الآية ٢٢ من سورة سبأ

الإسلام > القرآن > سور > سورة 34 سبأ > الآية ٢٢ من سورة سبأ

قُلِ ٱدْعُوا۟ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ ۖ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍۢ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَلَا فِى ٱلْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍۢ وَمَا لَهُۥ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍۢ ٢٢

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 87 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٢ من سورة سبأ: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٢ من سورة سبأ عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

بين تعالى أنه الإله الواحد الأحد ، الفرد الصمد ، الذي لا نظير له ولا شريك له ، بل هو المستقل بالأمر وحده ، من غير مشارك ولا منازع ولا معارض ، فقال : ( قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله ) أي : من الآلهة التي عبدت من دونه ( لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ) ، كما قال تبارك وتعالى : ( والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير ) [ فاطر : 13 ] .

وقوله : ( وما لهم فيهما من شرك ) أي : لا يملكون شيئا استقلالا ولا على سبيل الشركة ، ( وما له منهم من ظهير ) أي : وليس لله من هذه الأنداد من ظهير يستظهر به في الأمور ، بل الخلق كلهم فقراء إليه ، عبيد لديه .

قال قتادة في قوله : ( وما له منهم من ظهير ) ، من عون يعينه بشيء .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (22) يقول تعالى ذكره: فهذا فعلُنا بولينا ومن أطاعنا، داود وسليمان الذي فعلنا بهما من إنعامنا عليهما النعم التي لا كفاء لها إذ شكرانا، وذاك فعلنا بسبأ الذين فعلنا بهم، إذ بطروا نعمتنا وكذبوا رسلنا وكفروا أيادينا، فقل يا محمد لهؤلاء المشركين بربهم من قومك الجاحدين نعمنا عندهم: ادعوا أيها القوم الذين زعمتم أنهم لله شريك من دونه، فسلوهم أن يفعلوا بكم بعض أفعالنا بالذين وصفنا أمرهم من إنعام أو إياس، فإن لم يقدروا على ذلك فاعلموا أنكم مبطلون؛ لأن الشركة في الربوبية لا تصلح ولا تجوز، ثم وصف الذين يدعون من دون الله فقال: إنهم لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض من خير ولا شر ولا ضر ولا نفع، فكيف يكون إلهًا من كان كذلك.

وقوله (وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ) يقول تعالى ذكره: ولا هم إذ لم يكونوا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض منفردين بملكه من دون الله يملكونه على وجه الشركة، لأن الأملاك في المملوكات لا تكون لمالكها إلا على أحد وجهين: إما مقسومًا، وإما مشاعًا، يقول: وآلهتهم التي يدعون من دون الله لا يملكون وزن ذرة في السماوات ولا في الأرض، لا مشاعًا ولا مقسومًا، فكيف يكون من كان هكذا شريكًا لمن له ملك جميع ذلك.

وقوله (وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ) يقول: وما لله من الآلهة التي يدعون من دونه معين على خلق شيء من ذلك، ولا على حفظه، إذ لم يكن لها ملك شيء منه مشاعًا ولا مقسومًا، فيقال: هو لك شريك من أجل أنه أعان وإن لم يكن له ملك شيء منه.

وبنحو الذي قلنا فى ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله ( قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ ) يقول: ما لله من شريك في السماء ولا في الأرض (وَمَا لَهُ مِنْهُمْ) من الذين يدعون من دون الله (مِنْ ظَهِيرٍ) من عون بشيء.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير .قوله تعالى : قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله أي هذا الذي مضى ذكره من أمر داود وسليمان وقصة سبأ من آثار قدرتي ، فقل يا محمد لهؤلاء المشركين هل عند شركائكم قدرة على شيء من ذلك .

وهذا خطاب توبيخ ، وفيه إضمار : أي ادعوا الذين زعمتم أنهم آلهة لكم من دون الله لتنفعكم أو لتدفع عنكم ما قضاه الله تبارك وتعالى عليكم ، فإنهم لا يملكون ذلك ، لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير أي ما لله من هؤلاء من معين على خلق شيء ، بل الله المنفرد بالإيجاد ; فهو الذي يعبد ، وعبادة غيره محال .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: { قُلْ } يا أيها الرسول, للمشركين باللّه غيره من المخلوقات, التي لا تنفع ولا تضر, ملزما لهم بعجزها, ومبينا لهم بطلان عبادتها: { ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ } أي: زعمتموهم شركاء للّه, إن كان دعاؤكم ينفع، فإنهم قد توفرت فيهم أسباب العجز, وعدم إجابة الدعاء من كل وجه، فإنهم ليس لهم أدنى ملك فـ { لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ } على وجه الاستقلال, ولا على وجه الاشتراك, ولهذا قال: { وَمَا لَهُمْ } أي: لتلك الآلهة الذين زعمتم { فِيهِمَا } أي: في السماوات والأرض، { مِنْ شِرْكٍ } أي: لا شرك قليل ولا كثير, فليس لهم ملك, ولا شركة ملك.بقي أن يقال: ومع ذلك, فقد يكونون أعوانا للمالك, ووزراء له, فدعاؤهم يكون نافعا, لأنهم - بسبب حاجة الملك إليهم - يقضون حوائج من تعلق بهم، فنفى تعالى هذه المرتبة فقال: { وَمَا لَهُ } أي: للّه تعالى الواحد القهار { مِنْهُمْ } أي: من هؤلاء المعبودين { مِنْ ظَهِيرٍ } أي: معاون ووزير يساعده على الملك والتدبير.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( قل ) يا محمد لكفار مكة ( ادعوا الذين زعمتم ) أنهم آلهة ) ( من دون الله ) وفي الآية حذف ، أي : ادعوهم ليكشفوا الضر الذي نزل بكم في سني الجوع ، ثم وصفها فقال : ( لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ) من خير وشر ونفع وضر ) ( وما لهم ) أي : للآلهة ) ( فيهما ) في السماوات والأرض ) ( من شرك ) شركة ) ( وما له ) أي : وما لله ) ( منهم من ظهير ) عون .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«قل» يا محمد لكفار مكة «ادعوا الذين زعمتم» أي زعمتموهم آلهة «من دون الله» أي غيره لينفعوكم بزعمكم قال تعالى فيهم: «لا يملكون مثقال» وزن «ذرة» من خير أو شر «في السماوات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك» شركة «وما له» تعالى «منهم» من الآلهة «من ظهير» معين.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

قل -أيها الرسول- للمشركين: ادعوا الذين زعمتموهم شركاء لله فعبدتموهم من دونه من الأصنام والملائكة والبشر، واقصدوهم في حوائجكم، فإنهم لن يجيبوكم، فهم لا يملكون وزن نملة صغيرة في السموات ولا في الأرض، وليس لهم شِرْكة فيهما، وليس لله من هؤلاء المشركين معين على خلق شيء، بل الله -سبحانه وتعالى- هو المتفرد بالإيجاد، فهو الذي يُعْبَدُ وحده، ولا يستحق العبادة أحد سواه.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم نجد السورة الكريمة بعد ذلك ، تلقن النبى صلى الله عليه وسلم الحجج التى تؤيد ما هو عليه من حق وصدق ، وتزهق ما عليه أعداؤه من باطل وكذب .

.

فتقول : ( قُلِ ادعوا الذين زَعَمْتُمْ .

.

.

.

العزيز الحكيم ) .والأمر بالدعاء فى قوله - سبحانه - : ( قُلِ ادعوا الذين زَعَمْتُمْ مِّن دُونِ الله ) للتوبيخ والتعجيز .

ومفعولا ( زَعَمْتُمْ ) مخذوفان .أى : قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المزعومة بعد ذلك فى قوله - تعالى - : ( لاَ يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السماوات وَلاَ فِي الأرض .

.

) .أى : هؤلاء الشركاء لا يملكون شيئا ما قل أو كثر لا فى السماوات ولا فى الأرض ، بل الذى بملك كل شئ ، هو الله - تعالى - وحده .فالجملة الكريمة مستأنفة لبيان حال هذه الآية ، وللكشف عن حقيقتها .والتعبير بعدم ملكيتهم لمثقال ذرة ، المقصود به أنهم لا يملكون شيئا على الإِطلاق ، لأن مثقال الذرة أقل ما تصور فى الحقارة والقلة .وذكر - سبحانه - السماوات والأرض لقصد التعميم ، إذ هما محل الموجودات الخارجية .أى : لا يملكون شيئا ما فى هذا الكون العلوى والسفلى .وبعد أن نفى عن الشركاء الملكية الخالصة لأى شئ فى هذا الكون ، أتبع ذلك بنفى ملكيتهم لشئ ولو على سبيل المشاركة ، فقال - تعالى - : ( وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِّن ظَهِيرٍ ) .أى : أن هؤلاء الذين زعمتموهم شركاء لله - تعالى - فى العبادة ، لايمكون شيئا ما فى هذا الكون ملكية خاصة ، ولا يملكون شيئا ما - أيضا - على سبيل المشاركة لغيرهم .

وليس لله - تعالى - أحد يعينه أو يظاهره فيما يريد من إيجاد أو إعدام ، بل الأمر كله إليه وحده .فأنت ترى أن الآية الكريمة قد نفت عن تلك الآلهة المزعومة ، ملكية أى شئ فى هذا الكون ، سواء أكانت ملكية خالصة ، أم ملكية على سبيل المشاركة ، وأثبتت أن المالك والمتصرف فى هذا الكون إنما هو الله - تعالى - وحده ، دون أن يكون فى حاجة إلى عون من تلك الآلهة أو من غيرها .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

لما بين الله تعالى حال الشاكرين وحال الكافرين وذكرهم بمن مضى عاد إلى خطابهم وقال لرسوله صلى الله عليه وسلم قل للمشركين ادعوا الذين زعمتم من دون الله ليكشفوا عنكم الضر على سبيل التهكم ثم بين أنهم لا يملكون شيئاً بقوله: ﴿ لاَ يَمْلِكُونَ مِثُقَالَ ذَرَّةٍ فِي السموات وَلاَ فِي الأرض ﴾ .

واعلم أن المذاهب المفضية إلى الشرك أربعة أحدها: قول من يقول الله تعالى خلق السماء والسماويات وجعل الأرض والأرضيات في حكمهم، ونحن من جملة الأرضيات فنعبد الكواكب والملائكة التي في السماء فهم آلهتنا والله إلههم، فقال الله تعالى في إبطال قولهم: إنهم لا يملكون في السموات شيئاً كما اعترفتم، قال ولا في الأرض على خلاف ما زعمتم.

وثانيها: قول من يقول السموات من الله على سبيل الاستبداد والأرضيات منه ولكن بواسطة الكواكب فإن الله خلق العناصر والتركيبات التي فيها بالاتصالات والحركات والطوالع فجعلوا لغير الله معه شركاً في الأرض والأولون جعلوا الأرض لغيره والسماء له، فقال في إبطال قولهم: ﴿ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ ﴾ أي الأرض كالسماء لله لا لغيره، ولا لغيره فيها نصيب.

وثالثها: قول من قال: التركيبات والحوادث كلها من الله تعالى لكن فوض ذلك إلى الكواكب، وفعل المأذون ينسب إلى الآذن ويسلب عن المأذون فيه، مثاله إذا ملك لمملوكه اضرب فلاناً فضربه يقال في العرف الملك ضربه ويصح عرفاً قول القائل ما ضرب فلان فلاناً، وإنما الملك أمر بضربه فضرب، فهؤلاء جعلوا السماويات معينات لله فقال تعالى في إبطال قولهم: ﴿ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مّن ظَهِيرٍ ﴾ ما فوض إلى شيء شيئاً، بل هو على كل شيء حفيظ ورقيب.

ورابعها: قول من قال إنا نعبد الأصنام التي هي صور الملائكة ليشفعوا لنا فقال تعالى في إبطال قولهم: ﴿ وَلاَ تَنفَعُ الشفاعة عِندَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ ﴾ فلا فائدة لعبادتكم غير الله فإن الله لا يأذن في الشفاعة لمن يعبد غيره فبطلبكم الشفاعة تفوتون على أنفسكم الشفاعة وقوله: ﴿ حتى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ ﴾ أي أزيل الفزع عنهم، يقال قرد البعير إذا أخذ منه القراد ويقال لهذا تشديد السلب، وفي قوله تعالى: ﴿ حتى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُواْ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُواْ الحق ﴾ وجوه: أحدها: الفزع الذي عند الوحي فإن الله عندما يوحي يفزع من في السموات، ثم يزيل الله عنهم الفزع فيقولون لجبريل عليه السلام ماذا قال الله؟

فيقول قال الحق أي الوحي.

وثانيها: الفزع الذي من الساعة وذلك لأن الله تعالى لما أوحى إلى محمد عليه السلام فزع من في السموات من القيامة لأن إرسال محمد عليه السلام من أشراط الساعة، فلما زال عنهم ذلك الفزع قالوا ماذا قال الله قال جبريل ﴿ الحق ﴾ أي الوحي.

وثالثها: هو أن الله تعالى يزيل الفزع وقت الموت عن القلوب فيعترف كل أحد بأن ما قال الله تعالى هو الحق فينفع ذلك القول من سبق ذلك منه، ثم يقبض روحه على الإيمان المتفق عليه بينه وبين الله تعالى، ويضر ذلك القول من سبق منه خلافه فيقبض روحه على الكفر المتفق بينه وبين الله تعالى: إذا علمت هذا فنقول على القولين الأولين قوله تعالى: ﴿ حتى ﴾ غاية متعلقة بقوله تعالى: ﴿ قُلْ ﴾ لأنه بينه بالوحي لأن قول القائل قل لفلان للإنذار حتى يسمع المخاطب ما يقوله، ثم يقول بعد هذا الكلام ما يجب قوله فلما قال: ﴿ قُلْ ﴾ فزع من في السموات، ثم أزيل عنه الفزع، وعلى الثالث متعلق بقوله تعالى: ﴿ زَعَمْتُمْ ﴾ أي زعمتم الكفر إلى غاية التفزيع، ثم تركتم ما زعمتم وقلتم قال الحق، وعلى القولين الأولين فاعل قوله تعالى: ﴿ قَالُواْ مَاذَا ﴾ هو الملائكة السائلون من جبريل، وعلى الثالث الكفار السائلون من الملائكة والفاعل في قوله: ﴿ الحق ﴾ على القولين الأولين هم الملائكة، وعلى الثالث هم المشركون.

واعلم أن الحق هو الموجود ثم إن الله تعالى لما كان وجوده لا يرد عليه عدم كان حقاً مطلقاً لا يرتفع بالباطل الذي هو العدم والكلام الذي يكون صدقاً يسمى حقاً، لأن الكلام له متعلق في الخارج بواسطة أنه متعلق بما في الذهن، والذي في الذهن متعلق بما في الخارج فإذا قال القائل جاء زيد يكون هذا اللفظ تعلقه بما في ذهن القائل وذهن القائل تعلقه بما في الخارج لكن للصدق متعلق يكون في الخارج فيصير له وجود مستمر وللكذب متعلق لا يكون في الخارج، وحينئذ إما أن لا يكون له متعلق في الذهن فيكون كالمعدوم من الأول وهو الألفاظ التي تكون صادرة عن معاند كاذب، وإما أن يكون له متعلق في الذهن على خلاف ما في الخارج فيكون اعتقاداً باطلاً جهلاً أو ظناً لكن لما لم يكن لمتعلقه متعلق يزول ذلك الكلام ويبطل، وكلام الله لا بطلان له في أول الأمر كما يكون كلام الكاذب المعاند ولا يأتيه الباطل كما يكون كلام الظان، وقوله تعالى: ﴿ وَهُوَ العلي الكبير ﴾ قد ذكرنا في تفسير قوله تعالى: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ الله هُوَ الحق وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الباطل وَأَنَّ الله هُوَ العلي الكبير  ﴾ أن ﴿ الحق ﴾ إشارة إلى أنه كامل لا نقص فيه فيقبل نسبة العدم، وفوق الكاملين لأن كل كامل فوقه كامل فقوله: ﴿ وَهُوَ العلي الكبير ﴾ إشارة إلى أنه فوق الكاملين في ذاته وصفاته، وهذا يبطل القول بكونه جسماً وفي حيز، لأن كل من كان في حيز فإن العقل يحكم بأنه مشار إليه وهو مقطع الإشارة لأن الإشارة لو لم تقع إليه لما كان المشار إليه هو، وإذا وقعت الإشارة إليه فقد تناهت الإشارة عنده، وفي كل موقع تقف الإشارة بقدر العقل على أن يفرض البعد أكثر من ذلك فيقول لو كان بين مأخذ الإشارة والمشار إليه أكثر من هذا البعد لكان هذا المشار إليه أعلى فيصير عليه بالإضافة لا مطلقاً وهو علي مطلقاً ولو كان جسماً لكان له مقدار، وكل مقدار يمكن أن يفرض أكبر منه فيكون كبيراً بالنسبة إلى غيره لا مطلقاً وهو كبير مطلقاً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ قُلِ ﴾ لمشركي قومك ﴿ ادعوا الذين ﴾ عبدتموهم من دون الله من الأصنام والملائكة وسميتموهم باسمه كما تدعون الله.

