الآية ٩ من سورة فاطر

الإسلام > القرآن > سور > سورة 35 فاطر > الآية ٩ من سورة فاطر

وَٱللَّهُ ٱلَّذِىٓ أَرْسَلَ ٱلرِّيَـٰحَ فَتُثِيرُ سَحَابًۭا فَسُقْنَـٰهُ إِلَىٰ بَلَدٍۢ مَّيِّتٍۢ فَأَحْيَيْنَا بِهِ ٱلْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ۚ كَذَٰلِكَ ٱلنُّشُورُ ٩

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 76 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٩ من سورة فاطر: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٩ من سورة فاطر عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

كثيرا ما يستدل تعالى على المعاد بإحيائه الأرض بعد موتها - كما في [ أول ] سورة الحج - ينبه عباده أن يعتبروا بهذا على ذلك ، فإن الأرض تكون ميتة هامدة لا نبات فيها ، فإذا أرسل إليها السحاب تحمل الماء وأنزله عليها ، ( اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج ) [ الحج : 5 ] ، كذلك الأجساد ، إذا أراد الله سبحانه بعثها ونشورها ، أنزل من تحت العرش مطرا يعم الأرض جميعا فتنبت الأجساد في قبورها كما ينبت الحب في الأرض; ولهذا جاء في الصحيح : " كل ابن آدم يبلى إلا عجب الذنب ، منه خلق ومنه يركب " ; ولهذا قال تعالى : ( كذلك النشور ) .

وتقدم في " الحج " حديث أبي رزين : قلت : يا رسول الله ، كيف يحيي الله الموتى ؟

وما آية ذلك في خلقه ؟

قال : " يا أبا رزين ، أما مررت بوادي قومك محلا ثم مررت به يهتز خضرا ؟

" قلت : بلى .

قال : " فكذلك يحيي الله الموتى " .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ (9) يقول تعالى ذكره: والله الذي أرسل الرياح فتثير السحاب للحيا والغيث ( فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ ) يقول: فسقناه إلى بلد مجدب الأهل، محل الأرض، داثر لا نبت فيه ولا زرع ( فَأَحْيَيْنَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ) يقول: فأخصبنا بغيث ذلك السحاب الأرض التي سقناه إليها بعد جدوبها، وأنبتنا فيها الزرع بعد المحل (كَذَلِكَ النُّشُورُ) يقول تعالى ذكره: هكذا يُنْشِر الله الموتى بعد بلائهم في قبورهم، فيحييهم بعد فنائهم، كما أحيينا هذه الأرض بالغيث بعد مماتها.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن بشار قال: ثنا عبد الرحمن قال: ثنا سفيان عن سلمة بن كهيل قال: ثنا أَبو الزعراء عن عبد الله قال: يكون بين النفختين ما شاء الله أن يكون، فليس من بني آدم إلا وفي الأرض منه شيء، قال: فيرسل الله ماءً من تحت العرش؛ منيًّا كمني الرجل، فتنبت أجسادهم ولحمانهم من ذلك، كما تنبت الأرض من الثرى، ثم قرأ ( وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ ...) إلى قوله (كَذَلِكَ النُّشُورُ) قال: ثم يقوم ملك بالصور بين السماء والأرض، فينفخ فيه فتنطلق كل نفس إلى جسدها فتدخل فيه.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله ( وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا ) قال: يرسل الرياح فتسوق السحاب، فأحيا الله به هذه الأرض الميتة بهذا الماء، فكذلك يبعثه يوم القيامة.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا فسقناه إلى بلد ميت فأحيينا به الأرض بعد موتها كذلك النشور .قوله تعالى : والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا فسقناه إلى بلد ميت ميت وميت واحد ، وكذا ميتة وميتة ; هذا قول الحذاق من النحويين .

وقال محمد بن يزيد : هذا قول البصريين ، ولم يستثن أحدا ، واستدل على ذلك بدلائل قاطعة .

وأنشد :ليس من مات فاستراح بميت إنما الميت ميت الأحياء إنما الميت من يعيش كئيباكاسفا باله قليل الرجاءقال : فهل ترى بين ميت وميت فرقا ، وأنشد :هينون لينون أيسار بنو يسر سواس مكرمة أبناء أيسارقال : فقد أجمعوا على أن هينون ولينون واحد ، وكذا ميت وميت ، وسيد وسيد .

قال : فسقناه بعد أن قال : والله الذي أرسل الرياح وهو من باب تلوين الخطاب .

وقال أبو عبيدة : سبيله ( فتسوقه ) ، لأنه قال : فتثير سحابا .

الزمخشري : فإن قلت : لم جاء فتثير على المضارعة دون ما قبله وما بعده ؟

قلت : لتحكي الحال التي تقع فيها إثارة الرياح السحاب ، وتستحضر تلك الصورة البديعة الدالة على القدرة الربانية ; وهكذا يفعلون بفعل فيه نوع تمييز وخصوصية بحال تستغرب ، أو تهم المخاطب أو غير ذلك ; كما قال تأبط شرا :بأني قد لقيت الغول تهوي بسهب كالصحيفة صحصحانفأضربها بلا دهش فخرت صريعا لليدين وللجرانلأنه قصد أن يصور لقومه الحالة التي تشجع فيها بزعمه على ضرب الغول ، كأنه يبصرهم إياها ، ويطلعهم على كنهها مشاهدة للتعجب من جرأته على كل هول ، وثباته عند كل شدة وكذلك سوق السحاب إلى البلد الميت ، لما كانا من الدلائل على القدرة الباهرة قيل : ( فسقنا ) و ( أحيينا ) معدولا بهما عن لفظة الغيبة إلى ما هو أدخل في الاختصاص وأدل عليه .

وقراءة [ ص: 294 ] العامة ( الرياح ) .

وقرأ ابن محيصن وابن كثير والأعمش ويحيى وحمزة والكسائي ( الريح ) توحيدا .

وقد مضى بيان هذه الآية والكلام فيها مستوفى .

" كذلك النشور " أي كذلك تحيون بعدما متم ; من نشر الإنسان نشورا .

فالكاف في محل الرفع ; أي مثل إحياء الأموات نشر الأموات .

وعن أبي رزين العقيلي قال : قلت يا رسول الله ، كيف يحيي الله الموتى ، وما آية ذلك في خلقه ؟

قال : أما مررت بوادي أهلك ممحلا ثم مررت به يهتز خضرا ؟

قلت : نعم يا رسول الله .

قال فكذلك يحيي الله الموتى وتلك آيته في خلقه وقد ذكرنا هذا الخبر في ( الأعراف ) وغيرها .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يخبر تعالى عن كمال اقتداره، وسعة جوده، وأنه { أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ } فأنزله اللّه عليها { فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا } فحييت البلاد والعباد، وارتزقت الحيوانات، ورتعت في تلك الخيرات، { كَذَلِكَ } الذي أحيا الأرض بعد موتها، ينشر الله الأموات من قبورهم، بعدما مزقهم البلى، فيسوق إليهم مطرا، كما ساقه إلى الأرض الميتة، فينزله عليهم فتحيا الأجساد والأرواح من القبور، ويأتون للقيام بين يدي الله ليحكم بينهم، ويفصل بحكمه العدل.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

(والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا فسقناه إلى بلد ميت فأحيينا به الأرض بعد موتها كذلك النشور ) من القبور .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«والله الذي أرسل الرياح» وفي قراءة الريح «فتثير سحابا» المضارع لحكاية الحال الماضية، أي تزعجه «فسقناه» فيه التفات عن الغيبة «إلى بلد ميت» بالتشديد والتخفيف لا نبات بها «فأحيينا به الأرض» من البلد «بعد موتها» يبسها، أي أنبتنا به الزرع والكلأ «كذلك النشور» أي البعث والإحياء.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

واللهُ هو الذي أرسل الرياح فتحرك سحابًا، فسقناه إلى بلد جدب، فينزل الماء فأحيينا به الأرض بعد يُبْسها فتخضر بالنبات، مثل ذلك الإحياء يحيي الله الموتى يوم القيامة.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

بعد كل ذلك .

.

ساقت السورة الكريمة ألوانا من نعم الله - تعالى - على عباده ، ومن حرمته بهم ، نرى ذلك فى الرياح وفى السحب ، وفى البحار والأنهار ، وفى الليل نهار ، وفى الشمس القمر .

.

.

وفى غير ذلك من النعم الظاهرة والباطنة فى هذا الكون .قال - تعالى - : ( والله الذي أَرْسَلَ .

.

.

وَلاَ يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ) .قال أبو حيان - رحمه الله - لما ذكر - سبحانه - أشياء من الأمور السماوية ، وإرسال الملائكة ، أتبع ذلك بذكر أشياء من الأمور الأرضية كالرياح وإرسالها ، وفى هذا احتجاج على منكرى البعث ، دلهم على المثال الذى يعاينونه ، وهو إحياء الموتى سيان .

وفى الحديث " أنه قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم : كيف يحيى الله الموتى وما آية ذلك فى خلقه؟

فقال : " هر مررت بوادى أهلا - محلا - أى مجبا لا نبات فيه - ثم مررت به يهتز خضرا؟

فقالوا : نعم ، فقال : فكذلك يحيى الله الموتى ، وتلك آيته فى خلقه " " .فقوله - تعالى - : ( والله الذي أَرْسَلَ الرياح فَتُثِيرُ سَحَاباً ) بيان لمظهر آخر من مظاهر قدرته - عز وجل - ومن سعة رحمته بعباده .وقوله : ( فَتُثِيرُ ) من الإِثارة بمعنى التهييج والتحريك من حال إلى حال .أى : والله - تعالى - وحده ، هو الذى أرسل الرياح ، فجعلها بقدرته النافذة تحرك السحب من مكان إلى مكان ، فتذهب بها تارة إلى جهة الشمال ، وتارة إلى جهة الجنوب ، وتارة إلى غير ذلك .وقوله : ( فَسُقْنَاهُ إلى بَلَدٍ مَّيِّتٍ ) بيان للحكمة من هذه الإِثارة ، والمراد بالبلد الميت : الأرض الجدباء التى لا نبات فيها .

والضمير فى ( فَسُقْنَاهُ ) يعود إلى السحاب .وقوله : ( فَأَحْيَيْنَا بِهِ الأرض بَعْدَ مَوْتِهَا ) أى : فأحيينا بالمطر النازل من السحاب الأرض الجدباء ، فاهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج .فالضمير فى قوله ( بِهِ ) يعود إلى المطر ، لأن السحاب يدل عليه بما بينهما من تلازم ، ويصح أن يعود إلى السحاب لأنه سبب نزول الأمطار .وقال - سبحانه - ( فَتُثِيرُ ) بصيغة المضارع .

استحضارا لتلك الصورة البديعة الدالة على قدرة الله - تعالى - ، والتى من شأنها أن تغرس العظات والعبر فى النفوس .وقال - سبحانه - : ( فَسُقْنَاهُ ) ( فَأَحْيَيْنَا ) بنون العظمة ، وبالفعل الماضى ، للدلالة على تحقق قدرته ورحمته بعباده .قال صاحب الكشاف ما ملخصه : فإن قلت : لم جاء ( فَتُثِيرُ ) على المضارعة دون ما قبله وما بعده؟قلت : ليحكى الحال التى تقع فيها إثارة الرياح للحساب ، وتستحضر تلك الصور البديعة الدالة على القدر الربانية ، وهكذا يعفلون بكل فعل فيه نوع تميز وخصوصية .ولما كان سوق السحاب إلى البلد الميت ، وإحياء الأرض بالمطر بعد موتها ، من الدلائل على القدرة الباهرة قيل : فسقنا ، وأحيينا ، معدولا بهما عن لفظ الغيبة ، إلى ما هو أدخل فى الاختصاص وأدل عليه .

.والكاف فى قوله - تعالى - : ( كَذَلِكَ النشور ) بمعنى مثل ، وهى فى محل رفع على الخبرية .

أى : مثل الإِحياء الذى تشاهدونه للأرض بعد نزول المطر عليها ، يكون إحياء الأموات منكم .قال الإِمام الرازى : فإن قيل ما وجه التشبيه بقوله : ( كَذَلِكَ النشور ) ؟

فالجواب من وجوه :أحدها : أن الأرض الميتة لما قبلت الحياة اللائقة بها ، كذلك الأعضاء تقبل الحياة .ثانيها : كما أن الريح يجمع القطع السحابية ، كذلك يجمع - سبحانه - بين أجزاء الأعضاء .

.ثالثها : كما أن نسوق الريح والسحاب إلى البلد الميت ، كذلك نسوق الروح والحياة إلى البدن الميت .والنشور : الإِحياء والبعث بعد الموت .

يقال : أنشر الله - تعالى - الموتى ونشرهم ، إذا أحياهم بعد موتهم .

ونشر الراعى غنمه ، إذا بثها بعد أن آواها .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

هبوب الرياح دليل ظاهر على الفاعل المختار وذلك لأن الهواء قد يسكن، وقد يتحرك وعند حركته قد يتحرك إلى اليمين، وقد يتحرك إلى اليسار، وفي حركاته المختلفة قد ينشئ السحاب، وقد لا ينشيء، فهذه الاختلافات دليل على مسخر مدبر ومؤثر مقدر، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قال تعالى: ﴿ والله الذي أَرْسَلَ ﴾ بلفظ الماضي وقال: ﴿ فَتُثِيرُ سحابا ﴾ بصيغة المستقبل، وذلك لأنه لما أسند فعل الإرسال إلى الله وما يفعل الله يكون بقوله كن فلا يبقى في العدم لا زماناً ولا جزأً من الزمان، فلم يقل بلفظ المستقبل لوجوب وقوعه وسرعة كونه كأنه كان وكأنه فرغ من كل شيء فهو قدر الإرسال في الأوقات المعلومة إلى المواضع المعينة والتقدير كالإرسال، ولما أسند فعل الإثارة إلى الريح وهو يؤلف في زمان فقال: ﴿ تُثِيرُ ﴾ أي على هيئتها.

المسألة الثانية: قال: ﴿ أُرْسِلَ ﴾ إسناداً للفعل إلى الغائب وقال: ﴿ سقناه ﴾ بإسناد الفعل إلى المتكلم وكذلك في قوله: ﴿ فَأَحْيَيْنَا ﴾ وذلك لأنه في الأول عرف نفسه بفعل من الأفعال وهو الإرسال، ثم لما عرف قال: أنا الذي عرفتني سقت السحاب وأحييت الأرض فنفي الأول كان تعريفاً بالفعل العجيب، وفي الثاني كان تذكيراً بالنعمة فإن كما (ل) نعمة الرياح والسحب بالسوق والإحياء وقوله: ﴿ سقناه...

وَأَحْيَيْنَا ﴾ بصيغة الماضي يؤيد ما ذكرناه من الفرق بين قوله: ﴿ أُرْسِلَ ﴾ وبين قوله: (تُثِيرُ).

المسألة الثالثة: ما وجه التشبيه بقوله: ﴿ كَذَلِكَ النشور ﴾ فيه وجوه: أحدها: أن الأرض الميتة لما قبلت الحياة اللائقة بها كذلك الأعضاء تقبل الحياة.

وثانيها: كما أن الريح يجمع القطع السحابية كذلك يجمع بين أجزاء الأعضاء وأبعاض الأشياء.

وثالثها: كما أنا نسوق الريح والسحاب إلى البلد الميت نسوق الروح والحياة إلى البدن الميت.

المسألة الرابعة: ما الحكمة في اختيار هذه الآية من بين الآيات مع أن الله تعالى له في كل شيء آية تدل على أنه واحد، فنقول لما ذكر الله أنه فاطر السموات والأرض، وذكر من الأمور السماوية والأرواح وإرسالها بقوله: ﴿ جَاعِلِ الملائكة رُسُلاً  ﴾ ذكر من الأمور الأرضية الرياح وإرسالها بقوله: ﴿ والله الذي أَرْسَلَ الرياح ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

وقرئ: ﴿ أرسل الريح ﴾ .

فإن قلت: لم جاء ﴿ فَتُثِيرُ ﴾ على المضارعة دون ما قبله، وما بعده؟

قلت؛ ليحكى الحال التي تقع فيها آثارة الرياح السحاب، وتستحضر تلك الصور البديعة الدالة على القدرة الربانية، وهكذا يفعلون بفعل فيه نوع تمييز وخصوصية، بحال تستغرب، أو تهمّ المخاطب، أو غير ذلك، كما قال تأبّط شراً: بِأَبِي قَدْ لَقِيتُ الْغُولَ تَهْوِي ** بَسَهْبٍ كَالصَّحِيفَةِ صَحْصَحَان فَأَضْرِبُهَا بِلاَ دَهَشٍ فَخَرَّت ** صَرِيعاً للْيَدَيْنِ وَلِلْجِرَانِ لأنه قصد أن يصوّر لقومه الحالة التي تشجع فيها بزعمه على ضرب الغول، وكأنه يبصرهم إياها ويطلعهم على كنهها، مشاهدة للتعجيب من جرأته على كل هول، وثباته عند كلّ شدّة.

وكذلك سوق السحاب إلى البلد الميت، وإحياء الأرض بالمطر بعد موتها: لما كانا من الدلائل على القدرة الباهرة قيل: فسقنا، وأحيينا؛ معدولاً بهما عن لفظ الغيبة إلى ما هو أدخل في الاختصاص وأدلّ عليه.

والكاف في ﴿ كذلك ﴾ في محلّ الرفع، أي: مثل إحياء الموات نشور الأموات وروي: أنه قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: كَيْفَ يُحْيِي اللَّهُ المَوْتَى؟

وَمَا آيَةُ ذَلِكَ فِي خَلْقِهِ؟

فقال: «هلْ مررتَ بِوَادِي أهْلك محلاً ثُمَّ مررتَ به يهتزّ خضراً» قال: نَعمْ.

قالَ: «فكذلكَ يحيي الله الموتى وتلكَ آيتُهُ في خَلْقِهِ» وقيل: يحيي الله الخلق بماء يرسله من تحت العرش كمني الرجال، تنبت منه أجساد الخلق.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ واللَّهُ الَّذِي أرْسَلَ الرِّياحَ ﴾ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ الرِّيحَ.

﴿ فَتُثِيرُ سَحابًا ﴾ عَلى حِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ اسْتِحْضارًا لِتِلْكَ الصُّورَةِ البَدِيعَةِ الدّالَّةِ عَلى كَمالِ الحِكْمَةِ، ولِأنَّ المُرادَ بَيانُ أحْداثِها بِهَذِهِ الخاصِّيَّةِ ولِذَلِكَ أسْنَدَهُ إلَيْها، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اخْتِلافُ الأفْعالِ لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِمْرارِ الأمْرِ.

﴿ فَسُقْناهُ إلى بَلَدٍ مَيِّتٍ ﴾ وقَرَأ نافِعٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ بِالتَّشْدِيدِ.

﴿ فَأحْيَيْنا بِهِ الأرْضَ ﴾ بِالمَطَرِ النّازِلِ مِنهُ وذِكْرُ السَّحابَ كَذِكْرِهِ، أوْ بِالسَّحابِ فَإنَّهُ سَبَبُ السَّبَبِ أوِ الصّائِرُ مَطَرًا.

﴿ بَعْدَ مَوْتِها ﴾ بَعْدَ يُبْسِها والعُدُولُ فِيهِما مِنَ الغَيْبَةِ إلى ما هو أدْخَلُ في الِاخْتِصاصِ لِما فِيهِما مِن مَزِيدِ الصُّنْعِ.

﴿ كَذَلِكَ النُّشُورُ ﴾ أيْ مِثْلُ إحْياءِ المَواتِ نُشُورُ الأمْواتِ في صِحَّةِ المَقْدُورِيَّةِ، إذْ لَيْسَ بَيْنَهُما إلّا احْتِمالُ اخْتِلافِ المادَّةِ في المَقِيسِ عَلَيْهِ وذَلِكَ لا مَدْخَلَ لَهُ فِيها.

وقِيلَ في كَيْفِيَّةِ الإحْياءِ فَإنَّهُ تَعالى يُرْسِلُ ماءً مِن تَحْتِ العَرْشِ تَنْبُتُ مِنهُ أجْسادُ الخَلْقِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{والله الذي أرسل الرياح} ارياح مكي وحمزة وعلي {فَتُثِيرُ سحابا فَسُقْنَاهُ إلى بَلَدٍ مَّيِّتٍ} بالتشديد مدني وحمزة وعلي وحفص بالتخفيف غيرهم {فَأَحْيَيْنَا بِهِ} بالمطر لتقدم ذكره ضمناً {الأرض بَعْدَ مَوْتِهَا} يبسها وإنما قيل فَتُثِيرُ لتحكي الحال التي تقع فيها إثارة الرياح السحاب وتستحضر تلك الصورة الدالة على القدرة الربانية وهكذا يفعلون بفعل فيه نوع تمييز وخصوصية بحال تستغرب وكذلك سوق السحاب إلى البلد الميت وإحياء الأرض بالمطر بعد موتها لما كان من الدليل على القدرة الباهرة قيل فسقنا وأحياينا معدولا بهما عن لفظ العيبة إلى ما هو أدخل في الاختصاص وأدل عليه {كَذَلِكَ النشور} الكاف في محل الرفع أى مثل احياء الموات نشور

الأموات قيل يحيي الله اخلق بماء يرسله من تحت العرش كمني الرجال تنبت منه أجساد الخلق

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ واللَّهُ الَّذِي أرْسَلَ الرِّياحَ ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وابْنُ كَثِيرٍ «اَلرِّيحَ» وصِيغَةُ المُضارِعِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَتُثِيرُ سَحابًا ﴾ لِحِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ اِسْتِحْضارًا لِتِلْكَ الصُّورَةِ البَدِيعَةِ الدّالَّةِ عَلى كَمالِ القُدْرَةِ والحِكْمَةِ، وكَثِيرًا ما يَفْعَلُونَ ذَلِكَ بِفِعْلٍ فِيهِ نَوْعُ تَمَيُّزٍ وخُصُوصِيَّةٍ بِحالٍ تُسْتَغْرَبُ أوْ تُهِمُّ المُخاطَبَ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ، ومِنهُ قَوْلُ تَأبَّطَ شَرًّا: ألا مَن مُبْلِغٌ فِتْيانَ فَهْمٍ بِما لاقَيْتُ عِنْدَ رَحى بِطانِ بِأنِّي قَدْ رَأيْتُ الغُولَ تَهْوِي ∗∗∗ بِسَهْبٍ كالصَّحِيفَةِ صَحْصَحانِ فَقُلْتُ لَها كِلانا نِضْوُ أرْضٍ ∗∗∗ أخُو سَفَرٍ فَخَلِّي لِي مَكانِي فَشَدَّتْ شَدَّةً نَحْوِي فَأهْوَتْ ∗∗∗ لَها كَفِّي بِمَصْقُولٍ يَمانِي فَأضْرِبُها بِلا دَهَشٍ فَخَرَّتْ ∗∗∗ صَرِيعًا لِلْيَدَيْنِ ولِلْجِرانِ ولِأنَّ الإثارَةَ خاصِّيَّةٌ لِلرِّياحِ وأثَرٌ لا يَنْفَكُّ في الغالِبِ عَنْها فَلا يُوجِدُ إلّا بَعْدَ إيجادِها فَيَكُونُ مُسْتَقْبَلًا بِالنِّسْبَةِ إلى الإرْسالِ، وعَلى هَذا يَكُونُ اِسْتِعْمالُ المُضارِعِ عَلى ظاهِرِهِ وحَقِيقَتِهِ مِن غَيْرِ تَأْوِيلٍ لِأنَّ المُعْتَبَرَ زَمانُ الحُكْمِ لا زَمانُ التَّكَلُّمِ، والفاءُ دالَّةٌ عَلى عَدَمِ تَراخِي ذَلِكَ وهو شَيْءٌ آخَرُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الإتْيانُ بِما يَدُلُّ عَلى الماضِي ثُمَّ بِما يَدُلُّ عَلى المُسْتَقْبَلِ إشارَةٌ إلى اِسْتِمْرارِ الأمْرِ وأنَّهُ لا يَخْتَصُّ بِزَمانٍ دُونَ زَمانٍ إذْ لا يَصِحُّ المُضِيُّ والِاسْتِقْبالُ في شَيْءٍ واحِدٍ إلّا إذا قُصِدَ ذَلِكَ، وقالَ الإمامُ: اِخْتِلافُ الفِعْلَيْنِ لِأنَّهُ لَمّا أُسْنِدَ فِعْلُ الإرْسالِ إلى اللَّهِ تَعالى وما يَفْعَلُ سُبْحانَهُ يَكُونُ بِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ( كُنْ ) [اَلْبَقَرَةِ: 117 وغَيْرِها] فَلا يَبْقى في العَدَمِ زَمانًا ولا جُزْءَ زَمانٍ جِيءَ بِلَفْظِ الماضِي دُونَ المُسْتَقْبَلِ لِوُجُوبِ وُقُوعِهِ وسُرْعَةِ كَوْنِهِ كَأنَّهُ كانَ، ولِأنَّهُ تَعالى فَرَغَ مِن كُلِّ شَيْءٍ فَهو سُبْحانُهُ قَدَّرَ الإرْسالَ في الأوْقاتِ المَعْلُومَةِ وإلى المَواضِعِ المُعَيَّنَةِ، والتَّقْدِيرُ كالإرْسالِ، ولَمّا أُسْنِدَ فِعْلُ الإثارَةِ إلى الرِّياحِ وهي تُؤْلَفُ في زَمانٍ قالَ سُبْحانَهُ (تُثِيرُ) بِلَفْظِ المُسْتَقْبَلِ اه.

وأُورِدُ عَلَيْهِ قَوْلَهُ تَعالى: في سُورَةِ الرُّومِ ﴿ اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحابًا ﴾ وفي سُورَةِ الأعْرافِ: ﴿ وهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ  ﴾ حَيْثُ جِيءَ في الإرْسالِ فِيها بِالمُضارِعِ، فَتَأمَّلْ.

﴿ فَسُقْناهُ إلى بَلَدٍ مَيِّتٍ ﴾ قِطْعَةً مِنَ الأرْضِ لا نَباتَ فِيها، وقُرِئَ «مَيْتٍ» بِالتَّخْفِيفِ، وهُما بِمَعْنًى واحِدٍ في المَشْهُورِ وفِي كُلِّيّاتِ أبِي البَقاءِ الكُفُوِيِّ المَيْتُ بِالتَّخْفِيفِ هو الَّذِي ماتَ والمَيِّتُ بِالتَّشْدِيدِ والمائِتُ هو الَّذِي لَمْ يَمُتْ بَعْدُ، وأنْشَدَ: ومَن يَكُ ذا رُوحٍ فَذَلِكَ مَيِّتٌ ∗∗∗ وما المَيْتُ إلّا مَن إلى القَبْرِ يُحْمَلُ والمُعَوَّلُ عَلَيْهِ هو المَشْهُورُ.

﴿ فَأحْيَيْنا بِهِ الأرْضَ ﴾ أيْ بِالمَطَرِ النّازِلِ مِنهُ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِالسَّحابِ، فَإنَّ بَيْنَهُما تَلازُمًا في الذِّهْنِ كَما في الخارِجِ، أوْ بِالسَّحابِ فَإنَّهُ سَبَبُ السَّبَبِ، وإحْياءُ الأرْضِ إنْباتُ الشَّجَرِ والكَلَأِ فِيها ﴿ بَعْدَ مَوْتِها ﴾ يُبْسِها وخُلُوِّها عَنْ ذَلِكَ، وإيرادُ الفِعْلَيْنِ بِصِيغَةِ الماضِي لِلدَّلالَةِ عَلى التَّحْقِيقِ، وإسْنادُهُما إلى نُونِ العَظَمَةِ المُنْبِئِ عَنِ الِاخْتِصاصِ بِهِ تَعالى لِما فِيهِما مِن مَزِيدِ الصُّنْعِ ولِتَكْمِيلِ المُماثَلَةِ بَيْنَ إحْياءِ الأرْضِ وبَيْنَ البَعْثِ الَّذِي شُبِّهَ بِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كَذَلِكَ النُّشُورُ ﴾ في كَمالِ الِاخْتِصاصِ بِالقُدْرَةِ الرَّبّانِيَّةِ.

وقالَ الإمامُ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ: أسْنَدَ ﴿ أرْسَلَ ﴾ إلى الغائِبِ وساقَ «وأُحْيِي» إلى المُتَكَلِّمِ لِأنَّهُ في الأوَّلِ عَرَّفَ سُبْحانَهُ نَفْسَهُ بِفِعْلٍ مِنَ الأفْعالِ وهو الإرْسالُ ثُمَّ لَمّا عُرِفَ قالَ تَعالى: أنا الَّذِي عَرَفْتَنِي سُقْتُ السَّحابَ وأحْيَيْتُ الأرْضَ، فَفي الأوَّلِ كانَ تَعْرِيفًا بِالفِعْلِ العَجِيبِ وفي الثّانِي كانَ تَذْكِيرًا بِالنِّعْمَةِ، فَإنَّ كَمالَ نِعْمَتِي الرِّياحُ والسُّحُبُ بِالسَّوْقِ والإحْياءِ، وهو كَما تَرى.

وقالَ سُبْحانَهُ: فَأحْيَيْنا بِهِ الأرْضَ دُونَ فَأحْيَيْناهُ، أيِ البَلَدَ المَيِّتَ بِهِ تَعْلِيقًا لِلْإحْياءِ بِالجِنْسِ المَعْلُومِ عِنْدَ كُلِّ أحَدٍ وهو الأرْضُ ولِأنَّ ذَلِكَ أوْفَقُ بِأمْرِ البَعْثِ، وقالَ تَعالى: ﴿ بَعْدَ مَوْتِها ﴾ مَعَ أنَّ الإحْياءَ مُؤْذِنٌ بِذَلِكَ لِما فِيهِ مِنَ الإشارَةِ إلى أنَّ المَوْتَ لِلْأرْضِ الَّذِي تَعَلَّقَ بِها الإحْياءُ مَعْلُومٌ لَهم وبِذَلِكَ يَقْوى أمْرُ التَّشْبِيهِ، فَلْيُتَأمَّلْ.

والنُّشُورُ عَلى ما في البَحْرِ مَصْدَرُ نَشَرَ المَيِّتُ إذا حَيِيَ قالَ الأعْشى: حَتّى يَقُولَ النّاسُ مِمّا رَأوْا ∗∗∗ يا عَجَبًا لِلْمَيِّتِ النّاشِرِ وفِي نِهايَةِ اِبْنِ الأثِيرِ يُقالُ نَشَرَ المَيِّتُ يَنْشُرُ نُشُورًا إذا عاشَ بَعْدَ المَوْتِ وأنْشَرَهُ اللَّهُ تَعالى أحْياهُ، وقالَ الرّاغِبُ: قِيلَ نَشَرَ اللَّهُ تَعالى المَيِّتَ وأنْشَرَهُ بِمَعْنًى، والحَقِيقَةُ أنَّ نَشَرَ اللَّهُ تَعالى المَيِّتَ مُسْتَعارٌ مِن نَشْرِ الثَّوْبِ، أيْ بَسَطَهُ كَما قالَ الشّاعِرُ: طَوَتْكَ خُطُوبُ دَهْرِكَ بَعْدَ نَشْرٍ ∗∗∗ كَذاكَ خُطُوبُهُ طَيًّا ونَشْرا والمُرادُ بِالنُّشُورِ هُنا إحْياءُ الأمْواتِ في يَوْمِ الحِسابِ، وهو مُبْتَدَأٌ والجارُّ والمَجْرُورُ قَبْلَهُ في مَوْضِعِ الخَبَرِ وقِيلَ الكافُ في حَيِّزِ الرَّفْعِ عَلى الخَبَرِيَّةِ، أيْ مِثْلُ ذَلِكَ الأحْياءِ الَّذِي تُشاهِدُونَهُ إحْياءُ الأمْواتِ يَوْمَ القِيامَةِ في صِحَّةِ المَقْدُورِيَّةِ وسُهُولَةِ التَّأتِّي مِن غَيْرِ تَفاوُتٍ بَيْنِهِما أصْلًا سِوى الألِفِ في الأوَّلِ دُونَ الثّانِي، وقالَ أبُو حَيّانَ: وقَعَ التَّشْبِيهُ بِجِهاتٍ لَمّا قَبِلَتِ الأرْضُ المَيِّتَةُ الحَياةَ اللّائِقَةَ بِها كَذَلِكَ الأعْضاءُ تَقْبَلُ الحَياةَ أوْ كَما أنَّ الرِّيحَ تَجْمَعُ قِطَعَ السَّحابِ كَذَلِكَ يَجْمَعُ اللَّهُ تَعالى أجْزاءَ الأعْضاءِ وأبْعاضَ المَوْتى، أوْ كَما يَسُوقُ سُبْحانَهُ الحِسابَ إلى البَلَدِ المَيِّتِ يَسُوقُ عَزَّ وجَلَّ الرُّوحَ والحَياةَ إلى البَدَنِ، وقالَ بَعْضُهُمُ: التَّشْبِيهُ بِاعْتِبارِ الكَيْفِيَّةِ، فَقَدْ أخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: يَقُومُ مَلَكٌ بِالصُّورِ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ فَيَنْفُخُ فِيهِ فَلا يَبْقى خَلْقٌ لِلَّهِ في السَّماواتِ والأرْضِ إلّا مَن شاءَ اللَّهُ تَعالى إلّا ماتَ ثُمَّ يُرْسِلُ اللَّهُ تَعالى مِن تَحْتِ العَرْشِ ماءً كَمَنِيِّ الرِّجالِ فَتَنْبُتُ أجْسامُهم مِن ذَلِكَ الماءِ، وقَرَأ الآيَةَ، ثُمَّ يَقُومُ مَلَكٌ فَيَنْفُخُ فِيهِ فَتَنْطَلِقُ كُلُّ نَفْسٍ إلى جَسَدِها.

وفي حَدِيثِ مُسْلِمٍ مَرْفُوعًا «يُنْزِلُ اللَّهُ تَعالى مَطَرًا كَأنَّهُ الطَّلُّ فَيُنْبِتُ أجْسادَ النّاسِ».

ونَباتُ الأجْسادِ مِن عَجَبِ الذَّنْبِ عَلى ما ورَدَ في الآثارِ وقَدْ جاءَ أنَّهُ لا يَبْلى، وهو العَظَمُ الَّذِي في أسْفَلِ الصُّلْبِ عِنْدَ العَجُزِ، وقالَ أبُو زَيْدٍ الوَقْواقِيُّ: هو جَوْهَرُ فَرْدٍ يَبْقى مِن هَذِهِ النَّشْأةِ لا يَتَغَيَّرُ، ولا حاجَةَ إلى اِلْتِزامِ أنَّهُ جَوْهَرُ فَرْدٍ.

ووَراءَ ذَلِكَ أقْوالٌ عَجِيبَةٌ في هَذا العَجَبِ، فَقِيلَ: هو العَقْلُ الهَيُولانِيُّ، وقِيلَ: بَلِ الهَيُولِيُّ، وعَنِ الغَزالِيِّ: إنَّما هو النَّفْسُ وعَلَيْها تَنْشَأُ النَّشْأةَ الآخِرَةَ، وعَنِ الشَّيْخِ الأكْبَرِ: أنَّهُ العَيْنُ الثّابِتُ مِنَ الإنْسانِ، وعَنْ بَعْضِ المُتَكَلِّمِينَ: أنَّهُ الأجْزاءُ الأصْلِيَّةُ، وقالَ المُلّا صَدْرا الشِّيرازِيُّ في أسْفارِهِ: هو عِنْدَنا القُوَّةُ الخَيالِيَّةُ لِأنَّها آخِرُ الأكْوانِ الحاصِلَةِ في الإنْسانِ مِنَ القُوى الطَّبِيعِيَّةِ والحَيَوانِيَّةِ والنَّباتِيَّةِ المُتَعاقِبَةِ في الحُدُوثِ لِلْمادَّةِ الإنْسانِيَّةِ في هَذا العالَمِ، وهي أوَّلُ الأكْوانِ الحاصِلَةِ في النَّشْأةِ الآخِرَةِ ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ بِما بَيَّنَ، وإنَّهُ لَأضْعَفُ مِن بَيْتِ العَنْكَبُوتِ وأوْهَنُ.

والمُعَوَّلُ عَلَيْهِ ما يُوافِقُ فَهْمَ أهْلِ اللِّسانِ، وأيُّ حاجَةٍ إلى التَّأْوِيلِ بَعْدَ التَّصْدِيقِ بِقُدْرَةِ المَلِكِ الدَّيّانِ جَلَّ شَأْنُهُ وعَظُمَ سُلْطانُهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال عز وجل: وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً أي: ترفعه وتهيجه فَسُقْناهُ يعني: نسوقه إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها يعني: بعد يبسها كَذلِكَ النُّشُورُ يعني: هكذا تحيون بعد الموت يوم القيامة وروي عن سفيان، عن سلمة بن كهيل، عن ابن الزبعرى، عن عبد الله بن مسعود أنه قال: تقوم الساعة على شرار الناس.

ثم يقوم ملك بالصور.

فينفخ فيه، فلا يبقى خلق في السماوات والأرض إلا مات إلا ما شاء الله، ثم يكون بين النفختين ما شاء الله، فيرسل الله الوباء من السماء من تحت العرش، كمني الرجال فتنبت لحومهم من ذلك الماء، كما تنبت الأرض من الندا.

ثم قرأ: فَأَحْيَيْنا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها كَذلِكَ النُّشُورُ ثم ينفخ في الصور.

قوله عز وجل: مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً يعني: من طلب العزة بعبادة الأوثان، فليتعزز بطاعة الله عز وجل.

فَإِنَّ العزة للَّهِ جَمِيعاً.

يقول: من يتعزز بإذن الله.

ويقال: معناه من كان يريد أن يعلم لمن تكون العزة، فليعلم بأن العزة لله جميعاً.

ويقال: من كان يطلب لنفسه العزة، فَإِنَّ العزة للَّهِ جَمِيعاً.

ثم قال: إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ قال مقاتل: يصعد إلى السماء كلمة التوحيد وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ يقول: التوحيد يرفع العمل الصالح إلى الله تعالى في السماء، فيها تقديم.

وقال الحسن البصري: العمل الصالح يرفع الكلام الطيب إلى الله عز وجل.

فإذا كان الكلام الطيب عملاً غير صالح، يرد القول إلى العمل لأنه أحق من القول.

وقال قتادة وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ قال: الله يرفعه.

ويقال: العمل الصالح يرفعه لصاحبه.

ويقال: يَرْفَعُهُ يعني: يعظمه.

ويقال: العمل الصالح يرفعه أي: يقبل الأعمال بالإخلاص.

معناه: العمل الخالص الذي يقبله.

ثم قال: وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئاتِ أي: يعملون بالشرك، ويقال: يعملون بالرياء لا يقبل منهم لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ في الآخرة وَمَكْرُ أُولئِكَ هُوَ يَبُورُ يعني: شرك أولئك، وفسقهم، وصنيعهم، يهلك صاحبه في الآخرة.

يقال: بارت السلعة إذا كسدت لأنها إذا كسدت فقد تعرضت للهلاك.

ثم قال عز وجل: وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ يعني: آدم-  - وهو أصل الخلق ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ يعني: خلقكم من نطفة ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْواجاً يعني: أصناما ذكراً وأنثى.

ويقال: أصنافاً، أحمر وأبيض أسود.

يعني: فاذكروني ووحدوني وَما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى ومن صلة في الكلام وَلا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ يعني: بمشيئته وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ فيطول عمره وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتابٍ يعني: إلا وكل ذلك فِى كتاب الله.

أي: قد بيّن في اللوح المحفوظ.

وروي عن ابن عمر أنه قرأ مِنْ عُمُرِهِ بجزم الميم وهما لغتان مثل نكر ونكر إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ يعني: حفظه على الله هيَّن بغير كتابة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وَقَوْلُهُ تعالى: أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً تَوْقِيفٌ وَجَوَابُهُ مَحْذُوفٌ يُمْكِنُ أَنْ يُقَدَّرَ كمن اهتدى ونحو هذا من التقدير وأحسن التَّقْدِيرِ مَا دَلَّ اللَّفْظُ بَعْدُ عَلَيْهِ «١» وقَرَأَ الجُمْهُورُ: فَلا تَذْهَبْ- بِفَتْحِ التَّاءِ والهَاءِ-: نَفْسُكَ- بالرَّفْعِ-، وَقَرَأَ قَتَادَةُ وَغَيْرُهُ «٢» «تُذْهِبْ» - بِضَمِّ التَّاءِ وَكَسْرِ الهَاءِ- «نَفْسَكَ» - بِالنَّصْبِ- وَرُوِيَتْ عَنْ نَافِعٍ «٣» ، وَالْحَسْرَةُ هَمُّ النَّفْسِ عَلَى فَوَاتِ أَمْرِ، وَهَذِهِ الآية تسلية للنّبيّ صلى الله عليه وسلّم عَنْ كُفْرِ قَوْمِه، وَوَجَبَ التَسْلِيمُ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي إضْلاَلِ مَنْ شَاءَ وَهِدَايَةِ مَنْ شَاءَ.

وَقَوْلهُ سبحانه: وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَسُقْناهُ إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ هَذهِ آيَةُ احْتِجَاجِ عَلَى الكَفَرَةِ فِي إنْكَارِهِمْ البَعْثَ مِنَ القُبُورِ.

وَقَوْلهُ تَعَالَى: مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ: مَنْ كَانَ يُرِيدُ العِزَّةَ بِمُغَالَبَةٍ فَلِلَّهِ العِزَّةُ: أي: لَيْسَتْ لِغَيْرِهِ وَلاَ تَتِمُّ إلاَّ بِهِ، وَنَحَا إلَيْهِ مُجَاهِدٌ وَقَالَ: مَنْ كَانَ يُرِيدُ العِزَّةَ بِعِبَادَةِ الأَوْثَانِ» .

قال ع «٥» : وَهَذَا تَمَسُّكٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا [مريم: ٨١] .

وَيُحْتَمَلُ/ أَنْ يُرِيدَ: مَنْ كَانَ يُرِيدُ العِزَّةَ وَطَرِيقَهَا القَوِيمَ وَيُحِبُّ نيلها على وجهها فلله ٨٢ ب

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى ﴿ أفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ ﴾ اخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها نَزَلَتْ في أبِي جَهْلٍ ومُشْرِكِي مَكَّةَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: في أصْحابِ الأهْواءِ والمِلَلِ الَّتِي خالَفَتِ الهُدى، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُمُ اليَهُودُ والنَّصارى والمَجُوسُ، قالَهُ أبُو قُلابَةَ.

فَإنْ قِيلَ: أيْنَ جَوابُ ﴿ أفَمَن زُيِّنَ لَهُ ﴾ ؟

.

فالجَوابُ مِن وجْهَيْنِ ذَكَرَهُما الزَّجّاجُ.

أحَدُهُما: أنَّ الجَوابَ مَحْذُوفٌ؛ والمَعْنى: أفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءِ عَمَلِهِ كَمَن هَداهُ اللَّهُ؟!

ويَدُلُّ عَلى هَذا قَوْلُهُ: ﴿ فَإنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ ﴾ .

والثّانِي: أنَّ المَعْنى: أفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَأضَلَّهُ اللَّهُ ذَهَبَتْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ؟!

ويَدُلُّ عَلى هَذا قَوْلُهُ: ﴿ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ ﴾ .

وَقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: " فَلا تُذْهِبْ " بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ الهاءِ " نَفْسَكَ " بِنَصْبِ السِّينِ.

وَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لا تَغْتَمَّ ولا تُهْلِكْ نَفْسَكَ حَسْرَةً عَلى تَرْكِهِمُ الإيمانَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَتُثِيرُ سَحابًا ﴾ أيْ: تُزْعِجُهُ مِن مَكانِهِ؛ وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: تَجْمَعُهُ وتَجِيءُ بِهِ، و ﴿ سُقْناهُ ﴾ بِمَعْنى " نَسُوقُهُ "؛ والعَرَبُ قَدْ تَضَعُ " فَعَلْنا " في مَوْضِعِ " نَفْعَلُ " وأنْشَدُوا: إنْ يَسْمَعُوا رِيبَةً طارُوا بِها فَرَحًا مِنِّي وما سَمِعُوا مِن صالِحٍ دَفَنُوا المَعْنى: يَطِيرُوا ويَدْفِنُوا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَذَلِكَ النُّشُورُ ﴾ وهو الحَياةُ.

وفي مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: كَما أحْيا اللَّهُ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها يُحْيِي المَوْتى يَوْمَ البَعْثِ.

«رَوى أبُو رَزِينٍ العُقَيْلِيُّ، قالَ: قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ: كَيْفَ يُحْيِي اللَّهُ المَوْتى؟

وما آيَةُ ذَلِكَ في خَلْقِهِ؟

فَقالَ: " هَلْ مَرَرْتَ بِوادِي أهْلِكَ مَحْلًا، ثُمَّ مَرَرْتَ بِهِ يَهْتَزُّ خَضِرًا؟

" قُلْتُ: نَعَمْ، قالَ: " فَكَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ المَوْتى، وتِلْكَ آيَتُهُ في خَلْقِهِ "» .

والثّانِي: كَما أحْيا اللَّهُ الأرْضَ المَيْتَةَ بِالماءِ، كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ المَوْتى بِالماءِ.

قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: يُرْسِلُ اللَّهُ تَعالى ماءً مِن تَحْتِ العَرْشِ كَمَنِيِّ الرِّجالِ، قالَ: فَتَنْبُتُ لُحْمانُهم وجُسْمانُهم مِن ذَلِكَ الماءِ، كَما تَنْبُتُ الأرْضُ مِنَ الثَّرى، ثُمَّ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ.

وقَدْ ذَكَرْنا في (الأعْرافِ: ٥٧) نَحْوَ هَذا الشَّرْحِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ واللهُ الَّذِي أرْسَلَ الرِياحَ فَتُثِيرُ سَحابًا فَسُقْناهُ إلى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأحْيَيْنا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها كَذَلِكَ النُشُورُ ﴾ ﴿ مَن كانَ يُرِيدُ العِزَّةَ فَلِلَّهِ العِزَّةَ جَمِيعًا إلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَيِّبُ والعَمَلُ الصالِحُ يَرْفَعُهُ والَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَيِّئاتِ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ ومَكْرُ أُولَئِكَ هو يَبُورُ ﴾ هَذِهِ آيَةُ احْتِجاجٍ عَلى الكَفَرَةِ في إنْكارِ البَعْثِ مِنَ القُبُورِ، فَدَلَّهم تَعالى عَلى المِثالِ الَّذِي يُعايِنُونَهُ وهو سَواءٌ مَعَ إحْياءِ المَوْتى.

و"البَلَدُ المَيِّتُ" هو الَّذِي لا نَبْتَ فِيهِ، قَدِ اغْبَرَّ مِنَ القَحْطِ، فَإذا أصابَهُ الماءُ مِنَ السَحابِ اخْضَرَّ وأنْبَتَ، فَتِلْكَ حَياتُهُ، و"النُشُورُ" مَصْدَرُ: نَشَرَ المَيِّتُ إذا حَيِيَ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: يا عَجَبًا لِلْمَيِّتِ الناشِرِ وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَن كانَ يُرِيدُ العِزَّةَ ﴾ يَحْتَمِلُ ثَلاثَةَ مَعانٍ: أحَدُها أنْ يُرِيدَ: مَن كانَ يُرِيدُ العِزَّةَ بِمُغالَبَةٍ فَلِلَّهِ العِزَّةُ، أيْ: لَيْسَتْ لِغَيْرِهِ، ولا تَتِمُّ إلّا لَهُ، وهَذا المُغالِبُ مَغْلُوبٌ، ونَحا إلَيْهِ مُجاهِدٌ، وقالَ: مَن كانَ يُرِيدُ العِزَّةَ بِعِبادَةِ الأوثانِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا تَمَسُّكٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واتَّخَذُوا مِن دُونِ اللهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهم عِزًّا  ﴾ .

والمَعْنى الثانِي: مَن كانَ يُرِيدُ العِزَّةَ وطَرِيقَها القَوِيمَ، ويُحِبُّ نَيْلَها عَلى وجْهِها، فَلِلَّهِ العِزَّةُ، أيْ: بِهِ وعن أمْرِهِ، لا تُنالُ عِزَّتُهُ إلّا بِطاعَتِهِ، ونَحا إلَيْهِ قَتادَةُ.

والمَعْنى الثالِثُ - وقالَهُ الفَرّاءُ -: مَن كانَ يُرِيدُ عِلْمَ العِزَّةِ فَلِلَّهِ العِزَّةُ، أيْ: هو المُتَّصِفُ بِها.

و"جَمِيعًا" حالٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَيِّبُ ﴾ أيِ التَوْحِيدُ والتَمْجِيدُ وذِكْرُ اللهِ ونَحْوُهُ.

وقَرَأ الضَحّاكُ: "يُصْعَدُ" بِضَمِّ الياءِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "الكَلِمُ" وهو جَمْعُ كَلِمَةٍ، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ: "الكَلامُ"، و"الطَيِّبُ": الَّذِي يُسْتَحْسَنُ سَماعُهُ الِاسْتِحْسانَ الشَرْعِيَّ.

وقالَ كَعْبُ الأحْبارِ: إنَّ لـِ"سُبْحانَ اللهِ، والحَمْدُ لِلَّهِ، ولا إلَهَ إلّا اللهُ، واللهُ أكْبَرُ" لَدَوِيًّا حَوْلَ العَرْشِ كَدَوِيِّ النَحْلِ، تُذَكِّرُ بِصاحِبِها.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والعَمَلُ الصالِحُ يَرْفَعُهُ ﴾ ، اخْتَلَفَ الناسُ في الضَمِيرِ، عَلى مَن يَعُودُ؟

فَقالَتْ فِرْقَةٌ: يَعُودُ عَلى "العَمَلِ"، واخْتَلَفَتْ هَذِهِ الفِرْقَةُ: فَقالَ قَوْمٌ: الفاعِلُ بـِ"يَرْفَعُ" هو "الكَلِمُ"، أيْ: والعَمَلُ يَرْفَعُهُ الكَلِمُ، وهو قَوْلُ: "لا إلَهَ إلّا اللهُ"؛ لِأنَّهُ لا يَرْتَفِعُ عَمَلٌ إلّا بِتَوْحِيدٍ.

وقالَ بَعْضُهُمُ: الفِعْلُ مُسْنَدٌ إلى اللهِ تَعالى، أيْ: والعَمَلُ الصالِحُ يَرْفَعُهُ هُوَ، وهَذا أرْجَحُ الأقْوالِ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وشَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ، ومُجاهِدُ، وقَتادَةُ: الضَمِيرُ في "يَرْفَعُهُ" عائِدٌ عَلى "الكَلِمِ"، أيْ: إنَّ العَمَلَ الصالِحَ هو يَرْفَعُ الكَلِمَ، واخْتَلَفَتْ عِباراتُ أهْلُ هَذِهِ المَقالَةِ، فَقالَ بَعْضُها: رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّ العَبْدَ إذا ذَكَرَ اللهَ تَعالى، وقالَ كَلامًا طَيِّبًا، وأدّى فَرائِضَهُ، ارْتَفَعَ قَوْلُهُ مَعَ عَمَلِهِ، وإذا قالَ - ولَمْ يُؤَدِّ فَرائِضَهُ - رُدَّ قَوْلُهُ عَلى عَمَلِهِ وقِيلَ: عَمَلُهُ أولى بِهِ.

وهَذا قَوْلٌ يَرُدُّهُ مُعْتَقَدُ أهْلِ الحَقِّ والسُنَةِ، ولا يَصِحُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، والحَقُّ أنَّ العاصِي التارِكَ لِلْفَرائِضِ إذا ذَكَرَ اللهَ تَعالى، وقالَ كَلامًا طَيِّبًا فَإنَّهُ مَكْتُوبٌ لَهُ، مُتَقَبَّلٌ مِنهُ، ولَهُ حَسَناتُهُ، وعَلَيْهِ سَيِّئاتُهُ، واللهُ يَتَقَبَّلُ مِن كُلِّ مَنِ اتَّقى الشِرْكَ، وأيْضًا فَإنَّ الكَلِمَ الطَيِّبَ عَمَلٌ صالِحٌ، وإنَّما يَسْتَقِيمُ قَوْلُ مَن يَقُولُ: "إنَّ العَمَلَ هو الرافِعُ لَلْكَلِمِ" بِأنْ يَتَأوَّلَ أنَّهُ يَزِيدُ في رَفْعِهِ وحُسْنِ مَوْقِعِهِ إذا تَعاضَدَ مَعَهُ؛ كَما أنَّ صاحِبَ الأعْمالِ مِن صَلاةٍ وصِيامٍ وغَيْرِ ذَلِكَ - إذا تَخَلَّلَ أعْمالُهُ كَلِمٌ طَيِّبٌ، وذِكْرٌ لِلَّهِ - كانَتِ الأعْمالُ، أشْرَفَ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿ والعَمَلُ الصالِحُ يَرْفَعُهُ ﴾ مَوْعِظَةً وتَذْكِرَةً وحَضًّا عَلى الأعْمالِ.

وذَكَرَ الثَعْلَبِيُّ أنَّ النَبِيَّ  قالَ: « "لا يَقْبَلُ اللهُ قَوْلًا إلّا بِعَمَلٍ، ولا عَمَلَ إلّا بِنِيَّةٍ"،» ومَعْناهُ: قَوْلًا يَتَضَمَّنُ أنَّ قائِلَهُ عَمِلَ عَمَلًا، أو يَعْمَلُهُ في الآنِفِ، وأمّا الأقْوالُ الَّتِي هي أعْمالٌ في نُفُوسِها - كالتَوْحِيدِ والتَسْبِيحِ - فَمَقْبُولَةٌ عَلى ما قَدَّمْناهُ.

وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "والعَمَلَ الصالِحَ" بِالنَصْبِ فِيهِما، وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ فـَ"يَرْفَعُهُ" مُسْنَدٌ إمّا إلى اللهِ تَعالى، وإمّا إلى "الكَلِمِ"، والضَمِيرُ في "يَرْفَعُهُ" عائِدٌ عَلى العَمَلِ لا غَيْرُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَمْكُرُونَ السَيِّئاتِ ﴾ إمّا أنَّهُ عَدّى "يَمْكُرُونَ" لَمّا أحَلَّهُ مَحَلَّ "يَكْسِبُونَ"، وإمّا أنَّهُ حَذَفَ المَفْعُولَ وأقامَ صِفَتَهُ مَقامَهُ، وتَقْدِيرُهُ: يَمْكُرُونَ المَكَراتِ السَيِّئاتِ، و"يَمْكُرُونَ" مَعْناهُ: يَتَخابَثُونَ ويَخْدَعُونَ وهم يُظْهِرُونَ أنَّهم لا يَفْعَلُونَ.

و"يَبُورُ" مَعْناهُ: يَفْسُدُ ويَبْقى لا نَفْعَ فِيهِ، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: يَدْخُلُ في الآيَةِ أهْلُ الرِياءِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ونُزُولُ الآيَةِ أوَّلًا في المُشْرِكِينَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

لما قدم في أول السورة الاستدلال بأن الله فطر السماوات والأرض وما في السماوات من أهلها وذلك أعظم دليل على تفرده بالإِلهية ثنّي هنا بالاستدلال بتصريف الأحوال بين السماء والأرض وذلك بإرسال الرياح وتكوين السحاب وإنزال المطر، فهذا عطف على قوله: ﴿ فاطر السماوات والأرض ﴾ [فاطر: 1].

وإظهار اسم الجلالة في مقام الإِضمار دون أن يقول وهو الذي أرسل الرياح فيعود الضمير إلى اسم الله من قوله: ﴿ إن الله عليم بما يصنعون ﴾ [فاطر: 8].

واختير من دلائل الوحدانية دلالة تجمع أسباب المطر ليفضي من ذلك إلى تنظير إحياء الأموات بعد أحوال الفناء بآثار ذلك الصنع العجيب وأن الذي خلق وسائل إحياء الأرض قادر على خلق وسائل إحياء الذين ضمنتهم الأرض على سبيل الإِدماج.

وإذ قد كان القصد من الاستدلال هو وقوع الإِحياء وتقرر وقوعه جيء بفعل الماضي في قوله: ﴿ أرسل ﴾ .

وأما تغييره إلى المضارع في قوله: ﴿ فتثير سحاباً ﴾ فلحكاية الحال العجيبة التي تقع فيها إثارة الرياح السحابَ وهي طريقة للبلغاء في الفعل الذي فيه خصوصية بحال تستغرب وتهم السامع.

وهو نظير قول تأبط شرًّا: بأني قد لَقيت الغول تهوي *** بسَهب كالصحيفة صَحْصَحان فأَضرِبُها بلا دهش فخرت *** صريعاً لليدين وللجِرَان فابتدأ ب (لقيت) لإِفادة وقوع ذلك ثم ثنى ب (أضربها) لاستحضار تلك الصورة العجيبة من إقدامه وثباته حتى كأنهم يبصرونه في تلك الحالة.

ولم يؤت بفعل الإِرسال في هذه الآية بصيغة المضارع بخلاف قوله في سورة الروم (48) ﴿ الله الذي يرسل الرياح ﴾ الآية لأن القصد هنا استدلال بما هو واقع إظهاراً لإِمكان نظيره وأما آية سورة الروم فالمقصود منها الاستدلال على تجديد صنع الله ونعمه.

والقول في الرياح والسحاب تقدم غير مرة أولاها في سورة البقرة.

وفي قوله: فسقناه } بعد قوله: ﴿ الله الذي أرسل الرياح ﴾ التفاوت من الغيبة إلى التكلم.

وقوله: ﴿ كذلك النشور ﴾ سبيله سبيل قوله: ﴿ يا أيها الناس إن وعد الله حق ﴾ [فاطر: 5] الآيات من إثبات البعث مع تصديق الرسول صلى الله عليه وسلم فيما أخبر به عنه، إلا أن ما قبله كان مأخوذاً من فحوى الدلالة لما ظهرت في برهان صدق الرسول صلى الله عليه وسلم فيما أخبر به من توحيد أخذ من طريق دلالة التقريب لوقوع البعث إذ عسر على عقولهم تصديق إمكان الإِعادة بعد الفناء ليحصل من بارقة صدق الرسول صلى الله عليه وسلم وبارقة الإِمكان ما يسوق أذهانهم إلى استقامة التصديق بوقوع البعث.

والإِشارة في قوله: ﴿ كذلك النشور ﴾ إلى المذكور من قوله: ﴿ فأحيينا به الأرض ﴾ .

والأظهر أن تكون الإِشارة إلى مجموع الحالة المصورة، أي مثل ذلك الصنع المحكم المتقن نصنع صنعاً يكون به النشور بأن يهيّئ الله حوادث سماوية أو أرضية أو مجموعة منهما حتى إذا استقامت آثارها وتهيأت أجسام لقبول أرواحها أمر الله بالنفخة الأولى والثانية فإذا الأجساد قائمة ماثلة نظير أمرِ الله بنفخ الأرواح في الأجنة عند استكمال تهيئها لقبول الأرواح.

وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم تقريب ذلك بمثل هذا مما رواه أحمد وابن أبي شيبة وقريب منه في «صحيح مسلم» عن عروة بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم " قيل لرسول الله: كيف يُحْيي الله الموتى وما آية ذلك في خلقه؟

فقال: هل مررتَ بوادٍ أُهْلِكَ ممحلاً ثم مررتَ به يهتزُ خَضِراً؟

قيل: نعم.

قال: فكذلك يَحيِي الله الموتى وتلك آيته في خلقه ".

وفي بعض الروايات عن أبي رزين العقيلي أن السائل أبو رزين.

وقرأ الجمهور ﴿ الرياح ﴾ بصيغة الجمع.

وقرأ حمزة والكسائي «الريح» بالإِفراد، والمعرّف بلام الجنس يستوي فيه المفرد والجمع.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ مَن كانَ يُرِيدُ العِزَّةَ فَلِلَّهِ العِزَّةُ جَمِيعًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي بِالعِزَّةِ المَنعَةَ فَيَتَعَزَّزُ بِطاعَةِ اللَّهِ تَعالى، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: عِلْمُ العِزَّةَ لِمَن هي، فَلِلَّهِ العِزَّةُ جَمِيعًا.

وَقِيلَ إنَّ سَبَبَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ ما رَواهُ الحَسَنُ أنَّ المُشْرِكِينَ عَبَدُوا الأوْثانَ لِتُعِزَّهم كَما وصَفَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم في قَوْلِهِ: ﴿ واتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهم عِزًّا ﴾ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ مَن كانَ يُرِيدُ العِزَّةَ فَلِلَّهِ العِزَّةُ جَمِيعًا ﴾ ﴿ إلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ التَّوْحِيدُ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.

الثّانِي: الثَّناءُ عَلى مَن في الأرْضِ مِن صالِحِ المُؤْمِنِينَ يَصْعَدُ بِهِ المَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ، حَكاهُ النَّقّاشُ.

﴿ والعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ أداءُ الفَرائِضِ.

الثّانِي: أنَّهُ فَعَلَ القُرَبَ كُلَّها.

وَفي قَوْلِهِ: ﴿ يَرْفَعُهُ ﴾ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ العَمَلَ الصّالِحَ يَرْفَعُهُ الكَلامُ الطَّيِّبُ، قالَهُ الحَسَنُ، ويَحْيى بْنُ سَلّامٍ.

الثّانِي: أنَّ العَمَلَ الصّالِحَ يَرْفَعُ الكَلامَ الطَّيِّبَ، قالَهُ الضَّحّاكُ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

الثّالِثُ: أنَّ العَمَلَ يَرْفَعُهُ اللَّهُ بِصاحِبِهِ، قالَهُ قَتادَةُ، السُّدِّيُّ.

﴿ والَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئاتِ ﴾ يَعْنِي يُشْرِكُونَ في الدُّنْيا.

﴿ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ ﴾ يَعْنِي في الآخِرَةِ.

﴿ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هو يَبُورُ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَفْسَدُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.

الثّانِي: يَبْطُلُ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّالِثُ: يَهْلَكُ، والبَوارُ الهَلاكُ، قالَهُ قُطْرُبٌ.

وَفِي المُرادِ: أُولَئِكَ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أهْلُ الشِّرْكِ.

الثّانِي: أصْحابُ الرِّبا، قالَهُ مُجاهِدٌ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ واللَّهُ خَلَقَكم مِن تُرابٍ ﴾ يَعْنِي آدَمَ.

﴿ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ﴾ يَعْنِي نَسْلَهُ.

﴿ ثُمَّ جَعَلَكم أزْواجًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أصْنافًا، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الثّانِي: ذُكْرانًا وإناثًا، والواحِدُ الَّذِي مَعَهُ آخَرُ مِن شَكْلِهِ زَوْجٌ والِاثْنانِ زَوْجانِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ وَأنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى  ﴾ وتَأوَّلَ قَتادَةُ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ جَعَلَكم أزْواجًا ﴾ أيْ زَوَّجَ بَعْضُكم لِبَعْضٍ.

﴿ وَما تَحْمِلُ مِن أُنْثى ولا تَضَعُ إلا بِعِلْمِهِ ﴾ يَعْنِي بِأمْرِهِ.

﴿ وَما يُعَمَّرُ مِن مُعَمَّرٍ ولا يُنْقَصُ مِن عُمُرِهِ ﴾ الآيَةَ.

فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: ما نَمُدُّ في عُمْرِ مُعَمَّرٍ حَتّى يَصِيرَ هَرَمًا.

وَلا يَنْقُصُ مِن عُمْرِ أحَدٍ حَتّى يَمُوتَ طِفْلًا إلّا في كِتابٍ.

الثّانِي: ما يُعَمَّرُ مِن مُعَمَّرٍ قَدَّرَ اللَّهُ تَعالى مُدَّةَ أجَلِهِ إلّا كانَ ما نَقَصَ مِنهُ بِالأيّامِ الماضِيَةِ عَلَيْهِ في كِتابٍ عِنْدَ اللَّهِ.

قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هي صَحِيفَةٌ كَتَبَ اللَّهُ تَعالى في أوَّلِها أجَلَهُ، ثُمَّ كَتَبَ في أسْفَلِها ذَهَبَ يَوْمَ كَذا ويَوْمَ كَذا حَتّى يَأْتِيَ عَلى أجَلِهِ، وبِمِثْلِهِ قالَ أبُو مالِكٍ، والشَّعْبِيُّ.

وَفي عُمْرِ المُعَمَّرِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: سِتُّونَ سَنَةً، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّانِي: أرْبَعُونَ سَنَةً.

الثّالِثُ: ثَمانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً، قالَهُ أبُو غالِبٍ.

﴿ إنَّ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ ﴾ أيْ هَيِّنٌ.

وَيَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ إثْباتَ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ.

الثّانِي: أنَّ زِيادَةَ عُمْرِ المُعَمِّرِ ونُقْصانِ عُمْرِ الآخَرِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى يَسِيرٌ.

وَلِلْكَلْبِيِّ فِيهِ ثالِثٌ: أنَّ حِفْظَ ذَلِكَ بِغَيْرِ كِتابٍ عَلى اللَّهِ يَسِيرُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ فأحيينا به الأرض بعد موتها كذلك النشور ﴾ قال: أحيا الله هذه الأرض الميتة بهذا الماء، كذلك يبعث الناس يوم القيامة.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: يقوم ملك بالصور بين السماء والأرض، فينفخ فيه، فلا يبقى خلق لله في السموات والأرض ﴿ إلا ما شاء الله...

﴾ [ الأعلى: 7] ، ثم يرسل الله من تحت العرش منياً كمني الرجال، فتنبت أجسامهم ولحمانهم من ذلك الماء كما تنبت الأرض من الثرى، ثم قرأ عبد الله رضي الله عنه ﴿ الله الذي يرسل الرياح فتثير سحاباً فسقناه إلى بلد ميت فأحيينا به الأرض بعد موتها كذلك النشور ﴾ ويكون بين النفختين ما شاء الله، ثم يقوم ملك فينفخ فيه، فتنطلق كل نفس إلى جسدها.

وأخرج الطيالسي وأحمد وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي رزين العقيلي رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله كيف يحيى الله الموتى؟

قال: أما مررت بأرض مجدبة، ثم مررت بها مخضبة تهتز خضراء؟

قال: بلى.

قال: كذلك يحيي الله الموتى وكذلك النشور.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله: ﴿ وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا ﴾ ، قال الكلبي: فتنشئ سحابًا (١) ﴿ فَسُقْنَاهُ ﴾ قال أبو عبيد: (فنسوقه، وأنشد قول قعنب: إن يسمعوا زينة (٢) (٣) (٤) وقوله: ﴿ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ ﴾ قال ابن عباس: يريد الأرض الجرز (٥) (٦) ﴿ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ﴾ قال ابن عباس: أنبتنا فيها الزرع والأشجار بعد ما لم يكن (٧) ﴿ كَذَلِكَ النُّشُورُ ﴾ أي: البعث والإحياء.

(١) لم أقف عليه.

(٢) هكذا في النسخ، وهو خطأ، والصواب: ريبة.

(٣) هذا صدر بيت وعجزه: مني وما سمعوا من صالح دفنوا وهو من البسيط، لقعنب بن أم صاحب في: "الحماسة" 2/ 170، "مجاز القرآن" 1/ 177، 2/ 152، "سمط اللآلئ" ص 362، "عيون الأخبار" 3/ 84.

(٤) "مجاز القرآن" 2/ 152.

(٥) لم أقف عليه.

(٦) لم أقف عليه عن الكلبي.

وقد ذكره هو بن محكم في "تفسيره" 3/ 411 ولم ينسبه.

(٧) انظر: "تفسير ابن عباس" بهامش المصحف ص365.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ كَذَلِكَ النشور ﴾ اي الحشر، والمعنى: كما يحيي الله الأرض بالنبات كذلك يحيي الموتى.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ غير الله ﴾ بالجر: يزيد وحمزة وعليّ.

الآخرون: بالرفع حملاً على المحل ﴿ فلا تذهب ﴾ من الإذهاب ﴿ نفسك ﴾ منصوباً: يزيد.

الآخرون: بفتح التاء والهاء من الذهاب ﴿ نفسك ﴾ مرفوعاً: ﴿ الريح ﴾ على التوحيد: ابن كثير وحمزة وعلي وخلف ﴿ ولا ينقص ﴾ بفتح الياء وضم القاف: روح وزيد.

الباقون: بالعكس.

﴿ من عمره ﴾ باختلاس الضمة: عباس ﴿ والذين يدعون ﴾ على الغيبة: قتيبة.

الوقوف: ﴿ ورباع ﴾ ط ﴿ يشاء ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ لها ﴾ ج ﴿ بعده ﴾ ط ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ عليكم ﴾ ط ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ إلا هو ﴾ ز للاستفهام ولفاء التعقيب وإتحاد المعنى ﴿ تؤفكون ﴾ ه ﴿ قبلك ﴾ ط ﴿ الأمور ﴾ ه ﴿ الغرور ﴾ ه ﴿ عدوّاً ﴾ ط ﴿ السعير ﴾ ه ط لأن ﴿ الذين ﴾ مبتدأ.

﴿ شديد ﴾ ه ﴿ كبير ﴾ ه ﴿ حسناً ﴾ ط لحذف الجواب ﴿ حسرات ﴾ ط ﴿ يصنعون ﴾ ه ﴿ موتها ﴾ ط ﴿ النشور ﴾ ه ﴿ جميعاً ﴾ ط ﴿ يرفعه ﴾ ط ﴿ شديد ﴾ ه ﴿ يبور ﴾ ه ﴿ أزواجاً ﴾ ط ﴿ بعلمه ﴾ ط ﴿ في كتاب ﴾ ط ﴿ يسير ﴾ ه ﴿ أجاج ﴾ ط ﴿ تلبسونها ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتفاق المعنى ﴿ تشكرون ﴾ ه ﴿ مسمى ﴾ ط ﴿ الملك ﴾ ط ﴿ قطمير ﴾ ه ﴿ دعاءكم ﴾ ج للشرط مع العطف ﴿ لكم ﴾ ط ﴿ بشرككم ﴾ ط ﴿ خبير ﴾ ه ﴿ إلى الله ﴾ ط لاتفاق الجملتين مع حسن الفصل بين وصفي الخالق والمخلوق ﴿ الحميد ﴾ ه ﴿ جديد ﴾ ه ج لاحتمال ما بعده الاستئناف والحال ﴿ بعزيز ﴾ ه ﴿ أخرى ﴾ ط لاستئناف الشرط ﴿ قربى ﴾ ط ﴿ الصلاة ﴾ ط ﴿ لنفسه ﴾ ط ﴿ المصير ﴾ ه ﴿ والبصير ﴾ ه لا ﴿ ولا النور ﴾ ه لا ﴿ ولا الحرور ﴾ ه ج للطول والتكرار ﴿ الأموات ﴾ ط ﴿ يشاء ﴾ ج للعطف مع الإثبات إلى النفي مع اتفاق الجملتين ﴿ القبور ﴾ ه ﴿ إلا نذير ﴾ ه ﴿ ونذيراً ﴾ ط ﴿ نذير ﴾ ه ﴿ من قبلهم ﴾ ج لاحتمال ما بعده الحال والاستئناف ﴿ المنير ﴾ ه ﴿ نكير ﴾ ه.

التفسير: لما بين في آخر السورة المتقدمة انقطاع رجاء الشاك وعدم قبول توبته في الآخرة ذكر في أوّل هذه السورة حال الموفق المؤمن وبشر بإرسال الملائكة إليهم مبشرين، وبين أنه يفتح لهم أبواب الرحمة.

و ﴿ فاطر السموات والأرض ﴾ مبدعهما أو شاقهما لنزول الأرواح من السماء وخروج الأجساد من الأرض يؤيد التفسير الثاني قوله ﴿ جاعل الملائكة رسلاً ﴾ وقوله ﴿ وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون  ﴾ و ﴿ أولي أجنحة ﴾ اي أصحاب أجنحة أراد أن طائفة منهم أجنحة كل منهم اثنان اثنان، وبعضهم أجنحة ثلاثة ثلاثة لعل الثالث منها في وسط الظهر بين الجناحين يمدهما بقوة أو لعله لغير الطيران فلقد رأيت في بعض الكتب أن صنفاً من الملائكة لهم ستة أجنحة، فجناحان يلفون بهما أجسادهم، وجناحان يطيرون بهما في الأمر من أمور الله عز وجل، وجناحان مرخيان على وجوههم حياء من الله عز وجل.

وعن رسول الله  أنه رأى جبرائيل  ليلة المعراج وله ستمائة جناح.

وروي أن إسرافيل له اثنا عشر جناحاً، جناح منها بالمشرق، وجناح بالمغرب، وإن العرش على كاهله وإنه ليتضاءل لعظمة الله  وتعالى حتى يعود مثل الوصع وهو العصفور الصغير.

ويجوز أن يخالف حال الملائكة حال الطيور في الطيران كالحيوان الذي يدب بأرجل كثيرة، ويجوز أن يكون البعض للزينة، ويجوز أن يكون كل جناح ذا شعب.

قال الحكيم: الجناحان إشارة إلى جهتين: جهة الأخذ من ا لله، وجهة الإعطاء لمن دونهم بإذن الله كقوله ﴿ نزل به الروح الأمين على قلبك  ﴾ ﴿ علمه شديد القوى  ﴾ ﴿ فالمدبرات أمرا  ﴾ ومنهم من يفعل بواسطة فلهم ثلاث جهات أو أكثر على حسب الوسائط.

ثم بين كمال قدرته بقوله ﴿ ويزيد في الخلق ما يشاء ﴾ والظاهر أنه عام يتناول كل زيادة في كل أمر يعتبر في الصورة كحسن الوجه والخط والصوت ونحوهما، أو في المعنى كحصافة العقل وجزالة الرأي وسماحة النفس وذلاقة اللسان وغير ذلك من الأخلاق الفاضلة.

ثم أكد نفاذ أمره وجريان الأمور على وفق مشيئته بقوله ﴿ وما يفتح الله للناس ﴾ الآية.

وفيها دلالة على أن رحمته سبقت غضبه من جهة تقديم الرحمة ومن جهة بيان الضمير في القرينة الأولى بقوله ﴿ من رحمة ﴾ والإطلاق في قوله ﴿ وما يمسك ﴾ فيشمل إمساك الغضب وإمساك الرحمة.

ومن جهة قوله ﴿ من بعده ﴾ أي من بعد إمساكه فيفيد أن الرحمة إذ جاءته لم يكن لها انقطاع وإن ضدّها قد ينقطع وإن كان لا يقطعه إلا الله ولهذا لا يخرج أهل الجنة من الجنة وقد يخرج أهل النار من النار ﴿ وهو العزيز ﴾ الغالب على إرسال الرحمة وإمساكها ﴿ الحكيم ﴾ الذي لا يمسك ولا يرسل إلا عن علم كامل وصلاح شامل.

وحيث بين أن الحمد لله وبين بعض وجوه النعمة المستدعية للحمد على التفصيل أمر المكلفين بتذكر العمة على الإجمال لساناً وقلباً وعملاً، ومنه قول الرجل لمن أنعم عليه: اذكر أياديّ عندك يريد حفظها وشكرها والعمل بموجبها.

وعن ابن عباس: أن الناس أهل مكة أسكنهم حرمه ويتخطف الناس من حولهم.

وعنه أيضاً أنه اراد بالنعمة العافية، والظاهر تعميم النعمة والمنعم عليهم.

ثم اشار إلى نعمة الإيجاد بقوله ﴿ هل من خالق غير الله ﴾ وإلى نعمة الإبقاء بقوله ﴿ يرزقكم ﴾ وهو نعت خالق أو مستأنف أو تفسير لمضمر والتقدير: هل يرزقكم خالق يرزقكم؟

قال جار الله: إن جعلت ﴿ يرزقكم ﴾ كلاماً مستأنفاً ففيه دليل على أن الخالق لا يطلق إلا على الله عز وجل.

وأما على الوجهين الآخرين فلا، إذ لا يلزم مننفي خالق رازق غيره نفي خالق غيره مطلقاً.

وقوله ﴿ لا إله إلا هو ﴾ جملة مفصولة لا محل لها مثل ﴿ يرزقكم ﴾ في غير وجه الوصف إذ لو جعلت وصفاً لزم التناقض لأن قولك "هل من خالق آخر سوى الله" إثبات الله، ولو جعلت المنفية وصفاً صار تقدير الكلام: هل من خالق آخر سوى لا إله إلا ذلك الخالق فلزم نقض الإثبات المذكور مع أن الكلام في نفسه يكون غير مستقيم.

﴿ فأنى تؤفكون ﴾ أي وكيف تصرفون عن هذا الظاهر فتشركون المنعوت بمالك الملك والملكوت.

وحين بينّ الاصل الأول وهو التوحيد ذكر الأصل الثاني وهو الرسالة بقوله ﴿ وإن يكذبوك ﴾ الآية.

والمراد إن يكذبوك فتسل بهذا المعنى.

ثم بينت الأصل الثالث وهو الحشر بقوله ﴿ يا أيها الناس ﴾ وقد مرّ مثل الآية في آخر سورة لقمان.

وقد يسبق إلى الظن ههنا أن الغرور وهو الشيطان لأنه عقبه بقوله ﴿ إن الشيطان لكم عدّو فاتخذوه عدّواً ﴾ لأن الحازم لا يقبل قول العدوّ ولا يعتمد عليه.

ثم صرح بوجه اتخاذه وبعاقبة دعوته فقال ﴿ إنما يدعو حزبه ليكونوا من اصحاب السعير ﴾ ثم فصل مال حال حزبه وحزب الله بقوله ﴿ الذين كفروا ﴾ إلى قوله ﴿ وأجر كبير ﴾ عرض على العقول أنه لا سواء بين الحزبين والمعنى ﴿ أفمن زين له سوء عمله ﴾ من الفريقين كمن لم يزين له.

ولا ريب أن المزين لهم عملهم هم أهل الأهواء والبدع الذين لا مستند لهم في مأخذهم سوى التقليد واتباع الهوى.

ثم أنتج من ذلك قوله ﴿ فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء ﴾ وذلك أن الناس متساوية الأقدام في الإنسانية ومتفاوتة الأحوال في الأعمال، فتبين أنه لا استقلال، وأن أفعال العباد مستندة إلى إزادة مصرف القلوب والأحوال.

ثم رتب على عدم الاستقلال قوله ﴿ فلا تذهب ﴾ أي فلا تهلك ﴿ نفسك ﴾ و ﴿ عليهم ﴾ صلة تذهب كما تقول هذك عليه حباً أو هو بيان للمتحسر عليه ولا يتعلق بـ ﴿ ـ مجسرات ﴾ المفعول لأجله لأن المصدر لا يتقدم عليه صلته.

وجوّز جار الله أن يكون حالاً كأن كل نفسه صارت حسرات لفرط التحسر.

وعن الزجاج أن تقدير الآية: أمفن زين له سوء عمله ذهبت نفسك عليهم فحذف لدلالة المذكور وهو فلا تذهب عليه، أو أفمن زين له سوء عمله كمن هداه الله، فحذف لأن قوله ﴿ فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء ﴾ يدل عليه.

ثم بين أن حزنه إن كان لما بهم من الضلال فالله عالم بهم وبما يصنعون لو أراد منهم الإيمان لآمنوا وإن كان لما بهم منالإيذاء فالله عليم بفعلهم فيجازيهم بذلك.

ثم أكد كونه فاعلاً مختاراً قادراً قهاراً مبدئاً معيداً بقوله ﴿ والله الذي أرسل ﴾ وهو من الالتفات الموجب للتهويل والتعظيم.

وقوله ﴿ فتثير ﴾ بلفظ المستقبل تصوير لتلك الحالة العجيبة الشأن، عرف نفسه بفعل الإرسال ثم قال ﴿ فسقناه ﴾ كأنه قال: أنا الذي عرفتني بمثل هذه السياقة والصناعة وأنعمت عليك بهذه النعمة الشاملة.

ثم شبه البعث والنشور بالصنع المذكور ووجهه ظاهر.

وحين بين برهان الإيمان أشار إلى ما كان يمنع الكفار منه وهو العزة الظاهرة الت يكانوا يتوهمونها من حيث إن معبوديهم كانت تحت تسخيرهم والرسول كان يدعوهم إلى الإيمان لطاعة الله وطاعة أنبيائه فكنه قال: إن كنتم تطلبون حقيقة العزة ﴿ فلله العزة ﴾ خاصة كلها فلتطلبها من عنده ومن عند أوليائه نظيره قولك "من أراد النصيحة فهي عند الأبرار" يريد فليطلبها عندهم فاعتبر في هذه الآية حرف النهاية.

وأما في قوله ﴿ ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين  ﴾ فاعتبر الوسائط فالعزة للمؤمنين بواسطة الرسول وله من رب العزة.

ثم إن الكفار كأنهم قالوا: نحن لا نعبد من لا نراه ولا نحضر عنده فإن البعد من الملك ذلة فقال ﴿ إليه يصعد ﴾ أي إن كنتم لا تصلون إليه فهو يسمع كلامكم ويقبل الطيب منها وذلك آية العزة، وأما هذه الأصنام فلا يتبين عندها الذليل من العزيز إذ لا حياة لها ولا شعور وهكذا العمل الصالح لا تراه هذه الأصنام فلا يمكن لها مجازاة الأنام.

وفاعل قوله ﴿ يرفعه ﴾ إن كان هو الله فظاهر، وإن كان الكلم أعني قوله "لا إله إلا الله" فمعناه أنه لا يقبل عمل إلا من موحد وإن كان هو العمل فالمعنى: أن الكلم وهو كل كلام فيه ذكر الله أو رضاه يريد الصعود إلى الله إلا أنه لا يستطيع الصعود ولا يقع موقع القبول إلا إذا كان مقروناً بالعمل الصالح.

عن النبي  "الكلم الطيب هو قول الرجل سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر إذا قالها العبد عرج بها الملك إلى السماء فحيا بها وجه الرحمن فإذا لم يكن له عمل صالح لم يقبل منه" .

وعن ابن المقفع: قول بلا عمل كثريد بلا دسم، وسحاب بلا مطر، وقوس بلا وتر.

ولا تخفى أن القول هو الأصل والعمل مؤكده فلهذا قدم القول.

وحين بيّن حال العمل الصالح ذكر أن المكرات السيئات بائرة كاسدة لا حقيقة لها، ولعله أشار بها إلى مكرات قريش المذكورات في قوله ﴿ وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك  ﴾ جمع الله مكراتهم فقلبها عليهم حين أوقعهم في قليب بدر.

ولما ذكر دليل الآفاق أكده بدليل الأنفس قائلاً ﴿ والله خلقكم من تراب ﴾ وفيه إشارة إلى خلق آدم ﴿ ثمن من نطفة ﴾ وفيه إشارة إلى خلق أولاده.

ومعنى ﴿ أزواجاً ﴾ أصنافاً أو ذكراناً وإناثاً.

ثم أشار إلى كمال علمه بقوله ﴿ وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه ﴾ ثم بين نفوذ إرادته بقوله ﴿ وما يعمر من معمر ﴾ قال جار الله: معناه من أحد ولكنه سماه معمراً باعتبار ما يؤل إليه.

وليس المراد تعاقب التعمير وخلافه على شخص واحد وإنما المراد تعاقبهما على شخصين فتسومح في اللفظ تعويلاً على فهم السامع كقول القائل: ما تنعمت بكذا ولا اجتويته إلا قل فيه ثوائي.

وتأويل آخر وهو أن يراد لا يطول عمر إنسان ولا ينقص من عمر ذلك الإنسان بعينه ﴿ إلا في كتاب ﴾ وصورته أن يكتب في اللوح إن حج أو وصل الرحم فعمره أربعون سنة، وإن جمع بين الأمرين فعمره ستون، فإذا جمع بينهما فعمر ستين كان الغاية، وإذا أفرد فعمر أربعين فقد نقص من تلك الغاية.

وبهذا التأويل يستبين معنى ما روي عن النبي  أنه قال "إن الصدقة والصلة تعمران الديار وتزيدان في الأعمار" .

ويصح ما استفاض على الألسن "أطال الله بقاءك".

وعن سعيد بن جبير يكتب في الصحيفة أن عمره كذا سنة، ثم يكتب بعد ذلك في آخرها ذهب يوم ذهب يومان حتى تنقضي المدّة.

وعن قتادة: المعمر من بلغ ستين، والمنقوص من عمره من يموت قبل الستين.

وذلك في علم الله.

﴿ إن ذلك ﴾ الذي ذكر من خلق الإنسان من المادة المذكورة أو الزيادة في الأعمار أو النقصان منها ﴿ على الله يسير ﴾ .

ثم ضرب مثلاً للمؤمن والكافر وذكر ليلاً آخر على عظم قدرته فقال ﴿ وما يستوي البحران ﴾ الآية.

على الأوّل يكون قوله ﴿ ومن كل تأكلون ﴾ إلى آخر الآية تقريراً للنعمة على سبيل اللاستطراد، أو هو من تمام التشبيه كأنه شبه الجنسين بالبحرين.

ثم فضل البحر الأجاج على الكافر لأنه شارك العذب في استخراج السمك واللؤلؤ وجرى الفلك فيه، وأما الكافر فلا نفع فيه ألبتة فيكون كقوله في البقرة ﴿ ثم قست قلوبكم  ﴾ إلى آخر قوله و ﴿ وَإِنَّ مِنهَا لما يهبط من خشية الله  ﴾ والأشبه أن الآية تقرير دليل مستأنف كما مرّ في أوّل "النحل" يؤيده تعقيبه بدليل آخر وهو قوله ﴿ يولج الليل ﴾ إلى قوله ﴿ أجل مسمى ﴾ قد مرّ في آخر "لقمان" مثله، وفيه ردّ على عبدة الكواكب الذين ينسبون حوادث هذا العالم إلى الكواكب بالذات لا إلى تسخير مبدعها.

قوله ﴿ ذلكم الله ﴾ أي الذي فعل الأشياء المذكورة من فطر السموات والأرض وإرسال الرياح وخلق الإنسان من التراب وغير ذلك هو المعبود الحق.

وقوله ﴿ ربكم له الملك ﴾ خبران آخران، ويجوز أن يكون ﴿ الله ربكم ﴾ خبرين و ﴿ له الملك ﴾ جملة مبتدأه واقعة في طبقات.

قوله ﴿ والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير ﴾ وذلك أن المشركين كانوا معترفين بأن الأصنام ليسوا خالقين وإنما كانوا يقولون إنه  فوض أمور الأرضيات إلى الكواكب التي هذه الأصنام صورها وطوالعها، فأخبر الله  أنهم لا يملكون قطميراً وهو القشرة الرقيقة للنواة فضلاً عما قوفها.

قال جار الله: يجوز في حكم الإعراب إيقاع اسم الله  صفة لاسم الإشارة أو عطف بيان و ﴿ ربكم ﴾ خبراً لولا أن المعنى يأباه فقيل: لأن ذلك إشارة إلى معلوم سبق ذكره.

وكونه صفة أو عطف بيان يقتضي أن يكون فيما سبق ضرب إبهام.

قلت: وفيه نظر، أما أولاً فلأن اسم الله من قبيل الأعلام لا من قبيل أسماء الأجناس فكيف يجوز جعله صفة؟

وأما ثانياً فلأنه على تقدير التجويز يكون صفة مدح فلا ينافي كون المشار إليه معلوماً.

والوجه الصحيح في إباء المعنى هو أن الوصف إذا كان معرفة كان أمراً متحققاً في الخارج مسلماً عند السامع.

مثلاً إذا قلت: الرجل الكاتب جاءني.

تريد الرجل الذي تعرفه أيها السامع أنه كاتب جاءني لكن الخطاب ههنا مع الكفار وهم يجحدون المعبود الحق، أو يجحدون أن العبادة لا تصلح إلا له،ن فلا يصح إيقاع اسم الله وصفاً لذلكم والخطاب معهم.

ثم زاد في توبيخ الكفرة بقوله ﴿ إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ﴾ لأنهم جماد ولو فرض سماعهم ﴿ ما استجابوا لكم ﴾ لما مرّ من أنهم لا يملكون شيئاً ﴿ ويوم القيامة ﴾ ايضاً ﴿ يكفرون بشرككم ﴾ قائلين ما كنتم إيانا تعبدون ﴿ ولا ينبئك ﴾ أي لا يطلعك على حقيقة الحال أيها النبيّ أو أيها السامع ﴿ مثل خبير ﴾ ببواطن الأمور.

والمعنى أن هذا الذي أخبرتكم به من حال الأوثان هو الحق لأني خبير بما أخبرت به ولا يخبرك بالأمر مخبر هو مثل عالم به.

وفيه أنه الخبير بالأمر وحده، وفيه ن هذا الخبر مما لا يعرف بمجرد المعقول لولا إخبار الله  .

ثم بين أن نفع العبادة إنما يعود على المكلفين فقال ﴿ يأيها الناس أنتم الفقراء ﴾ ومعنى تعريف الخبر القصد إلى أنهم جنس الفقراء مبالغة، وذلك أن افتقار الإنسان إلى الله عاجلاً لأمور المعاش وآجلاً لنعيم الآخرة أبين من افتقار سائر المخلوقين إليه.

وقيل: إن كون الناس فقراء أمر ظاهر لا يخفى على أحد فلهذا عرف كقول القائل: الله ربنا ومحمد نبينا.

ثم بين أن فقرهم ليس إلا إلى الله فقابل الفقراء بقوله ﴿ والله هو الغنيّ ﴾ وقابل قوله ﴿ إلى الله ﴾ بقوله ﴿ الحميد ﴾ لأنه إذا أنعم عليهم استحق الحمد منهم.

ثم ذكر أنه غني عن وجودهم أيضاً لا يفتقر في ظهور أثر قدرته إليهم فقال ﴿ إن يشأ يذهبكم ﴾ وقد مرّ في "النساء" وفي "إبراهيم".

وحين بين الحق بالدلائل الباهرة أراد أن يذكر ما يدعوهم إلى النظر فيه فقال ﴿ ولا تزر وازرة ﴾ يعني أن النفوس الوازرات لا ترى واحدة منهن إلا حاملة وزرها لا وزر غيرها.

ولا ينافي في هذا قوله ﴿ وليحملن أثقالَهُم وأثقالاً مع أثقالِهِم  ﴾ لأن وزر الإضلال هو وزر النفس الوزارة أيضاً، وفيه أن كل نفس وازرة مهمومة بهمّ وزرها متحيرة في أمرها.

ثم زاد في التهويل بقوله ﴿ وإن تدع مثقلة ﴾ أي نفس ذات حمل ﴿ لا يحمل منه شيء ﴾ فإن عدم قضاء الحاجة بعد السؤال أفظع.

ثم زاد التأكيد بقوله ﴿ ولو كان ﴾ أي المدعوّ ﴿ ذا قربى ﴾ فإِن عدم القضاء بعد السؤال من القريب من أب وولد أدل على شدّة الأمر فيعلم منه أن لا غياث يومئذ أصلاً.

ثم بين أن هذه الإنذارات إنما تفيد أهل الخشية والطاعة حال كونهم غائبين عن العذاب أو حال كون العذاب غائباً عنهم.

ثم لما بيّن أن الوزر لا يتعدى إلى الغير بيّن أن التظهر عن الذنوب لا يفيد إلا نفس المتزكي ﴿ وإلى الله المصير ﴾ لكل فيجزيهم على حسب ذلك.

ثم ضرب للكافر والمؤمن مثلاً فقال ﴿ وما يستوي الأعمى والبصير ﴾ وقيل: إنه مثل للصنم وللمعبود الحق.

ثم ذكر للكفر والإيمان مثلاً قائلاً ﴿ ولا الظلمات ولا النور ﴾ وإذا كان الإيمان نوراً والمؤمن بصيراً فلا يخفى عليه النور، وإذا كان الكفر ظلمة والكافر أعمى فله صادّ فوق صادّ.

ثم بيّن لمآلهما ومرجعهما مثلاً وهو الظل والحرور.

قال أهل اللغة: السموم يكون بالنهار والحرور أعم.

وقال بعضهم: الحرور يكون بالليل فالمؤمن بإيمانه كمن هو في ظل وراحة، والكافر في كفره كمن هو حرّ وتعب.

وههنا مسائل.

الأولى: ضرب أوّلاً مثلاً للكافر والمؤمن ثم أعاد مثلهما بقوله ﴿ وما يستوي الأحياء ولا الأموات ﴾ وهذا أبلغ لأن الأعمى والبصير قد يشتركان في إدراك أشياء ولا كذلك الحي والميت ولمكان هذه المبالغة أعاد الفعل.

الثانية: كرر "لا" النافية في الأمثال الأخيرة دون الأوّل، لأن المنافاة بين العمى والبصر ليست ذاتية كما في سائرهما وقد يكون شخص واحد بصيراً بإحدى العينين أعمى بالأخرى.

الثالثة: قدم الأشرف في مثلين وهو الظل والحيّ، وأخره في الآخرين فهم أهل الظاهر أن ذلك لرعاية الفواصل.

والمحققون قالوا: إنهم كانوا قبل البعث في ظلمة الضلال فصاروا إلى نور الإيمان في زمان محمد  ، فلهذا الترتيب قدّم مثل الكافر وكفره على مثل المؤمن وإيمانه.

ولما ذكر المآل والمرجع قدم ما يتعلق بالرحمة على ما يتعلق بالغضب لأن رحمته سبقت غضبه.

ثم إن الكافر المصرّ بعد البعثة صار أضلّ من الأعمى وشابه الأموات في عدم إدراك الحق فقال ﴿ وما يستوي الأحياء ﴾ أي المؤمن الذي آمن بما أنزل الله.

والأموات الذين تليت عليهم الآيات ولم تنجع فيهم البينات فأخرهم عن المؤمنين لوجود حياتهم قبل ممات الكافرين المعاندين.

الرابعة: إنما وحد الأعمى والبصير لأن المراد أن أحد الجنسين لا يساوي جنس الآخر من جهة العمى والبصر، ولعل فرداً من أحدهما قد يساوي الفرد الآخر من جهة أخرى وكذا الكلام في إفراد الظل والحرور.

وإنما جمع الظلمات ووحّد النور لما مرّ في أوّل "الأنعام" من تحقيق أن الحق واحد والشبهات كثيرة.

وإنما جمع الأحياء والأموات لأن المراد أن أحد الصنفين لا يساوي الآخر سواء قابلت الجنس بالجنس أو قابلت الفرد بالفرد.

الخامسة: لا يخفى أن هذه الواوات بعضها ضمت شفعاً إلى شفع وبعضها ضمت وتراً إلى وتر.

ثم سلى ورسوله بقوله ﴿ إن الله يسمع ﴾ الآية.

فقد مرّ نظيره في قوله ﴿ إنك لا تسمع الموتى  ﴾ وإنما اقتصر على قوله ﴿ إن أنت إلا نذير ﴾ وكذا في قوله ﴿ إلا خلا فيها نذير ﴾ لأن الكلام في معرض التهديد مع أن ذكر البشير يدل عليه بل ذكر النذير يدل على مقابله.

والمراد بالنذارة آثارها لثبوت زمان الفترة.

ثم زاد في التسلية بقوله ﴿ وإن يكذبوك ﴾ وقد مر مثله في آخر "آل عمران".

وإنما حذف الفاعل هناك لبناء الكلام هنالك على الاقتصار دليله أنه قال ﴿ وإن يكذبوك فقد كذب ﴾ فاقتصر على لفظ المضيّ ولم يسم الفاعل، ويحتمل أن يكون لفظ الماضي إشارة إلى وقوع التكذيب منهم فإن تلك السورة مدنية والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَٱللَّهُ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ ٱلرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً فَسُقْنَاهُ إِلَىٰ بَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ ٱلنُّشُورُ ﴾ .

أي: كذلك يحيي الموتى، وقد ذكرنا ذلك فيما تقدم.

وقوله: ﴿ مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعِزَّةَ فَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ جَمِيعاً ﴾ .

قال بعضهم: من كان يريد القوة والمنعة بعبادة الأصنام ومن عبدوا دونه، فلله العزة جميعاً، أي: فبعبادة الله وطاعته ذلك في الدنيا والآخرة، أي: فمن عنده اطلبوا ذلك عند الله من كان يريد ثواب الدنيا والآخرة، أي: من عنده اطلبوا ذلك في الدنيا والآخرة.

وقال بعضهم: ﴿ مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعِزَّةَ ﴾ أي: العزة والتعزيز ﴿ فَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ جَمِيعاً ﴾ ، أي: فبالله يكون عز الدنيا والآخرة [لا] بالأصنام التي عبدتموها، وقد كان بعبادتهم الأصنام طلب الأمرين: طلب العز؛ كقوله: ﴿ وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُواْ لَهُمْ عِزّاً  ﴾ ، وطلب القوة والمنعة؛ كقوله: ﴿ وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ آلِهَةً لَّعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ  ﴾ ، فأخبر أن ذلك إنما يكون بالله وبطاعته، فمن عنده اطلبوا لا من عند من تعبدون دونه، والله أعلم.

وقوله: ﴿ إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ وَٱلْعَمَلُ ٱلصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ﴾ .

اختلف فيه: قال قائلون: ﴿ إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ ﴾ هو الوعد الحسن، ﴿ وَٱلْعَمَلُ ٱلصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ﴾ هو إنجاز ما وعد، أي: إذا أنجز ما وعد من الوعد الحسن، ووفى ذلك الإنجاز الوعدَ الحسنَ وعدٌ.

قال بعضهم: ﴿ إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ ﴾ هو كلمة التوحيد وشهادة الإخلاص، ﴿ وَٱلْعَمَلُ ٱلصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ﴾ أي: إخلاص التوحيد لله يرفع الكلم الطيب الذي تكلم به؛ فعلى هذا التأويل أي: يصعد الكلم الطيب إليه ما لم يخلص ذلك [إلا] لله.

وقال قائلون: ﴿ إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ ﴾ هي كلمة التوحيد على ما ذكرنا، ﴿ وَٱلْعَمَلُ ٱلصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ﴾ أي: يرفع الله العمل الصالح لصاحبه - يعني: لصاحب الكلام الطيب - فعلى هذا التأويل: يصعد الكلم الطيب إليه دون العمل الصالح.

وبعض أهل التأويل: [قال:] يرفع الكلام: التوحيد، الطيب: العمل الصالح - إلى الله، وبه يتقبل الأعمال الصالحة.

وظاهر الآية أن يكون العمل الصالح هو الذي يرفع الكلم الطيب، لكن الوجه فيه - والله أعلم - ما ذكرنا من الوجوه.

وبعضهم يقول: إن العمل الصالح يرفع الكلام الطيب، والوجه فيه ما ذكرنا.

وقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ يَمْكُرُونَ ٱلسَّيِّئَاتِ ﴾ .

قال عامة أهل التأويل: والذين يعملون السيئات.

وجائز أن يكون ما ذكر من مكرهم السيئات هو مكرهم برسول الله وأذاهم إياه؛ كقوله: ﴿ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ...

﴾ الآية [الأنفال: 30]، ويمكر الله بهم في الدنيا بالهلاك والقتل وفي الآخرة بالعذاب الشديد الذي حيث قال: ﴿ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ هُوَ يَبُورُ ﴾ ، أي: هو يهلك؛ من البوار، وهو الهلاك، وهو قتلهم ببدر، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ ﴾ .

﴿ خَلَقَكُمْ ﴾ ، أي: قدركم مع كثرتكم من أول أمركم إلى آخر ما تنتهون إليه من التراب الذي خلق آدم منه؛ إذ الخلق في اللغة التقدير.

وقوله: ﴿ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ﴾ .

أي: قدركم أيضاً مع كثرتكم وعظمكم من تلك النطفة، يخبر عن علمه وتدبيره في تقديره إيانا مع كثرتنا في ذلك التراب وفي تلك النطفة، وإن لم نكن نحن على ما نحن عليه في ذلك التراب والنطفة لا يعجزه شيء.

أو أن يكون إضافته إيانا إلى ذلك التراب والماء؛ لأنه كان ذلك أصلنا ومبادئ أمورنا، وكان المقصود بخلق ذلك التراب والماء، والأصل هذا الخلق وهو العاقبة، وقد يذكر ويضاف العواقب إلى المبادئ وتنسب إليها إذا كان المقصود من المبادئ العواقب وله نظائر كثيرة، وقد ذكرناه في غير موضع.

وقوله: ﴿ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجاً ﴾ ، أي: خلقكم من ذلك ذكراً وأنثى ليسكن بعضه إلى بعض، أو جعلكم أزواجاً أصنافاً.

وفي حرف ابن مسعود: ﴿ والله الذي خلقكم من نفس واحدة ثم جعلكم أزواجاً ﴾ ، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَىٰ وَلاَ تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ ﴾ .

يقول - والله أعلم -: ﴿ وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَىٰ ﴾ من أول ما تحمل إلى آخر ما تنتهون إليه ﴿ إِلاَّ بِعِلْمِهِ ﴾ السابق، وكذلك لا تضع كل حامل من أول ما تضع إلى آخر ما ينتهون إليه إلا بعلمه السابق: أنها تحمل كذا في وقت كذا من كذا، وأنها تضع كذا في وقت كذا، يخبر عن علمه السابق من أول منشئهم إلى آخر ما يكونون وينتهون إليه، أنه كان كله بذلك التقدير الذي كان منه، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِي كِتَابٍ ﴾ .

قال بعضهم: قوله: ﴿ وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ ﴾ أي: ما يطول من عمره وإن طال، وما ينقص من عمره، أي: ما نقص وقصر من ذلك ولم يطل ﴿ إِلاَّ فِي كِتَابٍ ﴾ ، أي: إلا كان ذلك كله في الكتاب مبيناً هكذا مطولا.

وقال بعضهم: ﴿ وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ ﴾ أي: من كثر عمره وطال أو قل عمره، فهو يعمر إلى أجله الذي كتب له، ثم قال: ﴿ وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ ﴾ كل يوم وكل ساعة حتى ينتهي إلى آخر أجله ﴿ إِلاَّ فِي كِتَابٍ ﴾ : في اللوح المحفوظ المكتوب قبل أن يخلقه.

﴿ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ ﴾ قال صاحب هذا [التأويل:] إن كتاب الآجال حين كتبه الله في اللوح المحفوظ على الله هين.

وقال آخر قريباً من هذا في قوله: ﴿ وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ ﴾ في جري الليل والنهار والساعات ﴿ إِلاَّ فِي كِتَابٍ ﴾ ، وذلك أن الله -  - كتب لكل نسمة عمرا تنتهى إليه، فإذا جرى عليها الليل والنهار نقص ذلك عمرها حتى يبلغ ذلك أجلها، فمن قُضي له أن يعمر حتى يدركه الكبر أو عمر دون ذلك، فهو بالغ ذلك الأجل الذي قضي له، وكان ذلك في كتاب ينتهون إليه.

﴿ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ ﴾ يقول قائل هذا: إن حفظ ذلك على الله بغير كتاب يسير هين.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ ﴾ ، أي: أن علم ما ذكر وتقديره من أول ما أنشأهم وتغيير أحوالهم إلى آخر ما يكونون وينتهون إليه - يسير، أي: لا يخفى عليه.

وقوله: ﴿ وَمَا يَسْتَوِي ٱلْبَحْرَانِ هَـٰذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَآئِغٌ شَرَابُهُ وَهَـٰذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ ﴾ .

فيه وجوه من المعتبر: أحدها: يذكر ألا يستوي في الحكمة الخبيث من الرجال والطيب منهم، كما لا يستوي المالح من الماء الأجاج والعذب منه والسائغ، وقد استوى الطيب من الرجال والخبيث في منافع الدنيا ومأكلاتها، وفي الحكمة التفريق بينهما والتمييز؛ دل هنالك داراً يميز بينهما ويفرق؛ إذ قد يستوي في منافع [الدنيا] وحطامها، وفي الحكمة التفريق والتمييز لا الجمع والاستواء، وذلك يدل على البعث.

والثاني: فيه أن المنشأ من الأشياء في هذه الدنيا والمخلوق فيها لم ينشئها لحاجة نفسه، ولكن لحوائج الخلق ومنافعهم وما يكون لهم العبرة في ذلك؛ إذ من أنشأ شيئاً لحاجة نفسه أنشأ ألذ الأشياء وأحلاها وأنفعها له لا مرّاً مالحاً أجاجاً ما لا ينتفع به، يخبر عن غناه عما أنشأه من الأشياء، ليعلم أنه لم ينشئها لحوائج نفسه، ولكن لما ذكرنا، وهو على المعتزلة في قولهم: إنه لم يخلق شيئاً لا ينتفع به، وأنه لا يفعل بهم إلا ما هو أصلح لهم في الدين؛ لأنه أنشأ ماء أجاجا مالحاً لا ينتفع به؛ ليكون لهم العبرة في ذلك.

والثالث: فيه ترغيب في إيمان الخبيث الكافر، ودفع الإياس عن توحيدهم، وقطع الرجاء عن عودهم إليه؛ حيث أخبر عما يأكلون من الماء المالح والأجاج والعذب السائغ جميعاً اللحم الطري مما حق مثله إذا ألقي فيه أو في مثله اللحم الطري أن يفسد من ساعته.

ويذكرهم أيضاً عن قدرته أن من قدر على حفظ ما ذكر من اللحم الطري في الماء الذي لا يقدر على الدنو منه والقرب؛ فضلا أن يكون فيه حفظ ما ذكر من الإفساد، فمن قدر على هذا لا يعجزه شيء ولا يخفى عليه شيء.

والرابع: يذكر نعمه التي أنعمها عليهم حيث قال: ﴿ وَمِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا ﴾ يذكر عظم نعمه وقدرته حيث جعل البحار مسخرة مذللة يقدرون على استخراج ما فيها من الحلي والجواهر، والوصول إلى المنافع التي هي وراء البحار، وقطعها بسفن أنشأها لهم، وأجراها في الماء الراكد الساكن برياح تعمل عمل جريان الماء، بل الأعجوبة في إجراء السفن بالرياح في المياه الراكدة الساكنة أعظم وأكثر من جريانها على جرية الماء؛ لأنها في الماء الجاري لا تجري إلا على الوجه الذي يجري الماء، وفي البحار تجري بريح واحدة من الأسفل إلى الأعلى ومن الأعلى إلى الأسفل حيث شاءوا؛ دل أن الأعجوبة في هذا أكثر وأعظم، ومن ملك هذا لا يعجزه شيء.

أو أن يكون المثل الذي ذكر في البحرين: أحدهما عذب ماؤه، والآخر أجاج ماؤه يكون للعمل الصالح وهو التوحيد، وللعمل السيئ وهو الكفر يقول: كما لا يستوي في الفضل الماء العذب والماء المالح؛ فعلى ذلك لا يستوي العمل الصالح والعمل السيئ.

وقوله: ﴿ وَتَرَى ٱلْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ ﴾ .

قال بعضهم: ﴿ مَوَاخِرَ ﴾ تجريان إحداهما مقبلة، والأخرى مدبرة بريح واحدة، وتستقبل إحداهما الأخرى.

وقال بعضهم: المواخر: هي التي تشق الماء، وتقطعه؛ من مخر يمخر، وقد ذكرناه فيما تقدم.

وقوله: ﴿ لِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ ﴾ .

هذا يدل أن ما يصاب بالأسباب والمكاسب إنما هو فضل الله؛ إذ قد تكتسب ولا يكون منه شيء، والله أعلم.

وقوله: ﴿ يُولِجُ ٱلْلَّيْلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلْلَّيْلِ وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّى ﴾ .

يذكر هذا لأهل مكة؛ لإنكارهم الصانع، وإنكارهم البعث، وإنكارهم الرسل؛ لأنهم كانوا فرقاً ثلاثة: منهم من ينكر الصانع والتوحيد، ومنهم من ينكر البعث، ومنهم من ينكر الرسل، ففي الآية دلالة إثبات الصانع وتوحيده، وفيها دلالة البعث والإنشاء بعد الموت، وفيها دلالة إثبات الرسالة: أما دلالة إثبات الصانع والوحدانية له: فاتساق الليل والنهار والشمس والقمر وما ذكر، وجريانهما وجريان الأمور كلها على سنن واحد وميزان واحد وقدر واحد، من أوّل ما كان إلى آخر ما يكون من غير زيادة أو نقصان يدخل فيه، أو تقديم أو تأخير يكون فيه، يدل على أن لذلك كله صانعاً مدبراً أنشأ ودبر كل شيء على ما كان وحفظه كله على ميزان واحد؛ إذ لو كان ذلك بنفسه لكان لا يجري على حد واحد، بل يتفاوت ويتفاضل، وكذلك لو كان فعل عدد، لكان يتقدم ويتأخر ويتغير ويمتنع ويذهب رأساً على ما يكون فعل العدد من الملوك: أن ما أراد [هذا إثباته أراد] الآخر نفيه ومنعه، وما أراد هذا نفيه وإبطاله أراد الآخر إثباته، وذلك معروف فيهم من مخالفة بعض بعضاً؛ فدل اتساق ما ذكرنا وجريانه على تدبير واحد: أنه فعل واحد وتدبير واحد لا عدد، وبالله القوة.

ودل ذهاب الليل وتلفه بكليته حتى لا يبقى له أثر، وكذلك ذهاب ضوء النهار ونوره، وكذلك الشمس والقمر وإتيان الآخر بعد تلفه أنه بعث؛ إذ لو لم يكن بعث كان تدبير ذلك كله وتقديره لعباً باطلا، وإن من قدر على هذا يقدر على الإحياء بعد الموت، وأنه لا يعجزه شيء.

فإن ثبت ما ذكرنا لا يحتمل أن يتركهم سدى لا يأمرهم ولا ينهاهم ولا يمتحنهم بأنواع المحن، فلابد من رسول يأمر وينهى ويخبر عما لهم وعليهم.

وفيه أن مدبر ذلك كله عليم حكيم، ثم يخبر أن الذي فعل ذلك كله هو ربكم الذي له الملك؛ يقول: الذي فعل هذا كله [الله] لا الأصنام التي عبدتم دونه، وسميتموها: آلهة، فكيف صرفتم العبادة إليها والألوهية، وما تعبدون من دونه لا يملكون ما ذكر؟!

حيث قال: ﴿ وَٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ ﴾ يسفه أحلامهم في عبادة من عبدوا دونه على علم منهم أنهم لا يملكون ما ذكر، وصرفهم العبادة عن الله على علم منهم: أن ذلك كله من الله، وهو المالك لذلك.

ثم يخبر عن عجز من عبدوه حيث إن تدعوهم على حقيقة الدعاء لا يسمعون دعاءكم حقيقة، ولو سمعوا ما استجابوا لكم، أي: لو سمعوا دعاءكم ما يملكون إجابتكم في دفع ضر وسوء ولا في جر نفع.

أو أن يكون قوله: ﴿ إِن تَدْعُوهُمْ ﴾ أي: تعبدوهم ﴿ لاَ يَسْمَعُواْ دُعَآءَكُمْ ﴾ ، أي: لا يجيبوكم إلى ما تقصدون بعبادتكم إياهم.

أو أن يقول: ما قبلوا ذلك عنكم ولا نفعوكم فيه، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَيَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِـكُمْ ﴾ ينكرون يوم القيامة أن يكونوا شركاءهم أو أمروهم بذلك؛ كقوله: ﴿ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ...

﴾ الآية [مريم: 82]، وقوله: ﴿ ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلاَئِكَةِ أَهَـٰؤُلاَءِ إِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ  قَالُواْ سُبْحَانَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِمْ  ﴾ ونحوه، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَلاَ يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾ ، أي: لا ينبئك أحد مثل الذي أنبأك الخبير في الصدق والحق.

أو أن يكون قوله: ﴿ وَلاَ يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾ أي: لا يكون نبأ أحد مثل نبأ الخبير، فاعمل به وأقبل عليه، ولا تقبل على نبأ غيره، والله أعلم.

وفي قوله: ﴿ يُولِجُ ٱلْلَّيْلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلْلَّيْلِ ﴾ وجهان من اللطف: أحدهما: يتلف حتى يذهب أثره ويأتي بالآخر.

أو يزيد في هذا وينقص من الآخر، ويدخل من ساعات هذا في ساعات الآخر.

وفيه نقض قول الثنوية في قولهم: إن منشئ الخير غير منشئ الشر، ويقولون: إن النور من منشئ الخير والظلمة من منشئ الشر، فلو كان ما ذكروا لكان إذا ذهب النور وجاءت الظلمة [كانت الظلمة] هي الغالبة والنور هو المغلوب في يدها؛ وكذلك النور إذا جاء وذهبت الظلمة صارت هي مقهورة مغلوبة في يد النور، والنور هو الغالب عليها، فإذا صار مغلوباً مقهرواً في يد صاحبه يجيء ألا يقدر على استنقاذ نفسه من يده أبداً، على ما يكون من عادة الأعداء إذا غلب بعضهم بعضاً وقهر بعضهم بعضاً أن يهلك ولا يتخلص منه، فإذ لم يكن، ولكن جاء كل منهما في وقته بعد ذهاب أثره على التقدير الذي ذكرنا؛ دل أنه فعل واحد وتدبير واحد لا تدبير عدد، وبالله الحول والقوة.

والقتبي يقول: القطمير: هو الفوفة التي يكون فيها النواة.

وأبو عوسجة يقول: هو القشرة الرقيقة التي تكون بين لحم التمرة وبين نواتها، واحدة وجمعه سواء.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

والله الذي بعث الرياح فتحرك هذه الرياح سحابًا، فسقنا السحاب إلى بلد لا نبات فيه، فأحيينا بمائه الأرض بعد جفافها بما أنبتناه فيها من النبات، فكما أحيينا هذه الأرض بعد موتها بما أودعناه فيها من النبات، يكون بعث الأموات يوم القيامة.

<div class="verse-tafsir" id="91.pmKOW"

مزيد من التفاسير لسورة فاطر

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 13 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 14.6 / 29.5
الإضاءة 100%
البدر بعد 0 يوم
الحمد لله