الإسلام > القرآن > سور > سورة 33 الأحزاب > الآية ٤٩ من سورة الأحزاب
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 134 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٤٩ من سورة الأحزاب: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
هذه الآية الكريمة فيها أحكام كثيرة .
منها : إطلاق النكاح على العقد وحده ، وليس في القرآن آية أصرح في ذلك منها ، وقد اختلفوا في النكاح : هل هو - حقيقة - في العقد وحده ، أو في الوطء ، أو فيهما ؟
على ثلاثة أقوال ، واستعمال القرآن إنما هو في العقد والوطء بعده ، إلا في هذه الآية فإنه استعمل في العقد وحده; لقوله : ( إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن ) .
وفيها دلالة لإباحة طلاق المرأة قبل الدخول بها .
وقوله : ( المؤمنات ) خرج مخرج الغالب; إذ لا فرق في الحكم بين المؤمنة والكتابية في ذلك بالاتفاق .
وقد استدل ابن عباس ، وسعيد بن المسيب ، والحسن البصري ، وعلي بن الحسين ، زين العابدين ، وجماعة من السلف بهذه الآية على أن الطلاق لا يقع إلا إذا تقدمه نكاح ; لأن الله تعالى قال : ( إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن ) ، فعقب النكاح بالطلاق ، فدل على أنه لا يصح ولا يقع قبله .
وهذا مذهب الشافعي ، وأحمد بن حنبل ، وطائفة كثيرة من السلف والخلف ، رحمهم الله تعالى .
وذهب مالك وأبو حنيفة ، رحمهما الله ، إلى صحة الطلاق قبل النكاح ; فيما إذا قال : " إن تزوجت فلانة فهي طالق " .
فعندهما متى تزوجها طلقت منه .
واختلفا فيما إذا قال : " كل امرأة أتزوجها فهي طالق " .
فقال مالك : لا تطلق حتى يعين المرأة .
وقال أبو حنيفة ، رحمه الله : كل امرأة يتزوجها بعد هذا الكلام تطلق منه ، فأما الجمهور فاحتجوا على عدم وقوع الطلاق بهذه الآية .
قال ابن أبي حاتم : حدثنا أحمد بن منصور المروزي ، حدثنا النضر بن شميل ، حدثنا يونس - يعني ابن أبي إسحاق - سمعت آدم مولى خالد ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : [ إذا قال ] : كل امرأة أتزوجها فهي طالق ، قال : ليس بشيء من أجل أن الله تعالى يقول : ( يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن ) الآية .
وحدثنا محمد بن إسماعيل الأحمسي ، حدثنا وكيع ، عن مطر ، عن الحسن بن مسلم بن يناق ، عن ابن عباس قال : إنما قال الله تعالى : ( إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن ) ، ألا ترى أن الطلاق بعد النكاح ؟!
وهكذا روى محمد بن إسحاق ، عن داود بن الحصين ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : قال الله : ( إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن ) فلا طلاق [ قبل النكاح ] .
وقد ورد الحديث بذلك عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا طلاق لابن آدم فيما لا يملك " .
رواه الإمام أحمد والترمذي ، وأبو داود ، وابن ماجه .
وقال الترمذي : " هذا حديث حسن " .
وهو أحسن شيء روي في هذا الباب .
وهكذا روى ابن ماجه عن علي ، والمسور بن مخرمة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " لا طلاق قبل نكاح " .
[ وفي الآية دليل على أن المسيس مطلق ، ويراد به الوطء ] .
وقوله : ( فما لكم عليهن من عدة تعتدونها ) : هذا أمر مجمع عليه بين العلماء : أن المرأة إذا طلقت قبل الدخول بها لا عدة عليها فتذهب فتتزوج في فورها من شاءت ، ولا يستثنى من هذا إلا المتوفى عنها زوجها ، فإنها تعتد منه أربعة أشهر وعشرا ، وإن لم يكن دخل بها بالإجماع أيضا .
وقوله : ( فمتعوهن وسرحوهن سراحا جميلا ) : المتعة هاهنا أعم من أن تكون نصف الصداق المسمى ، أو المتعة الخاصة إن لم يكن قد سمى لها ، قال الله تعالى : ( وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم ) [ البقرة : 237 ] ، وقال ( لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره متاعا بالمعروف حقا على المحسنين ) [ البقرة : 236 ] .
وفي صحيح البخاري ، عن سهل بن سعد وأبي أسيد ; أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج أميمة بنت شراحيل ، فلما أدخلت عليه بسط يده إليها ، فكأنها كرهت ذلك ، فأمر أبا أسيد أن يجهزها ويكسوها ثوبين رازقيين .
قال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس ، رضي الله عنهما : إن كان سمى لها صداقا ، فليس لها إلا النصف ، وإن لم يكن سمى لها صداقا فأمتعها على قدر عسره ويسره ، وهو السراح الجميل .
القول في تأويل قوله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلا (49) يقول تعالى ذكره: يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله ( إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ ) يعني: من قبل أن تجامعوهن ( فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا ) يعني من إحصاء أقراء، ولا أشهر تحصونها عليهن؛(فَمَتِّعُوهُنَّ) يقول: أعطوهن ما يستمتعن به من عرض أو عين مال.
وقوله ( وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلا ) يقول: وخلوا سبيلهن تخلية بالمعروف، وهو التسريح الجميل.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا علي، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا ) فهذا في الرجل يتزوج المرأة، ثم يطلقها من قبل أن يمسها، فإذا طلقها واحدة بانت منه، ولا عدة عليها تتزوج من شاءت، ثم قرأ ( فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلا ) يقول: إن كان سمى لها صداقا، فليس لها إلا النصف، فإن لم يكن سمى لها صداقا، متعها على قدر عسره ويسره، وهو السراح الجميل.
وقال بعضهم: المتعة في هذا الموضع منسوخة بقوله فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ .
* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ...) إلى قوله (سَرَاحًا جَمِيلا) قال: قال سعيد بن المسيب: ثم نسخ هذا الحرف المتعة وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ .
حدثنا ابن بشار وابن المثنى، قالا ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، &; 20-284 &; قال: سمعت قتادة يحدث عن سعيد بن المسيب، قال: نسخت هذه الآية ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا ) قال: نسخت هذه الآية التي في البقرة .
قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن وسرحوهن سراحا جميلا .فيه سبع مسائل :الأولى : قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن لما جرت قصة زيد وتطليقه زينب ، وكانت مدخولا بها ، وخطبها النبي صلى الله عليه وسلم بعد انقضاء عدتها - كما بيناه - خاطب الله المؤمنين بحكم الزوجة تطلق قبل البناء ، وبين ذلك الحكم للأمة ، فالمطلقة إذا لم تكن ممسوسة لا عدة عليها بنص الكتاب وإجماع الأمة على ذلك .
فإن دخل بها فعليها العدة إجماعا .الثانية : النكاح حقيقة في الوطء ، وتسمية العقد نكاحا لملابسته له من حيث إنه طريق [ ص: 185 ] إليه .
ونظيره تسميتهم الخمر إثما لأنه سبب في اقتراف الإثم .
ولم يرد لفظ النكاح في كتاب الله إلا في معنى العقد ، لأنه في معنى الوطء ، وهو من آداب القرآن ، الكناية عنه بلفظ الملامسة والمماسة والقربان والتغشي والإتيان .الثالثة : استدل بعض العلماء بقوله تعالى : ( ثم طلقتموهن ) وبمهلة ( ثم ) على أن الطلاق لا يكون إلا بعد نكاح وأن من طلق المرأة قبل نكاحها وإن عينها ، فإن ذلك لا يلزمه .
وقال هذا نيف على ثلاثين من صاحب وتابع وإمام .
سمى البخاري منهم اثنين وعشرين .
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم لا طلاق قبل نكاح ومعناه : أن الطلاق لا يقع حتى يحصل النكاح .
قال حبيب بن أبي ثابت : سئل علي بن الحسين رضي الله عنهما عن رجل قال لامرأة : إن تزوجتك فأنت طالق ؟
فقال : ليس بشيء ، ذكر الله عز وجل النكاح قبل الطلاق .
وقالت طائفة من أهل العلم : إن طلاق المعينة الشخص أو القبيلة أو البلد لازم قبل النكاح ، منهم مالك وجميع أصحابه ، وجمع عظيم من علماء الأمة .
وقد مضى في ( براءة ) الكلام فيها ودليل الفريقين .
والحمد لله .
فإذا قال : كل امرأة أتزوجها [ طالق ] وكل عبد أشتريه حر ، لم يلزمه شيء .
وإن قال : كل امرأة أتزوجها إلى عشرين سنة ، أو إن تزوجت من بلد فلان أو من بني فلان فهي طالق ، لزمه الطلاق ما لم يخف العنت على نفسه في طول السنين ، أو يكون عمره في الغالب لا يبلغ ذلك ، فله أن يتزوج .
وإنما لم يلزمه الطلاق إذا عمم لأنه ضيق على نفسه المناكح ، فلو منعناه ألا يتزوج لحرج وخيف عليه العنت .
وقد قال بعض أصحابنا : إنه إن وجد ما يتسرر به لم ينكح ، وليس بشيء وذلك أن الضرورات والأعذار ترفع الأحكام ، فيصير هذا من حيث الضرورة كمن لم يحلف ، قاله ابن خويز منداد .الرابعة : استدل داود - ومن قال بقوله - إن المطلقة الرجعية إذا راجعها زوجها قبل أن تنقضي عدتها ثم فارقها قبل أن يمسها ، أنه ليس عليها أن تتم عدتها ولا عدة مستقبلة ، لأنها مطلقة قبل الدخول بها .
وقال عطاء بن أبي رباح وفرقة : تمضي في عدتها من طلاقها الأول [ ص: 186 ] - وهو أحد قولي الشافعي - ; لأن طلاقه لها إذا لم يمسها في حكم من طلقها في عدتها قبل أن يراجعها .
ومن طلق امرأته في كل طهر مرة بنت ولم تستأنف .
وقال مالك : إذا فارقها قبل أن يمسها إنها لا تبني على ما مضى من عدتها ، وإنها تنشئ من يوم طلقها عدة مستقبلة .
وقد ظلم زوجها نفسه وأخطأ إن كان ارتجعها ولا حاجة له بها .
وعلى هذا أكثر أهل العلم ، لأنها في حكم الزوجات المدخول بهن في النفقة والسكنى وغير ذلك ، ولذلك تستأنف العدة من يوم طلقت ، وهو قول جمهور فقهاء البصرة والكوفة ومكة والمدينة والشام .
وقال الثوري : أجمع الفقهاء عندنا على ذلك .الخامسة : فلو كانت بائنة غير مبتوتة فتزوجها في العدة ثم طلقها قبل الدخول فقد اختلفوا في ذلك أيضا ، فقال مالك والشافعي وزفر وعثمان البتي : لها نصف الصداق وتتم بقية العدة الأولى .
وهو قول الحسن وعطاء وعكرمة وابن شهاب .
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف والثوري والأوزاعي ، : لها مهر كامل للنكاح الثاني وعدة مستقبلة .
جعلوها في حكم المدخول بها لاعتدادها من مائه .
وقال داود : لها نصف الصداق ، وليس عليها بقية العدة الأولى ولا عدة مستقبلة .
والأولى ما قاله مالك والشافعي ، والله أعلم .السادسة : هذه الآية مخصصة لقوله تعالى : والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ، ولقوله : واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر .
وقد مضى في ( البقرة ) ، ومضى فيها الكلام في المتعة ، فأغنى عن الإعادة هنا .
" وسرحوهن سراحا جميلا " فيه وجهان : أحدهما : أنه دفع المتعة بحسب الميسرة والعسرة ، قاله ابن عباس .
الثاني : أنه طلاقها طاهرا من غير جماع ، قاله قتادة .
وقيل : فسرحوهن بعد الطلاق إلى أهلهن ، فلا يجتمع الرجل والمطلقة في موضع واحد .السابعة : " فمتعوهن " قال سعيد : هي منسوخة بالآية التي في البقرة ، وهي قوله : وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم أي فلم يذكر المتعة .
وقد مضى الكلام في هذا في ( البقرة ) مستوفى .
وقوله ( وسرحوهن ) طلقوهن .
والتسريح كناية عن الطلاق عند أبي حنيفة ، لأنه يستعمل في غيره فيحتاج إلى النية .
وعند الشافعي صريح .
وقد مضى في ( البقرة ) القول فيه فلا معنى للإعادة .
( جميلا ) سنة ، غير بدعة .
يخبر تعالى المؤمنين، أنهم إذا نكحوا المؤمنات، ثم طلقوهن من قبل أن يمسوهن، فليس عليهن في ذلك، عدة يعتدها أزواجهن عليهن، وأمرهم بتمتيعهن بهذه الحالة، بشيء من متاع الدنيا، الذي يكون فيه جبر لخواطرهن، لأجل فراقهن، وأن يفارقوهن فراقًا جميلاً، من غير مخاصمة، ولا مشاتمة، ولا مطالبة، ولا غير ذلك.ويستدل بهذه الآية، على أن الطلاق، لا يكون إلا بعد النكاح.
فلو طلقها قبل أن ينكحها، أو علق طلاقها على نكاحها، لم يقع، لقوله: { إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ } فجعل الطلاق بعد النكاح، فدل على أنه قبل ذلك، لا محل له.وإذا كان الطلاق الذي هو فرقة تامة، وتحريم تام، لا يقع قبل النكاح، فالتحريم الناقص، لظهار، أو إيلاء ونحوه، من باب أولى وأحرى، أن لا يقع قبل النكاح، كما هو أصح قَوْلي العلماء.ويدل على جواز الطلاق، لأن اللّه أخبر به عن المؤمنين، على وجه لم يلمهم عليه، ولم يؤنبهم، مع تصدير الآية بخطاب المؤمنين.وعلى جوازه قبل المسيس، كما قال في الآية الأخرى { لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ } وعلى أن المطلقة قبل الدخول، لا عدة عليها، بل بمجرد طلاقها، يجوز لها التزوج، حيث لا مانع، وعلى أن عليها العدة، بعد الدخول.وهل المراد بالدخول والمسيس، الوطء كما هو مجمع عليه؟
أو وكذلك الخلوة، ولو لم يحصل معها وطء، كما أفتى بذلك الخلفاء الراشدون، وهو الصحيح.
فمن دخل عليها، وطئها، أم لا، إذا خلا بها، وجب عليها العدة.وعلى أن المطلقة قبل المسيس، تمتع على الموسع قدره، وعلى المقتر قدره، ولكن هذا، إذا لم يفرض لها مهر، فإن كان لها مهر مفروض، فإنه إذا طلق قبل الدخول، تَنَصَّف المهر، وكفى عن المتعة، وعلى أنه ينبغي لمن فارق زوجته قبل الدخول أو بعده، أن يكون الفراق جميلاً، يحمد فيه كل منهما الآخر.ولا يكون غير جميل، فإن في ذلك، من الشر المرتب عليه، من قدح كل منهما بالآخر، شيء كثير.وعلى أن العدة حق للزوج، لقوله: { فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ } دل مفهومه، أنه لو طلقها بعد المسيس، كان له عليها عدة [وعلى أن المفارقة بالوفاة، تعتد مطلقًا، لقوله: { ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ } الآية] وعلى أن من عدا غير المدخول بها، من المفارقات من الزوجات، بموت أو حياة، عليهن العدة.
قوله - عز وجل - : ( ياأيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن ) فيه دليل على أن الطلاق قبل النكاح غير واقع لأن الله تعالى رتب الطلاق على النكاح ، حتى لو قال لامرأة أجنبية : إذا نكحتك فأنت طالق ، وقال : كل امرأة أنكحها فهي طالق ، فنكح ، لا يقع الطلاق .
وهو قول علي ، وابن عباس ، وجابر ، ومعاذ ، وعائشة ، وبه قال سعيد بن المسيب ، وعروة ، وشريح وسعيد بن جبير ، والقاسم وطاوس ، والحسن ، وعكرمة ، وعطاء ، وسليمان بن يسار ، ومجاهد ، والشعبي ، وقتادة ، وأكثر أهل العلم رضي الله عنهم ، وبه قال الشافعي .
وروي عن ابن مسعود : أنه يقع الطلاق ، وهو قول إبراهيم النخعي ، وأصحاب الرأي .
وقال ربيعة ، ومالك ، والأوزاعي : إن عين امرأة يقع ، وإن عم فلا يقع .
وروى عكرمة عن ابن عباس أنه قال : كذبوا على ابن مسعود ، إن كان قالها فزلة من عالم في الرجل يقول : إن تزوجت فلانة فهي طالق ، يقول الله تعالى : " إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن " ، ولم يقل إذا طلقتموهن ثم نكحتموهن .
أخبرنا أبو سعيد الشريحي ، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي ، أخبرنا الحسين بن محمد الديموري ، أخبرنا عمر بن أحمد بن القاسم النهاوندي ، أخبرنا أبو بكر محمد بن إبراهيم بن المنذر النيسابوري بمكة ، أخبرنا الربيع بن سليمان ، أخبرنا أيوب بن سويد ، أخبرنا ابن أبي ذئب عن عطاء ، عن جابر قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " لا طلاق قبل النكاح " .
قوله - عز وجل - : ( من قبل أن تمسوهن ) تجامعوهن ( فما لكم عليهن من عدة تعتدونها ) تحصونها بالأقراء والأشهر ( فمتعوهن ) أي : أعطوهن ما يستمتعن به .
قال ابن عباس : هذا إذا لم يكن سمى لها صداقا فلها المتعة ، فإن كان قد فرض لها صداقا فلها نصف الصداق ولا متعة لها .
وقال قتادة : هذه الآية منسوخة بقوله : " فنصف ما فرضتم " ( البقرة - 237 ) .
وقيل : هذا أمر ندب ، فالمتعة مستحبة لها مع نصف المهر .
وذهب بعضهم إلى إنها تستحق المتعة بكل حال لظاهر الآية .
( وسرحوهن سراحا جميلا ) خلوا سبيلهن بالمعروف من غير ضرار .
«يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن» وفي قراءة تماسوهنَّ، أي تجامعوهنَّ «فما لكم عليهن من عدة تعتدونها» تحصونها بالأقراء وغيرها «فمتعوهن» أعطوهن ما يستمتعن به، أي إن لم يسم لهن أصدقة وإلا فلهن نصف المسمى فقط، قاله ابن عباس وعليه الشافعي «وسرّحوهن سراحا جميلا» خلوا سبيلهن من غير إضرار.
يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه، إذا عقدتم على النساء ولم تدخلوا بهن ثم طلقتموهن مِن قبل أن تجامعوهن، فما لكم عليهن مِن عدَّة تحصونها عليهن، فأعطوهن من أموالكم متعة يتمتعن بها بحسب الوسع جبرًا لخواطرهن، وخلُّوا سبيلهن مع الستر الجميل، دون أذى أو ضرر.
ثم عادت السورة الكريمة - بعد هذا الحديث الجامع عن وظيفة الرسول صلى الله عليه وسلم وعن فضله - إلى الحديث عن جانب من أحاكم الزواج والطلاق ، فقال - تعالى - : ( ياأيها الذين آمنوا إِذَا نَكَحْتُمُ .
.
.
.
) .والمراد بالنكاح هنا فى قوله ( إِذَا نَكَحْتُمُ ) العقد ، لأن الحديث فى حكم المرأة التى تم طلاقها قبل الدخول بها .وهذا الحكم شامل للمؤمنات ولغيرهن كالكتابيات ، إلا أن الآية الكريمة خصت المؤمنات بالذكر ، للتنبيه على أن من ساق المؤمن أن لا ينكح إلا مؤمنة تخيرا للنطفة .والعدة : هى الشئ المعدود .
وعدة المرأة معناها : المدة التى بانقضائها يحل لها الزواج من شخص آخر ، غير الذى كان زوجا لها .والمعنى : يا من آمنتم بالله - تعالى - حق الإِيمان ، ( إِذَا نَكَحْتُمُ المؤمنات ) أى : إذا عقدتم عليهن عقد النكاح ، ولم يبق بينكم وبينهن سوى الدخول بهن .( ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ ) أى : ثم طلقتموهن من قبل أن تجامعوهن .قال الآلوسى : وفائدة المجئ بثم مع أن الحكم ثابت لمن تزوج امرأة وطلقها على الفور كثبوته لمن تزوجها وطلقها بعد مدة مديدة ، إزاحة ما عسى يتوهم أن تراخى الطلاق ، له دخل فى إيجاب العدة ، لاحتمال الملاقاة والجماع سرا .
.أى : أن الحكم الذى اشتملت عليه الآية الكريمة ، ثابت سواء تم الطلاق بعد عقد الزواج مباشرة ، أم بعده بمدة طويلة .وفى التعبير عن الجماع بالمس كناية لطيفة .
من شأنها أن تربى فى الإِنسان حسن الأدب ، وسلامة التعبير ، وتجنب النطق بالألفاظ التى تخدش الحياء .وقوله : ( فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا ) جواب إذا ، وبيان للحكم المترتب على طلاق المرأة قبل الدخول بها .أى : إذا طلقتموهن قبل الدخول بهن ، فلا عدة عليهن ، بل من حقهن أن يتزوجن بغيركم ، بعد طلاقكم لهن بدون التقيد بأية مدة من الزمان .قال الجمل : وقوله : ( تَعْتَدُّونَهَا ) صفة لعدة .
وتعتدونها تفتعلونها ، إما عن العد ، وإما عن الاعتداد ، أى : تحسبونها أو تستوفون عددها ، من قولك : عد فلان الدراهم فاعتدها ، أى : فاستوفى عددها .
.فالمقصود من الآية الكريمة بيان أن المطلقة قبل الدخول بها لا عدة عليها إطلاقا بنص الكتاب وإجماع الأمة ، أما المطلقة بعد الدخول بها فعليها العدة إجماعا .وقوله - سبحانه - : ( فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً ) بيان لما يجب على المؤمنين أن يفعلوه ، بالنسبة لمن طلقت قبل الدخول بها .وأصل المتعة والمتاع ، ما ينتفع بها الإِنسان من مال أو كسوة أو غير ذلك .
ثم أطلقت المتعة على ما يعطيه الرجل للمرأة من مال أو غيره عند طلاقها منه ، لتنتفع به ، جبرا لخاطرها ، وتعويضا لها عما نالها بسبب هذا الفراق .وأصل التسريح : أن ترعى الإِبل السرح ، وهو شجر له ثمرة ، ثم أطلق على كل إرسال فى الرعى ، ثم على كل إرسال وإخراج .والتسريح الجميل : هو الذى لا ضرر معه .
وإنما معه الكلام الطيب ، والفعل الحسن .والمعنى : إذا طلقتموهن قبل الدخول بهن ، فأعطوهن من المال ما يجبر خاطرهن ، وما يكون عوضا عن فراقهن ..
وأطلقوا سراحهن ليستأنفن حياة جديدة مع غيركم ، وساعدوهن على ذلك إن استطعتم ، فإن من شأن العقلاء ، يعاشروا أزواجهن بالمعروف ، وأن يفارقوهن - أيضا - بالمعروف .ومن العلماء من يرى أن المتعة واجبة للمرأة على الرجل فى حال مفارقتها قبل الدخول بها ، لأن الآية الكريمة قد أمرت بذلك ، والأمر بقتضى الوجوب .وقد بينا ذلك بالتفصيل عند تفسيرها لقوله - تعالى - فى سورة البقرة : ( لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النسآء مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الموسع قَدَرُهُ وَعَلَى المقتر قَدَرُهُ مَتَاعاً بالمعروف حَقّاً عَلَى المحسنين وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلاَّ أَن يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَاْ الذي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النكاح وَأَن تعفوا أَقْرَبُ للتقوى وَلاَ تَنسَوُاْ الفضل بَيْنَكُمْ إِنَّ الله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ) ومن مجموع هذه الآيات : نرى أحكم التشريعات ، وأسمى التوجيهات .
