الآية ٦ من سورة يس

الإسلام > القرآن > سور > سورة 36 يس > الآية ٦ من سورة يس

لِتُنذِرَ قَوْمًۭا مَّآ أُنذِرَ ءَابَآؤُهُمْ فَهُمْ غَـٰفِلُونَ ٦

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 96 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٦ من سورة يس: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٦ من سورة يس عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله تعالى : ( لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم فهم غافلون ) يعني بهم العرب ; فإنه ما أتاهم من نذير من قبله .

وذكرهم وحدهم لا ينفي من عداهم [ كما زعمه بعض النصارى ] ، كما أن ذكر بعض الأفراد لا ينفي العموم .

وقد تقدم ذكر الآيات والأحاديث المتواترة في عموم بعثته ، صلوات الله وسلامه عليه ، عند قوله تعالى : ( قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا ) [ الأعراف : 158 ] .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ (6) اختلف أهل التأويل في تأويل قوله ( لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ ) فقال بعضهم: معناه: لتنذر قومًا بما أنذر الله من قبلهم من آبائهم.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن سماك، عن عكرمة في هذه الآية (لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ ) قال: قد أنذروا .

وقال آخرون: بل معنى ذلك لتنذر قومًا ما أنذر آباؤهم (1) .

* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ ) قال بعضهم: لتنذر قومًا ما أنذر آباؤهم من إنذار الناس قبلهم.

وقال بعضهم: لتنذر قومًا ما أنذر آباؤهم أي: هذه الأمة لم يأتهم نذير، حتى جاءهم محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم .

واختلف أهل العربية في معنى " ما " التي في قوله ( مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ ) إذا وجِّهَ معنى الكلام إلى أن آباءهم قد كانوا أنذروا، ولم يُرد بها الجحد ؛ فقال بعض نحويي البصرة: معنى ذلك: إذا أريد به غير الجحد لتنذرهم الذي أُنذِر آباؤهم ( فَهُمْ غَافِلُونَ ) وقال: فدخول الفاء في هذا المعنى لا يجوز، والله أعلم.

قال: وهو على الجحد أحسن، فيكون معنى الكلام: إنك لمن المرسلين إلى قوم لم ينذر آباؤهم، لأنهم كانوا في الفترة.

وقال بعض نحويي الكوفة: إذا لم يُرد بما الجحد، فإن معنى الكلام: لتنذرهم بما أنذر آباؤهم، فتلقى الباء، فتكون " ما " في موضع نصب ( فَهُمْ غَافِلُونَ ) يقول: فهم غافلون عما الله فاعل: بأعدائه المشركين به، من إحلال نقمته، وسطوته بهم.

------------------------ الهوامش: (1) أي لم ينذر آباؤهم

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم فهم غافلون لقد حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا فهي إلى الأذقان فهم مقمحون .قوله تعالى : لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم " ما " لا موضع لها من الإعراب عند أكثر أهل التفسير ، منهم قتادة ، لأنها نفي ، والمعنى : لتنذر قوما ما أتى آباءهم قبلك نذير .

وقيل : هي بمعنى الذي ، فالمعنى : لتنذرهم مثل ما أنذر آباؤهم ، قاله ابن عباس وعكرمة وقتادة أيضا .

وقيل : إن " ما " والفعل مصدر ، أي لتنذر قوما إنذار آبائهم .

ثم يجوز أن تكون العرب قد بلغتهم بالتواتر أخبار الأنبياء ، فالمعنى لم ينذروا برسول من أنفسهم .

ويجوز أن يكون بلغهم الخبر ولكن غفلوا وأعرضوا ونسوا .

ويجوز أن يكون هذا خطابا لقوم لم يبلغهم خبر نبي ، وقد قال الله : وما آتيناهم من كتب يدرسونها وما أرسلنا إليهم قبلك من نذير وقال : لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك لعلهم يهتدون أي : لم يأتهم نبي .

وعلى قول من قال بلغهم [ ص: 9 ] خبر الأنبياء ، فالمعنى فهم معرضون الآن متغافلون عن ذلك ، ويقال للمعرض عن الشيء إنه غافل عنه .

وقيل : فهم غافلون عن عقاب الله .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

فلما أقسم تعالى على رسالته وأقام الأدلة عليها، ذكر شدة الحاجة إليها واقتضاء الضرورة لها فقال: { لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ } وهم العرب الأميون، الذين لم يزالوا خالين من الكتب، عادمين الرسل، قد عمتهم الجهالة، وغمرتهم الضلالة، وأضحكوا عليهم وعلى سفههم عقول العالمين، فأرسل اللّه إليهم رسولا من أنفسهم، يزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة، وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين، فينذر العرب الأميين، ومن لحق بهم من كل أمي، ويذكر أهل الكتب بما عندهم من الكتب، فنعمة اللّه به على العرب خصوصا، وعلى غيرهم عموما.

ولكن هؤلاء الذين بعثت فيهم لإنذارهم بعدما أنذرتهم، انقسموا قسمين: قسم رد لما جئت به، ولم يقبل النذارة، وهم الذين قال اللّه فيهم { لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ }

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم ) قيل : " ما " للنفي أي : لم ينذر آباؤهم ؛ لأن قريشا لم يأتهم نبي قبل محمد - صلى الله عليه وسلم - وقيل : " ما " بمعنى الذي أي : لتنذر قوما بالذي أنذر آباؤهم ، ( فهم غافلون ) عن الإيمان والرشد .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«لتنذرَ» به «قوما» متعلق بتنزيل «ما أنذر آباؤهم» أي لم ينذروا في زمن الفترة «فهم» أي القوم «غافلون» عن الإيمان والرشد.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

أنزلناه عليك -أيها الرسول- لتحذر به قومًا لم يُنْذَرْ آباؤهم من قبلك، وهم العرب، فهؤلاء القوم ساهون عن الإيمان والاستقامة على العمل الصالح.

وكل أمة ينقطع عنها الإنذار تقع في الغفلة، وفي هذا دليل على وجوب الدعوة والتذكير على العلماء بالله وشرعه؛ لإيقاظ المسلمين من غفلتهم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - الحكمة من إرساله لنبيه صلى الله عليه وسلم - فقال : ( لِتُنذِرَ قَوْماً مَّآ أُنذِرَ آبَآؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ ) .واللام فى قوله : ( لِتُنذِرَ ) متعلقة بفعل مضمر يدل عليه قوله : ( إِنَّكَ لَمِنَ المرسلين ) .والإنذار : إخبار معه تخويف فى مدة تتسع للتحفظ من الخوف ، فإن لم تتسع له فهو إعلام وإشعار لا إنذار .

وأكثر ما يستعمل فى القرآن فى التخويف من عذاب الله - تعالى - .والمراد بالقوم : كفار مكة الذين بعث النبى صلى الله عليه وسلم لإنذارهم ، وهذا لا يمنع أن رسالته عامة إلى الناس جميعا ، كما قال - تعالى - : ( قُلْ ياأيها الناس إِنِّي رَسُولُ الله إِلَيْكُمْ جَمِيعاً .

.

.

) و ( ما ) نافية ، والمراد بآبائهم : آباؤهم الأقربون ، لأن آباءهم الأبعدون قد أرسل الله - تعالى - إليهم إسماعيل - عليه السلام - .أى : أرسلناك - يا محمد - بهذه الرسالة من لدنا ، لتنذر قوما ، وهم قريش المعاصرون لك ، ولم يسبق لهم أو لآبائهم أن جاءهم نذير منا يحذرهم من سوء عاقبة الإِشراك بالله - تعالى - فهم لذلك غافلون عما يجب عليهم نحو خالقهم من إخلاص العبادة له ، وطاعته فى السر والعلن .قال ابن كثير : قوله ( لِتُنذِرَ قَوْماً مَّآ أُنذِرَ آبَآؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ ) يعنى بهم العرب ، فإنه ما أتاهم من نذير من قبله .

وذكرهم وحدهم لا ينفى من عداهم ، كما أن ذكر بعض الأفراد لا ينفى العموم ، الذى وردت به الآيات والأحاديث المتواترة .

.

.وقال الجمل ما ملخصه : قوله ( لِتُنذِرَ قَوْماً .

.

.

) أى العرب وغيرهم وقوله ( مَّآ أُنذِرَ آبَآؤُهُمْ ) أى الأقربون ، إلا فآباؤهم الأبعدون قد أنذروا فآباء العرب الأقدمون أنذورا بإسماعيل ، وآباء غيرهم أنذروا بعيسى ..

و " ما " نافية ، لأن قريشا لم يبعث إليهم نبى قبل نبينا صلى الله عليه وسلم فالجملة صفة لقوله ( قوما ) أى : قوما لم تنذروا .

وقوله ( فَهُمْ غَافِلُونَ ) مرتب على الإِنذار .

.

.

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وقوله تعالى: ﴿ لِتُنذِرَ قَوْماً مَّا أُنذِرَ ءابَاؤُهُمْ فَهُمْ غافلون ﴾ .

قد تقدم تفسيره في قوله: ﴿ لِتُنذِرَ قَوْماً مَّا أتاهم مّن نَّذِيرٍ مّن قَبْلِكَ  ﴾ وقيل المراد الإثبات وهو على وجهين: أحدهما: لتنذر قوماً ما أنذر آباؤهم، فتكون ما مصدرية الثاني: أن تكون موصولة معناه: لتنذر قوماً الذين أنذر آباؤهم فهم غافلون، فعلى قولنا ما نافية تفسيره ظاهر فإن من لم ينذر آباؤه وبعد الإنذار عنه فهو يكون غافلاً، وعلى قولنا هي للإثبات كذلك لأن معناه لتنذرهم إنذار آبائهم فإنهم غافلون، وفيه مسائل: المسألة الأولى: كيف يفهم التفسيران وأحدهما يقتضي أن لا يكون آباؤهم منذرين والآخر يقتضي أن يكونوا منذرين وبينهما تضاد؟

نقول على قولنا ما نافية معناه ما أنذر آباؤهم وإنذار آبائهم الأولين لا ينافي أن يكون المتقدمون من آبائهم منذرين والمتأخرون منهم غير منذرين.

المسألة الثانية: قوله: ﴿ لِتُنذِرَ قَوْماً مَّا أُنذِرَ ءَابَاؤُهُمْ ﴾ يقتضي أن لا يكون النبي صلى الله عليه وسلم مأموراً بإنذار اليهود لأن آباءَهم أنذروا، نقول ليس كذلك، أما على قولنا ما للإثبات لا للنفي فظاهر، وأما على قولنا هي نافية فكذلك، وقد بينا ذلك في قوله تعالى: ﴿ بَلْ هُوَ الحق مِن رَّبّكَ لِتُنذِرَ قَوْماً مَّا أتاهم مّن نَّذِيرٍ مّن قَبْلِكَ  ﴾ وقلنا إن المراد أن آباءهم قد أنذروا بعد ضلالهم وبعد إرسال من تقدم فإن الله إذا أرسل رسولاً فما دام في القوم من يبين دين ذلك النبي ويأمر به لا يرسل الرسول في أكثر الأمر، فإذا لم يبق فيهم من يبين ويضل الكل ويتباعد العهد ويفشو الكفر يبعث رسولاً آخر مقرراً لدين من كان قبله أو واضعاً لشرع آخر، فمعنى قوله تعالى: ﴿ لِتُنذِرَ قَوْماً مَّا أُنذِرَ ءَابَاؤُهُمْ ﴾ أي ما أنذروا بعد ما ضلوا عن طريق الرسول المتقدم واليهود والنصارى دخلوا فيه لأنهم لم تنذر آباؤهم الأدنون بعد ما ضلوا، فهذا دليل على كون النبي صلى الله عليه وسلم مبعوثاً بالحق إلى الخلق كافة.

المسألة الثالثة: قوله: ﴿ فَهُمْ غافلون ﴾ دليل على أن البعثة لا تكون إلا عند الغفلة، أما إن حصل لهم العلم بما أنزل الله بأن يكون منهم من يبلغهم شريعة ويخالفونه فحق عليهم الهلاك ولا يكون ذلك تعذيباً من قبل أن يبعث الله رسولاً، وكذلك من خالف الأمور التي لا تفتقر إلى بيان الرسل يستحق الإهلاك من غير بعثة، وليس هذا قولاً بمذهب المعتزلة من التحسين والتقبيح العقلي بل معناه أن الله تعالى لو خلق في قوم علماً بوجوب الأشياء وتركوه لا يكونون غافلين فلا يتوقف تعذيبهم على بعثة الرسل.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ يس والقرآن الحكيم إنك لمن المرسلين على صراط مستقيم تنزيل العزيز الرحيم لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم فهم غافلون لقد حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون ﴾ قرئ: ﴿ يس ﴾ بالفتح كأين وكيف.

أو بالنصب على: اتل يس وبالكسر على الأصل كجير وبالرفع على هذه يس أو بالضم كحيث.

وفخمت الألف وأميلت.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما: معناه يا إنسان في لغة طيئ والله أعلم بصحته وإن صح فوجهه أن يكون أصله يا أنيسين فكثر النداء به على ألسنتهم حتى اقتصروا على شطره كما قالوا في القسم: م الله في أيمن الله ﴿ الحكيم ﴾ ذي الحكمة.

أو لأنه دليل ناطق بالحكمة كالحي.

أو لأنه كلام حكيم فوصف بصفة المتكلم به ﴿ على صراط مستقيم ﴾ خبر بعد خبر أو صلة للمرسلين.

فإن قلت: أي حاجة إليه خبرا كان أو صلة وقد علم المرسلين لا يكونون إلا على صراط مستقيم؟

قلت: ليس الغرض بذكره ما ذهبت إليه من تمييز من أرسل على صراط مستقيم عن غيره ممن ليس على صفته وإنما الغرض وصفه ووصف ما جاء به من الشريعة فجمع بين الوصفين في نظام واحد كأنه قال: إنك لمن المرسلين الثابتين على طريق ثابت وأيضا فإن التنكير فيه دل على أنه أرسل من بين الصرط المستقيمة لا يكتنه وصفه وقرئ: ﴿ تنزيل العزيز الرحيم ﴾ بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف وبالنصب على أعني وبالجر على البدل من القرآن ﴿ قوما ما أنذر آباؤهم ﴾ قوما غير منذر آباؤهم على الوصف ونحوه قوله تعالى: ﴿ لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك ﴾ [القصص: 46] ، ﴿ وما أرسلنا إليهم قبلك من نذير ﴾ [سبأ: 44] ، وقد فسر ﴿ مآ أنذر أباؤهم ﴾ على إثبات الإنذار.

ووجه ذلك أن تجعل ما مصدرية لتنذر قوما إنذار آبائهم أو موصولة منصوبة على المفعول الثاني لتنذر قوما ما أنذره آباؤهم من العذاب كقوله تعالى: ﴿ إنا أنذرناكم عذابا قريبا ﴾ [النبأ: 40] ، فإن قلت: أي فرق بين تعلقي قوله: ﴿ فهم غفلون ﴾ على التفسيرين؟

قلت: هو على الأول متعلق بالنفي أي: لم ينفروا فهم غافلون على أن عدم إنذارهم هو سبب غفلتهم على الثاني بقوله: ﴿ إنك لمن المرسلين ﴾ لتنذر كما تقول: أرسلتك إلى فلان لتنذره فإنه غافل.

أو فهو غافل.

فإن قلت: كيف يكونون منذرين غير منذرين لمناقضة هذا ما في الآي الأخر؟

قلت: لا مناقضة: لأن الآي في نفي إنذارهم لا في نفي إنذار آبائهم وآباؤهم القدماء من ولد إسماعيل وكانت النذارة فيهم.

فإن قلت: في أحد التفسيرين أن آباءهم لم ينذروا وهو الظاهر فما تصنع به.

قلت: أريد آباؤهم الأدنون دون الأباعد ﴿ لقد حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون ﴾ ﴿ القول ﴾ قوله تعالى: ﴿ لأملئن جهنم من الجنة والناس أجمعين ﴾ [السجدة: 13] ، يعني تعلق بهم هذا القول وثبت عليهم ووجب لأنهم ممن علم أنهم يموتون على الكفر.

﴿ إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا فهي إلى الأذقان فهم مقمحون وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون ﴾ ثم مثل تصميمهم على الكفر وأنه لا سبيل إلى ارعوائهم بأن جعلهم كالمغلولين المقمحين: في أنهم لا يلتفتون إلى الحق ولا يعطفون أعناقهم نحوه ولا يطأطئون رؤوسهم له وكالحاصلين بين سدين لا يبصرون ما قدامهم ولا ما خلفهم في أن لا تأمل لهم ولا تبصر وأنهم متعامون عن النظر في آيات الله.

فإن قلت: ما معنى قوله: ﴿ فهى إلى الأذقان ﴾ ؟

قلت: معناه: فالأغلال واصلة إلى الأذقان ملزوزة إليها وذلك أن طوق الغل الذي في عنق المغلول يكون ملتقى طرفيه تحت الذقن حلقة فيها رأس العمود نادرا من الحلقة إلى الذقن.

فلا تخليه يطأطئ رأسه ويوطئ قذاله فلا يزال مقمحا.

والمقمح: الذي يرفع رأسه ويغض بصره.

يقال: قمح البعير فهو قامح: إذا روي فرفع رأسه ومنه شهرا قماح لأن الإبل ترفع رؤوسها عن الماء لبرده فيهما وهما الكانونان.

ومنه: اقتمحت السويق.

فإن قلت: فما قولك فيمن جعل الضمير للأيدي وزعم أن الغل لما كان جامعا لليد والعنق- وبذلك يسمى جامعة- كان ذكر الأعناق دالا على ذكر الأيدي؟

قلت: الوجه ما ذكرت لك والدليل عليه قوله: ﴿ فهم مقمحون ﴾ ألا ترى كيف جعل الإقماح نتيجة قوله: ﴿ فهى إلى الأذقان ﴾ ولو كان الضمير للأيدي لم يكن معنى التسبب في الإقماح ظاهرا على أن هذا الإضمار فيه ضرب من التعسف وترك الظاهر الذي يدعوه المعنى إلى نفسه إلى الباطن الذي يجفو عنه ترك للحق الأبلج إلى الباطل اللجلج.

فإن قلت: فقد قرأ ابن عباس رضي الله عنهما: ﴿ في أيديهم ﴾ وابن مسعود: ﴿ في أيمانهم ﴾ فهل تجوز على هاتين القراءتين أن يجعل الضمير للأيدي أو للأيمان؟

قلت: يأبى ذلك وإن ذهب الإضمار المتعسف ظهور كون الضمير للأغلال وسداد المعنى عليه كما ذكرت.

وقرئ: ﴿ سدا ﴾ بالفتح والضم.

وقيل: ما كان من عمل الناس فبالفتح وما كان من خلق الله فالبضم ﴿ فأغشيناهم ﴾ فأغشينا أبصارهم أي: غطيناها وجعلنا عليها غشاوة عن أن تطمح إلى مرئي وعن مجاهد: فأغشيناهم: فألبسنا أبصارهم غشاوة.

وقرئ: بالعين من العشا.

وقيل: نزلت في بني مخزوم وذلك: أن أبا جهل حلف لئن رأى محمدا يصلي ليرضخن رأسه فأتاه وهو يصلي ومعه حجر ليدمغه به فلما رفع يده أثبتت إلى عنقه ولزق الحجر بيده حتى فكوه عنها بجهد فرجع إلى قومه فأخبرهم فقال مخزومي اخر: أنا أقتله بهذا الحجر فذهب فأعمى الله عينيه.

﴿ وسواء عليهم ءأنذرتهم أم لم تنذرهم لايؤمنون غنما تنذر من اتبع الذكر وخشى الرحمن بالغيب فبشره بمغفرة وأجر كريم ﴾ فإن قلت: قد ذكر ما دل على انتفاء إيمانهم مع ثبوت الإنذار ثم قفاه بقوله: ﴿ إنما تنذر ﴾ وإنما كانت تصح هذه التقفية لو كان الإنذار منفيا.

قلت: هو كما قلت ولكن لما كان ذلك نفيا للإيمان مع وجود الإنذار وكان معناه أن البغية المرومة بالإنذار غير حاصلة وهي الإيمان قفي بقوله: ﴿ إنما تنذر ﴾ على معنى: إنما تحصل البغية بإنذارك من غير هؤلاء المنذرين وهم المتبعون للذكر: وهو القرآن أو الوعظ الخاشون ربهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ تَنْزِيلَ العَزِيزِ الرَّحِيمِ ﴾ خَبَرُ مَحْذُوفٍ والمَصْدَرُ بِمَعْنى المَفْعُولِ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ بِالنَّصْبِ بِإضْمارِ أعْنِي أوْ فِعْلِهِ عَلى أنَّهُ عَلى أصْلِهِ، وقُرِئَ بِالجَرِّ عَلى البَدَلِ مِنَ القُرْآنِ.

﴿ لِتُنْذِرَ قَوْمًا ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ ( تَنْزِيلَ ) أوْ بِمَعْنى ( لَمِنَ المُرْسَلِينَ ) .

﴿ ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ ﴾ قَوْمًا غَيْرَ مُنْذَرٍ آباؤُهم يَعْنِي آباءَهُمُ الأقْرَبِينَ لِتَطاوُلِ مُدَّةِ الفَتْرَةِ، فَيَكُونُ صِفَةً مُبَيِّنَةً لِشِدَّةِ حاجَتِهِمْ إلى إرْسالِهِ، أوِ الَّذِي أنْذَرَ بِهِ أوْ شَيْئًا أُنْذِرَ بِهِ آباؤُهُمُ الأبْعَدُونَ، فَيَكُونُ مَفْعُولًا ثانِيًا ( لِتُنْذِرَ )، أوْ إنْذارَ آبائِهِمْ عَلى المَصْدَرِ.

﴿ فَهم غافِلُونَ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِالنَّفْيِ عَلى الأوَّلِ أيْ لَمْ يُنْذَرُوا فَبَقُوا غافِلِينَ، أوْ بِقَوْلِهِ ﴿ إنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ ﴾ عَلى الوُجُوهِ الأُخْرى أيْ أرْسَلْناكَ إلَيْهِمْ لِتُنْذِرَهم فَإنَّهم غافِلُونَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

واللام في {لِتُنذِرَ قَوْماً} متصل بمعنى المرسلين أى أرسلت لتنذر قوما ما {ما أنذر آباؤهم} ما نافية عند الجمهور أي قوماً غير منذر آباؤهم بدليل قوله لِتُنذِرَ قَوْماً مَّا أتاهم مّن نذير من قبلك وما أرسلنا إليهم قبلك من نذير أو موصولة منصوبة على المفعول الثاني أي العذاب الذي أنذره آباؤهم كقوله إِنَّا أنذرناكم عذابا قريبا أو مصدرية أي لتنذر قوماً إنذار آبائهم أي مثل إنذار آبائهم {فَهُمْ غافلون} إن جعلت ما نافية فهو متعلق بالنفي أي لم ينذروا فهم غافلون وإلا فهو متعلق بقوله إِنَّكَ لَمِنَ المرسلين لّتُنذِرَ كما تقول أرسلتك إلى فلان لتنذره فإنه غافل أو فهو غافل

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ لِتُنْذِرَ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِتَنْزِيلٍ أوْ بِفِعْلِهِ المُضْمَرِ عَلى الوَجْهِ الثّانِي في إعْرابِهِ أيْ نُزِّلَ تَنْزِيلَ العَزِيزِ الرَّحِيمِ لِتُنْذِرَ بِهِ أوْ بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿ لَمِنَ المُرْسَلِينَ ﴾ أيْ أُرْسِلْتَ أوْ إنَّكَ مُرْسَلٌ لِتُنْذِرَ ﴿ قَوْمًا ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ ﴾ أيْ لَمْ تُنْذَرْ آباؤُهم عَلى ما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ فَما نافِيَةٌ والجُمْلَةُ صِفَةُ ﴿ قَوْمًا ﴾ مُبَيِّنَةٌ لِغايَةِ اِحْتِياجِهِمْ إلى الإنْذارِ، والمُرادُ بِالإنْذارِ الإعْلامُ أوِ التَّخْوِيفُ ومَفْعُولُهُ الثّانِي مَحْذُوفٌ أيْ عَذابًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنّا أنْذَرْناكم عَذابًا قَرِيبًا  ﴾ والمُرادُ بِآبائِهِمْ آباؤُهُمُ الأدْنَوْنَ وإلّا فالأبْعَدُونَ قَدْ أنْذَرَهم إسْماعِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ وبَلَّغَهم شَرِيعَةَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ.

وقَدْ كانَ مِنهم مَن تَمَسَّكَ بِشَرْعِهِ عَلى أتَمِّ وجْهٍ ثُمَّ تَراخى الأمْرُ وتَطاوَلَ المُدَدُ، فَلَمْ يَبْقَ مِن شَرِيعَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ إلّا الِاسْمُ، وفي البَحْرِ الدُّعاءُ إلى اللَّهِ تَعالى لَمْ يَنْقَطِعْ عَنْ كُلِّ أُمَّةٍ إمّا بِمُباشَرَةٍ مِن أنْبِيائِهِمْ وإمّا بِنَقْلٍ إلى وقْتِ بَعْثَةِ نَبِيِّنا  ، والآياتُ الَّتِي تَدُلُّ عَلى أنَّ قُرَيْشًا ما جاءَهم نَذِيرٌ مَعْناها لَمْ يُباشِرْهم ولا آباءَهُمُ القَرِيبِينَ.

وأمّا أنَّ النِّذارَةَ اِنْقَطَعَتْ فَلا، ولَمّا شُرِعَتْ آثارُها نَدْرُسُ بَعْثَ النَّبِيِّ  وما ذَكَرَهُ المُتَكَلِّمُونَ مِن حالِ أهْلِ الفَتَراتِ فَهو عَلى حَسَبِ الفَرْضِ اه.

وعَلَيْهِ فالمَعْنى ما أنْذَرَ آباءَهم رَسُولٌ، أيْ لَمْ يُباشِرْهم بِالإنْذارِ لا أنَّهُ لَمْ يُنْذِرْهم مُنْذِرٌ أصْلًا، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَدْ أنْذَرَهم مَن لَيْسَ بِنَبِيٍّ كَزَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ وقَسِّ بْنِ ساعِدَةَ، فَلا مُنافاةَ بَيْنَ ما هُنا وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وإنْ مِن أُمَّةٍ إلا خَلا فِيها نَذِيرٌ  ﴾ ولَيْسَ في ذَلِكَ إنْكارُ الفَتْرَةِ المَذْكُورَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ  ﴾ لِأنَّها فَتْرَةُ إرْسالٍ وانْقِطاعُها زَمانًا لا فَتْرَةَ إنْذارٍ مُطْلَقًا.

وعَنْ عِكْرِمَةَ ما بِمَعْنى الَّذِي، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ مَوْصُوفَةً وهي عَلى الوَجْهَيْنِ مَفْعُولٌ ثانٍ لِ (تُنْذِرَ) أيْ لِتُنْذَرَ قَوْمًا الَّذِي أنْذَرَهُ أوْ شَيْئًا أنْذَرَهُ الرُّسُلُ آباءَهُمُ الأبْعَدِينَ، وقالَ اِبْنُ عَطِيَّةَ: يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ ما مَصْدَرِيَّةً فَتَكُونُ نَعْتًا لِمَصْدَرٍ مُؤَكِّدٍ أيْ لِتُنْذِرَ قَوْمًا إنْذارًا مِثْلَ إنْذارِ الرُّسُلِ آباءَهُمُ الأبْعَدِينَ، وقِيلَ هي زائِدَةٌ ولَيْسَ بِشَيْءٍ.

﴿ فَهم غافِلُونَ ﴾ هو عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ مُتَفَرِّعٌ عَلى نَفْيِ الإنْذارِ ومُتَسَبِّبٌ عَنْهُ والضَّمِيرُ لِلْفَرِيقَيْنِ أيْ لَمْ يُنْذَرْ آباؤُهم فَهم جَمِيعًا لِأجْلِ ذَلِكَ غافِلُونَ، وعَلى الأوْجُهِ الباقِيَةِ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لِتُنْذِرَ ﴾ أوْ بِما يُفِيدُهُ ﴿ إنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ ﴾ وارِدٌ لِتَعْلِيلِ إنْذارِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أوْ إرْسالِهِ بِغَفْلَتِهِمُ المَحُوجَةِ إلَيْهِ نَحْوَ اِسْقِهِ فَإنَّهُ عَطْشانُ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِلْقَوْمِ خاصَّةً، فالمَعْنى فَهم غافِلُونَ عَنْهُ أيْ عَمّا أُنْذِرَ آباؤُهم.

وقالَ الخَفاجِيُّ: يَجُوزُ تَعَلُّقُهُ بِهَذا عَلى الأوَّلِ أيْضًا وتَعَلُّقُهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لِتُنْذِرَ ﴾ عَلى الوُجُوهِ، وجَعْلُ الفاءِ تَعْلِيلِيَّةً والضَّمِيرُ لَهم أوْ لِآبائِهِمُ اه، ولا يَخْفى عَلَيْكَ أنَّ المُنْساقَ إلى الذِّهْنِ ما قُرِّرَ أوَّلًا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قوله تعالى: لِتُنْذِرَ يعني: لتخوف بالقرآن قَوْماً ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ يعني: كما أنذر آباؤهم الأولون فَهُمْ غافِلُونَ عن ذلك يعني: عما أنذر آباؤهم.

ثم قال عز وجل: لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ أي: وجب القول بالعذاب عَلى أَكْثَرِهِمْ أي: على الكفار.

ويقال: لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ وهو قوله: لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ [الأعراف: 18 وغيرها] ويقال: الْقَوْلُ كناية عن العذاب أي: وجب عليهم العذاب فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ يعني: لا يصدقون بالقرآن إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا قال مقاتل: نزلت في بني مخزوم، وذلك أن أبا جهل حلف لئن رأى النبيّ  ليدفعنه بحجر، فأتاه وهو يصلي، فرفع الحجر ليدمغه، فيبست يده إلى عنقه، والتزق الحجر بيده، ورجع إلى أصحابه، فخلصوا الحجر من يده.

ورجل آخر من بني المغيرة، أتاه ليقتله، فطمس الله على بصره، فلم يرَ النبي  ، وسمع قوله، فرجع إلى أصحابه، فلم يرهم حتى نادوه، فذلك قوله تعالى: إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا وذكر في رواية الكلبي نحو هذا، وقال بعضهم: إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا أي: نجعل في أعناقهم أغلالاً يوم القيامة.

ويقال: معناه إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا أي: جعلنا أيديهم ممسكة عن الخيرات، مجازاة لكفرهم.

وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا أي: حائلاً لا يهتدون إلى الإسلام، ولا يبصرون الهدى، وقال بعضهم: إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا يعني: أيديهم.

ولم يذكر في الآية اليد، وفيها دليل، لأن الغل لا يكون إلا باليد إلى العنق.

فلما ذكر العنق فكأنما ذكر اليد.

وروي عن ابن عباس، وابن مسعود، أنهما قرءا: إنا جعلنا في أيمانهم أغلالا.

وقرأ بعضهم فِي أَيْدِيهِمْ.

وكل ذلك يرجع إلى معنى واحد.

لأنه لا يجوز أن يكون الغل بأحدهما دون الآخر كقوله: سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ [النحل: 81] ولم يذكر البرد لأن في الكلام دليلاً عليه.

ثم قال: فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ أي: رددنا أيديهم إلى أعناقهم إِلَى الْأَذْقانِ أي: الحنك الأيسر فَهُمْ مُقْمَحُونَ أي: رافعو الرأس إلى السماء، غاضّو الطرف لا يبصر موضع قدميه.

وقال قتادة: أي مغلولين من كل خير.

ثم قال عز وجل: وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا أي: ظلمة وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا أي: ظلمة فَأَغْشَيْناهُمْ بالظلمة فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ وَسَواءٌ عَلَيْهِمْ الآية.

يعني: خوفتهم، اللفظ لفظ الاستفهام، والمراد به التوبيخ وَسَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ يعني: خوفتهم أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ يعني: أم لم تخوفهم لا يصدقون.

إنما نزلت الآية في شأن الذين ماتوا على كفرهم، أو قتلوا على كفرهم.

قرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص سَدًّا بنصب السين في كلاهما.

وقرأ الباقون: بالضم.

وقال أبو عبيدة: قراءتنا بالضم لأنهما من فعل الله تعالى، وليس من فعل بني آدم.

وقال القتبي: المقمح الذي يرفع رأسه، ويغض بصره.

يقال: بعير قامح إذا روي من الماء فقمحت عيناه.

وقال: والسد الجبل فَأَغْشَيْناهُمْ يعني: أعمينا أبصارهم عن الهدى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ فقال عِكْرِمَةُ: «ما» بمعنى: الذي «١» ، والتقدير: الشيءُ الذي أُنذِر آباؤهم من النارِ/ والعذابِ، ويحتملُ أن تكون «ما» مصدريةً على هذا القول، ويكونُ الآباءُ هُمُ الأَقْدَمُونَ على مر الدهرِ.

وقوله: فَهُمْ مع هذا التأويل بمعنى: فإِنّهم، دخلتِ الفاءُ لِقَطْع الجملة من الجملة، وقال قتادةُ: «ما» نافيةٌ «٢» ، فالآباءُ عَلى هَذا هم الأقْرَبُونَ مِنْهُمْ، وهذه الآيةُ كقوله تعالى: وَما أَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ [سبأ: ٤٤] وهذه النِّذَارةُ المنفيةُ: هي نذارة المبَاشَرَة، كما قدَّمَنا، وحَقَّ الْقَوْلُ معناه: وَجَبَ العذابُ وسبَقَ القضَاءُ بهِ، وهذا فيِمَنْ لم يؤمنْ من قريشٍ كَمَنْ قتل ببدر، وغيرهم.

وقوله تعالى: إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا ...

الآية.

قال مكي: قيل: هي حقيقةٌ في الآخِرَة إذا دخلوا النار «٣» .

وقال ابن عباس وغيره: الآيةُ استعارةٌ لِحالِ الكَفَرَةِ الذين أرادوا النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بسوءٍ، فجعلَ اللَّهُ هذهِ مثَلاً لَهُمْ في كَفِّهِ إِيَّاهُمْ عَنْهُ ومَنْعِهم مِنْ إذَايَتِهِ حينَ بَيَّتُوهُ «٤» .

وقالتْ فرقة: الآيةُ مُسْتَعَارَةُ المعانِي مِنْ مَنْعِ اللَّه تعالى إيَّاهم مِنَ الإيمَانِ، وَحَوْلِه بَيْنَهم وبَيْنَه، وهذا أرجح الأقوال، و «الغُلُّ» : ما أحاط بالعُنق على معنى التَّثْقِيفِ والتَّضْيِيقِ والتَّعْذِيبِ.

وقوله: فَهِيَ يحتملُ أنْ تَعُودَ على الأغلالِ، أي: هي عريضة تبلَغُ بحرفِها الأذقَانَ، والذَّقَنُ: مُجْتَمَعُ اللَّحْيَيْنِ، فَيَضْطَرُّ المغلولُ إلى رفع وجههِ نحو السماء، وذلك هو الإقْمَاحُ، وهو نحو الإقناع في الهيئة.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

سُورَةُ يَس وَفِيها قَوْلانِ أحَدُهُما: أنَّها مَكِّيَّةٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ، والجُمْهُورُ.

ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ أنَّهُما قالا: إنَّها مَكِّيَّةٌ إلّا آَيَةً مِنها، وهي قَوْلُهُ ﴿ وَإذا قِيلَ لَهم أنْفِقُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ  ﴾ .

والثّانِي: أنَّها مَدَنِيَّةٌ، حَكاهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ، وقالَ: لَيْسَ بِالمَشْهُورِ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ يس ﴾ خَمْسَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ مَعْناها: يا إنْسانُ، بِالحَبَشِيَّةِ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةُ، ومُقاتِلٌ.

والثّانِي: أنَّها قَسَمٌ أقْسَمَ اللَّهُ بِهِ، وهو مِن أسْمائِهِ، رَواهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّ مَعْناها: يا مُحَمَّدُ، قالَهُ ابْنُ الحَنَفِيَّةِ، والضَّحّاكُ.

والرّابِعُ: أنَّ مَعْناها: يا رَجُلُ، قالَهُ الحَسَنُ.

والخامِسُ: اسْمٌ مِن أسْماءِ القُرْآَنِ، قالَهُ قَتادَةُ.

وَقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو الجَوْزاءِ: "يَسِنِ" بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ النُّونِ.

وقَرَأ أبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو رَجاءٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِفَتْحِ الياءِ والنُّونِ جَمِيعًا.

وقَرَأ أبُو حَصِينٍ الأسَدِيُّ: بِكَسْرِ الياءِ وإظْهارِ النُّونِ.

قالَ الزَّجّاجُ: والَّذِي عِنْدَ أهْلِ العَرَبِيَّةِ أنَّ هَذا بِمَنزِلَةِ افْتِتاحِ السُّوَرِ، وبَعْضُ العَرَبِ يَقُولُ: "يَسِنُ والقُرْآَنُ" بِفَتْحِ النُّونِ، وهَذا جائِزٌ في العَرَبِيَّةِ لِوَجْهَيْنِ.

أحَدُهُما: أنْ "يَس" اسْمٌ لِلسُّورَةِ، فَكَأنَّهُ قالَ: اتْلُ يَس، وهو عَلى وزْنِ هابِيلَ وقابِيلَ لا يَنْصَرِفُ.

والثّانِي: أنَّهُ فُتِحَ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، والتَّسْكِينُ أجْوَدُ، لِأنَّهُ حَرْفُ هِجاءٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والقُرْآنِ الحَكِيمِ ﴾ هَذا قَسَمٌ، وقَدْ سَبَقَ مَعْنى "الحَكِيمِ" [البَقَرَةِ: ٣٢]، قالَ الزَّجّاجُ: وجَوابُهُ: ﴿ إنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ ﴾ وأحْسَنُ ما جاءَ في العَرَبِيَّةِ أنْ يَكُونَ "لِمَنَ المُرْسَلِينَ" خَبَرُ "إنَّ"، ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ خَبَرًا ثانِيًا، فَيَكُونُ المَعْنى: إنَّكَ لِمَنَ المُرْسَلِينَ، إنَّكَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ "عَلى صِراطٍ" مِن صِلَةِ "المُرْسَلِينَ"، فَيَكُونُ المَعْنى: إنَّكَ لِمَنَ المُرْسَلِينَ الَّذِينَ أُرْسِلُوا عَلى طَرِيقَةٍ مُسْتَقِيمَةٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَنْزِيلَ العَزِيزِ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو: "تَنْزِيلُ" بِرَفْعِ اللّامِ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "تَنْزِيلَ" بِنَصْبِ اللّامِ.

وعَنْ عاصِمٍ كالقِراءَتَيْنِ.

قالَ الزَّجّاجُ: مَن قَرَأ بِالنَّصْبِ، فَعَلى المَصْدَرِ، عَلى مَعْنى: نَزَّلَ اللَّهُ ذَلِكَ تَنْزِيلًا، ومَن قَرَأ بِالرَّفْعِ، فَعَلى مَعْنى: الَّذِي أُنْزِلَ إلَيْكَ تَنْزِيلَ العَزِيزِ.

وقالَ الفَرّاءُ: مَن نَصَبَ أرادَ إنَّكَ لِمَنَ المُرْسَلِينَ تَنْزِيلًا حَقًّا مُنْزَلًا ويَكُونُ الرَّفْعُ عَلى الِاسْتِئْنافِ، كَقَوْلِهِ: ذَلِكَ تَنْزِيلُ العَزِيزِ.

وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو رَزِينٍ، وأبُو العالِيَةَ، والحَسَنُ، والجَحْدَرِيُّ " "تَنْزِيلِ" بِكَسْرِ اللّامِ.

وقالَ مُقاتِلٌ: هَذا القُرْآَنُ تَنْزِيلُ العَزِيزِ في مُلْكِهِ، الرَّحِيمِ بِخَلْقِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ ﴾ في "ما" قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها نَفْيٌ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ والزَّجّاجُ في الأكْثَرِينَ.

والثّانِي: أنَّها بِمَعْنى "كَما"، قالَهُ مُقاتِلٌ.

وقِيلَ: هي بِمَعْنى "الَّذِي" .

قَوْلُهُ تَعالى" ﴿ فَهم غافِلُونَ ﴾ أيْ: عَنْ حُجَجِ التَّوْحِيدِ وأدِلَّةِ البَعْثِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ يَسَ هَذِهِ السُورَةُ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ، إلّا أنَّ فِرْقَةً قالَتْ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وآثارَهُمْ  ﴾ «نَزَلَتْ في بَنِي سَلِمَةَ مِنَ الأنْصارِ حِينَ أرادُوا أنْ يَتْرُكُوا دِيارَهم ويَنْتَقِلُوا إلى جِوارِ مَسْجِدِ رَسُولِ اللهِ  فَقالَ لَهُمْ: "دِيارَكم تَكْتُبْ آثارُكُمْ"،» وكَرِهَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ أنْ يُعَرُّوا المَدِينَةَ، فَعَلى هَذا فَهي مَدَنِيَّةٌ، ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ، وإنَّما نَزَلَتِ الآيَةُ بِمَكَّةَ، ولَكِنَّهُ احْتَجَّ عَلَيْهِمْ في المَدِينَةِ، ووافَقَها قَوْلُ رَسُولِ اللهِ  في المَعْنى، فَمِن هُنا قِيلَ ذَلِكَ، ورَوى أنَسُ بْنُ مالِكٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّ رَسُولَ اللهِ  قالَ: « "إنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ قَلْبًا، وإنَّ قَلْبَ القُرْآنِ يَسُ"،» ورَوَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها أنَّهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ قالَ: « "إنَّ في القُرْآنِ سُورَةً يُشْفَعُ لِقارِئِها، ويُغْفَرُ لِمُسْتَمِعِها، وهي يَسُ"،» وَقالَ يَحْيى بْنُ أبِي كَثِيرٍ: " بَلَغَنِي أنَّ مَن قَرَأ سُورَةَ يَسَ لَيْلًا لَمْ يَزَلْ في فَرَحٍ حَتّى يُصْبِحَ، وكَذا في النَهارِ"، ويُصَدِّقُ ذَلِكَ التَجْرِبَةُ.

قوله عزّ وجلّ: ﴿ يس ﴾ ﴿ والقُرْآنِ الحَكِيمِ ﴾ ﴿ إنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ ﴾ ﴿ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ ﴿ تَنْزِيلَ العَزِيزِ الرَحِيمِ ﴾ ﴿ لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أُنْذِرَ آباؤُهم فَهم غافِلُونَ ﴾ ﴿ لَقَدْ حَقَّ القَوْلُ عَلى أكْثَرِهِمْ فَهم لا يُؤْمِنُونَ ﴾ أمالَ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ الياءَ في [يَسَ] غَيْرَ مُفْرِطِينَ، والجُمْهُورُ يَفْتَحُونَها، ونافِعٌ يَتَوَسَّطُ في ذَلِكَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "يس" ﴾ يَدْخُلُ فِيهِ مِنَ الأقْوالِ ما تَقَدَّمَ في الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ في أوائِلِ السُورِ، ويَخْتَصُّ هَذا بِأقْوالٍ: مِنها أنَّ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ قالَ: إنَّهُ اسْمٌ مِن أسْماءِ مُحَمَّدٍ  ، دَلِيلُهُ ﴿ إنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ ﴾ ، وقالَ السَيِّدُ الحِمْيَرِيُّ: يا نَفْسُ لا تُمْحِضِي بِالنُصْحِ مُجْتَهِدًا ∗∗∗ عَلى المَوَدَّةِ إلّا آلَ ياسِينا وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: مَعْناهُ: "يا إنْسانُ" بِالحَبَشِيَّةِ، وقالَ أيْضًا في الثَعْلَبِيِّ: هو بِلُغَةِ طَيْءٍ، يَقُولُونَ: "إيسانُ" بِمَعْنى إنْسانٍ، ويَجْمَعُونَهُ عَلى "أياسِينَ"، فَهَذا مِنهُ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: الياءُ حَرْفُ نِداءٍ، والسِينُ مُقامَةٌ مَقامَ "إنْسانٍ" انْتُزِعَ مِنهُ حَرْفٌ فَأُقِيمُ مَقامَهُ.

ومَن قالَ "هُوَ اسْمٌ مِن أسْماءِ السُورَةِ أوِالقُرْآنِ" فَذَلِكَ مُشْتَرَكٌ في جَمِيعِ السُوَرِ.

وَقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "يس" ﴾ بِسُكُونِ النُونِ وإظْهارِها، وإنْ كانَتِ النُونُ ساكِنَةً تُخْفى مَعَ حُرُوفِ الفَمِ فَإنَّما هَذا مَعَ الِانْفِصالِ وأنَّ حَقَّ هَذِهِ الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ في الأوائِلِ أنْ تُظْهَرَ.

وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ - بِخِلافِ عنهُما - بِإدْغامِ النُونِ في الواوِ عَلى عُرْفِ الِاتِّصالِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ - بِخِلافٍ - بِنَصْبِ النُونِ، وهي قِراءَةُ عِيسى بْنِ عُمَرَ، ورَواها عَنِ الغَنَوِيِّ.

وقالَ قَتادَةُ: "يَسْ" قَسَمٌ، وقالَ أبُو حاتِمٍ: قِياسُ هَذا القَوْلِ نَصْبُ النُونِ، كَما تَقُولُ: اللهَ لِأفْعَلَنَّ كَذا، وقَرَأ الكَلْبِيُّ بِضَمِّها وقالَ: هي بِلُغَةِ طَيْءٍ: يا إنْسانُ، وقَرَأ أبُو السَمّاكِ، وعَنِ ابْنِ أبِي إسْحاقَ - بِخِلافٍ - بِكَسْرِها، وهَذِهِ الوُجُوهُ الثَلاثَةُ هي لِلِالتِقاءِ، وقالَ أبُو الفَتْحِ: ويَحْتَمِلُ الرَفْعُ أنْ يَكُونَ اجْتِزاءً بِالسِينِ مَن يا إنْسانُ، وقالَ الزَجّاجُ: النَصْبُ كَأنَّهُ قالَ: اتْلُ يَسَ، وهو مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ عَلى أنَّهُ اسْمٌ لِلسُّورَةِ.

و"يَسُ" مُشْبِهَةٌ الجُمْلَةَ مِنَ الكَلامِ فَلِذَلِكَ عُدَّتْ آيَةً، بِخِلافِ [طَسْ]، فَلَمْ تَنْصَرِفْ [يَسْ] لِلْعُجْمَةِ والتَعْرِيفِ.

و"الحَكِيمِ": المُحْكَمُ، فَيَكُونُ بِمَعْنى: مَفْعُولٍ، أيْ أُحْكِمَ في مَواعِظِهِ وأوامِرِهِ ونَواهِيهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الحَكِيمِ بِناءَ فاعِلٍ، أيْ ذُو الحِكْمَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةً في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى أنَّها خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى أنَّها في مَوْضِعِ حالٍ مِنَ "المُرْسَلِينَ"، و "الصِراطُ": الطَرِيقُ، والمَعْنى: عَلى طَرِيقٍ وهُدًى ومَهِيعِ رَشادٍ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو: "تَنْزِيلُ" بِالرَفْعِ عَلى خَبَرِ الِابْتِداءِ، وهي قِراءَةُ أبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ، والحَسَنِ، والأعْرَجِ، والأعْمَشِ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "تَنْزِيلَ" بِالنَصْبِ عَلى المَصْدَرِ، واخْتُلِفَ عن عاصِمٍ، وهي قِراءَةُ طَلْحَةَ، والأشْهَبِ، وعِيسى بْنِ عُمَرَ، والأعْمَشِ، بِخِلافٍ عنهُما.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ ﴾ ، اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في "ما"، فَقالَ عِكْرِمَةُ "ما" بِمَعْنى الَّذِي، والتَقْدِيرُ: الشَيْءُ الَّذِي أُنْذِرَهُ الآباءُ مِنَ النارِ والعَذابِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "ما" مَصْدَرِيَّةً، أيْ ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ، والآباءُ عَلى هَذا هُمُ الأقْدَمُونَ عَلى مَرِّ الدَهْرِ، وقَوْلُهُ: "فَهُمْ" - مَعَ هَذا التَأْوِيلِ - بِمَعْنى: فَإنَّهُمْ، دَخَلَتِ الفاءُ لِقَطْعِ الجُمْلَةِ مِنَ الجُمْلَةِ.

وقالَ قَتادَةُ: "ما" نافِيَةٌ، أيْ إنَّ آباءَهم لَمْ يُنْذَرُوا، فالآباءُ - عَلى هَذا - هُمُ القَرِيبُونَ مِنهُمْ، وهَذِهِ الآيَةُ كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وَما أرْسَلْنا إلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِن نَذِيرٍ  ﴾ ، وهَذِهِ النِذارَةُ المَنفِيَّةُ هي نِذارَةُ المُباشَرَةِ والأمْرِ والنَهْيِ، وإلّا فَدَعْوَةُ اللهِ تَعالى مِنَ الأرْضِ لَمْ تَنْقَطِعْ قَطُّ، وقَوْلُهُ: "فَهُمْ" - عَلى هَذا - الفاءُ واصِلَةٌ بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ ورابِطَةٌ لِلثّانِيَةِ بِالأُولى.

و ﴿ حَقَّ القَوْلُ ﴾ مَعْناهُ: وجَبَ العَذابُ وسَبَقَ القَضاءُ بِهِ، هَذا فِيمَن لَمْ يُؤْمِن مِن قُرَيْشٍ، كَمَن قُتِلَ بِبَدْرٍ وغَيْرِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

راجع إلى ﴿ القرآن الحكيم ﴾ [يس: 2] إذ هو المنزل من عند الله، فبعد أن استوفى القسم جوابه رجع الكلام إلى بعض المقصود من القسم وهو تشريف المقسم به فوسم بأنه ﴿ تنزيل العزيز الرحيم ﴾ .

وقد قرأه الجمهور بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف للعلم به، وهذا من مواقع حذف المسند إليه الذي سماه السكاكي الحذف الجاري على متابعة الاستعمال في أمثاله.

وذلك أنهم إذا أجروا حديثاً على شيء ثم أخبروا عنه التزموا حذف ضميره الذي هو مسند إليه إشارة إلى التنويه به كأنه لا يخفى كقول إبراهيم الصّولي، أو عبد الله بن الزَّبير الأَسدي أو محمد بن سعيد الكاتب، وهي من أبيات الحماسة في باب الأضياف: سأشكر عَمْراً إن تراختْ منيتي *** أيَاديَ لم تمنن وإن هي جَلّتِ فتىً غيرُ محجوب الغنى عن صديقه *** ولاَ مظهرِ الشكوى إذ النعل زلَّتِ تقديره: هو فتى.

وقرأه ابن عامر وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم وخلف بنصب ﴿ تنزيل ﴾ على تقدير: أعني.

والمعنى: أعني من قسمي قرآناً نَزَّلتُه، وتلك العناية زيادة في التنويه بشأنه وهي تعادل حذف المسند إليه الذي في قراءة الرفع.

والتنزيل: مصدر بمعنى المفعول أخبر عنه بالمصدر للمبالغة في تحقيق كونه منزلاً.

وأضيف التنزيل إلى الله بعنوان صفتي ﴿ العزيز الرحيم ﴾ لأن ما اشتمل عليه القرآن لا يعدُو أن يكون من آثار عزة الله تعالى، وهو ما فيه من حمل الناس على الحق وسلوك طريق الهدى دون مصانعة ولا ضعف مع ما فيه من الإِنذار والوعيد على العصيان والكفران.

وأن يكون من آثار رحمته وهو ما في القرآن من نَصْب الأدلة وتقريب البعيد وكشف الحقائق للناظرين، مع ما فيه من البشارة للذين يكونون عند مرضاة الله تعالى، وذلك هو ما ورد بيانه بعدُ إجمالاً من قوله: ﴿ لتنذر قوماً ما أنذر آباؤهم فهم غافلون ﴾ [يس: 6] ثم تفصيلاً بقوله: ﴿ لقد حق القول على أكثرهم ﴾ [يس: 7] وبقوله: ﴿ إنما تُنذر من اتَّبع الذكر وخَشِيَ الرحمن بالغيب فبشره بمغفرة وأجر كريم ﴾ [يس: 11].

فاللام في ﴿ لتنذر ﴾ متعلقة ب ﴿ تنزيل ﴾ وهي لام التعليل تعليلاً لإِنزال القرآن.

واقتصر على الإِنذار لأن أول ما ابتدئ به القومُ من التبليغ إنذارهم جميعاً بما تضمنته أول سورة نزلت من قوله: ﴿ كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى ﴾ [العلق: 6، 7] الآية.

وما تضمنته سورة المدثر لأن القوم جميعاً كانوا على حالة لا ترضي الله تعالى فكان حالهم يقتضي الإِنذار ليسرعوا إلى الإِقلاع عما هم فيه مرتبكون.

والقوم الموصوفون بأنهم لم تنذر آباؤهم: إما العرب العدنانيون فإنهم مضت قرون لم يأتهم فيها نذير، ومضى آباؤهم لم يسمعوا نذيراً، وإنما يُبتدأ عدُّ آبائهم من جدّهم الأعلى في عمود نسبهم الذين تميزوا به جذماً وهو عدنان، لأنه جذم العرب المستعربة، أو أريد أهل مكة.

وإنما باشر النبي صلى الله عليه وسلم في ابتداء بعثته دعوة أهل مكة وما حولها فكانوا هم الذين أراد الله أن يتلقّوا الدين وأن تتأصل منهم جامعة الإِسلام ثم كانوا هم حملة الشريعة وأعوان الرسول صلى الله عليه وسلم في تبليغ دعوته وتأييده.

فانضمّ إليهم أهل يثرب وهم قحطانيون فكانوا أنصاراً ثم تتابع إيمان قبائل العرب.

وفرع عليه قوله: ﴿ فهم غافلون ﴾ أي فتسبب على عدم إنذار آبائهم أنهم متصفون بالغفلة وصفاً ثابتاً، أي فهم غافلون عما تأتي به الرسل والشرائع فهم في جهالة وغواية إذ تراكمت الضلالات فيهم عاماً فعاماً وجيلاً فجيلاً.

فهذه الحالة تشمل جميع من دعاهم النبي صلى الله عليه وسلم سواء من آمن بعدُ ومن لم يؤمن.

والغفلة: صريحها الذهول عن شيء وعدم تذكره، وهي هنا كناية عن الإِهمال والإِعراض عما يحق التنبيه إليه كقول النابغة: يقول أناس يجهلون خليقتي *** لعلّ زياداً لا أباك غافل <div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

سُورَةُ يس مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الجَمِيعِ، إلّا ابْنَ عَبّاسٍ وقَتادَةَ؛ فَإنَّهُما قالا إلّاَ آيَةً مِنها وهي قَوْلُهُ: ﴿ وَإذا قِيلَ لَهم أنْفِقُوا  ﴾ الآيَةَ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ يس ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهُ اسْمٌ مِن أسْماءِ القُرْآنِ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: أنَّهُ اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى أقْسَمَ بِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّالِثُ: أنَّهُ فَواتِحُ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى افْتَتَحَ بِهِ كَلامَهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الرّابِعُ: أنَّهُ: يا مُحَمَّدُ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ الحَنَفِيَّةِ، ورَوى عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ  يَقُولُ: (إنَّ اللَّهَ تَعالى سَمّانِي في القُرْآنِ بِسَبْعَةِ أسْماءٍ: مُحَمَّدٍ وأحْمَدَ وطَه ويس والمُزَّمِّلِ والمُدَّثِّرِ وعَبْدِ اللَّهِ» .

الخامِسُ: أنَّهُ يا إنْسانُ: قالَهُ الحُسْنُ، وعِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِيهِ فَقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وعِكْرِمَةُ هي بِلُغَةِ الحَبَشَةِ.

وَحَكى الكَلْبِيُّ أنَّهُ بِالسُّرْيانِيَّةِ، وقالَ الشَّعْبِيُّ: هو بِلُغَةِ طَيِّئٍ.

وَقالَ آخَرُونَ: هي بِلُغَةِ كَلْبٍ.

وَيَحْتَمِلُ سادِسًا: يَئِسَ مَن كَذَّبَ رَسُولَ اللَّهِ  أنْ يَكُونَ مُؤْمِنًا بِاللَّهِ، نَفْيًا لِلْإيمانِ أنْ يَكُونَ إلّا بِالشَّهادَتَيْنِ، واليَأْسُ أبْلَغُ في النَّفْيِ مِن جَمِيعِ ألْفاظِهِ، ثُمَّ أثْبَتَ رِسالَتَهُ بِقَسَمِهِ فَقالَ: ﴿ والقُرْآنِ الحَكِيمِ ﴾ ﴿ إنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ ﴾ ﴿ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: عَلى شَرِيعَةٍ واضِحَةٍ.

الثّانِي: عَلى حُجَّةٍ بَيِّنَةٍ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهم قُرَيْشٌ، أُنْذِرُوا بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ  ، ولَمْ يُنْذَرْ آباؤُهم مِن قَبْلِهِمْ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: أنَّهُ عامٌّ، ومَعْناهُ لِتُنْذِرَ قَوْمًا كَما أُنْذِرَ آباؤُهم، قالَهُ السُّدِّيُّ.

﴿ فَهم غافِلُونَ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: عَنْ قَبُولِ الإنْذارِ.

الثّانِي: عَنِ اسْتِحْقاقِ العَذابِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ لَقَدْ حَقَّ القَوْلُ عَلى أكْثَرِهِمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ لَقَدْ وجَبَ العَذابُ عَلى أكْثَرِهِمْ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: لَقَدْ سَبَقَ عِلْمُ اللَّهِ في أكْثَرِهِمْ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

وَفِي هَذا القَوْلِ الَّذِي حَقَّ عَلَيْهِمْ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الوَعِيدُ الَّذِي أوْجَبَهُ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ مِنَ العَذابِ.

الثّانِي: أنَّهُ الإخْبارُ عَنْهم بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ ولَوْ جاءَتْهم كُلُّ آيَةٍ حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ.

﴿ فَهم لا يُؤْمِنُونَ ﴾ يَعْنِي الأكْثَرِيَّةَ الَّذِينَ حَقَّ القَوْلُ عَلَيْهِمْ، وهُمُ الَّذِينَ عانَدُوا رَسُولَ اللَّهِ  مِن كُفّارِ قُرَيْشٍ، وأكْثَرُهم لَمْ يُؤْمِنُوا فَكانَ المُخْبَرُ كالخَبَرِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن مردويه من طريق ابن عباس قال: ﴿ يس ﴾ محمد صلى الله عليه وسلم.

وفي لفظ قال: يا محمد.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر والبيهقي في الدلائل عن محمد بن الحنفية في قوله: ﴿ يس ﴾ قال: يا محمد.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طرق عن ابن عباس في قوله: ﴿ يس ﴾ قال: يا إنسان.

وأخرج عبد بن حميد عن الحسن وعكرمة والضحاك، مثله.

وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ يس ﴾ قال: يا إنسان بالحبشية.

وأخرج ابن أبي حاتم عن أشهب قال: سألت مالك بن أنس أينبغي لاحد أن يتسمى بيس؟

فقال: ما أراه ينبغي لقوله: ﴿ يس والقرآن الحكيم ﴾ يقول: هذا اسمي، تسميت به.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في قوله الله ﴿ يس والقرآن الحكيم ﴾ قال: يقسم الله بما يشاء، ثم نزع بهذه الآية ﴿ سلام على آل ياسين ﴾ [ الصافات: 130] كأنه يرى أنه سلم على رسوله.

وأخرج ابن أبي حاتم عن يحيى بن أبي كثير في قوله: ﴿ يس والقرآن الحكيم ﴾ قال: يقسم بألف عالم ﴿ إنك لمن المرسلين ﴾ .

وأخرج ابن مردويه عن كعب الأحبار في قوله: ﴿ يس ﴾ قال: هذا قسم، أقسم به ربك قال: ﴿ يا محمد إنك لمن المرسلين ﴾ قبل أن اخلق الخلق بألفي عام.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ يس والقرآن الحكيم إنك لمن المرسلين ﴾ قال: اقسم كما تسمعون أنه ﴿ لمن المرسلين على صراط مستقيم ﴾ أي على الإِسلام ﴿ تنزيل العزيز الرحيم ﴾ قال: هو القرآن ﴿ لتنذر قوماً ما أنذر آباؤهم ﴾ قال: قريش لم يأت العرب رسول قبل محمد صلى الله عليه وسلم، لم يأتهم ولا آباءهم رسول قبله.

وأخرج ابن جرير عن عكرمة ﴿ لتنذر قوماً ما أنذر آباءهم ﴾ قال بعضهم ﴿ لتنذر قوماً ما أنذر آباؤهم ﴾ ما أنذر الناس من قبلهم، وقال بعضهم ﴿ لتنذر قوماً ما أنذر آباؤهم ﴾ أي هذه الأمة لم يأتهم نذير حتى جاءهم محمد صلى الله عليه وسلم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك رضي الله عنه في قوله: ﴿ لقد حق القول على أكثرهم ﴾ قال: سبق في علمه.

وأخرج ابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في المسجد، فيجهر بالقراءة، حتى تأذّى به ناس من قريش، حتى قاموا ليأخذوه، وإذا أيديهم مجموعة إلى أعناقهم، وإذا هم لا يبصرون، فجاؤوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: ننشدك الله والرحم يا محمد، ولم يكن بطن من بطون قريش إلا وللنبي صلى الله عليه وسلم فيهم قرابة، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم حتى ذهب ذلك عنهم، فنزلت ﴿ يس والقرآن الحكيم ﴾ إلى قوله: ﴿ أم لم تنذرهم لا يؤمنون ﴾ قال: فلم يؤمن من ذلك النفر أحد» .

وأخرج ابن جرير عن عكرمة رضي الله عنه قال: قال أبو جهل: لئن رأيت محمداً لأفعلن.

ولأفعلن...

فنزلت ﴿ إنا جعلنا في أعناقهم أغلالاً ﴾ إلى قوله: ﴿ لا يبصرون ﴾ فكانوا يقولون: هذا محمد فيقول: أين هو أين هو...؟

لا يبصره.

وأخرج البيهقي في الدلائل من طريق السدي الصغير عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وجعلنا من بين أيديهم سداً ﴾ قال: كفار قريش غطاء ﴿ فأغشيناهم ﴾ يقول: ألبسنا أبصارهم ﴿ فهم لا يبصرون ﴾ النبي صلى الله عليه وسلم فيؤذونه، وذلك أن ناساً من بني مخزوم تواطئوا بالنبي صلى الله عليه وسلم ليقتلوه.

منهم أبو جهل، والوليد بن المغيرة.

فبينا النبي صلى الله عليه وسلم قائم يصلي يسمعون قراءته، فأرسلوا إليه الوليد ليقتله، فانطلق حتى أتى المكان الذي يصلي فيه، فجعل يسمع قراءته ولا يراه، فانصرف إليهم، فأعلمهم ذلك، فأتوه فلما انتهوا إلى المكان الذي يصلي فيه، سمعوا قراءته فيذهبون إليه فيسمعون أيضاً من خلفهم، فانصرفوا ولم يجدوا إليه سبيلاً.

فذلك قوله: ﴿ وجعلنا من بين أيديهم سداً ومن خلفهم سداً..

﴾ .

وأخرج ابن إسحاق وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو نعيم في الدلائل عن محمد بن كعب القرظي قال: اجتمع قريش؛ وفيهم أبو جهل على باب النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا على بابه: ان محمداً يزعم أنكم ان بايعتموه على أمره كنتم ملوك العرب والعجم، وبعثتم من بعد موتكم، فجعلت لكم نار تحرقون فيها، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخذ حفنة من تراب في يده قال: «نعم، أقول ذلك، وأنت أحدهم، وأخذ الله على أبصارهم فلا يرونه، فجعل ينثر ذلك التراب على رؤوسهم، وهو يتلو هذه الآيات ﴿ يس والقرآن الحكيم ﴾ إلى قوله: ﴿ فأغشيناهم فهم لا يبصرون ﴾ حتى فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من هؤلاء الآيات، فلم يبق رجل إلا وضع على رأسه تراباً، فوضع كل رجل منهم يده على رأسه، وإذا عليه تراب فقالوا: لقد كان صدقنا الذي حدثنا» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ﴿ الأغلال ﴾ ما بين الصدر إلى الذقن ﴿ فهم مقمحون ﴾ كما تقمح الدابة باللجام.

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قرأ ﴿ إنا جعلنا في أعناقهم أغلالاً ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ مقمحون ﴾ قال: مجموعة أيديهم إلى أعناقهم تحت الذقن.

وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله: ﴿ مقمحون ﴾ قال (المقمح) الشامخ بأنفه، المنكس برأسه.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم.

أما سمعت قول الشاعر: ونحن على جوانبها قعود ** نغض الطرف كالإِبل القماح وأخرج الخرائطي في مساوي الأخلاق عن الضحاك رضي الله عنه في قوله: ﴿ إنا جعلنا في أعناقهم أغلالاً ﴾ قال: البخل.

أمسك الله أيديهم عن النفقة في سبيل الله ﴿ فهم لا يبصرون ﴾ .

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ إنا جعلنا في أعناقهم أغلالاً ﴾ قال: في بعض القراءات ﴿ إنا جعلنا في أيمانهم أغلالاً فهي إلى الأذقان فهم مقمحون ﴾ قال: مغلولون عن كل خير.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد ﴿ فهم مقمحون ﴾ قال: رافعوا رؤوسهم، وأيديهم موضوعة على أفواههم.

وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ ﴿ وجعلنا من بين أيديهم سداً ومن خلفهم سداً ﴾ برفع السين فيهما ﴿ فأغشيناهم ﴾ بالغين.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: اجتمعت قريش بباب النبي صلى الله عليه وسلم، ينتظرون خروجه ليؤذوه، فشق ذلك عليه، فأتاه جبريل بسورة ﴿ يس ﴾ وأمره بالخروج عليهم، فأخذ كفاً من تراب، وخرج وهو يقرأها ويذر التراب على رؤوسهم، فما رأوه حتى جاز، فجعل أحدهم يلمس رأسه، فيجد التراب وجاء بعضهم فقال: ما يجلسكم؟

قالوا: ننتظر محمداً فقال: لقد رأيته داخلاً المسجد قالوا: قوموا فقد سحركم.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد قال: اجتمعت قريش فبعثوا عتبة بن ربيعة فقالوا: أئتِ هذا الرجل، فقل له إن قومك يقولون: إنك جئت بأمرٍ عظيم، ولم يكن عليه آباؤنا، ولا يتبعك عليه أحلامنا، وإنك إنما صنعت هذا إنك ذو حاجة، فإن كنت تريد المال فإن قومك سيجمعون لك ويعطونك، فدع ما تريد وعليك بما كان عليه آباؤك، فانطلق عليه عتبة فقال له: الذي أمروه، فلما فرغ من قوله وسكت.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « ﴿ بسم الله الرحمن الرحيم، حم تنزيل من الرحمن الرحيم ﴾ [ فصلت 1- 2] فقرأ عليه من أولها حتى بلغ ﴿ فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود ﴾ [ فصلت: 13] فرجع عتبة فأخبرهم الخبر، فقال: لقد كلمني بكلام ما هو بشعر، ولا بسحر، وإنه لكلام عجيب، ما هو بكلام الناس، فوقعوا به، وقالوا نذهب إليه بأجمعنا، فلما أرادوا ذلك، طلع عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعمدهم حتى قام على رؤوسهم، وقال بسم الله الرحمن الرحيم ﴿ يس والقرآن الحكيم ﴾ حتى بلغ ﴿ إنا جعلنا في أعناقهم أغلالاً ﴾ فضرب الله بأيديهم على أعناقهم، فجعل من بين أيديهم سداً ومن خلفهم سداً، فأخذ تراباً، فجعله على رؤوسهم، ثم انصرف عنهم، ولا يدرون ما صنع بهم، فعجبوا وقالوا: ما رأينا أحداً قط أسحر منه أنظروا ما صنع بنا» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه قال: أئتمر ناس من قريش بالنبي صلى الله عليه وسلم ليسطوا عليه، فجاؤوا يريدون ذلك، فجعل الله ﴿ من بين أيديهم سداً ﴾ قال: ظلمة ﴿ ومن خلفهم سداً ﴾ قال: ظلمة ﴿ فأغشيناهم فهم لا يبصرون ﴾ قال: فلم يبصروا النبي صلى الله عليه وسلم.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة قال: كان ناس من المشركين من قريش يقول بعضهم لبعض: لو قد رأيت محمداً لفعلت به كذا وكذا، فأتاهم النبي صلى الله عليه وسلم، وهم في حلقة في المسجد، فوقف عليهم فقرأ ﴿ يس والقرآن الحكيم ﴾ حتى بلغ ﴿ لا يبصرون ﴾ ثم أخذ تراباً، فجعل يذره على رؤوسهم، فما يرفع إليه رجل طرفه، ولا يتكلم كلمة، ثم جاوز النبي صلى الله عليه وسلم، فجعلوا ينفضون التراب عن رؤوسهم ولحاهم، والله ما سمعنا، والله ما أبصرنا، والله ما عقلنا.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ وجعلنا من بين أيديهم سداً ومن خلفهم سداً ﴾ قال: عن الحق ﴿ فهم ﴾ يترددون ﴿ فأغشيناهم فهم لا يبصرون ﴾ هدى، ولا ينتفعون به.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد في الآية قال: جعل هذا السد بينهم وبين الإِسلام والإِيمان، فلم يخلصوا إليه.

وقرأ ﴿ وسواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون ﴾ من منعه الله لا يستطيع.

وأخرج عبد بن حميد عن إبراهيم النخعي، أنه كان يقرأ ﴿ من بين أيديهم سداً ومن خلفهم سداً ﴾ بنصب السين.

وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة أنه قرأ ﴿ فأغشيناهم ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ إنما تنذر من اتبع الذكر ﴾ قال: اتباع الذكر اتباع القرآن ﴿ وخشي الرحمن بالغيب ﴾ قال: خشي عذاب الله وناره ﴿ فبشره بمغفرة وأجر كريم ﴾ قال: الجنة.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

وقوله تعالى: ﴿ لِتُنْذِرَ قَوْمًا ﴾ قال صاحب النظم: هذا متصل بقوله: ﴿نَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (3) لِتُنْذِرَ قَوْمًا﴾ قوله تعالى: ﴿ مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ ﴾ فيه قولان: قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد كما أنذر آباؤهم من لدن إبراهيم وإسماعيل (١) وقال مقاتل: كما أنذر آباؤهم الأولون (٢) وقال عكرمة: مثل ما أنذر آباؤهم (٣) القول الثاني: قال قتادة: لتنذر قومًا لم يأتهم نذير قبلك (٤) (٥) (٦) ﴿ مَا ﴾ على هذا القول تكون [جحدًا] (٧) (٨) (٩) ﴿ مَا ﴾ في موضع نصب كما قال: ﴿ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً  ﴾ ) (١٠) وقال الأخفش: (أي لم تنذر آباءهم؛ لأنهم كانوا في الفترة، قال: وقال بعضهم: لتنذر الذي أنذر آباؤهم، ثم اختار القول الأول؛ لقوله: ﴿ فَهُمْ غَافِلُونَ ﴾ ، ودخول الفاء على المعنى الثاني كأنه لا يجوز، وهو على الأول أحسن) (١١) ﴿ مَا ﴾ إثباتًا بمعنى الذي، لم يحسن دخول الفاء في ﴿ فَهُمْ غَافِلُونَ ﴾ فإذا جعلته نفيًا حسن.

قال أبو إسحاق: (الاختيار أن ﴿ مَا ﴾ جحدٌ؛ لأن قوله: ﴿ فَهُمْ غَافِلُونَ ﴾ دليل على معنى لم ينذر آباؤهم، وإذا كان قد أنذر آباءهم كان في قوله: ﴿ فَهُمْ غَافِلُونَ ﴾ بُعدٌ.

قال: ودليل النفي قوله: ﴿ وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ  ﴾ (١٢) (١) انظر: "تفسير ابن عباس" بهامش المصحف 369، "القرطبي" 15/ 6.

(٢) "تفسير مقاتل" 105 أ.

(٣) انظر: "الطبري" 22/ 150، "القرطبي" 15/ 6، "مجمع البيان" 8/ 650.

(٤) انظر: "الطبري" 22/ 150، "الماوردي" 5/ 6، "مجمع البيان" 8/ 650.

(٥) لم أقف عليه.

(٦) انظر: "الثعلبي" 3/ 232 ب، "الطبري" 22/ 150، "الماوردي" 5/ 6، "بحر العلوم" 3/ 93.

(٧) ما بين المعقوفين طمس في (ب).

(٨) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).

(٩) هكذا في النسخ، وهو خطأ، والصواب: لم يُنذر آباؤهم.

(١٠) "معاني القرآن" 2/ 372.

(١١) "معاني القرآن" 2/ 488.

(١٢) "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 278 <div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ تَنزِيلَ ﴾ بالرفع خبر ابتداء مضمر وبالنصب مصدر أو مفعول بفعل مضمر ﴿ لِتُنذِرَ قَوْماً ﴾ هم قريش ويحتمل أن يدخل معهم سائر العرب وسائر الأمم ﴿ مَّآ أُنذِرَ آبَآؤُهُمْ ﴾ ما نافية والمعنى: لم يرسل إليهم ولا لآبائهم رسول ينذرهم، وقيل: المعنى: لتنذر قوماً مثل ما أنذر آباؤهم، فما على هذا موصولة بمعنى الذي، أو مصدرية والأول أرجح لقوله: ﴿ فَهُمْ غَافِلُونَ ﴾ يعني أن غفلتهم بسبب عدم إنذارهم، وتكون بمعنى قولهم: ما أتاهم من نذير من قبلك ولا يعارض هذا بعث الأنبياء المتقدمين، فإن هؤلاء القوم لم يدركوهم ولا آبائهم الأقربون ﴿ لَقَدْ حَقَّ القول ﴾ أي سبق القضاء.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ يس ﴾ بإظهار النون: أبو عمرو وسهل ويعقوب غير رويس وابن كثير غير ابن فليح وحمزة وأبو جعفر ونافع غير النجاري عن ورش والحلواني عن قالون وعاصم غير يحيى وابن ابي غالب.

وقرأ حمزة وعلي وخلف ويحيى وحماد بالإمالة.

﴿ تنزيل ﴾ بالنصب: ابن عامر وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد.

والباقون: بالرفع ﴿ سدّاً ﴾ بفتح السين في الحرفين: حمزة وعلي وخلف وحفص وابو زيد ﴿ فعززنا ﴾ بالتخفيف: أبو بكر وحماد والمفضل ﴿ آين ﴾ بالمد والياء أبو عمرو وقالون وزيد مثله ولكن بالقصر ابن كثير ونافع غير قالون وسهل ويعقوب غير زيد.

﴿ أئن ﴾ بهمزتين: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير المفضل وابن عامر، هشام يدخل بينهما مدة وقرأ المفضل ﴿ أين ﴾ على وزن "كيف" ﴿ آن ﴾ بسكون النون وبالمد: يزيد مثل ﴿ آنذرتهم ﴾ ﴿ ذكرتم ﴾ بالتخفيف: زيد ﴿ ومالي ﴾ بسكون الياء: حمزة ويعقوب ﴿ ينقذوني ﴾ في الحالين بالياء: يعقوب وافق ورش وسهل وعباس في الوصل ﴿ إني إذا ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو ﴿ إني آمنت ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو ﴿ إلا صيحة واحدة ﴾ بالرفع وكذلك ما بعدها: يزيد ﴿ لما ﴾ بالتشديد: ابن عامر وحمزة وعاصم ﴿ الميتة ﴾ بالتشديد: أبو جعفر ونافع ﴿ عملت ﴾ بغير هاء الضمير: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير حفص والمفضل ﴿ لمستقر ﴾ بكسر القاف: زيد عن يعقوب ﴿ والقمر ﴾ بالرفع على الابتداء: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ونافع ويعقوب غير رويس.

الآخرون: بالنصب إضماراً على شريطة التفسير ﴿ ذرياتهم ﴾ على الجمع: أبو جعفر ونافع وابن عامر وسهل ويعقوب.

الوقوف: ﴿ يس ﴾ ه كوفي ﴿ الحكيم ﴾ ه لا لجواب القسم ﴿ المرسلين ﴾ ه لا لأن الجار والمجرور خبر بعد خبر أو مفعول ثانٍ لمعنى الفعل في ﴿ المرسلين ﴾ أي أرسلت على صراط ﴿ مستقيم ﴾ ه ط على القراءتين فمن نصب فمعناه نزل تنزيل أو أعني تنزيل ومن رفع فالتقدير هذا تنزيل ﴿ الرحيم ﴾ ه لا لتعلق لام كي بمعنى التنزيل والإرسال ﴿ غافلون ﴾ ه ﴿ لا يؤمنون ﴾ ه ﴿ مقمحون ﴾ ه ﴿ لا يبصرون ﴾ ه ﴿ لا يؤمنون ﴾ ه ﴿ بالغيب ﴾ ه لانقطاع النظم مع دخول الفاء ﴿ كريم ﴾ ه ﴿ وآثارهم ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ القرية ﴾ ه لأن "إذ" ليس ظرفاً ﴿ لاضرب ﴾ بل التقدير وإذكر إذ جاءها.

وجوّز في الكشاف أن يكون "إذ" بدلاً من ﴿ أصحاب القرية ﴾ فلا وقف.

﴿ المرسلون ﴾ ه ج لاحتمال أن يكون "إذ" بدلاً أو معمولاً لعامل آخر مضمر ﴿ مرسلون ﴾ ه ﴿ مثلنا ﴾ لا ﴿ من شيء ﴾ لا لاتحاد المقول فيهما ﴿ تكذبون ﴾ ه ﴿ لمرسلون ﴾ ه ج ﴿ المبين ﴾ ه ﴿ بكم ﴾ ج للإبتداء بما في معنى القسم مع اتحاد المقول ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ معكم ﴾ ط ﴿ ذكرتم ﴾ ط ﴿ مسرفون ﴾ ه ﴿ المرسلين ﴾ ه لأن ﴿ اتبعوا ﴾ بدل من الأوّل ﴿ مهتدون ﴾ ه ﴿ ترجعون ﴾ ه ﴿ ولا ينقذون ﴾ ه ج للابتداء بان مع تعلق "إذا" بما قبلها أي أني إذا اتخذت آلهة لفي ضلال ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ فاسمعون ﴾ ه ط لأن التقدير فلم يسمعوا قوله فقتلوه ثم قيل له ادخل ﴿ الجنة ﴾ ط ﴿ يعلمون ﴾ ه لا لتعلق الباء.

﴿ المكرمين ﴾ ه ﴿ منزلين ﴾ ه ﴿ خامدون ﴾ ه ﴿ العباد ﴾ ج لأن ما بعده يصلح استئنافاً وحالاً والعامل معنى في حسرة ﴿ يستهزؤن ﴾ ه ﴿ لا يرجعون ﴾ ه ﴿ محضرون ﴾ ه ﴿ يأكلون ﴾ ه ﴿ العيون ﴾ ه لا ﴿ ثمر ﴾ ه ط لمن جعل "ما" نافية ومن جعلها موصولة لم يقف ﴿ ايديهم ﴾ ط ﴿ يشكرون ﴾ ه ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ مظلمون ﴾ ه ط ﴿ لها ﴾ ط ﴿ العليم ﴾ ه لا لمن قرأ ﴿ والقمر ﴾ بالرفع بالعطف على ﴿ الليل ﴾ ، ومن قرأ بالنصب وقف مطلقاً ﴿ القديم ﴾ ه ﴿ النهار ﴾ ط ﴿ يسبحون ﴾ ه ﴿ المشحون ﴾ ه لا ﴿ يركبون ﴾ ه ﴿ ينقذون ﴾ ه لا ﴿ حين ﴾ ه.

التفسير: الكلام الكلي في فواتح السور قد مر في أوّل البقرة وغيرها والذي يختص بالمقام ما قيل إن معناه يا سيد أو يا أنيسين فاقتصر على البعض رواه جار الله عن ابن عباس.

ولا يخفى أن النداء على هذا يكون لمحمد  يؤيده قوله ﴿ إنك لمن المرسلين ﴾ وكثيراً ما يستعمل القسم بعد إفحام الخصم الألدّ كيلا يقول إنك قد افحمت بقوّة جدالك وأنت في نفسك خبير بضعف مقالك.

وأيضاً الابتداء بصورة اليمين يدل على أن المقسم عليه أمر عظيم والأمر العظيم تتوفر الدواعي على الإصغاء إليه، وكانت العرب يتحرزون من الأيمان الفاجرة ويقولون إنها تدع الديار بلا قع، وكان من المعلوم أن النبي  وأصحابه يعظمون القرآن غاية التعظيم وكان اليمين به موقوفاً عليه عند الكفرة.

وقوله ﴿ على صراط ﴾ كالتأكيد لأن المرسلين لا يكونون إلا على المنهج القويم.

وتنكير صراط للتعظيم.

قيل: فيه دليل على فساد قول المباحية القائلين بأن المكلف إذا صار واصلاً لم يبق عليه تكليف فإن المرسلين لم يستغنوا عن رعاية الشريعة فكيف غيرهم.

وقوله ﴿ ما أنذر آباؤهم ﴾ كقوله في "القصص" ﴿ لتنذر قوماً ما أتاهم من نذير  ﴾ وقد مر أنه يشمل اليهود والنصارى لأن آباءهم الأدنين لم ينذروا بعدما ضلوا ﴿ فهم غافلون ﴾ لهذا السبب.

وقد يقال: إن "ما" مصدرية أو موصولة أي أرسلت لتنذرهم إنذارا آبائهم أو ما أنذر آباؤهم فإنهم في غفلة، فعلى هذا كونهم غافلين سبب باعث على الإنذار، وعلى الأول عدم الإنذار سبب غفلتهم.

ثم بين أن السبب الحقيقي للغفلة هو أنه  جعلهم من جملة المطبوع على قلوبهم ومن زمرة أهل النار وهو قوله فيهم ﴿ لأملأنّ جهنم منك وممن تبعك  ﴾ أو أراد بالقول سبق علمه فيهم وفي أمثالهم أنهم لا يؤمنون.

وقيل: أراد أن القول بالدعوة بلغ أكثرهم ولكنهم لا يؤمنون جحوداً وعناداً، وذلك أن من يتوقف على استماع الدليل في مهلة النظر يرجى منه الإيمان إذا بان له البرهان، أما بعد البيان والوضوح فلا يكون عدم الإيمان إلا للمكابرة.

وحين بيّن أنهم لا يؤمنون ذكر أن ذلك من الله  فقال ﴿ إنا جعلنا في أعناقهم أغلالاً ﴾ فيكون مثلاً لتصميمهم على الكفر كالطبع والختم.

وقيل: إنه إشارة إلى إمساكهم وأنهم لا ينفقون في سبيل الله كما قال ﴿ ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك  ﴾ وعلى هذا يمكن أن يكون معنى قوله ﴿ فهم لا يؤمنون ﴾ أنهم لا يزكون كأنه عبر بالإيمان عن الزكاة كما عبر به عن الصلاة في قوله ﴿ وما كان الله ليضيع إيمانكم  ﴾ وقيل: نزلت في بني مخزوم وذلك أن أبا جهل حلف لئن رأى محمداً  يصلي ليرضخن رأسه، فأتاه وهو يصلي ومعه حجر ليدمغه فلما رفع يده انثنت إلى عنقه ولزق الحجر بيده حتى فكوه عنها بجهد فرجع إلى قومه فأخبرهم فقال مخزومي آخر: أنا أقتله بهذا الحجر.

فذهب فأعمى الله بصره وأنزلت الآيتان.

والضمير في قوله ﴿ فهي إلى الأذقان ﴾ راجع إلى الأيدي وإن كانت غير مذكورة لكونها معلومة فإن المغلول تكون أيديه مجموعة إلى العنق ولذلك يسمى الغل جامعة أي جامعاً لليد والعنق.

وتأنيث الجامعة مبالغة أو بتأويل الآلة.

وقيل: واختاره في الكشاف أنه يرجع إلى الأغلال اي جعلنا في أعناقهم أغلالاً ثقالاً غلاظاً بحيث تبلغ إلى الأذقان فلم يتمكن المغلول معها من أن يطأطئ رأسه فلا يزال مقمحاً.

والمقمح الذي يرفع راسه ويغض بصره ومنه أقمحت السويق اي سففته.

والكانونان يقال لهما شهراً قماح لأن الإبل ترفع رؤوسها عن الماء لبرده فيهما.

وكيف يفهم من الغل في العنق المنع من الإيمان حتى يجعل كناية فيقول المغلول الذي بلغ الغل ذقنه وبقي مقمحاً رافع الرأس لا يبصر الطريق فضرب ذلك مثلاً للذي يهديه النبي  إلى الصراط المستيم العقلي وهو لا يبصره بنظر بصيرته، ويمكن أن يجعل كناية عن عدم التصديق بتحريك الرأس.

ويقال: بعير قامح إذا رفع رأسه فلم يشرب الماء، والإيمان كالماء الزلال الذي به الحياة.

ثم ضرب مثلاً آخر لكونهم غير منتهجين سبيل الرشاد وذلك قوله ﴿ وجعلنا من بين ايديهم سداً ﴾ قال أهل التحقيق: المانع إما أن يكون في النفس وهو الغل فلا يتبين لهم ىيات الأنفس، وإما أن يكون خارداً عنها وهو السدّ فلا يتضح لهم دلائل الآفاق.

ويمكن أن يقال: السدّ من قدام إشارة إلى عدم العلوم النظرية، ومن خلف إشارة إلى عدم فطنتهم الغريزية، أو الأوّل إشارة إلى الغفلة عن أحوال المعاد، والثاني إشارة إلى الغفلة عن المبدأ.

وفيه أن السالك إذا انسدّ عليه الطريق من قدامه ومن خلفه والموضع الذي هو فيه لا يكون موضع إقامة فإنه يهلك لا محالة.

ثم زاد ف التأكيد بقوله ﴿ فأغشيناهم ﴾ أي جعلنا بعد ذلك كله على ابصارهم غشاوة ﴿ فهم لا يبصرون ﴾ شيئاً اصلاً.

ويحتمل أن يكون الإغشاء إشارة إلى أن السدّ قريب منهم بحيث يصير ذلك كالغشاوة فإن القرب القريب مانع من الرؤية فلا يرون السدّ قريب منهم ﴿ فهم لا يبصرون ﴾ وعلى هذا يكون ذكر السد من خلف تأكيداً على تكيد، فإن الذي جعل بين يديه ومن خلفه سدان ملتزقان لا يمكنه التحرك يمنة ويسرة ولا النظر إلى السدّ ولا إلى غيره.

ويمكن أن يقال: فائدته تعميم المنع من انتهاج المسالك المستقيمة لأنهم إن قصدوا السلوك إلى جانب اليمين أو إلى جانب الشمال صاروا متوجهين إلى شيء ومولين عن شيء، وهكذا إن فرض رجوع قهقرى فإن المشي من هاتين الجهتين عادة، ثم صرح بالمقصود معطوفاً على المذكوراتع قائلاً ﴿ وسواء عليهم ﴾ الآية.

وقد مر إعرابه وسائر ما يتعلق بتفسيره في أول البقرة.

ولا يخفى أن الإنذار وعدمه بالنسبة إلى النبي  غير مستويين وإنما الإنذار سبب لزيادة سيادته وسعادته عاجلاً وآجلاً.

ثم بين بقوله ﴿ إنما تنذر ﴾ أن عدم فائدة الإنذار إنما هو بالإضافة إلى المطبوع على قلوبهم الذين تقدم شرح حالهم وبيان أمثالهم لا إلى المنتفعين به.

والذكر القرآن أو ما فيه من المواعظ والحكم والدلائل، وفي ذكر الخشية مع تعقيبه باسم الرحمن إشارة إلى أن قهره مقرون بلطفه يعني مع كونه ذا هيبة لا تقطعوا رجاءكم.

والغيب ما غاب عنا من أحوال القيامة وغيرها.

وقيل: أي بالدليل وإن لم ينته إلى العيان فعند الانتهاء إلى ذلك لم يبق للخشية فائدة.

ومعنى الفاء في ﴿ فبشره ﴾ أنك كما أنذرت وخوّفت فبشر بمغفرة واسعة وأجر كريم لا يكتنه كنهه، فكأن المغفرة بإزاء الإيمان والأجر الكريم للعمل الصالح.

أو الأول لاتباع الذكر والثاني للخشية.

وحين فرغ من بيان الرسالة شرع في أصل الحشر قائلاً ﴿ إنا نحن نحيي الموتى ﴾ على أن البشارة بالمغفرة والأجر لا يتم إلا بعد ثبوت الإعادة وهكذا خشية الرحمن بالغيب تناسب ذكر إحياء الأموات.

والظاهر أن قوله ﴿ نحن ﴾ ضمير الفصل ويجوز أن يكون مبتدأ والفعل خبره والجملة هخبر "إن" ويجوز أن يكون ﴿ نحن ﴾ خبر "إن" كقول القائل عند الافتخار بالشهرة: أنا أنا.

كأن الله  قال إنما نحن معروفون بأوصاف الكمال وإذا عرّفنا أنفسنا فلا تنكر قدرتنا على إحياء الموتى.

وفي هذا التركيب أيضاً إشارة إلى التوحيد أي ليس غيرنا أحد يشاركنا حتى نقول إنا كذا فنمتاز.

ثم اشار إلى العلم التام الذي يتوقف عليه المجازاة فقال ﴿ ونكتب ما قدّموا ﴾ أي اسلفوا من الأعمال صالحة كانت أو فاسدة.

وقيل: أراد ما قدّموا وأخروا فاكتفى بأحدهما كقوله ﴿ سرابيل تقيكم الحر  ﴾ والصحيح أنه لا حاجة إلىهذا التقدير لأن قوله ﴿ وآثارهم ﴾ يدل عليه والمراد بها ما هلكوا عليه من أثر حسن كعلم علموه أو كتاب صنفوه أو بقعة خير عمروها أو أثر سيء كبدعة وظلامة وآلات ملاه.

وقيل: هي آثار المشائين إلى المساجد.

عن جابر: أردنا النقلة إلى المسجد والبقاع حوله خالية فقال لنا رسول الله  : "عليكم دياركم فإنما تكتب آثاركم" .

وعن عمر بن عبد العزيز: لو كان الله مغفلاً شيئاً لأغفل هذه الآثار التي تعفيها الرياح أي تمحوها.

وقيل: أراد ونكتب ما قدموا من نياتهم فإنها قبل الأعمال وآثارهم أي أعمالهم.

سؤال: كيف قدم إحياء الموتى على الكتابة ولم يقل "نكتب ما قدموا ونحييهم" لأجل الجزاء؟

الجواب لأن الكتابة ليست مقوصدة بالذات وإنما المقصود الأصلي هو الإحياء للجزاء ولو لم يكن إحياء وإعادة لم يكن للكتابة أثر.

وأيضاً قوله ﴿ إنا نحن ﴾ دال على العظمة والجبروت، والإحياء أمر عظيم لا يقدر عليه أحد إلا الله  بخلاف الكتابة، فقدّم الأمر العظيم ليناسب اللفظ الدال على العظمة.

وأيضاً أراد أن يرتب على كتابة الأعمال قوله ﴿ وكل شيء أحصيناه ﴾ ومعناه أن قبل هذه الكتابة كتابة أخرى فإن الله كتب عليهم أنهم سيفعلون كذا، ثم إذا فعلوا كتب عليهم أنهم فعلوه.

وفيه بيان أن الكتابة مقرونة بالحفظ والإحصاء، فرب مكتوب غير محفوظ ولا مضبوط، وفيه تعميم بعد تخصيص كأنه قال: ليست لالكتابة مختصة بأفعالهم وإنما هي لكل شيء.

والإمام اللوح لأن الملائكة يتبعون ما كتب فيه من أجل ورزق وإماتة وإحياء، والمبين هو المظهر للأمور، والفارق بين أحوال الخلق، وحيث بين أن الإنذار لا ينفع من اضله الله وكتب عليه أنه لا يؤمن قال لنبيه  لا تأس.

﴿ واضرب ﴾ لنفسك ولقومك ﴿ مثلاً ﴾ مثل ﴿ أصحاب القرية ﴾ وهي إنطاكية الروم، والمرسلون رسل عيسى  إلى أهلها.

وفي قوله ﴿ إذ أرسلنا ﴾ دلالة على أن رسول الرسول رسول وأنه يؤيد مسألة فقهية وهي أن وكيل الوكيل بإذن الموكل وكيل الموكل حتى لا ينعزل بعزل الوكيل إياه وينعزل إذا عزله الموكل الأول، وكأنه أرسل اثنين ليكون قولهما على قومهما عند عيسى حجة تامة.

وكان رسولنا  يكتفي بواحد في الأغلب كمعاذ وغيره فمن هنا يعلم ترجيح هذه الأمة.

وأما القصة فإن عيسى  أرسل إليهم اثنين فلما قربا من المدينة رأيا شيخاً يرعى غنماً واسمه حبيب النجار فسألهما فأخبراه فقال: ما آيتكما؟

قالا: نشفي المريض ونبرئ الأكمة والأبرص.

وكان له ولد مريض من سنتين فمسحاه فبرأ فآمن حبيب وفشا الخبر فشفى على أيديهما خلق كثير ورفع خبرهما إلى الملك فأحضرا فلما سمع قولهما قال: ألنا إله سوى آلهتنا؟

قالا: نعم.

من أوجدك وآلهتك.

فحبسهما حتى ينظر في أمرهما فبعث عيسى شمعون وذلك قوله  ﴿ فعززنا بثالث ﴾ من قرأ بالتشديد فمعناه فقوّينا الرسولين، ومن قرأ بالتخفيف فمن العزة أي فغلبنا وقهرنا أهل القرية.

وإنما ترك ذكر المفعول به لأأن الغرض ذكر الثالث فالعناية بذكره أهم وأتم نظيره قولك: حكم السلطان اليوم بالحق الغرض الذي سبق له الكلام قولك بالحق فلذلك تركت ذكر المحكوم له والمحكوم عليه.

وأما باقي القصة فإن شمعون دخل متنكراً وعاشر حاشية الملك حتى استأنسوا به ورفعوا خبره إلى الملك فأنس به فقال له ذات يوم بلغني أنك حبست رجلين فهل سمعت ما يقولانه؟

قال: لا، حال الغضب بيني وبين ذلك.

فدعاهما فقال شمعون: من أرسلكما قال: الله الذي خلق كل شيء وليس له شريك يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.

قال: وما آيتكما؟

قالا: ما يتمنى الملك.

فدعا بغلام مطموس فدعوا الله حتى انشق له بصر وأخذا بندقتين فوضعاهما في حدقتيه فكانتا مقلتين ينظر بهما فقال شمعون: يا أيها الملك إن شئت أن تغلبهما فقل لآلهتك حتى تصنع مثل هذا.

فقال الملك: أنت لا يخفى عليك أنها لا تسمع ولا تبصر ولا تقدر ولا تعلم.

وكان شمعون يدخل معهم على الصنم فيصلي ويتضرع ويحسبون أنه منهم.

فقال شمعون: فالحق إذاً معهم فآمن الملك وبعض حاشيته وبقي آخرون على الكفر فأهلكوا بالصيحة.

قال أهل البيان: يجب زيادة المؤكدات في الجملة الخبرية بحسب تزايد الإنكار من السامع فلهذا قال الرسل أوّلاً: إنا إليكم مرسلون مقتصرين على "أن".

وثانياً ﴿ ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون ﴾ مجموعاً بين "أن" واللام وما يجري مجرى القسم.

ولا يخفى أن اليمين بعد إظهار البينة وإفحام الخصم مؤكد قوي كما مر في أول السورة.

وفي قولهم ﴿ وما علينا إلا البلاغ المبين ﴾ تسلية لأنفسهم أي نحن خرجنا من عهدة ما علينا ولم يبق إلا التفكر منكم والتذكر.

وحيث أكد الرسل قولهم باليمن أكد الكفار قولهم بالتطير، فمن عادة الجهال أن يتيمنوا بكل ما يوافق طباعهم وهواهم ويتشاءموا بما كرهوه وكأنهم قالوا في الأول كنتم كاذبين وفي الثاني صرتم مصرين على الكذب حالفين بالأيمان الكاذبة التي تدع الديار بلاقع فتشاءمنا بكم ولا نترككم.

﴿ لئن لم تنتهوا لنرجمنكم ﴾ بالقول أو بالحجارة.

﴿ وليمسنكم ﴾ بعد ذلك أو بسبب الرجم بالحجارة المتوالية إلى الموت ﴿ عذاب أليم ﴾ ﴿ قالوا طائركم ﴾ أي سبب شؤمكم ﴿ معكم ﴾ وهو كفركم ومعاصيكم ﴿ أئن ذكرتم ﴾ يعني أتطيرون إن ذكرتم.

ومن قرأ ﴿ أين ﴾ على وزن "كيف" ذكرتم بالتخفيف فالمراد شؤمكم معكم حيث جرى ذكركم فضلاً عن المكان الذي حللتم فيه.

ثم إن الرسل كأنهم قالوا لهم أنحن كاذبون أم نحن مشؤمون ﴿ بل أنتم قوم مسرفون ﴾ في عصيانكم أو ضلالكم فمن ثم أتاكم الشؤم، أو تشاءمتم بمن يجب التبرك بهم وقصدتموهم بالسوء ﴿ وجاء من أقصى المدينة رجل ﴾ هو حبيب النجار الذي مر ذكره نصح قومه فقتلوه وقبره في سوق أنطاكية.

وقيل: في غار يعبد الله عز وجل، فلما بلغه خبر الرسل أتاهم وأظهر دينه وقاول الكفرة فوثبوا عليه فقتلوه.

وعن رسول الله  "سباق الأمم ثلاثة لم يكفروا بالله طرفة عين: علي بن أبي طالب  ، وصاحب ياسين ومؤمن آل فرعون" ومن هنا قالوا: إنه آمن بمحمد  قبل ولادته وذلك أنه سمع نعته من الكتب والعلماء.

وتنكير رجل للتعظيم أي رجل كامل في الرجولية أو ليفيد ظهور الحق من جانب المرسلين حيث آمن بهم رجل من الرجال لا معرفة لهم به وكان بعيداً من التواطؤ.

وقوله ﴿ من أقصى المدينة ﴾ ايضاً يفيد مثل هذا أو أنهم ما قصروا في التبليغ والإنذار حتى بلغ خبرهم القاصي والداني والسعي بمعنى المشي أو بمعنى القيام في المهام أي يهتم بشأن المؤمنين ويسعى في نصرتهم وهدايتهم ونصحهم.

ثم حثهم على اتباع الرسل ولم يقل اتبعوني كما قال مؤمن آل فرعون ﴿ اتبعون أهدكم سبيل الرشاد  ﴾ لأنه جاءهم فنصحهم في أوّل مجيئه وما رأوا سيرته بعد فقال: اتبعوا هؤلاء الذين أظهروا لكم الدليل وأوضحوا لأجلكم السبيل.

فقوله ﴿ اتبعوا ﴾ نصيحة وقوله ﴿ المرسلين ﴾ إظهار للإِيمان وقدم النصيحة إظهاراً للشفقة.

وقد روي أنه كان يقتل ويقول: اللهم اهد قومي.

ثم أكد وجوب الاتباع بأنهم في أنفسهم مهتدون ولا يتوقعون أجراً في الدلالة ووجوب اتباع مثل هذا الدليل للذي ضل عن سواء السبيل مركوز في العقول.

ثم أبرز الكلام في معرض المناصحة لنفسه وهو يريد مناصحة قومه.

قال الحكيم ﴿ الذي فطرني ﴾ إشارة إلى وجود المقتضى.

وقوله ﴿ ومالي ﴾ إشارة إلى عدم المانع من جانبه فإن كل امرئ هو أعلم بحال نفسه، والمقتضى وإن كان مقدماً في الوضع والطبع على المانع إلا أن المقتضي ههنا لظهوره كان مستغنياً عن البيان رأساً فقدّم عدم المانع لأجل البيان ولهذا لم يقل "وما لكم لا تعبدون" كيلا يذهب الوهم إلى أنه لعله يطلب العلة والبيان وإنما ورد في سورة نوح ﴿ ما لكم لا ترجون لله وقاراً  ﴾ لأن القائل هناك داع لا مدعو فكأن الرجل قال: مالي لا أعبد وقد طلب مني ذلك.

وفي قوله ﴿ وإليه ترجعون ﴾ بيان الخوف والرجاء ولهذا لم يقل "وإليه أرجع" كأنه جعل نفسه ممن يعبد الله لذاته لا لرغبة أو رهبة.

ثم أراد كمال التوحيد فقال ﴿ أئتخذ من دونه آلهة ﴾ فقوله ﴿ مالي لا أعبد الذي فطرني ﴾ فيه إقرار بوجود الصانع الفاطر، وقوله ﴿ أأتخذ ﴾ على سبيل الإنكار نفي لغيره ممن يسمى إلهاً وبهما يتم معنى لا إله إلا الله.

ثم عرض على عقولهم جهل عابدي الأصنام أنهم لا يقدرون على دفع ضر ولا على إيصال نفع، وقد رتب الكلام فيه على ترتيب ما يقع بين العقلاء فإن الذي يريد أن يدفع الضر عن شخص يقدم على الشفاعة له، فإن قبلت وإلا أنقذه اي أخلصه بوجه من الوجوه.

قال بعض المفسرين: لما أقبل القوم عليه يريدون قتله أقبل هو على المرسلين.

قال ﴿ إني آمنت بربكم ﴾ فاسمعوا قولي لتشهدوا لي.

وإنما قال ﴿ بربكم ﴾ ولم يقل "بربي" ليتعين أنه آمن بالرب الذي دعوه إليه.

وقال أكثرهم: الخطاب للفكار وعلى هذا فالمراد به بيان التوحيد أي ربي وربكم واحد وهو الذي فطرني وفطركم فاسمعوا قولي وأطيعوني.

وفي قوله ﴿ قيل ادخل الجنة ﴾ وجهان أحدهما.

أنه قتل.

ثم كأن سائلاً سأل: كيف لقاؤه ربه بعد ذلك التصلب في نصرة الدين حتى بذل مهجته؟

فقيل: قيل ادخل الجنة.

والقائل هو الله  أو الملائكة بأمره.

قال جار الله: لم يذكر المقول له لانصباب الغرض إلى المقول وعظم شأنه ولأنه معلوم.

ثم كأن سائلاً آخر سأل: ايّ شيء تمنى في الجنة؟

فقيل ﴿ قال يا ليت قومي يعلمون ﴾ وإنما تمنى علم قومه بحاله ليصير ذلك سبباً لهم في التوبة والإِيمان ليفوزوا بما فاز ويؤيده ما روي في حديث مرفوع أنه نصح قومه حياً وميتاً.

ويجوز أن يكون سبب التمني هو أن ينبهوا على خطئهم في أمره وعلى صوابه في رأيه وأن عداوتهم لم تعقبه إلا سعادة وكرامة.

وثانيهما أن الرسل بشروه وهو حيّ بدخول الجنة فصدّقهم وتمنى علم قومه بحاله فيؤمنوا كما آمن.

و"ما" في قوله ﴿ بما غفر ﴾ مصدرية أو موصولة أي بالذي غفره لي من الذنوب، أو استفهامية يعني بأي شيء غفر لي أراد ما جرى بينه وبينهم من المصابرة والذب عن الدين إلا أن طرح الألف أجود.

فقول القائل: علمت بم صنعت هذا أحسن من قوله "بما صنعت" فقوله ﴿ غفر لي ربي وجعلني من المكرمين ﴾ بإزاء قوله ﴿ فبشره بمغفرة وأجر كريم ﴾ ثم اشار إلى كيفية إهلاك قومه بعده قائلاً ﴿ وما أنزلنا على قومه ﴾ قال المفسرون: يجوز أن يريد بقومه الذين بقوا من أهل القرية بعد المؤمنين منهم وأن يريد به أقاربه فلعل غيرهم من قوم الرسل آمنوا فلم يصبهم العذاب.

ثم قال ﴿ وما كنا منزلين ﴾ أي وما كان يصح في حكمتنا أن ننزل في إهلاك قوم حبيب جنداً من السماء، ومن هنا يعلم فضل نبينا  على غيره فقد أنزل الله لأجله الجنود من السماء يوم بدر والخندق وحنين وما أنزلها لغيره من نبي فضلاً عن حبيب، فشتان بين حبيب الجبار وبين حبيب النجار.

فالحاصل أنه  يقول لمحمد  : إن إنزال الجنود من عظائم الأمور التي لا يؤهل لها إلا مثلك وما كنا نفعله لغيرك.

فمن قرأ ﴿ إلا صيحة ﴾ بالنصب أراد ما كانت الأخذة أو العقوبة إلا بسبب صيحة، ومن قرأ بالرفع على أن "كان" التامة فمعناه ما وقعت إلا صيحة.

قال جار الله: القياس والاستعمال على تذكير الفعل لأن المعنى ما وقع شيء إلا صيحة ولكنه نظر إلى ظاهر اللفظ وأن الصيحة في حكم فاعل الفعل.

قلت: يجوز أن يقدر ما حدثت عقوبة.

وقيل: إن التأنيث لتهويل الواقعة ولهذا جاءت أسماء الجنس كلها مؤنثة.

ووصف الصيحة بواحدة للتأكيد.

وقرأ ابن مسعود إلا زقية وهي الصيحة ايضاً ومنه المثل "أثقل من الزواقي" والزقاء صياح الديك ونحوه، وذلك لأن صياح الديكة يؤل بنزول الأنس وبتبدل الفراق بالوصال.

ثم شبه هلاكهم بخمود النار وهو صيرورتها رماداً لأنهم كانوا كالنار الموقدة في القوة الغضبية حيث قتلوا من نصحهم وتجبروا على من أظهر المعجزة لديهم.

ثم بين بقوله ﴿ يا حسرة ﴾ أنهم أحقاء بأن يتحسر عليهم المتحسرون من الملائكة والثقلين أو من الله عز وجل على سبيل الاستعارة وذلك لتعظيم ما صدر من تقصيرهم وبدر من تفريطهم ثم ذكر سبب التحسر بقوله ﴿ ما يأتيهم ﴾ الآية.

ثم عجب من حالهم في عدم الاعتبار بأمثالهم من الأمم الخالية.

وقوله ﴿ أنهم إليهم لا يرجعون ﴾ بدل من ﴿ كم أهلكنا ﴾ التقدير: ألم يعلموا القرون الكثيرة المهلكة من قبلهم كونهم غير راجعين إليهم.

والبدل بدل اشتمال لهم لأنه حال من أحوال المهلكة أي أهلكوا بحيث لا رجوع لهم إليهم.

ولارجوع حسيّ وهو ظاهر، أو معنويّ وهو الرجوع بالنسب والولادة أي أهلكناهم وقطعنا نسلهم.

من قرأ "لما" بالتشديد فمعنى إلا و"أن" نافية.

ومن قرأ بالتخفيف فإن مخففة و"ما" صلة تقديره.

وإن كلهم لمحشورون مجموعون محضرون للحساب يوم القيامة.

قال في الكشاف: كيف أخبر عن كل المجموعي بجميع؟

وأجاب بأنهما ليسا بواحد، بل الكل يفيد الشمول والجميع يفيد الانضمام وأن المحشر يجمعهم.

ويحتمل أن يقال: الغرض وصف الجميع بالإحضار كقولك: الرجل رجل عالم والنبيّ نبيّ مرسل.

ثم ذكر البرهان على الحشر وعلى التوحيد أيضاً مع تعداد النعم وتذكيرها قائلاً: ﴿ وآية لهم الأرض الميتة ﴾ قال المحققون: إنما قال لهم لأن الأرض ليست آية للنبي ولغيره من أهل الإخلاص الذين هم بالله عرفوا الله قبل النظر إلى الأرض والسماء كقوله ﴿ أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد  ﴾ وقوله ﴿ أحييناها ﴾ استئناف بياناً لكونها آية وكذلك نسلخ ويجوز أن يكونا وصفين على قياس.

ولقد أمر على اللئيم يسبني *** وقوله ﴿ فمنه يأكلون ﴾ بتقديم الجار للدلالة على أن الحب هو معظم قوت الإنسان وبه قوام معاشه عادة، فنفس الأرض آية فإنها مهدهم الذي فيه تحريكهم واستكانهم والأمر الضروري الذي عنده وجودهم وإمكانهم.

وسواء كانت ميتة أو لم تكن فهي مكان لهم، ثم إحياؤها مخضرة نعمة ثانية فإنها أحسن وأنزه، ثم إخراج الحب منها نعمة ثالثة فإن قوتهم إذ كان في مكانهم كان أجمع للقوّة والفراغ.

ثم جعل الجنات فيها نعمة رابعة موجبة للتفكه وسعة العيش، ثم تفجير العيون فيها نعمة خامسة لأن ماء السماء لا يحصل الوثوق بنزوله في كل حين فذلك كالشيء المدخر القريب التناول.

والضمير في قوله ﴿ من ثمره ﴾ يعود إلى الله، وفائدة الالتفات أن الثمار بعد وجود الاشجار وجريان الأنهار لا توجد إلا بتخليق الملك الجبار، ويحتمل أن يعود إلى المذكور وهو الجنات أو إلى التحصيل وترك ذكر الأعناب لأن حكمه حكم النخيل.

وقيل: إلى التفجير المدلول عليه بسياق الكلام أي ليأكلوا من فوائد التفجير وهو أعم من الثمار، ويشمل جميع ما ذكره في قوله ﴿ أنا صببنا الماء صباً  ﴾ إلى قوله ﴿ وفاكهة وأباً  ﴾ وقوله ﴿ وما عملت ﴾ من قرأ بغير هاء الضمير فما موصولة أو مصدرية أي ليأكلوا من ثمر الله ومن ثمر ما عملته أو من ثمر عمل أيديهم، أو نافية فيكون إشارة إلى أن الثمر خلق الله ولم تعمله أيدي الناس ولا يقدرون عليه، ومن قرأ مع الضمير فما موصولة والضمير لها أو نافية والضمير للتفجير أو المذكور.

ومعنى عمل الأيدي ما يتكابده الناس من الحرث والسقي وغير ذلك.

هذا إذا جعلت "ما" موصولة، فإن كانت نافية فالمراد الإيجاد والخلق.

وقيل: عمل الأيدي التجارة.

وقيل: الطبخ ونحوه.

ثم نزه نفسه بقوله ﴿ سبحان الذي خلق الأزواج ﴾ أي الأصناف والمراد بقوله ﴿ ومما لا يعلمون ﴾ أزواج لم يطلع الله الإنسان عليها بطريق من طرق المعرفة ﴿ وما يعلم جنود ربك إلا هو  ﴾ ﴿ فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين  ﴾ قالت الأشاعرة: فيه دليل على أن أفعال العباد مخلوقة لله لأن أفعالهم أعراض وهي داخلة تحت الأجناس.

وقوله ﴿ مما تنبت ﴾ لا يخرجه عن العموم لأن البيان متعدّد نظيره قول القائل: أعطيته كل شيء من الثياب والدواب والعبيد.

فإنه يفهم أن تعديد الأصناف لتأكيد العموم يؤيده قوله في الزخرف ﴿ الذي خلق الأزواج كلها  ﴾ من غير تقييد.

وحين فرغ من الاستدلال بالمكان شرع في الاستدلال بالزمان.

ومعنى سلخ النهار من الليل تميزه منه.

ومعنى سلخ النهار من الليل تميزه منه.

قال جار الله: أصله من سلخ الجلد الشاة إذا ازالة عنها فاستعير لإزالة الضوء وكشفه عن مكان الليل وموضع إلقاء ظله.

ومعنى ﴿ مظلمون ﴾ داخلون في الظلام أي لا بد لهم أن يدخلوا في الظلام إذ زال ولا يقدرون على دفعه.

وفيه أن الليل كعرض أصلي يطرأ عليه النور تارة ويزول عنه أخرى.

ثم كان لجاهل أن يقول: سلخ النهار إنما هو بغروب الشمس فلا جرم قال ﴿ والشمس تجري لمستقرّ ﴾ أي لحدّ لها مؤقت تنتهي إليه من فلكها شبه بمستقر المسافر إذا قطع مسيره إلا أن المسافر له قرار بعد ذلك وهذه لا قرار لها بعد الحصول في ذلك الحدّ ولكنها تستأنف الحركة منه وهو أوّل الحمل أو أحد الخافقين أو إحدى الغايتين في تصاعدها في الفلك نصف النهار وتنازلها أو غير ذلك من الاعتبارات.

وقيل: أراد بالمستقر بيتها وهو الأسد.

وقيل: أراد لجري مستقرها وهو فلكها.

وقيل: هو الدائرة التي عليها حركتها الخاصة.

وقال الحكيم: أراد لأمر لو وجده لاستقر وهو استخراج الأوضاع الممكنة.

وقيل: أراد الوقت الذي ينقطع جريها وهو يوم القيامة.

وقيل: إنه إشارة إلى نعمة النهار بعد الليل كأنه قال: إن الشمس تجري فتطلع عند انقضاء الليل فيعود النهار لمنافعه وعلى هذا فالمستقر هو أفق الغرب خاصة ﴿ ذلك ﴾ الجري على الوجوه المذكورة ﴿ تقدير العزيز ﴾ الغالب بقدرته على كل مقدور ﴿ العليم ﴾ بمبادئ الأمور وغاياتها.

ثم ذكر أمر سير القمر وقد مر في أوّل سورة يونس في قوله ﴿ وقدره منازل  ﴾ والعرجون عود العذق ما بين شماريخه إلى منبته من النخلة وهو "فعلون" من الانعراج الانعطاف قاله الزجاج.

والقديم ما تقادم عهده ويختلف بحسب الأعيان.

فلا يقال لمدينة بنيت من سنة وسنتين هي قديمة.

وقد يقال: نبت قديم وإن لم يكن له سنة.

وإطلاق القديم على العالم لا يعتاد لأنه موهم إلا عند من يعتقد أنه لا أول له.

وقال في الكشاف: القديم المحول وهو أول ما يوصف بالقدم، فلو أن رجلاً قال: كل مملوك لي قديم فهو حر وكتب ذلك في وصية، عتق منهم من مضى له حول وأكثر.

وإذا قدم العرجون دق وانحنى واصفرّ فشبه انقراض الشهر به من الوجوه الثلاثة.

ثم بين أن لكل واحد من النيرين حركة مقدرة وسلطاناً على حياله ﴿ لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ﴾ لتباطؤ سيرها عن سيره ﴿ ولا الليل ﴾ أي ولا تسبق آية الليل - وهو القمر- آية النهار - وهي الشمس - أي لا يداخل القمر الشمس في سلطانها.

وقيل: أراد أن الليل لا يدخل في وقت النهار.

وقيل: إنه إشارة إلى الحركة اليومية التي بها يحدث الليل والنهار.

والمراد أن القمر لا يسبق الشمس بهذه الحركة لأنها تشملهما على السواء، وهكذا جميع الكواكب فلا يقع بسببها تقدم ولا تأخر ولهذا لم يقل "يسبق" على قياس تدرك أي ليس من شأنه السبق إذ الكواكب كأنها كلها ساكنة بهذه الحركة.

وأقول: يحتمل أن يراد لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا القمر ينبغي أن يتخلف، فحذف إحدى القرينتين للعلم به كقوله ﴿ سرابيل تقيكم الحر  ﴾ وكذا الكلام في قوله ﴿ ولا الليل سابق النهار ﴾ أراد ولا النهار سابق الليل أي لا يدخل شيء منهما في غير وقته.

سلمنا أن المراد بالليل والنهار آيتهما لكنه يمكن أن يقال: إنه إشارة إلى الحركة الدورية لأنه لما قال: إن الشمس لبطء سيرها لا تدرك القمر.

فهم منه أن القمر يسبق الشمس بحركته، فأشار إلى أن هذا السبق ليس على قياس المتحركات على الاستقامة ولكنه سبق هو بعينه موجب للقرب، وهذا معنى قول أهل الهيئة إن الكوكب هارب عن نقطة ما طالب لها بعينه.

وأما قوله ﴿ وكل في فلك يسبحون ﴾ فقد مرّ تفسيره في سورة الأنبياء.

ولما بين ما هو كالضروري لوجود الإنسان من المكان والزمان وما يتبعه ويسبقه، شرع في تقرير ما هو نافع لهم في أحوال المعاش.

قال بعض المفسرين: أراد بحمل الذرية حمل آبائهم وهم في أصلابهم.

والفلك فلك نوح ومثله هو ما يركبون الآن عليه من السفن والزوارق.

قال جار الله: وإنما ذكر ذرياتهم دونهم لأنه أبلغ في الامتنان عليهم وأدخل في التعجب من قدرته في حمل أعقابهم إلى يوم القيامة في سفينة نوح، ولولا ذلك لما بقي للآدمي نسل.

ومن فوائد ذكر الذرية أن من الناس من لا يركب السفينة طول عمره ولكنه في ذريته من يركبها غالباً.

وذهب آخرون إلى أن المراد حمل أولادهم ومن يهمهم حمله كالنساء.

وقد يقع اسم الذرية عليهن لأنهن مزارع الأولاد.

في الحديث "إنه نهى عن قتل الذراري" يعني النساء فكأنه قيل: إن كنا ما حملناكم بأنفسكم فقد حملنا من يهمكم أمره وعلى هذا يكون قوله ﴿ وخلقنا لهم ﴾ إلى آخره اعتراضاً، ومثل الفلك ما يركبون من الإبل لأنها سفائن البر.

وفي وصف الفلك بالمشحون مزيد تقرير للقدرة والنعمة فإن الفلك إذا كان خالياً كان خفيفاً لا يرسب في الماء بالطبع.

ثم ذكر ما يؤكد كونه فاعلاً مختاراً قائلاً ﴿ وإن يشأ نغرقهم فلا صريخ لهم ﴾ وهو مصدر أو صفة أي لا إغاثة أو لا مغيث.

وقوله ﴿ إلا رحمة ﴾ إشارة إلى أن الإنقاذ رحمة بالنسبة إلى المؤمن ومتاع إلى حلول الأجل بالإضافة إلى الكافر، أو المراد أن أحد لا يتخلص من الموت وإن سلم من الآفات ولله در القائل: ولم أسلم لكي أبقى ولكن *** سلمت من الحمام إلى الحمام التأويل: ﴿ يس ﴾ إشارة إلى أنه بلغ في السيادة مبلغاً لم يبلغه أحد من المرسلين ﴿ تنزيل العزيز الرحيم ﴾ فيه أنه لعزته لا يحتاج إلى تنزيل القرآن ولكن رحمته اقتضت ذلك ﴿ نحيي ﴾ القلوب ﴿ الموتى ونكتب ما قدموا ﴾ من الأنفاس المتصاعدة ندماً وشوقاً، وآثار خطا أقدام صدقهم وآثار دموعهم على خدودهم ﴿ أصحاب القرية ﴾ القلوب ﴿ إذ أرسلنا إليهم اثنين ﴾ من الخواطر الرحمانية والإلهامات الربانية بالتجافي عن دار الغرور والإنابة إلى دار الخلود ﴿ فكذبوهما ﴾ النفس وصفاتها ﴿ فعززنا بثالث ﴾ من الجذبة ﴿ إنا تطيرنا بكم ﴾ لأن النفس وصفاتها لا يوافقهما ما يدعو الإلهام والجذبة إليه ﴿ طائركم معكم ﴾ لأن النفس خلقت من العدم على خاصيتها المشؤومة ﴿ رجل يسعى ﴾ هو الروح المشتاق إلى لقاء الحق ﴿ لا يسألكم أجراً ﴾ لأنه لا شرب له من مشاربكم.

﴿ قيل ادخل الجنة ﴾ وهي عالم الأرواح وهو كقوله ﴿ يا أيتها النفس المطمئنة  ﴾ إلى قوله ﴿ ادخلي جنتي  ﴾ ﴿ على قومه من بعده ﴾ أي بعد رجوع الروح إلى الحضرة ما أنزل إلى النفس وصفاتها ملائكة من السماء لأنهم لا يقدرون على النفس وصفاتها وإصلاح حالها، فإن صلاحها في موتها والمميت هو الله.

﴿ صيحة واحدة ﴾ من وارد حق ﴿ فإذا هم ﴾ يعني النفس وصفاتها ﴿ خامدون ﴾ ميتون عن أنانيته بهويته ﴿ ألم يروا كم أهلكنا ﴾ فيه إشارة إلى أن هذه الأمة خير الأمم شكى معهم من كل أمة وما شكى إلى أحد من غيرهم شكايتهم ﴿ وآية لهم ﴾ القلوب ﴿ الميتة أحييناها ﴾ بالطاعة ونخيل الأذكار واعناب الأشواق وعيون الحكمة وثمر المكاشفات وعمل الخيرات والصدقات ﴿ خلق الأزواج ﴾ من الآباء العلوية والأمهات السفلية ﴿ مما تنبت ﴾ أرض البشرية بازدواج الكاف والنون.

﴿ ومن أنفسهم ﴾ بازدواج الروح والقلب ﴿ ومما لا يعلمون ﴾ من تأثير العناية في قلوب المخلصين مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ﴿ وآية لهم ﴾ ليل البشرية ﴿ نسلخ منه ﴾ نهار الروحيانة ﴿ فإذا هم مظلمون ﴾ بظلمة الخليقة فإن الله خلق الخلق في ظلمة ثم رش عليهم من نوره.

وشمس نور الله ﴿ تجري لمستقر لها ﴾ وهو قلب استقر فيه رشاش نور الله وقمر القلب ﴿ قدرناه ﴾ ثمانية وعشرين منزلاً على حسب حروف القرآن وأسماؤها: الألفة والبر والتوبة والثبات والجمعية والحلم والخلوص والديانة والذلة والرأفة والزلفة والسلامة والشوق والصدق والصبر والطلب والظمأ والعشق والعزة والفتوة والقربة والكرم واللين والمروءة والنور والولاية والهداية واليقين.

فإذا قطع كل المنازل فقد تخلق بخلق القرآن ولهذا قال لنبيه  ﴿ واعبد ربك حتى يأتيك اليقين  ﴾ وهو آخر المنازل والمقامات، فإن السالك يألف الحق أوّلاً ثم يتوب فيثبت على ذلك حتى تحصل له الجمعية، وعلى هذا يعبر المقامات حتى يصير كاملاً كالبدر، ثم يتناقص نوره بحسب دنوّه من شمس شهود الحق إلى أن يتلاشى ويخفى وهو مقام الفقر الحقيقي الذي افتخر به نبيناً  بقوله "الفقر فخري" .

ثم أشار بقوله ﴿ لا الشمس ينبغي لها ﴾ إلى أن الرب لا يصير عبداً ولا العبد رباً.

ثم ذكر أن العلوم محمولون في سفينة الشريعة والخواص في بحر الحقيقة كلاهما بفلك العناية وملاحة ارباب الطريقة، ومثل ما يركبون هو جناح همة المشايخ.

﴿ وإن نشأ ﴾ نغرق العوام في بحر الدنيا والرخص والخواص في بحر الشبهات والإباحة.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ يسۤ * وَٱلْقُرْآنِ ٱلْحَكِيمِ ﴾ .

عن ابن عباس -  - قال: يا إنسان، يعنى: يا محمد أقسم به: يا محمد، إن هذا القرآن من عند الله نزل، وهو بلسان الحبشة.

وقال بعضهم: وهو بلسان طيئ.

وقتادة يقول: قسم، أقسم بالقرآن: إنك لمن المرسلين، ويقول: كل هجاء في القرآن فهو اسم من أسماء القرآن.

وقال بعضهم: هو من فواتح السورة.

وقال بعضهم: فواتح يفتتح بها كلامه.

وقال بعضهم: اسم من أسماء الرب.

وعن معاذ بن جبل وكعب -  ما - قالا: ﴿ يسۤ ﴾ قسم أقسم الله به يا محمد، ﴿ إِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ * عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾ دل أن الخطاب به على أثر قوله: ﴿ يسۤ ﴾ على أنه هو المراد بقوله: ﴿ يسۤ ﴾ ؛ إذ لا يستقيم الخطاب بقوله: ﴿ إِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ ﴾ إلا على سبق خطاب له وذكر اسمه.

وقال عكرمة: هو حرف من الهجاء الذي افتتح به السور كسائر حروف الهجاء.

وقال بعضهم: هو من حروف الهجاء التي أقسم الله بها، بما يتلو تلك الحروف من القرآن والآيات والكتاب؛ إذ من عادة العرب القسم بكل ما عظم خطره وجل قدره.

فإن قيل: كيف أقسم بالقرآن وهم كانوا ينكرون القرآن أنه من عند الله؟!

قيل إنهم وإن كانوا ينكرونه، فقد عظم قدره وجل خطره عندهم بما عجزوا عن إتيان مثله بعد قرع أسماعهم بقوله: ﴿ قُل لَّئِنِ ٱجْتَمَعَتِ ٱلإِنْسُ وَٱلْجِنُّ...

﴾ الآية [الإسراء: 88] ونحوه.

والثاني: أقسم به وإن كانوا ينكرونه؛ لما أن قسمه به يحملهم على السؤال عنه؛ إذ كانوا لا يقسمون إلا بما عظم قدره وجل خطره، يقولون: ما هذا القرآن الذي أقسم ربنا به؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ تَنزِيلَ ٱلْعَزِيزِ ٱلرَّحِيمِ ﴾ ، فكأنه على سؤال خرج على هذا أنه ﴿ تَنزِيلَ ٱلْعَزِيزِ ٱلرَّحِيمِ ﴾ ، وأن يكون القسم به وبغيره من الأشياء التي عظم خطرها عندهم، على إضمار القسم برب هذه الأشياء وبإلهها؛ هذا على قول من يقول بأن القسم بالله حقيقة لا بتلك الأشياء - مستقيم، وعلى قول من يجعل القسم بها لا على الإضمار هو ما ذكرنا.

وقوله: ﴿ ٱلْحَكِيمِ ﴾ .

أي: المُحْكَم لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه على ما وصف.

وقال بعضهم: المحكم بالحلال والحرام، والوعد والوعيد، من غير أن يكون فيه اختلاف.

وقال بعضهم: الحكيم؛ لأن من تمسك به وعمل بما فيه يصير حكيماً.

وقوله: ﴿ إِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ ﴾ .

ولم يقل: إنك لرسول الله، وكلاهما سواء، غير أن قوله: ﴿ إِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ ﴾ الذين آمنوا بهم من قبل وصدقوا بهم [ففيه] زيادة، ليس ذلك في قوله: (إنك لرسول)، والله أعلم.

وقوله: ﴿ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾ .

قال بعضهم: المستقيم: القائم بالحجج والبراهين، ليس بالهوى كسائر الأديان والسبل.

وقال بعضهم: المستقيم: المستوي، أي: مستوٍ؛ على أن من يسلكه أفضاه - أي: الله - وبلغه إلى دار السلام.

وقال بعضهم: المستقيم، أي: استقام بالحق والعدل والصدق، لا زيع فيه، ولا جور، ولا عدول، ولا اعوجاج.

ويحتمل أن يكون ذلك وصف النبوة والرسالة التي تقدم ذكرها.

ويحتمل وصف الدين، وذلك عامة قول أهل التأويل، والله أعلم.

وقوله: ﴿ تَنزِيلَ ٱلْعَزِيزِ ٱلرَّحِيمِ ﴾ .

أي: ذلك القرآن الذي أقسم به ﴿ تَنزِيلَ ٱلْعَزِيزِ ٱلرَّحِيمِ ﴾ ، أي: من عنده نزل وأحكم، سمّى نفسه: عزيزاً رحيماً عظيماً لطيفاً ظاهراً باطناً أولا آخراً، وفي الشاهد من وصف بالعزّ لا يوصف بالرحمة، ومن وصف بالعظم لا يوصف باللطافة، ومن وصف بالظاهر لا يوصف بأنه باطن، ومن وصف بالأول لا يوصف بالآخر؛ ليعلم أن المعنى الذي وصف به الخلق غير الذي وصف به الربّ - تبارك وتعالى - لأن من وصف من الخلق بواحد مما ذكرنا لم يستحق الوصف بالآخر، [فدل] أن ما وصف به الرب - تبارك وتعالى - غير ما يوصف به الخلق،  الله علوّاً كبيراً.

وقوله: ﴿ لِتُنذِرَ قَوْماً مَّآ أُنذِرَ آبَآؤُهُمْ ﴾ اختلف فيه: قال بعضهم: ﴿ لِتُنذِرَ قَوْماً ﴾ مثل الذي أنذر آباؤهم من الآيات التي أقامها، فلم يقبلوها ﴿ فَهُمْ غَافِلُونَ ﴾ أميون.

وقال بعضهم: ﴿ لِتُنذِرَ قَوْماً مَّآ أُنذِرَ آبَآؤُهُمْ ﴾ ، أي: لتنذر قوماً أميين لم ينذر آباؤهم، يقول قائل: لم تكن النذارة للأميين من قبل، كأنه يقول: لتنذر قوماً أميين لم ينذر آباؤهم الأميون من قبل؛ وكذلك قال: ﴿ لَئِن جَآءَهُمْ نَذِيرٌ لَّيَكُونُنَّ أَهْدَىٰ مِنْ إِحْدَى ٱلأُمَمِ  ﴾ ؛ وهو كقوله: ﴿ لِتُنذِرَ قَوْماً مَّآ أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ  ﴾ ، وقوله: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِّن نَّذِيرٍ  ﴾ ، أي: لم نرسل إليهم قبلك نذيراً، وأصله: أنه يخبر أنه لا ينجع في هؤلاء النذارة كما لم ينجع في آبائهم، بل هم غافلون.

ثم الإنذار يحتمل أن يكون بالنار في الآخرة والتعذيب بها، ويحتمل الآيات التي أقامها في الدنيا والقتل فيها، والله أعلم.

وقوله: ﴿ لَقَدْ حَقَّ ٱلْقَوْلُ عَلَىٰ أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لاَ يُؤمِنُونَ ﴾ .

قيل: هو قوله لإبليس حيث قال: ﴿ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ  ﴾ و ﴿ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ  ﴾ ، أي: حق ذلك القول ووجب.

ثم يحتمل ذلك في الذي ذكره بعض أهل التأويل: أن نفراً هموا برسول الله قتله وأذاه، فأهلكهم الله يوم كذا إلا واحدا أو اثنين.

ويحتمل أن يكون ذلك في جميع مكذبيه ورادّي رسالته ويتأسى أتباعه، ولا شك أن أكثر من بعث هو إليهم كانوا كذلك لهم في الآخرة أو في قوم خاص علم الله أنهم لا يؤمنون أبدا؛ ألا ترى أنه قال على أثر ذلك: ﴿ وَسَوَآءُ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤمِنُونَ ﴾ .

ثم في قوله: ﴿ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ  ﴾ ، وقوله: ﴿ لَقَدْ حَقَّ ٱلْقَوْلُ عَلَىٰ أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لاَ يُؤمِنُونَ ﴾ نقض قول المعتزلة ورده عليهم؛ لأنه وعد - عز وجل - أنه يملأ جهنم بمن ذكر، فيقال لهم: أراد أن يفي بما وعد أم لا؟

فإن قالوا: لم يرد، فيقال: أراد، إذن أن يخلف ما وعد وذلك وحش من القول سرف.

وإن قالوا: أراد أن يفي بما وعد، لزمهم أن يقولوا: أراد أفعالهم التي فعلوا فيلزمهم قولنا، وبالله العصمة.

وقوله: ﴿ إِنَّا جَعَلْنَا فِيۤ أَعْناقِهِمْ أَغْلاَلاً فَهِىَ إِلَى ٱلأَذْقَانِ فَهُم مُّقْمَحُونَ ﴾ .

يحتمل أن يخرج على التمثيل، ويحتمل على التحقيق: فإن كان على التمثيل، فهو وصفه إياهم بالبخل، والكف عن الإنفاق على الفقراء والمساكين وأهل الحاجة من أصحاب رسول الله  ، وهو كقوله: ﴿ وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ  ﴾ نهاه عن البخل والكف عن الإنفاق كمغلول اليد لا يقدر على الإنفاق، ليس على إرادة غل اليد حقيقة ولكن على ترك الإنفاق؛ فعلى ذلك جائز أن يكون ذلك وصفاً لهم بالبخل وترك الإنفاق عليهم.

وإن كان على حقيقة الغل والأعناق، يحتمل ما قاله أهل التأويل: إن أبا جهل - لعنه الله - حلف لئن رأى محمداً ليدمغنه، فأتاه أبو جهل وهو يصلي ومعه حجر، فرفع الحجر؛ ليدفع به النبي  فيبست يده إلى عنقه وألزق الحجر بيده، فلما رجع إلى أصحابه قال رجل: أنا أقتله، فأخذ الحجر، فلما دنا منه طمس الله بصره، فلم ير النبي  ، وسمع قراءته، فرجع إلى أصحابه فلم يبصرهم حتى نادوه؛ فذلك قوله: ﴿ وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً ومِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً ﴾ .

ويحتمل أن يكون ذلك لهم في الآخرة إن كان على التحقيق؛ وهو كقوله: ﴿ إِذِ ٱلأَغْلاَلُ فِيۤ أَعْنَاقِهِمْ وٱلسَّلاَسِلُ يُسْحَبُونَ  فِي ٱلْحَمِيمِ  ﴾ ، وقوله: ﴿ لَهُمْ مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ ٱلنَّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ  ﴾ ، ونحو ذلك مما ذكر؛ فيكون قوله: ﴿ جَعَلْنَا ﴾ ، أي: سنجعل ذلك لهم، وذلك جائز في الكلام؛ كقوله لعيسى حيث قال: ﴿ وَإِذْ قَالَ ٱللَّهُ يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ  ﴾ أي: يقول له يوم القيامة، فهو بعيد غير معقول؛ فعلى ذلك جائز أن يكون ما ذكر من قوله: ﴿ إِنَّا جَعَلْنَا فِيۤ أَعْناقِهِمْ أَغْلاَلاً ﴾ ، ﴿ وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً...

﴾ إلى آخر ما ذكر في الآخرة، أي: سنجعل لهم في الآخرة ذلك.

ويحتمل أن يكون فعل ذلك لهم في الدنيا من قصدهم برسول الله ما قصدوا، حتى لم يجدوا السبيل إليه لا من بين يديه ولا من خلفه ولا من جهة من الجهات.

أو أن يكون قوله: ﴿ وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً ومِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً فَأغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ ﴾ على التمثيل، أي: جعلنا بينهم وبين الحق سدّاً من أمام ومن خلف، فأغشينا أبصارهم فلا يبصرون الحق أبداً، وذلك في القرآن كثير، والله أعلم.

وقوله: ﴿ إِنَّا جَعَلْنَا فِيۤ أَعْناقِهِمْ أَغْلاَلاً ﴾ .

إن الغل يكون طرفه في العنق، وطرفه الآخر في اليد؛ فتكون اليد اليمنى مغلولة إلى العنق، وعلى ذلك ذكر في حرف ابن مسعود أنه قرأ: ﴿ إنا جعلنا في أيمانهم أغلالا ﴾ ، وفي بعض الحروف: ﴿ في أيديهم أغلالا ﴾ .

وقوله: ﴿ فَهُم مُّقْمَحُونَ ﴾ .

قال بعضهم: رافعو رءوسهم إلى السماء؛ لأنه كذلك يكون إذا غل عنق المرء إلى الذقن لا يستطيع أن ينظر في الأرض، وكذلك قيل للإبل إذا شربت الماء: أقمحت، أي: رفعت رأسها.

وقال بعضهم: الإقماح: هو غض البصر.

وقال أبو عوسجة والقتبي: المقمح: الذي يرفع رأسه ويغض بصره، ويقال: غاضّ طرفه بعد رفع رأسه، جمعت أيديهم إلى أعناقهم.

وقوله: ﴿ تَنزِيلَ ٱلْعَزِيزِ ٱلرَّحِيمِ ﴾ .

قد قرئ بالرفع والنصب والخفض جميعاً: فمن قرأها بالرفع فهو على الابتداء، ومن قرأها بالخفض فهو على العنت؛ كقوله: ﴿ وَٱلْقُرْآنِ ٱلْحَكِيمِ ﴾ ﴿ تَنزِيلَ ٱلْعَزِيزِ ٱلرَّحِيمِ ﴾ ، ومن قرأ بالنصب فعلى القطع؛ لأن الكلام قد تم دونه.

وقوله: ﴿ فَأغْشَيْنَاهُمْ ﴾ .

بالغين والعين جميعاً: فمن قرأ بالغين فهو من الغشاوة، ومن قرأ بالعين فهو من قوله: ﴿ وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ  ﴾ وهو من الإعراض.

وفي قوله: ﴿ وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً ومِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً ﴾ وجهان من الاستدلال على المعتزلة لقوله: ﴿ فَأغْشَيْنَاهُمْ ﴾ أضاف إلى نفسه وإن كان منهم صنع، ويجوز أن يستدل بخلق أفعالهم منهم.

وقوله: ﴿ إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلذِّكْرَ ﴾ : ومن لم يتبع، ﴿ وَخشِيَ ٱلرَّحْمـٰنَ ﴾ : ومن لم يخش.

أو إنما ينتفع بالذكر من اتبع الذكر وخشي الرحمن، فأما من لم يتبع الذكر ولم يخش الرحمن فلا ينتفع.

أو أن يكون فيه إخبار بإنذاره من اتبع الذكر، وليس فيه نفي عن إنذار من لم يتبع الذكر ولا تخصيص منه بالإنذار أحد الفريقين دون الآخر، والله أعلم.

والذكر يحتمل القرآن، ويحتمل غيره من الذكرى؛ كقوله: ﴿ وَذَكِّرْ فَإِنَّ ٱلذِّكْرَىٰ تَنفَعُ ٱلْمُؤْمِنِينَ  ﴾ .

وقوله: ﴿ وَخشِيَ ٱلرَّحْمـٰنَ بِٱلْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ ﴾ .

بالغيب: بالآثار والأخبار التي انتهت إليهم من غير مشاهدة وقعت لهم، أو بالغيب بما رأوه من آثار سلطانه وقدرته هابوه وخشوا عذابه ونقمته، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ ﴾ .

يحتمل البشارة بالمغفرة عما سلف من الذنوب والإجرام إذا رجعوا عنها، أو عن تقصير كان منهم في الفعل في خلال ذلك، وإن اعتقدوا في الجملة ألا يخالفوا ربهم في فعل ولا في قول؛ إذ كل مؤمن يعتقد في أصل إيمانه ترك مخالفة الرب في كل الأحوال، وإن تخلل في بعض أحواله تقصيراً ومخالفة الرب بغلبة شهوة أو طمع في عفوه ورحمته.

﴿ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ ﴾ قيل: حسن، ويحتمل تسميته: كريماً؛ لما يكرم كل من نال ذلك، والله أعلم.

وقوله: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي ٱلْمَوْتَىٰ ﴾ .

كأنه - والله أعلم - يذكر هذا ليس في موضع الاحتجاج عليهم، ولكن على الإخبار أنه هو محييهم إذا ماتوا.

وقوله: ﴿ وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُواْ وَآثَارَهُمْ ﴾ .

قال عامة أهل التأويل: نكتب ما قدموا وآثارهم و[ما] أسلفوا في حياتهم وعملوه، ونكتب أيضاً آثارهم وهو ما سنوا من سنة من خير أو شر فاقْتُدي بهم من بعد موتهم، على ما ذكر في الخبر: "إن من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن سنة سيئة، فله وزرها ووزر من عمل بها إلى يقوم القيامة، من غير أن ينقص من أوزارهم شيء" ؛ وهو كقوله أيضاً: ﴿ يُنَبَّأُ ٱلإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ  ﴾ .

وقال بعضهم: ﴿ وَآثَارَهُمْ ﴾ أي: خطاهم التي خطوها في الخير والشر.

وقال قتادة: لو كان الله مغفلا شيئاً من شأنك يابن آدم، أغفل ما تعفى الرياح من هذه الآثار، وروي على هذا عن ابن عباس وأبي سعيد الخدري -  ما - قالا: "إن الأنصار كانت منازلهم بعيدة من المسجد [فأرادوا] أن ينتقلوا قريباً من المسجد، فنزل: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي ٱلْمَوْتَىٰ وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُواْ وَآثَارَهُمْ ﴾ ، فقال النبي  : إن آثاركم تكتب" فلم ينتقلوا، فإن ثبت هذا فهو دليل لمن يقول بالآثار: الخطا.

وقوله: ﴿ وَكُلَّ شيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِيۤ إِمَامٍ مُّبِينٍ ﴾ .

أي: كل شيء من أعمالهم من خير أو شر محصى محفوظ ﴿ فِيۤ إِمَامٍ مُّبِينٍ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ فِيۤ إِمَامٍ مُّبِينٍ ﴾ ، أي: في الكتاب الذي تكتب [فيه] أعمالهم في الدنيا؛ كقوله: ﴿ يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ  ﴾ أي: بكتابهم الذي كتبت أعمالهم فيه؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَـٰبَهُ بِيَمِينِهِ...

﴾ الآية [الحاقة: 19].

ويحتمل ﴿ فِيۤ إِمَامٍ مُّبِينٍ ﴾ : في أم الكتاب، وهو اللوح المحفوظ، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

أنزلنا إليك ذلك لتخوف قومًا وتنذرهم، وهم العرب الذين لم يأتهم رسول ينذرهم، فهم لاهون عن الإيمان والتوحيد، وكذلك شأن كل أمة انقطع عنها الإنذار، تحتاج إلى من يذكرها من الرسل.

<div class="verse-tafsir" id="91.brbPR"

مزيد من التفاسير لسورة يس

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده