الآية ٣٢ من سورة الأحزاب

الإسلام > القرآن > سور > سورة 33 الأحزاب > الآية ٣٢ من سورة الأحزاب

يَـٰنِسَآءَ ٱلنَّبِىِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍۢ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ ۚ إِنِ ٱتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِٱلْقَوْلِ فَيَطْمَعَ ٱلَّذِى فِى قَلْبِهِۦ مَرَضٌۭ وَقُلْنَ قَوْلًۭا مَّعْرُوفًۭا ٣٢

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 116 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٣٢ من سورة الأحزاب: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٣٢ من سورة الأحزاب عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

هذه آداب أمر الله تعالى بها نساء النبي صلى الله عليه وسلم ، ونساء الأمة تبع لهن في ذلك ، فقال مخاطبا لنساء النبي [ صلى الله عليه وسلم ] بأنهن إذا اتقين الله كما أمرهن ، فإنه لا يشبههن أحد من النساء ، ولا يلحقهن في الفضيلة والمنزلة ، ثم قال : ( فلا تخضعن بالقول ) قال السدي وغيره : يعني بذلك ترقيق الكلام إذا خاطبن الرجال; ولهذا قال : ( فيطمع الذي في قلبه مرض ) أي : دغل ، ( وقلن قولا معروفا ) : قال ابن زيد : قولا حسنا جميلا معروفا في الخير ومعنى هذا : أنها تخاطب الأجانب بكلام ليس فيه ترخيم ، أي : لا تخاطب المرأة الأجانب كما تخاطب زوجها

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلا مَعْرُوفًا (32) يقول تعالى ذكره لأزواج رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: (يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ) من نساء هذه الأمة (إنِ اتَّقَيْتُنَّ) الله فأطعتنه في ما أمركن ونهاكن.

كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله (يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ) يعني من نساء هذه الأمة.

وقوله: (فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ) يقول: فلا تلن بالقول للرجال فيما يبتغيه أهل الفاحشة منكن.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله (يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ) يقول: لا ترخصن بالقول، ولا تخضعن بالكلام.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد في قوله (فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ) قال: خضع القول ما يكره من قول النساء للرجال مما يدخل في قلوب الرجال.

وقوله (فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ) يقول: فيطمع الذي في قلبه ضعف، فهو لضعف إيمانه في قلبه؛ إما شاك في الإسلام منافق، فهو لذلك من أمره يستخف بحدود الله، وإما متهاون بإتيان الفواحش.

وقد اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك؛ فقال بعضهم: إنما وصفه بأن في قلبه مرضا، لأنه منافق.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة (فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ) قال: نفاق.

وقال آخرون: بل وصفه بذلك لأنهم يشتهون إتيان الفواحش.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة (فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ) قال: قال عكرمة: شهوة الزنا.

وقوله: (وَقُلْنَ قَوْلا مَعْرُوفًا) يقول: وقلن قولا قد أذن الله لكم به وأباحه.

كما حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله (وَقُلْنَ قَوْلا مَعْرُوفًا) قال: قولا جميلا حسنا معروفا في الخير.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولا معروفا .قوله تعالى : يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن يعني في الفضل والشرف .

وقال : كأحد ولم يقل كواحدة ؛ لأن أحدا نفي من المذكر والمؤنث والواحد والجماعة .

وقد يقال على ما ليس بآدمي ، يقال : ليس فيها أحد ، لا شاة ولا بعير .

وإنما خصص النساء بالذكر لأن فيمن تقدم آسية ومريم .

وقد أشار إلى هذا قتادة ، وقد تقدم في ( آل عمران ) الاختلاف في التفضيل بينهن ، فتأمله هناك .

( إن اتقيتن ) أي خفتن الله .

فبين أن الفضيلة إنما تتم لهن بشرط التقوى ، لما منحهن الله من صحبة الرسول وعظيم المحل منه ، ونزول القرآن في حقهن .قوله تعالى : فلا تخضعن بالقول في موضع جزم بالنهي ، إلا أنه مبني كما بني الماضي ، هذا مذهب سيبويه ، أي لا تلن القول .

أمرهن الله أن يكون قولهن جزلا وكلامهن فصلا ، ولا يكون على وجه يظهر في القلب علاقة بما يظهر عليه من اللين ، كما كانت الحال عليه في نساء العرب من مكالمة الرجال بترخيم الصوت ولينه ، مثل كلام المريبات والمومسات .

فنهاهن عن مثل هذا .قوله تعالى : فيطمع بالنصب على جواب النهي .

( الذي في قلبه مرض ) أي شك ونفاق ، عن قتادة والسدي .

وقيل : تشوف الفجور ، وهو الفسق والغزل ، قاله عكرمة .

وهذا أصوب ، وليس للنفاق مدخل في هذه الآية .

وحكى أبو حاتم أن الأعرج قرأ ( فيطمع ) بفتح الياء وكسر الميم .

النحاس : أحسب هذا غلطا ، وأن يكون قرأ ( فيطمع ) بفتح الميم وكسر العين بعطفه على تخضعن فهذا وجه جيد حسن .

ويجوز ( فيطمع ) بمعنى فيطمع الخضوع أو القول .[ ص: 162 ] قوله تعالى : وقلن قولا معروفا قال ابن عباس : أمرهن بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .

والمرأة تندب إذا خاطبت الأجانب وكذا المحرمات عليها بالمصاهرة إلى الغلظة في القول ، من غير رفع صوت ، فإن المرأة مأمورة بخفض الكلام .

وعلى الجملة فالقول المعروف : هو الصواب الذي لا تنكره الشريعة ولا النفوس .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يقول تعالى: { يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ } خطاب لهن كلهن { لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ } اللّه، فإنكن بذلك، تفقن النساء، ولا يلحقكن أحد من النساء، فكملن التقوى بجميع وسائلها ومقاصدها.

فلهذا أرشدهن إلى قطع وسائل المحرم، فقال: { فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ } أي: في مخاطبة الرجال، أو بحيث يسمعون فَتَلِنَّ في ذلك، وتتكلمن بكلام رقيق يدعو ويطمع { الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ } أي: مرض شهوة الزنا، فإنه مستعد، ينظر أدنى محرك يحركه، لأن قلبه غير صحيح [فإن القلب الصحيح] ليس فيه شهوة لما حرم اللّه، فإن ذلك لا تكاد تُمِيلُه ولا تحركه الأسباب، لصحة قلبه، وسلامته من المرض.

بخلاف مريض القلب، الذي لا يتحمل ما يتحمل الصحيح، ولا يصبر على ما يصبر عليه، فأدنى سبب يوجد، يدعوه إلى الحرام، يجيب دعوته، ولا يتعاصى عليه، فهذا دليل على أن الوسائل، لها أحكام المقاصد.

فإن الخضوع بالقول، واللين فيه، في الأصل مباح، ولكن لما كان وسيلة إلى المحرم، منع منه، ولهذا ينبغي للمرأة في مخاطبة الرجال، أن لا تلِينَ لهم القول.

ولما نهاهن عن الخضوع في القول، فربما توهم أنهن مأمورات بإغلاظ القول، دفع هذا بقوله: { وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا } أي: غير غليظ، ولا جاف كما أنه ليس بِلَيِّنٍ خاضع.

وتأمل كيف قال: { فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ } ولم يقل: { فلا تَلِنَّ بالقول } وذلك لأن المنهي عنه، القول اللين، الذي فيه خضوع المرأة للرجل، وانكسارها عنده، والخاضع، هو الذي يطمع فيه، بخلاف من تكلم كلامًا لينًا، ليس فيه خضوع، بل ربما صار فيه ترفع وقهر للخصم، فإن هذا، لا يطمع فيه خصمه، ولهذا مدح اللّه رسوله باللين، فقال: { فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ } وقال لموسى وهارون: { اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى } ودل قوله: { فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ } مع أمره بحفظ الفرج وثنائه على الحافظين لفروجهم، والحافظات، ونهيه عن قربان الزنا، أنه ينبغي للعبد، إذا رأى من نفسه هذه الحالة، وأنه يهش لفعل المحرم عندما يرى أو يسمع كلام من يهواه، ويجد دواعي طمعه قد انصرفت إلى الحرام، فَلْيَعْرِفْ أن ذلك مرض.

فَلْيَجْتَهِدْ في إضعاف هذا المرض وحسم الخواطر الردية، ومجاهدة نفسه على سلامتها من هذا المرض الخطر، وسؤال اللّه العصمة والتوفيق، وأن ذلك من حفظ الفرج المأمور به.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( يا نساء النبي لستن كأحد من النساء ) قال ابن عباس : يريد ليس قدركن عندي مثل قدر غيركن من النساء الصالحات ، أنتن أكرم علي ، وثوابكن أعظم لدي ، ولم يقل : كواحدة ، لأن الأحد عام يصلح للواحد والاثنين والجمع والمذكر والمؤنث ، قال الله تعالى : " لا نفرق بين أحد من رسله " ( البقرة - 285 ) ، وقال : " فما منكم من أحد عنه حاجزين " ( الحاقة - 47 ) .

( إن اتقيتن ) الله فأطعتنه ( فلا تخضعن بالقول ) لا تلن بالقول للرجال ولا ترققن الكلام ( فيطمع الذي في قلبه مرض ) أي : فجور وشهوة ، وقيل نفاق ، والمعنى : لا تقلن قولا يجد منافق أو فاجر به سبيلا إلى الطمع فيكن .

والمرأة مندوبة إلى الغلظة في المقالة إذا خاطبت الأجانب لقطع الأطماع .

( وقلن قولا معروفا ) لوجه الدين والإسلام بتصريح وبيان من غير خضوع .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«يا نساء النبي لستنَّ كأحد» كجماعة «من النساء إن اتقيتن» الله فإنكن أعظم «فلا تخضعن بالقول» للرجال «فيطمع الذي في قلبه مرض» نفاق «وقلن قولا معروفا» من غير خضوع.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

يا نساء النبيِّ -محمد- لستنَّ في الفضل والمنزلة كغيركنَّ من النساء، إن عملتن بطاعة الله وابتعدتن عن معاصيه، فلا تتحدثن مع الأجانب بصوت لَيِّن يُطمع الذي في قلبه فجور ومرض في الشهوة الحرام، وهذا أدب واجب على كل امرأة تؤمن بالله واليوم الآخر، وقُلن قولا بعيدًا عن الريبة، لا تنكره الشريعة.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم وجه - سبحانه - إليهن نداء ثانيا فقال : ( يانسآء النبي لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النسآء إِنِ اتقيتن ) .أى : يا نساء النبى ، لقد أعطاكن الله - تعالى - من الفضل من سمو المنزلة ما لم يعط غيركن ، فأنتن فى مكان القدوة لسائر النساء ، وهذا الفضل كائن لكن إن اتقيتن الله - تعالى - وصنتن أنفسكن عن كل ما نهاكن - سبحانه - عنه .قال صاحب الكشاف : أحد فى الأصل بمعنى وحد ، وهو الواحد ، ثم وضع فى النفى العام مستويا فيه المذكر والمؤنث والواحد وما وراءه .

ومعنى قوله ( لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النسآء ) : لستن كجماعة واحدة من جماعات النساء .

أى : إذا استقصيت أمة النساء جماعة جماعة ، لم توجد منهن جماعة واحدة تساويكن فى الفضل والسابقة .وجواب الشرط فى قوله ( إِنِ اتقيتن ) محذوف لدلالة ما قبله عليه .

أى : إن اتقيتن فلستن كأحد من النساء .قال الآلوسى : قوله ( إِنِ اتقيتن ) شرط لنفى المثلية وفضلهن على النساء ، وجوابه محذوف دل عليه المذكور .

.

والمفعول محذوف .

أى : إن اتقيتن مخالفة حكم الله - تعالى - ورضا رسوله صلى الله عليه وسلم والمراد إن دمتن على اتقاء ذلك .

والمراد به التهييج بجعل طلب الدنيا والميل إلى ما تميل إليه النساء لبعده من مقامهن ، بمنزلة الخروج من التقوى .فالمقصود بالجملة الكريمة بيان أن ما وصلن إليه من منزلة كريمة ، هو بفضل تقواهن وخشيتهن لله - تعالى - وليس بفضل شئ آخر .ثم نهاهن - سبحانه - عن النطق بالكلام الذى يطمع فيهن من فى قلبه نفاق وفجور فقال : ( فَلاَ تَخْضَعْنَ بالقول فَيَطْمَعَ الذي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ ) .أى : فلا ترققن الكلام ، ولا تنطقن به بطريقة لينة متكسرة تثير شهرة الرجال ، وتجعل مريض القلب يطمع فى النطق بالسوء معكن فإن من محاسن خصال المرأة أن تنزه خطابها عن ذلك ، لغير زوجها من الرجال .وهكذا يحذر الله - تعالى - أمهات المؤمنين - وهن الطاهرات المطهرات - عن الخضوع بالقول ، حتى يكون فى ذلك عبرة وعظة لغيرهن فى كل زمان ومكان فإن مخاطبة المرأة - لغير زوجها من الرجال - بطريقة لينة مثيرة للشهوات والغرائز ، تؤدى إلى فساد كبير ، وتطمع من لا خلاق لهم فيها .ثم أرشدهن - سبحانه - إلى القول الذى يرضيه فقال : ( وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفاً ) .أى : اتركن الكلام بطريقة تطمع الذى فى قلبه مرض فيكن ، وقلن قولا حسنا محمودا .

وانطقن به بطريقة طبيعية ، بعيدة عن كل ريبة أن انحراف عن الحق والخلق الكريم .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

ثم قال تعالى: ﴿ يانساء النبى لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مّنَ النساء ﴾ لما ذكر أن عذابهن ضعف عذاب غيرهن وأجرهن مثلاً أجر غيرهن صرن كالحرائر بالنسبة إلى الإماء، فقال: ﴿ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ ﴾ ومعنى قول القائل ليس فلان كآحاد الناس، يعني ليس فيه مجرد كونه إنساناً، بل وصف أخص موجود فيه، وهو كونه عالماً أو عاملاً أو نسيباً أو حسيباً، فإن الوصف الأخص إذا وجد لا يبقى التعريف بالأعم، فإن من عرف رجلاً ولم يعرف منه غير كونه رجلاً يقول رأيت رجلاً فإن عرف علمه يقول رأيت زيداً أو عمراً، فكذلك قوله تعالى: ﴿ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مّنَ النساء ﴾ يعني فيكن غير ذلك أمر لا يوجد في غيركن وهو كونكن أمهات جميع المؤمنين وزوجات خير المرسلين، وكما أن محمداً عليه السلام ليس كأحد من الرجال، كما قال عليه السلام: «لست كأحدكم» كذلك قرائبه اللاتي يشرفن به وبين الزوجين نوع من الكفاءة.

ثم قوله تعالى: ﴿ إِنِ اتقيتن فَلاَ تَخْضَعْنَ بالقول ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون متعلقاً بما قبله على معنى لستن كأحد إن اتقيتن فإن الأكرم عند الله هو الأتقى وثانيهما: أن يكون متعلقاً بما بعده على معنى إن اتقيتن فلا تخضعن والله تعالى لما منعهن من الفاحشة وهي الفعل القبيح منعهن من مقدماتها وهي المحادثة مع الرجال والانقياد في الكلام للفاسق.

ثم قوله تعالى: ﴿ فَيَطْمَعَ الذي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ ﴾ أي فسق وقوله تعالى: ﴿ وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفاً ﴾ أي ذكر الله، وما تحتجن إليه من الكلام والله تعالى لما قال: ﴿ فَلاَ تَخْضَعْنَ بالقول ﴾ ذكر بعده ﴿ وَقُلْنَ ﴾ إشارة إلى أن ذلك ليس أمراً بالإيذاء والمنكر بل القول المعروف وعند الحاجة هو المأمور به لا غيره.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

أحد في الأصل بمعنى وحد، وهو الواحد، ثم وضع في النفي العام مستوياً فيه المذكر والمؤنث والواحد وما وراءه.

ومعنى قوله: ﴿ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مّنَ النساء ﴾ لستنِّ كجماعة واحدة من جماعات النساء، أي: إذا تقصيت أمة النساء جماعة جماعة لم توجد منهن جماعة واحدة تساويكن في الفضل والسابقة، ومثله قوله تعالى: ﴿ والذين ءامَنُواْ بالله وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرّقُواْ بَيْنَ أَحَدٍ مّنْهُمْ ﴾ [النساء: 152] يريد بين جماعة واحدة منهم، تسوية بين جميعهم في أنهم على الحق المبين ﴿ إِنِ اتقيتن ﴾ إن أردتن التقوى، وإن كنتن متقيات ﴿ فَلاَ تَخْضَعْنَ بالقول ﴾ فلا تجبن بقولكن خاضعاً، أي: لينا خنثا مثل كلام المريبات والمومسات ﴿ فَيَطْمَعَ الذى فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ ﴾ أي ريبة وفجور.

وقرئ بالجزم، عطفاً على محل فعل النهي، على أنهن نهين عن الخضوع بالقول.

ونهى المريض القلب عن الطمع، كأنه قيل: لا تخضعن فلا يطمع.

وعن ابن محيصن أنه قرأ بكسر الميم، وسبيله ضم الياء مع كسرها وإسناد الفعل إلى ضمير القول، أي: فيطمع القول المريب ﴿ قَوْلاً مَّعْرُوفاً ﴾ بعيداً من طمع المريب بجد وخشونة من غير تخنث، أو قولاً حسناً مع كونه خشناً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأحَدٍ مِنَ النِّساءِ ﴾ أصْلُ أحَدٍ وحَدٌ بِمَعْنى الواحِدِ، ثُمَّ وُضِعَ في النَّفْيِ العامِّ مُسْتَوِيًا فِيهِ المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ والواحِدُ والكَثِيرُ، والمَعْنى لَسْتُنَّ كَجَماعَةٍ واحِدَةٍ مِن جَماعاتِ النِّساءِ في الفَضْلِ.

﴿ إنِ اتَّقَيْتُنَّ ﴾ مُخالَفَةَ حُكْمِ اللَّهِ ورِضا رَسُولِهِ.

﴿ فَلا تَخْضَعْنَ بِالقَوْلِ ﴾ فَلا تَجِئْنَ بِقَوْلِكُنَّ خاضِعًا لَيِّنًا مِثْلَ قَوْلِ المُرِيباتِ.

﴿ فَيَطْمَعَ الَّذِي في قَلْبِهِ مَرَضٌ ﴾ فَجَوْرٌ، وقُرِئَ بِالجَزْمِ عَطْفًا عَلى مَحَلِّ فِعْلِ النَّهْيِ عَلى أنَّهُ نُهِيَ مَرِيضُ القَلْبِ عَنِ الطَّمَعِ عَقِيبَ نَهْيِهِنَّ عَنِ الخُضُوعِ بِالقَوْلِ.

﴿ وَقُلْنَ قَوْلا مَعْرُوفًا ﴾ حَسَنًا بَعِيدًا عَنِ الرِّيبَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{يا نساء النبى لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مّنَ النساء} أي لستن كجماعة واحدة من جماعات النساء إذا تقصيت أمة النساء جماعة جماعة لم توجد منهن جماعة واحدة تساويكن في الفضل وأحد في الأصل وجد وهو الواحد ثم وضع في النفي العام مسويا فيه المذكر والمؤنث والواحد وما وراء {إِنِ اتقيتن} إن أردتن التقوى أو إن كنتن متقيات {فَلاَ تَخْضَعْنَ بالقول} أي إذا كلمتن الرجال من وراء الحجاب فلا تجئن بقولكن خاضعا أى ليناخنثا مثل كلام المربيات {فَيَطْمَعَ} بالنصب على جواب النهي {الذى فِى قَلْبِهِ مَرَضٌ} ريبة وفجور {وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفاً} حسنا مع كونه خشنا

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأحَدٍ مِنَ النِّساءِ ﴾ ذَهَبَ جَمْعٌ مِنَ الرِّجالِ إلى أنَّ المَعْنى لَيْسَ كُلَّ واحِدَةٍ مِنكُنَّ كَشَخْصٍ واحِدٍ مِنَ النِّساءِ أيْ مِن نِساءِ عَصْرِكُنَّ، أيْ إنَّ كُلَّ واحِدَةٍ مِنكُنَّ أفْضَلُ مِن كُلِّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ لِما اِمْتازَتْ بِشَرَفِ الزَّوْجِيَّةِ لِرَسُولِ اللَّهِ وأُمُومَةِ المُؤْمِنِينَ (فَأحَدٌ) باقٍ عَلى كَوْنِهِ وصْفَ مُذَكَّرٍ، إلّا أنَّ مَوْصُوفَهُ مَحْذُوفٌ ولا بُدَّ مِنَ اِعْتِبارِ الحَذْفِ في جانِبِ المُشَبَّهِ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أحَدٌ في الأصْلِ بِمَعْنى وحَدٌ وهو الواحِدُ ثُمَّ وُضِعَ في النَّفْيِ العامِّ مُسْتَوِيًا فِيهِ المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ والواحِدُ وما وراءَهُ، والمَعْنى لَسْتُنَّ كَجَماعَةٍ واحِدَةٍ مِن جَماعاتِ النِّساءِ، أيْ إذا تُقِصِّيَتْ أُمَّةُ النِّساءِ جَماعَةً جَماعَةً لَمْ يُوجَدْ مِنهُنَّ جَماعَةٌ واحِدَةٌ تُساوِيكُنَّ في الفَضْلِ والسّابِقَةِ، وقَدِ اُسْتُعْمِلَ بِمَعْنى المُتَعَدِّدِ أيْضًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أحَدٍ مِنهُمْ  ﴾ لِمَكانِ ( بَيْنَ ) المُقْتَضِيَةِ لِلدُّخُولِ عَلى مُتَعَدِّدٍ، وحَمْلُ أحَدٍ عَلى الجَماعَةِ عَلى ما في الكَشْفِ لِيُطابِقَ المُشَبَّهِ، والمَعْنى عَلى تَفْضِيلِ نِساءِ النَّبِيِّ  عَلى نِساءِ غَيْرِهِ لا النَّظَرِ إلى تَفْضِيلِ واحِدَةٍ عَلى واحِدَةٍ مِن آحادِ النِّساءِ فَإنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مَقْصُودًا مِن هَذا السِّياقِ ولا يُعْطِيهِ ظاهِرُ اللَّفْظِ.