والتجئوا إليهم فيما يعروكم كما تلتجؤون إليه.

وانتظروا استجابتهم لدعائكم ورحمتهم كما تنتظرون وأن يستجيب لكم ويرحمكم، ثم أجاب عنهم بقوله: ﴿ لاَ يَمْلِكُونَ مِثُقَالَ ذَرَّةٍ ﴾ من خير أو شرّ، أو نفع أو ضرّ ﴿ فِى السماوات وَلاَ فِي الأرض وَمَا لَهُمْ ﴾ في هذين الجنسين من شركة في الخلق ولا في الملك، كقوله تعالى: ﴿ مَّا أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السموات والأرض ﴾ [الكهف: 51] وماله منهم من عوين يعينه على تدبير خلقه، يريد: أنهم على هذه الصفة من العجز والبعد عن أحوال الربوبية، فكيف يصحّ أن يُدْعوا كما يدعى ويُرجوا كما يرجى، فإن قلت: أين مفعولا زعم؟

قلت: أحدهما الضمير المحذوف الراجع منه إلى الموصول.

وأمّا الثاني فلا يخلو إمّا أن يكون ﴿ مِن دُونِ الله ﴾ أو ﴿ لاَّ يَمْلِكُونَ ﴾ أو محذوفاً فلا يصحّ الأول، لأنّ قولك: هم من دون الله، لا يلتئم كلاماً، ولا الثاني، لأنهم ما كانوا يزعمون ذلك، فكيف يتكلمون بما هو حجة عليهم؛ وبما لو قالوه قالوا ما هو حق وتوحيد؟

فبقي أن يكون محذوفاً تقديره: زعمتموهم آلهة من دون الله فحذف الراجع إلى الموصول كما حذف في قوله: ﴿ أهذا الذى بَعَثَ الله رَسُولاً ﴾ [الفرقان: 41] استخفافاً، لطول الموصول لصلته، وحذف آلهة لأنه موصوف صفته ﴿ مِن دُونِ الله ﴾ والموصوف يجوز حذفه وإقامة الصفة مقامه إذا كان مفهوماً، فإذاً مفعولا زعم محذوفان جميعاً بسببين مختلفين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ قُلِ ﴾ لِلْمُشْرِكِينَ.

﴿ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ ﴾ أيْ زَعَمْتُمُوهم آلِهَةً، وهُما مَفْعُولا زَعَمَ حُذِفَ الأوَّلُ لِطُولِ المَوْصُولِ بِصِلَتِهِ والثّانِي لِقِيامِ صِفَتِهِ مَقامَهُ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ هو مَفْعُولَهُ الثّانِيَ لِأنَّهُ لا يَلْتَئِمُ مَعَ الضَّمِيرِ كَلامًا ولا ﴿ لا يَمْلِكُونَ ﴾ لِأنَّهم لا يَزْعُمُونَهُ.

﴿ مِن دُونِ اللَّهِ ﴾ والمَعْنى ادْعُوهم فِيما يُهِمُّكم مِن جَلْبِ نَفْعٍ أوْ دَفْعِ ضُرٍّ لَعَلَّهم يَسْتَجِيبُونَ لَكم إنْ صَحَّ دَعْواكم، ثُمَّ أجابَ عَنْهم إشْعارًا بِتَعَيُّنِ الجَوابِ وأنَّهُ لا يَقْبَلُ المُكابَرَةَ فَقالَ: ﴿ لا يَمْلِكُونَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ ﴾ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ.

﴿ فِي السَّماواتِ ولا في الأرْضِ ﴾ في أمْرٍ ما وذَكَرَهُما لِلْعُمُومِ العُرْفِيِّ، أوْ لِأنَّ آلِهَتَهم بَعْضُها سَماوِيَّةٌ كالمَلائِكَةِ والكَواكِبِ وبَعْضُها أرْضِيَّةٌ كالأصْنامِ، أوْ لِأنَّ الأسْبابَ القَرِيبَةَ لِلشَّرِّ والخَيْرِ سَماوِيَّةٌ وأرْضِيَّةٌ والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ حالِهِمْ.

﴿ وَما لَهم فِيهِما مِن شِرْكٍ ﴾ مِن شَرِكَةٍ لا خَلْقًا ولا مَلَكًا.

﴿ وَما لَهُ مِنهم مِن ظَهِيرٍ ﴾ يُعِينُهُ عَلى تَدْبِيرِ أمْرِهِما.

﴿ وَلا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ ﴾ فَلا يَنْفَعُهم شَفاعَةٌ أيْضًا كَما يَزْعُمُونَ إذْ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَ اللَّهِ.

﴿ إلا لِمَن أذِنَ لَهُ ﴾ أذِنَ لَهُ أنْ يَشْفَعَ، أوْ أذِنَ أنْ يَشْفَعَ لَهُ لِعُلُوِّ شَأْنِهِ ولَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ، واللّامُ عَلى الأوَّلِ كاللّامِ في قَوْلِكَ: الكَرْمُ لِزَيْدٍ وعَلى الثّانِي كاللّامِ في قَوْلِكَ: جِئْتُكَ لِزَيْدٍ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِضَمِّ الهَمْزَةِ.

﴿ حَتّى إذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ ﴾ غايَةً لِمَفْهُومِ الكَلامِ مِن أنَّ ثُمَّ تَوَقُّفًا وانْتِظارًا لِلْإذْنِ أيْ: يَتَرَبَّصُونَ فَزِعِينَ حَتّى إذا كُشِفَ الفَزَعُ عَنْ قُلُوبِ الشّافِعِينَ والمَشْفُوعِ لَهم بِالإذْنِ، وقِيلَ الضَّمِيرُ لِلْمَلائِكَةِ وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم ضِمْنًا.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ويَعْقُوبُ ( فَزَّعَ ) عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ.

وقُرِئَ «فُرِّغَ» أيْ نُفِيَ الوَجَلُ مِن فَرَغَ الزّادُ إذا فَنِيَ.

﴿ قالُوا ﴾ قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ.

﴿ ماذا قالَ رَبُّكُمْ ﴾ في الشَّفاعَةِ.

﴿ قالُوا الحَقَّ ﴾ قالُوا قالَ القَوْلَ الحَقَّ وهو الإذْنُ بِالشَّفاعَةِ لِمَنِ ارْتَضى وهُمُ المُؤْمِنُونَ، وقُرِئَ بِالرَّفْعِ أيْ مَقُولُهُ الحَقُّ.

﴿ وَهُوَ العَلِيُّ الكَبِيرُ ﴾ ذُو العُلُوِّ والكِبْرِياءِ لَيْسَ لِمَلَكٍ ولا نَبِيَّ مِنَ الأنْبِياءِ أنْ يَتَكَلَّمَ ذَلِكَ اليَوْمَ إلّا بِإذْنِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{قُلْ} لمشركي قومك {ادعوا الذين زَعَمْتُمْ مّن دُونِ الله} أي زعمتموهم آلهة من دون الله فالمفعول الأول الضمير الراجع إلى الموصول وحذف كما حذف في قوله أهذا الذى بعث الله رسولا استخفافاً لطول الموصول بصلته والمفعول الثاني آلهة وحذف لأنه موصوف صفته مِن دُونِ الله والموصوف يجوز حذفه وإقامة الصفة مقامه إذا كان مفهوماً فإذاً مفعولا زعم محذوفان بسببين مختلفين والمعنى ادعوا

سبأ (٢٤ - ٢٢)

الذين عبدتموهم من دون الله من الأصنام والملائكة وسميتموهم والتجؤا إليهم فيما يعروكم كما تلتجئون إليه وانتظروا استجابتهم لدعائكم كما تنتظرون استجابته ثم أجاب عنهم بقوله {لاَ يَمْلِكُونَ مِثُقَالَ ذَرَّةٍ} من خير أو شر أو نفع أو ضر {فِى السماوات وَلاَ فِى الأرض وَمَا لَهُمْ فيهما من شرك} ومالهم في هذين الجنسين من شركة في الخلق ولا في الملك {وَمَا لَهُ} تعالى {مِنْهُمْ} من آلهتهم {مّن ظَهِيرٍ} من عوين يعينه على تدبير خلقه يريد أنهم على هذه الصفة من العجز فكيف يصح أن يدعوا كما يدعي ويرجوا كما يرجى

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ قُلِ ﴾ يا مُحَمَّدُ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ ضُرِبَ لَهُمُ المَثَلَ بِقِصَّةِ سَبَأٍ المَعْرُوفَةِ عِنْدَهم بِالنَّقْلِ في أخْبارِهِمْ وأشْعارِهِمْ تَنْبِيهًا عَلى بُطْلانِ ما هم عَلَيْهِ وتَبْكِيتًا لَهم ﴿ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ ﴾ أيْ زَعَمْتُمُوهم آلِهَةً، كَذا قَدَّرَهُ الجُمْهُورُ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ مَفْعُولٌ أوَّلُ وآلِهَةٌ مَفْعُولٌ ثانٍ، وحُذِفَ الأوَّلُ تَخْفِيفًا لِأنَّ الصِّلَةَ والمَوْصُولَ بِمَنزِلَةِ اِسْمٍ واحِدٍ فَهُناكَ طُولٌ يُطْلَبُ تَخْفِيفُهُ، والثّانِي لِأنَّ صِفَتَهُ أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ مِن دُونِ اللَّهِ ﴾ سَدَّتْ مَسَدَّهُ فَلا يَلْزَمُ إجْحافٌ بِحَذْفِهِما مَعًا، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿ مِن دُونِ اللَّهِ ﴾ هو المَفْعُولُ الثّانِي، إذْ لا يَتِمُّ بِهِ مَعَ الضَّمِيرِ الكَلامُ ولا يَلْتَئِمُ النِّظامُ، فَأيُّ مَعْنًى مُعْتَبَرٍ لَهم مَن دُونِ اللَّهِ عَلى أنَّ في جَوازِ حَذْفِ أحَدِ مَفْعُولَيْ هَذا البابِ اِخْتِصارًا خِلافًا ومَن أجازَهُ قالَ هو قَلِيلٌ في كَلامِهِمْ، وكَذا لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لا يَمْلِكُونَهُ لِأنَّ ما زَعَمُوهُ لَيْسَ كَوْنُهم غَيْرَ مالِكِينَ بَلْ خِلافَهُ، ولَيْسَ ذَلِكَ أيْضًا بِزَعْمٍ بِالمَعْنى الشّائِعِ لَوْ سُلِّمَ أنَّهُ صَدَرَ مِنهم بَلْ حَقٌّ، وقالَ اِبْنُ هِشامٍ: الأوْلى أنْ يُقَدَّرَ زَعَمْتُمْ أنَّهم آلِهَةٌ لِأنَّ الغالِبَ عَلى (زَعَمَ) أنْ لا يَقَعَ عَلى المَفْعُولَيْنِ الصَّرِيحَيْنِ بَلْ عَلى ما يَسُدُّ مَسَدَّهُما مِن أنْ وصِلَتِهِما ولَمْ يَقَعْ في التَّنْزِيلِ إلّا كَذَلِكَ أيْ فالأنْسَبُ أنْ يُوافِقَ المُقَدَّرُ المُصَرَّحَ بِهِ في التَّنْزِيلِ.

ورُجِّحَ تَقْدِيرُ الجُمْهُورِ بِأنَّهُ أبْعَدَ عَنْ لُزُومِ الإجْحافِ، والأمْرُ لِلتَّوْبِيخِ والتَّعْجِيزِ أيِ اُدْعُوهم فِيما يُهِمُّكم مِن دَفْعِ ضُرٍّ أوْ جَلْبِ نَفْعٍ، لَعَلَّهم يَسْتَجِيبُونَ لَكم إنْ صَحَّ دَعْواكُمْ، رُوِيَ أنَّ ذَلِكَ نَزَلَ عِنْدَ الجُوعِ الَّذِي أصابَ قُرَيْشًا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يَمْلِكُونَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ في مَوْقِعِ الجَوابِ ولَمْ يُمْهِلْهم لِيُجِيبُوا إشْعارًا بِتَعَيُّنِهِ فَإنَّهُ لا يَقْبَلُ المُكابَرَةَ، وجُوِّزَ تَقْدِيرُ ثُمَّ أجِبْ عَنْهم قائِلًا لا يَمْلِكُونَ الخ، وهو مُتَضَمِّنٌ بَيانَ حالِ الآلِهَةِ في الواقِعِ وأنَّهم إذا لَمْ يَمْلِكُوا مِقْدارَ ذَرَّةٍ أيْ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ ونَفْعٍ وضُرٍّ كَيْفَ يَكُونُونَ آلِهَةً تُعْبَدُ.

﴿ فِي السَّماواتِ ولا في الأرْضِ ﴾ أيْ في أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ، وذَكَرَ السَّماواتِ والأرْضَ لِلتَّعْمِيمِ عُرْفًا، فَيُرادُ بِهِما جَمِيعُ المَوْجُوداتِ، وهَذا كَما يُقالُ المُهاجِرُونَ والأنْصارُ ويُرادُ جَمِيعُ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم فَلا يُتَوَهَّمُ أنَّهم يَمْلِكُونَ في غَيْرِهِما، ويَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ ذِكْرَهُما لِأنَّ بَعْضَ آلِهَةِ المُخاطَبِينَ سَماوِيَّةٌ كالمَلائِكَةِ والكَواكِبِ وبَعْضَها أرْضِيَّةٌ كالأصْنامِ، فالمُرادُ نَفْيُ قُدْرَةِ السَّماوِيِّ مِنهم عَلى أمْرٍ سَماوِيٍّ، والأرْضِيِّ عَلى أمْرٍ أرْضِيٍّ، ويُعْلَمُ نَفْيُ قُدْرَتِهِ عَلى غَيْرِهِ بِالطَّرِيقِ الأوْلى، أوْ لِأنَّ الأسْبابَ القَرِيبَةَ لِلْخَيْرِ والشَّرِّ سَماوِيَّةٌ وأرْضِيَّةٌ، فالمُرادُ نَفْيُ قُدْرَتِهِمْ بِشَيْءٍ مِنَ الأسْبابِ القَرِيبَةِ، فَكَيْفَ بِغَيْرِها.

