء لا تعلمه ؟
قال : " قد علم الله عز وجل خيرا ، وإن من العلم ما لا يعلمه إلا الله عز وجل : الخمس : ( إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير ) .
وهذا إسناد صحيح .
وقال ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : جاء رجل من أهل البادية فقال : إن امرأتي حبلى ، فأخبرني ما تلد ؟
وبلادنا جدبة ، فأخبرني متى ينزل الغيث ؟
وقد علمت متى ولدت فأخبرني متى أموت ؟
فأنزل الله عز وجل : ( إن الله عنده علم الساعة [ وينزل الغيث ] ) ، إلى قوله : ( إن الله عليم خبير ) .
قال مجاهد : وهي مفاتيح الغيب التي قال الله تعالى : ( وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ) [ الأنعام : 59 ] .
رواه ابن أبي حاتم ، وابن جرير .
وقال الشعبي ، عن مسروق ، عن عائشة ، رضي الله عنها ، أنها قالت : من حدثك أنه يعلم ما في غد فقد كذب ، ثم قرأت : ( وما تدري نفس ماذا تكسب غدا ) .
وقوله : ( وما تدري نفس بأي أرض تموت ) : قال قتادة : أشياء استأثر الله بهن ، فلم يطلع عليهن ملكا مقربا ، ولا نبيا مرسلا ( إن الله عنده علم الساعة ) ، فلا يدري أحد من الناس متى تقوم الساعة ، في أي سنة أو في أي شهر ، أو ليل أو نهار ، ( وينزل الغيث ) ، فلا يعلم أحد متى ينزل الغيث ، ليلا أو نهارا ، ( ويعلم ما في الأرحام ) ، فلا يعلم أحد ما في الأرحام ، أذكر أم أنثى ، أحمر أو أسود ، وما هو ، ( وما تدري نفس ماذا تكسب غدا ) ، أخير أم شر ، ولا تدري يا ابن آدم متى تموت ؟
لعلك الميت غدا ، لعلك المصاب غدا ، ( وما تدري نفس بأي أرض تموت ) ليس أحد من الناس يدري أين مضجعه من الأرض ، أفي بحر أم بر ، أو سهل أو جبل ؟
وقد جاء في الحديث : " إذا أراد الله قبض عبد بأرض ، جعل له إليها حاجة " ، فقال الحافظ أبو القاسم الطبراني في معجمه الكبير ، في مسند أسامة بن زيد : حدثنا إسحاق بن إبراهيم ، أخبرنا عبد الرزاق ، أخبرنا معمر ، عن أيوب ، عن أبي المليح ، عن أسامة بن زيد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما جعل الله ميتة عبد بأرض إلا جعل له فيها حاجة " .
وقال عبد الله بن الإمام أحمد : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، حدثنا أبو داود الحفري ، عن سفيان ، عن أبي إسحاق ، عن مطر بن عكامس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا قضى الله ميتة عبد بأرض ، جعل له إليها حاجة " .
وهكذا رواه الترمذي في " القدر " ، من حديث سفيان الثوري ، به .
ثم قال : " حسن غريب ، ولا يعرف لمطر عن النبي صلى الله عليه وسلم غير هذا الحديث .
وقد رواه أبو داود في " المراسيل " ، فالله أعلم .
وقال الإمام أحمد : حدثنا إسماعيل ، حدثنا أيوب ، عن أبي المليح بن أسامة عن أبي عزة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا أراد الله قبض روح عبد بأرض جعل له فيها - أو قال : بها - حاجة " .
وأبو عزة هذا هو : يسار بن عبد الله ، ويقال : ابن عبد الهذلي .
وأخرجه الترمذي من حديث إسماعيل [ بن إبراهيم - وهو ابن علية ، وقال : صحيح .
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أحمد بن عصام الأصفهاني ، حدثنا المؤمل بن إسماعيل ] ، حدثنا عبيد الله بن أبي حميد ، عن أبي المليح ، عن أبي عزة الهذلي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا أراد الله قبض عبد بأرض ، جعل له إليها حاجة ، فلم ينته حتى يقدمها " .
ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير ) .
حديث آخر : قال الحافظ أبو بكر البزار : حدثنا أحمد بن ثابت الجحدري ومحمد بن يحيى القطعي قالا حدثنا عمر بن علي ، حدثنا إسماعيل ، عن قيس ، عن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا أراد الله قبض عبد بأرض جعل له إليها حاجة " .
ثم قال البزار : وهذا الحديث لا نعلم أحدا يرفعه إلا عمر بن علي المقدمي .
وقال ابن أبي الدنيا : حدثني سليمان بن أبي مسيح قال : أنشدني محمد بن الحكم لأعشى همدان : فما تزود مما كان يجمعه سوى حنوط غداة البين مع خرق وغير نفحة أعواد تشب له وقل ذلك من زاد لمنطلق!
لا تأسين على شيء فكل فتى إلى منيته سيار في عنق وكل من ظن أن الموت يخطئه معلل بأعاليل من الحمق بأيما بلدة تقدر منيته إن لا يسير إليها طائعا يسق أورده الحافظ ابن عساكر ، رحمه الله ، في ترجمة عبد الرحمن بن عبد الله بن الحارث ، وهو أعشى همدان ، وكان الشعبي زوج أخته ، وهو مزوج بأخت الشعبي أيضا ، وقد كان ممن طلب العلم وتفقه ، ثم عدل إلى صناعة الشعر فعرف به .
وقد رواه ابن ماجه عن أحمد بن ثابت وعمر بن شبة ، كلاهما عن عمر بن علي مرفوعا : " إذا كان أجل أحدكم بأرض أوثبته إليها حاجة ، فإذا بلغ أقصى أثره ، قبضه الله عز وجل ، فتقول الأرض يوم القيامة : رب ، هذا ما أودعتني " .
قال الطبراني : حدثنا إسحاق بن إبراهيم ، حدثنا عبد الرزاق ، حدثنا معمر ، عن أيوب ، عن أبي المليح ، عن أسامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ما جعل الله منية عبد بأرض ، إلا جعل له إليها حاجة " .
[ آخر تفسير سورة " لقمان " والحمد لله رب العالمين ، وهو حسبنا ونعم الوكيل ]
القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (34) يقول تعالى ذكره: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا هو آتيكم؛ علم إتيانه إياكم عند ربكم، لا يعلم أحد متى هو جائيكم، لا يأتيكم إلا بغتة، فاتقوه أن يفجأكم بغتة، وأنتم على ضلالتكم لم تنيبوا منها، فتصيروا من عذاب الله وعقابه إلى ما لا قبل لكم به.
وابتدأ تعالى ذكره الخبر عن علمه بمجيء الساعة.
والمعنى: ما ذكرت لدلالة الكلام على المراد منه، فقال: (إنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ) التي تقوم فيها القيامة، لا يعلم ذلك أحد غيره (وينـزلُ الغيْثَ) من السماء، لا يقدر على ذلك أحد غيره، (وَيَعْلَمُ ما في الأرْحامِ) أرحام الإناث (وَما تَدْرِي نَفْسٌ ماذَا تَكْسِبُ غَدًا) يقول: وما تعلم نفس حيّ ماذا تعمل في غد، (وَما تَدْرِي نَفْسٌ بأيّ أرْض تَمُوتُ) يقول: وما تعلم نفس حيّ بأيّ أرض تكون منيتها(إنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) يقول: إن الذي يعلم ذلك كله هو الله دون كلّ أحد سواه، إنه ذو علم بكلّ شيء، لا يخفى عليه شيء، خبير بما هو كائن، وما قد كان.
وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد (إنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ) قال: جاء رجل - قال أبو جعفر: أحسبه أنا، قال: - إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: إن امرأتي حُبلى، فأخبرني ماذا تلد؟
وبلادنا محل جدبة، فأخبرني متى ينـزل الغيث؟
وقد علمت متى ولدت، فأخبرني متى أموت، فأنـزل الله: (إنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنـزلُ الغَيْثَ) إلى آخر السورة، قال: فكان مجاهد يقول: هنّ مفاتح الغيب التي قال الله وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلا هُوَ .
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة (إنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ) الآية، أشياء من الغيب، استأثر الله بهنّ، فلم يطلع عليهنّ ملَكا مقرّبا، ولا نبيا مرسلا(إنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ) فلا يدري أحد من الناس متى تقوم الساعة، في أيّ سنة، أو في أيّ شهر، أو ليل، أو نهار (ويُنـزلُ الغَيْثَ) فلا يعلم أحد متى ينـزل الغيث، ليلا أو نهارا ينـزل؟(وَيَعْلَمُ ما فِي الأرْحامِ) فلا يعلم أحد ما فِي الأرحام، أذكر أو أنثى، أحمر أو أسود، أو ما هو؟(وَما تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا) خير أم شرّ، ولا تدري يا ابن آدم متى تموت؟
لعلك الميت غدا، لعلك المصاب غدا؟(وَما تَدْرِي نَفْسٌ بأيّ أرْضٍ تَمُوتُ) ليس أحد من الناس يدري أين مضجعه من الأرض في بحر أو برّ أو سهل أو جبل، تعالى وتبارك.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن الشعبيّ، قال: قالت عائشة: من قال: إن أحدا يعلم الغيب إلا الله فقد كذب، وأعظم الفرية على الله، قال الله: لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلا اللَّهُ .
حدثنا يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن يونس بن عبيد، عن عمرو بن شُعيب أن رجلا قال: يا رسول الله، هل من العلم علم لم تؤته؟
قال: " لَقَدْ أُوتِيتُ عِلْما كَثِيرًا، وَعِلما حَسنًا "، أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: (إنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنـزلُ الغَيْثَ) إلى (إنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) لا يَعْلَمُهُنَّ إلا اللهُ تَبارَكَ وَتَعالى .
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثني عمرو بن محمد، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " مَفاتِحُ الغَيبِ خَمْسَةٌ" ثم قرأ هؤلاء الآيات (إنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَة) إلى آخرها.
حدثني عليّ بن سهل، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان، عن عبد الله بن دينار، أنه سمع ابن عمر يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " مَفاتِحُ الغَيْبِ خَمْسٌ لا يَعْلَمُهُنَّ إلا اللهُ، (إنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنـزلُ الغَيْثَ وَيعْلَمُ ما فِي الأرْحامِ )" الآية، ثم قال: " لا يعْلَمُ ما فِي غَدٍ إلا اللهُ، وَلا يَعْلَمُ أحَدٌ مَتى يَنـزلُ الغَيْثَ إلا اللهُ، وَلا يَعْلَمُ أحَدٌ مَتى قِيامُ السَّاعَةِ إلا اللهُ، وَلا يَعْلَمُ أحَدٌ ما فِي الأرْحامِ إلا اللهُ، وَلا تَدْرِي نَفْسٌ بأيّ أرْض تَمُوتُ." حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " مَفاتحُ الغَيْبِ خَمْسٌ لا يَعْلَمُها إلا اللهُ: إنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنـزلُ الغيْثَ وَيعْلَمُ ما فِي الأرْحامِ وَما تَدْرِي نَفْسٌ ماذَا تَكْسِبُ غَدًا وما تَدْري نَفْسٌ بأيّ أرضٍ تَمُوتُ إنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ".
حدثنا ابن وكيع، قال: ثني أبي، عن مسعر، عن عمرو بن مرّة، عن عبد الله بن سلمة، عن ابن مسعود قال: كلّ شيء أوتيه نبيكم صلى الله عليه وسلم إلا علم الغيب الخمس: ( إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنـزلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ ).
حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن ابن أبي خالد، عن عامر، عن مسروق، عن عائشة، قالت: من حدّثك أنه يعلم ما في غد فقد كذب، ثم قرأت: (وَما تَدْرِي نَفْسٌ ماذَا تكْسبُ غَدًا).
قال: تنا جرير وابن علية، عن أبي خباب، عن أبي زُرعة، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " خَمْسٌ لا يَعْلَمُهُنَّ إلا اللهُ: (إنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ ويُنـزلُ الغَيْثَ ...) الآية ".
حدثني أبو شُرَحبيل، قال: ثنا أبو اليمان، قال: ثنا إسماعيل، عن جعفر، عن عمرو بن مرّة، عن عبد الله بن سلمة، عن ابن مسعود، قال: كلّ شيء قد أوتي نبيكم غير مفاتح الغيب الخمس، ثم قرأ هذه الآية (إنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلمُ السَّاعَة) إلى آخرها.
وقيل: (بأيّ أرض تموت)، وفيه لغة أخرى: (بأيَّةِ أرْضٍ) فمن قال: (بأيّ أرْضٍ) اجتز بتأنيث الأرض من أن يظهر في (أيِّ) تأنيث آخر، ومن قال (بأيَّة أرْضٍ) فأنث، (أي) قال: قد تجتزئ بأي مما أضيف إليه، فلا بدّ من التأنيث، كقول القائل: مررت بامرأة، فيقال له: بأيةٍ، ومررت برجل، فيقال له بأيٍّ؟
ويقال: أي امرأة جاءتك وجاءك، وأية امرأة جاءتك.
آخر تفسير سورة لقمان.
قوله تعالى : إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير .زعم الفراء أن هذا معنى النفي ; أي ما يعلمه أحد إلا الله تعالى .
قال أبو جعفر النحاس : وإنما صار فيه معنى النفي والإيجاب بتوقيف الرسول صلى الله عليه وسلم على ذلك ; لأنه صلى الله عليه وسلم قال في قول الله عز وجل : وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو : " إنها هذه " .قلت : قد ذكرنا في سورة ( الأنعام ) حديث ابن عمر في هذا ، خرجه البخاري .
وفي حديث جبريل عليه السلام قال : أخبرني عن الساعة ؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما المسئول عنها [ ص: 77 ] بأعلم من السائل ، هن خمس لا يعلمهن إلا الله تعالى : إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا " ، قال : " صدقت " .
لفظ أبي داود الطيالسي .
وقال عبد الله بن مسعود : كل شيء أوتي نبيكم صلى الله عليه وسلم غير خمس : إن الله عنده علم الساعة الآية إلى آخرها .
وقال ابن عباس : هذه الخمسة لا يعلمها إلا الله تعالى ، ولا يعلمها ملك مقرب ولا نبي مرسل ; فمن ادعى أنه يعلم شيئا من هذه فقد كفر بالقرآن ; لأنه خالفه .
ثم إن الأنبياء يعلمون كثيرا من الغيب بتعريف الله تعالى إياهم .
والمراد إبطال كون الكهنة والمنجمين ومن يستسقي بالأنواء ، وقد يعرف بطول التجارب أشياء من ذكورة الحمل وأنوثته إلى غير ذلك ; حسبما تقدم ذكره في ( الأنعام ) .
وقد تختلف التجربة وتنكسر العادة ويبقى العلم لله تعالى وحده .
وروي أن يهوديا كان يحسب حساب النجوم ، فقال لابن عباس : إن شئت نبأتك نجم ابنك ، وأنه يموت بعد عشرة أيام ، وأنت لا تموت حتى تعمى ، وأنا لا يحول علي الحول حتى أموت .
قال : فأين موتك يا يهودي ؟
فقال : لا أدري .
فقال ابن عباس : صدق الله .
وما تدري نفس بأي أرض تموت فرجع ابن عباس فوجد ابنه محموما ، ومات بعد عشرة أيام .
ومات اليهودي قبل الحول ، ومات ابن عباس أعمى .
قال علي بن الحسين راوي هذا الحديث : هذا أعجب الأحاديث .وقال مقاتل : إن هذه الآية نزلت في رجل من أهل البادية اسمه الوارث بن عمرو بن حارثة ، أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إن امرأتي حبلى فأخبرني ماذا تلد ، وبلادنا جدبة فأخبرني متى ينزل الغيث ، وقد علمت متى ولدت فأخبرني متى أموت ، وقد علمت ما عملت اليوم فأخبرني ماذا أعمل غدا ، وأخبرني متى تقوم الساعة ؟
فأنزل الله تعالى هذه الآية ; ذكره القشيري والماوردي .
وروى أبو المليح عن أبي عزة الهذلي قال : قال رسول صلى الله عليه وسلم : إذا أراد الله تعالى قبض روح عبد بأرض جعل له إليها حاجة فلم ينته حتى يقدمها - ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم - إن الله عنده علم الساعة - إلى قوله - بأي أرض تموت [ ص: 78 ] ذكره الماوردي ، وخرجه ابن ماجه من حديث ابن مسعود بمعناه .
وقد ذكرناه في كتاب ( التذكرة ) مستوفى .
وقراءة العامة : ( وينزل ) مشددا .
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي مخففا .
وقرأ أبي بن كعب : ( بأية أرض ) .
الباقون : ( بأي أرض ) .
قال الفراء : اكتفى بتأنيث الأرض من تأنيث أي .
وقيل : أراد بالأرض المكان فذكر .
قال الشاعر [ عامر بن جوين الطائي ] :فلا مزنة ودقت ودقها ولا أرض أبقل إبقالهاوقال الأخفش : يجوز مررت بجارية أي جارية ، وأية جارية .
وشبه سيبويه تأنيث أي بتأنيث كل في قولهم : كلتهن .
إن الله عليم خبير خبير نعت ل ( عليم ) أو خبر بعد خبر .
والله تعالى أعلم .
قد تقرر أن اللّه تعالى أحاط علمه بالغيب والشهادة، والظواهر والبواطن، وقد يطلع اللّه عباده على كثير من الأمور الغيبية، وهذه [الأمور] الخمسة، من الأمور التي طوى علمها عن جميع المخلوقات، فلا يعلمها نبي مرسل، ولا ملك مقرب، فضلا عن غيرهما، فقال: { إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ } أي: يعلم متى مرساها، كما قال تعالى: { يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً } الآية.{ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ } أي: هو المنفرد بإنزاله، وعلم وقت نزوله.{ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ } فهو الذي أنشأ ما فيها، وعلم ما هو، هل هو ذكر أم أنثى، ولهذا يسأل الملك الموكل بالأرحام ربه: هل هو ذكر أم أنثى؟
فيقضي اللّه ما يشاء.{ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا } من كسب دينها ودنياها، { وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ } بل اللّه تعالى، هو المختص بعلم ذلك جميعه.ولما خصص هذه الأشياء، عمم علمه بجميع الأشياء فقال: { إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ } محيط بالظواهر والبواطن، والخفايا والخبايا، والسرائر، ومن حكمته التامة، أن أخفى علم هذه الخمسة عن العباد، لأن في ذلك من المصالح ما لا يخفى على من تدبر ذلك.تم تفسير سورة لقمان بفضل اللّه وعونه، والحمد للّه.
( إن الله عنده علم الساعة ) الآية نزلت في الوارث بن عمرو بن حارثة ، بن محارب ، ابن حفصة ، من أهل البادية أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فسأله عن الساعة ووقتها وقال : إن أرضنا أجدبت فمتى ينزل الغيث ؟
وتركت ، امرأتي حبلى ، فمتى تلد ؟
وقد علمت أين ولدت فبأي أرض أموت ؟
فأنزل الله هذه الآية ( إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت ) وقرأ أبي بن كعب : " بأية أرض " ، والمشهور : " بأي أرض " لأن الأرض ليس فيها من علامات التأنيث شيء .
وقيل : أراد بالأرض المكان : أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أخبرنا محمد بن يوسف ، أخبرنا محمد بن إسماعيل ، أخبرنا عبد العزيز بن عبد الله ، أخبرنا إبراهيم بن ساعدة عن ابن شهاب ، عن سالم بن عبد الله ، عن أبيه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " مفاتيح الغيب خمس : إن الله عنده علم الساعة ، وينزل الغيث ، ويعلم ما في الأرحام ، وما تدري نفس ماذا تكسب غدا ، وما تدري نفس بأي أرض تموت " .
( إن الله عليم خبير )
(إن الله عنده علم الساعة) متى تقوم (وينزل) بالتخفيف والتشديد (الغيث) بوقت يعلمه (ويعلم ما في الأرحام) أذكر أم أنثى، ولا يعلم واحدا من الثلاثة غير الله تعالى (وما تدري نفس ماذا تكسب غدا) من خير أو شر ويعلمه الله تعالى (وما تدري نفس بأي أرض تموت) ويعلمه الله تعالى (إن الله عليم) بكل شيء (خبير) بباطنه كظاهره، روى البخاري عن ابن عمر حديث: "مفاتيح الغيب خمسة إن الله عنده علم الساعة إلى آخر السورة".
إن الله- وحده لا غيره- يعلم متى تقوم الساعة؟
وهو الذي ينزل المطر من السحاب، لا يقدر على ذلك أحد غيره، ويعلم ما في أرحام الإناث، ويعلم ما تكسبه كل نفس في غدها، وما تعلم نفس بأيِّ أرض تموت.
بل الله تعالى هو المختص بعلم ذلك جميعه.