وجه تعلق الآية بما قبلها هو أن الله تعالى في هذه السورة ذكر مكارم الأخلاق وأدب نبيه على ما ذكرناه، لكن الله تعالى أمر عباده المؤمنين بما أمر به نبيه المرسل فكلما ذكر للنبي مكرمة وعلمه أدباً ذكر للمؤمنين ما يناسبه، فكما بدأ الله في تأديب النبي عليه الصلاة والسلام بذكر ما يتعلق بجانب الله بقوله: ﴿ يا أيها النبى اتق الله ﴾ وثنى بما يتعلق بجانب من تحت يده من أزواجه بقوله بعد: ﴿ يا أيها النبى قُل لأزواجك ﴾ وثلث بما يتعلق بجانب العامة بقوله: ﴿ يا أيها النبى إِنَّا أرسلناك شَاهِداً ﴾ كذلك بدأ في إرشاد المؤمنين بما يتعلق بجانب الله فقال: ﴿ يا أيها الذين ءامَنُواْ اذكروا الله ذِكْراً كَثِيراً ﴾ ثم ثنى بما يتعلق بجانب من تحت أيديهم بقوله: ﴿ يا أيها الذين ءامَنُواْ إِذَا نَكَحْتُمُ المؤمنات ﴾ ثم كما ثلث في تأديب النبي بجانب الأمة ثلث في حق المؤمنين بما يتعلق بجانب نبيهم، فقال بعد هذا: ﴿ يأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتَ النبى ﴾ وبقوله: ﴿ يا أيها الذين ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ ﴾ وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: إذا كان الأمر على ما ذكرت من أن هذا إرشاد إلى ما يتعلق بجانب من هو من خواص المرء فلم خص المطلقات اللاتي طلقن قبل المسيس بالذكر؟
فنقول هذا إرشاد إلى أعلى درجات المكرمات ليعلم منها ما دونها وبيانه هو أن المرأة إذا طلقت قبل المسيس لم يحصل بينهما تأكد العهد، ولهذا قال الله تعالى في حق الممسوسة ﴿ وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أفضى بَعْضُكُمْ إلى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم ميثاقا غَلِيظاً ﴾ وإذا أمر الله بالتمتع والإحسان مع من لا مودة بينه وبينها فما ظنك بمن حصلت المودة بالنسبة إليها بالإفضاء أو حصل تأكدها بحصول الولد بينهما والقرآن في الحجم صغير ولكن لو استنبطت معانيه لا تفي بها الأقلام ولا تكفي لها الأوراق، وهذا مثل قوله تعالى: ﴿ فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفّ ﴾ لو قال لا تضربهما أو لا تشتمهما ظن أنه حرام لمعنى مختص بالضرب أو الشتم، أما إذا قال لا تقل لهما أف علم منه معان كثيرة وكذلك هاهنا لما أمر بالإحسان مع من لا مودة معها علم منه الإحسان مع الممسوسة ومن لم تطلق بعد ومن ولدت عنده منه.
وقوله: ﴿ إِذَا نَكَحْتُمُ المؤمنات ﴾ التخصيص بالذكر إرشاد إلى أن المؤمن ينبغي أن ينكح المؤمنة فإنها أشد تحصيناً لدينه، وقوله: ﴿ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ ﴾ يمكن التمسك به في أن تعليق الطلاق بالنكاح، لا يصح لأن التطليق حينئذ لا يكون إلا بعد النكاح والله تعالى ذكره بكلمة ثم، وهي للتراخي وقوله: ﴿ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ ﴾ بين أن العدة حق الزوج فيها غالب وإن كان لا يسقط بإسقاطه لما فيه من حق الله تعالى، وقوله: ﴿ تَعْتَدُّونَهَا ﴾ أي تستوفون أنتم عددها ﴿ فَمَتّعُوهُنَّ ﴾ قيل بأنه مختص بالمفوضة التي لم يسم لها إذا طلقت قبل المسيس وجب لها المتعة، وقيل بأنه عام وعلى هذا فهو أمر وجوب أو أمر ندب اختلف العلماء فيه، فمنهم من قال للوجوب فيجب مع نصف المهر المتعة أيضاً، ومنهم من قال للاستحباب فيستحب أن يمتعها مع الصداق بشيء، وقوله تعالى: ﴿ وَسَرّحُوهُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً ﴾ الجمال في التسريح أن لا يطالبها بما آتاها.
<div class="verse-tafsir"
النكاح: الوطء، وتسمية العقد نكاحاً لملابسته له، من حيث أنه طريق إليه.
ونظيره تسميتهم الخمر إثماً: لأنها سبب في اقتراف الإثم، ونحوه في علم البيان قول الراجز: أَسْنِمَةُ الآبَالِ في سَحَابِهْ سمى الماء بأسنمة الآبال؛ لأنه سبب سمن المال وارتفاع أسنمته، ولم يرد لفظ النكاح في كتاب الله إلاّ في معنى العقد؛ لأنه في معنى الوطء من باب التصريح به.
ومن آداب القرآن: الكناية عنه بلفظ الملامسة والمماسة والقربان والتغشي والإتيان.
فإن قلت: لم خصّ المؤمنات والحكم الذي نطقت به الآية تستوي فيه المؤمنات والكتابيات؟
قلت: في اختصاصهنّ تنبيه على أن أصل أمر المؤمن والأولى به.
أن يتخير لنطفته، وأن لا ينكح إلاّ مؤمنة عفيفة، ويتنزّه عن مزاوجة الفواسق فما بال الكوافر، ويستنكف أن يدخل تحت لحاف واحدة عدوّة الله ووليه، فالتي في سورة المائدة: تعليم ما هو جائز غير محرّم، من نكاح المحصنات من الذين أوتوا الكتاب.
وهذه فيها تعليم ما هو الأولى بالمؤمنين من نكاح المؤمنات.
فإن قلت: ما فائدة ثم في قوله: ﴿ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ ﴾ قلت: فائداته نفي التوهم عمن عسى يتوهم تفاوت الحكم: بين أن يطلقها وهي قريبة العهد من النكاح، وبين أن يبعد عهدها بالنكاح ويتراخى بها المدة في حبالة الزواج ثم يطلقها: فإن قلت: إذا خلا بها خلوة يمكنه معها المساس، هل يقوم ذلك مقام المساس؟
قلت: نعم.
عند أبي حنيفة وأصحابه حكم الخلوة الصحيحة حكم المساس، وقوله: ﴿ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ ﴾ دليل على أن العدة حق واجب على النساء للرجال ﴿ تَعْتَدُّونَهَا ﴾ تستوفون عددها، من قولك: عددت الدراهم فاعتدها، كقولك: كلته فاكتاله، ووزنته فاتزنه.
وقرئ: ﴿ تعتدونها ﴾ مخففاً؛ أي: تعتدون فيها، كقوله: وَيَوْمٌ شَهِدْنَاهُ والمراد بالاعتداد ما في قوله تعالى: ﴿ وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لّتَعْتَدُواْ ﴾ [البقرة: 231].
فإن قلت: ما هذا التمتيع أواجب أو مندوب إليه؟
قلت: إن كانت غير مفروض لها كانت المتعة واجبة، ولا تجب المتعة عند أبي حنيفة إلاّ لها وحدها دون سائر المطلقات، وإن كان مفروضاً لها؛ فالمتعة مختلف فيها: فبعض على الندب والاستحباب، ومنهم أبو حنيفة.
وبعض على الوجوب ﴿ سَرَاحاً جَمِيلاً ﴾ من غير ضرار ولا منع واجب.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا نَكَحْتُمُ المُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ ﴾ تُجامِعُوهُنَّ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِألِفٍ وضَمِّ التّاءِ.
﴿ فَما لَكم عَلَيْهِنَّ مِن عِدَّةٍ ﴾ أيّامٍ يَتَرَبَّصْنَ فِيها بِأنْفُسِهِنَّ.
﴿ تَعْتَدُّونَها ﴾ تَسْتَوْفُونَ عَدَدَها مِن عَدَدْتُ الدَّراهِمَ فاعْتَدَّها كَقَوْلِكَ: كِلْتُهُ فاكْتالَهُ، أوْ تُعِدُّونَها.
والإسْنادُ إلى الرِّجالِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ العِدَّةَ حَقُّ الأزْواجِ كَما أشْعَرَ بِهِ ﴿ فَما لَكُمْ ﴾ ، وعَنِ ابْنِ كَثِيرٍ ﴿ تَعْتَدُّونَها ﴾ مُخَفَّفًا عَلى إبْدالِ إحْدى الدّالَيْنِ بِالياءِ أوْ عَلى أنَّهُ مِنَ الِاعْتِداءِ بِمَعْنى تَعْتَدُونَ فِيها، وظاهِرُهُ يَقْتَضِي عَدَمَ وُجُوبِ العِدَّةِ بِمُجَرَّدِ الخَلْوَةِ وتَخْصِيصَ المُؤْمِناتِ والحُكْمُ عامٌّ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ مِن شَأْنِ المُؤْمِنِ أنْ لا يَنْكِحَ إلّا مُؤْمِنَةً تَخَيُّرًا لِنُطْفَتِهِ، وفائِدَةُ ثُمَّ إزاحَةُ ما عَسى أنْ يُتَوَهَّمَ تَراخِي الطَّلاقِ رَيْثَما تَمَكَّنَ الإصابَةَ كَما يُؤَثِّرُ في النَّسَبِ يُؤَثِّرُ في العِدَّةِ.
﴿ فَمَتِّعُوهُنَّ ﴾ أيْ إنْ لَمْ يَكُنْ مَفْرُوضًا لَها فَإنَّ الواجِبَ لِلْمَفْرُوضِ لَها نِصْفُ المَفْرُوضِ دُونَ المُتْعَةِ ويَجُوزُ أنْ يُؤَوَّلَ التَّمْتِيعُ بِما يَعُمُّهُما، أوِ الأمْرُ بِالمُشْتَرَكِ بَيْنَ الوُجُوبِ والنَّدْبِ فَإنَّ المُتْعَةَ سُنَّةٌ لِلْمَفْرُوضِ لَها.
﴿ وَسَرِّحُوهُنَّ ﴾ أخْرَجُوهُنَّ مِن مَنازِلِكم إذْ لَيْسَ لَكم عَلَيْهِنَّ عِدَّةٌ.
﴿ سَراحًا جَمِيلا ﴾ مِن غَيْرِ ضِرارٍ ولا مَنعِ حَقٍّ، ولا يَجُوزُ تَفْسِيرُهُ بِالطَّلاقِ السُّنِّيِّ لِأنَّهُ مُرَتَّبٌ عَلى الطَّلاقِ والضَّمِيرُ لِغَيْرِ المَدْخُولِ بِهِنَّ.
<div class="verse-tafsir"
{يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات} أى تزوجتم والنكاح هو الوطء في الأصل وتسمية العقد نكاحاً لملابسته له من حيث إنه طريق إليه كتسمية الخمر اثما لانها سببه وكقول الراجز أسنمة الآبال في سحابه
سمى الماء بأسنمة الآبال لأنه سبب سمن الآبال وأرتفاع اسمنتها ولم يرد لفظ النكاح في كتاب الله تعالى إلا في معنى العقد لأنه في معنى الوطء من باب التصريح به ومن آداب القرآن الكناية عنه بلفظ الملامسة والمماسة والقربان والتغشي والإتيان وفي تخصيص المؤمنات مع أن الكتابيات تساوي المؤمنات في هذا الحكم إشارة إلى أن الأولى بالمؤمن أن ينكح مؤمنة {ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ} والخلوة الصحيحة كالمس {فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا} فيه دليل على أن العدة تجب على النساء الرجال ومعنى تَعْتَدُّونَهَا تستوفون عددها تفتعلون من العد {فَمَتّعُوهُنَّ} والمتعة تجب للتي طلقها قبل الدخول بها ولم يسم لها مهر دون غيرها {وَسَرّحُوهُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً} أي لا تمسكوهن ضراراً وأخرجوهن من منازلكم إذ لا عدة لكم عليهن
﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا نَكَحْتُمُ المُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ فَما لَكم عَلَيْهِنَّ مِن عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها ﴾ عُودٌ إلى ذِكْرِ النِّساءِ، والنِّكاحُ هُنا العَقْدُ بِالِاتِّفاقِ واخْتَلَفُوا في مَفْهُومِهِ لُغَةً فَقِيلَ هو مُشْتَرِكٌ بَيْنَ الوَطْءِ والعَقْدِ اِشْتِراكًا لَفْظِيًّا، وقِيلَ: حَقِيقَةٌ في العَقْدِ مَجازٌ في الوَطْءِ، وقِيلَ: بِقَلْبِهِ، وقِيلَ: هو مُشْتَرِكٌ بَيْنَهُما اِشْتِراكًا مَعْنَوِيًّا وهو مِن أفْرادِ المُشَكِّكِ، وحَقِيقَتُهُ الضَّمُّ والجَمْعُ كَما في قَوْلِهِ: ضَمَمْتُ إلى صَدْرِي مُعَطَّرَ صَدْرِها كَمّا نَكَحَتْ أمُّ الغُلامِ صَبِيَّها ونَقَلَ المُبَرِّدُ ذَلِكَ عَنِ البَصْرِيِّينَ وغُلامُ ثَعْلَبٍ الشَّيْخُ عُمَرُ والزّاهِدُ عَنِ الكُوفِيِّينَ، ثُمَّ المُتَبادِرُ مِن لَفْظِ الضَّمِّ تَعَلُّقُهُ بِالأجْسامِ لا الأقْوالِ لِأنَّها أعْراضٌ يَتَلاشى الأوَّلُ مِنها قَبْلَ وُجُودِ الثّانِي فَلا يُصادِفُ الثّانِيَ ما يَنْضَمُّ إلَيْهِ، وهَذا يَقْتَضِي كَوْنَهُ مَجازًا في العَقْدِ، وإنِ اُعْتُبِرَ الضَّمُّ أعَمَّ مِن ضَمِّ الجِسْمَ إلى الجِسْمِ والقَوْلِ إلى القَوْلِ جازَ أنْ يَكُونَ النِّكاحُ حَقِيقَةً في كُلٍّ مِنَ الوَطْءِ والعَقْدِ وجازَ أنْ يَكُونَ مَجازًا عَلى التَّفْصِيلِ المَعْرُوفِ في اِسْتِعْمالِ العامِّ في كُلِّ فَرْدٍ مِن أفْرادِهِ، واخْتارَ الرّاغِبُ القَوْلَ الثّانِيَ مِنَ الأقْوالِ السّابِقَةِ وبالَغَ في عَدَمِ قَبُولِ الثّالِثِ، فَقالَ هو حَقِيقَةٌ في العَقْدِ ثُمَّ اُسْتُعِيرَ لِلْجِماعِ، ومُحالٌ أنْ يَكُونَ في الأصْلِ لِلْجِماعِ ثُمَّ اُسْتُعِيرَ لِلْعَقْدِ لِأنَّ أسْماءَ الجِماعِ كُلَّها كِناياتٌ لِاسْتِقْباحِهِمْ ذِكْرَهُ كاسْتِقْباحِ تَعاطِيهِ، ومُحالٌ أنْ يَسْتَعِيرَ مَن لا يَقْصِدُ فُحْشًا اِسْمَ ما يَسْتَفْظِعُونَهُ لِما يَسْتَحْسِنُهُ.
واخْتارَ الزَّمَخْشَرِيُّ الثّالِثَ فَقالَ: النِّكاحُ، الوَطْءُ وتَسْمِيَةُ العَقْدِ نِكاحًا لِمُلابَسَتِهِ لَهُ مِن حَيْثُ إنَّهُ طَرِيقٌ لَهُ ونَظِيرُهُ تَسْمِيَةُ الخَمْرِ إثْمًا لِأنَّها سَبَبٌ في اِقْتِرافِ الإثْمِ، ولَمْ يَرِدْ لَفْظُ النِّكاحِ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى إلّا في مَعْنى العَقْدِ لِأنَّهُ في حَقِّ الوَطْءِ مِن بابِ التَّصْرِيحِ بِهِ ومِن آدابِ القُرْآنِ الكِنايَةُ عَنْهُ بِلَفْظِ المُلامَسَةِ والمُماسَّةِ والقُرْبانِ والتَّغَشِّي والإتْيانِ، وأرادَ عَلى ما قِيلَ إنَّهُ في العَقْدِ حَقِيقَةٌ شَرْعِيَّةٌ مُنْسًى فِيهِ المَعْنى اللُّغَوِيُّ، وبُحِثَ في قَوْلِهِ لَمْ يَرِدْ لَفْظُ النِّكاحِ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى إلّا في مَعْنى العَقْدِ بِأنَّهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ ﴾ بِمَعْنى الوَطْءِ، وهَذا ما عَلَيْهِ الجُمْهُورُ وخالَفَ في ذَلِكَ اِبْنُ المُسَيِّبِ، وتَمامُ الكَلامِ في مَوْضِعِهِ، والمَسُّ في الأصْلِ مَعْرُوفٌ وكُنِّيَ بِهِ هُنا عَنِ الجِماعِ، والعِدَّةُ هي الشَّيْءُ المَعْدُودُ، وعِدَّةُ المَرْأةِ المُرادُ بِها الأيّامُ الَّتِي بِانْقِضائِها يَحِلُّ لَها التَّزَوُّجُ، أيْ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا عَقَدْتُمْ عَلى المُؤْمِناتِ وتَزَوَّجْتُمُوهُنَّ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلُ أنْ تُجامِعُوهُنَّ فَما لَكَمَ عَلَيْهِنَّ مِن عِدَّةٍ بِأيّامٍ يَتَرَبَّصْنَ فِيها بِأنْفُسِهِنَّ تَسْتَوْفُونَ عَدَدَها، عَلى أنَّ تَعْتَدُّونَ مُطاوِعُ عَدَّ، يُقالُ: عَدَّ الدَّراهِمَ فاعْتَدَّها أيِ اِسْتَوْفى عَدَدَها نَحْوَ قَوْلِكَ كِلْتُهُ فاكْتَلْتُهُ ووَزِنْتُهُ فاتَّزَنْتُهُ أوْ تَعَدُّونَها عَلى أنَّ اِفْتَعَلَ بِمَعْنى فَعَلَ، وإسْنادُ الفِعْلِ إلى الرِّجالِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ العِدَّةَ حَقُّ الأزْواجِ ما أشْعَرَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَما لَكُمْ ﴾ واعْتُرِضَ بِأنَّ المَذْكُورَ في كُتُبِ الفُرُوعِ كالهِدايَةِ وغَيْرِها أنَّها حَقُّ الشَّرْعِ، ولِذا لا تَسْقُطُ لَوْ أسْقَطَها الزَّوْجُ ولا يَحِلُّ لَها الخُرُوجُ ولَوْ أُذِنَ لَها، وتَتَداخَلُ العِدَّتانِ ولا تَداخُلَ في حَقِّ العَبْدِ وحَقِّ الوَلَدِ أيْضًا ولِذا قالَ : ««لا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مُؤْمِنٍ بِاَللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ أنْ يَسْقِيَ ماءَهُ زَرْعَ غَيْرِهِ»».
وفَرَّعُوا عَلى ذَلِكَ أنَّهُما لا يَصْدُقانِ في إبْطالِها بِاتِّفاقِهِما عَلى عَدَمِ الوَطْءِ.
وأُجِيبَ بِأنَّهُ لَيْسَ المُرادُ أنَّها صَرْفُ حَقِّهِمْ بَلْ أنَّ نَفْعَها وفائِدَتَها عائِدَةٌ عَلَيْهِمْ لِأنَّها لِصِيانَةِ مِياهِهِمْ والأنْسابِ الرّاجِعَةِ إلَيْهِمْ فَلا يُنافِي أنْ يَكُونَ لِلشَّرْعِ والوَلَدِ حَقٌّ فِيها يَمْنَعُ إسْقاطَها ولَوْ فُرِضَ أنَّها صَرْفُ حَقِّهِمْ يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ عَدَمَ سُقُوطِها بِإسْقاطِهِمْ لا يُنافِي ذَلِكَ إلّا إذا ثَبَتَ أنَّ كُلَّ حَقٍّ لِلْعَبْدِ إذا أسْقَطَهُ العَبْدُ سَقَطَ ولَيْسَ كَذَلِكَ فَإنَّ بَعْضَ حُقُوقِ العَبْدِ لا تَسْقُطُ بِإسْقاطِهِ كالإرْثِ وحَقِّ الرُّجُوعِ الهِبَةِ وخِيارِ الرُّؤْيَةِ، ثُمَّ أنَّ في الِاسْتِدْلالِ بِالحَدِيثِ عَلى أنَّها حَقُّ الوَلَدِ تَأمُّلًا كَما لا يَخْفى.
وتَخْصِيصُ المُؤْمِناتِ مَعَ عُمُومِ الحُكْمِ لِلْكِتابِيّاتِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ المُؤْمِنَ شَأْنُهُ أنْ يَتَخَيَّرَ لِنُطْفَتِهِ ولا يَنْكِحَ إلّا مُؤْمِنَةً، وحاصِلُهُ أنَّهُ لِبَيانِ الأحْرى والألْيَقِ بَعْدَ ما فُصِّلَ في البَقَرَةِ نِكاحُ الكِتابِيّاتِ.
وفائِدَةُ المَجِيءِ بِ ثُمَّ مَعَ أنَّ الحُكْمَ ثابِتٌ لِمَن تَزَوَّجَ اِمْرَأةً وطَلَّقَها عَلى الفَوْرِ كَثُبُوتِهِ لِمَن تَزَوَّجَها وطَلَّقَها بَعْدَ مُدَّةٍ مَدِيدَةٍ إزاحَةُ ما عَسى يُتَوَهَّمُ أنَّ تَراخِيَ الطَّلاقِ لَهُ دَخْلٌ في إيجابِ العِدَّةِ لِاحْتِمالِ المُلاقاةِ والجِماعِ سِرًّا كَما أنَّ لَهُ دَخْلًا في النَّسَبِ، ويُمْكِنُ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى التَّراخِي، الرُّتْبِيِّ فَإنَّ الطَّلاقَ وإنْ كانَ مُباحًا لا كَراهَةَ فِيهِ عَلى ما قِيلَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لا جُناحَ عَلَيْكم إنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ ﴾ غَيْرُ مَحْبُوبٍ كالنِّكاحِ مِن حَيْثُ إنَّهُ يُؤَدِّي إلى قَطْعِ الوَصْلَةِ وحَلِّ قَيْدِ العِصْمَةِ المُؤَدِّي لِقِلَّةِ التَّناسُلِ الَّذِي بِهِ تَكْثُرُ الأُمَّةُ ولِهَذا ورَدَ كَما أخْرَجَ أبُو داوُدَ وابْنُ ماجَهْ والحاكِمُ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ عَدِيٍّ عَنِ اِبْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما مَرْفُوعًا: ««أبْغَضُ الحَلالِ إلى اللَّهِ الطَّلاقُ»» ورَواهُ البَيْهَقِيُّ مُرْسَلًا بِدُونِ اِبْنِ عُمَرَ بَلْ قالَ العَلّامَةُ اِبْنُ الهُمامِ: الأصَحُّ حَظْرُهُ وكَراهَتُهُ إلّا لِحاجَةٍ لِما فِيهِ مِن كُفْرانِ نِعْمَةِ النِّكاحِ ولِلْأخْبارِ الدّالَّةِ عَلى ذَلِكَ، ويُحْمَلُ لَفْظُ المُباحِ في الخَبَرِ المَذْكُورِ عَلى ما أُبِيحَ في بَعْضِ الأوْقاتِ، أعْنِي أوْقاتَ تَحَقُّقِ الحاجَةِ المُبِيحَةِ، وهو ظاهِرٌ في رِوايَةٍ لِأبِي داوُدَ: «ما أحَلَّ اللَّهُ شَيْئًا أبْغَضَ إلَيْهِ مِنَ الطَّلاقِ،» والفِعْلُ لا عُمُومَ لَهُ في الأزْمانِ، والحاجَةُ المُبِيحَةُ الكِبْرُ والرِّيبَةُ مَثَلًا، ومِنَ المُبِيحِ عَدَمُ اِشْتِهائِها بِحَيْثُ يَعْجِزُ أوْ يَتَضَرَّرُ بِإكْراهِهِ نَفْسَهُ عَلى جِماعِها مَعَ عَدَمِ رِضاها بِإقامَتِها في عِصْمَتِهِ مِن غَيْرِ وطْءٍ أوْ قَسَمٍ.
وأمّا ما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ السِّبْطِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وكانَ قِيلَ لَهُ في كَثْرَةِ تَزَوُّجِهِ وطَلاقِهِ فَقالَ: أُحِبُّ الغِناءَ، فَقَدْ قالَ تَعالى: ﴿ وإنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللَّهُ كُلا مِن سَعَتِهِ ﴾ فَهو رَأْيٌ مِنهُ إنْ كانَ عَلى ظاهِرِهِ، وكُلُّ ما نُقِلَ عَنِ طَلاقِ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم فَمَحْمَلُهُ وُجُودُ الحاجَةِ، وظاهِرُ الآيَةِ يَقْتَضِي عَدَمَ وُجُوبِ العِدَّةِ بِمُجَرَّدِ الخَلْوَةِ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ نَفى فِيها وُجُوبَ العِدَّةِ إذا طُلِّقَتْ قَبْلَ الجِماعِ، والخَلْوَةُ لَيْسَتْ جِماعًا وهي عِنْدَنا إذا كانَتْ صَحِيحَةً عَلى الوَجْهِ المُبِينِ في كُتُبِ الفُرُوعِ كالجِماعِ في وُجُوبِ العِدَّةِ فَتَجِبُ فِيهِ العِدَّةُ اِحْتِياطًا لِتَوَهُّمِ الشَّغْلِ نَظَرًا إلى التَّمَكُّنِ الحَقِيقِيِّ بَلْ قالُوا هو مِثْلُهُ في جَمِيعِ أحْكامِهِ سِوى عَشَرَةٍ نَظَمَها أفْضَلُ مَن عاصَرْناهُ مِنَ الفُقَهاءِ الشَّيْخُ مُحَمَّدُ الأمِينِ الشّامِيُّ الشَّهِيرُ بِابْنِ عابِدِينَ بِقَوْلِهِ: وخَلْوَتُهُ كالوَطْءِ في غَيْرِ عَشْرَةٍ ∗∗∗ مُطالَبَةٍ بِالوَطْءِ إحْصانِ تَحْلِيلِ وفَيْءٍ وارِثٍ رَجْعَةٍ فَقْدٍ عُنَّةٍ ∗∗∗ وتَحْرِيمِ بِنْتٍ عَقْدِ بِكْرٍ وتَغْسِيلِ وظاهِرُ قَوْلِهِمْ بِوُجُوبِ العِدَّةِ فِيها أنَّها واجِبَةٌ قَضاءً ودِيانَةً، وفي الفَتْحِ قالَ العِتابِيُّ: تَكَلَّمَ مَشايِخُنا في العِدَّةِ الواجِبَةِ بِالخَلْوَةِ الصَّحِيحَةِ أنَّها واجِبَةٌ ظاهِرًا أوْ حَقِيقَةً فَقِيلَ: لَوْ تَزَوَّجَتْ وهي مُتَيَقِّنَةٌ بِعَدَمِ الدُّخُولِ حُلَّ لَها دِيانَةً لا قَضاءً اه، ولَمْ يَتَعَقَّبْهُ بِشَيْءٍ وذَكَرَهُ سِعْدِيُّ جَلَبِيٍّ في (حَواشِي البَيْضاوِيِّ ) وقالَ: يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ التَّعْوِيلُ عَلى هَذا القَوْلِ، وتَعَقَّبَ ذَلِكَ الشِّهابُ الخَفاجِيِّ بِأنَّهُ وإنْ نَقَلَهُ فُقَهاؤُنا فَقَدْ صَرَّحُوا بِأنَّهُ لا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، ونَحْنُ لَمْ نَرَ هَذا التَّصْرِيحَ فَلْيُتَتَبَّعْ، ثُمَّ لا يَخْفى أنَّ عَدَمَ وُجُوبِ العِدَّةِ في الطَّلاقِ بَعْدَ الخَلْوَةِ مِمّا يُعَدُّ مَنطُوقًا صَرِيحًا في الآيَةِ إذا فُسِّرَ المَسُّ بِالجِماعِ ولَيْسَ مِن بابِ المَفْهُومِ حَتّى يُقالَ: إنّا لا نَقُولُ بِهِ كَما يُتَوَهَّمُ فَلا بُدَّ لِإثْباتِ وُجُوبِ العِدَّةِ في ذَلِكَ مِن دَلِيلٍ، ومِنَ النّاسِ مَن حَمَلَ المَسَّ فِيها عَلى الخَلْوَةِ إطْلاقًا لِاسْمِ المُسَبَّبِ عَلى السَّبَبِ إذِ المَسُّ مُسَبَّبٌ عَنِ الخَلْوَةِ عادَةً، واعْتُرِضْ بِأنَّهُ لَمْ يَشْتَهِرِ المَسُّ بِمَعْنى الخَلْوَةِ ولا قَرِينَةَ في الكَلامِ عَلى إرادَتِهِ مِنهُ، وأيْضًا يَلْزَمُ عَلَيْهِ أنَّهُ لَوْ طَلَّقَها وقَدْ وطِئَها بِحَضْرَةِ النّاسِ عَدَمُ وُجُوبِ العِدَّةِ لِأنَّهُ قَدْ طَلَّقَها قَبْلَ الخَلْوَةِ.
وأُجِيبَ عَنْ هَذا بِأنَّ وُجُوبَ العِدَّةِ في ذَلِكَ بِالإجْماعِ، وبِأنَّ العِدَّةَ إذا وجَبَتْ في الطَّلاقِ بِمُجَرَّدِ الخَلْوَةِ كانَتْ واجِبَةً فِيهِ بِالجِماعِ مِن بابِ أوْلى، وكَيْفَ لا تَجِبُ بِهِ ووُجُوبُها بِالخَلْوَةِ لِاحْتِمالِ وُقُوعِهِ فِيها لا لِذاتِها، وقِيلَ: إنَّ المَسَّ لَمّا لَمْ يَرِدْ ظاهِرُهُ وإلّا لَزِمَتِ العِدَّةُ فِيما لَوْ طَلَّقَها بَعْدَ أنْ مَسَّها بِيَدِهِ في غَيْرِ خَلْوَةٍ مَعَ أنَّهُ لا تَلْزَمُ في ذَلِكَ بِلا خِلافٍ عُلِمَ أنَّهُ كَنّى بِهِ عَنْ مَعْنًى آخَرَ مِن لَوازِمِ الِاتِّصالِ فَهو الجِماعُ وما في مَعْناهُ مِنَ الخَلْوَةِ الصَّحِيحَةِ، وفِيهِ نَظَرٌ لِأنَّ عَدَمَ صِحَّةِ إرادَةِ ظاهِرِهِ لا يُوجِبُ إرادَةَ ما يَعُمُّ الجِماعَ والخَلْوَةَ لِمَ لا يَجُوزُ إرادَةُ الجِماعِ ويُرَجِّحُها شُهْرَةُ الكِنايَةِ بِذَلِكَ ونَحْوِهِ عَنِ الجِماعِ، وإطْلاقُهُ عَلَيْهِ إمّا مِن إطْلاقِ اِسْمِ السَّبَبِ عَلى المُسَبَّبِ أوْ مِن إطْلاقِ اِسْمِ المُطْلَقِ عَلى أخَصَّ بِخُصُوصِهِ وهو الأوْجَهُ عَلى ما ذَكَرَهُ العَلّامَةُ اِبْنُ الهُمامِ، وبِالجُمْلَةِ القَوْلُ بِأنَّ ظاهِرَ الآيَةِ يَقْتَضِي عَدَمَ وُجُوبِ العِدَّةِ بِمُجَرَّدِ الخَلْوَةِ قَوْلٌ مَتِينٌ وحَقٌّ مُبِينٌ فَتَأمَّلْ.
وفِي (اَلْبَحْرِ) لِأبِي حَيّانَ: الظّاهِرُ أنَّ المُطَلَّقَةَ إذا راجَعَها زَوْجُها قَبْلَ أنْ تَنْقَضِيَ عِدَّتُها ثُمَّ فارَقَها قَبْلَ أنْ يَمَسَّها لا تَتِمُّ عِدَّتُها مِنَ الطَّلْقَةِ الأُولى لِأنَّها مُطَلَّقَةٌ قَبْلَ الدُّخُولِ بِها وبِهِ، قالَ داوُدُ وقالَ عَطاءٌ وجَماعَةٌ: تَمْضِي في عِدَّتِها عَنْ طَلاقِها الأوَّلِ وهو أحَدُ قَوْلَيِ الشّافِعِيِّ، وقالَ مالِكٌ: لا تَبْنِي عَلى العِدَّةِ مِنَ الطَّلاقِ الأوَّلِ وتَسْتَأْنِفُ العِدَّةَ مِن يَوْمِ طَلَّقَها الطَّلاقَ الثّانِيَ، وهو قَوْلُ جُمْهُورِ فُقَهاءِ الأمْصارِ، والظّاهِرُ أيْضًا أنَّها لَوْ كانَتْ بائِنًا غَيْرَ مَبْتُوتَةٍ فَتَزَوَّجَها في العِدَّةِ ثُمَّ طَلَّقَها قَبْلَ الدُّخُولِ فَكالرَّجْعِيَّةِ في قَوْلِ داوُدَ لَيْسَ عَلَيْها عِدَّةٌ لا بَقِيَّةَ عِدَّةِ الطَّلاقِ الأوَّلِ ولا اِسْتِئْنافَ عِدَّةٍ لِلثّانِي ولَها نِصْفُ المَهْرِ، وقالَ الحَسَنُ وعَطاءٌ وعِكْرِمَةُ وابْنُ شِهابٍ ومالِكٌ والشّافِعِيٌّ وعُثْمانُ البَتِّيُّ وزُفَرُ: لَها نِصْفُ الصَّداقِ وتُتِمُّ بَقِيَّةَ العِدَّةِ الأُولى، وقالَ الثَّوْرِيُّ والأوْزاعِيُّ وأبُو حَنِيفَةَ وأبُو يُوسُفَ: لَها مَهْرٌ كامِلٌ لِلنِّكاحِ الثّانِي وعِدَّةٌ مُسْتَقْبَلَةٌ جَعَلُوها في حُكْمِ المَدْخُولِ بِها لِاعْتِدادِها مِن مِائَةٍ اه، وفِيهِ أيْضًا الظّاهِرُ أنَّ الطَّلاقَ لا يَكُونُ إلّا بَعْدَ العَقْدِ فَلا يَصِحُّ طَلاقُ مَن لَمْ يُعْقَدْ عَلَيْها وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ.
وقالَتْ طائِفَةٌ كَثِيرَةٌ مِنهم مالِكٌ يَصِحُّ ذَلِكَ وعَنى بِطَلاقِ مَن لَمْ يُعْقَدْ عَلَيْها قَوْلُ الرَّجُلِ كُلُّ اِمْرَأةٍ أتَزَوَّجُها فَهي طالِقٌ أوْ إنْ تَزَوَّجْتُ فُلانَةً فَهي طالِقٌ.
وقَدْ أخْرَجَ جَماعَةٌ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: هو لَيْسَ بِشَيْءٍ فَقِيلَ لَهُ: إنَّ اِبْنَ مَسْعُودٍ كانَ يَقُولُ إنْ طَلَّقَ ما لَمْ يَنْكِحْ فَهو جائِزٌ، فَقالَ: أخْطَأ في هَذا وتَلا الآيَةَ وفي بَعْضِ الرِّواياتِ أنَّهُ قالَ: رَحِمَ اللَّهُ تَعالى أبا عَبْدِ الرَّحْمَنِ لَوْ كانَ كَما قالَ لَقالَ اللَّهُ تَعالى: «يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا طَلَّقْتُمُ المُؤْمِناتِ ثُمَّ نَكَحْتُمُوهُنَّ» ولَكِنْ إنَّما قالَ: ﴿ إذا نَكَحْتُمُ المُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ ﴾ .
وفِي (اَلدُّرِّ المَنثُورِ) عِدَّةُ أحادِيثَ مَرْفُوعَةٍ ناطِقَةٍ بِأنَّ لا طَلاقَ قَبْلَ نِكاحٍ، والمَذْكُورُ في فُرُوعِنا أنَّ ذَلِكَ مِن بابِ التَّعْلِيقِ وشَرَطُهُ المِلْكُ أوِ الإضافَةُ إلَيْهِ، فَإذا قالَ: إنْ نَكَحْتُ اِمْرَأةً فَهي طالِقٌ أوْ إنْ نَكَحْتُكِ فَأنْتِ طالِقٌ وكُلُّ اِمْرَأةٍ أنْكِحُها فَهي طالِقٌ، يَقَعُ الطَّلاقُ إذا نَكَحَ لِأنَّ ذَلِكَ تَعْلِيقٌ وفِيهِ إضافَةً إلى المِلْكِ ويَكْفِي مَعْنى الشَّرْطِ إلّا في المُعَيَّنَةِ بِاسْمٍ ونَسَبٍ، كَما إذا قالَ: فُلانَةٌ بِنْتُ فُلانٍ الَّتِي أتَزَوَّجُها فَهي طالِقٌ أوْ بِإشارَةٍ في الحاضِرَةِ، كَما لَوْ قالَ: هَذِهِ المَرْأةُ الَّتِي أتَزَوَّجُها طالِقٌ، فَإنَّها لا تُطَلَّقُ في الصُّورَتَيْنِ لِتَعْرِيفِها فَلَغا الوَصْفُ بِاَلَّتِي أتَزَوَّجُها فَصارَ كَأنَّهُ قالَ: فُلانَةٌ بِنْتُ فُلانٍ أوْ هَذِهِ المَرْأةُ طالِقٌ وهي أجْنَبِيَّةٌ ولَمْ تُوجَدِ الإضافَةُ إلى المِلْكِ فَلا يَقَعُ الطَّلاقُ إذا تَزَوَّجَها فَتَدَبَّرْ.
وقُرِئَ «تُماسُّوهُنَّ» بِضَمِّ التّاءِ وألِفٍ بَعْدِ المِيمِ، وعَنِ اِبْنِ كَثِيرٍ وغَيْرِهِ مِن أهْلِ مَكَّةَ «تَعْتَدُونَها» بِتَخْفِيفِ الدّالِ ونَقَلَها عَنِ اِبْنِ كَثِيرٍ اِبْنُ خالَوَيْهِ وأبُو الفَضْلِ الرّازِّيُّ في (اللَّوامِحِ) عَنْهُ وعَنْ أهْلِ مَكَّةَ، وقالَ اِبْنُ عَطِيَّةَ: رَوى اِبْنُ أبِي بَزَّةَ عَنِ اِبْنِ كَثِيرٍ أنَّهُ قَرَأ بِتَخْفِيفِ الدّالِّ مِنَ العُدْوانِ كَأنَّهُ قالَ: فَما لَكم عِدَّةٌ تُلْزِمُونَها عُدْوانًا وظُلْمًا لَهُنَّ، والقِراءَةُ الأُولى أشْهَرُ عَنْهُ وتَخْفِيفُ الدّالِ وهْمٌ مِنَ اِبْنِ أبِي بَزَّةَ اه، ولَيْسَ بِوَهْمٍ إذْ قَدْ نَقَلَهُ عَنْهُ جَماعَةٌ غَيْرُهُ، وخُرِّجَ ذَلِكَ عَلى أنْ «تَعْتَدُونَها» مِنَ الِاعْتِداءِ بِمَعْنى الظُّلْمِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرارًا لِتَعْتَدُوا ﴾ والمُرادُ تَعْتَدُونَ فِيها كَقَوْلِهِ: ويَوْمٍ شَهِدْناهُ سُلَيْمًا وعامِرًا ∗∗∗ قَلِيلٍ سِوى طَعْنِ الدِّراكِ نَوافِلُهُ أيْ شَهْدِنا فِيهِ فَحَذَفَ حَرْفَ الجَرِّ ووَصَلَ الفِعْلَ بِالضَّمِيرِ، وقالَ أبُو حَيّانَ: إنَّ الِاعْتِداءَ يَتَعَدّى بِعَلى فالمُرادُ تَعْتَدُونَ عَلَيْهِنَّ فِيها، ونَظِيرُهُ في حَذْفِ عَلى قَوْلُهُ: تَحِنُّ فَتُبْدِي ما بِها مِن صَبابَةٍ ∗∗∗ وأُخْفِي الَّذِي لَوْلا الأسى لَقَضانِي فَإنَّهُ أرادَ لَقُضِيَ عَلَيَّ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلى إبْدالِ أحَدِ الدّالَيْنِ بِالتّاءِ، وقِيلَ عَلَيْهِ: إنَّهُ تَخْرِيجٌ غَيْرُ صَحِيحٍ لِأنَّ عَدَّ يَعُدُّ مِن بابِ نَصَرَ كَما في كُتُبِ اللُّغَةِ فَلا وجْهَ لِفَتْحِ التّاءِ لَوْ كانَتْ مُبْدَلَةً مِنَ الدّالِ، فالظّاهِرُ حَمْلُهُ عَلى حَذْفِ إحْدى الدّالَيْنِ تَخْفِيفًا، وقَرَأ الحَسَنُ بِإسْكانِ العَيْنِ كَغَيْرِهِ وتَشْدِيدِ الدّالِ جَمْعًا بَيْنَ السّاكِنَيْنِ.
﴿ فَمَتِّعُوهُنَّ ﴾ أيْ فَأعْطَوْهُنَّ المُتْعَةَ، وهي في المَشْهُورِ دِرْعٌ أيْ قَمِيصٌ وخِمارٌ وهو ما تُغَطِّي بِهِ المَرْأةُ رَأْسَها ومِلْحَفَةٌ وهي ما تَلْتَحِفُ بِهِ مِن قَرْنِها إلى قَدَمِها ولَعَلَّها ما يُقالُ لَهُ إزارٌ اليَوْمَ، وهَذا عَلى ما في البَدائِعِ أدْنى ما تُكْسى بِهِ المَرْأةُ وتَتَسَتَّرُ عِنْدَ الخُرُوجِ.
ويُفْهَمُ مِن كَلامِ فَخْرِ الإسْلامِ والفاضِلِ البَرِّ جُنْدِيٍّ أنَّهُ يُعْتَبَرُ عُرْفُ كُلِّ بَلْدَةٍ فِيما تُكْسى بِهِ المَرْأةُ عِنْدَ الخُرُوجِ، والمُفْتى بِهِ الأشْبَهُ بِالفِقْهِ قَوْلُ الخَصّافِ: إنَّها تُعْتَبَرُ بِحالِهِما فَإنْ كانا غَنِيَّيْنِ فَلَها الأعْلى مِنَ الثِّيابِ أوْ فَقِيرَيْنِ فالأدْنى أوْ مُخْتَلِفَيْنِ فالوَسَطُ، وتَجِبُ لِمُطَلَّقَةٍ قَبْلَ الوَطْءِ والخَلْوَةِ عِنْدَ مُعْتَبِرِها لَمْ يُسَمَّ لَها في النِّكاحِ تَسْمِيَةً صَحِيحَةً مِن كُلِّ وجْهٍ مَهْرٌ ولا تَزِيدُ عَلى نِصْفِ مَهْرِ المِثْلِ ولا تَنْقُصُ عَنْ خَمْسَةِ دَراهِمَ فَإنْ ساوَتِ النِّصْفَ فَهي الواجِبَةُ وإنْ كانَ النِّصْفُ أقَلَّ مِنها فالواجِبُ الأقَلُّ إلّا أنْ يَنْقُصَ عَنْ خَمْسَةِ دَراهِمَ، فَيُكْمَلُ لَها الخَمْسَةُ.
وفِي البَدائِعِ لَوْ دُفِعَ لَها قَيْمَةُ المُتْعَةِ أُجْبِرَتْ عَلى القَبُولِ، فَمَعْنى الآيَةِ عَلى ما سَمِعْتَ وكانَ الأمْرُ لِلْوُجُوبِ فَمَتِّعُوهُنَّ إنْ لَمْ يَكُنْ مَفْرُوضًا لَهُنَّ في النِّكاحِ، ورُوِيَ هَذا عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ، وأمّا المَفْرُوضُ لَها فِيهِ إذا طُلِّقَتْ قَبْلَ المَسِّ فالواجِبُ لَها نِصْفُ المَفْرُوضِ لا غَيْرَ.
وأمّا المُتْعَةُ فَهي عَلى ما في المَبْسُوطِ والمُحِيطِ وغَيْرِهِما مِنَ المُعْتَبَراتِ مُسْتَحَبَّةٌ، وعَلى ما في بَعْضِ نُسَخِ القُدُورِيِّ ومَشى عَلَيْهِ صاحِبُ الدُّرَرِ غَيْرُ مُسْتَحَبَّةٍ أيْضًا، والأرْجَحُ أنَّها مُسْتَحَبَّةٌ، وفي قَوْلِ الشّافِعِيِّ القَدِيمِ أنَّها واجِبَةٌ كَما في صُورَةِ عَدَمِ الفَرْضِ، وجُوِّزَ أنْ تَبْقى الآيَةُ عَلى ظاهِرِها ويَكُونُ المُرادُ ذِكْرُ حُكْمِ المُطَلَّقَةِ قَبْلَ المَسِّ سَواءٌ فُرِضَ لَها في النِّكاحِ أمْ لَمْ يُفْرَضْ، ويُرادُ بِالمُتْعَةِ العَطاءُ مُطْلَقًا فَيَعُمُّ نِصْفَ المَفْرُوضِ والمُتْعَةَ المَعْرُوفَةَ في الفِقْهِ ويَكُونُ الأمْرُ لِلْوُجُوبِ أيْضًا أوْ يُرادُ بِالمُتْعَةِ مَعْناها المَعْرُوفُ ويُحْمَلُ الأمْرُ عَلى ما يَشْمَلُ الوُجُوبَ والنَّدْبَ.
وادَّعى سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ كَما أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ أنَّ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ: ﴿ وإنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ وقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ ﴾ قالَ: فَصارَ لَها نِصْفُ الصَّداقِ ولا مَتاعَ لَها، وأنْكَرَ الحَسَنُ وأبُو العالِيَةِ النَّسْخَ وقالا لَها نِصْفُ الصَّداقِ ولَها المَتاعُ.
وجاءَ في رِوايَةٍ أُخْرى أخْرَجَها عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ الحَسَنِ أيْضًا أنَّ لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ مَتاعًا دُخِلَ بِها أمْ لَمْ يُدْخَلْ بِها فُرِضَ لَها أوْ لَمْ يُفْرَضْ.
وظاهِرُهُ دَعْوى الوُجُوبِ في الكُلِّ وهو خِلافُ ما عِنْدَنا، وقَدْ عَلِمْتَ الحُكْمَ في صُورَتَيْنِ وهو في الصُّورَتَيْنِ الباقِيَتَيْنِ الِاسْتِحْبابُ، وأمّا دَعْوى النَّسْخِ فَلا يَخْفى ما فِيها، والظّاهِرُ أنَّ الفاءَ لِتَفْرِيعِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها، وقِيلَ: فَصِيحَةٌ أيْ إذا كانَ كَما ذُكِرَ فَمَتِّعُوهُنَّ.
﴿ وسَرِّحُوهُنَّ ﴾ أيْ أخْرَجُوهُنَّ مِن مَنازِلِكم إذْ لَيْسَ لَكم عَلَيْهِنَّ عِدَّةٌ، وأصْلُ التَّسْرِيحِ أنْ تَرْعى الإبِلُ السَّرْحَ وهو شَجَرٌ لَهُ ثَمَرَةٌ ثُمَّ جُعِلَ لَكم إرْسالٌ في الرَّعْيِ ثُمَّ لِكُلِّ إرْسالٍ وإخْراجٍ ﴿ سَراحًا جَمِيلا ﴾ مُشْتَمِلًا عَلى كَلامٍ طَيِّبٍ، عارِيًا عَنْ أذًى ومَنعٍ واجِبٍ، وقِيلَ: السَّراحُ الجَمِيلُ أنْ لا يُطالِبُوهُنَّ بِما آتَوْهُنَّ، وقالَ الجُبّائِيُّ: هو الطَّلاقُ السُّنِّيُّ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ لِأنَّ ذاكَ لِعَطْفِهِ عَلى التَّمْتِيعِ الواقِعِ بَعْدَ الفاءِ مُرَتَّبٌ عَلى الطَّلاقِ فَيَلْزَمُ تَرَتُّبَ الطَّلاقِ السُّنِّيِّ عَلى الطَّلاقِ، والضَّمِيرُ لِغَيْرِ المَدْخُولِ بِهِنَّ فَلا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ طَلاقًا مُرَتَّبًا عَلى الطَّلاقِ الأوَّلِ لِأنَّ غَيْرَ المَدْخُولِ بِهِنَّ لا يُتَصَوَّرُ فِيها لُحُوقُ طَلاقٍ بَعْدَ طَلاقٍ آخَرَ مَعَ أنَّها إذا طُلِّقَتْ بانَتْ.
وقوله عز وجل: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ قرأ حمزة والكسائي تماسوهن وقرأ الباقون تَمَسُّوهُنَّ مثل الاختلاف الذي ذكرنا في سورة البقرة فَما لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ يعني: ليس للأزواج عليهن عدة تَعْتَدُّونَها وإنما خصّ المؤمنات، لأن نكاح المؤمنات كان مباحاً في ذلك الوقت.
فلما أحلّ الله تعالى نكاح الكتابيات، صار حكم الكتابية وحكم المؤمنة في هذا سواء إذا طلقها قبل أن يخلو بها لا عدة عليها بالإجماع.
وإن طلقها بعد ما خلا بها، ولم يدخل بها فقد روي عن ابن مسعود وابن عباس- ما- أنهما قالا: لا عدة عليها.