﴿ وما لَهُمْ ﴾ أيْ لِآلِهَتِهِمْ ﴿ فِيهِما مِن شِرْكٍ ﴾ أيْ شَرِكَةِ ما لا خَلْقًا ولا مُلْكًا ولا تَصَرُّفًا ﴿ وما لَهُ ﴾ أيْ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿ مِنهُمْ ﴾ أيْ مِن آلِهَتِهِمْ ﴿ مِن ظَهِيرٍ ﴾ أيْ مُعِينٍ يُعِينُهُ سُبْحانَهُ في تَدْبِيرِ أمْرِهِما ﴿ ولا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ ﴾ أيْ لا تُوجَدُ رَأْسًا كَما في قَوْلِهِ: عَلى لاحِبٍ لا يَهْتَدِي بِمَنارِهِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مَن ذا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلا بِإذْنِهِ ﴾ وإنَّما عُلِّقَ النَّفْيُ بِنَفْعِها دُونَ وُقُوعِها تَصْرِيحًا بِنَفْيِ ما هو غَرَضُهم مِن وُقُوعِها.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا لِمَن أذِنَ لَهُ ﴾ اِسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ عَلى ما اِخْتارَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، و(مَن) عِبارَةٌ عَنِ الشّافِعِ واللّامُ الدّاخِلَةُ عَلَيْهِ لِلِاخْتِصاصِ مِثْلُها في الكَرَمِ لِزَيْدٍ ولامُ (لَهُ) صِلَةُ (أذِنَ)، والمُرادُ نَفْيُ شَفاعَةِ آلِهَتِهِمْ لَهم لَكِنْ ذُكِرَ ذَلِكَ عَلى وجْهٍ عامٍّ لِيَكُونَ طَرِيقًا بُرْهانِيًّا أيْ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ أوْ كائِنَةً لِمَن كانَتْ إلّا كائِنَةً لِشافِعٍ أذِنَ لَهُ فِيها مِنَ النَّبِيِّينَ والمَلائِكَةِ ونَحْوِهِمْ مِنَ المُسْتَأْهِلِينَ لِمَقامِ الشَّفاعَةِ، ومِنَ البَيِّنِ أنَّهم لا يُؤْذَنُ لَهم في الشَّفاعَةِ لِلْكُفّارِ فَقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ لا يَتَكَلَّمُونَ إلا مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وقالَ صَوابًا  ﴾ والشَّفاعَةُ لَهم بِمَعْزِلٍ عَنِ الصَّوابِ وعَدَمُ الإذْنِ لِلْأصْنامِ أبْيَنُ وأبْيَنُ فَتَبَيَّنَ حِرْمانُ هَؤُلاءِ الكَفَرَةِ مِنها بِالكُلِّيَّةِ، أوْ (مِن) عِبارَةٌ عَنِ المَشْفُوعِ لَهُ، واللّامُ الدّاخِلَةُ عَلَيْهِ لِلتَّعْلِيلِ ولامُ (لَهُ) صِلَةُ (أذِنَ) أيْ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إلّا كائِنَةً لِمَشْفُوعٍ أذِنَ لَهُ أيْ لِشَفِيعِهِ عَلى الإضْمارِ لِأنَّ المَشْفُوعَ لَمْ يَصْدُرْ عَنْهُ فِعْلٌ حَتّى يُؤْذَنَ لَهُ فِيهِ أنْ يُشَفِّعَهُ، واخْتارَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنَّ لامَ (لَهُ) لِلتَّعْلِيلِ أيْ إلّا لِمَن وقَعَ الإذْنُ لِلشَّفِيعِ لِأجْلِهِ، ووَجْهُهُ عَلى ما في الكَشْفِ حُصُولُ الإشارَةِ إلى الشّافِعِ والمَشْفُوعِ لِأنَّ المَأْذُونَ لِأجْلِهِ المَشْفُوعِ والمَأْذُونِ الشّافِعِ ولِأنَّ الغَرَضَ بَيانُ مَحَلِّ النَّفْعِ وهو المَشْفُوعُ كانَ التَّصْرِيحُ بِذِكْرِهِ أهَمَّ، ولا يَخْفى أنَّ الوَجْهَ السّابِقَ ظاهِرُ التَّكَلُّفِ فِيهِ الإضْمارُ الَّذِي لا يَقْتَضِيهِ المَقامُ، وحاصِلُ المَعْنى عَلى هَذا لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ مِنَ الشُّفَعاءِ المُسْتَأْهِلِينَ لَها إلّا كائِنَةً لِمَن وقَعَ الإذْنُ لِلشَّفِيعِ لِأجْلِهِ وفي شَأْنِهِ مِنَ المُسْتَحِقِّينَ لِلشَّفاعَةِ وأمّا مَن عَداهم مِن غَيْرِ المُسْتَحِقِّينَ لَها فَلا تَنْفَعُهم أصْلًا وإنْ فُرِضَ وُقُوعِها مِنَ الشُّفَعاءِ إذْ لَمْ يُؤْذَنْ لَهم في شَفاعَتِهِمْ بَلْ في شَفاعَةِ غَيْرِهِمْ، ويَثْبُتُ مِن هَذا حِرْمانُ هَؤُلاءِ الكَفَرَةِ مِن شَفاعَةِ الشُّفَعاءِ المُسْتَأْهِلِينَ لِلشَّفاعَةِ بِعِبارَةِ النَّصِّ وعَنْ شَفاعَةِ الأصْنامِ بِدَلالَتِهِ إذْ حِينَ حُرِمُوها مِن جِهَةِ القادِرِينَ عَلَيْها في الجُمْلَةِ فَلَأنْ يُحْرَمُوها مِن جِهَةِ العَجَزَةِ عَنْها بِالكُلِّيَّةِ أوْلى، وذَهَبَ أبُو حَيّانَ إلى أنَّ الِاسْتِثْناءَ مِن أعَمِّ الذَّواتِ أيْ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ لِأحَدٍ إلّا لِمَن الخ، واسْتَظْهَرَ اِحْتِمالَ أنْ تَكُونَ مِن عِبارَةٍ عَنِ المَشْفُوعِ لَهُ واللّامُ نَظَرًا إلى الظّاهِرِ مُتَعَلِّقَةٌ بِالشَّفاعَةِ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ تَعَلُّقَها بِ تَنْفَعُ.

وتَعَقَّبَهُ بِأنَّهُ لا يَتَعَدّى إلّا بِنَفْسِهِ وقالَ أبُو حَيّانَ فِيهِ: إنِ المَفْعُولَ مُتَأخِّرٌ فَدُخُولُ اللّامِ قَلِيلٌ.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( أُذِنَ ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، فَلَهُ قائِمٌ مَقامَ فاعِلِهِ.

﴿ حَتّى إذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قالُوا ﴾ ماذا ﴿ قالَ رَبُّكم قالُوا الحَقَّ ﴾ صِيغَةُ التَّفْعِيلِ لِلسَّلْبِ كَما في قَرَّدَتِ البَعِيرُ إذا أزالَتْ قُرادَهُ، ومِنهُ التَّمْرِيضُ، فالتَّفْزِيعُ إزالَةُ الفَزَعِ، وهو عَلى ما قالَ الرّاغِبُ اِنْقِباضٌ ونِفارٌ يَعْتَرِي الإنْسانَ مِنَ الشَّيْءِ المُخِيفِ، و( حَتّى ) لِلْغايَةِ واخْتَلَفُوا في المُغَيّا إذْ لَمْ يَكُنْ قَبْلَها ما يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ مُغَيًّا بِحَسَبِ الظّاهِرِ، واخْتَلَفُوا لِذَلِكَ في المُرادِ بِالآيَةِ اِخْتِلافًا كَثِيرًا، فَقِيلَ: هو ما يُفْهَمُ مِن حَدِيثِ الشَّفاعَةِ ويُشِيرُ إلَيْهِ، وذَلِكَ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال عز وجل: قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ يعني: قل لكفار مكة ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أنهم آلهة فيكشفوا عنكم الضر الذي نزل بكم من الجوع.

يعني: الأصنام.

ويقال: الملائكة- عليهم السلام-.

لاَ يَمْلِكُونَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ يعني: نملة صغيرة فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ يعني: إذا كان حالهم هذا، فمن أين جعلوا لهم الشركة في العبادة.

ثم قال: وَما لَهُمْ فِيهِما مِنْ شِرْكٍ يعني: في خلق السموات والأرض من عون.

ويقال: ما لهم فيها من نصيب وَما لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ يعني: معين من الملائكة الذين يعبدونهم.

ثم ذكر أن الملائكة لا يملكون شيئاً من الشفاعة فقال عز وجل: وَلا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ يعني: لا تنفع لأحد لا نبياً ولا ملكاً إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ أن يشفع لأحد من أهل التوحيد.

قرأ نافع وابن كثير وابن عامر في إحدى الروايتين، إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ بالنصب.

يعني: حتى يأذن الله عز وجل له.

قرأ الباقون.

بالضم على فعل ما لم يسم فاعله.

ومعناه: مثل الأول.

ثم أخبر عن خوف الملائكة أنهم إذا سمعوا الوحي خرّوا سجداً من مخافة الله عز وجل، وكيف يعبدون من هذه حاله وكذلك قوله: حَتَّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ وذلك أن أهل السموات لم يكونوا سمعوا صوت الوحي بين عيسى ومحمد- عليهما السلام-، فسمعوا صوتاً كوقع الحديد على الصفا فخروا سجداً مخافة القيامة وذلك صوت الوحي.

ويقال: صوت نزول جبريل-  - فخروا سجداً مخافة القيامة فهبط جبريل-  - على أهل كل سماء فذلك قوله: حَتَّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ.

وذكر عن بعض أهل اللغة أنه قال: إذا كانت حتى موصولة بإذا تكون بمعنى لما، تقع موقع الابتداء كقوله عز وجل: وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَاباً مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (14) [الحجر: 14] كقوله: حَتَّى إِذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ [الأنبياء: 96] حَتَّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ [سبأ: 23] يعني: لما فزع عن قلوبهم.

ومعناه: انجلاء الفزع عن قلوبهم، فقاموا عن السجود، وسأل بعضهم بعضاً قالُوا مَاذَا قالَ رَبُّكُمْ يعني: ماذا قال جبريل-  - عن ربكم قالُوا الْحَقَّ يعني: الوحي.

قال: حدّثنا الفقيه أبو الليث رحمه الله.

قال: حدّثنا الخليل بن أحمد.

قال: حدّثنا الدبيلي.

قال: حدّثنا أبو عبد الله.

قال: حدّثنا سفيان عن عمرو بن دينار عن عكرمة عن أبي هريرة عن النبيّ  أنه قال: «إذَا قَضَى الله فِي السَّمَاءِ أمْراً ضَرَبَتِ المَلائِكَةُ بِأَجْنِحَتِهَا خَضَعَاناً لِقَوْلِهِ، وَسُمِعَ لذلك صَوْتٌ كَأنَّهَا سلْسِلَةٌ عَلَى صَفْوَانٍ فَإِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قالُوا مَاذَا قالَ رَبُّكُمْ قالُوا الْحَقَّ الَّذِي قَالَ: فَسِيحي الشَّيَاطِينُ بَعْضُهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ.

فَإِذَا سَمِعَ الأَعْلَى مِنْهُمُ الْكَلِمَةَ، رَمَى بِهَا إلَى الذي تَحْتَهُ وَرُبَّما أدْرَكَهُ الشِّهَابُ قَبْلَ أنْ يَنْبِذَهَا وَرُبَّمَا نَبَذَهَا قَبْلَ أنْ تُدْرِكَهُ، فَيَنْبِذَهَا، بَعْضُهُمْ إلَى بَعْضٍ حَتَّى تَنْتَهِيَ إلَى الأرْضِ، فَتُلْقَى عَلَى لِسَانِ الْكَاهِنِ وَالسَّاحِرِ، فَيَكْذِبُ مَعَهَا مِائَةَ كِذْبَةٍ، فَيُصَدِّقُ فَيَقُولُ، ألَيْسَ قَدْ أخْبَرَ بِكَذَا وَكَذَا، وَكَانَ حَقّاً وَهِيَ الْكَلِمَةُ الَّتِي سَمِعَ مِنَ السَّمَاءِ» .

قرأ ابن عامر حَتَّى إِذا فُزِّعَ بنصب الفاء والزاي يعني: كشف الله الفزع.

وقرأ الباقون: بضم الفاء على معنى ما لم يسم فاعله.

وقرأ الحسن حَتَّى إِذا فُزِّعَ بالواو والغين يعني: فرغ الفزع عن قلوبهم.

وقراءة العامة بالزاي أي خفف عنها الفزع.

وقال مجاهد: معناه حتى إذا كشف عنها الغطاء يوم القيامة ثم قال: وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ يعني: هو أعلى وأعظم وأجلّ من أن يوصف له شريك.

<div class="verse-tafsir"

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ ﴾ المَعْنى: قُلْ لِلْكُفّارِ: ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أنَّهم آلِهَةٌ لِيُنْعِمُوا عَلَيْكم بِنِعْمَةٍ، أوْ يَكْشِفُوا عَنْكم بَلِيَّةً.

ثُمَّ أخْبَرَ عَنْهم فَقالَ: ﴿ لا يَمْلِكُونَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ ﴾ أيْ: مِن خَيْرٍ وشَرٍّ ونَفْعٍ وضُرٍّ ﴿ وَما لَهم فِيهِما مِن شِرْكٍ ﴾ لَمْ يُشارِكُونا في شَيْءٍ مِن خَلْقِهِما، ﴿ وَما لَهُ ﴾ أيْ: وما لِلَّهِ ﴿ مِنهُمْ ﴾ أيْ: مِنَ الآلِهَةِ ﴿ مِن ظَهِيرٍ ﴾ أيْ: مِن مُعِينٍ عَلى شَيْءٍ.

﴿ وَلا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إلا لِمَن أذِنَ لَهُ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: " أذِنَ لَهُ " بِفَتْحِ الألِفِ.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ: " أُذِنَ لَهُ " بِرَفْعِ الألِفِ.

وعَنْ عاصِمٍ كالقِراءَتَيْنِ.

أيْ: لا تَنْفَعُ شَفاعَةُ مَلَكٍ ولا نَبِيٍّ حَتّى يُؤْذَنَ لَهُ في الشَّفاعَةِ، وقِيلَ: حَتّى يُؤْذَنَ لَهُ فِيمَن يَشْفَعُ.

وفي هَذا رَدٌّ عَلَيْهِمْ حِينَ قالُوا: إنَّ هَذِهِ الآلِهَةَ تَشْفَعُ لَنا.

﴿ حَتّى إذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ ﴾ قَرَأ الأكْثَرُونَ: " فُزِّعَ " بِضَمِّ الفاءِ وكَسْرِ الزّايِ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: خُفِّفَ عَنْها الفَزَعُ.

وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ: كُشِفَ الفَزَعُ عَنْ قُلُوبِهِمْ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، ويَعْقُوبُ، وأبانُ: " فَزَعَ " بِفَتْحِ الفاءِ والزّايِ، والفِعْلُ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ.

وقَرَأ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، وابْنُ يَعْمَرَ: " فَرَغَ " بِالرّاءِ غَيْرَ مُعْجَمَةٍ، وبِالغَيْنِ مُعْجَمَةً، وهو بِمَعْنى الأوَّلِ، لِأنَّها فَرَغَتْ مِنَ الفَزَعِ.

وقالَ غَيْرُهُ: بَلْ فَرَغَتْ مِنَ الشَّكِّ والشِّرْكِ.

وَفِي المُشارِ إلَيْهِمْ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُمُ المَلائِكَةُ.

وقَدْ دَلَّ الكَلامُ عَلى أنَّهم يَفْزَعُونَ لِأمْرٍ يَطْرَأُ عَلَيْهِمْ مِن أمْرِ اللَّهِ، ولَمْ يَذْكُرْهُ في الآيَةِ، لِأنَّ إخْراجَ الفَزَعِ يَدُلُّ عَلى حُصُولِهِ.

وفي سَبَبِ فَزَعِهِمْ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهم يَفْزَعُونَ لِسَماعِ كَلامِ اللَّهِ تَعالى.

رَوى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  قالَ: " «إذا تَكَلَّمَ اللَّهُ بِالوَحْيِ سَمِعَ أهْلُ السَّماءِ صَلْصَلَةً كَجَرِّ السِّلْسِلَةِ عَلى الصَّفا، فَيُصْعَقُونَ، فَلا يَزالُونَ كَذَلِكَ حَتّى يَأْتِيَهم جِبْرِيلُ، فَإذا جاءَهم جِبْرِيلُ فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ، فَيَقُولُونَ: يا جِبْرِيلُ: ماذا قالَ رَبُّكَ؟

قالَ: فَيَقُولُ: الحَقَّ، فَيُنادُونَ: الحَقُّ الحَقُّ "» ورَوى أبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ  أنَّهُ قالَ: " «إذا قَضى اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ الأمْرَ في السَّماءِ ضَرَبَتِ المَلائِكَةُ بِأجْنِحَتِها خُضْعانًا لِقَوْلِهِ، كَأنَّهُ سِلْسِلَةٌ عَلى صَفْوانٍ، فَإذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قالُوا: ماذا قالَ رَبُّكُمْ، قالُوا: لِلَّذِي قالَ الحَقَّ ﴿ وَهُوَ العَلِيُّ الكَبِيرُ ﴾ "» والثّانِي: أنَّهم يَفْزَعُونَ مِن قِيامِ السّاعَةِ.

وفي السَّبَبِ الَّذِي ظَنُّوهُ بِدُنُوِّ السّاعَةِ فَفَزِعُوا، قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ لَمّا كانَتِ الفَتْرَةُ الَّتِي بَيْنَ عِيسى ومُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِما وسَلَّمَ، ثُمَّ بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا، أنْزَلَ اللَّهُ جِبْرِيلَ بِالوَحْيِ، فَلَمّا نَزَلَ ظَنَّتِ المَلائِكَةُ أنَّهُ نَزَلَ بِشَيْءٍ مِن أمْرِ السّاعَةِ، فَصُعِقُوا لِذَلِكَ، فَجَعَلَ جِبْرِيلُ يَمُرُّ بِكُلِّ سَماءٍ ويَكْشِفُ عَنْهُمُ الفَزَعَ ويُخْبِرُهم أنَّهُ الوَحْيُ، قالَهُ قَتادَةُ، ومُقاتِلٌ، وابْنُ السّائِبِ.

وقِيلَ: لَمّا عَلِمُوا بِالإيحاءِ إلى مُحَمَّدٍ  ، فَزِعُوا، لِعِلْمِهِمْ أنَّ ظُهُورَهُ مِن أشْراطِ السّاعَةِ.