وكَوْنُ ذَلِكَ أبْلَغَ لِما يَلْزَمُ عَلَيْهِ تَفْضِيلُ جَماعَتِهِنَّ عَلى كُلِّ جَماعَةٍ ولا يَلْزَمُ ذَلِكَ تَفْضِيلُ كُلِّ واحِدَةٍ عَلى كُلِّ واحِدَةٍ مِن آحادِ النِّساءِ لَوْ سُلِّمَ لَكانَ إذا ساعَدَهُ اللَّفْظُ والمَقامُ، واعْتَرَضَهُ أيْضًا بَعْضُهم بِأنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ أنْ يَكُونَ كُلُّ واحِدَةٍ مِن نِساءِ النَّبِيِّ  أفْضَلَ مِن فاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها مَعَ أنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ.

وأُجِيبَ عَنْ هَذا بِأنَّهُ لا مانِعَ مِنَ اِلْتِزامِهِ إلّا أنَّهُ يَلْتَزِمُ كَوْنَ الأفْضَلِيَّةِ مِن حَيْثُ أُمُومَةُ المُؤْمِنِينَ والزَّوْجِيَّةُ لِرَسُولِ اللَّهِ  لا مِن سائِرِ الحَيْثِيّاتِ فَلا يَضُرُّ فِيهِ كَوْنُ فاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها أفْضَلَ مِن كُلِّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ لِبَعْضِ الحَيْثِيّاتِ الأُخَرِ بَلْ هي مِن بَعْضِ الحَيْثِيّاتِ كَحَيْثِيَّةِ البِضْعِيَّةِ أفْضَلُ مِن كُلٍّ مِنَ الخُلَفاءِ الأرْبَعَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أجْمَعِينَ.

نَعَمْ أُورِدُ عَلى ما في الكَشّافِ أنَّ أحَدًا المَوْضُوعَ في النَّفْيِ العامِّ هَمْزَتُهُ أصْلِيَّةٌ غَيْرُ مُنْقَلِبَةٍ عَنِ الواحِدِ، وقَدْ نَصَّ عَلى ذَلِكَ أبُو عَلِيٍّ، وخالَفَ فِيهِ الرَّضِيُّ فَنُقِلَ عَنْهُ أنَّ هَمْزَةَ أحَدٍ في كُلِّ مَكانٍ بَدَلٌ مِنَ الواوِ، والمَشْهُورُ التَّفْرِقَةُ بَيْنَ الواقِعِ في النَّفْيِ العامِّ والواقِعِ في الإثْباتِ بِأنَّ هَمْزَةَ الأوَّلِ أصْلِيَّةٌ وهَمْزَةَ الثّانِي مُنْقَلِبَةٌ عَنِ الواوِ.

وفِي (اَلْعِقْدُ المَنظُومُ في ألْفاظِ العُمُومِ) لِلْفاضِلِ القَرافِيِّ قَدْ أشْكَلَ هَذا عَلى كَثِيرٍ مِنَ الفُضَلاءِ لِأنَّ اللَّفْظَيْنِ صُورَتُهُما واحِدَةٌ ومَعْنى الوَحْدَةِ يَتَناوَلُهُما والواوُ فِيها أصْلِيَّةٌ فَيَلْزَمُ قَطْعًا اِنْقِلابُ ألِفِ أحَدٍ مُطْلَقًا عَنْها وجَعْلُ ألِفِ أحَدِهِما مُنْقَلِبًا دُونَ ألِفِ الآخَرِ، وقَدْ أطْلَعَنِي اللَّهُ تَعالى عَلى جَوابِهِ وهو أنَّ أحَدًا الَّذِي لا يُسْتَعْمَلُ إلّا في النَّفْيِ مَعْناهُ إنْسانٌ بِإجْماعِ أهْلِ اللُّغَةِ وأحَدًا الَّذِي يُسْتَعْمَلُ في الإثْباتِ مَعْناهُ الفَرْدُ مِنَ العَدَدِ فَإذا تَغايَرَ مُسَمّاهُما تَغايَرَ اِشْتِقاقُهُما لِأنَّهُ لا بُدَّ فِيهِ مِنَ المُناسَبَةِ بَيْنَ اللَّفْظِ والمَعْنى ولا يَكْفِي فِيهِ أحَدُهُما، فَإذا كانَ المَقْصُودُ بِهِ الإنْسانَ فَهو الَّذِي لا يُسْتَعْمَلُ إلّا في النَّفْيِ وهَمْزَتُهُ أصْلِيَّةٌ، وإنْ قُصِدَ بِهِ العَدَدُ ونِصْفُ الِاثْنَيْنِ فَهو الصّالِحُ لِلْإثْباتِ والنَّفْيِ وألِفُهُ مُنْقَلِبَةٌ عَنْ واوٍ اه.

ولا يَخْفى أنَّهُ إذا سُلِّمَ الفَرْقُ المَذْكُورُ يَنْبَغِي أنْ تَكُونَ الهَمْزَةُ هُنا أصْلِيَّةً، وإلى أنَّ هَمْزَةَ الواقِعِ في النَّفْيِ أصْلِيَّةٌ ذَهَبَ أبُو حَيّانَ فَقالَ: إنَّ ما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِن قَوْلِهِ: ثُمَّ وُضِعَ في النَّفْيِ العامِّ إلخ غَيْرُ صَحِيحٍ، لِأنَّ الَّذِي يُسْتَعْمَلُ في النَّفْيِ العامِّ مَدْلُولُهُ غَيْرُ مَدْلُولِ واحِدٍ لِأنَّ واحِدًا يَنْطَلِقُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ اِتَّصَفَ بِالوَحْدَةِ وأحَدًا المُسْتَعْمَلَ في النَّفْيِ العامِّ مَخْصُوصٌ بِمَن يَعْقِلُ وذَكَرَ النَّحْوِيُّونَ أنَّ مادَّتَهُ هَمْزَةٌ وحاءٌ ودالٌ ومادَّةُ أحَدٍ بِمَعْنى واحِدٍ أصْلُهُ واوٌ وحاءٌ ودالٌ فَقَدِ اِخْتَلَفا مادَّةً ومَدْلُولًا.

وذِكْرُ أنَّ ما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِن رُسُلِهِ  ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الَّذِي لِلنَّفْيِ العامِّ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى واحِدٍ، ويَكُونُ قَدْ حُذِفَ مَعْطُوفٌ، أيْ بَيْنَ واحِدٍ وواحِدٍ مِن رُسُلِهِ، كَما قالَ الشّاعِرُ: فَما كانَ بَيْنَ الخَيْرِ لَوْ جاءَ سالِمًا أبُو حَجَرٍ إلّا لَيالٍ قَلائِلُ وقالَ الرّاغِبُ: أحَدٌ يُسْتَعْمَلُ عَلى ضَرْبَيْنِ في النَّفْيِ لِاسْتِغْراقِ جِنْسِ النّاطِقِينَ، ويَتَناوَلُ القَلِيلَ والكَثِيرَ عَلى الِاجْتِماعِ والِانْفِرادِ، نَحْوَ ما في الدّارِ أحَدٌ، أيْ لا واحِدَ ولا اِثْنانِ فَصاعِدًا لا مُجْتَمَعِينَ ولا مُتَفَرِّقِينَ، وهَذا المَعْنى لا يُمْكِنُ في الإثْباتِ لِأنَّ نَفْيَ المُتَضادَّيْنِ يَصِحَّ، ولا يَصِحُّ إثْباتُهُما، فَلَوْ قِيلَ في الدّارِ أحَدٌ، لَكانَ إثْباتَ أحَدٍ مُنْفَرِدٍ مَعَ إثْباتِ ما فَوْقَ الواحِدِ مُجْتَمِعِينَ ومُتَفَرِّقِينَ وهو بَيْنَ الإحالَةِ ولِتَناوُلِهِ ما فَوْقَ الواحِدِ صَحَّ نَحْوَ ﴿ فَما مِنكم مِن أحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ  ﴾ وفي الإثْباتِ عَلى ثَلاثَةِ أوْجُهٍ، اِسْتِعْمالُهُ في الواحِدِ المَضْمُومِ إلى العَشَراتِ كَأحَدَ عَشَرَ وأحَدٍ وعِشْرِينَ، واسْتِعْمالُهُ مُضافًا أوْ مُضافًا إلَيْهِ بِمَعْنى الأوَّلِ نَحْوَ ﴿ أمّا أحَدُكُما فَيَسْقِي  ﴾ وقَوْلُهم يَوْمَ الأحَدِ، واسْتِعْمالُهُ وصْفًا وهَذا لا يَصِحُّ إلّا في وصْفِهِ تَعالى شَأْنُهُ، أمّا أصْلُهُ- أعْنِي وحَدٌ- فَقَدْ يُسْتَعْمَلُ في غَيْرِهِ سُبْحانَهُ كَقَوْلِ النّابِغَةِ: كَأنَّ رَحْلَيْ وقَدْ زالَ النَّهارُ بِنا ∗∗∗ بِذِي الجَلِيلِ عَلى مُسْتَأْنِسٍ وحِدِ اِنْتَهى.

وهُوَ مُحْتَمِلٌ لِدَعْوى اِنْقِلابِ هَمْزَتِهِ عَنْ واوٍ مُطْلَقًا ولِدَعْوى اِنْقِلابِها عَنْها في الِاسْتِعْمالِ الأخِيرِ.

ولا يَخْفى عَلى المُنْصِفِ أنَّ كَوْنَ المَعْنى في الآيَةِ ما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ أظْهَرَ، وتَفْضِيلُ كُلِّ واحِدَةٍ مِن نِسائِهِ  عَلى كُلِّ واحِدَةٍ واحِدَةٍ مِن سائِرِ النِّساءِ لا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ لِهَذِهِ الآيَةِ بَلْ هو لِدَلِيلٍ آخَرَ إمّا عَقْلِيٍّ أوْ نَصٍّ، مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ  ﴾ وقِيلَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ لَها فَإنَّها تُفِيدُ بِحَسَبِ عُرْفِ الِاسْتِعْمالِ تَفْضِيلَ كُلٍّ مِنهُنَّ عَلى سائِرِ النِّساءِ، لِأنَّ فَضْلَ الجَماعَةِ عَلى الجَماعَةِ يَكُونُ غالِبًا لِفَضْلِ كُلٍّ مِنها.

﴿ إنِ اتَّقَيْتُنَّ ﴾ شَرْطٌ لِنَفْيِ المِثْلِيَّةِ وفَضْلِهِنَّ عَلى النِّساءِ وجَوابُهُ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ المَذْكُورُ والِاتِّقاءُ بِمَعْناهُ المَعْرُوفِ في لِسانِ الشَّرْعِ، والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ أيْ إنِ اِتَّقَيْتُنَّ مُخالَفَةَ حُكْمِ اللَّهِ تَعالى ورِضا رَسُولِهِ  ، والمُرادُ إنْ دُمْتُنَّ عَلى اِتِّقاءِ ذَلِكَ ومِثْلُهُ شائِعٌ أوْ هو عَلى ظاهِرِهِ، والمُرادُ بِهِ التَّهْيِيجُ بِجَعْلِ طَلَبِ الدُّنْيا والمِيلِ إلى ما تَمِيلُ إلَيْهِ النِّساءُ لِبُعْدِهِ مِن مَقامِهِنَّ بِمَنزِلَةِ الخُرُوجِ مِنَ التَّقْوى، أوْ شَرْطٌ جَوابُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا تَخْضَعْنَ بِالقَوْلِ ﴾ والِاتِّقاءُ بِمَعْناهُ الشَّرْعِيِّ أيْضًا، وفي البَحْرِ أنَّهُ بِمَعْنى الِاسْتِقْبالِ أيْ إنِ اِسْتَقْبَلْتُنَّ أحَدًا فَلا تَخْضَعْنَ، وهو بِهَذا المَعْنى مَعْرُوفٌ في اللُّغَةِ، قالَ النّابِغَةُ: سَقَطَ النَّصِيفُ ولَمْ تُرِدْ إسْقاطَهُ ∗∗∗ فَتَناوَلَتْهُ واتَّقَتْنا بِاليَدِ أيِ اِسْتَقْبَلَتْنا بِاليَدِ، ويَكُونُ هَذا المَعْنى أبْلَغَ في مَدْحِهِنَّ إذْ لَمْ يُعَلِّقْ فَضْلَهُنَّ عَلى التَّقْوى ولا عَلَّقَ نَهْيَهُنَّ عَنِ الخُضُوعِ بِها إذْ هُنَّ مُتَّقِياتٍ لِلَّهِ تَعالى في أنْفُسِهِنَّ، والتَّعْلِيقُ يَقْتَضِي ظاهِرَهُ أنَّهُنَّ لَسْنَ مُتَحَلِّياتٍ بِالتَّقْوى، وفِيهِ أنَّ اِتَّقى بِمَعْنى اِسْتَقْبَلَ وإنْ كانَ صَحِيحًا لُغَةً، وقَدْ ورَدَ في القُرْآنِ كَثِيرًا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ العَذابِ  ﴾ إلّا أنَّهُ لا يَتَأتّى هاهُنا لِأنَّهُ لا يُسْتَعْمَلُ في ذَلِكَ المَعْنى إلّا مَعَ المُتَعَلِّقِ الَّذِي تَحْصُلُ بِهِ الوِقايَةُ، كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ بِوَجْهِهِ ﴾ وقَوْلِ النّابِغَةِ بِاليَدِ، وما اِسْتُدِلَّ بِهِ أمْرُهُ سَهْلٌ، وظاهِرُ عِبارَةِ الكَشّافِ اِخْتِيارُ كَوْنِ ﴿ إنِ اتَّقَيْتُنَّ ﴾ شَرْطًا جَوابُهُ فَلا تَخْضَعْنَ، وفُسِّرَ ﴿ إنِ اتَّقَيْتُنَّ ﴾ بِإنْ أرَدْتُنَّ التَّقْوى وإنْ كُنْتُنَّ مُتَّقِياتٍ مُشِيرًا بِذَلِكَ إلى أنَّهُ لا بُدَّ مِن تَجَوُّزٌ في الكَلامِ لِأنَّ الواقِعَ أنَّ المُخاطَباتِ مُتَّقِياتٌ، فَإمّا أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ الأوْلى المُبالَغَةَ في النَّهْيِ فَيُفَسَّرُ بِإنْ أرَدْتُنَّ التَّقْوى، وإمّا أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ التَّهْيِيجَ والإلْهابَ، فَيُفَسَّرُ بِإنْ كُنْتُنَّ مُتَّقِياتٍ، فَلَيْسَ في ذَلِكَ جَمْعٌ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ كَما تُوُهِّمَ، وقَدْ قَرَّرَ ذَلِكَ في الكَشْفِ، ومَعْنى لا تَخْضَعْنَ بِالقَوْلِ لا تُجِبْنَ بِقَوْلِكُنَّ خاضِعًا، أيْ لَيِّنًا خَنِثًا عَلى سُنَنِ كَلامِ المُرِيباتِ والمُومِساتِ، وحاصِلُهُ لا تُلِنَّ الكَلامَ ولا تُرَقِّقْنَهُ، وهَذا عَلى ما قِيلَ في غَيْرِ مُخاطِبَةِ الزَّوْجِ ونَحْوِهِ كَخاطِبَةِ الأجانِبِ وإنْ كُنَّ مُحَرَّماتٍ عَلَيْهِمْ عَلى التَّأْبِيدِ.

رُوِيَ عَنْ بَعْضِ أُمَّهاتِ المُؤْمِنِينَ أنَّها كانَتْ تَضَعُ يَدَها عَلى فَمِها إذا كَلَّمَتْ أجْنَبِيًّا تَغَيَّرَ صَوْتُها بِذَلِكَ خَوْفًا مِن أنْ يُسْمَعَ رَخِيمًا لَيِّنًا، وعُدَّ إغْلاظُ القَوْلِ لِغَيْرِ الزَّوْجِ مِن جُمْلَةِ مَحاسِنِ خِصالِ النِّساءِ جاهِلِيَّةً وإسْلامًا، كَما عُدَّ مِنها بُخْلُهُنَّ بِالمالِ وجُبْنُهُنَّ، وما وقَعَ في الشِّعْرِ مِن مَدْحِ العَشِيقَةِ بِرَخامَةِ الصَّوْتِ وحُسْنِ الحَدِيثِ ولِينِ الكَلامِ فَمِن بابِ السَّفَهِ كَما لا يَخْفى.

وعَنِ الحَسَنِ أنَّ المَعْنى لا تَكَلَّمْنَ بِالرَّفَثِ، وهو كَما تَرى ﴿ فَيَطْمَعَ الَّذِي في قَلْبِهِ مَرَضٌ ﴾ أيْ فُجُورٌ وزِنًا، وبِذَلِكَ فَسَّرَهُ اِبْنُ عَبّاسٍ وأنْشَدَ قَوْلَ الأعْشى: حافِظٌ لِلْفَرْجِ راضٍ بِالتُّقى ∗∗∗ لَيْسَ مِمَّنْ قَلْبُهُ فِيهِ مَرَضُ والمُرادُ نِيَّةُ أوْ شَهْوَةُ فُجُورٍ وزِنًا، وعَنْ قَتادَةَ تَفْسِيرُهُ بِالنِّفاقِ، وأخْرَجَ اِبْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، أنَّهُ قالَ: المَرَضُ مَرَضانِ فَمَرَضُ زِنًا ومَرَضُ نِفاقٍ، ونَصْبُ (يَطْمَعَ) فِي جَوابِ النَّهْيِ، وقَرَأ أبانُ اِبْنُ عُثْمانَ وابْنُ هُرْمُزَ «فَيَطْمَعْ» بِالجَزْمِ وكَسْرِ العَيْنِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ وهو عَطْفٌ عَلى مَحَلِّ فِعْلِ النَّهْيِ عَلى أنَّهُ نَهْيٌ لِمَرِيضِ القَلْبِ عَنِ الطَّمَعِ عَقِيبَ نَهْيِهِنَّ عَنِ الخُضُوعِ بِالقَوْلِ كَأنَّهُ قِيلَ: فَلا تَخْضَعْنَ بِالقَوْلِ فَلا يَطْمَعُ الَّذِي في قَلْبِهِ مَرَضٌ، وقالَ أبُو عَمْرٍو الدّانِي: قَرَأ الأعْرَجُ وعِيسى «فَيَطْمِعَ» بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ المِيمِ، ونَقَلَها اِبْنُ خالَوَيْهِ عَنْ أبِي السَّمّالِ قالَ: وقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ اِبْنِ مُحَيْصِنٍ، وذُكِرَ أنَّ الأعْرَجَ وهو اِبْنُ هُرْمُزَ قَرَأ «فَيُطْمِعَ» بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ العَيْنِ وكَسْرِ المِيمِ، أيْ فَيُطْمِعَ هو أيِ الخُضُوعَ بِالقَوْلِ.

والَّذِي مَفْعُولٌ أوِ الَّذِي فاعِلٌ والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، أيْ فَيَطْمَعُ الَّذِي في قَلْبِهِ مَرَضٌ نَفْسُهُ، ﴿ وقُلْنَ قَوْلا مَعْرُوفًا ﴾ حَسَنًا بَعِيدًا عَنِ الرِّيبَةِ غَيْرَ مُطْمِعٍ لِأحَدٍ، وقالَ الكَلْبِيُّ: أيْ صَحِيحًا بِلا هَجْرٍ ولا تَمْرِيضٍ، وقالَ الضَّحّاكُ: عَنِيفًا، وقِيلَ أيْ قَوْلًا أُذِنَ لَكم فِيهِ، وقِيلَ: ذِكْرُ اللَّهِ تَعالى وما يُحْتاجُ إلَيْهِ مِنَ الكَلامِ، <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ وذلك أنه رأى منهن الميل إلى الدنيا، وطلبن منه فضل النفقة إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها يعني: وزهرتها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ متعة الطلاق وَأُسَرِّحْكُنَّ سَراحاً جَمِيلًا يعني: أطلقكن طلاق السنة من غير إضرار.

قوله عز وجل: وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يعني: تطلبن رضي الله ورضى رسوله وَالدَّارَ الْآخِرَةَ يعني: الجنة فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً يعني: ثواباً جزيلاً في الجنة.

فاعتزل النبيّ  نساءه شهراً.

فلما نزلت هذه الآية، جمع نساءه.

فبدأ بعائشة فقال: «يا عَائِشَةُ إنِّي أُرِيدُ أنْ أَعْرِضَ عَلَيْكِ أمْراً أُحِبُّ أَنْ لا تَعْجَلي فِيهِ حَتَّى تَسْتَشِيرِي أَبَوَيْكِ» .

قالت: وما هو يا رسول الله؟

فتلا عليها الآية.

فقالت: أفيك يا رسول الله أستشير أبوي؟

بل اختار الله ورسوله والدار الآخرة.

ثم خيّر نساءه فاخترنه سائر النساء.

ثم قال عز وجل: يا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يعني الزنى يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ يعني: تعاقب مثلي ما يعاقب غيرها.

ويقال: الجلد والرجم، وهذا قول الكلبي.

ويقال: مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يعني: بمعصية، يُضَاعَفْ لَهَا العذاب ضعفين.

لأن كرامتهن كانت أكثر.

فجعل العقوبة عليهن أشد.

وهذا كما روي عن سفيان بن عيينة أنه قال: يغفر للجاهل سبعون ما لا يغفر للعالم واحد.

ثم قال: وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً يعني: هيّناً.

