الآية ٣٣ من سورة لقمان

الإسلام > القرآن > سور > سورة 31 لقمان > الآية ٣٣ من سورة لقمان

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمْ وَٱخْشَوْا۟ يَوْمًۭا لَّا يَجْزِى وَالِدٌ عَن وَلَدِهِۦ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِۦ شَيْـًٔا ۚ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّۭ ۖ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ ٣٣

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 72 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٣٣ من سورة لقمان: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٣٣ من سورة لقمان عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى منذرا للناس يوم المعاد ، وآمرا لهم بتقواه والخوف منه ، والخشية من يوم القيامة حيث ( لا يجزي والد عن ولده ) أي : لو أراد أن يفديه بنفسه لما قبل منه .

وكذلك الولد لو أراد فداء والده بنفسه لم يتقبل منه .

ثم عاد بالموعظة عليهم بقوله : ( فلا تغرنكم الحياة الدنيا ) [ أي : لا تلهينكم بالطمأنينة فيها عن الدار الآخرة ] .

( ولا يغرنكم بالله الغرور ) يعني : الشيطان .

قاله ابن عباس ، ومجاهد ، والضحاك ، وقتادة .

فإنه يغر ابن آدم ويعده ويمنيه ، وليس من ذلك شيء بل كما قال تعالى : ( يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا ) [ النساء : 120 ] .

قال وهب بن منبه : قال عزير ، عليه السلام : لما رأيت بلاء قومي اشتد حزني وكثر همي ، وأرق نومي ، فضرعت إلى ربي وصليت وصمت فأنا في ذلك أتضرع أبكي إذ أتاني الملك فقلت له : أخبرني هل تشفع أرواح المصدقين للظلمة ، أو الآباء لأبنائهم ؟

قال : إن القيامة فيها فصل القضاء وملك ظاهر ، ليس فيه رخصة ، لا يتكلم فيه أحد إلا بإذن الرحمن ، ولا يؤخذ فيه والد عن ولده ، ولا ولد عن والده ، ولا أخ عن أخيه ، ولا عبد عن سيده ، ولا يهتم أحد بغيره ولا يحزن لحزنه ، ولا أحد يرحمه ، كل مشفق على نفسه ، ولا يؤخذ إنسان عن إنسان ، كل يهم همه ويبكي عوله ، ويحمل وزره ، ولا يحمل وزره معه غيره .

رواه ابن أبي حاتم .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (33) يقول تعالى ذكره: أيها المشركون من قريش، اتقوا الله، وخافوا أن يحلّ بكم سخطه في يوم لا يغني والد عن ولده، ولا مولود هو مغن عن والده شيئا؛ لأن الأمر يصير هنالك بيد من لا يغالب، ولا تنفع عنده الشفاعة والوسائل، إلا وسيلة من صالح الأعمال التي أسلفها في الدنيا.

وقوله: (إنَّ وَعْدَ اللهِ حَقّ) يقول: اعلموا أن مجيء هذا اليوم حقّ، وذلك أن الله قد وعد عباده ولا خلف لوعده (فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الحَياةُ الدُّنْيا) يقول: فلا تخدعنكم زينة الحياة الدنيا ولذّاتها، فتميلوا إليها، وتدعوا الاستعداد لما فيه خلاصكم من عقاب الله ذلك اليوم.

وقوله: (وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بالله الغَرُورُ) يقول: ولا يخدعنَّكم بالله خادع.

والغَرور بفتح الغين: هو ما غرّ الإنسان من شيء كائنا ما كان شيطانا كان أو إنسانا، أو دنيا، وأما الغُرور بضم الغين: فهو مصدر من قول القائل: غررته غرورا.

وبنحو الذي قلنا في معنى قوله: (ولا يَغُرَّنَّكُمْ باللهِ الغَرُورُ) قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله: (الغَرُور) قال: الشيطان.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة قوله: (وَلا يَغُرنَّكُمْ باللهِ الغَرُور) ذاكم الشيطان.

حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ الفضل بن خالد المروزي، يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: (الغَرُورُ) قال: الشيطان.

وكان بعضهم يتأوّل الغَرور بما حدثنا ابن حميد، قال: ثنا ابن المبارك، عن ابن لهيعة، عن عطاء بن دينار، عن سعيد بن جُبَير قوله: (وَلا يَغُرَّنَّكُمْ باللهِ الغَرُورُ) قال: إن تعمل بالمعصية وتتمنى المغفرة.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : يا أيها الناس اتقوا ربكم يعني الكافر والمؤمن ; أي خافوه ووحدوه .

واخشوا يوما لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده تقدم معنى يجزي في ( البقرة ) وغيرها .

فإن قيل : فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : من مات له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث لم تمسه النار إلا تحلة القسم .

وقال : من ابتلي بشيء من هذه البنات فأحسن إليهن كن له حجابا من النار .

قيل له : المعني بهذه الآية أنه لا يحمل والد ذنب [ ص: 76 ] ولده ، ولا مولود ذنب والده ، ولا يؤاخذ أحدهما عن الآخر .

والمعني بالأخبار أن ثواب الصبر على الموت والإحسان إلى البنات يحجب العبد عن النار ، ويكون الولد سابقا له إلى الجنة .

إن وعد الله حق أي البعث فلا تغرنكم أي تخدعنكم الحياة الدنيا بزينتها وما تدعو إليه فتتكلوا عليها وتركنوا إليها وتتركوا العمل للآخرة ولا يغرنكم بالله الغرور قراءة العامة هنا وفي سورة ( الملائكة ) و ( الحديد ) بفتح الغين ، وهو الشيطان في قول مجاهد وغيره ، وهو الذي يغر الخلق ويمنيهم الدنيا ويلهيهم عن الآخرة ; وفي سورة ( النساء ) : يعدهم ويمنيهم .

وقرأ سماك بن حرب وأبو حيوة وابن السميقع بضم الغين ; أي لا تغتروا .

كأنه مصدر غر يغر غرورا .

قال سعيد بن جبير : هو أن يعمل بالمعصية ويتمنى المغفرة .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يأمر تعالى الناس بتقواه، التي هي امتثال أوامره، وترك زواجره، ويستلفتهم لخشية يوم القيامة، اليوم الشديد، الذي فيه كل أحد لا يهمه إلا نفسه فـ { لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا } لا يزيد في حسناته ولا ينقص من سيئاته، قد تم على كل عبد عمله، وتحقق عليه جزاؤه.فلفت النظر في هذا لهذا اليوم المهيل، مما يقوي العبد ويسهِّل عليه تقوى اللّه، وهذا من رحمة اللّه بالعباد، يأمرهم بتقواه التي فيها سعادتهم، ويعدهم عليها الثواب، ويحذرهم من العقاب، ويزعجهم إليه بالمواعظ والمخوفات، فلك الحمد يا رب العالمين.{ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ } فلا تمتروا فيه، ولا تعملوا عمل غير المصدق، فلهذا قال: { فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا } بزينتها وزخارفها وما فيها من الفتن والمحن.{ وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ } الذي هو الشيطان، الذي ما زال يخدع الإنسان ولا يغفل عنه في جميع الأوقات، فإن للّه على عباده حقا، وقد وعدهم موعدا يجازيهم فيه بأعمالهم، وهل وفوا حقه أم قصروا فيه.وهذا أمر يجب الاهتمام به، وأن يجعله العبد نصب عينيه، ورأس مال تجارته، التي يسعى إليها.ومن أعظم العوائق عنه والقواطع دونه، الدنيا الفتانة، والشيطان الموسوس الْمُسَوِّل، فنهى تعالى عباده، أن تغرهم الدنيا، أو يغرهم باللّه الغرور { يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا }

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( يا أيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يوما لا يجزي ) لا يقضي ولا يغني ( والد عن ولده ولا مولود هو جاز ) مغن ( عن والده شيئا ) قال ابن عباس : كل امرئ يهمه نفسه ، ( إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور ) يعني الشيطان .

قال سعيد بن جبير : هو أن يعمل المعصية ويتمنى المغفرة .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«يا أيها الناس» أي أهل مكة «اتقوا ربكم واخشوْا يوما لا يجزي» يغني «والد عن ولده» فيه شيئا «ولا مولود عن هو جاز عن والده» فيه «شيئا إن وعد الله حقٌ» بالبعث «فلا تغرنكم الحياة الدنيا» عن الإسلام «ولا يغرنكم بالله» في حلمه وإمهاله «الغرور» الشيطان.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

يا أيها الناس اتقوا ربكم، وأطيعوه بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، واحذروا يوم القيامة الذي لا يغني فيه والد عن ولده ولا مولود عن أبيه شيئًا، إن وعد الله حق لا ريب فيه، فلا تنخدعوا بالحياة الدنيا وزخرفها فتنسيكم الأخرى، ولا يخدعنكم بالله خادع من شياطين الجن والإنس.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بدعوة الناس إلا الاستعدد ليوم الحساب وإلى مراقبة الله - تعالى - فى كل أحوالهم ، لأنه - سبحانه - لا يخفى عليه شئ منها .

فقال : ( ياأيها الناس اتقوا رَبَّكُمْ .

.

.

.

عَلَيمٌ خَبِيرٌ ) .والمعنى : ( ياأيها الناس اتقوا رَبَّكُمْ ) بأن تطيعوه ولا تعصوه ، وبأن تشكروه ولا تكفروه ، واخشوا يوما ، أى : وخافوا أهوال يوم عظيم .( لاَّ يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ ) أى : لا يستطيع والد أن ينفع ولده بشئ من النفع فى هذا اليوم .

أو أن يقضى عنه شيئا من الأشياء .( وَلاَ مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئاً ) أى : ولا يستطيع المولود - أيضا - أن يدفع عن والده شيئا مما يحتاجه منه .وخص - سبحانه - الوالد والمولود بالذكر ، لأن رابطة المحبة والمودة بينهما هى أقوا الروابط وأوثقها ، فإذا انتفى النفع بينهما فى هذا اليوم ، كان انتفاؤه بالنسبة لغيرها من باب أولى .وقوله : ( إِنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ ) أى : إن ما وعد الله - تعالى - به عباده من البعث والحساب والثواب والعقاب ، حق وثابت ثبوتا لا يقبل الشك أو التخلف .وما دام الأمر كذلك ( فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ الحياة الدنيا ) أى : فلا تخدعنكم الحياة الدنيا بزخارفها وشهواتها ومتعها ، ولا تشغلنكم عن طاعة الله - تعالى - وعن حسن الاستعداد لهذا اليوم الهائل الشديد .

فإن الكيسِّ الفطن هو الذى يتزود لهذا اليوم بالإِيمان الحق ، والعمل الصالح النافع .( وَلاَ يَغُرَّنَّكُم بالله الغرور ) أى : ولا يصرفنكم الشيطان عن طاعة الله ، وعن امتثال أمره .

فالمراد بالغرور : الشيطان .

أو كل ما يصرفك عن طاعة الله - تعالى .قال الآلوسى : ( وَلاَ يَغُرَّنَّكُم بالله الغرور ) أى : الشيطان ، كما روى عن ابن عباس وغيره .

بأن يحملكم على المعاصى بتزيينها لكم .

.

وعن أبى عبيدة : كل شئ غرك حتى تعصى الله - تعالى - فهو غرور سواء أكان شيطانا أم غيره وعلى ذلك ذهب الراغب فقال : الغرور كل ما يغر الإِنسان من مال أو جاه أو شهوة أو شيطان .

.

وأصل الغرور : من غر فلان فلانا ، إذا أصاب غرته ، أى : غفلته ، ونال منه ما يريد .

به الخداع .والظاهر أن " بالله " صلة " يغرنكم " أى : لا يخدعنكم بذكر شئ من شئونه - تعالى - ، يجركم بها على معاصيه - سبحانه .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

لما ذكر الدلائل من أول السورة إلى آخرها وعظ بالتقوى لأنه تعالى لما كان واحداً أوجب التقوى البالغة فإن من يعلم أن الأمر بيد اثنين لا يخاف أحدهما مثل ما يخاف لو كان الأمر بيد أحدهما لا غير، ثم أكد الخوف بذكر اليوم الذي يحكم الله فيه بين العباد، وذلك لأن الملك إذا كان واحداً ويعهد منه أنه لا يعلم شيئاً ولا يستعرض عباده، لا يخاف منه مثل ما يخاف إذا علم أن له يوم استعراض واستكشاف، ثم أكده بقوله: ﴿ لاَّ يَجْزِى وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ ﴾ وذلك لأن المجرم إذا علم أن له عند الملك من يتكلم في حقه ويقضي ما يخرج عليه برفد من كسبه لا يخاف مثل ما يخاف إذا علم أنه ليس له من يقضي عنه ما يخرج عليه، ثم ذكر شخصين في غاية الشفقة والمحبة وهما الوالد والولد ليستدل بالأدنى على الأعلى، وذكر الولد والوالد جميعاً فيه لطيفة، وهي أن من الأمور ما يبادر الأب إلى التحمل عن الولد كدفع المال وتحمل الآلام والولد لا يبادر إلى تحمله عن الوالد مثل ما يبادر الوالد إلى تحمله عن الولد، ومنها ما يبادر الولد إلى تحمله عن الوالد ولا يبادر الوالد إلى تحمله عن الولد كالإهانة، فإن من يريد إحضار والد أحد عند وال أو قاض يهون على الإبن أن يدفع الإهانة عن والده ويحضر هو بدله، فإذا انتهى الأمر إلى الإيلام يهون على الأب أن يدفع الإيلام عن ابنه ويتحمله هو بنفسه فقوله: ﴿ لاَّ يَجْزِى وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ ﴾ في دفع الآلام ﴿ وَلاَ مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئاً ﴾ في دفع الاهانة، وفي قوله: ﴿ لاَّ يَجْزِى ﴾ وقوله: ﴿ وَلاَ مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ ﴾ (لطيفة أخرى) وهي أنا ذكرنا أن الفعل يتأتى وإن كان ممن لا ينبغي ولا يكون من شأنه لأن الملك إذا كان يخيط شيئاً يقال إنه يخيط ولا يقال هو خياط، وكذلك من يحيك شيئاً ولا يكون ذلك صنعته يقال هو يحيك ولا يقال هو حائك، إذا علمت هذا فنقول الابن من شأنه أن يكون جازياً عن والده لما له عليه من الحقوق والوالد يجزي لما فيه من الشفقة وليس بواجب عليه ذلك فقال في الوالد لا يجزي وقال في الولد ﴿ وَلاَ مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ ﴾ .

ثم قال تعالى: ﴿ إِنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ ﴾ وهو يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون تحقيقاً لليوم يعني اخشوا يوماً هذا شأنه وهو كائن لوعد الله به ووعده حق والثاني: أن يكون تحقيقاً لعدم الجزاء يعني: ﴿ لاَّ يَجْزِى وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ ﴾ لأن الله وعد بألا تزر وازرة وزر أخرى ووعد الله حق، فلا يجزي والأول أحسن وأظهر.

ثم قال تعالى: ﴿ فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ الحياة الدنيا ﴾ يعني إذا كان الأمر كذلك فلا تغتروا بالدنيا فإنها زائلة لوقوع (ذلك) اليوم المذكور بالوعد الحق.

ثم قال تعالى: ﴿ وَلاَ يَغُرَّنَّكُم بالله الغرور ﴾ يعني الدنيا لا ينبغي أن تغركم بنفسها ولا ينبغي أن تغتروا (بها) وإن حملكم على محبتها غار من نفس أمارة أو شيطان فكان الناس على أقسام منهم من تدعوه الدنيا إلى نفسها فيميل إليها ومنهم من يوسوس في صدره الشيطان ويزين في عينه الدنيا ويؤمله ويقول إنك تحصل بها الآخرة أو تلتذ بها ثم تتوب فتجتمع لك الدنيا والآخرة، فنهاهم عن الأمرين وقال كونوا قسما ثالثاً، وهم الذين لا يلتفتون إلى الدنيا ولا إلى من يحسن الدنيا في الأعين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ لاَّ يَجْزِى ﴾ لا يقضي عنه شيئاً.

ومنه قيل للمتقاضي: المتجازي.

وفي الحديث في جذعة بن نيار: «تجزِي عنكَ ولا تجزِي عنْ أحدٍ بعدَك» وقرئ: ﴿ لا يجزئ ﴾ لا يغني.

يقال: أجزأت عنك مجزأ فلان.

والمعنى: لا يجزى فيه، فحذف.

﴿ الغرور ﴾ الشيطان.

وقيل: الدنيا وقيل: تمنيكم في المعصية المغفرة.

وعن سعيد بن جبير رضي الله عنه: الغرّة بالله: أن يتمادى الرجل في المعصية ويتمنى على الله المغفرة.

وقيل: ذكرك لحسناتك ونسيانك لسيئاتك غرة.

وقرئ بضم الغين وهو مصدر غره غروراً، وجعل الغرور غارًّا، كما قيل: جدّ جدّه.

أو أريد زينة الدنيا لأنها غرور.

فإن قلت: قوله: ﴿ وَلاَ مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئاً ﴾ وارد على طريق من التوكيد لم يرد عليه ما هو معطوف عليه.

قلت: الأمر كذلك؛ لأنّ الجملة الإسمية أكد من الفعلية، وقد انضم إلى ذلك قوله: ﴿ هُوَ ﴾ وقوله: ﴿ مَوْلُودٌ ﴾ والسبب في مجيئه على هذا السنن: أنّ الخطاب للمؤمنين وعليتهم: قبض آباؤهم على الكفر وعلى الدين الجاهلي، فأريد حسم أطماعهم وأطماع الناس فيهم: أن ينفعوا آباءهم في الآخرة، وأن يشفعوا لهم، وأن يغنوا عنهم من الله شيئاً؛ فلذلك جيء به على الطريق الآكد.

ومعنى التوكيد في لفظ المولود: أن الواحد منهم لو شفع للأب الأدنى الذي ولد منه، لم تقبل شفاعته، فضلاً أن يشفع لمن فوقه من أجداده؛ لأنّ الولد يقع على الولد وولد الولد؛ بخلاف المولود فإنه لمن ولد منك.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ يا أيُّها النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكم واخْشَوْا يَوْمًا لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ ولَدِهِ ﴾ لا يَقْضِي عَنْهُ، وقُرِئَ «لا يُجْزِئُ» مِن أجْزَأ إذا أغْنى والرّاجِعُ إلى المَوْصُوفِ مَحْذُوفٌ أيْ لا يُجْزى فِيهِ.

﴿ وَلا مَوْلُودٌ ﴾ عُطِفَ عَلى ( والِدٌ ) أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿ هُوَ جازٍ عَنْ والِدِهِ شَيْئًا ﴾ وتَغْيِيرُ النَّظْمِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ المَوْلُودَ أوْلى بِأنْ لا يَجْزِيَ، وقَطْعِ طَمَعِ مَن تَوَقَّعَ مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْ يَنْفَعَ أباهُ الكافِرَ في الآخِرَةِ.

﴿ إنَّ وعْدَ اللَّهِ ﴾ بِالثَّوابِ والعِقابِ.

﴿ حَقٌّ ﴾ لا يُمْكِنُ خُلْفُهُ.

﴿ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الحَياةُ الدُّنْيا ولا يَغُرَّنَّكم بِاللَّهِ الغَرُورُ ﴾ الشَّيْطانُ بِأنْ يُرَجِّيَكُمُ التَّوْبَةَ والمَغْفِرَةَ فَيُجَسِّرَكم عَلى المَعاصِي.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (٣٣)

{يا أيها الناس اتقوا رَبَّكُمْ واخشوا يَوْماً لاَّ يَجْزِى وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ} لا يقضي عنه شيئاً والمعنى لا يجزى فيه فحذف {وَلاَ مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئاً} وارد على طريق من التوكيد لم يرد عليه ما هو معطوف عليه لأن الجملة الاسمية آكد من الجملة الفعلية وقد انضم إلى ذلك قوله هو وقوله

مولود والسبب في ذلك أن الخطاب للمؤمنين وعليهم قبض آباؤهم على الكفر فأريدهم أطماعهم أن ينفعوا آباءهم بالشفاعة في الآخرة ومعنى التأكد فى لفظ المولود أن الواحد منهم لو شفع للأب الأدنى الذي ولد منه لم تقبل شفاعته فضلاً أن يشفع لأجداده إذ الولد يقع على الولد وولد الولد بخلاف المولود فإنه لمن ولد منك كذ انى الكشاف {إِنَّ وَعْدَ الله} بالبعث والحساب والجزاء

لقمان (٣٤ - ٣٣)

{حَقٌّ فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ الحياة الدنيا} بزينتها فإن نعمتها دانية ولدتها فانية {وَلاَ يَغُرَّنَّكُم بالله الغرور} الشيطان أو الدنيا أو الأمل

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ يا أيُّها النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكم واخْشَوْا يَوْمًا لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ ولَدِهِ ﴾ أمْرٌ بِالتَّقْوى عَلى سَبِيلِ المَوْعِظَةِ، والتَّذْكِيرِ بِيَوْمٍ عَظِيمٍ بَعْدَ ذِكْرِ دَلائِلِ الوَحْدانِيَّةِ، ويَجْزِي مِن جَزى بِمَعْنى قَضى، ومِنهُ قِيلَ لِلْمُتَقاضِي المُتَجازِي أنْ لا يَقْضِيَ والِدٌ عَنْ ولَدِهِ شَيْئًا.

وقَرَأ أبُو السِّمالِ، وعامِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وأبُو السُّوارِ: «لا يُجْزِئُ» بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الزّايِ مَهْمُوزًا، ومَعْناهُ لا يُغْنِي والِدٌ عَنْ ولَدِهِ، ولا يُفِيدُهُ شَيْئًا مِن أجْزَأْتُ عَنْكَ مَجْزَأ فُلانٍ أيْ أغْنَيْتَ.

وقَرَأ عِكْرِمَةُ «يُجْزى» بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الزّايِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، والجُمْلَةُ عَلى القِراءاتِ صِفَةُ (يَوْمًا)، والرّاجِعُ إلى المَوْصُوفِ مَحْذُوفٌ، أيْ فِيهِ، فَإمّا أنْ يُحْذَفَ بِرُمَّتِهِ، وإمّا عَلى التَّدْرِيجِ بِأنْ يُحْذَفَ حَرْفُ الجَرِّ فَيُعَدّى الفِعْلُ إلى الضَّمِيرِ، ثُمَّ يُحْذَفُ مَنصُوبًا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ولا مَوْلُودٌ ﴾ إمّا عَطْفٌ عَلى ( والِدٌ ) فَهو فاعِلُ ( يَجْزِي )، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هُوَ جازٍ عَنْ والِدِهِ شَيْئًا ﴾ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لَهُ، والمَنفِيُّ عَنْهُ هو الجَزاءُ في الآخِرَةِ والمُثْبَتُ لَهُ الجَزاءُ في الدُّنْيا، أوْ مَعْنى هو جازٍ: أيْ مِن شَأْنِهِ الجَزاءُ لِعَظِيمِ حَقِّ الوالِدِ، أوِ المُرادُ (بِلا يَجْزِي) لا يُقْبَلُ ما هو جازٍ بِهِ، وإمّا مُبْتَدَأٌ والمُسَوِّغُ لِلِابْتِداءِ بِهِ مَعَ أنَّهُ نَكِرَةٌ تَقَدُّمُ النَّفْيِ، وذَهَلَ المَهْدَوِيُّ عَنْ ذَلِكَ، فَمَنَعَ صِحَّةَ كَوْنِهِ مُبْتَدَأً، وجُمْلَةُ ( هو جازٍ ) خَبَرُهُ، ( وشَيْئًا ) مَفْعُولٌ بِهِ، أوْ مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِيَّةِ لِأنَّهُ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، وعَلى الوَجْهَيْنِ قِيلَ تَنازَعَهُ ( يَجْزِي وجازٍ ) واخْتِيارُ ما لا يُفِيدُ التَّأْكِيدَ في الجُمْلَةِ الأُولى، وما يُفِيدُهُ في الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ، لِأنَّ أكْثَرَ المُسْلِمِينَ وأجِلَّتُهم حِينَ الخِطابِ كانَ آباؤُهم قَدْ ماتُوا عَلى الكُفْرِ، وعَلى الدِّينِ الجاهِلِيِّ، فَلَمّا كانَ غِناءُ الكافِرِ عَنِ المُسْلِمِ بَعِيدًا لَمْ يَحْتَجْ نَفْيُهُ إلى التَّأْكِيدِ، ولَمّا كانَ غِناءُ المُسْلِمِ عَنِ الكافِرِ مِمّا يَقَعُ في الأوْهامِ أُكِّدَ نَفْيُهُ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ.

وتَعَقَّبَهُ ابْنُ المُنِيرِ بِأنَّهُ يَتَوَقَّفُ صِحَّتُهُ عَلى أنَّ هَذا الخِطابَ كانَ خاصًّا بِالمَوْجُودِينَ حِينَئِذٍ، والصَّحِيحُ أنَّهُ عامٌّ لَهُمْ، ولِكُلِّ مَن يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ اسْمُ النّاسِ، ورَدَّهُ في الكَشْفِ بِأنَّ المُتَقَدِّمَتَيْنِ فاسِدَتانِ، أمّا الثّانِيَةُ فَلِما تَقَرَّرَ في أُصُولِ الفِقْهِ أنَّ ( يَأيُّها النّاسُ ) يَتَناوَلُ المَوْجُودِينَ، وأمّا لِغَيْرِهِمْ فَبِالإعْلامِ، أوْ بِطَرِيقِهِ، والمالِكِيَّةُ مُوافِقَةٌ، وأمّا الأُولى فَعَلى تَقْدِيرِ التَّسْلِيمِ لا شَكَّ أنَّ أجِلَّةَ المُؤْمِنِينَ وأكابِرَهم إلى انْقِراضِ الدُّنْيا، هُمُ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وأصْحابُهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ، ومَعْلُومٌ أنَّ أكْثَرَهم قُبِضَ آباؤُهم عَلى الكُفْرِ، فَمِن أيْنَ التَّوْقِيفُ اهـ.

واخْتارَ ابْنُ المُنِيرِ في وجْهِ ذَلِكَ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أكَّدَ الوَصِيَّةَ بِالآباءِ، وقَرَنَ وُجُوبَ شُكْرِهِمْ بِوُجُوبِ شُكْرِهِ عَزَّ وجَلَّ، وأوْجَبَ عَلى الوَلَدِ أنْ يَكْفِيَ والِدَهُ ما يَسُوءُ بِحَسَبِ نِهايَةِ إمْكانِهِ قَطَعَ سُبْحانَهُ ها هُنا وهْمَ الوالِدِ في أنْ يَكُونَ الوَلَدُ في القِيامَةِ يَجْزِيهِ حَقَّهُ عَلَيْهِ، ويَكْفِيهِ ما يَلْقاهُ مِن أهْوالِ يَوْمِ القِيامَةِ، كَما أوْجَبَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ في الدُّنْيا ذَلِكَ في حَقِّهِ، فَلَمّا كانَ جَزاءُ الوَلَدِ عَنِ الوالِدِ مَظِنَّةَ الوُقُوعِ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ حَضَّ عَلَيْهِ في الدُّنْيا كانَ جَدِيرًا بِتَأْكِيدِ النَّفْيِ لِإزالَةِ هَذا الوَهْمِ، ولا كَذَلِكَ العَكْسُ، وقَرِيبٌ مِنهُ ما قالَهُ الإمامُ: إنَّ الوَلَدَ مِن شَأْنِهِ أنْ يَكُونَ جازِيًا عَنْ والِدِهِ لِما عَلَيْهِ مِنَ الحُقُوقِ، والوَلَدُ يَجْزِي لِما فِيهِ مِنَ النَّفَقَةِ، ولَيْسَ ذَلِكَ بِواجِبٍ عَلَيْهِ فَلِذا قالَ سُبْحانَهُ في الوَلَدِ: ( لا يَجْزِي )، وفي الوَلَدِ ﴿ ولا مَوْلُودٌ هو جازٍ عَنْ والِدِهِ ﴾ ألا تَرى أنَّهُ يُقالُ لِمَن يَحِيكُ، ولَيْسَتِ الحِياكَةُ صَنْعَتَهُ هو يَحِيكُ، ولِمَن يَحِيكُ وهي صَنْعَتُهُ هو حائِكٌ، وقِيلَ: إنَّ التَّأْكِيدَ في الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ لِلدِّلالَةِ عَلى أنَّ المَوْلُودَ أوْلى بِأنْ لا يَجْزِيَ لِأنَّهُ دُونَ الوالِدِ في الحُنُوِّ والشَّفَقَةِ، فَلَمّا كانَ أوْلى بِهَذا الحُكْمِ اسْتَحَقَّ التَّأْكِيدَ وفِي القَلْبِ مِنهُ شَيْءٌ، وقَدْ يُقالُ: إنَّ العَرَبَ كانُوا يَدَّخِرُونَ الأوْلادَ لِنَفْعِهِمْ، ودَفْعِ الأذى عَنْهُمْ، وكِفايَةِ ما يَهُمُّهُمْ، ولَعَلَّ أكْثَرَ النّاسِ كَذَلِكَ، فَأُرِيدَ حَسْمُ تَوَهُّمِ نَفْعِهِمْ ودَفْعِهِمُ الأذى، وكِفايَةِ المُهِمِّ في حَقِّ آبائِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ، فَأُكِّدَتِ الجُمْلَةُ المُفِيدَةُ لِنَفْيِ ذَلِكَ عَنْهُمْ، وعُدَّ مِن جُمْلَةِ المُؤَكِّداتِ التَّعْبِيرُ بِالمَوْلُودِ، لِأنَّهُ مَن وُلِدَ بِغَيْرِ واسِطَةٍ بِخِلافِ الوَلَدِ، فَإنَّهُ عامٌّ يَشْمَلُ ولَدَ الوَلَدِ، فَإذا أفادَتِ الجُمْلَةُ أنَّ الوَلَدَ الأدْنى لا يَجْزِي عَنْ والِدِهِ عُلِمَ أنَّ مَن عَداهُ مِن ولَدٍ لا يَجْزِي عَنْ جَدِّهِ مِن بابِ أوْلى.

واعْتُرِضَ بِأنَّ هَذِهِ التَّفْرِقَةَ بَيْنَ الوَلَدِ والمَوْلُودِ لَمْ يُثْبِتْها أهْلُ اللُّغَةِ، ورُدَّ بِأنَّ الزَّمَخْشَرِيَّ، والمُطَرِّزِيَّ ذَكَرا ذَلِكَ، وكَفى بِهِما حُجَّةً، ثُمَّ إنَّ في عُمُومِ الوَلَدِ لِوَلَدِ الوَلَدِ أيْضًا مَقالًا، فَقَدْ ذَهَبَ جَمْعٌ أنَّهُ خاصٌّ بِالوَلَدِ الصُّلْبِيِّ حَقِيقَةً.

وقالَ صاحِبُ المُغْرِبِ: يُقالُ لِلصَّغِيرِ مَوْلُودٌ، وإنْ كانَ الكَبِيرُ مَوْلُودًا أيْضًا لِقُرْبِ عَهْدِهِ مِنَ الوِلادَةِ، كَما يُقالُ: لَبَنٌ حَلِيبٌ، ورُطَبٌ جَنِيٌّ، لِلطَّرِيِّ مِنهُما، ووَجْهُ أمْرِ التَّأْكِيدِ عَلَيْهِ بِأنَّهُ إذا كانَ الصَّغِيرُ لا يَجْزِي حِينَئِذٍ مَعَ عَدَمِ اشْتِغالِهِ بِنَفْسِهِ لِعَدَمِ تَكْلِيفِهِ في الدُّنْيا فالكَبِيرُ المَشْغُولُ بِنَفْسِهِ مِن بابِ أوْلى، وهو كَما تَرى، وخَصَّصَ بَعْضُهُمُ العُمُومَ بِغَيْرِ صِبْيانِ المُسْلِمِينَ لِثُبُوتِ الأحادِيثِ بِشَفاعَتِهِمْ لِوالِدَيْهِمْ.

وتُعُقِّبَ بِأنَّ الشَّفاعَةَ لَيْسَتْ بِقَضاءٍ ولَوْ سُلِّمَ، فَلِتَوَقُّفِها عَلى القَبُولِ يَكُونُ القَضاءُ مِنهُ عَزَّ وجَلَّ حَقِيقَةً، فَتَدَبَّرْ.

﴿ إنَّ وعْدَ اللَّهِ ﴾ قِيلَ: بِالثَّوابِ والعِقابِ عَلى تَغْلِيبِ الوَعْدِ عَلى الوَعِيدِ، أوْ هو بِمَعْناهُ اللُّغَوِيِّ، ( حَقٌّ ) ثابِتٌ مُتَحَقِّقٌ لا يُخْلَفُ، وعَدَمُ إخْلافِ الوَعْدِ بِالثَّوابِ مِمّا لا كَلامَ فِيهِ، وأمّا عَدَمُ إخْلافِ الوَعْدِ بِالعِقابِ فَفِيهِ كَلامٌ، والحَقُّ أنَّهُ لا يُخْلَفُ أيْضًا، وعَدَمُ تَعْذِيبِ مَن يُغْفَرُ لَهُ مِنَ العُصاةِ المُتَوَعَّدِينَ فَلَيْسَ مِن إخْلافِ الوَعِيدِ في شَيْءٍ، لِما أنَّ الوَعِيدَ في حَقِّهِمْ كانَ مُعَلَّقًا بِشَرْطٍ لَمْ يُذْكَرْ تَرْهِيبًا وتَخْوِيفًا، والجُمْلَةُ عَلى هَذا تَعْلِيلٌ لِنَفْيِ الجَزاءِ، وقِيلَ: المُرادُ أنَّ وعْدَ اللَّهِ بِذَلِكَ اليَوْمِ حَقٌّ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا كَأنَّهُ لَمّا قِيلَ: يا أيُّها النّاسُ اتَّقُوا يَوْمًا إلَخْ، سَألَ سائِلٌ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ اليَوْمَ؟

فَقِيلَ: إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ أيْ نَعَمْ، يَكُونُ لا مَحالَةَ لِمَكانِ الوَعْدِ بِهِ، فَهو جَوابٌ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ، وإلَيْهِ يُشِيرُ كَلامُ الإمامِ، ﴿ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الحَياةُ الدُّنْيا ﴾ بِأنْ تُلْهِيَكم بِلَذّاتِها عَنِ الطّاعاتِ، ﴿ ولا يَغُرَّنَّكم بِاللَّهِ الغَرُورُ ﴾ أيِ الشَّيْطانُ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةَ، وقَتادَةَ، ومُجاهِدٍ، والضَّحّاكِ بِأنْ يَحْمِلَكم عَلى المَعاصِي بِتَزْيِينِها لَكُمْ، ويُرْجِيَكُمُ التَّوْبَةَ والمَغْفِرَةَ مِنهُ تَعالى، أوْ يَذْكُرَ لَكم أنَّها لا تَضُرُّ مَن سَبَقَ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى مَوْتُهُ عَلى الإيمانِ، وأنَّ تَرْكَها لا يَنْفَعُ مَن سَبَقَ في العِلْمِ مَوْتُهُ عَلى الكُفْرِ، وعَنْ أبِي عُبَيْدَةَ: كُلُّ شَيْءٍ غَرَّكَ حَتّى تَعْصِيَ اللَّهَ تَعالى وتَتْرُكَ ما أمَرَكَ سُبْحانَهُ بِهِ فَهو غَرُورٌ شَيْطانًا أوْ غَيْرَهُ، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ الرّاغِبُ قالَ: الغَرُورُ كُلُّ ما يَغُرُّ الإنْسانَ مِن مالٍ وجاهٍ وشَهْوَةٍ وشَيْطانٍ.

وقَدْ فُسِّرَ بِالشَّيْطانِ إذْ هو أخْبَثُ الغارِّينَ، وبِالدُّنْيا لِما قِيلَ: الدُّنْيا تَغُرُّ وتَضُرُّ وتَمُرُّ، وأصْلُ الغُرُورِ مِن غَرَّ فُلانًا، إذا أصابَ غِرَّتَهُ أيْ غَفْلَتَهُ، ونالَ مِنهُ ما يُرِيدُ، والمُرادُ بِهِ الخِداعُ، والظّاهِرُ أنَّ ( بِاللَّهِ ) صِلَةُ ( يَغُرَّنَّكم )، أيْ لا يَخْدَعَنَّكم بِذِكْرِ شَيْءٍ مِن شُؤُونِهِ تَعالى يُجَسِّرُكم عَلى مَعاصِيهِ سُبْحانَهُ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ قَسَمًا، وفِيهِ بُعْدٌ، وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، ويَعْقُوبُ، «تَغُرَّنَّكُمْ» بِالنُّونِ الخَفِيفَةِ، وقَرَأ سِمالُ بْنُ حَرْبٍ، وأبُو حَيْوَةَ «الغُرُورُ» بِضَمِّ الغَيْنِ، وهو مَصْدَرٌ، والكَلامُ مِن بابِ جَدَّ جِدُّهُ، ويُمْكِنُ تَفْسِيرُهُ بِالشَّيْطانِ يَجْعَلُهُ نَفْسَ الغُرُورِ مُبالَغَةً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ يعني: وحّدوه وأطيعوه وَاخْشَوْا يعني: واخشوا عذاب يوم يَوْماً لاَّ يَجْزِي والِدٌ عَنْ وَلَدِهِ يعني: هو جاز عن والده شيئاً، ولا ينفع والد عن ولده.

ويقال: لا يقضي والد عن ولده ما عليه وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جازٍ عَنْ والِدِهِ شَيْئاً يعني: لا يقدر الولد أن ينفع والده شيئاً، وهذا في الكفار خاصة.

وأما المؤمن فإنه ينفع كما قال في آية أخرى: أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ [الطور: 21] ثم قال: إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ يعني: البعث بعد الموت كائن ولا خلف فيه فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا يعني: لا يغرّنكم ما في الدنيا من زينتها وزهوتها، فتركنوا إليها، وتطمئنوا بها، وتتركوا الآخرة والعمل لها وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ يعني: لا يغرنكم الشيطان عن طاعة الله عَزَّ وَجَلَّ.

ويقال: كل مضل هو شيطان.

وقال أهل اللغة: الْغَرُورُ بنصب الغين هو الشيطان.

وبالضم أباطيل الدنيا.

قوله عز وجل: إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ قال مقاتل: نزلت في رجل يقال له: الوليد بن عمرو من أهل البادية، أتى النبي  فقال: إنّ أرضنا أجدبت، فمتى ينزل الغيث؟

وتركت امرأتي حبلى، فماذا تلد؟

وقد علمت بأيِّ أرض ولدت، فبأيِّ أرض أموت؟

وقد علمت ما عملت اليوم، فماذا أنا عامل غداً؟

ومتى الساعة؟

فنزل إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ يعني: علم القيامة لا يعلمه غيره وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ يعني: وهو الذي ينزل الغيث متى شاء وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحامِ من ذكر وأنثى وَما تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ في سهل أو جبل.

وروي عن ابن عمرو عن النبيّ  أنه قال: «مَفَاتِيحُ الغَيبِ خَمْسٌ لاَ يَعْلَمُهَا إلاَّ الله فَقَرَأ: إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ الآية» .

وقال ابن مسعود كل شيء أوتي نبيكم إلا مفاتيح الغيب الخمس.

إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ إلى آخر السورة.

وقالت عائشة-  ا-: من حدثكم بأنه يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ فقد كذب.

ثم قرأت: وَما تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ يعني: بأي مكان تموت، وبأي قدم تؤخذ، وبأي نفس ينقضي أجله.

وروى شهر بن حوشب قال: دخل ملك الموت على سليمان بن داود-  - فقال رجل من جلسائه لسليمان: من هذا؟

فقال ملك الموت.

فقال: لقد رأيته ينظر إليّ كأنه يريدني.

فأريد أن تحملني على الريح حتى تلقيني بالهند.

ففعل.

ثم أتى ملك الموت إلى سليمان فسأله عن نظره ذلك.

فقال: إني كنت أعجب أني كنت أمرت أقبض روحه في أرض الهند في آخر النهار وهو عندك.

ثم قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ يعني: بهذه الأشياء التي ذكرها.

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله تعالى: مَّا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ أي: لأنه كله ب «كن فيكون» ، قاله مجاهد «١» .

وقوله تعالى: كُلٌّ يَجْرِي إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى يريد: القيامة.

وقوله: بِنِعْمَتِ اللَّهِ يحتمل أن يريدَ ما تحملَه السفنُ من الطَّعامِ والأرزاقِ والتجاراتِ، فالباء: للإلْزَاقِ، ويحتمل أن يريدَ بالريحِ وتسخيرِ الله البحرَ ونحوَ هذا، فالباءُ باءُ السببِ.

وذكر تعالى من صفات المؤمن الصبَّارَ والشَّكُورَ لأنهما عُظْمُ أخلاقه، الصبرُ على الطاعاتِ وعلى النوائبِ، وعن الشهواتِ، والشكرُ على الضراءِ والسراءِ.

وقال الشعبي: الصبرُ نصفُ الإيمانِ والشكرُ نصفُه الآخرُ، واليقينُ الإيمان «٢» كله.

و «غَشِي» غطَّى أو قارَب، والظُّلَلِ: السحابُ.

وقوله تعالى: فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ.

قال الحسن: منهم مؤمن «٣» يعرف حق الله في هذه النعم، والختَّار القبيحُ «٤» الغَدْرِ، وذلك أن مِنَن الله على العباد كأنها عهود ومِنَنٌ يلزمَ عنها أداء شكرها، والعبادةُ لمسديها، فمن كفر ذلك وجحد به، فكأنه ختر وخان، قال الحسن: الختار هو الغدار «٥» .

وكَفُورٍ: بناء مبالغة.

يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْماً لاَّ يَجْزِي والِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جازٍ عَنْ والِدِهِ شَيْئاً إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (٣٣) إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحامِ وَما تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (٣٤)

وقوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْماً لاَّ يَجْزِي والِدٌ عَنْ وَلَدِهِ ...

الآية يَجْزِي مَعْنَاه يَقْضي، والمعنى: لا ينفعه بشيء، وقرأ الجمهور: «الغَرور» «٦» : - بفتح

الغَيْنِ- وهو الشيطانُ قاله مجاهد «١» وغيره، واعلم أيها الأخ أنّ مَنْ فَهِمَ كَلامَ رَبِّه وَرُزِقَ التوفيقَ لم يَنْخَدِعْ بغُرورِ الدنيا وزخرفها الفاني بَل يَصْرِفُ هِمَّتَه بالكُلِّيَةِ إلى التزود لآخرته ساعياً في مَرْضَاةِ ربه، وأنَّ مَنْ أيقنَ أنَّ اللهَ يطلبُه صَدَقَ الطلبَ إليه، كما قاله الإمام العارفُ بالله ابن عطاء الله.

وإنه لا بد لبناءِ هذا الوجودِ أن تَنْهَدِمَ دعائمُه وأن تسلب كرائِمهُ، فالعاقل من كان بما هو أبقى أفرح منه بما هو يفنى، قد أشرق نورُه وظهرت تباشيرُه، فَصَدَفَ عن هذه الدار مُغْضِياً، وأعرض عَنها مولياً، فلم يتخذْها وطناً، ولا جعلها/ ٦٩ أسكنا بل أنْهَضَ الهمَّةَ فيها إلى اللهِ تعالى وَصَارَ فِيهَا مُسْتَعِيناً به في القدومِ عليه، فما زالت مطيةُ عَزْمِهِ لا يَقِرُّ قرارُها.

دائما تَسْيَارُهَا، إلى أن أناخَتْ بِحَضْرَةِ القُدَسِ، وبساطِ الإنْسِ، انتهى.

وَرَوَيْنَا في «جامع الترمذي» عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلّم قال: «إنّ أغبط أوليائي عندي المؤمن خَفِيفٌ الحَاذِ ذُو حَظٍّ مِنَ الصَّلاَةِ، أَحْسَنَ عِبَادَةَ رَبِّهِ، وَأَطَاعَهُ فِي السِّرَّ، وَكَانَ غَامِضاً فِي النَّاسِ لاَ يُشَارُ إلَيْهِ بِالأَصَابِعِ، وَكَانَ رِزْقُهُ كَفَافاً فَصَبَرَ على ذَلِكَ، ثُمَّ نَفَضَ بِيَدِهِ فَقَالَ: عُجِّلَتْ مَنِيَّتُهُ، قَلَّتْ نَوَائِحُهُ قَلَّ تراثه» ، قال أبو عيسى: وبهذا الإسنادِ عَنِ النبيّ صلى الله عليه وسلّم قال: «عرض عليّ ربّي ليجعل لي بطحاء «٢» مَكَّةَ ذَهَباً، قُلْتُ: لاَ، يَا رَبِّ، ولكن أَشْبَعُ يَوْماً وَأَجُوعُ يَوْماً، أَوْ قَالَ: ثَلاَثاً أَوْ نَحْوَ هذا، فَإذَا جُعْتُ، تَضَرَّعْتُ إلَيْكَ، وَإذَا شَبِعْتُ شَكَرْتُكَ وَحَمِدْتُكَ» «٣» .

قال أبو عيسَى: هذا حديثٌ حسنٌ، وفي الباب عن فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ، انتهى.

والغُرُورُ: التَّطْمِيعُ بما لا يَحْصُلُ.

وقال ابن جُبَيْرٍ: معنى الآية: أن تَعملَ المعصيةَ وتَتَمَنَّى المغفرة «٤» ، وفي الحديثِ الصحيح: عنه صلى الله عليه وسلّم قَالَ: «خَمْسٌ مِنَ الغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهُنَّ إلاَّ اللَّهُ تعالى وتلا الآية: إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ ...

إلى آخرها» «٥» .

قال أبو حيَّان: بِأَيِّ أَرْضٍ: - الباء ظَرْفِيةٌ والجملة في موضع نصب- ب تَدْرِي.

انتهى.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: هَذا خِطابٌ لِكُفّارِ مَكَّةَ.

وقَوْلُهُ: ﴿ لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ ولَدِهِ ﴾ أيْ: لا يَقْضِي عَنْهُ شَيْئًا مِن جِنايَتِهِ ومَظالِمِهِ.

قالَ مُقاتِلٌ: وهَذا يَعْنِي بِهِ الكُفّارَ.

وقَدْ شَرَحْنا هَذا في (البَقَرَةِ: ٤٨) .

قالَ الزَّجّاجُ: وقَوْلُهُ: ﴿ هُوَ جازٍ ﴾ جاءَتْ في المَصاحِفِ بِغَيْرِ ياءٍ، والأصْلُ " جازِيٌ " بِضَمَّةٍ وتَنْوِينٍ.

وذَكَرَ سِيبَوَيْهِ والخَلِيلُ أنَّ الِاخْتِيارَ في الوَقْفِ هو " جازٍ " بِغَيْرِ ياءٍ، هَكَذا وقَفَ الفُصَحاءُ مِنَ العَرَبِ لِيُعْلِمُوا أنَّ هَذِهِ الياءَ تَسْقُطُ في الوَصْلِ.

وزَعَمَ يُونُسُ أنَّ بَعْضَ العَرَبِ المَوْثُوقِ بِهِمْ يَقِفُ بِياءٍ، ولَكِنَّ الِاخْتِيارَ اتِّباعُ المُصْحَفِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ﴾ أيْ: بِالبَعْثِ والجَزاءِ ﴿ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الحَياةُ الدُّنْيا ﴾ بِزِينَتِها عَنِ الإسْلامِ والتَّزَوُّدِ لِلْآخِرَةِ ﴿ وَلا يَغُرَّنَّكم بِاللَّهِ ﴾ أيْ: بِحِلْمِهِ وإمْهالِهِ ﴿ الغَرُورُ ﴾ يَعْنِي: الشَّيْطانَ، وهو الَّذِي مِن شَأْنِهِ أنْ يَغُرَّ.

قالَ الزَّجّاجُ: " الغَرُورُ " عَلى وزْنِ الفَعُولِ، وفَعُولٌ مِن أسْماءِ المُبالِغَةِ، يُقالُ: فُلانٌ أكُولٌ: إذا كانَ كَثِيرَ الأكْلِ، وضَرُوبٌ: إذا كانَ كَثِيرَ الضَّرْبِ، فَقِيلَ لِلشَّيْطانِ: غَرُورٌ، لِأنَّهُ يَغُرُّ كَثِيرًا.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الغَرُورُ بِفَتْحِ الغَيْنِ: الشَّيْطانُ، وبِضَمِّها: الباطِلُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ ﴾ سَبَبُ نُزُولِها «أنَّ رَجُلًا مِن أهْلِ البادِيَةِ جاءَ إلى النَّبِيِّ  فَقالَ: إنَّ امْرَأتِي حُبْلى، فَأخْبِرْنِي ماذا تَلِدُ؟

وبَلَدُنا مُجْدِبٌ، فَأخْبِرْنِي مَتى يَنْزِلُ الغَيْثُ؟

وقَدْ عَلِمْتُ مَتى وُلِدْتُ، فَأخْبِرْنِي مَتى أمُوتُ؟

فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ،» قالَهُ مُجاهِدٌ وَمَعْنى الآيَةِ: ﴿ إنَّ اللَّهَ ﴾ عَزَّ وجَلَّ ﴿ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ ﴾ مَتى تَقُومُ، لا يَعْلَمُ سِواهُ ذَلِكَ ﴿ وَيُنَزِّلُ الغَيْثَ ﴾ وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ: " ويُنَزِّلُ " بِالتَّشْدِيدِ، فَلا يَعْلَمُ أحَدٌ مَتى يَنْزِلُ الغَيْثُ، ألِيلًا أمْ نَهارًا ﴿ وَيَعْلَمُ ما في الأرْحامِ ﴾ لا يَعْلَمُ سِواهُ ما فِيها، أذَكَرًا أمْ أُنْثى، أبْيَضَ أوْ أسْوَدَ ﴿ وَما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَدًا ﴾ أخِيرًا أمْ شَرًّا ﴿ وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأيِّ أرْضٍ تَمُوتُ ﴾ أيْ: بِأيِّ مَكانٍ.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: " بِأيَّةِ أرْضٍ " بِتاءٍ مَكْسُورَةٍ.

والمَعْنى: لَيْسَ أحَدٌ يَعْلَمُ [أيْنَ] مَضْجَعُهُ مِنَ الأرْضِ حَتّى يَمُوتَ، أفِي بَرٍّ أوْ بَحْرٍ أوْ سَهْلٍ أوْ جَبَلٍ.

وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: [يُقالُ]: بِأيِّ أرْضٍ كُنْتَ، وبِأيَّةِ أرْضٍ كُنْتَ، لُغَتانِ.

وقالَ الفَرّاءُ: مَن قالَ: بِأيِّ أرْضٍ، اجْتَزَأ بِتَأْنِيثِ الأرْضِ مِن أنْ يُظْهِرَ في " أيٍّ " تَأْنِيثًا آخَرَ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَذِهِ الخَمْسُ لا يَعْلَمُها مَلَكٌ مُقَرَّبٌ ولا نَبِيٌّ [مُرْسَلٌ] مُصْطَفًى.

قالَ الزَّجّاجُ: فَمَنِ ادَّعى أنَّهُ يَعْلَمُ شَيْئًا مِن هَذِهِ كَفَرَ بِالقُرْآنِ لِأنَّهُ خالَفَهُ.

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ يا أيُّها الناسُ اتَّقُوا رَبَّكم واخْشَوْا يَوْمًا لا يَجْزِي والِدٌ عن ولَدِهِ ولا مَوْلُودٌ هو جازٍ عن والِدِهِ شَيْئًا إنَّ وعْدَ اللهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الحَياةُ الدُنْيا ولا يَغُرَّنَّكم بِاللهِ الغَرُورُ ﴾ ﴿ إنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ الساعَةِ ويُنَزِّلُ الغَيْثَ ويَعْلَمُ ما في الأرْحامِ وما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَدًا وما تَدْرِي نَفْسٌ بِأيِّ أرْضٍ تَمُوتُ إنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴾ ﴿ "يَجْزِي" ﴾ مَعْناهُ: يَقْضِي، والمَعْنى لا يَنْفَعُهُ بِشَيْءٍ ولا يَدْفَعُ عنهُ شَيْئًا، و"هُوَ جازٍ" جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الصِفَةِ، أيْ: ولا يَجْزِي مَوْلُودٌ قَدْ كانَ في الدُنْيا يَجْزِي.

و"الغُرُورُ": التَطْمِيعُ بِما لا يَتَحَصَّلُ، و"الغَرُورُ": الشَيْطانُ، بِذَلِكَ فَسَّرَ مُجاهِدٌ والضَحّاكُ، وقالَ: هو الأمَلُ والتَسْوِيفُ.

وقَرَأ سِماكُ بْنُ حَرْبٍ، وأبُو حَيْوَةَ: "الغُرُورُ" بِضَمِّ الغَيْنِ، وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: مَعْنى الآيَةِ أنْ تَعْمَلَ المَعْصِيَةَ وتَتَمَنّى المَغْفِرَةَ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يَجْزِي" بِفَتْحِ الياءِ، مِن "جَزى"، وقَرَأ عِكْرِمَةُ: "يَجْزِي" بِضَمِّ الياءِ عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، وحَكى ابْنُ مُجاهِدٍ قِراءَةَ: "لا يُجْزِئُ" بِضَمِّ الياءِ والهَمْزِ.

وفي رَفْعِ "مَوْلُودٌ" اضْطِرابٌ مِنَ النُحاةِ، قالَ المَهْدَوِيُّ: "وَلا يَكُونُ مُبْتَدَأً لِأنَّهُ نَكِرَةٌ وما بَعْدَهُ صِفَةٌ لَهُ فَيَبْقى بِغَيْرِ خَبَرٍ".

وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ وابْنُ أبِي إسْحاقٍ ويَعْقُوبُ: "وَلا تَغُرَّنَكُمْ" خَفِيفَةُ النُونِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ اللهَ عِنْدَهُ ﴾ الآيَةُ.

ذَكَرَ النَقّاشُ «أنَّ رَجُلًا سَألَ رَسُولَ اللهِ  عن هَذِهِ الخَمْسِ، ورُوِيَ أنَّهُ سَألَ عن بَعْضِها فَنَزَلَتِ الآيَةُ حاصِرَةً لِمَفاتِيحِ الغَيْبِ الَّتِي لا يَعْلَمُها إلّا اللهُ عَزَّ وجَلَّ،» ذَكَرَ ذَلِكَ مُجاهِدٌ، ولَنْ تَجِدَ مِنَ المُغَيَّباتِ شَيْئًا إلّا هَذِهِ أو ما يُفِيدُهُ النَظَرُ والتَأْوِيلُ.

و ﴿ عِلْمُ الساعَةِ ﴾ مَصْدَرٌ مُضافٌ إلى مَفْعُولٍ، أيْ: كُلُّ ما شَأْنُهُ أنْ يُعْلَمَ مِن أمْرِ الساعَةِ، ولَكِنَّ الَّذِي اسْتَأْثَرَ اللهُ تَعالى بِهِ هو عِلْمُ الوَقْتِ، وغَيْرُ ذَلِكَ قَدْ أعْلَمَ بِبَعْضٍ مِنهُ.

وكَذَلِكَ نُزُولُ الغَيْثِ أمْرٌ قَدِ اسْتَأْثَرَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ بِتَفْصِيلِهِ وعِلْمِ وقْتِهِ الخاصِّ بِهِ.

وأمْرُ الأجِنَّةِ كَذَلِكَ، وأفْعالُ البَشَرِ وجَمِيعُ كَسْبِهِمْ كَذَلِكَ، ومَوْضِعُ مَوْتِ كُلِّ بَشَرٍ كَذَلِكَ الأصْقاعُ والمَوْضِعُ الخاصُّ بِالجَسَدِ.

وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "بِأيَّةِ أرْضٍ" بِفَتْحِ الياءِ وزِيادَةِ تاءِ تَأْنِيثٍ.

و ﴿ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴾ صِفَتانِ مُتَشابِهَتانِ لِمَعْنى الآيَةِ.

وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: كُلُّ شَيْءٍ أُوتِيَ نَبِيُّكم إلّا مَفاتِيحَ الخَمْسِ، ثُمَّ تَلا الآيَةَ.

وَقَرَأ: "وَيُنْزِلُ الغَيْثَ" خَفِيفَةً أهْلُ الكُوفَةِ، وأبُو عَمْرُو، وعِيسى، وقَرَأ: "يُنَزِّلُ" بِالتَثْقِيلِ نافِعٌ، وأبُو جَعْفَرٍ، وعاصِمٌ، وشَيْبَةُ.

وذَكَرَ أبُو حاتِمٍ في تَرْجِيحِ التَثْقِيلِ رَأْيًا.

كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ لُقْمانَ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ وصَلّى اللهُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وعَلى آلِهِ وصَحِبَهُ وسَلَّمَ

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

إن لم يكن ﴿ يا أيها الناس ﴾ خطاباً خاصاً بالمشركين فهو عام لجميع الناس كما تقرر في أصول الفقه، فيعم المؤمن والمشرك والمعطل في ذلك الوقت وفي سائر الأزمان إذ الجميع مأمورون بتقوى الله وأن الخطوات الموصلة إلى التقوى متفاوتة على حسب تفاوت بُعد السائرين عنها، وقد كان فيما سبق من السورة حظوظ للمؤمنين وحظوظ للمشركين فلا يبعد أن تعقَّب بما يصلح لِكِلا الفريقين، وإن كان الخطاب خاصاً بالمشركين جرْياً على ما روي عن ابن عباس أن ﴿ يا أيها الناس ﴾ خطاب لأهل مكة، فالمراد بالتقوى: الإقلاع عن الشرك.

وموقع هذه الآية بعد ما تقدمها من الآيات موقع مقصد الخُطبة بعد مقدماتها إذ كانت المقدمات الماضية قد هيّأت النفوس إلى قبول الهداية والتأثر بالموعظة الحسنة، وإن لاصطياد الحكماء فُرصاً يحرصون على عدم إضاعتها، وأحسن مُثُلها قول الحريري في «المقامة الحادية عشرة»: «فلما ألحدوا الميْت، وفات قول ليت، أشرف شيخ من رُباوة، متحضرٌ بهراوة، فقال: لِمثْل هذا فليعمل العاملون، فاذكروا أيأيها الغافلون، وشمروا أيها المقصرون» الخ...

فأما القلوب القاسية، والنفوس المتعاصية، فلن تأسُوَها آسية.

ولاعتبار هذا الموقع جعلت الجملة استئنافاً لأنها بمنزلة الفذلكة والنتيجة.

والتقوى تبتدئ من الاعتراف بوجود الخالق ووحدانيته وتصديق الرسول صلى الله عليه وسلم وتنتهي إلى اجتناب المنهيات وامتثال المأمورات في الظاهر والباطن في سائر الأحوال.

وتقدم تفصيلها عند قوله تعالى ﴿ هدىً للمتقين ﴾ في سورة البقرة (2) وتقدم نظير هذا في سورة الحج (32).

وخشية اليوم: الخوف من أهوال ما يقع فيه إذ الزمان لا يخشى لذاته، فانتصب يوماً } على المفعول به.

والأمر بخشيته تتضمن وقوعه فهو كناية عن إثبات البعث وذلك حظ المشركين منه الذين لا يؤمنون به حتى صار سمة عليهم قال تعالى ﴿ وقال الذين لا يرجون لقاءنا ﴾ [الفرقان: 21].

وجملة ﴿ لا يَجْزِي والدٌ عن ولده ﴾ الخ صفة يوم وحذف منها العائد المجرور ب (في) توسعاً بمعاملته معاملة العائد المنصوب كقوله ﴿ واتقوا يوماً لا تجزي نفس عن نفس شيئاً ﴾ في سورة البقرة (48).

وجَزى إذا عدي ب عن} فهو بمعنى قضى عنه ودفع عنه، ولذلك يقال للمتقاضي: المتجازي.

وجملة ﴿ ولا مولود ﴾ الخ عطف على الصفة و ﴿ مولود ﴾ مبتدأ.

و ﴿ هو ﴾ ضمير فصل.

و ﴿ جاز ﴾ خبر المبتدأ.

وذكر الوالد والولد هنا لأنهما أشد محبة وحمية من غيرهم فيعلم أن غيرهما أولى بهذا النفي، قال تعالى: ﴿ يوم يفرّ المرء من أخيه وأمه وأبيه ﴾ الآية [عبس: 34 35].

وابتدئ ب ﴿ الوالد ﴾ لأنه أشد شفقة على ابنه فلا يجد له مخلصاً من سوء إلا فعله.

ووجه اختيار هذه الطريقة في إفادة عموم النفي هنا دون طريقة قوله تعالى: ﴿ واتقوا يوماً لا تجزي نفسٌ عن نفس شيئاً ﴾ في سورة البقرة (123)، أن هذه الآية نزلت بمكة وأهلها يومئذ خليط من مسلمين وكافرين، وربما كان الأب مسلماً والولد كافراً وربما كان العكس، وقد يتوهم بعضُ الكافرين حين تُداخلهم الظنون في مصيرهم بعد الموت أنه إذا ظهر صدق وعيد القرآن إياهم فإن من له أب مسلم أو ابن مسلم يدفع عنه هنالك بما يُدلّ به على رَبّ هذا الدين، وقد كان قاراً في نفوس العرب التعويل على المولَى والنصير تعويلاً على أن الحَمية والأنفة تدفعهم إلى الدفاع عنهم في ذلك الجمع وإن كانوا من قبل مختلفين لهم لضيق عطن أفهامهم يقيسون الأمور على معتادهم.

وهذا أيضاً وجه الجمع بين نفي جزاء الوالد عن ولده وبين نفي جزاء الولَد عن والده ليشمل الفريقين في الحالتين فلا يتوهم أن أحد الفريقين أرجى في المقصود.

ثم أوثرت جملة ولا مولود هو جاز عن والده شيئاً } بطرق من التوكيد لم تشتمل على مثلها جملة ﴿ لا يجزي والد عن ولده ﴾ فإنها نظمت جملة اسمية، ووُسِّط فيها ضمير الفصل، وجعل النفي فيها منصبّاً إلى الجنس.

ونكتة هذا الإيثار مبالغة تحقيق عدم جَزْءِ هذا الفريق عن الآخر إذ كان معظمُ المؤمنين من الأبناء والشباببِ، وكان آباؤهم وأمهاتهم في الغالب على الشرك مثل أبي قحافة والد أبي بكر، وأبي طالب والد علي، وأم سعد بن أبي وقاص، وأم أسماء بنت أبي بكر، فأُريد حسم أطماع آبائهم وما عسى أن يكون من أطماعهم أن ينفعوا آباءهم في الآخرة بشيء.

وعبر فيها ب ﴿ مولود ﴾ دون (ولد) لإشعار ﴿ مولود ﴾ بالمعنى الاشتقاقي دون (ولد) الذي هو اسم بمنزلة الجوامد لقصد التنبيه على أن تلك الصلة الرقيقة لا تخول صاحبها التعرض لنفع أبيه المشرك في الآخرة وفاء له بما تُومئ إليه الموْلُودية من تجشّم المشقة من تربيته، فلعله يتجشم الإلحاح في الجزاء عنه في الآخرة حسماً لطمعه في الجزاء عنه، فهذا تعكيس للترقيق الدنيوي في قوله تعالى ﴿ وقل ربّ ارحمهما كما رَبَّيَاني صغيراً ﴾ [الإسراء: 24] وقوله: ﴿ وصاحبْهما في الدنيا معروفاً ﴾ [لقمان: 15].

وجملة ﴿ إن وعد الله حق ﴾ علة لجملتي ﴿ اتقوا ربّكم واخْشَوْا يوماً ﴾ .

ووعدُ الله: هو البعث، قال تعالى: ﴿ ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين قل لكم ميعاد يوم لا تستأخِرون عنه ساعةً ولا تستقدمون ﴾ [سبأ: 29 30].

وأكد الخبر ب ﴿ إنّ ﴾ مُراعاة لمنكري البعث، وإذ قد كانت شبهتهم في إنكاره مشاهدة الناس يموتون وبخلفهم أجيال آخرون ولم يرجع أحد ممن مات منهم ﴿ وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر ﴾ [الجاثية: 24] وقالوا: ﴿ إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين ﴾ [الأنعام: 29].

فُرع على هذا التأكيد إبطال شبهتهم بقوله: ﴿ فلا تَغرنَّكم الحياة الدنيا ﴾ ، أي لا تغرنّكم حالة الحياة الدنيا بأن تتوهموا الباطل حقاً والضرّ نفعاً، فإسناد التغرير إلى الحياة الدنيا مجاز عقلي لأن الدنيا ظرف الغرور أو شُبْهَتِه، وفاعل التغرير حقيقة هم الذين يُضِلّونهم بالأقيسة الباطلة فيشبهون عليهم إبطاء الشيء باستحالته فذُكرت هنا وسيلة التغرير وشبهته ثم ذكر بعده الفاعل الحقيقي للتغرير وهو الغَرور.

و {الغَرور بفتح الغين: من يكثر منه التغرير، والمراد به الشيطان بوسوسته وما يليه في نفوس دعاة الضلالة من شبه التمويه للباطل في صورة وما يلقيه في نفوس أتباعهم من قبول تغريرهم.

وعطف ولا يغرنكم بالله الغرور } لأنه أدخل في تحذيرهم ممن يلقون إليهم الشبه أو من أوهام أنفسهم التي تخيل لهم الباطل حقاً ليهموا آراءهم.

وإذا أريد بالغَرور الشيطان أو ما يشمله فذلك أشد في التحذير لما تقرر من عداوة الشيطان للإنسان، كما قال تعالى: ﴿ يا بني آدم لا يَفْتِننَّكم الشيطان كما أخرج أبوَيْكم من الجَنة ﴾ [الأعراف: 27] وقال: ﴿ إن الشيطان لكم عدوّ فاتخذُوه عدواً ﴾ [فاطر: 6]، ففي التحذير شوب من التنفير.

والباء في قوله ﴿ ولا يغرنكم بالله ﴾ هي كالباء في قوله تعالى ﴿ يا أيها الإنسان ما غرّك بربك الكريم ﴾ [الانفطار: 6].

وقرر في «الكشاف» في سورة الانفطار معنى الباء بما يقتضي أنها للسببية، وبالضرورة يكون السبب شأناً من شؤون الله يناسب المقام لا ذاتَ الله تعالى.

والذي يناسب هنا أن يكون النهي عن الاغترار بما يسوِّله الغَرور للمشركين كتوهم أن الأصنام شفعاء لهم عند الله في الدنيا واقتناعهم بأنه إذا ثبت البعث على احتمال مرجوح عندهم شفعت لهم يومئذ أصنامهم، أو يغرُّهم بأن الله لو أراد البعث كما يقول الرسول صلى الله عليه وسلم لبعث آباءهم وهم ينظرون، أو أن يغرهم بأن الله لو أراد بعث الناس لعجّل لهم ذلك وهو ما حكى الله عنهم: ﴿ ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين ﴾ [يونس: 48] فذلك كله غرور لهم مُسبب بشؤون الله تعالى.

ففي هذا ما يوضح معنى الباء في قوله تعالى: ﴿ ولا يغرنكم بالله الغرور ﴾ وقد جاء مثله في سورة الحديد (14).

وهذا الاستعمال في تعدية فعل الغرور بالباء قريب من تعديته ب (من) الابتدائية في قول امرئ القيس: أغرّككِ مني أن حبَّك قَاتِلي *** أي: لا يغرنَّك مِن معاملتي معك أن حبك قاتلي.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكم واخْشَوْا يَوْمًا لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ ولَدِهِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: مَعْناهُ لا يُغْنِي والِدٌ عَنْ ولَدِهِ يُقالُ جَزَيْتُ عَنْكَ بِمَعْنى أغْنَيْتُ عَنْكَ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.

.

الثّانِي: لا يَقْضِي والِدٌ عَنْ ولَدِهِ، قالَهُ المُفَضَّلُ وابْنُ كامِلٍ.

الثّالِثُ: لا يَحْمِلُ والِدٌ عَنْ ولَدِهِ، قالَ الرّاعِي وأجْزَأْتُ أمْرَ العالَمِينَ ولَمْ يَكُنْ لِيَجْزِيَ إلّا كامِلٌ وابْنُ كامِلٍ أيْ حَمَلْتُ.

﴿ وَلا مَوْلُودٌ هو جازٍ عَنْ والِدِهِ شَيْئًا إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ﴾ يَعْنِي البَعْثَ والجَزاءَ.

﴿ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الحَياةُ الدُّنْيا ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: لا يُغُرَّنَّكُمُ الإمْهالُ عَنِ الِانْتِقامِ.

الثّانِي: لا يُغُرَّنَّكُمُ المالُ عَنِ الإسْلامِ.

﴿ وَلا يَغُرَّنَّكم بِاللَّهِ الغَرُورُ ﴾ وهي تُقْرَأُ عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: بِالضَّمِّ.

الثّانِي: بِالفَتْحِ وهي قِراءَةُ الجُمْهُورِ.

فَفي تَأْوِيلِها بِالضَّمِّ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ الغَرُورَ الشَّيْطانُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: الأمَلُ وهو تَمَنِّي المَغْفِرَةِ في عَمَلِ المَعْصِيَةِ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.

وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أنْ تُخْفِيَ عَلى اللَّهِ ما أسْرَرْتَ مِنَ المَعاصِي.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة ﴾ قال: يقول له كن فيكون.

القليل والكثير.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله تعالى عنه في قوله: ﴿ ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة ﴾ يقول: إنما خلق الله الناس كلهم وبعثهم كخلق نفس واحدة وبعثها.

وفي قوله: ﴿ ألم تر أن الله يولج الليل في النهار ﴾ قال: نقصان الليل زيادة النهار ﴿ ويولج النهار في الليل ﴾ نقصان النهار زيادة في الليل ﴿ كل يجري إلى أجل مسمى ﴾ لذلك كله وقت واحد معلوم، لا يعدوه ولا يقصر دونه.

وفي قوله: ﴿ إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور ﴾ قال: إن أحب عباد الله إليه الصبار الشكور، الذي إذا أعطي شكر، وإذا ابتلي صبر.

وفي قوله: ﴿ وإذا غشيهم موج كالظلل ﴾ قال: كالسحاب وفي قوله: ﴿ وما يجحد بآياتنا إلا كل ختار كفور ﴾ قال: غدار بذمته، كفور بربه.

وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ فمنهم مقتصد ﴾ قال: في القول وهو كافر ﴿ وما يجحد بآياتنا إلا كل ختار ﴾ قال: غدار ﴿ كفور ﴾ قال: كافر.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ختار ﴾ قال: جحاد.

وأخرج الطستي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله: ﴿ كل ختار كفور ﴾ قال: الجبار.

الغدار.

الظلوم.

الغشوم.

﴿ الكفور ﴾ الذي يغطي النعمة قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم.

أما سمعت قول الشاعر وهو يقول: لقد علمت واستيقنت ذات نفسها ** بأن لا تخاف الدهر صرمي ولا ختري وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ كل ختار ﴾ قال: الذي يغدر بعهده ﴿ كفور ﴾ قال: بربه.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ولا يغرنكم بالله الغرور ﴾ قال: هو الشيطان.

وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة رضي الله عنه ﴿ ولا يغرنكم بالله الغرور ﴾ قال: الشيطان.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه ﴿ ولا يغرنكم بالله الغرور ﴾ قال: الشيطان.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن سعيد بن جبير رضي الله عنه ﴿ ولا يغرنكم بالله الغرور ﴾ قال: أن تعمل بالمعصية وتتمنى المغفرة.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا ﴾ قال ابن عباس: كل امرئ تهمه نفسه (١) وقال مقاتل: يعني لا تغني والدة عن ولدها شيئًا من المنفعة يعني الكفار (٢) ﴿ وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا  ﴾ وقد مر تفسيره، والكلام في الراجع إلى اليوم في سورة البقرة.

قوله تعالى: ﴿ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ﴾ أي بالبعث.

﴿ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ﴾ هو عن الإسلام.

﴿ وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ ﴾ أي حلم (٣) ﴿ الْغَرُورُ ﴾ يعني الشيطان.

قاله ابن عباس ومجاهد وغيرهما (٤) قال مقاتل: هو إبليس (٥) (١) انظر: "الوسيط" 3/ 447.

(٢) انظر: "تفسير مقاتل" 83 ب.

(٣) في (ب): (يحلم).

(٤) قال به غيرهما قتادة والضحاك.

انظر: "الطبري" 21/ 87، "معاني القرآن" للنحاس 5/ 293، "تفسير الماوردي" 4/ 349، "مجمع البيان" 8/ 507.

(٥) انظر: "تفسير مقاتل" 83 ب.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ لاَّ يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ ﴾ أي لا يقضي عنه شيئاً، والمعنى، أنه لا ينفعه ولا يدفع عنه مضرة ﴿ وَلاَ مَوْلُودٌ ﴾ أي ولد فكما لا يقدر الوالد لولده على شيء، كذلك لا يقدر الولد لوالده على شيء ﴿ الغرور ﴾ الشيطان وقيل: الأمر والتسويف.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ نعمه ﴾ على الجمع: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو وسهل وحفص ﴿ والبحر ﴾ بالنصب: أبو عمرو ويعقوب عطفاً على اسم "أن" الآخرون: بالرفع حملاً على محل "أن" ومعمولها ﴿ وأن ما يدعون ﴾ على الغيبة: أبو عمرو وحمزة وعلي وخلف وحفص وسهل ويعقوب ﴿ وينزل الغيث ﴾ التشديد: ابو جعفر ونافع وابن كثير وابن عامر وعاصم.

الوقوف: ﴿ وباطنه ﴾ ط ﴿ منير ﴾ ه ﴿ آباءنا ﴾ ط ﴿ السعير ﴾ ه ﴿ الوثقى ﴾ ط ﴿ الأمور ﴾ ه ﴿ كفره ﴾ ه ﴿ عملوا ﴾ ط ﴿ الصدور ﴾ ه ﴿ غليظ ﴾ ه ﴿ ليقولن الله ﴾ ط ﴿ الله ﴾ ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ الحميد ﴾ ه ﴿ كلمات الله ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه ﴿ واحدة ﴾ ط ﴿ بصير ﴾ ه ﴿ والقمر ﴾ ز لأن قوله ﴿ كل ﴾ مبتدأ مع عطف "أن" على "أن" الأولى ﴿ خبير ﴾ ه ﴿ الباطل ﴾ لا ﴿ الكبير ﴾ ه ﴿ من آياته ﴾ ط ﴿ شكور ﴾ ه ﴿ الدين ﴾ ج ﴿ مقتصد ﴾ ط ﴿ كفور ﴾ ه ﴿ عن ولده ﴾ لا لعطف الجملتين المختلفتين لفظاً مع صدق الاتصال معنى ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ الدنيا ﴾ قف للفصل بين الموعظتين ﴿ الغرور ﴾ ه ﴿ الساعة ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ الغيث ﴾ ج وإن اتفقت الجملتان للتفصيل بين عيب وغيب ﴿ الأرحام ﴾ ط لابتداء الجملة المنفية التي فيها استفهام ﴿ غداً ﴾ ط لابتداء نفي آخر مع تكرار نفس دون الاكتفاء بضميرها ﴿ تموت ﴾ ط ﴿ خبير ﴾ ه.

التفسير: لما ذكر أن معرفة الصانع غير مختصة بالنبوة ولكنها توافق الحكمة ايضاً، ولو كانت تعبداً محضاً للزم قبوله، كيف وإنها توافق المعقول، أعاد الاستدلال بالأمور المشاهدة الآفاقية والأنفسية.

ومعنى ﴿ سخر لكم ﴾ لأجلكم كما مر في سورة إبراهيم من قوله ﴿ وسخر لكم الشمس والقمر دائبين  ﴾ الآية ومعنى ﴿ اسبغ ﴾ أتم، والنعم الظاهرة كل ما يوجد للحس الظاهر إليه سبيل ومن جملتها الحواس أنفسها.

والباطنة مالا يدرك إلا بالحس الباطن أو بالعقل أو لا يعلم أصلاً.

ومن المفسرين من يخص، فعن مجاهد: الظاهرة ظهور الإسلام والنصر على الأعداء ظاهراً، والباطنة إمداد الملائكة.

وعن الضحاك: الظاهرة حسن الصورة وامتداد القامة وتسوية الأعضاء والباطنة المعرفة والعلم.

وقيل: النفس.

ثم ذكر أن بعض الناس يجادلون في الله بعد ظهور الدلائل على وحدانيته وقد مر في أول "الحج".

ثم ذكر أنه لا مستند له في ذلك إلا التقليد، ثم وبخه على جهله وتقليده بأنه يتبع سبيل الشيطان ولو دعاه إلى النار قائلاً ﴿ أولو كان ﴾ إلخ.

ومعناه أيتبعونهم ولو كان كذا؟

ثم اراد أن يفصل حال المؤمن والكافر بعض التفصيل فقال ﴿ ومن يسلم وجهه إلى الله ﴾ وهو نظير قوله في "البقرة" ﴿ بلى من أسلم وجهه لله  ﴾ والفرق أن معناه مع "إلى" يرجع إلى التفويض والتسليم، ومع اللام يؤل إلى الإخلاص والإذعان والاستمساك بالعروة الوثقى تمثيل كما مر في آية الكرسي.

وقوله ﴿ يمتعهم ﴾ الآية.

كقوله في البقرة ﴿ ومن كفر فأمتعه قليلاً ثم أضطره  ﴾ وغلظ العذاب شدته.

ثم بين أنهم معترفون بالمعبود الحق إلا أنهم يشركون به وقد مر في آخر "العنكبوت" مثله إلا أنه قال في آخره ﴿ بل أكثرهم لا يعلمون ﴾ وذلك أنه زاد هناك قوله ﴿ وسخر الشمس والقمر  ﴾ فبالغ، فإن نفي العقل أبلغ من نفي العلم إذ كل عالم عاقل ولا ينعكس.

ثم ذكر أن الملك كله له وهو غني على الإطلاق حميد بالاستحقاق.

وحين بين غاية قدرته أراد أن يبين أنه لا نهاية لعلمه فقال ﴿ ولو أن ما في الأرض ﴾ الاية.

عن ابن عباس: أنها نزلت جواباً لليهود وأن التوراة فيها كل الحكمة.

وقيل: هي جواب قول المشركين أن الوحي سينفد.

وتقدير الآية على قراءة الرفع: لو ثبت كون الأشجار أقلاماً وثبت البحر ممدوداً بسبعة أبحر.

ويجوز أن تكون الجملة حالاً واللام في البحر للجنس.

وجعل جنس البحار ممدوداً بالسبعة للتكثير لا للتقدير، فإن كثيراً من الأشياء عددها سبعة كالسيارات السبعة والأقاليم السبعة وأيام الأسبوع ومثله قوله  "المؤمن يأكل في معاً واحد والكافر يأكل في سبعة أمعاء" أراد الأكل الكثير.

وقال في الكشاف جعل البحر الأعظم بمنزلة الدواة، وجعل الأبحر السبعة مملوأة مداداً، فهي تصب فيه مدادها ابداً صباً لا ينقطع.

قلت: جعله الأبحر سبعة تقديراً ينافي قوله "أبدا لا ينقطع" وإنما لم يجعل للأقلام مداداً لأن نقصان المداد بالكتابة أظهر من نقصان القلم.

وإنما لم يقل:كلم الله" على جمع الكثرة للمبالغة إذ يفهم منه أن كلماته لا تفي بكتبتها البحار فكيف بكلمه؟

وقيل: أراد بكلماته عجائب مصنوعاته الموجودة بكلمة "كن" وقد مر نظير هذه الآية في آخر الكهف.

ثم بين أنه لا يصعب على قدرته كثرة الإيجاد والإعدام فإن تعلق قدرته بمقدور واحد كتعلقها بمقدورات غير محصورة لأن اقتداره لا يتوقف على آلة وعدة وإنما ذلك له ذاتي يكفي فيه الإرادة.

ثم أكد ذلك بأن سمعه يتعلق في زمان واحد بكل المسموعات، وكذا بصره بكل المبصرات من غير أن يشغله شيء عن شيء.

ثم أعاد طرفاً من دلائل قدرته مع تذكير بعض نعمه قائلاً ﴿ الم تر ﴾ وقد مر نظيره في "الحج" إلى قوله ﴿ الكبير ﴾ وقوله ههنا ﴿ يجري إلى أجل مسمى ﴾ وقوله في "فاطر" و"الزمر" ﴿ لأجل مسمى  ﴾ يؤل إلى معنى واحد وإن كان الطريق مغايراً، لأن الأول معناه انتهاؤهما إلى وقت معلوم وهو للشمس آخر السنة وللقمر آخر الشهر.

وعن الحسن: هو يوم القيامة لأن جريهما لا ينقطع إلا وقتئذ.

والثاني معناه اختصاص الجري بإدراك أجل معلوم كما وصفنا.

ووجه اختصاص هذا المقام بإلى وغيره باللام، أن هذه الآية صدِّرت بالتعجيب فناسب التطويل.

والمشار إليه بذلك هو ما وصف من عجيب قدرته أو أراد أن الموحى من هذه الآيات بسبب بيان أن الله هو الحق.

قال بعضهم ﴿ العلي ﴾ إشارة إلى كونه تماماً وهو أن حصل له كما ينبغي أن يكون له.

و ﴿ الكبير ﴾ إشارة إلى كونه فوق التمام وهو أنه يحصل لغيره ما يحتاج إليه.

ثم أكد الآية السماوية بالآية الأرضية.

ومعنى ﴿ بنعمته ﴾ بإحسانه ورحمته أو بالريح الطيبة التي هي بأمر الله ﴿ إن في ذلك ﴾ الإجراء ﴿ لآيات لكل صبار ﴾ على الضراء ﴿ شكور ﴾ في السراء.

ووجه المناسبة أن كلتا الحالتين قد يقع لراكب البحر أو صبار على النواحي والتروك شكور في الأفعال والأوامر ومنه قوله  "الإيمان نصفان: نصف صبر ونصف شكر" .

ثم ذكر أن بعض الناس لا يخلص لله إلا عند الشدائد، وإنما وحد الموج وجمع الظلل وهي كل ما أظلك من جبل أو سحاب، لأن الموج الواحد يرى له صعود ونزول كالجبال المتلاصقة.

وإنما قال ههنا.

﴿ فمنهم مقتصد ﴾ وقد قال فيما قبل ﴿ إذا هم يشركون  ﴾ لأنه ذكر ههنا الموج وعظمته ولا محالة يبقى لمثله اثر في الخيال فيخفض شيئاً من غلو الكفر والظلم وينزجر بعض الانزجار، ويلزمه أن يكون متوسطاً في الإخلاص أيضاً لا غالياً فيه، وقل مؤمن قد ثبت على ما عاهد عليه الله في البحر.

والختر أشد الغدر ومنه قولهم "لا تمد لنا شبراً من غدر إلا مددنا لك باعاً من ختر".

والختار في مقابلة الصبار لأن الختر لا يصدر إلا من عدم الصبر وقلة الاعتماد على الله في دفع المكروه.

والكفور طباق الشكور.

وحين بيَّن الدلائل وعظ بالتقوى وخوف من هول يوم القيامة.

ومعنى ﴿ لا يجزي ﴾ لا يقضي كما مر في أول "البقرة".

وذكر شخصين في غاية الشفقة والمحبة وهما الوالد والولد ليلزم منه عدم الانتفاع بغيرهما بالأولى، وفيه إشارة إلى ما جرت به العادة من أن الأب يتحمل الآلام عن ابنه ما أمكن، والولد يتحمل الإهانة عن الأب ما أمكن، فكأنه قال: لا يجزي فيه ﴿ والد عن ولده ﴾ شيئاً من الآلام ﴿ ولا مولود هو جاز عن والده شيئاً ﴾ من أسباب الإهانة.

قال جار الله: إنما أوردت الجملة الثانية إسمية لأجل التوكيد.

وذلك أن الخطاب للمؤمنين فأراد حسم أطماعهم أن يشفعوا لآبائهم الكفرة وفي توسيط "هو" مزيد تأكيد.

وفي لفظ ﴿ المولود ﴾ دون أن قول "ولا ولد" تأكيد آخر، لأن الولد يقع على ولد الولد أيضاً بخلاف المولود فإنه لمن ولد منك فكأنه قيل: إن الواحد منهم لو شفع للأب الأدنى الذي ولد منه لم تقبل شفاعته فضلاً أن يشفع لمن فوقه.

وقيل: إنما أوردت الثانية إسمية لأن الابن من شأنه أن يكون جازياً عن والده لما عليه من الحقوق والوالد يجزي شفقة لا وجوباً ﴿ إن وعد الله ﴾ بمجيء ذلك اليوم ﴿ حق ﴾ أو وعده بعدم جزاء الوالد عن الولد وبالعكس حق.

و ﴿ الغرور ﴾ بناء مبالغة وهو الشيطان اي لا ينبغي أن تغرنكم الدنيا بنفسها ويزينها في أعينكم غار من الشيطان أو النفس الأمارة.

روي عن النبي  "مفاتيح الغيب خمس" وتلا قوله ﴿ إن الله عنده علم الساعة ﴾ إلى آخرها.

وعن المنصور، أنه همه معرفة مدة عمره فرأى في منامه كأن خيالاً أخرج يده من البحر واشار إليه بالأصابع الخمس.

فاستفتى العلماء في ذلك فتأولوها بخمس سنين وبخمسة أشهر وبغير ذلك حتى قال أبو حنيفة: تأويلها أن مفاتيح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله، وأن ما طلبت معرفته لا سبيل لك إليه.

قال في التفسير الكبير: ليس مقصود الآية أنه تعالى مختص بمعرفة هذه الأمور فقط فإنه يعلم الجوهر الفرد أين هو وكيف هو من أول يوم خلق العالم إلى يوم النشور، وإنما المراد أنه  حذر الناس من يوم القيامة.

كان لقائل أن يقول: متى الساعة؟

فذكر أن هذا العلم لا يحصل لغيره ولكن هو كائن لدليلين ذكرهما مراراً وهو إنزال الغيث المستلزم لإحياء الأرض وخلق الأجنة في الأرحام، فإن القادر على الإبداء قادر على الإعادة بالأولى.

ثم إنه كأنه قال: أيها السائل إن لك شيئاً أهم منها لا تعلمه فإنك لا تعلم معاشك ومعادك فلا تعلم ﴿ ماذا تكسب غداً ﴾ مع أنه فعلك وزمانك ولا تعلم أين تموت مع أنه شغلك ومكانك فكيف تعلم قيام الساعة؟

والسر في إخفاء الساعة وإخفاء وقت الموت بل مكانة هو أنه ينافي التكليف كما مر في أول "طه"، ولو علم المكلف مكان موته لأمن الموت إذا كان في غيره.

والسر في إخفاء الكسب في غير الوقت الحاضر هو أن يكون المكلف ابداً مشغول السر بالله معتمداً عليه في اسباب الرزق وغيره.

روي أن ملك الموت مر على سليمان  فجعل ينظر إلى رجل من جلسائه.

فقال الرجل: من هذا؟

قال: ملك الموت.

فقال: كأنه يريدني.

وسأل سليمان أن يحمله على الريح إلى بلاد الهند ففعل.

ثم قال ملك الموت لسليمان: كان نظري إليه تعجباً منه لأني أمرت أن اقبض روحه بالهند وهو عندك.

قال جار الله: جعل العلم لله والدراية للعبد لما في الدراية من معنى الختل والحيلة كأنه قال: إنها لا تعرف وإن أعلمت حيلها وقرئ ﴿ بآية أرض ﴾ والأفصح عدم تأنيثه.

التأويل: ﴿ وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة ﴾ هي تسخير ما في السموات وما في الأرض من الأجسام العلوية والسفلية، البسطية والمركبة.

وباطنة هي تسخير ما في سموات القلوب من الصدق والإخلاص والتوكل والشكر وسائر المقامات القلبية والروحانية بأن يسر العيون عليها بالسكون المتدارك بالجذبة والانتفاع بمنافعها والاجتناب عن مضارها.

وتسخير ما في أرض النفوس من اضداد الأخلاق المذكورة بتبديلها بالحميدة والتمتع بخواصها والتحرز عن آفاتها.

﴿ ثم نضطرهم ﴾ لفساد استعدادهم ﴿ تجري في البحر بنعمة الله ﴾ سلامتهم في الظاهر معلومة، وأما في الباطن فنجاتهم بسفائن العصمة من بحار القدرة أو بسفينة الشريعة بملابسة الطريقة في بحر الحققة لإِراءة آيات شواهد الحق، وإذا تلاطمت عليهم أمواج بحار التقدير تمنوا أن تلفظهم نفحات الألطاف إلى سواحل الأعطاف.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱلْفُلْكَ تَجْرِي فِي ٱلْبَحْرِ بِنِعْمَتِ ٱللَّهِ ﴾ .

وقال في موضع آخر: ﴿ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ  ﴾ ، قوله: (ريح طيبة) - هي النعمة التي ذكر في هذه الآية.

وقوله: ﴿ تَجْرِي فِي ٱلْبَحْرِ بِنِعْمَتِ ٱللَّهِ ﴾ - يحتمل وجهين: أحدهما: لما جعل لهم الفلك بحيث تجري على وجه الماء مع أحمال ثقيلة، ومن طبعها التسرب في الماء والانحدار فيه، فجعلها بحيث تستمسك على وجه الماء وتجري؛ ليصلوا إلى حوائجهم ومنافعهم في أمكنة متباعدة ممتنعة: ما لولا السفن لم يصلوا إلى ذلك بحال.

والثاني: ما ذكر فيه من الريح الطيبة التي بها تجري السفن في البحار، وماؤها راكد ساكن؛ فتعمل تلك الريح الطيبة عمل جريان الماء وسكونه، وذلك نعمته، والله أعلم.

وقوله: ﴿ لِيُرِيَكُمْ مِّنْ آيَاتِهِ ﴾ .

يحتمل آيات وحدانيته وآيات قدرته وسلطانه، وآيات نعمته: أما آيات نعمته، فما ذكر، وآيات قدرته وسلطانه: ما ذكرنا: أنه من قدرته وسلطانه أن جعل الفلك والسفن في البحار بحيث تستمسك وتحتبس، ولا تتسرب ولا تنحدر مع أحمال ثقيلة، ومن طبع ذلك كله التسرب والانحدار، وما ذكر من إجرائها بالريح الطيبة، ولو كان فِعْلَ عدد لا فعل واحد لكان يمنع عن جريها، دل أنه تدبير واحد لا عدد.

وقوله: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ﴾ .

جائز أن يكون الصبار هو المؤمن، والشكور كذلك، الصبر كناية عن الإيمان، والشكر كناية عن الإيمان؛ كقوله: ﴿ إِلاَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ  ﴾ ذكر الصبر مكان قوله: ﴿ آمَنُواْ ﴾ ؛ لأنه ذكر في آية أخرى: ﴿ إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ  ﴾ ، والشكر كناية عن الإيمان؛ كقوله: ﴿ إِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ وَلاَ يَرْضَىٰ لِعِبَادِهِ ٱلْكُفْرَ وَإِن تَشْكُرُواْ يَرْضَهُ لَكُمْ  ﴾ ، وقوله: ﴿ تَشْكُرُواْ ﴾ ، أي: تؤمنوا.

ويحتمل: ﴿ صَبَّارٍ ﴾ على بلاياه، و ﴿ شَكُورٍ ﴾ على نعمائه.

أو جعل الآيات لمن ذكر؛ لأنه هو المنتفع بها دون غيرهم.

أو ﴿ صَبَّارٍ ﴾ فيما أصابهم في البحر من الشدائد والأهوال، و ﴿ شَكُورٍ ﴾ فيما دفع عنهم وأنجاهم من تلك الأهوال، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَّوْجٌ كَٱلظُّلَلِ ﴾ .

قال بعضهم: ﴿ كَٱلظُّلَلِ ﴾ ، أي: كالظلل: هو سواد من كثرة الماء ومعظمه.

وقيل: يصير الموج كالظلمة فوق السفينة.

وجائز أن يكون الظلل التي ذكر على التمثيل لا على التحقيق؛ كناية عن حيرتهم في الدين، كقوله: ﴿ أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَآ أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا  ﴾ ، وهو على المثال لا على التحقيق، يخبر عن حيرتهم في الدين وتيههم فيه؛ فعلى ذلك الأول.

ثم يذكر أهل التأويل أن الآية في أهل الكفر: كانوا يخلصون الدعاء لله والدين له: عندما اشتد بهم الخوف على الهلاك عند معاينتهم الأهوال والشدائد في البحار؛ لأن أهل الإسلام يخلصون له الدعاء والدين في الأحوال كلها فهي فيهم.

وقوله: ﴿ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى ٱلْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ ﴾ .

قال بعضهم: ﴿ مُّقْتَصِدٌ ﴾ ، أي: حسن القول بلسانه كافر بقلبه.

وقال بعضهم: ﴿ فَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ ﴾ ، أي: عدل، أي: بقي على الإيمان والإخلاص الذي كان منه في تلك الأهوال لم يعد إلى الكفر.

وقال بعضهم: ﴿ فَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ ﴾ : الوسط.

العدل، وهو ما ذكرنا، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَآ إِلاَّ كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ ﴾ .

قيل: الختار: الغدار.

وقال بعضهم: الختار: هو الذي بلغ في الغدر غايته ونهايته.

وقوله: ﴿ وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْعَلِيُّ ٱلْكَبِيرُ ﴾ العلي يتوجه وجهين: أحدهما: العلو: القهر والغلبة؛ كقوله: ﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاَ فِي ٱلأَرْضِ  ﴾ ، أي: غلب وقهر، وقوله: ﴿ تِلْكَ ٱلدَّارُ ٱلآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي ٱلأَرْضِ  ﴾ ؛ فعلى ذلك يشبه أن يكون قوله: ﴿ ٱلْعَلِيُّ ﴾ أي: القاهر الغالب.

والثاني: أن يكون العلو: الارتفاع؛ فإن كان الارتفاع، فهو يرتفع ويتعالى عن أن يحتمل [ما يحتمل] الخلق من التغير والزوال وغير ذلك مما يحتمل الخلق، ارتفع وتعالى عن احتمال ما يحتمل الخلق.

والكبير، أي: تكبر من أن يلحقه شيء مما يلحق الخلق، والله أعلم.

وقوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمْ ﴾ .

يحتمل: ﴿ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمْ ﴾ في الجهة التي له عليكم، وأوفوا له ذلك.

أو اتقوا مخالفة ربكم ومعصيته.

أو اتقوا نقمة ربكم وعذابه.

لكنه يختلف الأمر بالاتقاء في المؤمن والكافر: يكون للكافر: اتقوا الشرك وعبادة غير الله، وفي المؤمن: اتقوا مخالفة الله في جميع ما يأمركم وينهاكم، واتقوا عبادة غير الله أو الشرك في حادث الوقت.

وقوله: ﴿ وَٱخْشَوْاْ يَوْماً لاَّ يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلاَ مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئاً ﴾ .

يذكر هذا على الإياس وقطع طمع بعضهم عن بعض: بالوصلة التي كانت بينهم في الدنيا، والمنافع التي كان ينفع بعضهم بعضا في الدنيا، يخبر أن ذلك كله منقطع في الآخرة؛ لهول ذلك اليوم، واشتغال كل بنفسه؛ حتى لا ينفع أحد صاحبه، وخاصة ما ذكر من الولد لوالده والوالد لولده، مما لا يحتمل قلب واحد منهما أن يلحق المكروه بالآخر، ولا يصبر ألا يدفع ذلك عنه بكل ما به وسعه وطاقته؛ للشفقة والمحبة التي جعلت فيهم.

ثم أخبر ألا ينفع أحدهما صاحبه؛ لاشتغاله بنفسه، وعلى ذلك روي عن رسول الله  أنه قال: "كل نسب وسبب فهو منقطع، إلا نسبي وسببي" ، ونسبه: دينه الذي دعانا إليه وعلمناه، وسببه: شفاعته يوم القيامة، فذلك كله منقطع إلا هذين؛ فإنه من تمسك بدينه فإنه يشفع [له] يوم القيامة فيما قصر وفرط، فأما من لم يقبل دينه، ولم يجبه إلى ما دعاه - فإنه ليس له واحد من هذين من الأسباب والأنساب، منقطع؛ كقوله: ﴿ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ ٱلأَسْبَابُ  ﴾ .

وقال بعضهم: قوله: ﴿ وَٱخْشَوْاْ يَوْماً لاَّ يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ ﴾ ، قال: هذه الآية في الكفار؛ فأما المؤمنون فينفع الوالد ولده، والولد والده في الآخرة: يدفع إلى ابنه بفضل عمله، وكذلك الولد إلى أبيه؛ كقوله: ﴿ آبَآؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً  ﴾ ، والله أعلم.

وقوله: ﴿ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ ﴾ .

فيما ذكر من الإياس وقطع طمع بعضهم من بعض، أو ما ذكر من قيام الساعة وكونها أنها تكون لا محالة، أو في الثواب والعقاب.

وقوله: ﴿ فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا ﴾ .

هذا يحتمل وجهين على التحقيق والتمثيل.

أما التحقيق: ألا تشغلنكم الحياة الدنيا ولذاتها، ولا تلهينكم عن ذكر الله وعن الآخرة، ولا تغتروا بها؛ فإنها لعب ولهو، على ما ذكر أنها لعب ولهو على ما هي عندكم؛ لأنها عندهم أنها إنما أنشئت وخلقت لها لا للآخرة، فالدنيا - على ما هي عندهم - لعب ولهو، وأما على ما هي عندنا هي حق ليس بباطل؛ لأنها أنشئت للآخرة وبلغة إليها.

وأما التمثيل: أضاف التغرير إليها؛ لأن ما كان منها من التزيين والتحسين في الظاهر وإظهار بهجتها وسرورها ولذاتها لو كان ممن له التمييز والعقل والفهم وحقيقة التزيين والتحسين كان تغريرا؛ فعلى ذلك ما كان منها على الظاهر فهو تغرير على التمثيل.

أو أن يكون ما ذكر: ألا تغتروا بالحياة الدنيا وما فيها من لذاتها، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَلاَ يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ ﴾ .

قيل: الغرور: الشيطان، لا يغرنكم، ويقول: إن الله كريم رحيم جواد ولا يعذبكم.

أو يقول: إن الله غني قادر لا يأمركم بأمر ولا ينهاكم؛ إذ إنما يأمر وينهى في الشاهد من كان محتاجاً، فأما الغني فلا يأمر، أو نحوه، والله أعلم.

وقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ ٱلْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي ٱلأَرْحَامِ ﴾ .

ذكر في بعض الأخبار عن ابن عمر -  - قال: قال رسول الله  : "مفاتيح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله" ، وعدّ هذه الخمسة التي ذكرت في هذه الآية.

وكذلك روي أبو هريرة عن رسول الله  قال: "خمس لا يعلمهن إلا الله؛ [ثم تلا] قوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ ﴾ إلى آخر الآية" .

فإن ثبت هذا فهو ما ذكر، ويرجع ذلك إلى معرفة حقيقة ما ذكر؛ وإلا جائز أن يقال: إنه يعلم بعض هذه الأشياء بأعلام؛ من نحو المطر أنه متى يمطر، أو ما في الأرحام: أنه ولد وأنه ذكر أو أنثى، وإن لم يعلم ماهية ما في الأرحام؛ نحو ما يعلم المنجمة بذلك بالحساب وبأعلام، يخرج ذلك على الصدق مما أخبروا ربما؛ ألا ترى أن إبراهيم - صلوات الله عليه - قال: ﴿ إِنِّي سَقِيمٌ  ﴾ لما نظر في النجوم، أي: سأسقم.

وروي أن أبا بكر الصديق -  - قال: إني ألقي إلى أن ذا بطن بنت خارجة جارية، وكان كما ذكر؛ فلا يحتمل أبو بكر يعلم ذلك لما ألقي إليه، ورسول الله لا يعلم الساعة؛ فإنه لا يطلع عليها أحد، إلا أن يقال بأن رسول الله لم يؤذن له بالتكلم والقول بشيء إلا من جهة الوحي من السماء، فأما الاشتغال بمثله فلا؛ لأن الاشتغال بمثله تضييع لكثير مما امتحن، وترك لبعض ما يؤمر وينهى، أو لما يخرج ذلك مخرج التطير والتفاؤل واكتساب الرزق على غير الجهة التي جعل وأبيح لهم؛ فكان المنع لذلك، والله أعلم.

ثم قوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ ﴾ يحتمل قوله: ﴿ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ ﴾ أي: وقت الساعة، كقوله: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَٰهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَآ إِلاَّ هُوَ  ﴾ ، وقوله: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَٰهَا  فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَٰهَا  إِلَىٰ رَبِّكَ مُنتَهَٰهَآ  ﴾ : أخبر أنه لا يجليها لوقتها، وذكر لرسول الله: إنك ﴿ إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَٰهَا  ﴾ ، فأما ما سوى ذلك فليس إليك.

أو أن يكون قوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ ﴾ ، أي: عنده علم بماهية الساعة وأهوالها، ولم يذكر ماهيتها وحدها وقدرها؛ فأخبر أنه يعلم هو ذلك.

وقوله: ﴿ وَيُنَزِّلُ ٱلْغَيْثَ ﴾ .

سمى المطر: غيثاً، فيشبه أن يكون سماه: غيثاً؛ لما به يكون للناس غياث فيما به قوام أنفسهم ودنياهم، وسماه في موضع: رحمة، وفي موضع: مباركاً، فتسميته: رحمة؛ لما به نجاة أنفسهم وأبدانهم وذلك صورة الرحمة، وسماه: مباركاً؛ لما به ينمو ويزداد كل شيء؛ إذ البركة هي اسم كل خير ينمو ويزاد بلا اكتساب.

وقوله: ﴿ وَيَعْلَمُ مَا فِي ٱلأَرْحَامِ ﴾ .

من انتقال النطفة إلى العلقة، وانتقال العلقة إلى المضغة، وتحوله من حال إلى حال أخرى، وقدر زيادة ما فيه في كل وقت وفي كل ساعة، ونحو ذلك لا يعلمه إلا الله.

وأما العلم بأن فيه ولدا وأنه ذكر أو أنثى - فجائز أن يعلم ذلك غيره أيضاً.

وقوله: ﴿ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ ﴾ .

جائز أن يكون كتم ذلك وأخفاه؛ ليكونوا في كل حال على حذر وخوف وعلى يقظة؛ إذ لو كان أطلعهم على ذلك - لكانوا آمنين إلى ذلك الوقت؛ فيعملون بكل ما يريدون ويشاءون؛ فيكون في ذلك ارتفاع المحنة، فلبس ذلك عليهم؛ ليكونوا أبداً في كل وقت وكل حال - على حذر وخوف ويقظة، والله أعلم.

﴿ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَيمٌ خَبِيرٌ ﴾ .

وذكر بعض أهل التأويل "أن رجلا من أهل البادية يقال له: الوارث بن عمرو بن حارثة ابن محارب جاء إلى النبي  فقال: إن أرضنا أجدبت، فمتى الغيث؟

وتركت امرأتي حبلى؛ فماذا تلد؟

وقد علمت أنى ولدت؛ ففي أي أرض أموت؟

وقد علمت ما عملت اليوم؛ فماذا أعمل غداً؟

ومتى الساعة؟

فأنزل الله -  - في مسألة المحاربي: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ ﴾ : لا يعلمها غيره، ﴿ وَيُنَزِّلُ ٱلْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي ٱلأَرْحَامِ ﴾ : من ذكر أو أنثى، ﴿ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ ﴾ برة أو فاجرة ﴿ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً ﴾ : من خير أو شر، ﴿ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ ﴾ : في سهل أو جبل، أو بر أو بحر ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَيمٌ خَبِيرٌ ﴾ : بهذا الذي ذكر كله فقال النبي  : أين السائل عن الساعة؟

فقال المحاربي: هاهنا؛ فقرأ النبي صلوات الله عليه هذه الآية" .

قال أبو عوسجة: قوله: ﴿ كَٱلظُّلَلِ ﴾ ، أي: ما اسظللت به، والظلة: السحاب.

قال القتبي: ﴿ كَٱلظُّلَلِ ﴾ : جمع ظلة، يريد: أن بعضه فوق بعض؛ فله سواد من كثرته، والبحر ذو ضلال لأمواجه.

والختار: الغدار، والختر: أقبح الغدر وأشده.

وقال أبو عوسجة: الختار: الكذاب الغدار؛ يقال: ختر، يختر، خترا؛ فهو خاتر.

وقوله: ﴿ وَٱخْشَوْاْ يَوْماً لاَّ يَجْزِي ﴾ ، أي: لا يغني؛ تقول جزى يجزي؛ فهو جاز، أي: أغنى، وأجزى يجزي مثله، وأجزأني عن كذا وكذا، أي: كفاني، وكذلك قال القتبي.

وقال: الغرور - بنصب الغين -: الشيطان، والغرور - بضم الغين -: الباطل.

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

يا أيها الناس، اتقوا ربكم؛ بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، وخافوا عذاب يوم لا يغني فيه والد عن ولده، ولا يغني مولود عن والده شيئًا، إن وعد الله بالجزاء يوم القيامة ثابت وواقع لا محالة، فلا تخدعنكم الحياة الدنيا بما فيها من شهوات وملهيات، ولا يخدعنكم الشيطان بحلم الله عليكم وتأخيره العذاب عنكم.

<div class="verse-tafsir" id="91.p2BWr"

مزيد من التفاسير لسورة لقمان

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 13 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 14.4 / 29.5
الإضاءة 100%
البدر بعد 0 يوم
سبحان الله وبحمده