والثّانِي: أنَّ المَلائِكَةَ المُعَقِّباتِ الَّذِينَ يَخْتَلِفُونَ إلى أهْلِ الأرْضِ ويَكْتُبُونَ أعْمالَهم إذا أرْسَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى فانْحَدَرُوا، يُسْمَعُ لَهم صَوْتٌ شَدِيدٌ، فَيَحْسَبُ الَّذِينَ هم أسْفَلُ مِنهم مِنَ المَلائِكَةِ أنَّهُ مَن أمْرِ السّاعَةِ، فَيَخِرُّونَ سُجَّدًا، ويَصْعَقُونَ حَتّى يَعْلَمُوا أنَّهُ لَيْسَ مِن أمْرِ السّاعَةِ، وهَذا كُلَّما مَرُّوا عَلَيْهِمْ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ الَّذِي أُشِيرَ إلَيْهِمُ المُشْرِكُونَ؛ ثُمَّ في مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّ المَعْنى: حَتّى إذا كُشِفَ الفَزَعُ عَنْ قُلُوبِ المُشْرِكِينَ عِنْدَ المَوْتِ- إقامَةً لِلْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ- قالَتْ لَهُمُ المَلائِكَةُ: ماذا قالَ رَبُّكم في الدُّنْيا؟

قالُوا: الحَقَّ، فَأقَرُّوا حِينَ لَمْ يَنْفَعْهُمُ الإقْرارُ، قالَهُ الحَسَنُ، وابْنُ زَيْدٍ.

والثّانِي: حَتّى إذا كُشِفَ الغِطاءُ عَنْ قُلُوبِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ، قِيلَ لَهُمْ: ماذا قالَ رَبُّكُمْ؟

قالَهُ مُجاهِدٌ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إبْلِيسُ ظَنَّهُ فاتَّبَعُوهُ إلا فَرِيقًا مِنَ المُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ وَما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِن سُلْطانٍ إلا لِنَعْلَمَ مِن يُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ مِمَّنْ هو مِنها في شَكٍّ ورَبُّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ ﴾ ﴿ قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِن دُونِ اللهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ في السَماواتِ ولا في الأرْضِ وما لَهم فِيهِما مِن شِرْكٍ وما لَهُ مِنهم مِن ظَهِيرٍ ﴾ قَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: "وَلَقَدْ صَدَقَ" بِتَخْفِيفِ الدالِّ "إبْلِيسُ" رَفْعًا "ظَنَّهُ" بِالنَصْبِ عَلى المَصْدَرِ، وقِيلَ: عَلى الظَرْفِيَّةِ، أيْ: في ظَنِّهِ، وقِيلَ: عَلى المَفْعُولِ، عَلى مَعْنى أنَّهُ لَمّا ظَنَّ عَمِلَ عَمَلًا يُصَدِّقُ بِهِ ذَلِكَ الظَنَّ، فَكَأنَّهُ إنَّما أرادَ أنْ يَصْدُقَ ظَنُّهُ، وهَذا نَحْوُ قَوْلِكَ: "أخْطَأْتُ ظَنِّي وأصَبْتُ ظَنِّي".

وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "صَدَّقَ" بِتَشْدِيدِ الدالِّ، و"الظَنُّ" - عَلى هَذا - مَفْعُولٌ بِـ"صَدَّقَ"، وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، وطَلْحَةَ، [ وعاصِمٍ ] والأعْمَشِ.

وقَرَأ الزُهْرِيُّ، وأبُو الهَجْهاجِ، وبِلالُ بْنُ أبِي بُرْدَةَ: "صَدَقَ" بِتَخْفِيفِ الدالِّ "إبْلِيسَ" نَصْبًا "ظَنُّهُ" رَفْعًا.

وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "صَدَقَ" بِتَخْفِيفِ الدالِّ "إبْلِيسُ" بِالرَفْعِ "ظَنُّهُ" بِالرَفْعِ عَلى البَدَلِ، وهو بَدَلُ الِاشْتِمالِ.

ومَعْنى الآيَةِ أنَّ ما قالَ إبْلِيسُ مِن أنَّهُ سَيَفْتِنُ بَنِي آدَمَ ويُغْوِيهِمْ، وما قالَ مِن أنَّ اللهَ لا يَجِدُ أكْثَرَهم شاكِرِينَ، وغَيْرِ ذَلِكَ كانَ ظَنًّا مِنهُ وصَدَقَ فِيهِمْ، وأخْبَرَ اللهُ تَعالى عنهم أنَّهُمُ اتَّبَعُوهُ وهو اتِّباعٌ في كُفْرٍ؛ لِأنَّهُ في قِصَّةِ قَوْمٍ كُفّارٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِمَّنْ هو مِنها في شَكٍّ ﴾ يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، و"مِنَ" في قَوْلِهِ: ﴿ "مِنَ المُؤْمِنِينَ" ﴾ لِبَيانِ الجِنْسِ لا لِلتَّبْعِيضِ؛ لِأنَّ التَبْعِيضَ يَقْتَضِي أنَّ فَرِيقًا مِنَ المُؤْمِنِينَ اتَّبَعَ إبْلِيسَ.

و"السُلْطانُ": الحُجَّةُ، وقَدْ يَكُونُ الِاسْتِعْلاءَ والِاسْتِقْدارَ؛ إذِ اللَفْظُ مِنَ التَسَلُّطِ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: واللهِ ما كانَ لَهُ سَوْطٌ ولا سَيْفٌ ولَكِنَّهُ اسْتَمالَهم فَمالُوا بِتَزْيِينِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا لِنَعْلَمَ ﴾ أيْ: لِنَعْلَمَهُ مَوْجُودًا؛ لِأنَّ العِلْمَ بِهِ مُتَقَدِّمٌ أوَّلًا.

وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "إلّا لِيَعْلَمَ" بِالياءِ عَلى المَجْهُولِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ ﴾ آيَةُ تَعْجِيزٍ وإقامَةِ حُجَّةٍ، ويُرْوى أنَّ ذَلِكَ نَزَلَ عِنْدَ الجُوعِ الَّذِي أصابَ قُرَيْشًا.

والجُمْهُورُ عَلى "قُلُ ادْعُوا" بِضَمِّ اللامِ، ورَوى عَبّاسٌ عن أبِي عَمْرٍو: "قُلِ ادْعُوا" بِكَسْرِ اللامِ "الَّذِينَ" يُرِيدُ المَلائِكَةَ والأصْنامَ؛ وذَلِكَ أنَّ قُرَيْشًا والعَرَبَ كانَ مِنهم مَن يَعْبُدُ المَلائِكَةَ، ومِنهم مَن يَقُولُ: نَعْبُدُها لِتَشْفَعَ لَنا، ونَحْوَ هَذا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ مُعْجِزَةً لِكُلٍّ مِنهم.

ثُمَّ جاءَ بِصِفَةِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَدْعُونَهم آلِهَةً، مِن أنَّهم لا يَمْلِكُونَ مِلْكَ الِاخْتِراعِ مِثْقالَ ذَرَّةٍ في السَماءِ ولا في الأرْضِ، وأنَّهم لا شِرْكَ لَهم فِيها، وهَذانِ فِيهِما نَوْعا المِلْكِ: إمّا اسْتِبْدادًا وإمّا مُشارَكَةً، فَنَفى عنهم جَمِيعَ ذَلِكَ، ونَفى أنْ يَكُونَ مِنهم لِلَّهِ مُعِينٌ في شَيْءٍ مِن قُدْرَتِهِ، و"الظَهِيرُ": المُعِينُ.

ثُمَّ تَقَرَّرَ في الآيَةِ بَعْدُ أنَّ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنَّهم يَشْفَعُونَ لَهم لا تَصِحُّ مِنهم شَفاعَةٌ لَهُمْ؛ إذْ هَؤُلاءِ كَفَرَةٌ، ولا يَأْذَنُ اللهُ في الشَفاعَةِ في كافِرٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

كانت قصة سبا قد ضُربت مثلاً وعبرة للمشركين من قريش وكان في أحوالهم مثيل لأحوال المشركين في أمن بلادهم وتيسير أرزاقهم وتأمين سبلهم في أسفارهم مما أشار إليه قوله تعالى: ﴿ أولم نمكن لهم حرماً آمناً تجبى إليه ثمرات كل شيء ﴾ [القصص: 57] وقوله: ﴿ لإيلاف قريش ﴾ [قريش: 1] إلى آخر السورة، ثم فيما قابلوا به نعمة الله بالإِشراك به وكفران نعمته وإفحامهم دعاة الخير الملهَمين من لدنه إلى دعوتهم، فلما تقضى خبرهم لينتقل منه إلى تطبيق العبرة على من قصد اعتبارهم انتقالاً مناسبته بينة وهو أيضاً عَوْد إلى إبطال أقوال المشركين، وسيق لهم من الكلام ما هو فيه توقيف على أخطائهم، وأيضاً فلما جرى من استهواء الشيطان أهل سبا فاتبعوه وكان الشيطان مصدر الضلال وعنصر الإِشراك أعقب ذكره بذكر فروعه وأوليائه.

وافتتح الكلام بأمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يقول لهم ما هو متتابع في بقية هذه الآيات المتتابعة بكلمة ﴿ قل ﴾ فأُمر بالقول تجديداً لِمعنى التبليغ الذي هو مهمة كل القرآن.

والأمر في قوله: ﴿ ادعوا ﴾ مستعمل في التخطئة والتوبيخ، أي استَمِروا على دعائكم.

و ﴿ الذين زعمتم من دون الله ﴾ معناه زعمتموهم أرباباً، فحذف مفعولا الزعم: أما الأول فحذف لأنه ضمير متصل منصوب بفعل قصداً لتخفيف الصلة بمتعلقاتها، وأما الثاني فحذفه لدلالة صفته عليه وهي ﴿ من دون الله ﴾ .

و ﴿ من دون الله ﴾ صفة لمحذوف تقديره: زعمتم أولياء.

ومعنى ﴿ من دون الله ﴾ أنهم مبتدأُون من جانب غيرِ جانب الله، أي زعمتموهم آلهة مبتدئين إياهم من ناحية غير الله لأنهم حين يعبدونهم قد شغلوا بعبادتهم ففرطوا في عبادة الله المستحق للعبادة وتجاوزوا حق إلهيته في أحوال كثيرة وأوقات وفيرة.

وجملة ﴿ لا يملكون ﴾ مبينة لما في جملة ﴿ ادعوا الذين زعمتم ﴾ من التخطئة.

وقد نفي عنهم مِلك أحقر الأشياء وهو ما يساوي ذرّة من السماء والأرض.

والذّرة: بيضة النمل التي تبدو حبيبة صغيرة بيضاء، وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة ﴾ في سورة يونس (61).

والمراد بالسماوات والأرض جوهرهُما وعينُهما لا ما تشتملان عليه من الموجودات لأن جوهرهما لا يدَّعِي المشركون فيه ملكاً لآلهتهم، فالمثقال: إما آلة الثقل فهو اسم للصنوج التي يوزن بها فأطلق على العديل مجازاً مرسلاً، وإما مصدر ميمي سمي به الشيء الذي به التثقيل ثم أطلق على العديل مجازاً، وتقدم المثقال عند قوله: ﴿ وإن كان مثقال حبة من خردل ﴾ في سورة الأنبياء (47).

ومثقال الذرة: ما يعدل الذرة فيثقل به الميزان، أي لا يملكون شيئاً من السماوات ولا في الأرض.

وإعادة حرف النفي تأكيد له للاهتمام به.

وقد نفى أن يكون لآلهتهم ملك مستقل، وأتبع بنفي أن يكون لهم شرك في شيء من السماء والأرض، أي شِرك مع الله كما هو السياق فلم يذكر متعلق الشرك إيجازاً لأنه محل الوفاق.

ثم نفى أن يكون منهم ظهير، أي معين لله تعالى.

وتقدم الظهير في قوله تعالى: ﴿ ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا ﴾ في سورة الإِسراء (88).

وهنا تعين التصريح بالمتعلق ردّاً على المشركين إذ زعموا أن آلهتهم تُقرِّب إليه وتُبَعّد عنه، ثم أتبع ذلك بنفي أن يكون شفيع عند الله يضطره إلى قبول الشفاعة فيمن يشفع له لتعظيم أو حياء.

وقد صرح بالمتعلق هنا أيضاً رداً على قول المشركين ﴿ هؤلاء شفعاؤنا عند الله ﴾ [يونس: 18] فنفيت شفاعتهم في عموم نفي كل شفاعة نافعة عند الله إلا شفاعة من أذن الله أن يشفع.

وفي هذا إبطال شفاعة أصنامهم لأنهم زعموا لهم شفاعة لازمة من صفات آلهتهم لأن أوصاف الإِله يجب أن تكون ذاتية فلما نفى الله كل شفاعة لم يأذن فيها للشافع انتفت الشفاعة المزعومة لأصنامهم.

وبهذا يندفع ما يتوهم من أن قوله: ﴿ إلا لمن أذن له ﴾ لا يبطل شفاعة الأصنام فافهَمْ.

وجاء نظم قوله: ﴿ ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له ﴾ نظماً بديعاً من وفرة المعنى، فإن النفع يجيء بمعنى حصول المقصود من العمل ونجاحه كقول النابغة: ولا حَلِفي على البراءة نافع *** ومنه قوله تعالى: ﴿ لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل ﴾ [الأنعام: 158]، ويجيء بمعنى المساعد الملائم وهو ضد الضار وهو أكثر إطلاقه.

ومنه: دواء نافع، ونفعني فلان.

فالنفع بالمعنى الأول في الآية يفيد القبول من الشافع لشفاعته، وبالمعنى الثاني يفيد انتفاع المشفوع له بالشفاعة، أي حصول النفع له بانقشاع ضر المؤاخذة بذنب كقوله تعالى: ﴿ فما تنفعهم شفاعة الشافعين ﴾ [المدثر: 48].

فلما عبر في هذه الآية بلفظ الشفاعة الصالح لأن يعتبر مضافاً إلى الفاعل أو إلى المفعول احتمل النفع أن يكون نفع الفاعل، أي قبول شفاعته، ونفعَ المفعول، أي قبول شفاعة من شفع فيه.

وتعدية فعل الشفاعة باللام دون (في) ودون تعديته بنفسه زاد صلوحيته للمعنيين لأن الشفاعة تقتضي شافعاً ومشفوعاً فيه فكان بذلك أوفرَ معنىً.

فالاستثناء في قوله: ﴿ إلا لمن أذن له ﴾ استثناء من جنس الشفاعة المنفي بقرينة وجود اللام وليس استثناء من متعلَّق ﴿ تنفع ﴾ لأن الفعل لا يعدّى إلى مفعوله باللام إلا إذا تأخر الفعل عنه فضعف عن العمل بسبب التأخير فلذلك احتملت اللام أن تكون داخلة على الشافع، وأن (مَن) المجرورة باللام صادقة على الشافع، أي لا تقبل شفاعةٌ إلا شفاعة كائنة لمن أذن الله له، أي أذن له بأن يشفع فاللام للملك كقولك: الكرم لزيد، أي هو كريم فيكون في معنى قوله: ﴿ ما لكم من دونه من وليّ ولا شفيع ﴾ [السجدة: 4].

وأن تكون اللام داخلة على المشفوع فيه، و(مَن) صادقة على مشفوع فيه، أي إلا شفاعةً لمشفوع أذن الله الشافعين أن يشفعوا له أي لأجله فاللام للعلة كقولك: قمت لزيد، فهو كقوله تعالى: ﴿ ولا يشفعون إلا لمن ارتضى ﴾ [الأنبياء: 28].

وإنما جيء بنظم هذه الآية على غير ما نُظمت عليه غيرها لأن المقصود هنا إبطال رجائهم أن تشفع لهم آلهتهم عند الله فينتفعوا بشفاعتها، لأن أول الآية توبيخ وتعجيز لهم في دعوتهم الآلهة المزعومة فاقتضت إبطال الدعوة والمدعُوّ.

وقد جمعت الآية نفي جميع أصناف التصرف عن آلهة المشركين كما جمعت نفي أصناف الآلهة المعبودة عند العرب، لأن من العرب صابئة يعبدون الكواكب وهي في زعمهم مستقرة في السماوات تدبر أمور أهل الأرض فأبطل هذا الزعمَ قولُه: ﴿ لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ﴾ ؛ فأما في السماوات فباعترافهم أن الكواكب لا تتصرف في السماوات وإنما تصرفها في الأرض، وأما في الأرض فبقوله: ﴿ ولا في الأرض ﴾ .

ومن العرب عبدة أصنام يزعمون أن الأصنام شركاء لله في الإِلهية فنفي ذلك بقوله: ﴿ وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير ﴾ ، ومنهم من يزعمون أن الأصنام جعلها الله شفعاء لأهل الأرض فنفي ذلك بقوله: ﴿ ولا تنفع الشفاعة عنده ﴾ الآية.

وقرأ الجمهور ﴿ أذن ﴾ بفتح الهمزة وفيه ضمير يعود إلى اسم الجلالة مثل ضمائر الغيبة التي قبله.

وقرأه أبو عمرو وحمزة والكسائي وخلف بضم الهمزة على البناء للنائب.

والمجرور من قوله: ﴿ له ﴾ في موضع نائب الفاعل.

وقوله: ﴿ حتى إذا فزع عن قلوبهم ﴾ ﴿ حتى ﴾ ابتدائية وهي تفيد ارتباط ما بعدها بما قبلها لا محالة فالضمائر التي في الجملة الواقعة بعد ﴿ حتى ﴾ عائدة على ما يصلح لها في الجُمل التي قبلها.

وقد أفادت ﴿ حتى ﴾ الغاية بأصل وضعها وهي هنا غاية لما أفهمه قوله: ﴿ إلا لمن أذن له ﴾ من أن هنالك إذناً يصدر من جانب القدس يأذن الله به ناساً من الأخيار بأن يشفعوا كما جاء تفصيل بعض هذه الشفاعة في الأحاديث الصحيحة وأن الذين يرجون أن يشفع فيهم ينتظرون ممن هو أهل لأن يشفع وهم في فزع من الإِشفاق أن لا يؤذن بالشفاعة فيهم، فإذا أذن الله لمن شاء أن يشفع زال الفزع عن قلوبهم واستبشروا إذ أنه فزع عن قلوب الذين قبلت الشفاعة فيهم، أي وأيس المحرومون من قبول الشفاعة فيهم.

وهذا من الحذف المسمى بالاكتفاء اكتفاء بذكر الشيء عن ذكر نظيره أو ضده، وحسنه هنا أنه اقتصار على ما يسرّ المؤمنين الذين لم يتخذوا من دون الله أولياء.

وقد طويت جمل مِن وراء ﴿ حتى ﴾ ، والتقدير: إلا لمن أذن له ويومئذٍ يبقى الناس مرتقبين الإِذن لمن يشفع، فَزعين من أن لا يؤذن لأحد زمناً ينتهي بوقت زوال الفزع عن قلوبهم حينَ يؤذن للشافعين بأن يشفعوا، وهو إيجاز حذف.

و ﴿ إذا ﴾ ظرف للمستقبل وهو مضاف إلى جملة ﴿ فزع عن قلوبهم ﴾ ومتعلق ب ﴿ قالوا ﴾ .

و ﴿ فزع ﴾ قرأه الجمهور بضم الفاء وكسر الزاي مشددة، وهو مضاعف فزع.

والتضعيف فيه للإِزالة مثل: قشّر العود، ومَرَّض المريض إذا باشر علاجَه، وبُني للمجهول لتعظيم ذلك التفزيع بأنه صادر من جانب عظيم، ففيه جانب الآذن فيه، وجانب المبلغ له وهو الملك.

والتفزيع يحصل لهم بانكشاف إجمالي يلهمونه فيعلمون بأن الله أذن بالشفاعة ثم يتطلبون التفصيل بقولهم: ﴿ ماذا قال ربكم ﴾ ليعلموا من أُذِن له ممن لم يؤذن له، وهذا كما يكَرِّر النظَرَ ويُعَاوِد المطالعَةَ مَن ينتظر القبول، أو هم يتساءلون عن ذلك من شدة الخَشية فإنهم إذا فُزِّع عن قلوبهم تساءلوا لمزيد التحقق بما استبشروا به فيجابون أنه قال الحق.

فضمير ﴿ قالوا ماذا قال ربكم ﴾ عائد على بعض مدلول قوله: ﴿ لمن أذن له ﴾ .

وهم الذين أذن للشفعاء بقبول شفاعتهم منهم وهم يوجهون هذا الاستفهام إلى الملائكة الحافّين، وضمير ﴿ قالوا الحق ﴾ عائد إلى المسؤولين وهم الملائكة.

ويظهر أن كلمة ﴿ الحق ﴾ وقعت حكاية لمقول الله بوصف يجمع متنوع أقوال الله تعالى حينئذٍ من قبول شفاعة في بعض المشفوع فيهم ومن حرمان لغيرهم كما يقال: ماذا قال القاضي للخصم؟

فيقال: قال الفصلَ.

فهذا حكاية لمقول الله بالمعنى.

وانتصاب ﴿ الحق ﴾ على أنه مفعول ﴿ قالوا ﴾ يتضمن معنى الكلام، أي قال الكلام الحق، كقوله: وقصيدةٍ تأتي الملوك غريبة *** قد قلتُها ليقال من ذا قالها هذا هو المعنى الذي يقتضيه نظم الآية ويلتئم مع معانيها.

وقد ذهبت في تفسيرها أقوال كثير من المفسرين طرائق قدداً، وتفرقوا بَدَداً بَدَداً.

و (ذا) من قوله: ﴿ ماذا ﴾ إشارة عوملت معاملة الموصول لأن أصل: ﴿ ماذا قال ﴾ : ما هذا الذي قال، فلما كثر استعمالها بدون ذِكر اسم الموصول قِيل إن (ذا) بعد الاستفهام تصير اسم موصول، وقد يذكر الموصول بعدها كقوله تعالى: ﴿ من ذا الذي يشفع عنده ﴾ [البقرة: 255].

وقرأ ابن عامر ويعقوب ﴿ فزع ﴾ بفتح الفاء وفتح الزاي مشددة بصيغة البناء للفاعل، أي فَزّع الله عن قلوبهم.

وقد ورد في أحاديث الشفاعة عن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري أن الله يقول لآدم: «أخرج بعث النار من ذريتك»، وفي حديث أنس في شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم لأهل المحشر كلهم " ليدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار ".

وفيه أن الأنبياء أبوا أن يشفعوا وأن أهل المحشر أتوا محمداً صلى الله عليه وسلم وأنه استأذن ربه في ذلك فقال له: «سل تُعْطَ واشفع تُشَفّع»، وفي حديث أبي سعيد «أن النبي صلى الله عليه وسلم يشفع لعمه أبي طالب فيجعل في ضحضاح من نار يبلغ كعبيه تغلي منه أم دماغه».

وجملة ﴿ وهو العلي الكبير ﴾ تتمة جواب المجيبين، عطفوا تعظيم الله بذكر صفتين من صفات جلاله، وهما صفة ﴿ العلي ﴾ وصفة ﴿ الكبير ﴾ .

والعلو: علوّ الشأن الشامل لمنتهى الكمال في العلم.

والكبر: العظمة المعنوية، وهي منتهى القدرة والعدل والحكمة، وتخصيص هاتين الصفتين لمناسبة مقام الجواب، أي قد قضى بالحق لكل أحد بما يستحقه فإنه لا يخفى عليه حال أحد ولا يعوقه عن إيصاله إلى حقه عائق ولا يجوز دونه حائل.

وتقدم ذكر هاتين الصفتين في قوله: ﴿ وأن الله هو العلي الكبير ﴾ في سورة الحج (62).

واعلم أنه قد ورد في صفة تلقّي الملائكة الوحي أن من يتلقى من الملائكة الوحي يسأل الذي يبلغه إليه بمثل هذا الكلام كما في حديث أبي هريرة في صحيح البخاري } وغيره: أن نبيء الله صلى الله عليه وسلم قال: " إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خُضْعَاناً لقوله كأنه سلسلة على صفوان فإذا فُزّع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟

قالوا للذي قال الحقّ وهو العلي الكبير " ا ه.

فمعنى قوله في الحديث: قضَى صدَر منه أمر التكوين الذي تتولى الملائكة تنفيذه، وقوله في الحديث: " في السماء " يتعلق ب «قضى» بمعنى أوصل قضاءه إلى السماء حيث مقرّ الملائكة، وقوله: «خُضْعَاناً لقوله» أي خوفاً وخشية، وقوله: ﴿ فزع عن قلوبهم ﴾ أي أزيل الخوف عن نفوسهم.

وفي حديث ابن عباس عند الترمذي " إذا قضى ربنا أمراً سبح له حملة العرش، ثم سبح أهل السماء الذين يلونهم ثم الذين يلونهم " قال: " ثم أهل كل سماء " الحديث.

وذلك لا يقتضي أنه المراد في آية سورة سبأ وإنما هذه صفة تلقي الملائكة أمر الله في الدنيا والآخرة فكانت أقوالهم على سنة واحدة.

وليس تخريج البخاري والترمذي هذا الحديث في الكلام على تفسير سورة سبأ مراداً به أنه وارد في ذلك، وإنما يريد أن من صور معناه ما ذكر في سورة سبأ.

وهذا يغنيك عن الالتجاء إلى تكلفات تعسّفوها في تفسير هذه الآية وتعَلّقها بما قبلها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إلا لِمَن أذِنَ لَهُ ﴾ حَكى الفَرّاءُ فِيهِ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: حَتّى يُؤْذَنَ لَهُ في الشَّفاعَةِ.

الثّانِي: حَتّى يُؤْذَنَ لَهُ فِيمَن يَشْفَعُ لَهُ، ووَجَدْتُ الأوَّلَ قَوْلَ الكَلْبِيِّ والثّانِيَ قَوْلَ مُقاتِلٍ.

﴿ حَتّى إذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ ﴾ فِيهِ سِتَّةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: مَعْناهُ خُلِّيَ عَنْ قُلُوبِهِمُ الفَزَعُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقالَ قُطْرُبٌ: أُخْرِجَ ما فِيها مِنَ الخَوْفِ.

الثّانِي: كُشِفَ عَنْ قُلُوبِهِمُ الغِطاءُ يَوْمَ القِيامَةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: أنَّهُمُ الشَّياطِينُ فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ فَفارَقُوا ما كانُوا عَلَيْهِ مِن إضْلالِ أوْلِيائِهِمْ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

الرّابِعُ: أنَّهم دُعُوا فاسْتَجابُوا مِن قُبُورِهِمْ مَأْخُوذٌ مِنَ الفَزَعِ الَّذِي هو الدُّعاءُ والِاسْتِصْراخُ فَسُمِّيَ الدّاعِي فَزِعًا والمُجِيبُ فَزِعًا، قالَ زُهَيْرٌ إذا فَزِعُوا طارُوا إلى مُسْتَغِيثِهِمْ طِوالُ الرِّماحِ لا قِصارٌ ولا عُزْلُ الخامِسُ: أنَّهُمُ المَلائِكَةُ فَزِعُوا عِنْدَ سَماعِ الوَحْيِ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِانْقِطاعِهِ ما بَيْنَ عِيسى ومُحَمَّدٍ عَلَيْهِما السَّلامُ، وكانَ لِصَوْتِهِ صَلْصَلَةٌ كَوَقْعِ الحَدِيدِ عَلى الصَّفا، فَخَرُّوا عِنْدَهُ سُجُودًا مَخافَةَ القِيامَةِ فَسَألُوا فَقالُوا: ماذا قالَ رَبُّكُمْ؟

قالُوا: الحَقَّ أيِ الوَحْيَ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ كَعْبٍ.

السّادِسُ: وهو تَأْوِيلُ قِراءَةِ الحَسَنِ: حَتّى فُرِّغَ عَنْ قُلُوبِهِمْ بِالغَيْنِ مُعْجَمَةٌ يَعْنِي فُرِّغَ ما فِيها مِنَ الشَّكِّ والشِّرْكِ.

﴿ قالُوا ماذا قالَ رَبُّكُمْ ﴾ أيْ قالَ لَهُمُ المَلائِكَةُ: ماذا قالَ رَبُّكم في الدُّنْيا.

﴿ قالُوا الحَقَّ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يَجِدُوا ما وصَفُوهُ عَنِ اللَّهِ تَعالى حَقًّا.

الثّانِي: أنْ يُصَدِّقُوا بِما قالَهُ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ حَقٌّ.

﴿ وَهُوَ العَلِيُّ الكَبِيرُ ﴾ <div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه ﴿ وما لهم فيهما من شرك ﴾ يقول: ما لله من شريك في السموات ولا في الأرض ﴿ وما له منهم ﴾ قال: من الذين دعوا من دونه ﴿ من ظهير ﴾ يقول: من عون بشيء.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ وما له منهم من ظهير ﴾ يقول: من عون من الملائكة.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله: ﴿ قُلِ ﴾ أي: لكفار مكة.

﴿ ادْعُوا ﴾ استنصروا، واستعينوا كقوله: ﴿ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ  ﴾ .

وقوله: ﴿ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ  ﴾ .

وقوله: ﴿ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ ﴾ أي: الذين زعمتم أنهم آلهة وأنهم ينصرونكم، فأضمر مفعول الزعم، قال المفسرون (١) قال مقاتل: يقول: ادعوهم فليكشفوا عنكم التفسير الذي نزل بكم في سني الجوع (٢) ﴿ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ ﴾ أي: من خير وشر ونفع وضر.

﴿ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ ﴾ يريد: ما شاركونا في شيء من خلقهما.

﴿ وَمَا لَهُ ﴾ وما لله.

﴿ مِنْهُمْ ﴾ من الشركاء والمعبودين.

﴿ مِنْ ظَهِيرٍ ﴾ من معين على شيء.

قال مقاتل: ثم ذكر الملائكة الذين يرجون شفاعتهم.

(١) انظر: "تفسير الطبري" 22/ 88، "بحر العلوم" 3/ 72، "تفسير القرطبي" 14/ 295، "زاد المسير" 6/ 451.

(٢) انظر: "تفسير مقاتل" 99 أ.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ قُلِ ادعوا الذين زَعَمْتُمْ ﴾ تعجيز للمشركين وإقامة حجة عليهم ويعني بالذين زعمتم آلهتهم، ومفعول زعمتم محذوف أي زعمتم أنهم آلهة أو زعمتم أنهم شفعاء، وروي أن ذلك نزل عند الجوع الذي أصاب قريشاً ﴿ مِن شِرْكٍ ﴾ أي نصيب والظهير المعين.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ أذن له ﴾ على البناء للمفعول: أبو عمرو وعي وخلف والأعشى والبرجمي ﴿ فزع علي ﴾ البناء للفاعل: ابن عامر ويعقوب ﴿ جزاء ﴾ بالنصب ﴿ الضعف ﴾ مرفوعاً: يعقوب ﴿ في الغرفة ﴾ على التوحيد: حمزة ﴿ يحشرهم ﴾ ﴿ ثم يقول ﴾ على الغيبة فيهما: حفص ويعقوب.

الباقون: بالنون ﴿ ثم تفكروا ﴾ بتشديد التاء: رويس ﴿ أجري إلا ﴾ بفتح الياء: ابو جعفر ونافع وابن عامر وأبو عمرو وحفص ﴿ ربي إنه ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو: ﴿ التناؤش ﴾ مهموزاً: ابو عمرو وحمزة وخلف وعاصم سوى حفص والشموني والبرجمي.

﴿ حيل ﴾ بضم الحاء وكسر الياء: ابن عامر وعلي ورويس.

الوقوف: ﴿ من دون الله ﴾ ج لاحتمال الجملة بعده حالاً واستئنافاً ﴿ ظهير ﴾ ه ﴿ أذن له ﴾ ط ﴿ الحق ﴾ ط ﴿ الكبير ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ قل الله ﴾ لا لاتصال المقول ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ بالحق ﴾ ط ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ كلا ﴾ ط ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ ولا تستقدمون ﴾ ه ﴿ بين يديه ﴾ ط ﴿ عند ربهم ﴾ ج لأن ما بعده يصلح استئنافاً وحالاً وهذا أوجه ﴿ القول ﴾ ج لمثل ذلك ﴿ مؤمنين ﴾ ه ﴿ مجرمين ﴾ ه ﴿ أنداداً ﴾ ط ﴿ العذاب ﴾ ط ﴿ كفروا ﴾ ط ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ كافرونه ﴾ ه ﴿ بمعذبين ﴾ ه ﴿ لا يعملون ﴾ ه ﴿ صالحاً ﴾ ز أن أولئك مبتدأ مع الفاء ﴿ آمنون ﴾ ه ﴿ محضرون ﴾ ه ﴿ ويقدر له ﴾ ه ﴿ يخلفه ﴾ ج لعطف الجملتين المختلفتين ﴿ الرازقين ﴾ ه ﴿ يعبدون ﴾ ه ﴿ من دونهم ﴾ ج لتنويع الكلام مع اتحاد المقول ﴿ الجن ﴾ ج لذلك ﴿ مؤمنون ﴾ ه ﴿ ضراً ﴾ ط ﴿ تكذبون ﴾ ه ﴿ آباؤكم ﴾ ج للعطف مع طول الكلام والتكرار ﴿ مفترى ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ من نذير ﴾ ه ﴿ نكير ﴾ ه ﴿ بواحدة ﴾ ج لأن ما بعده بدل أو خبر أي هي أن تقوموا ﴿ من جنة ﴾ ط ﴿ شديد ﴾ ه ﴿ لكم ﴾ ط ﴿ الله ﴾ ج ﴿ شهيد ﴾ ه ﴿ بالحق ﴾ ج لاحتمال أن ما بعده بدل من الضمير في يقذف أو خبر أي هو علام ﴿ الغيوب ﴾ ه ﴿ بعيد ﴾ ه ﴿ على نفسي ﴾ ج لعطف جملتي الشرط ﴿ ربي ﴾ ط ﴿ قريب ﴾ ه ﴿ قريب ﴾ لا لأن ما بعده معطوف على ﴿ أخذوا ﴾ : ﴿ آمنا به ﴾ ط لاحتمال كون الجملة الاستفهامية مبتدأ بها أو حالاً ﴿ بعيد ﴾ ه لا للآية ولاحتمال الاستئناف والحال بعده والعامل معنى الفعل في التناوش ﴿ من قبل ﴾ ج للعطف على كفروا بناء على أنه حال ماضية أو للاستئناف اي وهم يقذفون ﴿ بعيد ﴾ ه ﴿ من قبل ﴾ ط ﴿ مريب ﴾ ه.

التفسير: لما فرغ من حكاية أهل الشكر وأهل الكفران تمثيلاً عاد إلى مخاطبة كفار قريش وتقريعهم.

ومفعولاً زعم محذوف أي زعمتموهم آلهة، وسبب حذف الأوّل استحقاق عوده إلى الموصول، وسبب حذف الثاني إقامة الصفة وهي ﴿ من دون الله ﴾ مقام الموصوف.

وتفسير الآية مبني على تفصيل وهو أن مذاهب أهل الشرك أربعة: أحدها قولهم إنا نعبد الملائكة والكواكب التي في السماء فهم آلهتنا والله إلههم فالله  قال في إبطال قولهم أنهم لا يملكون في السموات شيئاً كما اعترفتم، ولا في الأرض على خلاف ما زعمتم أن الأرض والارضيات في حكمهم.

وثانيها قول بعضهم إن السموات من الله على سبيل الاستقلال، وإن الأرضيات منه ولكن بواسطة الكواكب واتصالاتها وانصرافاتها فأبطل معتمد هؤلاء بقوله ﴿ وما لهم فيهما من شرك ﴾ أي الأرض كالسماء لله لغيره فيها نصيب.

وثالثها قول من قال: التركيبات والحوادث كلها من الله لكن فوض ذلك إلى الكواكب وإعانتها فأشار إلى إبطال معتقد هؤلاء بقوله ﴿ وما له منهم من ظهير ﴾ ورابعها مذهب من زعم أنا نعبد الأصنام التي هي صور الملائكة ليشفعوا لنا فبين بطلان مذهبهم بقوله ﴿ ولا تنفع الشفاعة ﴾ قال جار الله: تقول الشفاعة لزيد على أنه الشافع وعلى معنى أنه المشفوع له أي لا تنفع الشفاعة ﴿ إلا ﴾ كائنة ﴿ لمن أذن له ﴾ من الشافعين أو إلا لمن وقع الإذن للشفيع لأجله.

و"حتى" غاية لمضمون الكلام الدال على انتظار الإذن كأنه قيل: يتربصون ويقفون ملياً فزعين ﴿ حتى إذا فزع ﴾ أي كشف الفزع في القيامة عن قلوب الشافعين والمشفوع لهم بكلمة يتكلم بها رب العزة في إطلاق الإذن تباشروا بذلك وسأل بعضهم بعضاً ﴿ ماذا قال ربكم قالوا ﴾ قال ﴿ الحق ﴾ أي القول الحق وهو الإذن بالشفاعة لمن ارتضى، يريد هذا التفسير قول ابن عباس عن النبي "فإذا أذن لمن أذن أن يشفع فزعته الشفاعة" والتشديد للسلب والإزالة على نحو "قردته وجلدته" أي أزلت قراده وسلخت جلده.

وقيل: إن "حتى" على هذا التفسير متعلق بقوله ﴿ زعمتم ﴾ أي زعمتم الكفر إلى غاية التفزيع ثم تركتم ما زعمتم وقلتم قال الحق.

ومنهم من ذهب إلى أن التفزيع غاية الوحي المستفاد من قل فإنه عند الوحي يفزع من في السموات كما جاء في حديث "إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السماء صلصلة كجر السلسلة على الصفا فيصعقون فلا يزالون كذلك حتى يأتيه جبرائيل فإذا جاء فزع عن قلوبهم فيقولون: يا جبرائيل ماذا قال ربكم؟

فيقول الحق" أي يقول الحق الحق.

وقيل: أراد بالفزع أنه  لما أوحى إلى محمد  فزع من في السموات من القيامة لأن إرسال محمد  من أشراطها فلما زال عنهم ذلك قالوا: ماذا قال الله؟

قال جبرائيل وأتباعه: الحق.

وقيل: إنه الفزع عند الموت يزيله الله عن القلوب فيعرف كل أحد أن ما قال الله هو الحق فينتفع بتلك المعرفة أهل الإيمان ولا ينتفع بها أهل الكفر.

وحين بين بقوله ﴿ قل ادعوا ﴾ أنه لا يدفع الضر إلا هو أشار بقوله ﴿ قل من يرزقكم ﴾ إلى أن جلب النفع لا يكمل إلا به.

وههنا نكتة هي أنه قال في دفع الضر ﴿ قالوا الحق ﴾ وفي طلب النفع قال ﴿ قل الله ﴾ تنبيهاً على أنهم في الضراء مقبلون على الله معترفون به، وفي السراء معرضون عنه غافلون لا ينتبهون إلا بمسه.

وقوله ﴿ وإنا أو إياكم ﴾ من الكلام المنصف الذي يتضمن قلة شغب الخصم وفلّ شوكته بالهوينا.

وفي تخالف حرفي الجر في قوله ﴿ لعلى هدى أو في ضلال ﴾ إشارة إلى أن أهل الحق راكبون مطية الهدى مستعلون على متنها، وأن أهل الباطل منغمسون في ظلمة الضلال لا يدرون أين يتوجهون.

وإنما وصف الضلال بالمبين وأطلق الهدى لأن الحق كالخط المستقيم واحد، والباطل كالخطوط المنحنية لا حصر لها فبعضها أدخل في الضلالة من بعض وابين.

وقوله ﴿ عما أجرمنا ﴾ إلى قوله ﴿ عما تعملون ﴾ أبلغ في سلوك طريقة الإنصاف حيث أسند الإجرام وهو الصغائر والزلات أو هي مع الكبائر إلى أهل الإيمان، وعبر عن إجرام أهل الكفر بلفظ عام وهو العمل.

وفيه إرشاد إلى المناظرات الجارية في العلوم وغيرها، وإذا قال أحد المناظرين للآخر: أنت مخطئ أغضبه وعند الغضب لا يبقى سداد الفكر، وعند اختلاله لا مطمع في الفهم فيفوت الغرض.

ومعنى الفتح الحكم والفصل بين الفريقين بإدخال أهل الجنة الجنة وأهل النار النار.

وحين حث في الآية الأولى على وجوب النظر من حيث إن كل أحد يؤاخذ بجرمه ولو كان البريء أخذ بالمجرم لم يكن كذلك، أكد ذلك المعنى بالآية الثانية فإن مجرد الخطأ والضلال واجب الاجتناب فكيف إذا كان يوم عرض وحساب.

وفي قوله ﴿ العليم ﴾ إشارة إلى أن حكمه يكون مع العلم لا كحكم من يحكم بمجرد الغلبة والهوى.

ولما بين أن غير الله لا يعبد لدفع الضر ولا لجلب النفع أراد أن يبين أن غير الله لا ينبغي أن يعبد لأجل استحقاق العبادة فإنه لا مستحق للعبادة إلا هو.

ومعنى ﴿ أروني ﴾ وكان يعرفهم ويراهم الاستخفاف بهم والتنبيه على الخطأ العظيم في إلحاق الشركاء بالله أو أراد أعلموني بأي صفة الحقتموهم بالله وجعلتموهم شركاء فـ ﴿ ـشركاء ﴾ نصب على الحال والعائد محذوف و ﴿ كلا ﴾ ردع لهم عن مذهبهم بعدما كسده بإبطال المقايسة وردّ الإلحاق.

ثم زاد في توبيخهم بقوله ﴿ بل هو الله العزيز الحكيم ﴾ كأنه قال: أين الذين ألحقتم به شركاء من هذه الصفات فإن الإله لا يمكن أن يخلو عن القدرة الكاملة والحكمة الشاملة.

وهو يحتمل أن يكون ضمير الشأن.

وحين فرغ من التوحيد شرع في الرسالة.

ومعنى ﴿ كافة ﴾ عامة لأن الرسالة إذا شملتهم قد منعتهم أن يخرج أحد منهم والكف المنع وكافة صفة لرسالة.

وقال الزجاج: التاء للمبالغة كتاء الراوية والعلامة وإنه حال من الكاف أي أرسلناك جامعاً للناس في الإبلاغ والتبشير والإنذار، أو مانعاً للناس من الكفر والمعاصي.

وبعض النحويين جعله حالاً من الناس وزيف بأن حال المجرور لا يتقدم عليه.

ومن هؤلاء من جعل اللام بمعنى "إلى" لأن أرسل يتعدى بإلى فضوعفت تخطئته بأن استعمال اللام بمعنى.

"إلى" ضعيف، ولا يخفى أن ثاني مفعولي ﴿ أرسلنا ﴾ على غير هذا التفسير محذوف والتقدير: وما أرسلناك إلى الناس إلا كافة ﴿ ولكن أكثر الناس لا يعلمون ﴾ وذلك لا لخفائه ولكن لغفلتهم.

وحين ذكر الرسالة بين الحشر وذكر أنهم استعجلوه تعنتاً منهم فبين على طريق التهديد أنه لا استعجال فيه كما لا إمهال وهذا شأن كل أمر ذي بال.

قال جار الله ﴿ ميعاد يوم ﴾ كقولك "سحق عمامة" في أن الإضافة للتبيين يؤيده قراءة من قرأ ﴿ ميعاد يوم ﴾ بالرفع فيهما فأبدل منه اليوم.

وفي إسناد الفعل إليهم بقوله ﴿ لا تستأخرون عنه ﴾ دون أن يقول لا يؤخر عنكم زيادة تأكيد لوقوع اليوم.

ولما بين الأصول الثلاثة: التوحيد والرسالة والحشر، ذكر أنهم كافرون بالكل قائلين ﴿ لن نؤمن بهذا القرآن ولا بالذي بين يديه ﴾ من الكتب السماوية كالتوراة والإنجيل.

يروى أن كفار مكة سألوا أهل الكتاب فأخبروهم أنهم يجدون صفة محمد  في كتبهم فأغضبهم ذلك وقرنوا إلى القرآن جميع الكتب.

وقيل: الذين كفروا عام والذي بين يديه يوم القيامة وما جاء ذكره في القرآن من تفاصيل الحشر وغيرها، وأن أهل الكتاب لو صدّقوا بشيء من ذلك فليس لأجل مجيئه في القرآن ولكن لمجيئه في كتبهم.

وحين وقع اليأس من إيمانهم بقولهم ﴿ لن نؤمن ﴾ وعد نبيه بأنه سيراهم على أذل حال موقوفين للسؤال متجاذبين أهداب المراجعة كما يكون حال جماعة أخطأوا في تدبير أمره وجواب "لو" محذوف أي لقضيت العجب.

وبدأ بالأتباع لأن المضل أولى بالتوبيخ.

وفي قوله ﴿ لولا أنتم ﴾ إشارة إلى أن كفرهم كان لمانع لا لعدم المقتضى فإن الرسول قد جاء ولم يقصر في الإبلاغ.

ثم ذكر جواب المستكبرين وهم الرؤوس والمتبوعين على طريقة الاستئناف.

وفي إيلاء الاسم وهو نحن حرف الإنكار إثبات أنهم هم الذين صدّوا بأنفسهم عن الهدى بكسب منهم واختيار وأن المانع لم يكن راجحاً على المقتضى ولا مساوياً له وأكدوا ذلك بقولهم ﴿ بل كنتم مجرمين ﴾ أي إنكم أنتم الذين أطعتم أمر الشهوة فكنتم كافرين ولم يكن منا إلا التسويل والتزيين.

ثم عطف قولاً آخر للمستضعفين على قولهم الأول.

والإضافة في ﴿ مكر الليل والنهار ﴾ من باب الاتساع بإجراء الظرف مجرى المفعول به وأصل الكلام: بل مكرهم في الليل والنهار.

أو جعل ليلهم ونهارهم ماكرين على الإسناد المجازي، فالأول اتساع لفظي، والثاني معنوي.

أبطلوا إضرابهم بإضرابهم قائلين: ما كان الإجرام من جهتنا بل من جهة مكركم لنا مستمراً دائماً دائباً ليلاً ونهاراً.

وقدم الليل لأنه أخفى للمكر والويل.

وقرئ ﴿ مكرّ الليل ﴾ بالتشديد أي سبب ذلك أنكم تكرّون الإغواء مكراً دائباً.

والمعنى: ما أنتم بالصارف القطعي والمانع القويّ ولكن انضم إلى ذلك طول المدة فصار قولكم جزء السبب.

وفي قوله ﴿ أن نكفر بالله ونجعل له أنداداً ﴾ إشارة إلى أن الشرك وإن كان مثبتاً لله في الظاهر ولكنه نافٍ له على الحقيقة لأنه جعل مساوياً للصنم.

ويجوز أن يكون كل منهما قول طائفة فبعضهم كانوا مأمورين بجحد الصانع وبعضهم بالإشراك به.

وتفسير قوله ﴿ واسروا الندامة لما رأوا العذاب ﴾ مذكور في سورة يونس.

والضمير يعود إلى جنس الظالمين الشامل للمستضعفين وللمستكبرين.

وقوله ﴿ في أعناق الذين كفروا ﴾ أي في أعناقهم من وضع الظاهر موضع الضمير للدلالة على ما استحقوا به الأغلال وهي محمولة على الظاهر وإن جاز أن يراد بها العلائق.

وفي قوله ﴿ هل تجزون ﴾ إشارة إلى أنهم استحقوها عدلاً.

ثم سلى نبيه  بأن إيذاء الكفار الأنبياء ليس بدعاً وإنما ذلك هجيراهم قدماً.

وإنما خص المترفين بالذكر لأنهم أصل في الجحود والإنكار وغيرهم تبع، ثم استدلوا على كونهم مصيبين في ذلك بكثرة الأموال والأولاد اعتقدوا أنهم لو لم يكرموا على الله ما رزقهم، ثم قاسوا أمر الآخرة الموهومة أو المفروضة عندهم على أمر الدنيا فقالوا ﴿ وما نحن بمعذبين ﴾ فبين الله خطأهم بأن القابض الباسط ه والله ﴿ ولكن أكثر الناس لا يعملون ﴾ أن ذلك بمجرد المشيئة لا بالكسب والاستحقاق فكم من شقيّ موسر وتقي معسر.

ثم زاد في البيان بقوله ﴿ وما أموالكم ﴾ اي وما جماعة أموالكم ﴿ ولا ﴾ جماعة ﴿ أولادكم بالتي تقرّبكم عندنا زلفى ﴾ أي قربى اسم بمعنى القربة وقع موقع المصدر كقوله ﴿ والله أنبتكم من الأرض نباتاً  ﴾ ثم استثنى من ضمير المفعول في تقرّبكم بقوله ﴿ إلا من آمن ﴾ والمراد أن الأموال والأولاد لا تقرّب أحداً إلا المؤمن الصالح ينفق الأموال في سبيل الله ويعلم أولاده الخير والفقه في الدين.

ويحتمل أن يكون الاستثناء من الفاعل والمعنى أن شيئاً من الأشياء لا يقرّب إلا عمل المؤمن الصالح لأن ما سوى ذلك شاغل عن الله، والعمل الصالح إقبال على العبودية.

ومن توجه إلى الله وصل ومن طلب شيئاً من الله حصل.

وجزاء الضعف من إضافة المصدر إلى المفعول تقديره: فأولئك لهم أن يجاوزوا الضعف.

ومعنى قراءة يعقوب: أولئك لهم الضعف جزاء.

والتضعيف يكون إلى العشر وإلى سبعمائة وأكثر كما عرفت.

والباقي إلى قوله ﴿ محضرون ﴾ قد سبق.

وحين بين أن حصول الترف لا يدل على الشرف ذكر أن بسط الرزق لا يختص بهم ولكنه  قد يبسط الرزق لمن يشاء من عباده المؤمنين.

ثم رتب وعد الإخلاف على الإنفاق وذلك إما في العاجل بالمال أو بالقنوع، وإما في الآخرة بالثواب الذي لا خلف فوقه ولا مثله.

ومما يؤكد الآية قوله  "اللهم أعط منفقاً خلفاً" الحديث.

وقول الفقهاء ألق متاعك في البحر وعليّ ضمانه، وأن التاجر إذا علم أن مالاً من الأموال في معرض الفناء يبيعه نسيئة وإن كان من الفقراء وإلا نسب إلى الخطأ وسخافة الرأي، ولا ريب أن مال الدنيا في معرض الزوال وأن أغنى الأغنياء قد طلب منا الإقراض ووعد الإضعاف والإخلاف فأي تجارة عند العاقل أربح من هذا؟

﴿ وهو خير الرازقين ﴾ لأن سلسلة الأرزاق والرزق تنتهي إليه.

وعن بعضهم: الحمد لله الذي أوجدني وجعلني ممن يشتهي فكم من مشته لا يجد وواجد لا يشتهي.

ثم حكى عاقبة حال الكفار بقوله ﴿ ويوم يحشرهم ﴾ وفي خطاب الملائكة تقريع الكفار وتقرير لما يعروهم من الخجل والوجل عند اقتصاص ذلك كما مر في قوله لعيسى ﴿ ءَأَنتَ قلت للناس  ﴾ ﴿ قالوا سبحانك ﴾ ننزهك عن أن نعبد غيرك أنت الذي نواليك ونعادي غيرك في شأن العبادة ﴿ بل كانوا يعبدون الجن ﴾ حيث أطاعوهم في عبادة غيرك فهم كانوا يطيعونهم وكنا نحن كالقبلة، أو صوّرت لهم الشياطين صور قوم من الجن وقالوا: هذه صور الملائكة فاعبدوها، أو كانوا يدخلون في أجواب الأصنام فيعبدون بعبادتها.

وإنما قالوا ﴿ أكثرهم بهم مؤمنون ﴾ وما ادّعوا الإحاطة لأن الذين رأوهم وأطلعهم الله على أحوالهم كانوا كذلك ولعل في الوجود من لا يطلع الله الملائكة عليه من الكفار.

وأيضاً أن العبادة عمل ظاهر والإيمان عمل باطن، والاطلاع على عمل القلب كما هو ليس إلا الله وحده فراعوا الأدب الجميل والحكم على الظاهر أكثري.

ثم ذكر أن الأمر في ذلك اليوم لله وحده والخطاب في قوله ﴿ لا يملك بعضكم ﴾ للملائكة والكفار وإن كان الكفار غائبين كما تقول لمن حضر عندك ولمن شاركه في أمر بسببه: أنتم قلتم كذا على معنى أنت قلت وهم قالوا.

ويحتمل أن يكون الخطاب للكفار لأن ذكر اليوم يدل على حضورهم أو لهم وللملائكة أيضاً بهذا التأويل، وعلى الأول يكون قوله ﴿ ونقول للذين ظلموا ﴾ إفراداً للكفرة بالذكر، وعلى الوجه الآخر يكون تأكيداً لبيان حالهم في الظلم وذكر الضر تأكيد لعدم تملكهم شيئاً وإلا فهو غير متصور في ذلك اليوم.

وإنما قال ههنا ﴿ عذاب النار التي كنتم بها تكذبون ﴾ وفي السجدة ﴿ عذاب النار الذي كنتم به  ﴾ لأنهم هناك قد رأوا النار بدليل قوله ﴿ كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها  ﴾ فقيل لهم ذوقوا العذاب المؤبد الذي كنتم به تكذبون في قولكم ﴿ لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة  ﴾ وههنا لم يروا النار.

وقيل: لأنه مذكور عقيب الحشر والسؤال فناسب التوبيخ على تكذيبهم بالنار.

ثم حكى أكاذيبهم بقوله ﴿ وإذا تتلى ﴾ الآية.

ولا يخفى ما فيه من المبالغات.

ثم بين أن أقوالهم هذه لا تستند إلا إلى محض التقليد فقال ﴿ وما آتيناهم من كتب يدرسونها ﴾ فالآيات البينات لا تعارض إلا بالبراهين العقلية وما لهم من دليل أو بالنقليات وما عندهم من كتاب ولا رسول غيرك ﴿ وكذب الذين من قبلهم ﴾ كعاد وثمود ﴿ وما بلغوا معشار ما آتيناهم ﴾ والمعشار كالمرباع وهما العشر والربع.

قال الأكثرون: معناه وما بلغ هؤلاء المشركون عشر ما آتينا المتقدمين من القوة والنعمة وطول العمر.

ثم إن الله أخذهم وما نفعهم محصولهم فكيف حال هؤلاء الضعفاء؟.

وقال بعضهم: أراد وما بلغ الذين من قبلهم معشار ما آتينا قوم محمد  من البيان والبرهان لأن محمداً  أفصح الرسل وكتابه أوضح الكتب.

ثنم إن المتقدمين أنكر عليهم تكذيبهم فكيف لا ينكر على هؤلاء؟

قال جار الله: قوله ﴿ فكذبوا رسلي ﴾ بعد قوله ﴿ وكذب الذين من قبلهم ﴾ تخصيص بعد تعميم كأنه قيل: وفعل الذين من قبلهم التكذيب فكذبوا رسلي؟

نظيره قول القائل: أقدم فلان على الكفر فكفر بمحمد  .

ويجوز أن ينعطف على قوله ﴿ وما بلغوا معشار ما ﴾ كقولك: ما بلغ زيد معشار فضل عمرو فيفضل عليه.

قلت: فعلى هذا تكون الفاء للسببية، والمعنى أنه إذا لم يبلغ معشار فضله فكيف يفضل عليه؟

وكذا في الآية فيصير المعنى أنهم إذا لم يبلغوا معشار الأقدمين فكيف كذبوا؟

﴿ فكيف كان نكير ﴾ للمكذبين الأوّلين فليحذروا من مثله.

ويجوز عندي أن يكون الثاني تكريراً للأول لأجل ترتب النكير عليه كأنه قيل: فإذ قد صح أنهم فعلوا ما ذكرنا فلا جرم ذاقوا وبال أمرهم نظيره قولك لمن بحضرتك: فعلت كذا وكذا، فإذا فعلت ذلك فتربص.

وبعد تقرير الأصول الثلاثة: التوحيد والرسالة والحشر كررها مجموعة بقوله ﴿ قل إنما أعظكم بواحدة ﴾ أي بخصلة أو حسنة أو كلمة واحدة وقد فسرها بقوله ﴿ أن تقوموا ﴾ على أنه عطف بيان لها.

والقيام إما حقيقة وهو قيامهم عن مجلس النبيُّ متفرقين إلى أوطانهم.

وإما مجاز وهو الاهتمام بالأمر والنهوض له بالعزم والجد.

فقوله ﴿ مثنى وفرادى ﴾ إشارة إلى جميع الأحوال لأن الإنسان إما أن يكون مع غيره أو لا فكأنه قال: أن تقوموا لله مجتمعين ومنفردين لا تمنعكم الجمعية عن ذكر الله ولا يحوجكم الانفراد إلى معين يعينكم على ذكر الله.

وقوله ﴿ ثم تتفكروا ﴾ يعني اعترفوا بما هو الأصل وهو التوحيد ولا حاجة فيه إلى تفكر ونظر بعدما بان وظهر، ثم تتفكروا فيما اقول بعده، وهو الرسالة المشار إليها بقوله ﴿ ما بصاحبكم من جنة ﴾ والحشر المشار إليه بقوله ﴿ بين يدي عذاب شديد ﴾ قيل: وفيه إشارة إلى عذاب قريب كأنه قال: ينذركم بعذاب يمسكم قبل الشديد.

فمجموع الأمور الثلاثة شيء واحد، أو المراد أنه لا يأمرهم في أوّل الأمر بغير التوحيد لأنه سابق على الكل لا أنه لا يأمرهم في جميع العمر إلا بشيء واحد.

وعند جار الله: الخصلة الواحدة هي الفكر في أمر محمد  والمعنى: إنما أعظكم بواحدة إن فعلتموها أصبتم الحق وهو أن تقوموا لوجه الله خالصاً متفرقين اثنين اثنين وواحداً واحداً، فإن ما فوق الإثنين والواحد يوجب التشويش واختلاف الرأي فيعرض كل من الإثنين محصول فكره على صاحبه من غير عصبية ولا اتباع هوى، وكذلك الفرد يفكر في نفسه بعدل ونصفه حتى يجذب الفكر بصنعه إلى أن هذا الأمر المستتبع لسعادة الدارين لا يتصدّى لادعائه إلا رجلان: مجنون لا يبالي بافتضاحه إذا طولب بالبرهان، وعاقل اجتباه الله بسوابق الفضل والامتنان لتكميل نوع الإنسان.

لكن محمداً  بالاتفاق أرجح الناس عقلاً وأصدقهم قولاً وأوفرهم حياء وأمانة، فما هو إلا النبيّ المنتظر في آخر الزمان المبعوث بين يدي عذاب شديد هو القيامة وأهوالها.

وقوله ﴿ ما بصاحبكم ﴾ إما أن يكون كلاماً مستأنفاً فيه تنبيه على كيفية النظر في أمر النبيّ  والمراد: ثم تتفكروا فتعلموا ذلك.

وجوز بعضهم أن تكون "ما" استفهامية.

وحين ذكر أنه ما به جنة ليلزم منه كونه نبياً ذكر وجهاً آخر يلزم منه صحة نبوّته وهو قوله ﴿ ما سألتكم من أجر ﴾ الآية.

وتقريره أن العاقل لا يركب العناء الشديد إلا لغرض عاجل وهو غير موجود ههنا بل كل أحد يعاديه ويقصده بالسوء، أو لغرض آجل ولا يثبت إلا على تقدير الصدق فإن الكاذب معذب في الآخرة لا مثاب.

هذا إذا أريد بقوله ﴿ فهو لكم ﴾ نفي سؤال الآخر رأساً كما يقول الرجل لصاحبه: إن أعطيتني شيئاً فخذه وهو لم يعطه شيئاً.

ويحتمل أن يراد بالأجر قوله ﴿ لا أسألكم عليه أجراً إلا المودّة في القربى  ﴾ وقوله ﴿ ما أسألكم عليه من أجر إلا من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلاً  ﴾ لأن المودة في القربى قد انتظمته وإياهم وكذا اتخاذ السبيل إلى الله عز وجل فيه نصيبهم ونفعهم.

﴿ وهو على كل شيء شهيد ﴾ يعلم أني لا أطلب الأجر على نصحكم أو يعلم أن فائدة النصح تعود عليكم.

قوله ﴿ يقذف بالحق ﴾ اي في قلوب المحقين وفيه إزالة استبعاد الكفرة تخصيص واحد منهم بإنزال الذكر عليه فإن الأمر بيد الله والفضل له يؤتيه من يشاء وإنه ﴿ علام الغيوب ﴾ يعلم عواقب الأمور ومراتب الاستحقاق فيعطى على حسب ذلك لا كما يفعل الهاجم الغافل، أو أراد يقذف بالحق على الباطل فيدمغه، وذلك أن براهين التوحيد قد ظهرت وشبه المبطلين قد دحضت.

وفي قوله ﴿ علام الغيوب ﴾ إشارة إلى أن البرهان الباهر لم يقم إلا على التوحيد والرسالة، وأما الحشر فالدليل عليه إخبار علام الغيوب عنه.

وحين ذكر أنه يقذف بالحق وكان ذلك بصيغة الاستقبال أخبر أن ذلك الحق قد جاء وهو القرآن والإسلام وكل ما ظهر على لسان النبي  وعلى يده.

وقيل: السيف.

وقوله ﴿ وما يبدئ الباطل وما يعيده ﴾ مثل في الهلاك لأن الحيّ إما أن يبدئ فعلاً أو يعيده، فإذا هلك لم يبق له إبداء ولا إعادة.

والتحقيق فيه أن الحق هو الموجود الثابت.

ولما كان ما جاء به النبي  من بيان التوحيد والرسالة والحشر ثابتاً في نفسه بيناً لمن نظر إليه كان جائياً، وحين كان ماأتوا به من الإصرار والتكذيب مما لا أصل له قيل: إنه لا يبدئ ولا يعيد أي لا يعيد شيئاً لا في الأوّل ولا في الآخر.

وقيل: الباطل إبليس لأنه صاحب الباطل ولأنه هالك والمراد أنه لا ينشئ خلقاً ولا يعيد وإنما المنشئ والباعث هو الله.

وعن الحسن: لا يبدئ لأهله خيراً ولا يعيده أي لا ينفعهم في الدنيا والآخرة.

وقال الزجاج: "ما" استفهامية والمعنى أي شيء ينشئ إبليس ويعيده؟

ثم قرر أمر الرسالة بوجه آخر وهو قوله ﴿ قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي ﴾ يعني كضلالكم وأما اهتدائي فليس بالنظر والاستدلال كاهتدائكم وإنما هو بالوحي المبين.

قال جار الله: هذا حكم عام لكل مكلف، والتقابل مرعي من حيث المعنى والمراد أن كل ما هو وبال على النفس وضارّ لها فهو بها وبسببها لأنها الأمارة بالسوء وما لها ينفعها فبهداية ربها وتوفيقه.

وإنما أمر رسوله أن يسنده إلى نفسه لأن الرسول إذا دخل تحته مع جلالة محله وسداد طريقته كان غيره أولى به ﴿ إنه سميع قريب ﴾ يدرك قول كل ضال ومهتد وفعله لا يعزب عنه منهما شيء، وفيه أن الرسول  إذا دعاه على من يكذبه أجابه ليس كمن يسمع من بعيد ولا يلحق الداعي.

ثم عجب نبيه أو كل راءٍ من مآل حال أهل العناد بقوله ﴿ ولو ترى ﴾ وجواب محذوف أي لرأيت أمراً عظيماً.

والأفعال الماضية التي هي ﴿ فزعوا ﴾ ﴿ وأخذوا ﴾ ﴿ وقالوا ﴾ ﴿ وحيل ﴾ كلها من قبيل ﴿ ونادى  ﴾ ﴿ وسيق  ﴾ ووقت الفزع وقت البعث أو الموت أو يوم بدر.

وعن ابن عباس: نزلت في خسف البيداء وهم ثمانون ألفاً أرادوا غزو الكعبة وتخريبها فخسف بهم حين دخلوا البيداء ﴿ فلا فوت ﴾ أي فلا يفوتون الله ولا يسبقونه.

والأخذ من مكان قريب هو من الموقف إلى النار، أو من ظهر الأرض إلى بطنها، أو من صحراء بدر إلى القليب، أو من تحت أقدامهم إلى الأرض,.

وجوّز جار الله أن يعطف ﴿ وأخذوا ﴾ على ﴿ لافوت ﴾ على معنى إذ فزعوا فلم يفوتوا وأخذوا.

ثم بين أنهم سيؤمنون بمحمد صلى الله عليه سولم أو بالقرآن أو بالحق حين لا ينفع الإيمان وذلك قوله ﴿ وأنى لهم التناوش ﴾ وهو تناول سهل لشيء قريب مثلت حالهم بحال من يريد أن يتناول الشيء من بعيد كما يتناوله الآخر من قريب تناولاً سهلاً لا تعب فيه، أو أراد أن تناولهم التوبة وإيمانهم في الآخرة بعيد عن الدنيا فإن أمس الدابر لا يعود وإن كانت الآخرة قريبة من الدنيا ولهذا سماها الله الساعة وكل ما هو آت قريب.

وعن أبي عمرو: التناؤش بالهمز التناول من بعد من قولهم: نأشت بالهمزة أي أبطأت وتأخرت.

والصح أنه من النوش كما مر همزت الواو المضمومة كما همزت فلي أجوه.

وقيل: التناوش بلغة اليمن التذكرة قاله أبو القاسم الحسن بن محمد بن حبيب في كتاب "المدخل في تفسير القرآن" والضمير في قوله ﴿ وقد كفروا ﴾ عائد إلى ما يعود إليه في قوله ﴿ آمنا به ﴾ .

قوله ﴿ ويقذفون بالغيب ﴾ فيه وجوه أحدها: أنه قولهم في رسول الله صلى الله عيله وسلم شاعر ساحر وهذا تكلم بالأمر الخفي وقد أتوا به من جهة بعيدة عن حاله لأنهم قد عرفوا منه الأمانة والصدق لا الكذب والزور.

وثانيهاك أخذوا الشريك من حالهم في العجز فإنهم يحتاجون في الأمور العظام إلى التعاون فقاسوا الأمر الإلهي عليه.

وثالثها: أنهم قاسوا قدرة الله على قدرتهم عجزوا عن إحياء الموتى فظنوا أن الله لا يقدر على البعث، وقياس الخالق على المخلوق بعيد المأخذ.

ورابعها: قاسوا أمر الآخرة على الدنيا قائلين إن كان الأمر كما تصفون من قيام الساعة وحصول الثواب والعقاب فنحن أكرم على الله من أن يعذبنا.

وخامسها: قالوا ﴿ ربنا ابصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحاً  ﴾ وهو قذف بالغيب من مكان بعيد وهو الدنيا.

﴿ وحيل بينهم وبين ما يشتهون ﴾ من نفع الإيمان في الآخرة أو من الرد إلى الدنيا ﴿ كما فعل باشياعهم ﴾ أي بأشباههم من كفرة الأمم لم ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأس الله و ﴿ مريب ﴾ موقع في الريب منقول من الأعيان إلى المعنى أو ذو ريبة وذلك باعتبار صاحبه وكلاهما مجاز بوجهين وقد مر في هود.

التأويل: ﴿ مثقال ذرة في السموات ﴾ القلوب ﴿ ولا في الأرض ﴾ النفوس من سعادة أو شقاوة ﴿ قالوا الحق ﴾ يعني ما فهموا من الهيبة كلامه ولكن يعلمون أنه لا يقول إلا الحق ﴿ قل من يرزقكم ﴾ من سموات القلوب وأرض النفوس إذا نزل من سماء القلب ماء الفيض على أرض الشرعية.

﴿ ألحقتم به شركاء ﴾ من الدنيا والهوى والشيطان كافة للناس من أهل الأولين والآخرين في عالم الأجساد وهو ظاهر، وفي عالم الأرواح تبشرها بأن لها كمالاً عند الاتصال بالأشباح وتنذرها بالحرمان إن لم تتعلق بالأجسام، وذلك أن الأرواح علوية نورانية والأشباح سفلية مظلمة لا يحصل بينهما التعلق إلا بالتبشير والإنذار.

فالروح بمثابة البذر والقالب كالأرض، وشخص الإنسان بمثابة الشجرة، والتوحيد والمعرفة ثمرتها، والشريعة كالماء والبشير والنذير كالآكار.

وإذا أمعنت النظر وجدت شجرة الموجودات نابتة من بذر روحه  وهو ثمرة هذه الشجرة مع جميع الأنبياء والمرسلين ولكن بتبعية محمد  ولهذا حصلت له رتبة الشفاعة دونهم.

يقولون يعني أرباب الطلب يستعجلون متى نصل إلى الكمال الذي بشرتمونا به.

ثم بين أن لثمرة كل شجرة وقتاً معلوماً لا تتجاوزه ﴿ أكثرهم بهم مؤمنون ﴾ اي أكثر مدعي الإسلام بأهل الأهواء مؤمنون ﴿ ويقذفون بالغيب ﴾ فيه أن معارف الأسرار ومراتب الأحرار لا تصلح لمن هو اسير في أيدي صفات النفس ﴿ وحيل بينهم ﴾ لأن الدين ليس بالتمني والله أعلم بحقائق الأشياء والله الموفق.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ قُلِ ٱدْعُواْ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ ﴾ .

أنهم آلهة: الملائكة والأصنام ومن عبدوهم من دونه: هل يملكون لكم شيئاً من دفع ضر أو جرّ نفع؟!

فيقول: ﴿ لاَ يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلاَ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ ، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر؛ فكيف تسمونها: آلهة.

أو أن يقول: ﴿ قُلِ ٱدْعُواْ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ ﴾ أنها آلهة؛ فليكشفوا عنكم الضر الذي نزل بكم من الجوع وغيره؛ كقوله: ﴿ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ  ﴾ ؛ فالجواب لذلك أن يقولوا: لا يملكون مثقال ذرة ولا أصغر ولا أكبر؛ فكيف يذكرون ما ذكر؟!

يذكر - والله أعلم - سفههم وفرطهم في عبادتهم من يعلمون أنه لا يضر ولا ينفع، وتسميتهم إياها آلهة.

﴿ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا ﴾ .

يعني: في خلق السماوات والأرض، وحفظهما، من تعبدون من دونه.

﴿ مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِّن ظَهِيرٍ ﴾ .

أي: من عون في ذلك؛ فكيف سميتموها: آلهة وشركاء في العبادة.

وقوله: ﴿ وَلاَ تَنفَعُ ٱلشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ ﴾ .

يقول - والله أعلم -: لا يملك أحد الشفاعة إلا لمن أذن الله بالشفاعة له، فهو لم يأذن بالشفاعة لأحد من الكفرة؛ فذكر هذا - والله أعلم -: لقولهم: ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ  ﴾ ، ولقولهم: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ  ﴾ .

أو يذكر أن من ترجون منهم الشفاعة بالمحل الذي ذكرهم من الخوف والفزع؛ فكيف ترجون شفاعتهم؟!

كقوله: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ  ﴾ .

أو لا يملكون مثقال ذرة ولا أصغر منه ولا أكبر؛ فكيف يملكون الشفاعة لكم؟!

أو نحوه من الكلام، والله أعلم.

وقوله: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُواْ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُواْ ٱلْحَقَّ ﴾ .

ليس لهذا الحرف في ذا الموضع صلة يوصل بها، ولا تقدم بعطف عليه، وعلى الابتداء: لا يستقيم؛ فبعض أهل التأويل يقول: كان بين عيسى ومحمد فترة زمان طويل لا يجري فيها الرسل، فلما بعث الله محمدا، وكلم جبريل بالرسالة إلى محمد، سمع الملائكة ذلك؛ فظنوا أنها الساعة قامت؛ فصعقوا مما سمعوا، فلما انحدر جبريل جعل كلما يمرّ بهم جلّى عنهم وكشف؛ فقال بعضهم لبعض: ﴿ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُواْ ٱلْحَقَّ ﴾ ، أي: الوحي.

وقال بعضهم: كان الوحي إذا نزل من السماء نزل كأنه سلسلة على صخرة، قال: فيفزع الملائكة بذلك؛ فيخرون سجداً، ﴿ حَتَّىٰ إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ ﴾ ، قال: إذا انجلى عن قلوبهم ﴿ قَالُواْ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُواْ ٱلْحَقَّ وَهُوَ ٱلْعَلِيُّ ٱلْكَبِيرُ ﴾ .

وقوله: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ ﴾ ، قيل: جلّى وكشف الغطاء.

قال الكسائي: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا فُزِّعَ ﴾ مشتقة من الفزع؛ كما تقول: هيبه عن قلبه وفرقه وفزع كله واحد.

ومن قرأ: ﴿ فُرِّغَ ﴾ ، بالراء: أخرج وترك فارغا من الخوف والشغل، وهي قراءة ابن مسعود.

قال بعضهم - في قوله: ﴿ قَالُواْ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُواْ ٱلْحَقَّ ﴾ يقول: يخبرون بالأمر الذي جاءوا به، ولا يقولون إلا الحق، لا يزيدون ولا ينقصون.

وقوله: ﴿ قُلِ ٱدْعُواْ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ لاَ يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلاَ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ ، أي: لا يملكون إنشاء ذرة في السماوات والأرض، ﴿ وَمَا لَهُمْ ﴾ في إنشائها ﴿ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ ﴾ في إنشاء ذلك من عون؛ فكيف تعبدونهم وتسمونهم آلهة؟!.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُواْ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُواْ ٱلْحَقَّ ﴾ .

ذلك الفزع منهم وذلك القول منهم في القيامة؛ فزعوا لقيامها، وقد قرئ ﴿ حتى إذا فَزَّعَ ﴾ ، بنصب الفاء، أي: حتى إذا فزع الله، أي: كشف الله عن قلوبهم الفزع، وجلا ذلك عنهم، والله أعلم.

وقوله: ﴿ قُلْ مَن يَرْزُقُكُمْ مِّنَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ .

هذا في الظاهر وإن كان استفهاماً فهو على التقرير والإيجاب؛ لأنا قد ذكرنا: أن كل استفهام كان من الله، فهو على التقرير والإيجاب.

ثم لو كان ذلك ممن يكون منه الاستفهام، لكان جواب قوله: ﴿ قُلْ مَن يَرْزُقُكُمْ مِّنَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ يقولون: الله يرزقنا؛ كقوله: ﴿ قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ...

 ﴾ ، ثم قال في آخره: ﴿ فَسَيَقُولُونَ ٱللَّهُ  ﴾ ، فيقول لهم: فإذا علمتم أن الله هو رازقكم، فكيف صرفتم عبادتكم عنه إلى من تعلمون أنه لا يملك شيئاً من رزقكم؟!

كقوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لاَ يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً فَٱبْتَغُواْ عِندَ ٱللَّهِ ٱلرِّزْقَ  ﴾ ؛ إنه لا يملك [غيره] شيئاً من رزقكم.

ذكر في حرف ابن مسعود: ﴿ قل من يرزقكم من السماء والأرض قالوا الله قال إني أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين ﴾ .

وقال بعضهم في قوله: ﴿ قُلْ مَن يَرْزُقُكُمْ مِّنَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ ﴾ من المطر ﴿ وَٱلأَرْضِ ﴾ النبات؟

فإن أجابوك، فقالوا: الله، وإلا فقل: الله يفعل ذلك بكم؛ فكيف تعبدون غيره.

﴿ وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى ﴾ .

يقول ذلك رسول الله لأهل مكة: إنا لعلى هدى أو إنكم لعلى هدى، وإنا أو إياكم لفي ضلال مبين.

وقال بعضهم: معناه: وإنا على هدى وإنكم لفي ضلال مبين، ولكن ليس هذا في ظاهر هذا الكلام.

وجائز أن يكون هذا على تعريض الشتم لهم بالضلال، والكناية لذلك كما يقول الرجل لآخر في حديث أو خبر يجري بينهما: إن أحدنا لكاذب في ذلك، أي: أنت كاذب في ذلك، لكنه تعريض منه بذلك ليس بتصريح.

وقال قتادة: هذا قول محمد وأصحابه لأهل الشرك: والله ما نحن وأنتم على أمر واحد، والله إن أحد الفريقين لمهتد، والفريق الآخر في ضلال مبين، فأنتم تعلمون أنا على هدى؛ لما أقمنا من الدلائل والحجج والبراهين على ذلك، وأنتم لا.

وقال بعضهم: قال ذلك؛ لأن كفار مكة قالوا للنبي وأصحابه: تعالوا ننظر في معايشنا: من أفضل دينا: أنحن أم أنتم؟

فعلى ذلك يكون في الآخرة؛ فردّ الله ذلك عليهم في قوله: ﴿ أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ ٱجْتَرَحُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ...

﴾ الآية [الجاثية: 21].

وقوله: ﴿ قُل لاَّ تُسْأَلُونَ عَمَّآ أَجْرَمْنَا وَلاَ نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾ .

قال بعضهم: قال ذلك؛ لأنهم كانوا يعيرون رسول الله ويوبخونه في طعنه الأصنام التي عبدوها، وذكره إياها بالسوء، وما يدعون عليه من الافتراء بأنه رسول الله، فيقول لهم: ﴿ لاَّ تُسْأَلُونَ ﴾ أنتم ﴿ عَمَّآ أَجْرَمْنَا ﴾ نحن، ﴿ وَلاَ نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾ ، وهو كقوله في سورة هود: ﴿ قُلْ إِنِ ٱفْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَاْ بَرِيۤءٌ مِّمَّا تُجْرِمُونَ  ﴾ .

أو أن يكون قوله: ﴿ قُل لاَّ تُسْأَلُونَ عَمَّآ أَجْرَمْنَا ﴾ ، أي: عما دنَّا من الدين.

أو عما عملنا من الأعمال، ﴿ وَلاَ نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾ أنتم عما تدينون من الدين؛ كقوله: ﴿ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ  ﴾ ، وكقوله: ﴿ لِّي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ  ﴾ ، وقوله: ﴿ لَنَآ أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ  ﴾ ، وإنما يقال هذا بعد ظهور العناد والمكابرة، فأمّا عند الابتداء فلا، والله أعلم.

وقوله: ﴿ قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِٱلْحَقِّ وَهُوَ ٱلْفَتَّاحُ ٱلْعَلِيمُ ﴾ .

هذا - والله أعلم - صلة ما تقدم من قوله: ﴿ قُلْ مَن يَرْزُقُكُمْ مِّنَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ قُلِ ٱللَّهُ وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ ﴾ ، وصلة قوله: ﴿ قُل لاَّ تُسْأَلُونَ عَمَّآ أَجْرَمْنَا ﴾ ؛ كأنهم قالوا لرسول الله وأصحابه: إنا لعلى هدى، وأنتم على ضلال مبين؛ فقال عند ذلك جواباً لهم: ﴿ قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ﴾ أي: يجمع بيننا، ﴿ ثُمَّ يَفْتَحُ ﴾ ، أي: يقضي بيننا بالحق: من منّا على الهدى؟

ومن منا على الضلال نحن أو أنتم؟

﴿ وَهُوَ ٱلْفَتَّاحُ ٱلْعَلِيمُ ﴾ ، أي: وهو الحاكم العليم: ما ظهر وما بطن حقيقة، والمفاتحة هي المحاكمة، يقال: هلم حتى نفاتحك إلى فلان، أي: نحاكمك، وذلك جائز في اللغة.

ويحتمل قوله: ﴿ ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِٱلْحَقِّ ﴾ ، أي: يكشف كل خفي منا وكل ستير وباطن؛ فيجعله ظاهر بيننا؛ ليظهر الذي من هو على الحق من الباطل؟

والهدى من الضلال؟

﴿ وَهُوَ ٱلْفَتَّاحُ ٱلْعَلِيمُ ﴾ ، أي: الكاشف المظهر العليم، يعلم الظاهر والباطن جميعاً، والإعلان والإسرار جميعاً، والله أعلم.

وقوله: ﴿ قُلْ أَرُونِيَ ٱلَّذيِنَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَآءَ ﴾ .

أي: أروني الذين ألحقتم بالله شركاء في تسميتكم الأصنام: آلهة.

أو أروني الذين ألحقتم به شركاء في العبادة.

وجائز أن يكون قال ذلك للذين عبدوا الملائكة وأشركوا فيها؛ كأن فيه إضمارا، يقول: أروني الذين ألحقتم به شركاء: هل خلقوا شيئاً؟

أم هل رزقوا؟

أم هل أحيوا؟

أم هل أماتوا؟

فإذا عرفتم أنهم لم يخلقوا، ولم يرزقوا، ولا يقدرون ذلك، وعلمتم أن الله هو خالق ذلك كله، وهو الرزاق؛ فكيف أشركتم من لا يملك ذلك في ألوهيته؟

﴿ كَلاَّ بَلْ هُوَ ٱللَّهُ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحْكِيمُ ﴾ .

منهم من يقول: ﴿ كَلاَّ ﴾ ردّاً على قولهم: شركاء، أي: ليسوا بشركائي؛ بل هو المتفرد الواحد الحكيم.

ومنهم من يقول: هو ردّ على قوله: هل خلقوا شيئاً؟

أم هل رزقوا شيئاً؟!

يقول: ﴿ كَلاَّ ﴾ ، أي: لم يخلقوا ولم يرزقوا؛ بل هو الله المتفرد بذلك، والله الموفق.

قال أبو عوسجة: ﴿ فُزِّعَ ﴾ : ذهب.

وقال القتبي: ﴿ فُزِّعَ ﴾ : خفف.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

قل -أيها الرسول- لهؤلاء المشركين: نادوا الذين زعمتم أنهم آلهة لكم من دون الله ليجلبوا لكم النفع أو يكشفوا عنكم الضر، فهم لا يملكون وزن ذرة في السماوات ولا في الأرض، وليس لهم شرك فيها مع الله، وليس لله من معين يعينه، فهو غني عن الشركاء.

وعن المعينين.

من فوائد الآيات الشكر يحفظ النعم، والجحود يسبب سلبها.

الأمن من أعظم النعم التي يمتنّ الله بها على العباد.

الإيمان الصحيح يعصم من اتباع إغواء الشيطان بإذن الله.

ظهور إبطال أسباب الشرك ومداخله كالزعم بأن للأصنام مُلْكًا أو مشاركة لله، أو إعانة أو شفاعة عند الله.

<div class="verse-tafsir" id="91.g0R4W"

مزيد من التفاسير لسورة سبأ

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده