الآية ٢٣ من سورة سبأ

الإسلام > القرآن > سور > سورة 34 سبأ > الآية ٢٣ من سورة سبأ

وَلَا تَنفَعُ ٱلشَّفَـٰعَةُ عِندَهُۥٓ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُۥ ۚ حَتَّىٰٓ إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُوا۟ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ ۖ قَالُوا۟ ٱلْحَقَّ ۖ وَهُوَ ٱلْعَلِىُّ ٱلْكَبِيرُ ٢٣

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 137 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٣ من سورة سبأ: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٣ من سورة سبأ عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقال : ( ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له ) أي : لعظمته [ وجلاله ] وكبريائه لا يجترئ أحد أن يشفع عنده تعالى في شيء إلا بعد إذنه له في الشفاعة ، كما قال تعالى : ( من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه ) [ البقرة : 255 ] ، وقال : ( وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء [ ويرضى ] ) [ النجم : 26 ] ، وقال : ( ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون ) [ الأنبياء : 28 ] .

ولهذا ثبت في الصحيحين ، من غير وجه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم - وهو سيد ولد آدم ، وأكبر شفيع عند الله - : أنه حين يقوم المقام المحمود ليشفع في الخلق كلهم أن يأتي ربهم لفصل القضاء ، قال : " فأسجد لله فيدعني ما شاء الله أن يدعني ، ويفتح علي بمحامد لا أحصيها الآن ، ثم يقال : يا محمد ، ارفع رأسك ، وقل يسمع ، وسل تعطه واشفع تشفع " الحديث بتمامه .

وقوله : ( حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق ) .

وهذا أيضا مقام رفيع في العظمة .

وهو أنه تعالى إذا تكلم بالوحي ، سمع أهل السماوات كلامه ، أرعدوا من الهيبة حتى يلحقهم مثل الغشي .

قاله ابن مسعود ومسروق ، وغيرهما .

( حتى إذا فزع عن قلوبهم ) أي : زال الفزع عنها .

قال ابن عباس ، وابن عمر وأبو عبد الرحمن السلمي والشعبي ، وإبراهيم النخعي ، والضحاك والحسن ، وقتادة في قوله تعالى : ( حتى إذا فزع عن قلوبهم ) يقول : جلي عن قلوبهم ، وقرأ بعض السلف - وجاء مرفوعا - : " [ حتى ] إذا فرغ " بالغين المعجمة ، ويرجع إلى الأول .

فإذا كان كذلك يسأل بعضهم بعضا : ماذا قال ربكم ؟

فيخبر بذلك حملة العرش للذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم لمن تحتهم ، حتى ينتهي الخبر إلى أهل السماء الدنيا; ولهذا قال : ( قالوا الحق ) أي : أخبروا بما قال من غير زيادة ولا نقصان ، ( وهو العلي الكبير ) .

وقال آخرون : بل معنى قوله : ( حتى إذا فزع عن قلوبهم ) يعني : المشركين عند الاحتضار ، ويوم القيامة إذا استيقظوا مما كانوا فيه من الغفلة في الدنيا ، ورجعت إليهم عقولهم يوم القيامة ، قالوا : ماذا قال ربكم ؟

فقيل لهم : الحق وأخبروا به مما كانوا عنه لاهين في الدنيا .

قال ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : ( حتى إذا فزع عن قلوبهم ) : كشف عنها الغطاء يوم القيامة .

وقال الحسن : ( حتى إذا فزع عن قلوبهم ) يعني : ما فيها من الشك والتكذيب .

وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : ( حتى إذا فزع عن قلوبهم ) يعني : ما فيها من الشك ، قال : فزع الشيطان عن قلوبهم وفارقهم وأمانيهم وما كان يضلهم ، ( قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير ) قال : وهذا في بني آدم ، هذا عند الموت ، أقروا حين لا ينفعهم الإقرار .

وقد اختار ابن جرير القول الأول : أن الضمير عائد على الملائكة .

هذا هو الحق الذي لا مرية فيه ، لصحة الأحاديث فيه والآثار ، ولنذكر منها طرفا يدل على غيره : قال البخاري عند تفسير هذه الآية الكريمة في صحيحه : حدثنا الحميدي ، حدثنا سفيان ، حدثنا عمرو ، سمعت عكرمة ، سمعت أبا هريرة يقول : إن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال : " إذا قضى الله الأمر في السماء ، ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله ، كأنه سلسلة على صفوان ، فإذا فزع عن قلوبهم قالوا : ماذا قال ربكم ؟

قالوا للذي قال : الحق ، وهو العلي الكبير فيسمعها مسترق السمع ، ومسترق السمع - هكذا بعضه فوق بعض - ووصف سفيان بيده - فحرفها وبدد بين أصابعه - فيسمع الكلمة ، فيلقيها إلى من تحته ، ثم يلقيها الآخر إلى من تحته ، حتى يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن ، فربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها ، وربما ألقاها قبل أن يدركه ، فيكذب معها مائة كذبة ، فيقال : أليس قد قال لنا يوم كذا وكذا : كذا وكذا ؟

فيصدق بتلك الكلمة التي سمعت من السماء .

انفرد بإخراجه البخاري دون مسلم من هذا الوجه .

وقد رواه أبو داود ، والترمذي ، وابن ماجه ، من حديث سفيان بن عيينة ، به .

حديث آخر : قال الإمام أحمد : حدثنا محمد بن جعفر وعبد الرزاق : أخبرنا معمر ، أخبرنا الزهري ، عن علي بن الحسين ، عن ابن عباس قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم [ جالسا ] في نفر من أصحابه - قال عبد الرزاق : " من الأنصار " - فرمي بنجم فاستنار ، [ قال ] : " ما كنتم تقولون إذا كان مثل هذا في الجاهلية ؟

" قالوا : كنا نقول يولد عظيم ، أو يموت عظيم - قلت للزهري : أكان يرمى بها في الجاهلية ؟

قال : نعم ، ولكن غلظت حين بعث النبي صلى الله عليه وسلم - قال : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " فإنها لا يرمى بها لموت أحد ولا لحياته ، ولكن ربنا ، تبارك وتعالى ، إذا قضى أمرا سبح حملة العرش [ ثم سبح أهل السماء الذين يلونهم ، حتى يبلغ التسبيح هذه الدنيا ، ثم يستخبر أهل السماء الذين يلون حملة العرش ، فيقول الذين يلون حملة العرش لحملة العرش ] : ماذا قال ربكم ؟

فيخبرونهم ، ويخبر أهل كل سماء سماء; حتى ينتهي الخبر إلى هذه السماء ، وتخطف الجن السمع فيرمون ، فما جاءوا به على وجهه فهو حق ، ولكنهم يفرقون فيه ويزيدون .

هكذا رواه الإمام أحمد .

وقد أخرجه مسلم في صحيحه ، من حديث صالح بن كيسان ، والأوزاعي ، ويونس ومعقل بن عبيد الله ، أربعتهم عن الزهري ، عن علي بن الحسين ، عن ابن عباس عن رجل من الأنصار ، به .

ورواه وقال يونس : عن رجال من الأنصار ، وكذا رواه النسائي في " التفسير " من حديث الزبيدي ، عن الزهري ، به .

ورواه الترمذي فيه عن الحسين بن حريث; عن الوليد بن مسلم ، عن الأوزاعي ، عن الزهري ، عن عبيد الله بن عبد الله ، عن ابن عباس ، عن رجل من الأنصار ، رضي الله عنه ، والله أعلم .

حديث آخر : قال ابن أبي حاتم : حدثنا محمد بن عوف وأحمد بن منصور بن سيار الرمادي - والسياق لمحمد بن عوف - قالا حدثنا نعيم بن حماد ، حدثنا الوليد - هو ابن مسلم - عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر ، عن عبد الله بن أبي زكرياء ، عن رجاء بن حيوة ، عن النواس بن سمعان قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا أراد الله أن يوحي بأمره تكلم بالوحي ، فإذا تكلم أخذت السماوات منه رجفة - أو قال : رعدة - شديدة; من خوف الله ، فإذا سمع بذلك أهل السماوات صعقوا وخروا لله سجدا ، فيكون أول من يرفع رأسه جبريل فيكلمه الله من وحيه بما أراد ، فيمضي به جبريل على الملائكة ، كلما مر بسماء سماء سأله ملائكتها : ماذا قال ربنا يا جبريل ؟

فيقول : قال : الحق ، وهو العلي الكبير .

فيقولون كلهم مثل ما قال جبريل ، فينتهي جبريل بالوحي حيث أمره الله من السماء والأرض " .

وكذا رواه ابن جرير وابن خزيمة ، عن زكريا بن أبان المصري ، عن نعيم بن حماد ، به .

قال ابن أبي حاتم : سمعت أبي يقول : ليس هذا الحديث بالشام عن الوليد بن مسلم ، رحمه الله .

وقد روى ابن أبي حاتم من حديث العوفي ، عن ابن عباس - وعن قتادة : أنهما فسرا هذه الآية بابتداء إيحاء الله سبحانه إلى محمد صلى الله عليه وسلم بعد الفترة التي كانت بينه وبين عيسى ، ولا شك أن هذا أولى ما دخل في هذه الآية .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (23) يقول تعالى ذكره: ولا تنفع شفاعة شافع كائنًا من كان الشافع لمن شفع له، إلا أن يشفع لمن أذن الله في الشفاعة، يقول تعالى: فإذا كانت الشفاعات لا تنفع عند الله أحدًا إلا لمن أذن الله في الشفاعة له، والله لا يأذن لأحد من أوليائه في الشفاعة لأحد من الكفرة به وأنتم أهل كفر به أيها المشركون، فكيف تعبدون من تعبدونه من دون الله زعمًا منكم أنكم تعبدونه ليقربكم إلى الله زلفى وليشفع لكم عند ربكم.

فـ " مَن " إذ كان هذا معنى الكلام التي في قوله (إِلا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ) : المشفوع له.

واختلفت القراء في قراءة قوله (أُذِنَ لَهُ) فقرأ ذلك عامة القراء بضم الألف من (أُذِنَ لَهُ) على وجه ما لم يسم فاعله، وقرأه بعض الكوفيين (أَذِنَ لَهُ) على اختلاف أيضًا عنه فيه، بمعنى أذن الله له.

وقوله (حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ) يقول: حتى إذا جُلِىَ عن قلوبهم وكشف عنها الفزع وذهب.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثني علي قال: ثنا أَبو صالح قال: حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله (حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ) يعني: جُلِيَ.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أَبو عاصم، قال: ثنا عيسى، &; 20-396 &; وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد (حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ) قال: كشف عنها الغطاء يوم القيامة.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قال: إذا جلي عن قلوبهم.

واختلف أهل التأويل في الموصوفين بهذه الصفة من هم؟

وما السبب الذي من أجله فزِّع عن قلوبهم؟

فقال بعضهم: الذي فزع عن قلوبهم الملائكة، قالوا: وإنما يفزِّع عن قلوبهم من غشية تصيبهم عند سماعهم الله بالوحي.

* ذكر من قال ذلك: حدثني يعقوب قال: ثنا ابن عُلية، عن داود عن الشعبي قال: قال ابن مسعود في هذه الآية (حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ) قال: إذا حدث أمر عند ذي العرش سمع مَن دونه من الملائكة صوتًا كجر السلسلة على الصفا فيُغشى عليهم، فإذا ذهب الفزع عن قلوبهم تنادوا: (مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ)؟

قال: فيقول: من شاء قال الحق وهو العلي الكبير.

حدثنا ابن عبد الأعلى قال: ثنا المعتمر قال: سمعت داود، عن عامر، عن مسروق قال: إذا حدث عند ذي العرش أمر سمعت الملائكة صوتًا كجر السلسلة على الصفا، قال: فيُغشى عليهم، فإذا فزع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟

قال: فيقول من شاء الله الحق وهو العلي الكبير.

حدثنا ابن المثنى قال: ثني عبد الأعلى قال: ثنا داود، عن عامر، عن ابن مسعود أنه قال: إذا حدث أمر عند ذي العرش.

ثم ذكر نحو معناه إلا أنه قال: فيُغشى عليهم من الفزع، حتى إذا ذهب ذلك عنهم تنادوا: ماذا قال ربكم؟

حدثنا ابن حميد قال: ثنا جرير، عن منصور، عن إبراهيم، عن عبد الله بن مسعود في قوله (حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ) قال: إن الوحي إذا أُلقِي سمع أهل السماوات صلصلة كصلصلة السلسلة على الصفوان، قال: فيتنادون في &; 20-397 &; السماوات: ماذا قال ربكم؟

قال: فيتنادون الحق وهو العلي الكبير.

وبه عن منصور عن أَبي الضحى عن مسروق عن عبد الله، مثله.

حدثنا ابن حميد قال: ثنا يعقوب عن جعفر عن سعيد، قال: ينـزل الأمر من عند رب العزة إلى السماء الدنيا؛ فيفزَع أهل السماء الدنيا، حتى يستبين لهم الأمر الذي نـزل فيه، فيقول بعضهم لبعض: ماذا قال ربكم؟

فيقولون: قال الحق وهو العلي الكبير، فذلك قوله (حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ ...) الآية.

حدثنا أحمد بن عبدة الضَّبي قال: ثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار عن عكرمة قال: ثنا أَبو هريرة عن النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: " إن الله إذا قضى أمرًا في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها جميعًا، ولقوله صوت كصوت السلسلة على الصفا الصفوان فذلك قوله ( حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ ) .

حدثني يعقوب قال: ثنا ابن عُلية، قال: ثنا أيوب عن هشام بن عروة قال: قال الحارث بن هشام لرسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: كيف يأتيك الوحي؟

قال: " يأتيني في صلصَلةٍ كصلصلة الجرس، فَيَفصِمُ عني حين يَفْصِمُ وقد وَعَيتُه ويأتي أحيَانًا في مِثْلِ صُورة الرجل، فيكلِّمُني به كلامًا هو أهونُ عليَّ".

حدثني زكريا بن أبان المصري، قال: ثنا نعيم قال: ثنا الوليد بن مسلم، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن ابن أَبي زكريا، عن جابر بن حَيْوَة، عن النَّواس بن سمعان قال: قال رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: " إذا أراد الله أن يُوحِيَ بالأمرِ تكلَّمَ بالوَحي، أخذَتِ السماوات منه رَجفةٌ أو قال رِعْدَةٌ شديدةٌ خوفَ أمرِ الله فإذا سمِعَ بذلك أهل السماوات صَعِقوا وخرُّوا لله سجَّدًا فيكون أول من يرفع رأسَهُ جبرائيل فيكلمُه الله من وحيه بما أراد، ثم يمر جبرائيل على الملائكة كلما مر بسماء سأله ملائكتها: ماذا قال ربنا يا جبرائيل؟

فيقول &; 20-398 &; جبرائيل: قال الحقَّ وهو العلي الكبير، قال: فيقولون كلهم مثل ما قال جبرائيل، فينتهي جبرائيل بالوحي حيث أمره الله ".

حُدثت عن الحسين ، قال: سمعت أبا معاذ قال: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله (حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ ...) الآية، قال: كان ابن عباس يقول: إن الله لما أراد أن يوحي إلى محمد، دعا جبريل، فلما تكلم ربنا بالوحي ، كان صوته كصوت الحديد على الصفا، فلما سمع أهل السماوات صوت الحديد خروا سُجَّدًا، فلما أتى عليهم جبرائيل بالرسالة رفعوا رءوسهم ، فقالوا: ( مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ ) وهذا قول الملائكة.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله (حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ ...) إلى (وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ) قال: لما أوحى الله تعالى ذكره إلى محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم دعا الرسول من الملائكة فبعث بالوحي، سمعت الملائكة صوت الجبار يتكلم بالوحي فلما كشف عن قلوبهم سألوا عما قال الله فقالوا الحق وعلموا أن الله لا يقول إلا حقًّا وأنه منجز ما وعد، قال ابن عباس: وصوت الوحي كصوت الحديد على الصفا فلما سمعوه خروا سجدا، فلما رفعوا رءوسهم ( قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ ) ثم أمر الله نبيه أن يسأل الناس قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ ...

إلى قوله فِي ضَلالٍ مُبِينٍ .

حدثنا ابن بشار قال: ثنا أَبو عامر قال: ثنا قرة عن عبد الله بن القاسم في قوله (حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ ...) الآية، قال: الوحي ينـزل من السماء، فإذا قضاه ( قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ ) .

حدثنا ابن حميد قال: ثنا جرير عن مغيرة عن إبراهيم عن عبد الله في قوله (حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ) قال: إن الوحي إذا قضي في زوايا السماء، قال: مثل وقع الفولاذ على الصخرة، قال: فيشفقون لا يدرون ما حدث فيفزعون، فإذا مرت بهم الرسل ( قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ ) .

وقال آخرون ممن قال: الموصوفون بذلك الملائكة، إنما يفزع عن قلوبهم فزعُهم من قضاء الله الذي يقضيه حذرًا أن يكون ذلك قيام الساعة.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله (حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ ...) الآية، قال: يوحي الله إلى جبرائيل فتفْرَق الملائكة، أو تفزع مخافة أن يكون شيء من أمر الساعة، فإذا جُلِيَ عن قلوبهم وعلموا أنه ليس ذلك من أمر الساعة ( قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ ).

وقال آخرون: بل ذلك من فعل ملائكة السماوات إذا مرت بها المعقِّبات فزعًا أن يكون حدث أمر الساعة.

* ذكر من قال ذلك: حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله (حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ ...) الآية، زعم ابن مسعود أن الملائكة المعقبات الذين يختلفون إلى الأرض يكتبون أعمالهم، إذا أرسلهم الرب فانحدروا سمع لهم صوت شديد، فيحسب الذين هم أسفل منهم من الملائكة أنه من أمر الساعة، فخروا سجدًا، وهكذا كلما مروا عليهم يفعلون ذلك من خوف ربهم.

وقال آخرون: بل الموصوفون بذلك المشركون، قالوا: وإنما يفزِّع الشيطان عن قلوبهم، قال: وإنما يقولون: ماذا قال ربكم عند نـزول المنية بهم.

* ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله (حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ) قال: فزع الشيطان عن قلوبهم وفارقهم وأمانيهم، وما كان يضلهم ( قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ ) قال: وهذا في بني آدم، وهذا عند الموت أقروا به حين لم ينفعهم الإقرار.

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب القول الذي ذكره الشعبي عن ابن مسعود لصحة الخبر الذي ذكرناه عن ابن عباس عن رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم بتأييده.

وإذ كان ذلك كذلك، فمعنى الكلام: لا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له أن يشفع عنده، فإذا أذن الله لمن أذن له أن يشفع فزع لسماعه إذنه، حتى إذا فزِّع عن قلوبهم فجلِّيَ عنها، وكشف الفزع عنهم قالوا: ماذا قال ربكم؟

قالت الملائكة: الحق، (وَهُوَ الْعَلِيُّ) على كل شيء (الْكَبِيرُ) الذي لا شيء دونه.

والعرب تستعمل " فزِّع " في معنيين فتقول للشجاع الذي به تنـزل الأمور التي يفزع منها: هو مفزَّع، وتقول للجبان الذي يفزَع من كل شيء: إنه لمفزَّع، وكذلك تقول للرجل الذي يقضي له الناس في الأمور بالغلبة على من نازله فيها: هو مغلِّب، وإذا أريد به هذا المعنى كان غالبًا، وتقول للرجل أيضًا الذي هو مغلوب أبدًا: مغلَّب.

وقد اختلفت القراء في قراءة ذلك؛ فقرأته عامة قراء الأمصار أجمعون (فُزِّعَ) بالزاي والعين على التأويل الذي ذكرناه عن ابن مسعود ومن قال بقوله في ذلك، وروي عن الحسن أنه قرأ ذلك (حَتَّى إِذَا فُرِغَ عَنْ قُلُوبِهِمْ) بالراء والغين على التأويل الذي ذكرناه عن ابن زيد.

وقد يحتمل توجيه معنى قراءة الحسن ذلك كذلك، إلى (حَتَّى إِذَا فُرِغَ عَنْ قُلُوبِهِمْ) فصارت فارغة من الفزع الذي كان حل بها، ذُكر عن مجاهد أنه قرأ ذلك (فُزِعَ) بمعنى: كشف الله الفزع عنها.

والصواب من القراءة في ذلك القراءة بالزاي والعين لإجماع الحجة من القراء وأهل التأويل عليها، ولصحة الخبر الذي ذكرناه عن رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم بتأييدها، والدلالة على صحتها.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبيرقوله تعالى : ولا تنفع الشفاعة أي شفاعة الملائكة وغيرهم .

عنده أي عند الله .

إلا لمن أذن له قراءة العامة ( أذن ) بفتح الهمزة ; لذكر الله تعالى أولا .

وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي ( أذن ) بضم الهمزة على ما لم يسم فاعله .

والآذن هو الله تعالى .

و ( من ) [ ص: 266 ] يجوز أن ترجع إلى الشافعين ، ويجوز أن ترجع إلى المشفوع لهم .

حتى إذا فزع عن قلوبهم قال ابن عباس : خلي عن قلوبهم الفزع .

قطرب : أخرج ما فيها من الخوف .

مجاهد : كشف عن قلوبهم الغطاء يوم القيامة ; أي أن الشفاعة لا تكون من أحد هؤلاء المعبودين من دون الله من الملائكة والأنبياء والأصنام ; إلا أن الله تعالى يأذن للأنبياء والملائكة في الشفاعة وهم على غاية الفزع من الله ; كما قال : وهم من خشيته مشفقون والمعنى : أنه إذا أذن لهم في الشفاعة وورد عليهم كلام الله فزعوا ; لما يقترن بتلك الحال من الأمر الهائل والخوف أن يقع في تنفيذ ما أذن لهم فيه تقصير ، فإذا سري عنهم قالوا للملائكة فوقهم وهم الذين يوردون عليهم الوحي بالإذن ماذا قال ربكم أي ماذا أمر الله به فيقولون لهم : قالوا الحق وهو أنه أذن لكم في الشفاعة للمؤمنين .

( وهو العلي الكبير ) فله أن يحكم في عباده بما يريد .ويجوز أن يكون هذا إذنا لهم في الدنيا في شفاعة أقوام ، ويجوز أن يكون في الآخرة .

وفي الكلام إضمار ; أي ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له ففزع لما ورد عليه من الإذن تهيبا لكلام الله تعالى ، حتى إذا ذهب الفزع عن قلوبهم أجاب بالانقياد .

وقيل : هذا الفزع يكون اليوم للملائكة في كل أمر يأمر به الرب تعالى ; أي لا تنفع الشفاعة إلا من الملائكة الذين هم اليوم فزعون ، مطيعون لله تعالى دون الجمادات والشياطين .

وفي صحيح الترمذي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم : إذا قضى الله في السماء أمرا ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله كأنها سلسلة على صفوان فإذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير - قال - والشياطين بعضهم فوق بعض قال : حديث حسن صحيح .

وقال النواس بن سمعان قال النبي صلى الله عليه وسلم : إن الله إذا أراد أن يوحي بالأمر تكلم بالوحي أخذت السماوات منه رجفة أو رعدة شديدة خوفا من الله تعالى فإذا سمع أهل السماوات ذلك صعقوا وخروا لله تعالى سجدا فيكون أول من يرفع رأسه جبريل فيكلمه الله تعالى ويقول له من وحيه ما أراد ثم يمر جبريل بالملائكة كلما مر بسماء سأله ملائكتها ماذا قال ربنا يا جبريل فيقول جبريل قال الحق وهو العلي الكبير - قال فيقول كلهم كما قال جبريل فينتهي جبريل بالوحي حيث أمره الله تعالى .

وذكر البيهقي عن ابن عباس في قوله تعالى : حتى إذا فزع عن قلوبهم [ ص: 267 ] قال : كان لكل قبيل من الجن مقعد من السماء يستمعون منه الوحي ، وكان إذا نزل الوحي سمع له صوت كإمرار السلسلة على الصفوان ، فلا ينزل على أهل سماء إلا صعقوا فإذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير ، ثم يقول يكون العام كذا ويكون كذا فتسمعه الجن فيخبرون به الكهنة والكهنة الناس يقولون يكون العام كذا وكذا فيجدونه كذلك ; فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم دحروا بالشهب فقالت العرب حين لم تخبرهم الجن بذلك : هلك من في السماء ، فجعل صاحب الإبل ينحر كل يوم بعيرا ، وصاحب البقر ينحر كل يوم بقرة ، وصاحب الغنم ينحر كل يوم شاة ; حتى أسرعوا في أموالهم فقالت ثقيف وكانت أعقل العرب : أيها الناس !

أمسكوا على أموالكم ، فإنه لم يمت من في السماء ، وإن هذا ليس بانتثار ، ألستم ترون معالمكم من النجوم كما هي والشمس والقمر والليل والنهار !

قال فقال إبليس : لقد حدث في الأرض اليوم حدث ، فأتوني من تربة كل أرض فأتوه بها ، فجعل يشمها فلما شم تربة مكة قال من هاهنا جاء الحدث ; فنصتوا فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بعث .