إن الله عليم خبير محيط بالظواهر والبواطن، لا يخفى عليه شيء منها.
ثم بين - سبحانه - جانبا من الأمور التى استأثر - عز وجل - بعلمها فقال : ( إِنَّ الله عِندَهُ عِلْمُ الساعة ) أى : عنده وحده علم وقتها ، وعلم قيامها ، كما قال - تعالى - : ( يَسْأَلُونَكَ عَنِ الساعة أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَآ إِلاَّ هُوَ .
.
.
) ( وَيُنَزِّلُ الغيث ) أى : وينزل بقدرته المطر ، ويعلم وحده وقت نزوله .
( وَيَعْلَمُ مَا فِي الأرحام ) أى : ويعلم ما فى أرحام الأمهات من ذكر أو أنثى .( وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ ) من النفوس كائنة من كانت ( مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً ) من خير أو شر ، ومن رزق قليل أو كثير ، لأنها لا تملك عمرها إلى الغد .( وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ ) من النفوس - أيضا - كائنة من كانت ( بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ ) أى : بأى مكان ينتهى أجلها .( إِنَّ الله ) - تعالى - ( عَلَيمٌ ) بكل شئ ( خَبِيرٌ ) بما يجرى فى نفوس عباده .
وقد ساق الإِمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية ، جملة من الأحاديث والآثار ، منها ما راه الإِمام أحمد عن ابن عمر - رضى الله عنهما - قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " مفاتيح الغيب خمس لا يعلمهن إلا الله ، ثم قرأ هذه الآية " .وعن مجاهد قال : " جاء رجل من أهل البادية فقال للنبى صلى الله عليه وسلم - " إن امرأتى حبلى فأخبرنى ما تلد؟
وبلادنا جدبة فأخبرنى متى ينزل الغيب؟
وقد علمت متى ولدت فأخبرنى متى أموت؟
" فأنزل الله الآية .وهذه الأمور الخمسة من الأمور التى استأثر الله - تعالى - بها على سبيل العلم اليقينى الشامل المطابق للواقع .
.ولا مانع من أن يطلع الله - تعالى - بضله وكرمه ، بعض أصفيائه على شئ منها .وليست المغيبات محصورة فى هذه الخمسة ، بل كل غيب لا يعلمه إلا الله - تعالى - داخل فيما استأثر الله - تعالى - بعلمه ، وإنما خصت هذه الخمسة بالذكر لأنها من أهم المغيبات ، أو لأن السؤال كان عنها .وما يخبر به المنجم والطبيب وعلماء الأرصاد الجوية من الأمور التى لم تتكشف بعد ، فمبناه على الظن لا على اليقين ، وعلى احتمال الخطأ والصواب .أما علم الله - تعالى - بهذه الأمور وغيرها ، فهو علم يقينى قطعى شامل .
لا يحتمل الظن أو الشك أو الخطأ .وصدق الله إذ يقول : ( وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ ) وبعد : فهذا تفسير محرر لسورة " لقمان " نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصا لوجهه ، ونافعا لعباده ، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .
يقول بعض المفسرين إن الله تعالى نفى علم أمور خمسة بهذه الآية عن غيره وهو كذلك لكن المقصود ليس ذلك، لأن الله يعلم الجوهر الفرد الذي كان في كثيب رمل في زمان الطوفان ونقله الريح من المشرق إلى المغرب كم مرة، ويعلم أنه أين هو ولا يعلمه غيره، ولأن يعلم أنه يوجد بعد هذه السنين ذرة في برية لا يسلكها أحد ولا يعلمه غيره، فلا وجه لاختصاص هذه الأشياء بالذكر وإنما الحق فيه أن نقول لما قال الله: ﴿ اخشوا يَوْماً لاَّ يَجْزِى وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ ﴾ وذكر أنه كائن بقوله: ﴿ إِنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ ﴾ كأن قائلاً قال فمتى يكون هذا اليوم فأجيب بأن هذا العلم ما لم يحصل لغير الله ولكن هو كائن، ثم ذكر الدليلين الذين ذكرناهما مراراً على البعث أحدهما: إحياء الأرض بعد موتها كما قال تعالى: ﴿ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلِ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْهِم مِّن قَبْلِهِۦ لَمُبْلِسِينَ فَٱنظُرْ إِلَىٰٓ ءَاثَٰرِ رَحْمَتِ ٱللَّهِ كَيْفَ يُحْىِ ٱلْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَآ إِنَّ ذَٰلِكَ لَمُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ﴾ وقال تعالى: ﴿ وَيُحْىِ الأرض بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ ﴾ وقال هاهنا يا أيها السائل إنك لا تعلم وقتها ولكنها كائنة والله قادر عليها كما هو قادر على إحياء الأرض حيث قال: ﴿ وَهُوَ الذي يُنَزّلُ الغيث ﴾ وقال: ﴿ ويحيي الأرض ﴾ وثانيهما: الخلق ابتداء كما قال: ﴿ وَهُوَ الذي الله الخلق ثُمَّ يُعِيدُهُ ﴾ وقال تعالى: ﴿ قُلْ سِيرُواْ فِي الأرض فانظروا كَيْفَ بَدَأَ الخلق ثُمَّ الله يُنشِئ النشأة الأخرة ﴾ إلى غير ذلك فقال هاهنا ﴿ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأرحام ﴾ إشارة إلى أن الساعة وإن كنت لا تعلمها لكنها كائنة والله قادر عليها، وكما هو قادر على الخلق في الأرحام كذلك يقدر على الخلق من الرخام، ثم قال لذلك الطالب علمه: يا أيها السائل إنك تسأل عن الساعة أيان مرساها، فلك أشياء أهم منها لا تعلمها، فإنك لا تعلم معاشك ومعادك، ولا تعلم ماذا تكسب غداً مع أنه فعلك وزمانك، ولا تعلم أين تموت مع أنه شغلك ومكانك، فكيف تعلم قيام الساعة متى تكون، فالله ما أعلمك كسب غدك مع أن لك فيه فوائد تبنى عليها الأمور من يومك، ولا أعلمك أين تموت مع أن لك فيه أغراضاً تهيئ أمورك بسبب ذلك العلم وإنما لم يعلمك لكي تكون في وقت بسبب الرزق راجعاً إلى الله تعالى متوكلاً على الله ولا أعلمك الأرض التي تموت فيها كي لا تأمن الموت وأنت في غيرها، فإذا لم يعلمك ما تحتاج إليه كيف يعلمك ما لا حاجة لك إليه، وهي الساعة، وإنما الحاجة إلى العلم بأنها تكون، وقد أعلمك الله على لسان أنبيائه.
ثم قال تعالى: ﴿ إِنَّ الله عَلَيمٌ خَبِيرٌ ﴾ لما خصص أولا علمه بالأشياء المذكورة، بقوله: ﴿ إِنَّ الله عِندَهُ عِلْمُ الساعة ﴾ ذكر أن علمه غير مختص بها، بل هو عليم مطلقاً بكل شيء، وليس علمه علماً بظاهر الأشياء فحسب، بل خبير علمه واصل إلى بواطن الأشياء، والله أعلم بالصواب.
روي: أنّ رجلاً من محارب وهو الحارث بن عمرو بن حارثة أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، أخبرني عن الساعةِ متَى قيامُها، وإنّي قد ألقيتُ حباتِي في الأرض وقدْ أبطأتُ عنَّا السماءُ، فمتَى تمطرُ؟
وأخبرنِّي عنِ امرأتِي فقدْ اشتملتْ ما في بطنِها، أذكرُ أمْ أنثى؟
وإنِّي علمْتُ ما علمْتُ أمس، فما أعملُ غداً؟
وهذا مولدِي قد عرفتُه، فأينَ أموتُ؟
فنزلَتْ وعن النبيّ صلى الله عليه وسلم: «مفاتحُ الغيبِ خمسٌ» وتلا هذه الآية.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما: من ادعى علم هذه الخمسة فقد كذب، إياكم والكهانة فإن الكهانة تدعو إلى الشرك والشرك وأهله في النار.
وعن المنصور أنه أهمه معرفة مدّة عمره، فرأى في منامه كأن خيالاً أخرج يده من البحر وأشار إليه بالأصابع الخمس، فاستفتى العلماء في ذلك، فتأوّلوها بخمس سنين، وبخمسة أشهر، وبغير ذلك، حتى قال أبو حنيفة رحمه الله: تأويلها أنّ مفاتح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله، وأن ما طلبت معرفته لا سبيل لك إليه ﴿ عِندَهُ عِلْمُ الساعة ﴾ أيان مرساها ﴿ وَيُنَزّلُ الغيث ﴾ في إبانه من غير تقديم ولا تأخير، وفي بلد لا يتجاوزه به ﴿ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأرحام ﴾ أذكر أم أنثى، أتام أم ناقص، وكذلك ما سوى ذلك من الأحوال ﴿ وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ ﴾ برّة أو فاجرة ﴿ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً ﴾ من خير أو شر، وربما كانت عازمة على خير فعملت شراً.
وعازمة على شر فعملت خيراً ﴿ وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ ﴾ أين تموت، وربما أقامت بأرض وضربت أوتادها وقالت: لا أبرحها وأقبر فيها.
فترمي بها مرامي القدر حتى تموت في مكان لم يخطر ببالها، ولا حدّثتها به ظنونها.
وروي أنّ ملك الموت مرّ على سليمان فجعل ينظر إلى رجل من جلسائه يديم النظر إليه، فقال الرجل من هذا؟
قال: ملك الموت، فقال: كأنه يريدني.
وسأل سليمان أن يحمله على الريح ويلقيه ببلاد الهند، ففعل.
ثم قال ملك الموت لسليمان كان دوام نظري إليه تعجباً منه، لأني أمرت أن أقبض روحه بالهند وهو عندك.
وجعل العلم لله والدراية للعبد.
لما في الدراية من معنى الختل والحيلة.
والمعنى: أنها لا تعرف- وإن أعملت حيلها- ما يلصق بها ويختص ولا يتخطاها، ولا شيء أخص بالإنسان من كسبه وعاقبته، فإذا لم يكن له طريق إلى معرفتهما، كان من معرفة ما عداهما أبعد.
وقرئ: ﴿ بأية أرض ﴾ .
وشبه سيبويه تأنيث (أي) بتأنيث كل في قولهم: كلتهن.
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَن قرأَ سورَة لقمان كانَ له لقمانُ رفيقاً يومَ القيامةِ وأُعطي من الحسناتِ عشراً عشراً بعدد منْ عمل بالمعروفِ ونهَى عن المنكر» .
﴿ إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ ﴾ عِلْمُ وقْتِ قِيامِها.
لِما رُوِيَ «أنَّ الحَرْثَ بْنَ عَمْرٍو أتى رَسُولَ اللَّهِ فَقالَ: مَتى قِيامُ السّاعَةِ ؟
وإنِّي قَدْ ألْقَيْتُ حَبّاتِي في الأرْضِ فَمَتى السَّماءُ تُمْطِرُ ؟
وحَمْلُ امْرَأتِي أذَكَرٌ أمْ أُنْثى ؟
وما أعْمَلُ غَدًا وأيْنَ أمُوتُ ؟
فَنَزَلَتْ» .
وَعَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «مَفاتِحُ الغَيْبِ خَمْسٌ» وتَلا هَذِهِ الآيَةَ.
﴿ وَيُنَزِّلُ الغَيْثَ ﴾ في إبّانِهِ المُقَدَّرِ لَهُ والمَحَلِّ المُعَيَّنِ لَهُ في عِلْمِهِ، وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ بِالتَّشْدِيدِ.
﴿ وَيَعْلَمُ ما في الأرْحامِ ﴾ أذَكَرٌ أمْ أُنْثى أتامٌّ أمْ ناقِصٌ.
﴿ وَما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَدًا ﴾ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ ورُبَّما تَعْزِمُ عَلى شَيْءٍ وتَفْعَلُ خِلافَهُ.
﴿ وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأيِّ أرْضٍ تَمُوتُ ﴾ كَما لا تَدْرِي في أيِّ وقْتٍ تَمُوتُ.
رُوِيَ أنَّ مَلَكَ المَوْتِ مَرَّ عَلى سُلَيْمانَ فَجَعَلَ يَنْظُرُ إلى رَجُلٍ مِن جُلَسائِهِ يُدِيمُ النَّظَرَ إلَيْهِ، فَقالَ الرَّجُلُ مَن هَذا ؟
قالَ: مَلَكُ المَوْتِ فَقالَ كَأنَّهُ يُرِيدُنِي فَمُرِ الرِّيحَ أنْ تَحْمِلَنِي وتُلْقِيَنِي بِالهِنْدِ فَفَعَلَ فَقالَ المَلَكُ: كانَ دَوامُ نَظَرِي إلَيْهِ تَعَجُبًّا مِنهُ إذْ أُمِرْتُ أنْ أقْبِضَ رُوحَهُ بِالهِنْدِ وهو عِنْدَكَ»، وإنَّما جَعَلَ العِلْمَ لِلَّهِ تَعالى والدِّرايَةَ لِلْعَبْدِ لِأنَّ فِيها مَعْنى الحِيلَةِ فَيَشْعُرُ بِالفَرْقِ بَيْنَ العِلْمَيْنِ، ويَدُلُّ عَلى أنَّهُ إنْ أعْمَلَ حِيلَةً وأنْفَذَ فِيها وُسْعَهُ لَمْ يُعْرَفْ ما هو الحَقُّ بِهِ مِن كَسْبِهِ وعاقِبَتُهُ فَكَيْفَ بِغَيْرِهِ مِمّا لَمْ يُنْصَبْ لَهُ دَلِيلٌ عَلَيْهِ، وقُرِئَ «بِأيَّةِ أرْضٍ» وشَبَّهَ سِيبَوَيْهُ تَأْنِيثَها بِتَأْنِيثِ كُلٍّ في ( كُلُّهُنَّ ) .
﴿ إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ ﴾ يَعْلَمُ الأشْياءَ كُلَّها.
﴿ خَبِيرٌ ﴾ يَعْلَمُ بَواطِنَها كَما يَعْلَمُ ظَواهِرَها.
وَعَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «مَن قَرَأ سُورَةَ لُقْمانَ كانَ لَهُ لُقْمانُ رَفِيقًا يَوْمَ القِيامَةِ، وأُعْطِيَ مِنَ الحَسَناتِ عَشْرًا عَشْرًا بِعَدَدِ مَن عَمِلَ بِالمَعْرُوفِ ونَهى عَنِ المُنْكَرِ» .
{إِنَّ الله عِندَهُ عِلْمُ الساعة} أي وقت قيامها {وَيُنَزّلُ} بالتشديد شامي ومدني وعاصم وهو عطف على ما يقتضيه الظرف من الفعل تقديره إن الله يثبت عنده علم الساعة وينزل {الغيث} في إبّانه من غير تقديم ولا تأخير {ويعلم ما في الأرحام} أذكر أم أنثى وتام ناقص {وما تدري نفس} برة أو فاخرة {مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً} من خير أو شر وربما كانت عازمة على خير فعملت شراً أو عازمة على شر فعملت خيراً {وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ بِأَىّ أَرْضٍ تَمُوتُ} أي أين تموت وربما أقامت بأرض وضربت أو تادها وقالت لا أبرحها فترمي بها مرامي القدر حتى تموت في مكان لم يخطر ببالها روي أن ملك الموت مر على سليمان فجعل ينظر إلى رجل من جلسائه فقال الرجل من هذا قال له ملك الموت قال كأنه يريدني وسأل سليمان عليه السلام أن يحمله على الريح ويلقيه ببلاد الهند ففعل ثم قال ملك الموت لسليمان كان دوام نظري إليه تعجباً منه لأني أمرت أن أقبض روحه بالهند وهو عندك وجعل العلم لله والدراية للعبيد لما فى الدراية من معنى الختل والحيلة والمعنى أنها لا تعرف وإن أعملت حيلها ما يختص بها
ولا شيء أخص بالإنسان من كسبه وعاقبته فإذا لم يكن له طريق إلى معرفتهما كان معرفة ما عداهما أبعد وأما المنجم الذي يخبر بوقت الغيث والموت فإنه يقول بالقياس والنظر في الطالع وما يدرك بالدليل لا يكون غيباً على أنه مجرد الظن والظن غير العلم وعن النبى صلى الله عليه وسلم مفاتح الغيب خمس وتلا هذه الآية وعن ابن عباس رضى الله عنهما من ادّعى علم هذه الخمسة فقد كذب ورأى المنصور في منامه صورة ملك الموت وسأله عن مدة عمره فأشار بأصابعه الخمس فعبرها المعبرون بخمس سنوات وبخمسة أشهر وبخمسة أيام فقال أبو حنيفة رضى الله عنه هو إشارة إلى هذه الآية فإن هذه العلوم الخمسة لا يعلمها إلا الله {إِنَّ الله عَلِيمٌ} بالغيوب {خَبِيرٌ} بما كان ويكون وعن الزهريّ رضي الله تعالى عنه أكثروا قر اءة سورة لقمان فإن فيها أعاجبب والله أعلم
السجدة (٥ - ١)
سورة السجدة {الم تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين {
سورة السجدة مكية وفى ثلاثون آية مدني وكوفي وتسع وعشرون آية يصرى
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿ إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ ﴾ إلَخْ.
أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عِكْرِمَةَ: «أنَّ رَجُلًا يُقالُ لَهُ الوارِثُ بْنُ عَمْرٍو جاءَ إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فَقالَ: يا مُحَمَّدُ، مَتّى قِيامُ السّاعَةِ؟
وقَدْ أجْدَبَتْ بِلادُنا، فَمَتى تُخْصِبُ؟
وقَدْ تَرَكْتُ امْرَأتِي حُبْلى فَما تَلِدُ؟
وقَدْ عَلِمْتُ ما كَسَبْتُ اليَوْمَ فَماذا أكْسِبُ غَدًا؟
وقَدْ عَلِمْتُ بِأيِّ أرْضٍ وُلِدْتُ، فَبِأيِّ أرْضٍ أمُوتُ؟
فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ،» وذَكَرَ نَحْوَهُ مُحْيِي السُّنَّةِ البَغَوِيُّ، والواحِدِيُّ، والثَّعْلَبِيُّ، فَهو نَظَرًا إلى سَبَبِ النُّزُولِ جَوابٌ لِسُؤالٍ مُحَقَّقٍ، ونَظَرًا إلى ما قَبْلَها مِنَ الآيِ جَوابٌ لِسُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّ قائِلًا يَقُولُ: مَتى هَذا اليَوْمُ الَّذِي ذُكِرَ مِن شَأْنِهِ ما ذُكِرَ؟
فَقِيلَ: إنَّ اللَّهَ، ولَمْ يَقُلْ إنَّ عِلْمَ السّاعَةِ عِنْدَ اللَّهِ، مَعَ أنَّهُ أخْصَرُ، لِأنَّ اسْمَ اللَّهِ سُبْحانَهُ أحَقُّ بِالتَّقْدِيمِ، ولِأنَّ تَقْدِيمَهُ وبِناءَ الخَبَرِ عَلَيْهِ يُفِيدُ الحَصْرَ كَما قَرَّرَهُ الطِّيبِيُّ مَعَ ما فِيهِ مِن مَزِيَّةِ تَكَرُّرِ الإسْنادِ، وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ يُفِيدُ الِاخْتِصاصَ أيْضًا، بَلْ لَفْظُ عِنْدَ كَذَلِكَ، لِأنَّها تُفِيدُ حِفْظَهُ بِحَيْثُ لا يُوصَلُ إلَيْهِ، فَيُفِيدُ الكَلامُ مِن أوْجُهٍ اخْتِصاصَ عِلْمِ وقْتِ القِيامَةِ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ويُنَزِّلُ الغَيْثَ ﴾ أيْ في إبّانِهِ مِن غَيْرِ تَقْدِيمٍ ولا تَأْخِيرٍ في بَلَدٍ لا يَتَجاوَزُهُ بِهِ، وبِمِقْدارٍ تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ، الظّاهِرُ أنَّهُ عَطْفٌ عَلى الجُمْلَةِ الظَّرْفِيَّةِ المَبْنِيَّةِ عَلى الِاسْمِ الجَلِيلِ عَلى عَكْسِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ نُسْقِيكم مِمّا في بُطُونِها ولَكم فِيها مَنافِعُ ﴾ فَيَكُونُ خَبَرًا مَبْنِيًّا عَلى الِاسْمِ الجَلِيلِ مِثْلَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، فَيُفِيدُ الكَلامُ الِاخْتِصاصَ أيْضًا، والمَقْصُودُ تَقْيِيداتُ التَّنْزِيلِ الرّاجِعَةُ إلى العِلْمِ لا مَحْضِ القُدْرَةِ عَلى التَّنْزِيلِ، إذْ لا شُبْهَةَ فِيهِ، فَيَرْجِعُ الِاخْتِصاصُ إلى العِلْمِ بِزَمانِهِ ومَكانِهِ ومِقْدارِهِ، كَما يُشِيرُ إلى ذَلِكَ كَلامُ الكَشْفِ، وقالَ العَلّامَةُ الطِّيبِيُّ في شَرْحِ الكَشّافِ: دِلالَةُ هَذِهِ الجُمْلَةِ عَلى عِلْمِ الغَيْبِ مِن حَيْثُ دِلالَةُ المَقْدُورِ المُحْكَمِ المُتْقَنِ عَلى العِلْمِ الشّامِلِ، وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ ويَعْلَمُ ما في الأرْحامِ ﴾ أيْ أذَكَرٌ أمْ أُنْثى؟
أتامٌّ أمْ ناقِصٌ؟
وكَذَلِكَ ما سِوى ذَلِكَ مِنَ الأحْوالِ، عُطِفَ عَلى الجُمْلَةِ الظَّرْفِيَّةِ أيْضًا نَظِيرَ ما قَبْلَهُ، وخُولِفَ بَيْنَ ﴿ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ ﴾ وبَيْنَ هَذا، لِيَدُلَّ في الأوَّلِ عَلى مَزِيدِ الِاخْتِصاصِ اعْتِناءً بِأمْرِ السّاعَةِ ودِلالَةً عَلى شِدَّةِ خَفائِها، وفي هَذا عَلى اسْتِمْرارِ تَجَدُّدِ التَّعَلُّقاتِ بِحَسَبِ تَجَدُّدِ المُتَعَلِّقاتِ مَعَ الِاخْتِصاصِ، ولَمْ يُراعَ هَذا الأُسْلُوبُ فِيما قَبْلَهُ بِأنْ يُقالَ: ويَعْلَمُ الغَيْثَ مَثَلًا إشارَةً بِإسْنادِ التَّنْزِيلِ إلى الِاسْمِ الجَلِيلِ صَرِيحًا إلى عِظَمِ شَأْنِهِ لِما فِيهِ مِن كَثْرَةِ المَنافِعِ لِأجْناسِ الخَلائِقِ، وشُيُوعِ الِاسْتِدْلالِ بِما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِن إحْياءِ الأرْضِ عَلى صِحَّةِ البَعْثِ المُشارِ إلَيْهِ بِالسّاعَةِ في الكِتابِ العَظِيمِ، قالَ تَعالى: ﴿ وإنْ كانُوا مِن قَبْلِ أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِن قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ ﴾ ﴿ فانْظُرْ إلى آثارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي المَوْتى ﴾ ، وقالَ سُبْحانَهُ: ﴿ ويُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ ﴾ ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ، ورُبَّما يُقالُ: إنَّ لِتَنْزِيلِ الغَيْثِ، وإنْ لَمْ يَكُنِ الغَيْثَ المَعْهُودَ دَخْلًا في المَبْعَثِ بِناءً عَلى ما ورَدَ مِن حَدِيثِ «مَطَرِ السَّماءِ بَعْدَ النَّفْخَةِ الأُولى مَطَرًا كَمَنِيِّ الرِّجالِ».
وقِيلَ: الِاخْتِصاصُ راجِعٌ إلى التَّنْزِيلِ، وما تَرْجِعُ إلَيْهِ تَقْيِيداتُهُ الَّتِي يَقْتَضِيها المَقامُ مِنَ العِلْمِ، وفي ذَلِكَ رَدٌّ عَلى القائِلِينَ: مُطِرْنا بِنَوْءِ كَذا، ولِلِاعْتِناءِ بِرَدِّ ذَلِكَ لِما فِيهِ مِنَ الشِّرْكِ في الرُّبُوبِيَّةِ عُدِلَ عَنْ يَعْلَمُ إلى ( يُنَزِّلُ )، وهو كَما تَرى، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وما تَدْرِي نَفْسٌ ﴾ أيْ كُلُّ نَفْسٍ بَرَّةٍ كانَتْ أوْ فاجِرَةً، كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ وُقُوعُ النَّكِرَةِ في سِياقِ النَّفْيِ ﴿ ماذا تَكْسِبُ غَدًا ﴾ أيْ في الزَّمانِ المُسْتَقْبَلِ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ وما تَدْرِي نَفْسٌ بِأيِّ أرْضٍ تَمُوتُ ﴾ عَطْفٌ عَلى ما اسْتَظْهَرَهُ صاحِبُ الكَشْفِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ ﴾ وأشارَ إلى أنَّهُ لَمّا كانَ الكَلامُ مَسُوقًا لِلِاخْتِصاصِ لا لِإفادَةِ أصْلِ العِلْمِ لَهُ تَعالى، فَإنَّهُ غَيْرُ مُنْكَرٍ لَزِمَ مِنَ النَّفْيِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِغْراقِ اخْتِصاصُهُ بِهِ عَزَّ وجَلَّ عَلى سَبِيلِ الكِنايَةِ عَلى الوَجْهِ الأبْلَغِ، وفي العُدُولِ عَنْ لَفْظِ العِلْمِ إلى لَفْظِ الدِّرايَةِ لِما فِيها مِن مَعْنى الخَتَلِ والحِيلَةِ، لِأنَّ أصْلَ دَرى رَمى الدَّرِيَّةَ، وهي الحَلْقَةُ الَّتِي يَقْصِدُ رَمْيَها الرُّماةُ، وما يُتَعَلَّمُ عَلَيْهِ الطَّعْنُ والنّاقَةُ الَّتِي يُسَيِّبُها الصّائِدُ لِيَأْنَسَ بِها الصَّيْدُ فَيَسْتَتِرُ مِن ورائِها فَيَرْمِيهِ، وفي كُلٍّ حِيلَةٌ، ولِكَوْنِها عِلْمًا بِضَرْبٍ مِنَ الخَتَلِ والحِيلَةِ لا تُنْسَبُ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ إلّا إذا أُوِّلَتْ بِمُطْلَقِ العِلْمِ كَما في خَبَرِ: ««خَمْسٌ لا يَدْرِيهِنَّ إلّا اللَّهُ تَعالى»» وقِيلَ: قَدْ يُقالُ المَمْنُوعُ نِسْبَتُها إلَيْهِ سُبْحانَهُ بِانْفِرادِهِ تَعالى، أمّا مَعَ غَيْرِهِ تَبارَكَ اسْمُهُ تَغْلِيبًا فَلا، ويُفْهَمُ مِن كَلامِ بَعْضِهِمْ صِحَّةُ النِّسْبَةِ إلَيْهِ جَلَّ وعَلا عَلى سَبِيلِ المُشاكَلَةِ كَما في قَوْلِهِ: لاهُمَّ لا أدْرِي وأنْتَ الدّارِي فَلا حاجَةَ إلى ما قِيلَ: إنَّهُ كَلامُ أعْرابِيٍّ جِلْفٍ لا يَعْرِفُ ما يَجُوزُ إطْلاقُهُ عَلى اللَّهِ تَعالى، وما يَمْتَنِعُ، فَيَكُونُ المَعْنى لا تَعْرِفُ كُلُّ نَفْسٍ، وإنْ أعْمَلَتْ حِيَلَها ما يَلْصَقُ بِها، ويَخْتَصُّ، ولا يَتَخَطّاها، ولا شَيْءَ أخَصُّ بِالإنْسانِ مِن كَسْبِهِ، وعاقِبَتِهِ، فَإذا لَمْ يَكُنْ لَهُ طَرِيقٌ إلى مَعْرِفَتِهِما، كانَ مِن مَعْرِفَةِ ما عَداهُما أبْعَدَ وأبْعَدَ، وقَدْ رُوعِيَ في هَذا الأُسْلُوبِ الإدْماجُ المَذْكُورُ، ولِذا لَمْ يَقُلْ: ويَعْلَمُ ماذا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ، ويَعْلَمُ أنَّ كُلَّ نَفْسٍ بِأيِّ أرْضٍ تَمُوتُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ أصْلُ ﴿ ويُنَزِّلُ الغَيْثَ ﴾ وأنْ يُنَزِّلَ الغَيْثَ، فَحُذِفَ أنْ، وارْتَفَعَ الفِعْلُ كَما في قَوْلِهِ: أيُّهَذا الزّاجِرِي أحَضَرَ الوَغى وكَذا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ ويَعْلَمُ ما في الأرْحامِ ﴾ والعَطْفُ عَلى ( عِلْمُ السّاعَةِ ) فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ، وتَنْزِيلُ الغَيْثِ، وعِلْمُ ما في الأرْحامِ، ودِلالَةُ ذَلِكَ عَلى اخْتِصاصِ عِلْمِ تَنْزِيلِ الغَيْثِ بِهِ سُبْحانَهُ ظاهِرٌ لِظُهُورِ أنَّ المُرادَ بِعِنْدِهِ تَنْزِيلُ الغَيْثِ عِنْدَهُ عِلْمُ تَنْزِيلِهِ، وإذا عَطَفَ ( يُنَزِّلُ ) عَلى ( السّاعَةِ ) كانَ الِاخْتِصاصُ أظْهَرُ لِانْسِحابِ عِلْمِ المُضافِ إلى السّاعَةِ إلى الإنْزالِ حِينَئِذٍ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ وعِلْمُ تَنْزِيلِ الغَيْثِ، وهَذا العَطْفُ لا يَكادُ يَتَسَنّى في ( ويَعْلَمُ ) إذْ يَكُونُ التَّقْدِيرُ: وعِنْدَهُ عِلْمُ عِلْمِ ما في الأرْحامِ، ولَيْسَ ذاكَ بِمُرادٍ أصْلًا.
وجَعَلَ الطِّيبِيُّ ﴿ وما تَدْرِي نَفْسٌ ﴾ إلَخْ، مَعْطُوفًا عَلى خَبَرِ إنَّ، مِن حَيْثُ المَعْنى بِأنْ يُجْعَلَ المَنفِيُّ مُثْبَتًا بِأنْ يُقالَ: ويَعْلَمُ ماذا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ غَدًا، ويَعْلَمُ أنَّ كُلَّ نَفْسٍ بِأيِّ أرْضٍ تَمُوتُ، وقالَ: إنَّ مِثْلَ ذَلِكَ جائِزٌ في الكَلامِ إذا رُوعِيَ نُكَتُهُ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكم ألا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا ﴾ ، فَإنَّ العَطْفَ فِيهِ بِاعْتِبارِ رُجُوعِ التَّحْرِيمِ إلى ضِدِّ الإحْسانِ، وهي الإساءَةُ، وذَكَرَ في بَيانِ نُكْتَةِ العُدُولِ عَنِ المُثْبَتِ إلى المَنفِيِّ نَحْوَ ما ذَكَرْنا آنِفًا.
وتَعَقَّبَ ذَلِكَ صاحِبُ الكَشْفِ بِأنَّ عَنْهُ مَندُوحَةً أيْ بِما ذَكَرَ مِن عَطْفِهِ عَلى جُمْلَةِ: ﴿ إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ ﴾ وقالَ الإمامُ في وجْهِ نَظْمِ الجُمَلِ: الحَقُّ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿ واخْشَوْا يَوْمًا ﴾ إلَخْ، وذَكَرَ سُبْحانَهُ أنَّهُ كائِنٌ بِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ قائِلًا: ( إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ) فَكَأنَّ قائِلًا يَقُولُ: فَمَتى هَذا اليَوْمُ؟
فَأُجِيبَ بِأنَّ هَذا العِلْمَ مِمّا لَمْ يَحْصُلْ لِغَيْرِهِ تَعالى، وذَلِكَ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ ﴾ ثُمَّ ذَكَرَ جَلَّ وعَلا الدَّلِيلَيْنِ اللَّذَيْنِ ذُكِرا مِرارًا عَلى البَعْثِ.
أحَدُهُما إحْياءُ الأرْضِ بَعْدَ مَوْتِها المُشارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ويُنَزِّلُ الغَيْثَ ﴾ والثّانِي الخَلْقُ ابْتِداءً المُشارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ويَعْلَمُ ما في الأرْحامِ ﴾ فَكَأنَّهُ قالَ عَزَّ وجَلَّ: يا أيُّها السّائِلُ إنَّكَ لا تَعْلَمُ وقْتَها، ولَكِنَّها كائِنَةٌ واللَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلَيْها كَما هو سُبْحانَهُ قادِرٌ عَلى إحْياءِ الأرْضِ، وعَلى الخَلْقِ في الأرْحامِ، ثُمَّ بَعْدُ جَلَّ شَأْنُهُ لَهُ أنْ يَعْلَمَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: (وما تَدْرِي) إلَخْ، فَكَأنَّهُ قالَ تَعالى: يا أيُّها السّائِلُ، إنَّكَ تَسْألُ عَنِ السّاعَةِ أيّانَ مُرْساها، وإنَّ مِنَ الأشْياءِ ما هو أهَمُّ مِنها، لا تَعْلَمُ مَعاشَكَ ومَعادَكَ فَما تَعْلَمُ ماذا تَكْسِبُ غَدًا مَعَ أنَّهُ فِعْلُكَ وزَمانُكَ، ولا تَعْلَمُ أيْنَ تَمُوتُ مَعَ أنَّهُ شُغْلُكَ ومَكانُكَ، فَكَيْفَ تَعْلَمُ قِيامَ السّاعَةِ، مَتى يَكُونُ؟
واللَّهُ تَعالى ما عَلَّمَكَ كَسْبَ غَدِكَ ولا عَلَّمَكَ أيْنَ تَمُوتُ؟
مَعَ أنَّ لَكَ في ذَلِكَ فَوائِدَ شَتّى، وإنَّما لَمْ يُعْلِمْكَ لِكَيْ تَكُونَ في كُلِّ وقْتٍ بِسَبَبِ الرِّزْقِ راجِعًا مُتَوَكِّلًا عَلَيْهِ سُبْحانَهُ، ولِكَيْلا تَأْمَنَ المَوْتَ، إذا كُنْتَ في غَيْرِ الأرْضِ الَّتِي أعْلَمَكَ سُبْحانَهُ أنَّكَ تَمُوتُ فِيها، فَإذا لَمْ يُعْلِمْكَ ما تَحْتاجُ إلَيْهِ، كَيْفَ يُعْلِمُكَ ما لا حاجَةَ لَكَ إلَيْهِ، وهو وقْتُ القِيامَةِ، وإنَّما الحاجَةُ إلى العِلْمِ بِأنَّها تَكُونُ، وقَدْ أعْلَمَكَ جَلَّ وعَلا بِذَلِكَ عَلى ألْسِنَةِ أنْبِيائِهِ تَعالى عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ انْتَهى، ولا يَخْفى أنَّ الظّاهِرَ عَلى ما ذَكَرَهُ أنْ يُقالَ: وبِخَلْقِ ما في الأرْحامِ، كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ ويُنَزِّلُ الغَيْثَ ﴾ ووَجْهُ العُدُولِ عَنْ ذَلِكَ إلى ما في النَّظْمِ الجَلِيلِ غَيْرُ ظاهِرٍ، عَلى أنَّ كَلامَهُ بَعْدُ لا يَخْلُو عَنْ شَيْءٍ، وكَوْنُ المُرادِ اخْتِصاصَ عِلْمِ هَذِهِ الخَمْسِ بِهِ عَزَّ وجَلَّ هو الَّذِي تَدُلُّ عَلَيْهِ الأحادِيثُ والآثارُ، فَقَدْ أخْرَجَ الشَّيْخانِ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مِن حَدِيثٍ طَوِيلٍ: ««أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ سُئِلَ مَتى السّاعَةُ؟
فَقالَ لِلسّائِلِ: ما المَسْؤُولُ عَنْها بِأعْلَمَ مِنَ السّائِلِ، وسَأُخْبِرُكَ عَنْ أشْراطِها، إذا ولَدَتِ الأمَةُ رَبَّها، وإذا تَطاوَلَ رُعاةُ الإبِلِ إلَيْهِمْ في البُنْيانِ في خَمْسٍ لا يَعْلَمُهُنَّ إلّا اللَّهُ تَعالى، ثُمَّ تَلا النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ﴿ إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ ويُنَزِّلُ الغَيْثَ ﴾ الآيَةَ»» أيْ إلى آخِرِ السُّورَةِ كَما في بَعْضِ الرِّواياتِ، وما وقَعَ عِنْدَ البُخارِيِّ في التَّفْسِيرِ مِن قَوْلِهِ: إلى الأرْحامِ تَقْصِيرٌ مِن بَعْضِ الرُّواةِ، وأخْرَجا أيْضًا هُما وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««مِفْتاحُ - وفي رِوايَةِ مَفاتِحُ - الغَيْبِ خَمْسٌ لا يَعْلَمُها إلّا اللَّهُ تَعالى، لا يَعْلَمُ أحَدٌ ما يَكُونُ في غَدٍ، ولا يَعْلَمُ أحَدٌ ما يَكُونُ في الأرْحامِ، ولا تَعْلَمُ نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَدًا، وما تَدْرِي نَفْسٌ بِأيِّ أرْضٍ تَمُوتُ، وما يَدْرِي أحَدٌ مَتى يَجِيءُ المَطَرُ»».
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والبَزّارُ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والرُّويانِيُّ، والضِّياءُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، عَنْ بُرَيْدَةَ قالَ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: «خَمْسٌ لا يَعْلَمُهُنَّ إلّا اللَّهُ، إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ، الآيَةَ»» وظاهِرُ هَذِهِ الأخْبارِ يَقْتَضِي أنَّ ما عَدا هَذِهِ الخَمْسَ مِنَ المُغَيَّباتِ قَدْ يَعْلَمُهُ غَيْرُهُ عَزَّ وجَلَّ، وإلَيْهِ ذَهَبَ مَن ذَهَبَ.
أخْرَجَ حُمَيْدُ بْنُ زَنْجَوَيْهِ، عَنْ بَعْضِ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أنَّهُ ذَكَرَ العِلْمَ بِوَقْتِ الكُسُوفِ قَبْلَ الظُّهُورِ، فَأُنْكِرَ عَلَيْهِ، فَقالَ: إنَّما الغَيْبُ خَمْسٌ وتَلا هَذِهِ الآيَةَ، وما عَدا ذَلِكَ غَيْبٌ يَعْلَمُهُ قَوْمٌ ويَجْهَلُهُ قَوْمٌ، وفي بَعْضِ الأخْبارِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ عِلْمَ هَذِهِ الخَمْسِ لَمْ يُؤْتَ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ويَلْزَمُهُ أنَّهُ لَمْ يُؤْتَ لِغَيْرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن بابِ أوْلى.
أخْرَجَ أحْمَدُ، والطَّبَرانِيُّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ النَّبِيَّ قالَ: ««أُوتِيتُ مَفاتِيحَ كُلِّ شَيْءٍ إلّا الخَمْسَ، ( إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ)» الآيَةَ».
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وأبُو يَعْلى، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «أُوتِيَ نَبِيُّكم مَفاتِيحَ كُلِّ شَيْءٍ غَيْرَ الخَمْسِ: ( إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ ) الآيَةَ».
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ قالَ: «لَمْ يُغَمَّ عَلى نَبِيِّكم إلّا الخَمْسُ مِن سَرائِرِ الغَيْبِ هَذِهِ الآيَةُ في آخِرِ لُقْمانَ: (إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ) إلى آخِرِ السُّورَةِ».
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وأحْمَدُ، والبُخارِيُّ في الأدَبِ، عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِراشٍ قالَ: «حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِن بَنِي عامِرٍ أنَّهُ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ بَقِيَ مِنَ العِلْمِ شَيْءٌ لا تَعْلَمُهُ؟
فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: لَقَدْ عَلَّمَنِي اللَّهُ تَعالى خَيْرًا، وإنَّ مِنَ العِلْمِ ما لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ تَعالى الخَمْسَ، ﴿ إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ ﴾ الآيَةَ».
وصَرَّحَ بَعْضُهم بِاسْتِئْثارِ اللَّهِ تَعالى بِهِنَّ، أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: خَمْسٌ مِنَ الغَيْبِ اسْتَأْثَرَ اللَّهُ تَعالى بِهِنَّ، فَلَمْ يُطْلِعْ عَلَيْهِنَّ مَلَكًا مُقَرَّبًا، ولا نَبِيًّا مُرْسَلًا، (إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ)، ولا يَدْرِي أحَدٌ مِنَ النّاسِ مَتى تَقُومُ السّاعَةُ في أيِّ سَنَةٍ، ولا في أيِّ شَهْرٍ، ألَيْلًا، أمْ نَهارًا؟
ويُنَزِّلُ الغَيْثَ فَلا يَعْلَمُ أحَدٌ مَتى يَنْزِلُ الغَيْثُ ألَيْلًا أمْ نَهارًا؟
ويَعْلَمُ ما في الأرْحامِ، فَلا يَعْلَمُ أحَدٌ ما في الأرْحامِ أذَكَرًا أمْ أُنْثى أحْمَرَ أوْ أسْوَدَ؟
ولا تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَدًا؟
أخَيْرًا أمْ شَرًّا؟
وما تَدْرِي بِأيِّ أرْضٍ تَمُوتُ؟
لَيْسَ أحَدٌ مِنَ النّاسِ يَدْرِي أيْنَ مَضْجَعُهُ مِنَ الأرْضِ، أفِي بَحْرٍ أمْ في بَرٍّ؟
في سَهْلٍ؟
أمْ في جَبَلٍ؟
والَّذِي يَنْبَغِي أنْ يُعْلَمَ أنَّ كُلَّ غَيْبٍ لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، ولَيْسَ المُغَيَّباتُ مَحْصُورَةً بِهَذِهِ الخَمْسِ، وإنَّما خُصَّتْ بِالذِّكْرِ لِوُقُوعِ السُّؤالِ عَنْها، أوْ لِأنَّها كَثِيرًا ما تَشْتاقُ النُّفُوسُ إلى العِلْمِ بِها، وقالَ القَسْطَلّانِيُّ: ذَكَرَ خَمْسًا، وإنْ كانَ الغَيْبُ لا يَتَناهى، لِأنَّ العَدَدَ لا يَنْفِي زائِدًا عَلَيْهِ، ولِأنَّ هَذِهِ الخَمْسَةَ هي الَّتِي كانُوا يَدَّعُونَ عِلْمَها، انْتَهى، وفي التَّعْلِيلِ الأخِيرِ نَظَرٌ لا يَخْفى، وأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُطْلِعَ اللَّهُ تَعالى بَعْضَ أصْفِيائِهِ عَلى إحْدى هَذِهِ الخَمْسِ ويَرْزُقَهُ عَزَّ وجَلَّ العِلْمَ بِذَلِكَ في الجُمْلَةِ، وعِلْمُها الخاصُّ بِهِ جَلَّ وعَلا ما كانَ عَلى وجْهِ الإحاطَةِ والشُّمُولِ لِأحْوالِ كُلٍّ مِنها، وتَفْصِيلَهُ عَلى الوَجْهِ الأتَمِّ، وفي شَرْحِ المُناوِيِّ الكَبِيرِ لِلْجامِعِ الصَّغِيرِ في الكَلامِ عَلى حَدِيثِ بُرَيْدَةَ السّابِقِ: (خَمْسٌ لا يَعْلَمُهُنَّ إلّا اللَّهُ)، عَلى وجْهِ الإحاطَةِ والشُّمُولِ كُلِّيًّا وجُزْئِيًّا، فَلا يُنافِيهِ إطْلاعُ اللَّهِ تَعالى بَعْضَ خَواصِّهِ عَلى بَعْضِ المُغَيَّباتِ مِن هَذِهِ الخَمْسِ، لِأنَّها جُزْئِيّاتٌ مَعْدُودَةٌ، وإنْكارُ المُعْتَزِلَةِ لِذَلِكَ مُكابَرَةٌ انْتَهى، ويُعْلَمُ مِمّا ذَكَرْنا وجْهُ الجَمْعِ بَيْنَ الأخْبارِ الدّالَّةِ عَلى اسْتِئْثارِ اللَّهِ تَعالى بِعِلْمِ ذَلِكَ، وبَيْنَ ما يَدُلُّ عَلى خِلافِهِ كَبَعْضِ إخْباراتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالمُغَيَّباتِ الَّتِي هي مِن هَذا القَبِيلِ، يَعْلَمُ ذَلِكَ مَن راجَعَ نَحْوَ الشِّفاءِ، والمَواهِبِ اللَّدُنِّيَّةِ مِمّا ذُكِرَ فِيهِ مُعْجِزاتُهُ ، وإخْبارُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالمُغَيَّباتِ، وذَكَرَ القَسْطَلّانِيُّ أنَّهُ عَزَّ وجَلَّ إذا أمَرَ بِالغَيْثِ وسَوْقِهِ إلى ما شاءَ مِنَ الأماكِنِ عَلِمَتْهُ المَلائِكَةُ المُوَكَّلُونَ بِهِ، ومَن شاءَ سُبْحانَهُ مِن خَلْقِهِ عَزَّ وجَلَّ، وكَذا إذا أرادَ تَبارَكَ وتَعالى خَلْقَ شَخْصٍ في رَحِمٍ يُعْلِمُ سُبْحانَهُ المَلَكَ المُوَكَّلَ بِالرَّحِمِ بِما يُرِيدُ جَلَّ وعَلا، كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ ما أخْرَجَهُ البُخارِيُّ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ قالَ: ««إنَّ اللَّهَ تَعالى وكَّلَ بِالرَّحِمِ مَلَكًا يَقُولُ: يا رَبِّ نُطْفَةٌ، يا رَبِّ عَلَقَةٌ، يا رَبِّ مُضْغَةٌ، فَإذا أرادَ اللَّهُ تَعالى أنْ يَقْضِيَ خَلْقَهُ قالَ: أذَكَرٌ أمْ أُنْثى؟
شَقِيٌّ أمْ سَعِيدٌ؟
فَما الرِّزْقُ والأجَلُ؟
فَيُكْتَبُ في بَطْنِ أُمِّهِ، فَحِينَئِذٍ يَعْلَمُ بِذَلِكَ المَلَكُ، ومَن شاءَ اللَّهُ تَعالى مِن خَلْقِهِ عَزَّ وجَلَّ»» وهَذا لا يُنافِي الِاخْتِصاصَ والِاسْتِئْثارَ بِعِلْمِ المَذْكُوراتِ بِناءً عَلى ما سَمِعْتَ مِنّا مِن أنَّ المُرادَ بِالعِلْمِ الَّذِي اسْتَأْثَرَ سُبْحانَهُ بِهِ العِلْمُ الكامِلُ بِأحْوالِ كُلٍّ عَلى التَّفْصِيلِ، فَما يَعْلَمُ بِهِ المَلَكُ ويَطَّلِعُ عَلَيْهِ بَعْضُ الخَواصِّ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ دُونَ ذَلِكَ العِلْمِ، بَلْ هو كَذَلِكَ في الواقِعِ بِلا شُبْهَةٍ، وقَدْ يُقالُ فِيما يَحْصُلُ لِلْأوْلِياءِ مِنَ العِلْمِ بِشَيْءٍ مِمّا ذُكِرَ إنَّهُ لَيْسَ بِعِلْمٍ يَقِينِيٍّ قالَ: عَلِيٌّ القارِي في شَرْحِ الشِّفا: الأوْلِياءُ وإنْ كانَ قَدْ يَنْكَشِفُ لَهم بَعْضُ الأشْياءِ، لَكِنْ عِلْمُهم لا يَكُونُ يَقِينِيًّا، وإلْهامُهم لا يُفِيدُ إلّا أمْرًا ظَنِّيًّا، ومِثْلُ هَذا عِنْدِي بَلْ هو دُونَهُ بِمَراحِلَ عِلْمُ النُّجُومِيِّ ونَحْوِهِ بِواسِطَةِ أماراتٍ عِنْدَهُ بِنُزُولِ الغَيْثِ، وذُكُورَةِ الحَمْلِ أوْ أُنُوثَتِهِ، أوْ نَحْوِ ذَلِكَ، ولا أرى كُفْرَ مَن يَدَّعِي مِثْلَ هَذا العِلْمِ، فَإنَّهُ ظَنٌّ عَنْ أمْرٍ عادِيٍّ، وقَدْ نَقَلَ العَسْقَلانِيُّ في فَتْحِ البارِي عَنِ القُرْطُبِيِّ أنَّهُ قالَ: مَنِ ادَّعى عِلْمَ شَيْءٍ مِنَ الخَمْسِ غَيْرَ مُسْنَدَةٍ إلى رَسُولِ اللَّهِ كانَ كاذِبًا في دَعْواهُ، وأمّا ظَنُّ الغَيْبِ فَقَدْ يَجُوزُ مِنَ المُنَجِّمِ، وغَيْرِهِ إذا كانَ عَنْ أمْرٍ عادِيٍّ، ولَيْسَ ذَلِكَ بِعِلْمٍ، وعَلَيْهِ فَقَوْلُ القَسْطَلّانِيِّ: مَنِ ادَّعى عِلْمَ شَيْءٍ مِنها فَقَدْ كَفَرَ بِالقُرْآنِ العَظِيمِ يَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ العِلْمُ فِيهِ عَلى نَحْوِ العِلْمِ الَّذِي اسْتَأْثَرَ اللَّهُ تَعالى بِهِ دُونَ مُطْلَقِ العِلْمِ الشّامِلِ لِلظَّنِّ، وما يُشْبِهُهُ، وبَعْدَ هَذا كُلِّهِ إنَّ أمْرَ السّاعَةِ أخْفى الأُمُورِ المَذْكُورَةِ، وإنَّ ما أطْلَعَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ نَبِيَّهُ مِن وقْتِ قِيامِها في غايَةِ الإجْمالِ، وإنْ كانَ أتَمَّ مِن عِلْمِ غَيْرِهِ مِنَ البَشَرِ .
وقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ««بُعِثْتُ أنا والسّاعَةَ كَهاتَيْنِ»» لا يَدُلُّ عَلى أكْثَرِ مِنَ العِلْمِ الإجْمالِيِّ بِوَقْتِها، ولا أظُنُّ أنَّ خَواصَّ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ أعْلَمُ مِنهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِذَلِكَ، ويُؤَيِّدُ ظَنِّي ما رَواهُ الحُمَيْدِيُّ في نَوادِرِهِ بِالسَّنَدِ عَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ: سَألَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِما السَّلامُ عَنِ السّاعَةِ فانْتَفَضَ بِأجْنِحَتِهِ، وقالَ: ما المَسْؤُولُ بِأعْلَمَ مِنَ السّائِلِ، والمُرادُ التَّساوِي في العِلْمِ، بِأنَّ اللَّهَ تَعالى اسْتَأْثَرَ بِعِلْمِها عَلى الوَجْهِ الأكْمَلِ، ويُرْشِدُ إلى العِلْمِ الإجْمالِيِّ بِها ذِكْرُ أشْراطِها كَما لا يَخْفى، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعالى أطْلَعَ حَبِيبَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى وقْتِ قِيامِها عَلى وجْهٍ كامِلٍ، لَكِنْ لا عَلى وجْهٍ يُحاكِي عِلْمَهُ تَعالى بِهِ إلّا أنَّهُ سُبْحانَهُ أوْجَبَ عَلَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كَتْمَهُ لِحِكْمَةٍ، ويَكُونُ ذَلِكَ مِن خَواصِّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ولَيْسَ عِنْدِي ما يُفِيدُ الجَزْمَ بِذَلِكَ، هَذا وخَصَّ سُبْحانَهُ المَكانَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وما تَدْرِي نَفْسٌ بِأيِّ أرْضٍ تَمُوتُ ﴾ لِيُعْرَفَ الزَّمانُ مِن بابِ أوْلى، فَإنَّ الأوَّلَ في وُسْعِ النَّفْسِ في الجُمْلَةِ بِخِلافِ الثّانِي، وأخْرَجَ أحْمَدُ وجَماعَةٌ عَنْ أبِي غُرَّةَ الهُذَلِيِّ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ : «إذا أرادَ اللَّهُ تَعالى قَبْضَ عَبْدٍ بِأرْضٍ جَعَلَ لَهُ إلَيْها حاجَةً، فَلَمْ يَنْتَهِ حَتّى يَقْدَمَها، ثُمَّ قَرَأ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: (وما تَدْرِي نَفْسٌ بِأيِّ أرْضٍ تَمُوتُ)»» وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ، عَنْ خَيْثَمَةَ أنَّ مَلَكَ المَوْتِ مَرَّ عَلى سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَجَعَلَ يَنْظُرُ إلى رَجُلٍ مِن جُلَسائِهِ يُدِيمُ النَّظَرَ إلَيْهِ، فَقالَ الرَّجُلُ: مَن هَذا؟
قالَ: مَلَكُ المَوْتِ، فَقالَ: كَأنَّهُ يُرِيدُنِي، فَمُرِ الرِّيحَ أنْ تَحْمِلَنِي وتُلْقِيَنِي بِالهِنْدِ، فَفَعَلَ، فَقالَ المَلَكُ: كانَ دَوامُ نَظَرِي إلَيْهِ تَعَجُّبًا مِنهُ، إذْ أُمِرْتُ أنْ أقْبِضَ رُوحَهُ بِالهِنْدِ، وهو عِنْدَكَ.
( وتَدْرِي ) في المَوْضِعَيْنِ مُعَلَّقَةٌ، فالجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ماذا تَكْسِبُ ﴾ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ماذا كُلُّها مَوْصُولًا مَنصُوبَ المَحَلِّ (بِتَدْرِي) كَأنَّهُ قِيلَ: وما تَدْرِي نَفْسٌ الشَّيْءَ الَّذِي تَكْسِبُهُ غَدًا، ( وبِأيِّ ) مُتَعَلِّقٌ (بِتَمُوتُ)، والباءُ ظَرْفِيَّةٌ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ (بِتَدْرِي).
وقَرَأ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ السَّبْعَةِ «يُنْزِلُ» مِنَ الإنْزالِ، وقَرَأ مُوسى الأسْوارِيُّ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ «بِأيَّةِ أرْضٍ» بِتاءِ التَّأْنِيثِ لِإضافَتِها إلى المُؤَنَّثِ، وهي لُغَةٌ قَلِيلَةٌ فِيها، كَما أنَّ كُلّا إذا أُضِيفَتْ إلى مُؤَنَّثٍ قَدْ تُؤَنَّثُ نادِرًا فَيُقالُ: كُلَّتُهُنَّ فَعَلْنَ ذَلِكَ، فَلْيُعْلَمْ، واللَّهُ عَزَّ جَلَّ أعْلَمُ.
﴿ إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ ﴾ مُبالِغٌ في العِلْمِ، فَلا يَعْزُبُ عَنْ عِلْمِهِ سُبْحانَهُ شَيْءٌ مِنَ الأشْياءِ، ﴿ خَبِيرٌ ﴾ يَعْلَمُ بَواطِنَها كَما يَعْلَمُ ظَواهِرَها، فالجَمْعُ بَيْنَ الوَصْفَيْنِ لِلْإشارَةِ إلى التَّسْوِيَةِ بَيْنَ عِلْمِ الظّاهِرِ والباطِنِ عِنْدَهُ عَزَّ وجَلَّ، والجُمْلَةُ عَلى ما قِيلَ في مَوْضِعِ التَّعْلِيلِ لِعِلْمِهِ سُبْحانَهُ بِما ذُكِرَ، وقِيلَ: جَوابُ سُؤالٍ نَشَأ مِن نَفْيِ دِرايَةِ الأنْفُسِ ماذا تَكْسِبُ غَدًا، وبِأيِّ أرْضٍ تَمُوتُ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَمَن يَعْلَمُ ذَلِكَ؟
فَقِيلَ: إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ، وهو جَوابٌ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى يَعْلَمُ ذَلِكَ وزِيادَةً، ولا يَخْفى أنَّهُ إذا كانَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ مِن تَتِمَّةِ الجُمْلَتَيْنِ اللَّتَيْنِ قَبْلَها كانَتْ دِلالَةُ الكَلامِ عَلى انْحِصارِ العِلْمِ بِالأمْرَيْنِ اللَّذَيْنِ نُفِيَ العِلْمُ بِهِما عَنْ كُلِّ نَفْسٍ ظاهِرَةٍ جَدًّا، فَتَأمَّلْ ذاكَ، واللَّهُ عَزَّ وجَلَّ يَتَوَلّى هُداكَ.
* * * (ومِن بابِ الإشارَةِ في السُّورَةِ الكَرِيمَةِ): ﴿ الم ﴾ إشارَةٌ إلى آلائِهِ تَعالى ولُطْفِهِ جَلَّ شَأْنُهُ ومَجْدِهِ عَزَّ وجَلَّ، ﴿ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ﴾ بِحُضُورِ القَلْبِ والإعْراضِ عَنِ السِّوى، وهي صَلاةُ خَواصِّ الخَواصِّ، وأمّا صَلاةُ الخَواصِّ فَبِنَفْيِ الخَطَراتِ الرَّدِيَّةِ، والإراداتِ الدُّنْيَوِيَّةِ ولا يَضُرُّ فِيها طَلَبُ الجَنَّةِ ونَحْوُهُ، وأمّا صَلاةُ العَوامِّ فَما يَفْعَلُهُ أكْثَرُ النّاسِ، ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ العَلِيِّ العَظِيمِ، ﴿ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ ﴾ بِبَذْلِ الوُجُودِ لِلْمَلِكِ المَعْبُودِ لِنَيْلِ المَقْصُودِ، وهي زَكاةُ الأخَصِّ، وزَكاةُ الخاصَّةِ بِبَذْلِ المالِ كُلِّهِ لِتَصْفِيَةِ قُلُوبِهِمْ عَنْ صَدَإ مَحَبَّةِ الدُّنْيا، وزَكاةُ العامَّةِ بِبَذْلِ القَدْرِ المَعْرُوفِ مِنَ المالِ المَعْلُومِ عَلى الوَجْهِ المَشْرُوعِ المَشْهُورِ لِتَزْكِيَةِ نُفُوسِهِمْ عَنْ نَجاسَةِ البُخْلِ، ﴿ ومِنَ النّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ ﴾ هو ما يَشْغَلُ عَنِ اللَّهِ تَعالى ذِكْرُهُ، ويَحْجُبُ عَنْهُ عَزَّ وجَلَّ اسْتِماعُهُ، وأمّا الغِناءُ فَهو عِنْدَ كَثِيرٍ مِنهم أقْسامٌ مِنها ما هو مِن لَهْوِ الحَدِيثِ، ونَقَلَ بَعْضُهم عَنِ الجُنَيْدِ قُدِّسَ سِرُّهُ أنَّهُ قالَ: السَّماعُ عَلى أهْلِ النُّفُوسِ حَرامٌ لِبَقاءِ نُفُوسِهِمْ، وعَلى أهْلِ القُلُوبِ مُباحٌ لِوُفُورِ عُلُومِهِمْ، وصَفاءِ قُلُوبِهِمْ، وعَلى أصْحابِنا واجِبٌ لِفَناءِ حُظُوظِهِمْ، وعَنْ أبِي بَكْرٍ الكِنانِيِّ: سَماعُ العَوامِّ عَلى مُتابَعَةِ الطَّبْعِ، وسَماعُ المُرِيدِينَ رَغْبَةٌ ورَهْبَةٌ، وسَماعُ الأوْلِياءِ رُؤْيَةُ الآلاءِ والنِّعَمِ، وسَماعُ العارِفِينَ عَلى المُشاهَدَةِ، وسَماعُ أهْلِ الحَقِيقَةِ عَلى الكَشْفِ والعِيانِ، ولِكُلٍّ مِن هَؤُلاءِ مَصْدَرٌ ومَقامٌ، وذَكَرُوا أنَّ مِنَ القَوْمِ مَن يَسْمَعُ في اللَّهِ ولِلَّهِ وبِاللَّهِ، ومِنَ اللَّهِ جَلَّ وعَلا، ولا يَسْمَعُ بِالسَّمْعِ الإنْسانِيِّ بَلْ يَسْمَعُ بِالسَّمْعِ الرَّبّانِيِّ كَما في الحَدِيثِ القُدْسِيِّ: ««كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ»» وقالُوا: إنَّما حُرِّمَ اللَّهْوُ لِكَوْنِهِ لَهْوًا، فَمَن لا يَكُونُ لَهْوًا بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ لا يَحْرُمُ عَلَيْهِ، إذْ عِلَّةُ الحُرْمَةِ في حَقِّهِ مُنْتَفِيَةٌ، والحُكْمُ يَدُورُ مَعَ العِلَّةِ وُجُودًا وعَدَمًا، ويَلْزَمُهُمُ القَوْلُ بِحِلِّ شُرْبِ المُسْكِرِ لِمَن لا يُسْكِرُهُ، لا سِيَّما لِمَن يَزِيدُهُ نَشاطًا لِلْعِبادَةِ مَعَ ذَلِكَ، ومِن زَنادِقَةِ القَلَنْدَرِيَّةِ مَن يَقُولُ بِحِلِّ الخَمْرِ والحَشِيشَةِ ونَحْوِها مِنَ المُسْكِراتِ المُحَرَّمَةِ بِلا خِلافٍ، زاعِمِينَ أنَّ اسْتِعْمالَ ذَلِكَ يَفْتَحُ عَلَيْهِمْ أبْوابَ الكُشُوفِ، وبَعْضُ الجَهَلَةِ الَّذِينَ لَعِبَ بِهِمُ الشَّيْطانُ يَطْلُبُونَ مِنهُمُ المَدَدَ في ذَلِكَ الحالِ، قاتَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى أنّى يُؤْفَكُونَ، ﴿ ولَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الحِكْمَةَ ﴾ قِيلَ: هي إدْراكُ خِطابِ الحَقِّ بِوَصْفِ الإلْهامِ، وذَكَرُوا أنَّ الحِكْمَةَ مَوْهِبَةُ الأوْلِياءِ كَما أنَّ الوَحْيَ مَوْهِبَةُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، فَكُلٌّ لَيْسَ بِكَسْبِيٍّ إلّا أنَّ لِلْكَسْبِ مَدْخَلًا ما في الحِكْمَةِ.
فَقَدْ ورَدَ: ««مَن أخْلَصَ لِلَّهِ تَعالى أرْبَعِينَ صَباحًا تَفَجَّرَتْ يَنابِيعُ الحِكْمَةِ مِن قَلْبِهِ»» والحِكْمَةُ الَّتِي يَزْعُمُ الفَلاسِفَةُ أنَّها حِكْمَةٌ لَيْسَتْ بِحِكْمَةٍ، إذْ هي مِن نَتائِجِ الفِكْرِ، ويُؤْتاها المُؤْمِنُ والكافِرُ، وقَلَّما تَسْلَمُ مِن شَوائِبِ آفاتِ الوَهْمِ، ولِهَذا وقَعَ الِاخْتِلافُ العَظِيمُ بَيْنَ أهْلِها، وعَدَّها بَعْضُ الصُّوفِيَّةِ مِن لَهْوِ الحَدِيثِ، ولَمْ يَبْعُدْ في ذَلِكَ عَنِ الصَّوابِ، وأشارَتْ قِصَّةُ لُقْمانَ إلى التَّوْحِيدِ، ومَقامِ جَمْعِ الجَمْعِ، وعَيْنِ الجَمْعِ، واتِّباعِ سَبِيلِ الكامِلِينَ، والإعْراضِ عَنِ السِّوى، وتَكْمِيلِ الغَيْرِ، والصَّبْرِ عَلى الشَّدائِدِ، والتَّواضُعِ لِلنّاسِ، وحُسْنِ المُماشاةِ، والمُعامَلَةِ والسِّيرَةِ، وتَرْكِ التَّماوُتِ في المَشْيِ، وتَرْكِ رَفْعِ الصَّوْتِ، وقِيلَ: ( الحَمِيرُ ) في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ أنْكَرَ الأصْواتِ لَصَوْتُ الحَمِيرِ ﴾ هُمُ الصُّوفِيَّةُ الَّذِينَ يَتَكَلَّمُونَ بِلِسانِ المَعْرِفَةِ قَبْلَ أنْ يُؤْذَنَ لَهُمْ، وطَبَّقَ بَعْضُهم جَمِيعَ ما في القِصَّةِ عَلى ما في الأنْفُسِ، ﴿ وأسْبَغَ عَلَيْكم نِعَمَهُ ظاهِرَةً وباطِنَةً )، ﴾ قالَ الجُنَيْدُ: النِّعَمُ الظّاهِرَةُ حُسْنُ الأخْلاقِ والنِّعَمُ الباطِنَةُ أنْواعُ المَعارِفِ، وقِيلَ: عَلى قِراءَةِ النِّعْمَةِ الظّاهِرَةِ اتِّباعُ ظاهِرِ العِلْمِ، والباطِنَةُ طَلَبُ الحَقِيقَةِ في الِاتِّباعِ، وقِيلَ: النِّعْمَةُ الظّاهِرَةُ بِلا زَلَّةٍ، والباطِنَةُ قَلْبٌ بِلا غَفْلَةٍ.
﴿ ومِنَ النّاسِ مَن يُجادِلُ في اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ولا هُدًى ولا كِتابٍ مُنِيرٍ ﴾ يُشِيرُ إلى أهْلِ الجَدَلِ مِنَ الفَلاسِفَةِ فَإنَّهم يُجادِلُونَ في ذاتِ اللَّهِ تَعالى، وصِفاتِهِ عَزَّ وجَلَّ كَذَلِكَ عِنْدَ التَّحْقِيقِ، لِأنَّهم لا يَعْتَبِرُونَ كَلامَ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ولا الكُتُبَ المُنَزَّلَةَ مِنَ السَّماءِ، وأكْثَرُ عُلُومِهِمْ مَشُوبٌ بِآفَةِ الوَهْمِ، ومَعَ هَذا فَشُؤُونُ اللَّهِ جَلَّ وعَلا طَوْرُ ما وراءَ طَوْرِ العَقْلِ: هَيْهاتَ أنْ تَصْطادَ عَنْقاءُ البَقا بِلُعابِهِنَّ عَناكِبَ الأفْكارِ وأبْعَدُ مِن مُحَدَّبِ الفَلَكِ التّاسِعِ حُصُولُ عِلْمٍ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وبِصِفاتِهِ جَلَّ شَأْنُهُ يُعْتَدُّ بِهِ، بِدُونِ نُورٍ إلَهِيٍّ يَسْتَضِيءُ العَقْلُ بِهِ، وعُقُولُهم في ظُلُماتٍ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ، وقَدْ سُدَّتْ أبْوابِ الوُصُولِ إلّا عَلى مُتَّبِعٍ لِلرَّسُولِ ، قالَ بَعْضُهم مُخاطِبًا لِحَضْرَةِ صاحِبِ الرِّسالَةِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: وأنْتَ بابُ اللَّهِ أيُّ امْرِئٍ ∗∗∗ أتاهُ مِن غَيْرِكَ لا يَدْخُلُ ﴿ ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ ﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وأنَّ اللَّهَ هو العَلِيُّ الكَبِيرُ ﴾ فِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ سُبْحانَهُ تَمامٌ، وفَوْقَ التَّمامِ، والمُرادُ بِالأوَّلِ مَن حَصَلَ لَهُ كُلُّ ما جازَ لَهُ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ( هو الحَقُّ )، والمُرادُ بِالثّانِي مَن حَصَلَ لَهُ ذَلِكَ، وحَصَلَ لِما عَداهُ ما جازَ لَهُ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ( هو العَلِيُّ الكَبِيرُ )، ووَراءَ هَذَيْنِ الشَّيْئَيْنِ ناقِصٌ، وهو ما لَيْسَ لَهُ ما يَنْبَغِي، كالصَّبِيِّ، والمَرِيضِ، والأعْمىِ، ومُكْتَفٍ، وهو مَن أعْطى ما تَنْدَفِعُ بِهِ حاجَتُهُ في وقْتِهِ، كالإنْسانِ الَّذِي لَهُ مِنَ الآلاتِ ما تَنْدَفِعُ بِهِ حاجَتُهُ في وقْتِهِ، ولَكِنَّها في مَعْرِضِ التَّحَلُّلِ، والزَّوالِ.
﴿ إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ ﴾ الآيَةَ، ذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ حِكاياتٍ عَنِ الأوْلِياءِ مُتَضَمِّنَةً لِإطْلاعِ اللَّهِ تَعالى إيّاهم عَلى ما عَدا عِلْمَ السّاعَةِ مِنَ الخَمْسِ، وقَدْ عَلِمْتَ الكَلامَ في ذَلِكَ، وأغْرَبُ ما رَأيْتُ ما ذَكَرَهُ الشَّعْرانِيُّ عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّهُ كانَ يَبِيعُ المَطَرَ فَيُمْطِرُ عَلى أرْضِ مَن يَشْتَرِي مِنهُ مَتى شاءَ، ومَن لَهُ عَقْلٌ مُسْتَقِيمٌ لا يَقْبَلُ مِثْلَ هَذِهِ الحِكايَةِ، وكَمْ لِلْقُصّاصِ أمْثالُها مِن رِوايَةٍ، نَسْألُ اللَّهَ تَعالى أنْ يَحْفَظَنا، وإيّاكم مِنَ اعْتِقادِ خُرافاتٍ لا أصْلَ لَها، وهو سُبْحانَهُ ولِيُّ العِصْمَةِ والتَّوْفِيقِ.
قوله عز وجل: يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ يعني: وحّدوه وأطيعوه وَاخْشَوْا يعني: واخشوا عذاب يوم يَوْماً لاَّ يَجْزِي والِدٌ عَنْ وَلَدِهِ يعني: هو جاز عن والده شيئاً، ولا ينفع والد عن ولده.
ويقال: لا يقضي والد عن ولده ما عليه وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جازٍ عَنْ والِدِهِ شَيْئاً يعني: لا يقدر الولد أن ينفع والده شيئاً، وهذا في الكفار خاصة.
وأما المؤمن فإنه ينفع كما قال في آية أخرى: أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ [الطور: 21] ثم قال: إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ يعني: البعث بعد الموت كائن ولا خلف فيه فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا يعني: لا يغرّنكم ما في الدنيا من زينتها وزهوتها، فتركنوا إليها، وتطمئنوا بها، وتتركوا الآخرة والعمل لها وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ يعني: لا يغرنكم الشيطان عن طاعة الله عَزَّ وَجَلَّ.
ويقال: كل مضل هو شيطان.
وقال أهل اللغة: الْغَرُورُ بنصب الغين هو الشيطان.
وبالضم أباطيل الدنيا.
قوله عز وجل: إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ قال مقاتل: نزلت في رجل يقال له: الوليد بن عمرو من أهل البادية، أتى النبي فقال: إنّ أرضنا أجدبت، فمتى ينزل الغيث؟
وتركت امرأتي حبلى، فماذا تلد؟
وقد علمت بأيِّ أرض ولدت، فبأيِّ أرض أموت؟
وقد علمت ما عملت اليوم، فماذا أنا عامل غداً؟
ومتى الساعة؟
فنزل إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ يعني: علم القيامة لا يعلمه غيره وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ يعني: وهو الذي ينزل الغيث متى شاء وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحامِ من ذكر وأنثى وَما تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ في سهل أو جبل.
وروي عن ابن عمرو عن النبيّ أنه قال: «مَفَاتِيحُ الغَيبِ خَمْسٌ لاَ يَعْلَمُهَا إلاَّ الله فَقَرَأ: إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ الآية» .
وقال ابن مسعود كل شيء أوتي نبيكم إلا مفاتيح الغيب الخمس.
إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ إلى آخر السورة.
وقالت عائشة- ا-: من حدثكم بأنه يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ فقد كذب.
ثم قرأت: وَما تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ يعني: بأي مكان تموت، وبأي قدم تؤخذ، وبأي نفس ينقضي أجله.
وروى شهر بن حوشب قال: دخل ملك الموت على سليمان بن داود- - فقال رجل من جلسائه لسليمان: من هذا؟
فقال ملك الموت.
فقال: لقد رأيته ينظر إليّ كأنه يريدني.
فأريد أن تحملني على الريح حتى تلقيني بالهند.
ففعل.
ثم أتى ملك الموت إلى سليمان فسأله عن نظره ذلك.
فقال: إني كنت أعجب أني كنت أمرت أقبض روحه في أرض الهند في آخر النهار وهو عندك.
ثم قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ يعني: بهذه الأشياء التي ذكرها.
وقوله تعالى: مَّا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ أي: لأنه كله ب «كن فيكون» ، قاله مجاهد «١» .
وقوله تعالى: كُلٌّ يَجْرِي إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى يريد: القيامة.
وقوله: بِنِعْمَتِ اللَّهِ يحتمل أن يريدَ ما تحملَه السفنُ من الطَّعامِ والأرزاقِ والتجاراتِ، فالباء: للإلْزَاقِ، ويحتمل أن يريدَ بالريحِ وتسخيرِ الله البحرَ ونحوَ هذا، فالباءُ باءُ السببِ.
وذكر تعالى من صفات المؤمن الصبَّارَ والشَّكُورَ لأنهما عُظْمُ أخلاقه، الصبرُ على الطاعاتِ وعلى النوائبِ، وعن الشهواتِ، والشكرُ على الضراءِ والسراءِ.
وقال الشعبي: الصبرُ نصفُ الإيمانِ والشكرُ نصفُه الآخرُ، واليقينُ الإيمان «٢» كله.
و «غَشِي» غطَّى أو قارَب، والظُّلَلِ: السحابُ.
وقوله تعالى: فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ.
قال الحسن: منهم مؤمن «٣» يعرف حق الله في هذه النعم، والختَّار القبيحُ «٤» الغَدْرِ، وذلك أن مِنَن الله على العباد كأنها عهود ومِنَنٌ يلزمَ عنها أداء شكرها، والعبادةُ لمسديها، فمن كفر ذلك وجحد به، فكأنه ختر وخان، قال الحسن: الختار هو الغدار «٥» .
وكَفُورٍ: بناء مبالغة.
يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْماً لاَّ يَجْزِي والِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جازٍ عَنْ والِدِهِ شَيْئاً إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (٣٣) إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحامِ وَما تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (٣٤)
وقوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْماً لاَّ يَجْزِي والِدٌ عَنْ وَلَدِهِ ...
الآية يَجْزِي مَعْنَاه يَقْضي، والمعنى: لا ينفعه بشيء، وقرأ الجمهور: «الغَرور» «٦» : - بفتح
الغَيْنِ- وهو الشيطانُ قاله مجاهد «١» وغيره، واعلم أيها الأخ أنّ مَنْ فَهِمَ كَلامَ رَبِّه وَرُزِقَ التوفيقَ لم يَنْخَدِعْ بغُرورِ الدنيا وزخرفها الفاني بَل يَصْرِفُ هِمَّتَه بالكُلِّيَةِ إلى التزود لآخرته ساعياً في مَرْضَاةِ ربه، وأنَّ مَنْ أيقنَ أنَّ اللهَ يطلبُه صَدَقَ الطلبَ إليه، كما قاله الإمام العارفُ بالله ابن عطاء الله.
وإنه لا بد لبناءِ هذا الوجودِ أن تَنْهَدِمَ دعائمُه وأن تسلب كرائِمهُ، فالعاقل من كان بما هو أبقى أفرح منه بما هو يفنى، قد أشرق نورُه وظهرت تباشيرُه، فَصَدَفَ عن هذه الدار مُغْضِياً، وأعرض عَنها مولياً، فلم يتخذْها وطناً، ولا جعلها/ ٦٩ أسكنا بل أنْهَضَ الهمَّةَ فيها إلى اللهِ تعالى وَصَارَ فِيهَا مُسْتَعِيناً به في القدومِ عليه، فما زالت مطيةُ عَزْمِهِ لا يَقِرُّ قرارُها.
دائما تَسْيَارُهَا، إلى أن أناخَتْ بِحَضْرَةِ القُدَسِ، وبساطِ الإنْسِ، انتهى.
وَرَوَيْنَا في «جامع الترمذي» عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلّم قال: «إنّ أغبط أوليائي عندي المؤمن خَفِيفٌ الحَاذِ ذُو حَظٍّ مِنَ الصَّلاَةِ، أَحْسَنَ عِبَادَةَ رَبِّهِ، وَأَطَاعَهُ فِي السِّرَّ، وَكَانَ غَامِضاً فِي النَّاسِ لاَ يُشَارُ إلَيْهِ بِالأَصَابِعِ، وَكَانَ رِزْقُهُ كَفَافاً فَصَبَرَ على ذَلِكَ، ثُمَّ نَفَضَ بِيَدِهِ فَقَالَ: عُجِّلَتْ مَنِيَّتُهُ، قَلَّتْ نَوَائِحُهُ قَلَّ تراثه» ، قال أبو عيسى: وبهذا الإسنادِ عَنِ النبيّ صلى الله عليه وسلّم قال: «عرض عليّ ربّي ليجعل لي بطحاء «٢» مَكَّةَ ذَهَباً، قُلْتُ: لاَ، يَا رَبِّ، ولكن أَشْبَعُ يَوْماً وَأَجُوعُ يَوْماً، أَوْ قَالَ: ثَلاَثاً أَوْ نَحْوَ هذا، فَإذَا جُعْتُ، تَضَرَّعْتُ إلَيْكَ، وَإذَا شَبِعْتُ شَكَرْتُكَ وَحَمِدْتُكَ» «٣» .
قال أبو عيسَى: هذا حديثٌ حسنٌ، وفي الباب عن فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ، انتهى.
والغُرُورُ: التَّطْمِيعُ بما لا يَحْصُلُ.
وقال ابن جُبَيْرٍ: معنى الآية: أن تَعملَ المعصيةَ وتَتَمَنَّى المغفرة «٤» ، وفي الحديثِ الصحيح: عنه صلى الله عليه وسلّم قَالَ: «خَمْسٌ مِنَ الغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهُنَّ إلاَّ اللَّهُ تعالى وتلا الآية: إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ ...
إلى آخرها» «٥» .
قال أبو حيَّان: بِأَيِّ أَرْضٍ: - الباء ظَرْفِيةٌ والجملة في موضع نصب- ب تَدْرِي.
انتهى.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: هَذا خِطابٌ لِكُفّارِ مَكَّةَ.
وقَوْلُهُ: ﴿ لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ ولَدِهِ ﴾ أيْ: لا يَقْضِي عَنْهُ شَيْئًا مِن جِنايَتِهِ ومَظالِمِهِ.
قالَ مُقاتِلٌ: وهَذا يَعْنِي بِهِ الكُفّارَ.
وقَدْ شَرَحْنا هَذا في (البَقَرَةِ: ٤٨) .
قالَ الزَّجّاجُ: وقَوْلُهُ: ﴿ هُوَ جازٍ ﴾ جاءَتْ في المَصاحِفِ بِغَيْرِ ياءٍ، والأصْلُ " جازِيٌ " بِضَمَّةٍ وتَنْوِينٍ.
وذَكَرَ سِيبَوَيْهِ والخَلِيلُ أنَّ الِاخْتِيارَ في الوَقْفِ هو " جازٍ " بِغَيْرِ ياءٍ، هَكَذا وقَفَ الفُصَحاءُ مِنَ العَرَبِ لِيُعْلِمُوا أنَّ هَذِهِ الياءَ تَسْقُطُ في الوَصْلِ.
وزَعَمَ يُونُسُ أنَّ بَعْضَ العَرَبِ المَوْثُوقِ بِهِمْ يَقِفُ بِياءٍ، ولَكِنَّ الِاخْتِيارَ اتِّباعُ المُصْحَفِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ﴾ أيْ: بِالبَعْثِ والجَزاءِ ﴿ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الحَياةُ الدُّنْيا ﴾ بِزِينَتِها عَنِ الإسْلامِ والتَّزَوُّدِ لِلْآخِرَةِ ﴿ وَلا يَغُرَّنَّكم بِاللَّهِ ﴾ أيْ: بِحِلْمِهِ وإمْهالِهِ ﴿ الغَرُورُ ﴾ يَعْنِي: الشَّيْطانَ، وهو الَّذِي مِن شَأْنِهِ أنْ يَغُرَّ.
قالَ الزَّجّاجُ: " الغَرُورُ " عَلى وزْنِ الفَعُولِ، وفَعُولٌ مِن أسْماءِ المُبالِغَةِ، يُقالُ: فُلانٌ أكُولٌ: إذا كانَ كَثِيرَ الأكْلِ، وضَرُوبٌ: إذا كانَ كَثِيرَ الضَّرْبِ، فَقِيلَ لِلشَّيْطانِ: غَرُورٌ، لِأنَّهُ يَغُرُّ كَثِيرًا.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الغَرُورُ بِفَتْحِ الغَيْنِ: الشَّيْطانُ، وبِضَمِّها: الباطِلُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ ﴾ سَبَبُ نُزُولِها «أنَّ رَجُلًا مِن أهْلِ البادِيَةِ جاءَ إلى النَّبِيِّ فَقالَ: إنَّ امْرَأتِي حُبْلى، فَأخْبِرْنِي ماذا تَلِدُ؟
وبَلَدُنا مُجْدِبٌ، فَأخْبِرْنِي مَتى يَنْزِلُ الغَيْثُ؟
وقَدْ عَلِمْتُ مَتى وُلِدْتُ، فَأخْبِرْنِي مَتى أمُوتُ؟
فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ،» قالَهُ مُجاهِدٌ وَمَعْنى الآيَةِ: ﴿ إنَّ اللَّهَ ﴾ عَزَّ وجَلَّ ﴿ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ ﴾ مَتى تَقُومُ، لا يَعْلَمُ سِواهُ ذَلِكَ ﴿ وَيُنَزِّلُ الغَيْثَ ﴾ وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ: " ويُنَزِّلُ " بِالتَّشْدِيدِ، فَلا يَعْلَمُ أحَدٌ مَتى يَنْزِلُ الغَيْثُ، ألِيلًا أمْ نَهارًا ﴿ وَيَعْلَمُ ما في الأرْحامِ ﴾ لا يَعْلَمُ سِواهُ ما فِيها، أذَكَرًا أمْ أُنْثى، أبْيَضَ أوْ أسْوَدَ ﴿ وَما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَدًا ﴾ أخِيرًا أمْ شَرًّا ﴿ وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأيِّ أرْضٍ تَمُوتُ ﴾ أيْ: بِأيِّ مَكانٍ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: " بِأيَّةِ أرْضٍ " بِتاءٍ مَكْسُورَةٍ.
والمَعْنى: لَيْسَ أحَدٌ يَعْلَمُ [أيْنَ] مَضْجَعُهُ مِنَ الأرْضِ حَتّى يَمُوتَ، أفِي بَرٍّ أوْ بَحْرٍ أوْ سَهْلٍ أوْ جَبَلٍ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: [يُقالُ]: بِأيِّ أرْضٍ كُنْتَ، وبِأيَّةِ أرْضٍ كُنْتَ، لُغَتانِ.
وقالَ الفَرّاءُ: مَن قالَ: بِأيِّ أرْضٍ، اجْتَزَأ بِتَأْنِيثِ الأرْضِ مِن أنْ يُظْهِرَ في " أيٍّ " تَأْنِيثًا آخَرَ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَذِهِ الخَمْسُ لا يَعْلَمُها مَلَكٌ مُقَرَّبٌ ولا نَبِيٌّ [مُرْسَلٌ] مُصْطَفًى.
قالَ الزَّجّاجُ: فَمَنِ ادَّعى أنَّهُ يَعْلَمُ شَيْئًا مِن هَذِهِ كَفَرَ بِالقُرْآنِ لِأنَّهُ خالَفَهُ.
قوله عزّ وجلّ: ﴿ يا أيُّها الناسُ اتَّقُوا رَبَّكم واخْشَوْا يَوْمًا لا يَجْزِي والِدٌ عن ولَدِهِ ولا مَوْلُودٌ هو جازٍ عن والِدِهِ شَيْئًا إنَّ وعْدَ اللهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الحَياةُ الدُنْيا ولا يَغُرَّنَّكم بِاللهِ الغَرُورُ ﴾ ﴿ إنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ الساعَةِ ويُنَزِّلُ الغَيْثَ ويَعْلَمُ ما في الأرْحامِ وما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَدًا وما تَدْرِي نَفْسٌ بِأيِّ أرْضٍ تَمُوتُ إنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴾ ﴿ "يَجْزِي" ﴾ مَعْناهُ: يَقْضِي، والمَعْنى لا يَنْفَعُهُ بِشَيْءٍ ولا يَدْفَعُ عنهُ شَيْئًا، و"هُوَ جازٍ" جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الصِفَةِ، أيْ: ولا يَجْزِي مَوْلُودٌ قَدْ كانَ في الدُنْيا يَجْزِي.
و"الغُرُورُ": التَطْمِيعُ بِما لا يَتَحَصَّلُ، و"الغَرُورُ": الشَيْطانُ، بِذَلِكَ فَسَّرَ مُجاهِدٌ والضَحّاكُ، وقالَ: هو الأمَلُ والتَسْوِيفُ.
وقَرَأ سِماكُ بْنُ حَرْبٍ، وأبُو حَيْوَةَ: "الغُرُورُ" بِضَمِّ الغَيْنِ، وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: مَعْنى الآيَةِ أنْ تَعْمَلَ المَعْصِيَةَ وتَتَمَنّى المَغْفِرَةَ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يَجْزِي" بِفَتْحِ الياءِ، مِن "جَزى"، وقَرَأ عِكْرِمَةُ: "يَجْزِي" بِضَمِّ الياءِ عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، وحَكى ابْنُ مُجاهِدٍ قِراءَةَ: "لا يُجْزِئُ" بِضَمِّ الياءِ والهَمْزِ.
وفي رَفْعِ "مَوْلُودٌ" اضْطِرابٌ مِنَ النُحاةِ، قالَ المَهْدَوِيُّ: "وَلا يَكُونُ مُبْتَدَأً لِأنَّهُ نَكِرَةٌ وما بَعْدَهُ صِفَةٌ لَهُ فَيَبْقى بِغَيْرِ خَبَرٍ".
وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ وابْنُ أبِي إسْحاقٍ ويَعْقُوبُ: "وَلا تَغُرَّنَكُمْ" خَفِيفَةُ النُونِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ اللهَ عِنْدَهُ ﴾ الآيَةُ.
ذَكَرَ النَقّاشُ «أنَّ رَجُلًا سَألَ رَسُولَ اللهِ عن هَذِهِ الخَمْسِ، ورُوِيَ أنَّهُ سَألَ عن بَعْضِها فَنَزَلَتِ الآيَةُ حاصِرَةً لِمَفاتِيحِ الغَيْبِ الَّتِي لا يَعْلَمُها إلّا اللهُ عَزَّ وجَلَّ،» ذَكَرَ ذَلِكَ مُجاهِدٌ، ولَنْ تَجِدَ مِنَ المُغَيَّباتِ شَيْئًا إلّا هَذِهِ أو ما يُفِيدُهُ النَظَرُ والتَأْوِيلُ.
و ﴿ عِلْمُ الساعَةِ ﴾ مَصْدَرٌ مُضافٌ إلى مَفْعُولٍ، أيْ: كُلُّ ما شَأْنُهُ أنْ يُعْلَمَ مِن أمْرِ الساعَةِ، ولَكِنَّ الَّذِي اسْتَأْثَرَ اللهُ تَعالى بِهِ هو عِلْمُ الوَقْتِ، وغَيْرُ ذَلِكَ قَدْ أعْلَمَ بِبَعْضٍ مِنهُ.
وكَذَلِكَ نُزُولُ الغَيْثِ أمْرٌ قَدِ اسْتَأْثَرَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ بِتَفْصِيلِهِ وعِلْمِ وقْتِهِ الخاصِّ بِهِ.
وأمْرُ الأجِنَّةِ كَذَلِكَ، وأفْعالُ البَشَرِ وجَمِيعُ كَسْبِهِمْ كَذَلِكَ، ومَوْضِعُ مَوْتِ كُلِّ بَشَرٍ كَذَلِكَ الأصْقاعُ والمَوْضِعُ الخاصُّ بِالجَسَدِ.
وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "بِأيَّةِ أرْضٍ" بِفَتْحِ الياءِ وزِيادَةِ تاءِ تَأْنِيثٍ.
و ﴿ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴾ صِفَتانِ مُتَشابِهَتانِ لِمَعْنى الآيَةِ.
وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: كُلُّ شَيْءٍ أُوتِيَ نَبِيُّكم إلّا مَفاتِيحَ الخَمْسِ، ثُمَّ تَلا الآيَةَ.
وَقَرَأ: "وَيُنْزِلُ الغَيْثَ" خَفِيفَةً أهْلُ الكُوفَةِ، وأبُو عَمْرُو، وعِيسى، وقَرَأ: "يُنَزِّلُ" بِالتَثْقِيلِ نافِعٌ، وأبُو جَعْفَرٍ، وعاصِمٌ، وشَيْبَةُ.
وذَكَرَ أبُو حاتِمٍ في تَرْجِيحِ التَثْقِيلِ رَأْيًا.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ لُقْمانَ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ وصَلّى اللهُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وعَلى آلِهِ وصَحِبَهُ وسَلَّمَ
كان من جملة غرورهم في نفي البعث أنهم يجعلون عدم إعلام الناس بتعيين وقته أمارةً على أنه غير واقع.
قال تعالى: ﴿ ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين ﴾ [يونس: 48] وقال: ﴿ وما يُدْرِيك لعلّ السَّاعة قريبٌ يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها ﴾ [الشورى: 17، 18]، فلما جرى في الآيات قبلها ذكر يوم القيامة أعقبت بأن وقت الساعة لا يعلمه إلا الله.
فجملة ﴿ إن الله عنده علم الساعة ﴾ مستأنفة استئنافاً بيانياً لوقوعها جواباً عن سؤال مقدَّر في نفوس الناس.
والجمل الأربع التي بعدها إدماج لجمع نظائرها تعليماً للأمة.
وقال الواحدي والبغوي: إن رجلاً من محارب خصفة من أهل البادية سماه في «الكشاف» الحارث بن عمرو ووقع في «تفسير القرطبي» وفي «أسباب النزول» للواحدي تسميته الوارث بن عمرو بن حارثة جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: متى الساعة؟
وقد أجدبت بلادنا فمتى تخصب؟
وتركتُ امرأتي حبلى فما تلد؟
وماذا أكسب غداً؟
وبأي أرض أموت؟، فنزلت هذه الآية، ولا يُدرى سند هذا.
ونُسب إلى عكرمة ومقاتل، ولو صح لم يكن منافياً لاعتبار هذه الجملة استئنافاً بيانياً فإنه مقتضى السياق.
وقد أفاد التأكيد بحرف ﴿ إن ﴾ تحقيق علم الله تعالى بوقت الساعة، وذلك يتضمن تأكيد وقوعها.
وفي كلمة ﴿ عنده ﴾ إشارة إلى اختصاصه تعالى بذلك العلم لأن العندية شأنها الاستئثار.
وتقديم ﴿ عند ﴾ وهو ظرف مسند على المسند إليه يُفيد التخصيص بالقرينة الدالة على أنه ليس مراد به مجرد التقوي.
وجملة ﴿ وينزل الغيث ﴾ عطف على جملة الخبر.
والتقدير: وإن الله ينزل الغيث، فيفيد التخصيص بتنزيل الغيث.
والمقصود أيضاً عنده علم وقت نزول الغيث وليس المقصود مجرد الإخبار بأنه ينزل الغيث لأن ذلك ليس مما ينكرونه ولكن نُظمت الجملة بأسلوب الفعل المضارع ليحصل مع الدلالة على الاستئثار بالعلم به الامتنان بذلك المعلوم الذي هو نعمة.
وفي اختيار الفعل المضارع إفادة أنه يجدد إنزال الغيث المرة بعد المرة عند احتياج الأرض.
ولا التفاتَ إلى من قدروا: ﴿ ينزل الغيث، بتقدير (أنْ) ﴾ المصدرية على طريقة قول طرفة: ألا أيهذا الزاجري احضُر الوغى *** للبون بين المقامين وتفاوت الدرجتين في البلاغة.
وإذ قد جاء هذا نسقاً في عداد الحصر كان الإتيان بالمسند فعلاً خبراً عن مسند إليه مقدم مفيداً للاختصاص بالقرينة؛ فالمعنى: وينفرد بعلم وقت نزول الغيث من قرب وبعد وضبط وقت.
وعطف عليه ﴿ ويعلم ما في الأرحام ﴾ أي: ينفرد بعلم جميع أطواره من نطفة وعلقة ومضغة ثم من كونه ذكراً أو أنثى وإبان وضعه بالتدقيق.
وجيء بالمضارع لإفادة تكرر العلم بتبدل تلك الأطوار والأحوال.
والمعنى: ينفرد بعلم جميع تلك الأطوار التي لا يعلمها الناس لأنه عطف على ما قصد منه الحصر فكان المسند الفعلي المتأخر عن المسند إليه مفيداً للاختصاص بالقرينة كما قلنا في قوله تعالى: وأما قوله وما تدري نفس ماذا تكسب غداً وما تدري نفس بأي أرض تموت} فقد نسج على منوال آخر من النظم فجعل سَداه نفي علم أيَّة نفس بأخص أحوالها وهو حال اكتسابها القريب منها في اليوم الموالي يوم تأملها ونظرها، وكذلك مكانُ انقضاء حياتها للنداء عليهم بقلة علمهم؛ فإذا كانوا بهذه المثابة في قلة العلم فكيف يتطلعون إلى علم أعظم حوادث هذا العالم وهو حادث فنائه وانقراضه واعتياضه بعالم الخلود.
وهذا النفي للدراية بهذين الأمرين عن كل نفس فيه كناية عن إثبات العلم بما تكسب كل نفس والعلمُ بأي أرض تموت فيها كل نفس إلى الله تعالى، فحصلت إفادة اختصاص الله تعالى بهذين العِلْمين فكانا في ضميمة ما انتظم معهما مما تقدمهما.
وعبر في جانب نفي معرفة الناس بفعل الدراية لأن الدراية علم فيه معالجة للاطلاع على المعلوم ولذلك لا يعبر بالدراية عن علم الله تعالى فلا يقال: الله يدري كذا، فيفيد: انتفاء علم الناس بعد الحرص على علمه.
والمعنى: لا يعلم ذلك إلا الله تعالى بقرينة مقابلتهما بقوله ﴿ وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام ﴾ .
وقد علق فعل الدراية عن العمل في مفعولين بوقوع الاستفهامين بعدهما، أي ما تدري هذا السؤال، أي جوابه.
وقد حصل إفادة اختصاص الله تعالى بعلم هذه الأمور الخمسة بأفانين بديعة من أفانين الإيجاز البالغ حد الإعجاز.
ولقبت هذه الخمسة في كلام النبي صلى الله عليه وسلم بمفاتح الغيب وفسر بها قوله تعالى: ﴿ وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ﴾ [الأنعام: 59].
ففي «صحيح البخاري» من حديث ابن عمر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " مَفاتح الغيب خمس " ثم قرأ: ﴿ إن الله عنده علم السَّاعة ﴾ الآية، ومن حديث أبي هريرة:...
في خمس لا يعلمهن إلا الله إن الله عنده علم الساعة جواباً عن سؤال جبريل: متى الساعة؟....
ومعنى حصر مفاتح الغيب في هذه الخمسة: أنها هي الأمور المغيّبة المتعلقة بأحوال الناس في هذا العالم وأن التعبير عنها بالمفاتح أنها تكون مجهولة للناس فإذا وقعت فكأنَّ وقوعها فَتح لما كان مغلقاً وأما بقية أحوال الناس فخفاؤها عنهم متفاوت ويمكن لبعضهم تعيينها مثل تعيين يوم كذا للزفاف ويوم كذا للغزو وهكذا مواقيت العبادات والأعياد، وكذلك مقارنات الأزمنة مثل: يوم كذا مدخل الربيع؛ فلا تجد مغيبات لا قِبَل لأحد بمعرفة وقوعها من أحوال الناس في هذا العالم غير هذه الخمسة فأما في العَوالم الأخرى وفي الحياة الآخرة فالمغيبات عن علم الناس كثيرة وليست لها مفاتح عِلم في هذا العالم.
وجملة ﴿ إن الله عليم خبير ﴾ مستأنفة ابتدائية واقعة موقع النتيجة لما تضمنه الكلام السابق من إبطال شبهة المشركين بقوله تعالى: ﴿ إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ﴾ [لقمان: 33] كموقع قوله في قصة [لقمان: 16]: ﴿ إن الله لطيف خبير ﴾ عقب قوله: ﴿ إنها إنْ تك مثقال حبة من خردل ﴾ الآية [لقمان: 16].
والمعنى: أن الله عليمٌ بمدى وعده خبيرٌ بأحوالكم مما جمعه قوله وما تدري نفس ماذا تكسب غداً } الخ ولذا جمع بين الصفتين: صفة ﴿ عليم ﴾ وصفة ﴿ خبير ﴾ لأن الثانية أخص.
قَوْلُهُ: ﴿ إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ قِيامَها مُخْتَصٌّ بِعِلْمِهِ.
الثّانِي: أنَّ قِيامَها مَوْقُوفٌ عَلى إرادَتِهِ.
﴿ وَيُنَزِّلُ الغَيْثَ ﴾ فِيما يَشاءُ مِن زَمانٍ ومَكانٍ.
﴿ وَيَعْلَمُ ما في الأرْحامِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مِن ذَكَرٍ وأُنْثى، سَلِيمٍ وسَقِيمٍ.
الثّانِي: مِن مُؤْمِنٍ وكافِرٍ وشَقِيٍّ وسَعِيدٍ.
﴿ وَما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَدًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ.
الثّانِي: مِن إيمانٍ أوْ كُفْرٍ.
﴿ وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأيِّ أرْضٍ تَمُوتُ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: عَلى أيِّ حُكْمٍ تَمُوتُ مِن سَعادَةٍ أوْ شَقاءٍ، حَكاهُ النَّقّاشُ.
الثّانِي: في أيِّ أرْضٍ يَكُونُ مَوْتُهُ ودَفْنُهُ وهو أظْهَرُ.
وَقَدْ رَوى أبُو مَلِيحٍ عَنْ أبِي عَزَّةَ الهُذَلِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ : " «إذا أرادَ اللَّهُ تَعالى قَبْضَ رُوحِ عَبْدٍ بِأرْضٍ جَعَلَ إلَيْها حاجَةً فَلَمْ يَنْتَهِ حَتّى يُقَدِّمَها، ثُمَّ قَرَأ : ﴿ إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ بِأيِّ أرْضٍ تَمُوتُ ﴾ .» وَقالَ هِلالُ بْنُ إسافٍ: ما مِن مَوْلُودٍ يُولَدُ إلّا وفي سُرَّتِهِ مِن تُرْبَةِ الأرْضِ الَّتِي يُدْفَنُ فِيها.
﴿ إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: عَلِيمٌ بِالغَيْبِ خَبِيرٌ بِالنِّيَّةِ.
الثّانِي: عَلِيمٌ بِالأعْمالِ خَبِيرٌ بِالجَزاءِ.
وَيُقالُ «إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في رَجُلٍ مِن أهْلِ البادِيَةِ يُقالُ لَهُ: الوارِثُ بْنُ عَمْرِو بْنِ حارِثَةَ أتى النَّبِيَّ فَقالَ: إنَّ امْرَأتِي حُبْلى فَأخْبِرْنِي ماذا تَلِدُ، وبِلادُنا جَدْبَةٌ فَأخْبِرْنِي مَتى يَنْزِلُ الغَيْثُ، وقَدْ عَلِمْتُ مَتى وُلِدْتُ فَأخْبِرْنِي مَتى يَقُومُ السّاعَةُ؟
فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
» واللَّهُ أعْلَمُ.
أخرج الفريابي وابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه قال: «جاء رجل من أهل البادية فقال: إن امرأتي حبلى، فاخبرني ما تلد؟
وبلادنا مجدبة، فأخبرني متى ينزل الغيث؟
وقد علمت متى ولدت، فأخبرني متى أموت؟
فأنزل الله: ﴿ إن الله عنده علم الساعة...
﴾ الآية» .
وأخرج ابن المنذر عن عكرمة رضي الله عنه «أن رجلاً يقال له: الوراث.
من بني مازن بن حفصة بن قيس غيلان.
جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد متى قيام الساعة؟
وقد أجدبت بلادنا، فمتى تخصب؟
وقد تركت امرأتي حبلى، فمتى تلد؟
وقد علمت ما كسبت اليوم، فماذا أكسب غداً؟
وقد علمت بأي أرض ولدت، فبأي أرض أموت، فنزلت هذه الآية» .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله تعالى عنه في قوله: ﴿ إن الله عنده علم الساعة...
﴾ قال: خمس من الغيب استأثر بهن الله فلم يطلع عليهن ملكاً مقرباً، ولا نبياً مرسلاً ﴿ إن الله عنده علم الساعة ﴾ فلا يدري أحد من الناس متى تقوم الساعة، في أي سنة ولا في أي شهر، أليلاً أم نهاراً ﴿ وينزل الغيث ﴾ فلا يعلم أحد متى ينزل الغيث، أليلاً أم نهاراً ﴿ ويعلم ما في الأرحام ﴾ فلا يعلم أحد ما في الأرحام أذكر أم أنثى، أحمر أو أسود ﴿ وما تدري نفس ماذا تكسب غداً ﴾ أخيراً أم شراً ﴿ وما تدري نفس بأي أرض تموت ﴾ ليس أحد من الناس يدري أين مضجعه من الأرض، أفي بحر أم بر، في سهل أم في جبل.
وأخرج الفريابي والبخاري ومسلم وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مفاتيح الغيب خمس لا يعلمهن إلا الله.
لا يعلم ما في غد إلا الله.
ولا متى تقوم الساعة إلا الله.
ولا يعلم ما في الأرحام إلا الله.
ولا متى ينزل الغيث إلا الله.
وما تدري نفس بأي أرض تموت إلا الله» .
وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم وابن أبي حاتم وابن المنذر وابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلاً قال: «يا رسول الله متى الساعة؟
قال: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل، ولكن سأحدثكم بأشراطها: إذا ولدت الأمة ربتها فذاك من أشراطها، وإذا كانت الحفاة العراة رؤوس الناس فذاك من أشراطها، وإذا تطاول رعاء الغنم في البنيان فذاك من أشراطها، في خمس من الغيب لا يعلمهن إلا الله، ثم تلا ﴿ إن الله عنده علم الساعة، وينزل الغيث...
﴾ إلى آخر الآية» .
وأخرج أحمد والبزار وابن مردويه والروياني والضياء بسند صحيح عن بريدة رضي الله عنه سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «خمس لا يعلمهن إلا الله ﴿ إن الله عنده علم الساعة...
﴾ الآية» .
وأخرج ابن جرير من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، مثله.
وأخرج ابن مردويه عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه «أن أعرابياً وقف على النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر على ناقة له عشراء فقال: يا محمد ما في بطن ناقتي هذه؟
فقال: له رجل من الأنصار: دع عنك رسول الله صلى الله عليه وسلم وهلم إلي حتى أخبرك: وقعت أنت عليها وفي بطنها ولد منك؟
فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: إن الله يحب كل حي كريم متكره، ويبغض كل لئيم متفحش، ثم أقبل على الأعرابي فقال: خمس لا يعلمهن إلا الله ﴿ إن الله عنده علم الساعة...
﴾ » .
وأخرج ابن مردويه عن سلمة بن الأكوع رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في قبة حمراء إذ جاء رجل على فرس فقال: من أنت؟
قال: «أنا رسول الله قال: متى الساعة؟
قال: غيب، وما يعلم الغيب إلا الله قال: ما في بطن فرسي؟
قال: غيب، وما يعلم الغيب إلا الله قال: فمتى تمطر؟
قال: غيب وما يعلم الغيب إلا الله» .
وأخرج أحمد والطبراني عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أوتيت مفاتيح كل شيء إلا الخمس ﴿ إن الله عنده علم الساعة...
﴾ » .
وأخرج أحمد وأبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: أوتي نبيكم صلى الله عليه وسلم مفاتيح كل شيء غير الخمس ﴿ إن الله عنده علم الساعة...
﴾ .
وأخرج ابن مردويه عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: «لم يعم على نبيكم صلى الله عليه وسلم إلا الخمس من سرائر الغيب هذه الآية.
في آخر لقمان إلى آخر السورة» .
وأخرج سعيد بن منصور وأحمد والبخاري في الأدب عن ربعي بن حراش رضي الله عنه قال: حدثني رجل من بني عامر أنه قال: يا رسول الله هل بقي من العلم شيء لا تعلمه فقال: «لقد علمني الله خيراً، وإن من العلم ما لا يعلمه إلا الله.
الخمس ﴿ إن الله عنده علم الساعة...
﴾ » .
وأخرج ابن ماجة عن الربيع بنت معوذ رضي الله تعالى عنها قالت: «دخل عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم صبيحة عرسي وعندي جاريتان تغنيان وتقولان: وفينا نبي يعلم ما في غد.
فقال: أما هذا فلا تقولوه، لا يعلم ما في غد إلا الله» .
وأخرج الطيالسي وأحمد وابن أبي حاتم وابن مردوية والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي غرة الهذلي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا أراد الله قبض عبد بأرض جعل له إليها حاجة، فلم ينته حتى يقدمها، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ وما تدري نفس بأي أرض تموت ﴾ » .
وأخرج الترمذي وحسنه وابن مردويه عن مطر بن عكامس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا قضى الله لرجل أن يموت بأرض جعل له إليها حاجة» .
وأخرج أحمد عن عامر أو أبي عامر أو أبي مالك «أن النبي صلى الله عليه وسلم بينما هو جالس في مجلس فيه أصحابه، جاءه جبريل عليه السلام في غير صورته، فحسبه رجلاً من المسلمين، فسلم فرد عليه السلام، ثم وضع يده على ركبتي النبي صلى الله عليه وسلم وقال له: يا رسول الله ما الإِسلام؟
قال: أن تسلم وجهك لله، وتشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة قال: فإذا فعلت ذلك فقد أسلمت؟
قال: نعم.
قال: ما الإِيمان؟
قال: أن تؤمن بالله، واليوم الآخر، والملائكة، والكتاب، والنبيين، والموت، والحياة بعد الموت، والجنة والنار، والحساب والميزان، والقدر خيره وشره.
قال: فإذا فعلت ذلك فقد آمنت قال: نعم.
ثم قال: ما الإِحسان؟
قال: أن تعبد الله كأنك تراه فإن كنت لا تراه فهو يراك قال: فإذا فعلت ذلك فقد أحسنت؟
قال: نعم.
قال: فمتى الساعة يا رسول الله؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سبحان الله...
!
خمس لا يعلمها إلا الله ﴿ إن الله عنده علم الساعة.
وينزل الغيث.
ويعلم ما في الأرحام.
وما تدري نفس ماذا تكسب غداً.
وما تدري نفس بأي أرض تموت.
إن الله عليم خبير ﴾ » .
وقوله: ﴿ إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ ﴾ .
قال مجاهد ومقاتل: نزلت في رجل من أهل البادية اسمه: الوارث بن عمرو المجازي (١) - فقال: إن أرضنا أجدبت فمتى الغيث؟
وتركت امرأتي حبلى فماذا تلد؟
وقد علمت أين ولدت فبأي أرض أموت؟
وقد علمت ماذا عملت اليوم فما أعمل غدًا؟
ومتى الساعة؟
فأنزل الله في مسألة المجازي: ﴿ إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ ﴾ (٢) وروي عن أبي هريرة أن رجلاً قال: يا رسول الله، متى الساعة؟
قال: "ما المسئول عنها بأعلم بها من السائل، ولكن خمس لا يعلمهن إلا الله"، ثم قرأ ﴿ إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ ﴾ (٣) روى ابن عمر أن النبي - - قال: "مفاتيح الغيب خمس لا يعلمهن إلا الله، ثم ذكر ما في الآية" (٤) وقال ابن عباس في هذه الآية: الخمس لا يعلمها ملك مقرب ولا نبي مصطفى، فمن ادعى أنه يعلم شيئًا من هذه فقد كفر بالقرآن؛ لأنه خالفه (٥) -: "أين السائل عن الساعة؟
" فقال المجازي ها أنا، فقرأ عليه النبي - - هذه الآية (٦) قوله تعالى: ﴿ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ ﴾ .
قال الفراء: (اجتزأ بتأنيث أرض من أن يظهر في أي تأنيثا آخر) (٧) قال الأخفش: (وتقول: مررت بجارية أي جارية، وأية جارية) (٨) (32) سورة السجدة (١) اختلتف في اسم السائل؛ ففي "أسباب النزول" ط 1.
ص 199قال: نزلت في الحارث بن عمرو بن حارثة بن محارب بن حفص من أهل البادية وفي "الدر == المنثور" 6/ 530: الوارث، من بني مازن بن حفص بن قيس بن عيلان.
وفي "البحر المحيط" 7/ 194: الحارث بن عمارة المحاربي، وفي "تفسير الطبري" 21/ 55 عن مجاهد: "رجل" غير مسمى.
(٢) انظر: "تفسيرالطبري" 21/ 87، "ابن كثير" 5/ 401، "زاد المسير" 6/ 330.
وذكره السيوطي في "الدر" 6/ 530، وعزاه للفريابي وابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد، ولابن المنذر عن عكرمة.
و"تفسير مقاتل" 83 ب، وذكره المؤلف في " أسباب النزول" ص 402، تحقيق السيد أحمد صقر.
(٣) رواه البخاري في "صحيحه" كتاب التفسير، "تفسير سورة لقمان": باب ﴿ إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ ﴾ 4/ 1793، حديث رقم (4499).
ومسلم في "صحيحه" كتاب الإيمان: باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان ووجوب الإيمان بإثبات قدر الله -سبحانه وتعالى- 1/ 37 حديث رقم (1).
وهو جزء من حديث طويل مشهور، حيما جاء جبريل - - بصورة رجل إلى الرسول - - وسأله عن الإسلام والإيمان والإحسان إلى آخر الحديث.
(٤) أخرجه البخاري في "صحيحه" وهو رواية أخرى للحديث السابق، وكذلك الإمام مسلم في "صحيحه"، وهو رواية أخرى حديث السابق.
(٥) قول ابن عباس هذا، جزء من حديث طويل يرويه - - عن النبي - - أخرجه الإمام أحمد في "مسنده" 1/ 318 عن ابن عباس.
وقال: جلس رسول الله - - مجلسًا له، فأتاه جريل فجلس بين يدي رسول الله - - واضعًا كفيه على ركبتي رسول الله - - فقال: يا رسول الله، حدثني ما الإسلام ..
إلى آخر الحديث.
(٦) انظر: "تفسير مقاتل" 84 ب.
(٧) انظر: "معاني القرآن" للفراء 2/ 330.
(٨) انظر: "القرطبي" 14/ 83، وذكر الأخفش في "معاني القرآن" 478/ 2، كلامًا نحوه.
أما آخر كلام الأخفش فلم أقف عليه.
﴿ عِلْمُ الساعة ﴾ أي متى تكون، فإن ذلك مما انفرد الله بعلمه، ولذلك جاء في الحديث: «مفاتح الغيب خمس» وتلا هذه الآية ﴿ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً ﴾ يعني من خير أو شر أو ما أو ولد أو غير ذلك.
القراءات: ﴿ نعمه ﴾ على الجمع: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو وسهل وحفص ﴿ والبحر ﴾ بالنصب: أبو عمرو ويعقوب عطفاً على اسم "أن" الآخرون: بالرفع حملاً على محل "أن" ومعمولها ﴿ وأن ما يدعون ﴾ على الغيبة: أبو عمرو وحمزة وعلي وخلف وحفص وسهل ويعقوب ﴿ وينزل الغيث ﴾ التشديد: ابو جعفر ونافع وابن كثير وابن عامر وعاصم.
الوقوف: ﴿ وباطنه ﴾ ط ﴿ منير ﴾ ه ﴿ آباءنا ﴾ ط ﴿ السعير ﴾ ه ﴿ الوثقى ﴾ ط ﴿ الأمور ﴾ ه ﴿ كفره ﴾ ه ﴿ عملوا ﴾ ط ﴿ الصدور ﴾ ه ﴿ غليظ ﴾ ه ﴿ ليقولن الله ﴾ ط ﴿ الله ﴾ ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ الحميد ﴾ ه ﴿ كلمات الله ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه ﴿ واحدة ﴾ ط ﴿ بصير ﴾ ه ﴿ والقمر ﴾ ز لأن قوله ﴿ كل ﴾ مبتدأ مع عطف "أن" على "أن" الأولى ﴿ خبير ﴾ ه ﴿ الباطل ﴾ لا ﴿ الكبير ﴾ ه ﴿ من آياته ﴾ ط ﴿ شكور ﴾ ه ﴿ الدين ﴾ ج ﴿ مقتصد ﴾ ط ﴿ كفور ﴾ ه ﴿ عن ولده ﴾ لا لعطف الجملتين المختلفتين لفظاً مع صدق الاتصال معنى ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ الدنيا ﴾ قف للفصل بين الموعظتين ﴿ الغرور ﴾ ه ﴿ الساعة ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ الغيث ﴾ ج وإن اتفقت الجملتان للتفصيل بين عيب وغيب ﴿ الأرحام ﴾ ط لابتداء الجملة المنفية التي فيها استفهام ﴿ غداً ﴾ ط لابتداء نفي آخر مع تكرار نفس دون الاكتفاء بضميرها ﴿ تموت ﴾ ط ﴿ خبير ﴾ ه.
التفسير: لما ذكر أن معرفة الصانع غير مختصة بالنبوة ولكنها توافق الحكمة ايضاً، ولو كانت تعبداً محضاً للزم قبوله، كيف وإنها توافق المعقول، أعاد الاستدلال بالأمور المشاهدة الآفاقية والأنفسية.
ومعنى ﴿ سخر لكم ﴾ لأجلكم كما مر في سورة إبراهيم من قوله ﴿ وسخر لكم الشمس والقمر دائبين ﴾ الآية ومعنى ﴿ اسبغ ﴾ أتم، والنعم الظاهرة كل ما يوجد للحس الظاهر إليه سبيل ومن جملتها الحواس أنفسها.
والباطنة مالا يدرك إلا بالحس الباطن أو بالعقل أو لا يعلم أصلاً.
ومن المفسرين من يخص، فعن مجاهد: الظاهرة ظهور الإسلام والنصر على الأعداء ظاهراً، والباطنة إمداد الملائكة.
وعن الضحاك: الظاهرة حسن الصورة وامتداد القامة وتسوية الأعضاء والباطنة المعرفة والعلم.
وقيل: النفس.
ثم ذكر أن بعض الناس يجادلون في الله بعد ظهور الدلائل على وحدانيته وقد مر في أول "الحج".
ثم ذكر أنه لا مستند له في ذلك إلا التقليد، ثم وبخه على جهله وتقليده بأنه يتبع سبيل الشيطان ولو دعاه إلى النار قائلاً ﴿ أولو كان ﴾ إلخ.
ومعناه أيتبعونهم ولو كان كذا؟
ثم اراد أن يفصل حال المؤمن والكافر بعض التفصيل فقال ﴿ ومن يسلم وجهه إلى الله ﴾ وهو نظير قوله في "البقرة" ﴿ بلى من أسلم وجهه لله ﴾ والفرق أن معناه مع "إلى" يرجع إلى التفويض والتسليم، ومع اللام يؤل إلى الإخلاص والإذعان والاستمساك بالعروة الوثقى تمثيل كما مر في آية الكرسي.
وقوله ﴿ يمتعهم ﴾ الآية.
كقوله في البقرة ﴿ ومن كفر فأمتعه قليلاً ثم أضطره ﴾ وغلظ العذاب شدته.
ثم بين أنهم معترفون بالمعبود الحق إلا أنهم يشركون به وقد مر في آخر "العنكبوت" مثله إلا أنه قال في آخره ﴿ بل أكثرهم لا يعلمون ﴾ وذلك أنه زاد هناك قوله ﴿ وسخر الشمس والقمر ﴾ فبالغ، فإن نفي العقل أبلغ من نفي العلم إذ كل عالم عاقل ولا ينعكس.
ثم ذكر أن الملك كله له وهو غني على الإطلاق حميد بالاستحقاق.
وحين بين غاية قدرته أراد أن يبين أنه لا نهاية لعلمه فقال ﴿ ولو أن ما في الأرض ﴾ الاية.
عن ابن عباس: أنها نزلت جواباً لليهود وأن التوراة فيها كل الحكمة.
وقيل: هي جواب قول المشركين أن الوحي سينفد.
وتقدير الآية على قراءة الرفع: لو ثبت كون الأشجار أقلاماً وثبت البحر ممدوداً بسبعة أبحر.
ويجوز أن تكون الجملة حالاً واللام في البحر للجنس.
وجعل جنس البحار ممدوداً بالسبعة للتكثير لا للتقدير، فإن كثيراً من الأشياء عددها سبعة كالسيارات السبعة والأقاليم السبعة وأيام الأسبوع ومثله قوله "المؤمن يأكل في معاً واحد والكافر يأكل في سبعة أمعاء" أراد الأكل الكثير.
وقال في الكشاف جعل البحر الأعظم بمنزلة الدواة، وجعل الأبحر السبعة مملوأة مداداً، فهي تصب فيه مدادها ابداً صباً لا ينقطع.
قلت: جعله الأبحر سبعة تقديراً ينافي قوله "أبدا لا ينقطع" وإنما لم يجعل للأقلام مداداً لأن نقصان المداد بالكتابة أظهر من نقصان القلم.
وإنما لم يقل:كلم الله" على جمع الكثرة للمبالغة إذ يفهم منه أن كلماته لا تفي بكتبتها البحار فكيف بكلمه؟
وقيل: أراد بكلماته عجائب مصنوعاته الموجودة بكلمة "كن" وقد مر نظير هذه الآية في آخر الكهف.
ثم بين أنه لا يصعب على قدرته كثرة الإيجاد والإعدام فإن تعلق قدرته بمقدور واحد كتعلقها بمقدورات غير محصورة لأن اقتداره لا يتوقف على آلة وعدة وإنما ذلك له ذاتي يكفي فيه الإرادة.
ثم أكد ذلك بأن سمعه يتعلق في زمان واحد بكل المسموعات، وكذا بصره بكل المبصرات من غير أن يشغله شيء عن شيء.
ثم أعاد طرفاً من دلائل قدرته مع تذكير بعض نعمه قائلاً ﴿ الم تر ﴾ وقد مر نظيره في "الحج" إلى قوله ﴿ الكبير ﴾ وقوله ههنا ﴿ يجري إلى أجل مسمى ﴾ وقوله في "فاطر" و"الزمر" ﴿ لأجل مسمى ﴾ يؤل إلى معنى واحد وإن كان الطريق مغايراً، لأن الأول معناه انتهاؤهما إلى وقت معلوم وهو للشمس آخر السنة وللقمر آخر الشهر.
وعن الحسن: هو يوم القيامة لأن جريهما لا ينقطع إلا وقتئذ.
والثاني معناه اختصاص الجري بإدراك أجل معلوم كما وصفنا.
ووجه اختصاص هذا المقام بإلى وغيره باللام، أن هذه الآية صدِّرت بالتعجيب فناسب التطويل.
والمشار إليه بذلك هو ما وصف من عجيب قدرته أو أراد أن الموحى من هذه الآيات بسبب بيان أن الله هو الحق.
قال بعضهم ﴿ العلي ﴾ إشارة إلى كونه تماماً وهو أن حصل له كما ينبغي أن يكون له.
و ﴿ الكبير ﴾ إشارة إلى كونه فوق التمام وهو أنه يحصل لغيره ما يحتاج إليه.
ثم أكد الآية السماوية بالآية الأرضية.
ومعنى ﴿ بنعمته ﴾ بإحسانه ورحمته أو بالريح الطيبة التي هي بأمر الله ﴿ إن في ذلك ﴾ الإجراء ﴿ لآيات لكل صبار ﴾ على الضراء ﴿ شكور ﴾ في السراء.
ووجه المناسبة أن كلتا الحالتين قد يقع لراكب البحر أو صبار على النواحي والتروك شكور في الأفعال والأوامر ومنه قوله "الإيمان نصفان: نصف صبر ونصف شكر" .
ثم ذكر أن بعض الناس لا يخلص لله إلا عند الشدائد، وإنما وحد الموج وجمع الظلل وهي كل ما أظلك من جبل أو سحاب، لأن الموج الواحد يرى له صعود ونزول كالجبال المتلاصقة.
وإنما قال ههنا.
﴿ فمنهم مقتصد ﴾ وقد قال فيما قبل ﴿ إذا هم يشركون ﴾ لأنه ذكر ههنا الموج وعظمته ولا محالة يبقى لمثله اثر في الخيال فيخفض شيئاً من غلو الكفر والظلم وينزجر بعض الانزجار، ويلزمه أن يكون متوسطاً في الإخلاص أيضاً لا غالياً فيه، وقل مؤمن قد ثبت على ما عاهد عليه الله في البحر.
والختر أشد الغدر ومنه قولهم "لا تمد لنا شبراً من غدر إلا مددنا لك باعاً من ختر".
والختار في مقابلة الصبار لأن الختر لا يصدر إلا من عدم الصبر وقلة الاعتماد على الله في دفع المكروه.
والكفور طباق الشكور.
وحين بيَّن الدلائل وعظ بالتقوى وخوف من هول يوم القيامة.
ومعنى ﴿ لا يجزي ﴾ لا يقضي كما مر في أول "البقرة".
وذكر شخصين في غاية الشفقة والمحبة وهما الوالد والولد ليلزم منه عدم الانتفاع بغيرهما بالأولى، وفيه إشارة إلى ما جرت به العادة من أن الأب يتحمل الآلام عن ابنه ما أمكن، والولد يتحمل الإهانة عن الأب ما أمكن، فكأنه قال: لا يجزي فيه ﴿ والد عن ولده ﴾ شيئاً من الآلام ﴿ ولا مولود هو جاز عن والده شيئاً ﴾ من أسباب الإهانة.
قال جار الله: إنما أوردت الجملة الثانية إسمية لأجل التوكيد.
وذلك أن الخطاب للمؤمنين فأراد حسم أطماعهم أن يشفعوا لآبائهم الكفرة وفي توسيط "هو" مزيد تأكيد.
وفي لفظ ﴿ المولود ﴾ دون أن قول "ولا ولد" تأكيد آخر، لأن الولد يقع على ولد الولد أيضاً بخلاف المولود فإنه لمن ولد منك فكأنه قيل: إن الواحد منهم لو شفع للأب الأدنى الذي ولد منه لم تقبل شفاعته فضلاً أن يشفع لمن فوقه.
وقيل: إنما أوردت الثانية إسمية لأن الابن من شأنه أن يكون جازياً عن والده لما عليه من الحقوق والوالد يجزي شفقة لا وجوباً ﴿ إن وعد الله ﴾ بمجيء ذلك اليوم ﴿ حق ﴾ أو وعده بعدم جزاء الوالد عن الولد وبالعكس حق.
و ﴿ الغرور ﴾ بناء مبالغة وهو الشيطان اي لا ينبغي أن تغرنكم الدنيا بنفسها ويزينها في أعينكم غار من الشيطان أو النفس الأمارة.
روي عن النبي "مفاتيح الغيب خمس" وتلا قوله ﴿ إن الله عنده علم الساعة ﴾ إلى آخرها.
وعن المنصور، أنه همه معرفة مدة عمره فرأى في منامه كأن خيالاً أخرج يده من البحر واشار إليه بالأصابع الخمس.
فاستفتى العلماء في ذلك فتأولوها بخمس سنين وبخمسة أشهر وبغير ذلك حتى قال أبو حنيفة: تأويلها أن مفاتيح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله، وأن ما طلبت معرفته لا سبيل لك إليه.
قال في التفسير الكبير: ليس مقصود الآية أنه تعالى مختص بمعرفة هذه الأمور فقط فإنه يعلم الجوهر الفرد أين هو وكيف هو من أول يوم خلق العالم إلى يوم النشور، وإنما المراد أنه حذر الناس من يوم القيامة.
كان لقائل أن يقول: متى الساعة؟
فذكر أن هذا العلم لا يحصل لغيره ولكن هو كائن لدليلين ذكرهما مراراً وهو إنزال الغيث المستلزم لإحياء الأرض وخلق الأجنة في الأرحام، فإن القادر على الإبداء قادر على الإعادة بالأولى.
ثم إنه كأنه قال: أيها السائل إن لك شيئاً أهم منها لا تعلمه فإنك لا تعلم معاشك ومعادك فلا تعلم ﴿ ماذا تكسب غداً ﴾ مع أنه فعلك وزمانك ولا تعلم أين تموت مع أنه شغلك ومكانك فكيف تعلم قيام الساعة؟
والسر في إخفاء الساعة وإخفاء وقت الموت بل مكانة هو أنه ينافي التكليف كما مر في أول "طه"، ولو علم المكلف مكان موته لأمن الموت إذا كان في غيره.
والسر في إخفاء الكسب في غير الوقت الحاضر هو أن يكون المكلف ابداً مشغول السر بالله معتمداً عليه في اسباب الرزق وغيره.
روي أن ملك الموت مر على سليمان فجعل ينظر إلى رجل من جلسائه.
فقال الرجل: من هذا؟
قال: ملك الموت.
فقال: كأنه يريدني.
وسأل سليمان أن يحمله على الريح إلى بلاد الهند ففعل.
ثم قال ملك الموت لسليمان: كان نظري إليه تعجباً منه لأني أمرت أن اقبض روحه بالهند وهو عندك.
قال جار الله: جعل العلم لله والدراية للعبد لما في الدراية من معنى الختل والحيلة كأنه قال: إنها لا تعرف وإن أعلمت حيلها وقرئ ﴿ بآية أرض ﴾ والأفصح عدم تأنيثه.
التأويل: ﴿ وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة ﴾ هي تسخير ما في السموات وما في الأرض من الأجسام العلوية والسفلية، البسطية والمركبة.
وباطنة هي تسخير ما في سموات القلوب من الصدق والإخلاص والتوكل والشكر وسائر المقامات القلبية والروحانية بأن يسر العيون عليها بالسكون المتدارك بالجذبة والانتفاع بمنافعها والاجتناب عن مضارها.
وتسخير ما في أرض النفوس من اضداد الأخلاق المذكورة بتبديلها بالحميدة والتمتع بخواصها والتحرز عن آفاتها.
﴿ ثم نضطرهم ﴾ لفساد استعدادهم ﴿ تجري في البحر بنعمة الله ﴾ سلامتهم في الظاهر معلومة، وأما في الباطن فنجاتهم بسفائن العصمة من بحار القدرة أو بسفينة الشريعة بملابسة الطريقة في بحر الحققة لإِراءة آيات شواهد الحق، وإذا تلاطمت عليهم أمواج بحار التقدير تمنوا أن تلفظهم نفحات الألطاف إلى سواحل الأعطاف.
قوله: ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱلْفُلْكَ تَجْرِي فِي ٱلْبَحْرِ بِنِعْمَتِ ٱللَّهِ ﴾ .
وقال في موضع آخر: ﴿ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ ﴾ ، قوله: (ريح طيبة) - هي النعمة التي ذكر في هذه الآية.
وقوله: ﴿ تَجْرِي فِي ٱلْبَحْرِ بِنِعْمَتِ ٱللَّهِ ﴾ - يحتمل وجهين: أحدهما: لما جعل لهم الفلك بحيث تجري على وجه الماء مع أحمال ثقيلة، ومن طبعها التسرب في الماء والانحدار فيه، فجعلها بحيث تستمسك على وجه الماء وتجري؛ ليصلوا إلى حوائجهم ومنافعهم في أمكنة متباعدة ممتنعة: ما لولا السفن لم يصلوا إلى ذلك بحال.
والثاني: ما ذكر فيه من الريح الطيبة التي بها تجري السفن في البحار، وماؤها راكد ساكن؛ فتعمل تلك الريح الطيبة عمل جريان الماء وسكونه، وذلك نعمته، والله أعلم.
وقوله: ﴿ لِيُرِيَكُمْ مِّنْ آيَاتِهِ ﴾ .
يحتمل آيات وحدانيته وآيات قدرته وسلطانه، وآيات نعمته: أما آيات نعمته، فما ذكر، وآيات قدرته وسلطانه: ما ذكرنا: أنه من قدرته وسلطانه أن جعل الفلك والسفن في البحار بحيث تستمسك وتحتبس، ولا تتسرب ولا تنحدر مع أحمال ثقيلة، ومن طبع ذلك كله التسرب والانحدار، وما ذكر من إجرائها بالريح الطيبة، ولو كان فِعْلَ عدد لا فعل واحد لكان يمنع عن جريها، دل أنه تدبير واحد لا عدد.
وقوله: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ﴾ .
جائز أن يكون الصبار هو المؤمن، والشكور كذلك، الصبر كناية عن الإيمان، والشكر كناية عن الإيمان؛ كقوله: ﴿ إِلاَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ ﴾ ذكر الصبر مكان قوله: ﴿ آمَنُواْ ﴾ ؛ لأنه ذكر في آية أخرى: ﴿ إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ ﴾ ، والشكر كناية عن الإيمان؛ كقوله: ﴿ إِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ وَلاَ يَرْضَىٰ لِعِبَادِهِ ٱلْكُفْرَ وَإِن تَشْكُرُواْ يَرْضَهُ لَكُمْ ﴾ ، وقوله: ﴿ تَشْكُرُواْ ﴾ ، أي: تؤمنوا.
ويحتمل: ﴿ صَبَّارٍ ﴾ على بلاياه، و ﴿ شَكُورٍ ﴾ على نعمائه.
أو جعل الآيات لمن ذكر؛ لأنه هو المنتفع بها دون غيرهم.
أو ﴿ صَبَّارٍ ﴾ فيما أصابهم في البحر من الشدائد والأهوال، و ﴿ شَكُورٍ ﴾ فيما دفع عنهم وأنجاهم من تلك الأهوال، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَّوْجٌ كَٱلظُّلَلِ ﴾ .
قال بعضهم: ﴿ كَٱلظُّلَلِ ﴾ ، أي: كالظلل: هو سواد من كثرة الماء ومعظمه.
وقيل: يصير الموج كالظلمة فوق السفينة.
وجائز أن يكون الظلل التي ذكر على التمثيل لا على التحقيق؛ كناية عن حيرتهم في الدين، كقوله: ﴿ أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَآ أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا ﴾ ، وهو على المثال لا على التحقيق، يخبر عن حيرتهم في الدين وتيههم فيه؛ فعلى ذلك الأول.
ثم يذكر أهل التأويل أن الآية في أهل الكفر: كانوا يخلصون الدعاء لله والدين له: عندما اشتد بهم الخوف على الهلاك عند معاينتهم الأهوال والشدائد في البحار؛ لأن أهل الإسلام يخلصون له الدعاء والدين في الأحوال كلها فهي فيهم.
وقوله: ﴿ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى ٱلْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ ﴾ .
قال بعضهم: ﴿ مُّقْتَصِدٌ ﴾ ، أي: حسن القول بلسانه كافر بقلبه.
وقال بعضهم: ﴿ فَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ ﴾ ، أي: عدل، أي: بقي على الإيمان والإخلاص الذي كان منه في تلك الأهوال لم يعد إلى الكفر.
وقال بعضهم: ﴿ فَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ ﴾ : الوسط.
العدل، وهو ما ذكرنا، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَآ إِلاَّ كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ ﴾ .
قيل: الختار: الغدار.
وقال بعضهم: الختار: هو الذي بلغ في الغدر غايته ونهايته.
وقوله: ﴿ وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْعَلِيُّ ٱلْكَبِيرُ ﴾ العلي يتوجه وجهين: أحدهما: العلو: القهر والغلبة؛ كقوله: ﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاَ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ ، أي: غلب وقهر، وقوله: ﴿ تِلْكَ ٱلدَّارُ ٱلآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي ٱلأَرْضِ ﴾ ؛ فعلى ذلك يشبه أن يكون قوله: ﴿ ٱلْعَلِيُّ ﴾ أي: القاهر الغالب.
والثاني: أن يكون العلو: الارتفاع؛ فإن كان الارتفاع، فهو يرتفع ويتعالى عن أن يحتمل [ما يحتمل] الخلق من التغير والزوال وغير ذلك مما يحتمل الخلق، ارتفع وتعالى عن احتمال ما يحتمل الخلق.
والكبير، أي: تكبر من أن يلحقه شيء مما يلحق الخلق، والله أعلم.
وقوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمْ ﴾ .
يحتمل: ﴿ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمْ ﴾ في الجهة التي له عليكم، وأوفوا له ذلك.
أو اتقوا مخالفة ربكم ومعصيته.
أو اتقوا نقمة ربكم وعذابه.
لكنه يختلف الأمر بالاتقاء في المؤمن والكافر: يكون للكافر: اتقوا الشرك وعبادة غير الله، وفي المؤمن: اتقوا مخالفة الله في جميع ما يأمركم وينهاكم، واتقوا عبادة غير الله أو الشرك في حادث الوقت.
وقوله: ﴿ وَٱخْشَوْاْ يَوْماً لاَّ يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلاَ مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئاً ﴾ .
يذكر هذا على الإياس وقطع طمع بعضهم عن بعض: بالوصلة التي كانت بينهم في الدنيا، والمنافع التي كان ينفع بعضهم بعضا في الدنيا، يخبر أن ذلك كله منقطع في الآخرة؛ لهول ذلك اليوم، واشتغال كل بنفسه؛ حتى لا ينفع أحد صاحبه، وخاصة ما ذكر من الولد لوالده والوالد لولده، مما لا يحتمل قلب واحد منهما أن يلحق المكروه بالآخر، ولا يصبر ألا يدفع ذلك عنه بكل ما به وسعه وطاقته؛ للشفقة والمحبة التي جعلت فيهم.
ثم أخبر ألا ينفع أحدهما صاحبه؛ لاشتغاله بنفسه، وعلى ذلك روي عن رسول الله أنه قال: "كل نسب وسبب فهو منقطع، إلا نسبي وسببي" ، ونسبه: دينه الذي دعانا إليه وعلمناه، وسببه: شفاعته يوم القيامة، فذلك كله منقطع إلا هذين؛ فإنه من تمسك بدينه فإنه يشفع [له] يوم القيامة فيما قصر وفرط، فأما من لم يقبل دينه، ولم يجبه إلى ما دعاه - فإنه ليس له واحد من هذين من الأسباب والأنساب، منقطع؛ كقوله: ﴿ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ ٱلأَسْبَابُ ﴾ .
وقال بعضهم: قوله: ﴿ وَٱخْشَوْاْ يَوْماً لاَّ يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ ﴾ ، قال: هذه الآية في الكفار؛ فأما المؤمنون فينفع الوالد ولده، والولد والده في الآخرة: يدفع إلى ابنه بفضل عمله، وكذلك الولد إلى أبيه؛ كقوله: ﴿ آبَآؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً ﴾ ، والله أعلم.
وقوله: ﴿ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ ﴾ .
فيما ذكر من الإياس وقطع طمع بعضهم من بعض، أو ما ذكر من قيام الساعة وكونها أنها تكون لا محالة، أو في الثواب والعقاب.
وقوله: ﴿ فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا ﴾ .
هذا يحتمل وجهين على التحقيق والتمثيل.
أما التحقيق: ألا تشغلنكم الحياة الدنيا ولذاتها، ولا تلهينكم عن ذكر الله وعن الآخرة، ولا تغتروا بها؛ فإنها لعب ولهو، على ما ذكر أنها لعب ولهو على ما هي عندكم؛ لأنها عندهم أنها إنما أنشئت وخلقت لها لا للآخرة، فالدنيا - على ما هي عندهم - لعب ولهو، وأما على ما هي عندنا هي حق ليس بباطل؛ لأنها أنشئت للآخرة وبلغة إليها.
وأما التمثيل: أضاف التغرير إليها؛ لأن ما كان منها من التزيين والتحسين في الظاهر وإظهار بهجتها وسرورها ولذاتها لو كان ممن له التمييز والعقل والفهم وحقيقة التزيين والتحسين كان تغريرا؛ فعلى ذلك ما كان منها على الظاهر فهو تغرير على التمثيل.
أو أن يكون ما ذكر: ألا تغتروا بالحياة الدنيا وما فيها من لذاتها، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَلاَ يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ ﴾ .
قيل: الغرور: الشيطان، لا يغرنكم، ويقول: إن الله كريم رحيم جواد ولا يعذبكم.
أو يقول: إن الله غني قادر لا يأمركم بأمر ولا ينهاكم؛ إذ إنما يأمر وينهى في الشاهد من كان محتاجاً، فأما الغني فلا يأمر، أو نحوه، والله أعلم.
وقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ ٱلْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي ٱلأَرْحَامِ ﴾ .
ذكر في بعض الأخبار عن ابن عمر - - قال: قال رسول الله : "مفاتيح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله" ، وعدّ هذه الخمسة التي ذكرت في هذه الآية.
وكذلك روي أبو هريرة عن رسول الله قال: "خمس لا يعلمهن إلا الله؛ [ثم تلا] قوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ ﴾ إلى آخر الآية" .
فإن ثبت هذا فهو ما ذكر، ويرجع ذلك إلى معرفة حقيقة ما ذكر؛ وإلا جائز أن يقال: إنه يعلم بعض هذه الأشياء بأعلام؛ من نحو المطر أنه متى يمطر، أو ما في الأرحام: أنه ولد وأنه ذكر أو أنثى، وإن لم يعلم ماهية ما في الأرحام؛ نحو ما يعلم المنجمة بذلك بالحساب وبأعلام، يخرج ذلك على الصدق مما أخبروا ربما؛ ألا ترى أن إبراهيم - صلوات الله عليه - قال: ﴿ إِنِّي سَقِيمٌ ﴾ لما نظر في النجوم، أي: سأسقم.
وروي أن أبا بكر الصديق - - قال: إني ألقي إلى أن ذا بطن بنت خارجة جارية، وكان كما ذكر؛ فلا يحتمل أبو بكر يعلم ذلك لما ألقي إليه، ورسول الله لا يعلم الساعة؛ فإنه لا يطلع عليها أحد، إلا أن يقال بأن رسول الله لم يؤذن له بالتكلم والقول بشيء إلا من جهة الوحي من السماء، فأما الاشتغال بمثله فلا؛ لأن الاشتغال بمثله تضييع لكثير مما امتحن، وترك لبعض ما يؤمر وينهى، أو لما يخرج ذلك مخرج التطير والتفاؤل واكتساب الرزق على غير الجهة التي جعل وأبيح لهم؛ فكان المنع لذلك، والله أعلم.
ثم قوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ ﴾ يحتمل قوله: ﴿ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ ﴾ أي: وقت الساعة، كقوله: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَٰهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَآ إِلاَّ هُوَ ﴾ ، وقوله: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَٰهَا فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَٰهَا إِلَىٰ رَبِّكَ مُنتَهَٰهَآ ﴾ : أخبر أنه لا يجليها لوقتها، وذكر لرسول الله: إنك ﴿ إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَٰهَا ﴾ ، فأما ما سوى ذلك فليس إليك.
أو أن يكون قوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ ﴾ ، أي: عنده علم بماهية الساعة وأهوالها، ولم يذكر ماهيتها وحدها وقدرها؛ فأخبر أنه يعلم هو ذلك.
وقوله: ﴿ وَيُنَزِّلُ ٱلْغَيْثَ ﴾ .
سمى المطر: غيثاً، فيشبه أن يكون سماه: غيثاً؛ لما به يكون للناس غياث فيما به قوام أنفسهم ودنياهم، وسماه في موضع: رحمة، وفي موضع: مباركاً، فتسميته: رحمة؛ لما به نجاة أنفسهم وأبدانهم وذلك صورة الرحمة، وسماه: مباركاً؛ لما به ينمو ويزداد كل شيء؛ إذ البركة هي اسم كل خير ينمو ويزاد بلا اكتساب.
وقوله: ﴿ وَيَعْلَمُ مَا فِي ٱلأَرْحَامِ ﴾ .
من انتقال النطفة إلى العلقة، وانتقال العلقة إلى المضغة، وتحوله من حال إلى حال أخرى، وقدر زيادة ما فيه في كل وقت وفي كل ساعة، ونحو ذلك لا يعلمه إلا الله.
وأما العلم بأن فيه ولدا وأنه ذكر أو أنثى - فجائز أن يعلم ذلك غيره أيضاً.
وقوله: ﴿ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ ﴾ .
جائز أن يكون كتم ذلك وأخفاه؛ ليكونوا في كل حال على حذر وخوف وعلى يقظة؛ إذ لو كان أطلعهم على ذلك - لكانوا آمنين إلى ذلك الوقت؛ فيعملون بكل ما يريدون ويشاءون؛ فيكون في ذلك ارتفاع المحنة، فلبس ذلك عليهم؛ ليكونوا أبداً في كل وقت وكل حال - على حذر وخوف ويقظة، والله أعلم.
﴿ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَيمٌ خَبِيرٌ ﴾ .
وذكر بعض أهل التأويل "أن رجلا من أهل البادية يقال له: الوارث بن عمرو بن حارثة ابن محارب جاء إلى النبي فقال: إن أرضنا أجدبت، فمتى الغيث؟
وتركت امرأتي حبلى؛ فماذا تلد؟
وقد علمت أنى ولدت؛ ففي أي أرض أموت؟
وقد علمت ما عملت اليوم؛ فماذا أعمل غداً؟
ومتى الساعة؟
فأنزل الله - - في مسألة المحاربي: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ ﴾ : لا يعلمها غيره، ﴿ وَيُنَزِّلُ ٱلْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي ٱلأَرْحَامِ ﴾ : من ذكر أو أنثى، ﴿ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ ﴾ برة أو فاجرة ﴿ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً ﴾ : من خير أو شر، ﴿ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ ﴾ : في سهل أو جبل، أو بر أو بحر ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَيمٌ خَبِيرٌ ﴾ : بهذا الذي ذكر كله فقال النبي : أين السائل عن الساعة؟
فقال المحاربي: هاهنا؛ فقرأ النبي صلوات الله عليه هذه الآية" .
قال أبو عوسجة: قوله: ﴿ كَٱلظُّلَلِ ﴾ ، أي: ما اسظللت به، والظلة: السحاب.
قال القتبي: ﴿ كَٱلظُّلَلِ ﴾ : جمع ظلة، يريد: أن بعضه فوق بعض؛ فله سواد من كثرته، والبحر ذو ضلال لأمواجه.
والختار: الغدار، والختر: أقبح الغدر وأشده.
وقال أبو عوسجة: الختار: الكذاب الغدار؛ يقال: ختر، يختر، خترا؛ فهو خاتر.
وقوله: ﴿ وَٱخْشَوْاْ يَوْماً لاَّ يَجْزِي ﴾ ، أي: لا يغني؛ تقول جزى يجزي؛ فهو جاز، أي: أغنى، وأجزى يجزي مثله، وأجزأني عن كذا وكذا، أي: كفاني، وكذلك قال القتبي.
وقال: الغرور - بنصب الغين -: الشيطان، والغرور - بضم الغين -: الباطل.
إن الله عنده وحده علم الساعة؛ فيعلم متى تقع، وينزل المطر متى شاء، ويعلم ما في الأرحام أذكر هو أم أنثى؟!
شقي أم سعيد؟!
وما تعلم نفس ما تكسب غدًا من خير أو شر، وما يعلم نفس بأي أرض تموت، بل الله هو الذي يعلم ذلك كله، إن الله عليم خبير بكل ذلك، لا يخفى عليه شيء من ذلك.
من فوائد الآيات نقص الليل والنهار وزيادتهما وتسخير الشمس والقمر: آيات دالة على قدرة الله سبحانه، ونعمٌ تستحق الشكر.
الصبر والشكر وسيلتان للاعتبار بآيات الله.
الخوف من القيامة يقي من الاغترار بالدنيا، ومن الخضوع لوساوس الشياطين.
إحاطة علم الله بالغيب كله.