وقال عمر وعلي ومعاذ وزيد بن ثابت وجماعة منهم- م- أن عليها العدة، وهو أحوط الوجهين، أنه إذا خلا بها ولم تكن المرأة حائضاً، ولم يكن أحدهما مريضاً، ولا محرماً ولا صائماً صوم فرض، يجب على الزوج المهر كاملاً، وعليها العدة احتياطاً.
وأما إذا كانت المرأة حائضاً أو مريضة أو محرمة أو صائمة عن فرض أو الرجل مريض أو صائم عن فرض أو محرم فطلقها بعد الخلوة قبل الدخول، فعليه نصف المهر، وعليها العدة احتياطاً.
ثم قال: فَمَتِّعُوهُنَّ يعني: متعة الطلاق ثلاثة أثواب وهي مستحبة غير واجبة وَسَرِّحُوهُنَّ سَراحاً جَمِيلًا يعني: خلوا سبيلهن تخلية حسنة وهو أن يعطيها حقها.
قوله عز وجل: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ يعني: نساءك اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ يعني: أعطيت مهورهن، لأن غيره كان له أكثر من أربع نسوة أمره أن يترك ما زاد على الأربع، وقد أحلّ للنبي إمساك التسع ولم يأمره بالفرقة.
وَما مَلَكَتْ يَمِينُكَ يعني: أحللنا لك من الإماء مثل مارية القبطية مِمَّا أَفاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ من الغنيمة يعني: أعطاك الله كقوله تعالى: وَما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ [الحشر: 7] .
ثم قال: وَبَناتِ عَمِّكَ يعني: أحللنا لك نكاح بنات عَمِّكَ وَبَناتِ عَمَّاتِكَ وَبَناتِ خالِكَ وَبَناتِ خالاتِكَ اللَّاتِي هاجَرْنَ مَعَكَ يعني: هاجرن معه من مكة إلى المدينة أو قبله أو بعده.
ثم قال: وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً يعني: أحللنا لك امرأة مُّؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ وقرأ الحسن إِنْ وَهَبَتْ بنصب الألف ومعناه إذا وهبت ويكون ذلك الفعل خاصة لامرأة واحدة.
وقراءة العامة إن بالكسر فيكون معناه لكل امرأة إن فعلت ذلك في المستقبل.
قال مقاتل: وذلك أن أم شريك وهبت نفسها للنبي بغير مهر كذا قال الكلبي.
وروى معمر عن الزهري في قوله: إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ قال: بلغنا أن ميمونة وهبت نفسها للنبي ووهبت سودة يومها لعائشة- ا- وروى وكيع عن موسى بن عبيدة، عن محمد بن كعب القرظي وعمرو بن الحكم، وعبد الله بن عبيدة قال: تزوج النبيّ ثلاث عشر امرأة.
ستة من قريش.
خديجة بنت خويلد، وعائشة بنت أبي بكر، وحفصة بنت عمر، وأم حبيبة بنت أبي سفيان، وسودة بنت زمعة، وأم سلمة بنت أبي أمية.
وثلاثاً من بني عامر، وامرأتين من بني هلال ميمونة بنت الحارث وهي التي وهبت نفسها للنبي .
وزينب أم المساكين، وامرأة من بني بكر وهي التي اختارت الدنيا.
وامرأة من بني الحزن من كندة وهي التي استعاذت منه.
وقال يحيى بن أبي كثير تزوج أربعة عشر.
خديجة وسودة وعائشة.
تزوج هؤلاء الثلاث بمكة.
وتزوج بالمدينة زينب بنت خزيمة، وأم سلمة، وجويرية من بني المصطلق.
وميمونة بنت الحارث، وصفية بنت حيي بن أخطب، وزينب بنت جحش وكانت امرأة زيد بن حارثة، وعالية بنت ظبيان، وحفصة، وأم حبيبة، والكندية، وامرأة من كلب.
وروى الزهري عن عروة قال: لما دخلت الكندية على النبيّ قالت: أعوذ بالله منك.
فقال: «لقد عذت بعظيم، الحقي بأهلك» .
ثم قال عز وجل: إِنْ أَرادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَها يعني: أن يتزوجها بغير صداق خالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ يعني: خالصا للنبي بغير مهر، ولا يحل لغيره.
وقال الزهري: الهبة كانت للنبي خاصة، ولا تحل لأحد أن تهب له امرأة نفسها بغير صداق.
وروي عن سعيد بن المسيب أنه قال: لم تحل الموهوبة لأحد بعد النبي .
واختلف الناس في جواز النكاح.
قال أهل المدينة باطل.
وقال أهل العراق: النكاح جائز، ولها مهر مثلها.
وروي عن علي بن أبي طالب- - أنه أجاز ذلك.
وروى هشام بن عروة، عن أبيه عن عائشة- ا- أن خولة بنت حكيم وهبت نفسها للنبي ، وكانت من المهاجرات الأول.
وقال القتبي: العرب تخبر عن غائب، ثم ترجع إلى الشاهد فتخاطبه، كما قال هاهنا: إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ بلفظ الغائب ثم قال: خالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ.
ثم قال: قَدْ عَلِمْنا مَا فَرَضْنا عَلَيْهِمْ يعني: ما أوجبنا عليهم فِي أَزْواجِهِمْ يعني: في أن لا يتزوجوا إلا بالمهر.
ويقال: إلا أربعاً وَما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ ويقال: يعني إلا ما لا وقت فيهن لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ في الهبة بغير مهر.
وفي الآية ومعناه: أنا أحللنا لك امرأة مؤمنة وهبت نفسها للنبي لكي لا يكون عليك حرج.
ثم قال: وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً يعني: غفوراً فيما تزوج قبل النهي رَحِيماً في تحليل ذلك.
<div class="verse-tafsir"
وهذا الحديثُ خرَّجه ابن حِبَّان في «صحيحه» .
وقوله: وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا أراد في كل الأوقات فحدّد الزمن بطرفي نهارِه ولَيْلِه، والأصيل من العَصْر إلى الليلِ، وعن ابن أبي أوفى قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلّم: «إنَّ خِيَارَ عِبَادِ اللهِ الَّذِينَ يُرَاعُونَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالأَظِلَّةَ لِذِكْرِ اللهِ» «١» رواه الحاكم في «المستدرك» ، انتهى من «السلاح» .
وقوله سبحانه: هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ ...
الآية: صلاةُ الله على العبدِ هي رحمتُه له، وصلاة الملائكة هي دعاؤهم للمؤمنين.
ثم أخبر تعالى برحمته بالمؤمنين تأنيساً لَهُم.
وقوله تعالى: تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ قيل: يوم القيامة تجيء الملائكةُ المؤمنين بالسلامِ، ومعناه: السلامةُ من كل مكروهٍ، وقال قتادة: يوم دُخولِهم الجنَّةِ يحي بعضُهم بعضاً بالسلامِ «٢» ، والأجرُ الكريمُ: جنة الخلدِ في جوار الله تبارك وتعالى.
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً (٤٥) وَداعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِراجاً مُنِيراً (٤٦) وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلاً كَبِيراً (٤٧) وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ وَدَعْ أَذاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلاً (٤٨) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَما لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَراحاً جَمِيلاً (٤٩)
وقوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً ...
الآية، هذه الآية فيها تأنيس للنبي صلى الله عليه وسلّم وللمؤمنين، وتكريم لجميعهم.
وقوله: وَداعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ أي: بأمره وَسِراجاً مُنِيراً استعارةُ للنور الذي تَضَمَّنهُ شرعُه.
وقوله تعالى: وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيراً.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذا نَكَحْتُمُ المُؤْمِناتِ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى (نَكَحْتُمْ) تَزَوَّجْتُمْ.
ومَعْنى ﴿ تَمَسُّوهُنَّ ﴾ تَقْرَبُوهُنَّ.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: " تَماسُّوهُنَ " بِألِفٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَما لَكم عَلَيْهِنَّ مِن عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها ﴾ أجْمَعَ العُلَماءُ أنَّهُ إذا كانَ الطَّلاقُ قَبْلَ المَسِيسِ والخَلْوَةِ فَلا عِدَّةَ؛ وعِنْدَنا أنَّ الخَلْوَةَ تُوجِبُ العِدَّةَ وتُقَرِّرُ الصَّداقَ، خِلافًا لِلشّافِعِيِّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَمَتِّعُوهُنَّ ﴾ المُرادُ بِهِ مَن لَمْ يُسَمِّ لَها مَهْرًا، لِقَوْلِهِ في (البَقَرَةِ: ٢٣٦) .
﴿ أوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً ﴾ وقَدْ بَيَّنّا المُتْعَةَ هُنالِكَ وكانَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ وقَتادَةُ يَقُولانِ: هَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَسَرِّحُوهُنَّ سَراحًا جَمِيلا ﴾ أيْ: مِن غَيْرِ إضْرارٍ.
وقالَ قَتادَةُ: هو طَلاقُها طاهِرًا مِن غَيْرِ جِماعٍ.
وقالَ القاضِي أبُو يُعْلِي: الأظْهَرُ أنَّ هَذا التَّسْرِيحَ لَيْسَ بِطَلاقٍ، لِأنَّهُ قَدْ ذَكَرَ الطَّلاقَ، وإنَّما هو بَيانٌ أنَّهُ لا سَبِيلَ لَهُ عَلَيْها، وأنَّ عَلَيْهِ تَخْلِيَتَها مِن يَدِهِ وحِبالِهِ.
* فَصْلٌ واخْتَلَفَ العُلَماءُ فِيمَن قالَ: إنْ تَزَوَّجْتُ فُلانَةً فَهي طالِقٌ، ثُمَّ تَزَوَّجَها؛ فَعِنْدَنا أنَّها لا تُطَلَّقُ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وعائِشَةَ، والشّافِعِيِّ، واسْتَدَلَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ، وأنَّهُ جَعَلَ الطَّلاقَ بَعْدَ النِّكاحِ.
وقالَ سِماكُ بْنُ الفَضْلِ: النِّكاحُ عُقْدَةٌ، والطَّلاقُ يَحُلُّها، فَكَيْفَ يَحُلُّ عُقْدَةً لَمْ تُعْقَدْ؟!
فَجُعِلَ بِهَذِهِ الكَلِمَةِ قاضِيًا عَلى " صَنْعاءَ " .
وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: يَنْعَقِدُ الطَّلاقُ، فَإذا وُجِدَ النِّكاحُ وقَعَ.
وقالَ مالِكٌ: يَنْعَقِدُ ذَلِكَ في خُصُوصِ النِّساءِ، وهو إذا كانَ في امْرَأةٍ بِعَيْنِها، ولا يَنْعَقِدُ في عُمُومِهِنَّ.
فَأمّا إذا قالَ: إنْ مَلَكْتُ فُلانًا فَهو حُرٌّ، فَفِيهِ عَنْ أحْمَدَ رِوايَتانِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ يا أيُّها النَبِيُّ إنّا أرْسَلْناكَ شاهِدًا ومُبَشِّرًا ونَذِيرًا ﴾ ﴿ وَداعِيًا إلى اللهِ بِإذْنِهِ وسِراجًا مُنِيرًا ﴾ ﴿ وَبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ بِأنَّ لَهم مِنَ اللهِ فَضْلا كَبِيرًا ﴾ ﴿ وَلا تُطِعِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ ودَعْ أذاهم وتَوَكَّلْ عَلى اللهِ وكَفى بِاللهِ وكِيلا ﴾ ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا نَكَحْتُمُ المُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ فَما لَكم عَلَيْهِنَّ مِن عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها فَمَتِّعُوهُنَّ وسَرِّحُوهُنَّ سَراحًا جَمِيلا ﴾ هَذِهِ الآياتُ فِيها تَأْنِيسٌ لِلنَّبِيِّ ولِلْمُؤْمِنِينَ، وتَكْرِيمٌ لِجَمِيعِهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿ "شاهِدًا" ﴾ مَعْناهُ: عَلى أُمَّتِكَ بِالتَبْلِيغِ إلَيْهِمْ، وعَلى سائِرِ الأُمَمِ في تَبْلِيغِ أنْبِيائِهِمْ، ونَحْوَ ذَلِكَ.
وقَوْلُهُ: "مُبَشِّرًا" مَعْناهُ: لِلْمُؤْمِنِينَ بِرَحْمَةِ اللهِ تَعالى وبِالجَنَّةِ.
﴿ "وَنَذِيرًا" ﴾ مَعْناهُ: لِلْعُصاةِ والمُكَذِّبِينَ مِنَ النارِ وعَذابِ الخُلْدِ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ دَعا رَسُولُ اللهِ عَلِيًّا ومُعاذًا رَضِيَ اللهُ عنهُما فَبَعَثَهُما إلى اليَمَنِ، وقالَ: "اذْهَبا فَبَشِّرا ولا تُنَفِّرا، ويَسِّرا ولا تُعَسِّرا، فَإنَّهُ قَدْ أُنْزِلَ عَلَيَّ: وقَرَأ الآيَةَ"،» و"الدُعاءُ إلى اللهِ" هو تَبْلِيغُ التَوْحِيدِ والأخْذُ بِهِ، ومُكافَحَةُ الكَفَرَةِ.
"وَبِإذْنِهِ" مَعْناهُ هُنا: بِأمْرِهِ إيّاكَ وتَقْدِيرُهُ ذَلِكَ في وقْتِهِ وأوانِهِ.
و"سِراجًا مُنِيرًا" اسْتِعارَةٌ لِلنُّورِ الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ شَرْعُهُ، فَكَأنَّ المُهْتَدِينَ بِهِ والمُؤْمِنِينَ يَخْرُجُونَ بِهِ مِن ظُلْمَةِ الكُفْرِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "وَبَشِّرِ"، ﴾ الواوُ عاطِفَةٌ جُمْلَةً عَلى جُمْلَةٍ، والمَعْنى مُنْقَطِعٌ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ، أمَرَهُ تَعالى بِأنْ يُبَشِّرَ المُؤْمِنِينَ بِالفَضْلِ الكَبِيرِ مِنَ اللهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: قالَ لَنا أبِي رَضِيَ اللهُ عنهُ: هَذِهِ مِن أرْجى آيَةٍ عِنْدِي في كِتابِ اللهِ تَعالى: لِأنَّ اللهَ تَعالى أمَرَ نَبِيَّهُ أنْ يُبَشِّرَ المُؤْمِنِينَ بِأنَّ لَهم عِنْدَهُ فَضْلًا كَبِيرًا، وقَدْ بَيَّنَ اللهُ تَعالى الفَضْلَ الكَبِيرَ ما هو في قَوْلِهِ: ﴿ والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ في رَوْضاتِ الجَنّاتِ لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هو الفَضْلُ الكَبِيرُ ﴾ ، فالآيَةُ الَّتِي في هَذِهِ السُورَةِ خَبَرٌ، والَّتِي في "حم، عسق" تَفْسِيرٌ لَها.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تُطِعِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ ﴾ نَهْيٌ لَهُ عَنِ السَماعِ مِنهم في أشْياءَ كانُوا يَطْلُبُونَها مِمّا لا يَجِبُ، وفي أشْياءَ كانُوا يُدْخِلُونَها مَدْخَلَ النَصائِحِ وهي غِشٌّ، إلى نَحْوِ هَذا المَعْنى.
وقَوْلُهُ: ﴿ وَدَعْ أذاهُمْ ﴾ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما أنْ يَأْمُرَهُ بِتَرْكٍ أنْ يُؤْذِيَهم هو ويُعاقِبَهُمْ، فَكَأنَّ المَعْنى: فاصْفَحْ عن زَلَلِهِمْ ولا تُؤْذِهِمْ، فالمَصْدَرُ - عَلى هَذا - مُضافٌ إلى المَفْعُولِ، ونُسِخَ مِنَ الآيَةِ - عَلى هَذا التَأْوِيلِ - ما يَخُصُّ الكافِرِينَ، وناسِخُهُ آيَةُ السَيْفِ، والمَعْنى الثانِي أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿ وَدَعْ أذاهُمْ ﴾ بِمَعْنى: أعْرِضْ عن أقْوالِهِمْ وما يُؤْذُونَكَ، فالمَصْدَرُ - عَلى هَذا التَأْوِيلِ - مُضافٌ إلى الفاعِلِ، وهَذا تَأْوِيلُ مُجاهِدٍ، ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى بِالتَوَكُّلِ عَلَيْهِ، وآنَسَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَكَفى بِاللهِ وكِيلا ﴾ ، فَفي قُوَّةِ الكَلامِ وعْدٌ بِنَصْرٍ.
وتَقَدَّمَ القَوْلُ في "كَفى بِاللهِ".
و"الوَكِيلُ": الحافِظُ القائِمُ عَلى الأمْرِ.
ثُمَّ خاطَبَ تَعالى المُؤْمِنِينَ بِحُكْمِ الزَوْجَةِ تُطْلَقُ قَبْلَ البِناءِ، واسْتَدَلَّ بَعْضُ الناسِ بِقَوْلِهِ: ﴿ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ ﴾ وبِمُهْلَةِ "ثُمَّ" عَلى أنَّ الطَلاقَ لا يَكُونُ إلّا بَعْدَ نِكاحٍ، وأنَّ مَن طَلَّقَ المَرْأةَ قَبْلَ نِكاحِها - وإنَّ عَيَّنَها - فَإنَّ ذَلِكَ لا يَلْزَمُهُ، وقالَ هَذا نَيِّفٌ عَلى ثَلاثِينَ مِن صاحِبٍ وتابِعٍ وإمامٍ، سَمّى البُخارِيُّ مِنهُمُ اثْنَيْنِ وعِشْرِينَ.
وقالَتْ طائِفَةٌ عَظِيمَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: إنَّ طَلاقَ المُعَيَّنَةِ الشَخْصِ أوِ القَبِيلِ أوِ البَلَدِ لازِمٌ قَبْلَ النِكاحِ، مِنهم مالِكٌ وجَمِيعُ أصْحابِهِ وجَمْعٌ عَظِيمٌ مِن عُلَماءِ الأُمَّةِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: ﴿ "تَمَسُّوهُنَّ"، ﴾ وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وطَلْحَةُ، وابْنُ وثّابٍ: "تَماسُّوهُنُّ"، والمَعْنى فِيهِما الجِماعُ، وهَذِهِ العِدَّةُ إنَّما هي لِاسْتِبْراءِ الرَحِمِ وحِفْظِ النَسَبِ في الحَمْلِ، فَمَن لَمْ تُمَسُّ فَلا يَلْزَمُ ذَلِكَ فِيها.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ مَن ﴿ "تَعْتَدُّونَها" ﴾ بِشَدِّ الدالِّ عَلى وزْنِ تَفْتَعِلُونَها، مِنَ العَدِّ، ورَوى ابْنُ أبِي بِرْزَةَ عن أبِي بَكْرٍ "تَعْتَدُونَها" بِالتَخْفِيفِ، مِنَ العُدْوانِ، كَأنَّهُ قالَ: فَما لَكم عِدَّةٌ تُلْزِمُونَها عُدْوانًا وظُلْمًا لَهُنَّ.
والقِراءَةُ الأُولى أشْهَرُ عن كَثِيرٍ، وتَخْفِيفُ الدالِّ وهُمٌ مِنَ ابْنِ أبِي بِزَّةَ.
ثُمَّ أمَرَ تَعالى بِتَمْتِيعِ المُطْلَقَةِ قَبْلَ البِناءِ، واخْتَلَفَ الناسُ في المُتْعَةِ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هِيَ واجِبَةٌ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي مَندُوبٌ إلَيْها، مِنهم مالِكٌ وأصْحابُهُ، وقالَ قَوْمٌ: المُتْعَةُ لِلَّتِي لَمْ يَفْرِضْ لَها، ونِصْفُ المَهْرِ لِلَّتِي فُرِضَ لَها، وقالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ: بَلِ المُتْعَةُ كانَتْ لِجَمِيعِهِنَّ بِهَذِهِ الآيَةِ، ثُمَّ نُسْخَتْ آيَةُ البَقَرَةِ بِالنِصْفِ لِمَن فُرِضَ لَها ما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ مِنَ المُتْعَةِ.
وهَذِهِ الآيَةُ خَصَّصَتْ آيَتَيْنِ: إحْداهُما ﴿ والمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ ﴾ ، فَخَصَّصَتْ هَذِهِ الآيَةُ مَن لَمْ يَدْخُلْ بِها، وكَذَلِكَ خَصَّصَتْ مِن ذَواتِ الثَلاثَةِ الأشْهُرِ، وهُنَّ مَن قَعَدْنَ عَنِ المَحِيضِ، ومَن لَمْ يَحْضُنْ مَن صَغِيرِ المُطَلَّقاتِ قَبْلَ البِناءِ.
و"السَراحُ الجَمِيلُ" هو الطَلاقُ يَتْبَعُهُ عِشْرَةٌ حَسَنَةٌ وكَلِمَةٌ طَيِّبَةٌ دُونَ أذى.
<div class="verse-tafsir"
جاءت هذه الآية تشريعاً لحكم المطلقات قبل البناء بهن أن لا تلزمهن عِدَّة بمناسبة حدوث طلاق زيد بن حارثة زوجه زينب بنت جحش لتكون الآية مخصصة لآيات العدة من سورة البقرة، فإن الأحزاب نزلت بعد البقرة، وليخصص بها أيضاً آية العِدّة في سورة الطلاق النازلة بعدها لئلاَّ يظنّ ظانّ أن العدة من آثار العقد على المرأة سواء دخل بها الزوج أم لم يدخل.
قال ابن العربي: وأجمع علماء الأمة على أن لا عدّة على المرأة إذا لم يدخل بها زوجها لهذه الآية.
والنكاح: هو العقد بين الرجل والمرأة لتكون زوجاً بواسطة وليها.
وهو حقيقة في العقد لأن أصل النكاح حقيقة هو الضمّ والإِلصاق فشبه عقد الزواج بالالتصاق والضم بما فيه من اعتبار انضمام الرجل والمرأة فصارا كشيئين متّصلَيْن.
وهذا كما سمي كلاهما زوجاً، ولا يعرف في كلام العرب إطلاق النكاح على غير معنى العقد دون معنى الوطء ولذلك يقولون: نكحت المرأة فُلاناً، أي تزوجته، كما يقولون: نكح فلان امرأة.
وزعم كثير من مدوِّني اللغة أن النكاح حقيقة في إدخال شيء في آخر.
فأخذوا منه أنه حقيقة في الوطء، ودرج على ذلك الأزهري والجوهري والزمخشري، وهو بعيد، وعلى ما بنوه أخطأ المتنبي في استعماله إذ قال: أنكحتُ صم حصاها خُفّ يعملة *** تَغَشْمَرت بي إليكَ السهل والجبلا ولا حجة في كلامه، ولذلك تأوله أبو العلاء المعرّي في معجز أحمد بأنه أراد جمعت بين صم الحصى وخف اليعملة.
وتعليق الحكم في العِدَّة بالمؤمنات جرى على الغالب لأن نساء المؤمنين يومئذٍ لم يكنَّ إلا مؤمنات وليس فيهن كتابيات فينسحب هذا الحكم على الكتابية كما شملها حكم الاعتداد إذا وقع مسيسها بطرق القياس.
والمس والمسيس: كناية عن الوطء، كما سمي ملامسة في قوله: ﴿ أو لامستم النساء ﴾ [النساء: 43].
والعِدّة بكسر العين: هي في الأصل اسم هيئة من العَدّ بفتح العين وهو الحساب فأطلقت العِدّة على الشيء المعدود، يقال: جاء عِدة رجال، وقال تعالى: ﴿ فعدة من أيام أخر ﴾ البقرة (184).
وغلب إطلاق هذا اللفظ في لسان الشرع على المدة المحددة لانتظار المرأة زواجاً ثانياً، لأن انتظارها مدة معدودة الأزمان إما بالتعيين وإما بما يحدث فيها من طهر أو وضع حمل فصار اسمَ جنس ولذلك دخلت عليه ﴿ مِن ﴾ التي تدخل على النكرة المنفية لإِفادة العموم، أي فما لكم عليهن من جنس العدة.
والخطاب في ﴿ لكم ﴾ للأزواج الذين نكحوا المؤمنات.
وجعلت العدة لهم، أي لأجلهم لأن المقصد منها راجع إلى نفع الأزواج بحفظ أنسابهم ولأنهم يملكون مراجعة الأزواج ما دُمْن في مدة العدّة كما أشار إليه قوله تعالى: ﴿ لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً ﴾ [الطلاق: 1].
وقوله: ﴿ وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحاً ﴾ [البقرة: 228].
ومع ذلك هي حق أوجبه الشرع، فلو رام الزوج إسقاط العِدّة عن المطلقة لم يكن له ذلك لأن ما تتضمنه العِدّة من حفظ النسب مقصد من أصول مقاصد التشريع فلا يسقط بالإِسقاط.
ومعنى: ﴿ تعتدونها ﴾ تَعُدّونها عليهن، أي تعدُّون أيّامها عليهن، كما يقال: اعتدت المرأة، إذا قضت أيام عِدّتها.
فصيغة الافتعال ليست للمطاوعة ولكنها بمعنى الفعل مثل: اضطُرّ إلى كذا.
ومحاولة حمل صيغة المطاوعة على معروف معناها تكلف.
ويشبه هذا مَن راجع المعتدة في مدة عِدّتها ثم طلقها قبل أن يمَسَّها فإن المراجعة تشبه النكاح وليست عينه إذ لا تفتقر إلى إيجاب وقبول.
وقد اختلف الفقهاء في اعتدادها من ذلك الطلاق، فقال مالك والشافعي في أحد قوليه وجمهور الفقهاء: إنها تنشئ عِدة مستقبَلة من يومَ طلقها بعد المراجعة ولا تبني على عِدّتها التي كانت فيها لأن الزوج نقض تلك العدة بالمراجعة.
ولعل مالكاً نظر إلى أن المسيس بعد المراجعة قد يخفى أمره بخلاف البناء بالزوجة في النكاح فلعله إنما أوجب استئناف العِدة لهذه التهمة احتياطاً للأنساب.
وقال عطاء بن أبي رباح والشافعي في أحد قوليه وسعيد بن المسيب وإبراهيم النخعي والحسن وأبو قلابة وقتادة والزهري: تبني على عدتها الأولى التي راجعها فيها لأن طلاقه بعد المراجعة ودون أن يمسها بمنزلة إرداف طلاق ثان على المرأة وهي في عدتها فإن الطلاق المردف لا اعتداد له بخصوصه.
ونسب القرطبي إلى داود الظاهري أنه قال: المطلقة الرجعية إذا راجعها زوجها قبل أن تنقضي عِدّتها ثم فارقها قبل أن يمسها إنه ليس عليها أن تتمّ عدتها ولا عدةً مستقبلة لأنها مطلقة قبل الدخول بها ا ه.
وهو غريب، وكلام ابن حزم في «المحلَّى» صريح في أنها تبتدئ العِدة فلعله من قول ابن حزم وليس مذهب داود، وكيف لو راجعها بعد يوم أو يومين من تطليقها فبماذا تعرف براءة رحمها.
وفاء التفريع في قوله: ﴿ فمتعوهن ﴾ لأن حكم التمتيع مقرّر من سورة البقرة (236) في قوله: ﴿ ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره ﴾ الخ.
والمتعة: عطية يعطيها الزوج للمرأة إذا طلقها.
وقد تقدم قوله تعالى: ﴿ لا جناح عليكم إن طلقتم النساء مالم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره متاعاً بالمعروف حقاً على المحسنين ﴾ [البقرة: 236] فلذلك جيء بالأمر بالتمتيع مفرعاً على الطلاق قبل المسيس.
وقد جعل الله التمتيع جبراً لخاطر المرأة المنكسرِ بالطلاق وتقدم في سورة البقرة أن المتعة حق للمطلقة سواء سمي لها صداق أم لم يسم بحكم آية سورة الأحزاب لأن الله أمر بالتمتيع للمطلقة قبل البناء مطلقاً فكان عمومها في الأحوال كعمومها في الذوات، وليست آية البقرة بمعارضة لهذه الآية إذ ليس فيها تقييد بشرط يَقتضي تخصيص المتعة بالتي لم يسم لها صداق لأنها نازلةٌ في رفع الحرج عن الطلاق قبل البناء وقبل تسمية الصداق، ثم أمرتْ بالمتعة لِتَينِك المطلقتين فالجمع بين الآيتين ممكن.
والسراح الجميل: هو الخلي عن الأذى والإِضرار ومنع الحقوق.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذا نَكَحْتُمُ المُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ ﴾ الآيَةَ.
أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ أنَّ الطَّلاقَ إنْ كانَ قَبْلَ المَسِيسِ والخَلْوَةِ فَلا عِدَّةَ فِيهِ ولَيْسَ لِلْمُطَلَّقَةِ مِنَ المَهْرِ إلّا نِصْفُهُ إنْ كانَ لَها مَهْرٌ سُمِّيَ ولا رَجْعَةَ لِلْمُطَلِّقِ ولَكِنَّهُ كَأحَدِ الخُطّابِ إنْ كانَ طَلاقُهُ دُونَ الثَّلاثِ.
وَإنْ كانَ ثَلاثًا حُرِّمَتْ عَلَيْهِ ولا تَحِلُّ لَهُ حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ.
وَقالَ عَطاءٌ وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ إذا طَلَّقَ البِكْرَ ثَلاثًا [فَهِيَ] طَلْقَةٌ واحِدَةٌ وهو خِلافُ قَوْلِ الجُمْهُورِ.
وَإنْ كانَ الطَّلاقُ بَعْدَ الخَلْوَةِ وقَبْلَ المَسِيسِ فَفي وُجُوبِ العِدَّةِ وكَمالِ المَهْرِ وثُبُوتِ الرَّجْعَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: وهو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ أنَّ العِدَّةَ قَدْ وجَبَتْ والمَهْرَ قَدْ كَمُلَ والرَّجْعَةَ قَدْ ثَبَتَتْ، وأقامَ الخَلْوَةَ مَقامَ المَسِيسِ إلّا أنْ يَكُونا في الخَلْوَةِ مُحْرِمِينَ أوْ صائِمِينَ أوْ أحَدَهُما.
والقَوْلُ الثّانِي: وهو مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ وهو المُعَوَّلُ عَلَيْهِ مِن أقاوِيلِهِ إنَّهُ لا عِدَّةَ ولا رَجْعَةَ ولا تَسْتَحِقُّ مِنَ المَهْرِ إلّا نِصْفَهُ.
﴿ فَمَتِّعُوهُنَّ وسَرِّحُوهُنَّ سَراحًا جَمِيلا ﴾ مَعْنى فَمَتِّعُوهُنَّ أيْ مُتْعَةَ الطَّلاقِ بَدَلًا مِنَ الصَّداقِ لِأنَّ المُطْلِقَةَ قَبْلَ الدُّخُولِ إذا كانَ لَها صَداقٌ مُسَمًّى فَلَيْسَ لَها مُتْعَةٌ وإنْ لَمْ يَكُنْ لَها صَداقٌ مُسَمًّى فَلَها بَدَلَ نِصْفِ المُسَمّى مُتْعَةٌ تَقُومُ مَقامَ المُسَمّى تَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ الإعْسارِ والإيسارِ وقَدَّرَها حَمّادٌ بِنِصْفِ مَهْرِ المِثْلِ، وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الزَّيْدِيُّ: أعْلاها خادِمٌ وأوْسَطُها ثَوْبٌ وأقَلُّها ما لَهُ ثَمَنٌ.
فَأمّا المَدْخُولُ بِها فَفي اسْتِحْقاقِها المُتْعَةَ مِنَ الصَّداقِ قَوْلانِ: أحَدُهُما لَيْسَ لَها مَعَ اسْتِكْمالِ الصَّداقِ مُتْعَةٌ.
الثّانِي: لَها المُتْعَةُ بِالطَّلاقِ ولَها الصَّداقُ بِالنِّكاحِ.
وَفي قَوْلِهِ: ﴿ وَسَرِّحُوهُنَّ سَراحًا جَمِيلا ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ دَفْعُ المُتْعَةِ حَسَبَ المَيْسَرَةِ والعُسْرَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: أنَّهُ طَلاقُها طاهِرًا مِن غَيْرِ جِماعٍ، قالَهُ قَتادَةُ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ إذا نكحتم المؤمنات...
﴾ الآية.
قال: هذا في الرجل.
يتزوج المرأة ثم يطلقها من قبل أن يمسها، فإذا طلقها واحدة بانت منه لا عدة عليها تتزوج من شاءت، ثم قال: ﴿ فمتعوهن وسرحوهن سراحاً جميلاً ﴾ يقول: ان كان سمي لها صداقاً فليس لها إلا النصف، وإن لم يكن سمي لها صداقاً متعها على قدر عسره ويسره، وهو السراح الجميل.
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه قال: التي نكحت ولم يَبْنِ بها، ولم يفرض لها فليس لها صداق، وليس عليها عدة.
وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر رضي الله عنهما في قوله: ﴿ إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن...
﴾ قال: هي منسوخة نسختها الآية التي في البقرة ﴿ فنصف ما فرضتم ﴾ [ البقرة: 237] .
وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن المسيب رضي الله عنه ﴿ يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ﴾ إلى قوله: ﴿ فمتعوهن ﴾ قال: هي منسوخة.
نسختها الآية التي في البقرة ﴿ وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم ﴾ [ البقرة: 237] فصار لها نصف الصداق، ولا متاع لها.
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن رضي الله عنه عن أبي العالية رضي الله عنه قالا: ليست بمنسوخة، لها نصف الصداق، ولها المتاع.
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن رضي الله عنه قال: لكل مطلقة متاع.
دخل أو لم يدخل بها، فرض لها أو لم يفرض لها.
وأخرج عبد بن حميد عن حسين بن ثابت رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى علي بن حسين فسأله عن رجل قال: ان تزوجت فلانة فهي طالق قال: ليس بشيء.
بدأ الله بالنكاح قبل الطلاق فقال: ﴿ يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير رضي الله عنه قال: سئل ابن عباس رضي الله عنهما عن رجل يقول: ان تزوجت فلانة فهي طالق.
قال: ليس بشيء.
إنما الطلاق لمن يملك.
قال ابن مسعود رضي الله عنه: كان يقول: إذا وقت وقتاً فهو كما قال.
قال: رحم الله أبا عبد الرحمن لو كان كما قال: لقال الله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا إذا طلقتم النساء ثم نكحتموهن ﴾ ولكن إنما قال: ﴿ إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن ﴾ .
وأخرج عبد الرزاق في المصنف عن ابن جريج رضي الله عنه قال: بلغ ابن عباس رضي الله عنهما: أن ابن مسعود يقول: إن طلق ما لم ينكح فهو جائز فقال ابن عباس رضي الله عنهما: أخطأ في هذا.
إن الله تعالى يقول ﴿ إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن ﴾ ولم يقل ﴿ إذا طلقتم المؤمنات ثم نكحتموهن ﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم والحاكم وصححه من طريق طاوس عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه تلا ﴿ يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن ﴾ قال: فلا يكون طلاق حتى يكون نكاح.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: إذا قال كل امرأة أتزوجها فهي طالق، أو إن تزوجت فلانة فهي طالق فليس لشيء، إنما الطلاق لمن يملك من أجل أن الله يقول ﴿ إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن ﴾ .
وأخرج البيهقي في السنن من طريق عكرمة رضي الله عنه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ما قالها ابن مسعود، وإن يكن قالها فزلة من عالم في الرجل يقول: إن تزوجت فلانة فهي طالق.
قال الله تعالى ﴿ يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ﴾ ولم يقل ﴿ إذا طلقتم المؤمنات ثم نكحتموهن ﴾ .
وأخرج الحاكم وابن مردويه عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا طلاق إلا بعد نكاح، ولا عتق إلا بعد ملك» .
وأخرج عبد الرزاق وأبو داود والنسائي وابن مردويه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا طلاق فيما لا تملك، ولا بيع فيما لا تملك، ولا وفاء نذر فيما لا تملك، ولا نذر إلا فيما ابتغى وجه الله تعالى، ومن حلف على معصية فلا يمين له، ومن حلف على قطيعة رحم فلا يمين له» .
وأخرج ابن مردويه عن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا طلاق فيما لا تملك، ولا عتق فيما لا تملك» .
وأخرج ابن ماجة وابن مردوية عن المسور بن مخرمة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا طلاق قبل نكاح، ولا عتق قبل ملك» .
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ ﴾ أي: تجامعوهن.
وقرئ: تماسوهن (١) قوله -عز وجل-: ﴿ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا ﴾ قال أبو إسحاق: (أسقط الله العدة عن التي (٢) (٣) (٤) وقوله: ﴿ تَعْتَدُّونَهَا ﴾ أي: تحصون العدة عليهن (٥) (٦) وروى ابن أبي بزة (٧) (٨) ﴿ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ ﴾ ، وقوله: ﴿ وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ ﴾ .
قال أبو علي: ولا وجه للتخفيف في مثل هذا، نحو: تشتدونها وترتدونها، وليس كل المضاعف يبدل من حروف التضعيف فيه، إنما يبدل فيما سمع (٩) ﴿ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ ﴾ ، وقال: ﴿ فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً ﴾ ، قال: وإن شئت جعلته من عدوت الشيء إذا جاوزته، أي: مالكم عليهن من وقت عدة يلزمكم أن تجاوزوا عدده فلا تنكحوا أختها ولا أربعًا سواها حتى تنقضي العدة (١٠) قوله تعالى: ﴿ فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا ﴾ اختلفوا في هذه المتعة قال ابن عباس: هذا إذا لم يكن سمى لها صداقًا، فإذا فرض لها صداقًا فلها نصفه (١١) ﴿ وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ ﴾ (١٢) وروى نافع عن ابن عمر قال: لكل مطلقة متاع إلا التي تطلق قبل أن يدخل بها وقد فرض لها، فإن لها نصف الصداق فلا متعة (١٣) قال قتادة: نسخت هذه الآية التي قبلها في البقرة وهو قوله: ﴿ فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ ﴾ (١٤) (١٥) وقال مقاتل: فمتعوهن بنصف (١٦) ﴿ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا ﴾ (١٧) (١٨) (١) انظر: "الحجة" 5/ 477 "إعراب القراءات السبع وعللها" 2/ 203.
(٢) في (أ): (النبي)، وهو خطأ.
(٣) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 232.
(٤) انظر: "تفسير مقاتل" 93 ب.
(٥) في (ب): (عليها).
(٦) هكذا في النسخ!
ولعل الصواب: بهم؛ لأن الضمير يعود للأزواج.
(٧) هو: مقرئ مكة ومؤذن المسجد الحرام أبو الحسن أحمد بن محمد بن عبد الله بن القاسم بن أبي بزة المخزومي مولاهم الفارسي الأصل، كان مولده سنة 170 وهو أستاذ محقق ضابط متقن، قرأ على أبيه وعلى عبد الله بن زياد وعكرمة بن سليمان، وعليه قرأ إسحاق بن محمد الخزاعي والحسن بن الحباب وغيرهم، روى عنه القراءة قنبل، توفي -رحمه الله- 250 وعمره ثمانون سنة.
انظر: "غاية النهاية" 1/ 119، "السير" 12/ 50، "معرفة القراء الكبار" 1/ 54.
(٨) هو: أبو الحسن أحمد بن محمد بن علقمة بن نافع بن عمر بن صح بن عون المكى النبال المعروف بالقواس، قرأ على ابن كثير وأبي الإخريط وهب بن واضح == وغيرهما، وقرأ عليه البزى.
وقنبل.
انظر: "النشر" 1/ 120.
(٩) انظر:: "الحجة" 5/ 477 - 478.
(١٠) ذكر قول قتادة أبو علي في "الحجة" 5/ 478 ولم ينسبه لقتادة، "البحر المحيط" 8/ 490.
(١١) انظر "الطبري" 22/ 19، وذكره السيوطي في "الدر" 6/ 625 وعزاه لابن جرير المنذر وإبن أبي حاتم عن ابن عباس.
(١٢) انظر: "الأم" 5/ 54، "المغني" 10/ 142.
(١٣) لم أقف عليه.
(١٤) انظر: "تفسير الطبري" 22/ 20، "تفسير زاد المسير" 6/ 402، "الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه" ص 348.
(١٥) الكلام هنا ناقص لم يتم، والأسلوب غير مستقيم يبدو أن فيه سقطًا ولم أستطع الوقوف عليه.
(١٦) لم أقف على قول مقاتل.
(١٧) انظر: "تفسير الطبري" 22/ 19، "الماوردي" 4/ 412، "زاد المسير" 6/ 402.
(١٨) انظر: "تفسير مقاتل" 93 ب.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إِذَا نَكَحْتُمُ المؤمنات ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ ﴾ الآية: معناه سقوط العدّة عن المطلقة قبل الدخول، فالنكاح في الآية هو العقد، والمس هو الجماع، وتعتدونها من العدد ﴿ فَمَتِّعُوهُنَّ ﴾ هذا يقتضي متعة المطلقة قبل الدخول، سواء فرض لها أو لم يفرض لها صداق، وقوله تعالى في [البقرة: 237] ﴿ وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ ﴾ يقتضي أن المطلقة قبل الدخول وقد فرض لها، يجب لها نصف الصداق ولا متعة لها، وقد اختلف هل هذه الآية ناسخة لآية البقرة أو منسوخة بها؟
ويمكن الجمع بينهما بأن تكون آية البقرة مبينة لهذه، مخصصة لعمومها.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ ترجى ﴾ بغير همز: أبو جعفر ونافع وحمزة وعلي وحفص وخلف والأعشى والمفضل وعباس ﴿ لا تحل ﴾ بتاء التأنيث: أبو عمرو ويعقوب ﴿ إناه ﴾ بالأمالة وغيرها مثل ﴿ الحوايا ﴾ في "الأنعام" وافق الخزاز عن هبيرة ههنا بالإِمالة ﴿ ساداتنا ﴾ بالألف وبكسر التاء: ابن عامر وسهل ويعقوب وجبلة.
الباقون: على التوحيد ﴿ كبيراً ﴾ بالباء الموحدة: عاصم وابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان.
الآخرون: بالثاء المثلثة.
الوقوف: ﴿ كثيراً ﴾ لا ﴿ وأصيلاً ﴾ ه ﴿ النور ﴾ ط ﴿ رحيماً ﴾ ه ﴿ سلام ﴾ ج لاحتمال الجملة حالاً واستئنافاً ﴿ كريماً ﴾ ه ﴿ نذيراً ﴾ لا ﴿ منيراً ﴾ ه ﴿ كبيراً ﴾ ه ﴿ على الله ﴾ ط ﴿ وكيلاً ﴾ ه ﴿ تعتدّونها ﴾ ج لانقطاع النظم مع الفاء ﴿ جميلاً ﴾ ه ﴿ معك ﴾ ج لاحتمال ما بعده العطف والنصب على المدح مع أن طول الكلام يرجح جانب الوقف ﴿ يستنكحها ﴾ ق للعدول على تقدير جعلناها خالصة ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ حرج ﴾ ط ﴿ رحيماً ﴾ ه ﴿ إليك من تشاء ﴾ ط لأن ما بعده واو استئناف دخل على الشرط ﴿ عليك ﴾ ط ﴿ كلهن ﴾ ط ﴿ قلوبكم ﴾ ط ﴿ حلماً ﴾ ه ﴿ يمينك ﴾ ط ﴿ رقيباً ﴾ ه ﴿ اناه ﴾ لا للعطف مع الإستدراك ﴿ الحديث ﴾ ط ﴿ منكم ﴾ ط فصلاً بين وصف الخلق وحال الحق مع اتفاق الجملتين ﴿ من الحق ﴾ ط لإبتداء حكم آخر ﴿ حجاب ﴾ ط ﴿ وقلوبهن ﴾ ط ﴿ أبداً ﴾ ط ﴿ عظيماً ﴾ ه ﴿ عليماً ﴾ ه ﴿ ايمانهنّ ﴾ لا والوقف أجوز لتكون الواو للاستئناف ﴿ واتقين الله ﴾ ط ﴿ شهيداً ﴾ ه ﴿ النبيّ ﴾ ط ﴿ تسليما ﴾ ه ﴿ مهيناً ﴾ ه ﴿ مبيناً ﴾ ه ﴿ جلابيبهن ﴾ ط ﴿ يؤذين ﴾ ط ﴿ رحيماً ﴾ ه ﴿ قليلاً ﴾ ه ج لأن قوله ﴿ ملعونين ﴾ يحتمل أن يكون حالاً أو منصوباً على الشتم ﴿ ملعونين ﴾ ه ج لأن الجملة الشرطية تصلح وصفاً واستئنافاً ﴿ تقتيلاً ﴾ ه ﴿ قبل ﴾ ط ﴿ تبديلاً ﴾ ه ﴿ الساعة ﴾ ط ﴿ عند الله ﴾ ط ﴿ قريباً ﴾ ه ﴿ سعيراً ﴾ لا ﴿ أبداً ﴾ ج لاحتمال ما بعده الحال والاستئناف ﴿ نصيراً ﴾ ه ج لاحتمال تعلق الظرف بـ ﴿ لا يجدون ﴾ أو بـ ﴿ يقولون ﴾ أو باذكر ﴿ الرسولا ﴾ ه ﴿ السبيلاً ﴾ ه ﴿ كبيراً ﴾ ه ﴿ قالوا ﴾ ط ﴿ وجيها ﴾ ه ﴿ سديداً ﴾ ه لا ﴿ ذنوبكم ﴾ ه ﴿ عظيماً ﴾ ه ﴿ الإنسان ﴾ ط ﴿ جهولاً ﴾ ه لا ﴿ والمؤمنات ﴾ ط ﴿ رحيماً ﴾ ه.
التفسير: اعلم أن مبنى هذه السورة على تأديب النبي ، وقد مر أنه بدأ بذكر ما ينبغي أن يكون عليه النبيّ مع الله وهو التقوى، وذكر ما ينبغي أن يكون عليه مع أهله فأمر بعد ذلك عامة المؤمنين بما أمر به عباده المرسلين: وبدأ بما يتعلق بجانب التعظيم لله وهو الذكر الكثير، وفيه لطيفة وهي أن النبيّ لكونه من المقربين لم يكن ناسياً فلم يؤمر بالذكر بل أمر بالتقوى والمحافظة عليها فإنها تكاد لا تتناهى.
والتسبيح بكرة وأصيلاً عبارة عن الدوام لأن مريد العموم قد يذكر الطرفين ويفهم منهما الوسط كقوله "ولو أن أوّلكم وآخركم" قال جار الله: خص التسبيح بالذكر من جملة الذكر لفضله على سائر الأذكار ففيه تنزيه عما لا يجوز عليه.
ولقائل أن يقول: هذا لا يطابق قوله "أفضل الذكر لا إله إلا الله" وجوّز أن يراد بالذكر الكثير الإقبال على العبادات كلها، ويراد بالتسبيح الصلاة، وبالوقتين العموم كما مر، أو صلاة الفجر والعشاءين، لأن أداءها أشق ومراعاتها أشد.
ثم حرض المؤمنين على ذكره بأنه أيضاً يذكرهم والصلاة من الله الرحمة ومن الملائكة الاستغفار، فلعله أراد باللفظ المشترك كلا مفهوميه كما ذهب إليه الشافعي، أو في الكلام حذف أي وملائكته تصلي، أو المراد بصلاة الملائكة هي قولهم: اللهم صل على المؤمنين.
جعلوا لاستجابة دعوتهم كأنهم فعلوا الرحمة، أو المراد القدر المشترك وهو العناية بحال المرحوم والمستغفر له.
وأصل الصلاة التعطف وذلك أن المصلي يتعطف في ركوعه وسجوده فاستعير لمن يتعطف على غيره وحنوّاً وترؤفاً.
ثم بين غاية الصلاة وهي إخراج المكلف من ظلمات الضلال إلى نور الهدى.
وفي قوله ﴿ وكان بالمؤمنين رحيماً ﴾ بشارة لجميع المؤمنين وإشارة إلى أن تلك الرحمة لا تخص السامعين وقت الوحي.
ومعنى ﴿ تحيتهم يوم يلقونه سلام ﴾ مذكور في أول "يونس" وفي "إبراهيم".
وأراد بيوم اللقاء يوم القيامة لأن الخلق مقبلون على الله بكليتهم بخلاف الدنيا.
والأجر الكريم هو ما يأتيه عفواً صفواً من غير شوب نغص، ثم إشار إلى ما ينبغي أن يكون النبي مع عامة الخلق فقال ﴿ إنا أرسلناك شاهداً ﴾ وهي حال مقدرة أي مقبولاً قولك عند الله لهم وعليهم كما يقبل قول الشاهد العدل، وفيه أن الله جعل النبي شاهداً على وجوده بل على وحدانيته لأن المدعي هو الذي يذكر شيئاً بخلاف الظاهر والوحدانية أظهر من الشمس فلا ينبغي أن يقال: إن النبي مدع لها.
بل يقال: إنه شاهد عليها كما قال "على مثل الشمس فاشهد" وإنه قد جازاه بشهادته لله شهادته على نبوته كما قال ﴿ والله يعلم إنك لرسوله ﴾ والحاصل أنه شاهد في الدنيا بأحوال الآخرة من الجنة والنار والميزان والصراط، وشاهد في الآخرة بأحوال الدنيا من الطاعة والمعصية والصلاح والفساد.
وإنما قال ﴿ وداعياً إلى الله بإذنه ﴾ لأن الشهادة للمرء لا تفتقر إلى إذنه وكذلك الإنذار والتبشير إذا قال من يطع الملك أفلح ومن عصاه لم يربح.
أما إذا قال: تعالوا إلى سماطه واحضروا على خوانه احتاج إلى رضاه.
ويمكن أن يكون قوله ﴿ بإذنه ﴾ متعلقاً بمجموع الأحوال أي بتسهيله أو تيسيره.
ووصف النبي بالسراج بأن ظلمات الضلال تنجلي به كما ينجلي ظلام الليل بالسراج، وقد أمدّ الله بنور نبوته نور البصائر كما يمدّ بنور السراج نور الأبصار.
وإنما لم يشبه بالشمس لأن الشمس لا يؤخذ منه شيء ويؤخذ من السراج سرج كثيرة وهم الصحابة والتابعون في المثال ولهذا قال "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم" وصفهم بالنجم لأن النجم لا يؤخذ منه شيء، والتابعي لا يأخذ من الصحابي في الحقيقة وإنما يأخذ من النبيّ.
ووصف السراج بالإنارة لأن السراج قد يكون فاتراً ومنه قولهم "ثلاثة تضني: رسول بطيء، وسراج لا يضيء، ومائدة ينتظرها من يجيء".
ويجوز أن يكون سراجاً معطوفاً على الكاف ويراد به القرآن، ويجوز أن يكون المعنى وذا سراج أو تالياً سراجاً.
قوله ﴿ ودع أذاهم ﴾ أي خذ بظاهرهم وادفع عنهم الأسر والقتل وحسابهم على الله، وإضافة أذاهم يحتمل أن يكون إلى الفاعل وإلى المفعول.
ثم أمر المؤمنين بما يتعلق بجانب الشفقة على الخلق واكتفى بذكر الزوجات المطلقات قبل المسيس لأنه إذا لزم الإحسان إليهنّ بمجرد العقد وهو المراد بالنكاح ههنا، فبالوطء يكون أولى وقد مر حكمهنّ في سورة البقرة.
في قوله ﴿ وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن ﴾ وذلك لأجل تشطير الصداق.
وإنما أعاد ذكرهن ههنا لبيان عدم وجوب العدّة عليهن.
وتخصيص المؤمنات بالذكر دون الكتابيات إيذان بأنهن أولى بتخيرهن للنطفة.
وفي قوله ﴿ ثم طلقتموهن ﴾ تنبيه على أنه لا تفاوت في هذا الحكم بين قريبة العهد من النكاح وبين بعيدة العهد منه، فإذا لم تجب العدّة على البعيدة العهد فلأن لا تجب على القريبة العهد أولى.
وقد يستدل بكلمة "ثم" على أن تعليق الطلاق بالنكاح لا يصح لأن المعية تنافي التراخى.
وفي قوله ﴿ فما لكم عليهن ﴾ دليل على أن العدة حق واجب للرجال على النساء وإن كان لا يسقط بإسقاط لما فيها من حق الله أيضاً.
ومعنى ﴿ تعتدونها ﴾ تستوفون عددها تقول: عددت الدراهم فاعتدها نحو: كلته فاكتاله.
ثم عاد إلى تعليم النبي .
وفائدة قوله ﴿ اللاتي آتيت أجورهن ﴾ وقوله ﴿ مما أفاء الله عليك ﴾ وقوله ﴿ اللاتي هاجرن معك ﴾ هي أن الله اختار لرسوله الأفضل الأولى، وذلك أن سوق المهر إليها عاجلاً أفضل من أن تمسيه وتؤجله.
وكان التعجيل ديدن السلف ومن الناس من قال: ان النبي كان يجب عليه إعطاء المهر لأن المرأة لها الامتناع إلى أن تأخذ مهرها، والنبي لم يكن يستوفي مالا يجب له كيف وإنه إذا طلب شيئاً حرم الامتناع على المطلوب منه.
والظاهر أن طالب الوطء ولا سيما في المرة الأولى يكون هو الرجل لحياء المرأة، ولو طلب النبيّ من المرأة التمكين قبل المهر لزم أن يجب وأن لا يجب، ولا كذلك أحدنا.
ومما يؤكد هذا قوله ﴿ وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبيّ ﴾ يعني حينئذ لا يبقى لها صداق فتصير كالمستوفية مهرها.
والجارية إذا كانت سبية مالكها ومخطوبة سيفه ورمحه فإنها أحل وأطيب من المشتراة لكونها غير معلومة الحال.
قال جار الله: السبي على ضربين: سبي طيبة وهي ما سبي من أهل الحرب، وسبي خبيثة وهي ما سبي ممن له عهد، فلا جرم قال ﴿ مما أفاء الله عليك ﴾ لأن فيء الله لا يطلق إلا على الطيب دون الخبيث، وكذلك اللاتي هاجرن مع رسول الله من أقاربه غير المحارم أفضل من غير المهاجرات معه.
وإنما لم يجمع العم والخال اكتفاء بجنسيتها مع أن لجمع البنات دلالة على ذلك لامتناع اجتماع أختين تحت واحد، ولم يحسن الاقتصار في العمة والخالة لإمكان سبق الوهم إلى أن التاء فيهما للوحدة وشرط في استحلال الواهبة نفسها إرادة استنكاح رسول الله كأنه قال: أحللناها لك إن وهبت لك نفسها وأنت تريد أن تستنكحها.
وفيه أنه لا بد من قبول الهبة حتى يتم النكاح، وبه استدل أبو حنيفة على جواز عقد النكاح بلفظ الهبة، وحملها الشافعي على خصائص النبي .
وعن أبي الحسن الكرخي أن عقد النكاح بلفظ الإجارة جائز لقوله ﴿ اللاتي آتيت أجورهن ﴾ قال أبو بكر الرازي: لا يصح لأن الإجارة عقد مؤقت وعقد النكاح مؤبد.
والظاهر أن ﴿ خالصة ﴾ حال من ﴿ امرأة ﴾ وقال جار الله: هي مصدر مؤكد كوعد الله أي خلص لك الإحلال خلوصاً.
وفائدة هذا الحال على مذهب الشافعي ظاهرة.
وقال أبو حنيفة: أراد بها أنها زوجته وهي من أمهات المؤمنين فأورد عليه أن أزواجه كلهن خالصات له فلا يبقى لتخصيص الواهبة فائدة.
وقوله ﴿ قد علمنا ما فرضنا عليهم ﴾ جملة اعتراضية معناها أن الله قد علم ما يجب على المؤمنين في حق الأزواج وفي الإماء على أي حدّ وصفة ينبغي أن يكون.
ثم بين غاية الإحلال بقوله ﴿ لكيلا يكون عليك حرج ﴾ أي لئلا يكون عليك ضيق في دينك ولا في دنياك حيث أحللنا لك أصناف المنكوحات ﴿ وكان الله غفوراً ﴾ للذي وقع في الحرج ﴿ رحيماً ﴾ بالتوسعة والتيسير على عباده.
ثم بيّن أنه أحل له وجوه المعاشرة بهن من غير إيجاب قسم بينهنّ، لأنه بالنسبةإلى أمته كالسيد المطاع فزوجاته كالمملوكات فلا قسم لهن.
والإرجاء التأخير، والإيواء الضم وهما خبران في معنى الأمر.
﴿ ومن ابتغيت ممن عزلت ﴾ يعني إذا طلبت من كنت تركتها ﴿ فلا جناح عليك ﴾ في شيء من ذلك وهذه قسمة جامعة للغرض لأنه إما أن يطلق وإما أن يمسك، وإذا أمسك ضاجع أو ترك، وإذا ضاجع قسم أو لم يقسم، وإذا طلق أو عزل فإما أن يترك المعزولة أو يبتغيها.
يروى أنه أرجأ منهن سودة وجويرية وصفية وميمونة وأم حبيبة وكان يقسم لهنّ ما شاء كما شاء، وكانت ممن آوى إليه عائشة وحفصة وأم سلمة وزينب.
وروي أنه كان يسوّي مع ما خير فيه إلاّ سودة فإنها وهبت ليلتها لعائشة وقالت: لا تطلقني حتى أحشر في زمرة نسائك.
وقيل: أراد تترك تزوّج من شئت من نساء أمتك وتتزوّج من شئت.
وعن الحسن: وكان النبي إذا خطب امرأة لم يكن لأحد أن يخطبها حتى يدعها.
ومن قال: إن القسم كان واجباً مع أنه ضعيف بالنسبة إلى مفهوم الآية قال: المراد تؤخرهن إن شئت إذ لا يجب القسم في الأول، وللزوج أن لا ينام عند أحد منهن ﴿ ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك ﴾ في ذلك فابدأ بمن شئت وتمم الدور والأول أقوى.
ثم قال ﴿ ذلك ﴾ التفويض إلى مشيئتك ﴿ أدنى ﴾ إلى قرّة عيونهن وقلة حزنهن وإلى رضاهّن جميعاً لأنه إذا لم يجب عليه القسم.
ثم إنه يقسم بينهن حملهن ذلك على تلطفه وتخلصه.
وفي قوله ﴿ والله يعلم ما في قلوبكم ﴾ وعيد لمن يرض منهن بما دبر الله له ﴿ وكان الله عليما ﴾ بذات الصدور ﴿ حليماً ﴾ مع ذلك لا يعاجل بالعقوبة فتحاً لباب التوبة.
وقوله ﴿ كلهن ﴾ بالرفع تأكيد لنون يرضين، وقرئ بالنصب تأكيداً لضمير المفعول في ﴿ آتيتهن ﴾ ثم إنه شكر لأزواج رسول الله اختيارهن لله ورسوله فأنزل ﴿ لا يحل لك النساء من بعد ﴾ قال أكثر المفسرين: اي من بعد التسع المذكورة، فالتسع نصاب رسول الله من الأزواج كما أن الأربع نصاب أمته منهن.
وإنه زاد في إكرامهن بقوله ﴿ ولا أن تبدّل بهن ﴾ أي ولا يحل لك أن تستبدل بهؤلاء التسع أزواجاً أخر بكلهن أو بعضهن، وأكد النفي بقوله ﴿ من أزواج ﴾ وفائدته استغراق جنس جماعات الأزواج بالتحريم.
وذهب بعضهم إلى أن الآية فيها تحريم غيرهن ولا المنع من طلاقهنّ، والمعنى لا يحل لك من النساء من بعد اللاواتي نص على إحلالهنّ من الأجناس الأربعة، وأما غيرهنّ من الكتابيات والإماء بالنكاح والأعرابيات والغرائب فلا يحل لك التزوّج بهن.
وقوله ﴿ ولا أن تبدل بهن ﴾ منع من فعل الجاهلية وهو قولهم "بادلني بامرأتك وابادلك بامرأتي" فكان ينزل كل واحد منهما عن امرأته لصاحبه.
يحكى أن عيينة بن حصن دخل على النبي وعنده عائشة من غير استئذان فقال رسول الله : يا عيينة أين الاستئذان؟
فقال: يا رسول الله ما استأذنت على رجل قط ممن مضى منذ أدركت.
ثم قال: من هذه الجميلة إلى جنبك؟
فقال: هذه عائشة أم المؤمنين.
قال عيينة: أفلا أنزل لك عن أحسن الخلق.
فقال : إن الله قد حرم ذلك.
فلما خرج قالت عائشة: من هذا يا رسول الله؟
قال: أحمق مطاع وإنه على ما ترين لسيد قومه.
وقوله ﴿ ولو أعجبك حسنهنّ ﴾ في موضع الحال أي مفروضاً إعجابك بهن.
قال جار الله: والأظهر أن جوابه محذوف يدل عليه ما قبله وهو ﴿ لا يحل ﴾ وفائدة هذه الشرطية التأكيد والمبالغة.
واستثنى ممن حرم عليه الإماء.
وفي قوله ﴿ وكان الله على كل شيء رقيباً ﴾ تحذير من مجاوزة حدوده.
واعلم أن ظاهر هذه الآية ناسخ لما كان قد ثبت له من تحريم مرغوبته على زوجها، وفيه حكمة خفية، وذلك أن الأنبياء يشتدّ عليهم برحاء الوحي في أوّل الأمر ثم يستأنسون به فينزل عليهم وهم يتحدثون مع أصحابهم فكان الحاجة إلى تفريغ بال النبي تكون في أوّل الأمر أكثر لو هي القوّة ولعدم إلفه بالوحي، فإذا تكاملت قوّته وحصل إلفه بتعاقب الوحي لم يبق له الالتفات إلى غير الله فلم يحتج إلى إحلال التزوّج بمن وقع بصره عليها.
وعن عائشة: ما مات رسول الله حتى أحل له النساء.
تعني أن الآية نسخت، ونسخها إمّا بالسنة عند من يجوِّز نسخ القرآن بخبر واحد، وأمّا بقوله ﴿ إنا أحلنا لك ﴾ وترتيب النزول ليس على ترتيب المصحف.
ثم عاد إلى إرشاد الأمة، وحالهم مع النبيّ إما حال الخلوة فالواجب هناك احترام أهله واشار إليه بقوله ﴿ لا تدخلوا ﴾ وإما حال الملأ فالواجب وقتئذ التعظيم بكل ما أمكن وذلك قوله ﴿ إن الله وملائكته ﴾ كانوا يتحينون طعام رسول الله فيدخلون ويقعدون منتظرين لإدراكه فقيل: لا تدخلوا يا هؤلاء المتحينون للطعام إلا وقت الإذن أي مأذونين وإلا غير ناظرين إناه.
وإنى الطعام إدراكه، أنى الطعام إنى نحو قلاه قلى.
وقيل: أناه وقته فقد تلخص أن الإذن مشروط بكونه إلى طعام فلزم منه أن لا يجوز الدخول إذا لم يكن الإذن إلى طعام كالدخول بالإذن لاستماع كلام مثلاً، فأجيب بأن الخطاب مع قوم كانوا موصوفين بالتحين للطعام فمنعوا من الدخول في وقته من غير إذن.
وجوز بعضهم أن يكون في الكلام تقديم وتأخير أي لا تدخلوا إلى طعام إلا أن يؤذن لكم فلا يكون منعاً من الدخول في غير وقت الطعام بغير الإذن والأوّل أولى.
ولا يشترط في الإذن التصريح به إذا حصل العلم بالرضا جاز الدخول ولهذا قيل ﴿ إلا أن يؤذن ﴾ على البناء للمفعول ليشمل إذن الله وإذن الرسول أو العقل المؤيد بالدليل.
وقوله ﴿ فانتشروا ﴾ للوجوب وليس كقوله ﴿ فإذا قضيت الصلاة فانتشروا ﴾ وذلك للدليل العقلي على أن بيوت الناس لا تصلح للمكث بعد الفراغ مما دعي لأجله، وللدليل النقلي وذلك قوله ﴿ ولا مستأنسين لحديث ﴾ وهو مجرور معطوف على ﴿ ناظرين ﴾ أو منصوب على الحال أي لا تدخلوها هاجمين ولا مستأنسين.
يروى أن رسول الله أولم على زينب بتمر وسويق وشاة وأمر أنساً أن يدعو بالناس فترادفوا أفواجاً إلى أن قال: يا رسول الله دعوت حتى ما أجد أحد أدعوه.
فقال: ارفعوا طعامكم وتفرق الناس وبقي ثلاثة نفر يتحدّثون فأطالوا فقام رسول الله ليخرجوا فانطلق إلى حجرة عائشة فقال: السلام عليكم أهل البيت فقالوا: وعليك السلام يا رسول الله كيف وجدت أهلك؟
وطاف بالحجرات فسلم عليهن ودعون له ورجع فإذا الثلاثة جلوس يتحدّثون وكان رسول الله شديد الحياء وذلك قوله ﴿ إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحي منكم ﴾ أي من إخراجكم فلما رأوه متولياً خرجوا فرجع فنزلت الآية ناهية للثقلاء أي يطيلوا الجلوس يستأنس بعضهم ببعض لأجل حديث يحدّثه به أو يستأنسون حديث اهل البيت واستماعه.
ومعنى ﴿ لا يستحي ﴾ لا يمتنع ولا يترك كما مر في أول البقرة.
والضمير في ﴿ سألتموهن ﴾ لنساء النبيّ بقرينة الحال.
قال الراوي: إن عمر كان يحب ضرب الحجاب عليهن محبة شديدة وكان يقول: يا رسول الله يدخل عليك البر والفاجر فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب فنزلت.
والمتاع الماعون وما يحتاج إليه.
وثاني مفعولي ﴿ فاسألوهن ﴾ محذوف وهو المتاع المدلول عليه بما قبله.
﴿ ذلكم ﴾ الذي ذكر من السؤال من وراء الحجاب ﴿ أطهر ﴾ لأجل قلوبكم لأن العين روزنة القلب ومنها تنشأ الفتنة غالباً.
وروي أن بعضهم قال: نهينا أن نكلم بنات عمنا إلا من وراء حجاب لئن مات محمد لأتزوجن فلانة عنى عائشة، فأعلم الله أن ذلك محرم بقوله ﴿ وما كان ﴾ اي وما صح ﴿ لكم أن تؤذوا رسول الله ﴾ بوجه من الوجوه ﴿ ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبداً إن ذلكم ﴾ الإيذاء والنكاح ﴿ كان عند الله ﴾ ذنباً ﴿ عظيماً ﴾ لأن حرمة الرسول ميتاً كحرمته حياً.
ثم بين بقوله ﴿ إن تبدوا شيئاً ﴾ الآية.
إنهم إن لم يؤذوه في الحال ولكن عزموا على إيذائه أو نكاح أزواجه بعده فالله عالم بكل شيء فيجازيهم بحسب ذلك.
ثم إنه لما أنزل الحجاب استثنى المحارم بقوله ﴿ لا جناح عليهن ﴾ أي لا إثم عليهن في ترك الاحتجاب من هؤلاء.
قال في التفسير الكبير عند الحجاب: لما أمر الله الرجل بالسؤال من رواء الحجاب فيفهم كون المرأة محجوبة عن الرجل بالطريق الأولى، وعند الاستثناء قال ﴿ لا جناح عليهن ﴾ فرفع الحجاب عنهن فالرجال أولى بذلك.
وقدم الآباء لأن اطلاعهم على بناتهم أكثر فقد رأوهن في حالة الصغر، ثم الأبناء ثم الأخوة، وقدم بني الإخوة لأن بني الأخوات آباؤهم ليسوا بمحارم إنما هم أزواج خالات أبنائهم فقد يصف الابن خالته عند أبيه ففي ذلك نوع مفسدة فأوجبت التأخر عن رتبة المحرمية، ولم يذكر العم والخال لأنهما يجريان مجرى الوالدين، أو لأنهما قد يصفيان لأبنائهما وأبناؤهما غير محارم.
وقد يستدل بقوله ﴿ ولا نسائهن ﴾ مضافة إلى المؤمنات أنه لا يجوز التكشف للكافرات في وجه، وأخر المماليك لأن محرميتهم كالأمر الضروري وإلا فالمفسدة في التكشف لهم ظاهرة ولهذا عقبة بقوله ﴿ واتقين ﴾ فإن التكشف لهم مشروط بشرط سلامة العاقبة والأمن من الفتنة.
ومنهم من قال: المراد من كان منهم دون البلوغ.
قال جار الله: في نقل الكلام من الغيبة إلى الخطاب في قوله ﴿ واتقين ﴾ فضل تشديد وبعث على سلوك طريقة التقوى فيما أمرن به من الاحتجاب كأنه قيل: وليكن عملكن في الحجب أحسن مما كان وأتقن غير محتجبات ليفضل سركن علنكن.
ثم أكد الكل بقوله ﴿ إن الله كان على كل شيء شهيداً ﴾ وفيه أنه لا يتفاوت في علمه ظاهر الحجاب وباطنه.
ثم كمل بيان حرمة النبي بأنه محترم في الملأ الأعلى فليكن واجب الاحترام في الملأ الأدنى، وقد مر معنى الصلاة في السورة.
وإنما قال هناك ﴿ هو الذي يصلي عليكم وملائكته ﴾ وقال ههنا ﴿ إن الله وملائكته يصلون ﴾ ليلزم منه تعظيم النبي : وذلك لأن إفراد الواحد بالذكر وعطف الغير عليه يوجب تفضيلاً للمذكور على المعطوف، فكأنه شرف الملائكة بضمهم مع نفسه بواسطة ضلاتهم على النبي .
واستدل الشافعي: بقوله ﴿ صلوا عليه وسلموا ﴾ وظاهر الأمر للوجوب أن الصلاة في التشهد واجبة وكذا التسليم لأنه لا يجب بالاتفاق في غير الصلاة فيجب فيها.
وذكر المصدر للتأكيد ليكمل السلام عليه وهو قول المصلي: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته.
ولم يؤكد الصلاة هذا التأكيد لأنها كانت مؤكدة بقوله ﴿ إن الله وملائكته يصلون ﴾ وسئل النبي كيف نصلي عليك يا رسول الله؟
فقال: قولوا اللهم صل على محمد وآل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد.
وعنه "من صلى عليّ مرة صلى الله عليه عشراً" ومن العلماء من أوجب الصلاة كلما جرى ذكره لما روي في الحديث "من ذكرت عنده فلم يصل عليّ فدخل النار فأبعده الله" ومنهم من أوجبها في كل مجلس مرة وإن تكرر ذكره كما قيل في آية السجدة وتشميت العاطس، وكذلك في كل دعاء في أوله وآخره.
ومنهم من أوجبها في العمر مرة، وكذا قال في إظهار الشهادتين.
والأحوط هو الأول وهو الصلاة عليه عند كل ذكر، وأما الصلاة على غيره فقد مر الخلاف فيها في سورة التوبة في قوله ﴿ وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم ﴾ ثم رتب الوعيد على إيذاء الله ورسوله فيجوز أن يكون ذكر الله توطئة وتشريفاً وإعلاماً بأن إيذاء رسول الله هو إيذاء الله كقوله ﴿ فاتبعوني يحببكم الله ﴾ ويجوز أن يراد بإيذاء الله الشرك به ونسبته إلى ما لا يجوز عليه.
وعن عكرمة: هو فعل أصحاب التصاوير الذين يرومون تكوين خلق كخلق الله.
وقيل: أذى رسول الله قولهم إنه ساحر أو شاعر أو كاهن أو مجنون.
وقيل: طعنهم عليه في نكاح صفية بنت حي، والأظهر التعميم.
وعن بعضهم أن اللعن في الدارين هو جزاء من يؤذي الله، وإعداد العذاب المهين هو جزاء من يؤذي رسول الله، ولعل الفرق لاغ.
ثم رتب وعيداً آخر على إيذاء المؤمنين والمؤمنات ولكن قيده بقوله ﴿ بغير ما اكتسبوا ﴾ لأنه إذا صدر عن أحدهم ذنب جاز إيذاؤه على الوجه المحدود في الشرع، ولعل المراد هو الإيذاء القولي لقوله ﴿ فقد احتملوا بهتاناً ﴾ ويحتمل أن يقال: احتمال البهتان سببه الإيذاء القولي، واحتمال الإثم المبين سببه الإيذاء الفعلي، ويحتمل أن يكون كلاهما وعيد الإيذاء القولي، وإنما وقع الاكتفاء به لأنه أجرح للقلب ولا مكان الاستدلال به على الفعلي، ولأن إيذاء الله لا يكون إلا بالقول إلا إذا جعل السجود لصنم "إيذاء.
قيل: نزلت في ناس من المنافقين كانوا يؤذون علياً .
وقيل: في إفك عائشة.
وقيل: في زناة كانوا يتبعون النساء وهن كارهات.
ثم أراد أن يدفع عن أهل بيت نبيه وعن أمته المثالب التي هي مظان لصوق العار فقال ﴿ يا أيها النبي ﴾ الآية.
ومعنى ﴿ يدنين عليهن ﴾ يرخين عليهن.
يقال للمرأة إذا زل الثوب عن وجهها أدني ثوبك على وجهك.
ومعنى التبعيض في ﴿ من جلابيبهن ﴾ أن يكون للمرأة جلابيب فتقتصر على واحد منها، أو أريد طرف من الجلباب الذي لها.
وكانت النساء في أول الإسلام على عادتهن في الجاهلية متبذلات يبرزن في درع وخمار من غير فصل بين الحرة والأمة، فأمرن بلبس الأردية والملاحف وستر الرأس والوجوه ﴿ ذلك ﴾ الإدناء ﴿ أدنى ﴾ وأقرب إلى ﴿ أن يعرفن ﴾ أنهن حرائر أو أنهن لسن بزانيات فان التي سترت وجهها أولى بأن تستر عورتها ﴿ فلا يؤذين ﴾ لا هن ولا رجالهن أقاربهن لأن أكثر الإيذاء والطعن إنما يتفق من جهة نساء العشيرة إذا كن مرئيات فضلاً عن كونهن مزينات ﴿ وكان الله غفوراً ﴾ لما قد سلف ﴿ رحيماً ﴾ حين ارشدكم إلى هذا الأدب الجميل.
ولما أوعدهم بعذاب الآخرة خوّفهم بعقاب الدنيا قائلاً ﴿ لئن لم ينته المنافقون ﴾ عن الإيذاء ﴿ والذين في قلوبهم مرض ﴾ وهم الضعفة الإيمان أو الزناة وأهل الفجور ﴿ والمرجفون ﴾ في مدينة الرسول وهم الخائضون في أخبار السوء من غير حقيقة، سمي بذلك لكونه خبراً متزلزلاً غير ثابت من الرجفة وهي الزلزلة.
روي أن ناساً كانوا إذا خرجت سرايا رسول الله يوقعون في الناس أنهم قتلوا أو هزموا وكانوا يقولون قد أتاكم العدوّ ونحو ذلك.
ومعنى ﴿ لنغرينك بهم ﴾ لنسلطنك عليهم وهو مجاز من قولهم: أغريت الجارحة بالصيد.
المراد لنأمرنك بأن تفعل ما يضطرهم إلى الجلاء ثم لا يساكنونك في المدينة إلا زمناً قليلاً ريثما يتأهبون فيرتحلون بأنفسهم وعيالهم.
ومعنى "ثم" تراخي الرتبة كأنه يفعل بهم أفاعيل تسوءهم إلى أن يبلغ حد الاضطرار فيزعجهم، ويجوز أن يكون ﴿ قليلاً ﴾ منصوب على الحال ايضاً ومعناه لا يجاورونك غلا أقلاء أذلاء ملعونين.
وفي قوله ﴿ لا يجاورونك ﴾ عطف على جواب القسم كأنه قيل: إن لم ينتهوا لا يجاورونك ﴿ سنة الله ﴾ أي سنة الله في الدين ينافقون في الأنبياء أن يقتلوا حيثما ثقفوا.
وقال مقاتل: أراد كما قتل وأسر أهل بدر ﴿ ولن تجد لسنة الله تبديلا ﴾ أي ليست هذه السنة مثل الحكم الذي يتبدل وينسخ فإن النسخ يكون في الأحكام لا في الأفعال والأخبار.
ثم إن المشركين واليهود كانوا يسألون رسول الله عن وقت قيام الساعة استهزاء وامتحاناً فأمر نبيه أن يقول: إن ذلك العلم مما استأثر الله ولكنها قريبة الوقوع.
ومعنى ﴿ قريباً ﴾ شيئاً قريباً أو يوماً أو زماناً.
ثم أوعدهم بما أعدّ لهم من عذاب السعير.
ومعنى تقليب وجوههم تصريفها في الجهات كاللحم يدار على النار حين يشوى، أو تغييرها عن أحوالها، أو تحويلها عن هيآتها، أو نكسها على رؤوسها.
والوجه عبارة عن الجملة وخص بالذكر لأنه اشرف وأكرم، وإذا كان الأشرف معرضاً للعذاب فالأخس أولى.
ثم حكى أنهم يعترفون ويتمنون ولا ينفعهم شيء من ذلك ثم يطلبون بعض التشفي بالدعاء على من أضلهم.
قوله ﴿ ضعفين ﴾ اي ضعفاً لضلالهم وضعفاً لإضلالهم.
من قرأ ﴿ لعناً كبيراً ﴾ بالباء الموحدة فالمراد أشد اللعن وأفظعه، ومن قرأ بالثاء المثلثة أراد تكثير عدد اللعن وقد علموا أن العذاب حاصل فطلبوا ما ليس بحاصل وهو زيادة العذاب وكثرة اللعن أو عظمه.
قوله ﴿ لا تكونوا كالذين ءَاذَواْ موسى ﴾ قال المفسرون: نزلت في شأن زيد وزينب وما سمع فيه من قالة بعض الناس.
وإيذاء موسى هو حديث المومسة التي أرادها قارون على قذف موسى، أو حديث الأدرة أو البرص الذي قرفوه بذلك ففر الحجر بثوبه حتى رأوه عرياناً وقد مر في "البقرة".
وقيل: اتهامهم إياه بقتل هارون وكان قد خرج معه إلى الجبل فمات هناك فحملته الملائكة ومروا به عليهم ميتاً حتى أبصروه فعرفوا أنه غير مقتول، أو أحياه الله عز وجل فأخبرهم ببراءة موسى ومعنى ﴿ مما قالوا ﴾ من مؤدى قولهم أو من مضمون مقولهم ﴿ وكان عند الله وجيها ﴾ ذا جاه ومنزلة فلذلك كان يذب ويدفع عنه المثالب والمطاعن كما يفعل الملك بمن له عنده قربة.
وروي عن شنبوذ وكان عبداً لله.
ثم أشار إلى ماينبغي أن يكون المؤمن عليه فقال ﴿ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ﴾ والمعنى راقبوا الله في حفظ ألسنتكم وتقويم أمركم بسداد قولكم، فبتقوى الله يصلح العمل وبصلاح العمل تكفر السيئات وترفع الدرجات.
أمرهم أوّلاً بالتخلية وهي ترك الإيذاء وثانياً بالتحلية وهي التقوى الموجبة لتحصيل الأخلاق الفاضلة، ثم علق الفوز العظيم بالطاعة المسماة بالأمانة في قوله ﴿ إنا عرضنا الأمانة ﴾ فقيل: العرض حقيقة.
وقيل: أراد المقابلة أي قابلنا الأمانة بالسموات فرجحت الأمانة.
والعرض أسهل من الفرض ولهذا كفر إبليس بالإباء ولك يكفر هؤلاء بالإباء لأن هناك استكباراً وههنا استصغاراً بدليل قوله ﴿ وأشفقن منها ﴾ وقد يقال: المضاف محذوف أي عرضناها على أهل السموات والأرض والجبال وإنما صير إلى هذا التكلف لاستبعاد طلب الطاعة من الجمادات، ولم يستبعده أهل البيان لأن المراد تصوير عظم الأمانة وثقل حملها فمثلت حال التكليف في صعوبته وثقل محمله بحالة المتحملة المفروضة لو عرضت على هذه الأجرام العظام.
واعلم أن التكليف هو الأمر بخلاف ما في الطبيعة، فهذا النوع من التكليف ليس في السموات والأرض والجبال لأن السماء لا يطلب منها الهبوط، والأرض لا يطلب منها الصعود ولا الحركة، والجبال لا يطلب منها السير، وكذا الملائكة ملهمون بالتسبيح والتقديس.
وسمي التكليف أمانة لأن من قصر فيه فعليه الغرامة ومن أداة فله الكرامة.
فعرض الأمانة بهذا المعنى على هذه الأجرام وإباؤها من حملها هو عدم صلوحها لهذا الأمر، أو المراد هو التصوير المذكور.
وقد خص بعضهم التكليف بقول "لا إله إلا الله".
والأظهر عندي أن الأمانة هي الاستعداد الذي جبل كل نوع من المخلوقات عليه، وحمل الأمانة عبارة عن عدم أداء حقها كما يقال: فلان ركب عليه الدين.
فكل من أخرج ما في قوته إلى الفعل فهو مؤدٍّ للأمانة وقاضٍ حقها وإلا فهو حامل لها.
ولا ريب أن السموات مسخرات بأمر الله كل يجري لأجل مسمى، والأرض ثابتة في مستقرها، والجبال راسخة في أمكنتها، وهكذا كل نوع من الأنواع مما يطول تعدادها وإليه الإشارة بقوله ﴿ وما منا إلا له مقام معلوم ﴾ إلا الإنسان فإن كثيراً من الأشخاص بل أكثرهم مائلة إلى أسفل السافلين الطبع فلا جرم لم يقض حق الأمانة وانحط إلى رتبة الأنعام فوصف بالظلومية لأنه صرف الاستعداد في غير ما خلق لأجله، وبالجهولية لأنه جهل خاصة عاقبة إفساد الاستعداد، أو علم ولم يعمل بعلمه فنفي عنه العلم لانتفاء ثمرته.
فاللام في ﴿ الإنسان ﴾ للجنس وحمل الشيء على بعض الجنس يكفي في صدقه على الجنس.
وفيه لطيفة أخرى مذكورة في تأويل آخر سورة البقرة.
وذكروا في سبب الإشفاق أن الأمانة لا تقبل إما لعزتها ونفاستها كالجواهر الثمينة، أو لصعوبة حفظها كالزجاج مثلاً، وكلا المحذورين موجود في التكليف.
وأيضاً كان الزمان نهب وغارة إذ العرض كان بعد خروج آدم من الجنة والشيطان وجنوده كانوا في قصد المكلفين والعاقل لا يقبل الوديعة في مثل ذلك الوقت.
وأيضاً قد لا يقبل الأمانة لعسر مراعاتها ولاحتياجها إلى تعهد ومؤنة كالحيوان المحتاج إلى العلف والسقي والتكليف كذلك فإنه يحتاج إلى تربية وتنمية بخلاف متاع يوضع في صندوق أو بيت، فهذه الأشياء علمن ما في التكليف من التبعات وجهلها الإنسان فقبله فكان جهولاً، وقد ظلم آدم نفسه بالمخالفة فكان ظلوماً وكذا أولاده الذين ظلموا أنفسهم بالعصيان وجهلوا ما عليهم من العقاب.
واعتذر بعضهم عن الإنسان أنه نظر إلى جانب من كلفه وقال المودع عالم قادر لا يعرض الأمانة إلا على أهلها، وإذا أودع لا يتركها بل يحفظها بعينه وعونه فقبلها وقال ﴿ إياك نعبد وإياك نستعين ﴾ وقيل: إنه كان ظلوماً جهولاً في ظن الملائكة حيث قالوا ﴿ أتجعل فيها من يفسد فيها ﴾ وقال الحكيم: المخلوقات على قسمين: مدرك وغير مدرك.
والمدرك منه من يدرك الجزئي فقط كالبهائم تدرك الشعير وتأكله ولا تتفكر في عواقب الأمور ولا تنظر في الدلائل، ومنه من يدرك الكلي دون الجزئي كالملك يدرك الكليات ولا يدرك لذة الجماع والأكل ولهذا ﴿ قالوا سبحانك لا علم لنا ﴾ فاعترفوا بعدم علمهم بتلك الجزئيات.
ومنه من يدرك الأمرين وهو الإنسان له لذات بأمور جزئية فمنع منها لتحصيل لذات حقيقية كلذة الملائكة بعبادة الله ومعرفته.
فغير الإنسان إن كان مكلفاً كان بمعنى كونه مخاطباً لا بمعنى الأمر بما فيه كلفة ومشقة.
وفي قوله ﴿ وحملها الإنسان ﴾ دون أن يقول "وقبلها" إشارة إلى ما في التكليف من الثقل وإلى ما يستحقه عليه من الأجر لو حمله كما أمر وإلى حيث أمر وإلا غرم وجرم.(لطيفة).
الأمانة عرضت على آدم فقبلها وكان أميناً عليها، والقول قول الأمين فهو فائز.
وأما أولاده فأخذوا الأمانة منه والآخذ من الأمين ليس بمؤتمن بل ضامن ولهذا لا يكون وارث المودع مقبول القول فلم يكن له بد من تجديد عهد وإيمان حتى يصير أمينا عند الله ويصير القول قوله فيكون له ما كان لآدم من الفوز، ولهذا ذكر ما فيه عاقبة حمل الأمانة قائلاً ﴿ ليعذب ﴾ إلى قوله ﴿ ويتوب ﴾ إشارة إلى الفريقين.
ثم وصف نفسه بكونه غفوراً رحيماً بإزاء كون الإنسان ظلوماً جهولاً ولا يخفى ما في هذه الإشارة من البشارة.
التأويل: ﴿ اذكروا الله ذكراً كثيراً ﴾ فمن أحب شيئاً أكثر ذكره.
وأهل المحبة هم الأحرار عن رق الكونين والحرّ يكفيه الإشارة ﴿ هو الذي يصلي ﴾ أي لولا صلاتي عليكم لما وفقتم لذكري كما أنه لولا سابقة محبتي لما هديتم إلى محبتي، فكان في الأزل بالمؤمنين رحيماً فلهذا أخرجهم في الأبد من ظلمة الوجود المجازي إلى نور الوجود الحقيقي ﴿ إنا أرسلناك شاهداً ﴾ لنا بنعت المحبوبية ﴿ ومبشراً ﴾ للطالبين برؤية جمالنا ﴿ ونذيراً ﴾ للبطالين عن كمال حسننا وحسن كمالنا ﴿ وداعياً إلى الله بإذنه ﴾ لا بطبعك وهواك ﴿ وسراجاً منيراً ﴾ في أوقات عدم الدعوة، وذلك أن النظر إلى وجه النبي كافٍ لمن كان له قلب مستنير، فإذا انضمت الدعوة إلى ذلك كان في الهداية غاية.
﴿ وفضلاً كبيراً ﴾ هو القلب المستنير.
﴿ إنا أحللنا لك أزواجك ﴾ لما اتصفت نفسه بصفات القلب وزال عنها الهوى اتصفت دنياه بصفات الآخرة فحل له في الدنيا ما يحل لغيره في الآخرة ﴿ إن الله وملائكته يصلون ﴾ صلاة تليق بتلك الحضرة المقدّسة مناسبة لحضرة النبوّة بحيث لا يفهم معناها غيرهما منها الرحمة، ومنها المغفرة الواردة، ومنها الشواهد، ومنها الكشوف، ومنها المشاهدة، ومنها الجذبة، ومنها القربة، ومنها الشرب، ومنها الري، ومنها السكون، ومنها التجلي، ومنها الفناء في الله، ومنها البقاء به، وهكذا لأمته بحسب مراتبهم كقوله ﴿ أولئك عليهم صلوات من ربهم ﴾ ﴿ إنا عرضنا الأمانة ﴾ هي قبول الفيض الإلهي بلا واسطة ولهذا سمي أمانة لأن الفيض من صفات الحق فلا يتملكه أحد.
وقد اختص الإنسان بإصابة رشاش النور الإلهي فكان عرض الفيض عاماً على قلب المخلوقات ولكن كان حمله خاصاً بالإنسان لأن نسبة الإنسان إلى سائر المخلوقات نسبة القلب إلى الشخص، فالروح يتعلق بالقلب ثم يصل فيضه بواسطة العروق والشرايين إلى سائر البدن فيتحرك به وهذا سر الخلافة ﴿ إنه كان ظلوماً ﴾ لأنه خلق ضعيفاً وحمل قوياً ﴿ جهولا ﴾ لأنه ظن أنه خلق للمطعم والمشرب والمنكح ولم يعلم أن هذه الصورة قشر وله لب وللبه لب وهو محبوب الله.
فبقوّة الظلومية والجهولية حمل الأمانة ثم بروحه المنوّر برشاش الله أدّى الأمانة فصارت الصفتان في حق حامل الأمانة ومؤدي حقها مدحاً، وفي حق الخائنين فيها ذمّاً.
ولما لم يكن لروح الملائكة ولغيرهم من المخلوقات راحلة تحملها بالعزة أبين منها وأشفقن.
فالمخاطبون إذن على ثلاث طبقات: طبقة يظهر فيها جمال صفة عدله وهم الملك والأجسام العلوية والسفلية سوى الثقلين لم يحملوا الأمانة وتركوا نفعها لضرها، وطبقة يظهر فيها جمال قهره وهم المشركون والمنافقون حملوها طمعاً في نفعها ثم لم يؤدّوا حقها بأن باعوها بالأعراض الفانية، والطبقة الثالثة المؤمنون وهم الذين حملوها طوعاً ورغبة وشوقاً ومحبة وأدّوا حقها بقدر وسعهم.
ولكن الحكم لكل جواد كبوة يقع قدم صدقهم في حجر بلاء وابتلاء فيتوب الله عليهم بجذبات العناية وهم مرآة جمال فضله ولطفه الله حسبي ونعم الوكيل وبالله التوفيق.
قوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا نَكَحْتُمُ ٱلْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ ﴾ .
ذكر أن رجلا جاء إلى ابن عباس فقال: كان بيني وبين عمتي كلام، فقلت: يوم أتزوج ابنتك فهي طالق ثلاثاً؛ فقال: تزوجها فهي لك حلال؛ أما تقرأ هذه الآية: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا نَكَحْتُمُ ٱلْمُؤْمِنَاتِ...
﴾ الآية.
فجعل الطلاق بعد النكاح.
وعندنا: أنه إذا حلف: إن تزوجها فهي طالق؛ يكون طلاقاً بعد النكاح، وليس في الآية منع وقوع الطلاق إذا أضافه إلى ما بعد النكاح.
وقوله: ﴿ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ ﴾ ، يحتمل المماسة: الجماع، أي: من قبل أن تجامعوهن.
ويحتمل: من قبل أن تدخلوا بهن المكان الذي تماسّونهن؛ وإلا لو دخل بها المكان الذي يماسها، ثم طلقها يجب كمال الصداق، وإذا لم يجامعها، ولم يدخل المكان الذي يماسها حتى طلقها - وجب نصف الصداق؛ ويدل على ذلك قول الله حيث قال: ﴿ وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ ﴾ ، والإفضاء ليس هو الجماع نفسه؛ ولكن الدنو منها والمسّ باليد أو شبهه، والله أعلم.
وقوله: ﴿ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا ﴾ .
هذا يدل على أن العدة من حق الزوج عليها؛ حيث قال: ﴿ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا ﴾ ، ولا يجوز له أن يجمع بين أختين فيما له من حق؛ فعلى ذلك ليس له أن يجمع بين الأختين في حق العدة التي له قبلها، والله أعلم.
وقوله: ﴿ فَمَتِّعُوهُنَّ ﴾ .
قال بعضهم: هذه المتعة منسوخة بالآية التي ذكر في سورة البقرة؛ حيث قال: ﴿ وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ ﴾ .
وقال بعضهم: هي التي وهبت نفسها بغير صداق، فإن لم يجب الصداق وجب المتعة.
وعندنا: إن كان سمى لها صداقاً، فليس لها إلا نصف الصداق، ولا يجب عليه المتعة وجوب حكم، لكن إن فعل ومتعها فهو أفضل وأحسن، وإن كان لم يفرض لها صداقاً حتى طلقها قبل الدخول بها؛ فهي واجبة على قدر عسره ويسره، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً ﴾ .
قال بعضهم: السراح الجميل: هو أن يمتعها إذا سرحها.
وقال بعضهم: السراح الجميل: هو أن يبذل لها الصداق.
وقال بعضهم: السراح الجميل: هو أن يقول: لا تؤذوهن بألسنتكم إذا سرحتموهن، والله أعلم.
وقوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِنَّآ أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ ٱللاَّتِيۤ آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ ﴾ .
يحتمل هذا وجهين: أحدهما: ﴿ إِنَّآ أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ ٱللاَّتِيۤ آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ ﴾ ، أي: ضمنت أجورهن وقبلت؛ ويكون الإيتاء عبارة عن القبول والضمان؛ وذلك جائز نحو قوله: ﴿ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَٰوةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ ﴾ هو على القبول، تأويله: فإن تابوا وقبلوا إيتاء الزكاة؛ فخلوا سبيلهم، هو على القبول والضمان ليس على فعل الإيتاء نفسه؛ إذ لا يجب إلا بعد حولان الحول، وكذلك قوله: ﴿ قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ...
﴾ إلى قوله: ﴿ حَتَّىٰ يُعْطُواْ ٱلْجِزْيَةَ ﴾ ليس على نفس الإعطاء؛ ولكن حتى يقبلوا الجزية؛ إذ الإعطاء إنما يجب إذا حال الحول؛ فعلى ذلك جائز أن يكون قوله: ﴿ ٱللاَّتِيۤ آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ ﴾ ، أي: قبلت أجورهن وضمنت.
والثاني: ﴿ إِنَّآ أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ ٱللاَّتِيۤ ﴾ هن لك إذا ﴿ آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ ﴾ ، أي: قبلت؛ معناه: إنا أحللنا لك إبقاءهن إذا آتيت أجورهن.
وفيه دلالة: أن المهر قد يسمى أجراً؛ فيكون قوله: ﴿ فَمَا ٱسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ﴾ ، أي: مهورهن؛ فيكون الاستمتاع بهن استمتاعاً في النكاح؛ فعلى ذلك يجوز أن يكون قوله: ﴿ وَٱمْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ ٱلنَّبِيُّ أَن يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ ؛ فيكون الخلوص له بلا أجر لا بلفظة "الهبة"؛ لأنه ذكر على أثر ذكر حل أزواجه بالأجر؛ كأنه قال: إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن، وأحللنا لك - أيضاً - امرأة مؤمنة إن وهبت نفسها بلا أجر خالصة لك من دون المؤمنين بغير أجر؛ لأن خلوص الشيء إنما يكون إذا خلص له بلا بدل ولا مؤنة، فأما أن يكون الخلوص بلفظة دون لفظة فلا.
وبعد فإنه قد ذكر في آخر الآية ما يدل على ما ذكرنا؛ وهو قوله: ﴿ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِيۤ أَزْوَاجِهِـمْ ﴾ ؛ دل هذا أن خلوص تلك المرأة له بـ"قد..."؛ فإن ذكر هذا له خرج مخرج الامتنان عليه؛ فلا منة له عليه في لفظة "الهبة"، ليست تلك في لفظة "التزويج"، يقول مكان قوله: ﴿ وَهَبَتْ ﴾ : "زوجت"؛ دل أن المنة له عليه فيما صارت له بلا مهر، لا في لفظة "الهبة".
أو أن يكون قوله: ﴿ خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ في الآخرة، أي: لا تحل لأحد سواك إذا تزوجتها وصارت من أزواجك، فأمّا أن يفهم من قوله: ﴿ خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ بلفظة "الهبة" فلا؛ إذ لا فرق بين أن تقول: "وهبت"، وبين أن تقول: "زوجت".
وبعد: فإن كثيراً من الصحابة وأهل التأويل، من نحو: عبد الله بن مسعود، وابن عباس وغيرهما - م - لم يفهموا من قوله: ﴿ خَالِصَةً لَّكَ ﴾ بلفظة دون لفظة، حتى روي عن ابن عباس - - أنه قال في قوله: ﴿ إِذَا نَكَحْتُمُ ٱلْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ ﴾ : "هن الموهوبات"، فما بال الشافعي في فهم ذلك ما ذكر؟!
وبعد فإنه ليس من عقد إلا وهو يحتمل الانعقاد بلفظة "الهبة" من البياعات والإجارات وغيرها؛ فعلى ذلك النكاح، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ ﴾ .
أي: قد أحللنا لك ما ملكت يمينك، وأحللنا لك أيضاً، ﴿ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاَتِكَ ﴾ .
ثم جائز أن يكون حل بنات من ذكر من الأعمام والأخوال للناس بهذه الآية؛ لأنهن لم يذكرن في المحرمات في سورة النساء؛ فيكون ذكر حلهن لرسول الله ذكراً للناس كافة، كما كان ذكر حل نكاح حليلة زيد بن حارثة له حلا للناس في أزواج حلائل التبني؛ حيث قال: ﴿ لِكَيْ لاَ يَكُونَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِيۤ أَزْوَاجِ أَدْعِيَآئِهِمْ ﴾ ؛ فعلى ذلك الأول.
أو أن يكون معرفة حل نكاح بنات الأعمام والعمات ومن ذكر بقوله: ﴿ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاءَ ذَٰلِكُمْ ﴾ ؛ إذ ذكر المحرمات في الآية على إبلاغ: ما كان بنسب، وما كان بسبب، ثم قال: ﴿ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاءَ ذَٰلِكُمْ ﴾ ؛ فيكون ما وراء المذكورات محللات بظاهر الآية، إلا ما كان في معنى المذكورات في الحرمة، والله أعلم.
وقوله: ﴿ ٱللاَّتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ ﴾ .
لم يفهم أحد من قوله: ﴿ هَاجَرْنَ مَعَكَ ﴾ : الهجرة معه حتى لا يتقدمن ولا يتأخرن؛ بل دخل في قوله: ﴿ مَعَكَ ﴾ من هاجر من قبل ومن بعد، والله أعلم.
وقوله: ﴿ مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِيۤ أَزْوَاجِهِـمْ ﴾ .
قال بعضهم: ما فرضنا على الناس، ﴿ فِيۤ أَزْوَاجِهِـمْ ﴾ ، وهن أربع نسوة لا تحل الزيادة على الأربع، ﴿ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ ﴾ ، وهي الجواري والخدم يجوز الزيادة على ذلك وإن كثرن.
وقال بعضهم: كان مما فرض الله ألا يتزوج الرجل إلا بولي ومهر وشهود، إلا النبي خاصة؛ فإنه يجوز له أن تهب المرأة نفسها بغير مهر وبغير ولي، والله أعلم.
وقوله: ﴿ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِيۤ أَزْوَاجِهِـمْ ﴾ ، ﴿ فَرَضْنَا ﴾ : أي بينا ما يجوز وما لا يجوز، أي: بين ذلك كله في الأزواج.
أو ﴿ فَرَضْنَا ﴾ : أوجبنا عليهم في أزواجهم من الأحكام والحقوق ونحوها، والله أعلم.
وقوله: ﴿ تُرْجِي مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِيۤ إِلَيْكَ مَن تَشَآءُ ﴾ : اختلف فيه: عن الحسن قال: كان النبي إذا خطب امرأة لم يكن لأحد أن يخطبها حتى يدعها النبي أو يتزوجها، وإذا ترك خطبتها كان لغيره أن يخطبها، ثم إذا خطبها رسول الله، لم يكن لأحد أن يخطبها بعد ذلك، إلا أن يترك خطبتها، أو كلام نحوه؛ فيصرف تأويل الآية إلى ما ذكرنا.
وكذلك يقول قتادة: إن الآية في الخطبة.
وقال بعضهم: هذا في قسمة الأيام بينهن كان يسوي بينهن قسمين، فوسع الله عليه في ذلك، فأحل له، فقال: ﴿ تُرْجِي مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ ﴾ ، أي: من نسائه، أي: تترك من تشاء منهن، فلا تأتيها، ﴿ وَتُؤْوِيۤ إِلَيْكَ مَن تَشَآءُ ﴾ ، فتأتيها.
﴿ وَمَنِ ٱبْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ ﴾ ، يقول: ممن اخترت من نسائك أن تأتيها فعلت، فقال: ﴿ ذَلِكَ أَدْنَىٰ أَن تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلاَ يَحْزَنَّ ﴾ على ترك القسم إذا علمن أن الله قد جعل لك ذلك حلالا، وأنزل فيهن الآية، ﴿ وَيَرْضَيْنَ بِمَآ آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ ﴾ ، إذا علمن أن الرخصة جاءت من الله - - له، كان أطيب لأنفسهن، وأقل لحزنهن من ترك ذلك.
وقال بعضهم: إن أزواج رسول الله اللاتي كن تحته خشين أن يطلقهن؛ فقلن: يا رسول الله، اقسم لنا من نفسك ومالك ما شئت ولا تطلقنا؛ فنزل: ﴿ تُرْجِي مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ ﴾ ، أي: تعتزل من تشاء منهن أن تعتزل بغير طلاق، ﴿ وَتُؤْوِيۤ إِلَيْكَ ﴾ ، أي: ترد وتضم من تشاء منهن إليك؛ ﴿ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكَ ﴾ .
وقال بعضهم: الآية في ترك نكاح ما أباح له من القرابات من يشاء منهن، وفي الإقدام على نكاح من يشاء منهن؛ لأنه على أثر ذلك ذكر، يقول: ﴿ تُرْجِي مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ ﴾ ، يعني: من بنات العم والعمة والخال والخالة، فلا تزوجها، ﴿ وَتُؤْوِيۤ إِلَيْكَ ﴾ ، أي: تضم إليك من تشاء منهن فتزوجها.
فنقول: خير الله رسوله في نكاح القرابة؛ فذلك قوله: ﴿ وَمَنِ ٱبْتَغَيْتَ ﴾ منهن فتزوجها، و ﴿ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكَ ﴾ ، أي: لا حرج عليك في ذلك؛ ﴿ ذَلِكَ أَدْنَىٰ ﴾ ، يقول: أجدر وأحرى وأقرب ﴿ أَن تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ ﴾ ، أي: النساء اللاتي عندك واخترتهن، ﴿ وَلاَ يَحْزَنَّ ﴾ إذا علمن ألا تتزوج عليهن، ويرضين بما آتيتهن كلهن من النفقة، وكان في نفقتهن قلة.
وجائز أن يكون قوله: ﴿ ذَلِكَ أَدْنَىٰ أَن تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلاَ يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَآ آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ ﴾ ، ذلك حين خيرهن رسول الله بين اختيار الدنيا وزينتها، وبين اختيار رسول الله والدار الآخرة؛ فاخترن رسول الله، يقول - والله أعلم -: إذا اخترن المقام عند رسول الله والدار الآخرة، فاخترن رسول الله ﴿ ذَلِكَ أَدْنَىٰ أَن تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلاَ يَحْزَنَّ ﴾ عن قلة النفقة والجماع، ﴿ وَيَرْضَيْنَ بِمَآ آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ ﴾ من النفقة وغيره.
﴿ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قلُوبِكُمْ ﴾ ، من الحب والرضا، ﴿ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً حَلِيماً ﴾ .
وقوله: ﴿ لاَّ يَحِلُّ لَكَ ٱلنِّسَآءُ مِن بَعْدُ ﴾ .
اختلف في قوله: ﴿ مِن بَعْدُ ﴾ .
قال قائلون: من بعد اختيارهن رسول الله والدار الآخرة؛ لأن الله لما خيرهن بين اختيار الدنيا وزينتها، وبين اختيار رسول الله والدار الآخرة، فاخترن رسول الله والدار الآخرة قصره الله عليهن، فقال: ﴿ لاَّ يَحِلُّ لَكَ ٱلنِّسَآءُ مِن بَعْدُ ﴾ أي: من بعد اختيارهن المقام معك.
﴿ وَلاَ أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلاَّ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ ﴾ : فإن كان على هذا فيخرج الحظر والمنع مخرج الجزاء لهنّ والمكافآت؛ لما اخترنه على الدنيا وما فيها؛ لئلا يشرك غيرهن في قَسْمِهِنَّ منه.
وروي عن عائشة - ا - أنها قالت: اشترطنا على رسول الله لما اخترناه والدار الآخرة: ألا يتزوج علينا، ولا يبدل بنا من أزواج.
ثم استثنى ما ملكت يمينه؛ لأنه لا حظ لهن في القسم.
وقال بعضهم: قوله: ﴿ لاَّ يَحِلُّ لَكَ ٱلنِّسَآءُ مِن بَعْدُ ﴾ ، أي: من بعد المسلمات: كتابيات لا يهوديات ولا نصرانيات: ألا يتزوج يهودية ولا نصرانية؛ فتكون من أمّهات المؤمنين، ﴿ إِلاَّ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ ﴾ أي: لا بأس أن تشتري اليهودية والنصرانية؛ فإن كان على هذا، ففيه حظر الكتابيات لرسول الله لما ذكر خاصّة، وأمّا المؤمنون: فإنه أباح لهم نكاح الكتابيات؛ بقوله: ﴿ وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكُمْ ﴾ ؛ فيكون حل الكتابيات للمؤمنين دون النبي بإزاء الزيادة والفضل الذي كان يحل لرسول الله.
وقال بعضهم: قوله: ﴿ لاَّ يَحِلُّ لَكَ ٱلنِّسَآءُ مِن بَعْدُ ﴾ ، أي: من بعد المذكورات المحللات له في الآية التي قبل هذه الآية من بنات العم والعمات وبنات الخال والخالات؛ يقول: لا يحل لك من النساء سوى من ذكر أن تتزوجهن عليهن، ولا تبديلهن، ﴿ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلاَّ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ ﴾ ، والله أعلم.
وقوله: ﴿ لاَّ يَحِلُّ لَكَ ﴾ أن تتزوج عليهن بعد اختيارهن لك والدار الآخرة على الدنيا وما فيها من الزينة.
أو أن يكون على التحريم نفسه في الحكم، وليس لنا أن نفسّر أي تحريم أراد؟
تحريم الحظر والمنع في الخلق، أو تحريم الحكم؛ لأن ذلك كان لرسول الله ، وقد كان عرفه أنه ما أراد بذلك، والاشتغال به فضل.
والتبديل بهن يحتمل في التطليق: يطلقهن، فيتزوج غيرهن.
ويحتمل بالموت: إذا متن - أيضاً - لم يحل له أن ينكح غيرهن، والله أعلم.
قال أبو عوسجة: ﴿ تُرْجِي مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ ﴾ ، أي: تحبس من تشاء منهن ولا تقربها.
وقال القتبي: ﴿ تُرْجِي ﴾ ، أي: تؤخر؛ يقال: أرجيت الأمر، وأرجأته، وكذلك قالوا في قوله: ﴿ أَرْجِهْ وَأَخَاهُ ﴾ ، قال بعضهم: احسبه.
وقال بعضهم: أخره.
وقوله: ﴿ وَتُؤْوِيۤ إِلَيْكَ ﴾ ، أي: تضم.
وقوله: ﴿ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ رَّقِيباً ﴾ ، أي: حفيظاً، وقيل: شاهداً.
<div class="verse-tafsir"
يا أيها الذين آمنوا بالله وعملوا بما شرعه لهم، إذا عقدتم على المؤمنات عقد نكاح، ثم طلقتموهن من قبل الدخول بهنّ فما لكم عليهن من عدة، سواء كانت بالأقْراء أو الشهور؛ للعلم ببراءة أرحامهن بعدم البناء بهنّ، ومتعوهنّ بأموالكم حسب وسعكم؛ جَبْرًا لخواطرهنّ المنكسرة بالطلاق، وخلّوا سبيلهنّ ينطلقن إلى أهليهنّ دون إيذاء لهن.
<div class="verse-tafsir" id="91.b30wD"
نزل قبل هذه الآية قوله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا ﴾ .
نزلت هذه الآية في زينب بنت جحش وهي بنت عمته ، أميمة بنت عبد المطلب، وقد خطبها الرسول على مولاه زيد بن حارثة فأبت وأبى أخوها عبد الله بن جحش فنزلت آية: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ ﴾ إلخ، فلما نزلت الآية قالا رضينا يا رسول الله، فأنكحها إياه، وساق عنه إليها مهرها ستين درهمًا وخمارًا وملحفة ودرعًا وإزارًا وخمسين مدًا من طعام وثلاثين صاعًا من تمر (كذا يروى).
فنحن نرى من جهة أن زينب كانت بنت عمة النبي ، ربيت تحت نظره، وشملها من عنايته ما يشمل البنت من والدها لأوَّل الأمر، حتى أنه اختارها لمولاه زوجة مع إبائها وإباء أخيها، وعد إباءها هذا عصيانًا، ولا زالت كذلك حتى نزل في شأنها قرآن فكأنه أرغمها على زواجه لما ألهمه الله من المصلحة لها وللمسلمين في ذلك، ولو كان للجمال سلطان على قلبه لكان أقوى سلطانه عليه جمال البكر في روائه ونضرة حدته، وقد كان يراها، ولم يكن بينه وبينها حجاب، ولا يخفى عليه شيء من محاسنها الظاهرة، ولكنه لم يرغب لنفسه، ورغبها لمولاه، فكيف يمتد نظره إليها ويصيب قلبه سهم حبها بعد أن صارت زوجة لعبد من عبيده أنعم عليه بالعتق والحرية؟.
لم يعرف فيما يغلب على مألوف البشر أن تعظم شهوة القريب وولعه بالقريب إلى أن تبلغ حد العشق -خصوصًا إذا كان عشيرة منذ صغره- بل المألوف زهادة الأقرباء بعضهم في بعض متى تعود بعضهم النظر إلى بعض من بداية السن إلى أن يبلغ حدًا منه يجول فيه نظرة الشهوة، فكيف نظن أو نتوهم أن النبي الذي يقول الله له ﴿ وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ ﴾ يخالف مألوف العادة ثم يخالف أمر الله في ذلك؟
أم كيف يخطر بالبال أن من عصم الله قلبه عن كل دنيئة يغلب عليه سلطان شهوة في بنت عمته بعد أن زوجها بنفسه لعبد من عبيده؟
ومن وجهة أخرى نرى أن النبي -وهو الرؤوف الرحيم- لم يبال بإباء زينب ورغبتها عن زيد، وقد كان لا يخفى عليه أن نفور قلب المرأة من زوجها مما تسوء معه العشرة وتفسد به شؤون المعيشة، فما كان له وهو سيد المصلحين أن يرغم امرأة على الاقتران برجل وهي لا ترضاه مع ما في ذلك من الضرر الظاهر بكل من الزوجين، لا ريب أننا نجد من ذلك هاديًا إلى وجه الحق في فهم الآية التي نحن بصدد تفسيرها.
ذلك أن التصاق الأدعياء بالبيوت واتصالهم بأنسابها كان أمرًا تدين به العرب، وتعده أصلًا يرجع إليه في الشرف والحسب، وكانوا يعطون الدعي جميع حقوق الابن ويجرون عليه وله جميع الأحكام التي يعتبرونها للابن حتى في الميراث وحرمة النسب، وهي عقيدة جاهلية رديئة أراد الله محوها بالإسلام حتى لا يعرف من النسب إلا الصريح، ولا يجري من أحكامه إلا ما له أساس صحيح، لهذا أنزل الله ﴿ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ ﴾ ، ثم قال: ﴿ ادْعُوهُمْ لِآَبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ ﴾ إلخ.
فهذا هو العدل الإلهي أن لا ينال حق الابن إلا من يكون ابنًا، أما المتبني واللصيق فلا يكون له إلا حق المولى والأخ في الدين، فحرم الله على المسلمين أن ينسبوا الدعي لمن تبناه، وحظر عليهم أن يقتطعوا له شيئًا من حقوق الابن لا قليلًا ولا كثيرًا، وشدد الأمر حتى قال: ﴿ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ فهو يعفو عن اللفظة تصدر من غير قصد بأن يقول الرجل لآخر: هذا ابني، أو ينادي شخص آخر بمثل ذلك، لا عن قصد التبني، ولكنه لا يعفو عن العمد من ذلك، الذي يقصد منه الالصاق بتلك اللحمة كما كان معروفًا من قبل.
مضت سنة الله في خلقه أن ما رسخ في النفس بحكم العادة لا يسهل عليها التفصي منه، ولا يقدر على ذلك إلا من رفعه الله فوق العادات، واعتقه من رق الشهوات، وجعل همته فوق المألوفات، فلا يطيبه إلا الحق ولا يحكم عليه إلْفٌ، ولا يغلبه عرف، ذلك هو النبي ومن يختصه الله بالتأسي به.
لهذا كان الأمر إذا نهى الله عن مكروه -كانت الجاهلية عليه- أو أحل شيئًا -كانت الجاهلية تحرمه- بادر النبي إلى امتثال النهي بالكف عن المنهي عنه والإتيان بضده وسارع إلى تنفيذ الأمر بإتيان الأمور به حتى يكون قدوة حسنة ومثالًا صالحًا تحاكيه النفوس، وتحتذيه الهمم، وحتى يخف وزر العادة، وتخلص العقول من ريب الشبهة.
نادى في حجة الوداع بحرمة الربا، وأول ربا وضعه ربا عمه العباس حتى يرى الناس صنيعه بأقرب الناس إليه وأكرمهم عليه فيسهل عليهم ترك ما لهم وتنقطع وساوس الشيطان من صدورهم.
على هذا السنن الإلهي كان عمل النبي في أمر زينب.
كبر على العرب أن يفصلوا عن أهلهم من ألصقوه بأنسابهم من أدعيائهم كما دل عليه قوله تعالى: ﴿ وَتَخْشَى النَّاسَ ﴾ إلخ، فعمد النبي -على سنته- إلى خرق العادة بنفسه، وما كان ينبغي له ولا من مقتضى الحكمة أن يكلف أحد الأدعياء الأباعد أن يتزوج ثم يأمره بالطلاق ثم يأمر من كان قد تبناه أن يتزوج مطلقته ففي ذلك من المشقة مع تحكم العادة وتمكن الاشمئزاز من النفوس ما لا يخفى على أحد، فألهمه الله أن يتولى الأمر بنفسه في أحد عتقائه لتسقط العادة بالفعل كما ألغى حكمها بالقول الفاصل.
لهذا أرغم النبي زينب أن تتزوج بزيد، وهو مولاه وصفيه، والنبي يجد في نفسه أن هذا الزواج مقدمة لتقرير شرع وتنفيذ حكم إلهي، وبعد أن صارت زينب إلى زيد لم يلن إباؤها الأول ولم يسلس قيادها بل شمخت بأنفها وذهبت تؤذي زوجها وتفخر عليه بنسبها وبأنها أكرم منه عرقًا، وأصرح منه حرية لأنه لم يجر عليها رق كما جرى عليه، فاشتكى منها إلى رسول الله المرة بعد المرة، فيطلب منه الاستمرار في تنفيذ حكم الله، ولا يعجل، فكان يقول لزيد: ﴿ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ ﴾ إلى أن غلب أمر الله على أمر الأنفة وسمح لزيد بطلاقها بعد أن مضه العيش معها، ثم تزوجها بعد ذلك رسول الله ليمزق حجاب تلك العادة ويكسر ذلك الباب الذي كان مغلقًا دون مخالفتها، كما قال ﴿ لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا ﴾ وأكد ذلك بالتصريح في نفي الشبهة بقوله: ﴿ مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا ﴾ هذه هي الرواية الصحيحة والقولة الراجحة.
ذكر الله نبيه بما وقع منه ليزيده تثبيتًا على الحق، وليدفع عنه ما حاك في صدور ضعاف العقول ومرضى القلوب فقال ﴿ وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ ﴾ بالإسلام ﴿ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ ﴾ بالعتق والحرية والاصطفاء بالولاية والمحبة وتزويجه بنت عمتك، وتعظه عندما كان يشكو إليك من إيذاء زوجه ﴿ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ ﴾ واخشه في أمرها فإن الطلاق يشينها وقد يؤذي قلبها، وراع حق الله في نفسك أيضًا فربما لا تجد بعدها خيرًا منه - تقول ذلك وأنت تعلم أن الطلاق لابد منه لما ألهمك الله أن تتمثل أمره بنفسك لتكون أسوة لمن معك ولمن يأتي بعدك وإنما غلبك في ذلك الحياء وخشية أن يقولوا تزوج محمد مطلقة متبناه، فأنت في هذا ﴿ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ ﴾ من الحكم لذي ألهمك ﴿ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ ﴾ الذي أمرك بذلك كله ﴿ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا ﴾ أي حاجة بالزواج ﴿ زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا ﴾ لترتفع الوحشة من نفوس المؤمنين ولا يجدوا في أنفسهم حرجًا من أن يتزوجوا نساءكن من قبل زوجات لأدعيائهم ﴿ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا ﴾ .
وأما ما رووه من أن النبي مر ببيت زيد وهو غائب فرأى زينب فوقع منها في قلبه شيء فقال: سبحان مقلب القلوب، فسمعت التسبيحة فنقلتها إلى زيد فوقع في قلبه أن يطلقها، إلخ ما حكوه، فقد قال الإمام أبو بكر ابن العربي إنه لا يصح وإن الناقلين له، المحتجين به على مزاعمهم في فهم الآية لم يقدروا مقام النبوة حق قدره، ولم تصب عقولهم من معنى العصمة كنهها، وأطال في ذلك.
واذكر من كلامه ما يؤيد ما ذكرنا في شان هذه الروايات، قال، بعد الكلام في عصمة النبي وطهارته من العيب في زمن الجاهلية وبعد أن جاء الإسلام: "وقد مهدنا لك روايات كلها ساقطة الأسانيد وإنما الصحيح منها ما روي عن عائشة أنها قالت: لو كان النبي كاتمًا شيئًا من الوحي لكتم هذه الآية ﴿ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ ﴾ يعني بالإسلام ﴿ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ ﴾ فاعتقته ﴿ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ ﴾ إلى قوله: ﴿ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا ﴾ ، وإن رسول الله لما تزوجها قالوا تزوج حليلة ابنه فأنزل الله ﴿ مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ ﴾ الآية وكان رسول الله تبناه وهو صغير فلبث حتى صار رجلًا يقال له زيد بن محمد، فأنزل الله ﴿ ادْعُوهُمْ لِآَبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ ﴾ يعني إنه أعدل عند الله.
قال القاضي وما وراء هذه الآية غير معتبر، فأما قولهم إن النبي رآها فوقعت في قلبه فباطل، فإنه كان معها في كل وقت وموضع، ولم يكن حينئذ حجاب، فكيف تنشأ معه وينشأ معها ويلحظها في كل ساعة ولا تقع في قلبه إلا إذا كان لها زوج، وقد وهبته نفسها وكرهت غيره فلم يخطر ذلك بباله، فكيف يتجدد هوى لم يكن؟
حاشا لذلك القلب المطهر من هذه العلاقة الفاسدة، وقد قال : ﴿ وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ﴾ والنساء افتن الزهرات وأنشر الرياحين، ولم يخالف هذا في المطلقات فكيف في المنكوحات المحبوسات؟!
"ثم ساق الكلام في تفسير الآية على حسب ما صح في الواقعة" ولولا خوف التطويل لنقلت كلامه بحروفه.
سبحان الله!
كيف ساغ لقوم مسلمين أن يعتقدوا بمثل هذه الروايات وقد علموا أن الله لم يدع لنبيه أن يعرض عن ابن أم مكتوم ويتصدى لصناديد قريش طمعًا في إسلامهم حتى عاتبه على ذلك في قوله: ﴿ عَبَسَ وَتَوَلَّى ﴾ إلخ الآيات، مع أنه لم ينصرف عن الأعمى إلا لانشغاله بما كان يعده في نفسه خيرًا للدين، ولم يكن رغبة في جاه، ولا شرهًا إلى مال، ولا طموحًا إلى لذة؟
فلو صحت الرواية التي زعموها في شأن زينب لكان العتاب على تلك التسبيحة بمسمع من زينب، ثم على الزواج بعد الطلاق كما أشار إليه في قصة داود .
وما كان محمد في علو مقامه ورفعة منزلته من النبوة لتطمح نفسه إلى التلذذ ببنت عمته وزوجة مولاه، ولا أن يسمعها ما يدل على شغفه بها، ولا أن تضعف عزيمته عن قَمع شهوته وكبح جماحها، وما كان رب محمد يعلل شهوته ويرفعه من هواه فيما يخالف أمره وهو الذي نهاه أن يمد عينيه إلى ما متع الله به الناس من زهرة الحياة، ومن زهرتها النساء.
تسامى قدر محمد عن ذلك وتعالى شأن ربه عن هذا علوًا كبيرًا.
أما والله لولا ما أدخل الضعفاء أو المدلسون من مثل هذه الرواية ما خطر ببال مطلع على الآية الكريمة شيء مما يؤمنون إليه، فإن نص الآية ظاهر جلي لا يحتمل معناه التأويل ولا يذهب إلى النفس منه إلا أن العتاب كان على التمهل في الأمر والتريث به، وأن الذي كان يخفيه في نفسه هو ذلك الأمر الإلهي الصادر إليه بأن يهدم تلك العادة المتأصلة في نفوس العرب، وأن يتناول المعول لهدمها بنفسه، كما قدر له أن يهدم أصنامهم بيده لأول مرة عند فتح مكة، وكما هو شأنه في جميع ما نهى عنه من عاداتهم.
وهذا الذي كان يخفيه في نفسه كان الله مبديه بأمره الذي أوحاه إليه في كتابه وبتزويجه زوجة من كانوا يدعونه ابنًا له كما تقدم بيانه، ولم يكن يمنعه عن إبداء ما أبدى الله إلا حياء الكريم، وتؤدة الحليم، مع العلم بأنه سيفعل لا محالة لكن مع معاونة الزمان.
أذكر لطيفة لبعض الأذكياء جرت بمحضر مني وذلك أننا كنا نزور أحد الأساتذة الأمريكانيين في مدينة "بيروت" فجاء في الحديث ذكر قوله تعالى: ﴿ الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ﴾ فقال الأستاذ الأميركي: حتى زينب زوجة زيد بن حارثة -يشير بقوله هذا إلى تلك الحادثة ويعرض بعشقه لزينب- "على ما زعموا" - فقال له صاحبي: سبحان الله!
إنكم تشتغلون بعلوم السموات والأرض ولا تستعملون عقولكم في أقرب الأشياء إليكم مع أنكم في المشهور عنكم من أشد الناس ولعًا بالبحث في الأديان، وإن الله أمر نبيه أن يتزوج زوجة من دعاه ابنًا له ليبين للناس بالفعل أنه ليس كل من لقب بالابن يكون على الحقيقة ابنًا، فإن كان المسيح قد دعي في لسان الانجيل بالبن فليس هذا على الحقيقة وإنما الابن الحقيقي من ولد من أبيه ولادة صحيحة ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ ﴾ والله أعلم.