الآية ٢٢ من سورة الزمر

الإسلام > القرآن > سور > سورة 39 الزمر > الآية ٢٢ من سورة الزمر

أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدْرَهُۥ لِلْإِسْلَـٰمِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍۢ مِّن رَّبِّهِۦ ۚ فَوَيْلٌۭ لِّلْقَـٰسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ ٱللَّهِ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ فِى ضَلَـٰلٍۢ مُّبِينٍ ٢٢

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 116 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٢ من سورة الزمر: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٢ من سورة الزمر عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه ) أي : هل يستوي هذا ومن هو قاسي القلب بعيد من الحق ؟

!

كقوله تعالى : ( أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها ) [ الأنعام : 122 ] ; ولهذا قال : ( فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله ) أي : فلا تلين عند ذكره ، ولا تخشع ولا تعي ولا تفهم ، ( أولئك في ضلال مبين )

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (22) يقول تعالى ذكره: أفمن فسح الله قلبه لمعرفته, والإقرار بوحدانيته, والإذعان لربوبيته, والخضوع لطاعته ( فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ ) يقول: فهو على بصيرة مما هو عليه ويقين, بتنوير الحق في قلبه, فهو لذلك لأمر الله متبع, وعما نهاه عنه منته فيما يرضيه, كمن أقسى الله قلبه, وأخلاه من ذكره, وضيقه عن استماع الحق, واتباع الهدى, والعمل بالصواب؟

وترك ذكر الذي أقسى الله قلبه, وجواب الاستفهام اجتزاء بمعرفة السامعين المراد من الكلام, إذ ذكر أحد الصنفين, وجعل مكان ذكر الصنف الآخر الخبر عنه بقوله: ( فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ ).

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قوله: ( أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ ) يعني: كتاب الله, هو المؤمن به يأخذ, وإليه ينتهي.

حدثنا محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ, قوله: ( أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ ) قال: وسع صدره للإسلام, والنور: الهدى.

حُدثت عن ابن أبي زائدة عن ابن جُرَيج, عن مجاهد ( أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ ) قال: ليس المنشرح صدره مثل القاسي قلبه.

قوله: ( فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ ) يقول تعالى ذكره: فويل للذين جفت قلوبهم ونأت عن ذكر الله وأعرضت, يعني عن القرآن الذي أنـزله تعالى ذكره, مذكرا به عباده, فلم يؤمن به, ولم يصدّق بما فيه.

وقيل: ( مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ ) والمعنى: عن ذكر الله, فوضعت " مِنْ" مكان " عن ", كما يقال في الكلام: أتخمت من طعام أكلته, وعن طعام أكلته بمعنى واحد.

وقوله: ( أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ) يقول تعالى ذكره: هؤلاء القاسية قلوبهم من ذكر الله في ضلال مبين, لمن تأمله وتدبره بفهم أنه في ضلال عن الحق جائر.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله أولئك في ضلال مبين .قوله تعالى : أفمن شرح الله صدره للإسلام شرح فتح ووسع .

قال ابن عباس : وسع صدره للإسلام حتى ثبت فيه .

وقال السدي : وسع صدره بالإسلام للفرح به والطمأنينة إليه ، فعلى هذا لا يجوز أن يكون هذا الشرح إلا بعد الإسلام ، وعلى الوجه الأول يجوز أن يكون الشرح قبل الإسلام .

فهو على نور من ربه أي على هدى من ربه .

كمن طبع على قلبه وأقساه .

ودل على هذا المحذوف قوله : فويل للقاسية قلوبهم قال المبرد : يقال : قسا القلب إذا صلب ، وكذلك عتا وعسا مقاربة لها .

وقلب قاس أي : صلب لا يرق ولا يلين .

والمراد بمن شرح الله صدره هاهنا فيما ذكر المفسرون علي وحمزة - رضي الله عنهما .

وحكى النقاش أنه عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - .

وقال مقاتل : عمار بن ياسر .

وعنه أيضا والكلبي : رسول الله صلى الله عليه وسلم .

والآية عامة فيمن شرح الله صدره بخلق الإيمان فيه .

وروى مرة عن ابن مسعود قال : قلنا : يا رسول الله ، قوله تعالى : أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه كيف انشرح صدره ؟

قال : إذا دخل النور القلب انشرح وانفتح .

قلنا : يا رسول الله ، وما علامة ذلك ؟

.

قال : الإنابة إلى دار الخلود ، والتجافي عن دار الغرور ، والاستعداد للموت قبل نزوله وخرجه الترمذي الحكيم في نوادر الأصول من حديث ابن عمر : أن رجلا قال : يا رسول الله ، أي المؤمنين أكيس ؟

قال : أكثرهم للموت ذكرا ، وأحسنهم له استعدادا ، وإذا دخل النور في القلب انفسح واستوسع .

قالوا : فما آية ذلك يا نبي الله ؟

قال : الإنابة إلى دار الخلود ، والتجافي عن دار الغرور ، والاستعداد للموت قبل نزول الموت فذكر - صلى الله عليه وسلم - خصالا ثلاثة ، ولا [ ص: 221 ] شك أن من كانت فيه هذه الخصال فهو الكامل الإيمان ، فإن الإنابة إنما هي أعمال البر ; لأن دار الخلود إنما وضعت جزاء لأعمال البر ، ألا ترى كيف ذكره الله في مواضع في تنزيله ثم قال بعقب ذلك : " جزاء بما كانوا يعملون " فالجنة جزاء الأعمال ، فإذا انكمش العبد في أعمال البر فهو إنابته إلى دار الخلود ، وإذا خمد حرصه عن الدنيا ، ولها عن طلبها ، وأقبل على ما يغنيه منها فاكتفى به وقنع ، فقد تجافى عن دار الغرور .

وإذا أحكم أموره بالتقوى فكان ناظرا في كل أمر ، واقفا متأدبا متثبتا حذرا يتورع عما يريبه إلى ما لا يريبه ، فقد استعد للموت .

فهذه علامتهم في الظاهر .

وإنما صار هكذا لرؤية الموت ، ورؤية صرف الآخرة عن الدنيا ، ورؤية الدنيا أنها دار الغرور ، وإنما صارت له هذه الرؤية بالنور الذي ولج القلب .وقوله تعالى : فويل للقاسية قلوبهم قيل : المراد أبو لهب وولده ، ومعنى : " من ذكر الله " أن قلوبهم تزداد قسوة من سماع ذكره .

وقيل : إن من بمعنى عن ، والمعنى قست عن قبول ذكر الله .

وهذا اختيار الطبري .

وعن أبي سعيد الخدري أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : قال الله تعالى : اطلبوا الحوائج من السمحاء ؛ فإني جعلت فيهم رحمتي ، ولا تطلبوها من القاسية قلوبهم ؛ فإني جعلت فيهم سخطي .

وقال مالك بن دينار : ما ضرب عبد بعقوبة أعظم من قسوة قلب ، وما غضب الله على قوم إلا نزع الرحمة من قلوبهم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: أفيستوي من شرح اللّه صدره للإسلام، فاتسع لتلقي أحكام اللّه والعمل بها، منشرحا قرير العين، على بصيرة من أمره، وهو المراد بقوله: { فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ } كمن ليس كذلك، بدليل قوله: { فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ } أي: لا تلين لكتابه، ولا تتذكر آياته، ولا تطمئن بذكره، بل هي معرضة عن ربها، ملتفتة إلى غيره، فهؤلاء لهم الويل الشديد، والشر الكبير.{ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ } وأي ضلال أعظم من ضلال من أعرض عن وليه؟

ومن كل السعادة في الإقبال عليه، وقسا قلبه عن ذكره، وأقبل على كل ما يضره؟\"

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله عز وجل : ( أفمن شرح الله صدره للإسلام ) وسعه لقبول الحق ، ( فهو على نور من ربه ) ليس كمن أقسى الله قلبه .

أخبرنا أبو سعيد أحمد بن إبراهيم الشريحي ، أخبرنا أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي ، أخبرنا ابن فنجويه ، حدثنا عبد الله بن محمد بن شيبة ، حدثنا أبو جعفر محمد بن الحسن بن يزيد الموصلي ببغداد ، حدثنا أبو فروة واسمه يزيد بن محمد ، حدثني أبي عن أبيه ، حدثنا زيد بن أبي أنيسة ، عن عمرو بن مرة ، عن عبد الله بن الحارث ، عن عبد الله بن مسعود قال : تلا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه ) قلنا : يا رسول الله كيف انشراح صدره ؟

قال : " إذا دخل النور القلب انشرح وانفسح " قلنا : يا رسول الله فما علامة ذلك ؟

قال : " الإنابة إلى دار الخلود ، والتجافي عن دار الغرور ، والتأهب للموت قبل نزول الموت " .

قوله عز وجل : ( فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله أولئك في ضلال مبين ) قال مالك بن دينار : ما ضرب عبد بعقوبة أعظم من قسوة قلب ، وما غضب الله - عز وجل - على قوم إلا نزع منهم الرحمة .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«أفمن شرح الله صدره للإسلام» فاهتدى «فهو على نور من ربه» كمن طبع على قلبه، دلَّ على هذا «فويلٌ» كلمة عذاب «للقاسية قلوبهم من ذكر الله» أي عن قبول القرآن «أولئك في ضلال مبين» بيّن.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

أفمن وسَّع الله صدره، فسعد بقبول الإسلام والانقياد له والإيمان به، فهو على بصيرة من أمره وهدى من ربه، كمن ليس كذلك؟

لا يستوون.

فويل وهلاك للذين قَسَتْ قلوبهم، وأعرضت عن ذكر الله، أولئك في ضلال بيِّن عن الحق.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم نفى - سبحانه - المساواة بين المؤمن والكافر ، وبين المهتدى والضال فقال : ( أَفَمَن شَرَحَ الله صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ فَهُوَ على نُورٍ مِّن رَّبِّهِ .

.

) .أى : أفمن شرح الله - تعالى - صدره للإِسلام ، وجعله مستعدا لقبول الحق فهو بمقتضى هذا الشرح والقبول صار على نور وهداية من ربه ، كمن قسا قلبه وغلظ ، وأصبح أسيرا للظلمات والأوهام .لاشك أنهما لا يستويان فى عقل أى عاقل .فالاستفهام للإِنكار والنفى ، و " من " اسم موصول مبتدأ ، والخبر محذوف لدلالة قوله - تعالى - ( فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِّن ذِكْرِ الله ) عليه .أى : فهلاك وخزى لأولئك المشركين الذين قست قلوبهم من أجل ذكر الله - تعالى - ، الذى من شأنه أن تلين له القلوب ، ولكن هؤلاء الكافرين إذا ما ذكر الله - تعالى - ، اشمأزت قلوبهم ، وقست نفوسهم ، لانطماس بصائرهم ، واستحواذ الشيطان عليهم .ومنهم من جعل " من " فى قوله ( مِّن ذِكْرِ الله ) بمعنى عن .

أى : فويل للقاسية قلوبهم عن قبول ذكر الله وطاعته وخشيته .قال صاحب الكشاف : قوله : ( مِّن ذِكْرِ الله ) أى : من أجل ذكره ، أى : إذا ذكر الله عندهم أو آياته اشمأزوا ، وازدادت قلوبهم قساوة ، كقوله - تعالى - : ( فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إلى رِجْسِهِمْ ) وقرئ : عن ذكر الله .فإن قلت : ما الفرق بين من وعن فى هذا؟

قلت : إذا قلت قسا قلبه من ذكر الله ، فالمعنى ما ذكرت ، من أن القسوة من أجل الذكر وبسببه .

وإذا قلت : عن ذكر الله ، فالمعنى : غلظ عن قبول الذكر وجفا عنه .

ونظيره : سقاه من العَيْمة .

أى : من أجل عطشه .

وسقاه عن العيمة ، إذا أرواه حتى أبعده عن العطش .ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة ببيان مآل هؤلاء الذين قست قلوبهم فقال : ( أولئك فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ ) .أى : أولئك المتصفون بتلك الصفات الذميمة فى ضلال واضح عن الصراط المستقيم .وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - : ( فَمَن يُرِدِ الله أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السمآء كذلك يَجْعَلُ الله الرجس عَلَى الذين لاَ يُؤْمِنُونَ ).

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وفيه مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى لما بالغ في تقرير البيانات الدالة على وجوب الإقبال على طاعة الله تعالى ووجوب الإعراض عن الدنيا بين بعد ذلك أن الانتفاع بهذه البيانات لا يكمل إلا إذا شرح الله الصدور ونور القلوب فقال: ﴿ أَفَمَن شَرَحَ الله صَدْرَهُ للإسلام فَهُوَ على نُورٍ مّن رَّبّهِ ﴾ .

واعلم أنا بالغنا في سورة الأنعام في تفسير قوله: ﴿ فَمَن يُرِدِ الله أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ للإسلام  ﴾ في تفسير شرح الصدر وفي تفسير الهداية، ولا بأس بإعادة كلام قليل هاهنا، فنقول إنه تعالى خلق جواهر النفوس مختلفة بالماهية فبعضها خيرة نورانية شريفة مائلة إلى الإلهيات عظيمة الرغبة في الاتصال بالروحانيات، وبعضها نذلة كدرة خسيسة مائلة إلى الجسمانيات وفي هذا التفاوت أمر حاصل في جواهر النفوس البشرية، والاستقراء يدل على أن الأمر كذلك، إذا عرفت هذا فنقول المراد بشرح الصدر هو ذلك الاستعداد الشديد الموجود في فطرة النفس، وإذا كان ذلك الاستعداد الشديد حاصلاً كفى خروج تلك الحالة من القوة إلى الفعل بأدنى سبب، مثل الكبريت الذي يشتعل بأدنى نار، أما إذا كانت النفس بعيدة عن قبول هذه الجلايا القدسية والأحوال الروحانية، بل كانت مستغرقة في طلب الجسمانيات قليلة التأثر عن الأحوال المناسبة للإلهيات فكانت قاسية كدرة ظلمانية، وكلما كان إيراد الدلائل اليقينية والبراهين الباهرة عليها أكثر كانت قسوتها وظلمتها أقل.

إذا عرفت هذه القاعدة فنقول.

أما شرح الصدر فهو ما ذكرناه، وأما النور فهو عبارة عن الهداية والمعرفة، وما لم يحصل شرح الصدر أولا لم يحصل النور ثانياً، وإذا كان الحاصل هو القوة النفسانية لم يحصل الانتفاع ألبتة بسماع الدلائل، وربما صار سماع الدلائل سبباً لزيادة القسوة ولشدة النفرة فهذه أصول يقينية يجب أن تكون معلومة عند الإنسان حتى يمكنه الوقوف على معاني هذه الآيات، أما استدلال أصحابنا في مسألة الجبر والقدر وكلام الخصوم عليه فقد تقدم هناك، والله أعلم.

المسألة الثانية: من محذوف الخبر كما في قوله: ﴿ أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ  ﴾ والتقدير: أفمن شرح الله صدره للإسلام فاهتدى كمن طبع على قلبه فلم يهتد لقسوته، والجواب متروك لأن الكلام المذكور دل عليه وهو قوله تعالى: ﴿ فَوَيْلٌ للقاسية قُلُوبُهُمْ مّن ذِكْرِ الله ﴾ .

المسألة الثالثة: قوله: ﴿ فَوَيْلٌ للقاسية قُلُوبُهُمْ مّن ذِكْرِ الله ﴾ فيه سؤال، وهو أن ذكر الله سبب لحصول النور والهداية وزيادة الاطمئنان كما قال: ﴿ أَلاَ بِذِكْرِ الله تَطْمَئِنُّ القلوب  ﴾ فكيف جعله في هذه الآية سبباً لحصول قسوة القلب، والجواب أن نقول إن النفس إذا كانت خبيثة الجوهر كدرة العنصر بعيدة عن مناسبة الروحانيات شديدة الميل إلى الطبائع البهيمية والأخلاق الذميمة، فإن سماعها لذكر الله يزيدها قسوة وكدورة، وتقرير هذا الكلام بالأمثلة فإن الفاعل الواحد تختلف أفعاله بحسب اختلاف القوابل كنور الشمس يسود وجه القصار ويبيض ثوبه، وحرارة الشمس تلين الشمع وتعقد الملح، وقد نرى إنساناً واحداً يذكر كلاماً واحداً في مجلس واحد فيستطيبه واحد ويستكرهه غيره، وما ذاك إلا ما ذكرناه من اختلاف جواهر النفوس، ومن اختلاف أحوال تلك النفوس، ولما نزل قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان مِن سلالة مّن طِينٍ ﴾ وكان قد حضر هناك عمر بن الخطاب وإنسان آخر فلما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قوله تعالى: ﴿ ثم أنشأناه خلقاً آخر ﴾ قال كل واحد منهم: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلْإِنسَٰنَ مِن سُلَٰلَةٍ مِّن طِينٍ  ثُمَّ جَعَلْنَٰهُ نُطْفَةً فِى قَرَارٍ مَّكِينٍ  ثُمَّ خَلَقْنَا ٱلنُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا ٱلْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا ٱلْمُضْغَةَ عِظَٰمًا فَكَسَوْنَا ٱلْعِظَٰمَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَٰهُ خَلْقًا ءَاخَرَ فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَٰلِقِينَ  ﴾ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اكتب فهكذا أنزلت فازداد عمر إيماناً على إيمان وازداد ذلك الإنسان كفراً على كفر، إذا عرفت هذا لم يبعد أيضاً أن يكون ذكر الله يوجب النور والهداية والاطمئنان في النفوس الطاهرة الروحانية، ويوجب القسوة والبعد عن الحق في النفوس الخبيثة الشيطانية، إذا عرفت هذا فنقول إن رأس الأدوية التي تفيد الصحة الروحانية ورئيسها هو ذكر الله تعالى، فإذا اتفق لبعض النفوس أن صار ذكر الله تعالى سبباً لازدياد مرضها كان مرض تلك النفس مرضاً لا يرجى زواله ولا يتوقع علاجه وكانت في نهاية الشر والرداءة، فلهذا المعنى قال تعالى: ﴿ فَوَيْلٌ للقاسية قُلُوبُهُمْ مّن ذِكْرِ الله أُوْلَئِكَ فِي ضلال مُّبِينٍ ﴾ وهذا كلام كامل محقق، ولما بين تعالى ذلك أردفه بما يدل على أن القرآن سبب لحصول النور والشفاء والهداية وزيادة الاطمئنان، والمقصود منه بيان أن القرآن لما كان موصوفاً بهذه الصفات، ثم إنه في حق ذلك الإنسان صار سبباً لمزيد القسوة دل ذلك على أن جوهر تلك النفس قد بلغ في الرداءة والخساسة إلى أقصى الغايات، فنقول إنه تعالى وصف القرآن بأنواع من صفات الكمال.

الصفة الأولى: قوله تعالى: ﴿ الله نَزَّلَ أَحْسَنَ الحديث ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: القائلون بحدوث القرآن احتجوا بهذه الآية من وجوه: الأول: أنه تعالى وصفه بكونه حديثاً في هذه الآيات وفي آيات أخرى منها قوله تعالى: ﴿ فَلْيَأْتُواْ بِحَدِيثٍ مّثْلِهِ  ﴾ ومنها قوله تعالى: ﴿ أفبهذا الحديث أَنتُمْ مُّدْهِنُونَ  ﴾ والحديث لابد وأن يكون حادثاً، قالوا بل الحديث أقوى في الدلالة على الحدوث من الحادث لأنه يصح أن يقال هذا حديث وليس بعتيق، وهذا عتيق وليس بحادث، فثبت أن الحديث هو الذي يكون قريب العهد بالحديث، وسمي الحديث حديثاً لأنه مؤلف من الحروف والكلمات، وتلك الحروف والكلمات تحدث حالا فحالا وساعة فساعة، فهذا تمام تقرير هذا الوجه.

أما الوجه الثاني: في بيان استدلال القوم أن قالوا: إنه تعالى وصفه بأنه نزله والمنزل يكون في محل تصرف الغير.

وما يكون كذلك فهو محدث وحادث.

وأما الوجه الثالث: في بيان استدلال القوم أن قالوا: إن قوله أحسن الحديث يقتضي أن يكون هو من جنس سائر الأحاديث كما أن قوله زيد أفضل الإخوة يقتضي أن يكون زيد مشاركاً لأولئك الأقوام في صفة الأخوة ويكون من جنسهم، فثبت أن القرآن من جنس سائر الأحاديث، ولما كان سائر الأحاديث حادثة وجب أيضاً أن يكون القرآن حادثاً.

أما الوجه الرابع: في الاستدلال أن قالوا: إنه تعالى وصفه بكونه كتاباً والكتاب مشتق من الكتبة وهي الاجتماع، وهذا يدل على أنه مجموع جامع ومحل تصرف متصرف.

وذلك يدل على كونه محدثاً والجواب: أن نقول نحمل هذا الدليل على الكلام المؤلف من الحروف والأصوات والألفاظ والعبارات، وذلك الكلام عندنا محدث مخلوق، والله أعلم.

المسألة الثانية: كون القرآن أحسن الحديث، إما أن يكون أحسن الحديث بحسب لفظه أو بحسب معناه.

القسم الأول: أن يكون أحسن الحديث بحسب لفظه وذلك من وجهين: الأول: أن يكون ذلك الحسن لأجل الفصاحة والجزالة الثاني: أن يكون بحسب النظم في الأسلوب، وذلك لأن القرآن ليس من جنس الشعر، ولا من جنس الخطب.

ولا من جنس الرسائل، بل هو نوع يخالف الكل، مع أن كل ذي طبع سليم يستطيبه ويستلذه.

القسم الثاني: أن يكون كونه أحسن الحديث لأجل المعنى، وفيه وجوه: الأول: أنه كتاب منزه عن التناقض، كما قال تعالى: ﴿ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ الله لَوَجَدُواْ فِيهِ اختلافا كَثِيراً  ﴾ ومثل هذا الكتاب إذا خلا عن التناقض كان ذلك من المعجزات الوجه الثاني: اشتماله على الغيوب الكثيرة في الماضي والمستقبل الوجه الثالث: أن العلوم الموجودة فيه كثيرة جداً.

وضبط هذه العلوم أن نقول: العلوم النافعة هي ما ذكره الله في كتابه في قوله: ﴿ والمؤمنون كُلٌّ ءامَنَ بالله وَمَلَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ المصير  ﴾ فهذا أحسن ضبط يمكن ذكره للعلوم النافعة.

أما القسم الأول: وهو الإيمان بالله، فاعلم أنه يشتمل على خمسة أقسام: معرفة الذات والصفات والأفعال والأحكام والأسماء.

أما معرفة الذات فهي أن يعلم وجود الله وقدمه وبقاءه.

وأما معرفة الصفات فهي نوعان: أحدهما: ما يجب تنزيهه عنه، وهو كونه جوهراً ومركباً من الأعضاء والأجزاء وكونه مختصاً بحيز وجهة، ويجب أن يعلم أن الألفاظ الدالة على التنزيه أربعة: ليس ولم وما ولا، وهذه الأربعة المذكورة، مذكورة في كتاب الله تعالى لبيان التنزيه.

أما كلمة ليس، فقوله: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيء  ﴾ وأما كلمة لم، فقوله: ﴿ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ  وَلَمْ يَكُن لَّهُۥ كُفُوًا أَحَدٌۢ  ﴾ وأما كلمة ما، فقوله: ﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً  ﴾ ، ﴿ مَا كَانَ للَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ  ﴾ وأما كلمة لا، فقوله تعالى: ﴿ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ  ﴾ ، ﴿ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ  ﴾ ، ﴿ وَهُوَ يُجْيِرُ وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ  ﴾ ، وقوله في سبعة وثلاثين موضعاً من القرآن ﴿ لاَ إله إِلاَّ الله  ﴾ .

وأما النوع الثاني: وهي الصفات التي يجب كونه موصوفاً بها من القرآن فأولها العلم بالله، والعلم بكونه محدثاً خالقاً، قال تعالى: ﴿ الحمد للَّهِ الذي خَلَقَ * السموات والأرض  ﴾ .

وثانيها: العلم بكونه قادراً، قال تعالى في أول سورة القيامة ﴿ بلى قادرين على أَن نُّسَوّىَ بَنَانَهُ  ﴾ وقال في آخر هذه السورة ﴿ أَلَيْسَ ذَلِكَ بقادر على أَن يُحْيِىَ الموتى  ﴾ .

وثالثها: العلم بكونه تعالى عالماً، قال تعالى: ﴿ هُوَ الله الذي لاَ إله إِلاَّ هُوَ عَالِمُ الغيب والشهادة  ﴾ .

ورابعها: العلم بكونه عالماً بكل المعلومات، قال تعالى: ﴿ وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الغيب لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ  ﴾ وقوله تعالى: ﴿ الله يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أنثى  ﴾ .

وخامسها: العلم بكونه حياً، قال تعالى: ﴿ هُوَ الحى لاَ إله إِلاَّ هُوَ فادعوه مُخْلِصِينَ لَهُ الدين  ﴾ .

وسادسها: العلم بكونه مريداً، قال الله تعالى: ﴿ فَمَن يُرِدِ الله أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ للإسلام  ﴾ .

وسابعها: كونه سميعاً بصيراً، قال تعالى: ﴿ وَهُوَ السميع البصير  ﴾ وقال تعالى: ﴿ إِنَّنِى مَعَكُمَا أَسْمَعُ وأرى  ﴾ .

وثامنها: كونه متكلما، قال تعالى: ﴿ وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأرض مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ والبحر يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كلمات الله  ﴾ .

وتاسعها: كونه أمراً، قال تعالى: ﴿ لِلَّهِ الأمر مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ  ﴾ .

وعاشرها: كونه رحماناً رحيماً مالكاً، قال تعالى: ﴿ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ  مَٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ  ﴾ فهذا ما يتعلق بمعرفة الصفات التي يجب اتصافه بها.

وأما القسم الثالث: وهو الأفعال، فاعلم أن الأفعال إما أرواح وإما أجسام.

أما الأرواح فلا سبيل للوقوف عليها إلا للقليل، كما قال تعالى: ﴿ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبّكَ إِلاَّ هُوَ  ﴾ وأما الأجسام، فهي إما العالم الأعلى وإما العالم الأسفل.

أما العالم الأعلى فالبحث فيه من وجوه: أحدها: البحث عن أحوال السموات.

وثانيها: البحث عن أحوال الشمس والقمر كما قال تعالى: ﴿ إِنَّ رَبَّكُمُ الله الذي خَلَقَ السموات والأرض فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ استوى عَلَى العرش يُغْشِى الليل النهار يطلبهُ حثيثاً والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره  ﴾ .

وثالثها: البحث عن أحوال الأضواء، قال الله تعالى: ﴿ الله نُورُ السموات والأرض  ﴾ وقال تعالى: ﴿ هُوَ الذي جَعَلَ الشمس ضِيَاء والقمر نُوراً  ﴾ .

ورابعها: البحث عن أحوال الظلال، قال الله تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ إلى رَبّكَ كَيْفَ مَدَّ الظل وَلَوْ شَاء لَجَعَلَهُ سَاكِناً  ﴾ .

وخامسها: اختلاف الليل والنهار، قال الله تعالى: ﴿ يُكَوّرُ اليل عَلَى النهار وَيُكَوّرُ النهار عَلَى اليل  ﴾ .

وسادسها: منافع الكواكب، قال تعالى: ﴿ وَهُوَ الذي جَعَلَ لَكُمُ النجوم لِتَهْتَدُواْ بِهَا فِي ظلمات البر والبحر  ﴾ .

وسابعها: صفات الجنة، قال تعالى: ﴿ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السماء والأرض  ﴾ .

وثامنها: صفات النار، قال تعالى: ﴿ لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلّ بَابٍ مّنْهُمْ جُزْء مَّقْسُومٌ  ﴾ .

وتاسعها: صفة العرش، قال تعالى: ﴿ الذين يَحْمِلُونَ العرش وَمَنْ حَوْلَهُ  ﴾ .

وعاشرها: صفة الكرسي، قال تعالى: ﴿ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السموات والأرض  ﴾ وحادي عشرها: صفة اللوح والقلم.

أما اللوح، فقوله تعالى: ﴿ بَلْ هُوَ قُرْءَانٌ مَّجِيدٌ  فِى لَوْحٍ مَّحْفُوظٍۭ  ﴾ وأما القلم، فقوله تعالى: ﴿ ن والقلم وَمَا يَسْطُرُونَ  ﴾ .

وأما شرح أحوال العالم الأسفل فأولها: الأرض، وقد وصفها بصفات كثيرة إحداها: كونه مهداً، قال تعالى: ﴿ الذى جَعَلَ لَكُمُ الارض مَهْداً  ﴾ .

وثانيها: كونه مهاداً، قال تعالى: ﴿ أَلَمْ نَجْعَلِ الأرض مهادا  ﴾ .

وثالثها: كونه كفاتاً، قال تعالى: ﴿ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ  أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلْأَرْضَ كِفَاتًا  ﴾ .

ورابعها: الذلول، قال تعالى: ﴿ هُوَ الذي جَعَلَ لَكُمُ الأرض ذَلُولاً  ﴾ .

وخامسها: كونه بساطاً، قال تعالى: ﴿ وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ ٱلْأَرْضَ بِسَاطًا  لِّتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا  ﴾ والكلام فيه طويل.

وثانيها: البحر، قال تعالى: ﴿ وَهُوَ الذي سَخَّرَ البحر لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْمًا طَرِيّا  ﴾ .

وثالثها: الهواء والرياح.

قال تعالى: ﴿ وَهُوَ الذي يُرْسِلُ الرياح بُشْرًاَ بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِ  ﴾ وقال تعالى: ﴿ وَأَرْسَلْنَا الرياح لَوَاقِحَ  ﴾ .

ورابعها: الآثار العلوية كالرعد والبرق، قال تعالى: ﴿ وَيُسَبّحُ الرعد بِحَمْدِهِ والملائكة مِنْ خِيفَتِهِ  ﴾ وقال تعالى: ﴿ فَتَرَى الودق يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ  ﴾ ومن هذا الباب ذكر الصواعق والأمطار وتراكم السحاب.

وخامسها: أحوال الأشجار والثمار وأنواعها وأصنافها.

وسادسها: أحوال الحيوانات، قال تعالى: ﴿ وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلّ دَابَّةٍ  ﴾ وقال: ﴿ والأنعام خَلَقَهَا لَكُمْ  ﴾ .

وسابعها: عجائب تكوين الإنسان في أول الخلقة، قال: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان مِن سلالة مّن طِينٍ  ﴾ .

وثامنها: العجائب في سمعه وبصره ولسانه وعقله وفهمه.

وتاسعها: تواريخ الأنبياء والملوك وأحوال الناس من أول خلق العالم إلى آخر قيام القيامة.

وعاشرها ذكر أحوال الناس عند الموت وبعد الموت، وكيفية البعث والقيامة، وشرح أحوال السعداء والأشقياء، فقد أشرنا إلى عشرة أنواع من العلوم في عالم السموات، وإلى عشرة أخرى في عالم العناصر، والقرآن مشتمل على شرح هذه الأنواع من العلوم العالية الرفيعة.

وأما القسم الرابع: وهو شرح أحكام الله تعالى وتكاليفه، فنقول هذه التكاليف إما أن تحصل في أعمال القلوب أو في أعمال الجوارح.

أما القسم الأول: فهو المسمى بعلم الأخلاق وبيان تمييز الأخلاق الفاضلة والأخلاق الفاسدة والقرآن يشتمل على كل ما لابد منه في هذا الباب، قال الله تعالى: ﴿ إِنَّ الله يَأْمُرُ بالعدل والإحسان وَإِيتَآء ذِى القربى وينهى عَنِ الفحشاء والمنكر والبغى  ﴾ ، وقال: ﴿ خُذِ العفو وَأْمُرْ بالعرف وَأَعْرِض عَنِ الجاهلين  ﴾ .

وأما الثاني: فهو التكاليف الحاصلة في أعمال الجوارح وهو المسمى بعلم الفقه والقرآن مشتمل على جملة أصول هذا العلم على أكمل الوجوه.

وأما القسم الخامس: وهو معرفة أسماء الله تعالى فهو مذكور في قوله تعالى: ﴿ وَللَّهِ الأسماء الحسنى فادعوه بِهَا  ﴾ فهذا كله يتعلق بمعرفة الله.

وأما القسم الثاني: من الأصول المعتبرة في الإيمان الإقرار بالملائكة كما قال تعالى: ﴿ والمؤمنون كُلٌّ ءامَنَ بالله وَمَلَئِكَتِهِ  ﴾ والقرآن يشتمل على شرح صفاتهم تارة على سبيل الإجمال وأخرى على طريق التفصيل، أما بالإجمال فقوله: ﴿ وَمَلَئِكَتُهُ ﴾ وأما بالتفصيل فمنها ما يدل على كونهم رسل الله قال تعالى: ﴿ جَاعِلِ الملائكة رُسُلاً  ﴾ ومنها أنها مدبرات لهذا العالم، قال تعالى: ﴿ فالمقسمات أَمْراً  ﴾ ﴿ فالمدبرات أَمْراً  ﴾ وقال تعالى: ﴿ والصافات صَفَّا  ﴾ ومنها حملة العرش قال: ﴿ وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثمانية  ﴾ ومنها الحافون حول العرش قال: ﴿ وَتَرَى الملائكة حَافّينَ مِنْ حَوْلِ العرش  ﴾ ومنها خزنة النار قال تعالى: ﴿ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ  ﴾ ومنها الكرام الكاتبون قال: ﴿ وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَٰفِظِينَ  كِرَامًا كَٰتِبِينَ  ﴾ ومنها المعقبات قال تعالى: ﴿ لَهُ معقبات مّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ  ﴾ وقد يتصل بأحوال الملائكة أحوال الجن والشياطين.

وأما القسم الثالث: من الأصول المعتبرة في الإيمان معرفة الكتب والقرآن يشتمل على شرح أحوال كتاب آدم عليه السلام قال تعالى: ﴿ فَتَلَقَّى ءادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ  ﴾ ومنها أحوال صحف إبراهيم عليه السلام قال تعالى: ﴿ وَإِذِ ابتلى إبراهيم رَبُّهُ بكلمات فَأَتَمَّهُنَّ  ﴾ ومنها أحوال التوراة والإنجيل والزبور.

وأما القسم الرابع: من الأصول المعتبرة في الإيمان معرفة الرسل والله تعالى قد شرح أحوال البعض وأبهم أحوال الباقين قال: ﴿ مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ  ﴾ .

القسم الخامس: ما يتعلق بأحوال المكلفين وهي على نوعين الأول: أن يقروا بوجوب هذه التكاليف عليهم وهو المراد من قوله: ﴿ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ﴾ .

الثاني: أن يعترفوا بصدور التقصير عنهم في تلك الأعمال ثم طلبوا المغفرة وهو المراد من قوله: ﴿ غُفْرَانَكَ رَبَّنَا ﴾ ثم لما كانت مقادير رؤية التقصير في مواقف العبودية بحسب المكاشفات في مطالعة عزة الربوبية أكثر، كانت المكاشفات في تقصير العبودية أكثر وكان قوله: ﴿ غُفْرَانَكَ رَبَّنَا ﴾ أكثر.

القسم السادس: معرفة المعاد والبعث والقيامة وهو المراد من قوله: ﴿ وَإِلَيْكَ المصير  ﴾ وهذا هو الإشارة إلى معرفة المطالب المهمة في طلب الدين، والقرآن بحر لا نهاية له في تقرير هذه المطالب وتعريفها وشرحها ولا ترى في مشارق الأرض ومغاربها كتاباً يشتمل على جملة هذه العلوم كما يشتمل القرآن عليها.

ومن تأمل في هذا التفسير علم أنا لم نذكر من بحار فضائل القرآن إلا قطرة، ولما كان الأمر على هذه الجملة، لا جرم مدح الله عز وجل القرآن فقال تعالى: ﴿ الله نَزَّلَ أَحْسَنَ الحديث ﴾ ، والله أعلم.

الصفة الثانية: من صفات القرآن قوله تعالى: ﴿ كتابا متشابها ﴾ أما الكتاب فقد فسرناه في قوله تعالى: ﴿ ذلك الكتاب لاَ رَيْبَ فِيهِ  ﴾ وأما كونه متشابهاً فاعلم أن هذه الآية تدل على أن القرآن كله متشابه.

وقوله: ﴿ هُوَ الذي أَنزَلَ عَلَيْكَ الكتاب مِنْهُ آيات محكمات هُنَّ أُمُّ الكتاب وَأُخَرُ متشابهات  ﴾ يدل على كون البعض متشابهاً دون البعض.

وأما كونه كله متشابهاً كما في هذه الآية، فقال ابن عباس: معناه أنه يشبه بعضه بعضاً، وأقول هذا التشابه يحصل في أمور أحدها: أن الكاتب البليغ إذا كتب كتاباً طويلاً، فإنه يكون بعض كلماته فصيحاً، ويكون البعض غير فصيح، والقرآن يخالف ذلك فإنه فصيح كامل الفصاحة بجميع أجزائه.

وثانيها: أن الفصيح إذا كتب كتاباً في واقعة بألفاظ فصيحة فلو كتب كتاباً آخر في غير تلك الواقعة كان الغالب أن كلامه في الكتاب الثاني غير كلامه في الكتاب الأول، والله تعالى حكى قصة موسى عليه السلام في مواضع كثيرة من القرآن وكلها متساوية متشابهة في الفصاحة.

وثالثها: أن كل ما فيه من الآيات والبيانات فإنه يقوي بعضها بعضاً ويؤكد بعضها بعضاً.

ورابعها: أن هذه الأنواع الكثيرة من العلوم التي عددناها متشابهة متشاركة في أن المقصود منها بأسرها الدعوة إلى الدين وتقرير عظمة الله، ولذلك فإنك لا ترى قصة من القصص إلا ويكون محصلها المقصود الذي ذكرناه، فهذا هو المراد من كونه متشابهاً، والله الهادي.

الصفة الثالثة: من صفات القرآن كونه مثَاني وقد بالغنا في تفسير هذه اللفظة عند قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ ءاتيناك سَبْعًا مّنَ المثاني  ﴾ وبالجملة فأكثر الأشياء المذكورة وقعت زوجين زوجين مثل: الأمر والنهي، والعام والخاص، والمجمل والمفصل، وأحوال السموات والأرض، والجنة والنار، والظلمة والضوء، واللوح والقلم، والملائكة والشياطين، والعرش والكرسي، والوعد والوعيد، والرجاء والخوف، والمقصود منه بيان أن كل ما سوى الحق زوج ويدل على أن كل شيء مبتلى بضده ونقيضه وأن الفرد الأحد الحق هو الله سبحانه.

الصفة الرابعة: من صفات القرآن قوله: ﴿ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الذين يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إلى ذِكْرِ الله ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: معنى ﴿ تَقْشَعِرُّ جُلُودُهُمْ ﴾ تأخذهم قشعريرة وهي تغير يحدث في جلد الإنسان عند الوجل والخوف، قال المفسرون: والمعنى أنهم عند سماع آيات الرحمة والإحسان يحصل لهم الفرح فتلين قلوبهم إلى ذكر الله، وأقول إن المحققين من العارفين قالوا: السائرون في مبدأ إجلال الله إن نظروا إلى عالم الجلال طاشوا، وإن لاح لهم أثر من عالم الجمال عاشوا، ويجب علينا أن نذكر في هذا الباب مزيد شرح وتقرير، فنقول الإنسان إذا تأمل في الدلائل الدالة على أنه يجب تنزيه الله عن التحيز والجهة.

فهنا يقشعر جلده، لأن إثبات موجود لا داخل العالم ولا خارج ولا متصل بالعالم ولا منفصل عن العالم، مما يصعب تصوره فهاهنا تقشعر الجلود، أما إذا تأمل في الدلائل الدالة على أنه يجب أن يكون فرداً أحداً، وثبت أن كل متحيز فهو منقسم فهاهنا يلين جلده وقلبه إلى ذكر الله.

وأيضاً إذا أراد أن يحيط عقله بمعنى الأزل فيتقدم في ذهنه بمقدار ألف ألف سنة ثم يتقدم أيضاً بحسب كل لحظة من لحظات تلك المدة ألف ألف سنة، ولا يزال يحتال ويتقدم ويتخيل في الذهن، فإذا بالغ وتوغل وظن أنه استحضر معنى الأزل قال العقل هذا ليس بشيء، لأن كل ما استحضرته في فهو متناه والأزل هو الوجود المتقدم على هذه المدة المتناهية، فهاهنا يتحير العقل ويقشعر الجلد، وأما إذا ترك هذا الاعتبار وقال هاهنا موجود والموجود إما واجب وإما ممكن، فإن كان واجباً فهو دائماً منزه عن الأول والآخر وإن كان ممكناً فهو محتاج إلى الواجب فيكون أزلياً أبدياً، فإذا اعتبر العقل فهم معنى الأزلية فهاهنا يلين جلده وقلبه إلى ذكر الله، فثبت أن المقامين المذكورين في الآية لا يجب قصرهما على سماع آية العذاب وآية الرحمة، بل ذاك أول تلك المراتب وبعده مراتب لا حد لها ولا حصر في حصول تلك الحالتين المذكورتين.

المسألة الثانية: روى الواحدي في البسيط عن قتادة أنه قال: القرآن دل على أن أولياء الله موصوفون بأنهم عند المكاشفات والمشاهدات، تارة تقشعر جلودهم وأخرى تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله.

وليس فيه أن عقولهم تزول وأن أعضاءهم تضطرب، فدل هذا على أن تلك الأحوال لو حصلت لكانت من الشيطان، وأقول هاهنا بحث آخر وهو أن الشيخ أبا حامد الغزالي أورد مسألة في كتاب إحياء علوم الدين، وهي أنا نرى كثيراً من الناس يظهر عليه الوجد الشديد التام عند سماع الأبيات المشتملة على شرح الوصل والهجر، وعند سماع الآيات لا يظهر عليه شيء من هذه الأحوال، ثم إنه سلم هذا المعنى وذكر العذر فيه من وجوه كثيرة، وأنا أقول: إني خلقت محروماً عن هذا المعنى، فإني كلما تأملت في أسرار القرآن اقشعر جلدي وقف على شعري وحصلت في قلبي دهشة وروعة، وكلما سمعت تلك الأشعار غلب الهزل علي وما وجدت ألبتة في نفسي منها أثراً، وأظن أن المنهج القويم والصراط المستقيم هو هذا، وبيانه من وجوه: الأول: أن تلك الأشعار كلمات مشتملة على وصل وهجر وبغض وحب تليق بالخلق، وإثباته في حق الله تعالى كفر، وأما الانتقال من تلك الأحوال إلى معان لائقة بجلال الله فلا يصل إليها إلا العلماء الراسخون في العلم، وأما المعاني التي يشتمل عليها القرآن فهي أحوال لائقة بجلال الله، فمن وقف عليها عظم الوله في قلبه، فإن من كان عنده نور الإيمان وجب أن يعظم اضطرابه عند سماع قوله: ﴿ وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الغيب لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ  ﴾ إلى آخر الآية والثاني: وهو أني سمعت بعض المشايخ قال كما أن الكلام له أثر فكذلك صدور ذلك الكلام من القائل المعين له أثر، لأن قوة نفس القائل تعين على نفاذ الكلام في الروح، والقائل في القرآن هنا هو الله بواسطة جبريل بتبليغ الرسول المعصوم، والقائل هناك شاعر كذاب مملوء من الشهوة وداعية الفجور والثالث: أن مدار القرآن على الدعوة إلى الحق قال تعالى: ﴿ وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِى مَا ٱلْكِتَٰبُ وَلَا ٱلْإِيمَٰنُ وَلَٰكِن جَعَلْنَٰهُ نُورًا نَّهْدِى بِهِۦ مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِىٓ إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ  صِرَٰطِ ٱللَّهِ ٱلَّذِى لَهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ أَلَآ إِلَى ٱللَّهِ تَصِيرُ ٱلْأُمُورُ  ﴾ وأما الشعر فمداره على الباطل قال تعالى: ﴿ وَٱلشُّعَرَآءُ يَتَّبِعُهُمُ ٱلْغَاوُۥنَ  أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِى كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ  وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ  ﴾ فهذه الوجوه الثلاثة فروق ظاهرة، وأما ما يتعلق بالوجدان من النفس فإن كل أحد إنما يخبر عما يجده من نفسه والذي وجدته من النفس والعقل ما ذكرته، والله أعلم.

المسألة الثالثة: في بيان ما بقي من المشكلات في هذه الآية ونذكرها في معرض السؤال والجواب.

السؤال الأول: كيف تركيب لفظ القشعريرة الجواب: قال صاحب الكشاف تركيبه من حروف التقشع وهو الأديم اليابس مضموماً إليها حرف رابع وهو الراء ليكون رباعياً ودالاً على معنى زائد يقال: اقشعر جلده من الخوف وقف شعره، وذلك مثل في شدة الخوف.

السؤال الثاني: كيف قال: ﴿ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إلى ذِكْرِ الله ﴾ وما الوجه في تعديه بحرف إلى؟

والجواب: التقدير تلين جلودهم وقلوبهم حال وصولها إلى حضرة الله وهو لا يحس بالإدراك.

السؤال الثالث: لم قال: ﴿ إلى ذكر الله ﴾ ولم يقل إلى ذكر رحمة الله؟

والجواب: أن من أحب الله لأجل رحمته فهو ما أحب الله، وإنما أحب شيئاً غيره، وأما من أحب الله لا لشيء سواه فهذا هو المحب المحق وهو الدرجة العالية، فلهذا السبب لم يقل ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر رحمة الله بل قال إلى ذكر الله، وقد بين الله تعالى هذا المعنى في قوله تعالى: ﴿ فَمَن يُرِدِ الله أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ للإسلام  ﴾ وفي قوله: ﴿ أَلاَ بِذِكْرِ الله تَطْمَئِنُّ القلوب  ﴾ وأيضاً قال لأمة موسى: ﴿ يابنى إسراءيل اذكروا نِعْمَتِيَ التى أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ  ﴾ وقال أيضاً لأمة محمد صلى الله عليه وسلم: ﴿ فاذكرونى أَذْكُرْكُمْ  ﴾ .

السؤال الرابع: لم قال في جانب الخوف قشعريرة الجلود فقط، وفي جانب الرجاء لين الجلود والقلوب معاً؟

والجواب: لأن المكاشفة في مقام الرجاء أكمل منها في مقام الخوف، لأن الخير مطلوب بالذات والشر مطلوب بالعرض ومحل المكاشفات هو القلوب والأرواح، والله أعلم.

ثم إنه تعالى لما وصف القرآن بهذه الصفات قال: ﴿ ذَلِكَ هُدَى الله يَهْدِى بِهِ مَن يَشَاء وَمَن يُضْلِلِ الله فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ﴾ فقوله: ﴿ ذلك ﴾ إشارة إلى الكتاب وهو هدى الله يهدي به من يشاء من عباده وهو الذي شرح صدره أولاً لقبول هذه الهداية ﴿ وَمَن يُضْلِلِ الله ﴾ أي من جعل قلبه قاسياً مظلماً بليد الفهم منافياً لقبول هذه الهداية ﴿ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ﴾ واستدلال أصحابنا بهذه الآية وسؤالات المعتزلة وجوابات أصحابنا عين ما تقدم في قوله: ﴿ فَمَن يُرِدِ الله أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ للإسلام ﴾ .

أما قوله تعالى: ﴿ أَفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوء العذاب يَوْمَ القيامة ﴾ فاعلم أنه تعالى حكم على القاسية قلوبهم بحكم في الدنيا وبحكم في الآخرة، أما حكمهم في الدنيا فهو الضلال التام كما قال: ﴿ وَمَن يُضْلِلِ الله فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ  ﴾ وأما حكمهم في الآخرة فهو العذاب الشديد وهو المراد من قوله: ﴿ أَفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوء العذاب يَوْمَ القيامة ﴾ وتقريره أن أشرف الأعضاء هو الوجه لأنه محل الحسن والصباحة، وهو أيضاً صومعة الحواس، وإنما يتميز بعض الناس عن بعض بسبب الوجه، وأثر السعادة والشقاوة لا يظهر إلا في الوجه قال تعالى: ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ  ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ  وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ  تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ  أُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْكَفَرَةُ ٱلْفَجَرَةُ  ﴾ ويقال لمقدم القوم يا وجه العرب، ويقال للطريق الدال على كنه حال الشيء وجه كذا هو كذا، فثبت بما ذكرنا أن أشرف الأعضاء هو الوجه، فإذا وقع الإنسان في نوع من أنواع العذاب فإنه يجعل يده وقاية لوجهه وفداءً له، وإذا عرفت هذا فنقول: إذا كان القادر على الاتقاء يجعل كل ما سوى الوجه فداء للوجه لا جرم حسن جعل الاتقاء بالوجه كناية عن العجز عن الاتقاء، ونظيره قول النابغة: ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم *** بهن فلول من قراع الكتائب أي لا عيب فيهم إلا هذا وهو ليس بعيب فلا عيب فيهم إذن بوجه من الوجوه، فكذا هاهنا لا يقدرون على الاتقاء بوجه من الوجوه إلا بالوجه وهذا ليس باتقاء، فلا قدرة لهم على الاتقاء ألبتة، ويقال أيضاً إن الذي يلقى في النار يلقى مغلولة يداه إلى عنقه ولا يتهيأ له أن يتقي النار إلا بوجهه، إذا عرفت هذا فنقول: جوابه محذوف وتقديره أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب يوم القيامة كمن هو آمن من العذاب فحذف الخبر كما حذف في نظائره، وسوء العذاب شدته.

ثم قال تعالى: ﴿ وَقِيلَ لِلظَّلِمِينَ ذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ ﴾ ولما بين الله تعالى كيفية عذاب القاسية قلوبهم في الآخرة بين أيضاً كيفية وقوعهم في العذاب في الدنيا فقال: ﴿ كَذَّبَ الذين مِن قَبْلِهِمْ فأتاهم العذاب مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ ﴾ وهذا تنبيه على حال هؤلاء لأن الفاء في قوله: ﴿ فأتاهم العذاب ﴾ تدل على أنهم إنما أتاهم العذاب بسبب التكذيب، فإذا كان التكذيب حاصلاً هاهنا لزم حصول العذاب استدلالاً بالعلة على المعلول، وقوله: ﴿ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ ﴾ أي من الجهة التي لا يحسبون ولا يخطر ببالهم أن الشر يأتيهم منها، بينما هم آمنون إذ أتاهم العذاب من الجهة التي توقعوا الأمن منها، ولما بين أنه أتاهم العذاب في الدنيا بين أيضاً أنه أتاهم الخزي وهو الذل والصغار والهوان، والفائدة في ذكر هذا القيد أن العذاب التام هو أن يحصل فيه الألم مقروناً بالهوان والذل.

ثم قال: ﴿ وَلَعَذَابُ الأخرة أَكْبَرُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ ﴾ يعني أن أولئك وإن نزل عليهم العذاب والخزي كما تقدم ذكره، فالعذاب المدخر لهم في يوم القيامة أكبر وأعظم من ذلك الذي وقع.

والمقصود من كل ذلك التخويف والترهيب، فلما ذكر الله تعالى هذه الفوائد المتكاثرة والنفائس المتوافرة في هذه المطالب، بين تعالى أنه بلغت هذه البيانات إلى حد الكمال والتمام فقال: ﴿ وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هذا القرءان مِن كُلّ مَثَلٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ﴾ والمقصود ظاهر، وقالت المعتزلة دلت الآية على أن أفعال الله وأحكامه معللة، ودلت أيضاً على أنه يريد الإيمان والمعرفة من الكل لأن قوله: ﴿ وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ ﴾ مشعر بالتعليل، وقوله في آخر الآية: ﴿ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ﴾ مشعر بالتعليل أيضاً، ومشعر بأن المقصود من ضرب هذه الأمثال إرادة حصول التذكر والعلم، ولما كانت هذه البيانات النافعة والبينات الباهرة موجودة في القرآن، لا جرم وصف القرآن بالمدح والثناء، فقال: ﴿ قُرْءاناً عَرَبِيّاً غَيْرَ ذِى عِوَجٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: احتج القائلون بحدوث القرآن بهذه الآية من وجوه: الأول: أن قوله: ﴿ وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هذا القرءان مِن كُلّ مَثَلٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ﴾ يدل على أنه تعالى إنما ذكر هذه الأمثال ليحصل لهم التذكر، والشيء الذي يؤتى به لغرض آخر يكون محدثاً، فإن القديم هو الذي يكون موجوداً في الأزل، وهذا يمتنع أن يقال إنه إنما أتى به لغرض كذا وكذا، والثاني: أنه وصفه بكونه عربياً وإنما كان عربياً لأن هذه الألفاظ إنما صارت دالة على هذه المعاني بوضع العرب وباصطلاحهم، وما كان حصوله بسبب أوضاع العرب واصطلاحاتهم كان مخلوقاً محدثاً الثالث: أنه وصفه بكونه قرآناً والقرآن عبارة عن القراءة والقراءة مصدر والمصدر هو المفعول المطلق فكان فعلاً ومفعولاً والجواب: أنا نحمل كل هذه الوجوه على الحروف والأصوات وهي حادثة ومحدثة.

المسألة الثانية: قال الزجاج قوله: ﴿ عَرَبِيّاً ﴾ منصوب على الحال والمعنى ضربنا للناس في هذا القرآن في حال عربيته وبيانه ويجوز أن ينتصب على المدح.

المسألة الثالثة: أنه تعالى وصفه بصفات ثلاثة أولها: كونه قرآناً، والمراد كونه متلواً في المحاريب إلى قيام القيامة، كما قال: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر وَإِنَّا لَهُ لحافظون  ﴾ .

وثانيها: كونه عربياً والمراد أنه أعجز الفصحاء والبلغاء عن معارضته كما قال: ﴿ قُل لَّئِنِ اجتمعت الإنس والجن على أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هذا القرءان لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا  ﴾ .

وثالثها: كونه غير ذي عوج والمراد براءته عن التناقض، كما قال: ﴿ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ الله لَوَجَدُواْ فِيهِ اختلافا كَثِيراً  ﴾ وأما قوله: ﴿ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴾ فالمعتزلة يتمسكون به في تعليل أحكام الله تعالى.

وفيه بحث آخر: وهو أنه تعالى قال في الآية الأولى: ﴿ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ﴾ وقال في هذه الآية: ﴿ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴾ والسبب فيه أن التذكر متقدم على الاتقاء، لأنه إذا تذكره وعرفه ووقف على فحواه وأحاط بمعناه، حصل الاتقاء والاحتراز، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ أَفَمَن ﴾ عرف الله أنه من أهل اللطف فلطف به حتى انشرح صدره للإسلام ورغب فيه وقبله كمن لا لطف له فهو حرج الصدر قاسي القلب، ونور الله: هو لطفه.

وقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية فقيل: يا رسول الله، كيف انشراح الصدر؟

قال: «إذا دخل النور القلب انشرح وانفسح» ، فقيل: يا رسول الله، فما علامة ذلك؟

قال: «الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والتأهب للموت قبل نزول الموت» ، وهو نظير قوله: ﴿ أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ ﴾ [الزمر: 9] في حذف الخبر ﴿ مّن ذِكْرِ الله ﴾ من أجل ذكره، أي: إذا ذكر الله عندهم أو آياته اشمأزوا وازدادت قلوبهم قساوة، كقوله تعالى: ﴿ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ ﴾ [التوبة: 125] .

وقرئ: ﴿ عن ذكر الله ﴾ فإن قلت: ما الفرق بين من وعن في هذا؟

قلت: إذا قلت: قسا قلبه من ذكر الله، فالمعنى ما ذكرت، من أن القسوة من أجل الذكر وبسببه، وإذا قلت: عن ذكر الله، فالمعنى: غلظ عن قبول الذكر وجفا عنه.

ونظيره: سقاه من العيمة، أي من أجل عطشه، وسقاه عن العيمة: إذا أرواه حتى أبعده عن العطش.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ ﴾ حَتّى تَمَكَّنَ فِيهِ بِيُسْرٍ عَبَرَ بِهِ عَمَّنْ خَلَقَ نَفْسَهُ شَدِيدَةَ الِاسْتِعْدادِ لِقَبُولِهِ غَيْرَ مُتَأبِّيَةٍ عَنْهُ مِن حَيْثُ إنَّ الصَّدْرَ مَحَلُّ القَلْبِ المَنبَعِ لِلرُّوحِ المُتَعَلِّقِ لِلنَّفْسِ القابِلَةِ لِلْإسْلامِ.

﴿ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِن رَبِّهِ ﴾ يَعْنِي المَعْرِفَةَ والِاهْتِداءَ إلى الحَقِّ.

وَعَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «إذا دَخَلَ النُّورُ القَلْبَ انْشَرَحَ وانْفَسَحَ، فَقِيلَ: فَما عَلامَةُ ذَلِكَ؟

قالَ: الإنابَةُ إلى دارِ الخُلُودِ والتَّجافِي عَنْ دارِ الغُرُورِ والتَّأهُّبُ لِلْمَوْتِ قَبْلَ نُزُولِهِ».» وَخَبَرُ ( مَن ) مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ ﴿ فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهم مِن ذِكْرِ اللَّهِ ﴾ مِن أجْلِ ذِكْرِهِ وهو أبْلَغُ مِن أنْ يَكُونَ عَنْ مَكانِ مِن، لِأنَّ القاسِيَ مِن أجْلِ الشَّيْءِ أشَدُّ تَأبِّيًا عَنْ قَبُولِهِ مِنَ القاسِي عَنْهُ لِسَبَبٍ آخَرَ، ولِلْمُبالَغَةِ في وصْفِ أُولَئِكَ بِالقَبُولِ وهَؤُلاءِ بِامْتِناعِ ذِكْرِ شَرْحِ الصَّدْرِ وأسْنَدَهُ إلى اللَّهِ وقابَلَهُ بِقَساوَةِ القَلْبِ وأسْنَدَهُ إلَيْهِ.

﴿ أُولَئِكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ ﴾ يَظْهَرُ لِلنّاظِرِ بِأدْنى نَظَرٍ، والآيَةُ نَزَلَتْ في حَمْزَةَ وعَلِيٍّ وأبِي لَهَبٍ ووَلَدِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{أَفَمَن شَرَحَ الله صَدْرَهُ} أي وسع صدره {للإسلام} فاهتدى وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الشرح فقال إذا دخل النور القلب انشرح وانفسح فقيل فهل لذلك من علامة قال نعم الإنابة إلى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور والاستعداد للموت قبل نزول الموت {فَهُوَ على نُورٍ مِّن رَّبّهِ} بيان وبصيرة والمعنى أفمن شرح الله صدره فاهتدى كمن طبع على قلبه فقسا قلبه فحذف لأن قوله {فَوَيْلٌ للقاسية قُلُوبُهُمْ} يدل عليه {مِّن ذِكْرِ الله} أي من ترك ذكر الله أو من أجل ذكر الله أي إذا ذكر الله عندهم أو آياته ازدادت قلوبهم قساوة كقوله فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ {أُوْلَئِكَ فِى ضلال مُّبِينٍ} غواية ظاهرة

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ ﴾ إلَخِ، اسْتِئْنافٌ جارٍ مَجْرى التَّعْلِيلِ لِما قَبْلَهُ مِن تَخْصِيصِ الذِّكْرى بِأُولِي الألْبابِ، والشَّرْحُ في الأصْلِ البَسْطُ والمَدُّ لِلْحَمِ، ونَحْوِهِ ويُكَنّى بِهِ عَنِ التَّوْسِيعِ، وتُجُوِّزَ بِهِ هُنا عَنْ خَلْقِ النَّفْسِ النّاطِقَةِ مُسْتَعِدَّةً اسْتِعْدادًا تامًّا لِلْقَبُولِ بِجامِعِ عَدَمِ التَّأبِّي عَنِ القَبُولِ، وسُهُولَةِ الحُصُولِ، وذَلِكَ بَعْدَ التَّجَوُّزِ في الصَّدْرِ، وإرادَةِ النَّفْسِ النّاطِقَةِ مِنهُ مِن حَيْثُ إنَّهُ مَحَلٌّ لِلْقَلْبِ، وفي تَجْوِيفِهِ بُخارٌ لَطِيفٌ، يَتَكَوَّنُ مِن صَفْوَةِ الأغْذِيَةِ، وبِهِ تَتَعَلَّقُ النَّفْسُ أوَّلًا وبِواسِطَتِهِ تَتَعَلَّقُ بِسائِرِ البَدَنِ تَعَلُّقَ التَّدْبِيرِ والتَّصْرِيفِ، وتِلْكَ النَّفْسُ هي الَّتِي تَتَّصِفُ بِالإسْلامِ، والإيمانِ، وجَعَلَ بَعْضُ الأجِلَّةِ (شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ) اسْتِعارَةً تَمْثِيلِيَّةً، والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ داخِلَةٌ عَلى مَحْذُوفٍ عَلى أحَدِ القَوْلَيْنِ المارَّيْنِ آنِفًا، والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى ذَلِكَ المَحْذُوفِ، وخَبَرُ (مَن) مَحْذُوفٌ لِدِلالَةِ ما بَعْدَهُ عَلَيْهِ، والتَّقْدِيرُ: أكُلُّ النّاسِ سَواءٌ فَمَن شَرَحَ اللَّهُ تَعالى صَدْرَهُ، وخَلَقَهُ مُسْتَعِدًّا لِلْإسْلامِ، فَبَقِيَ عَلى الفِطْرَةِ الأصْلِيَّةِ، ولَمْ تَتَغَيَّرْ بِالعَوارِضِ المُكْتَسَبَةِ القادِحَةِ فِيها ﴿ فَهُوَ ﴾ بِمُوجَبِ ذَلِكَ مُسْتَقِرٌّ، ﴿ عَلى نُورٍ ﴾ عَظِيمٍ، ﴿ مِن رَبِّهِ ﴾ وهو اللُّطْفُ الإلَهِيُّ المُشْرِقُ عَلَيْهِ مِن بُرُوجِ الرَّحْمَةِ عِنْدَ مُشاهَدَةِ الآياتِ التَّكْوِينِيَّةِ والتَّنْزِيلِيَّةِ، والتَّوْفِيقِ لِلِاهْتِداءِ بِها إلى الحَقِّ كَمَن قَسا قَلْبُهُ، وحَرَجَ صَدْرُهُ بِتَبْدِيلِ فِطْرَةِ اللَّهِ تَعالى بِسُوءِ اخْتِيارِهِ، واسْتَوْلى عَلَيْهِ ظُلُماتُ الغَيِّ والضَّلالِ، فَأعْرَضَ عَنْ تِلْكَ الآياتِ بِالكُلِّيَّةِ حَتّى لا يَتَذَكَّرَ بِها، ولا يَغْتَنِمَها، وعُدِلَ عَنْ فَعِنْدَهُ، أوْ فَلَهُ نُورٌ، إلى ما في النَّظْمِ الجَلِيلِ لِلدِّلالَةِ عَلى اسْتِمْرارِ ذَلِكَ، واسْتِقْرارِهِ في النُّورِ، وهو مُسْتَعارٌ لِلُّطْفِ، والتَّوْفِيقِ لِلِاهْتِداءِ، وقَدْ يُقالُ: هو أمْرٌ إلَهِيٌّ غَيْرُ اللُّطْفِ والتَّوْفِيقِ يُدْرَكُ بِهِ الحَقُّ.

وجاءَ بِرِوايَةِ الثَّعْلَبِيِّ في تَفْسِيرِهِ، والحاكِمِ في مُسْتَدْرَكِهِ، والبَيْهَقِيِّ في شُعَبِ الإيمانِ وابْنِ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قالَ: «(تَلا رَسُولُ اللَّهِ  هَذِهِ الآيَةَ ﴿ أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ ﴾ إلَخْ، فَقُلْنا: يا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ انْشِراحُ الصَّدْرِ؟

قالَ: إذا دَخَلَ النُّورُ القَلْبَ انْشَرَحَ، وانْفَسَحَ، قُلْنا: فَما عَلامَةُ ذَلِكَ يا رَسُولَ اللَّهِ؟

فَقالَ: الإنابَةُ إلى دارِ الخُلُودِ، والتَّجافِي عَنْ دارِ الغُرُورِ، والتَّأهُّبُ لِلْمَوْتِ قَبْلَ نُزُولِهِ)».

واسْتَشْكَلَ ذَلِكَ بِأنَّ ظاهِرَ الآيَةِ تَرَتُّبُ دُخُولِ النُّورِ عَلى الِانْشِراحِ، لِأنَّهُ الِاسْتِعْدادُ لِقَبُولِهِ، وما في الحَدِيثِ الشَّرِيفِ عَكْسُهُ، والظّاهِرُ أنَّ السُّؤالَ عَمّا في الآيَةِ، وأنَّ الجَوابَ بَيانٌ لِكَيْفِيَّتِهِ.

وأُجِيبَ بِأنَّ الِاهْتِداءَ لَهُ مَراتِبُ بَعْضُها مُقَدَّمٌ وبَعْضُها مُؤَخَّرٌ، وانْشِراحُ الصَّدْرِ بِحَسَبِ الفِطْرَةِ والخُلُقِ، وبِحَسَبِ ما يَطْرَأُ عَلَيْهِ بَعْدَ فَيْضِ الألْطافِ عَلَيْهِ، وبَيْنَهُما تَلازُمٌ، والمُرادُ بِانْشِراحِ الصَّدْرِ في الحَدِيثِ ما يَكُونُ بَعْدَ التَّمَكُّنِ فِيهِ، وفي الآيَةِ ما تَقَدَّمَ، وقِسْ عَلَيْهِ النُّورَ، والجَوابُ مِن قَبِيلِ الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ، فَتَأمَّلْ.

﴿ فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهم مِن ذِكْرِ اللَّهِ ﴾ أيْ مِن أجْلِ ذِكْرِهِ سُبْحانَهُ الَّذِي حَقُّهُ أنْ تَلِينَ مِنهُ القُلُوبُ، أيْ إذا ذُكِرَ اللَّهُ تَعالى عِنْدَهُمْ، أوْ آياتُهُ - عَزَّ وجَلَّ - اشْمَأزُّوا مِن ذَلِكَ، وزادَتْ قُلُوبُهم قَساوَةً.

وقُرِئَ: ”عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ“ والمُتَواتِرَةُ أبْلَغُ، لِأنَّ القاسِيَ مِن أجْلِ الشَّيْءِ أشَدُّ تَأبِّيًا مِن قَبُولِهِ مِنَ القاسِي عَنْهُ بِسَبَبٍ آخَرَ، ولِلْمُبالَغَةِ في وصْفِ أُولَئِكَ بِالقَبُولِ، وهَؤُلاءِ بِالِامْتِناعِ، ذَكَرَ شَرْحَ الصَّدْرِ، لِأنَّ تَوْسِعَتَهُ وجَعْلَهُ مَحَلًّا لِلْإسْلامِ دُونَ القَلْبِ الَّذِي فِيهِ يَدُلُّ عَلى شِدَّتِهِ، وإفْراطِ كَثْرَتِهِ الَّتِي فاضَتْ حَتّى مَلَأتِ الصَّدْرَ فَضْلًا عَنِ القَلْبِ، وإسْنادُهُ إلى اللَّهِ تَعالى الظّاهِرُ فِي أنَّهُ عَلى أتَمِّ الوُجُوهِ، لِأنَّهُ فِعْلُ قادِرٍ حَكِيمٍ، وقابَلَهُ بِالقَساوَةِ مَعَ أنَّ مُقْتَضى المُقابَلَةِ أنْ يُعَبِّرَ بِالضِّيقِ، لِأنَّ القَساوَةَ كَما في الصَّخْرَةِ الصَّمّاءِ تَقْتَضِي عَدَمَ قَبُولِ شَيْءٍ بِخِلافِ الضِّيقِ، فَإنَّهُ مُشْعِرٌ بِقَبُولِ شَيْءٍ قَلِيلٍ، وعَدَلَ عَنِ التَّعْبِيرِ بِما يُفِيدُ مَجْعُولِيَّةَ القَساوَةِ لَهُ تَعالى وخَلْقَهُ إيّاها لِلْإشارَةِ إلى غايَةِ لُزُومِها لَهُمْ، حَتّى كَأنَّها لَوْ لَمْ تُجْعَلْ لَتَحَقَّقَتْ فِيهِمْ بِمُقْتَضى ذَواتِهِمْ، وأمّا إسْنادُها إلى القُلُوبِ دُونَ الصُّدُورِ فَلِلتَّنْصِيصِ عَلى فَسادِ هَذا العُضْوِ الَّذِي إذا فَسَدَ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، واعْتُبِرَ الجَمْعُ في هَؤُلاءِ الكَفَرَةِ، والإفْرادُ في أُولَئِكَ المُؤْمِنِينَ حَيْثُ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ ﴾ دُونَ أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صُدُورَهُمْ، لِلْإشارَةِ إلى أنَّ المُؤْمِنِينَ وإنْ تَعَدَّدُوا كَرَجُلٍ واحِدٍ، ولا كَذَلِكَ الكُفّارُ.

﴿ أُولَئِكَ ﴾ البُعَداءُ المُتَّصِفُونَ بِما ذُكِرَ مِن قَساوَةِ القُلُوبِ ﴿ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ﴾ ظاهِرٍ كَوْنُهُ ضَلالًا لِكُلِّ أحَدٍ.

والآيَةُ نَزَلَتْ في عَلِيٍّ وحَمْزَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وأبِي لَهَبٍ، وابْنِهِ، فَعَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وحَمْزَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ مِمَّنْ شَرَحَ اللَّهُ تَعالى صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ، وأبُو لَهَبٍ، وابْنُهُ مِنَ القاسِيَةِ قُلُوبُهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مَاء فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ أي: فأدخله في الأرض فجعله ينابيع.

يعني: عيوناً في الأرض تنبع.

ويقال: فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ يعني: جارياً في الأرض، وهي تجري فيها.

ويقال: جعل فيها أنهاراً وعيوناً ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ أحمر، وأصفر، وأخضر، ثُمَّ يَهِيجُ أي: يتغير فَتَراهُ مُصْفَرًّا أي: يابساً بعد الخضرة.

ويقال: ثُمَّ يَهِيجُ يعني: ييبس.

ويقال: يَهِيجُ أي: يتم، ويشتد من هاج يهيج.

أي: تم يتم فَتَراهُ مُصْفَرًّا متغيراً عن حاله، ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطاماً قال القتبي: حُطاماً مثل الرفات، والفتات.

وقال الزجاج: الحطام ما تفتت، وتكسر من النبت.

وقال مقاتل: حُطاماً يعني: هالكاً إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى أي: فيما ذكر لعظة لِأُولِي الْأَلْبابِ يعني: لذوي العقول من الناس أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ يعني: وسع الله قلبه للإسلام.

ويقال: لين الله قلبه لقبول التوحيد، فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ يعني: على هدى من الله تعالى.

وجوابه مضمر.

يعني أفمن شرح الله صدره للإسلام، واهتدى، كمن طبع على قلبه، وختم على قلبه فلم يهتد.

ويقال: فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ يعني: القرآن.

لأن فيه بيان الحلال والحرام.

فهو على نور من ربه لمن تمسك به.

ويقال: على نور يعني: التوحيد، والمعرفة.

وروي في الخبر أنه لما نزلت هذه الآية: أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ قالوا: فكيف ذلك يا رسول الله؟

قال: «إذا دَخَلَ النُّورُ فِي القَلْبِ انْفَسَحَ، وَانْشَرَحَ» .

قالوا: فهل لذلك علامة؟

قال: «نَعَمْ.

التَّجَافِي عَنْ دَارِ الغُرُورِ، وَالإنَابَةُ إلى دَارِ الخُلُودِ، وَالاسْتِعْدَادُ لِلْمَوْتِ قَبْلَ نُزُولِ المَوْتِ» .

ثم قال: فَوَيْلٌ يعني: الشدة من العذاب لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ يعني: لمن قست، ويبست قلوبهم، مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ تعالى.

ويقال: القاسية.

الخالية من الخير، أُولئِكَ يعني: أهل هذه الصفة فِي ضَلالٍ مُبِينٍ أي: في خطأ بيّن.

قوله عز وجل: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ يعني: أحكم الحديث، وهو القرآن.

وذلك أن المسلمين قالوا لبعض مؤمني أهل الكتاب، نحو عبد الله بن سلام: أخبرنا عن التوراة، فإن فيها علم الأولين والآخرين.

فأنزل الله تعالى: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ يعني: أنزل عليكم أحسن الحديث، وهو القرآن.

ويقال: أَحْسَنَ الْحَدِيثِ يعني: أحسن من سائر الكتب، لأن سائر الكتب صارت منسوخة بالقرآن، كِتاباً مُتَشابِهاً يعني: يشبه بعضه بعضاً، ولا يختلف.

ويقال: مُتَشابِهاً يعني: موافقاً لسائر الكتب في التوحيد، وفي بعض الشرائع.

وروي عن الحسن البصري أنه قال: مُتَشابِهاً يعني: خياراً لا رذالة فيه.

ويقال: مُتَشابِهاً اشتبه على الناس تأويله.

ثم قال: مَثانِيَ يعني: أن الأنباء، والقصص، تثنى فيه.

ويقال: سمي مثاني، لأن فيه سورة المثاني.

يعني: سورة الفاتحة الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ.

ثم قال: تَقْشَعِرُّ مِنْهُ يعني: ترتعد مما فيه من الوعيد، جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ.

ويقال: تَقْشَعِرُّ مِنْهُ يعني: تتحرك مما في القرآن من الوعيد.

ويقال: ترتعد منه الفرائض.

ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ يعني: بعد الاقشعرار إِلى ذِكْرِ اللَّهِ من آية الرحمة، والمغفرة.

يعني: إذا قرأت آيات الرجاء، والرحمة، تطمئن قلوبهم، وتسكن، ذلِكَ يعني: القرآن هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ يعني: بالقرآن من يشاء الله أن يهديه إلى دينه وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ عن دينه فَما لَهُ مِنْ هادٍ يعني: لا يقدر أحد أن يهديه، بعد خذلان الله تعالى.

قوله عز وجل: أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذابِ يعني: أفمن يدفع بوجهه شدة سوء العذاب، وجوابه مضمر.

يعني: هل يكون حاله كحال من هو في الجنة.

يعني: ليس الضال الذي تصل النار إلى وجهه، كالمهتدي الذي لا تصل النار إلى وجهه، ليسا سواء.

وقال أهل اللغة: أصل الاتقاء في اللغة، الإوتقاء، وهو التستر.

يعني: وجهه إلى النار كالذي لا يفعل ذلك به.

وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذابِ يعني: يجر على وجهه في النار، وهذا كقوله: أَفَمَنْ يُلْقى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (40) [فصلت: 40] ويقال: أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذابِ معناه: أنه يلقى في النار مغلولاً، لا يتهيأ له أن يتقي النار إلا بوجهه، يَوْمَ الْقِيامَةِ وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ يعني: للكافرين، ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ من التكذيب.

قوله عز وجل: كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ يعني: من قبل قومك، رسلهم، فَأَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ يعني: لا يعلمون، ولا يحتسبون، وهم غافلون.

فَأَذاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ العذاب فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ يعني: أعظم مما عذبوا به في الدنيا لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ولكنهم لا يعلمون.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ (١٩) لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعادَ (٢٠) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطاماً إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ (٢١)

وقوله تعالى: أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ [مَن فِى النار] قالت فرقةٌ:

معنى الآيةِ: أَفَمَنْ حَقَّتْ عَلَيْه كلمةُ العَذَابِ فَأَنْتَ تُنْقِذهُ] ، لكنَّه زَادَ الهَمْزَةَ الثانيةَ تَوْكِيداً، وأظْهرَ الضميرَ تَشْهيراً لهؤلاءِ القَومِ وإظهاراً لِخِسَّةِ منازِلهم.

وقوله تعالى: لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ ...

الآية مُعَادَلَةٌ وتَحْضِيضٌ على التقوى، وعَادَلَتْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِها غُرَفٌ ما تَقَدَّمَ مِنَ الظُّلَلِ فَوْقَهُمْ وَتَحْتَهُمْ، والأحاديثُ الصحيحةُ في هذا البابِ كثِيرةٌ، ثُمَّ وَقَفَ تعالى نبيَّه- عليه السلام- وأُمَّتَهُ على مُعْتَبَرٍ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ، فقال: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مَاءً ...

الآية، قال الطبريُّ «١» : الإشارةُ إلى ماءِ المطر ونبع العيون منه، وفَسَلَكَهُ معناه: أجراه وأدخله في الأرض، ويَهِيجُ معناه: يَيْبَسُ، وهاجَ الزَّرْعُ والنباتُ: إذَا يَبِسَ، والحُطَامُ: اليابِسُ المُتَفَتِّتُ، ومعنى لَذِكْرى أيْ: للبَعْث من القبورِ وإحياء الموتى على قياسِ هذا المثال المذكور.

وقوله تعالى: أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ ...

الآية، رُوِيَ أنَّ هذهِ الآيةَ نزلَتْ في عَلِيٍّ وحمزةَ، وأبي لَهَبٍ وابنه وهمَا اللذان كَانا من القَاسِيَةِ قلوبُهُمْ «٢» ، وفي الكلامِ محذوفٌ يدلُّ عليه الظاهِرُ تقديره: أفمن شَرَحَ اللَّه صدره كالقاسِي القَلْبِ المُعْرِضِ عن أمرِ اللَّه، وشَرْحُ الصدرِ: استعارةٌ لتحصيلهِ للنظر الجَيِّدِ والإيمانِ باللَّه، والنُّورُ: هدايةُ اللَّه تعالى، وهي أشبهُ شيء بالضّوء، قال ابن مسعود: قلنا يا رَسُولَ اللَّهِ!

كَيْفَ انشراح الصَّدْرِ؟

قال: إذا دَخَلَ النُّورُ القَلْبَ، انشرح وَانْفَسَحَ، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّه، وَمَا عَلاَمَةُ ذَلِكَ؟

قَالَ: الإنَابَةُ إلَى دَارِ/ الخُلُودِ، وَالتَّجَافِي عَنْ دَارِ الغُرُورِ، والتَّأَهُّبُ لِلْمَوْتِ قَبْلَ نُزُولِ المَوْتِ «٣» ، والقسوةُ: شِدَّةُ القَلْب، وهي مأخوذةٌ من قَسْوَةِ الحَجَرِ، شَبَّهَ قَلْبَ الكافرِ به في

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: جَوابُهُ مَتْرُوكٌ، لِأنَّ الكَلامَ دالٌّ عَلَيْهِ، تَقْدِيرُهُ: أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ فاهْتَدى كَمَن طُبِعَ عَلى قَلْبِهِ فَلَمْ يَهْتَدِ، ويَدُلُّ عَلى هَذا قَوْلُهُ: ﴿ فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ ﴾ ؛ وقَدْ رَوى ابْنُ مَسْعُودٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ  تَلا هَذِهِ الآَيَةَ، فَقُلْنا: يا رَسُولَ اللَّهِ وما هَذا الشَّرْحُ؟» فَذَكَرَ حَدِيثًا قَدْ ذَكَرْناهُ في قَوْلِهِ: ﴿ فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ  ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَهُوَ عَلى نُورٍ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقَوْالٍ.

أحَدُها: اليَقِينُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: كِتابُ اللَّهِ يَأْخُذُ بِهِ ويَنْتَهِي إلَيْهِ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّالِثُ: البَيانُ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

والرّابِعُ: الهُدى، قالَهُ مُقاتِلٌ.

وَفِيمَن نَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ؟

فِيهِ ثَلاثَةُ أقَوْالٍ.

أحَدُها: أنَّها نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ الصَّدِيقِ وأُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: في عَلِيٍّ وحَمْزَةَ وأبِي لَهَبٍ ووَلَدِهِ، قالَهُ عَطاءٌ.

والثّالِثُ: في رَسُولِ اللَّهِ  وفي أبِي جَهْلٍ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهم مِن ذِكْرِ اللَّهِ ﴾ قَدْ بَيَّنّا مَعْنى القَساوَةِ في [البَقَرَةِ: ٧٤] .

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَقْسُو القَلْبُ مِن ذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ؟

فالجَوابُ: أنَّهُ كُلَّما تُلِيَ عَلَيْهِمْ ذِكْرُ اللَّهِ الَّذِي يُكَذِّبُونَ بِهِ، قَسَتْ قُلُوبُهم عَنِ الإيمانِ بِهِ.

وذَهَبَ مُقاتِلٌ في آَخَرِينَ إلى أنَّ "مِن" هاهُنا بِمَعْنى "عَنْ"، قالَ الفَرّاءُ: كَما تَقُولُ: أتْخَمْتُ عَنِ طَعامٍ أكَلْتُهُ، ومِن طَعامٍ أكَلْتَهُ؛ وإنَّما قَسَتْ قُلُوبُهم مِن ذِكْرِ اللَّهِ، لِأنَّهم جَعَلُوهُ كَذِبًا فَأقْسى قُلُوبَهُمْ؛ ومَن قالَ: قَسَتْ قُلُوبُهم عَنْهُ، أرادَ: أعْرَضَتْ عَنْهُ.

و [قَدْ] قَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وأبُو عِمْرانَ: "قُلُوبُهم عَنِ ذِكْرِ اللَّهِ" مَكانَ قَوْلِهِ: "مِن" .

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ أفَمَن شَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ فَهو عَلى نُورٍ مِن رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهم مِن ذِكْرِ اللهُ أُولَئِكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ ﴾ ﴿ اللهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ كِتابًا مُتَشابِهًا مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهم وقُلُوبُهم إلى ذِكْرِ اللهُ ذَلِكَ هُدى اللهُ يَهْدِي بِهِ مَن يَشاءُ ومَن يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مَن هادٍ ﴾ رُوِيَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿ أفَمَن شَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ ﴾ الآيَةَ، نَزَلَتْ في عَلِيٍّ وحَمْزَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُما وأبِي لَهَبٍ وابْنِهِ، هُما اللَذانِ كانا مِنَ القاسِيَةِ قُلُوبُهم.

وفي الكَلامِ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ الظاهِرُ، تَقْدِيرُهُ: كالقاسِي القَلْبِ المُعْرِضِ عن أمْرِ اللهِ، و"شَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ" اسْتِعارَةٌ لِتَحْصِيلِهِ لِلنَّظَرِ الجَيِّدِ والإيمانِ بِاللهِ، و"النُورُ" هِدايَةُ اللهِ، وهي أشْبَهُ شَيْءٍ بِالضَوْءِ، «قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: قُلْنا: يا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ انْشِراحُ الصَدْرِ؟

قالَ: "إذا دَخَلَ النُورُ القَلْبَ انْشَرَحَ وانْفَسَحَ"، قُلْنا: وما عَلامَةُ ذَلِكَ؟

قالَ: "الإنابَةُ إلى دارِ الخُلُودِ، والتَجافِي عن دارِ الغُرُورِ، والتَأهُّبُ لِلْمَوْتِ"،» و"القَسْوَةُ": شِدَّةُ القَلْبِ، وهي مَأْخُوذَةٌ مِن قَسْوَةِ الحَجَرِ، شَبَّهَ قَلْبَ الكافِرِ بِهِ في صَلابَتِهِ، وقِلَّةِ انْفِعالِهِ لِلْوَعْظِ.

وقالَ مالِكُ بْنُ دِينارٍ: "ما ضُرِبَ العَبْدُ بِعُقُوبَةٍ أعْظَمَ مِن قَسْوَةِ قَلْبٍ"، ويَدُلُّ قَوْلُهُ: ﴿ فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ ﴾ عَلى المَحْذُوفِ المُقَدَّرِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اللهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ كِتابًا مُتَشابِهًا ﴾ يُرِيدُ بِهِ القُرْآنَ، ورُوِيَ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّ سَبَبَ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ قَوْمًا مِنَ الصَحابَةِ قالُوا: يا رَسُولَ اللهِ، حَدِّثْنا بِأحادِيثَ حِسانٍ، وأخْبِرْنا بِأخْبارِ الدَهْرِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ،» وقَوْلُهُ: ﴿ "مُتَشابِهًا" ﴾ مَعْناهُ: مُسْتَوِيًا لا تَناقُضَ فِيهِ ولا تَدافُعَ، بَلْ يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا في رَصانَةِ اللَفْظِ، ووَثاقَةِ البَراهِينِ، وشَرَفِ المَعانِي؛ إذْ هي اليَقِينُ في العَقائِدِ في اللهِ تَعالى وصِفاتِهِ وأفْعالِهِ وشَرْعِهِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ "مَثانِيَ" ﴾ مَعْناهُ: مَوْضِعُ تَثْنِيَةٍ لِلْقَصَصِ والأقْضِيَةِ والمَواعِظِ، تُثَنّى فِيهِ ولا يُمَلُّ مَعَ ذَلِكَ، ولا يَعْرِضُها ما يَعْرِضُ لِلْحَدِيثِ المُعادِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: يُثَنّى فِيهِ الأمْرُ مِرارًا.

ولا يَنْصَرِفُ "مَثانِيَ" لِأنَّهُ جَمْعٌ لا نَظِيرَ لَهُ في الواحِدِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَقْشَعِرُّ مِنهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ﴾ عِبارَةٌ عن وقْفِ شَعْرِ الإنْسانِ عِنْدَ ما يُداخِلُهُ خَوْفٌ، ولِينُ قَلْبٍ عِنْدَ سَماعِ مَوْعِظَةٍ أو زَجْرِ قُرْآنٍ ونَحْوِهُ، وهَذِهِ عَلامَةُ وُقُوعِ المَعْنى المُخْشِعِ في قَلْبِ السامِعِ، وفي الحَدِيثِ «أنَّ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ قَرَأ عِنْدَ النَبِيِّ  فَرَقَّتِ القُلُوبُ، فَقالَ رَسُولُ اللهِ  : "اغْتَنِمُوا الدُعاءَ عِنْدَ الرِقَّةِ فَإنَّها رَحْمَةٌ"،» وقالَ العَبّاسُ: قالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "مَنِ اقْشَعَرَّ جِلْدُهُ مِن خَشْيَةِ اللهِ تَحاتَّتْ عنهُ ذُنُوبُهُ كَما يَتَحاتُّ عَنِ الشَجَرَةِ اليابِسَةِ ورَقُها"،» وقالَتْ أسْماءُ بِنْتُ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: كانَ الصَحابَةُ تَدْمَعُ أعْيُنُهم وتَقْشَعِرُّ جُلُودُهم عِنْدَ سَماعِ القُرْآنِ، قِيلَ لَها: إنَّ أقْوامًا اليَوْمَ إذا سَمِعَ أحَدُهُمُ القُرْآنَ خَرَّ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ، فَقالَتْ: أُعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَيْطانِ، وقالَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُما: وقَدْ رَأى ساقِطًا عِنْدَ سَماعِ القُرْآنِ: إنّا لَنَخْشى اللهَ وما نَسْقُطُ، هَؤُلاءِ يَدْخُلُ الشَيْطانُ في جَوْفِ أحَدِهِمْ، وقالَ ابْنُ سِيرِينَ بَيْنَنا وبَيْنَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يُصْرَعُونَ عِنْدَ قِراءَةِ القُرْآنِ أنْ يُجْعَلَ أحَدُهم عَلى حائِطٍ باسِطًا رِجْلَيْهِ، ثُمَّ يُقْرَأُ عَلَيْهِ القُرْآنُ كُلُّهُ، فَإنْ رَمى بِنَفْسِهِ فَهو صادِقٌ.

وَقَوْلُهُ: ﴿ ذَلِكَ هُدى اللهِ ﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يُشِيرَ إلى القُرْآنِ، أيْ: ذَلِكَ الَّذِي هَذِهِ صِفَتُهُ هُدى اللهِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يُشِيرَ إلى الخَشْيَةِ واقْشِعْرارِ الجِلْدِ، أيْ: ذَلِكَ أمارَةُ هُدى اللهِ، ومَن جَعَلَ ﴿ [تَقْشَعِرُّ]﴾ في مَوْضِعِ الصِفَةِ لَمْ يَقِفْ عَلى ﴿ "مَثانِيَ"، ﴾ ومَن جَعَلَهُ مُسْتَأْنَفًا وإخْبارًا مُنْقَطِعًا وقَفَ عَلى "مَثانِيَ".

وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ أَفَمَن شَرَحَ الله صَدْرَهُ للإسلام فَهُوَ على نُورٍ مِّن رَّبِّهِ ﴾ تفريع على ما تقدم من قوله: ﴿ لكِن الذين اتقوا ربهم لهم غرفٌ ﴾ [الزمر: 20] وما ألحق به من تمثيل حالهم في الانتفاع بالقرآن فُرع عليه هذا الاستفهام التقريري.

و (مَن) موصلة مبتدأ، والخبر محذوف دل عليه قوله: ﴿ لكِن الذينَ اتَّقوا ربَّهُم ﴾ مما اقتضاه حرف الاستدراك من مخالفة حالة لحال من حق عليه كلمة العذاب.

والتقدير: أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه مِثل الذي حقّ عليه كلمة العذاب فهو في ظلمة الكفر، أو تقديره: مثل من قسا قلبه بدلالة قوله: ﴿ فَوَيلٌ للقاسِيَةِ قلوبُهم ﴾ ، وهذا من دلالة اللاحق.

وشرحُ الصدر للإِسلام استعارة لقبول العقل هديَ الإِسلام ومحبّته.

وحقيقة الشرح أنه: شق اللحم، ومنه سمي علم مشاهدة باطن الأسباب وتركيبه علم التشريح لتوقفه على شق الجلد واللحم والإطلاع على ما تحت ذلك.

ولما كان الإِنسان إذا تحير وتردد في أمر يجدّ في نفسه غماً يتأثر منه جهازه العصبي فيظهر تَأثره في انضغاط نَفَسه حتى يصير تنفسه عسيراً ويكثر تنهده وكان عضو التنفس في الصدر، شبه ذلك الانضغاط بالضيق والانطباق فقالوا: ضاق صدره، قال تعالى عن موسى: ﴿ ويضيق صدري ﴾ [الشعراء: 13]، وقالوا: انطبق صدره وانطبقت أضلاعه وقالوا في ضد ذلك: شرح الله صدره، وجمع بينهما قوله تعالى: ﴿ فمن يرد اللَّه أن يهديه يشرحْ صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقاً حرجاً كأنما يصَّعَّدُ في السماء ﴾ في سورة [الأنعام: 125]، ومنه قولهم: فلان في انشراح، أي يحس كأن صدره شُرح ووُسع.

ومن رشاقة ألفاظ القرآن إيثار كلمة ﴿ شَرح ﴾ للدلالة على قبول الإِسلام لأن تعاليم الإِسلام وأخلاقه وآدابه تكسب المسلم فرحاً بحاله ومسرة برضى ربه واستخفافاً للمصائب والكوارث لجزمه بأنه على حق في أمره وأنه مثاب على ضره وأنه راججٍ رحمة ربه في الدنيا والآخرة ولعدم مخالطة الشك والحيرة ضميره.

فإن المؤمن أول ما يؤمن بأن الله واحد وأن محمداً صلى الله عليه وسلم رسوله ينشرح صدره بأنه ارتفع درجات عن الحالة التي كان عليها حالةَ الشرك إن اجتنبَ عبادة أحجار هو أشرف منها ومعظم ممتلكاته أشرف منها كفرسه وجمله وعبده وأَمته وماشيته ونخِله، فشعر بعزة نفسه مرتفعاً عما انكشف له من مهانتها السابقة التي غسلها عنه الإِسلام، ثم أصبح يقرأ القرآن وينطق عن الحكمة ويتسم بمكارم الأخلاق وأصالة الرأي ومحبة فعل الخير لوجه الله لا للرياء والسمعة، ولا ينطوي باطنه على غلّ ولا حسد ولا كراهية في ذات الله وأصبح يُعد المسلمين لنفسه إخواناً، وقد ترك الاكتساب بالغارة والميسر، واستغنى بالقناعة عَن الضراعة إلا إلى الله تعالى، وإذا مسه ضر رجا زواله ولم ييأس من تغير حاله.

وأيقن أنه مثاب على تحمله وصبره، وإذا مسته نعمة حمد ربه وترقب المزيد، فكان صدره منشرحاً بالإِسلام متلقياً الحوادث باستبصار غير هياب شجاع القلب عزيز النفس.

واللام في ﴿ للإسْلامِ ﴾ لام العلة، أي شرحه لأجل الإِسلام، أي لأجل قبوله.

وفرع على أن شرح الله صدره للإسلام قوله تعالى: ﴿ فهُوَ على نُورٍ من ربِّهِ ﴾ فالضمير عائد إلى ﴿ مّن ﴾ .

والنور: مستعار للهدى ووضوح الحق لأن النور به تنجلي الأشياء ويخرج المبصر من غياهب الضلالة وتردد اللبس بين الحقائق والأشباح.

واستعيرت ﴿ على ﴾ استعارةً تبعية أو تمثيلية للتمكن من النور كما استعيرت في قوله تعالى: ﴿ أولئك على هدى من ربهم ﴾ [البقرة: 5] على الوجهين المقررين هنالك.

و ﴿ مّن ربِّهِ ﴾ نعت ل ﴿ يهدي اللَّه لنوره من يشاء ﴾ في سورة [النور: 35].

{فَوَيْلٌ للقاسية قُلُوبُهُمْ مِّن ذِكْرِ الله أولئك فِى ضلال فُرع على وصف حال من شرحَ الله صدره للإِسلام فهو على نور من ربه، ما يدل على حال ضده وهم الذين لم يشرح الله صدورهم للإِسلام فكانت لقلوبهم قساوة فُطِروا عليها فلا تسلك دعوة الخير إلى قلوبهم.

وأُجمل سوء حالهم بما تدل عليه كلمة ﴿ ويل ﴾ من بلوغهم أقصى غايات الشقاوة والتعاسةِ، وقد تقدم تفصيل معانيه عند قوله تعالى: ﴿ فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ﴾ في سورة [البقرة: 79].

والقاسي: المتصف بالقساوة في الحال، وحقيقة القساوة: الغلظ والصلابة في الأجسام، وقد تقدمت عند قوله تعالى: ﴿ فهي كالحجارة أو أشد قسوة ﴾ [البقرة: 74].

وقسوة القلب: مستعارة لقلة تأثّر العقل بما يُسدى إلى صاحبه من المواعظ ونحوها، ويقابل هذه الاستعارة استعارة اللين لسرعة التأثر بالنصائح ونحوها، كما سيأتي في قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ تَلِينُ جلودُهم وقُلوبُهم ﴾ [الزمر: 23].

و ﴿ مِن ﴾ في قوله: ﴿ مّن ذِكرِ الله ﴾ يجوز أن تكون بمعنى (عن) بتضمين ﴿ القاسية ﴾ معنى المعرضة والنافرة، وقد عدّ مرادف معنى (عن) من معاني ﴿ مِن، واستُشهد له في مغني اللبيب ﴾ بهذه الآية وبقوله تعالى: ﴿ لقد كنت في غفلة من هذا ﴾ [ق: 22]، وفيه نظر، لإِمكان حملهما على معنيين شائعين من معاني وحاصل المعنى: أن كفرهم يحملهم على كراهية ما يسمعونه من الدعوة إلى الإِسلام بالقرآن فكلما سمعوه أعرضوا وعاندوا وتجددت كراهية الإِسلام في قلوبهم حتى ترسخ تلك الكراهية في قلوبهم فتصير قلوبهم قاسية.

فكان القرآن أن سبب اطمئنان قلوب المؤمنين قال تعالى: ﴿ الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر اللَّه ألا بذكر اللَّه تطمئن القلوب ﴾ [الرعد: 28].

وكان سبباً في قساوة قلوب الكافرين.

وسبب ذلك اختلاف القابلية فإن السبب الواحد تختلف آثاره وأفعاله باختلاف القابلية، وإنما تعرف خصائص الأشياء باعتبار غالب آثارها في غالب المتأثرات، فذِكر الله سبب في لين القلوب وإشراقها إذا كانت القلوب سليمة من مرض العناد والمكابرة والكبر، فإذا حلّ فيها هذا المرض صارت إذا ذكر الله عندها أشد مرضاً مما كانت عليه.

وجملة ﴿ أُولئِكَ في ضلاللٍ مُبينٍ ﴾ مستأنفة استئنافاً بيانياً لأن ما قبله من الحكم بأن قساوة قلوبهم من أجل أن يذكر الله عندهم يثير في نفس السامع أن يتساءل: كيف كان ذكر الله سبب قساوة قلوبهم؟

فأفيد بأن سبب ذلك هو أنهم متمكنون من الضلالة منغمسون في حَمْأتها فكان ضلالهم أشدّ من أن يتقشع حين يسمعون ذكر الله.

وافتتاح هذه الجملة باسم الإِشارة عقب ما وصفوا به من قساوة القلوب لإِفادة أن ما سيذكر من حالهم بعد الإِشارة إليهم صاروا به أحرياء لأجل ما ذكر قبل اسم الإِشارة كما تقدم في قوله: ﴿ أولئك على هدى من ربهم ﴾ في سورة ﴿ أولئك في ضلاللٍ مبينٍ ﴾ وهو الضلال الشديد علة لقسوة قلوبهم حسبما اقتضاه وقوع جملته استئنافاً بيانياً.

وكان مضمونها مفعولاً لقسوة قلوبهم حسبما اقتضاه تصدير جملتها باسم الإِشارة عقب وصف المشار إليهم بأوصاف..

وكذلك شأن الأعراض النفسية أن تكون فاعلة ومنفعلة باختلاف المثار وما تتركه من الآثار لأنها علل ومعلولات بالاعتبار لا يتوقف وجود أحد الشيئين منهما على وجود الآخر التوقف المسمى بالدور المعِيِّ.

والمبين: الشديد الذي لا يخفى لشدته، فالمبين كناية عن القوة والرسوخ فهو يُبين للمتأمل أنه ضلال.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: وسَّعَ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ حَتّى يَثْبُتَ فِيهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والسُّدِّيُّ.

الثّانِي: وسَّعَ صَدْرَهُ بِالإسْلامِ بِالفَرَحِ بِهِ والطُّمَأْنِينَةِ إلَيْهِ، فَعَلى هَذا لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الشَّرْحُ قَبْلَ الإسْلامِ، وعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الشَّرْحُ قَبْلَ الإسْلامِ.

﴿ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِن رَبِّهِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: عَلى هُدًى مِن رَبِّهِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: أنَّهُ كِتابُ اللَّهِ الَّذِي بِهِ يَأْخُذُ وإلَيْهِ يَنْتَهِي، قالَهُ قَتادَةُ.

وَرَوى عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِدْرٍ قالَ: «تَلا رَسُولُ اللَّهِ  هَذِهِ الآيَةَ، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ ما هَذا الشَّرْحُ؟

فَقالَ: (نُورٌ يُقْذَفُ بِهِ في القَلْبِ قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ لِذَلِكَ مِن أمارَةٍ؟

قالَ: (نَعَمْ قالُوا: ما هِيَ؟

قالَ: (الإنابَةُ إلى دارِ الخُلُودِ، والتَّجافِي عَنْ دارِ الغُرُورِ، والِاسْتِعْدادُ لِلْمَوْتِ قَبْلَ المَوْتِ.

» وَفِي مَن نَزَلَتْ فِيهِ هَذِهِ الآيَةُ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: في رَسُولِ اللَّهِ  ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الثّانِي: في عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، حَكاهُ النَّقّاشُ.

الثّالِثُ: في عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

﴿ فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهم مِن ذِكْرِ اللَّهِ ﴾ قِيلَ: إنَّهُ عَنى أبا جَهْلٍ وأتْباعَهُ مِن كُفّارِ قُرَيْشٍ، وفي الكَلامِ مُضْمَرٌ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ، فَهو عَلى نُورٍ مِن رَبِّهِ كَمَن طَبَعَ اللَّهُ عَلى قَلْبِهِ فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهم.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ أفمن شرح الله صدره للإِسلام ﴾ الآية.

قال: ليس المشروح صدره كالقاسية قلوبهم.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه «في قوله: ﴿ أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه ﴾ قالوا: يا رسول الله فهل ينفرج الصدر؟

قال: نعم.

قالوا: هل لذلك علامة؟

قال: نعم.

التجافي عن دار الغرور، والانابة إلى دار الخلود، والاستعداد للموت قبل نزول الموت» .

وأخرج ابن مردويه عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: «تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية ﴿ أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه ﴾ فقلنا يا رسول الله كيف انشراح صدره؟

قال: إذا دخل النور القلب انشرح وانفسح.

قلنا يا رسول الله فما علامة ذلك؟

قال: الانابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والتأهب للموت قبل نزول الموت» .

وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن ابن عمر رضي الله عنهما، «أن رجلاً قال: يا نبي الله أي المؤمنين أكيس؟

قال أكثرهم ذكراً للموت، وأحسنهم له استعداداً، وإذا دخل النور القلب انفسح واستوسع.

فقالوا: ما آية ذلك يا نبي الله؟

قال: الانابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل نزول الموت» ثم أخرج عن أبي جعفر عبد الله بن المسور عن رسول الله صلى الله عليه وسلم نحوه، وزاد فيه ﴿ أفمن شرح الله صدره للإِسلام فهو على نور من ربه ﴾ .

أما قوله تعالى: ﴿ فويل للقاسية قلوبهم ﴾ .

وأخرج الترمذي وابن مردويه وابن شاهين في الترغيب في الذكر والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله، فإن كثرة الكلام بغير ذكر الله قسوة للقلب، وإن أبعد الناس من الله القاسي» .

وأخرج أحمد في الزهد عن أبي الجلد رضي الله عنه، أن عيسى عليه السلام أوصى إلى الحواريين: أن لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله فتقسو قلوبكم، وأن القاسي قلبه بعيد من الله ولكن لا يعلم.

وأخرج مردويه عن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أكل العباد ونومهم عليه قسوة في قلوبهم» .

وأخرج العقيلي والطبراني في الأوسط وابن عدي وابن السني وأبو نعيم كلاهما في الطب والبيهقي في شعب الإِيمان وابن مردويه عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أذيبوا طعامكم بذكر الله والصلاة، ولا تناموا عليه فتقسو قلوبكم» .

وأخرج ابن مردويه عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يورث القسوة في القلب ثلاث خصال: حب الطعام، وحب النوم، وحب الراحة» والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ أَفَمَن شَرَحَ الله صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ ﴾ تقديره: أفمن شرح الله صدره كالقاسي قلبه، وروي أن الذي شرح الله صدره للإسلام عليّ بن أبي طالب وحمزة، والمراد بالقاسية قلوبهم أبو لهب وأولاده، واللفظ أعم من ذلك ﴿ مِّن ذِكْرِ الله ﴾ قال الزمخشري: مِنْ هنا سببية أي قلوبهم قاسية من أجل ذكر الله، وهذا المعنى بعيد، ويحتمل عندي أن يكون قاسية تضمن معنى خالية، فلذلك تعدى بمن، أن قلوبهم خالية من ذكر الله.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ يرضه ﴾ بالإِشباع: ابن كثير وعلي والمفضل وعباس وإسماعيل وابن ذكوان وخلف ﴿ يرضه ﴾ باختلاس ضمة الهاء: يزيد وسهل ويعقوب ونافع وعاصم غير يحيى وحماد والمفضل وحمزة وهشام وابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان.

الباقون ﴿ يرضه ﴾ بسكون الهاء ﴿ ليضل ﴾ بفتح الياء: ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب.

الباقون: بالضم ﴿ أمن هو ﴾ بتخفيف المميم: نافع وابن كثير وحمزة وأبو زيد ﴿ يا عبادي الذين ﴾ بفتح الياء: الشموني والبرجمي والوقف بالياء ﴿ إني أمرت ﴾ ﴿ فبشر عبادي ﴾ بفتح المتكلم فيهما: شجاع وأبو شعيب وعباس والشموني والبرجمي والوقف بالياء ﴿ إني أخاف ﴾ بالفتح: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو.

﴿ سالماً ﴾ بالألف: ابن كثير وأبو عمرو.

والآخرون: بفتح السين واللام من غير ألف.

الوقوف: ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ له الدين ﴾ ه ط ﴿ الخالص ﴾ ط ﴿ أولياء ﴾ ه التقدير يقولون ولو وصل لأوهم أن ما نعبدهم أخبار من الله قاله السجاوندي.

وعندي أن هذا وهم بعيد والأولى أن لا يوقف لئلا يفصل بين المبتدأ وخبره ﴿ زلفى ﴾ ج لاحتمال أن خبر المبتدأ هو ما بعده ﴿ يختلفون ﴾ ه ط ﴿ كفار ﴾ ه ﴿ ما يشاء ﴾ ز لتعجيل التنزيه {  } ط ﴿ القهار ﴾ ه ز ﴿ بالحق ﴾ ج لاحتمال كون ما بعده حالاً والاستئناف أفضل ﴿ والقمر ﴾ ط ﴿ مسمى ﴾ ط ﴿ الغفار ﴾ ه ﴿ أزواج ﴾ ط ﴿ ثلاث ﴾ ط ﴿ الملك ﴾ ط ﴿ تصرفون ﴾ ه ﴿ الكفر ﴾ ج لعطف جملتي الشرط مع وقوع العارض ﴿ لكم ﴾ ط ﴿ أخرى ﴾ ط لأن "ثم" لترتيب الأخبار ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ الصدور ﴾ ه ﴿ سبيله ﴾ ط ﴿ قليلاً ﴾ ز ص والأولى والوصل أو التقدير فإنك ﴿ النار ﴾ ه ﴿ رحمة ربه ﴾ ه ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ الألباب ﴾ ه ﴿ ربكم ﴾ ط ﴿ حسنة ﴾ ط ﴿ واسعة ﴾ ط ﴿ حساب ﴾ ه ﴿ له الدين ﴾ ه ط ﴿ المسلمين ﴾ ه ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ ديني ﴾ ه لا ﴿ دونه ﴾ ط ﴿ يوم القيامة ﴾ ط ﴿ المبين ﴾ ه ﴿ ومن تحتهم ظلل ﴾ ط ﴿ عباده ﴾ ط ﴿ فاتقون ﴾ ه ﴿ البشرى ﴾ ج لانقطاع النظم مع فاء التعقيب ﴿ عباد ﴾ ه لا ﴿ أحسنه ﴾ ط ﴿ الألباب ﴾ ه ﴿ العذاب ﴾ ه ﴿ في النار ﴾ ه ج للآية مع الاستدراك مبنية لا لأن ما بعده وصف ﴿ الأنهار ﴾ ط ﴿ وعد الله ﴾ ط ﴿ الميعاد ﴾ ه ﴿ حطاماً ﴾ ط ﴿ الألباب ﴾ ه ﴿ من ربه ﴾ ط لحذف جواب الاستفهام من ﴿ ذكر الله ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ ربهم ﴾ ج لأن الجملة ليست من صفة الكتاب مع العطف ﴿ ذكر الله ﴾ ط ﴿ من يشاء ﴾ ط ﴿ هاد ﴾ ه ﴿ يوم القيامة ﴾ ط لحق الحذف كما مر ﴿ تكسبون ﴾ ه ﴿ لا يشعرون ﴾ ه ﴿ الدنيا ﴾ ج للام الابتداء مع العطف ﴿ أكبر ﴾ ه ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ يتذكرون ﴾ ه ج لاحتمال كون ﴿ قرآنا ﴾ نصباً على المدح أو على الحال المؤكدة كما يجيء ﴿ يتقون ﴾ ه ﴿ متشاكسون ﴾ ه ﴿ لرجل ﴾ ط ﴿ مثلاً ﴾ ط ﴿ الله ﴾ ج للإضراب مع اتفاق الجملتين ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ ميتون ﴾ ه ﴿ تحتصمون ﴾ ه.

التفسير: ﴿ تنزيل الكتاب ﴾ مبتدأ وخبره ﴿ من الله ﴾ وقيل: اصله هذا تنزيل الكتاب والجار صلة، والأولى أقوى لأن الإِضمار خلاف الأصل، ولأنه يلزم مجاز وهو كون التنزيل بمعنى المنزل فإن هذا إشارة إلى القرآن أو إلى جزء منه وهو هذه السورة.

وفيه إبطال ما يقوله المشركون من أن محمداً يقوله من تلقاء نفسه.

وفي قوله ﴿ من الله ﴾ إشارة إلى الذات المستحق للعبادة والطاعة كقولك: هذا كتاب من فلان.

تعظم به شأن الكتاب: وفي قوله ﴿ العزيز ﴾ إشارة إلى أن هذا الكتاب يحق قبوله فكتاب العزيز عزيز، وفيه أنه غني عن إرسال الكتاب والاستكمال به وإنما ينتفع به المرسل إليهم.

وفي قوله ﴿ الحكيم ﴾ إشارة إلى أنه مشتمل على الفوائد الدينية والدنيوية لا على العبث والباطل.

وقوله ﴿ إنا أنزلنا إليك ﴾ ليس تكراراً من وجهين: أحدهما أن التنزيل للتدريج والإنزال دفعي كما مر مراراً.

والثاني أن الأول كعنوان الكتاب، والثاني يقرر ما في الكتاب.

وقوله ﴿ بالحق ﴾ يعني أن كل ما أودعنا فيه من إثبات التوحيد والنبوة والمعاد وأنواع التكاليف فهو حق وصدق مؤيد بالبرهان العقلي وهو مطابقته للعقول الصحيحة، وبالدليل الحسي وهو أن الفصحاء عجزوا عن معارضته.

ثم اشتغل ببيان بعض ما فيه من الحق وهو الإقبال على عبادته بالإخلاص والالتفات عما سواه بالكلية.

أما الأول فهو قوله ﴿ فاعبد الله ﴾ أي أنت أو أمتك ﴿ مخلصاًً له الدين ﴾ وآية الإخلاص أن يكون الداعي إلى العبادة هو مجرد الأمر لا طلب مرغوب أو هرب مكروه.

وأما الثاني فذلك قوله ﴿ الا لله الدين الخالص ﴾ أي واجب اختصاصه بالطاعة من غير أن يشوب ذلك دعاء أو شرك ظاهر وخفي.

وخصصه قتادة فقال: الدين الخالص شهادة أن لا إله إلا الله.

وحين حث على التوحيد والإخلاص ذم طريقة الشرك والتقليد فقال ﴿ والذين اتخذوا ﴾ الضمير للمشركين ولكن الموصول يحتمل أن يكون عبارة عن المشركين والخبر ما أضمر من القول، أو قوله ﴿ إن الله يحكم بينهم ﴾ والقول المضمر حال أو بدل فلا يكون له محل كالمبدل، وأن يكون عبارة عن الشركاء والخبر ﴿ إن الله يحكم بينهم ﴾ والقول المضمر للحال أو بدل.

وتقدير الكلام على الأول: والمشركون الذين اتخذوا من دونه أولياء ويقولون ما نعبدهم إلا ليقربونا أو المشركون الذين اتخذوا من دونه أولياء قائلين أو يقولون ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى إن الله يحكم بينهم.

وعلى الثاني: والشركاء الذين اتخذهم المشركون أولياء قائلين أو يقولون كذا إن الله يحكم بينهم.

وإذا عرفت التقادير فنقول: المراد بالأولياء ههنا الملائكة وعيسى واللات والعزى.

قال ابن عباس: كانوا يرجون شفاعتهم وتقريبهم إلى الله أما الملائكة وعيسى فظاهر، وأما الأصنام فلأنهم اعتقدوا أنها تماثيل الكواكب والأرواح السماوية أو الصالحين.

ومعنى حكم الله بينهم أنه يدخل الملائكة وعيسى الجنة، ويدخلهم مع الأصنام النار.

واختلافهم أن الملائكة وعيسى موحدون وهم مشركون والأصنام يكفرون يوم القيامة بشركهم وهم يرجون نفعهم وشفاعتهم.

ويجوز أن يرجع الضمير في ﴿ بينهم ﴾ إلى الفريقين المؤمن والمشرك.

ولا يخفى ما في الآية من التهديد.

ثم سجل عليهم بالخذلان والحرمان فقال ﴿ إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار ﴾ فكذبهم هو زعمهم شفاعة الأصنام وكفرانهم أنهم تركوا عبادة المنعم الحق وأقبلوا على عبادة من لا يملك لهم ضراً ولا نفعاً.

ومن جملة كذبهم قولهم الملائكة بنات الله فلذلك نعبد صورها فاحتج على إبطال معتقدهم بقوله ﴿ لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشاء ﴾ وهو الأفضل يعني البنين لا الأنقص وهن البنات.

وقال جار الله: معناه لو أراد اتخاذ الولد لم يزد على ما فعل من اصطفاء ما شاء من خلقه وهم الملائكة، لأن اتخاذ الولد ممتنع، وفيه توبيخ لهم على أنهم حسبوا الاصطفاء اتخاذ الأولاد بل البنات.

وأقول: إنه  أراد إبطال قولهم بطريق برهان وهو صورة قياس استثنائي كقوله ﴿ لو اراد الله أن يتخذ ولداً لاصطفى ﴾ لأجل الاتخاذ مما يخلق ما يشاء لكنه ما اصطفى ينتج أنه لم يرد أما الشرطية فظاهرة بعد تسليم كمال قدرته، وأما الثانية فأشار إليها بقوله {  هو الله الواحد القهار} فقوله {  } إشارة إلى استحالة اصطفائه شيئاً لأجل اتخاذ الولد.

وقوله ﴿ هو الله الواحد القهار ﴾ إشارة إلى البرهان على استحالة ذلك وتقريره من ثلاثة أوجه: الأول أنه هو الله وهو اسم للمعبود الواجب الذات الجامع لجميع نعوت الجمال والجلال واتخاذ الولد يدل على الحاجة والفقر حتى يقوم الولد بعده مقامه، أو على الاستئناس والالتذاذ بوجوده أو لغير ذلك من الأغرض، وكل ذلك ينافي الوجوب الذاتي والاستغناء المطلق.

الثاني أنه هو الواحد الحقيقي كما مر ذكره مراراً.

والولد إنما يحصل من جزء من أجزاء الوالد، ومن شرطه أن يكون مماثلاً لوالده في تمام الماهية حتى تكون حقيقة الوالد حقيقة نوعية محمولة على شخصين، ويكون تعين كل منهما معلوماً لسبب منفصل وكل ذلك ينافي التعين الذاتي والوحدة المطلقة.

وأيضاً إن حصول الولد من الزوج يتوقف على الزوجة عادة وهي لا بد أن تكون من جنس الزوج فلا يكون الزوج مما ينحصر نوعه في شخصه.

الثالث أنه هو القهار والمحتاج إلى الولد هو الذي يموت فيقوم الولد مقامه والميت مقهور لا قاهر، فثبت بهذه الدلائل أنه  ما اصطفى شيئاً لأن يتخذه ولداً فصح أنه لم يرد ذلك، ونفي إرادة الاتخاذ أبلغ من نفي الاتخاذ فقد يراد ولا يتخذ لمانع كعجزه ونحوه.

هذا ما وصل إليه فهمي في تفسير هذه الآية والله  أعلم بأسرار كلامه.

وحين طعن في إلهية الأصنام عدد الصفات التي بها يستدل على الإلهية الحقة وهي أصناف: أولها قوله ﴿ خلق السموات والأرض بالحق ﴾ أي متلبساً بالغاية الصحيحة وقد مر مراراً.

الثاني.

﴿ يكوّر الليل على النهار ﴾ والتكوير اللف واللي يقال كار العمامة على رأسه وكورها.

وفي التشبيه أوجه منها: أن الليل والنهار متعاقبان إذا غشي أحدهما مكان الآخر فكأنما ألبسه ولف عليه.

ومنها أنه شبه كل منهما إذا غيب صاحبه بشيء ظاهر لف عليه ما غيبه عن الأبصار.

ومنها أن كلاً منهما يكر على الآخر كروراً متتابعاً أكوار العمامة.

وقيل: أراد أنه يزيد في كل واحد منهما بقدر ما ينقص من الآخر من قوله  "نعوذ بالله من الحور بعد الكور" أي من الإدبار بعد الإقبال.

الثالث ﴿ وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى ﴾ وقد مر مثله في "فاطر" وغيره.

وحيث كان الأجل المسمى شاملاً للقيامة عقبه بقوله ﴿ الا هو العزيز الغفار ﴾ وفيه ترهيب مع ترغيب.

الرابع والخامس قوله ﴿ خلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها ﴾ وهما آيتان أوّلهما تشعيب الخلق الفائت للحصر من نفس آدم، والثانية خلق حوّاء من ضلعه.

ومعنى "ثم" ترتيب الأخبار لأن الأولى عادة مستمرة دون الثانية إذ لم يخلق أنثى غير حوّاء من قصيري رجل فكانت أدخل في كونها آية وأجلب لعجب السامع.

وقيل: هو متعلق بواحدة في المعنى كأنه قيل: خلقكم من نفس واحدة ثم شفعها الله بزوج منها.

وقيل: إنه خلق آدم وأخرج ذريته من ظهره ثم ردهم إلى مكانهم، ثم خلق بعد ذلك حوّاء.

وقيل: "ثم" قد يأتي مع الجملة دالاً على التقدّم كقوله { ﴿ ثم اهتدى  ﴾ ﴿ ثم كان من الذين آمنوا  ﴾ وكقوله  "فليكفر عن يمينه ثم ليفعل الذي هو خير" السادس قوله ﴿ وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج ﴾ أما الأزواج فهي المذكورة في سورة الأنعم من الضأن اثنين الذكر والأنثى، ومن المعز اثنين، ومن الإبل اثنين، ومن البقر اثنين.

وأما وصفها بالإنزال فقيل: أنزلها من الجنة.

وقيل: أراد إنزال ما هو سبب في وجودها وهو المطر الذي به قوام النبات الذي به يعيش الحيوان.

وقيل: أنزل بمعنى قضى وقسم لأن قضاياه وقسمه مكتوبة في اللوح ومن هناك ينزل.

وفي هذه العبارة نوع فخامة وتعظيم لإفادتها معنى الرفعة والاعتلاء ولهذا يقال: رفعت القضية إلى الأمير وإن كان الأمير في سرب.

وخصت هذه الأزواج بالذكر لكثرة منافعها من اللبن واللحم والجلد والشعر والوبر والركوب والحمل والحرث وغير ذلك.

السابع قوله ﴿ يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقاً من بعد خلق ﴾ والمقصود ذكر تخليق الحيوان على الإطلاق بعد ذكر تخليق الإنسان والأنعام، إلا أنه غلب أولي العقل لشرفهم.

ويحتمل أن يكون ذكر الإنعام اعتراضاً حسن موقعه ذكر الأزواج بعد قوله ﴿ جعل منها زوجها ﴾ ليعلم أن كل حيوان ذو زوج وترتيب التخليق مذكور مراراً كقوله ﴿ ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ﴾ \[المؤمنون: 12\] إلى قوله ﴿ أحسن الخالقين ﴾ \[المؤمنون: 14\] والظلمات الثلاث: البطن والرحم والمشيمة، أو الصلب والرحم والبطن.

﴿ ذلكم ﴾ الذي هذه أفعاله ﴿ ربكم له الملك ﴾ وقد مر إعرابه في "فاطر".

﴿ لا إله إلا هو ﴾ إذ لا موصوف بهذه الصفات إلا هو ﴿ فأنى تصرفون ﴾ أي كيف يعدل بكم عن طريق الحق بعد هذا البيان؟

ثم بين أنه غني عن طاعات المطيعين وأنها لا تفيد إلا أنفسهم فقال ﴿ وإن تكفروا فإن الله غنيّ عنكم ﴾ قال المعتزلة: في قوله ﴿ ولا يرضى لعباده الكفر ﴾ دليل على أن الكفر ليس بقضائه وإلا لكان راضياً به.

وأجاب الأشاعرة بأنه قد علم من اصطلاح القرآن أن العباد المضاف إلى الله أو إلى ضميره هم المؤمنون.

قال { ﴿ وعباد الرحمن الذين يمشون  ﴾ ﴿ عيناً يشرب بها عباد الله  ﴾ فمعنى الآية: ولا يرضى لعباده المخلصين الكفر.

وهذا مما لا نزاع فيه.

أو نقول: سلمنا أن كفر الكافر ليس برضا الله بمعنى أنه لا يمدحه عليه ولا يترك اللوم والاعتراض إلا أنا ندعي أنه بإرادته، وليس في الآية دليل على إبطاله.

ثم بين غاية كرمه بقوله: ﴿ وإن تشكروا يرضه لكم ﴾ والسبب في كلا الحكمين ما جاء في الحديث القدسي "سبقت رحمتي غضبي" وباقي الآية مذكور مراراً مع وضوحه.

ثم حكى نهاية ضعف الإنسان وتناقض آرائه بقوله ﴿ وإذا مس ﴾ إلى آخره.

وقد مر نظيره أيضاً.

وقيل: إن الإنسان هو الكافر الذي تقدّم ذكره.

وقيل: أريد أقوام معينون كعتبة بن ربيعة وغيره.

ومعنى خوّله أعطاه لا لاستجرار العوض.

قال جار الله: في حقيقته وجهان: أحدهما جعله خائل مال من قولهم هو خائل مال وخال مال إذا كان متعهداً له حسن القيام به.

ومنه ما روي أن النبي  كان يتخوّل أصحابه بالموعظة أي يتعهد ويتكفل أحوالهم إن رأى منهم نشاطاً في الوعظ وعظهم.

والثاني أنه جعله يخول أي يفتخر كما قيل: إن الغني طويل الذيل مياس *** ومعنى ﴿ نسي ما كان يدعو إليه ﴾ نسي الضر الذي كان يدعو الله إلى كشفه، أو نسي ربه الذي كان يتضرع إليه و "ما" بمعنى "من".

والمراد أنه نسي أن لا مفزع ولا إله سواه وعاد إلى اتخاذ الأنداد مع الله.

واللام في ﴿ ليضل ﴾ لام العاقبة.

ثم هدّده بقوله ﴿ تمتع بكفرك ﴾ كقوله ﴿ اعملوا ما شئتم  ﴾ وفيه أن الكافر لا يتمتع بالدنيا إلا قليلاً ثم يؤل إلى النار.

ثم أردفه بشرح حال المحقين الذين لا رجوع لهم إلا إلى الله ولا اعتماد لهم إلا على فضله فقال ﴿ أمن هو قانت ﴾ قال ابن عباس: القنوت الطاعة.

وقال ابن عمر: لا أعلم القنوت إلا قراءة القرآن وطول القيام.

والمشهور أنه الدعاء في الصلاة والقيام بما يجب عليه من الطاعة.

وعن قتادة ﴿ آناء الليل ﴾ أوّله ووسطه وآخره.

وفيه تنبيه على فضل قيام الليل ولا يخفى أنه كذلك لبعده عن الرياء ولمزيد الحضور وفراغ الحواس من الشواغل الخارجية، ولأن الليل وقت الراحة فالعبادة فيه أشق على النفس فيكون ثوابه أكثر.

والواو في قوله ﴿ ساجداً وقائماً ﴾ للجمع بين الصفتين.

وفي قوله ﴿ يحذر الآخرة ﴾ أي عذابها ﴿ ويرجو رحمة ربه ﴾ إشارة إلى أن العابد يتقلب بين طوري القهر واللطف، ويتردّد بين حالي القبض والبسط ولا يخفى أن في الكلام حذفاً فمن قرأ ﴿ أمن ﴾ بالتخفيف فالخبر محذوف والمعنى أمن هو مطيع كغيره، وإنما حذف لدلالة الكلام عليه وهو جري ذكر الكافر قبله وبيان عدم الاستواء بين العالم والجاهل بعده.

ومن قرأ بالتشديد فالمحذوف جملة استفهامية والمذكور معطوف على المبتدأ والمعنى: هذا أفضل أمن هو قانت.

وقيل: الهمزة على قراءة التخفيف للنداء كما تقول: فلان لا يصلي ولا يصوم فيا من تصلي وتصوم أبشر.

وقيل: المنادي هو رسول الله  بدليل قوله ﴿ قل هل يستوي الذين يعلمون ﴾ الآية.

قال جار الله: أراد بالذين يعلمون الذين سبق ذكرهم وهم القانتون فكأنه جعل من لا يعمل غير عالم.

وفيه ازدراء عظيم بالذين يقتنون العلوم ثم لا يقنتون فيها ثم يفتنون بالدنيا.

ويجوز أن يراد على وجه التشبيه أي كما لا يستوي العالمون والجاهلون كذلك لا يستوي القانتون والعاصون.

قيل نزلت في عمار بن ياسر وأمثاله، والظاهر العموم.

وفي قوله ﴿ إنما يتذكر أولو الألباب ﴾ إشارة إلى أن هذا التفات العظيم بين العالم والجاهل لا يعرفه إلا أرباب العقول كما قيل: إنما نعرف ذا الفضل من الناس ذووه *** وقيل لبعض العلماء: إنكم تزعمون أن العلم أفضل من المال ونحن نرى العلماء مجتمعين على أبواب الملوك دون العكس؟

فأجاب بأن هذا أيضاً من فضيلة العلم لأن العلماء علموا ما في المال من المنافع فطلبوه، والجهال لم يعرفوا ما في العلم من المنافع فتركوه.

وحين بين عدم الاستواء بين من يعلم وبين من لا يعلم أمر نبيه  أن يخاطب المؤمنين بأنواع من الكلام.

النوع الأوّل.

﴿ قل يا عبادي الذين آمنوا اتقوا ربكم ﴾ قال أهل السنة: أمر المؤمنين أن يضموا إلى الإيمان التقوى، وفيه دلالة على أن الإيمان يبقى مع المعصية.

وقالت المعتزلة: أمرهم بالتقوى لكيلا يحبطوا إيمانهم بارتكاب الكبائر بل يزيدوا في الإيمان حتى يتصفوا بصفة الاتقاء.

ثم بين للمؤمنين فائدة الاتقاء قائلاً ﴿ للذين أحسنوا ﴾ الآية.

وقوله ﴿ في هذه الدنيا ﴾ إما أن يكون صلة لما قبله أو صلة لما بعده وهو قول السدي.

ومعناه على الأوّل: الذين أحسنوا في هذه الدنيا لهم حسنة في الآخرة وهي الجنة.

والتنكير للتعظيم أي حسنة لا يصل العقل إلى كنهها.

وعلى الثاني: الذين أحسنوا فلهم في هذه الدنيا حسنة.

قال جار الله: فالظرف بيان لمكان الحسنة.

ويحتمل أن يقال: إنه نصب على الحال لأنه نعت للنكرة قدّم عليها.

والقائلون بهذا القول فسروا الحسنة بالصحة والعافية وضم بعضهم إليها الأمن والكفاية.

ورجح الأوّل بأن هذه الأمور قد تحصل للكفار على الوجه الأتم فكيف تجعل جزاء للمؤمن المتقي.

وقيل: هي الثناء الجميل.

وقيل: الظفر والغنيمة.

وقيل: نور القلب وبهاء الوجه.

وفي قوله ﴿ وأرض الله واسعة ﴾ إشارة إلى أن أسباب التقوى إن لم تتيسر في أرض وجبت الهجرة إلى أرض يتيسر ذلك فيها فيكون كقوله { ﴿ ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها  ﴾ وعن أبي مسلم: هي أرض الجنة لأنه حين بين أن المتقي له الجنة وصف أرض الجنة بالسعة ترغيباً فيها كما قال ﴿ نتبوّأ من الجنة حيث نشاء  ﴾ ﴿ إنما يوفّى الصابرون ﴾ على مفارقة الأوطان وتجرّع الغصص واحتمال البلايا في طاعة الله وتكاليفه ﴿ أجرهم بغير حساب ﴾ أي لا يحاسبون أو بغير حصر.

قال جار الله: عن النبي  "ينصب الله الموازين يوم القيامة فيؤتى بأهل الصلاة فيوفون أجورهم بالموازين ويؤتى بأهل الحج فيوفون أجورهم بالموازين ويؤتى بأهل البلاء فلا ينصب لهم ميزان ولا ينشر لهم ديوان ويصب عليهم الأجر صباً" ثم تلا الآية وقال: حتى يتمنى أهل العافية في الدنيا أن أجسادهم تقرض بالمقاريض مما يذهب به أهل البلاء من الفضل.

النوع الثاني ﴿ قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصاً له الدين ﴾ قال مقاتل: إن كفار قريش قالوا للنبي  : ما يحملك على هذا الدين الذي أتيتنا به؟

ألا تنظر إلى ملة أبيك وجدّك وسادة قومك يعبدون اللات والعزى؟

فأنزل الله هذه الآية.

وكأنه إشارة إلى الأمر المذكور في أوّل السورة ﴿ فاعبد الله مخلصاً له الدين ﴾ وقوله ﴿ وأمرت لأن أكون ﴾ ليس بتكرار لأن اللام للعلة والمأمور به محذوف يدل عليه ما قبله والمعنى: أمرت بإخلاص الدين وأمرت بذلك لأجل أن أكون أوّل المسلمين أي مقدّمهم وسابقهم في الدارين فنقول: فائدة التكرار أن ذكر التعليل مع نوع تأكيد.

وقيل: اللام بدل من الباء أي أمرت بأن أكون أول من دعا نفسه إلى ما دعا إليه غيره ليصح الاقتداء بي في قولي وفعلي.

ولعل الإخلاص إشارة إلى عمل القلب والإسلام إلى عمل الجوارح، فإن النبي  فسر الإسلام في خبر جبريل بالأعمال الظاهرة، وفيه أنه  ليس مثل الملوك الجبابرة الذين يأمرون الناس بأشياء وهم لا يفعلونها بل له سابقة في كل ما يأمر به وينهى عنه.

وحين بين أن الله أمره بإخلاص القلب وبأعمال الجوارح وكان الأمر يحتمل الوجوب والندب بين أن ذلك الأمر للوجوب فقال ﴿ قل إني أخاف ﴾ الآية.

وذلك أن خوف العقاب لا يترتب إلا على ترك الواجب، وإذا كان النبيّ  مع جلالة قدره خائفاً من العصيان فغيره أولى.

قيل: المراد به أمته.

وقيل: نزلت قبل أن يغفر الله له.

وقالت الأشاعرة: فيه دليل على أن صاحب الكبيرة قد يعفى عنه لأنه بين أن اللازم عند حصول المعصية خوف العقاب لا نفس العقاب.

النوع الثالث ﴿ قل الله أعبد مخلصاً له ديني ﴾ وليس بتكرار لما قبله وذلك أن الأوّل للإخبار بأنه مأمور من جهة الله بالعبادة الخالصة عن الشرك الجلي والخفي، وهذا إخبار بأن الذي أمر به فإنه قد أتى به على أكمل الوجوه، ولهذا أخر الفعل وضم إلى مضمونه التهديد بقوله ﴿ فاعبدوا ما شئتم من دونه ﴾ النوع الرابع ﴿ قل أن الخاسرين ﴾ الكاملين في الخسران الجامعين لوجوهه هم ﴿ الذين خسروا أنفسهم ﴾ لوقوعها في هلكة الإخلاد بعذابها ﴿ و ﴾ خسروا ﴿ أهليهم ﴾ لأن أهلهم وأولادهم إن كانوا في النار فلا فائدة لهم منهم لأنهم محجوبون عنهم، أو لأن كلاً منهم مشغول بهمه وإن كانوا من أهل الجنة فما أبعد ما بينهم.

وقيل: أهلوهم الحور العين في الجنة لو آمنوا.

قال أهل البيان: في قوله ﴿ ألا ذلك هو الخسران المبين ﴾ تفظيع لشأنهم حيث استأنف الجملة وصدّرها بحرف التنبيه ووسط الفصل وعرف الخسران ووصفه بالمبين.

قلت: التحقيق فيه أن للإنسان قوّتين يستكمل بإحداهما علماً وبالأخرى عملاً.

والآلة الواسطة في القسم الأول هي العلوم المسماة بالبديهيات وترتيبها على الوجه المؤدّي إلى النتائج وهو بمنزلة الربح يشبه تصرف التاجر في رأس المال بالبيع والشراء، والآلة في القسم العملي هي القوى البدنية وغيرها من الأسباب الخارجية المعينة عليها، واستعمال تلك القوى في وجوه أعمال البر التي هي بمنزلة الربح يشبه التجارة فكل من أعطاه الله العقل والصحة والتمكين.

ثم إنه لم يستفد منها معرف الحق ولا عمل الخير فإذا مات فقد فات ربحه وضاع رأس ماله ووقع في عذاب الجهل وألم البعد عن عالمه والقرب مما يضاده أبد الآباد، فلا خسران فوق هذا ولا حرمان أبين منه وقد أشار إلى هذا بقوله ﴿ لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل ﴾ أي أطباق من النار من ظلل الآخرين فإن لجهنم دركات كما أن للجنة درجات.

وقال المفسرون: سمى النار ظلة بغلظها وكثافتها فصارت محيطة بهم من جميع الجوانب حائلة من النظر إلى شيء آخر.

قلت: إن كانوا في كرة النار فوجهه ظاهر ونظيره في الأحوال النفسانية إحاطة نار الجهل والحرص وسائر الأخلاق الذميمة بالإنسان وقد مرّ في قوله ﴿ لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش  ﴾ ﴿ يوم يغشاهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم  ﴾ وقيل: الظلة ما علا الإنسان فسمى ما تحتهم بالظلة إطلاقاً لأحد الضدين على الآخر، أو لأن التحتانية مشابهة للفوقانية في الحرارة والإحراق و ﴿ ذلك ﴾ العذاب المعد للكفار ﴿ يخوّف الله به عباده ﴾ المؤمنين وقد مر أن العباد في القرآن إذا كان مضافاً إلى ضمير الله اختص بأهل الإيمان عند أهل السنة.

وعندي أنه لا مانع من التعميم ههنا.

ثم عقب الوعيد بالوعد قائلاً ﴿ والذين اجتنبوا الطاغوت ﴾ وهو كل ما عبد من دون الله كما مر في آية الكرسي.

وقوله ﴿ أن يعبدوها ﴾ بدل اشتمال منه ﴿ وأنابوا إلى الله ﴾ رجعوا بالكلية إلى تحصيل رضاه، فالأول تخلية، والثاني تحلية، وحقيقة الإعراض عما سوى الله والإقبال على الله هي أن يعرف أنّ كل ما سواه فإنه ممكن الوجود لذاته فقير في نفسه وهو  واجب الوجود لذاته غني على الإطلاق لا حكم إلا له ولا تدبير إلا به وبأمره.

﴿ لهم البشرى ﴾ أي هم مخصوصون بالبشارة المطلقة وهي الخبر الأول الصدق الموجب للسرور بزوال المكاره وحصول الأماني ووقتها الموت ﴿ الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم  ﴾ وعند دخول الجنة ﴿ والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم  ﴾ وعند لقاء الله ﴿ تحيتهم يوم يلقونه سلام  ﴾ وسماع هذه البشارات في الدنيا على ألسنة الرسل لا يخرجها عن كونها بشارة في هذه الأوقات لأنها في الأول عامة للمكلفين مبهمة فيهم ولا تتعين إلا في هذه الأحوال.

وقيل: هذه أنواع أخر من السعادات فوق ما عرفوها أو سمعوها نسأل الله الفوز بها.

قال ابن زيد: نزلت في ثلاثة نفر كانوا يقولون في الجاهلية لا إله إلا الله: زيد بن عمرو وأبو ذر الغفاري وسلمان الفارسي.

وعن ابن عباس أن أبا بكر آمن بالنبي  فجاءه عثمان وعبد الرحمن وطلحة والزبير وسعد وسعيد فسألوه فأخبرهم بإيمانه فآمنوا فأنزل الله ﴿ فبشر عبادي الذين يستمعون القول ﴾ أي من أبي بكر ﴿ فيتبعون أحسنه ﴾ وهو لا إله إلا الله.

وقال أهل النظم: لما بين أن الذين اجتنبوا وأنابوا لهم البشرى وكان ذلك درجة عالية لا يصل إليها إلا الأقلون جعل الحكم أعم إظهاراً للرحمة فقال: كل من اختار الأحسن في كل باب كان من زمرة السعداء أهلاً للبشارة.

وقال جار الله: أراد بعباده الذين يستمعون القول الذين اجتنبوا وأنابوا لا غيرهم أي هم الذين ضموا هذه الخصلة إلى تلك، ولهذا وضع الظاهر في موضع المضمر.

وفي الآية دلالة على وجوب النظر والاستدلال وأنه إذا اعترض أمران واجب وندب، فالأولى اختيار الواجب.

وكذا الكلام في المباح والندب، فالأولى اختيار الواجب.

وكذا الكلام في المباح والندب كالقصاص والعفو وكل ما هو أحوط في الدين.

مثاله في الأصول القول بأن للعالم صانعاً حياً قديماً عليماً قادراً متصفاً بنعوت الجلال والإكرام وصفات الكمال والتمام، أولى وأحوط من إنكاره.

وكذا الإقرار بالبعث والجزاء أحوط من انكاره، وفي الفروع الصلاة المشتملة على القراءة والتشهد والتسليم وغيرها من الأركان والأبعاض المختلف فيها أجود من الصلاة الفارغة عنها أو عن بعضها.

وقال العارفون: يسمعون من النفس الدعوة إلى الشهوات، ومن الشيطان قول الباطل والغرور، ومن الملك الإلهامات، ومن الله ورسوله الدعاء إلى دار السلام، فيقبلون كلام الله ورسوله والخواطر الحسنة دون غيرها.

وعن ابن عباس: هو الرجل يجلس مع القوم فيستمع الحديث فيه محاسن ومساوٍ فيحدث بأحسن ما سمع ويكف عما سواه.

ومن الواقفين من يقف على قوله ﴿ فبشر عبادي ﴾ ويبتدئ ﴿ الذين يستمعون ﴾ وخبره ﴿ أولئك الذين هداهم ﴾ وهو إشارة إلى الفاعل ﴿ وأولئك هم أولو الألباب ﴾ إشارة إلى أن جواهر نفوسهم قابلة لفيض الهداية بخلاف من لم يكن له قابلية ذلك وهو قوله ﴿ أفمن حق عليه كلمة العذاب ﴾ قال جار الله: أصل الكلام أمن حق عليه كلمة العذاب فأنت تنقذه فهي جملة شرطية دخل عليها الهمزة للإنكار، وكررت الفاء الثانية للجزاء تأكيداً لمعنى الإنكار.

ووضع من في النار موضع الضمير تصريحاً بجزائهم، وأما الفاء الأولى فللعطف على محذوف يدل عليه سياق الكلام تقديره: أأنت مالك أمرهم؟

فمن حق إلى آخره.

وجوز أن يكون الكلام بعد المحذوف جملتين شرطية جزاؤها محذوف أيضاً ثم حملية والتقدير: أفمن حق عليه كلمة العذاب فأنت تخلصه أفأنت تنقذ من في النار؟

قلت: فالكلام على هذا التقدير يشتمل على أربع جمل: ثنتان بعد همزتي الإنكار محذوفتان والباقيتان ظاهرتان.

ومن زعم أن الفاء بعد الهمزة لمزيد الإنكار لا للعطف فمجموع الآية شرطية كما ذكرنا، أو هي مع حملية ثم صرح بجزاء المتقين فقال ﴿ لكن الذين اتقوا ربهم لهم غرف ﴾ وهو كالمقابل لما مر في وعيد الكفار ﴿ لهم من فوقهم ظلل ﴾ ومعنى قوله ﴿ مبنية ﴾ والله أعلم.

أنها بنيت بناء المنازل التي على الأرض وسوّيت تسويتها وجعلت متساوية في أسباب النزاهة من الأشجار والأنهار لا مثل أبنية الدنيا فان الفوقاني منها يكون أضعف من التحتاني وأخف، والتحتاني قد يجري من تحتها الأنهار، وأما الفوقاني فلا يمكن فهيا ذلك.

قال حكماء الإسلام: الغرف المبنية بعضها فوق بعض هي العلوم المكتسبة المبنية على الفطريات، وأنها تكون في المتانة واليقين كالعلوم الغريزية البديهية.

وحين وصف الآخرة بصفات توجب الرغبة فيها أراد أن يصف الدنيا بما يقتضي النفرة عنها فقدم لذلك مقدمة يستدل بها على حقية الصانع أيضاً فقال ﴿ ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه ﴾ أي أدخله في الأرض حال كون ذلك الماء ﴿ ينابيع ﴾ مثل الدم في العروق.

والينابيع جمع ينبوع وهو كل ماء يخرج من الأرض.

وقيل: هو الموضع الذي يخرج منه الماء كالعيون والآبار فينصب على الظرف.

وقوله ﴿ ثم يخرج ﴾ على لفظ المستقبل تصوير لتلك الحالة العجيبة الشأن وهي إخراج النبت المختلف الألوان والأصناف والخواص بسبب الماء المخالط للأرض ﴿ ثم يهيج ﴾ أي يتم جفافه.

قال الأصمعي: لأنه إذا تم جفافه جاز له أن يثور عن منابته ويذهب ﴿ ثم يجعله حطاماً ﴾ أي فتاتاً متكسراً ﴿ إن في ذلك ﴾ الذي ذكر من إنزال الماء وإخراج الزرع بسببه ﴿ لذكرى ﴾ لتذكيراً أو تنبيهاً على وجود الصانع ﴿ لأولي الألباب ﴾ وفيه أن الإنسان وإن طال عمره فلا بدّ له من الانتهاء إلى حالة اصفرار اللون وتحطم الأجزاء والأعضاء بل إلى الموت والفناء.

وإنما قال ههنا ﴿ ثم يجعله حطاماً ﴾ وفي الحديد ﴿ ثم يكون حطاماً  ﴾ لأن الفعل هناك مسند إلى النبات وهو قوله ﴿ أعجب الكفار نباته ﴾ وههنا مسند إلى الله من قوله ﴿ أنزل ﴾ إلى آخره.

وحين بالغ في تقرير البيانات الدالة على وجوب الإقبال على طاعة الله والإعراض عن الدنيا الفانية بيّن أن ذلك البيان لا يكمل الانتفاع به إلا إذا شرح الله صدره ونور قلبه فقال ﴿ أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه ﴾ ولا يخفى ما في لفظه "على" من فائدة الاستعلاء والتمكن كما مر في قوله ﴿ أولئك على هدى  ﴾ والخبر محذوف كما ذكرنا في قوله ﴿ أمن هو قانت ﴾ يعني هذا الشخص المنشرح الصدر كمن طبع الله على قلبه يدل عليه ما بعده ﴿ فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله ﴾ أي من أجل سماع القرآن.

وإنما عدى بـ "من" لأن قسوة القلب تدل على خلوه من فوائد القرآن ويجوز أن يكون "من" للتعليل وذلك أن جواهر النفوس مختلفة فبعضها تكون مشرقة بنور الله يزيدها نور القرآن بهاء وضياء، وبعضها تكون مظلمة كدرة لا ينعكس نور الذكر إليها ولا تظهر صور الحق فيها كالمرآة الصدئة.

ثم أكد وصف القرآن وكيفية تأثيره في النفوس بقوله ﴿ الله نزل أحسن الحديث ﴾ عن ابن عباس وابن مسعود أن أصحاب رسول الله  ملوا ملة فقالوا له: حدثنا، فنزلت الآية.

والحديث كلام يتضمن الخبر عن حال متقدمة ووصفه بالحدوث من حيث النزول لا ينافي قدمه من حيث إنه كلام نفسي.

ووجه كونه أحسن لفظاً ومعنى مما لا يخفى على ذي طبع فضلاً عن ذي لب.

وقوله ﴿ كتاباً ﴾ بدل من أحسن أو حال موطئة.

ومعنى ﴿ متشابهاً ﴾ أنه يشبه بعضه بعضاً في الإعجاز اللفظي والمعنوي والنظم الأنيق والأسلوب العجيب والاشتمال على الغيوب وعلى أصول العلوم كما مر في أوّل "البقرة" في تفسير قوله ﴿ وإن كنتم في ريب  ﴾ وقيل: هو من قوله ﴿ وأخر متشابهات  ﴾ فيكون صفة لبعض القرآن.

وقيل: يشبه اللفظ اللفظ والمعنى مختلف.

وقوله ﴿ مثاني ﴾ جميع مثنى ومثنى بمعنى مكرر لما ثنى من قصصه وأحكامه ومواعظه، أو لأنه يثني في التلاوة فلا يورث ملالاً كقوله "ولا يخلق على كثرة الرد" وقيل: المثاني لآي القرآن كالقوافي للشعر.

وقد مر بعض هذه الأقوال في مقدمات الكتاب وفي سورة الحجر في قوله ﴿ ولقد آتيناك سبعاً من المثاني  ﴾ ومعنى اقشعرار الجلد تقبضه.

قال جار الله: تركيبه من حروف القشع وهو الأديم اليابس مضموماً إليها الراء ليصير رباعياً دالاً على معنى زائد، وهو تمثيل لشدة الخوف أو حقيقة سببه الخوف.

قال المفسرون: أراد أنهم عند سماع آيات العذاب يخافون فتقشعر جلودهم وعند سماع آيات الرحمة والإحسان أو تذكرهم لرأفته وأن رحمته سبقت غضبه تلين جلودهم وقلوبهم.

ومعنى "إلى" في قوله ﴿ إلى ذكر الله ﴾ هو أنه ضمن لأن معنى سكن واطمأن.

وقال العارفون: إذا نظروا إلى عالم الجلال طاشوا وإن راح لهم أثر من عالم الجمال عاشوا.

وقال أهل البرهان: إذا اعتبر العقل موجوداً لا أول له ولا آخر لا حين ولا جهة وقع في بادية التحير والهيبة، وإذا اعتبر الدلائل القاطعة على وجود موجود واجب لذاته واحد في صفاته وأفعاله اطمأن قلبه إليه.

قال جار الله: إنما ذكرت الجلود أوّلاً وحدها لأن الخشية تدل على القلوب لأنها محل الخشية فكأنه قيل: تقشعر جلودهم بعد خشية قلوبهم، ثم إذا ذكروا الله ومبنى أمره على الرأفة والرحمة استبدلوا بالخشية رجاء في قلوبهم وبالقشعريرة ليناً في جلودهم.

ويحتمل أن يقال: المكاشفة في مقام الرجاء أكمل منها في مقام الخوف، ومحل المكاشفات هو القلب، فلذلك اختص ذكر القلب بجانب الرجاء.

ثم أشار إلى الكتاب المذكور بقوله ﴿ ذلك هدى الله ﴾ كقوله ﴿ هدى للمتقين  ﴾ .

ثم بين أن القاسية قلوبهم حالين: أما في الدنيا فالضلال العام وهو قوله ﴿ ومن يضلل الله فما له من هاد ﴾ وأما في الآخرة فقوله ﴿ أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب ﴾ أي شدّته والخبر محذوف وهو كمن أمن العذاب واتقاء العذاب بوجهه إما حقيقة بأن تكون يداه مغلولة إلى عنقه فلا يتهيأ له أن يتقي النار إلا بوجهه، وإما أن يكون كناية عن عجزه عن الإتقاء وذلك أن الإنسان إذا وقع في نوع من العذاب فإنه يجعل يديه وقاية لوجهه الذي هو أشرف الأعضاء، فكأنه قيل: لا يقدرون على الإتقاء إلا بالوجه، والاتقاء بالوجه غير ممكن فلا اتقاء أصلاً ﴿ وقيل للظالمين ﴾ القائلون هم خزنة النار.

قوله ﴿ كذب الذين من قبلهم ﴾ تصوير لحال أمثالهم من الأمم الخالية بيناهم آمنون إذ أخذهم العذاب والخزي في الدنيا كالمسخ والقتل ونحوهما.

ثم بين بقوله ﴿ ولقد ضربنا ﴾ إلى آخر الآيتين أن هذه البيانات بلغت في الكمال إلى حيث لا مزيد عليه.

ثم ضرب من أمثال القرآن مثلاً لقبح طريقة أهل الشرك وهو رجل من المماليك قد اشترك ﴿ فيه شركاء متشاكسون ﴾ أي كلهم يسيء خلقه في استخدامه أو هم مختلفون في ذلك يأمره هذا بشيء وينهاه الآخر عن ذلك الشيء بعينه.

والشكاسة سوء الخلق والاختلاف.

﴿ ورجلاً سالماً لرجل ﴾ أي خالصاً من الشرك.

ومن قرأ بغير ألف فعلى حذف المضاف أي ذا سلامة وذا خلوص من الشركة.

وقال جار الله: وإنما جعله رجلاً ليكون أفطن لما شقي به أو سعد فان المرأة والصبي قد يغفلان عن ذلك.

قلت: لا ريب أن الرجل أصل في كل باب فجعله مضرب المثل أولى نظيره ﴿ وضرب الله مثلاً رجلين أحدهما أبكم  ﴾ ثم استفهم على سبيل الإنكار بقوله ﴿ هل يستويان مثلاً ﴾ وهو تمييز أي هل يستوي حالاهما وصفتاهما.

واقتصر في التمييز على الواحد لقصد الجنس والمراد تجهيل من يجعل المعبود متعدداً، فليس رضا واحد كطلب رضا جماعة مختلفين.

وحاصله يرجع إلى دليل التمانع كما مرّ في قوله ﴿ لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا  ﴾ وقال أهل العرفان: الشركاء المتشاكسون تجاذب شغل الدنيا وشغل العيال وغير ذلك من الأشغال، فأين ذلك الرجل ممن ليس له في الدنيا نصيب ولا له في الخلق نسيب وهو عن الآخرة غريب وإلى الله قريب.

قوله ﴿ الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون ﴾ كما مرّ في "لقمان" قوله ﴿ إنك ميت ﴾ وجه النظم أنه  كأنه قال إن هؤلاء الأقوام إن لم يلتفتوا إلى هذه الدلائل القاهرة بسبب استيلاء الحرص والحسد عليهم في الدنيا، فلا تبال يا محمد بهذا فإنك ستموت وهم أيضاً يؤلون إلى الموت فلو أنهم يتربصون بك الموت فإن الموت يعم الكل فلا معنى لشماتة المرء بعد وفاة صاحبه ﴿ ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون ﴾ تحتج عليهم بأنك قد بلغت وهم يعتذرون بما لا طائل تحته، وقد يخاصم الكفار بعضهم بعضاً حتى يقال لهم ﴿ لا تختصموا لديّ  ﴾ وقد يقع الاختصام بين أهل الملة في الدماء والمظالم التي بينهم والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ أَلَمْ تَرَ ﴾ ونحوه [يخرج] على وجهين: أحدهما: على الخبر ﴿ أَلَمْ تَرَ ﴾ أي: قد رأيت.

والثاني على الأمر: أن ره.

ثم الخطاب، وإن كان في الظاهر لرسول الله  فهو لكل أحد يحتمل النظر والتأمل، ثم جهة الحكمة المودعة فيها ما ذكر من إنزال الماء من السماء، وجعله ينابيع في الأرض، والينابيع هي العيون التي تخرج من الأرض، والآبار التي جعلت فيها؛ ليعلم أنّ المياة الخارجة من الأرض والجارية فيها أصلها من السماء، منزلة منها، وهي طهور؛ على ما أخبر أنه أنزله طهوراً، وإن اختلف طبعه لاختلاف جواهر الأرض ما لم يخالطه شيء من جواهر الأرض من القذر والنجاسة وغيرها من الألوان التي تخرجه عن أن يكون طهوراً وتغيره عن جوهره الذي أنزل من السماء، ثم جعل الله - عز وجل - في سِرّية ذلك الماء معنى ولطفاً ما يوافق جميع الأشجار والنبات، وكل خارج من الأرض وإن اختلفت جواهرها وألوانها وطعمها؛ ليعلم أنّ من قدر على جعل ما جعل في الماء من اللطف، والمعنى الذي يوافق كل شيء من النبات والشجر وإن اختلفت جواهرها وألوانها وطعمها، لا يعجزه شيء، ولا يخفى عليه شيء، ولا قوة إلا بالله.

أو أن يقول: إن من تكلف زرع الزراعة في الأرض، ويتحمل المؤن العظام إلى أن بلغ المبلغ الذي ينتفع به وينال منه النفع فتركه لم ينتفع به؛ أليس يوصف بالسفه وبغير الحكمة، فكذلك الله -  - لما أنشأكم صغاراً طفلا وغذاكم بألوان الأغذية والأطعمة حتى كبرتم وبلغتم مبلغ الانتفاع بكم، ثم أتلفكم بلا عاقبة تقصد في ذلك كان غير حكيم، وقد عرفتموه حكيماً؛ فدل أن المقصود في ذلك كله حتى يكون إنشاؤه إياكم صغاراً وتربيته إياكم بألوان الأغذية التي جعل لكم حكمة - هو البعث ما لولا ذلك كان سهفاً غير حكمة؛ على ما ذكر من إخراج الزرع من الأرض بالماء الذي أخرج، ثم تركه فيها حتى صار ياسباً لا ينتفع به كان سفيهاً غير حكيم، فعلى ذلك ما كان عند أولئك الكفرة أن لا بعث كان ما ذكر، والله أعلم.

وقوله -  -: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ ﴾ أي: فيما يذكر من إنزال الماء من السماء وإدخاله في الأرض وإخراج ما ذكر منها به وما ذكر - موعظة لأولي الألباب؛ أي: لمن انتفع بلبه وعقله؛ لما ذكرنا، وما ذكر لأهل الجنة من الغرف وغير ذلك.

وقوله: ﴿ فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ أي: أدخله فيها وجعله ينابيع؛ أي: عيوناً.

وقوله: ﴿ ثُمَّ يَهِـيجُ ﴾ أي: ييبس.

وقوله: ﴿ ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَاماً ﴾ متكسراً مثل الرفات والفتات، وهو قول أبي عوسجة والقتبي، ويقال: هاجت الأرض: إذا ابتدأت في اليبس، حطاما، أي: متكسرا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِّن رَّبِّهِ ﴾ قيل: ﴿ شَرَحَ ٱللَّهُ ﴾ : وسع الله.

وقيل: رحب الله.

وقيل: لبى الله، ونحوه؛ وكله واحد.

ثم يحتمل قوله: ﴿ أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ ﴾ فيسلم ﴿ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِّن رَّبِّهِ ﴾ ، أي: يجعل الله في صدره النور؛ أي: يجعل إذا أسلم حتى يبصر الحق وحججه وبراهينه بصورة الحق أنه حق، والباطل أنه باطل، وأنه تمويه، يبصر كل شيء بذلك النور على ما هو حقيقة أنه حق وباطل، فيأخذ الحق ويعمل به، ويترك الباطل ويجتنبه، والله أعلم.

أو أن يكون قوله: ﴿ أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِّن رَّبِّهِ ﴾ ، يكون نوره هو إسلامه الذي هداه شرح صدره لنوره حتى أسلم، وهو ما روي في الخبر "أنّ رسول الله  سئل أنه: هل ينشرح الصدر للإسلام؟

وكيف ينشرح؟

فقال نبي الله  : إذا دخله النور انشرح لذلك الصدر، وانفسح له" ؛ أخبر أن النور إذا دخل الصدر انشرح لذلك الصدر، وانفسح له بذلك النور، والله أعلم.

وجائز - أيضاً - أن يكون قوله - عز وجل -: ﴿ أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ ﴾ في الدنيا ﴿ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِّن رَّبِّهِ ﴾ في الآخرة؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَىٰ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ...

﴾ الآية [التحريم: 8]، والذين كفروا طبع الله على قلوبهم فتظلم وتفسق لما تبقى في الظلمة أبداً، والله أعلم.

ومنهم من قال: ﴿ شَرَحَ ٱللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ ﴾ : الإسلام نفسه إذا أسلم ﴿ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِّن رَّبِّهِ ﴾ كتاب الله، قال: هذا المؤمن به يأخذ، وإليه ينتهي، "وما سئل النبي  : هل لذلك - أي: لانشراح الصدر للإسلام - علامة؟

فقال: نعم؛ التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والاستعداد للموت قبل حلول الموت" ، فهذا في التحقيق ليس في المعاملة في العمل، ولكن في الاعتقاد؛ أي: يتجافى عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود: يتزود من الدنيا للآخرة.

ثم قوله: ﴿ أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ ﴾ يحتمل أن يكون على الاستفهام؛ على ما ذكر.

ويحتمل ألا يكون على الاستفهام، ولكن على الإيجاب، فإن كان على هذا فهو على إسقاط الألف: فمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربّه...

الآية؛ كقوله في آية أخرى: ﴿ فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلَٰمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً  ﴾ فعلى ذلك يحتمل أن تكون هذه الآية على هذا، والله أعلم.

وإن كان على الاستفهام فلابد أن يكون له مقابل يعرف ذلك بدليل أنه جواب.

ثم قال بعضهم: جوابه في قوله: ﴿ فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِّن ذِكْرِ ٱللَّهِ ﴾ كأنه يقول: ليس المنشرح صدره للإسلام كالقاسي قلبه بالكفر؛ وهو قول الكسائي.

وجائز أن يكون جوابه ومقابله ما تقدم ذكره، وهو قوله: ﴿ أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ ٱلْعَذَابِ...

﴾ الآية [الزمر: 19]؛ كأنه يقول: أفمن حق عليه العذاب كمن شرح صدره للإسلام؛ أي: ليس من وجب عليه العذاب كمن شرح صدره للإسلام فهو على نور من ربه، والله أعلم.

وقوله: ﴿ ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ ﴾ .

يحتمل قوله - عز وجل -: ﴿ نَزَّلَ أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ ﴾ : أصدقه خبراً، وأعدله حكماً، وهو ما ذكر في آية أخرى، ووصفه بالصدق والعدل؛ حيث قال - عز وجل -: ﴿ وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً  ﴾ أي: صدقاً فيخبره، وعدلا في حكمه، فعلى ذلك يحتمل قوله: ﴿ أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ ﴾ خبراً، وأعدله حكماً، والله أعلم.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ ﴾ ، أي: أتقنه وأحكمه، وهو متقن ومحكم، وهو على ما وصفه بالصدق والعدل في آية أخرى قال: ﴿ لاَّ يَأْتِيهِ ٱلْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ  ﴾ أخبر أنه لا يأتي القرآن باطل من بين يديه ولا من خلفه، وذلك لإتقانه وإحكامه، والله أعلم.

وهو أحسن الحديث؛ لأن من تأمله ونظر فيه وتفكرّ أنار قلبه، وأضاء صدره، وهداه سبيل الخير والحق، ودفع عنه الوساوس والشبهات وكل شر، وأفضاه إلى كل خير وبرّ فهو أحسن الحديث؛ إذ لا حديث يعمل ما يعمل هو؛ لما ذكرنا، وغير ذلك، والله أعلم.

وقوله: ﴿ كِتَاباً مُّتَشَابِهاً ﴾ قوله: ﴿ مُّتَشَابِهاً ﴾ أي: ليس بمختلف ولا متناقض، ليس كحديث الناس وكتبهم مما يختلف ويتناقض حديثهم وكتابهم، وخاصة فيما امتدّ من الأوقات وطال وبعدت مدته، وهو ما ذكر: ﴿ أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخْتِلاَفاً كَثِيراً...

 ﴾ دل كونه متفقاً، متشابهاً، غير مختلف في طول نزوله، وتفرق أوقاته، وتباعد أيامه في الإنزال - أنه من عند الله نزل، ومنه جاء؛ إذ لو لم يكن من عنده لخرج مختلفاً متناقضاً على ما يخرج حديث الناس وخبرهم مختلفاً ومتناقضاً، والله أعلم.

وقوله: ﴿ مَّثَانِيَ ﴾ قال أهل التأويل: سماه: مثاني؛ لما ثنّى فيه أنباؤه وقصصه مرة بعد مرة، وأصله: أنه سماه: مثاني؛ لأنه ذكر فيه المواعظ والذكرى وكررها في غير موضع، لما لو لم يكررها غفلوا عنها، وسهوا عنها؛ لأن الحكيم إذا وعظ أحداً عظة وزجره وسها عنه [كررها عليه]، وكرر - عز وجل - عليهم المواعظ والزواجر؛ ليكونوا أبداً متعظين متذكرين لذلك - والله أعلم - لكيلا يغفلوا عنها ولا يسهوا.

وقوله: ﴿ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ ﴾ قال أهل التأويل: ﴿ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ﴾ عند تلاوة آية الرهبة والخوف، وتلين قلوبهم عند تلاوة آية الرحمة.

وجائز أن يكون ذلك لهم بجميع القرآن بما فيه من الرحمة والرهبة جميعاً يكون فيهما الموعظة: تلين قلوبهم وتقشعر جلودهم وتخاف أنفسهم؛ لأن آية الرحمة ليست بأحق بتليين القلوب من آية الرهبة، بل آية الرهبة أحق بذلك.

وقتادة يقول: كانت جلودهم تقشعر، وعيونهم تبكي، وقلوبهم تطمئن إليه، ولا تذهب عقولهم، ولا يغشى عليهم، كما رأينا أهل البدع يفعلونه، وإنما ذلك من الشيطان.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ذَلِكَ هُدَى ٱللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَآءُ ﴾ قد بين سبيل الهدى والحق، وحججه وبراهينه، وبين سبيل الضلالة والباطل، فمن سلك سبيل الهدى فبتوفيقه سلك، وبمعونته اهتدى، ومن سلك طريق الكفر والباطل فبخذلانه ضل وزاغ.

وقوله: ﴿ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ﴾ أخبر أنّ من أضله الله فلا هادي له، وعلى ما قال في المعيشة والرزق؛ قال - عز وجل -: ﴿ مَّا يَفْتَحِ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ  ﴾ وقال - عز وجل - في الضراء والخير؛ حيث قال: ﴿ وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَآدَّ لِفَضْلِهِ  ﴾ ذكر في الضلال والهدى ما ذكر في الرزق والضر والخير، ذلك أنّ الله في فعلهم وصنعهم تدبيراً، ليس على ما تقوله المعتزلة أن لا تدبير لله في ذلك، وأن من اهتدى إنما يهتدي بنفسه، ومن ضل وزاع إنما ذلك بنفسه، لا تدبير لله في ذلك، فالآية تنقض قولهم ومذهبهم.

وقتادة يقول في قوله: ﴿ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ ﴾ وإنما يذكر الله أهل الإيمان، فكانت تقشعرّ بذلك جلودهم، وتبكي أعينهم، وتطمئن قلوبهم، ولا تذهب عقولهم منه، وأما أن يصرع أحدهم فلم يكن، وإنما كان هذا في أصحاب البدع، وربما هو من الشيطان، ولعمري ما كان في هذه الأمة أحد أعلم من نبيه  ومن بعده أصحابه الذين انتخبهم الله - عز وجل -: لصحبة النبي  وإقامة دينه، ولقد سألنا من لقينا من أصحاب رسول الله  وأصحاب أصحابه، فحدثوا أن هذا إنما كان في أهل البدع.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

أفمن شرح الله صدره للإسلام، فاهتدى إليه، فهو على بصيرة من ربه، مثل من قسا قلبه عن ذكر الله؟!

لا يستويان أبدًا، فالنجاة للمهتدين، والخسران لمن قست قلوبهم عن ذكر الله، أولئك في ضلال واضح عن الحق.

<div class="verse-tafsir" id="91.5n3KW"

مزيد من التفاسير لسورة الزمر

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.8 / 29.5
الإضاءة 24%
البدر بعد 10 يوم
الله أكبر