قرأ ابن كثير وعاصم في إحدى الروايتين مُبَيِّنَةٍ بنصب الياء.

وقرأ الباقون: بالكسر.

وقرأ ابن كثير وابن عامر: نُضَعِّفْ بالنون وتشديد العين، - لها العذابَ- بنصب الباء، ومعناه: لها العذاب.

وقرأ أبو عمرو: يضعّف بالياء والتشديد وضم الباء في العذاب على معنى فعل ما لم يسم فاعله.

وقرأ الباقون: يُضاعَفْ وهما لغتان.

والعرب تقول: تضعف الشيء وضاعفه.

ثم قال: وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ أي: تطع منكن الله ورسوله وَتَعْمَلْ صالِحاً يعني: تعمل بالطاعات فيما بينها وبين ربّها نُؤْتِها أَجْرَها مَرَّتَيْنِ يعني: ثوابها ضعفين وَأَعْتَدْنا لَها رِزْقاً كَرِيماً يعني: ثواباً حسناً في الجنة.

قرأ حمزة والكسائي: وَيَعْمَلْ صالحا بالياء.

وقرأ الباقون بالتاء.

فمن قرأ بالياء فللفظ مَنْ لأن لفظها لفظ واحد مذكر.

كما اتفقوا في قوله: وَمَنْ يَقْنُتْ.

ومن قرأ بالياء ذهب إلى المعنى، وصار منكن فاصلاً بين الفعلين.

وقرأ حمزة والكسائي يؤتها بالياء يعني: يؤتها الله.

وقرأ الباقون بالنون على معنى الإضافة إلى نفسه.

ثم قال عز وجل: يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ يعني: لستنّ كسائر النساء.

فقال: لستن كأحد.

ولم يقل: كواحد.

لأن لفظ الأحد يصلح للواحد والجماعة، وأما لفظ الواحد لا يصلح إلا للواحد.

ثم قال عز وجل: إِنِ اتَّقَيْتُنَّ يعني: إن اتقيتن المعصية وأطعتن الله ورسوله فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ يعني: لا تلنَّ بالقول.

ويقال: لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فأنتن أحق الناس بالتقوى وتم الكلام.

ثم قال: فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ يعني: لا ترفقن بالقول وهو اللين من الكلام.

ومعلوم أن الرجل إذا أتى باب إنسان والرجل غائب، فلا يجوز للمرأة أن تلين القول معه.

ثم قال: فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ يعني: فجوز.

وقال عكرمة هو شهوة الزنى.

ويقال: الميل إلى المعصية وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفاً يعني: صحيحاً جميلاً.

ويقال: قولاً حسناً يعني: ليناً.

ويقال: لا يقلن باللين فيفتن، ولا بالخشن فتؤذين وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفاً بين ذلك.

قال عز وجل: وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ قرأ نافع وعاصم وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ بالنصب.

والباقون: بالكسر.

فمن قرأ بالكسر فمعناه: اسكن في بيوتكنَّ بالوقار.

وهو من وقر يقر وقاراً.

ويقال: هو من التقرير.

ويقال: قر يقر وأصلهُ قررن.

ولكن المضاعف يراد به التخفيف.

فحذف إحدى الراءين للتخفيف.

فلما طرحوا إحدى الراءين، استثقلوا الألف ولم تكن أصلية، وإنما دخلت للوصل.

فحذفت الألف.

ومن قرأ وَقَرْنَ بنصب القاف لا يكون إلا للتقرير.

ثم قال: وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى يعني: لا تتزين كتزين الجاهلية الأولى.

والتبرج إظهار الزينة.

ويقال: التبرج: الخروج من المنزل.

والْجاهِلِيَّةِ الْأُولى قال الكلبي: يعني: الأزمنة التي ولد فيها إبراهيم-  -.

فكانت المرأة من أهل ذلك الزمان تتخذ الدروع من اللؤلؤ، ثم تمشي وسط الطريق.

وكان ذلك في زمن النمرود الجبار.

وروي عن الحكم بن عيينة قال الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى كانت بين نوح وآدم- عليهما السلام-.

وكانت نساؤهم أقبح ما يكون من النساء، ورجالهم حسان.

وكانت المرأة تريد الرجل على نفسها.

وروى عكرمة عن ابن عباس أن الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى كانت بين نوح وإدريس، وكانت ألف سنة.

وقال مقاتل: الجاهلية الأولى كانت قبل خروج النبيّ  .

وإنما سمى جاهلية الأولى لأنه كان قبله.

ثم قال: وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ يعني: أتممن الصلوات الخمس وَآتِينَ الزَّكاةَ يعني: إن كان لكن مال وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فيما ينهاكن وفيما يأمركن إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ يعني: الإثم.

وأصله في اللغة كل خبيث من المأكول وغيره.

أَهْلَ الْبَيْتِ يعني: يا أهل البيت وإنما كان نصباً للنداء.

ويقال: إنما صار نصباً للمدح.

ويقال: صار نصباً على جهة التفسير، فكأنه يقول: أعني أهل البيت.

وقال: عَنْكُمُ بلفظ التذكير، ولم يقل: عنكن لأن لفظ أهل البيت يصلح أن يذكر ويؤنث.

قوله وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً يعني: من الإثم والذنوب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

الملك من فوق سبعة أرقعة» فأمر صلى الله عليه وسلّم بِرِجَالِهِمْ فَضُرِبَتْ أَعْنَاقِهُمْ، وَفِيهِمْ «١» حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ النَّضِيرِيُّ، وَهُوَ الَّذِي كَانَ أَدْخَلَهُمْ فِي الْغَدْرِ، وظاهَرُوهُمْ: معناه: عاوَنُوهم، و «الصياصي» : الحُصُون، واحدُها صيصيةٍ وهي كل ما يَتَمَنَّعُ به، ومنه يقال لقرون البقر:

الصياصي، والفريقُ المقتولُ: الرجالُ، والفريقُ المأسور: العيالُ والذُّرِّيَّة.

وقوله سبحانه: وَأَرْضاً لَمْ تَطَؤُها يريد بها: البلاد التي فتحت على المسلمين بعدُ كالعراقِ والشامِ واليمنِ وغيرها، فوعَدَ الله تعالى بها عند فتح حصون بني قريظة، وأخبر أنه قد قضى بذلك.

قاله عكرمة «٢» .

يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَراحاً جَمِيلاً (٢٨) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً (٢٩) يا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً (٣٠) وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صالِحاً نُؤْتِها أَجْرَها مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنا لَها رِزْقاً كَرِيماً (٣١) يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً (٣٢)

وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً (٣٣) وَاذْكُرْنَ ما يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آياتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كانَ لَطِيفاً خَبِيراً (٣٤)

وقوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها ...

الآية، ذَكَرَ جُلُّ المفسرين أن أزواج النّبي صلى الله عليه وسلّم سَأَلْنَه شَيْئاً من عَرَضِ الدنيا، وآذَيْنَه بزيادة النَفَقَة والغَيْرَة، فَهَجَرَهُنَّ وآلى أَلاَّ يقربَهن شَهْراً، فنزلت هذه الآية، فبدأَ بعائشة، وقال:

«يا عَائشَةُ، إنِّي ذَاكِرٌ لَكِ أَمْراً وَلاَ عَلَيْكِ أَلاَّ تَعْجَلِي حتى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ، ثُمَّ تَلاَ عَلَيْهَا الآيةَ، فَقَالَتْ لَهُ: وَفِي أَيِّ هَذَا أُسْتَأْمِرُ «٣» أَبَوَيَّ؟

فَإنِّي أُرِيدُ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخرة، قَالَتْ «٤» : وَقَدْ علِمَ أَن أَبَوَيَّ لاَ يَأْمُرَانِي بفراقه، ثمّ تتابع أزواج النّبيّ صلى الله عليه وسلّم على مثل قول

عَائِشَةَ، فاخترن اللهَ وَرَسُولَهُ- رَضِيَ «١» الله عنهن.

قالتْ فِرْقَةٌ قَوْله: بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يَعُمُّ جَمِيعَ المَعَاصِي ولزمهنَّ رضي الله عنهنَّ بحَسْبِ مَكَانَتُهُنَّ، أَكْثَرَ مِمَّا يَلْزَمَ غيرَهن، فَضُوعِفَ لهنَّ الأجْرُ والعذابُ.

وقوله: ضِعْفَيْنِ معناه: يكونُ العذابُ عذابَين، أي: يضاف إلى عذابِ سائِر النَّاس عذابٌ آخر مثله، ويَقْنُتْ: معناه: يُطِيعُ ويَخْضَعُ بالعبُوديَّة قاله الشعبي «٢» وقتادة «٣» .

والرزقُ الكريمُ: الجنة.

ثم خاطَبَهُنَّ اللهُ سبحانه بأنّهنّ لَسْنَ كأحدٍ مِن نساءِ عَصْرِهنَّ فَمَا بَعْدُ، بَلْ هُنَّ أَفْضَلُ بشرطِ التَّقْوَى، وإنما خصصنا النساء لأَن فيمن تقدم آسية ومريم فتأملْهُ وقد أشار إلى هذا قتادة.

ثم نَهَاهُنَّ سبحانه عما كانت الحالُ عليه في نساء العرَب من مكالَمَةِ الرجال برَخيمِ القولِ وفَلا تَخْضَعْنَ معناه: لا تُلِنَّ.

قال ابن زيد: خضع القول ما يدخل في القلوب الغزل «٤» والمرضُ في هذه الآية قال قتادة: هو النفاق «٥» .

وقال عكرمة: الفِسْق «٦» والغزل، والقولُ المعروفُ هو الصوابُ الذي لا تنكره الشريعةُ ولا النفوسُ.

وقرأ الجمهور: «وقِرْن» - بكسر القَافِ-، وقرأ نافعُ وعاصِمُ:

«وقَرْن» - بالفتح «٧» -، فأما الأولى فيصح أن تكونَ من الوَقار، ويصحُّ أن تَكُونَ من القَرَارِ، وأما قراءة الفتح فعلى لغة العرب قَرِرْتُ- بِكَسْرِ الرَّاءِ- أَقِرَ- بفتح القاف في المكان/، وهي لغة ذكرها أبو عبيد في «الغريب» المصنف وذكرها الزجاج «٨» وغيره، ٧٤ أفأمر الله تعالى في هذه الآية نسَاءَ النَّبِي صلى الله عليه وسلّم بملازمة بيوتهن، ونهاهنّ عن التبرج

والتبرّج إظهار الزينة والتصنّع بها، ومنه البروج لظهُورها وانكشافِها للعيون، واخْتَلَفَ الناسُ في الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى فقالَ الشعبي: ما بين عيسى ومحمد- عليهما السلام- «١» ، وقيل: غيرُ هذا.

قال ع «٢» : والذي يظهر عندي أنه أشار إلى الجاهلية التي لحقنها فَأَمِرْنَ بالنَّقْلَةِ عن سِيرَتِهنَّ فِيها، وهي ما كانَ قَبْل الشَّرْعِ مِن سِيرةِ الكَفَرَةِ، وجَعْلِها أولى بالإضافة إلى حالةِ الإسْلام، وليس المعنى.

أن ثمّ جاهلية آخرة، والرِّجْسَ اسم يقعُ على الإثم وعلى العذابِ وعلى النَجَاسَات والنقائِص، فأذْهَبَ الله جميعَ ذلك عن أهْل البَيْتِ، قالت أم سلمةَ: نزلت هذه الآية في بيتي فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلّم عليّا وفاطِمَةَ وحَسَنَا وحُسَيْنا فَدَخَلَ مَعَهم تَحْت كساءِ خيبري، وقال: «هؤلاءِ أهل بيتي، وقرأ الآية، وقَال اللَّهمَّ أَذْهِبْ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وَطَهِّرْهُمْ تَطْهِيراً، قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: فَقُلْتُ: وَأَنَا يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ: أَنْتِ مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلّم وَأَنْتِ إلى خَيْرَ» «٣» .

والجمهورُ على هذا، وقال ابن عباس «٤» وغيره: أهل البيتِ:

أزواجه خاصة، والجمهور على ما تقدم.

قال ع «٥» : والذي يظهر لي: أن أهل البيت أزواجه وبنتُه وبنوها وزوجُها أعنى عليّاً، ولفظ الآية: يقتضي أن الزوجات من أهل البيت لأن الآية فيهن والمخاطبة لهن.

قال صلى الله عليه وسلّم: وأَهْلَ الْبَيْتِ: منصوبٌ على النداءِ أو على المدْحِ أو على الاخْتِصَاصِ وَهُوَ قَلِيلٌ في المخاطب، وأكْثَرُ ما يكونُ في المتكلِّم، كقوله [الرجز] :

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها النَّبِيُّ قُلْ لأزْواجِكَ ﴾ الآيَةُ، ذَكَرَ أهْلُ التَّفْسِيرِ «أنَّ أزْواجَ النَّبِيِّ  سَألْنَهُ شَيْئًا مِن عَرَضِ الدُّنْيا، وطَلَبْنَ مِنهُ زِيادَةَ النَّفَقَةِ، وآذَيْنَهُ بِغَيْرَةِ بَعْضِهِنَّ عَلى بَعْضٍ، فَآلى رَسُولُ اللَّهِ  مِنهُنَّ شَهْرًا، وصَعَدَ إلى غُرْفَةٍ لَهُ فَمَكَثَ فِيها، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وكُنَّ أزْواجُهُ يَوْمَئِذٍ تِسْعًا: عائِشَةُ، وحَفْصَةُ، وأُمُّ حَبِيبَةَ، وسَوْدَةُ، وأُمُّ سَلَمَةَ، وصَفِيَّةُ الخَيْبَرِيَّةُ، ومَيْمُونَةُ الهِلالِيَّةُ، وزَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ، وجُوَيْرِيَةُ بِنْتُ الحارِثِ، فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ  فَعَرَضَ الآيَةَ عَلَيْهِنَّ، فَبَدَأ بِعائِشَةَ، فاخْتارَتِ اللَّهَ ورَسُولَهُ، ثُمَّ قالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ لا تُخْبِرْ أزْواجَكَ أنِّي اخْتَرْتُكَ؛ فَقالَ: " إنَّ اللَّهَ بَعَثَنِي مُبَلِّغًا ولَمْ يَبْعَثْنِي مُتَعَنِّتًا "» .

وقَدْ ذَكَرْتُ حَدِيثَ التَّخْيِيرِ في كِتابِ " الحَدائِقِ " وفي " المُغْنِي " بِطُولِهِ.

وَفِي ما خَيَّرَهُنَّ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ خَيَّرَهُنَّ بَيْنَ الطَّلاقِ والمُقامِ مَعَهُ، هَذا قَوْلُ عائِشَةَ عَلَيْها السَّلامُ.

والثّانِي: أنَّهُ خَيَّرَهُنَّ بَيْنَ اخْتِيارِ الدُّنْيا فَيُفارِقُهُنَّ، أوِ اخْتِيارِ الآخِرَةِ فَيُمْسِكُهُنَّ، ولَمْ يُخَيِّرْهُنَّ في الطَّلاقِ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ.

وَفِي سَبَبِ تَخْيِيرِهِ إيّاهُنَّ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُنَّ سَألْنَهُ زِيادَةَ النَّفَقَةِ.

والثّانِي: أنَّهُنَّ آذَيْنَهُ بِالغَيْرَةِ.

والقَوْلانِ مَشْهُورانِ في التَّفْسِيرِ.

والثّالِثُ: أنَّهُ لَمّا خُيِّرَ بَيْنَ مُلْكِ الدُّنْيا ونَعِيمِ الآخِرَةِ، فاخْتارَ الآخِرَةَ أُمِرَ بِتَخْيِيرِ نِسائِهِ لِيَكُنَّ عَلى مِثْلِ حالِهِ، حَكاهُ أبُو القاسِمِ الصَّيْمَرِيُّ.

والمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ أُمَتِّعْكُنَّ ﴾ : مُتْعَةُ الطَّلاقِ.

والمُرادُ بِالسَّراحِ: الطَّلاقُ، وَقَدْ ذَكَرْنا ذَلِكَ في (البَقَرَةِ: ٢٣١) .

والمُرادُ بِالدّارِ الآخِرَةِ.

الجَنَّةُ.

والمُحْسِناتُ: المُؤْثِراتُ لِلْآخِرَةِ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: فَلَمّا اخْتَرْنَهُ أثابَهُنَّ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ثَلاثَةَ أشْياءَ.

أحَدُها: التَّفْضِيلُ عَلى سائِرِ النِّساءِ بِقَوْلِهِ: ﴿ لَسْتُنَّ كَأحَدٍ مِنَ النِّساءِ ﴾ ، والثّانِي: أنْ جَعَلَهُنَّ أُمَّهاتِ المُؤْمِنِينَ، والثّالِثُ: أنْ حَظَرَ عَلَيْهِ طَلاقَهُنَّ والِاسْتِبْدالَ بِهِنَّ بِقَوْلِهِ: ﴿ لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِن بَعْدُ  ﴾ .

وهَلْ أُبِيحَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ التَّزْوِيجُ عَلَيْهِنَّ ؟

فِيهِ قَوْلانِ سَيَأْتِي ذِكْرُهُما إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ ﴾ أيْ: بِمَعْصِيَةٍ ظاهِرَةٍ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَعْنِي النُّشُوزَ وسُوءَ الخُلُقِ ﴿ يُضاعَفْ لَها العَذابُ ضِعْفَيْنِ ﴾ أيْ: يُجْعَلْ عَذابُ جُرْمِها في الآخِرَةِ كَعَذابِ جُرْمَيْنِ، كَما أنَّها تُؤْتى أجْرَها عَلى الطّاعَةِ مَرَّتَيْنِ.

وإنَّما ضُوعِفَ عِقابُهُنَّ، لِأنَّهُنَّ يُشاهِدْنَ مِنَ الزَّواجِرِ الرّادِعَةِ ما لا يُشاهِدُ غَيْرُهُنَّ، فَإذا لَمْ يَمْتَنِعْنَ اسْتَحْقَقْنَ تَضْعِيفَ العَذابِ، ولأنَّ في مَعْصِيَتِهِنَّ أذًى لِرَسُولِ اللَّهِ  ؛ وجُرْمُ مَن آذى رَسُولَ اللَّهِ  أكْبَرُ مِن جُرْمِ غَيْرِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكانَ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا ﴾ أيْ: وكانَ عَذابُها عَلى اللَّهِ هَيِّنًا.

﴿ وَمَن يَقْنُتْ ﴾ أيْ: تُطِعْ، و " أعَتِدنا " قَدْ سَبَقَ بَيانُهُ [النِّساءِ: ٣٧]، والرِّزْقُ الكَرِيمُ: الحَسَنُ، وهو الجَنَّةُ.

ثُمَّ أظْهَرَ فَضِيلَتَهُنَّ عَلى النِّساءِ بِقَوْلِهِ: ﴿ لَسْتُنَّ كَأحَدٍ مِنَ النِّساءِ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: لَمْ يَقُلْ: كَواحِدَةٍ مِنَ النِّساءِ، لِأنَّ " أحَدًا " نَفْيٌ عامٌّ لِلْمُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ والواحِدِ والجَماعَةِ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ: لَيْسَ قَدْرُكُنَّ عِنْدِي مِثْلَ قَدْرِ غَيْرِكُنَّ مِنَ النِّساءِ الصّالِحاتِ، أنْتُنَّ أكْرَمُ عَلَيَّ، وثَوابُكُنَّ أعْظَمُ ﴿ إنِ اتَّقَيْتُنَّ ﴾ ، فَشَرَطَ عَلَيْهِنَّ التَّقْوى بَيانًا أنَّ فَضِيلَتَهُنَّ إنَّما تَكُونُ بِالتَّقْوى، لا بِنَفْسِ اتِّصالِهِنَّ بِرَسُولِ اللَّهِ  .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا تَخْضَعْنَ بِالقَوْلِ ﴾ أيْ لا تَلِنَّ بِالكَلامِ ﴿ فَيَطْمَعَ الَّذِي في قَلْبِهِ مَرَضٌ ﴾ أيْ: فُجُورٌ؛ والمَعْنى: لا تَقُلْنَ قَوْلًا يَجِدُ بِهِ مُنافِقٌ أوْ فاجِرٌ سَبِيلًا إلى مُوافَقَتِكُنَّ لَهُ؛ والمَرْأةُ مَندُوبَةٌ إذا خاطَبَتِ الأجانِبَ إلى الغِلْظَةِ في المَقالَةِ، لِأنَّ ذَلِكَ أبْعَدُ مِنَ الطَّمَعِ في الرِّيبَةِ.

﴿ وَقُلْنَ قَوْلا مَعْرُوفًا ﴾ أيْ: صَحِيحًا عَفِيفًا لا يُطْمِعُ فاجِرًا.

﴿ وَقَرْنَ في بُيُوتِكُنَّ ﴾ قَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ إلّا أبانَ، وهُبَيْرَةُ، والوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنِ ابْنِ عامِرٍ: ﴿ وَقَرْنَ ﴾ بِفَتْحِ القافِ؛ وقَرَأ الباقُونَ بِكَسْرِها.

قالَ الفَرّاءُ: مَن قَرَأ بِالفَتْحِ، فَهو مَن قَرَرْتُ في المَكانِ، فَخُفِّفَتْ، كَما قالَ: ﴿ ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفًا  ﴾ ، ومَن قَرَأ بِالكَسْرِ، فَمِنَ الوَقارِ، يُقالُ: قِرْ في مَنزِلِكَ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: مَن قَرَأ بِالكَسْرِ، فَهو مِنَ الوَقارِ، يُقالُ: وقَرَ في مَنزِلِهِ يَقِرُ وقُورًا.

ومَن قَرَأ بِنَصْبِ القافِ جَعَلَهُ مِنَ القَرارِ.

وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو المُتَوَكِّلِ: " واقْرَرْنَ " بِإسْكانِ القافِ وبَراءَيْنِ الأُولى مَفْتُوحَةٌ والثّانِيَةُ ساكِنَةٌ.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ مِثْلَهُ، إلّا أنَّهُما كَسَرا الرّاءَ الأُولى.

قالَ المُفَسِّرُونَ: ومَعْنى الآيَةِ: الأمْرُ لَهُنَّ بِالتَّوَقُّرِ والسُّكُونِ في بُيُوتِهِنَّ وأنْ لا يَخْرُجْنَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَبَرَّجْنَ ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: التَّبَرُّجُ: أنْ يُبْرِزْنَ مَحاسِنَهُنَّ.

وقالَ الزَّجّاجُ: التَّبَرُّجُ: إظْهارُ الزِّينَةِ وما يُسْتَدْعى بِهِ شَهْوَةُ الرَّجُلِ.

وَفِي ﴿ الجاهِلِيَّةِ الأُولى ﴾ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها كانَتْ بَيْنَ إدْرِيسَ ونُوحٍ، وكانَتْ ألْفَ سَنَةٍ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّها كانَتْ عَلى عَهْدِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وهو قَوْلُ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها.

والثّالِثُ: بَيْنَ نُوحٍ وآدَمَ، قالَهُ الحَكَمُ.

والرّابِعُ: ما بَيْنَ عِيسى ومُحَمَّدٍ عَلَيْهِما السَّلامُ، قالَهُ الشَّعْبِيُّ.

قالَ الزَّجّاجُ: وإنَّما قِيلَ: " الأُولى "، لِأنَّ كُلَّ مُتَقَدِّمٍ أوَّلُ، وكُلَّ مُتَقَدِّمَةٍ أُولى، فَتَأْوِيلُهُ: أنَّهم تَقَدَّمُوا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ  .

وَفِي صِفَةِ تَبَرُّجِ الجاهِلِيَّةِ الأُولى سِتَّةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ المَرْأةَ كانَتْ تَخْرُجُ فَتَمْشِي بَيْنَ الرِّجالِ، فَهو التَّبَرُّجُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّانِي: أنَّها مِشْيَةٌ فِيها تَكَسُّرٌ وتَغَنُّجٌ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّالِثُ: أنَّهُ التَّبَخْتُرُ، قالَهُ ابْنُ أبِي نُجَيْحٍ.

والرّابِعُ: أنَّ المَرْأةَ مِنهُنَّ كانَتْ تَتَّخِذُ الدِّرْعَ مِنَ اللُّؤْلُؤِ فَتَلْبَسُهُ ثُمَّ تَمْشِي وسَطَ الطَّرِيقِ لَيْسَ عَلَيْها غَيْرُهُ، وذَلِكَ في زَمَنِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

والخامِسُ: أنَّها كانَتْ تُلْقِي الخِمارَ عَنْ رَأْسِها ولا تَشُدُّهُ، فَيَرى قُرْطَها وقَلائِدَها، قالَهُ مُقاتِلٌ.

السّادِسُ: أنَّها كانَتْ تَلْبَسُ الثِّيابَ تَبْلُغُ المالَ، لا تُوارِي جَسَدَها، حَكاهُ الفَرّاءُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ ﴾ وفِيهِ لِلْمُفَسِّرِينَ خَمْسَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: الشِّرْكُ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّانِي: الإثْمُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

والثّالِثُ: الشَّيْطانُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

والرّابِعُ: الشَّكُّ.

والخامِسُ: المَعاصِي، حَكاهُما الماوَرْدِيُّ.

قالَ الزَّجّاجُ: الرِّجْسُ: كُلُّ مُسْتَقْذَرٍ مِن مَأْكُولٍ أوْ عَمَلٍ أوْ فاحِشَةٍ.

وَنَصْبُ ﴿ أهْلَ البَيْتِ ﴾ عَلى وجْهَيْنِ، أحَدُهُما: عَلى مَعْنى: أعْنِي أهْلَ البَيْتِ، والثّانِي: عَلى النِّداءِ، فالمَعْنى: يا أهْلَ البَيْتِ.

وَفِي المُرادِ بِأهْلِ البَيْتِ ها هُنا ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهم نِساءُ رَسُولِ اللَّهِ  ، لِأنَّهُنَّ في بَيْتِهِ، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ عِكْرِمَةُ، وابْنُ السّائِبِ، ومُقاتِلٌ.

ويُؤَكِّدُ هَذا القَوْلَ أنَّ ما قَبْلَهُ وبَعْدَهُ مُتَعَلِّقٌ بِأزْواجِ رَسُولِ اللَّهِ  .

وعَلى أرْبابِ هَذا القَوْلِ اعْتِراضٌ، وهو أنَّ جَمْعَ المُؤَنَّثِ بِالنُّونِ، فَكَيْفَ قِيلَ: " عَنْكم " " ويُطَهِّرَكم " ؟

فالجَوابُ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ  فِيهِنَّ، فَغَلَّبَ المُذَكَّرَ.

والثّانِي: أنَّهُ خاصٌّ في رَسُولِ اللَّهِ  وعَلِيٍّ وفاطِمَةَ والحَسَنِ والحُسَيْنِ، قالَهُ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ.

ورُوِيَ عَنْ أنَسٍ وعائِشَةَ وأُمِّ سَلَمَةَ نَحْوُ ذَلِكَ.

والثّالِثُ: أنَّهم أهْلُ رَسُولِ اللَّهِ  وأزْواجُهُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

وَحَكى الزَّجّاجُ أنَّهم نِساءُ رَسُولِ اللَّهِ  والرِّجالُ الَّذِينَ هم آلُهُ؛ قالَ: واللُّغَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّها لِلنِّساءِ والرِّجالِ جَمِيعًا، لِقَوْلِهِ: ﴿ عَنْكُمُ ﴾ بِالمِيمِ، ولَوْ كانَتْ لِلنِّساءِ، لَمْ يَجُزْ إلّا " عَنْكُنَّ " " ويُطَهِّرَكُنَّ " .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيُطَهِّرَكم تَطْهِيرًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: مِنَ الشِّرْكِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّانِي: مِنَ السُّوءِ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّالِثُ: مِنَ الإثْمِ، قالَهُ السُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واذْكُرْنَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ تَذْكِيرٌ لَهُنَّ بِالنِّعَمِ.

والثّانِي: أنَّهُ أمْرٌ لَهُنَّ بِحِفْظِ ذَلِكَ.

فَمَعْنى ﴿ واذْكُرْنَ ﴾ : واحْفَظْنَ ﴿ ما يُتْلى في بُيُوتِكُنَّ مِن آياتِ اللَّهِ ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ.

وَفِي الحِكْمَةِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها السُّنَّةُ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّانِي: الأمْرُ والنَّهْيُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ اللَّهَ كانَ لَطِيفًا ﴾ أيْ: ذا لُطْفٍ بِكُنَّ إذْ جَعَلَكُنَّ في البُيُوتِ الَّتِي تُتْلى فِيها آياتُهُ ﴿ خَبِيرًا ﴾ بِكُنَّ إذِ اخْتارَكُنَّ لِرَسُولِهِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ يا نِساءَ النَبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَها العَذابُ ضِعْفَيْنِ وكانَ ذَلِكَ عَلى اللهِ يَسِيرًا ﴾ ﴿ وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ ورَسُولِهِ وتَعْمَلْ صالِحًا نُؤْتِها أجْرَها مَرَّتَيْنِ وأعْتَدْنا لَها رِزْقًا كَرِيمًا ﴾ ﴿ يا نِساءَ النَبِيِّ لَسْتُنَّ كَأحَدٍ مِنَ النِساءِ إنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي في قَلْبِهِ مَرَضٌ وقُلْنَ قَوْلا مَعْرُوفًا ﴾ قالَ أبُو رافِعٍ: كانَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ كَثِيرًا ما يَقْرَأُ سُورَةَ يُوسُفَ وسُورَةَ الأحْزابِ في الصُبْحِ، فَكانَ إذا بَلَغَ ﴿ "يا نِساءَ النَبِيِّ" ﴾ رَفَعَ بِها صَوْتَهُ، فَقِيلَ لَهُ، فَقالَ: أُذَكِّرُهُنَّ العَهْدَ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "مَن يَأْتِ" بِياءٍ وتاءٍ، ﴿ "وَمَن يَقْنُتْ" ﴾ بِياءٍ حَمْلًا عَلى اللَفْظِ، وقَرَأ عَمْرُو بْنُ فايِدٍ، الجَحْدَرِيُّ، ويَعْقُوبُ: "تَأْتِ" بِتاءَيْنِ و"تَقْنُتْ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ حَمْلًا عَلى المَعْنى.

وقالَ قَوْمٌ: الفاحِشَةُ إذا ورَدَتْ مُعَرَّفَةً فَهي الزِنى واللِواطُ، وإذا ورَدَتْ مُنَكَّرَةً فَهي سائِرُ المَعاصِي وكُلُّ مُسْتَفْحَشٍ، وإذا ورَدَتْ مَنعُوتَةً بِالبَيانِ فَهي عُقُوقُ الزَوْجِ وفَسادُ عَشْرَتِهِ، ولِذَلِكَ يَصِفُها بِالبَيانِ إذْ لا يُمْكِنُ سَتْرُها، والزِنى وغَيْرُهُ هو مِمّا يَتَسَتِرُ بِهِ ولا يَكُونُ مُبَيَّنًا، ولا مَحالَةَ أنَّ الوَعِيدَ واقِعٌ عَلى ما خُفِيَ مِنهُ وما ظَهَرَ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ قَوْلُهُ: ﴿ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ ﴾ يَعُمُّ جَمِيعَ المَعاصِي، وكَذَلِكَ الفاحِشَةَ كَيْفَ ورَدَتْ.

ولَمّا كانَ أزْواجُ النَبِيِّ  في مَهْبَطِ الوَحْيِ وفي مَنزِلِ أوامِرِ اللهِ ونَواهِيهِ قَوِيَ الأمْرُ عَلَيْهِنَّ ولَزِمَهُنَّ بِسَبَبِ مَكانَتِهِنَّ أكْثَرَ مِمّا يُلْزِمُ غَيْرَهُنَّ، فَضُوعِفَ لَهُنَّ الأجْرُ والعَذابُ، والإشارَةُ بِالفاحِشَةِ إلى الزِنى وغَيْرِهِ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وشِبْلٌ، وعاصِمٌ: "مُبَيَّنَةً" بِفَتْحِ الياءِ، وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرُو، وقَتادَةُ بِكَسْرِها وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "يُضاعِفُ" بِالياءِ عَلى إسْنادِ الفِعْلِ إلى اللهِ تَعالى، وَقَرَأ أبُو عَمْرُو فِيما رُوِيَ عنهُ: "نُضاعِفُ" بِنُونٍ مَضْمُومَةٍ "العَذابَ" نَصْبًا، وهي قِراءَةُ ابْنِ مُحَيْصِنٍ، وهَذِهِ مُفاعَلَةٌ مِن واحِدٍ كَطارَقْتُ النَعْلَ وعاقَبْتُ اللِصَّ.

وقَرَأ نافِعٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "يُضاعِفُ" بِالياءِ وعَيْنٍ مَفْتُوحَةٍ "العَذابَ" رَفَعًا، وقَرَأ أبُو عَمْرُو: "يُضَعِّفُ" بِتَشْدِيدِ العَيْنِ عَلى بِناءِ المُبالَغَةِ "العَذابُ" رَفَعًا، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ، وابْنُ كَثِيرٍ، وعِيسى.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ: "نُضَعِّفُ" بِالنُونِ وكَسْرِ العَيْنِ المُشَدَّدَةِ "العَذابَ" نَصْبًا، وهي قِراءَةُ الجَحْدَرِيِّ.

وقَوْلُهُ: ﴿ "ضِعْفَيْنِ" ﴾ مَعْناهُ: أنْ يَكُونَ العَذابُ عَذابَيْنِ، أيْ: يُضافُ إلى عَذابِ سائِرِ الناسِ عَذابٌ آخَرُ مِثْلُهُ.

وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ، وأبُو عَمْرُو - فِيما حَكى الطَبَرِيُّ عنهُما -: بَلْ يُضاعَفُ إلَيْهِ عَذابانِ مِثْلُهُ فَيَكُونُ ثَلاثَةَ أعْذِبَةً، وضَعَّفَهُ الطَبَرِيُّ، وكَذَلِكَ هو غَيْرُ صَحِيحٍ وإنْ كانَ لَهُ بِاللَفْظِ تَعَلُّقُ احْتِمالٍ، ويَكُونُ الأجْرُ مَرَّتَيْنِ مِمّا يُفْسِدُ هَذا القَوْلُ؛ لِأنَّ العَذابَ في الفاحِشَةِ بِإزاءِ الأجْرِ في الطاعَةِ، والإشارَةُ بِذَلِكَ إلى تَضْعِيفِ العَذابِ.

و"يَقْنُتْ" مَعْناهُ: يُطِيعُ ويَخْضَعُ بِالعُبُودِيَّةِ، قالَهُ الشَعْبِيُّ وقَتادَةُ.

وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرُو، وابْنُ عامِرٍ: "يَقْنُتُ" بِالياءِ، و"تَعْمَلُ" بِالتاءِ، ﴿ "نُؤْتِها" ﴾ بِالنُونِ، وهي قِراءَةُ الجُمْهُورِ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: أُسْنِدَ "يَقْنُتْ" إلى ضَمِيرٍ، فَلَمّا تَبَيَّنَ أنَّهُ المُؤَنَّثُ حُمِلَ فِيما "تَعْمَلُ" عَلى المَعْنى، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ كُلَّ الثَلاثَةِ المَواضِعِ بِالياءِ حَمْلًا في الأوَّلَيْنِ عَلى لَفْظِ "مَن"، وهي قِراءَةُ الأعْمَشِ، وأبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ، وابْنِ وثّابٍ، وقَرَأ الأعْمَشُ أيْضًا: "فَسَوْفَ يُؤْتِها اللهُ أجَرَها".

و"الاعْتادُ": التَيْسِيرُ والإعْدادُ، و"الرِزْقُ الكَرِيمُ": الجَنَّةُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في ذَلِكَ وعْدٌ دُنْياوِيُّ، أيْ أنَّ رِزْقَها في الدُنْيا عَلى اللهِ، وهو كَرِيمٌ مِن حَيْثُ ذَلِكَ هو حَلالٌ وقَصْدٌ وبِرِضى مِنَ اللهِ في نَيْلِهِ، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: العَذابُ الَّذِي تَوَعَّدَ بِهِ ضِعْفَيْنِ هو عَذابُ الدُنْيا ثُمَّ عَذابُ الآخِرَةِ، وكَذَلِكَ الأجْرُ، وهَذا ضَعِيفٌ اللهُمَّ إلّا أنْ يَكُونَ أزْواجُ النَبِيِّ  لا تَدْفَعُ عنهُنَّ حُدُودُ الدُنْيا عَذابَ الآخِرَةِ، عَلى ما هي حالُ الناسِ عَلَيْهِ، بِحُكْمِ حَدِيثِ عُبادَةَ بْنِ الصامِتِ، وهَذا أمْرٌ لَمْ يُرْوَ في أزْواجِ النَبِيِّ  ولا حُفِظَ تَقَرُّرُهُ.

ثُمَّ خاطَبَهُنَّ اللهُ تَعالى بِأنَّهُنَّ لِسِنٍّ كَأحَدٍ مِن نِساءِ عَصْرِهِنَّ فَما بَعْدُ، بَلْ هُنَّ أفْضَلُ بِشَرْطِ التَقْوى؛ لِما مَنَحَهُنَّ اللهُ مِن صُحْبَةِ الرَسُولِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ وعِظَمِ المَحَلِّ مِنهُ ونُزُولِ القُرْآنِ في حَقِّهِنَّ، وإنَّما خَصَّصَ النِساءَ لِأنَّ فِيمَن تَقَدَّمَ آسِيَةُ ومَرْيَمُ، فَتَأمَّلْهُ، وقَدْ أشارَ إلى هَذا قَتادَةُ.

ثُمَّ نَهاهُنَّ اللهُ عَمّا كانَتِ الحالُ عَلَيْهِ في نِساءِ العَرَبِ مِن مُكالَمَةِ الرِجالِ بِرَخِيمِ الصَوْتِ.

﴿ "فَلا تَخْضَعْنَ" ﴾ أيْ: ولا تَلِنَّ، وقَدْ يَكُونُ الخُضُوعُ في القَوْلِ في نَفْسِ الألْفاظِ ورُخامَتِها وهَيْئَتِها، وإنْ لَمْ يَكُنِ المَعْنى مُرِيبًا، والعَرَبُ تَسْتَعْمِلُ لَفْظَةَ الخُضُوعِ بِمَعْنى المَيْلِ في الغَزَلِ، ومِنهُ قَوْلُ لَيْلى الأخْيِلِيَّةِ حِينَ قالَ لَها الحَجّاجُ: هَلْ رَأيْتِ قَطُّ مِن تَوْبَةَ شَيْئًا تُنْكِرِينَهُ؟

قالَتْ: لا واللهِ أيُّها الأمِيرُ؛ إلّا أنَّهُ أنْشَدَنِي يَوْمًا شِعْرًا ظَنَنْتُ مِنهُ أنَّهُ خَضَعَ لِبَعْضِ الأمْرِ، فَأنْشَدْتُهُ أنا: وذِي حاجَةٍ قُلْنا لَهُ لا تَبُحْ بِها ∗∗∗ فَلَيْسَ إلَيْها ما حَيِيتَ سَبِيلُ الحِكايَةُ.

وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الخُضُوعُ بِالقَوْلِ ما يُدْخِلُ في القُلُوبِ الغَزَلَ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "فَيَطْمَعَ" ﴾ بِالنَصْبِ عَلى أنَّهُ نَصْبٌ بِالفاءِ في جَوابِ التَمَنِّيِ.

وقَرَأ الأعْرَجُ، وأبانُ بْنُ عُثْمانَ: "فَيُطَمِّعِ" بِالجَزْمِ وكَسْرٍ لِلِالتِقاءِ، وهَذِهِ فاءُ عَطْفٍ مَحْضَةٍ، وكانَ النَهْيُ دُونَ جَوابٍ ظاهِرٍ، وقِراءَةُ الجُمْهُورِ أبْلَغُ؛ في النَهْيِ لِأنَّها تُعْطِي أنَّ الخُضُوعَ بِسَبَبِ الطَمَعِ، قالَ أبُو عَمْرُو الدانِي: قَرَأ الأعْرَجُ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ: "فَيَطْمِعَ" بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ المِيمِ.

و"المَرَضُ" في هَذِهِ الآيَةِ، قالَ قَتادَةُ: هو النِفاقُ، وقالَ عِكْرِمَةُ: الفِسْقُ والغَزَلُ، وهَذا أصْوَبُ، ولَيْسَ لِلنِّفاقِ مَدْخَلٌ في هَذِهِ الآيَةِ، والقَوْلُ المَعْرُوفُ هو الصَوابُ الَّذِي لا تُنْكِرُهُ الشَرِيعَةُ ولا النُفُوسُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ يانسآء النبى لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النسآء إِنِ اتقيتن ﴾ أعيد خطابهن من جانب ربهنّ وأعيد نداؤهن للاهتمام بهذا الخبر اهتماماً يخصُّه.

وأحد: اسم بمعنى واحد مثل: ﴿ قل هو الله أحد ﴾ [الإخلاص: 1] وهمزته بدل من الواو.

وأصلهُ: وَحَد بوزن فَعَل، أي متوحِّد، كما قالوا: فَرَد بمعنى منفرد.

قال النابغة يذكر ركوبه راحلته: كان رحلي وقد زال النهار بنا *** يوم الجليل على مستأنس وَحد يُريد على ثور وحشي منفرد.

فلما ثقل الابتداء بالواو شاع أن يقولوا: أَحد، وأكثر ما يستعمل في سياق النفي، قال تعالى: ﴿ فما منكم من أحد عنه حاجزين ﴾ [الحاقة: 47] فإذا وقع في سياق النفي دل على نفي كل واحد من الجنس.

ونفي المشابهة هُنا يراد به نفي المساواة مكنَّى به عن الأفضلية على غيرهنّ مثل نفي المساواة في قوله تعالى: ﴿ لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله ﴾ [النساء: 95]، فلولا قصد التفضيل ما كان لزيادة ﴿ غير أولي الضرر ﴾ وجد ولا لسبب نزولها داع كما تقدم في سورة النساء (95).

فالمعنى: أنتُنَّ أفضل النساء، وظاهره تفضيل لجملتهن على نساء هذه الأمة، وسبب ذلك أنهن اتصَلْنَ بالنبي عليه الصلاة والسلام اتصالاً أقرب من كل اتصال وصرن أنيساته ملازمات شؤونه فيختصصن باطلاع ما لم يطلع عليه غيرُهن من أحواله وخلقه في المنشط والمكره، ويتخلقن بخلقه أكثر مما يقتبس منه غيرهن، ولأن إقباله عليهن إقبالٌ خاص، ألا ترى إلى قوله: حُبِّب إليكم من دنياكم النساء والطيب، وقال تعالى: ﴿ والطيبات للطيبين ﴾ [النور: 26].

ثم إن نساء النبي عليه الصلاة والسلام يتفاضلن بينهن.

والتقييد بقوله: ﴿ إن اتقيتن ﴾ ليس لقصد الاحتراز عن ضد ذلك وإنما هو إلْهاب وتحريض على الازدياد من التقوى، وقريب من هذا المعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم لحفصة: " إن عبد الله يعني أخاها رجل صالح لو كان يَقوم من الليل " فلما أبلغت حفصة ذلك عبد اللَّه بن عمر لم يترك قيام الليل بعد ذلك لأنه علم أن المقصود التحريض على القيام.

وفعل الشرط مستعمل في الدلالة على الدوام، أي إن دمتنّ على التقوى فإن نساء النبي صلى الله عليه وسلم مُتَّقِيات من قبلُ، وجواب الشرط دل عليه ما قبله.

واعلم أن ظاهر هذه الآية تفضيل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم على جميع نساء هذه الأمة.

وقد اختُلِف في التفاضل بين الزوجات وبين بنات النبي صلى الله عليه وسلم وعن الأشعري الوقف في ذلك، ولعل ذلك لتعارض الأدلة السمعية ولاختلاف جهات أصول التفضيل الدينية والروحية بحيث يعسر ضبطها بضوابط.

أشار إلى جملة منها أبو بكر بن العربي في «شرح الترمذي» في حديث رؤيا رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنه رأى ميزاناً نزل من السماء فوُزن النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر، فرجح النبي صلى الله عليه وسلم ووُزن أبو بكر وعُمر فرجح أبو بكر، ووُزن عمر وعثمان فرجح عُمر، ثم رُفع الميزان.

والجهات التي بنى عليها أبو بكر بن العربي أكثرها من شؤون الرجال.

وليس يلزم أن تكون بنات النبي ولا نساؤه سواء في الفضل.

ومن العلماء مَن جزموا بتفضيل بنات رسول الله صلى الله عليه وسلم على أزواجه وبخاصة فاطمة رضي الله عنها وهو ظاهر كلام التفتزاني في كتاب «المقاصد».

وهي مسألة لا يترتب على تدقيقها عمل فلا ينبغي تطويل البحث فيها.

والأحسن أن يكون الوقف على ﴿ إن اتقيتن ﴾ ، وقوله ﴿ فلا تخضعن ﴾ ابتداء تفريع وليس هو جواب الشرط.

فُرع على تفضيلهن وترفيع قدرهن إرشادُهُنّ إلى دقائق من الأخلاق قد تقع الغفلة عن مراعاتها لخفاء الشعور بآثارها، ولأنها ذرائع خفية نادرة تفضي إلى ما لا يليق بحرمتهن في نفوس بعض ممن اشتملت عليه الأمة، وفيها منافقوها.

وابتدئ من ذلك بالتحذير من هيئة الكلام فإن الناس متفاوتون في لينه، والنساءُ في كلامهن رقّة طبيعية وقد يكون لبعضهن من اللطافة ولِين النفس ما إذا انضمّ إلى لينها الجبليّ قرُبت هيئته من هيئة التَدلّل لقلة اعتياد مثله إلا في تلك الحالة.

فإذا بدا ذلك على بعض النساء ظَنّ بعض من يُشافِهُها من الرجال أنها تتحبّب إليه، فربما اجترأت نفسُه على الطمع في المغازلة فبدرت منه بادرة تكون منافية لحرمة المرأة، بله أزواج النبي صلى الله عليه وسلم اللاتي هنّ أمهات المؤمنين.

والخضوع: حقيقته التذلّل، وأطلق هنا على الرقة لمشابهتها التذلل.

والباء في قوله: ﴿ بالقول ﴾ يجوز أن تكون للتعدية بمنزلة همزة التعدية، أي لا تُخضعن القول، أي تَجعَلْنَه خاضعاً ذليلاً، أي رقيقاً متفكّكا.

وموقع الباء هنا أحسن من موقع همزة التعدية لأن باء التعدية جاءت من باء المصاحبة على ما بيّنه المحققون من النحاة أن أصل قولك: ذهبت بزيد، أنك ذهبتَ مصاحباً له فأنت أذهبته معك، ثم تنوسي معنى المصاحبة في نحو: ﴿ ذهب الله بنورهم ﴾ [البقرة: 17]، فلما كان التفكك والتزيين للقول يتبع تفكك القائل أسند الخضوع إليهن في صورة، وأفيدت التعدية بالباء.

ويجوز أن تكون الباء بمعنى (في)، أي لا يكن منكُن لِين في القول.

والنهي عن الخضوع بالقول إشارة إلى التحذير مما هو زائد على المعتاد في كلام النساء من الرقة وذلك ترخيم الصوت، أي ليكن كلامكن جزلاً.

والمرض: حقيقته اختلال نظام المزاج البدني من ضعف القوة، وهو هنا مستعار لاختلال الوازع الديني مثل المنافقين ومن كان في أول الإيمان من الأَعراب ممن لم ترسخ فيه أخلاق الإسلام، وكذلك من تخلّقوا بسوء الظن فيرمون المحصنات الغافلات المؤمنات، وقضية إفك المنافقين على عائشة رضي الله عنها شاهد لذلك.

وتقدم في قوله تعالى: ﴿ في قلوبهم مرض ﴾ في سورة البقرة (10).

وانتصب يطمَع} في جواب النهي بعد الفاء لأن المنهي عنه سبب في هذا الطمع.

وحذف متعلِق ﴿ فيطمع ﴾ تنزهاً وتعظيماً لشأن نساء النبي صلى الله عليه وسلم مع قيام القرينة.

وعَطْفُ ﴿ وقلن قولاً معروفاً ﴾ على والقول: الكلام.

والمعروف: هو الذي يألفه الناس بحسب العُرففِ العام، ويشمل القول المعروف هيئة الكلام وهي التي سيق لها المقام، ويشمل مدلولاته أن لا ينتهرن من يكلمهن أو يسمعنه قولاً بذيئاً من باب: فليقل خيراً أو ليصمت.

وبذلك تكون هذه الجملة بمنزلة التذييل.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأحَدٍ مِنَ النِّساءِ ﴾ قالَ قَتادَةُ: مِن نِساءِ هَذِهِ الأُمَّةِ.

﴿ إنِ اتَّقَيْتُنَّ ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: إنَّكُنَّ أحَقُّ بِالتَّقْوى مِن سائِرِ النِّساءِ.

﴿ فَلا تَخْضَعْنَ بِالقَوْلِ ﴾ فِيهِ سِتَّةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مَعْناهُ فَلا تَرْقِقْنَ بِالقَوْلِ.

الثّانِي: فَلا تَرْخُصْنَ بِالقَوْلِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّالِثُ: فَلا تَلِنَّ القَوْلَ، قالَهُ الفَرّاءُ.

الرّابِعُ: لا تَتَكَلَّمْنَ بِالرَّفَثِ، قالَهُ الحَسَنُ.

قالَ مُتَمِّمٌ: ولَسْتُ إذا ما أحْدَثَ الدَّهْرُ نَوْبَةً.

.

.

عَلَيْهِ بِزُوّارِ القَرائِبِ أخْضَعا الخامِسُ: هو الكَلامُ الَّذِي فِيهِ ما يَهْوى المُرِيبُ.

السّادِسُ: هو ما يَدْخُلُ مِن كَلامِ النِّساءِ في قُلُوبِ الرِّجالِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

﴿ فَيَطْمَعَ الَّذِي في قَلْبِهِ مَرَضٌ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ شَهْوَةُ الزِّنى والفُجُورُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ والسُّدِّيُّ.

الثّانِي: أنَّهُ النِّفاقُ، قالَهُ قَتادَةُ.

وَكانَ أكْثَرَ مَن تُصِيبُهُ الحُدُودُ في زَمانِ النَّبِيِّ  المُنافِقُونَ.

﴿ وَقُلْنَ قَوْلا مَعْرُوفًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: صَحِيحًا، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الثّانِي: عَفِيفًا، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّالِثُ: جَمِيلًا.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَقَرْنَ في بُيُوتِكُنَّ ﴾ قُرِئَتْ عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: بِفَتْحِ القافِ، قَرَأها نافِعٌ وعاصِمٌ، وتَأْوِيلُها اقْرَرْنَ في بُيُوتِكُنَّ، مِنَ القَرارِ في مَكانٍ.

الثّانِيَةُ: بِكَسْرِ القافِ: قَرَأها الباقُونَ، وتَأْوِيلُها كُنَّ أهْلَ وقارٍ وسَكِينَةٍ.

﴿ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجاهِلِيَّةِ الأُولى ﴾ وفِيهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ التَّبَخْتُرُ، قالَهُ ابْنُ أبِي نَجِيحٍ.

الثّانِي: كانَتْ لَهُنَّ مِشْيَةُ تَكَسُّرٍ وتَغَنُّجٍ، فَنَهاهُنَّ عَنْ ذَلِكَ، قالَهُ قَتادَةُ، ومِنهُ ما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ  أنَّهُ قالَ « (المائِلاتُ المُمِيلاتُ: اللاَّئِي يَسْتَمِلْنَ قُلُوبَ الرِّجالِ إلَيْهِنَّ)» .

الثّالِثُ: أنَّهُ كانَتِ المَرْأةُ تَمْشِي بَيْنَ يَدَيِ الرَّجُلِ، فَذَلِكَ هو التَّبَرُّجُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الرّابِعُ: هو أنْ تُلْقِيَ الخِمارَ عَلى رَأْسِها ولا تَشُدُّهُ لِيُوارِيَ قَلائِدَها وعُنُقَها وقُرْطَها، ويَبْدُوَ ذَلِكَ كُلُّهُ مِنها، فَذَلِكَ هو التَّبَرُّجُ، قالَ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ.

الخامِسُ: أنْ تَبْدِيَ مِن مَحاسِنِها ما أوْجَبَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْها سَتْرَهُ، حَكاهُ النَّقّاشُ وأصْلُهُ مِن بَرَجِ العَيْنِ وهو السِّعَةُ فِيها.

وَفِي ﴿ الجاهِلِيَّةِ الأُولى ﴾ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: ما بَيْنَ عِيسى ومُحَمَّدٍ عَلَيْهِما السَّلامُ، قالَهُ الشَّعْبِيُّ وابْنُ أبِي نَجِيحٍ.

الثّانِي: زَمانُ إبْراهِيمَ، قالَهُ مُقاتِلٌ والكَلْبِيُّ، وكانَتِ المَرْأةُ في ذَلِكَ الزَّمانِ تَلْبَسُ دِرْعًا مُفَرَّجًا لَيْسَ عَلَيْها غَيْرُهُ وتَمْشِي في الطَّرِيقِ، وكانَ زَمانَ نَمْرُودَ.

الثّالِثُ: أنَّهُ ما بَيْنَ آدَمَ ونُوحٍ عَلَيْهِما السَّلامُ ثَمانَمِائَةِ سَنَةٍ، وكانَ نِساؤُهم أقْبَحَ ما تَكُونُ النِّساءُ، ورِجالُهم حِسانٌ، وكانَتِ المَرْأةُ تُرِيدُ الرَّجُلَ عَلى نَفْسِها، فَهو تَبَرُّجُ الجاهِلِيَّةِ الأُولى: قالَهُ الحَسَنُ.

الرّابِعُ: أنَّهُ ما بَيْنَ نُوحٍ وإدْرِيسَ.

رَوى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الجاهِلِيَّةَ الأُولى كانَتْ ألْفَ سَنَةٍ.

وَفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ كانَتِ المَرْأةُ في زَمانِها تَجْمَعُ زَوْجًا وخِلْمًا، والخِلْمُ الصّاحِبُ، فَتَجْعَلُ لِزَوْجِها النِّصْفَ الأسْفَلَ ولِخِلْمِها نِصْفَها الأعْلى، ولِذَلِكَ يَقُولُ بَعْضُ الخُلُومِ فَهَلْ لَكَ في البِدالِ أبا خَبِيبٍ ∗∗∗ فَأرْضى بِالأكارِعِ والعَجُوزِ الثّانِي: وهو مَبْدَأُ الفاحِشَةِ، وهو أنَّ بَطْنَيْنِ مِن بَنِي آدَمَ كانَ أحَدُهُما يَسْكُنُ السَّهْلَ، والآخَرُ يَسْكُنُ الجَبَلَ، وكانَ رِجالُ الجَبَلِ صُباحًا وفي النِّساءِ دَمامَةٌ، وأنَّ إبْلِيسَ اتَّخَذَ لَهم عِيدًا فاخْتَلَطَ أهْلُ السَّهْلِ بِأهْلِ الجَبَلِ فَظَهَرَتِ الفاحِشَةُ فِيهِمْ، فَهو تَبَرُّجُ الجاهِلِيَّةِ الأُولى.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ ﴾ وفي الرِّجْسِ ها هُنا سِتَّةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: الإثْمُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: الشِّرْكُ، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّالِثُ: الشَّيْطانُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

الرّابِعُ: المَعاصِي.

الخامِسُ: الشَّكُّ.

السّادِسُ: الأقْذارُ.

وَفي قَوْلِهِ تَعالى ﴿ أهْلَ البَيْتِ ﴾ - ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ عَنى عَلِيًّا وفاطِمَةَ والحَسَنَ والحُسَيْنَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم، قالَهُ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ وأنَسُ بْنُ مالِكٍ وعائِشَةُ وأُمُّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم.

الثّانِي: أنَّهُ عَنى أزْواجَ النَّبِيِّ  خاصَّةً، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ.

الثّالِثُ: أنَّها في الأهْلِ والأزْواجِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

﴿ وَيُطَهِّرَكم تَطْهِيرًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مِنَ الإثْمِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: مِنَ السُّوءِ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّالِثُ: مِنَ الذُّنُوبِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ، ومَعانِيها مُتَقارِبَةٌ.

وَفِي تَأْوِيلِ هَذِهِ الآيَةِ لِأصْحابِ الخَواطِرِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يُذْهِبُ عَنْكم رِجْسَ الأهْواءِ والتَّبَرُّجِ ويُطَهِّرُكم مِن دَنَسِ الدُّنْيا والمَيْلِ إلَيْها.

الثّانِي: يُذْهِبُ عَنْكم رِجْسَ الغِلِّ والحَسَدِ، ويُطَهِّرُكم بِالتَّوْفِيقِ والهِدايَةِ.

الثّالِثُ: يُذْهِبُ عَنْكم رِجْسَ البُخْلِ والطَّمَعِ ويُطَهِّرُكم بِالسَّخاءِ والإيثارِ، رَوى أبُو لَيْلى الكِنْدِيُّ «عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ عَلى النَّبِيِّ  وهو في بَيْتِها عَلى مَنامٍ لَهُ، عَلَيْهِ كِساءٌ خَيْبَرِيٌّ.

» قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ واذْكُرْنَ ما يُتْلى في بُيُوتِكُنَّ مِن آياتِ اللَّهِ ﴾ قالَ قَتادَةُ: القُرْآنُ.

﴿ والحِكْمَةِ ﴾ فِيها وجْهانِ: أحَدُهُما: السُّنَّةُ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: الحَلالُ والحَرامُ والحُدُودُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

﴿ إنَّ اللَّهَ كانَ لَطِيفًا خَبِيرًا ﴾ قالَ عَطِيَّةُ العَوْفِيُّ: لَطِيفًا بِاسْتِخْراجِها خَبِيرًا بِمَوْضِعِها.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ومن يقنت منكن لله ورسوله وتعمل صالحاً ﴾ قال: يقول من يطع الله منكن، وتعمل صالحاً لله ورسوله بطاعته.

وأخرج ابن سعد عن عطاء بن يسار رضي الله عنه في قوله: ﴿ ومن يقنت منكن لله ورسوله ﴾ يعني تطيع الله ورسوله ﴿ وتعمل صالحاً ﴾ تصوم وتصلي.

وأخرج الطبراني عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أربعة يؤتون أجرهم مرتين.

منهم أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن جعفر بن محمد رضي الله عنه يجري أزواجه مجرانا في الثواب والعقاب.

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ لستن كأحد من النساء ﴾ قال: كأحد من نساء هذه الأمة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ يا نساء النبي لَسْتُنَّ كأحد....

﴾ الآية.

يقول: أنتن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، ومعه تنظرن إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وإلى الوحي الذي يأتيه من السماء، وأنتن أحق بالتقوى من سائر النساء، ﴿ فلا تخضعن بالقول ﴾ يعني الرفث من الكلام.

أمرهن أن لا يَرْفِثْنَ بالكلام ﴿ فيطمع الذي في قلبه مرض ﴾ يعني الزنا.

قال: مقاربة الرجل في القول حتى ﴿ يطمع الذي في قلبه مرض ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ فلا تخضعن بالقول ﴾ قال: لا ترفثن بالقول.

وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ فلا تخضعن بالقول ﴾ يقول: لا ترخصن بالقول، ولا تخضعن بالكلام.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة رضي الله عنه في قوله: ﴿ فيطمع الذي في قلبه مرض ﴾ قال: شهوة الزنا.

وأخرج الطستي عن ابن عباس رضي الله عنهما؛ أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله: ﴿ فيطمع الذي في قلبه مرض ﴾ قال: الفجور والزنا.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم.

أما سمعت الأعشى وهو يقول: حافظ للفرج راضٍ بالتقى ** ليس ممن قلبه فيه مرض وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن زيد بن علي رضي الله عنه قال: المرض مرضان.

فمرض زنا، ومرض نفاق.

وأخرج ابن سعد عن عطاء بن يسار رضي الله عنه في قوله: ﴿ فيطمع الذي في قلبه مرض ﴾ يعني الزنا ﴿ وقلن قولاً معروفاً ﴾ يعني كلاماً ظاهراً ليس فيه طمع لأحد.

وأخرج ابن سعد عن محمد بن كعب رضي الله عنه في قوله: ﴿ وقلن قولاً معروفاً ﴾ يعني كلاماً ليس فيه طمع لأحد.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

وقوله: ﴿ يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ ﴾ قال أبو عبيدة: (أحد) يقع على الأنثى والذكر وعلى ما ليس من الآدميين، يقال: ليس فيها أحد لا شاة ولا بعير (١) وقال أبو إسحاق: لم يقل كواحدة من النساء؛ لأن أحدًا نفي عام للمذكر والمؤنث والواحد والجماعة (٢) ﴿ فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ  ﴾ .

قال قتادة: لستن كأحد من نساء هذه الأمة (٣) قال عطاء عن ابن عباس: يريد ليس قدركن عندي مثل قدر الصالحات من النساء، أنتن أكرم علي وأنا (٤) (٥)  - ﴿ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ ﴾ يريد إن خفتن الله، وشرط عليهن التقوى في كونهن أفضل النساء بيانًا أن فضلهن عند الله إنما يكون بالتقوى لا باتصال أنسابهن بالنبي -  - كي لا يعتمدن على ذلك.

قوله تعالى: ﴿ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ ﴾ قال ابن عباس: يريد لا تلن الكلام لغير رسول الله (٦) (٧) ﴿ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ ﴾ قال ابن عباس والسدى: يريد زنا (٨) وقال مقاتل: يعني: (٩) (١٠) (١١) والمعنى: لا تقلن قولًا يجد منافق أو فاجر به سبيلا إلى أن يطمع في موافقتكن له، ولهذا قال أصحابنا: المرأة مندوبة إذا خاطبت الأجانب إلى الغلظة في المقالة.

لأن ذلك أبعد من الطمع في الزينة، وكذلك إذا خاطبت محرمًا عليها بالمصاهرة.

ألا ترى أن الله تعالى أوصى أمهات المؤمنين وهن محرمات على التأبيد بهذه الوصية.

قوله تعالى: ﴿ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا ﴾ قال ابن عباس: يكلمن بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (١٢) (١٣) وقال أبو إسحاق: أي قلن ما يوجبه [الدين] (١٤) (١٥) (١) انظر: "مجاز القرآن" 2/ 137.

(٢) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 224.

(٣) انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 116، "الطبري" 22/ 2، "الماوردي" 4/ 398.

(٤) في (ب): (فأنا).

(٥) انظر: "الوسيط" 3/ 469، "البغوي" 3/ 527، "زاد المسير" 6/ 78.

(٦) انظر: "تفسير ابن عباس" ص 353، "البحر المحيط" 7/ 222، وذكره الفراء في "معاني القرآن" 2/ 222، ولم ينسبه لأحد.

(٧) انظر: "ابن أبي حاتم" 9/ 3130، "ابن كثير" 3/ 482، "زاد المسير" 6/ 599.

(٨) انظر: "تفسير الماوردي" 4/ 399، "تفسير ابن عباس" ص 353.

(٩) في (ب): (يريد).

(١٠) انظر: "تفسير مقاتل" 91 ب.

(١١) انظر: "تفسير الطبري" 22/ 3، "القرطبي" 14/ 177، "مجمع البيان" 8/ 558.

(١٢) انظر: "تفسير القرطبي" 14/ 178، ولم أجد من ذكر هذا القول غيره.

(١٣) انظر: "الماوردي" 4/ 399، وذكر القول ابن الجوزي 6/ 379، ولم ينسبه لأحد.

(١٤) (الدين) غير واضح في النسخ، والتصحيح من "معاني القرآن" للزجاج 4/ 224.

(١٥) "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 224.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النسآء إِنِ اتقيتن ﴾ فضلهن الله على النساء بشرط التقوى، وقد حصل لهن التقوى فحصل التفضيل على جميع النساء، إلا أنه يخرج من هذا العموم فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومريم بن عمران وآسية امرأة فرعون لشهادة رسول الله صلى الله عليه وسلم لكل واحدة منهن بأنها سيدة نساء عالمها ﴿ فَلاَ تَخْضَعْنَ بالقول ﴾ نهى عن الكلام اللين الذي يعجب الرجال ويميلهن إلى النساء ﴿ فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ ﴾ أي فجور وميل للنساء، وقيل: هو النفاق، وهذا بعيد في هذا الموضع ﴿ وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفاً ﴾ هو الصواب من الكلام أو الذي ليس فيه شيء مما نهى عنه.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ أسوة ﴾ بضم الهمزة حيث كان: عاصم وعباس.

الآخرون: بكسرها ﴿ نضعف ﴾ بالنون وكسر العين ﴿ العذاب ﴾ بالنصب: ابن كثير وابن عامر، وقرأ أبو عمرو ويزيد ويعقوب بالياء المضمومة والعين مفتوح وبرفع العذاب.

الآخرون: مثله ولكن بالألف من المضاعفة ﴿ ويعمل صالحا يؤتها ﴾ على التذكير والغيبة: حمزة وعلي وخلف وافق المفضل في ﴿ ويعمل ﴾ الباقون: بتأنيث الأول وبالنون في الثاني.

﴿ وقرن ﴾ بفتح القاف: أبو جعفر ونافع وعاصم غير هبيرة.

الباقون: بكسرها.

﴿ ولا تبرجن ﴾ ﴿ أن تبدل ﴾ بتشديد التاءين: البزي وابن فليح أن يكون على التذكير: عاصم وحمزة وعلي وخلف وهشام.

﴿ وخاتم ﴾ بفتح التاء بمعنى الطابع: عاصم.

الباقون: بكسرها.

الوقوف: ﴿ كثيراً ﴾ ه لإبتداء القصة ﴿ الأحزاب ﴾ لا لأن ﴿ قالوا ﴾ جواب "لما" ﴿ رسوله ﴾ الثاني ز لاحتمال الاستئناف والحال أوجه ﴿ وتسليما ﴾ ط ﴿ عليه ﴾ ج لابتداء التفصيل مع الفاء ﴿ ينتظر ﴾ لا لاحتمال الحال وجانب الابتداء بالنفي أرجح ﴿ تبديلا ﴾ ه لا إلا عند ابي حاتم ﴿ عليهم ﴾ ط ﴿ رحيما ﴾ ه لا للآية لاحتمال كون ما بعده صفة أو استئنافاً ﴿ شجرها ﴾ ط ﴿ مع الله ﴾ ط ﴿ يعدلون ﴾ ه ﴿ حاجزاً ﴾ ط ﴿ مع الله ﴾ ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ط ﴿ خلفاء الأرض ﴾ ه ط ﴿ مع الله ﴾ ط ﴿ ما تذكرون ﴾ ه ط ﴿ رحمته ﴾ ط ﴿ مع الله ﴾ ط ﴿ يشركون ﴾ ط ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ مع الله ﴾ ط ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ الا الله ﴾ ط ﴿ يبعثون ﴾ ه ﴿ عمون ﴾ ه.

التفسير: القصة الرابعة قصة ثمود، والفريقان المؤمن والكافر.

وقيل: صالح وقومه قبل أن يؤمن منهم أحد.

والاختصام قول كل فريق الحق معي، وفيه دليل على أن الجدال في باب الدين حق.

ومعنى استعجالهم بالسيئة قبل الحسنة أنه  قد مكنهم من التوصل إلى رحمة الله وثوابه فعدلوا إلى استعجال عذاب.

وقال جار الله: خاطبهم صالح على حسب اعتقادهم وذلك أنهم قدروا في أنفسهم إن التوبة مقبولة عند رؤية العذاب فقالوا: متى وقعت العقوبة تبنا حينئذ، فالسيئة العقوبة، والحسنة التوبة، و"لولا" للتحضيض أي هلا تستغفرون قبل عيان عذابه ﴿ لعلكم ترحمون ﴾ بأن يكشف العذاب عنكم.

والحاصل أن التوبة يجب أن تقدم على رؤية العذاب ولا يجوز أن تؤخر، وفيه تنبيه على خطئهم وتجهيل لهم ﴿ قالوا اطيرنا ﴾ اي تشاء منا ﴿ بك وبمن معك ﴾ وكانوا قد قحطوا ﴿ قال طائركم ﴾ أي سببكم الذي يجيء منه خيركم وشركم ﴿ عند الله ﴾ وهو قضاؤه وقدره أو أراد عملكم مكتوب عنده ومنه ينزل بكم العذاب.

ومعنى التطير والطائر قد مر في "الأعراف" وفي "سبحان".

ثم جزم بنزول العذاب بقوله ﴿ بل أنتم قوم تفتنون ﴾ أي تعذبون أو تختبرون أو يفتنكم الشيطان بوسوسة الطيرة.

ثم حكى سوء معاملتكم مع نبيهم بقوله ﴿ وكان في المدينة ﴾ يعنى منزلهم المسمى بالحجر وكان بين المدينة والشام ﴿ تسعة رهط ﴾ لم يجمع المميز لأن الرهط في معنى الجمع وهو من الثلاثة إلى العشرة، أو من السبعة إلى العشرة.

وقد عدّ في الكشاف أسماءهم منهم قدار بن سالف عاقر الناقة، وكانوا مفسدين لا يخلطون الإفساد بشيء من الإصلاح ومن جملة ﴿ وتسليماً ﴾ لقضائه.

وقيل: هذا إشارة إلى ما أيقنوا من أن عند الفزع الشديد يكون النصر والجنة كما قال ﴿ أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا  ﴾ إلى آخره.

كان رجال من الصحابة نذروا أنهم إذا لقوا حرباً ثبتوا مع رسول الله  حتى يستشهدوا، فمدحهم الله  بأنهم صدقوا ما عاهدوا أي صدقوا الله فيما عاهدوه عليه.

ويجوز أن يجعل المعاهدة عليه مصدوقاً على المجاز كأنهم قالوا للمعاهد عليه: سنفي بك فإذا وفوا به صدقوه ﴿ فمنهم من قضى نحبه ﴾ أي نذره فقاتل حتى قتل كحمزة ومصعب، وقد يقع قضاء النحب عبارة عن الموت لأن كل حي لا بد له من أن يموت فكأنه نذر لازم في رقبته.

﴿ ومنهم من ينتظر ﴾ الشهادة كعثمان وطلحة ﴿ وما بدلوا تبديلاً ﴾ ما غير كل من الفريقين عهده.

وفيه تعريض بمن بدلوا من أهل النفاق ومرضى القلب فكأنه قال: صدق المؤمنون ونكث المنافقون، فكان عاقبة الصادقين الجزاء بالخير بواسطة صدقهم، وعاقبة أصحاب النفاق التعذيب إن شاء الله إلا أن يتوبوا.

وإنما استثنى لأنه آمن منهم بعد ذلك ناس وإلى هذا أشار بقوله ﴿ إن الله كان غفوراً رحيماً ﴾ حيث رحمهم ورزقهم الإيمان، ويجوز أن يراد يعذب المنافقين مع أنه كان غفوراً رحيماً لكثرة ذنبهم وقوة جرمهم لو كان دون ذلك لغفر لهم ﴿ وردّ الله الذين كفروا ﴾ وهم الأحزاب ملتبسين ﴿ بغيظهم لم ينالوا خيراً ﴾ أي غير ظافرين بشيء من مطالبهم التي هي عندهم خير من كسر أو أسر أو غنيمة.

﴿ وكفى الله المؤمنين القتال ﴾ بواسطة ريح الصبا وبإرسال الملائكة كما قصصنا ﴿ وأنزل الذين ﴾ ظاهروا الأحزاب ﴿ من أهل الكتاب من صياصيهم ﴾ والصيصية ما تحصن به ومنه يقال لقرن الثور والظبي ولشوكة الديك التي في ساقه صيصية لأن كلاً منها سبب التحصن به.

"روي أن جبرائيل  أتى رسول الله  صبيحة الليلة التي انهزم فيها الأحزاب على فرسه الحيزوم والغبار على وجه الفرس وعلى السرج فقال: ما هذا يا جبرائيل؟

فقال: من متابعة قريش: فجعل رسول الله  يمسح الغبار عن وجه الفرس وعن سرجه فقال: يا رسول الله إن الملائكة لم تضع السلاح إن الله يأمرك بالمسير إلى بني قريظة وأنا عائد إليهم فإن الله داقهم دق البيض على الصفا، وإنهم لكم طعمة.

فأذن في الناس ان من كان سامعاً مطيعاً فلا يصلي العصر إلا في بني قريظة، فما صلى كثير من الناس العصر إلا هناك بعد العشاء الآخرة فحصارهم خمساً وعشرين ليلة حتى جهدهم الحصار فقال لهم رسول الله  : تنزلون على حكمي.

فأبوا فقال: على حكم سعد بن معاذ فرضوا به، فقال سعد: حكمت فيهم أن تقتل مقاتلهم وتسبى ذراريهم ونساؤهم، فكبر رسول الله  وقال: لقد حكمت بحكم الله من فوق سبعة ارقعة ثم أنزلهم وخندق في سوق المدينة خندقاً فقدمهم وضرب أعناقهم وهم ثمانمائة إلى تسعمائة" .

وقيل كانوا ستمائة مقاتل وسبعمائة أسير.

وإنما قدم مفعول ﴿ تقتلون ﴾ لأن القتل وقع على الرجال وكانوا مشهورين، وكان الاعتناء بحالهم أشد ولم يكن في المأسورين هذا الاعتناء بل بقاؤهم هناك بالأسر أشد لأنه لو قال و "فريقا تأسرون" فإذا سمع السامع قوله "وفريقاً" ربما ظن أنه يقال بعده يطلقون أو لا يقدرون على أسرهم ولمثل هذا قدم قوله ﴿ وأنزل ﴾ على قوله ﴿ وقذف ﴾ وإن كان قذف الرعب قبل الإنزال وذلك أن الاهتمام والفرح بذكر الإنزال أكثر.

﴿ وأورثكم أرضهم ﴾ التي استوليتم عليها ونزلتم فيها أولاً ﴿ وديارهم ﴾ التي كانت في القلاع فسلموها إليكم ﴿ وأموالهم ﴾ التي كانت في تلك الديار ﴿ وأرضا لم تطؤها ﴾ قيل: هي القلاع أنفسها.

وعن مقاتل: هي خيبر.

وعن قتادة: كنا نحدّث أنها مكة.

وعن الحسن: فارس والروم.

وعن عكرمة: كل أرض تفتح إلى يوم القيامة.

وعن بعضهم: أراد نساؤهم وهو غريب.

ثم أكد الوعد بفتح البلاد بقوله ﴿ وكان الله على كل شيء قديراً ﴾ قال أهل النظم: إن مكارم الأخلاق ترجع أصولها إلى أمرين: التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله وإليها الإشارة بقوله  "الصلاة وما ملكت أيمانكم" ولما أرشد نبيه إلى القسم الأول بقوله ﴿ اتقِ الله ﴾ أرشده إلى القسم الآخر وبدأ بالزوجات لأنهن أولى الناس بالشفقة ولهذا قدّمهنّ في النفقة.

لنبن تفسير الآية على مسائل منها: أن التخيير هل كان واجباً على النبي  أم لا؟

فنقول: التخيير قولاً كان واجباً بالاتفاق لأنه إبلاغ الرسالة، وأما التخيير معنى فمبني على أن الأمر للوجوب أم لا.

ومنها أن واحدة منهن لو اختارت الفراق هل كان يعتبر اختيارها فراقاً؟

والظاهر أنه لا يعتبر فراقاً وإنما تبين المختارة نفسها بإبانة من جهة النبي  لقوله ﴿ فتعالين ﴾ وعلى هذا التقرير فهل كان يجب على النبي  الطلاق أم لا؟

الظاهر الوجوب، لأن خلف الوعد منه غير جائز بخلاف الحال فينا فإِنه لا يلزمنا الوفاء بالوعد شرعاً.

ومنها أن المختارة بعد البينونة هل كانت تحرم على غيره الظاهر نعم ليكون التخيير ممكناً لها من التمتع بزينة الدنيا.

ومنها أن المختارة لله ورسوله هل يحرم طلاقها؟

الظاهر نعم بمعنى أنه لو أتى بالطلاق لعوتب.

وفي تقديم اختيار الدنيا إشارة إلى أنه كان لا يلتفت إليهن كما ينبغي اشتغالاً بعبادة ربه.

وكيفية المتعة وكميتها ذكرناهما في سورة البقرة.

والسراح الجميل كقوله ﴿ أو تسريح بإحسان  ﴾ وفي ذكر الله والدار الآخرة مع ذكر الرسول  وفي قوله ﴿ للمحسنات ﴾ إشارات إلى أن اختيار الرسول  سبب مرضاة الله وواسطة حيازة سعادات الآخرة، وأنه يوجب وصفهن بالإحسان.

والمراد بالأجر العظيم كبره بالذات وحسنه بالصفات ودوامه بحسب الأوقات، فان العظيم لا يطلق إلا على الجسم الطويل العريض العميق الذاهب في الجهات في الامتدادات الثلاثة، وأجر الدنيا في ذاته قليل، وفي صفاته غير خال عن جهات القبح كما في قوله من الضرر والثقل، وكذلك في مشروبه وغيرهما من اللذات ومع ذلك فهو منغص بالانقطاع والزوال.

ويروى أنه حين نزلت الآية بدأ بعائشة وكانت أحبهن إليه فخيرها وقرأ عليها القرآن فاختارت الله ورسوله والدار الآخرة فرؤي الفرح في وجه رسول الله  ، ثم اختار جميعهن اختيارها فشكر ذلك لهنّ الله فأنزل ﴿ لا يحل لك النساء من بعد  ﴾ وروى أنه قال لعائشة إني ذاكر لك أمراً ولا عليك أن تعجلي فيه حتى تستأمري أبويك ثم قرأ عليها القرآن فقالت: أفي هذا استأمر أبوي فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة ثم قالت: لا تخبر أزواجك أني اخترتك فقال: إنما بعثني الله مبلغاً ولم يبعثني متعنتاً أما حكم التخيير في الطلاق فإِذا قال لها: اختاري.

فقالت: اخترت نفسي.

أو قال: اختاري نفسك فقالت: اخترت: لا بد من ذكر النفس في أحد الجانبين.

وقعت طلقة بائنة عند أبي حنيفة وأصحابه إذا كان في المجلس أو لم يشتغل بما يدل على الإعراض.

واعتبر الشافعي اختيارها على الفور وهي عنده طلقة رجعية وهو مذهب عمر وابن مسعود.

وعن الحسن وقتادة والزهري: أمرها بيدها في ذلك المجلس وفي غيره.

وإذا اختارت زوجها لم يقع شيء بالاتفاق لأن عائشة اختارت رسول الله  ولم يعد ذلك طلاقاً وعن علي  مثله في رواية، وفي أخرى أنه عد ذلك واحدة رجعية إذا اختارته، وإذا اختارت نفسها فواحدة بائنة.

وحين خيرهن النبي  واخترن الله ورسوله أدبهن الله وهدّدهن على الفاحشة التي هي أصعب على الزوج من كل ما تأتي به زوجته، وأوعدهن بتخفيف العذاب لأن الزنا في نفسه قبيح ومن زوجة النبي أقبح ازدراء بمنصبه، ولأنها تكون قد اختارت حينئذ غير النبي فلا يكون النبي عندها أولى من الغير ولا من نفسها، وفيه إشارة إلى شرفهن فإن الحرة لشرفها كان عذابها ضعف عذاب الأمة.

وأيضاً نسبة النبي إلى غيره من الرجال نسبة السادة إلى العبيد لكونه أولى بهم من أنفسهم، فكذلك زوجاته اللواتي هن أمهات المؤمنين.

وليس في قوله ﴿ من يأت ﴾ دلالة على أن الإتيان بالفاحشة منهن ممكن الوقوع فإن الله تعالى صان أزواج الأنبياء من الفاحشة ولكنه في قوة قوله ﴿ لئن أشركت ليحبطن عملك  ﴾ ﴿ ولئن اتبعت أهواءهم  ﴾ وقوله ﴿ منكن ﴾ للبيان لا للتبعيض لدخول الكل تحت الإرادة.

وقيل: الفاحشة أريد بها كل الكبائر.

وقيل: هي عصيانهن رسول الله  ونشوزهن وطلبهن منه ما يشق عليه.

وفي قوله ﴿ وكان ذلك على الله يسيراً ﴾ إشارة إلى أن كونهن نساء النبي لا يغني عنهن شيئاً، كيف وإنه سبب مضاعفة العذاب؟

وحين بين مضاعفة عقابهن ذكر زيادة ثوابهن في مقابلة ذلك.

والقنوت الطاعة، ووصف الرزق بالكرم لأن رزق الدنيا لا يأتي بنفسه في العادة وإنما هو مسخر للغير يمسكه ويرسله إلى الأغيار، ورزق الآخرة بخلاف ذلك.

ثم صرح بفضيلة نساء النبي بأنهن لسن كأحد من النساء كقولك: ليس فلان كآحاد الناس أي ليس فيه مجرد كونه إنساناً بل فيه وصف أخص يوجد فيه ولا يوجد في أكثرهم كالعلم أو العقل أو النسب أو الحسب.

قال جار الله: أحد في الأصل بمعنى وحد وهو الواحد، ثم وضع في النفي العام مستوياً فيه المذكر والمؤنث.

والواحد وما وراءه.

والمعنى، إذا استقريت أمة النساء جماعة جماعة لم توجد منهن من جماعة واحدة تساويكن في الفضل.

وقوله ﴿ إن اتقيتن ﴾ احتمل أن يتعلق بما قبله وهو ظاهر، واحتمل أن يتعلق بما بعده أي ان كنتن متقيات فلا تجبن بقولكن خاضعاً ليناً مثل كلام المريبات ﴿ فيطمع الذي في قلبه مرض ﴾ أي ريبة وفجور.

وحين منعهن من الفاحشة ومن مقدماتها ومما يجرّ إليها أشار إلى أن ذلك ليس أمراً بالإِيذاء والتكبر على الناس بل القول المعروف عند الحاجة هو المأمور به لا غير.

ثم أمرهن بلزوم بيوتهن بقوله ﴿ وقرن ﴾ بفتح القاف أمر من القرار بإسقاط أحد حرفي التضعيف كقوله ﴿ فظلتم تفكهون  ﴾ واصله "إقررن".

من قرأ بكسرها فهو أمر من قر يقر قراراً أو من قر يقر بكسر القاف.

وقيل: المفتوح من قولك قار يقار إذا اجتمع.

والتبرج إظهار الزينة كما مر في قوله ﴿ غير متبرجات بزينة  ﴾ وذلك في سورة النور.

والجاهلية الأولى هي القديمة التي كانت في أول زمن إبراهيم  ، أو ما بين آدم ونوح، أو بين إدريس ونوح، أو في زمن داود وسليمان.

والجاهلية الأخرى ما بين عيسى ومحمد  .

وقيل: الأولى جاهلية الكفر، والأخرى الفسق والابتداع في الإسلام.

وقيل: إن هذه أولى ليست لها أخرى بل معناه تبرج الجاهلية القديمة، وكانت المرأة تلبس درعاً من اللؤلؤ فتمشي وسط الطريق تعرض نفسها على الرجال.

ثم أمرهن أمراً خاصاً بالصلاة والزكاة ثم عاماً في جميع الطاعات، ثم علل جميع ذلك بقوله ﴿ إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس ﴾ فاستعار للذنوب الرجس، وللتقوى الطهر.

وإنما أكد إزالة الرجس بالتطهير لأن الرجس قد يزول ولم يطهر المحل بعد و ﴿ أهل البيت ﴾ نصب على النداء أو على المدح وقد مر في آية المباهلة أنهم أهل العباء النبي  لأنه أصل، وفاطمة  ما والحسن والحسين  ما بالاتفاق.

والصحيح أن علياً  منهم لمعاشرته بنت النبي  وملازمته إياه.

وورود الآية في شأن أزواج النبي  يغلب على الظن دخولهن فيهن، والتذكير للتغليب.

فإن الرجال وهم النبي وعلي وأبناؤهم غلبوا على فاطمة وحدها أو مع أمهات المؤمنين.

ثم أكد التكاليف المذكورة بأن بيوتهن مهابط الوحي ومنازل الحكم والشرائع الصادرة من مشرع النبوة ومعدن الرسالة.

ثم ختم الآية بقوله ﴿ إن الله كان لطيفا خبيراً ﴾ إيذاناً بأن تلك الأوامر والنواهي لطف منه في شأنهن وهو أعلم بالمصطفين من عبيده المخصوصين بتأييده.

يروى أن أم سلمة أو كل أزواج النبي صلى الله عليه ولم قلن: يا رسول الله ذكر الله الرجال في القرآن ولم يذكر النساء فنحن نخاف أن لا يقبل منا طاعة فنزلت ﴿ إن المسلمين والمسلمات ﴾ وذكر لهن عشر مراتب: الأولى التسليم والانقياد لأمر الله، والثانية الإيمان بكل ما يجب أن يصدّق به فإن المكلف يقول أولاً كل ما يقول الشارع فأنا أقبله فهذا إسلام، فإذا قال له شيئاً وقبله صدق مقالته وصحح اعتقاده.

ثم إن اعتقاده يدعوه إلى الفعل الحسن والعمل الصالح فيقنت ويعبد وهو المرتبة الثالثة، ثم إذا آمن وعمل صالحاً كمل غيره ويأمر بالمعروف وينصح أخاه فيصدق في كلامه عند النصيحة وهو المراد بقوله ﴿ والصادقين والصادقات ﴾ ثم إن الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر يصيبه أذى فيصبر عليه كما قال في قصة لقمان ﴿ واصبر على ما أصابك  ﴾ أي بسببه.

ثم إنه إذا كمل في نفسه وكمل غيره قد يفتخر بنفسه ويعجب بعبادته فمنعه منه بقوله ﴿ والخاشعين والخاشعات ﴾ وفيه إشارة إلى الصلاة لأن الخشوع من لوازمها ﴿ قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون ﴾ \[المؤمنون: 1 - 2\] فلذلك أردفها بالصدقة.

ثم بالصيام المانع مطلقاً من شهوة البطن فضم إلى ذلك الحفظ من شهوة الفرج التي هي ممنوع منها في الصوم مطلقاً وفي غير الصوم مما وراء الأزواج والسراري.

ثم ختم الأوصاف بقوله ﴿ والذاكرين الله كثيراً ﴾ يعني أنهم في جميع الأحوال يذكرون الله يكون إسلامهم وإيمانهم وقنوتهم وصدقهم وصومهم وحفظهم فروجهم لله.

وإنما وصف الذكر بالكثرة في أكثر المواضع فقال في أوائل السورة ﴿ لمن يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً ﴾ وقال في الآية ﴿ والذاكرين الله كثيراً ﴾ ويجيء بعد ذلك ﴿ يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكراً كثيراً ﴾ لأن الإكثار من الأفعال البدنية متعسر يمنع الاشتغال ببعضها من الاشتغال بغيرها بحسب الأغلب، ولكن لا مانع من أن يذكر الله وهو آكل أو شارب أو ماشٍ أو نائم أو مشغول ببعض الصنائع والحرف، على أن جميع الأعمال صحتها أو كمالها بذكر الله  وهي النية.

قال علماء العربية: في الآية عطفان: أحدهما عطف الإناث على الذكور، والآخر عطف مجموع الذكور والإناث على مجموع ما قبله.

والأول يدل على اشتراك الصنفين في الوصف المذكور وهو الإسلام في الأول والإيمان في الثاني إلى آخر الأوصاف، والثاني من باب عطف الصفة على الصفة فيؤل معناه إلى أن الجامعين والجامعات لهذه الطاعات أعد الله لهم.

وحين انجر الكلام من قصة زيد إلى ههنا عاد إلى حديثه، قال الراوي: خطب رسول الله  زينب بنت جحش وكانت أمهات أميمة بنت عبد المطلب على مولاه زيد بن حارثة فأبت وأبى أخوها عبد الله فنزلت ﴿ وما كان لمؤمن ولا مؤمنة ﴾ الآية.

فقالا: رضينا يا رسول الله فأنكحها إياه وساق عنه المهر ستين درهماً وخماراً وملحفة ودرعاً وإزاراً وخمسين مداً من طعام وثلاثين صاعاً من تمر.

وقيل: نزلت في أن كلثوم بنت عقبة بن ابي معيط وهي أول من هاجر من النساء وهبت نفسها للنبي  فقال: قد قبلت، وزوّجها زيداً فسخطت هي وأخوها وقالا: إنما أردنا رسول الله  فزوّجها عبده، وقال أهل النظم: إنه  لما أمر نبيه أن يقول لزوجاته إنهن مخيرات فهم منه أن النبي  لا يريد ضرر الغير فعليه أن يترك حق نفسه لحظ غيره، فذكر في هذه الآية أنه لا ينبغي أن يظن ظانّ أن هوى نفسه متبع، وأن زمام الاختيار بيد الإنسان كما في حق زوجات النبي، بل ليس لمؤمن ولا مؤمنة أن يكون له اختيار عند حكم الله ورسوله، فأمر الله هو المتبع وقضاء الرسول هو الحق، ومن خالف الله ورسوله فقد ضل ضلالاً مبيناً، لأن المقصود هو الله والهادي هو النبي، فمن ترك المقصد وخالف الدليل ضل ضلالاً لا يرعوي بعده.

ثم إن رسول الله  أبصر زينب ذات يوم بعد ما أنكحها زيداً فوقعت في نفسه فقال: سبحان الله مقلب القلوب، وذلك أنه  لم يردها أولاً، لعله أي لم يلده الخ تأمل ولو ارادها لاختطبها.

وسمعت زينب بالتسبيحة فذكرتها لزيد ففطن وألقى الله في نفسه كراهة صحبتها والرغبة عنها لأجل رسول الله  فقال: إني أريد أن أفارق صاحبتي.

فقال: ما لك أرى بك شيء منها؟

قال: لا والله ما رأيت منها إلا خيراً ولكنها تتكبر عليّ لشرفها.

فقال له: أمسك عليك زوجك واتق الله ثم طلقها بعد.

فلما اعتدت قال رسول الله  : ما أجد أحداً أوثق في نفسي منك اخطب عليّ زينب.

قال زيد: فانطلقت فإذا هي تخمر عجينها فلما رأيتها عظمت في صدري حتى ما أستطيع أن أنظر إليها حين علمت أن رسول الله  ذكرها فوليتها ظهري وقلت: يا زينب أبشري إن رسول الله يخطبك.

ففرحت وقالت: ما أنا بصانعة شيئاً حتى أؤامر ربي.

فقامت إلى مسجدها ونزل القرآن فتزوّجها رسول الله  ودخل بها، وما أولم على امرأة من نسائه ما أولم عليها، ذبح شاة وأطعم الناس الخبز واللحم حتى امتد النهار ولنرجع إلى ما يتعلق بتفسير الألفاظ.

قوله ﴿ للذي ﴾ يعني زيداً ﴿ أنعم الله عليه ﴾ بالإيمان الذي هو أجل النعم وبتوفيق الأسباب حتى تبناه رسوله ﴿ وأنعمت عليه ﴾ أي بالإعتاق وبأنواع التربية والاختصاص.

وقوله ﴿ واتق الله ﴾ أي في تطليقها فلا تفارقها.

نهي تنزيه لا تحريم، أو أراد اتق فلا تذمها بالنسبة إلى الكبر وإيذاء الزوج.

الذي أخفى النبي  في نفسه هو تعلق قلبه بها أو مودّة مفارقة زيد إياها أو علمه بأن زيداً سيطلقها.

وعن عائشة لو كتم رسول الله  شيئاً مما أوحي إليه لكتم هذه الآية، وذلك أن فيه نوع تخالف الظاهر والباطن في الظاهر وليس كذلك في الحقيقة، لأن ميل النفس ليس يتعلق باختيار الآدمي فلا يلام عليه، ولا هو مأمور بإبدائه.

والذي أبداه كان مقتضى النصح والإشفاق والخشية والحياء من قالة الناس إن قلب النبي مال إلى زوجة دعيه فبهذا القدر عوتب بقوله ﴿ والله أحق أن تخشاه ﴾ فإِن حسنات الأبرار سيئات المقربين.

فلعل الأولى بالنبيّ أن يسكت عن إمساكه حذراً من عقاب الله على ترك الأولى كما سكت عن تطليقه حياء من الناس.

قال جار الله: الواوات في قوله ﴿ وتخفى ﴾ ﴿ وتخشى ﴾ ﴿ والله ﴾ للحال.

ويجوز أن تكون للعطف كأنه قيل: وإذ تجمع بين قولك أمسك وإخفاء خلافه وخشية الناس ﴿ والله أحق أن تخشاه ﴾ حتى لا تفعل مثل ذلك.

قوله ﴿ فلما قضى زيد منها ﴾ حاجته ولم يبق له بها رغبة وطلقها وانقضت عدتها ﴿ زوّجناكها ﴾ نفياً للحرج عن المؤمنين في مثل هذه القضية فإن الشرع كما يستفاد من قول النبي  يستفاد من فعله ايضاً، بل الثاني يؤكد الأول.

ألا ترى أنه لما ذكر ما فهم منه حلّ الضب ثم لم يأكل بقي في النفوس شيء، وحيث أكل لحم الجمل طاب أكله مع أنه لا يؤكل في بعض الملل وكذلك الأرنب، وقوله ﴿ إذا قضوا منهن وطراً ﴾ يفهم منه نفي الحرج عند قضاء الوطر بالطريق الأولى.

عن الخليل: قضاء الوطر بلوغ كل حاجة يكون فيها همة وأراد بها في الآية الشهوة.

وقيل: التطليق.

فلا إضمار على هذا ﴿ وكان أمر الله مفعولاً ﴾ مكوناً لا محالة.

ومن جملة أوامره ما جرى من قصة زينب، ثم نزه النبي  عن قالة الناس بقوله ﴿ ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله ﴾ أي قسم وأوجب ﴿ له ﴾ و ﴿ سنة الله ﴾ مصدر مؤكد لما قبله أي سن الله نفي الحرج سنة في الأنبياء الذين خلوا فكان من تحته أزواج كثيرة كداود وسليمان وسيجيء قصتهما في سورة ص.

ومعنى ﴿ قدراً مقدوراً ﴾ قضاء مقضياً هكذا قاله المفسرون ولعل قوله ﴿ وكان أمر الله مفعولاً ﴾ إشارة إلى القضاء، وهذا الأخير إشارة إلى القدر وقد عرفت الفرق بينهما مراراً.

وفي قوله ﴿ ولا يخشون أحداً إلا الله ﴾ تعريض بما صرح به في قوله ﴿ وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه ﴾ والحسيب الكافي للمخاوف أو المحاسب على الصغائر والكبائر فيجب أن لا يخشى إلا هو.

ثم أكد مضمون الآي المتقدمة وهو أن زيداً لم يكن ابناً له فقال ﴿ ما كان محمد أبا أحد ﴾ فكان لقائل أن يقول: أما كان أباً للطاهر والطيب والقاسم وإبراهيم فلذلك قيل ﴿ من رجالكم ﴾ فخرجوا بهذا القدر من جهتين: إحداهما أن هؤلاء لم يبلغوا مبلغ الرجال، وبهذا الوجه يخرج الحسن والحسين أيضاً من النفي لأنهما لم يكونا بالغين حينئذ.

والأخرى أنه أضاف الرجال إليهم وهؤلاء رجاله لا رجالهم وكذا الحسن والحسين، أو أراد الأب الأقرب.

ومعنى الاستدراك في قوله ﴿ ولكن رسول الله ﴾  إثبات الأبوة من هذه الجهة لأن النبي كالأب لأمته من حيث الشفقة والنصيحة ورعاية حقوق التعظيم معه، وأكد هذا المعنى بقوله ﴿ وخاتم النبيين ﴾ لأن النبي إذا علم أن بعده نبياً آخر فقد ترك بعض البيان والإرشاد إليه بخلاف ما لو علم أن ختم النبوة عليه ﴿ وكان الله بكل شيء عليماً ﴾ ومن جملة معلوماته أنه لا نبي بعد محمد  ومجيء عيسى  في آخر الزمان لا ينافي ذلك لأنه ممن نبئ قبله وهو يجيء على شريعة نبيناً مصلياً إلى قبلته وكأنه بعض أمته.

التأويل: ﴿ لقد كان لكم في رسول الله أسوة ﴾ أي كان في الأول مقدراً لكم متابعة رسول الله  فتعلقت قدرتنا بإخراج أرواحكم من العدم إلى الوجود عقيب إخراج روح الرسول من العدم إلى الوجود "أول ما خلق الله نوري أو روحي" وبحسب القرب إلى روح الرسول والبعد عنه يكون حال الأسوة، وكل ما يجري على الإنسان من بداية عمره إلى نهاية عمره من الأفعال والأقوال والأخلاق والأحوال.

فمن كان يرجو الله كان عمله خالصاً لوجه الله  ، ومن كان يرجو اليوم الآخر يكون عمله للفوز بنعيم الجنان.

وكل هذه المقامات مشروط بالذكر وهو كلمة "لا إله إلا الله محمد رسول الله" نفياً وإثباتاً، وهما قدمان للسائرين إلى الله وجناحان للطائرين بالله.

﴿ ولما رأى المؤمنون الأحزاب ﴾ المجتمعين على إضلالهم واهلاكهم من النفس وصفاتها، والدنيا وزينتها، والشيطان واتباعه ﴿ قالوا ﴾ متوكلين على الله ﴿ هذا ما وعدنا الله ورسوله ﴾ أن البلاء موكل بالأنبياء والأولياء ثم الأمثل فالأمثل ﴿ من المؤمنين رجال ﴾ يتصرفون في الموجودات تصرف الذكور في الإناث ﴿ صدقوا ما عاهدوا الله عليه ﴾ أن لا يعبدوا غيره في الدنيا والعقبى.

﴿ فمنهم من قضى نحبه ﴾ فوصل إلى مقصده ﴿ ومنهم من ينتظر ﴾ الوصول وهو في السير وهذا حال المتوسطين ﴿ وكفى الله المؤمنين القتال ﴾ بريح القهر أذهبت على النفوس فأبطلت شهواتها، وعلى الشيطان فردت كيده، وعلى الدنيا فأزالت زينتها.

﴿ وأنزل الذين ظاهروهم ﴾ أي أعانوا النفس والشيطان والهوى على القلوب من أهل الكتاب طالبي الرخص لأرباب الطلب المنكرين أحوال أهل القلوب ﴿ من صياصيهم ﴾ هي حصون تكبرهم وتجبرهم، وأنزل وقعهم من حصون اعتقاد أرباب الطلب كيلا يقتدوا بهم ولا يغتروا بأقوالهم، وقذف بنور قلوبهم في قلوب النفوس والشياطين الرعب ﴿ فريقاً تقتلون ﴾ وهم النفس وصفاتها والشيطان وأتباعه ﴿ وتأسرون فريقاً ﴾ وهم الدنيا وجاهها ﴿ وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم ﴾ لتنفقوا في سبيل الله وتجعلوها بذر مزرعة الآخرة ﴿ وارضاً لم تطئوها ﴾ يشير إلى مقامات وكمالات لم يلغوها فيبلغوها باستعمال الدنيا فإن ذلك بعد الوصول لا يضر لأنه يتصرف بالحق للحق.

﴿ قل لأزواجك ﴾ فيه إشارة إلى أن حب الدنيا يمنعهن من صحبة النبي  مع أنهن محال النطفة الإنسانية الروحانية الربانية، والأجر العظيم هو لقاء الله العظيم فمن أحب غير الله وإن كان الجنة نقص من الأجر بقدر ذلك إلا محبة النبي  ، لأن محبة الجنة بالحظ دون الحق فيها ما تشتهي الأنفس، ومحبة النبي  بالحق لا الحظ ﴿ قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله  ﴾ ومضاعفة العذاب سقوطهن عن قرب الله وعن الجنة كما أن إيتاء الأجر مرتين عبارة عن هذين، وكان من دعاء السري السقطي: اللهم إن كنت تعذبني بشيء فلا تعذبني بذل الحجاب.

والرزق الكريم رزق المشاهدات الربانية ﴿ يا نساء النبي ﴾ هم الذين اسلموا أرحام قلوبهم لتصرفات ولاية الشيخ ليست أحوالهم كأحوال غيرهم من الخلق ﴿ إن اتقيتن ﴾ بالله من غيره ﴿ فلا تخضعن بالقول ﴾ لشيء من الدارين فإن كثيراً من الصادقين خضعوا بالقول لأرباب الدنيا الذين في قلوبهم مرض حب المال والجاه فاستجروهم ووقعوا في ورطة الهلاك والحجاب.

فالقول المعروف وهو المتوسط الذي لا يكون فيه الميل الكلي إلى أهل الدنيا أصوب وإلى الحق أقرب.

﴿ وقرن في بيوتكن ﴾ من عالم الملكوت ﴿ ولا تبرجن ﴾ في عالم الحواس راغبين في زينة كعادة الجهلة ﴿ وأقمن الصلاة ﴾ التي هي معراج المؤمن يرفع يده من الدنيا ويكبر عليها ويقبل على الله بالإعراض عما سواه، ويرجع من مقام تكبر الإنسان إلى خضوع ركوع الحيوان، ومنه إلى خشوع سجود النبات، ثم إلى قعود الجماد فإنه بهذا الطريق أهبط إلى أسفل القالب فيكون رجوعه بهذا الطريق إلى أن يصل إلى مقام الشهود الذي كان فيه في البداية الروحاينة، ثم يتشهد بالتحية والثناء على الحضرة، ثم يسلم عن يمينه على الآخرة وما فيها وعن شماله على الدنيا وما فيها.

وإيتاء الزكاة بذل الوجود المجازي لنيل الوجود الحقيقي.

الرجس لوث الحدوث، والبيت لأهل الوحدة بيت القلب يتلى فيه آيات الواردات والكشوف.

إن الذين استسلموا للأحكام الأزلية وآمنوا بوجود المعارف الحقيقية، وقتنوا أي أغرقوا الوجود في الطاعة والعبودية، وصدقوا في عهدهم وصبروا على الخصال الحميدة وعن الأوصاف الذميمة، وخشعوا أي أطرقت سريرتهم عند بواده الحقيقة، وتصدقوا بأموالهم وأعراضهم حتى لم يبق لهم مع أحد خصومة، وصاموا بالإمساك عن الشهوات وعن رؤية الدرجات، وحفظوا فروجهم في الظاهر عن الحرام وفي الباطن عن زوائد الحلال، وذكروا الله بجميع أجزاء وجودهم الجسمانية والروحانية.

﴿ وما كان لمؤمن ولا مؤمنة ﴾ إذا صدر أمر المكلف أو عليه، فإن كان مخالفاً للشرع وجب عليه الإنابة والاستغفار، وإن كان موافقا للشرع فإن كان موافقا لطبعه وجب عليه الشكر، وإن كان مخالفاً لطبعه وجب أن يستقبله بالصبر والرضا.

وفي قوله ﴿ والله أحق أن تخشاه ﴾ دلالة على أن المخلصين على خطر عظيم حتى إنهم يؤاخذون بميل القلب وحديث النفس وذلك لقوة صفاء باطنهم، فاللطيف أسرع تغيراً.

﴿ فلما قضى زيد منها وطراً ﴾ قضاء شهوته بين الخلق إلى قيام الساعة ﴿ ما كان على النبيّ من حرج ﴾ فيما فيه أمان هو نقصان في نظر الخلق فإنه كمال عند الحق إلا إذا كان النظر للحق ﴿ ولكن رسول الله ﴾  فيه أن نسبة المتابعين إلى حضرة الرسول  كنسبة الابن إلى الأب الشفيق ولهذا قال "كل حسب ونسب ينقطع إلاّ حسبي ونسبي" <div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا ﴾ .

قال بعض أهل التأويل: إنهن جلسن، فجعلن يخترن الأزواج في حياة رسول الله، فنزلت الآية توبيخاً لهن وتعييراً على ذلك.

لكن هذا بعيد محال: لا يحتمل أن يكون أزواجه يخترن الأزواج، وهن تحته في حياته؛ فذلك سوء الظن بهن.

وقال بعضهم: إنهن طلبن النفقة منه؛ فنزل ما ذكر.

وقيل: إنهن تحدثن بشيء من الدنيا وركنَّ إليها؛ فنزل ما ذكر عتاباً لهن وتعييراً، ونحو ذلك قد قالوا.

وجائز أن يكون الله يمتحن رسوله وأزواجه بالتخيير واختيار الفراق منه - ابتداء امتحان من غير أن يكون منهن شيء مما ذكروا ولا سبب؛ وعلى ذلك روي في الخبر عن عائشة -  ا - قالت: "لما أمر رسول الله  بتخيير أزواجه؛ بدأ بي فقال: يا عائشة، إني ذاكر لك أمراً، فلا عليك ألا تستعجلي حتى تستأمري أبويك، قالت: وقد علم الله أن أبويّ لم يكونا ليأمراني بفراقه، قالت: ثم قال: إن الله يقول: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا...

﴾ إلى قوله: ﴿ أَجْراً عَظِيماً ﴾ ؛ فقلت أفي هذا أستأمر أبويّ؟!

فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة.

وفعل سائر أزواجه مثل ما فعلت" وفي بعض الأخبار أنها قالت: "بل أختار الله ورسوله والدار الآخرة" ؛ فدل قولها: "لما أمر رسول الله بتخيير أزواجه": أن ذلك من الله ابتداء امتحان، من غير أن كان منهن ما ذكروا من الركون إلى الدنيا والتحدث بما ذكر.

وفيه وجوه من الدلالة: أحدها: إباحة طلب الدنيا وزينتها من وجه يحل ويجمل، حيث قال: ﴿ فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً ﴾ ؛ لأنه لو لم يكن يحل ذلك لهن، وكن منهيات عن ذلك، لكان رسول الله لا يفارقهن؛ حتى لا يخترن المنهي من الأمر، وقد كان يملك حبسهن في ملكه؛ حتى لا يخترن ما ذكره من المنهي؛ دل ذلك - والله أعلم - أن ذلك كان على وجه يحل ويجمل.

وفيه أن رسول الله لم يكن عنده ما ذكر من الدنيا والزينة وما يستمتع بها؛ إذ لو كان عنده ذلك، لم يحتمل أن يخيرهن بالفراق منه لما ذكر وعنده ذلك، ولا هن يخترن الفراق منه وعنده ذلك؛ دل أنه لم يكن عنده ما ذكر، ويبطل قول من يقول: إنه كان عنده الدنيا ويفضل الغناء على الفقر بذلك.

وفيه دلالة: أن أزواجه كن يحللن لغيره في حياته إذا فارقنه؛ لأنهن إذا لم يحللن لغيره لم يكن لقوله: ﴿ فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً ﴾ معنى؛ لأنهن إذا لم يحللن لغيره، وعندهن ما ذكر من الدنيا، يحملهن ذلك على الفجور؛ فدل أنهن كن يحللن لغيره في حياته إذا فارقهن، وإنما لم يحللن لغيره إذا مات؛ فيكون له حكم الحياة كأنه حيّ في حق أزواجه.

ويخرج قوله: ﴿ خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ : في الآخرة لا تحل لغيره؛ فتكون زوجته في الجنة.

ثمّ اختلف الصحابة -  م - فيمن خير امرأته فاختارت: قال بعضهم: إذا خيرها فهو تطليقة رجعية، وإذا اختارت فهي بائنة، وهو قول عليّ.

وقال بعضهم: إذا اختارت نفسها فهي ثلاث، وإذا اختارت زوجها فلا شيء.

وقال بعضهم: إذا اختارت زوجها، فهي تطليقة رجعية، وإن اختارت نفسها فهي تطليقة بائنة.

وعندنا: أن التخيير نفسه لا يكون طلاقاً، فإن اختارت زوجها، لا شيء، وإذا اختارت نفسها؛ فهي بائن.

أما قولنا: إذا اختارت زوجها لا شيء؛ لما روي عن عائشة قالت: "خيرنا رسول الله  فاخترناه" فلم يعد ذلك طلاقا.

وأما قوله: إذا اختارت نفسها فيكون بائنا؛ لأنه خيرها بين أن تختار نفسها لنفسها وبين أن تختار نفسها لزوجها؛ فإن اختارت نفسها [لنفسها] فهي بائن؛ لأنا لو جعلناه رجعيّاً لم يكن اختيارها نفسها لنفسها، ولكن لزوجها؛ إذ لزوجها أن يراجعها شاءت أو أبت، وكان التخيير بين النفسين، على ما ذكرنا.

وأما قول من يقول بأن نفس التخيير طلاق فهو باطل؛ لما ذكرنا من تخيير رسول الله أزواجه؛ فلم يكن ذلك طلاقاً.

وأما من قال بالثلاث إذا اختارت نفسها فهو كذلك عندنا إذا ذكر في التخيير الثلاث.

وأما قول من قال بالرجعي، فهو إذا صرح بالتطليق؛ فهو كذلك، والله أعلم.

وقوله: ﴿ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا ﴾ : الإرادة هاهنا: إرادة الاختيار والإيثار حياة الدنيا وزينتها، لا ميل القلب والرضاء به، وكذلك قوله: ﴿ وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ ﴾ .

هو إرادة الاختيار والإيثار، وهو ما يراد ويختار فعلا، لا ميل القلب والرضاء به؛ لأن كل ممكن فيه الشهوة مجعول فيه هذه الحاجة يميل قلبه، ويركن إلى ما يتمتع بحياة الدنيا ولذاتها، ويرضاه ويحبه؛ فدل أنه أراد إرادة الفعل والاختيار لا إرادة القلب ورضاه.

ثم فيه ما ذكرنا من حلهن لغير رسول الله إذا اخترن الفراق منه؛ لما ذكر أنه يمتعهن ومعلوم أنهن لا يكتسبن بأنفسهن حتى يتمتعن بذلك، ولم يكن عندهن ما يستمتعن؛ فدل أنه إنما يمتعهن بأموال أزواجهن؛ فدل على حلهن لغيره في حياته إذا فارقنه والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ ﴾ .

معلوم أنهن إذا اخترن الحياة الدنيا وزينتها لا يحتمل ألا يردن الله، لكن إضافة ذلك إلى الله لاختيارهن المقام عند رسوله؛ فيدل ذلك أن كل ما أضيف إلى الله ورسوله كان المراد به رسوله؛ نحو ما قال: ﴿ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ  ﴾ ، وقوله: ﴿ قُلِ ٱلأَنفَالُ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ  ﴾ ، وأمثال ذلك.

ثم الزهد في الدنيا يكون بوجهين: أحدهما: ترك المكاسب التي توسع الدنيا، ويكون بها السعة في الدنيا، ويؤثرها لغيرها على نفسه، واختيار حال الضيق من غير تحريم ما أحل وطيب له.

والثاني: بذل ما عنده لغيره وإيثاره على نفسه وجعله أولى به منه، لا في تحريم المحللات والطيبات.

وقوله: ﴿ فَإِنَّ ٱللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْراً عَظِيماً ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْراً عَظِيماً ﴾ ، أي: إذا اخترن المقام عند رسول الله يصرن محسنات بذلك؛ فأعدّ لهن ما ذكر؛ فيكون ذلك الاختيار منهن: الإحسان؛ فاستوجبن ما ذكر: ويحتمل: ﴿ وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾ ، ودمتن على ذلك واكتسبتن الأعمال الصالحات والإحسان حتى ختمتن على ذلك، فأعد لكن ذلك لا بنفس اختيار مقامكن معه، والله أعلم.

وقوله: ﴿ يٰنِسَآءَ ٱلنَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا ٱلْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ ﴾ .

قال بعضهم: الفاحشة المبينة هي النشوز البيّن.

وقال بعضهم: لا، بل الفاحشة المبينة هي الزنا الظاهر، ويقال: مبينة بشهادة أربعة عدول، ومبينة بالكسر، أي: مبينة ظاهرة.

﴿ يُضَاعَفْ لَهَا ٱلْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ ﴾ : الجلد والرجم في الدنيا، ولكن كيف يعرف ضعف الرجم في الدنيا من لا يعرف حدّ رجم واحد إذا كان ذلك في عذاب الدنيا، وإن كان ذلك في عذاب الآخرة؛ فكيف ذكر فاحشة مبينة، وذلك عند الله ظاهر بين؟

وقال بعضهم: ﴿ يُضَاعَفْ لَهَا ٱلْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ ﴾ في الدنيا والآخرة: أما في الدنيا فَمِثْلَيْ حدود النساء، وأما في الآخرة فضعفي ما يعذب سائر النساء، فجائز أن يكون هذا صلة قوله: ﴿ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا ﴾ إذا اخترن الدنيا؛ فمتى أتين بفاحشة ضوعف لهن من العذاب ما ذكر وإذا اخترن المقام عند رسول الله والدار الآخرة آتاهن الأجر مرتين.

أو أن يكون إذا اخترن المقام عند رسول الله والدار الآخرة، ثم أتين بفاحشة ضوعف لهن ما ذكر من العذاب؛ لئلا يحسبن أنهن إذا اخترن الله ورسوله والدار الآخرة، ثم ارتكبن ما ذكر لم يعاقبن، فذكر: أنهن إذا اخترن الله ورسوله والدار الآخرة، ثم ارتكبن ما ذكر عوقبن ضعف ما عوقب به غيرهن، وإذا أطعن الله ورسوله، ضوعف لهن الأجر مرتين، والله أعلم.

والأشبه أن يكون ما ذكر من ضعف العذاب في الآخرة على ما يقول بعض أهل التأويل؛ ألا ترى أنه ذكر لهن الأجر كفلين، ومعلوم أن ذلك في الآخرة؛ فعلى ذلك العذاب.

وأما قوله: ﴿ مُّبَيِّنَةٍ ﴾ : عند الخلق، وإن كانت عند الله مبينة ظاهرة، وذلك جائز في اللغة.

وقوله: ﴿ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيراً ﴾ .

هذا يحتمل وجهين: أحدهما: أي: عذابهن على الله يسيراً هيناً لا يثقل عليه ولا يشتد لمكان رسول الله؛ بل على الله يسير هين.

والثاني: أن إتيانكن الفاحشة ومعصيتكن على الله يسير، أي: لا يلحقه ضرر ولا تبعة، ليس كمعصية خواص الملك له في الدنيا: يلحقه الضرر والذل إذا عصوه وأعرضوا عنه، فأمّا الله -  - عزيز بذاته غني لا يضره عصيان عبده؛ بل ضرّوا أنفسهم.

وقوله: ﴿ وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ للَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ ، أي: من يطع منكن لله ورسوله، ﴿ وَتَعْمَلْ صَالِحاً نُؤْتِهَـآ أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ ﴾ .

في الآية دلالة بيان فضيلة أزواج رسول الله؛ لمكان رسول الله وعظيم قدره، حيث خاطبهن من بين غيرهن من النساء كما خاطب مريم بقوله: ﴿ يٰمَرْيَمُ ٱقْنُتِي لِرَبِّكِ وَٱسْجُدِي وَٱرْكَعِي مَعَ ٱلرَّاكِعِينَ  ﴾ .

ثم يحتج الشافعي بقوله: ﴿ نُؤْتِهَـآ أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ ﴾ لتأويله في قوله: الطلاق مرتان بقولة، يقول: قوله: ﴿ ٱلطَّلَٰقُ مَرَّتَانِ  ﴾ أي: تطليقتان في دفعة واحدة من غير إحداث التطليق والفعل فيما بينهما؛ ويستدل على ذلك بقوله: ﴿ نُؤْتِهَـآ أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ ﴾ ، أي: أجرين من غير إحداث فعل فيما بينهما ولكن بفعل واحد، وقوله: ﴿ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ  ﴾ ، أي: أجرين.

لكن عندنا يجوز الإيتاء بمعنى الإيجاب، أي: يوجب لها الأجر مرتين؛ نحو قوله: ﴿ فَآتَاهُمُ ٱللَّهُ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ ٱلآخِرَةِ  ﴾ ، أي: أوجب لهم ثواب الدنيا وثواب الآخرة؛ فعلى ذلك ما ذكر ونحوه كثير، والله أعلم.

وقوله: ﴿ يٰنِسَآءَ ٱلنَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ ﴾ .

قال بعض أهل الأدب: (أحد) أجمع في الكلام من (واحد)؛ لأنه يرجع إلى واحد وإلى جماعة، وقوله: (واحد) إنما يرجع إلى الفرد خاصّة، وإنما يخاطب به الواحد.

وقوله: ﴿ إِنِ ٱتَّقَيْتُنَّ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ إِنِ ٱتَّقَيْتُنَّ ﴾ اختيار الدنيا وزينتها، واتقيتن أيضاً نقض اختيار رسول الله والدار الآخرة.

وجائز أن يكون على الابتداء: إن اتقيتن مخالفة الله ومخالفة رسوله.

وقوله: ﴿ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ إِنِ ٱتَّقَيْتُنَّ ﴾ ؛ فإنكن معشر أزواج رسول الله تنظرن إلى الوحي، وتصحبن رسول الله بالليل والنهار، وترين أفعاله وصنيعه؛ فإنكن أحق الناس بالتقوى وترك الميل إلى الدنيا والركون إليها ممن لا ينظر إليه ولا يصحبه إلا في الأوقات مرة.

أو أن يكون قوله: ﴿ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ ﴾ في الفضيلة على غيرهن من النساء؛ لأنهن يكن أزواج رسول الله في الآخرة، ويرتفعن إلى درجات رسول الله ويكن معه؛ فإنكن لستن كغيركن من النساء في الفضيلة والدرجة إن اتقيتن ما ذكرنا: من مخالفة رسول الله واختيار الحياة الدنيا وزينتها، والميل إليها والركون فيها، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَلاَ تَخْضَعْنَ بِٱلْقَوْلِ ﴾ ، قيل: فلا تلنّ في القول.

﴿ فَيَطْمَعَ ٱلَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ ﴾ : قال بعضهم: أي: فجور وزناً.

﴿ وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفاً ﴾ ، أي: خشناً شديداً.

وقال بعضهم: ﴿ فَيَطْمَعَ ٱلَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ ﴾ ، أي: نفاق، وهذا أولى؛ لأن أصحاب رسول الله لا يحتمل أن يكون أحد منهم يطمع في أزواج رسول الله نكاحاً بحال أو رغبة فيهن، بعد علمنا منهم أنهم إذا علموا من رسول الله رغبة في أزواجهم طلقوهن؛ ليتزوجهن رسول الله؛ فلا يحتمل بعدما عرف منهم هذا أن يطمع أحد منهم ويرغب في أزواجه نكاحاً، فضلا أن يرغب فجورا، ولكن إن كان ذلك فهو من أهل النفاق.

وجائز أن يرغبوا فيهن نكاحاً؛ لأنهن أعظم الناس نسباً وحسبا، وأكرمهم جمالا وحسنا؛ فجائز وقوع الرغبة فيهن من أهل النفاق؛ لما ذكرنا، وأما من أهل الإيمان فلا يحتمل ذلك؛ لما ذكرنا، ويدل على ذلك قوله: ﴿ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً ﴾ ؛ دل هذا أنهن بحيث يرغب فيهن ويطمع.

وقال بعضهم: ﴿ فَلاَ تَخْضَعْنَ بِٱلْقَوْلِ ﴾ ، يقول: فلا ترمين بقول يقارب الفاحشة، فيطمع الذي في قلبه مرض.

﴿ وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفاً ﴾ .

يعني: قولا حسنا يعرف، لا يقارب الفاحشة.

لكن هذا بعيد، وأصله: ﴿ فَلاَ تَخْضَعْنَ بِٱلْقَوْلِ ﴾ أي: لا تقلن قولا يعرف به الرغبة في الرجال، والميل إلى الدنيا، والركون فيها ﴿ وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفاً ﴾ : ما يكون فيه تغيير المنكر والأمر بالمعروف، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ ﴾ .

قد قرئ بكسر القاف وفتحها، فمن قرأ بالكسر فهو من الوقار، ومن قرأ بالفتح: ﴿ وَقَرْنَ ﴾ جعله من القرار والسكون فيها.

وقوله: ﴿ وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ ٱلْجَاهِلِيَّةِ ٱلأُولَىٰ ﴾ .

قال بعضهم: تبرج الجاهلية الأولى قبل أن يبعث رسول الله؛ كان يخرج نساؤهم متبرجات بزينة مظهرات، فأمر الله أزواج رسوله بالستر والحجاب عليهن، وإدناء الجلباب عليهن، وهو ما قال: ﴿ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلاَبِيبِهِنَّ  ﴾ .

وقال بعضهم: ﴿ وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ ٱلْجَاهِلِيَّةِ ٱلأُولَىٰ ﴾ قال: الجاهلية التي ولد فيها إبراهيم، أعطوا أموالا كثيرة، وكن يتبرجن في ذلك الزمان تبرجاً شديداً؛ فأمر أزواجه بالعفة والترك لذلك، فلسنا ندري ما أراد بالجاهلية، ومن أراد بذلك: الذين كانوا بقرب خروج رسول الله وبعثه، أو الذين كانوا من قبل في الأمم السالفة؟

والتبرج كأنه هو الخروج بالزينة على إظهار لها؛ أعني: إظهار الزينة.

قال القتبي: ﴿ فَلاَ تَخْضَعْنَ بِٱلْقَوْلِ ﴾ أي: لا تلنّ به.

وقوله: ﴿ وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفاً ﴾ أي: صحيحاً.

وقوله: ﴿ وقِرْنَ في بيوتكن ﴾ بالكسر من الوقار، ويقال: وقر في منزله يقر وقوراً، و ﴿ وَقَرْنَ ﴾ بفتح القاف من القرار، وكأنه من: قر يقر أراد أقررن في بيوتكن، فحذف الراء الأولى وحول فتحها إلى القاف، كما يقال: ظلن في موضع كذا، من اضللن؛ قال الله -  -: ﴿ فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ  ﴾ ولم نسمع قَرَّ يَقِرُّ إلا في موضع قرة العين، فأمّا في الاستقرار فإنما هو قَرَّ يَقَرُّ.

وقوله: ﴿ وَأَقِمْنَ ٱلصَّلاَةَ وَآتِينَ ٱلزَّكَـاةَ ﴾ يحتمل أن يكون الأمر لهن بإيتاء الزكاة من حليهن؛ لأنهن لا يملكن شيئاً سوى ذلك ما يجب في مثله الزكاة؛ ألا ترى أنه وعد لهنّ التمتيع والسراح الجميل إذا أردن الحياة الدنيا وزينتها، فلو كان عندهن شيء من فضول الأموال كن ينفقن ويتمتعن، وإن لم يكن عند رسول الله ما يمتعهن ولا يطلبن ذلك من غيره، فدل ذلك أنهن لا يملكن شيئاً من ذلك، فيجوز أن يستدل بظاهر هذه الآية في إيجاب الزكاة في الحلي، وكذلك روي عن ابن عباس،  .

وقوله: ﴿ وَأَقِمْنَ ٱلصَّلاَةَ وَآتِينَ ٱلزَّكَـاةَ وَأَطِعْنَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾ أمرهن بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والطاعة لله ورسوله؛ لئلا يغتررن بما اخترن المقام مع رسول الله وإيثارهن إياه على أن ذلك كاف لهن في الآخرة ولا شيء عليهن سوى ذلك من العبادات؛ بل أخبر أنكنّ وإن اخترتن المقام معه وآثرتن إياه على الدنيا وزينتها لا يغنيكن ذلك عما ذكر، والله أعلم.

وقوله: ﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُـمُ ٱلرِّجْسَ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيـراً ﴾ قال بعضهم: إن هذه الآية مقطوعة عن الأولى؛ لأن الأولى في أزواج رسول الله  وهذه في أهل بيته، وهو قول الروافض، ويستدلون بقطعها عن الأولى بوجوه: أحدها: ما روي عن أم سلمة زوج النبي  أنها قالت: "عنى بذلك عليّاً وفاطمة والحسن والحسين، وقالت: لما نزلت هذه الآية، أخذ النبي ثوباً، فجعله على هؤلاء، ثم تلا الآية: ﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُـمُ ٱلرِّجْسَ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ ﴾ فقالت أم سلمة من جانب البيت: يا رسول الله، [ألست] من أهل البيت؟

قال: بلى إن شاء الله" وعن الحسن بن علي أنه خطب الناس بالكوفة وهو يقول: يا أهل الكوفة، اتقوا الله فينا فإنا أمراؤكم، وإنا ضيفانكم، ونحن أهل البيت الذي قال الله -  -: ﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُـمُ ٱلرِّجْسَ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ ﴾ .

ويقولون - أيضاً -: إن الآية الأولى ذكرها بالتأنيث حيث قال: ﴿ وَأَقِمْنَ ٱلصَّلاَةَ وَآتِينَ ٱلزَّكَـاةَ وَأَطِعْنَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾ وهذه ذكرها بالتذكير دل أنها مقطوعة عن الأولى.

ويقولون - أيضاً -: إنه وعد أن يذهب عنهم الرجس ويطهرهم تطهيراً وعداً مطلقاً غير مقيد، وذلك الرجس الذي ذكر مما يحتمل أزواجه ممكن ذلك فيهن غير ممكن في أهل بيته ومن ذكره.

ويقولون - أيضاً - ما روي عنه أنه قال: "تركت فيكم بعدي الثقلين: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، ما إن تمسكتم بهما ليردان بكم الحوض" أو كلام نحو هذا، ففسر العترة بأهل البيت، ونحو ذلك من الوجوه: وأما عندنا فهي غير مقطوعة من الأولى: إما أن يكون على الاشتراك بينهن وبين من ذكروا من أولاده؛ إذ اسم أهل البيت مما يجمع ذلك كله في العرف.

أو تكون الآية لهن على الانفراد، فأمّا أن يخرج أزواجه عن أهل بيته والبيت يجمعهم، فلا يحتمل ذلك.

وأما قولهم: إنه ذكر هذه الآية بالتذكير والأولى بالتأنيث فعند الاختلاط كذلك يذكر باسم التذكير.

وأمّا قولهم: إن وعده لهم منه خرج مطلقاً غير مقيد، فكذلك كن أزواج رسول الله لم يأت منهن ما يجوز أن ينسبن إلى الرجس والقذر إلا فيما غلبن على رأيهن وتدبيرهن بالحيل، فأخرجن فيما أخرجن.

وأما قولهم في الثقلين اللذين تركهما فينا بعده: الكتاب والعترة، فعترته: سنته؛ على ما قيل: وقوله: "أهل بيتي" كأنه قال: تركت الثقلين كتاب الله وسنتي بأهل بيتي، وذلك جائز في اللغة.

وأما ما روي عن أم سلمة فإنه في الخبر بيان على أن أزواجه دخلن حيث قالت له أم سلمة: "ألست من أهل البيت؟

قال: بلى إن شاء الله" وفي هذه الآية دلالة نقض قول المعتزلة من وجوه: أحدها: ما يقولون: إن الله قد أراد أن يطهر الخلق كلهم: الكافر والمسلم، وأراد أن يذهب الرجس عنهم جميعاً، لكن الكافر حيث أراد ألا يطهر نفسه ولا يذهب عنه الرجس لم يطهر، فلو كان على ما يقولون لم يكن لتخصيص هؤلاء بالتطهر ودفع الرجس عنهم فائدة ولا منة - دل أنما يطهر من علم منه اختيار الطهارة وترك الرجس، وأما من علم منه اختيار الرجس فلا يحتمل أن يذهب عنه الرجس، أو يريد منه غير ما يعلم أنه يختار، وأن التطهير لمن يكون إنما يكون بالله، لا بما تقوله المعتزلة؛ حيث قال: ﴿ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيـراً ﴾ ؛ إذ على قولهم لا يملك هو تطهير من أراد تطهيره؛ إذ لم يبق عنده ما يطهرهم، فذلك كله ينقض عليهم أقوالهم ومذهبهم.

وقوله: ﴿ وَٱذْكُـرْنَ مَا يُتْـلَىٰ فِي بُيُوتِكُـنَّ مِنْ آيَاتِ ٱللَّهِ وَٱلْحِكْـمَةِ ﴾ هذا يحتمل وجهين: أحدهما: قوله: ﴿ وَٱذْكُـرْنَ ﴾ أي: اتلون ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة، وجعل بيوتكن موضعاً لنزول الوحي.

والثاني: اذكرن على حقيقة الذكر؛ أي: اذكرن ما منَّ الله عليكن، وجعلكن من أهل بيت يتلى فيه آيات الله والحكمة، وجعل بيوتكن موضعاً لنزول الوحي فيها، وخصكن بذلك، ما لم يجعل في بيت أحد ذلك، يذكرهن عظيم ما أنعم ومنّ عليهن؛ ليتأدّى به شكره؛ ليعرفن منن الله ونعمه عليهن.

وقوله: ﴿ مِنْ آيَاتِ ٱللَّهِ ﴾ يحتمل آيات القرآن.

ويحتمل حججه وبراهينه.

والحكمة: قالت الفلاسفة: الحكيم: هو الذي يجمع العلم والعمل جميعاً.

وقال بعضهم: الحكيم: المصيب، والحكمة: هي الإصابة.

وقيل: هي وضع الشيء موضعه، وهي نقيض السفة.

وأصل الحكمة في الحقيقة كأنه هي الإصابة في كل شيء، والحكيم: هو الذي لا يلحقه الخطأ في الحكم ولا الغلط.

وقال بعضهم: الحكمة - هاهنا - هي السنة.

وقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ لَطِيفاً خَبِيراً ﴾ اللطيف: هو البارّ؛ يقال: فلان لطيف: إذا كان بارّاً.

والثاني: اللطيف: هو الذي يستخرج الأشياء الخفية الكامنة مما لا يتوهمها العقول استخراجها من مثلها.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

يانساء النبي محمد  ، لستنّ في الفضل والشرف مثل سائر النساء، بل أنتنّ في الفضل والشرف بالمنزلة التي لا يصل إليها غيركنّ إن امتثلتُنَّ أوامر الله واجتنبتُنَّ نواهيه، فلا تُلَيِّنَّ القول وترَقِّقْن الصوت إذا تكلمتُنّ مع الأجانب من الرجال، فيطمع بسبب ذلك من في قلبه مرض النفاق وشهوة الحرام، وقلن قولا بعيدًا من الريبة بأن يكون جِدًّا لا هزلًا بقدر الحاجة.

<div class="verse-tafsir" id="91.RQk4V"

مزيد من التفاسير لسورة الأحزاب

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.1 / 29.5
الإضاءة 27%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد