الآية ٣٢ من سورة لقمان

الإسلام > القرآن > سور > سورة 31 لقمان > الآية ٣٢ من سورة لقمان

وَإِذَا غَشِيَهُم مَّوْجٌۭ كَٱلظُّلَلِ دَعَوُا۟ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ فَلَمَّا نَجَّىٰهُمْ إِلَى ٱلْبَرِّ فَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌۭ ۚ وَمَا يَجْحَدُ بِـَٔايَـٰتِنَآ إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍۢ كَفُورٍۢ ٣٢

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 72 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٣٢ من سورة لقمان: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٣٢ من سورة لقمان عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ثم قال : ( وإذا غشيهم موج كالظلل ) أي : كالجبال والغمام ، ( دعوا الله مخلصين له الدين ) ، كما قال تعالى : ( وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه ) [ الإسراء : 67 ] ، وقال ( فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين ) [ العنكبوت : 65 ] .

ثم قال : ( فلما نجاهم إلى البر فمنهم مقتصد ) قال مجاهد : أي كافر .

كأنه فسر المقتصد هاهنا بالجاحد ، كما قال تعالى : ( فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون ) [ العنكبوت : 65 ] .

وقال ابن زيد : هو المتوسط في العمل .

وهذا الذي قاله ابن زيد هو المراد في قوله : ( فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات ) [ فاطر : 32 ] ، فالمقتصد هاهنا هو : المتوسط في العمل .

ويحتمل أن يكون مرادا هنا أيضا ، ويكون من باب الإنكار على من شاهد تلك الأهوال والأمور العظام والآيات الباهرات في البحر ، ثم بعدما أنعم عليه من الخلاص ، كان ينبغي أن يقابل ذلك بالعمل التام ، والدؤوب في العبادة ، والمبادرة إلى الخيرات .

فمن اقتصد بعد ذلك كان مقصرا والحالة هذه ، والله أعلم .

وقوله : ( وما يجحد بآياتنا إلا كل ختار كفور ) : فالختار : هو الغدار .

قاله مجاهد ، والحسن ، وقتادة ، ومالك عن زيد بن أسلم ، وهو الذي كلما عاهد نقض عهده ، والختر : أتم الغدر وأبلغه ، قال عمرو بن معديكرب : وإنك لو رأيت أبا عمير ملأت يديك من غدر وختر وقوله : ( كفور ) أي : جحود للنعم لا يشكرها ، بل يتناساها ولا يذكرها .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ (32) يقول تعالى ذكره: وإذا غشى هؤلاء الذين يدعون من دون الله الآلهة والأوثان في البحر -إذا ركبوا في الفُلك- موج كالظُلل، وهي جمع ظُلَّة، شبَّه بها الموج في شدة سواد كثرة الماء، قال نابغة بني جعدة في صفة بحر: يُماشِـــيهِنَّ أخْــضَرُ ذُو ظــلال عَـــلى حافاتِــهِ فِلَــق الدّنــانِ (1) وشبه الموج وهو واحد بالظلل، وهي جماع، لأن الموج يأتي شيء منه بعد شيء، ويركب بعضه بعضا كهيئة الظلل.

وقوله: (دَعَوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدّينَ) يقول تعالى ذكره: وإذا غشى هؤلاء موج كالظلل، فخافوا الغرق، فزعوا إلى الله بالدعاء مخلصين له الطاعة، لا يشركون به هنالك شيئا، ولا يدعون معه أحدا سواه، ولا يستغيثون بغيره.

قوله: (فَلَمَّا نجَّاهُمْ إلى البَرّ) مما كانوا يخافونه في البحر من الغرق والهلاك إلى البرّ.(فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ) يقول: فمنهم مقتصد في قوله وإقراره بربه، وهو مع ذلك مضمر الكفر به.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله: (فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ) قال: المقتصد في القول وهو كافر.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: (فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ) قال: المقتصد الذي على صلاح من الأمر.

وقوله: ( وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ ) يقول تعالى ذكره: وما يكفر بأدلتنا وحججنا إلا كلّ غدّار بعهده، والختر عند العرب: أقبح الغدر، ومنه قول عمرو بن معد يكرب: وَإنَّــكَ لَــوْ رأيْــتَ أبـا عُمَـيْرٍ مَــلأتَ يَـدَيْكَ مِـنْ غَـدْرٍ وَخَـتْرٍ (2) وقوله: (كَفُور) يعني: جحودا للنعم، غير شاكر ما أسدى إليه من نعمة.

وبنحو الذي قلنا في معنى الختار قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن ليث، عن مجاهد (كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ) قال: كلّ غَدّار.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: (كُلُّ خَتَّارٍ) قال: غدّار.

حدثني يعقوب وابن وكيع، قالا ثنا ابن علية، عن أبي رجاء عن الحسن في قوله: ( وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ ) قال: غدّار.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة قوله: ( وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ ) الختار: الغدار، كلّ غدار بذمته كفور بربه.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ( وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ ) قال: كلّ جحاد كفور.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ( وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ ) قال: الختار: الغدّار، كما تقول: غدرني.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن مسعر، قال: سمعت قَتادة قال: الذي يغدر بعهده.

قال: ثنا المحاربي، عن جُوَيبر، عن الضحاك، قال: الغدّار.

قال: ثنا أبي: عن الأعمش، عن سمر بن عطية الكاهلي، عن عليّ رضي الله عنه قال: المكر غدر، والغدر كفر.

----------------------- الهوامش : (1) البيت في (مجاز القرآن لأبي عبيدة الورقة 191 ب) قال عند تفسير قوله تعالى: (وإذا غشيهم موج كالظلل): واحدتها: ظلة.

ومجازه: من شدة سواد كثرة الماء ومعظمه.

قال النابغة الجعدي وهو يصف البحر: "يماشيهن ...

فلق الدنان".

يريد : أن البحر يمتد معهن في سيرهن.

وظلال البحر: أمواجه، لأنها ترفع فتظل السفينة ومن فيها.

والدنان بالدال المهملة: جمع دن بالفتح، هو راقود الخمر الكبير.

(2) البيت في (مجاز القرآن لأبي عبيدة، الورقة 191 ب) عند تفسير قوله تعالى: (كل مختار كفور) قال: الختر: الكبر والغدر، قال عمرو بن معد يكرب "وإنك لو رأيت" البيت وفي (اللسان ختر): الختر شبيه بالغدر والخديعة، وقيل: هو الخديعة بعينها، وقيل: هو أسوأ الغدر وأقبحه، ختر يختر، فهو خاتر، وختار للمبالغة، والفعل من بابي ضرب ونصر.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر فمنهم مقتصد وما يجحد بآياتنا إلا كل ختار كفور .قوله تعالى : وإذا غشيهم موج كالظلل قال مقاتل : كالجبال .

وقال الكلبي : كالسحاب ; وقاله قتادة : جمع ظلة ; شبه الموج بها لكبرها وارتفاعها .

قال النابغة في وصف بحر :يماشيهن أخضر ذو ظلال على حافاته فلق الدنانوإنما شبه الموج وهو واحد بالظل وهو جمع ; لأن الموج يأتي شيئا بعد شيء ويركب بعضه بعضا كالظلل .

وقيل : هو بمعنى الجمع ، وإنما لم يجمع لأنه مصدر .

وأصله من الحركة والازدحام ; ومنه : ماج البحر ، والناس يموجون .

قال كعب :فجئنا إلى موج من البحر وسطه أحابيش منهم حاسر ومقنعوقرأ محمد بن الحنفية : ( موج كالظلال ) جمع ظل .

دعوا الله مخلصين له الدين [ ص: 75 ] موحدين له لا يدعون لخلاصهم سواه ; وقد تقدم .

فلما نجاهم يعني من البحر .

إلى البر فمنهم مقتصد قال ابن عباس : موف بما عاهد عليه الله في البحر .

النقاش : يعني عدل في العهد ، وفى في البر بما عاهد عليه الله في البحر .

وقال الحسن : مقتصد مؤمن متمسك بالتوحيد والطاعة .

وقال مجاهد : مقتصد في القول مضمر للكفر .

وقيل : في الكلام حذف ; والمعنى : فمنهم مقتصد ومنهم كافر .

ودل على المحذوف قوله تعالى : وما يجحد بآياتنا إلا كل ختار كفور الختار : الغدار .

والختر : أسوأ الغدر .

قال عمرو بن معديكرب :فإنك لو رأيت أبا عمير ملأت يديك من غدر وختروقال الأعشى :بالأبلق الفرد من تيماء منزله حصن حصين وجار غير ختارقال الجوهري : الختر الغدر ; يقال : ختره فهو ختار .

الماوردي : وهو قول الجمهور .

وقال عطية : إنه الجاحد .

ويقال : ختر يختر ويختر ( بالضم والكسر ) خترا ; ذكره القشيري ، وجحد الآيات إنكار أعيانها .

والجحد بالآيات إنكار دلائلها .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ذكر تعالى حال الناس، عند ركوبهم البحر، وغشيان الأمواج كالظل فوقهم، أنهم يخلصون الدعاء [للّه] والعبادة: { فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ } انقسموا فريقين:فرقة مقتصدة، أي: لم تقم بشكر اللّه على وجه الكمال، بل هم مذنبون ظالمون لأنفسهم.وفرقة كافرة بنعمة اللّه، جاحدة لها، ولهذا قال: { وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ } أي غدار، ومن غدره، أنه عاهد ربه، لئن أنجيتنا من البحر وشدته، لنكونن من الشاكرين، فغدر ولم يف بذلك، { كَفُور } بنعم اللّه.

فهل يليق بمن نجاهم اللّه من هذه الشدة، إلا القيام التام بشكر نعم اللّه؟

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( وإذا غشيهم موج كالظلل ) قال مقاتل : كالجبال .

وقال الكلبي : كالسحاب .

والظلل جمع الظلة شبه بها الموج في كثرتها وارتفاعها ، وجعل الموج ، وهو واحد ، كالظلل وهي جمع ، لأن الموج يأتي منه شيء بعد شيء ( دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر فمنهم مقتصد ) أي : عدل موف في البر بما عاهد الله عليه في البحر من التوحيد له ، يعني : ثبت على إيمانه .

نزلت في عكرمة بن أبي جهل هرب عام الفتح إلى البحر فجاءهم ريح عاصف ، فقال عكرمة : لئن أنجاني الله من هذا لأرجعن إلى محمد - صلى الله عليه وسلم - ولأضعن يدي في يده ، فسكنت الريح ، فرجع عكرمة إلى مكة فأسلم وحسن إسلامه وقال مجاهد : فمنهم مقتصد في القول مضمر للكفر .

وقال الكلبي : مقتصد في القول ، أي : من الكفار ، لأن بعضهم كان أشد قولا وأغلى في الافتراء من بعض ( وما يجحد بآياتنا إلا كل ختار كفور ) والختر أسوأ الغدر .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وإذا غشيهم» أي علا الكفار «موجٌ كالظلل» كالجبال التي تُظل من تحتها «دعوا الله مخلصين له الدين» أي الدعاء بأن ينجيهم أي لا يدعون معه غيره «فلما نجاهم إلى البر فمنهم مقتصد» متوسط بين الكفر والإيمان، ومنهم باق على كفره «وما يجحد بآياتنا» ومنها الإنجاء من الموج «إلا كل ختارٍ» غدار «كفورٍ» لنعم الله تعالى.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وإذا ركب المشركون السفن وعَلَتْهم الأمواج مِن حولهم كالسحب والجبال، أصابهم الخوف والذعر من الغرق ففزعوا إلى الله، وأخلصوا دعاءهم له، فلما نجاهم إلى البر فمنهم متوسط لم يقم بشكر الله على وجه الكمال، ومنهم كافر بنعمة الله جاحد لها، وما يكفر بآياتنا وحججنا الدالة على كمال قدرتنا ووحدانيتنا إلا كل غدَّار ناقض للعهد، جحود لنعم الله عليه.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - بعد ذلك أحوال الناس عندما تحيط بهم المصائب وهم فى وسط البحر فقال : ( وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَّوْجٌ كالظلل دَعَوُاْ الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدين ) .وقوله ( غَشِيَهُمْ ) من الغشاء بمعنى : الغطاء .

فيقال : غشى الظلام المكان ، إذا حل به واصل " الموج " الحركة والازدحام .

ومنه قولهم : ماج البحر إذا اضطرب ارتفع ماؤه .

والظلل : جمع ظلة - كغرفة وغرف - وهى ما أظل غيره من سحاب أو جبل أو غيرهما .أى : وإذا ما ركب الناس فى السفن ، وأحاطت بهم الأمواج من كل جانب ، وأورشكت أن تعلوهم وتغطيهم .

.

فى تلك الحالة لجأوا إلى الله - تعالى - وحده ، يدعونه بإخلاص وطاعة وتضرع ، أن ينجيهم مما هم فيه من بلاء .

.

.( فَلَمَّا نَجَّاهُمْ ) - سبحانه - بفضله وإحسانه ، وأوصلهم ( إِلَى البر ) انقسموا إلى قسمين ، أما القسم الأول ، فقد عبر عنه - سبحانه - بقوله : ( فَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ ) أى : فمنهم من هو مقتصد ، أى : متوسط فى عبادته وطاعته ، يعيش حياته بين الخوف والرجاء .قال ابن كثير : قال ابن زيد : هو المتوسط فى العمل ، ثم قال ابن كثير : وهذا الذى قاله ابن زيد هو المراد فى قوله - تعالى - : ( ثُمَّ أَوْرَثْنَا الكتاب الذين اصطفينا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بالخيرات ) فالمقتصد ها هنا هو المتوسط فى العمل .

ويحتمل أن يكون مرادا هنا - أيضا - ويكون من باب الإِنكار على من شاهد تلك الأهوال ، والأمور العظام ، والآيات الباهرات فى البحر ، ثم بعد ما أنعم الله عليه من الخلاص ، كان ينبغى أن يقابل ذلك بالعمل التام ، والمبادرة إلى الخيرات ، فمن اقتصد بعد ذلك كان مقصرا ، والحالة هذه .وأما القسم الثانى فقد عبر عنه - سبحانه - بقوله : ( وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَآ إِلاَّ كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ ) .والختار : من الختر .

وهو أبشع وأقبح الغدر والخديعة .

يقال فلانخاتر وختار وختير ، إذا كان شديد الغدر والنقض لعهوده ، ومنه قول الشاعر :وإنك لو رأيت أبا عمير ...

ملأت يديك من غدر وختروالكفور : هو الشديد الكفران والجحود لنعم الله - تعالى - .أى : وما يجحد بآياتنا الدالة على قدرتنا ورحمتنا ، إلا من كان كثير النقض لعهودنا ، شديد النكران لنعمنا .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

لما ذكر الله أن في ذلك لآيات ذكر أن الكل معترفون به غير أن البصير يدركه أولا ومن في بصره ضعف لا يدركه أولا، فإذا غشيه موج ووقع في شدة اعترف بأن الكل من الله ودعاه مخلصاً أي يترك كل من عداه وينسى جميع من سواه، فإذا نجاه من تلك الشدة قد بقي على تلك الحالة وهو المراد بقوله: ﴿ فَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ ﴾ وقد يعود إلى الشرك وهو المراد بقوله: ﴿ وَمَا يَجْحَدُ بئاياتنا إِلاَّ كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ ﴾ وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قوله: ﴿ مَّوْجٌ كالظلل ﴾ وحد الموج وجمع الظلل، وقيل في معناه كالجبال، وقيل كالسحاب إشارة إلى عظم الموج، ويمكن أن يقال الموج الواحد العظيم يرى فيه طلوع ونزول وإذا نظرت في الجرية الواحدة من النهر العظيم تبين لك ذلك فيكون ذلك كالجبال المتلاصقة.

المسألة الثانية: قال في العنكبوت ﴿ فَإِذَا رَكِبُواْ فِي الفلك دَعَوُاْ الله ﴾ ثم قال: ﴿ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى البر إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ  ﴾ وقال هاهنا ﴿ فَلَمَّا نجاهم إِلَى البر فَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ ﴾ فنقول لما ذكر هاهنا أمراً عظيماً وهو الموج الذي كالجبال بقي أثر ذلك في قلوبهم فخرج منهم مقتصد أي في الكفر وهو الذي انزجر بعض الانزجار، أو مقتصد في الإخلاص فبقي معه شيء منه ولم يبق على ما كان عليه من الإخلاص، وهناك لم يذكر مع ركوب البحر معاينة مثل ذلك الأمر فذكر إشراكهم حيث لم يبق عنده أثر.

المسألة الثالثة: قوله: ﴿ وَمَا يَجْحَدُ بئاياتنا ﴾ في مقابلة قوله تعالى: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لاَيَاتٍ  ﴾ يعني يعترف بها الصبار الشكور، ويجحدها الختار الكفور والصبار في موازنة الختار لفظاً، ومعنى والكفور في موازنة الشكور، أما لفظاً فظاهر، وأما معنى فلأن الختار هو الغدار الكثير الغدر أو الشديد الغدر، والغدر لا يكون إلا من قلة الصبر، لأن الصبور إن لم يكن يعهد مع أحد لا يعهد منه الأضرار، فإنه يصبر ويفوض الأمر إلى الله وأما الغدار فيعهد ولا يصبر على العهد فينقضه، وأما أن الكفور في مقابلة الشكور معنى فظاهر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

يرتفع الموج ويتراكب، فيعود مثل الظلل، والظلة: كل ما أظلك من جبل أو سحاب أو غيرهما وقريء: كالظلال، جمع ظلة.

كقلة وقلال ﴿ فَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ ﴾ متوسط في الكفر والظلم، خفض من غلوائه، وانزجر بعض الانزجار.

أو مقتصد في الإخلاص الذي كان عليه في البحر، يعني أنّ ذلك الإخلاص الحادث عن الخوف، لا يبقى لأحد قط، والمقتصد قليل نادر.

وقيل: مؤمن قد ثبت على ما عاهد عليه الله في البحر.

والخثر: أشد الغدر.

ومنه قولهم: إنك لا تمدّ لنا شبراً من غدر إلا مددنا لك باعاً من ختر، قال: وَإِنَّكَ لَوْ رَأَيْتَ أَبَا عُمَيْر ** مَلأْتَ يَدَيْكَ مِنْ غَدْرٍ وَخَتْرِ <div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ ألَمْ تَرَ أنَّ الفُلْكَ تَجْرِي في البَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ ﴾ بِإحْسانِهِ في تَهْيِئَةِ أسْبابِهِ وهو اسْتِشْهادٌ آخَرُ عَلى باهِرِ قُدْرَتِهِ وكَمالِ حِكْمَتِهِ وشُمُولِ إنْعامِهِ والباءُ لِلصِّلَةِ أوِ الحالِ، وقُرِئَ «الفُلَّكَ» بِالتَّثْقِيلِ و «بِنِعْماتِ اللَّهِ» بِسُكُونِ العَيْنِ، وقَدْ جُوِّزَ في مَثَلِهِ الكَسْرُ والفَتْحُ والسُّكُونُ.

﴿ لِيُرِيَكم مِن آياتِهِ ﴾ دَلائِلَهُ.

﴿ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ ﴾ عَلى المَشاقِّ فَيُتْعِبُ نَفْسَهُ بِالتَّفَكُّرِ في الآفاقِ والأنْفُسِ.

﴿ شَكُورٍ ﴾ يَعْرِفُ النِّعَمَ ويَتَعَرَّفُ مانِحَها، أوْ لِلْمُؤْمِنِينَ فَإنَّ الإيمانَ نِصْفانِ نِصْفٌ صَبْرٌ ونِصْفٌ شُكْرٌ.

﴿ وَإذا غَشِيَهُمْ ﴾ عَلاهم وغَطّاهم.

﴿ مَوْجٌ كالظُّلَلِ ﴾ كَما يُظَلُّ مِن جَبَلٍ أوْ سَحابٍ أوْ غَيْرِهِما، وقُرِئَ ( كالظِّلالِ ) جَمْعُ ظُلَّةٍ كَقِلَّةٍ وقِلالٍ.

﴿ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ﴾ لِزَوالِ ما يُنازِعُ الفِطْرَةَ مِنَ الهَوى والتَّقْلِيدِ بِما دَهاهم مِنَ الخَوْفِ الشَّدِيدِ.

﴿ فَلَمّا نَجّاهم إلى البَرِّ فَمِنهم مُقْتَصِدٌ ﴾ مُقِيمٌ عَلى الطَّرِيقِ القَصْدِ الَّذِي هو التَّوْحِيدُ، أوْ مُتَوَسِّطٌ في الكُفْرِ لِانْزِجارِهِ بَعْضَ الِانْزِجارِ.

﴿ وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إلا كُلُّ خَتّارٍ ﴾ غَدّارٍ فَإنَّهُ نَقْضٌ لِلْعَهْدِ الفِطْرِيِّ، أوْ لِما كانَ في البَحْرِ والخَتْرِ أشَدُّ الغَدْرِ.

﴿ كَفُورٍ ﴾ لِلنِّعَمِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ (٣٢)

{وَإِذَا غَشِيَهُمْ} أي الكفار {مَّوْجٌ كالظلل} الموج يرتفع فيعود مثل الظلل والظلة كل ما أظلك من جبل أو سحاب أو غيرهما {دَعَوُاْ الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدين فَلَمَّا نجاهم إِلَى البر فَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ} أي باقٍ على الإيمان والإخلاص الذي كان منه ولم يعد إلى الكفر أو مقتصد في الإخلاص الذي كان عليه في البحر يعني أن ذلك الإخلاص الحادث عند الخوف لا يبقى لأحد قط والمقتصد قليل نادر {وما يجحد بآياتنا} أي بحقيقتها {إِلاَّ كُلُّ خَتَّارٍ} غدار والختر أقبح الغدر {كفور} لربه

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وإذا غَشِيَهم مَوْجٌ ﴾ أيْ عَلاهم وغَطّاهم مِنَ الغِشاءِ بِمَعْنى الغِطاءِ مِن فَوْقُ، وهو المُناسِبُ هُنا، وقِيلَ: أيْ أتاهم مِنَ الغَشَيانِ بِمَعْنى الإتْيانِ، وضَمِيرُ ﴿ غَشِيَهُمْ ﴾ إنِ اتَّحَدَ بِضَمِيرِ المُخاطَبِينَ قَبْلَهُ فَفي الكَلامِ التِفاتٌ مِنَ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ وإلّا فَلا التِفاتَ، والمَوْجُ ما يَعْلُو مِن غَوارِبِ الماءِ، وهو اسْمُ جِنْسٍ واحِدُهُ مَوْجَةٌ وتَنْكِيرُهُ لِلتَّعْظِيمِ، والتَّكْثِيرِ، ولِذا أُفْرِدَ مَعَ جَمْعِ المُشَبَّهِ بِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كالظُّلَلِ ﴾ وهو جَمْعُ ظُلَّةٍ كَغُرْفَةٍ وغُرَفٍ وقُرْبَةٍ وقُرَبٍ، والمُرادُ بِها ما أظَلَّ مِن سَحابٍ أوْ جَبَلٍ أوْ غَيْرِهِما.

وقالَ الرّاغِبُ: الظُّلَّةُ السَّحابَةُ تُظِلُّ، وأكْثَرَ ما يُقالُ فِيما يُسْتَوْخَمُ ويُكْرَهُ، وفَسَّرَ قَتادَةُ الظِّلَّ هُنا بِالسَّحابِ، وبَعْضُهم بِالجِبالِ، وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ الحَنَفِيَّةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ «كالظِّلالِ» وهو جَمْعُ ظُلَّةٍ أيْضًا كَعُلْبَةٍ وعِلابٍ، وجُفْرَةٍ وجِفارٍ، (وإذا) ظَرْفٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ دَعَوُا ﴾ أيْ دَعَوُا ﴿ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ﴾ إذا غَشِيَهم مَوْجٌ كالظُّلَلِ، وإنَّما فَعَلُوا ذَلِكَ حِينَئِذٍ لِزَوالِ ما يُنازِعُ الفِطْرَةِ مِنَ الهَوى، والتَّقْلِيدِ بِما دَهاهم مِنَ الخَوْفِ الشَّدِيدِ.

﴿ فَلَمّا نَجّاهم إلى البَرِّ فَمِنهم مُقْتَصِدٌ ﴾ سالِكُ القَصْدِ أيِ الطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ لا يَعْدِلُ عَنْهُ لِغَيْرِهِ، وأصْلُهُ اسْتِقامَةُ الطَّرِيقِ، ثُمَّ أُطْلِقَ عَلَيْهِ مُبالَغَةً، والمُرادُ بِالطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ التَّوْحِيدُ مَجازًا فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَمِنهم مُقِيمٌ عَلى التَّوْحِيدِ، وقَوْلُ الحَسَنِ: أيُّ مُؤْمِنٍ يَعْرِفُ حَقَّ اللَّهِ تَعالى في هَذِهِ النِّعْمَةِ يَرْجِعُ إلى هَذا، وقِيلَ: مُقْتَصِدٌ مِنَ الِاقْتِصادِ بِمَعْنى التَّوَسُّطِ والِاعْتِدالِ.

والمُرادُ حِينَئِذٍ عَلى ما قِيلَ: مُتَوَسِّطٌ في أقْوالِهِ وأفْعالِهِ بَيْنَ الخَوْفِ والرَّجاءِ مُوفٍ بِما عاهَدَ عَلَيْهِ اللَّهَ تَعالى في البَحْرِ، وتَفْسِيرُهُ بِمُوفٍ بِعَهْدِهِ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، ويَدْخُلُ في هَذا البَعْضِ عَلى هَذا المَعْنى عِكْرِمَةُ بْنُ أبِي جَهْلٍ.

فَقَدْ رَوى السُّدِّيُّ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أبِيهِ قالَ: «لَمّا كانَ فَتْحُ مَكَّةَ أمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ النّاسَ أنْ يَكُفُّوا عَنْ قَتْلِ أهْلِها إلّا أرْبَعَةَ نَفَرٍ مِنهُمْ، قالَ: اقْتُلُوهم وإنْ وجَدْتُمُوهم مُتَعَلِّقِينَ بِأسْتارِ الكَعْبَةِ، عِكْرِمَةُ بْنُ أبِي جَهْلٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَطَلٍ، وقَيْسُ بْنُ ضُبابَةَ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي سَرْحٍ.

فَأمّا عِكْرِمَةُ فَرَكِبَ البَحْرَ، فَأصابَتْهم رِيحٌ عاصِفَةٌ، فَقالَ أهْلُ السَّفِينَةِ: أخْلِصُوا، فَإنَّ آلِهَتَكم لا تُغْنِي عَنْكم شَيْئًا ها هُنا، فَقالَ عِكْرِمَةُ: لَئِنْ لَمْ يُنْجِنِي في البَحْرِ إلّا الإخْلاصُ ما يُنْجِنِي في البَرِّ غَيْرُهُ.

اللَّهُمَّ إنَّ لَكَ عَلَيَّ عَهْدًا إنْ أنْتَ عافَيْتَنِي مِمّا أنا فِيهِ أنْ آتِيَ مُحَمَّدًا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ حَتّى أضَعَ يَدِي في يَدِهِ فَلَأجِدَنَّهُ عَفُوًّا كَرِيمًا، فَجاءَ وأسْلَمَ،» وقِيلَ: مُتَوَسِّطٌ في الكُفْرِ لِانْزِجارِهِ بِما شاهَدَهُ بَعْضَ الِانْزِجارِ.

وقِيلَ: مُتَوَسِّطٌ في الإخْلاصِ الَّذِي كانَ عَلَيْهِ في البَحْرِ، فَإنَّ الإخْلاصَ الحادِثَ عِنْدَ الخَوْفِ قَلَّما يَبْقى لِأحَدٍ عِنْدَ زَوالِ الخَوْفِ.

وأيًّا ما كانَ، فالظّاهِرُ أنَّ المُقابِلَ لِقَسَمِ المُقْتَصِدِ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وما يَجْحَدُ بِآياتِنا إلا كُلُّ خَتّارٍ ﴾ والآيَةُ دَلِيلُ ابْنِ مالِكٍ ومَن وافَقَهُ عَلى جَوازِ دُخُولِ الفاءِ في جَوابِ لَمّا، ومَن لَمْ يُجَوِّزْ قالَ: الجَوابُ مَحْذُوفٌ أيْ فَلَمّا نَجّاهم إلى البَرِّ انْقَسَمُوا قِسْمَيْنِ، فَمِنهم مُقْتَصِدٌ، ومِنهم جاحِدٌ، والخَتّارُ مِنَ الخَتْرِ، وهو أشَدُّ الغَدْرِ، ومِنهُ قَوْلُهُمْ: إنَّكَ لا تَمُدُّ لَنا شِبْرًا مِن غَدْرٍ إلّا مَدَدْنا لَكَ باعًا مِن غَدْرٍ، وبِنَحْوِ ذَلِكَ فَسَّرَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما لِابْنِ الأزْرَقِ، وأنْشَدَ قَوْلَ الشّاعِرِ: لَقَدْ عَلِمَتْ واسْتَيْقَنَتْ ذاتُ نَفْسِها بِأنْ لا تَخافَ الدَّهْرَ صَرْمِي ولا خَتْرِي ونَحْوُهُ قَوْلُ عَمْرِو بْنِ مَعْدِ يَكْرِبَ: وإنَّكَ لَوْ رَأيْتَ أبا عُمَيْرٍ ∗∗∗ مَلَأْتَ يَدَيْكَ مِن غَدْرٍ وخَتْرِ وفِي مُفْرَداتِ الرّاغِبِ: الخَتْرُ غَدْرٌ يَخْتُرُ فِيهِ الإنْسانُ أيْ يَضْعُفُ، ويُكْسَرُ لِاجْتِهادِهِ فِيهِ، أيْ وما يَجْحَدُ بِآياتِنا ويَكْفُرُ بِها إلّا كُلُّ غَدّارٍ أشَدَّ الغَدْرِ، لِأنَّ كُفْرَهُ نَقْضٌ لِلْعَهْدِ الفِطْرِيِّ، وقِيلَ: لِأنَّهُ نَقْضٌ لِما عاهَدَ اللَّهَ تَعالى عَلَيْهِ في البَحْرِ مِنَ الإخْلاصِ لَهُ عَزَّ وجَلَّ، ﴿ كَفُورٍ ﴾ مُبالِغٌ في كُفْرانِ نِعَمِ اللَّهِ تَعالى، ( وخَتّارٌ ) مُقابِلٌ لِصَبّارٍ لِأنَّ مَن غَدَرَ لَمْ يَصْبِرْ عَلى العَهْدِ، وكَفُورٌ مُقابِلٌ لِشَكُورٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال عز وجل: لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ من الخلق إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ عن عبادة خلقه الْحَمِيدُ في فعاله.

ويقال: حميد أي: محمود.

يعني: يحمد ويشكر.

قوله عز وجل: وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ الآية.

قال قتادة: ذلك أن المشركين قالوا: هذا كلام يوشك أن ينفد وينقطع.

فنزل قوله تعالى: وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ الآية.

قال ابن عباس في رواية أبي صالح: إن اليهود أعداء الله.

سألوا رسول الله  عن الروح فنزل قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (85) [الإسراء: 85] قالوا: كيف تقول هذا وأنت تزعم أن من أوتي الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كثيراً.

فكيف يجتمع علم قليل وخير كثير؟

فنزل وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ يقول: لو أن الشجر تبرى وتجعل أقلاماً وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ تكون كلها مداداً، يكتب بها علم الله عز وجل، لانكسرت الأقلام، ولنفد المداد، ولم ينفد علم الله تعالى.

فما أعطاكم الله من العلم قليل فيما عنده من العلم.

قرأ أبو عمرو: وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ بنصب الراء.

وقرأ الباقون: بالضم.

فمن قرأ بالنصب نصبه.

لأنّ معناه: ولو أن ما فى الارض وأن البحر يمده.

ومن قرأ بالضم: فهو على الاستئناف وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ يعني: أمد إلى كل بحر مثله ما نفدت مَّا نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ يعني: علمه وعجائبه.

ويقال: معاني كلمات الله.

لأن لكل آية ولكل كلمة من المعاني ما لا يدرك ولا يحصى.

ويقال: مَّا نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ لأن كلمات الله لا تدرك ما تكلم به في الأزل سبحانه وتعالى.

ثم قال: إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ عزيز بالنعمة على الكافر، حكيم حكم أنه ليس لعلمه غاية، وأن العلم للخلق غاية.

ثم قال عز وجل: مَّا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ قال مقاتل: نزلت في أبي بن خلف وابني أسد منبه ونبيه كلاهما ابني أسد قالوا: إن الله عز وجل خلقنا أطواراً، نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، ثم يقول: إنه بعث في ساعة واحدة، فقال الله عزَّ وَجَلَّ: مَّا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ أيها الناس جميعاً.

يقال: هاهنا مضمر.

فكأنه يقول: إلا كخلق نفس واحدة، وكبعث نفس واحدة.

ويقال: معناه قدرته على بعث الخلق أجمعين، وعلى خلق الخلق أجمعين، كقدرته على خلق نفس واحدة.

ويقال: كَنَفْسٍ واحِدَةٍ أي: إلا كخلق آدم  .

ثم قال: إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ لمقالتهم بَصِيرٌ بهم.

قوله عز وجل: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ يعني: انتقاص كل واحد منها بصاحبه.

ويقال: يدخل الليل في النهار، والنهار في الليل وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ يعني: ذللهما لبني آدم كُلٌّ يَجْرِي إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى يعني: يجريان في السماء إلى يوم القيامة، وهو الأجل المسمى.

ويقال: يجري كل واحد منهما إلى أجله في الغروب، حتى ينتهى إلى وقت نهايته وَأَنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ.

روي عن أبي عمرو في إحدى الروايتين أنه قرأ يعلمون بالياء بلفظ المغايبة.

وقرأ الباقون: بالتاء على معنى المخاطبة.

ثم قال عز وجل: ذلِكَ يعني: هذا الذي ذكر من صنع الله عز وجل بالنهار والليل والشمس والقمر بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ يعني: ليعلموا أن الله هو الحق وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْباطِلُ يعني: من الآلهة لاَّ يَقْدِرُونَ على شَىْء من ذلك يعني: لا تنفعهم عبادتها.

قرأ حمزة والكسائي وأبو عمرو وعاصم في رواية حفص: وإنما يَدْعُونَ بالياء على معنى الخبر عنهم.

وقرأ الباقون: بالتاء على معنى المخاطبة لهم.

ثم عظّم نفسه فقال تعالى: وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ يعني: ليعلموا أن الله هو الرفيع الكبير.

يعني: العظيم، وهو الذي يعظم ويحمد.

ثم بيّن قدرته فقال عز وجل: أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ يعني: السفن تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ أي: برحمة الله لمنفعة الخلق لِيُرِيَكُمْ مِنْ آياتِهِ يعني: من علامات وحدانيته.

ويقال: من عجائبه.

إِنَّ فِي ذلِكَ يعني: إن الذي ترون في البحر لَآياتٍ يعني: لعبارات لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ على أمر الله عز وجل عند البلاء.

ويقال: الذي يصبر في الأحوال كلها، شكورا لله عز وجل في نعمه.

ويقال: لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ يعني: لكل مؤمن موحد.

وإنما وصفه بأفضل خصلتين في المؤمن، لأن أفضل خصال المؤمن: الصبر والشكر.

والصبار هو للمبالغة في الصبر.

والشكور على ميزان فعول هو للمبالغة في الشكر.

وروي عن قتادة أنه قال: إن أحب العباد إلى الله من إذا أعطي شكر، وإذا ابتلي صبر.

فأعلم الله عز وجل أن المتفكر المعتبر في خلق السموات والأرض هو الصبار والشكور.

قوله عز وجل: وَإِذا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ يعني: أتاهم موج، كما يقال: من غشي سدد السلطان يجلس ويقم.

ويقال: علاهم.

ويقال: غطاهم موج كالظلل يعني: كالسحاب.

ويقال: كالجبال، وهو جمع ظلة.

يعني: يأتيهم الموج بعضه فوق بعض وله سواد لكثرته.

دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ يعني: أخلصوا له بالدعوة فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ يعني: إلى القرار فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ يعني: فمنهم من يؤمن، ومنهم من يكفر ولا يؤمن.

ثم ذكر المشرك الذي ينقض العهد فقال تعالى: وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا يعني: لا يترك العهد إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ يعني: غدار بالعهد.

كفور لله عز وجل في نعمه.

وقال القتبي: الختر أقبح الغدر.

كَفُورٍ على ميزان فعول.

وإنما يذكر هذا اللفظ إذا صار عادة له كما يقال: ظلوم.

وقد ذكر الكافر بأقبح خصلتين فيه، كما ذكر المؤمن بأحسن خصلتين فيه وهو قوله: صَبَّارٍ شَكُورٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله تعالى: مَّا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ أي: لأنه كله ب «كن فيكون» ، قاله مجاهد «١» .

وقوله تعالى: كُلٌّ يَجْرِي إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى يريد: القيامة.

وقوله: بِنِعْمَتِ اللَّهِ يحتمل أن يريدَ ما تحملَه السفنُ من الطَّعامِ والأرزاقِ والتجاراتِ، فالباء: للإلْزَاقِ، ويحتمل أن يريدَ بالريحِ وتسخيرِ الله البحرَ ونحوَ هذا، فالباءُ باءُ السببِ.

وذكر تعالى من صفات المؤمن الصبَّارَ والشَّكُورَ لأنهما عُظْمُ أخلاقه، الصبرُ على الطاعاتِ وعلى النوائبِ، وعن الشهواتِ، والشكرُ على الضراءِ والسراءِ.

وقال الشعبي: الصبرُ نصفُ الإيمانِ والشكرُ نصفُه الآخرُ، واليقينُ الإيمان «٢» كله.

و «غَشِي» غطَّى أو قارَب، والظُّلَلِ: السحابُ.

وقوله تعالى: فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ.

قال الحسن: منهم مؤمن «٣» يعرف حق الله في هذه النعم، والختَّار القبيحُ «٤» الغَدْرِ، وذلك أن مِنَن الله على العباد كأنها عهود ومِنَنٌ يلزمَ عنها أداء شكرها، والعبادةُ لمسديها، فمن كفر ذلك وجحد به، فكأنه ختر وخان، قال الحسن: الختار هو الغدار «٥» .

وكَفُورٍ: بناء مبالغة.

يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْماً لاَّ يَجْزِي والِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جازٍ عَنْ والِدِهِ شَيْئاً إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (٣٣) إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحامِ وَما تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (٣٤)

وقوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْماً لاَّ يَجْزِي والِدٌ عَنْ وَلَدِهِ ...

الآية يَجْزِي مَعْنَاه يَقْضي، والمعنى: لا ينفعه بشيء، وقرأ الجمهور: «الغَرور» «٦» : - بفتح

الغَيْنِ- وهو الشيطانُ قاله مجاهد «١» وغيره، واعلم أيها الأخ أنّ مَنْ فَهِمَ كَلامَ رَبِّه وَرُزِقَ التوفيقَ لم يَنْخَدِعْ بغُرورِ الدنيا وزخرفها الفاني بَل يَصْرِفُ هِمَّتَه بالكُلِّيَةِ إلى التزود لآخرته ساعياً في مَرْضَاةِ ربه، وأنَّ مَنْ أيقنَ أنَّ اللهَ يطلبُه صَدَقَ الطلبَ إليه، كما قاله الإمام العارفُ بالله ابن عطاء الله.

وإنه لا بد لبناءِ هذا الوجودِ أن تَنْهَدِمَ دعائمُه وأن تسلب كرائِمهُ، فالعاقل من كان بما هو أبقى أفرح منه بما هو يفنى، قد أشرق نورُه وظهرت تباشيرُه، فَصَدَفَ عن هذه الدار مُغْضِياً، وأعرض عَنها مولياً، فلم يتخذْها وطناً، ولا جعلها/ ٦٩ أسكنا بل أنْهَضَ الهمَّةَ فيها إلى اللهِ تعالى وَصَارَ فِيهَا مُسْتَعِيناً به في القدومِ عليه، فما زالت مطيةُ عَزْمِهِ لا يَقِرُّ قرارُها.

دائما تَسْيَارُهَا، إلى أن أناخَتْ بِحَضْرَةِ القُدَسِ، وبساطِ الإنْسِ، انتهى.

وَرَوَيْنَا في «جامع الترمذي» عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلّم قال: «إنّ أغبط أوليائي عندي المؤمن خَفِيفٌ الحَاذِ ذُو حَظٍّ مِنَ الصَّلاَةِ، أَحْسَنَ عِبَادَةَ رَبِّهِ، وَأَطَاعَهُ فِي السِّرَّ، وَكَانَ غَامِضاً فِي النَّاسِ لاَ يُشَارُ إلَيْهِ بِالأَصَابِعِ، وَكَانَ رِزْقُهُ كَفَافاً فَصَبَرَ على ذَلِكَ، ثُمَّ نَفَضَ بِيَدِهِ فَقَالَ: عُجِّلَتْ مَنِيَّتُهُ، قَلَّتْ نَوَائِحُهُ قَلَّ تراثه» ، قال أبو عيسى: وبهذا الإسنادِ عَنِ النبيّ صلى الله عليه وسلّم قال: «عرض عليّ ربّي ليجعل لي بطحاء «٢» مَكَّةَ ذَهَباً، قُلْتُ: لاَ، يَا رَبِّ، ولكن أَشْبَعُ يَوْماً وَأَجُوعُ يَوْماً، أَوْ قَالَ: ثَلاَثاً أَوْ نَحْوَ هذا، فَإذَا جُعْتُ، تَضَرَّعْتُ إلَيْكَ، وَإذَا شَبِعْتُ شَكَرْتُكَ وَحَمِدْتُكَ» «٣» .

قال أبو عيسَى: هذا حديثٌ حسنٌ، وفي الباب عن فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ، انتهى.

والغُرُورُ: التَّطْمِيعُ بما لا يَحْصُلُ.

وقال ابن جُبَيْرٍ: معنى الآية: أن تَعملَ المعصيةَ وتَتَمَنَّى المغفرة «٤» ، وفي الحديثِ الصحيح: عنه صلى الله عليه وسلّم قَالَ: «خَمْسٌ مِنَ الغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهُنَّ إلاَّ اللَّهُ تعالى وتلا الآية: إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ ...

إلى آخرها» «٥» .

قال أبو حيَّان: بِأَيِّ أَرْضٍ: - الباء ظَرْفِيةٌ والجملة في موضع نصب- ب تَدْرِي.

انتهى.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما خَلْقُكم ولا بَعْثُكم إلا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ ﴾ سَبَبُ نُزُولِها أنْ أُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ في آخَرِينَ مِن قُرَيْشٍ قالُوا لِلنَّبِيِّ  : إنَّ اللَّهَ خَلَقَنا أطْوارًا: نُطْفَةً، عَلَقَةً، مُضْغَةً، عِظامًا، لَحْمًا، ثُمَّ تَزْعُمُ أنّا نُبْعَثُ خَلْقًا جَدِيدًا جَمِيعًا في ساعَةٍ واحِدَةٍ؟!

فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ومَعْناها: ما خَلْقُكم أيُّها النّاسُ جَمِيعًا في القُدْرَةِ إلّا كَخَلْقِ نَفْسٍ واحِدَةٍ، ولا بَعْثُكم جَمِيعًا في القُدْرَةِ إلّا كَبَعْثِ نَفْسٍ واحِدَةٍ قالَهُ مُقاتِلٌ.

وَما بَعْدَ هَذا قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ [آلِ عِمْرانَ: ٢٧، الرَّعْدِ: ٢، الحَجِّ: ٦٢] إلى قَوْلِهِ: ﴿ ألَمْ تَرَ أنَّ الفُلْكَ تَجْرِي في البَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مِن نِعَمِهِ جَرَيانُ الفُلْكِ ﴿ لِيُرِيَكم مِن آياتِهِ ﴾ أيْ: لِيُرِيَكم مِن صَنْعَتِهِ عَجائِبَهُ في البَحْرِ، وابْتِغاءِ الرِّزْقِ ﴿ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: أيْ: لِكُلِّ صَبُورٍ عَلى أمْرِ اللَّهِ ﴿ شَكُورٍ ﴾ في نِعَمِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا غَشِيَهُمْ ﴾ يَعْنِي الكُفّارَ؛ وقالَ بَعْضُهُمْ: هو عامٌّ في الكُفّارِ والمُسْلِمِينَ ﴿ مَوْجٌ كالظُّلَلِ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وهي جَمْعُ ظُلَّةٍ، يُرادُ أنْ بَعْضَهُ فَوْقَ بَعْضٍ، فَلَهُ سَوادٌ مِن كَثْرَتِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ﴾ وقَدْ سَبَقَ شَرْحُ هَذا [يُونُسَ: ٢٢]؛ والمَعْنى أنَّهم لا يَذْكُرُونَ أصْنامَهم في شَدائِدِهِمْ إنَّما يَذْكُرُونَ اللَّهَ وحْدَهُ.

وجاءَ في الحَدِيثِ أنَّ عِكْرِمَةَ بْنَ أبِي جَهْلٍ لَمّا هَرَبَ يَوْمَ الفَتْحِ مِن رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ رَكِبَ البَحْرَ فَأصابَتْهم رِيحٌ عاصِفٌ، فَقالَ أهْلُ السَّفِينَةِ: أخْلِصُوا، فَإنَّ آلِهَتَكم لا تُغْنِي عَنْكم شَيْئًا هاهُنا، فَقالَ عِكْرِمَةُ: ما هَذا الَّذِي تَقُولُونَ؟

فَقالُوا: هَذا مَكانٌ لا يَنْفَعُ فِيهِ إلّا اللَّهُ، فَقالَ: هَذا إلَهُ مُحَمَّدٍ الَّذِي كانَ يَدْعُونا إلَيْهِ، لَئِنْ لَمْ يُنْجِنِي في البَحْرِ إلّا الإخْلاصُ ما يُنْجِينِي في البِرِّ غَيْرُهُ، ارْجِعُوا بِنا، فَرَجَعَ فَأسْلَمَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَمِنهم مُقْتَصِدٌ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: مُؤْمِنٌ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّانِي: مُقْتَصِدٌ في قَوْلِهِ، وهو كافِرٌ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

يَعْنِي أنَّهُ يَعْتَرِفُ بِأنَّ اللَّهَ وحْدَهُ القادِرُ عَلى إنْجائِهِ وإنْ كانَ مُضْمِرًا لِلشِّرْكِ.

والثّالِثُ: أنَّهُ العادِلُ في الوَفاءِ بِما عاهَدَ اللَّهَ عَلَيْهِ في البَحْرِ مِنَ التَّوْحِيدِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

فَأمّا " الخَتّارُ " فَقالَ الحَسَنُ: هو الغَدّارُ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الخَتْرُ: أقْبَحُ الغَدْرِ وأشَدُّهُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ ألَمْ تَرَ أنَّ الفُلْكَ تَجْرِي في البَحْرِ بِنِعْمَتِ اللهِ لِيُرِيَكم مِن آياتِهِ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ ﴾ ﴿ وَإذا غَشِيَهم مَوْجٌ كالظُلَلِ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِينَ فَلَمّا نَجّاهم إلى البَرِّ فَمِنهم مُقْتَصِدٌ وما يَجْحَدُ بِآياتِنا إلا كُلُّ خَتّارٍ كَفُورٍ ﴾ الرُؤْيَةُ في قَوْلِهِ: ﴿ "ألَمْ تَرَ" ﴾ رُؤْيَةُ العَيْنِ يَتَرَكَّبُ عَلَيْها النَظَرُ والِاعْتِبارُ، والمُخاطَبُ مُحَمَّدٌ  والمُرادُ الناسُ أجْمَعُ.

و"الفُلْكُ" جَمْعٌ وواحِدٌ بِلَفْظٍ واحِدٍ.

وقَرَأ مُوسى بْنُ الزُبَيْرِ: "الفُلُكُ" بِضَمِّ اللامِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ "ألَمْ تَرَ" ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ ما تَحْمِلُهُ السُفُنُ مِنَ الطَعامِ والأرْزاقِ، فالباءُ لِلْإلْصاقِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: بِالرِيحِ وتَسْخِيرِ اللهِ تَعالى البَحْرَ ونَحْوَ هَذا، فالباءُ باءُ السَبَبِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "بِنِعْمَةٍ"، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "بِنَعِماتٍ" بِفَتْحِ النُونِ وكَسْرِ العَيْنِ.

وذَكَرَ تَعالى مِن صِفَةِ المُؤْمِنِ الصَبّارِ والشَكُورِ عَلى الضَرّاءِ والسَرّاءِ، وقالَ الشَعْبِيُّ: "الصَبْرُ نِصْفُ الإيمانِ، والشُكْرُ نِصْفُهُ الآخَرُ، واليَقِينُ الإيمانُ كُلُّهُ".

وغَشِيَ: غَطّى، أو قارَبَ، و"الظُلَلُ": السَحابُ، وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ الحَنَفِيَّةَ: "كالظِلالِ" ومِنهُ قَوْلُ النابِغَةِ يَصِفُ البَحْرَ: يُماشِيهِنَّ أخْضَرُ ذُو ظِلالٍ ∗∗∗ عَلى حافاتِهِ فِلْقُ الدِنانِ ووَصَفَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ حالَةَ البَشَرِ الَّذِينَ لا يُعْتَبَرُونَ حَقَّ العِبْرَةِ، والقَصْدُ بِالآيَةِ تَبْيِينُ آيَةٍ تَشْهَدُ العُقُولُ بِأنَّ والأصْنامَ والأوثانَ لا شَرِكَةَ لَها فِيها ولا مَدْخَلَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَمِنهم مُقْتَصِدٌ ﴾ ، قالَ الحَسَنُ: مِنهم مُؤْمِنٌ يَعْرِفُ حَقَّ اللهِ تَعالى في هَذِهِ النِعَمِ، وقالَ مُجاهِدٌ: يُرِيدُ: فَمِنهم مُقْتَصِدٌ عَلى كُفْرِهِ، أيْ: مِنهم مَن يُسَلِّمُ للَّهِ تَعالى ويَفْهَمُ نَحْوَ هَذا مِنَ القُدْرَةِ، وإنْ ضَلَّ في الأصْنامِ مِن جِهَةِ أنَّهُ يُعَظِّمُها بِسِيرَتِهِ ولِسانِهِ.

و"الخَتّارُ": القَبِيحُ الغَدْرُ، وذَلِكَ أنَّ نِعَمَ اللهِ تَعالى عَلى العِبادِ كَأنَّها عُهُودٌ ومِنَنٌ يَلْزَمُ عنها أداءُ شُكْرِها والعِبادَةُ لِمُسْدِيها، فَمَن كَفَرَ ذَلِكَ وجَحَدَ بِهِ فَكَأنَّهُ خَتَرَ وخانَ، ومِنَ الخَتْرِ قَوْلُ عَمْرُو بْنِ مَعْدِي يَكْرِبِ الزُبَيْدِيِّ: فَإنَّكَ لَوْ رَأيْتَ أبا عُمَيْرٍ ∗∗∗ ∗∗∗ مَلَأتْ يَدَيْكَ مَن غُدْرٍ وخَتْرِ وقالَ الحَسَنُ: الخَتّارُ هو الغَدّارُ.

و"كَفُورٌ" بِناءُ مُبالَغَةٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

استئناف جاء على سنن الاستئنافين اللذين قبله في قوله ﴿ ألم تروا أن الله سخَّر لكم ما في السماوات وما في الأرض ﴾ [لقمان: 20] وقوله: ﴿ ألم تر أن الله يُولج الليل في النهار ﴾ [لقمان: 29]، وجيء بها غير متعاطفة لئلا يتوهم السامع أن العطف على ما تخلل بينها، وجاء هذا الاستئناف الثالث دليلاً ثالثاً على عظيم حكمة الله في نظام هذا العالم وتوفيق البشر للانتفاع بما هيّأه الله لانتفاعهم به.

فلما أتى الاستئنافان الأولان على دلائل صنع الله في السماوات والأرض جاء في هذا الثالث دليل على بديع صنع الله بخلق البحر وتيسير الانتفاع به في إقامة نظام المجتمع البشري.

وتخلص منه إلى اتخاذ فريق من الناس موجبات الشكر دواعي كفر.

فكان خلق البحر على هذه الصفة العظيمة ميسراً للانتفاع بالأسفار فيه حين لا تغني طرق البر في التنقل غناء فجعله قابلاً لحمل المراكب العظيمة، وألْهَم الإنسان لصنع تلك المراكب على كيفية تحفظها من الغرق في عباب البحر، وعصمهم من توالي الرياح والموج في أسفارهم، وهداهم إلى الحيلة في مصانعتها إذا طرأت حتى تنجلي، ولذلك وصف هذا الجري بملابسة نعمة الله فإن الناس كلما مَخرت بهم الفلك في البحر كانوا ملابسين لنعمة الله عليهم بالسلامة إلا في أحوال نادرة، وقد سميت هذه النعمة أمراً في قوله ﴿ والفلك تجري في البحر بأمره ﴾ في سورة الحج (65)، أي: بتقديره ونظام خلقه.

وتقدم تفصيله في قوله ﴿ فإذا ركبوا في الفلك ﴾ في سورة العنكبوت (65)، وفي قوله: ﴿ هو الذي يُسيّركم في البرّ والبحر ﴾ الآيات من سورة يونس (22) وقوله: ﴿ ألم تر أن الله سخّر لكم ما في الأرض والفلك تجري في البحر بأمره ﴾ في سورة الحج (65).

ويتعلق ﴿ ليريكم ﴾ ب ﴿ تجري ﴾ أي: تجري في البحر جرياً، علةُ خَلْقه أن يريكم الله بعض آياته، أي: آياته لكم فلم يذكر متعلق الآيات لظهوره من قوله ﴿ ليريكم ﴾ وجريُ الفلك في البحر آية من آيات القدرة في بديع الصنع أن خلق ماء البحر بنظام، وخلق الخشب بنظام، وجعل لعقول الناس نظاماً فحصل من ذلك كله إمكان سير الفلك فوق عباب البحر.

والمعنى: أن جري السفن فيه حِكم كثيرة مقصودة من تسخيره، منها أن يكون آية للناس على وجود الصانع ووحدانيته وعلمه وقدرته.

وليس يلزم من لام التعليل انحصار الغرض من المعلَّل في مدخولها لأن العلل جزئيةٌ لا كلية.

وجملة ﴿ إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور ﴾ لها موقع التعليل لجملة ﴿ ليريكم من ءاياته.

﴾ ولها موقع الاستئناف البياني إذ يخطر ببال السامع أن يسأل: كيف لم يهتد المشركون بهذه الآيات؟

فأفيد أن الذي ينتفع بدلالتها على مدلولها هو ﴿ كل صبّار شكور ﴾ ، ثناء على هذا الفريق صريحاً، وتعريضاً بالذين لم ينتفعوا بدلالتها.

واقتران الجملة بحرف ﴿ إنَّ ﴾ لأنه يفيد في مثل هذا المقام معنى التعليل والتسبب.

وجعل ذلك عدة آيات لأن في ذلك دلائل كثيرة، أي: الذين لا يفارقهم الوصفان.

والصبَّار: مبالغة في الموصوف بالصبر، والشَّكور كذلك، أي: الذين لا يفارقهم الوصفان.

وهذان وصفان للمؤمنين الموحِّدين في الصبر للضراء والشكر للسراء إذ يرجون بهما رضى الله تعالى الذي لا يتوكلون إلا عليه في كشف الضر والزيادة من الخير.

وقد تخلقوا بذلك بما سمعوا من الترغيب في الوصفين والتحذير من ضديهما قال: ﴿ والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس ﴾ [البقرة: 177]، وقال: ﴿ لئن شكرتم لأزِيدَنَّكم ﴾ [إبراهيم: 7] فهم بين رجاء الثواب وخوف العقاب لأنهم آمنوا بالحياة الخالدة ذات الجزاء وعلموا أن مَصِيرهم إلى الله الذي أمَر ونهى، فصارا لهم خلقاً تطبعوا عليه فلم يفارقاهم البتة أو إلا نادراً؛ فأما المشركون فنظرهم قاصر على الحياة الحاضرة فهم أُسَراء العالم الحِسيّ فإذا أصابهم ضر ضجروا وإذا أصابهم نفع بَطَروا، فهم أخلياء من الصبر والشكر، فلذلك كان قوله ﴿ لكل صبّار شكور ﴾ كنايةً رمزية عن المؤمنين وتعريضاً رمزياً بالمشركين.

ووجه إيثار خلقي الصبر والشكر هنا للكناية بهما، من بين شعب الإيمان، أنهما أنسب بمقام السير في البحر إذ راكب البحر بين خطر وسلامة وهما مظهر الصبر والشكر، كما تقدم في قوله تعالى: ﴿ هو الذي يسيركم في البرّ والبحر حتى إذا كنتم في الفلك ﴾ الآية في سورة يونس (22).

وفي قوله لكل صبّار شكور } حسن التخلص إلى التفصيل الذي عقبه في قوله ﴿ وإذا غشيهم موج كالظُّلَل ﴾ الآية، فعطف على آيات سير الفلك إشارة إلى أن الناس يذكرون الله عند تلك الآيات عند الاضطرار، وغفلتهم عنها في حال السلامة، وهو ما تقدم مثله في قوله في سورة العنكبوت (65): ﴿ فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون ﴾ وقوله في سورة يونس (22): ﴿ حتى إذا كنتم في الفلك وجرَيْنَ بهم بريح طيبة ﴾ الآيات.

والغشيان: مستعار للمجيء المفاجئ لأنه يشبه التغطية، وتقدم في قوله تعالى: ﴿ يُغشي الليل النهار ﴾ في سورة الأعراف (54).

والظُّلَل: بضم الظاء وفتح اللام: جمع ظُلّة بالضم وهي: ما أظلّ من سحاب.

والفاء في قوله فمنهم مقتصد } تدلّ على مقدر كأنه قيل: فلما نجاهم انقسموا فمنهم مقتصد ومنهم غيره كما سيأتي.

وجعل ابن مالك الفاء داخلة على جواب ﴿ لمّا ﴾ أي رابطة للجواب ومخالفوه يمنعون اقتران جواب ﴿ لما بالفاء كما في مغني اللبيب ﴾ .

والمقتصد: الفاعل للقصد وهو التوسط بين طرفين، والمقام دليل على أن المراد الاقتصاد في الكفر لوقوع تذييله بقوله ﴿ وما يجحد بآياتنا إلاّ كل خَتّار كفور ﴾ ولقوله في نظيره في سورة العنكبوت (65) ﴿ فلما نجّاهم إلى البرّ إذا هم يشركون ﴾ وقد يطلق المقتصد على الذي يتوسط حالُه بين الصلاح وضده.

كما قال تعالى: ﴿ منهم أمة مقتصدة وكثير منهم ساء ما يعملون ﴾ [المائدة: 66] والجاحد الكفور: هو المُفرط في الكفر والجَحد.

والجُحود: الإنكار والنفي.

وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون ﴾ في سورة الأنعام (33).

وعلم أن هنالك قسماً ثالثاً وهو الموقن بالآيات الشاكر للنعمة وأولئك هم المؤمنون.

قال في سورة فاطر (32) ﴿ فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات ﴾ وهذا الاقتصار كقول جرير: كانت حنيفة أثلاثاً فثلثهم *** من العبيد وثلث من مواليها أي: والثلث الآخر من أنفسهم.

والخَتَّار: الشديد الختر، والختر: أشدّ الغدر.

وجملة وما يجحد } إلى آخرها تذييل لأنها تعم كل جاحد سواء من جحد آية سير الفلك وهول البحر ويجحد نعمة الله عليه بالنجاة ومن يجحد غير ذلك من آيات الله ونعمه.

والمعنى: ومنهم جاحد بآياتنا.

وفي الانتقال من الغيبة إلى التكلم في قوله ﴿ بآياتنا ﴾ التفات.

والباء في ﴿ بآياتنا ﴾ لتأكيد تعدية الفعل إلى المفعول مثل قوله ﴿ وامسحوا برؤوسكم ﴾ [المائدة: 6]، وقول النابغة: لك الخير إن وارت بك الأرض واحداً *** وقوله تعالى: ﴿ وما نرسل بالآيات إلاَّ تخويفاً ﴾ [الإسراء: 59].

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألَمْ تَرَ أنَّ الفُلْكَ تَجْرِي في البَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: بِرَحْمَةِ اللَّهِ لَكم في خَلاصِكم مِنهُ.

الثّانِي: بِنِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْكم في فائِدَتِكم مِنهُ.

﴿ لِيُرِيَكم مِن آياتِهِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَعْنِي جَرْيَ السُّفُنِ فِيهِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ، وقالَ الحَسَنُ: مِفْتاحُ البِحارِ السُّفُنُ، ومِفْتاحُ الأرْضِ الطُّرُقُ، ومِفْتاحُ السَّماءِ الدُّعاءُ.

الثّانِي: ما تُشاهِدُونَهُ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ فِيهِ، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ.

الثّالِثُ: ما يَرْزُقُكُمُ اللَّهُ مِنهُ، قالَهُ النَّقّاشُ.

﴿ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: صَبّارٌ عَلى البَلْوى شَكُورٌ عَلى النَّعْماءِ.

الثّانِي: صَبّارٌ عَلى الطّاعَةِ شَكُورٌ عَلى الجَزاءِ.

قالَ الشَّعْبِيُّ: الصَّبْرُ نِصْفُ الإيمانِ، والشُّكْرُ نِصْفُ الإيمانِ، واليَقِينُ الإيمانُ كُلُّهُ، ألَمْ تَرَ إلى قَوْلِهِ: ﴿ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ ﴾ وإلى قَوْلِهِ: ﴿ وَفِي الأرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا غَشِيَهم مَوْجٌ كالظُّلَلِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: كالسَّحابِ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: كالجِبالِ، قالَهُ الحَسَنُ ويَحْيى بْنُ سَلّامٍ.

وَفي تَشْبِيهِهِ بِالظِّلِّ وجْهانِ: أحَدُهُما: لِسَوادِهِ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.

الثّانِي: لِعَظَمِهِ.

﴿ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ﴾ يَعْنِي مُوَحِّدِينَ لَهُ لا يَدْعُونَ لِخَلاصِهِمْ سِواهُ.

﴿ فَلَمّا نَجّاهم إلى البَرِّ ﴾ يَعْنِي مِنَ البَحْرِ.

﴿ فَمِنهم مُقْتَصِدٌ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مَعْناهُ عَدْلٌ في العَهْدِ، يَفِي في البِرِّ بِما عاهَدَ اللَّهَ عَلَيْهِ في البَحْرِ، قالَهُ النَّقّاشُ.

الثّانِي: أنَّهُ المُؤْمِنُ المُتَمَسِّكُ بِالتَّوْحِيدِ والطّاعَةِ، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّالِثُ: أنَّهُ المُقْتَصِدُ في قَوْلِهِ وهو كافِرٌ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

﴿ وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إلا كُلُّ خَتّارٍ كَفُورٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الجاحِدُ، قالَهُ عَطِيَّةُ.

الثّانِي: وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ أنَّهُ الغَدّارُ، قالَ عَمْرُو بْنُ مَعْدِي كَرِبَ فَإنَّكَ لَوْ رَأيْتَ أبا عُمَيْرٍ مَلَأْتَ يَدَيْكَ مِن غَدْرٍ وخَتْرِ وَجَحْدُ الآياتِ إنْكارُ أعْيانِها والجَحَدُ بِالآياتِ دَلائِلُها.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة ﴾ قال: يقول له كن فيكون.

القليل والكثير.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله تعالى عنه في قوله: ﴿ ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة ﴾ يقول: إنما خلق الله الناس كلهم وبعثهم كخلق نفس واحدة وبعثها.

وفي قوله: ﴿ ألم تر أن الله يولج الليل في النهار ﴾ قال: نقصان الليل زيادة النهار ﴿ ويولج النهار في الليل ﴾ نقصان النهار زيادة في الليل ﴿ كل يجري إلى أجل مسمى ﴾ لذلك كله وقت واحد معلوم، لا يعدوه ولا يقصر دونه.

وفي قوله: ﴿ إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور ﴾ قال: إن أحب عباد الله إليه الصبار الشكور، الذي إذا أعطي شكر، وإذا ابتلي صبر.

وفي قوله: ﴿ وإذا غشيهم موج كالظلل ﴾ قال: كالسحاب وفي قوله: ﴿ وما يجحد بآياتنا إلا كل ختار كفور ﴾ قال: غدار بذمته، كفور بربه.

وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ فمنهم مقتصد ﴾ قال: في القول وهو كافر ﴿ وما يجحد بآياتنا إلا كل ختار ﴾ قال: غدار ﴿ كفور ﴾ قال: كافر.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ختار ﴾ قال: جحاد.

وأخرج الطستي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله: ﴿ كل ختار كفور ﴾ قال: الجبار.

الغدار.

الظلوم.

الغشوم.

﴿ الكفور ﴾ الذي يغطي النعمة قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم.

أما سمعت قول الشاعر وهو يقول: لقد علمت واستيقنت ذات نفسها ** بأن لا تخاف الدهر صرمي ولا ختري وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ كل ختار ﴾ قال: الذي يغدر بعهده ﴿ كفور ﴾ قال: بربه.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ولا يغرنكم بالله الغرور ﴾ قال: هو الشيطان.

وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة رضي الله عنه ﴿ ولا يغرنكم بالله الغرور ﴾ قال: الشيطان.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه ﴿ ولا يغرنكم بالله الغرور ﴾ قال: الشيطان.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن سعيد بن جبير رضي الله عنه ﴿ ولا يغرنكم بالله الغرور ﴾ قال: أن تعمل بالمعصية وتتمنى المغفرة.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

وقوله.

﴿ وَإِذَا غَشِيَهُمْ ﴾ يعني الكفار، يقول: إذا علاهم ﴿ مَوْجٌ ﴾ وهو ما ارتفع من الأرض.

﴿ كَالظُّلَلِ ﴾ قال مقاتل: كالجبال (١) (٢) (٣) (٤) قوله تعالى: ﴿ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ ﴾ أي من هول ما هم فيه، نجاهم حين أفضوا وانتهوا إلى البر.

قال صاحب النظم: المراد من قوله: فلما نجاهم: الاستقبال، وإن كان لفظه لفظ الماضي، بدليل قوله: ﴿ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ ﴾ .

ولما لا يقتضي جوابًا بالفاء، وأراد فمنهم مقتصد ومنهم جاثر، ودل على هذا المضمر قوله: ﴿ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ ﴾ فأومأ بهذا إلى هذا، نقيض قوله: ﴿ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِد ﴾ .

ونقيض الاقتصاد: الجور، والجور هاهنا: الجحد بآيات الله، وإذا كان معنى الجور هاهنا الجحد، وجب أن يكون الاقتصاد الذي هو عند الإقرار بآيات الله، وهذا كله معنى قول مقاتل، فإنه يقول في قوله: ﴿ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ ﴾ عدل في الوفاء في البر بما عاهد الله عليه في البحر من التوحيد له يعني المؤمن، ثم ذكر المشرك الذي ترك التوحيد في البر بعد أن دعاه مخلصًا في البحر (٥) ﴿ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ ﴾ غدار ﴿ كَفُورٍ ﴾ لله نعمه حين ترك التوحيد في البر.

وقال الكلبي في قوله: ﴿ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ ﴾ هم المؤمنون (٦) (٧) (٨) ﴿ كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ ﴾ قالوا: كلهم: كل غدار بعهد الله (٩) (١٠) (١١) (١٢) بالأبلق الفرد من تيماء منزله ...

حصن حصين وجار غير ختار يقال: [ختر] (١٣) (١٤) ثم خاطب كفار مكة فقال: (١) انظر: "تفسير مقاتل" 2/ 267، وبه قال يحيى بن سلام.

انظر: "تفسير الماوردي" 4/ 347.

(٢) ذكره "الماوردي" 4/ 347 ونسبه لقتادة، وكذا الطبرسي في "مجمع البيان" 8/ 506.

(٣) في (ب): (السقايل)، وهو خطأ.

(٤) لم أقف عليه عن ابن عباس، ولم أقف على معنى السعائف بهذه الصيغة، وقد ذكر الأزهري في "تهذيب اللغة" 2/ 110 (سعف) قال: ..

السعف: ورق جريد النخل الذي يسف منه الزبلان والجلاد والمراوح وما أشبهها، ويجوز السعف.

(٥) "تفسير مقاتل" 83 ب.

(٦) ذكره "الماوردي" 4/ 348، وأبو حيان في "البحر" 8/ 423، والطبرسي في "مجمع البيان" 8/ 506 عن الحسن.

(٧) انظر: "مجمع البيان" 8/ 557.

وذكره "تفسير الماوردي" 4/ 348، ونسبه للنقاش.

(٨) انظر: "تفسير الطبري" 21/ 85، "الماوردي" 4/ 348، "مجمع البيان" 8/ 507.

(٩) انظر: "تفسير الطبري" 21/ 85 "تفسير الماوردي" 4/ 348، ونسبه للجمهور.

(١٠) انظر: "تهذيب اللغة" 7/ 294 مادة (ختر)، "الصحاح" 2/ 642 (ختر)، "مقايس اللغة" 2/ 244، باب الخاء والتاء وما يثلثهما.

(١١) في (ب): (وأنشد).

(١٢) البيت من البسيط، انظره في "ديوانه" ص 229، "لسان العرب" 10/ 26، "جمهرة اللغة" ص 371.

(١٣) ما بين المعقوفين طمس في (ب).

(١٤) ما بين المعقوفين طمس في (ب).

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ كالظلل ﴾ جمع ظلة وهو ما يعلوك من فوق، شبَّه الموج بذلك إذا ارتفع وعظم حتى علا فوق الإنسان ﴿ فَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ ﴾ المقتصد المتوسط في الأمر، فيحتمل أن يريد كافراً متوسطاً في كفره لم يسرف فيه أو مؤمناً متوسطاً في إيمانه، لأن الإخلاص الذي عليه في البحر كان يزول عنه، وقيل: معنى مقتصد مؤمن ثبت في البر على ما عاهد الله عليه في البحر ﴿ خَتَّارٍ ﴾ أي غدّار شديد الغدر، وذلك أنه جحد نعمة الله غدراً.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ نعمه ﴾ على الجمع: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو وسهل وحفص ﴿ والبحر ﴾ بالنصب: أبو عمرو ويعقوب عطفاً على اسم "أن" الآخرون: بالرفع حملاً على محل "أن" ومعمولها ﴿ وأن ما يدعون ﴾ على الغيبة: أبو عمرو وحمزة وعلي وخلف وحفص وسهل ويعقوب ﴿ وينزل الغيث ﴾ التشديد: ابو جعفر ونافع وابن كثير وابن عامر وعاصم.

الوقوف: ﴿ وباطنه ﴾ ط ﴿ منير ﴾ ه ﴿ آباءنا ﴾ ط ﴿ السعير ﴾ ه ﴿ الوثقى ﴾ ط ﴿ الأمور ﴾ ه ﴿ كفره ﴾ ه ﴿ عملوا ﴾ ط ﴿ الصدور ﴾ ه ﴿ غليظ ﴾ ه ﴿ ليقولن الله ﴾ ط ﴿ الله ﴾ ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ الحميد ﴾ ه ﴿ كلمات الله ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه ﴿ واحدة ﴾ ط ﴿ بصير ﴾ ه ﴿ والقمر ﴾ ز لأن قوله ﴿ كل ﴾ مبتدأ مع عطف "أن" على "أن" الأولى ﴿ خبير ﴾ ه ﴿ الباطل ﴾ لا ﴿ الكبير ﴾ ه ﴿ من آياته ﴾ ط ﴿ شكور ﴾ ه ﴿ الدين ﴾ ج ﴿ مقتصد ﴾ ط ﴿ كفور ﴾ ه ﴿ عن ولده ﴾ لا لعطف الجملتين المختلفتين لفظاً مع صدق الاتصال معنى ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ الدنيا ﴾ قف للفصل بين الموعظتين ﴿ الغرور ﴾ ه ﴿ الساعة ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ الغيث ﴾ ج وإن اتفقت الجملتان للتفصيل بين عيب وغيب ﴿ الأرحام ﴾ ط لابتداء الجملة المنفية التي فيها استفهام ﴿ غداً ﴾ ط لابتداء نفي آخر مع تكرار نفس دون الاكتفاء بضميرها ﴿ تموت ﴾ ط ﴿ خبير ﴾ ه.

التفسير: لما ذكر أن معرفة الصانع غير مختصة بالنبوة ولكنها توافق الحكمة ايضاً، ولو كانت تعبداً محضاً للزم قبوله، كيف وإنها توافق المعقول، أعاد الاستدلال بالأمور المشاهدة الآفاقية والأنفسية.

ومعنى ﴿ سخر لكم ﴾ لأجلكم كما مر في سورة إبراهيم من قوله ﴿ وسخر لكم الشمس والقمر دائبين  ﴾ الآية ومعنى ﴿ اسبغ ﴾ أتم، والنعم الظاهرة كل ما يوجد للحس الظاهر إليه سبيل ومن جملتها الحواس أنفسها.

والباطنة مالا يدرك إلا بالحس الباطن أو بالعقل أو لا يعلم أصلاً.

ومن المفسرين من يخص، فعن مجاهد: الظاهرة ظهور الإسلام والنصر على الأعداء ظاهراً، والباطنة إمداد الملائكة.

وعن الضحاك: الظاهرة حسن الصورة وامتداد القامة وتسوية الأعضاء والباطنة المعرفة والعلم.

وقيل: النفس.

ثم ذكر أن بعض الناس يجادلون في الله بعد ظهور الدلائل على وحدانيته وقد مر في أول "الحج".

ثم ذكر أنه لا مستند له في ذلك إلا التقليد، ثم وبخه على جهله وتقليده بأنه يتبع سبيل الشيطان ولو دعاه إلى النار قائلاً ﴿ أولو كان ﴾ إلخ.

ومعناه أيتبعونهم ولو كان كذا؟

ثم اراد أن يفصل حال المؤمن والكافر بعض التفصيل فقال ﴿ ومن يسلم وجهه إلى الله ﴾ وهو نظير قوله في "البقرة" ﴿ بلى من أسلم وجهه لله  ﴾ والفرق أن معناه مع "إلى" يرجع إلى التفويض والتسليم، ومع اللام يؤل إلى الإخلاص والإذعان والاستمساك بالعروة الوثقى تمثيل كما مر في آية الكرسي.

وقوله ﴿ يمتعهم ﴾ الآية.

كقوله في البقرة ﴿ ومن كفر فأمتعه قليلاً ثم أضطره  ﴾ وغلظ العذاب شدته.

ثم بين أنهم معترفون بالمعبود الحق إلا أنهم يشركون به وقد مر في آخر "العنكبوت" مثله إلا أنه قال في آخره ﴿ بل أكثرهم لا يعلمون ﴾ وذلك أنه زاد هناك قوله ﴿ وسخر الشمس والقمر  ﴾ فبالغ، فإن نفي العقل أبلغ من نفي العلم إذ كل عالم عاقل ولا ينعكس.

ثم ذكر أن الملك كله له وهو غني على الإطلاق حميد بالاستحقاق.

وحين بين غاية قدرته أراد أن يبين أنه لا نهاية لعلمه فقال ﴿ ولو أن ما في الأرض ﴾ الاية.

عن ابن عباس: أنها نزلت جواباً لليهود وأن التوراة فيها كل الحكمة.

وقيل: هي جواب قول المشركين أن الوحي سينفد.

وتقدير الآية على قراءة الرفع: لو ثبت كون الأشجار أقلاماً وثبت البحر ممدوداً بسبعة أبحر.

ويجوز أن تكون الجملة حالاً واللام في البحر للجنس.

وجعل جنس البحار ممدوداً بالسبعة للتكثير لا للتقدير، فإن كثيراً من الأشياء عددها سبعة كالسيارات السبعة والأقاليم السبعة وأيام الأسبوع ومثله قوله  "المؤمن يأكل في معاً واحد والكافر يأكل في سبعة أمعاء" أراد الأكل الكثير.

وقال في الكشاف جعل البحر الأعظم بمنزلة الدواة، وجعل الأبحر السبعة مملوأة مداداً، فهي تصب فيه مدادها ابداً صباً لا ينقطع.

قلت: جعله الأبحر سبعة تقديراً ينافي قوله "أبدا لا ينقطع" وإنما لم يجعل للأقلام مداداً لأن نقصان المداد بالكتابة أظهر من نقصان القلم.

وإنما لم يقل:كلم الله" على جمع الكثرة للمبالغة إذ يفهم منه أن كلماته لا تفي بكتبتها البحار فكيف بكلمه؟

وقيل: أراد بكلماته عجائب مصنوعاته الموجودة بكلمة "كن" وقد مر نظير هذه الآية في آخر الكهف.

ثم بين أنه لا يصعب على قدرته كثرة الإيجاد والإعدام فإن تعلق قدرته بمقدور واحد كتعلقها بمقدورات غير محصورة لأن اقتداره لا يتوقف على آلة وعدة وإنما ذلك له ذاتي يكفي فيه الإرادة.

ثم أكد ذلك بأن سمعه يتعلق في زمان واحد بكل المسموعات، وكذا بصره بكل المبصرات من غير أن يشغله شيء عن شيء.

ثم أعاد طرفاً من دلائل قدرته مع تذكير بعض نعمه قائلاً ﴿ الم تر ﴾ وقد مر نظيره في "الحج" إلى قوله ﴿ الكبير ﴾ وقوله ههنا ﴿ يجري إلى أجل مسمى ﴾ وقوله في "فاطر" و"الزمر" ﴿ لأجل مسمى  ﴾ يؤل إلى معنى واحد وإن كان الطريق مغايراً، لأن الأول معناه انتهاؤهما إلى وقت معلوم وهو للشمس آخر السنة وللقمر آخر الشهر.

وعن الحسن: هو يوم القيامة لأن جريهما لا ينقطع إلا وقتئذ.

والثاني معناه اختصاص الجري بإدراك أجل معلوم كما وصفنا.

ووجه اختصاص هذا المقام بإلى وغيره باللام، أن هذه الآية صدِّرت بالتعجيب فناسب التطويل.

والمشار إليه بذلك هو ما وصف من عجيب قدرته أو أراد أن الموحى من هذه الآيات بسبب بيان أن الله هو الحق.

قال بعضهم ﴿ العلي ﴾ إشارة إلى كونه تماماً وهو أن حصل له كما ينبغي أن يكون له.

و ﴿ الكبير ﴾ إشارة إلى كونه فوق التمام وهو أنه يحصل لغيره ما يحتاج إليه.

ثم أكد الآية السماوية بالآية الأرضية.

ومعنى ﴿ بنعمته ﴾ بإحسانه ورحمته أو بالريح الطيبة التي هي بأمر الله ﴿ إن في ذلك ﴾ الإجراء ﴿ لآيات لكل صبار ﴾ على الضراء ﴿ شكور ﴾ في السراء.

ووجه المناسبة أن كلتا الحالتين قد يقع لراكب البحر أو صبار على النواحي والتروك شكور في الأفعال والأوامر ومنه قوله  "الإيمان نصفان: نصف صبر ونصف شكر" .

ثم ذكر أن بعض الناس لا يخلص لله إلا عند الشدائد، وإنما وحد الموج وجمع الظلل وهي كل ما أظلك من جبل أو سحاب، لأن الموج الواحد يرى له صعود ونزول كالجبال المتلاصقة.

وإنما قال ههنا.

﴿ فمنهم مقتصد ﴾ وقد قال فيما قبل ﴿ إذا هم يشركون  ﴾ لأنه ذكر ههنا الموج وعظمته ولا محالة يبقى لمثله اثر في الخيال فيخفض شيئاً من غلو الكفر والظلم وينزجر بعض الانزجار، ويلزمه أن يكون متوسطاً في الإخلاص أيضاً لا غالياً فيه، وقل مؤمن قد ثبت على ما عاهد عليه الله في البحر.

والختر أشد الغدر ومنه قولهم "لا تمد لنا شبراً من غدر إلا مددنا لك باعاً من ختر".

والختار في مقابلة الصبار لأن الختر لا يصدر إلا من عدم الصبر وقلة الاعتماد على الله في دفع المكروه.

والكفور طباق الشكور.

وحين بيَّن الدلائل وعظ بالتقوى وخوف من هول يوم القيامة.

ومعنى ﴿ لا يجزي ﴾ لا يقضي كما مر في أول "البقرة".

وذكر شخصين في غاية الشفقة والمحبة وهما الوالد والولد ليلزم منه عدم الانتفاع بغيرهما بالأولى، وفيه إشارة إلى ما جرت به العادة من أن الأب يتحمل الآلام عن ابنه ما أمكن، والولد يتحمل الإهانة عن الأب ما أمكن، فكأنه قال: لا يجزي فيه ﴿ والد عن ولده ﴾ شيئاً من الآلام ﴿ ولا مولود هو جاز عن والده شيئاً ﴾ من أسباب الإهانة.

قال جار الله: إنما أوردت الجملة الثانية إسمية لأجل التوكيد.

وذلك أن الخطاب للمؤمنين فأراد حسم أطماعهم أن يشفعوا لآبائهم الكفرة وفي توسيط "هو" مزيد تأكيد.

وفي لفظ ﴿ المولود ﴾ دون أن قول "ولا ولد" تأكيد آخر، لأن الولد يقع على ولد الولد أيضاً بخلاف المولود فإنه لمن ولد منك فكأنه قيل: إن الواحد منهم لو شفع للأب الأدنى الذي ولد منه لم تقبل شفاعته فضلاً أن يشفع لمن فوقه.

وقيل: إنما أوردت الثانية إسمية لأن الابن من شأنه أن يكون جازياً عن والده لما عليه من الحقوق والوالد يجزي شفقة لا وجوباً ﴿ إن وعد الله ﴾ بمجيء ذلك اليوم ﴿ حق ﴾ أو وعده بعدم جزاء الوالد عن الولد وبالعكس حق.

و ﴿ الغرور ﴾ بناء مبالغة وهو الشيطان اي لا ينبغي أن تغرنكم الدنيا بنفسها ويزينها في أعينكم غار من الشيطان أو النفس الأمارة.

روي عن النبي  "مفاتيح الغيب خمس" وتلا قوله ﴿ إن الله عنده علم الساعة ﴾ إلى آخرها.

وعن المنصور، أنه همه معرفة مدة عمره فرأى في منامه كأن خيالاً أخرج يده من البحر واشار إليه بالأصابع الخمس.

فاستفتى العلماء في ذلك فتأولوها بخمس سنين وبخمسة أشهر وبغير ذلك حتى قال أبو حنيفة: تأويلها أن مفاتيح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله، وأن ما طلبت معرفته لا سبيل لك إليه.

قال في التفسير الكبير: ليس مقصود الآية أنه تعالى مختص بمعرفة هذه الأمور فقط فإنه يعلم الجوهر الفرد أين هو وكيف هو من أول يوم خلق العالم إلى يوم النشور، وإنما المراد أنه  حذر الناس من يوم القيامة.

كان لقائل أن يقول: متى الساعة؟

فذكر أن هذا العلم لا يحصل لغيره ولكن هو كائن لدليلين ذكرهما مراراً وهو إنزال الغيث المستلزم لإحياء الأرض وخلق الأجنة في الأرحام، فإن القادر على الإبداء قادر على الإعادة بالأولى.

ثم إنه كأنه قال: أيها السائل إن لك شيئاً أهم منها لا تعلمه فإنك لا تعلم معاشك ومعادك فلا تعلم ﴿ ماذا تكسب غداً ﴾ مع أنه فعلك وزمانك ولا تعلم أين تموت مع أنه شغلك ومكانك فكيف تعلم قيام الساعة؟

والسر في إخفاء الساعة وإخفاء وقت الموت بل مكانة هو أنه ينافي التكليف كما مر في أول "طه"، ولو علم المكلف مكان موته لأمن الموت إذا كان في غيره.

والسر في إخفاء الكسب في غير الوقت الحاضر هو أن يكون المكلف ابداً مشغول السر بالله معتمداً عليه في اسباب الرزق وغيره.

روي أن ملك الموت مر على سليمان  فجعل ينظر إلى رجل من جلسائه.

فقال الرجل: من هذا؟

قال: ملك الموت.

فقال: كأنه يريدني.

وسأل سليمان أن يحمله على الريح إلى بلاد الهند ففعل.

ثم قال ملك الموت لسليمان: كان نظري إليه تعجباً منه لأني أمرت أن اقبض روحه بالهند وهو عندك.

قال جار الله: جعل العلم لله والدراية للعبد لما في الدراية من معنى الختل والحيلة كأنه قال: إنها لا تعرف وإن أعلمت حيلها وقرئ ﴿ بآية أرض ﴾ والأفصح عدم تأنيثه.

التأويل: ﴿ وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة ﴾ هي تسخير ما في السموات وما في الأرض من الأجسام العلوية والسفلية، البسطية والمركبة.

وباطنة هي تسخير ما في سموات القلوب من الصدق والإخلاص والتوكل والشكر وسائر المقامات القلبية والروحانية بأن يسر العيون عليها بالسكون المتدارك بالجذبة والانتفاع بمنافعها والاجتناب عن مضارها.

وتسخير ما في أرض النفوس من اضداد الأخلاق المذكورة بتبديلها بالحميدة والتمتع بخواصها والتحرز عن آفاتها.

﴿ ثم نضطرهم ﴾ لفساد استعدادهم ﴿ تجري في البحر بنعمة الله ﴾ سلامتهم في الظاهر معلومة، وأما في الباطن فنجاتهم بسفائن العصمة من بحار القدرة أو بسفينة الشريعة بملابسة الطريقة في بحر الحققة لإِراءة آيات شواهد الحق، وإذا تلاطمت عليهم أمواج بحار التقدير تمنوا أن تلفظهم نفحات الألطاف إلى سواحل الأعطاف.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱلْفُلْكَ تَجْرِي فِي ٱلْبَحْرِ بِنِعْمَتِ ٱللَّهِ ﴾ .

وقال في موضع آخر: ﴿ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ  ﴾ ، قوله: (ريح طيبة) - هي النعمة التي ذكر في هذه الآية.

وقوله: ﴿ تَجْرِي فِي ٱلْبَحْرِ بِنِعْمَتِ ٱللَّهِ ﴾ - يحتمل وجهين: أحدهما: لما جعل لهم الفلك بحيث تجري على وجه الماء مع أحمال ثقيلة، ومن طبعها التسرب في الماء والانحدار فيه، فجعلها بحيث تستمسك على وجه الماء وتجري؛ ليصلوا إلى حوائجهم ومنافعهم في أمكنة متباعدة ممتنعة: ما لولا السفن لم يصلوا إلى ذلك بحال.

والثاني: ما ذكر فيه من الريح الطيبة التي بها تجري السفن في البحار، وماؤها راكد ساكن؛ فتعمل تلك الريح الطيبة عمل جريان الماء وسكونه، وذلك نعمته، والله أعلم.

وقوله: ﴿ لِيُرِيَكُمْ مِّنْ آيَاتِهِ ﴾ .

يحتمل آيات وحدانيته وآيات قدرته وسلطانه، وآيات نعمته: أما آيات نعمته، فما ذكر، وآيات قدرته وسلطانه: ما ذكرنا: أنه من قدرته وسلطانه أن جعل الفلك والسفن في البحار بحيث تستمسك وتحتبس، ولا تتسرب ولا تنحدر مع أحمال ثقيلة، ومن طبع ذلك كله التسرب والانحدار، وما ذكر من إجرائها بالريح الطيبة، ولو كان فِعْلَ عدد لا فعل واحد لكان يمنع عن جريها، دل أنه تدبير واحد لا عدد.

وقوله: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ﴾ .

جائز أن يكون الصبار هو المؤمن، والشكور كذلك، الصبر كناية عن الإيمان، والشكر كناية عن الإيمان؛ كقوله: ﴿ إِلاَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ  ﴾ ذكر الصبر مكان قوله: ﴿ آمَنُواْ ﴾ ؛ لأنه ذكر في آية أخرى: ﴿ إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ  ﴾ ، والشكر كناية عن الإيمان؛ كقوله: ﴿ إِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ وَلاَ يَرْضَىٰ لِعِبَادِهِ ٱلْكُفْرَ وَإِن تَشْكُرُواْ يَرْضَهُ لَكُمْ  ﴾ ، وقوله: ﴿ تَشْكُرُواْ ﴾ ، أي: تؤمنوا.

ويحتمل: ﴿ صَبَّارٍ ﴾ على بلاياه، و ﴿ شَكُورٍ ﴾ على نعمائه.

أو جعل الآيات لمن ذكر؛ لأنه هو المنتفع بها دون غيرهم.

أو ﴿ صَبَّارٍ ﴾ فيما أصابهم في البحر من الشدائد والأهوال، و ﴿ شَكُورٍ ﴾ فيما دفع عنهم وأنجاهم من تلك الأهوال، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَّوْجٌ كَٱلظُّلَلِ ﴾ .

قال بعضهم: ﴿ كَٱلظُّلَلِ ﴾ ، أي: كالظلل: هو سواد من كثرة الماء ومعظمه.

وقيل: يصير الموج كالظلمة فوق السفينة.

وجائز أن يكون الظلل التي ذكر على التمثيل لا على التحقيق؛ كناية عن حيرتهم في الدين، كقوله: ﴿ أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَآ أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا  ﴾ ، وهو على المثال لا على التحقيق، يخبر عن حيرتهم في الدين وتيههم فيه؛ فعلى ذلك الأول.

ثم يذكر أهل التأويل أن الآية في أهل الكفر: كانوا يخلصون الدعاء لله والدين له: عندما اشتد بهم الخوف على الهلاك عند معاينتهم الأهوال والشدائد في البحار؛ لأن أهل الإسلام يخلصون له الدعاء والدين في الأحوال كلها فهي فيهم.

وقوله: ﴿ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى ٱلْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ ﴾ .

قال بعضهم: ﴿ مُّقْتَصِدٌ ﴾ ، أي: حسن القول بلسانه كافر بقلبه.

وقال بعضهم: ﴿ فَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ ﴾ ، أي: عدل، أي: بقي على الإيمان والإخلاص الذي كان منه في تلك الأهوال لم يعد إلى الكفر.

وقال بعضهم: ﴿ فَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ ﴾ : الوسط.

العدل، وهو ما ذكرنا، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَآ إِلاَّ كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ ﴾ .

قيل: الختار: الغدار.

وقال بعضهم: الختار: هو الذي بلغ في الغدر غايته ونهايته.

وقوله: ﴿ وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْعَلِيُّ ٱلْكَبِيرُ ﴾ العلي يتوجه وجهين: أحدهما: العلو: القهر والغلبة؛ كقوله: ﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاَ فِي ٱلأَرْضِ  ﴾ ، أي: غلب وقهر، وقوله: ﴿ تِلْكَ ٱلدَّارُ ٱلآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي ٱلأَرْضِ  ﴾ ؛ فعلى ذلك يشبه أن يكون قوله: ﴿ ٱلْعَلِيُّ ﴾ أي: القاهر الغالب.

والثاني: أن يكون العلو: الارتفاع؛ فإن كان الارتفاع، فهو يرتفع ويتعالى عن أن يحتمل [ما يحتمل] الخلق من التغير والزوال وغير ذلك مما يحتمل الخلق، ارتفع وتعالى عن احتمال ما يحتمل الخلق.

والكبير، أي: تكبر من أن يلحقه شيء مما يلحق الخلق، والله أعلم.

وقوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمْ ﴾ .

يحتمل: ﴿ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمْ ﴾ في الجهة التي له عليكم، وأوفوا له ذلك.

أو اتقوا مخالفة ربكم ومعصيته.

أو اتقوا نقمة ربكم وعذابه.

لكنه يختلف الأمر بالاتقاء في المؤمن والكافر: يكون للكافر: اتقوا الشرك وعبادة غير الله، وفي المؤمن: اتقوا مخالفة الله في جميع ما يأمركم وينهاكم، واتقوا عبادة غير الله أو الشرك في حادث الوقت.

وقوله: ﴿ وَٱخْشَوْاْ يَوْماً لاَّ يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلاَ مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئاً ﴾ .

يذكر هذا على الإياس وقطع طمع بعضهم عن بعض: بالوصلة التي كانت بينهم في الدنيا، والمنافع التي كان ينفع بعضهم بعضا في الدنيا، يخبر أن ذلك كله منقطع في الآخرة؛ لهول ذلك اليوم، واشتغال كل بنفسه؛ حتى لا ينفع أحد صاحبه، وخاصة ما ذكر من الولد لوالده والوالد لولده، مما لا يحتمل قلب واحد منهما أن يلحق المكروه بالآخر، ولا يصبر ألا يدفع ذلك عنه بكل ما به وسعه وطاقته؛ للشفقة والمحبة التي جعلت فيهم.

ثم أخبر ألا ينفع أحدهما صاحبه؛ لاشتغاله بنفسه، وعلى ذلك روي عن رسول الله  أنه قال: "كل نسب وسبب فهو منقطع، إلا نسبي وسببي" ، ونسبه: دينه الذي دعانا إليه وعلمناه، وسببه: شفاعته يوم القيامة، فذلك كله منقطع إلا هذين؛ فإنه من تمسك بدينه فإنه يشفع [له] يوم القيامة فيما قصر وفرط، فأما من لم يقبل دينه، ولم يجبه إلى ما دعاه - فإنه ليس له واحد من هذين من الأسباب والأنساب، منقطع؛ كقوله: ﴿ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ ٱلأَسْبَابُ  ﴾ .

وقال بعضهم: قوله: ﴿ وَٱخْشَوْاْ يَوْماً لاَّ يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ ﴾ ، قال: هذه الآية في الكفار؛ فأما المؤمنون فينفع الوالد ولده، والولد والده في الآخرة: يدفع إلى ابنه بفضل عمله، وكذلك الولد إلى أبيه؛ كقوله: ﴿ آبَآؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً  ﴾ ، والله أعلم.

وقوله: ﴿ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ ﴾ .

فيما ذكر من الإياس وقطع طمع بعضهم من بعض، أو ما ذكر من قيام الساعة وكونها أنها تكون لا محالة، أو في الثواب والعقاب.

وقوله: ﴿ فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا ﴾ .

هذا يحتمل وجهين على التحقيق والتمثيل.

أما التحقيق: ألا تشغلنكم الحياة الدنيا ولذاتها، ولا تلهينكم عن ذكر الله وعن الآخرة، ولا تغتروا بها؛ فإنها لعب ولهو، على ما ذكر أنها لعب ولهو على ما هي عندكم؛ لأنها عندهم أنها إنما أنشئت وخلقت لها لا للآخرة، فالدنيا - على ما هي عندهم - لعب ولهو، وأما على ما هي عندنا هي حق ليس بباطل؛ لأنها أنشئت للآخرة وبلغة إليها.

وأما التمثيل: أضاف التغرير إليها؛ لأن ما كان منها من التزيين والتحسين في الظاهر وإظهار بهجتها وسرورها ولذاتها لو كان ممن له التمييز والعقل والفهم وحقيقة التزيين والتحسين كان تغريرا؛ فعلى ذلك ما كان منها على الظاهر فهو تغرير على التمثيل.

أو أن يكون ما ذكر: ألا تغتروا بالحياة الدنيا وما فيها من لذاتها، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَلاَ يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ ﴾ .

قيل: الغرور: الشيطان، لا يغرنكم، ويقول: إن الله كريم رحيم جواد ولا يعذبكم.

أو يقول: إن الله غني قادر لا يأمركم بأمر ولا ينهاكم؛ إذ إنما يأمر وينهى في الشاهد من كان محتاجاً، فأما الغني فلا يأمر، أو نحوه، والله أعلم.

وقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ ٱلْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي ٱلأَرْحَامِ ﴾ .

ذكر في بعض الأخبار عن ابن عمر -  - قال: قال رسول الله  : "مفاتيح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله" ، وعدّ هذه الخمسة التي ذكرت في هذه الآية.

وكذلك روي أبو هريرة عن رسول الله  قال: "خمس لا يعلمهن إلا الله؛ [ثم تلا] قوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ ﴾ إلى آخر الآية" .

فإن ثبت هذا فهو ما ذكر، ويرجع ذلك إلى معرفة حقيقة ما ذكر؛ وإلا جائز أن يقال: إنه يعلم بعض هذه الأشياء بأعلام؛ من نحو المطر أنه متى يمطر، أو ما في الأرحام: أنه ولد وأنه ذكر أو أنثى، وإن لم يعلم ماهية ما في الأرحام؛ نحو ما يعلم المنجمة بذلك بالحساب وبأعلام، يخرج ذلك على الصدق مما أخبروا ربما؛ ألا ترى أن إبراهيم - صلوات الله عليه - قال: ﴿ إِنِّي سَقِيمٌ  ﴾ لما نظر في النجوم، أي: سأسقم.

وروي أن أبا بكر الصديق -  - قال: إني ألقي إلى أن ذا بطن بنت خارجة جارية، وكان كما ذكر؛ فلا يحتمل أبو بكر يعلم ذلك لما ألقي إليه، ورسول الله لا يعلم الساعة؛ فإنه لا يطلع عليها أحد، إلا أن يقال بأن رسول الله لم يؤذن له بالتكلم والقول بشيء إلا من جهة الوحي من السماء، فأما الاشتغال بمثله فلا؛ لأن الاشتغال بمثله تضييع لكثير مما امتحن، وترك لبعض ما يؤمر وينهى، أو لما يخرج ذلك مخرج التطير والتفاؤل واكتساب الرزق على غير الجهة التي جعل وأبيح لهم؛ فكان المنع لذلك، والله أعلم.

ثم قوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ ﴾ يحتمل قوله: ﴿ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ ﴾ أي: وقت الساعة، كقوله: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَٰهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَآ إِلاَّ هُوَ  ﴾ ، وقوله: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَٰهَا  فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَٰهَا  إِلَىٰ رَبِّكَ مُنتَهَٰهَآ  ﴾ : أخبر أنه لا يجليها لوقتها، وذكر لرسول الله: إنك ﴿ إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَٰهَا  ﴾ ، فأما ما سوى ذلك فليس إليك.

أو أن يكون قوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ ﴾ ، أي: عنده علم بماهية الساعة وأهوالها، ولم يذكر ماهيتها وحدها وقدرها؛ فأخبر أنه يعلم هو ذلك.

وقوله: ﴿ وَيُنَزِّلُ ٱلْغَيْثَ ﴾ .

سمى المطر: غيثاً، فيشبه أن يكون سماه: غيثاً؛ لما به يكون للناس غياث فيما به قوام أنفسهم ودنياهم، وسماه في موضع: رحمة، وفي موضع: مباركاً، فتسميته: رحمة؛ لما به نجاة أنفسهم وأبدانهم وذلك صورة الرحمة، وسماه: مباركاً؛ لما به ينمو ويزداد كل شيء؛ إذ البركة هي اسم كل خير ينمو ويزاد بلا اكتساب.

وقوله: ﴿ وَيَعْلَمُ مَا فِي ٱلأَرْحَامِ ﴾ .

من انتقال النطفة إلى العلقة، وانتقال العلقة إلى المضغة، وتحوله من حال إلى حال أخرى، وقدر زيادة ما فيه في كل وقت وفي كل ساعة، ونحو ذلك لا يعلمه إلا الله.

وأما العلم بأن فيه ولدا وأنه ذكر أو أنثى - فجائز أن يعلم ذلك غيره أيضاً.

وقوله: ﴿ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ ﴾ .

جائز أن يكون كتم ذلك وأخفاه؛ ليكونوا في كل حال على حذر وخوف وعلى يقظة؛ إذ لو كان أطلعهم على ذلك - لكانوا آمنين إلى ذلك الوقت؛ فيعملون بكل ما يريدون ويشاءون؛ فيكون في ذلك ارتفاع المحنة، فلبس ذلك عليهم؛ ليكونوا أبداً في كل وقت وكل حال - على حذر وخوف ويقظة، والله أعلم.

﴿ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَيمٌ خَبِيرٌ ﴾ .

وذكر بعض أهل التأويل "أن رجلا من أهل البادية يقال له: الوارث بن عمرو بن حارثة ابن محارب جاء إلى النبي  فقال: إن أرضنا أجدبت، فمتى الغيث؟

وتركت امرأتي حبلى؛ فماذا تلد؟

وقد علمت أنى ولدت؛ ففي أي أرض أموت؟

وقد علمت ما عملت اليوم؛ فماذا أعمل غداً؟

ومتى الساعة؟

فأنزل الله -  - في مسألة المحاربي: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ ﴾ : لا يعلمها غيره، ﴿ وَيُنَزِّلُ ٱلْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي ٱلأَرْحَامِ ﴾ : من ذكر أو أنثى، ﴿ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ ﴾ برة أو فاجرة ﴿ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً ﴾ : من خير أو شر، ﴿ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ ﴾ : في سهل أو جبل، أو بر أو بحر ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَيمٌ خَبِيرٌ ﴾ : بهذا الذي ذكر كله فقال النبي  : أين السائل عن الساعة؟

فقال المحاربي: هاهنا؛ فقرأ النبي صلوات الله عليه هذه الآية" .

قال أبو عوسجة: قوله: ﴿ كَٱلظُّلَلِ ﴾ ، أي: ما اسظللت به، والظلة: السحاب.

قال القتبي: ﴿ كَٱلظُّلَلِ ﴾ : جمع ظلة، يريد: أن بعضه فوق بعض؛ فله سواد من كثرته، والبحر ذو ضلال لأمواجه.

والختار: الغدار، والختر: أقبح الغدر وأشده.

وقال أبو عوسجة: الختار: الكذاب الغدار؛ يقال: ختر، يختر، خترا؛ فهو خاتر.

وقوله: ﴿ وَٱخْشَوْاْ يَوْماً لاَّ يَجْزِي ﴾ ، أي: لا يغني؛ تقول جزى يجزي؛ فهو جاز، أي: أغنى، وأجزى يجزي مثله، وأجزأني عن كذا وكذا، أي: كفاني، وكذلك قال القتبي.

وقال: الغرور - بنصب الغين -: الشيطان، والغرور - بضم الغين -: الباطل.

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وإذا أحاط بهم من كل جانب موج مثل الجبال والغمام، دعوا الله وحده مخلصين له الدعاء والعبادة، فلما استجاب الله لهم، وأنقذهم إلى البر، وسلمهم من الغرق، فمنهم مقتصد لم يقم بما وجب عليه من الشكر على وجه الكمال، ومنهم جاحد لنعمة الله، وما يجحد بآياتنا إلا كل غَدَّار -مثل هذا الذي عاهد الله لئن أنجاه ليكونن من الشاكرين له- كفور بنعم الله لا يشكر ربه الذي أنعم بها عليه.

<div class="verse-tafsir" id="91.yRNpW"

مزيد من التفاسير لسورة لقمان

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 13 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 14.4 / 29.5
الإضاءة 100%
البدر بعد 0 يوم
اللهم صل على محمد