وقد مضى هذا المعنى مرفوعا مختصرا في سورة ( الحجر ) ، ومعنى القول أيضا في رميهم بالشهب وإحراقهم بها ، ويأتي في سورة ( الجن ) بيان ذلك إن شاء الله تعالى .وقيل : إنما يفزعون من قيام الساعة .

وقال الكلبي وكعب : كان بين عيسى ومحمد عليهما السلام فترة خمسمائة وخمسون سنة لا يجيء فيها الرسل ، فلما بعث الله تعالى محمدا صلى الله عليه وسلم كلم الله تعالى جبريل بالرسالة ، فلما سمعت الملائكة الكلام ظنوا أنها الساعة قد قامت ، فصعقوا مما سمعوا ، فلما انحدر جبريل عليه السلام جعل يمر بكل سماء فيكشف عنهم فيرفعون رءوسهم ويقول بعضهم لبعض ماذا قال ربكم فلم يدروا ما قال ولكنهم قالوا قال الحق وهو العلي الكبير ، وذلك أن محمدا عليه السلام عند أهل السماوات من أشراط الساعة .

وقال الضحاك : إن الملائكة المعقبات الذين يختلفون إلى أهل الأرض يكتبون أعمالهم ، يرسلهم الرب تبارك وتعالى ، فإذا انحدروا سمع لهم صوت شديد فيحسب الذين هم أسفل من الملائكة أنه من أمر الساعة ، فيخرون سجدا ويصعقون حتى يعلموا أنه ليس من أمر الساعة .

وهذا تنبيه من الله تعالى وإخبار أن الملائكة مع اصطفائهم ورفعتهم لا يمكن أن يشفعوا لأحد حتى يؤذن لهم ، فإذا أذن لهم وسمعوا صعقوا ، وكان هذه حالهم ، فكيف تشفع الأصنام أو كيف تؤملون أنتم الشفاعة ولا تعترفون بالقيامة ؟

وقال الحسن وابن زيد ومجاهد : حتى إذا كشف الفزع عن قلوب المشركين .

قال الحسن ومجاهد وابن زيد : في الآخرة عند نزول الموت ، إقامة للحجة عليهم ، قالت الملائكة لهم : ماذا قال ربكم في الدنيا قالوا الحق وهو العلي الكبير ، فأقروا حين لا ينفعهم الإقرار ، أي قالوا [ ص: 268 ] قال الحق .

وقراءة العامة فزع عن قلوبهم .

وقرأ ابن عباس فزع عن قلوبهم مسمى الفاعل وفاعله ضمير يرجع إلى اسم الله تعالى .

ومن بناه للمفعول فالجار والمجرور في موضع رفع ، والفعل في المعنى لله تبارك وتعالى ، والمعنى في القراءتين : أزيل الفزع عن قلوبهم ، حسبما تقدم بيانه .

ومثله : أشكاه ، إذا أزال عنه ما يشكوه .

وقرأ الحسن : ( فزع ) مثل قراءة العامة ، إلا أنه خفف الزاي ، والجار والمجرور في موضع رفع أيضا ; وهو كقولك : انصرف عن كذا إلى كذا .

وكذا معنى ( فرغ ) بالراء والغين المعجمة والتخفيف ، غير مسمى الفاعل ، رويت عن الحسن أيضا وقتادة .

وعنهما أيضا ( فرغ ) بالراء والغين المعجمة مسمى الفاعل ، والمعنى : فرغ الله تعالى قلوبهم أي كشف عنها ، أي فرغها من الفزع والخوف ، وإلى ذلك يرجع البناء للمفعول ، على هذه القراءة .

وعن الحسن أيضا ( فرغ ) بالتشديد .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

فلم يبق إلا الشفاعة, فنفاها بقوله: { وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ } فهذه أنواع التعلقات, التي يتعلق بها المشركون بأندادهم, وأوثانهم, من البشر, والشجر, وغيرهم, قطعها اللّه وبيَّن بطلانها, تبيينا حاسما لمواد الشرك, قاطعا لأصوله، لأن المشرك إنما يدعو ويعبد غير اللّه, لما يرجو منه من النفع, فهذا الرجاء, هو الذي أوجب له الشرك، فإذا كان من يدعوه غير اللّه ،لا مالكا للنفع والضر, ولا شريكا للمالك, ولا عونا وظهيرا للمالك, ولا يقدر أن يشفع بدون إذن المالك, كان هذا الدعاء, وهذه العبادة, ضلالا في العقل, باطلة في الشرع.بل ينعكس على المشرك مطلوبه ومقصوده, فإنه يريد منها النفع، فبيَّن اللّه بطلانه وعدمه, وبيَّن في آيات أخر, ضرره على عابديه وأنه يوم القيامة, يكفر بعضهم ببعض, ويلعن بعضهم بعضا, ومأواهم النار { وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ } والعجب, أن المشرك استكبر عن الانقياد للرسل, بزعمه أنهم بشر, ورضي أن يعبد ويدعو الشجر, والحجر, استكبر عن الإخلاص للملك الرحمن الديان, ورضي بعبادة من ضره أقرب من نفعه, طاعة لأعدى عدو له وهو الشيطان.وقوله: { حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ } يحتمل أن الضمير في هذا الموضع, يعود إلى المشركين, لأنهم مذكورون في اللفظ، والقاعدة في الضمائر, أن تعود إلى أقرب مذكور، ويكون المعنى: إذا كان يوم القيامة, وفزع عن قلوب المشركين, أي: زال الفزع, وسئلوا حين رجعت إليهم عقولهم, عن حالهم في الدنيا, وتكذيبهم للحق الذي جاءت به الرسل, أنهم يقرون, أن ما هم عليه من الكفر والشرك, باطل, وأن ما قال اللّه, وأخبرت به عنه رسله, هو الحق فبدا لهم ما كانوا يخفون من قبل وعلموا أن الحق للّه, واعترفوا بذنوبهم.{ وَهُوَ الْعَلِيُّ } بذاته, فوق جميع مخلوقاته وقهره لهم, وعلو قدره, بما له من الصفات العظيمة, جليلة المقدار { الْكَبِيرُ } في ذاته وصفاته.ومن علوه, أن حكمه تعالى, يعلو, وتذعن له النفوس, حتى نفوس المتكبرين والمشركين.وهذا المعنى أظهر, وهو الذي يدل عليه السياق، ويحتمل أن الضمير يعود إلى الملائكة, وذلك أن اللّه تعالى إذا تكلم بالوحي, سمعته الملائكة, فصعقوا, وخروا للّه سجدا، فيكون أول من يرفع رأسه جبريل, فيكلمه اللّه من وحيه بما أراد، وإذا زال الصعق عن قلوب الملائكة, وزال الفزع, فيسأل بعضهم بعضا عن ذلك الكلام الذي صعقوا منه: ماذا قال ربكم؟

فيقول بعضهم لبعض: قال الحق, إما إجمالا, لعلمهم أنه لا يقول إلا حقا، وإما أن يقولوا: قال كذا وكذا, للكلام الذي سمعوه منه, وذلك من الحق.فيكون المعنى على هذا: أن المشركين الذين عبدوا مع اللّه تلك الآلهة, التي وصفنا لكم عجزها ونقصها, وعدم نفعها بوجه من الوجوه, كيف صدفوا وصرفوا عن إخلاص العبادة للرب العظيم, العلي الكبير, الذي - من عظمته وجلاله - أن الملائكة الكرام, والمقربين من الخلق, يبلغ بهم الخضوع والصعق, عند سماع كلامه هذا المبلغ, ويقرون كلهم للّه, أنه لا يقول إلا الحق.فما بال هؤلاء المشركين, استكبروا عن عبادة من هذا شأنه, وعظمة ملكه وسلطانه.

فتعالى العلي الكبير, عن شرك المشركين, وإفكهم, وكذبهم.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له ) الله في الشفاعة ، قاله تكذيبا لهم حيث قالوا : هؤلاء شفعاؤنا عند الله ، ويجوز أن يكون المعنى إلا لمن أذن الله في أن يشفع له ، وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي : ) ( أذن ) بضم الهمزة .

( حتى إذا فزع عن قلوبهم ) قرأ ابن عامر ، ويعقوب بفتح الفاء والزاي ، وقرأ الآخرون بضم الفاء وكسر الزاي أي : كشف الفزع وأخرج عن قلوبهم ، فالتفريغ إزالة الفزع كالتمريض والتفريد .

واختلفوا في الموصوفين بهذه الصفة ، فقال قوم : هم الملائكة ، ثم اختلفوا في ذلك السبب فقال بعضهم : إنما يفزع عن قلوبهم من غشية تصيبهم عند سماع كلام الله - عز وجل - .

وروينا عن أبي هريرة أن نبي الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله كأنه سلسلة على صفوان فإذا فزع عن قلوبهم ( قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير ) أخبرنا أبو سعيد الشريحي ، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي ، قال : أنبأني محمد بن الفضل بن محمد ، أخبرنا أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة ، أخبرنا زكريا بن يحيى بن أبان المصري ، أخبرنا نعيم بن حماد ، أخبرنا أبو الوليد بن مسلم ، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر ، عن أبي زكريا ، عن رجاء بن حيوة ، عن النواس بن سمعان قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إذا أراد الله أن يوحي بالأمر تكلم بالوحي أخذت السماوات منه رجفة أو قال : رعدة شديدة خوفا من الله تعالى ، فإذا سمع بذلك أهل السماوات صعقوا وخروا لله سجدا ، فيكون أول من يرفع رأسه جبريل ، فيكلمه الله من وحيه بما أراد ، ثم يمر جبريل على الملائكة كلما مر بسماء سأله ملائكتها ماذا قال ربنا يا جبريل ؟

فيقول جبريل : قال الحق وهو العلي الكبير ، قال فيقولون كلهم مثل ما قال جبريل ، فينتهي جبريل بالوحي حيث أمره الله " .

وقال بعضهم إنما يفزعون حذرا من قيام الساعة .

قال مقاتل والكلبي والسدي : كانت الفترة بين عيسى ومحمد عليهما السلام ، خمسمائة وخمسين سنة ، وقيل ستمائة سنة لم تسمع الملائكة فيها وحيا ، فلما بعث الله محمدا - صلى الله عليه وسلم - بالرسالة فلما سمعت الملائكة ظنوا أنها الساعة ، لأن محمدا - صلى الله عليه وسلم - عند أهل السماوات من أشراط الساعة ، فصعقوا مما سمعوا خوفا من قيام الساعة ، فلما انحدر جبريل جعل يمر بأهل كل سماء فيكشف عنهم فيرفعون رؤوسهم ويقول بعضهم لبعض : ماذا قال ربكم ؟

قالوا : قال الحق ، يعني الوحي ، وهو العلي الكبير .

وقال جماعة : الموصوفون بذلك المشركون .

قال الحسن وابن زيد : حتى إذا كشف الفزع عن قلوب المشركين عند نزول الموت بهم إقامة للحجة عليهم قالت لهم الملائكة ماذا قال ربكم في الدنيا ؟

قالوا : الحق ، فأقروا به حين لا ينفعهم الإقرار .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ولا تنفع الشفاعة عنده» تعالى ردا لقولهم إن آلهتهم تشفع عنده «إلا لمن أذن» بفتح الهمزة وضمها «له» فيها «حتى إذا فَزَّع» بالبناء والمفعول «عن قلوبهم» كشف عنها الفزع بالإذن فيها «قالوا» قال بعضهم لبعض استبشارا «ماذا قال ربكم» فيها «قالوا» القول «الحق» أي قد أذن فيها «وهو العليّ» فوق خلقه بالقهر «الكبير» العظيم.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ولا تنفع شفاعة الشافع عند الله تعالى إلا لمن أذن له.

ومن عظمته وجلاله عز وجل أنه إذا تكلم سبحانه بالوحي فسمع أهل السماوات كلامه أُرعدوا من الهيبة، حتى يلحقهم مثل الغشي، فإذا زال الفزع عن قلوبهم سأل بعضهم بعضًا: ماذا قال ربكم؟

قالت الملائكة: قال الحق، وهو العليُّ بذاته وقهره وعلوِّ قدْره، الكبير على كل شيء.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم نفى - سبحانه - أن تكون هناك شفاعة من أحد لأحد إلا بإذنه - تعالى - فقال : ( وَلاَ تَنفَعُ الشفاعة عِندَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ ) .والشفاعة : من الشفع الذى هو ضد الوتر - أى : الفرد - ، ومعناها : انضمام الغير إلى الشخص ليدفع عنه ما يمكن دفعه من ضر .أى : ولا تنفع الشفاعة عند الله - تعالى - من أحد لأحد ، إلا لمن أذن الله - تعالى - له فى ذلك .قال الآلوسى ما ملخصه : والمراد نفى شفاعة الأصنام لعابديها ، ولكنه - سبحانه - ذكر على وجه عام ، ليكون طريقا برهانيا .

أى : لا تنفع الشفاعة فى حال من الأحوال ، أو كائنة لمن كانت ، إلا كائنة لشافع أذن له فيها من النبيين والملائكة ونحوهم من المستأهلين لمقام الشفاعة .

ومن البين أنه لا يؤذن فى الشفاعة للكفار ، فقد قال - تعالى - :( لاَّ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحمن وَقَالَ صَوَاباً ) والشفاعة لهم بمعزل عن الصواب ، وعدم الإِذن للأصنام أبين وأبين ، فتبين حرمان هؤلاء الكفرة منها بالكلية .

.

.وقوله : ( حتى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُواْ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُواْ الحق .

.

) بيان لما يكون عليه المتظرون للشفاعة ، من لهفة وقلق .والتضعيف فى قوله ( فُزِّعَ ) للسلب .

كما فى قولهم : مَرَّضت المريض إذا عملت على إزالة مرضه .فمعنى : ( فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ ) : كشف الفزع عنها ، وهدأت أحوالها بعد أن أصابها ما أصابها من هول وخوف فى هذا اليوم الشديد ، وهو ويم القيامة .و ( حتى ) غاية لما فهم من الكلام قبلها ، من أن هناك تلهفا وترقبا من الراجين للشفاعة ومن الشفعاء ، إذ الكل منتظر بقلق لما يؤول إليه أمره من قبول الشفاعة أو عدم قبولها .والمعنى : ولا تقبل الشفاعة يوم القيامة من أحد إلا لمن أذن الله - تعالى - له فى ذلك ، وفى هذا اليوم الهائل الشديد ، يقف الناس فى قلق ولهفة منتظرين قبول الشفاعة فيهم .

حتى إذا كشف الفزع عن قلوب الشافعين والمشفوع لهم ، بسبب إذن الله - تعالى - فى قبولها ممن يشاء ولمن يشاء ، واستبشر الناس وقال بعضهم لبعض ، أو قالوا للملائكة : ( مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ ) أى : ماذا قال ربكم فى شأننا ومصيرنا .وهنا تقول لهم الملائكة ، أو يقول بعضهم لبعض : ( قَالُواْ الحق ) أى : يقولون قال ربنا القول الحق وهو الإِذن فى الشفاعة لمن ارتضى .فلفظ ( الحق ) منصوب بفعل مضمر .

أى : قالوا قال ربنا الحق أو صفة لموصوف محذوف .

أى : قالوا : قال ربنا القول ارتضى .( وَهُوَ ) - سبحانه - ( العلي ) أى : المتفرد بالعلو فوق خلقه ( الكبير ) أى : المتفرد بالكبرياء والعظمة .قال صاحب الكشاف - رحمة الله - : فإن قلت : بم اتصل قوله : ( حتى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ ) ، ولأى شئ وقعت حتى غاية؟

.قلت : اتصل بما فهم من هذا الكلام ، من أن ثم انتضارا للإِذن وتوقعها وتمهلا وفزعا من لاراجين للشفاعة والشفعاء ، هل يؤذون لهم أولا؟

وأنه لا يطلق الإِذن إلا بعد ملىِّ من الزمان ، وطول التربص .

.كأنه قيل : ينتظرون ويتوقفون كليا فزعين وهلين ، حتى إذا كشف الفزع عن قلوب الشافعين والمشفوع لهم ، بكلمة يتكلم بها رب العزة فى إطلاق الإِذن : تباشروا بذلك وسأل بعضهم بعضا ( مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُواْ ) قال ( الحق ) أى : القول الحق ، وهو الإِذن بالشفاعة لمن ارتضى .

.

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

لما بين الله تعالى حال الشاكرين وحال الكافرين وذكرهم بمن مضى عاد إلى خطابهم وقال لرسوله صلى الله عليه وسلم قل للمشركين ادعوا الذين زعمتم من دون الله ليكشفوا عنكم الضر على سبيل التهكم ثم بين أنهم لا يملكون شيئاً بقوله: ﴿ لاَ يَمْلِكُونَ مِثُقَالَ ذَرَّةٍ فِي السموات وَلاَ فِي الأرض ﴾ .

واعلم أن المذاهب المفضية إلى الشرك أربعة أحدها: قول من يقول الله تعالى خلق السماء والسماويات وجعل الأرض والأرضيات في حكمهم، ونحن من جملة الأرضيات فنعبد الكواكب والملائكة التي في السماء فهم آلهتنا والله إلههم، فقال الله تعالى في إبطال قولهم: إنهم لا يملكون في السموات شيئاً كما اعترفتم، قال ولا في الأرض على خلاف ما زعمتم.

وثانيها: قول من يقول السموات من الله على سبيل الاستبداد والأرضيات منه ولكن بواسطة الكواكب فإن الله خلق العناصر والتركيبات التي فيها بالاتصالات والحركات والطوالع فجعلوا لغير الله معه شركاً في الأرض والأولون جعلوا الأرض لغيره والسماء له، فقال في إبطال قولهم: ﴿ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ ﴾ أي الأرض كالسماء لله لا لغيره، ولا لغيره فيها نصيب.

وثالثها: قول من قال: التركيبات والحوادث كلها من الله تعالى لكن فوض ذلك إلى الكواكب، وفعل المأذون ينسب إلى الآذن ويسلب عن المأذون فيه، مثاله إذا ملك لمملوكه اضرب فلاناً فضربه يقال في العرف الملك ضربه ويصح عرفاً قول القائل ما ضرب فلان فلاناً، وإنما الملك أمر بضربه فضرب، فهؤلاء جعلوا السماويات معينات لله فقال تعالى في إبطال قولهم: ﴿ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مّن ظَهِيرٍ ﴾ ما فوض إلى شيء شيئاً، بل هو على كل شيء حفيظ ورقيب.

ورابعها: قول من قال إنا نعبد الأصنام التي هي صور الملائكة ليشفعوا لنا فقال تعالى في إبطال قولهم: ﴿ وَلاَ تَنفَعُ الشفاعة عِندَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ ﴾ فلا فائدة لعبادتكم غير الله فإن الله لا يأذن في الشفاعة لمن يعبد غيره فبطلبكم الشفاعة تفوتون على أنفسكم الشفاعة وقوله: ﴿ حتى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ ﴾ أي أزيل الفزع عنهم، يقال قرد البعير إذا أخذ منه القراد ويقال لهذا تشديد السلب، وفي قوله تعالى: ﴿ حتى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُواْ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُواْ الحق ﴾ وجوه: أحدها: الفزع الذي عند الوحي فإن الله عندما يوحي يفزع من في السموات، ثم يزيل الله عنهم الفزع فيقولون لجبريل عليه السلام ماذا قال الله؟

فيقول قال الحق أي الوحي.

وثانيها: الفزع الذي من الساعة وذلك لأن الله تعالى لما أوحى إلى محمد عليه السلام فزع من في السموات من القيامة لأن إرسال محمد عليه السلام من أشراط الساعة، فلما زال عنهم ذلك الفزع قالوا ماذا قال الله قال جبريل ﴿ الحق ﴾ أي الوحي.

وثالثها: هو أن الله تعالى يزيل الفزع وقت الموت عن القلوب فيعترف كل أحد بأن ما قال الله تعالى هو الحق فينفع ذلك القول من سبق ذلك منه، ثم يقبض روحه على الإيمان المتفق عليه بينه وبين الله تعالى، ويضر ذلك القول من سبق منه خلافه فيقبض روحه على الكفر المتفق بينه وبين الله تعالى: إذا علمت هذا فنقول على القولين الأولين قوله تعالى: ﴿ حتى ﴾ غاية متعلقة بقوله تعالى: ﴿ قُلْ ﴾ لأنه بينه بالوحي لأن قول القائل قل لفلان للإنذار حتى يسمع المخاطب ما يقوله، ثم يقول بعد هذا الكلام ما يجب قوله فلما قال: ﴿ قُلْ ﴾ فزع من في السموات، ثم أزيل عنه الفزع، وعلى الثالث متعلق بقوله تعالى: ﴿ زَعَمْتُمْ ﴾ أي زعمتم الكفر إلى غاية التفزيع، ثم تركتم ما زعمتم وقلتم قال الحق، وعلى القولين الأولين فاعل قوله تعالى: ﴿ قَالُواْ مَاذَا ﴾ هو الملائكة السائلون من جبريل، وعلى الثالث الكفار السائلون من الملائكة والفاعل في قوله: ﴿ الحق ﴾ على القولين الأولين هم الملائكة، وعلى الثالث هم المشركون.

واعلم أن الحق هو الموجود ثم إن الله تعالى لما كان وجوده لا يرد عليه عدم كان حقاً مطلقاً لا يرتفع بالباطل الذي هو العدم والكلام الذي يكون صدقاً يسمى حقاً، لأن الكلام له متعلق في الخارج بواسطة أنه متعلق بما في الذهن، والذي في الذهن متعلق بما في الخارج فإذا قال القائل جاء زيد يكون هذا اللفظ تعلقه بما في ذهن القائل وذهن القائل تعلقه بما في الخارج لكن للصدق متعلق يكون في الخارج فيصير له وجود مستمر وللكذب متعلق لا يكون في الخارج، وحينئذ إما أن لا يكون له متعلق في الذهن فيكون كالمعدوم من الأول وهو الألفاظ التي تكون صادرة عن معاند كاذب، وإما أن يكون له متعلق في الذهن على خلاف ما في الخارج فيكون اعتقاداً باطلاً جهلاً أو ظناً لكن لما لم يكن لمتعلقه متعلق يزول ذلك الكلام ويبطل، وكلام الله لا بطلان له في أول الأمر كما يكون كلام الكاذب المعاند ولا يأتيه الباطل كما يكون كلام الظان، وقوله تعالى: ﴿ وَهُوَ العلي الكبير ﴾ قد ذكرنا في تفسير قوله تعالى: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ الله هُوَ الحق وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الباطل وَأَنَّ الله هُوَ العلي الكبير  ﴾ أن ﴿ الحق ﴾ إشارة إلى أنه كامل لا نقص فيه فيقبل نسبة العدم، وفوق الكاملين لأن كل كامل فوقه كامل فقوله: ﴿ وَهُوَ العلي الكبير ﴾ إشارة إلى أنه فوق الكاملين في ذاته وصفاته، وهذا يبطل القول بكونه جسماً وفي حيز، لأن كل من كان في حيز فإن العقل يحكم بأنه مشار إليه وهو مقطع الإشارة لأن الإشارة لو لم تقع إليه لما كان المشار إليه هو، وإذا وقعت الإشارة إليه فقد تناهت الإشارة عنده، وفي كل موقع تقف الإشارة بقدر العقل على أن يفرض البعد أكثر من ذلك فيقول لو كان بين مأخذ الإشارة والمشار إليه أكثر من هذا البعد لكان هذا المشار إليه أعلى فيصير عليه بالإضافة لا مطلقاً وهو علي مطلقاً ولو كان جسماً لكان له مقدار، وكل مقدار يمكن أن يفرض أكبر منه فيكون كبيراً بالنسبة إلى غيره لا مطلقاً وهو كبير مطلقاً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

تقول: الشفاعة لزيد، على معنى أنه الشافع، كما تقول: الكرم لزيد: وعلى معنى أنه المشفوع له، كما تقول: القيام لزيد، فاحتمل قوله: ﴿ وَلاَ تَنفَعُ الشفاعة عِندَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ ﴾ أن يكون على أحد هذين الوجهين، أي: لا تنفع الشفاعة إلاّ كائنة لمن أذن له من الشافعين ومطلقة له.

أو لا تنفع الشفاعة إلاّ كائنة لمن أذن له، أي: لشفيعه، أو هي اللام الثانية في قولك: أذن لزيد لعمرو، أي لأجله، كأنه قيل: إلاّ لمن وقع الأذن للشفيع لأجله، وهذا وجه لطيف وهو الوجه، وهذا تكذيب لقولهم: هؤلاء شفعاؤنا عند الله.

فإن قلت: بما اتصل قوله: ﴿ حتى إِذَا فُزّعَ عَن قُلُوبِهِمْ ﴾ ولأي شيء وقعت حتى غاية؟

قلت: بما فهم من هذا الكلام من أنّ ثم انتظاراً للإذن وتوقعاً وتمهلاً وفزعاً من الراجين للشفاعة والشفعاء، هل يؤذن لهم أو لا يؤذن؟

وأنه لا يطلق الإذن إلاّ بعد مليِّ من الزمان، وطول من التربص، ومثل هذه الحال دلّ عليه قوله عزّ وجلّ ﴿ رَبّ السموات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا الرحمن لاَ يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَاباً يَوْمَ يَقُومُ الروح والملائكة صَفّاً لاَّ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحمن وَقَالَ صَوَاباً ﴾ [النبأ: 37- 38] كأنه قيل: يتربصون ويتوقفون كلياً فزعين وهلين، حتى إذا فزع عن قلوبهم، أي: كشف الفزع عن قلوب الشافعين والمشفوع لهم بكلمة يتكلم بها رب العزّة في إطلاق الإذن: تباشروا بذلك وسأل بضعهم بعضاً ﴿ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُواْ ﴾ قال ﴿ الحق ﴾ أي القول الحق، وهو الإذن بالشفاعة لمن ارتضى.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم: «فَإذَا أُذِنَ لِمَنْ أُذنَ أَنْ يَشْفَعَ فزعْتهُ الشفاعةُ» وقرئ: ﴿ أذن له ﴾ ، أي: أذن له الله، وأذن له على البناء للمفعول.

وقرأ الحسن: ﴿ فزع ﴾ مخففاً، بمعنى فزع.

وقرئ: ﴿ فزع ﴾ ، على البناء للفاعل، وهو الله وحده، وفزع، أي: نفى الوجل عنها وأفنى، من قولهم: فرغ الزاد، إذا لم يبق منه شيء.

ثم ترك ذكر الوجل وأسند إلى الجار والمجرور، كما تقول: دفع إليّ زيد، إذا علم ما المدفوع وقد تخفف، وأصله: فرغ الوجل عنها، أي: انتفى عنها، وفني ثم حذف الفاعل وأسند إلى الجار والمجرور.

وقرأ: ﴿ افرنقع عن قلوبهم ﴾ ، بمعنى: انكشف عنها.

وعن أبي علقمة أنه هاج به المرار فالتف عليه الناس، فلما أفاق قال: ما لكم تكأكأتم عليَّ تكأكأكم على ذي جنة؟

افرنقعوا عني.

والكلمة مركبة من حروف المفارقة مع زيادة العين، كما ركب (اقمطر) من حروف القمط، مع زيادة الراء.

وقرئ: ﴿ الحق ﴾ بالرفع، أي: مقولة الحق ﴿ وَهُوَ العلى الكبير ﴾ ذو العلو والكبرياء، ليس لملك ولا نبيّ أن يتكلم ذلك اليوم إلاّ بإذنه، وأن يشفع إلاّ لمن ارتضى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ قُلِ ﴾ لِلْمُشْرِكِينَ.

﴿ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ ﴾ أيْ زَعَمْتُمُوهم آلِهَةً، وهُما مَفْعُولا زَعَمَ حُذِفَ الأوَّلُ لِطُولِ المَوْصُولِ بِصِلَتِهِ والثّانِي لِقِيامِ صِفَتِهِ مَقامَهُ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ هو مَفْعُولَهُ الثّانِيَ لِأنَّهُ لا يَلْتَئِمُ مَعَ الضَّمِيرِ كَلامًا ولا ﴿ لا يَمْلِكُونَ ﴾ لِأنَّهم لا يَزْعُمُونَهُ.

﴿ مِن دُونِ اللَّهِ ﴾ والمَعْنى ادْعُوهم فِيما يُهِمُّكم مِن جَلْبِ نَفْعٍ أوْ دَفْعِ ضُرٍّ لَعَلَّهم يَسْتَجِيبُونَ لَكم إنْ صَحَّ دَعْواكم، ثُمَّ أجابَ عَنْهم إشْعارًا بِتَعَيُّنِ الجَوابِ وأنَّهُ لا يَقْبَلُ المُكابَرَةَ فَقالَ: ﴿ لا يَمْلِكُونَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ ﴾ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ.

﴿ فِي السَّماواتِ ولا في الأرْضِ ﴾ في أمْرٍ ما وذَكَرَهُما لِلْعُمُومِ العُرْفِيِّ، أوْ لِأنَّ آلِهَتَهم بَعْضُها سَماوِيَّةٌ كالمَلائِكَةِ والكَواكِبِ وبَعْضُها أرْضِيَّةٌ كالأصْنامِ، أوْ لِأنَّ الأسْبابَ القَرِيبَةَ لِلشَّرِّ والخَيْرِ سَماوِيَّةٌ وأرْضِيَّةٌ والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ حالِهِمْ.

﴿ وَما لَهم فِيهِما مِن شِرْكٍ ﴾ مِن شَرِكَةٍ لا خَلْقًا ولا مَلَكًا.

﴿ وَما لَهُ مِنهم مِن ظَهِيرٍ ﴾ يُعِينُهُ عَلى تَدْبِيرِ أمْرِهِما.

﴿ وَلا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ ﴾ فَلا يَنْفَعُهم شَفاعَةٌ أيْضًا كَما يَزْعُمُونَ إذْ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَ اللَّهِ.

﴿ إلا لِمَن أذِنَ لَهُ ﴾ أذِنَ لَهُ أنْ يَشْفَعَ، أوْ أذِنَ أنْ يَشْفَعَ لَهُ لِعُلُوِّ شَأْنِهِ ولَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ، واللّامُ عَلى الأوَّلِ كاللّامِ في قَوْلِكَ: الكَرْمُ لِزَيْدٍ وعَلى الثّانِي كاللّامِ في قَوْلِكَ: جِئْتُكَ لِزَيْدٍ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِضَمِّ الهَمْزَةِ.

﴿ حَتّى إذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ ﴾ غايَةً لِمَفْهُومِ الكَلامِ مِن أنَّ ثُمَّ تَوَقُّفًا وانْتِظارًا لِلْإذْنِ أيْ: يَتَرَبَّصُونَ فَزِعِينَ حَتّى إذا كُشِفَ الفَزَعُ عَنْ قُلُوبِ الشّافِعِينَ والمَشْفُوعِ لَهم بِالإذْنِ، وقِيلَ الضَّمِيرُ لِلْمَلائِكَةِ وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم ضِمْنًا.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ويَعْقُوبُ ( فَزَّعَ ) عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ.

وقُرِئَ «فُرِّغَ» أيْ نُفِيَ الوَجَلُ مِن فَرَغَ الزّادُ إذا فَنِيَ.

﴿ قالُوا ﴾ قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ.

﴿ ماذا قالَ رَبُّكُمْ ﴾ في الشَّفاعَةِ.

﴿ قالُوا الحَقَّ ﴾ قالُوا قالَ القَوْلَ الحَقَّ وهو الإذْنُ بِالشَّفاعَةِ لِمَنِ ارْتَضى وهُمُ المُؤْمِنُونَ، وقُرِئَ بِالرَّفْعِ أيْ مَقُولُهُ الحَقُّ.

﴿ وَهُوَ العَلِيُّ الكَبِيرُ ﴾ ذُو العُلُوِّ والكِبْرِياءِ لَيْسَ لِمَلَكٍ ولا نَبِيَّ مِنَ الأنْبِياءِ أنْ يَتَكَلَّمَ ذَلِكَ اليَوْمَ إلّا بِإذْنِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَلاَ تَنفَعُ الشفاعة عِندَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ} أي أذن له الله يعني إلا من وقع الإذن

للشفيع لأجله وهي اللام الثانية فى قولك أذن لزيد لعمر وأى لأجله وهذا تكذيب لقولهم هَؤُلاء شفعاؤنا عِندَ الله أَذِنَ لَهُ كوفي غير عاصم إلا الأعشى {حتى إِذَا فُزّعَ عَن قُلُوبِهِمْ} أي كشف الفزع عن قلوب الشافعين المشفوع لهم بكلمة يتكلم بها رب العزة في اطلاق الاذن وفزع شامي أي الله تعالى والتفزيع إزالة الفزع وحتى غاية لما فهم من أن ثم انتظار اللاذن وتوقفاً وفزعاً من الراجين للشفاعة والشفعاء هل يؤذن لهم أولا يؤذن لهم كأنه قيل يتربصون ويتوقعون ملياً فزعين حتى إذا فزع عن قلوبهم قَالُواْ سأل بعضهم بعضاً مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُواْ قال الحق أى القول وهو الإذن بالشفاعة لمن ارتضى {وَهُوَ العلى الكبير} ذو العو والكبرياء ليس لملك ولا نبي أن يتكلم ذلك اليوم إلا بإذنه وان يشفع إلا لمن ارتضى

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ولا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إلا لِمَن أذِنَ لَهُ ﴾ يُؤْذِنُ بِشُفَعاءَ ومَشْفُوعٍ لَهم وأنَّ هُناكَ اِسْتِئْذانًا في الشَّفاعَةِ ضَرُورَةَ أنَّ وُقُوعَ الإذْنِ يَسْتَدْعِي سابِقِيَّةِ ذَلِكَ وهو مُسْتَدْعٍ لِلتَّرَقُّبِ والِانْتِظارِ لِلْجَوابِ وحَيْثُ إنَّهُ كَلامٌ صادِرٌ عَنْ مَقامِ العَظَمَةِ والكِبْرِياءِ كَيْفَ وقَدْ تَقَدَّمَهُ ما تَقَدَّمَهُ يَدُلُّ عَلى كَوْنِ الكُلِّ في ذَلِكَ المَوْقِفِ خَلْفَ سُرادِقِ العَظَمَةِ مُلْقًى عَلَيْهِمْ رِداءُ الهَيْبَةِ، وما بَعْدَ حَرْفِ الغايَةِ أيْضًا شَدِيدُ الدَّلالَةِ عَلى ذَلِكَ فَكَأنَّهُ قِيلَ: تَقِفُ الشُّفَعاءُ والمَشْفُوعُ لَهم في ذَلِكَ المَوْقِفِ الَّذِي يَتَشَبَّثُ فِيهِ المُسْتَشْفِعُونَ بِأذْيالِ الرَّجاءِ مِنَ المُسْتَشْفَعِ بِهِمْ، ويَقُومُ فِيهِ المُسْتَشْفَعُ بِهِ عَلى قَدَمِ الِالتِجاءِ إلى اللَّهِ جَلَّ جَلالُهُ فَيَطْرُقُ بابَ الشَّفاعَةِ بِالِاسْتِئْذانِ فِيها ويَبْقَوْنَ جَمِيعًا مُنْتَظَرِينَ وجِلِينَ فَزِعِينَ لا يَدْرُونَ ما يُوَقِّعُ لَهُمُ المَلِكُ الأعْظَمُ جَلَّ وعَلا عَلى رُقْعَةِ سُؤالِهِمْ وماذا يَصِحُّ لَهم بَعْدَ عَرْضِ حالِهِمْ حَتّى إذا أُزِيلَ الفَزَعُ عَنْ قُلُوبِ الشُّفَعاءِ والمَشْفُوعِ لَهم بِظُهُورِ تَباشِيرِ حُسْنِ التَّوْقِيعِ وسُطُوعِ أنْوارِ الإجابَةِ والِارْتِضاءِ مِن آفاقِ رَحْمَةِ المَلِكِ الرَّفِيعِ، قالُوا أيْ قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ، والظّاهِرُ أنَّ البَعْضَ القائِلَ المَشْفُوعُ لَهم وإنْ شِئْتَ فَأعِدِ الضَّمِيرَ إلَيْهِمْ مِن أوَّلِ الأمْرِ إذْ هُمُ الأشَدُّ اِحْتِياجًا إلى الإذْنِ والأعْظَمُ اِهْتِمامًا بِأمْرِهِ ماذا قالَ رَبُّكم في شَأْنِ الإذْنِ بِالشَّفاعَةِ قالُوا أيِ الشُّفَعاءُ فَإنَّهُمُ المُباشِرُونَ لِلِاسْتِئْذانِ بِالذّاتِ المُتَوَسِّطُونَ لِأُولَئِكَ السّائِلِينَ بِالشَّفاعَةِ عِنْدَهُ عَزَّ وجَلَّ: قالَ رَبُّنا القَوْلَ الحَقَّ أيِ الواقِعَ بِحَسَبِ ما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ وهو الإذْنُ بِالشَّفاعَةِ لِمَنِ اِرْتَضى.

والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ وهُوَ العَلِيُّ الكَبِيرُ ﴾ مِن تَتِمَّةِ كَلامِ الشُّفَعاءِ، قالُوهُ اِعْتِرافًا بِعَظَمَةِ جَنابِ العِزَّةِ جَلَّ جَلالُهُ وقُصُورِ شَأْنِ كُلِّ مَن سِواهُ، أيْ هو جَلَّ شَأْنُهُ المُتَفَرِّدُ بِالعُلُوِّ والكِبْرِياءِ لا يُشارِكُهُ في ذَلِكَ أحَدٌ مِن خَلْقِهِ ولَيْسَ لِكُلٍّ مِنهم كائِنًا مَن كانَ أنْ يَتَكَلَّمَ إلّا مِن بَعْدِ إذْنِهِ جَلَّ وعَلا، وفِيهِ مِن تَواضُعِهِمْ بَعْدَ تَرْفِيعِ قَدْرِهِمْ بِالإذْنِ لَهم بِالشَّفاعَةِ ما فِيهِ، وفِيهِ أيْضًا نَوْعٌ مِنَ الحَمْدِ كَما لا يَخْفى، وهَذِهِ الجُمْلَةُ المُغَيّاةُ بِما ذُكِرَ لا يَبْعُدُ أنْ تَكُونَ جَوابًا بِسُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ يَكُونُ الإذْنُ في ذَلِكَ المَوْقِفِ لِلْمُسْتَأْذِنِينَ؟

وكَيْفَ الحالُ فِيهِ لِلشّافِعِينَ والمُسْتَشْفَعِينَ؟

فَقِيلَ: يَقِفُونَ مُنْتَظَرِينَ وجِلِينَ فَزِعِينَ حَتّى إذا الخ، والآياتُ دالَّةٌ عَلى أنَّ المَشْفُوعَ لَهم هُمُ المُؤْمِنُونَ وأمّا الكَفَرَةُ فَهم عَنْ مَوْقِفِ الِاسْتِشْفاعِ بِمَعْزِلٍ وعَنِ التَّفْزِيعِ عَنْ قُلُوبِهِمْ بِألْفِ ألْفِ مَنزِلٍ، وجَعَلَ بَعْضُهم عَلى هَذا الوَجْهِ مِن كَوْنِ المُغَيّا ما ذُكِرَ ضَمِيرَ ﴿ قُلُوبِهِمْ ﴾ لِلْمَلائِكَةِ، وخُصَّ الشُّفَعاءُ بِهِمْ، وضَمِيرُ ﴿ قالُوا ﴾ الأوَّلُ لَهم أيْضًا وضَمِيرُ قالُوا الثّانِي لِلْمَلائِكَةِ الَّذِينَ فَوْقَهم وهُمُ الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ ذَلِكَ إلَيْهِمْ، وقالَ: إنَّ فَزَعَهم إمّا لِما يُقْرَنْ بِهِ الإذْنُ مِنَ الأمْرِ الهائِلِ أوْ لِغَشْيَةٍ تُصِيبُهم عِنْدَ سَماعِ كَلامِ اللَّهِ جَلَّ شَأْنُهُ أوْ مِن مُلاحَظَةِ وُقُوعِ التَّقْصِيرِ في تَعْيِينِ المَشْفُوعِ لَهم بِناءً عَلى وُرُودِ الإذْنِ بِالشَّفاعَةِ إجْمالًا وهو كَما تَرى.

وقالَ الزَّجّاجُ: تَفْسِيرُ هَذا أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا نَزَلَ إلى النَّبِيِّ  بِالوَحْيِ ظَنَّتِ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ أنَّهُ نَزَلَ بِشَيْءٍ مِن أمْرِ السّاعَةِ فَفَزِعَتْ لِذَلِكَ فَلَمّا اِنْكَشَفَ عَنْها الفَزَعُ قالُوا: ماذا قالَ رَبُّكُمْ، سَألَتْ لِأيِّ شَيْءٍ نَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالُوا: الحَقُّ، اه.

رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ قَتادَةَ ومُقاتِلٍ وابْنِ السّائِبِ، بَيْدَ أنَّهم قالُوا: إنَّ المَلائِكَةَ صَعِقُوا لِذَلِكَ فَجَعَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ يَمُرُّ بِكُلِّ سَماءٍ ويَكْشِفُ عَنْهُمُ الفَزَعَ ويُخْبِرُهم أنَّهُ الوَحْيُ، ولَمْ يُبَيِّنِ الزَّجّاجُ وجْهَ اِتِّصالِ الآيَةِ بِما قَبْلَها ولا بَحَثَ عَنِ الغايَةِ بِشَيْءٍ، وقَدْ ذَكَرَ نَحْوَ ذَلِكَ الإمامُ الرّازِيُّ ثُمَّ قالَ في ذَلِكَ: إنَّ ﴿ حَتّى ﴾ غايَةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قُلِ ﴾ لِأنَّهُ تَبَيَّنَهُ بِالوَحْيِ فَلَمّا قالَ سُبْحانَهُ ﴿ قُلِ ﴾ فَزِعَ مَن في السَّماواتِ وهو لَعَمْرِي مِنَ العَجَبِ العُجابِ.

وقالَ الفاضِلُ الطِّيبِيُّ بَعْدَ نَقْلِهِ ذَلِكَ التَّفْسِيرَ: وعَلَيْهِ أكْثَرُ كَلامِ المُفَسِّرِينَ ويُعَضِّدُهُ ما رَوَيْنا عَنِ البُخارِيِّ واَلتِّرْمِذِيِّ وابْنِ ماجَهْ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ  قالَ: ««إذا قَضى اللَّهُ تَعالى الأمْرَ في السَّماءِ ضَرَبَتِ المَلائِكَةُ أجْنِحَتَها خُضْعانًا لِقَوْلِهِ تَعالى كَأنَّهُ سِلْسِلَةٌ عَلى صَفْوانٍ فَإذا فُزِعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قالُوا: ماذا قالَ رَبُّكُمْ، قالُوا الَّذِي قالَ الحَقَّ وهو العَلِيُّ الكَبِيرُ»».

وعَنْ أبِي داوُدَ عَنِ اِبْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «إذا تَكَلَّمَ اللَّهُ تَعالى بِالوَحْيِ سَمِعَ أهْلُ السَّماءِ صَلْصَلَةً كَجَرِّ السِّلْسِلَةِ عَلى الصَّفا فَيُصْعَقُونَ فَلا يَزالُونَ كَذَلِكَ حَتّى يَأْتِيَهم جِبْرِيلُ فَإذا أتاهم جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿ فُزِّعَ ﴾ عَنْ قُلُوبِهِمْ فَيَقُولُونَ: يا جِبْرِيلُ ماذا قالَ رَبُّكُمْ؟

فَيَقُولُ: الحَقَّ الحَقَّ».

ثُمَّ ذَكَرَ في أمْرِ الغايَةِ واتِّصالِ الآيَةِ بِما قَبْلَها عِلَّةَ ذَلِكَ أنَّهُ يُسْتَخْرَجُ مَعْنى المُغَيّا مِنَ المَفْهُومِ، وذَلِكَ إنَّ المُشْرِكِينَ لِما اِدَّعَوْا شَفاعَةَ الآلِهَةِ والمَلائِكَةِ وأُجِيبُوا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ ﴾ مِنَ الأصْنامِ والمَلائِكَةِ وسَمَّيْتُمُوهم بِاسْمِهِ تَعالى والتَجَئُوا إلَيْهِمْ فَإنَّهم لا يَمْلِكُونَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ ولا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ مِن هَؤُلاءِ إلّا لِلْمَلائِكَةِ لَكِنْ مِنَ الإذْنِ والفَزَعِ العَظِيمِ وهم لا يَشْفَعُونَ إلّا لِلْمَرْضِيِّينَ، فَعَبَّرَ عَنِ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إلا لِمَن أذِنَ لَهُ حَتّى إذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قالُوا ماذا قالَ رَبُّكُمْ ﴾ الآيَةُ كِنايَةٌ، كَأنَّهُ قِيلَ: لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إلّا لِمَن هَذا شَأْنُهُ ودَأْبُهُ، وأنَّهُ لا يَثْبُتُ عِنْدَ صَدْمَةٍ مِن صَدَماتِ هَذا الكِتابِ المُبِينِ وعِنْدَ سَماعِ كَلامِ الحَقِّ، يَعْنِي الَّذِينَ إذا نَزَلَ عَلَيْهِمُ الوَحْيُ يَفْزَعُونَ ويَصْعَقُونَ حَتّى إذا أتاهم جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ فَيَقُولُونَ: ماذا قالَ رَبُّكُمْ؟

فَيَقُولُ: الحَقَّ، اِنْتَهى.

ولا يَخْفى عَلى مَن لَهُ أدْنى تَمْيِيزٍ حالَهُ، وأنَّهُ مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يُعَوَّلَ عَلَيْهِ.

وقَوْلُ اِبْنِ عَطِيَّةَ: إنَّ تَأْوِيلَ الآيَةِ بِالمَلائِكَةِ إذا سَمِعَتِ الوَحْيَ إلى جِبْرِيلَ، أوِ الأمْرَ بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى بِهِ، فَتَسْمَعُ كَجَرِّ سِلْسِلَةِ الحَدِيدِ عَلى الحَدِيدِ فَتَفْزَعُ تَعْظِيمًا وهِيبَةً، وقِيلَ خَوْفُ قِيامِ السّاعَةِ هو الصَّحِيحُ وهو الَّذِي تَظاهَرَتْ بِهِ الأحادِيثُ ناشِئٌ مِن حِرْمانِ عَطِيَّةِ سَلامَةِ الذَّوْقِ وتَدْقِيقِ النَّظَرِ، والتَّفْسِيرُ الَّذِي ذَكَرْناهُ أوَّلًا بِمَراحِلَ في الحُسْنِ عَمّا ذُكِرَ عَنْ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ، وما سَمِعْتَ مِنَ الرِّوايَةِ لا يُنافِيهِ إذْ لا دَلالَةَ فِيهِ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ذَكَرَ ذَلِكَ في مَعْرِضِ تَفْسِيرِ الآيَةِ، ولا تَنافِيَ بَيْنَ التَّفْزِيعَيْنِ، وكَأنَّ الأكْثَرَ مِنَ المُفَسِّرِينَ نَظَرُوا إلى ظاهِرِ طِباقِ اللَّفْظِ مَعَ الحَدِيثِ فَنَزَّلُوا الآيَةَ عَلى ذَلِكَ فَوَقَعُوا فِيما وقَعُوا فِيهِ، وإنْ كَثُرُوا وجَلُّوا، والقائِلُ بِما سَبَقَ نَظَرَ إلى طِباقِ المَقامِ وحَقَّقَ عَدَمَ المُنافاةِ وظَهَرَ لَهُ حالُ ما قالُوهُ فَعَدَلَ عَنْهُ.

وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ، أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: زَعَمَ اِبْنُ مَسْعُودٍ أنَّ المَلائِكَةَ المُعَقِّباتِ الَّذِينَ يَخْتَلِفُونَ إلى أهْلِ الأرْضِ يَكْتُبُونَ أعْمالَهم إذا أرْسَلَهُمُ الرَّبُّ تَبارَكَ وتَعالى فانْحَدَرُوا سُمِعَ لَهم صَوْتٌ شَدِيدٌ فَيَحْسَبُ بِاَلَّذِينِ أسْفَلَ مِنهم مَنِ المَلائِكَةِ أنَّهُ مِن أمْرِ السّاعَةِ فَيَخِرُّونَ سُجَّدًا، وهَذا كُلَّما مَرُّوا عَلَيْهِمْ فَيَفْعَلُونَ مِن خَوْفِ رَبِّهِمْ تَبارَكَ وتَعالى، وابْنُ مَسْعُودٍ عِنْدِي أجَلُّ مِن أنْ يَحْمِلَ الآيَةَ عَلى هَذا، فالظّاهِرُ أنَّهُ لا يَصِحُّ عَنْهُ.

ومِثْلُ هَذا ما زَعَمَهُ بَعْضُهم أنَّ ذاكَ فَزَعُ مَلائِكَةِ أدْنى السَّماواتِ عِنْدَ نُزُولِ المُدَبِّراتِ إلى الأرْضِ، وقِيلَ: إنَّ ﴿ حَتّى ﴾ غايَةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ زَعَمْتُمْ ﴾ أيْ زَعَمْتُمُ الكُفْرَ إلى غايَةِ التَّفْزِيعِ ثُمَّ تَرَكْتُمْ ما زَعَمْتُمْ وقُلْتُمْ قالَ الحَقَّ، وإلَيْهِ يُشِيرُ ما أخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: حَتّى إذا فُزِّعَ الشَّيْطانُ عَنْ قُلُوبِهِمْ فَفارَقَهم وأمانِيَهم وما كانَ يُضِلُّهم بِهِ، قالُوا ماذا قالَ رَبُّكم قالُوا الحَقَّ وهو العَلِيُّ الكَبِيرُ، ثُمَّ قالَ: وهَذا في بَنِي آدَمَ أيْ كُفّارِهِمْ عِنْدَ المَوْتِ أقَرُّوا حِينَ لا يَنْفَعُهُمُ الإقْرارُ، والظّاهِرُ أنَّ في الكَلامِ عَلَيْهِ اِلْتِفاتًا مِنَ الخِطابِ في ﴿ زَعَمْتُمْ ﴾ إلى الغَيْبَةِ في ﴿ قُلُوبِهِمْ ﴾ وأنَّ ضَمِيرَ ﴿ قالُوا ﴾ الأوَّلَ لِلْمَلائِكَةِ المُوَكَّلِينَ بِقَبْضِ أرْواحِهِمْ، والمُرادُ بِالتَّفْزِيعِ عَنِ القُلُوبِ كَشْفُ الغِطاءِ ومَوانِعِ إدْراكِ الحَقِّ عَنْها.

وما نُقِلَ عَنِ الحَسَنِ مِن أنَّهُ قالَ: إنَّما يُقالُ لِلْمُشْرِكِينَ ماذا قالَ رَبُّكَ، أيْ عَلى لِسانِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فَأقَرُّوا حِينَ لا يَنْفَعُ، يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ كالقَوْلِ المَذْكُورِ في أنَّ ذَلِكَ عِنْدَ المَوْتِ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلًا بِأنَّ ذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ إلّا أنَّ في جَعْلِ حَتّى غايَةً لِلزَّعْمِ عَلَيْهِ غَيْرُ ظاهِرٍ إذْ لا يَسْتَصْحِبُهم ذَلِكَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ حَقِيقَةً كَما لا يَخْفى، وأبْعَدُ مِن هَذا القَوْلِ كَوْنُ ذَلِكَ غايَةً لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مِمَّنْ هو مِنها في شَكٍّ ﴾ وضَمِيرُ قُلُوبِهِمْ لِمَن بِاعْتِبارِ مَعْناهُ، والتَّفْزِيعُ كَشْفُ الغِطاءِ ومَواقِعِ إدْراكِ الحَقِّ، بَلْ هو مِمّا لا يَنْبَغِي حَمْلُ كَلامِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ.

وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ المَعْنى إذا دَعاهم إسْرافِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن قُبُورِهِمْ قالُوا مُجِيبِينَ ماذا قالَ رَبُّكم حَكاهُ في البَحْرِ، ثُمَّ قالَ: والتَّفْزِيعُ مِنَ الفَزَعِ الَّذِي هو الدُّعاءُ والِاسْتِصْراخُ كَما قالَ زُهَيْرٌ: إذا فَزِعُوا طارُوا إلى مُسْتَغِيثِهِمْ طِوالَ الرِّماحِ لا ضِعافٌ ولا عُزْلُ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ التَّفْزِيعَ بِالمَعْنى المَذْكُورِ لا يَتَعَدّى بِعَنْ، وأمْرُ الغايَةِ عَلَيْهِ غَيْرُ ظاهِرٍ، وبِالجُمْلَةِ ذَلِكَ الزَّعْمُ لَيْسَ بِشَيْءٍ.

واخْتارَ أبُو حَيّانَ أنَّ المُغَيّا الِاتِّباعُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إبْلِيسُ ظَنَّهُ فاتَّبَعُوهُ إلا فَرِيقًا مِنَ المُؤْمِنِينَ ﴾ وضَمِيرُ قُلُوبِهِمْ عائِدٌ إلى ما عادَ إلَيْهِ ضَمِيرُ الرَّفْعِ في (اِتَّبَعُوهُ) أعْنِي الكُفّارَ وكَذا ضَمِيرُ ﴿ قالُوا ﴾ الثّانِي وضَمِيرُ ﴿ قالُوا ﴾ الأوَّلُ لِلْمَلائِكَةِ، وكَذا ضَمِيرُ ﴿ رَبُّكُمْ ﴾ وجُمْلَةُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ ﴾ إلخ اِعْتِراضِيَّةٌ بَيْنَ الغايَةِ والمُغَيّا، والتَّفْزِيعُ حالُ مُفارَقَةِ الحَياةِ أوْ يَوْمُ القِيامَةِ، وبِجَعْلِ اِتِّباعِهِمْ إبْلِيسَ مُسْتَصْحِبًا لَهم إلى ذَلِكَ اليَوْمِ مَجازًا، ولا يَخْفى بُعْدُهُ، والوَجْهُ عِنْدِي ما ذُكِرَ أوَّلًا، وماذا تَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ مَنصُوبَةً بِ قالَ أيْ أيُّ شَيْءٍ قالَ رَبُّكُمْ، وتَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى أنَّ ما اِسْمُ اِسْتِفْهامٍ مُبْتَدَأٌ، وذا اِسْمُ مَوْصُولٍ خَبَرُهُ، وجُمْلَةُ قالَ صِلَةُ المَوْصُولِ، والعائِدُ مَحْذُوفٌ، أيْ ما الَّذِي قالَهُ رَبُّكم.

وقَرَأ اِبْنُ عَبّاسٍ وابْنُ مَسْعُودٍ وطَلْحَةُ وأبُو المُتَوَكِّلِ النّاجِي وابْنُ السَّمَيْقَعِ وابْنُ عامِرٍ ويَعْقُوبُ «فَزَّعَ» بِالتَّشْدِيدِ والبِناءِ لِلْفاعِلِ، والفاعِلُ ضَمِيرُ اللَّهِ تَعالى المُسْتَتِرُ، أيْ أزالَ اللَّهُ تَعالى الفَزَعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ.

وقالَ أبُو حَيّانَ: هو ضَمِيرُهُ تَعالى إنْ كانَ ضَمِيرَ قُلُوبِهِمْ لِلْمَلائِكَةِ، وإنْ كانَ لِلْكَفّارِ فَهو ضَمِيرُ مُغْرِيهِمْ، .

وقَرَأ الحَسَنُ «فُزِعَ» بِالتَّخْفِيفِ والبِناءِ لِلْمَفْعُولِ فَعَنْ قُلُوبِهِمْ نائِبُ الفاعِلِ، كَما في قِراءَةِ الجُمْهُورِ، وقَرَأ هو وأبُو المُتَوَكِّلِ أيْضًا وقَتادَةُ ومُجاهِدٌ «فَرَّغَ» بِالفاءِ والرّاءِ المُهْمَلَةِ والغَيْنِ المُعْجَمَةِ مُشَدَّدًا مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ بِمَعْنى أزالَ.

وقَرَأ الحَسَنُ أيْضًا كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ خَفَّفَ الرّاءَ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما والحَسَنُ أيْضًا وأيُّوبُ السِّخْتِيانِيُّ وقَتادَةُ أيْضًا وأبُو مِجْلَزٍ «فُرِّغَ» كَذَلِكَ إلّا أنَّهم بَنَوْهُ لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ اِبْنُ مَسْعُودٍ في رِوايَةٍ وعِيسى «اِفْرَنْقَعَ» قِيلَ بِمَعْنى تَفَرَّقَ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بِمَعْنى اِنْكَشَفَ، والكَلِمَةُ مُرَكَّبَةٌ مِن حُرُوفِ المُفارَقَةِ مَعَ زِيادَةِ العَيْنِ كَما رُكِّبَ اِقْمَطَرَّ مِن حُرُوفِ القَمْطِ مَعَ زِيادَةِ الرّاءِ، وفِيهِ إيهامٌ أنَّ العَيْنَ والرّاءَ مِن حُرُوفِ الزِّيادَةِ ولَيْسَ كَذَلِكَ.

وقَرَأ اِبْنُ أبِي عَبْلَةَ «اَلْحَقُّ» بِالرَّفْعِ أيْ مَقُولُهُ الحَقُّ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال عز وجل: قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ يعني: قل لكفار مكة ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أنهم آلهة فيكشفوا عنكم الضر الذي نزل بكم من الجوع.

يعني: الأصنام.

ويقال: الملائكة- عليهم السلام-.

لاَ يَمْلِكُونَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ يعني: نملة صغيرة فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ يعني: إذا كان حالهم هذا، فمن أين جعلوا لهم الشركة في العبادة.

ثم قال: وَما لَهُمْ فِيهِما مِنْ شِرْكٍ يعني: في خلق السموات والأرض من عون.

ويقال: ما لهم فيها من نصيب وَما لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ يعني: معين من الملائكة الذين يعبدونهم.

ثم ذكر أن الملائكة لا يملكون شيئاً من الشفاعة فقال عز وجل: وَلا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ يعني: لا تنفع لأحد لا نبياً ولا ملكاً إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ أن يشفع لأحد من أهل التوحيد.

قرأ نافع وابن كثير وابن عامر في إحدى الروايتين، إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ بالنصب.

يعني: حتى يأذن الله عز وجل له.

قرأ الباقون.

بالضم على فعل ما لم يسم فاعله.

ومعناه: مثل الأول.

ثم أخبر عن خوف الملائكة أنهم إذا سمعوا الوحي خرّوا سجداً من مخافة الله عز وجل، وكيف يعبدون من هذه حاله وكذلك قوله: حَتَّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ وذلك أن أهل السموات لم يكونوا سمعوا صوت الوحي بين عيسى ومحمد- عليهما السلام-، فسمعوا صوتاً كوقع الحديد على الصفا فخروا سجداً مخافة القيامة وذلك صوت الوحي.

ويقال: صوت نزول جبريل-  - فخروا سجداً مخافة القيامة فهبط جبريل-  - على أهل كل سماء فذلك قوله: حَتَّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ.

وذكر عن بعض أهل اللغة أنه قال: إذا كانت حتى موصولة بإذا تكون بمعنى لما، تقع موقع الابتداء كقوله عز وجل: وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَاباً مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (14) [الحجر: 14] كقوله: حَتَّى إِذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ [الأنبياء: 96] حَتَّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ [سبأ: 23] يعني: لما فزع عن قلوبهم.

ومعناه: انجلاء الفزع عن قلوبهم، فقاموا عن السجود، وسأل بعضهم بعضاً قالُوا مَاذَا قالَ رَبُّكُمْ يعني: ماذا قال جبريل-  - عن ربكم قالُوا الْحَقَّ يعني: الوحي.

قال: حدّثنا الفقيه أبو الليث رحمه الله.

قال: حدّثنا الخليل بن أحمد.

قال: حدّثنا الدبيلي.

قال: حدّثنا أبو عبد الله.

قال: حدّثنا سفيان عن عمرو بن دينار عن عكرمة عن أبي هريرة عن النبيّ  أنه قال: «إذَا قَضَى الله فِي السَّمَاءِ أمْراً ضَرَبَتِ المَلائِكَةُ بِأَجْنِحَتِهَا خَضَعَاناً لِقَوْلِهِ، وَسُمِعَ لذلك صَوْتٌ كَأنَّهَا سلْسِلَةٌ عَلَى صَفْوَانٍ فَإِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قالُوا مَاذَا قالَ رَبُّكُمْ قالُوا الْحَقَّ الَّذِي قَالَ: فَسِيحي الشَّيَاطِينُ بَعْضُهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ.

فَإِذَا سَمِعَ الأَعْلَى مِنْهُمُ الْكَلِمَةَ، رَمَى بِهَا إلَى الذي تَحْتَهُ وَرُبَّما أدْرَكَهُ الشِّهَابُ قَبْلَ أنْ يَنْبِذَهَا وَرُبَّمَا نَبَذَهَا قَبْلَ أنْ تُدْرِكَهُ، فَيَنْبِذَهَا، بَعْضُهُمْ إلَى بَعْضٍ حَتَّى تَنْتَهِيَ إلَى الأرْضِ، فَتُلْقَى عَلَى لِسَانِ الْكَاهِنِ وَالسَّاحِرِ، فَيَكْذِبُ مَعَهَا مِائَةَ كِذْبَةٍ، فَيُصَدِّقُ فَيَقُولُ، ألَيْسَ قَدْ أخْبَرَ بِكَذَا وَكَذَا، وَكَانَ حَقّاً وَهِيَ الْكَلِمَةُ الَّتِي سَمِعَ مِنَ السَّمَاءِ» .

قرأ ابن عامر حَتَّى إِذا فُزِّعَ بنصب الفاء والزاي يعني: كشف الله الفزع.

وقرأ الباقون: بضم الفاء على معنى ما لم يسم فاعله.

وقرأ الحسن حَتَّى إِذا فُزِّعَ بالواو والغين يعني: فرغ الفزع عن قلوبهم.

وقراءة العامة بالزاي أي خفف عنها الفزع.

وقال مجاهد: معناه حتى إذا كشف عنها الغطاء يوم القيامة ثم قال: وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ يعني: هو أعلى وأعظم وأجلّ من أن يوصف له شريك.

<div class="verse-tafsir"

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ ﴾ المَعْنى: قُلْ لِلْكُفّارِ: ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أنَّهم آلِهَةٌ لِيُنْعِمُوا عَلَيْكم بِنِعْمَةٍ، أوْ يَكْشِفُوا عَنْكم بَلِيَّةً.

ثُمَّ أخْبَرَ عَنْهم فَقالَ: ﴿ لا يَمْلِكُونَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ ﴾ أيْ: مِن خَيْرٍ وشَرٍّ ونَفْعٍ وضُرٍّ ﴿ وَما لَهم فِيهِما مِن شِرْكٍ ﴾ لَمْ يُشارِكُونا في شَيْءٍ مِن خَلْقِهِما، ﴿ وَما لَهُ ﴾ أيْ: وما لِلَّهِ ﴿ مِنهُمْ ﴾ أيْ: مِنَ الآلِهَةِ ﴿ مِن ظَهِيرٍ ﴾ أيْ: مِن مُعِينٍ عَلى شَيْءٍ.

﴿ وَلا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إلا لِمَن أذِنَ لَهُ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: " أذِنَ لَهُ " بِفَتْحِ الألِفِ.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ: " أُذِنَ لَهُ " بِرَفْعِ الألِفِ.

وعَنْ عاصِمٍ كالقِراءَتَيْنِ.

أيْ: لا تَنْفَعُ شَفاعَةُ مَلَكٍ ولا نَبِيٍّ حَتّى يُؤْذَنَ لَهُ في الشَّفاعَةِ، وقِيلَ: حَتّى يُؤْذَنَ لَهُ فِيمَن يَشْفَعُ.

وفي هَذا رَدٌّ عَلَيْهِمْ حِينَ قالُوا: إنَّ هَذِهِ الآلِهَةَ تَشْفَعُ لَنا.

﴿ حَتّى إذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ ﴾ قَرَأ الأكْثَرُونَ: " فُزِّعَ " بِضَمِّ الفاءِ وكَسْرِ الزّايِ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: خُفِّفَ عَنْها الفَزَعُ.

وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ: كُشِفَ الفَزَعُ عَنْ قُلُوبِهِمْ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، ويَعْقُوبُ، وأبانُ: " فَزَعَ " بِفَتْحِ الفاءِ والزّايِ، والفِعْلُ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ.

وقَرَأ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، وابْنُ يَعْمَرَ: " فَرَغَ " بِالرّاءِ غَيْرَ مُعْجَمَةٍ، وبِالغَيْنِ مُعْجَمَةً، وهو بِمَعْنى الأوَّلِ، لِأنَّها فَرَغَتْ مِنَ الفَزَعِ.

وقالَ غَيْرُهُ: بَلْ فَرَغَتْ مِنَ الشَّكِّ والشِّرْكِ.

وَفِي المُشارِ إلَيْهِمْ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُمُ المَلائِكَةُ.

وقَدْ دَلَّ الكَلامُ عَلى أنَّهم يَفْزَعُونَ لِأمْرٍ يَطْرَأُ عَلَيْهِمْ مِن أمْرِ اللَّهِ، ولَمْ يَذْكُرْهُ في الآيَةِ، لِأنَّ إخْراجَ الفَزَعِ يَدُلُّ عَلى حُصُولِهِ.

وفي سَبَبِ فَزَعِهِمْ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهم يَفْزَعُونَ لِسَماعِ كَلامِ اللَّهِ تَعالى.

رَوى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  قالَ: " «إذا تَكَلَّمَ اللَّهُ بِالوَحْيِ سَمِعَ أهْلُ السَّماءِ صَلْصَلَةً كَجَرِّ السِّلْسِلَةِ عَلى الصَّفا، فَيُصْعَقُونَ، فَلا يَزالُونَ كَذَلِكَ حَتّى يَأْتِيَهم جِبْرِيلُ، فَإذا جاءَهم جِبْرِيلُ فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ، فَيَقُولُونَ: يا جِبْرِيلُ: ماذا قالَ رَبُّكَ؟

قالَ: فَيَقُولُ: الحَقَّ، فَيُنادُونَ: الحَقُّ الحَقُّ "» ورَوى أبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ  أنَّهُ قالَ: " «إذا قَضى اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ الأمْرَ في السَّماءِ ضَرَبَتِ المَلائِكَةُ بِأجْنِحَتِها خُضْعانًا لِقَوْلِهِ، كَأنَّهُ سِلْسِلَةٌ عَلى صَفْوانٍ، فَإذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قالُوا: ماذا قالَ رَبُّكُمْ، قالُوا: لِلَّذِي قالَ الحَقَّ ﴿ وَهُوَ العَلِيُّ الكَبِيرُ ﴾ "» والثّانِي: أنَّهم يَفْزَعُونَ مِن قِيامِ السّاعَةِ.

وفي السَّبَبِ الَّذِي ظَنُّوهُ بِدُنُوِّ السّاعَةِ فَفَزِعُوا، قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ لَمّا كانَتِ الفَتْرَةُ الَّتِي بَيْنَ عِيسى ومُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِما وسَلَّمَ، ثُمَّ بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا، أنْزَلَ اللَّهُ جِبْرِيلَ بِالوَحْيِ، فَلَمّا نَزَلَ ظَنَّتِ المَلائِكَةُ أنَّهُ نَزَلَ بِشَيْءٍ مِن أمْرِ السّاعَةِ، فَصُعِقُوا لِذَلِكَ، فَجَعَلَ جِبْرِيلُ يَمُرُّ بِكُلِّ سَماءٍ ويَكْشِفُ عَنْهُمُ الفَزَعَ ويُخْبِرُهم أنَّهُ الوَحْيُ، قالَهُ قَتادَةُ، ومُقاتِلٌ، وابْنُ السّائِبِ.

وقِيلَ: لَمّا عَلِمُوا بِالإيحاءِ إلى مُحَمَّدٍ  ، فَزِعُوا، لِعِلْمِهِمْ أنَّ ظُهُورَهُ مِن أشْراطِ السّاعَةِ.

والثّانِي: أنَّ المَلائِكَةَ المُعَقِّباتِ الَّذِينَ يَخْتَلِفُونَ إلى أهْلِ الأرْضِ ويَكْتُبُونَ أعْمالَهم إذا أرْسَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى فانْحَدَرُوا، يُسْمَعُ لَهم صَوْتٌ شَدِيدٌ، فَيَحْسَبُ الَّذِينَ هم أسْفَلُ مِنهم مِنَ المَلائِكَةِ أنَّهُ مَن أمْرِ السّاعَةِ، فَيَخِرُّونَ سُجَّدًا، ويَصْعَقُونَ حَتّى يَعْلَمُوا أنَّهُ لَيْسَ مِن أمْرِ السّاعَةِ، وهَذا كُلَّما مَرُّوا عَلَيْهِمْ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ الَّذِي أُشِيرَ إلَيْهِمُ المُشْرِكُونَ؛ ثُمَّ في مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّ المَعْنى: حَتّى إذا كُشِفَ الفَزَعُ عَنْ قُلُوبِ المُشْرِكِينَ عِنْدَ المَوْتِ- إقامَةً لِلْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ- قالَتْ لَهُمُ المَلائِكَةُ: ماذا قالَ رَبُّكم في الدُّنْيا؟

قالُوا: الحَقَّ، فَأقَرُّوا حِينَ لَمْ يَنْفَعْهُمُ الإقْرارُ، قالَهُ الحَسَنُ، وابْنُ زَيْدٍ.

والثّانِي: حَتّى إذا كُشِفَ الغِطاءُ عَنْ قُلُوبِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ، قِيلَ لَهُمْ: ماذا قالَ رَبُّكُمْ؟

قالَهُ مُجاهِدٌ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلا تَنْفَعُ الشَفاعَةُ عِنْدَهُ إلا لِمَن أذِنَ لَهُ حَتّى إذا فُزِّعَ عن قُلُوبِهِمْ قالُوا ماذا قالَ رَبُّكم قالُوا الحَقَّ وهو العَلِيُّ الكَبِيرُ ﴾ المَعْنى: إنَّ كُلَّ مَن دَعَوْتُمْ إلَهًا مَن دُونِ اللهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ، ولا تَنْفَعُ شَفاعَتُهم إلّا بِإذْنٍ فِيمَن آمَنَ، فَكَأنَّهُ قالَ: ولا هم شُفَعاءَ عَلى الحَدِّ الَّذِي ظَنَنْتُمْ أنْتُمْ.

واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في قَوْلِهِ: ﴿ إلا لِمَن أذِنَ لَهُ ﴾ ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: لِمَن أرادَ لَهُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: لِمَن أذِنَ لَهُ أنْ يَشْفَعَ هو.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: واللَفْظُ يَعُمُّهُما: لِأنَّهُ إذا انْفَرَدَ لِلشّافِعِ فَلا شَكَّ أنَّ المَشْفُوعَ فِيهِ مُعَيَّنٌ لَهُ، وإذا انْفَرَدَ لِلْمَشْفُوعِ فِيهِ فالشافِعُ لا مَحالَةَ عالِمٌ مُعَيِّنٌ لِذَلِكَ.

وانْظُرْ أنَّ اللامَ الأُولى تُشِيرُ إلى المَشْفُوعِ فِيهِ مِن قَوْلِهِ: "لِمَن"، تَقُولُ: شَفَعْتُ لِفُلانٍ.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِضَمِّ الألِفِ مِن " أُذِنَ" -، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: "أذِنَ" بِفَتْحِها، والضَمِيرُ في ﴿ "قُلُوبِهِمْ" ﴾ عائِدٌ عَلى المَلائِكَةِ الَّذِينَ دَعَوْهم آلِهَةً، فَفي الكَلامِ حَذْفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ الظاهِرُ، كَأنَّهُ قالَ: ولا هم شُفَعاءَ كَما تَحْسَبُونَ أنْتُمْ، بَلْ هم عَبَدَةٌ ومُسْتَسْلِمُونَ أبَدًا حَتّى إذا فُزِّعَ عن قُلُوبِهِمْ.

وتَظاهَرَتِ الأحادِيثُ عن رَسُولِ اللهِ  أنَّ هَذِهِ الآيَةَ، أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ حَتّى إذا فُزِّعَ عن قُلُوبِهِمْ ﴾ إنَّما هي المَلائِكَةُ إذا سَمِعَتِ الوَحْيَ إلى جِبْرِيلَ بِالأمْرِ يَأْمُرُ اللهُ بِهِ سَمِعَتْ كَجَرِّ سِلْسِلَةِ الحَدِيدِ عَلى الصَفْوانِ، فَتَفْزَعُ عِنْدَ ذَلِكَ تَعْظِيمًا وهَيْبَةً، وقِيلَ: خَوْفَ أنْ تَقُومَ الساعَةُ، فَإذا فَرَغَ ذَلِكَ فُزِّعَ عن قُلُوبِهِمْ، أيْ: أُطِيرَ الفَزَعُ عنها وكُشِفَ، فَيَقُولُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ ولِجِبْرِيلَ: ﴿ ماذا قالَ رَبُّكُمْ ﴾ ؟

فَيَقُولُ المَسْؤُولُونَ: قالَ الحَقَّ ﴿ وَهُوَ العَلِيُّ الكَبِيرُ ﴾ ، وبِهَذا المَعْنى مِن ذِكْرِ المَلائِكَةِ في صَدْرِ الآياتِ تَتَّسِقُ هَذِهِ الآيَةُ عَلى الأُولى، ومَن لَمْ يَشْعُرْ أنَّ المَلائِكَةَ مُشارٌ إلَيْهِمْ مِن أوَّلِ قَوْلِهِ: ﴿ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ  ﴾ لَمْ تَتَّصِلْ لَهم هَذِهِ الآيَةُ بِما قَبْلَها، فَلِذَلِكَ اضْطَرَبَ المُفَسِّرُونَ في تَفْسِيرِها، حَتّى قالَ بَعْضُهم في الكُفّارِ - بَعْدَ حُلُولِ المَوْتِ - فُزِّعَ عن قُلُوبِهِمْ بِفَقْدِ الحَياةِ فَرَأوُا الحَقِيقَةَ، وزالَ فَزَعُهم مِن شُبَهِ ما يُقالُ لَهم في حَياتِهِمْ، فَيُقالُ لَهم حِينَئِذٍ: ﴿ ماذا قالَ رَبُّكُمْ ﴾ ؟

فَيَقُولُونَ: قالَ الحَقَّ، يُقِرُّونَ حِينَ لا يَنْفَعُهُمُ الإقْرارُ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: الآيَةُ في جَمِيعِ العالَمِ، وقَوْلُهُ: ﴿ "حَتّى إذا" ﴾ يُرِيدُ: في القِيامَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والتَأْوِيلُ الأوَّلُ في المَلائِكَةِ هو الصَحِيحُ، وهو الَّذِي تَظاهَرَتْ بِهِ الأحادِيثُ.

وهَذانِ بَعِيدانِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "فُزِّعَ" ﴾ بِضَمِّ الفاءِ وكَسْرِ الزايِ، ومَعْناهُ: أُطِيرَ الفَزَعُ عنهُمْ، وهَذِهِ الأفْعالُ جاءَتْ مُخالِفَةً لِسائِرِ الأفْعالِ، لِأنَّ "فَعَّلَ" أصْلُها الإدْخالُ في الشَيْءِ، وَقَوْلُكَ: فَزَّعْتُ زَيْدًا مَعْناهُ: أزَلْتُ الفَزَعَ عنهُ.

وكَذَلِكَ: جَزَّعْتُهُ: أزَلْتُ الجَزَعَ عنهُ، ومِنهُ الحَدِيثُ: "فَدَخَلَ ابْنُ عَبّاسٍ عَلى عُمَرَ فَجَزَّعَهُ"، ومِنهُ مَرَّضْتُ فَلانًا: أزَلْتُ المَرَضَ عنهُ.

وانْظُرْ أنَّ مُضارِعَ هَذِهِ الأفْعالِ يَلْحَقُ بِـ"تَحَنَّثَ وتَحَرَّجَ وتَفَكَّهَ وتَأثَّمَ وتَخَوَّفَ".

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "فَزَّعَ" بِفَتْحِ الفاءِ والزايِ وشَدِّ الزايِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ عَبّاسٍ، وطَلْحَةَ، وأبِي المُتَوَكِّلِ الناجِي، واليَمانِيِّ.

وقَرَأ الحَسَنُ البَصْرِيُّ - بِخِلافٍ -: "فُزِعَ" بِضَمِّ الفاءِ وكَسْرِ الزايِ وتَخْفِيفِها، كَأنَّهُ بِمَعْنى: أقْلَعَ، ومَن قالَ بِأنَّها في العالَمِ أجْمَعِهِ قالَ: مَعْنى هَذِهِ القِراءَةِ: فَزَعَ الشَيْطانُ عن قُلُوبِهِمْ، أيْ بادَرَ.

وقَرَأ أيُّوبُ عَنِ الحَسَنِ أيْضًا: "فَرَّغَ" بِالفاءِ وبِراءٍ مُشَدَّدَةٍ وبِغَيْنٍ مَنقُوطَةٍ، مِنَ التَفْرِيغِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: رَواها عَنِ الحَسَنِ نَحْوٌ مِن عَشْرَةِ أنْفُسٍ، وهي قِراءَةُ أبِي مَجْلَزٍ.

وقَرَأ مَطَرٌ الوَرّاقُ، عَنِ الحَسَنِ: "فَزِعَ" عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ، وهي قِراءَةُ مُجاهِدٍ، وقَرَأ الحَسَنُ أيْضًا: "فَرَغَ" بِالراءِ المُهْمَلَةِ مُخَفَّفَةً، مِنَ الفَراغِ.

قالَ أبُو حاتِمٍ: وما أظُنُّ الثِقاتِ رَوَوْها عَنِ الحَسَنِ عَلى وُجُوهٍ إلّا لِصُعُوبَةِ المَعْنى عَلَيْهِ فاخْتَلَفَتْ ألْفاظُهُ فِيها.

وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: "حَتّى إذا افْرَنْقَعَ"، وهي قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ.

ومَعْنى هَذا كُلِّهِ: وقَعَ فَراغُها مِنَ الفَزَعِ والخَوْفِ، ومَن قَرَأ شَيْئًا مِن هَذا عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عن قُلُوبِهِمْ ﴾ في مَوْضِعِ رَفْعٍ، و"افْرَنْقَعَ" مَعْناهُ: تَفَرَّقَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "ماذا" يَجُوزُ أنْ تَكُونَ (ما) في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ"قالَ"، ويَصِحُّ أنْ تَكُونُ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِمَعْنى: أيُّ شَيْءٍ قالَ؟

والنَصْبُ في قَوْلِهِمُ: "الحَقَّ" عَلى نَحْوِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ماذا أنْزَلَ رَبُّكم قالُوا خَيْرًا  ﴾ ؛ لِأنَّهم حَقَّقُوا أنَّ ثَمَّ ما أُنْزِلَ، وحَقَّقُوا هُنا أنَّ ثَمَّ ما قِيلَ، وباقِي الآيَةِ تَحْمِيدٌ وتَمْجِيدٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

كانت قصة سبا قد ضُربت مثلاً وعبرة للمشركين من قريش وكان في أحوالهم مثيل لأحوال المشركين في أمن بلادهم وتيسير أرزاقهم وتأمين سبلهم في أسفارهم مما أشار إليه قوله تعالى: ﴿ أولم نمكن لهم حرماً آمناً تجبى إليه ثمرات كل شيء ﴾ [القصص: 57] وقوله: ﴿ لإيلاف قريش ﴾ [قريش: 1] إلى آخر السورة، ثم فيما قابلوا به نعمة الله بالإِشراك به وكفران نعمته وإفحامهم دعاة الخير الملهَمين من لدنه إلى دعوتهم، فلما تقضى خبرهم لينتقل منه إلى تطبيق العبرة على من قصد اعتبارهم انتقالاً مناسبته بينة وهو أيضاً عَوْد إلى إبطال أقوال المشركين، وسيق لهم من الكلام ما هو فيه توقيف على أخطائهم، وأيضاً فلما جرى من استهواء الشيطان أهل سبا فاتبعوه وكان الشيطان مصدر الضلال وعنصر الإِشراك أعقب ذكره بذكر فروعه وأوليائه.

وافتتح الكلام بأمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يقول لهم ما هو متتابع في بقية هذه الآيات المتتابعة بكلمة ﴿ قل ﴾ فأُمر بالقول تجديداً لِمعنى التبليغ الذي هو مهمة كل القرآن.

والأمر في قوله: ﴿ ادعوا ﴾ مستعمل في التخطئة والتوبيخ، أي استَمِروا على دعائكم.

و ﴿ الذين زعمتم من دون الله ﴾ معناه زعمتموهم أرباباً، فحذف مفعولا الزعم: أما الأول فحذف لأنه ضمير متصل منصوب بفعل قصداً لتخفيف الصلة بمتعلقاتها، وأما الثاني فحذفه لدلالة صفته عليه وهي ﴿ من دون الله ﴾ .

و ﴿ من دون الله ﴾ صفة لمحذوف تقديره: زعمتم أولياء.

ومعنى ﴿ من دون الله ﴾ أنهم مبتدأُون من جانب غيرِ جانب الله، أي زعمتموهم آلهة مبتدئين إياهم من ناحية غير الله لأنهم حين يعبدونهم قد شغلوا بعبادتهم ففرطوا في عبادة الله المستحق للعبادة وتجاوزوا حق إلهيته في أحوال كثيرة وأوقات وفيرة.

وجملة ﴿ لا يملكون ﴾ مبينة لما في جملة ﴿ ادعوا الذين زعمتم ﴾ من التخطئة.

وقد نفي عنهم مِلك أحقر الأشياء وهو ما يساوي ذرّة من السماء والأرض.

والذّرة: بيضة النمل التي تبدو حبيبة صغيرة بيضاء، وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة ﴾ في سورة يونس (61).

والمراد بالسماوات والأرض جوهرهُما وعينُهما لا ما تشتملان عليه من الموجودات لأن جوهرهما لا يدَّعِي المشركون فيه ملكاً لآلهتهم، فالمثقال: إما آلة الثقل فهو اسم للصنوج التي يوزن بها فأطلق على العديل مجازاً مرسلاً، وإما مصدر ميمي سمي به الشيء الذي به التثقيل ثم أطلق على العديل مجازاً، وتقدم المثقال عند قوله: ﴿ وإن كان مثقال حبة من خردل ﴾ في سورة الأنبياء (47).

ومثقال الذرة: ما يعدل الذرة فيثقل به الميزان، أي لا يملكون شيئاً من السماوات ولا في الأرض.

وإعادة حرف النفي تأكيد له للاهتمام به.

وقد نفى أن يكون لآلهتهم ملك مستقل، وأتبع بنفي أن يكون لهم شرك في شيء من السماء والأرض، أي شِرك مع الله كما هو السياق فلم يذكر متعلق الشرك إيجازاً لأنه محل الوفاق.

ثم نفى أن يكون منهم ظهير، أي معين لله تعالى.

وتقدم الظهير في قوله تعالى: ﴿ ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا ﴾ في سورة الإِسراء (88).

وهنا تعين التصريح بالمتعلق ردّاً على المشركين إذ زعموا أن آلهتهم تُقرِّب إليه وتُبَعّد عنه، ثم أتبع ذلك بنفي أن يكون شفيع عند الله يضطره إلى قبول الشفاعة فيمن يشفع له لتعظيم أو حياء.

وقد صرح بالمتعلق هنا أيضاً رداً على قول المشركين ﴿ هؤلاء شفعاؤنا عند الله ﴾ [يونس: 18] فنفيت شفاعتهم في عموم نفي كل شفاعة نافعة عند الله إلا شفاعة من أذن الله أن يشفع.

وفي هذا إبطال شفاعة أصنامهم لأنهم زعموا لهم شفاعة لازمة من صفات آلهتهم لأن أوصاف الإِله يجب أن تكون ذاتية فلما نفى الله كل شفاعة لم يأذن فيها للشافع انتفت الشفاعة المزعومة لأصنامهم.

وبهذا يندفع ما يتوهم من أن قوله: ﴿ إلا لمن أذن له ﴾ لا يبطل شفاعة الأصنام فافهَمْ.

وجاء نظم قوله: ﴿ ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له ﴾ نظماً بديعاً من وفرة المعنى، فإن النفع يجيء بمعنى حصول المقصود من العمل ونجاحه كقول النابغة: ولا حَلِفي على البراءة نافع *** ومنه قوله تعالى: ﴿ لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل ﴾ [الأنعام: 158]، ويجيء بمعنى المساعد الملائم وهو ضد الضار وهو أكثر إطلاقه.

ومنه: دواء نافع، ونفعني فلان.

فالنفع بالمعنى الأول في الآية يفيد القبول من الشافع لشفاعته، وبالمعنى الثاني يفيد انتفاع المشفوع له بالشفاعة، أي حصول النفع له بانقشاع ضر المؤاخذة بذنب كقوله تعالى: ﴿ فما تنفعهم شفاعة الشافعين ﴾ [المدثر: 48].

فلما عبر في هذه الآية بلفظ الشفاعة الصالح لأن يعتبر مضافاً إلى الفاعل أو إلى المفعول احتمل النفع أن يكون نفع الفاعل، أي قبول شفاعته، ونفعَ المفعول، أي قبول شفاعة من شفع فيه.

وتعدية فعل الشفاعة باللام دون (في) ودون تعديته بنفسه زاد صلوحيته للمعنيين لأن الشفاعة تقتضي شافعاً ومشفوعاً فيه فكان بذلك أوفرَ معنىً.

فالاستثناء في قوله: ﴿ إلا لمن أذن له ﴾ استثناء من جنس الشفاعة المنفي بقرينة وجود اللام وليس استثناء من متعلَّق ﴿ تنفع ﴾ لأن الفعل لا يعدّى إلى مفعوله باللام إلا إذا تأخر الفعل عنه فضعف عن العمل بسبب التأخير فلذلك احتملت اللام أن تكون داخلة على الشافع، وأن (مَن) المجرورة باللام صادقة على الشافع، أي لا تقبل شفاعةٌ إلا شفاعة كائنة لمن أذن الله له، أي أذن له بأن يشفع فاللام للملك كقولك: الكرم لزيد، أي هو كريم فيكون في معنى قوله: ﴿ ما لكم من دونه من وليّ ولا شفيع ﴾ [السجدة: 4].

وأن تكون اللام داخلة على المشفوع فيه، و(مَن) صادقة على مشفوع فيه، أي إلا شفاعةً لمشفوع أذن الله الشافعين أن يشفعوا له أي لأجله فاللام للعلة كقولك: قمت لزيد، فهو كقوله تعالى: ﴿ ولا يشفعون إلا لمن ارتضى ﴾ [الأنبياء: 28].

وإنما جيء بنظم هذه الآية على غير ما نُظمت عليه غيرها لأن المقصود هنا إبطال رجائهم أن تشفع لهم آلهتهم عند الله فينتفعوا بشفاعتها، لأن أول الآية توبيخ وتعجيز لهم في دعوتهم الآلهة المزعومة فاقتضت إبطال الدعوة والمدعُوّ.

وقد جمعت الآية نفي جميع أصناف التصرف عن آلهة المشركين كما جمعت نفي أصناف الآلهة المعبودة عند العرب، لأن من العرب صابئة يعبدون الكواكب وهي في زعمهم مستقرة في السماوات تدبر أمور أهل الأرض فأبطل هذا الزعمَ قولُه: ﴿ لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ﴾ ؛ فأما في السماوات فباعترافهم أن الكواكب لا تتصرف في السماوات وإنما تصرفها في الأرض، وأما في الأرض فبقوله: ﴿ ولا في الأرض ﴾ .

ومن العرب عبدة أصنام يزعمون أن الأصنام شركاء لله في الإِلهية فنفي ذلك بقوله: ﴿ وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير ﴾ ، ومنهم من يزعمون أن الأصنام جعلها الله شفعاء لأهل الأرض فنفي ذلك بقوله: ﴿ ولا تنفع الشفاعة عنده ﴾ الآية.

وقرأ الجمهور ﴿ أذن ﴾ بفتح الهمزة وفيه ضمير يعود إلى اسم الجلالة مثل ضمائر الغيبة التي قبله.

وقرأه أبو عمرو وحمزة والكسائي وخلف بضم الهمزة على البناء للنائب.

والمجرور من قوله: ﴿ له ﴾ في موضع نائب الفاعل.

وقوله: ﴿ حتى إذا فزع عن قلوبهم ﴾ ﴿ حتى ﴾ ابتدائية وهي تفيد ارتباط ما بعدها بما قبلها لا محالة فالضمائر التي في الجملة الواقعة بعد ﴿ حتى ﴾ عائدة على ما يصلح لها في الجُمل التي قبلها.

وقد أفادت ﴿ حتى ﴾ الغاية بأصل وضعها وهي هنا غاية لما أفهمه قوله: ﴿ إلا لمن أذن له ﴾ من أن هنالك إذناً يصدر من جانب القدس يأذن الله به ناساً من الأخيار بأن يشفعوا كما جاء تفصيل بعض هذه الشفاعة في الأحاديث الصحيحة وأن الذين يرجون أن يشفع فيهم ينتظرون ممن هو أهل لأن يشفع وهم في فزع من الإِشفاق أن لا يؤذن بالشفاعة فيهم، فإذا أذن الله لمن شاء أن يشفع زال الفزع عن قلوبهم واستبشروا إذ أنه فزع عن قلوب الذين قبلت الشفاعة فيهم، أي وأيس المحرومون من قبول الشفاعة فيهم.

وهذا من الحذف المسمى بالاكتفاء اكتفاء بذكر الشيء عن ذكر نظيره أو ضده، وحسنه هنا أنه اقتصار على ما يسرّ المؤمنين الذين لم يتخذوا من دون الله أولياء.

وقد طويت جمل مِن وراء ﴿ حتى ﴾ ، والتقدير: إلا لمن أذن له ويومئذٍ يبقى الناس مرتقبين الإِذن لمن يشفع، فَزعين من أن لا يؤذن لأحد زمناً ينتهي بوقت زوال الفزع عن قلوبهم حينَ يؤذن للشافعين بأن يشفعوا، وهو إيجاز حذف.

و ﴿ إذا ﴾ ظرف للمستقبل وهو مضاف إلى جملة ﴿ فزع عن قلوبهم ﴾ ومتعلق ب ﴿ قالوا ﴾ .

و ﴿ فزع ﴾ قرأه الجمهور بضم الفاء وكسر الزاي مشددة، وهو مضاعف فزع.

والتضعيف فيه للإِزالة مثل: قشّر العود، ومَرَّض المريض إذا باشر علاجَه، وبُني للمجهول لتعظيم ذلك التفزيع بأنه صادر من جانب عظيم، ففيه جانب الآذن فيه، وجانب المبلغ له وهو الملك.

والتفزيع يحصل لهم بانكشاف إجمالي يلهمونه فيعلمون بأن الله أذن بالشفاعة ثم يتطلبون التفصيل بقولهم: ﴿ ماذا قال ربكم ﴾ ليعلموا من أُذِن له ممن لم يؤذن له، وهذا كما يكَرِّر النظَرَ ويُعَاوِد المطالعَةَ مَن ينتظر القبول، أو هم يتساءلون عن ذلك من شدة الخَشية فإنهم إذا فُزِّع عن قلوبهم تساءلوا لمزيد التحقق بما استبشروا به فيجابون أنه قال الحق.

فضمير ﴿ قالوا ماذا قال ربكم ﴾ عائد على بعض مدلول قوله: ﴿ لمن أذن له ﴾ .

وهم الذين أذن للشفعاء بقبول شفاعتهم منهم وهم يوجهون هذا الاستفهام إلى الملائكة الحافّين، وضمير ﴿ قالوا الحق ﴾ عائد إلى المسؤولين وهم الملائكة.

ويظهر أن كلمة ﴿ الحق ﴾ وقعت حكاية لمقول الله بوصف يجمع متنوع أقوال الله تعالى حينئذٍ من قبول شفاعة في بعض المشفوع فيهم ومن حرمان لغيرهم كما يقال: ماذا قال القاضي للخصم؟

فيقال: قال الفصلَ.

فهذا حكاية لمقول الله بالمعنى.

وانتصاب ﴿ الحق ﴾ على أنه مفعول ﴿ قالوا ﴾ يتضمن معنى الكلام، أي قال الكلام الحق، كقوله: وقصيدةٍ تأتي الملوك غريبة *** قد قلتُها ليقال من ذا قالها هذا هو المعنى الذي يقتضيه نظم الآية ويلتئم مع معانيها.

وقد ذهبت في تفسيرها أقوال كثير من المفسرين طرائق قدداً، وتفرقوا بَدَداً بَدَداً.

و (ذا) من قوله: ﴿ ماذا ﴾ إشارة عوملت معاملة الموصول لأن أصل: ﴿ ماذا قال ﴾ : ما هذا الذي قال، فلما كثر استعمالها بدون ذِكر اسم الموصول قِيل إن (ذا) بعد الاستفهام تصير اسم موصول، وقد يذكر الموصول بعدها كقوله تعالى: ﴿ من ذا الذي يشفع عنده ﴾ [البقرة: 255].

وقرأ ابن عامر ويعقوب ﴿ فزع ﴾ بفتح الفاء وفتح الزاي مشددة بصيغة البناء للفاعل، أي فَزّع الله عن قلوبهم.

وقد ورد في أحاديث الشفاعة عن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري أن الله يقول لآدم: «أخرج بعث النار من ذريتك»، وفي حديث أنس في شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم لأهل المحشر كلهم " ليدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار ".

وفيه أن الأنبياء أبوا أن يشفعوا وأن أهل المحشر أتوا محمداً صلى الله عليه وسلم وأنه استأذن ربه في ذلك فقال له: «سل تُعْطَ واشفع تُشَفّع»، وفي حديث أبي سعيد «أن النبي صلى الله عليه وسلم يشفع لعمه أبي طالب فيجعل في ضحضاح من نار يبلغ كعبيه تغلي منه أم دماغه».

وجملة ﴿ وهو العلي الكبير ﴾ تتمة جواب المجيبين، عطفوا تعظيم الله بذكر صفتين من صفات جلاله، وهما صفة ﴿ العلي ﴾ وصفة ﴿ الكبير ﴾ .

والعلو: علوّ الشأن الشامل لمنتهى الكمال في العلم.

والكبر: العظمة المعنوية، وهي منتهى القدرة والعدل والحكمة، وتخصيص هاتين الصفتين لمناسبة مقام الجواب، أي قد قضى بالحق لكل أحد بما يستحقه فإنه لا يخفى عليه حال أحد ولا يعوقه عن إيصاله إلى حقه عائق ولا يجوز دونه حائل.

وتقدم ذكر هاتين الصفتين في قوله: ﴿ وأن الله هو العلي الكبير ﴾ في سورة الحج (62).

واعلم أنه قد ورد في صفة تلقّي الملائكة الوحي أن من يتلقى من الملائكة الوحي يسأل الذي يبلغه إليه بمثل هذا الكلام كما في حديث أبي هريرة في صحيح البخاري } وغيره: أن نبيء الله صلى الله عليه وسلم قال: " إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خُضْعَاناً لقوله كأنه سلسلة على صفوان فإذا فُزّع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟

قالوا للذي قال الحقّ وهو العلي الكبير " ا ه.

فمعنى قوله في الحديث: قضَى صدَر منه أمر التكوين الذي تتولى الملائكة تنفيذه، وقوله في الحديث: " في السماء " يتعلق ب «قضى» بمعنى أوصل قضاءه إلى السماء حيث مقرّ الملائكة، وقوله: «خُضْعَاناً لقوله» أي خوفاً وخشية، وقوله: ﴿ فزع عن قلوبهم ﴾ أي أزيل الخوف عن نفوسهم.

وفي حديث ابن عباس عند الترمذي " إذا قضى ربنا أمراً سبح له حملة العرش، ثم سبح أهل السماء الذين يلونهم ثم الذين يلونهم " قال: " ثم أهل كل سماء " الحديث.

وذلك لا يقتضي أنه المراد في آية سورة سبأ وإنما هذه صفة تلقي الملائكة أمر الله في الدنيا والآخرة فكانت أقوالهم على سنة واحدة.

وليس تخريج البخاري والترمذي هذا الحديث في الكلام على تفسير سورة سبأ مراداً به أنه وارد في ذلك، وإنما يريد أن من صور معناه ما ذكر في سورة سبأ.

وهذا يغنيك عن الالتجاء إلى تكلفات تعسّفوها في تفسير هذه الآية وتعَلّقها بما قبلها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إلا لِمَن أذِنَ لَهُ ﴾ حَكى الفَرّاءُ فِيهِ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: حَتّى يُؤْذَنَ لَهُ في الشَّفاعَةِ.

الثّانِي: حَتّى يُؤْذَنَ لَهُ فِيمَن يَشْفَعُ لَهُ، ووَجَدْتُ الأوَّلَ قَوْلَ الكَلْبِيِّ والثّانِيَ قَوْلَ مُقاتِلٍ.

﴿ حَتّى إذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ ﴾ فِيهِ سِتَّةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: مَعْناهُ خُلِّيَ عَنْ قُلُوبِهِمُ الفَزَعُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقالَ قُطْرُبٌ: أُخْرِجَ ما فِيها مِنَ الخَوْفِ.

الثّانِي: كُشِفَ عَنْ قُلُوبِهِمُ الغِطاءُ يَوْمَ القِيامَةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: أنَّهُمُ الشَّياطِينُ فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ فَفارَقُوا ما كانُوا عَلَيْهِ مِن إضْلالِ أوْلِيائِهِمْ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

الرّابِعُ: أنَّهم دُعُوا فاسْتَجابُوا مِن قُبُورِهِمْ مَأْخُوذٌ مِنَ الفَزَعِ الَّذِي هو الدُّعاءُ والِاسْتِصْراخُ فَسُمِّيَ الدّاعِي فَزِعًا والمُجِيبُ فَزِعًا، قالَ زُهَيْرٌ إذا فَزِعُوا طارُوا إلى مُسْتَغِيثِهِمْ طِوالُ الرِّماحِ لا قِصارٌ ولا عُزْلُ الخامِسُ: أنَّهُمُ المَلائِكَةُ فَزِعُوا عِنْدَ سَماعِ الوَحْيِ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِانْقِطاعِهِ ما بَيْنَ عِيسى ومُحَمَّدٍ عَلَيْهِما السَّلامُ، وكانَ لِصَوْتِهِ صَلْصَلَةٌ كَوَقْعِ الحَدِيدِ عَلى الصَّفا، فَخَرُّوا عِنْدَهُ سُجُودًا مَخافَةَ القِيامَةِ فَسَألُوا فَقالُوا: ماذا قالَ رَبُّكُمْ؟

قالُوا: الحَقَّ أيِ الوَحْيَ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ كَعْبٍ.

السّادِسُ: وهو تَأْوِيلُ قِراءَةِ الحَسَنِ: حَتّى فُرِّغَ عَنْ قُلُوبِهِمْ بِالغَيْنِ مُعْجَمَةٌ يَعْنِي فُرِّغَ ما فِيها مِنَ الشَّكِّ والشِّرْكِ.

﴿ قالُوا ماذا قالَ رَبُّكُمْ ﴾ أيْ قالَ لَهُمُ المَلائِكَةُ: ماذا قالَ رَبُّكم في الدُّنْيا.

﴿ قالُوا الحَقَّ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يَجِدُوا ما وصَفُوهُ عَنِ اللَّهِ تَعالى حَقًّا.

الثّانِي: أنْ يُصَدِّقُوا بِما قالَهُ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ حَقٌّ.

﴿ وَهُوَ العَلِيُّ الكَبِيرُ ﴾ <div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ فزع عن قلوبهم ﴾ قال: خلى.

وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما أوحى الجبار إلى محمد صلى الله عليه وسلم دعا الرسول من الملائكة ليبعثه بالوحي، فسمعت الملائكة عليهم السلام صوت الجبار يتكلم بالوحي، فلما كشف عن قلوبهم سئلوا عما قال الله فقالوا: الحق.

وعلموا أن الله تعالى لا يقول إلا حقاً قال ابن عباس رضي الله عنهما: وصوت الوحي كصوت الحديد على الصفا، فلما سمعوا خروا سجداً، فلما رفعوا رؤوسهم ﴿ قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان إذا نزل الوحي كان صوته كوقع الحديد على الصفوان، فيصعق أهل السماء ﴿ حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم ﴾ قالت الرسل عليهم السلام ﴿ الحق وهو العلي الكبير ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ينزل الأمر إلى السماء الدنيا، له وقع كوقعة السلسلة على الصخرة، فيفزع له جميع أهل السموات، فيقولون ﴿ ماذا قال ربكم ﴾ ثم يرجعون إلى أنفسهم فيقولون ﴿ الحق وهو العلي الكبير ﴾ .

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد ومسلم والترمذي والنسائي وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي في الدلائل من طريق معمر عن الزهري عن علي بن حسين عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جالساً في نفر من أصحابه، فرمى بنجم، فاستنار قال: «ما كنتم تقولون إذا كان هذا في الجاهلية؟

قالوا: كنا نقول يولد عظيم، أو يموت عظيم، قال: فإنها لا ترمى لموت أحد، ولا لحياته، ولكن ربنا إذا قضى أمراً سبح حملة العرش، ثم سبح أهل السماء الذين يلون حملة العرش، فيقول الذين يلون حملة العرش ﴿ ماذا قال ربكم ﴾ فيخبرونهم، ويخبر أهل كل سماء سماء حتى ينتهي الخبر إلى هذه السماء، وتخطف الجن السمع، فيرمون فما جاؤوا به على وجهه فهو حق، ولكنهم يحرفونه ويزيدون فيه» قال معمر: قلت للزهري: أكان يرمي بها في الجاهلية؟

قال: نعم.

قال أرأيت ﴿ وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهاباً رصداً ﴾ [ الجن: 9] قال: غلظت وشدد أمرها حين بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد والبخاري وأبو داود والترمذي وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعاناً لقوله، كأنه سلسلة على صفوان يفزعهم ذلك ﴿ فإذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم ﴾ قالوا الذي قال: ﴿ الحق وهو العلي الكبير ﴾ فيسمعها مسترقو السمع، ومسترقو السمع هكذا واحد فوق آخر.

وصف سفيان بيده وفرج بين أصابعه نصبها بعضها فوق بعض.

فيسمع الكلمة فيلقيها إلى من تحته، ثم يلقيها الآخر إلى من تحته يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن، فربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها، وربما ألقاها قبل أن يدركه، فيكذب معها مائة كذبة فيقال: أليس قد قال لنا يوم كذا.

وكذا.

كذا.

وكذا؟

فيصدق بتلك الكلمة التي سمعت من السماء» .

وأخرج ابن جرير وابن خزيمة وابن أبي حاتم والطبراني وأبو الشيخ في العظمة وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن النوّاس بن سمعان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا أراد الله أن يوحي بأمر تكلم بالوحي، فإذا تكلم بالوحي أخذت السماء رجفة شديدة من خوف الله تعالى، فإذا سمع بذلك أهل السموات صعقوا وخروا سجداً، فيكون أول من يرفع رأسه جبريل عليه السلام، فيكلمه الله من وحيه بما أراد، فيمضي به جبريل عليه السلام على الملائكة عليهم السلام، كلما مر بسماء سماء سأله ملائكتها: ماذا قال ربنا يا جبريل؟

فيقول ﴿ قال الحق وهو العلي الكبير ﴾ فيقولون كلهم مثل ما قال جبريل عليه السلام، فينتهي جبريل عليه السلام بالوحي حيث أمره الله من السماء والأرض» .

وأخرج الحاكم وصححه وابن مردويه عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ ﴿ فرغ عن قلوبهم ﴾ يعني بالراء والغين المعجمة.

وأخرج البيهقي وابن أبي شيبة وابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل عن ابن عباس في قوله عز وجل ﴿ حتى إذا فزع عن قلوبهم ﴾ قال: كان لكل قبيل من الجن مقعد في السماء يستمعون منه الوحي، وكان إذا نزل الوحي سمع له صوت كامرار السلسلة على الصفوان، فلا ينزل على أهل سماء إلا صعقوا ﴿ حتى إذا فزع عن قلوبهم، قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير ﴾ وإن كان مما يكون في الأرض من أمر الغيب، أو موت، أو شيء مما يكون في الأرض تكلموا به فقالوا: يكون كذا.

وكذا.

فسمعته الشياطين، فنزلوا به على أوليائهم يقولون: يكون العام كذا، ويكون كذا، فيسمعه الجن، فيخبرون الكهنة به، والكهنة تخبر به الناس يقولون: يكون كذا وكذا..

فيجدونه كذلك، فلما بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم دحروا بالنجوم فقالت العرب حين لم يخبرهم الجن بذلك: هلك من في السماء، فجعل صاحب الإِبل ينحر كل يوم بعيراً، وصاحب البقر ينحر كل يوم بقرة، وصاحب الغنم شاة، حتى أسرعوا في أموالهم فقالت ثقيف: وكانت أعقل العرب: أيها الناس أمسكوا عليكم أموالكم، فإنه لم يمت من في السماء، وان هذا ليس بانتشار ألستم ترون معالمكم من النجوم كما هي، والشمس والقمر والنجوم والليل والنهار قال: فقال إبليس لقد حدث اليوم في الأرض حدث، فائتوني من تربة كل أرض، فأتوه بها، فجعل يشمها، فلما شم تربة مكة قال: من هاهنا جاء الحديث منتشراً، فنقبوا فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بعث.

وأخرج أبو داود والبيهقي في الأسماء والصفات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم «إذا تكلم الله بالوحي، سمع أهل السماء الدنيا صلصلة كجر السلسلة على الصفا فيصعقون، فلا يزالون كذلك حتى يأتيهم جبريل عليه السلام، فإذا جاءهم جبريل عليه السلام ﴿ فزع عن قلوبهم ﴾ فيقولون يا جبريل: ماذا قال ربنا؟

فيقول ﴿ الحق ﴾ فيقولون: الحق.

الحق» .

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة وابن مردويه والبيهقي من وجه آخر عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السموات صلصلة كجر السلسلة على الصفوان فيصعقون، فلا يزالون كذلك حتى يأتيهم جبريل عليه السلام، فإذا أتاهم جبريل عليه السلام ﴿ فزع عن قلوبهم ﴾ قالوا يا جبريل: ماذا قال ربنا؟

فيقول ﴿ الحق ﴾ فينادون الحق الحق.

وأخرج ابن مردويه عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لما نزل جبريل بالوحي على رسول الله، فزع أهل السموات لا نحطاطه، وسمعوا صوت الوحي كأشد ما يكون من صوت الحديد على الصفا، فكلما مر بأهل سماء ﴿ فزع عن قلوبهم ﴾ فيقولون: يا جبريل بماذا أمرت؟

فيقول: نور العزة العظيم كلام الله بلسان عربي» .

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه في الآية قال: يوحي الله إلى جبريل عليه السلام، فتفزع الملائكة عليهم السلام من مخافة أن يكون شيء من أمر الساعة، فإذا خلى عن قلوبهم وعلموا أن ذلك ليس من أمر الساعة ﴿ قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق ﴾ .

وأخرج أبو نصر السجزي في الابانة عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رأيت جبريل عليه السلام وزعم أن إسرافيل عليه السلام يحمل العرش، وأن قدمه في الأرض السابعة والألواح بين عينيه، فإذا أراد ذو العرش أمراً سمعت الملائكة كجر السلسلة على الصفا فيغشى عليهم، فإذا قاموا ﴿ قالوا ماذا قال ربكم ﴾ قال من شاء الله ﴿ الحق وهو العلي الكبير ﴾ » .

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة والكلبي رضي الله عنهما في قوله: ﴿ حتى إذا فزع عن قلوبهم ﴾ قالا: لما كانت الفترة بين عيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم، فنزل الوحي مثل صوت الحديد، فافزع الملائكة عليهم السلام ذلك ﴿ حتى إذا فزع عن قلوبهم ﴾ قالوا: إذا جلى عن قلوبهم ﴿ ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم في الآية قال: زعم ابن مسعود أن الملائكة المعقبات الذين يختلفون إلى أهل الأرض يكتبون أعمالهم إذا أرسلهم الرب تبارك وتعالى، فانحدروا سمع لهم صوت شديد، فيحسب الذي أسفل منهم من الملائكة أنه من أمر الساعة، فيخرون سجداً وهكذا كلما مروا عليهم، فيفعلون ذلك من خوف ربهم تبارك وتعالى.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة قال: إذا قضى الله تبارك وتعالى أمراً رجفت السموات والأرض والجبال، وخرت الملائكة كلهم سجداً حسبت الجن أن أمراً يقضى فاسترقت، فلما قضي الأمر، رفعت الملائكة رؤوسهم.

وهي هذه الآية ﴿ حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا- جميعاً- الحق وهو العلي الكبير ﴾ .

وأخرج ابن الأنباري عن الحسن رضي الله عنه أنه كان يقرأ ﴿ حتى إذا فزع عن قلوبهم ﴾ ثم يفسره حتى إذا انجلى عن قلوبهم.

وأخرج ابن أبي حاتم من طريق آخر عن الحسن رضي الله عنه أنه كان يقرأ ﴿ فزع عن قلوبهم ﴾ قال: ما فيها من الشك والتكذيب.

وأخرج ابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم في قوله: ﴿ حتى إذا فزع عن قلوبهم ﴾ قال: فزع الشيطان عن قلوبهم، ففارقهم وأمانيهم وما كان يضلهم ﴿ قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير ﴾ قال: وهذا في بني آدم عند الموت، أقروا حين لا ينفعهم الاقرار.

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ حتى إذا فزع عن قلوبهم ﴾ قال: كشف الغطاء عنها يوم القيامة.

وأخرج عبد بن حميد عن إبراهيم والضحاك أنهما كانا يقرآن ﴿ حتى إذا فزع عن قلوبهم ﴾ يقولان: جلى عن قلوبهم.

وأخرج عبد بن حميد عن محمد بن سيرين أنه سأل كيف تقرأ هذه الآية ﴿ حتى إذا فزع عن قلوبهم ﴾ أو ﴿ فرغ عن قلوبهم ﴾ ؟

قال: ﴿ إذا فزع عن قلوبهم ﴾ قال: فإن الحسن يقول برأيه أشياء أهاب أن أقولها.

وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ حتى ﴿ إذا فزع عن قلوبهم ﴾ بالعين مثقلة الزاي.

وأخرج عبد بن حميد وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ثم أمره الله أن يسأل الناس فقال: ﴿ قل من يرزقكم من السماوات والأرض ﴾ .

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله: ﴿ وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين ﴾ قال: ﴿ إنا ﴾ نحن لعلى هدى وانكم في ضلال مبين.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ وإنا أو إياكم...

﴾ قال: قد قال ذلك أصحاب محمد للمشركين، والله ما نحن وأنتم على أمر واحد ان أحد الفريقين مهتد.

وفي قوله: ﴿ قل يجمع بيننا ربنا ثم يفتح بيننا ﴾ أي يقضي.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ الفتاح ﴾ قال: القاضي.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

وقوله: ﴿ وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ ﴾ يعني: شفاعة الملائكة.

﴿ عِنْدَهُ ﴾ عند الله (١) ﴿ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ ﴾ قرئ: بضم الهمزة وفتحها، فمن فتح بني الفعل للفاعل، وأسنده إلى ضمير اسم الله؛ لقوله تعالى: ﴿ لَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ ﴾ ، ومن ضم الهمزة بني الفعل للمفعول وهو يريد هذا المعنى (٢) ﴿ وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ ﴾ والمجازي في الوجهين هو الله تعالى.

قال الفراء: أي لا تنفع شفاعة ملك مقرب ولا نبي حتى يؤذن له في الشفاعة، ويقال: حتى يؤذن له فيمن يشفع، فيكون (من) للمشفوع له (٣) وذكر أبو إسحاق أيضًا الوحهين جميعًا فقال: ويجوز أن يكون [من] (٤) ﴿ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ ﴾ للشافعين؛ لأنه كنى عنهم بقوله: ﴿ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ ﴾ والذين فزع عن قلوبهم هاهنا الملائكة، هذا كلامه.

وتقدير الوجهين: إلا لمن أذن له في أن يشفع إذا كان (من) للشافع، وإن جعلت (من) للمشفوع فالتقدير: إلا لمن أذن له في أن يشفع له (٥) وكلام المفسرين في هذه الآية يدل على أن (من) للمشفوع له؛ قال ابن عباس: يريد لا تشفع الملائكة إلا لمن وحد الله (٦) ﴿ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى  ﴾ .

وقال مقاتل: لا تنفع شفاعة الملائكة عنده لأحد إلا لمن أذن له أن يشفعوا له من أهل التوحيد.

قال: ثم أخبر عن خوف الملائكة (٧) ﴿ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ ﴾ وقُرِئ: فَزَع، بفتح الفاء والزاي.

قال أبو عبيدة: ﴿ فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ ﴾ : نفس عنها (٨) وقال الفراء وأبو إسحاق: فزع: كشف الفزع عن قلوبهم، وفزع: كشف الله الفزع عن قلوبهم (٩) (١٠) والتفزيع يريد المعنيين: أحدهما: إزالة التفزيع بالتمريض (١١) (١٢) (١٣) وقال قتادة والكلبي: جلي عن قلوبهم (١٤) (١٥)  - قال: "إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانًا لقوله كأنه سلسلة على صفوان فـ ﴿ إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ ﴾ الآية" (١٦) وروي عن أنس بن سمعان (١٧) (١٨) (١٩) وروى الزهري عن أبي إدريس (٢٠) ﴿ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ ﴾ (٢١) وقال ابن عباس: إذا تكلم الله بالوحي، يسمع أهل السموات صوتا كصوت الحديد على الصفا، فيخرون سجدًا لذلك، فإذا فزع عن قلوبهم قالوا: ماذا ...

(٢٢) (٢٣) وقال قتادة والكلبي: لما كانت الفترة التي بين عيسى ومحمد عليهما السلام وبعث الله محمدًا، أنزل الله جبريل بالوحي، فلما نزل، ظنت الملائكة أنه نزل بشيء من الساعة فصعقوا لذلك، فجعل جبريل يمر بكل سماء ويكشف عنهم الفزع يرفعوا رؤوسهم (٢٤) (٢٥) (٢٦) (٢٧) ويبقى إشكال في النظم، وهو أن قوله: ﴿ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ ﴾ كيف يليق بما تقدم من الكلام، وأين الخبر عن فزعهم حتى يذكر زوال الفزع؟

قال صاحب النظم: لا يكاد يكون حتى إلا متصلة بخبر قبلها، ولم يتقدم هاهنا في الظاهر شيء تكون هي معطوفة عليه فهي في الظاهر منقطعة مما قبلها ومبتدأة، وهي في الباطن متصلة بمعنى متقدم مضمر، ومعنى فزع عن قلوبهم قد جاء في التفسير أخرج منها الفزع، فهذا دليل على أنه يصيبهم فزع شديد من شيء يحدث عليهم من أقدار الله -عز وجل-، ولم يقل الله حتى إذا فزع عن قلوبهم إلا وهم يفزعون.

هذا كلامه.

وشرح هذا أن حتى هاهنا منقطع في اللفظ عما قبله، وقد ذكرنا جواز هذا عند قوله: ﴿ حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ ﴾ (٢٨) ومذهب مجاهد والحسن وابن زيد في هذه الآية: أن الكناية في قوله: ﴿ عَنْ قُلُوبِهِمْ ﴾ للمشركين، يقول: حتى إذا كشف الفزع عن قلوبهم في الآخرة إقامة الحجة عليهم، قالت الملائكة لهم: ﴿ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ ﴾ في الدنيا ﴿ قَالُوا الْحَقَّ ﴾ فأقروا حين لا ينفعهم (٢٩) وقوله: ﴿ الْحَقَّ ﴾ قال الزجاج وأبو علي: التقدير: قالوا: قال الحق (٣٠) ﴿ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ ﴾ ، قال مقاتل: يعني الرفيع الذي فوق خلقه، الكبير العظيم فلا شيء أعظم منه (٣١) (١) انظر: "تفسير مقاتل" 99 أ.

(٢) انظر: "علل القراءات" 2/ 553، "حجة القراءات" ص 589.

(٣) "معاني القرآن" 2/ 361.

(٤) ما بين المعقوفين ساقط من (أ).

(٥) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 252.

(٦) انظر: "الوسيط" 3/ 294، "تفسير ابن عباس" بهامش المصحف ص 431.

(٧) انظر: "تفسير مقاتل" 99 أ.

(٨) "مجاز القرآن" 2/ 147.

(٩) "معاني القرآن" 2/ 361، "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 253.

(١٠) سورة الحج: الآية 27.

قال: معنى التأذين: النداء والتصويت للإعلام، ثم أحال على قوله ﴿ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ ﴾ ، وقوله: ﴿ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ ﴾ .

(١١) في "الوسيط": والتفزيع إزالة الفزع كالتمريض.

فلعل ما أثبت هنا خطأ، والصواب ما بينته من الوسيط.

(١٢) في (ب): (مشكاه).

(١٣) ذكر بعض المفسرين قول ابن عباس: جلي عن قلوبهم.

انظر: "الماوردي" 4/ 484، "القرطبي" 14/ 295.

(١٤) لم قف عليه منسوبًا لهما،، وقد نسبه الطبري 22/ 90 لابن عباس.

(١٥) انظر: "تفسير مقاتل" 99 أ.

(١٦) الحديث أخرجه البخاري في "صحيحه" كتاب: التفسير: تفسير سورة سبأ 4/ 1804 رقم الحديث (4522) وتمامه: "فإذا فزع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟

قالوا للذي قال: الحق وهو العلي الكبير، فيسمعها مسترق السمع" الحديث، وأخرجه الترمذي في "سننه" كتاب التفسير: تفسير سورة سبأ 5/ 40، رقم الحديث (3276)، وقال: هذا حديث حسن صحيح.

(١٧) هكذا ورد في (أ)، وفي (ب): (أنس سمعان)، وهو خطأ، والصواب هو: النواس بن سمعان، فهو راوي هذا الأثر، ولم أجد فيما عندي من مراجع راويا لهذا الحديث بهذا الاسم.

والنواس بن سمعان هو: النواس بن سمعان بن خالد بن عمرو بن قرط العامري الكلابي، ويقال: الأنصاري، له صحبة، روى عن النبي -  -، وروى عنه جبير بن نفير الخضرمي وأبو إدريس الخولاني.

يقال: إن أباه سمعان وفد على النبي -  - وأهدى إليه نعليه فقبلهما وزوج أخته من النبي -  -، ويقال: إنه لما دخل بها تعوذت منه فتركها، وهي الكلابية، والله أعلم.

انظر: "الاستيعاب" 3/ 539، "الإصابة" 3/ 549، "أسد الغابة" 5/ 45 (١٨) في (ب): (ضعفوا).

(١٩) أورده الثعلبي في "تفسيره" 3/ 219.

(٢٠) هو: أبو إدريس عائذ الله بن عبد الله، ويقال فيه: عيذ الله بن إدريس بن عائذ الخولاني، تقدمت ترجمته.

(٢١) لم أقف عليه عن أبي إدريس من طريق الزهري.

وقد أورد الثعلبي في "تفسيره" 3/ 219 أ، هذا الأثر من طريق الأعمش عن مسلم عن مسروق عن عبد الله.

(٢٢) أورده السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 697، وعزاه لابن أبي حاتم عن ابن عباس.

(٢٣) الأثر المروي عن ابن مسعود -  - أخرجه بو داود في "سننه" كتاب: السنة، باب: في القرآن 4/ 235، رقم الحديث (4738)، و"الطبري" 22/ 90.

وأورده السيوطي في "الدر" (6/ 699) وزاد نسبته لسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ في العظمة وابن مردويه والبيهقي.

(٢٤) هكذا جاء الكلام في النسخ!

وفيه اضطراب، والصواب: فيرفعون رؤوسهم ويقول بعضهم لبعض.

انظر: "تفسير القرطبي" 14/ 197.

(٢٥) ذكره النحاس في "معاني القرآن" 5/ 417، وابن الجوزي في "زاد المسير" 6/ 453، و"القرطبي" 14/ 297.

(٢٦) انظر: "تفسير مقاتل" 99 أ.

(٢٧) "معاني القرآن" 2/ 361، "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 253.

(٢٨) سورة يونس: الآية 110.

(٢٩) انظر: "تفسير مجاهد" ص 527، "الطبري" 22/ 92، "الماوردي" 4/ 438، "القرطبي" 14/ 297.

(٣٠) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 253 (٣١) انظر: "تفسير مقاتل" 99 أ.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَلاَ تَنفَعُ الشفاعة عِندَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ ﴾ المعنى لا تنفع الشفاعة عند الله إلا لمن أذن الله له أن يشفع، فإنه لا يشفع أحد إلا بإذنه، وقيل: المعنى لا تنفع الشفاعة إلا لمن أذن له الله أن يشفع فيه، والمعنى أن الشفاعة على كل وجه لا تكون إلا بإذن الله، ففي ذلك ردّ على المشركين الذين كانوا يقولون: هؤلاء شفعاؤنا عند الله ﴿ حتى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُواْ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ ﴾ تظاهرت الأحاديث عن رسول الله أن هذه الآية في الملائكة عليهم السلام، فإنهم إذا سمعوا الوحي إلى جبريل يفزعون لذلك فزعاً عظيماً، فإذا زال الفزع عن قلوبهم قال بعضهم لبعض: ماذا قال ربكم فيقولون: قال الحق، ومعنى ﴿ فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ ﴾ زال عنها الفزع، والضمير في ﴿ قُلُوبِهِمْ ﴾ وفي ﴿ قَالُواْ ﴾ للملائكة، فإن قيل كيف ذلك ولم يتقدم لهم ذكر يعود الضمير عليه؟

فالجواب أنه قد وقعت إليهم إشارة بقوله: ﴿ وَلاَ تَنفَعُ الشفاعة عِندَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ ﴾ لأن بعض العرب كانوا يعبدون الملائكة، ويقولون: هؤلاء شفعاؤنا عند الله، فذكر الشفاعة يقتضي ذكر الشافعين، فعاد الضمير على الشفعاء الذين دل عليهم لفظ الشفاعة، فإن قيل: بم اتصل قوله: ﴿ حتى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ ﴾ ولأي شيء وقعت حتى غائية؟

فالجواب أنه اتصل بما فهم من الكلام من أن ثم انتظاراً للإذن، وفزعا وتوقفا حتى يزول الفزع بالإذن في الشفاعة، ويقرب هذا في المعنى من قوله: ﴿ يَوْمَ يَقُومُ الروح والملائكة صَفّاً لاَّ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحمن ﴾ [النبأ: 38] ولم يفهم بعض الناس اتصال هذه الآية بما قبلها فاضطربوا فيها حتى قال بعضهم: هي من الكفار بعد الموت، ومعنى ﴿ فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ ﴾ : رأوا الحقيقة، فقيل لهم: ﴿ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ ﴾ ؟

فيقولون: قال الحق فيقرّون حيث لا ينفعهم الإقرار، والصحيح أنها في الملائكة لورود ذلك في الحديث، ولأن القصد الردّ على الكفار الذين عبدوا الملائكة، فذكره شدّة خوف الملائكة من الله وتعظيمهم له.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ أذن له ﴾ على البناء للمفعول: أبو عمرو وعي وخلف والأعشى والبرجمي ﴿ فزع علي ﴾ البناء للفاعل: ابن عامر ويعقوب ﴿ جزاء ﴾ بالنصب ﴿ الضعف ﴾ مرفوعاً: يعقوب ﴿ في الغرفة ﴾ على التوحيد: حمزة ﴿ يحشرهم ﴾ ﴿ ثم يقول ﴾ على الغيبة فيهما: حفص ويعقوب.

الباقون: بالنون ﴿ ثم تفكروا ﴾ بتشديد التاء: رويس ﴿ أجري إلا ﴾ بفتح الياء: ابو جعفر ونافع وابن عامر وأبو عمرو وحفص ﴿ ربي إنه ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو: ﴿ التناؤش ﴾ مهموزاً: ابو عمرو وحمزة وخلف وعاصم سوى حفص والشموني والبرجمي.

﴿ حيل ﴾ بضم الحاء وكسر الياء: ابن عامر وعلي ورويس.

الوقوف: ﴿ من دون الله ﴾ ج لاحتمال الجملة بعده حالاً واستئنافاً ﴿ ظهير ﴾ ه ﴿ أذن له ﴾ ط ﴿ الحق ﴾ ط ﴿ الكبير ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ قل الله ﴾ لا لاتصال المقول ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ بالحق ﴾ ط ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ كلا ﴾ ط ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ ولا تستقدمون ﴾ ه ﴿ بين يديه ﴾ ط ﴿ عند ربهم ﴾ ج لأن ما بعده يصلح استئنافاً وحالاً وهذا أوجه ﴿ القول ﴾ ج لمثل ذلك ﴿ مؤمنين ﴾ ه ﴿ مجرمين ﴾ ه ﴿ أنداداً ﴾ ط ﴿ العذاب ﴾ ط ﴿ كفروا ﴾ ط ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ كافرونه ﴾ ه ﴿ بمعذبين ﴾ ه ﴿ لا يعملون ﴾ ه ﴿ صالحاً ﴾ ز أن أولئك مبتدأ مع الفاء ﴿ آمنون ﴾ ه ﴿ محضرون ﴾ ه ﴿ ويقدر له ﴾ ه ﴿ يخلفه ﴾ ج لعطف الجملتين المختلفتين ﴿ الرازقين ﴾ ه ﴿ يعبدون ﴾ ه ﴿ من دونهم ﴾ ج لتنويع الكلام مع اتحاد المقول ﴿ الجن ﴾ ج لذلك ﴿ مؤمنون ﴾ ه ﴿ ضراً ﴾ ط ﴿ تكذبون ﴾ ه ﴿ آباؤكم ﴾ ج للعطف مع طول الكلام والتكرار ﴿ مفترى ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ من نذير ﴾ ه ﴿ نكير ﴾ ه ﴿ بواحدة ﴾ ج لأن ما بعده بدل أو خبر أي هي أن تقوموا ﴿ من جنة ﴾ ط ﴿ شديد ﴾ ه ﴿ لكم ﴾ ط ﴿ الله ﴾ ج ﴿ شهيد ﴾ ه ﴿ بالحق ﴾ ج لاحتمال أن ما بعده بدل من الضمير في يقذف أو خبر أي هو علام ﴿ الغيوب ﴾ ه ﴿ بعيد ﴾ ه ﴿ على نفسي ﴾ ج لعطف جملتي الشرط ﴿ ربي ﴾ ط ﴿ قريب ﴾ ه ﴿ قريب ﴾ لا لأن ما بعده معطوف على ﴿ أخذوا ﴾ : ﴿ آمنا به ﴾ ط لاحتمال كون الجملة الاستفهامية مبتدأ بها أو حالاً ﴿ بعيد ﴾ ه لا للآية ولاحتمال الاستئناف والحال بعده والعامل معنى الفعل في التناوش ﴿ من قبل ﴾ ج للعطف على كفروا بناء على أنه حال ماضية أو للاستئناف اي وهم يقذفون ﴿ بعيد ﴾ ه ﴿ من قبل ﴾ ط ﴿ مريب ﴾ ه.

التفسير: لما فرغ من حكاية أهل الشكر وأهل الكفران تمثيلاً عاد إلى مخاطبة كفار قريش وتقريعهم.

ومفعولاً زعم محذوف أي زعمتموهم آلهة، وسبب حذف الأوّل استحقاق عوده إلى الموصول، وسبب حذف الثاني إقامة الصفة وهي ﴿ من دون الله ﴾ مقام الموصوف.

وتفسير الآية مبني على تفصيل وهو أن مذاهب أهل الشرك أربعة: أحدها قولهم إنا نعبد الملائكة والكواكب التي في السماء فهم آلهتنا والله إلههم فالله  قال في إبطال قولهم أنهم لا يملكون في السموات شيئاً كما اعترفتم، ولا في الأرض على خلاف ما زعمتم أن الأرض والارضيات في حكمهم.

وثانيها قول بعضهم إن السموات من الله على سبيل الاستقلال، وإن الأرضيات منه ولكن بواسطة الكواكب واتصالاتها وانصرافاتها فأبطل معتمد هؤلاء بقوله ﴿ وما لهم فيهما من شرك ﴾ أي الأرض كالسماء لله لغيره فيها نصيب.

وثالثها قول من قال: التركيبات والحوادث كلها من الله لكن فوض ذلك إلى الكواكب وإعانتها فأشار إلى إبطال معتقد هؤلاء بقوله ﴿ وما له منهم من ظهير ﴾ ورابعها مذهب من زعم أنا نعبد الأصنام التي هي صور الملائكة ليشفعوا لنا فبين بطلان مذهبهم بقوله ﴿ ولا تنفع الشفاعة ﴾ قال جار الله: تقول الشفاعة لزيد على أنه الشافع وعلى معنى أنه المشفوع له أي لا تنفع الشفاعة ﴿ إلا ﴾ كائنة ﴿ لمن أذن له ﴾ من الشافعين أو إلا لمن وقع الإذن للشفيع لأجله.

و"حتى" غاية لمضمون الكلام الدال على انتظار الإذن كأنه قيل: يتربصون ويقفون ملياً فزعين ﴿ حتى إذا فزع ﴾ أي كشف الفزع في القيامة عن قلوب الشافعين والمشفوع لهم بكلمة يتكلم بها رب العزة في إطلاق الإذن تباشروا بذلك وسأل بعضهم بعضاً ﴿ ماذا قال ربكم قالوا ﴾ قال ﴿ الحق ﴾ أي القول الحق وهو الإذن بالشفاعة لمن ارتضى، يريد هذا التفسير قول ابن عباس عن النبي "فإذا أذن لمن أذن أن يشفع فزعته الشفاعة" والتشديد للسلب والإزالة على نحو "قردته وجلدته" أي أزلت قراده وسلخت جلده.

وقيل: إن "حتى" على هذا التفسير متعلق بقوله ﴿ زعمتم ﴾ أي زعمتم الكفر إلى غاية التفزيع ثم تركتم ما زعمتم وقلتم قال الحق.

ومنهم من ذهب إلى أن التفزيع غاية الوحي المستفاد من قل فإنه عند الوحي يفزع من في السموات كما جاء في حديث "إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السماء صلصلة كجر السلسلة على الصفا فيصعقون فلا يزالون كذلك حتى يأتيه جبرائيل فإذا جاء فزع عن قلوبهم فيقولون: يا جبرائيل ماذا قال ربكم؟

فيقول الحق" أي يقول الحق الحق.

وقيل: أراد بالفزع أنه  لما أوحى إلى محمد  فزع من في السموات من القيامة لأن إرسال محمد  من أشراطها فلما زال عنهم ذلك قالوا: ماذا قال الله؟

قال جبرائيل وأتباعه: الحق.

وقيل: إنه الفزع عند الموت يزيله الله عن القلوب فيعرف كل أحد أن ما قال الله هو الحق فينتفع بتلك المعرفة أهل الإيمان ولا ينتفع بها أهل الكفر.

وحين بين بقوله ﴿ قل ادعوا ﴾ أنه لا يدفع الضر إلا هو أشار بقوله ﴿ قل من يرزقكم ﴾ إلى أن جلب النفع لا يكمل إلا به.

وههنا نكتة هي أنه قال في دفع الضر ﴿ قالوا الحق ﴾ وفي طلب النفع قال ﴿ قل الله ﴾ تنبيهاً على أنهم في الضراء مقبلون على الله معترفون به، وفي السراء معرضون عنه غافلون لا ينتبهون إلا بمسه.

وقوله ﴿ وإنا أو إياكم ﴾ من الكلام المنصف الذي يتضمن قلة شغب الخصم وفلّ شوكته بالهوينا.

وفي تخالف حرفي الجر في قوله ﴿ لعلى هدى أو في ضلال ﴾ إشارة إلى أن أهل الحق راكبون مطية الهدى مستعلون على متنها، وأن أهل الباطل منغمسون في ظلمة الضلال لا يدرون أين يتوجهون.

وإنما وصف الضلال بالمبين وأطلق الهدى لأن الحق كالخط المستقيم واحد، والباطل كالخطوط المنحنية لا حصر لها فبعضها أدخل في الضلالة من بعض وابين.

وقوله ﴿ عما أجرمنا ﴾ إلى قوله ﴿ عما تعملون ﴾ أبلغ في سلوك طريقة الإنصاف حيث أسند الإجرام وهو الصغائر والزلات أو هي مع الكبائر إلى أهل الإيمان، وعبر عن إجرام أهل الكفر بلفظ عام وهو العمل.

وفيه إرشاد إلى المناظرات الجارية في العلوم وغيرها، وإذا قال أحد المناظرين للآخر: أنت مخطئ أغضبه وعند الغضب لا يبقى سداد الفكر، وعند اختلاله لا مطمع في الفهم فيفوت الغرض.

ومعنى الفتح الحكم والفصل بين الفريقين بإدخال أهل الجنة الجنة وأهل النار النار.

وحين حث في الآية الأولى على وجوب النظر من حيث إن كل أحد يؤاخذ بجرمه ولو كان البريء أخذ بالمجرم لم يكن كذلك، أكد ذلك المعنى بالآية الثانية فإن مجرد الخطأ والضلال واجب الاجتناب فكيف إذا كان يوم عرض وحساب.

وفي قوله ﴿ العليم ﴾ إشارة إلى أن حكمه يكون مع العلم لا كحكم من يحكم بمجرد الغلبة والهوى.

ولما بين أن غير الله لا يعبد لدفع الضر ولا لجلب النفع أراد أن يبين أن غير الله لا ينبغي أن يعبد لأجل استحقاق العبادة فإنه لا مستحق للعبادة إلا هو.

ومعنى ﴿ أروني ﴾ وكان يعرفهم ويراهم الاستخفاف بهم والتنبيه على الخطأ العظيم في إلحاق الشركاء بالله أو أراد أعلموني بأي صفة الحقتموهم بالله وجعلتموهم شركاء فـ ﴿ ـشركاء ﴾ نصب على الحال والعائد محذوف و ﴿ كلا ﴾ ردع لهم عن مذهبهم بعدما كسده بإبطال المقايسة وردّ الإلحاق.

ثم زاد في توبيخهم بقوله ﴿ بل هو الله العزيز الحكيم ﴾ كأنه قال: أين الذين ألحقتم به شركاء من هذه الصفات فإن الإله لا يمكن أن يخلو عن القدرة الكاملة والحكمة الشاملة.

وهو يحتمل أن يكون ضمير الشأن.

وحين فرغ من التوحيد شرع في الرسالة.

ومعنى ﴿ كافة ﴾ عامة لأن الرسالة إذا شملتهم قد منعتهم أن يخرج أحد منهم والكف المنع وكافة صفة لرسالة.

وقال الزجاج: التاء للمبالغة كتاء الراوية والعلامة وإنه حال من الكاف أي أرسلناك جامعاً للناس في الإبلاغ والتبشير والإنذار، أو مانعاً للناس من الكفر والمعاصي.

وبعض النحويين جعله حالاً من الناس وزيف بأن حال المجرور لا يتقدم عليه.

ومن هؤلاء من جعل اللام بمعنى "إلى" لأن أرسل يتعدى بإلى فضوعفت تخطئته بأن استعمال اللام بمعنى.

"إلى" ضعيف، ولا يخفى أن ثاني مفعولي ﴿ أرسلنا ﴾ على غير هذا التفسير محذوف والتقدير: وما أرسلناك إلى الناس إلا كافة ﴿ ولكن أكثر الناس لا يعلمون ﴾ وذلك لا لخفائه ولكن لغفلتهم.

وحين ذكر الرسالة بين الحشر وذكر أنهم استعجلوه تعنتاً منهم فبين على طريق التهديد أنه لا استعجال فيه كما لا إمهال وهذا شأن كل أمر ذي بال.

قال جار الله ﴿ ميعاد يوم ﴾ كقولك "سحق عمامة" في أن الإضافة للتبيين يؤيده قراءة من قرأ ﴿ ميعاد يوم ﴾ بالرفع فيهما فأبدل منه اليوم.

وفي إسناد الفعل إليهم بقوله ﴿ لا تستأخرون عنه ﴾ دون أن يقول لا يؤخر عنكم زيادة تأكيد لوقوع اليوم.

ولما بين الأصول الثلاثة: التوحيد والرسالة والحشر، ذكر أنهم كافرون بالكل قائلين ﴿ لن نؤمن بهذا القرآن ولا بالذي بين يديه ﴾ من الكتب السماوية كالتوراة والإنجيل.

يروى أن كفار مكة سألوا أهل الكتاب فأخبروهم أنهم يجدون صفة محمد  في كتبهم فأغضبهم ذلك وقرنوا إلى القرآن جميع الكتب.

وقيل: الذين كفروا عام والذي بين يديه يوم القيامة وما جاء ذكره في القرآن من تفاصيل الحشر وغيرها، وأن أهل الكتاب لو صدّقوا بشيء من ذلك فليس لأجل مجيئه في القرآن ولكن لمجيئه في كتبهم.

وحين وقع اليأس من إيمانهم بقولهم ﴿ لن نؤمن ﴾ وعد نبيه بأنه سيراهم على أذل حال موقوفين للسؤال متجاذبين أهداب المراجعة كما يكون حال جماعة أخطأوا في تدبير أمره وجواب "لو" محذوف أي لقضيت العجب.

وبدأ بالأتباع لأن المضل أولى بالتوبيخ.

وفي قوله ﴿ لولا أنتم ﴾ إشارة إلى أن كفرهم كان لمانع لا لعدم المقتضى فإن الرسول قد جاء ولم يقصر في الإبلاغ.

ثم ذكر جواب المستكبرين وهم الرؤوس والمتبوعين على طريقة الاستئناف.

وفي إيلاء الاسم وهو نحن حرف الإنكار إثبات أنهم هم الذين صدّوا بأنفسهم عن الهدى بكسب منهم واختيار وأن المانع لم يكن راجحاً على المقتضى ولا مساوياً له وأكدوا ذلك بقولهم ﴿ بل كنتم مجرمين ﴾ أي إنكم أنتم الذين أطعتم أمر الشهوة فكنتم كافرين ولم يكن منا إلا التسويل والتزيين.

ثم عطف قولاً آخر للمستضعفين على قولهم الأول.

والإضافة في ﴿ مكر الليل والنهار ﴾ من باب الاتساع بإجراء الظرف مجرى المفعول به وأصل الكلام: بل مكرهم في الليل والنهار.

أو جعل ليلهم ونهارهم ماكرين على الإسناد المجازي، فالأول اتساع لفظي، والثاني معنوي.

أبطلوا إضرابهم بإضرابهم قائلين: ما كان الإجرام من جهتنا بل من جهة مكركم لنا مستمراً دائماً دائباً ليلاً ونهاراً.

وقدم الليل لأنه أخفى للمكر والويل.

وقرئ ﴿ مكرّ الليل ﴾ بالتشديد أي سبب ذلك أنكم تكرّون الإغواء مكراً دائباً.

والمعنى: ما أنتم بالصارف القطعي والمانع القويّ ولكن انضم إلى ذلك طول المدة فصار قولكم جزء السبب.

وفي قوله ﴿ أن نكفر بالله ونجعل له أنداداً ﴾ إشارة إلى أن الشرك وإن كان مثبتاً لله في الظاهر ولكنه نافٍ له على الحقيقة لأنه جعل مساوياً للصنم.

ويجوز أن يكون كل منهما قول طائفة فبعضهم كانوا مأمورين بجحد الصانع وبعضهم بالإشراك به.

وتفسير قوله ﴿ واسروا الندامة لما رأوا العذاب ﴾ مذكور في سورة يونس.

والضمير يعود إلى جنس الظالمين الشامل للمستضعفين وللمستكبرين.

وقوله ﴿ في أعناق الذين كفروا ﴾ أي في أعناقهم من وضع الظاهر موضع الضمير للدلالة على ما استحقوا به الأغلال وهي محمولة على الظاهر وإن جاز أن يراد بها العلائق.

وفي قوله ﴿ هل تجزون ﴾ إشارة إلى أنهم استحقوها عدلاً.

ثم سلى نبيه  بأن إيذاء الكفار الأنبياء ليس بدعاً وإنما ذلك هجيراهم قدماً.

وإنما خص المترفين بالذكر لأنهم أصل في الجحود والإنكار وغيرهم تبع، ثم استدلوا على كونهم مصيبين في ذلك بكثرة الأموال والأولاد اعتقدوا أنهم لو لم يكرموا على الله ما رزقهم، ثم قاسوا أمر الآخرة الموهومة أو المفروضة عندهم على أمر الدنيا فقالوا ﴿ وما نحن بمعذبين ﴾ فبين الله خطأهم بأن القابض الباسط ه والله ﴿ ولكن أكثر الناس لا يعملون ﴾ أن ذلك بمجرد المشيئة لا بالكسب والاستحقاق فكم من شقيّ موسر وتقي معسر.

ثم زاد في البيان بقوله ﴿ وما أموالكم ﴾ اي وما جماعة أموالكم ﴿ ولا ﴾ جماعة ﴿ أولادكم بالتي تقرّبكم عندنا زلفى ﴾ أي قربى اسم بمعنى القربة وقع موقع المصدر كقوله ﴿ والله أنبتكم من الأرض نباتاً  ﴾ ثم استثنى من ضمير المفعول في تقرّبكم بقوله ﴿ إلا من آمن ﴾ والمراد أن الأموال والأولاد لا تقرّب أحداً إلا المؤمن الصالح ينفق الأموال في سبيل الله ويعلم أولاده الخير والفقه في الدين.

ويحتمل أن يكون الاستثناء من الفاعل والمعنى أن شيئاً من الأشياء لا يقرّب إلا عمل المؤمن الصالح لأن ما سوى ذلك شاغل عن الله، والعمل الصالح إقبال على العبودية.

ومن توجه إلى الله وصل ومن طلب شيئاً من الله حصل.

وجزاء الضعف من إضافة المصدر إلى المفعول تقديره: فأولئك لهم أن يجاوزوا الضعف.

ومعنى قراءة يعقوب: أولئك لهم الضعف جزاء.

والتضعيف يكون إلى العشر وإلى سبعمائة وأكثر كما عرفت.

والباقي إلى قوله ﴿ محضرون ﴾ قد سبق.

وحين بين أن حصول الترف لا يدل على الشرف ذكر أن بسط الرزق لا يختص بهم ولكنه  قد يبسط الرزق لمن يشاء من عباده المؤمنين.

ثم رتب وعد الإخلاف على الإنفاق وذلك إما في العاجل بالمال أو بالقنوع، وإما في الآخرة بالثواب الذي لا خلف فوقه ولا مثله.

ومما يؤكد الآية قوله  "اللهم أعط منفقاً خلفاً" الحديث.

وقول الفقهاء ألق متاعك في البحر وعليّ ضمانه، وأن التاجر إذا علم أن مالاً من الأموال في معرض الفناء يبيعه نسيئة وإن كان من الفقراء وإلا نسب إلى الخطأ وسخافة الرأي، ولا ريب أن مال الدنيا في معرض الزوال وأن أغنى الأغنياء قد طلب منا الإقراض ووعد الإضعاف والإخلاف فأي تجارة عند العاقل أربح من هذا؟

﴿ وهو خير الرازقين ﴾ لأن سلسلة الأرزاق والرزق تنتهي إليه.

وعن بعضهم: الحمد لله الذي أوجدني وجعلني ممن يشتهي فكم من مشته لا يجد وواجد لا يشتهي.

ثم حكى عاقبة حال الكفار بقوله ﴿ ويوم يحشرهم ﴾ وفي خطاب الملائكة تقريع الكفار وتقرير لما يعروهم من الخجل والوجل عند اقتصاص ذلك كما مر في قوله لعيسى ﴿ ءَأَنتَ قلت للناس  ﴾ ﴿ قالوا سبحانك ﴾ ننزهك عن أن نعبد غيرك أنت الذي نواليك ونعادي غيرك في شأن العبادة ﴿ بل كانوا يعبدون الجن ﴾ حيث أطاعوهم في عبادة غيرك فهم كانوا يطيعونهم وكنا نحن كالقبلة، أو صوّرت لهم الشياطين صور قوم من الجن وقالوا: هذه صور الملائكة فاعبدوها، أو كانوا يدخلون في أجواب الأصنام فيعبدون بعبادتها.

وإنما قالوا ﴿ أكثرهم بهم مؤمنون ﴾ وما ادّعوا الإحاطة لأن الذين رأوهم وأطلعهم الله على أحوالهم كانوا كذلك ولعل في الوجود من لا يطلع الله الملائكة عليه من الكفار.

وأيضاً أن العبادة عمل ظاهر والإيمان عمل باطن، والاطلاع على عمل القلب كما هو ليس إلا الله وحده فراعوا الأدب الجميل والحكم على الظاهر أكثري.

ثم ذكر أن الأمر في ذلك اليوم لله وحده والخطاب في قوله ﴿ لا يملك بعضكم ﴾ للملائكة والكفار وإن كان الكفار غائبين كما تقول لمن حضر عندك ولمن شاركه في أمر بسببه: أنتم قلتم كذا على معنى أنت قلت وهم قالوا.

ويحتمل أن يكون الخطاب للكفار لأن ذكر اليوم يدل على حضورهم أو لهم وللملائكة أيضاً بهذا التأويل، وعلى الأول يكون قوله ﴿ ونقول للذين ظلموا ﴾ إفراداً للكفرة بالذكر، وعلى الوجه الآخر يكون تأكيداً لبيان حالهم في الظلم وذكر الضر تأكيد لعدم تملكهم شيئاً وإلا فهو غير متصور في ذلك اليوم.

وإنما قال ههنا ﴿ عذاب النار التي كنتم بها تكذبون ﴾ وفي السجدة ﴿ عذاب النار الذي كنتم به  ﴾ لأنهم هناك قد رأوا النار بدليل قوله ﴿ كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها  ﴾ فقيل لهم ذوقوا العذاب المؤبد الذي كنتم به تكذبون في قولكم ﴿ لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة  ﴾ وههنا لم يروا النار.

وقيل: لأنه مذكور عقيب الحشر والسؤال فناسب التوبيخ على تكذيبهم بالنار.

ثم حكى أكاذيبهم بقوله ﴿ وإذا تتلى ﴾ الآية.

ولا يخفى ما فيه من المبالغات.

ثم بين أن أقوالهم هذه لا تستند إلا إلى محض التقليد فقال ﴿ وما آتيناهم من كتب يدرسونها ﴾ فالآيات البينات لا تعارض إلا بالبراهين العقلية وما لهم من دليل أو بالنقليات وما عندهم من كتاب ولا رسول غيرك ﴿ وكذب الذين من قبلهم ﴾ كعاد وثمود ﴿ وما بلغوا معشار ما آتيناهم ﴾ والمعشار كالمرباع وهما العشر والربع.

قال الأكثرون: معناه وما بلغ هؤلاء المشركون عشر ما آتينا المتقدمين من القوة والنعمة وطول العمر.

ثم إن الله أخذهم وما نفعهم محصولهم فكيف حال هؤلاء الضعفاء؟.

وقال بعضهم: أراد وما بلغ الذين من قبلهم معشار ما آتينا قوم محمد  من البيان والبرهان لأن محمداً  أفصح الرسل وكتابه أوضح الكتب.

ثنم إن المتقدمين أنكر عليهم تكذيبهم فكيف لا ينكر على هؤلاء؟

قال جار الله: قوله ﴿ فكذبوا رسلي ﴾ بعد قوله ﴿ وكذب الذين من قبلهم ﴾ تخصيص بعد تعميم كأنه قيل: وفعل الذين من قبلهم التكذيب فكذبوا رسلي؟

نظيره قول القائل: أقدم فلان على الكفر فكفر بمحمد  .

ويجوز أن ينعطف على قوله ﴿ وما بلغوا معشار ما ﴾ كقولك: ما بلغ زيد معشار فضل عمرو فيفضل عليه.

قلت: فعلى هذا تكون الفاء للسببية، والمعنى أنه إذا لم يبلغ معشار فضله فكيف يفضل عليه؟

وكذا في الآية فيصير المعنى أنهم إذا لم يبلغوا معشار الأقدمين فكيف كذبوا؟

﴿ فكيف كان نكير ﴾ للمكذبين الأوّلين فليحذروا من مثله.

ويجوز عندي أن يكون الثاني تكريراً للأول لأجل ترتب النكير عليه كأنه قيل: فإذ قد صح أنهم فعلوا ما ذكرنا فلا جرم ذاقوا وبال أمرهم نظيره قولك لمن بحضرتك: فعلت كذا وكذا، فإذا فعلت ذلك فتربص.

وبعد تقرير الأصول الثلاثة: التوحيد والرسالة والحشر كررها مجموعة بقوله ﴿ قل إنما أعظكم بواحدة ﴾ أي بخصلة أو حسنة أو كلمة واحدة وقد فسرها بقوله ﴿ أن تقوموا ﴾ على أنه عطف بيان لها.

والقيام إما حقيقة وهو قيامهم عن مجلس النبيُّ متفرقين إلى أوطانهم.

وإما مجاز وهو الاهتمام بالأمر والنهوض له بالعزم والجد.

فقوله ﴿ مثنى وفرادى ﴾ إشارة إلى جميع الأحوال لأن الإنسان إما أن يكون مع غيره أو لا فكأنه قال: أن تقوموا لله مجتمعين ومنفردين لا تمنعكم الجمعية عن ذكر الله ولا يحوجكم الانفراد إلى معين يعينكم على ذكر الله.

وقوله ﴿ ثم تتفكروا ﴾ يعني اعترفوا بما هو الأصل وهو التوحيد ولا حاجة فيه إلى تفكر ونظر بعدما بان وظهر، ثم تتفكروا فيما اقول بعده، وهو الرسالة المشار إليها بقوله ﴿ ما بصاحبكم من جنة ﴾ والحشر المشار إليه بقوله ﴿ بين يدي عذاب شديد ﴾ قيل: وفيه إشارة إلى عذاب قريب كأنه قال: ينذركم بعذاب يمسكم قبل الشديد.

فمجموع الأمور الثلاثة شيء واحد، أو المراد أنه لا يأمرهم في أوّل الأمر بغير التوحيد لأنه سابق على الكل لا أنه لا يأمرهم في جميع العمر إلا بشيء واحد.

وعند جار الله: الخصلة الواحدة هي الفكر في أمر محمد  والمعنى: إنما أعظكم بواحدة إن فعلتموها أصبتم الحق وهو أن تقوموا لوجه الله خالصاً متفرقين اثنين اثنين وواحداً واحداً، فإن ما فوق الإثنين والواحد يوجب التشويش واختلاف الرأي فيعرض كل من الإثنين محصول فكره على صاحبه من غير عصبية ولا اتباع هوى، وكذلك الفرد يفكر في نفسه بعدل ونصفه حتى يجذب الفكر بصنعه إلى أن هذا الأمر المستتبع لسعادة الدارين لا يتصدّى لادعائه إلا رجلان: مجنون لا يبالي بافتضاحه إذا طولب بالبرهان، وعاقل اجتباه الله بسوابق الفضل والامتنان لتكميل نوع الإنسان.

لكن محمداً  بالاتفاق أرجح الناس عقلاً وأصدقهم قولاً وأوفرهم حياء وأمانة، فما هو إلا النبيّ المنتظر في آخر الزمان المبعوث بين يدي عذاب شديد هو القيامة وأهوالها.

وقوله ﴿ ما بصاحبكم ﴾ إما أن يكون كلاماً مستأنفاً فيه تنبيه على كيفية النظر في أمر النبيّ  والمراد: ثم تتفكروا فتعلموا ذلك.

وجوز بعضهم أن تكون "ما" استفهامية.

وحين ذكر أنه ما به جنة ليلزم منه كونه نبياً ذكر وجهاً آخر يلزم منه صحة نبوّته وهو قوله ﴿ ما سألتكم من أجر ﴾ الآية.

وتقريره أن العاقل لا يركب العناء الشديد إلا لغرض عاجل وهو غير موجود ههنا بل كل أحد يعاديه ويقصده بالسوء، أو لغرض آجل ولا يثبت إلا على تقدير الصدق فإن الكاذب معذب في الآخرة لا مثاب.

هذا إذا أريد بقوله ﴿ فهو لكم ﴾ نفي سؤال الآخر رأساً كما يقول الرجل لصاحبه: إن أعطيتني شيئاً فخذه وهو لم يعطه شيئاً.

ويحتمل أن يراد بالأجر قوله ﴿ لا أسألكم عليه أجراً إلا المودّة في القربى  ﴾ وقوله ﴿ ما أسألكم عليه من أجر إلا من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلاً  ﴾ لأن المودة في القربى قد انتظمته وإياهم وكذا اتخاذ السبيل إلى الله عز وجل فيه نصيبهم ونفعهم.

﴿ وهو على كل شيء شهيد ﴾ يعلم أني لا أطلب الأجر على نصحكم أو يعلم أن فائدة النصح تعود عليكم.

قوله ﴿ يقذف بالحق ﴾ اي في قلوب المحقين وفيه إزالة استبعاد الكفرة تخصيص واحد منهم بإنزال الذكر عليه فإن الأمر بيد الله والفضل له يؤتيه من يشاء وإنه ﴿ علام الغيوب ﴾ يعلم عواقب الأمور ومراتب الاستحقاق فيعطى على حسب ذلك لا كما يفعل الهاجم الغافل، أو أراد يقذف بالحق على الباطل فيدمغه، وذلك أن براهين التوحيد قد ظهرت وشبه المبطلين قد دحضت.

وفي قوله ﴿ علام الغيوب ﴾ إشارة إلى أن البرهان الباهر لم يقم إلا على التوحيد والرسالة، وأما الحشر فالدليل عليه إخبار علام الغيوب عنه.

وحين ذكر أنه يقذف بالحق وكان ذلك بصيغة الاستقبال أخبر أن ذلك الحق قد جاء وهو القرآن والإسلام وكل ما ظهر على لسان النبي  وعلى يده.

وقيل: السيف.

وقوله ﴿ وما يبدئ الباطل وما يعيده ﴾ مثل في الهلاك لأن الحيّ إما أن يبدئ فعلاً أو يعيده، فإذا هلك لم يبق له إبداء ولا إعادة.

والتحقيق فيه أن الحق هو الموجود الثابت.

ولما كان ما جاء به النبي  من بيان التوحيد والرسالة والحشر ثابتاً في نفسه بيناً لمن نظر إليه كان جائياً، وحين كان ماأتوا به من الإصرار والتكذيب مما لا أصل له قيل: إنه لا يبدئ ولا يعيد أي لا يعيد شيئاً لا في الأوّل ولا في الآخر.

وقيل: الباطل إبليس لأنه صاحب الباطل ولأنه هالك والمراد أنه لا ينشئ خلقاً ولا يعيد وإنما المنشئ والباعث هو الله.

وعن الحسن: لا يبدئ لأهله خيراً ولا يعيده أي لا ينفعهم في الدنيا والآخرة.

وقال الزجاج: "ما" استفهامية والمعنى أي شيء ينشئ إبليس ويعيده؟

ثم قرر أمر الرسالة بوجه آخر وهو قوله ﴿ قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي ﴾ يعني كضلالكم وأما اهتدائي فليس بالنظر والاستدلال كاهتدائكم وإنما هو بالوحي المبين.

قال جار الله: هذا حكم عام لكل مكلف، والتقابل مرعي من حيث المعنى والمراد أن كل ما هو وبال على النفس وضارّ لها فهو بها وبسببها لأنها الأمارة بالسوء وما لها ينفعها فبهداية ربها وتوفيقه.

وإنما أمر رسوله أن يسنده إلى نفسه لأن الرسول إذا دخل تحته مع جلالة محله وسداد طريقته كان غيره أولى به ﴿ إنه سميع قريب ﴾ يدرك قول كل ضال ومهتد وفعله لا يعزب عنه منهما شيء، وفيه أن الرسول  إذا دعاه على من يكذبه أجابه ليس كمن يسمع من بعيد ولا يلحق الداعي.

ثم عجب نبيه أو كل راءٍ من مآل حال أهل العناد بقوله ﴿ ولو ترى ﴾ وجواب محذوف أي لرأيت أمراً عظيماً.

والأفعال الماضية التي هي ﴿ فزعوا ﴾ ﴿ وأخذوا ﴾ ﴿ وقالوا ﴾ ﴿ وحيل ﴾ كلها من قبيل ﴿ ونادى  ﴾ ﴿ وسيق  ﴾ ووقت الفزع وقت البعث أو الموت أو يوم بدر.

وعن ابن عباس: نزلت في خسف البيداء وهم ثمانون ألفاً أرادوا غزو الكعبة وتخريبها فخسف بهم حين دخلوا البيداء ﴿ فلا فوت ﴾ أي فلا يفوتون الله ولا يسبقونه.

والأخذ من مكان قريب هو من الموقف إلى النار، أو من ظهر الأرض إلى بطنها، أو من صحراء بدر إلى القليب، أو من تحت أقدامهم إلى الأرض,.

وجوّز جار الله أن يعطف ﴿ وأخذوا ﴾ على ﴿ لافوت ﴾ على معنى إذ فزعوا فلم يفوتوا وأخذوا.

ثم بين أنهم سيؤمنون بمحمد صلى الله عليه سولم أو بالقرآن أو بالحق حين لا ينفع الإيمان وذلك قوله ﴿ وأنى لهم التناوش ﴾ وهو تناول سهل لشيء قريب مثلت حالهم بحال من يريد أن يتناول الشيء من بعيد كما يتناوله الآخر من قريب تناولاً سهلاً لا تعب فيه، أو أراد أن تناولهم التوبة وإيمانهم في الآخرة بعيد عن الدنيا فإن أمس الدابر لا يعود وإن كانت الآخرة قريبة من الدنيا ولهذا سماها الله الساعة وكل ما هو آت قريب.

وعن أبي عمرو: التناؤش بالهمز التناول من بعد من قولهم: نأشت بالهمزة أي أبطأت وتأخرت.

والصح أنه من النوش كما مر همزت الواو المضمومة كما همزت فلي أجوه.

وقيل: التناوش بلغة اليمن التذكرة قاله أبو القاسم الحسن بن محمد بن حبيب في كتاب "المدخل في تفسير القرآن" والضمير في قوله ﴿ وقد كفروا ﴾ عائد إلى ما يعود إليه في قوله ﴿ آمنا به ﴾ .

قوله ﴿ ويقذفون بالغيب ﴾ فيه وجوه أحدها: أنه قولهم في رسول الله صلى الله عيله وسلم شاعر ساحر وهذا تكلم بالأمر الخفي وقد أتوا به من جهة بعيدة عن حاله لأنهم قد عرفوا منه الأمانة والصدق لا الكذب والزور.

وثانيهاك أخذوا الشريك من حالهم في العجز فإنهم يحتاجون في الأمور العظام إلى التعاون فقاسوا الأمر الإلهي عليه.

وثالثها: أنهم قاسوا قدرة الله على قدرتهم عجزوا عن إحياء الموتى فظنوا أن الله لا يقدر على البعث، وقياس الخالق على المخلوق بعيد المأخذ.

ورابعها: قاسوا أمر الآخرة على الدنيا قائلين إن كان الأمر كما تصفون من قيام الساعة وحصول الثواب والعقاب فنحن أكرم على الله من أن يعذبنا.

وخامسها: قالوا ﴿ ربنا ابصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحاً  ﴾ وهو قذف بالغيب من مكان بعيد وهو الدنيا.

﴿ وحيل بينهم وبين ما يشتهون ﴾ من نفع الإيمان في الآخرة أو من الرد إلى الدنيا ﴿ كما فعل باشياعهم ﴾ أي بأشباههم من كفرة الأمم لم ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأس الله و ﴿ مريب ﴾ موقع في الريب منقول من الأعيان إلى المعنى أو ذو ريبة وذلك باعتبار صاحبه وكلاهما مجاز بوجهين وقد مر في هود.

التأويل: ﴿ مثقال ذرة في السموات ﴾ القلوب ﴿ ولا في الأرض ﴾ النفوس من سعادة أو شقاوة ﴿ قالوا الحق ﴾ يعني ما فهموا من الهيبة كلامه ولكن يعلمون أنه لا يقول إلا الحق ﴿ قل من يرزقكم ﴾ من سموات القلوب وأرض النفوس إذا نزل من سماء القلب ماء الفيض على أرض الشرعية.

﴿ ألحقتم به شركاء ﴾ من الدنيا والهوى والشيطان كافة للناس من أهل الأولين والآخرين في عالم الأجساد وهو ظاهر، وفي عالم الأرواح تبشرها بأن لها كمالاً عند الاتصال بالأشباح وتنذرها بالحرمان إن لم تتعلق بالأجسام، وذلك أن الأرواح علوية نورانية والأشباح سفلية مظلمة لا يحصل بينهما التعلق إلا بالتبشير والإنذار.

فالروح بمثابة البذر والقالب كالأرض، وشخص الإنسان بمثابة الشجرة، والتوحيد والمعرفة ثمرتها، والشريعة كالماء والبشير والنذير كالآكار.

وإذا أمعنت النظر وجدت شجرة الموجودات نابتة من بذر روحه  وهو ثمرة هذه الشجرة مع جميع الأنبياء والمرسلين ولكن بتبعية محمد  ولهذا حصلت له رتبة الشفاعة دونهم.

يقولون يعني أرباب الطلب يستعجلون متى نصل إلى الكمال الذي بشرتمونا به.

ثم بين أن لثمرة كل شجرة وقتاً معلوماً لا تتجاوزه ﴿ أكثرهم بهم مؤمنون ﴾ اي أكثر مدعي الإسلام بأهل الأهواء مؤمنون ﴿ ويقذفون بالغيب ﴾ فيه أن معارف الأسرار ومراتب الأحرار لا تصلح لمن هو اسير في أيدي صفات النفس ﴿ وحيل بينهم ﴾ لأن الدين ليس بالتمني والله أعلم بحقائق الأشياء والله الموفق.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ قُلِ ٱدْعُواْ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ ﴾ .

أنهم آلهة: الملائكة والأصنام ومن عبدوهم من دونه: هل يملكون لكم شيئاً من دفع ضر أو جرّ نفع؟!

فيقول: ﴿ لاَ يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلاَ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ ، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر؛ فكيف تسمونها: آلهة.

أو أن يقول: ﴿ قُلِ ٱدْعُواْ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ ﴾ أنها آلهة؛ فليكشفوا عنكم الضر الذي نزل بكم من الجوع وغيره؛ كقوله: ﴿ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ  ﴾ ؛ فالجواب لذلك أن يقولوا: لا يملكون مثقال ذرة ولا أصغر ولا أكبر؛ فكيف يذكرون ما ذكر؟!

يذكر - والله أعلم - سفههم وفرطهم في عبادتهم من يعلمون أنه لا يضر ولا ينفع، وتسميتهم إياها آلهة.

﴿ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا ﴾ .

يعني: في خلق السماوات والأرض، وحفظهما، من تعبدون من دونه.

﴿ مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِّن ظَهِيرٍ ﴾ .

أي: من عون في ذلك؛ فكيف سميتموها: آلهة وشركاء في العبادة.

وقوله: ﴿ وَلاَ تَنفَعُ ٱلشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ ﴾ .

يقول - والله أعلم -: لا يملك أحد الشفاعة إلا لمن أذن الله بالشفاعة له، فهو لم يأذن بالشفاعة لأحد من الكفرة؛ فذكر هذا - والله أعلم -: لقولهم: ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ  ﴾ ، ولقولهم: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ  ﴾ .

أو يذكر أن من ترجون منهم الشفاعة بالمحل الذي ذكرهم من الخوف والفزع؛ فكيف ترجون شفاعتهم؟!

كقوله: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ  ﴾ .

أو لا يملكون مثقال ذرة ولا أصغر منه ولا أكبر؛ فكيف يملكون الشفاعة لكم؟!

أو نحوه من الكلام، والله أعلم.

وقوله: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُواْ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُواْ ٱلْحَقَّ ﴾ .

ليس لهذا الحرف في ذا الموضع صلة يوصل بها، ولا تقدم بعطف عليه، وعلى الابتداء: لا يستقيم؛ فبعض أهل التأويل يقول: كان بين عيسى ومحمد فترة زمان طويل لا يجري فيها الرسل، فلما بعث الله محمدا، وكلم جبريل بالرسالة إلى محمد، سمع الملائكة ذلك؛ فظنوا أنها الساعة قامت؛ فصعقوا مما سمعوا، فلما انحدر جبريل جعل كلما يمرّ بهم جلّى عنهم وكشف؛ فقال بعضهم لبعض: ﴿ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُواْ ٱلْحَقَّ ﴾ ، أي: الوحي.

وقال بعضهم: كان الوحي إذا نزل من السماء نزل كأنه سلسلة على صخرة، قال: فيفزع الملائكة بذلك؛ فيخرون سجداً، ﴿ حَتَّىٰ إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ ﴾ ، قال: إذا انجلى عن قلوبهم ﴿ قَالُواْ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُواْ ٱلْحَقَّ وَهُوَ ٱلْعَلِيُّ ٱلْكَبِيرُ ﴾ .

وقوله: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ ﴾ ، قيل: جلّى وكشف الغطاء.

قال الكسائي: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا فُزِّعَ ﴾ مشتقة من الفزع؛ كما تقول: هيبه عن قلبه وفرقه وفزع كله واحد.

ومن قرأ: ﴿ فُرِّغَ ﴾ ، بالراء: أخرج وترك فارغا من الخوف والشغل، وهي قراءة ابن مسعود.

قال بعضهم - في قوله: ﴿ قَالُواْ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُواْ ٱلْحَقَّ ﴾ يقول: يخبرون بالأمر الذي جاءوا به، ولا يقولون إلا الحق، لا يزيدون ولا ينقصون.

وقوله: ﴿ قُلِ ٱدْعُواْ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ لاَ يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلاَ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ ، أي: لا يملكون إنشاء ذرة في السماوات والأرض، ﴿ وَمَا لَهُمْ ﴾ في إنشائها ﴿ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ ﴾ في إنشاء ذلك من عون؛ فكيف تعبدونهم وتسمونهم آلهة؟!.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُواْ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُواْ ٱلْحَقَّ ﴾ .

ذلك الفزع منهم وذلك القول منهم في القيامة؛ فزعوا لقيامها، وقد قرئ ﴿ حتى إذا فَزَّعَ ﴾ ، بنصب الفاء، أي: حتى إذا فزع الله، أي: كشف الله عن قلوبهم الفزع، وجلا ذلك عنهم، والله أعلم.

وقوله: ﴿ قُلْ مَن يَرْزُقُكُمْ مِّنَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ .

هذا في الظاهر وإن كان استفهاماً فهو على التقرير والإيجاب؛ لأنا قد ذكرنا: أن كل استفهام كان من الله، فهو على التقرير والإيجاب.

ثم لو كان ذلك ممن يكون منه الاستفهام، لكان جواب قوله: ﴿ قُلْ مَن يَرْزُقُكُمْ مِّنَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ يقولون: الله يرزقنا؛ كقوله: ﴿ قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ...

 ﴾ ، ثم قال في آخره: ﴿ فَسَيَقُولُونَ ٱللَّهُ  ﴾ ، فيقول لهم: فإذا علمتم أن الله هو رازقكم، فكيف صرفتم عبادتكم عنه إلى من تعلمون أنه لا يملك شيئاً من رزقكم؟!

كقوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لاَ يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً فَٱبْتَغُواْ عِندَ ٱللَّهِ ٱلرِّزْقَ  ﴾ ؛ إنه لا يملك [غيره] شيئاً من رزقكم.

ذكر في حرف ابن مسعود: ﴿ قل من يرزقكم من السماء والأرض قالوا الله قال إني أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين ﴾ .

وقال بعضهم في قوله: ﴿ قُلْ مَن يَرْزُقُكُمْ مِّنَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ ﴾ من المطر ﴿ وَٱلأَرْضِ ﴾ النبات؟

فإن أجابوك، فقالوا: الله، وإلا فقل: الله يفعل ذلك بكم؛ فكيف تعبدون غيره.

﴿ وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى ﴾ .

يقول ذلك رسول الله لأهل مكة: إنا لعلى هدى أو إنكم لعلى هدى، وإنا أو إياكم لفي ضلال مبين.

وقال بعضهم: معناه: وإنا على هدى وإنكم لفي ضلال مبين، ولكن ليس هذا في ظاهر هذا الكلام.

وجائز أن يكون هذا على تعريض الشتم لهم بالضلال، والكناية لذلك كما يقول الرجل لآخر في حديث أو خبر يجري بينهما: إن أحدنا لكاذب في ذلك، أي: أنت كاذب في ذلك، لكنه تعريض منه بذلك ليس بتصريح.

وقال قتادة: هذا قول محمد وأصحابه لأهل الشرك: والله ما نحن وأنتم على أمر واحد، والله إن أحد الفريقين لمهتد، والفريق الآخر في ضلال مبين، فأنتم تعلمون أنا على هدى؛ لما أقمنا من الدلائل والحجج والبراهين على ذلك، وأنتم لا.

وقال بعضهم: قال ذلك؛ لأن كفار مكة قالوا للنبي وأصحابه: تعالوا ننظر في معايشنا: من أفضل دينا: أنحن أم أنتم؟

فعلى ذلك يكون في الآخرة؛ فردّ الله ذلك عليهم في قوله: ﴿ أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ ٱجْتَرَحُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ...

﴾ الآية [الجاثية: 21].

وقوله: ﴿ قُل لاَّ تُسْأَلُونَ عَمَّآ أَجْرَمْنَا وَلاَ نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾ .

قال بعضهم: قال ذلك؛ لأنهم كانوا يعيرون رسول الله ويوبخونه في طعنه الأصنام التي عبدوها، وذكره إياها بالسوء، وما يدعون عليه من الافتراء بأنه رسول الله، فيقول لهم: ﴿ لاَّ تُسْأَلُونَ ﴾ أنتم ﴿ عَمَّآ أَجْرَمْنَا ﴾ نحن، ﴿ وَلاَ نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾ ، وهو كقوله في سورة هود: ﴿ قُلْ إِنِ ٱفْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَاْ بَرِيۤءٌ مِّمَّا تُجْرِمُونَ  ﴾ .

أو أن يكون قوله: ﴿ قُل لاَّ تُسْأَلُونَ عَمَّآ أَجْرَمْنَا ﴾ ، أي: عما دنَّا من الدين.

أو عما عملنا من الأعمال، ﴿ وَلاَ نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾ أنتم عما تدينون من الدين؛ كقوله: ﴿ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ  ﴾ ، وكقوله: ﴿ لِّي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ  ﴾ ، وقوله: ﴿ لَنَآ أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ  ﴾ ، وإنما يقال هذا بعد ظهور العناد والمكابرة، فأمّا عند الابتداء فلا، والله أعلم.

وقوله: ﴿ قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِٱلْحَقِّ وَهُوَ ٱلْفَتَّاحُ ٱلْعَلِيمُ ﴾ .

هذا - والله أعلم - صلة ما تقدم من قوله: ﴿ قُلْ مَن يَرْزُقُكُمْ مِّنَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ قُلِ ٱللَّهُ وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ ﴾ ، وصلة قوله: ﴿ قُل لاَّ تُسْأَلُونَ عَمَّآ أَجْرَمْنَا ﴾ ؛ كأنهم قالوا لرسول الله وأصحابه: إنا لعلى هدى، وأنتم على ضلال مبين؛ فقال عند ذلك جواباً لهم: ﴿ قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ﴾ أي: يجمع بيننا، ﴿ ثُمَّ يَفْتَحُ ﴾ ، أي: يقضي بيننا بالحق: من منّا على الهدى؟

ومن منا على الضلال نحن أو أنتم؟

﴿ وَهُوَ ٱلْفَتَّاحُ ٱلْعَلِيمُ ﴾ ، أي: وهو الحاكم العليم: ما ظهر وما بطن حقيقة، والمفاتحة هي المحاكمة، يقال: هلم حتى نفاتحك إلى فلان، أي: نحاكمك، وذلك جائز في اللغة.

ويحتمل قوله: ﴿ ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِٱلْحَقِّ ﴾ ، أي: يكشف كل خفي منا وكل ستير وباطن؛ فيجعله ظاهر بيننا؛ ليظهر الذي من هو على الحق من الباطل؟

والهدى من الضلال؟

﴿ وَهُوَ ٱلْفَتَّاحُ ٱلْعَلِيمُ ﴾ ، أي: الكاشف المظهر العليم، يعلم الظاهر والباطن جميعاً، والإعلان والإسرار جميعاً، والله أعلم.

وقوله: ﴿ قُلْ أَرُونِيَ ٱلَّذيِنَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَآءَ ﴾ .

أي: أروني الذين ألحقتم بالله شركاء في تسميتكم الأصنام: آلهة.

أو أروني الذين ألحقتم به شركاء في العبادة.

وجائز أن يكون قال ذلك للذين عبدوا الملائكة وأشركوا فيها؛ كأن فيه إضمارا، يقول: أروني الذين ألحقتم به شركاء: هل خلقوا شيئاً؟

أم هل رزقوا؟

أم هل أحيوا؟

أم هل أماتوا؟

فإذا عرفتم أنهم لم يخلقوا، ولم يرزقوا، ولا يقدرون ذلك، وعلمتم أن الله هو خالق ذلك كله، وهو الرزاق؛ فكيف أشركتم من لا يملك ذلك في ألوهيته؟

﴿ كَلاَّ بَلْ هُوَ ٱللَّهُ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحْكِيمُ ﴾ .

منهم من يقول: ﴿ كَلاَّ ﴾ ردّاً على قولهم: شركاء، أي: ليسوا بشركائي؛ بل هو المتفرد الواحد الحكيم.

ومنهم من يقول: هو ردّ على قوله: هل خلقوا شيئاً؟

أم هل رزقوا شيئاً؟!

يقول: ﴿ كَلاَّ ﴾ ، أي: لم يخلقوا ولم يرزقوا؛ بل هو الله المتفرد بذلك، والله الموفق.

قال أبو عوسجة: ﴿ فُزِّعَ ﴾ : ذهب.

وقال القتبي: ﴿ فُزِّعَ ﴾ : خفف.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ولا تنفع الشفاعة عنده سبحانه إلا لمن أذن له، والله لا يأذن في الشفاعة إلا لمن ارتضى؛ لعظمته، ومن عظمته أنه إذا تكلم في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانًا لقوله حتى إذا كشف الفزع عن قلوبهم قالت الملائكة لجبريل: ماذا قال ربكم؟

قال جبريل: قال الحق، وهو العلي بذاته وقهره، الكبير الذي كل شيء دونه.

<div class="verse-tafsir" id="91.pVG1Y"

مزيد من التفاسير لسورة سبأ

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
الحمد لله