الإسلام > القرآن > سور > سورة 39 الزمر > الآية ٢١ من سورة الزمر
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 87 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٢١ من سورة الزمر: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يخبر تعالى : أن أصل الماء في الأرض من السماء كما قال تعالى : ( وأنزلنا من السماء ماء طهورا ) [ الفرقان : 48 ] ، فإذا أنزل الماء من السماء كمن في الأرض ، ثم يصرفه تعالى في أجزاء الأرض كما يشاء ، وينبعه عيونا ما بين صغار وكبار ، بحسب الحاجة إليها ; ولهذا قال : ( فسلكه ينابيع في الأرض ) .
قال ابن أبي حاتم - رحمه الله - : حدثنا علي بن الحسين ، حدثنا عمرو بن علي ، حدثنا أبو قتيبة عتبة بن يقظان ، عن عكرمة ، عن ابن عباس في قوله تعالى : ( ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه ينابيع في الأرض ) ، قال : ليس في الأرض ماء إلا نزل من السماء ، ولكن عروق في الأرض تغيره ، فذلك قوله تعالى : ( فسلكه ينابيع في الأرض ) ، فمن سره أن يعود الملح عذبا فليصعده .
وكذا قال سعيد بن جبير ، وعامر الشعبي : أن كل ماء في الأرض فأصله من السماء .
وقال سعيد بن جبير : أصله من الثلج يعني : أن الثلج يتراكم على الجبال ، فيسكن في قرارها ، فتنبع العيون من أسافلها .
وقوله : ( ثم يخرج به زرعا مختلفا ألوانه ) أي : ثم يخرج بالماء النازل من السماء والنابع من الأرض زرعا ( مختلفا ألوانه ) أي : أشكاله وطعومه وروائحه ومنافعه ، ( ثم يهيج ) أي : بعد نضارته وشبابه يكتهل ( فتراه مصفرا ) ، قد خالطه اليبس ، ( ثم يجعله حطاما ) أي : ثم يعود يابسا يتحطم ، ( إن في ذلك لذكرى لأولي الألباب ) أي : الذين يتذكرون بهذا فيعتبرون إلى أن الدنيا هكذا ، تكون خضرة نضرة حسناء ، ثم تعود عجوزا شوهاء ، والشاب يعود شيخا هرما كبيرا ضعيفا [ قد خالطه اليبس ] ، وبعد ذلك كله الموت .
فالسعيد من كان حاله بعده إلى خير ، وكثيرا ما يضرب الله تعالى مثل الحياة الدنيا بما ينزل الله من السماء من ماء ، وينبت به زروعا وثمارا ، ثم يكون بعد ذلك حطاما ، كما قال تعالى : ( واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح وكان الله على كل شيء مقتدرا ) [ الكهف : 45 ] .
القول في تأويل قوله تعالى : أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لأُولِي الأَلْبَابِ (21) يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: ( أَلَمْ تَرَ ) يا محمد ( أَنَّ اللَّهَ أَنـزلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً ) وهو المطر ( فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الأرْضِ ) يقول: فأجراه عيونا في الأرض، واحدها ينبوع, وهو ما جاش من الأرض.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كُرَيب, قال: ثنا ابن يمان, عن سفيان, عن جابر, عن الشعبيّ, في قوله: ( فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الأرْضِ ) قال: كلّ ندى وماء في الأرض من السماء نـزل.
قال: ثنا ابن يمان, عن سفيان, عن جابر, عن الحسن بن مسلم بن بيان, قال: ثم أنبت بذلك الماء الذي أنـزله من السماء فجعله في الأرض عيونا زرعا( مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ) يعني: أنواعا مختلفة من بين حنطة وشعير وسمسم وأرز, ونحو ذلك من الأنواع المختلفة ( ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ) يقول: ثم ييبس ذلك الزرع من بعد خُضرته, يقال للأرض إذا يبس ما فيها من الخضر وذوى: هاجت الأرض, وهاج الزرع.
وقوله: ( فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ) يقول: فتراه من بعد خُضرته ورطوبته قد يبس فصار أصفر, وكذلك الزرع إذا يبس اصفرّ( ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا ) والحطام: فتات التبن والحشيش, يقول: ثم يجعل ذلك الزرع بعد ما صار يابسا فُتاتا متكسرا.
وقوله: ( إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لأولِي الألْبَابِ ) يقول تعالى ذكره: إن في فعل الله ذلك كالذي وصف لذكرى وموعظة لأهل العقول والحجا يتذكرون به, فيعلمون أن من فعل ذلك فلن يتعذر عليه إحداث ما شاء من الأشياء, وإنشاء ما أراد من الأجسام والأعراض, وإحياء من هلك من خلقه من بعد مماته وإعادته من بعد فنائه, كهيئته قبل فنائه, كالذي فعل بالأرض التي أنـزل عليها من بعد موتها الماء, فأنبت بها الزرع المختلف الألوان بقدرته.
قوله تعالى : ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه ينابيع في الأرض ثم يخرج به زرعا مختلفا ألوانه ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يجعله حطاما إن في ذلك لذكرى لأولي الألباب .قوله تعالى : ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء أي إنه لا يخلف الميعاد في إحياء الخلق ، والتمييز بين المؤمن والكافر ، وهو قادر على ذلك كما أنه قادر على إنزال الماء من السماء .
" أنزل من السماء " أي : من السحاب " ماء " أي : المطر " فسلكه ينابيع في الأرض " أي فأدخله في الأرض وأسكنه فيها ، كما قال : " فأسكناه في الأرض " .
" ينابيع " جمع ينبوع وهو يفعول من نبع ينبع وينبع وينبع بالرفع والنصب والخفض .
النحاس : وحكى لنا ابن كيسان في قول الشاعر [ عنترة ] :ينباع من ذفرى غضوب جسرةأن معناه ينبع فأشبع الفتحة فصارت ألفا نبوعا خرج .
والينبوع عين الماء والجمع الينابيع .
وقد مضى في [ سبحان ] .ثم يخرج به أي : بذلك الماء الخارج من ينابيع الأرض زرعا هو للجنس أي : زروعا شتى لها ألوان مختلفة ، حمرة وصفرة وزرقة وخضرة ونورا .
قال الشعبي والضحاك : كل ماء في الأرض فمن السماء نزل ، إنما ينزل من السماء إلى الصخرة ، ثم تقسم منها العيون والركايا .ثم يهيج أي : ييبس .
فتراه أي : بعد خضرته " مصفرا " قال المبرد قال الأصمعي : يقال هاجت الأرض تهيج إذا أدبر نبتها وولى .
قال : كذلك هاج النبت .
قال : وكذلك قال غير الأصمعي .
وقال الجوهري : هاج النبت هياجا أي : يبس .
وأرض هائجة يبس بقلها أو اصفر ، وأهاجت الريح النبت أيبسته ، وأهيجنا الأرض أي : وجدناها هائجة النبات ، وهاج هائجه أي : ثار غضبه ، وهدأ هائجه أي : سكنت فورته .ثم يجعله حطاما أي فتاتا مكسرا ، من تحطم العود إذا تفتت من اليبس .
والمعنى أن من قدر على هذا قدر على الإعادة .
وقيل : هو مثل ضربه الله للقرآن ولصدور من في الأرض ، أي : أنزل من [ ص: 220 ] السماء قرآنا فسلكه في قلوب المؤمنين ثم يخرج به زرعا مختلفا ألوانه أي : دينا مختلفا ، بعضه أفضل من بعض ، فأما المؤمن فيزداد إيمانا ويقينا ، وأما الذي في قلبه مرض فإنه يهيج كما يهيج الزرع .
وقيل : هو مثل ضربه الله للدنيا ، أي : كما يتغير النبت الأخضر فيصفر كذلك الدنيا بعد بهجتها .
إن في ذلك لذكرى لأولي الألباب .
يذكر تعالى أولي الألباب، ما أنزله من السماء من الماء، وأنه سلكه ينابيع في الأرض، أي: أودعه فيها ينبوعا، يستخرج بسهولة ويسر، { ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ } من بر وذرة، وشعير وأرز، وغير ذلك.
{ ثُمَّ يَهِيجُ } عند استكماله، أو عند حدوث آفة فيه { فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا } متكسرا { إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ } يذكرون بها عناية ربهم ورحمته بعباده، حيث يسر لهم هذا الماء، وخزنه بخزائن الأرض تبعا لمصالحهم.ويذكرون به كمال قدرته، وأنه يحيي الموتى، كما أحيا الأرض بعد موتها، ويذكرون به أن الفاعل لذلك هو المستحق للعبادة.اللّهم اجعلنا من أولي الألباب، الذين نوهت بذكرهم، وهديتهم بما أعطيتهم من العقول، وأريتهم من أسرار كتابك وبديع آياتك ما لم يصل إليه غيرهم، إنك أنت الوهاب.
قوله عز وجل : ( ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه ) أدخل ذلك الماء ، ) ( ينابيع ) عيونا وركايا ) ( في الأرض ) قال الشعبي : كل ماء في الأرض فمن السماء نزل ، ( ثم يخرج به ) أي : بالماء ( زرعا مختلفا ألوانه ) أحمر وأصفر وأخضر ، ) ( ثم يهيج ) ييبس ) ( فتراه ) بعد خضرته ونضرته ، ( مصفرا ثم يجعله حطاما ) فتاتا متكسرا ، ( إن في ذلك لذكرى لأولي الألباب ) .
«ألم تر» تعلم «أن الله أنزل من السماء ماءً فسلكه ينابيع» أدخله أمكنة نبع «في الأرض ثم يخرج به زرعا مختلفا ألوانه ثم يهيج» ييبس «فتراه» بعد الخضرة مثلا «مصفرا ثم يجعله حطاما» فتاتا «إن في ذلك لذكرى» تذكيرا «لأولي الألباب» يتذكرون به لدلالته على وحدانية الله تعالى وقدرته.
ألم تر -أيها الرسول- أن الله أنزل من السحاب مطرًا فأدخله في الأرض، وجعله عيونًا نابعة ومياهًا جارية، ثم يُخْرج بهذا الماء زرعًا مختلفًا ألوانه وأنواعه، ثم ييبس بعد خضرته ونضارته، فتراه مصفرًا لونه، ثم يجعله حطامًا متكسِّرًا متفتتًا؟
إن في فِعْل الله ذلك لَذكرى وموعظة لأصحاب العقول السليمة.
ثم ضرب - سبحانه - مثلا لسرعة زوال الحياة الدنيا ، وقرب اضمحلال بهجتها .
كما بين حال من شرح الله صدره للإِسلام فقال - تعالى - :( أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله أَنزَلَ .
.
.
) .الاستفهام فى قوله - تعالى - : ( أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله أَنزَلَ مِنَ السمآء مَآءً .
.
.
) للتقرير .والينابيع : جمع ينبوع ، وهو المنبع أو المجرى الذى يكون فى باطن الأرض ، والذى يحمل الكثير من المياه الجارية أو المخزونة فى جوف الأرض .والمعنى : لقد علمت - أيها العاقل - أن الله - تعالى - أنزل من السحب المرتفعة فى جو السماء ، ماء كثيرا ، فأدخله بقدرته على عيون ومسارب فى الأرض ، هذه العيون والمسارب تارة تكون ظاهرة على وجه الأرض ، وتارة تكون فى باطنها ، وكل ذلك من أعظم الأدلة على قدرة الله - تعالى - ورحمته بعباده .ثم بين - سبحانه - مظرهاه آخر من مظاهر قدرته فقال : ( ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ .
.
.
) .أى : هذا الماء الذى أنزله - سبحانه - بقدرته من السماء ، قد سلكه ينابيع فى الأرض ، ثم يخرج بسبب هذا الماء زرعا مختلفا فى ألوانه وفى أشكاله ، فمنه ما هو أخضر ومنه ما هو أصفر ، ومنه ما ليس كذلك مما يدل على كمال قدرة الله - تعالى - .وقوله - تعالى - : ( ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَاماً ) بيان لمظهر ثالث من مظاهر قدرته - عز وجل - .والفعل " يهيج " مأخوذ من الهيْج بمعنى اليُبْس والجفَاف .
يقال : هاج النبات هَيْجاً وهِيَاجا ، إذا يبس واصفر .
أو مأخوذ من الهيج بمعنى شدة الحركة .
يقال : هاج الشئ يهيج ، إذا ثار لمشقة أو ضرر ، ثم يعقب ذلك الهيجان الجفاف واليبس .أى : ثم يصاب هذا الزرع المختلف الألوان بالجفاف والضمور ، فتراه مصفرا من بعد اخضراره ونضارته ، ثم يجعله - سبحانه - ( حُطَاماً ) أى : فتاتا متكسرا .
يقال : حَطِمَ الشئ حطَما - من باب تعب - إذا تكسر وتفتت وتحطم .( إِنَّ فِي ذَلِكَ ) الذى ذكرناه من إنزال الماء من السماء ، ومن سلكه ينابيع فى الأرض ، ومن إخراج النبات المختلف الألوان بسببه ( لذكرى ) عظيمة ( لأُوْلِي الألباب ) .أى : لأصحاب العقول السليمة ، والأفكار القويمة .والمقصود من هذه الآية الكريمة ، التحذير من الإنهماك فى الحياة الدنيا ومتعها ، حيث شبهها - سبحانه - فى سرعة زوالها وقرب اضمحلالها - بالزرع الذى يبدو مخضرا وناضراً .
.
.
ثم يعقب ذلك الجفاف والذبول والاضمحلال .وفى هذا المعنى وردت آيات كثيرة ، منها قوله - تعالى - : ( واضرب لَهُم مَّثَلَ الحياة الدنيا كَمَآءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السماء فاختلط بِهِ نَبَاتُ الأرض فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرياح وَكَانَ الله على كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِراً ).
اعلم أنه تعالى لما وصف الآخرة بصفات توجب الرغبة العظيمة لأولي الألباب فيها وصف الدنيا بصفة توجب اشتداد النفرة عنها، وذلك أنه تعالى بين أنه أنزل من السماء ماء وهو المطر وقيل كل ما كان في الأرض فهو من السماء، ثم إنه تعالى ينزله إلى بعض المواضع ثم يقسمه فيسلكه ينابيع في الأرض، أي فيدخله وينظمه ينابيع في الأرض عيوناً، ومسالك ومجاري كالعروق في الأجسام، يخرج به زرعاً مختلفاً ألوانه من خضرة وحمرة وصفرة وبياض وغير ذلك، أو مختلفاً أصنافه من بر وشعير وسمسم ثم يهيج، وذلك لأنه إذا تم جفافه جاز له أن ينفصل عن منابته، وإن لم تتفرق أجزاؤه، فتلك الأجزاء كأنها هاجت لأن تتفرق ثم يصير حطاماً يابساً ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لذكرى ﴾ يعني أن من شاهد هذه الأحوال في النبات علم أن أحوال الحيوان والإنسان كذلك وأنه وإن طال عمره فلابد له من الانتهاء إلى أن يصير مصفر اللون منحطم الأعضاء والأجزاء، ثم تكون عاقبته الموت.
فإذا كانت مشاهدة هذه الأحوال في النبات تذكره حصول مثل هذه الأحوال في نفسه وفي حياته، فحينئذ تعظم نفرته في الدنيا وطيباتها.
والحاصل أنه تعالى في الآيات المتقدمة ذكر ما يقوي الرغبة في الآخرة، وذكر في هذه الآية ما يقوي النفرة عن الدنيا، فشرح صفات القيامة يقوي الرغبة في طاعة الله، وشرح صفات الدنيا يقوي النفرة عن الدنيا، وإنما قدم الترغيب في الآخرة على التنفير عن الدنيا، لأن الترغيب في الآخرة مقصود بالذات، والتنفير عن الدنيا مقصود بالعرض، والمقصود بالذات مقدم على المقصود بالعرض، فهذا تمام الكلام في تفسير الآية، بقي هاهنا ما يتعلق بالبحث عن الألفاظ، قال الواحدي: والينابيع جمع ينبوع وهو يفعول من نبع ينبع يقال نبع الماء ينبع وينبع وينبع ثلاث لغات ذكرها الكسائي والفراء، وقوله: ﴿ يَنَابِيعَ ﴾ نصب بحذف الخافض لأن التقدير فسلكه في ينابيع ثم يهيج أي يخضر، والحطام ما يجف ويتفتت ويكسر من النبت.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أَنزَلَ مِنَ السماء مَآء ﴾ هو المطر.
وقيل: كل ماء في الأرض فهو من السماء ينزل منها إلى الصخرة، ثم يقسمه الله، ﴿ فَسَلَكَهُ ﴾ فأدخله ونظمه ﴿ يَنَابِيعَ فِي الأرض ﴾ عيوناً ومسالك ومجاري كالعروق في الأجساد ﴿ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ﴾ هيئاته من خضرة وحمرة وصفرة وبياض وغير ذلك، وأصنافه من برّ وشعير وسمسم وغيرها ﴿ يَهِيجُ ﴾ يتمّ جفافه، عن الأصمعي؛ لأنه إذا تمّ جفافه حان له أن يثور عن منابته ويذهب ﴿ حطاما ﴾ فتاتاً ودريناً ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لذكرى ﴾ لتذكيراً وتنبيهاً، على أنه لابد من صانع حكيم، وأن ذلك كائن عن تقدير وتدبير، لا عن تعطيل وإهمال.
ويجوز أن يكون مثلاً للدنيا، كقوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا مَثَلُ الحياة الدنيا ﴾ [يونس: 24] ، ﴿ واضرب لَهُم مَّثَلَ الحياة الدنيا ﴾ [الكهف: 45] .
وقرئ: ﴿ مصفارّاً ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
﴿ ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً ﴾ هو المَطَرُ.
﴿ فَسَلَكَهُ ﴾ فَأدْخَلَهُ.
﴿ يَنابِيعَ ﴾ في الأرْضِ هي عُيُونٌ ومَجارٍ كائِنَةٌ فِيها، أوْ مِياهٌ نابِعاتٌ فِيها إذِ اليَنْبُوعُ جاءَ لِلْمَنبَعِ ولِلنّابِعِ فَنَصَبَها عَلى الظَّرْفِ أوِ الحالِ.
﴿ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا ألْوانُهُ ﴾ أصْنافُهُ مِن بُرٍّ وشَعِيرٍ وغَيْرِهِما، أوْ كَيْفِيّاتُهُ مِن خُضْرَةٍ وحُمْرَةٍ وغَيْرِهِما.
﴿ ثُمَّ يَهِيجُ ﴾ يَتِمُّ جَفافُهُ لِأنَّهُ إذا تَمَّ جَفافُهُ حانَ لَهُ أنْ يَثُورَ عَنْ مَنبَتِهِ.
﴿ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ﴾ مَن يُبْسِهِ.
﴿ ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطامًا ﴾ فُتاتًا.
﴿ إنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرى ﴾ لَتَذاكِيرًا بِأنَّهُ لا بُدَّ مِن صانِعٍ حَكِيمٍ دَبَّرَهُ وسَوّاهُ، أوْ بِأنَّهُ مِثْلُ الحَياةِ الدُّنْيا فَلا تَغْتَرَّ بِها.
﴿ لأُولِي الألْبابِ ﴾ إذْ لا يَتَذَكَّرُ بِهِ غَيْرُهم.
<div class="verse-tafsir"
أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (٢١)
{أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله أَنزَلَ مِنَ السمآء مَآءً} يعني المطر وقيل كل ماء في الأرض فهو من السماء ينزل منها إلى الصخرة ثم يقسمه الله {فَسَلَكَهُ} فادخله {يَنَابِيعَ فِى الأرض} عيوناً ومسالك ومجاري كالعروق في الأجساد وينابيع نصب على الحال أو على الظرف وفى الأرض صفة لينابيع {ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ} بالماء {زَرْعاً مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ}
هيئاته من خضرة وحمرة وصفرة وبياض أو أصنافه من بر وشعير وسمسم وغير ذلك {ثُمَّ يَهِيجُ} يجف {فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً} بعد نضارته وحسنه {ثُمَّ يَجْعَلُهُ حطاما} فتاتاً متكسراً
فالحطام ما تفتت وتكسر من النبت وغيره {إِنَّ فِى ذلك} في إنزال الماء وإخراج الزرع {لذكرى لأُِوْلِى الألباب} لتذكيراً وتنبيهاً على أنه لا بد من صانع حكيم وأن ذلك كائن عن تقدير وتدبير لا عن إهمال وتعطيل
﴿ ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً ﴾ اسْتِئْنافٌ وارِدٌ إمّا لِتَمْثِيلِ الحَياةِ الدُّنْيا في سُرْعَةِ الزَّوالِ، وقُرْبِ الِاضْمِحْلالِ بِما ذُكِرَ مِن أحْوالِ الزَّرْعِ تَحْذِيرًا مِنَ الاغْتِرارِ بِزَهْرَتِها، أوْ لِلِاسْتِشْهادِ عَلى تَحَقُّقِ المَوْعُودِ مِنَ الأنْهارِ الجارِيَةِ مِن تَحْتِ الغُرَفِ، بِما يُشاهَدُ مِن إنْزالِ الماءِ مِنَ السَّماءِ، وما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِن آثارِ قُدْرَتِهِ سُبْحانَهُ، وأحْكامِ حِكْمَتِهِ ورَحْمَتِهِ، والمُرادُ بِالماءِ المَطَرُ، وبِالسَّماءِ جِهَةُ العُلُوِّ، وقِيلَ: الأجْرامُ العُلْوِيَّةُ، وكَوْنُ إنْزالِ المَطَرِ مِنها بِاعْتِبارِ أنَّهُ بِأسْبابٍ ناشِئَةٍ مِنها، فَإنَّ تَصاعُدَ الأبْخِرَةِ، وتَكَوُّنَ الغُيُومِ بِسَبَبِ جَذْبِ الشَّمْسِ، واخْتِلافِ أوْضاعِها، ونَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الأسْبابِ الَّتِي يَعْلَمُها اللَّهُ تَعالى، وأمّا كَوْنُ إنْزالِ المَطَرِ نَفْسِهِ مِن جِرْمِ السَّماءِ المَعْرُوفَةِ نَفْسِها فَكَثِيرٌ ما يَرْتَفِعُ سَحابٌ ويُمْطِرُ مَطَرًا غَزِيرًا، وهُناكَ مَن هو عَلى ذُرْوَةِ جَبَلٍ لا سَحابَ عِنْدَهُ، ولا مَطَرَ، والتِزامُ أنَّ المَطَرَ في ذَلِكَ نازِلٌ مِن جِرْمِ السَّماءِ أيْضًا عَلى السَّحابِ لَكِنْ لا يُشاهِدُهُ مَن هو مُشْرِفٌ عَلى السَّحابِ، وواقِفٌ فَوْقَ الجَبَلِ لا يَخْفى حالُهُ، وقِيلَ: المُرادُ بِالماءِ كُلُّ ماءٍ في الأرْضِ، والمُرادُ بِالإنْزالِ المَذْكُورِ الإنْزالُ في مَبْدَإ الخَلِيقَةِ، وذَلِكَ أنَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - لَمّا خَلَقَ الأرْضَ خَلَقَها خالِيَةً مِنَ الماءِ، فَأنْزَلَ مِن بَحْرٍ تَحْتَ العَرْشِ ماءً ﴿ فَسَلَكَهُ ﴾ فَأدْخَلَهُ، ﴿ يَنابِيعَ في الأرْضِ ﴾ أيْ في يَنابِيعَ أيْ عُيُونٍ ومَجارِي كائِنَةٍ في الأرْضِ كالعُرُوقِ في الأجْسادِ، فَعَلى الأوَّلِ يَقْتَضِي ظاهِرُ الآيَةِ أنَّ ماءَ العُيُونِ والقَنَواتِ مِن ماءِ المَطَرِ، وعَلى الثّانِي لَيْسَ مِنهُ، وشاعَ عَنِ الفَلاسِفَةِ أنَّ ماءَ العُيُونِ، وما يَجْرِي مَجْراها مِنَ الأبْخِرَةِ، قالُوا: إنَّ البُخارَ إذا احْتَبَسَ في الأرْضِ يَمِيلُ إلى جِهَةٍ، وتَبْرُدُ بِها، فَتَنْقَلِبُ مِياهًا مُخْتَلِطَةً بِأجْزاءٍ بُخارِيَّةٍ فَإذا كَثُرَ بِحَيْثُ لا تَسَعُهُ الأرْضُ أوْجَبَ انْشِقاقَها، فانْفَجَرَ مِنها العُيُونُ، ورَدَّهُ أبُو البَرَكاتُ البَغْدادِيُّ فَقالَ في المُعْتَبَرِ: السَّبَبُ في العُيُونِ، وما يَجْرِي مَجْراها هو ما يَسِيلُ مِنَ الثُّلُوجِ، ومِياهِ الأمْطارِ، لِأنّا نَجِدُها تَزِيدُ بِزِيادَتِها، وتَنْقُصُ بِنُقْصانِها، وأنَّ اسْتِحالَةَ الأهْوِيَةِ والأبْخِرَةِ المُنْحَصِرَةِ في الأرْضِ لا مَدْخَلَ لَها في ذَلِكَ، فَإنَّ باطِنَ الأرْضِ في الصَّيْفِ أشَدُّ بَرْدًا مِنهُ في الشِّتاءِ، فَلَوْ كانَ سَبَبُ هَذِهِ اسْتِحالَتَها، لَوَجَبَ أنْ تَكُونَ العُيُونُ والقَنَواتُ ومِياهُ الآبارِ في الصَّيْفِ أزْيَدَ، وفي الشِّتاءِ أنْقَصَ، مَعَ أنَّ الأمْرَ بِخِلافِ ذَلِكَ عَلى ما دَلَّتْ عَلَيْهِ التَّجْرِبَةُ، وقالَ المَيْبَدِيُّ: الحَقُّ أنَّ السَّبَبَ الَّذِي ذَكَرَهُ صاحِبُ المُعْتَبَرِ مُعْتَبَرٌ لا مَحالَةَ، إلّا أنَّهُ غَيْرُ مانِعٍ مِنَ اعْتِبارِ السَّبَبِ الَّذِي ذُكِرَ يَعْنِي ما شاعَ، واحْتِجاجُهُ في المَنعِ إنَّما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ هو السَّبَبَ التّامَّ لا عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ سَبَبًا في الجُمْلَةِ اهـ.
وفِي شَرْحِ المَواقِفِ، اخْتَلَفُوا في أنَّ المِياهَ مُتَوَلِّدَةٌ مِن أجْزاءٍ مائِيَّةٍ مُتَفَرِّقَةٍ في عُمْقِ الأرْضِ، إذا اجْتَمَعَتْ، أوْ مِنَ الهَواءِ البُخارِيِّ الَّذِي يَنْقَلِبُ ماءً.
وهَذا الثّانِي وإنْ كانَ مُمْكِنًا إلّا أنَّ الأوَّلَ أوْلى، لِأنَّ مِياهَ العُيُونِ والقَنَواتِ والآبارِ تَزِيدُ بِزِيادَةِ الثُّلُوجِ والأمْطارِ، والأوْلى عِنْدِي أنْ يُحْمَلَ الماءُ في الآيَةِ عَلى المَطَرِ ونَحْوِهِ مِنَ الثَّلْجِ، والآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ الماءَ يَسْلُكُهُ اللَّهُ تَعالى في يَنابِيعَ في الأرْضِ، ولا تَدُلُّ عَلى أنَّ ما في اليَنابِيعِ لَيْسَ إلّا ذَلِكَ الماءَ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَعْضُ ما فِيها هو الماءُ المُنَزَّلُ مِنَ السَّماءِ، والبَعْضُ الآخَرُ حادِثًا مِنَ الهَواءِ البُخارِيِّ بِانْقِلابِهِ ماءً بِأسْبابٍ، يَعْلَمُها اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، وحُمِلَ الإنْزالُ عَلى الإنْزالِ في مَبْدَإ الخَلِيقَةِ عَلى ما سَمِعْتَ مَعَ كَوْنِهِ مِمّا لَمْ أقِفْ عَلى خَبَرٍ صَحِيحٍ يَقْتَضِيهِ خِلافُ الظّاهِرِ في الآيَةِ جِدًّا لِأنَّ الخِطابَ في ﴿ ألَمْ تَرَ ﴾ عامٌّ، ولا يَتَأتّى العُمُومُ في رُؤْيَةِ ذَلِكَ، وكَأنَّهُ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ جَعْلُ الخِطابِ خاصًّا بِسَيِّدِ المُخاطَبِينَ ، والمُرادُ: ألَمْ تَعْلَمْ ذَلِكَ بِالوَحْيِ، ومَعَ ذَلِكَ لا يَخْفى حالُ حَمْلِ الآيَةِ عَلى ما ذُكِرَ، وقَرِيبٌ مِمّا قِيلَ ما حَكاهُ الزَّمَخْشَرِيُّ في الآيَةِ عَنْ بَعْضٍ مِن أنَّ كُلَّ ماءٍ في الأرْضِ فَهو مِنَ السَّماءِ يَنْزِلُ مِنها إلى الصَّخْرَةِ، ثُمَّ يَقْسِمُهُ اللَّهُ تَعالى بَيْنَ البِقاعِ، هَذا لَكِنْ يُعَكِّرُ عَلى ما اخْتَرْناهُ ظاهِرُ ما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: لَيْسَ في الأرْضِ ماءٌ إلّا ما أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى مِنَ السَّماءِ، ولَكِنْ عُرُوقٌ في الأرْضِ تُغَيِّرُهُ، فَمَن سَرَّهُ أنْ يَعُودَ المِلْحُ عَذْبًا فَلْيَصْعَدْ.
وأخْرَجَ نَحْوَهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، والشَّعْبِيِّ، فَإنْ صَحَّ هَذا الخَبَرُ، وقُلْنا إنَّهُ في حُكْمِ المَرْفُوعِ فَما عَلَيْنا إذا قُلْنا بِظاهِرِهِ، فالعَقْلُ لا يَأْباهُ، واللَّهُ تَعالى عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، هَذا وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ اليَنابِيعُ جَمْعَ يُنْبُوعٍ بِمَعْنى النّابِعِ، فَإنَّهُ كَما يُطْلَقُ عَلى المَنبَعِ يُطْلَقُ عَلى ما ذُكِرَ، وحِينَئِذٍ تَكُونُ مَنصُوبَةً عَلى الحالِ، والمَعْنى: فَسَلَكَهُ مِياهًا نابِعَةً في الأرْضِ، ولا يَخْلُو مِنَ الكَدَرِ، لِأنَّهُ لَوْ قُصِدَ هَذا كانَ الظّاهِرُ أنْ يُقالَ: مِنَ الأرْضِ، وعَلى ما هو المَشْهُورُ يَكُونُ ﴿ يَنابِيعَ ﴾ مَنصُوبًا بِنَزْعِ الخافِضِ كَما أشَرْنا إلَيْهِ.
واحْتِمالُ كَوْنِهِ مَنصُوبًا عَلى المَصْدَرِيَّةِ في إطْلاقَيْهِ بِأنْ يَكُونَ الأصْلُ فَسَلَكَهُ سُلُوكًا في يَنابِيعَ أيْ مَجارِي، فَحُذِفَ المَصْدَرُ وأُقِيمَ ما هو في مَوْضِعِ الصِّفَةِ مَقامَهُ، أوْ يَكُونَ الأصْلُ: فَسَلَكَهُ سُلُوكَ يَنابِيعَ أيْ مِياهًا نابِعَةً، فَحُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ، بَعِيدٌ كَما لا يَخْفى.
﴿ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ ﴾ أيْ بِواسِطَتِهِ مُراعاةً لِلْحِكْمَةِ، لا لِتَوَقُّفِ الإخْراجِ عَلَيْهِ في نَفْسِ الأمْرِ، وقالَتِ الأشاعِرَةُ: أيْ يُخْرِجُ عِنْدَهُ بِلا مَدْخَلِيَّةٍ لَهُ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ سِوى المُقارَنَةِ، ﴿ زَرْعًا مُخْتَلِفًا ألْوانُهُ ﴾ أيْ أنْواعُهُ وأصْنافُهُ مِن بُرٍّ وشَعِيرٍ، وغَيْرِهِما، أوْ كَيْفِيّاتُهُ المُدْرَكَةُ بِالبَصَرِ مِن خُضْرَةٍ وحُمْرَةٍ وغَيْرِهِما، أوْ كَيْفِيّاتُهُ مُطْلَقًا مِنَ الألْوانِ والطُّعُومِ وغَيْرِهِما عَلى ما قِيلَ، وشَمَلَ الزَّرْعَ المُقْتاتَ وغَيْرَهُ، وثُمَّ لِلتَّراخِي في الرُّتْبَةِ، أوِ الزَّمانِ، وصِيغَةُ المُضارِعِ لِاسْتِحْضارِهِ الصُّورَةَ ﴿ ثُمَّ يَهِيجُ ﴾ يَيْبَسُ، وظاهِرُ كَلامِ أهْلِ اللُّغَةِ أنَّ هَذا مَعْنًى حَقِيقِيٌّ لِلْهَيَجانِ، ويُفْهَمُ مِن كَلامِ بَعْضِ المُفَسِّرِينَ أنَّ يَهِيجَ بِمَعْنى يَثُورُ، واسْتِعْمالَهُ بِمَعْنى يَيْبَسُ مِن مَجازِ المُشارَفَةِ، لِأنَّ الزَّرْعَ إذا يَبِسَ وتَمَّ جَفافُهُ يُشْرِفُ عَلى أنْ يَثُورَ، ويَذْهَبَ مِن مَنابِتِهِ ﴿ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ﴾ مِن بَعْدِ خُضْرَتِهِ ونَضارَتِهِ.
وقُرِئَ ”مُصْفارًّا“، ﴿ ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطامًا ﴾ فُتاتًا مُتَكَسِّرًا، كَأنْ لَمْ يَغْنَ بِالأمْسِ، ولِكَوْنِ هَذِهِ الحالَةِ مِنَ الآثارِ القَوِيَّةِ عُلِّقَتْ بِجَعْلِ اللَّهِ تَعالى كالإخْراجِ.
وقَرَأ أبُو بِشْرٍ ”ثُمَّ يَجْعَلَهُ“ بِالنَّصْبِ، قالَ صاحِبُ الكامِلِ: وهو ضَعِيفٌ، ولَمْ يُبَيِّنْ وجْهَ النَّصْبِ، وكَأنَّهُ إضْمارُ أنْ، كَما في قَوْلِهِ: (إنِّي وقَتْلِي سُلَيْكًا ثُمَّ أعْقِلَهُ)، ولا يَخْفى وجْهُ ضَعْفِهِ هُنا، ﴿ إنَّ في ذَلِكَ ﴾ إشارَةٌ إلى ما ذُكِرَ تَفْصِيلًا، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِبُعْدِ مَنزِلَتِهِ في الغَرابَةِ، والدِّلالَةِ عَلى ما قُصِدَ بَيانُهُ، ﴿ لَذِكْرى ﴾ لَتَذْكِيرًا عَظِيمًا، ﴿ لأُولِي الألْبابِ ﴾ لِأصْحابِ العُقُولِ الخالِصَةِ عَنْ شَوائِبِ الخَلَلِ، وتَنْبِيهًا لَهم عَلى حَقِيقَةِ الحالِ، يَتَذَكَّرُونَ بِذَلِكَ حالَ الحَياةِ الدُّنْيا وسُرْعَةَ تَقَضِّيها، فَلا يَغْتَرُّونَ بِبَهْجَتِها، ولا يُفْتَنُونَ بِفِتْنَتِها، أوْ يَجْزِمُونَ بِأنَّ مَن قَدَرَ عَلى إنْزالِ الماءِ مِنَ السَّماءِ والتَّصَرُّفِ بِهِ عَلى أتَمِّ وجْهٍ قادِرٌ عَلى إجْراءِ الأنْهارِ مِن تَحْتِ تِلْكَ الغُرَفِ، وكَأنَّ الأوَّلَ أوْلى لِيَكُونَ ما تَقَدَّمَ تَرْغِيبًا في الآخِرَةِ، وهَذا تَنْفِيرًا عَنِ الدُّنْيا، وقِيلَ: المَعْنى: إنَّ في ذَلِكَ لَتَذْكِيرًا وتَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ لا بُدَّ لِذَلِكَ مِن صانِعٍ حَكِيمٍ، وأنَّهُ كائِنٌ عَلى تَقْدِيرٍ وتَدْبِيرٍ لا عَنْ تَعْطِيلٍ وإهْمالٍ، وهو بِمَعْزِلٍ عَمّا يَقْتَضِيهِ السِّياقُ، عَلى أنَّ الأنْسَبَ بِإرادَةِ ذَلِكَ ذِكْرُ الآثارِ غَيْرُ مُسْنَدَةٍ إلَيْهِ - عَزَّ وجَلَّ - فَحَيْثُ ذُكِرَتْ مُسْنَدَةً إلَيْهِ سُبْحانَهُ، فالظّاهِرُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقُ التَّذْكِيرِ والتَّنْبِيهِ شُؤُونَهُ تَعالى، أوْ شُؤُونَ آثارِهِ، حَسْبَما أُشِيرَ إلَيْهِ لا وُجُودَهُ جَلَّ وعَلا.
<div class="verse-tafsir"
قوله عز وجل: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مَاء فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ أي: فأدخله في الأرض فجعله ينابيع.
يعني: عيوناً في الأرض تنبع.
ويقال: فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ يعني: جارياً في الأرض، وهي تجري فيها.
ويقال: جعل فيها أنهاراً وعيوناً ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ أحمر، وأصفر، وأخضر، ثُمَّ يَهِيجُ أي: يتغير فَتَراهُ مُصْفَرًّا أي: يابساً بعد الخضرة.
ويقال: ثُمَّ يَهِيجُ يعني: ييبس.
ويقال: يَهِيجُ أي: يتم، ويشتد من هاج يهيج.
أي: تم يتم فَتَراهُ مُصْفَرًّا متغيراً عن حاله، ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطاماً قال القتبي: حُطاماً مثل الرفات، والفتات.
وقال الزجاج: الحطام ما تفتت، وتكسر من النبت.
وقال مقاتل: حُطاماً يعني: هالكاً إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى أي: فيما ذكر لعظة لِأُولِي الْأَلْبابِ يعني: لذوي العقول من الناس أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ يعني: وسع الله قلبه للإسلام.
ويقال: لين الله قلبه لقبول التوحيد، فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ يعني: على هدى من الله تعالى.
وجوابه مضمر.
يعني أفمن شرح الله صدره للإسلام، واهتدى، كمن طبع على قلبه، وختم على قلبه فلم يهتد.
ويقال: فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ يعني: القرآن.
لأن فيه بيان الحلال والحرام.
فهو على نور من ربه لمن تمسك به.
ويقال: على نور يعني: التوحيد، والمعرفة.
وروي في الخبر أنه لما نزلت هذه الآية: أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ قالوا: فكيف ذلك يا رسول الله؟
قال: «إذا دَخَلَ النُّورُ فِي القَلْبِ انْفَسَحَ، وَانْشَرَحَ» .
قالوا: فهل لذلك علامة؟
قال: «نَعَمْ.
التَّجَافِي عَنْ دَارِ الغُرُورِ، وَالإنَابَةُ إلى دَارِ الخُلُودِ، وَالاسْتِعْدَادُ لِلْمَوْتِ قَبْلَ نُزُولِ المَوْتِ» .
ثم قال: فَوَيْلٌ يعني: الشدة من العذاب لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ يعني: لمن قست، ويبست قلوبهم، مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ تعالى.
ويقال: القاسية.
الخالية من الخير، أُولئِكَ يعني: أهل هذه الصفة فِي ضَلالٍ مُبِينٍ أي: في خطأ بيّن.
قوله عز وجل: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ يعني: أحكم الحديث، وهو القرآن.
وذلك أن المسلمين قالوا لبعض مؤمني أهل الكتاب، نحو عبد الله بن سلام: أخبرنا عن التوراة، فإن فيها علم الأولين والآخرين.
فأنزل الله تعالى: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ يعني: أنزل عليكم أحسن الحديث، وهو القرآن.
ويقال: أَحْسَنَ الْحَدِيثِ يعني: أحسن من سائر الكتب، لأن سائر الكتب صارت منسوخة بالقرآن، كِتاباً مُتَشابِهاً يعني: يشبه بعضه بعضاً، ولا يختلف.
ويقال: مُتَشابِهاً يعني: موافقاً لسائر الكتب في التوحيد، وفي بعض الشرائع.
وروي عن الحسن البصري أنه قال: مُتَشابِهاً يعني: خياراً لا رذالة فيه.
ويقال: مُتَشابِهاً اشتبه على الناس تأويله.
ثم قال: مَثانِيَ يعني: أن الأنباء، والقصص، تثنى فيه.
ويقال: سمي مثاني، لأن فيه سورة المثاني.
يعني: سورة الفاتحة الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ.
ثم قال: تَقْشَعِرُّ مِنْهُ يعني: ترتعد مما فيه من الوعيد، جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ.
ويقال: تَقْشَعِرُّ مِنْهُ يعني: تتحرك مما في القرآن من الوعيد.
ويقال: ترتعد منه الفرائض.
ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ يعني: بعد الاقشعرار إِلى ذِكْرِ اللَّهِ من آية الرحمة، والمغفرة.
يعني: إذا قرأت آيات الرجاء، والرحمة، تطمئن قلوبهم، وتسكن، ذلِكَ يعني: القرآن هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ يعني: بالقرآن من يشاء الله أن يهديه إلى دينه وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ عن دينه فَما لَهُ مِنْ هادٍ يعني: لا يقدر أحد أن يهديه، بعد خذلان الله تعالى.
قوله عز وجل: أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذابِ يعني: أفمن يدفع بوجهه شدة سوء العذاب، وجوابه مضمر.
يعني: هل يكون حاله كحال من هو في الجنة.
يعني: ليس الضال الذي تصل النار إلى وجهه، كالمهتدي الذي لا تصل النار إلى وجهه، ليسا سواء.
وقال أهل اللغة: أصل الاتقاء في اللغة، الإوتقاء، وهو التستر.
يعني: وجهه إلى النار كالذي لا يفعل ذلك به.
وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذابِ يعني: يجر على وجهه في النار، وهذا كقوله: أَفَمَنْ يُلْقى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (40) [فصلت: 40] ويقال: أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذابِ معناه: أنه يلقى في النار مغلولاً، لا يتهيأ له أن يتقي النار إلا بوجهه، يَوْمَ الْقِيامَةِ وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ يعني: للكافرين، ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ من التكذيب.
قوله عز وجل: كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ يعني: من قبل قومك، رسلهم، فَأَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ يعني: لا يعلمون، ولا يحتسبون، وهم غافلون.
فَأَذاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ العذاب فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ يعني: أعظم مما عذبوا به في الدنيا لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ولكنهم لا يعلمون.
<div class="verse-tafsir"
أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ (١٩) لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعادَ (٢٠) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطاماً إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ (٢١)
وقوله تعالى: أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ [مَن فِى النار] قالت فرقةٌ:
معنى الآيةِ: أَفَمَنْ حَقَّتْ عَلَيْه كلمةُ العَذَابِ فَأَنْتَ تُنْقِذهُ] ، لكنَّه زَادَ الهَمْزَةَ الثانيةَ تَوْكِيداً، وأظْهرَ الضميرَ تَشْهيراً لهؤلاءِ القَومِ وإظهاراً لِخِسَّةِ منازِلهم.
وقوله تعالى: لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ ...
الآية مُعَادَلَةٌ وتَحْضِيضٌ على التقوى، وعَادَلَتْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِها غُرَفٌ ما تَقَدَّمَ مِنَ الظُّلَلِ فَوْقَهُمْ وَتَحْتَهُمْ، والأحاديثُ الصحيحةُ في هذا البابِ كثِيرةٌ، ثُمَّ وَقَفَ تعالى نبيَّه- عليه السلام- وأُمَّتَهُ على مُعْتَبَرٍ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ، فقال: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مَاءً ...
الآية، قال الطبريُّ «١» : الإشارةُ إلى ماءِ المطر ونبع العيون منه، وفَسَلَكَهُ معناه: أجراه وأدخله في الأرض، ويَهِيجُ معناه: يَيْبَسُ، وهاجَ الزَّرْعُ والنباتُ: إذَا يَبِسَ، والحُطَامُ: اليابِسُ المُتَفَتِّتُ، ومعنى لَذِكْرى أيْ: للبَعْث من القبورِ وإحياء الموتى على قياسِ هذا المثال المذكور.
وقوله تعالى: أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ ...
الآية، رُوِيَ أنَّ هذهِ الآيةَ نزلَتْ في عَلِيٍّ وحمزةَ، وأبي لَهَبٍ وابنه وهمَا اللذان كَانا من القَاسِيَةِ قلوبُهُمْ «٢» ، وفي الكلامِ محذوفٌ يدلُّ عليه الظاهِرُ تقديره: أفمن شَرَحَ اللَّه صدره كالقاسِي القَلْبِ المُعْرِضِ عن أمرِ اللَّه، وشَرْحُ الصدرِ: استعارةٌ لتحصيلهِ للنظر الجَيِّدِ والإيمانِ باللَّه، والنُّورُ: هدايةُ اللَّه تعالى، وهي أشبهُ شيء بالضّوء، قال ابن مسعود: قلنا يا رَسُولَ اللَّهِ!
كَيْفَ انشراح الصَّدْرِ؟
قال: إذا دَخَلَ النُّورُ القَلْبَ، انشرح وَانْفَسَحَ، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّه، وَمَا عَلاَمَةُ ذَلِكَ؟
قَالَ: الإنَابَةُ إلَى دَارِ/ الخُلُودِ، وَالتَّجَافِي عَنْ دَارِ الغُرُورِ، والتَّأَهُّبُ لِلْمَوْتِ قَبْلَ نُزُولِ المَوْتِ «٣» ، والقسوةُ: شِدَّةُ القَلْب، وهي مأخوذةٌ من قَسْوَةِ الحَجَرِ، شَبَّهَ قَلْبَ الكافرِ به في
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً ﴾ قالَ الشَّعْبِيُّ: كَلَّ ما في الأرْضِ فَمِنَ السَّماءِ يَنْزِلُ ﴿ فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: أدْخَلَهُ فَجَعَلَهُ يَنابِيعَ، أيْ: عُيُونًا تَنْبُعُ، ﴿ ثُمَّ يَهِيجُ ﴾ أيْ: يَيْبَسُ.
قالَ الأصْمَعِيُّ: يُقالُ لِلثَّبْتِ إذا تَمَّ جَفافُهُ: قَدْ هاجَ يَهِيجُ هَيْجًا.
فَأمّا الحُطامُ، فَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هو ما يَبِسَ فُتُحاتٍ مِنَ النَّباتِ، ومَثَلُهُ الرُّفاتُ.
قالَ مُقاتِلٌ: هَذا مَثَلٌ ضَرَبَ الدُّنْيا، بَيْنا تَرى النَّبْتَ أخْضَرَ، إذْ تَغَيَّرَ فَيَبِسَ ثُمَّ هَلَكَ،وَكَذَلِكَ الدُّنْيا وزِينَتُها.
وقالَ غَيْرُهُ: هَذا البَيانُ لِلدَّلالَةِ عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ أفَأنْتَ تُنْقِذُ مَن في النارِ ﴾ ﴿ لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهم لَهم غُرَفٌ مِن فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ وعْدَ اللهِ لا يُخْلِفُ اللهِ المِيعادَ ﴾ ﴿ ألَمْ تَرَ أنَّ اللهَ أنْزَلَ مِنَ السَماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ في الأرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا ألْوانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطامًا إنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرى لأُولِي الألْبابِ ﴾ أسْقَطَ العَلامَةَ الَّتِي في الفِعْلِ المُسْنَدِ إلى الكَلِمَةِ لِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما الحائِلُ الَّذِي بَيْنَ الفِعْلِ والفاعِلِ، ولَوْ كانَ مُتَّصِلًا بِهِ لَمْ يَحْسُنْ ذَلِكَ، والثانِي أنَّ "الكَلِمَةَ" غَيْرُ مُؤَنَّثٍ حَقِيقِيٍّ، وهَذا أخَفُّ وأجْوَدُ مِن قَوْلِهِمْ: "حَضَرَ القاضِيَ اليَوْمَ امْرَأةٌ"؛ لِأنَّ التَأْنِيثَ هُنا حَقِيقِيٌّ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: في هَذا الكَلامِ مَحْذُوفٌ اخْتَصَرَهُ لِدَلالَةِ الظاهِرِ عَلَيْهِ، تَقْدِيرُهُ: أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ تَتَأسَّفُ أنْتَ عَلَيْهِ؟
أو نَحْوَ هَذا مِنَ التَقْدِيرِ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ لِلنَّبِيِّ عَلى أنَّهُ يُرِيدُ أنْ يُنْقِذَ مَن في النارِ، أيْ: لَيْسَ هَذا إلَيْكَ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: الألِفُ في قَوْلِهِ: ﴿ "أفَأنْتَ" ﴾ إنَّما هي مُؤَكِّدَةٌ زادَها لِطُولِ الكَلامِ، وإنَّما مَعْنى الآيَةِ: أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ أفَأنْتَ تُنْقِذُهُ؟
لَكِنَّهُ زادَ الألِفَ الثانِيَةَ تَوْكِيدًا لِلْأمْرِ، وأظْهَرَ الضَمِيرَ العائِدَ تَشْهِيرًا لِهَؤُلاءِ القَوْمِ، وإظْهارًا لِخِسَّةِ مَنازِلِهِمْ كَقَوْلِ الشاعِرِ: لا أرى المَوْتَ يَسْبِقُ المَوْتَ شَيْءٌ وإنَّما أظْهَرَ الضَمِيرَ تَنْبِيهًا عَلى عِظَمِ المَوْتِ، وهَذا كَثِيرٌ.
ثُمَّ اسْتَفْتَحَ إخْبارًا آخَرَ بِـ"لَكِنِ"، وهَذِهِ مُعادِلَةٌ وتَحْضِيضٌ عَلى التَقْوى لِمَن فَكَّرَ وازْدَجَرَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن تَحْتِها ﴾ أيْ: مِن تَحْتِ الغُرَفِ، وعادَلَتْ: ﴿ غُرَفٌ مِن فَوْقِها غُرَفٌ ﴾ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ لَهم مِن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِن النارِ ومِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ﴾ ، و"الغُرَفُ": ما كانَ مِنَ المَساكِنِ مُرْتَفِعًا عَنِ الأرْضِ، في الحَدِيثِ: « "إنَّ أهْلَ الجَنَّةِ لَيَتَراءَوْنَ الغُرَفَ مِن فَوْقِهِمْ كَما تَراءَوْنَ الكَوْكَبَ الَّذِي في الأُفُقِ"،» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَعْدَ اللهِ ﴾ نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ، ونَصْبُهُ إمّا بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ مِن لَفْظِهِ، وإمّا بِما تَضَمَّنَ الكَلامُ قَبْلُ مِن مَعْنى الوَعْدِ عَلى الِاخْتِلافِ الَّذِي لِلنُّحاةِ في ذَلِكَ.
ثُمَّ وقَفَ تَعالى نَبِيَّهُ عَلى مُعْتَبَرٍ مِن مَخْلُوقاتِهِ، والخِطابُ لِلنَّبِيِّ وكُلُّ بَشَرٍ داخِلٌ مَعَهُ في مَعْناهُ، وقالَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ: أشارَ إلى ماءِ المَطَرِ، وقالُوا: العُيُونُ مِنهُ، وذَلِكَ أنَّها تَنْماعُ عِنْدَ وُجُودِهِ وتَيْبَسُ عِنْدَ فَقْدِهِ،.
وقالَ الحَسَنُ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ يَنّاقٍ: والإشارَةُ إلى العُيُونِ، ولَيْسَتِ العُيُونُ مِنَ المَطَرِ، ولَكِنْ ماؤُها نازِلٌ مِنَ السَماءِ، قالَ الشَعْبِيُّ: وكُلُّ ماءٍ عَذْبٍ في الأرْضِ فَمِنَ السَماءِ نَزَلَ، والقَوْلانِ مُتَقارِبانِ، و"سَلَكَهُ" مَعْناهُ: أجْراهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: حَتّى سَلَكْنَ الشَوى مِنهُنَّ في مَسَكٍ ∗∗∗ ∗∗∗ مِن نَسْلِ جَوّابَةِ الآفاقِ مِهْداجُ وَمِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: نَطْعَنُهم سُلْكى ومَخْلُوجَةً....
∗∗∗ كَرَّكَ لَأْمَيْنِ عَلى نابِلِ وواحِدُ اليَنابِيعِ: يَنْبُوعٌ، وهو العَيْنُ بُنِيَ لَها بِناءٌ، مُبالَغَةٌ مِنَ النَبْعِ.
و"الزَرْعُ" هُنا واقِعٌ عَلى كُلِّ ما يُزْرَعُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: "ألْوانُهُ": أعْراضُهُ مِنَ الحُمْرَةِ والصُفْرَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ، و"يَهِيجُ": يَيْبَسُ، هاجَ النَباتُ والزَرْعُ إذا يَبِسَ، ومِنهُ قَوْلُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عنهُ في الحَدِيثِ الَّذِي في غَرِيبِ ابْنِ قُتَيْبَةَ: "ذِمَّتِي رَهِينَةٌ، وأنا بِهِ زَعِيمٌ ألّا يَهِيجَ عَلى التَقْوى زَرْعُ قَوْمٍ ولا يَيْبَسَ عَلى التَقْوى....
أصْلَ الحَدِيثِ".
و"الحُطامُ": اليابِسُ المُتَفَتِّتُ، ومَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ [لَذِكْرى]﴾ [ق: ٣٧] أيْ: لِلْبَعْثِ مِنَ القُبُورِ وإحْياءِ المَوْتى عَلى ما يُوحِيهِ هَذا المِثالُ المَذْكُورُ.
<div class="verse-tafsir"
استئناف ابتدائي انتُقل به إلى غرض التنويه بالقرآن وما احتوى عليه من هدى الإِسلام، وهو الغرض الذي ابتدئت به السورة وانثنى الكلام منه إلى الاستطراد بقوله تعالى: ﴿ فاعبد اللَّه مخلصاً له الدين ﴾ [الزمر: 2] إلى هنا، فهذا تمهيد لقوله: ﴿ أفَمَن شَرَحَ الله صَدرهُ للإسلامِ ﴾ إلى قوله: ﴿ ذلِكَ هُدَى الله يهْدِي به من يشاءُ ﴾ [الزمر: 22، 23] فمُثلت حالة إنزال القرآن واهتداء المؤمنين به والوعدُ بنماء ذلك الاهتداء، بحالة إنزال المطر ونبات الزرع به واكتماله.
وهذا التمثيل قابل لتجزئة أجزائه على أجزاء الحالة المشبه بها: فإِنزال الماء من السماء تشبيه لإِنزال القرآن لإِحياء القلوب، وإسلاكُ الماء ينابيع في الأرض تشبيه لِتبليغ القرآن للناس، وإخراج الزرع المختلف الألوان تشبيه لحال اختلاف الناس من طَيِّب وغيره، ونافع وضار، وهياج الزرع تشبيه لِتكاثر المؤمنين بين المشركين.
وأما قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ يَجْعلُهُ حُطاماً ﴾ فهو إدماج للتذكير بحالة الممات واستواءِ الناس فيها من نافع وضار.
وفي تعقيب هذا بقوله: ﴿ أفَمَن شَرَحَ الله صدرَهُ للإسلامِ ﴾ إلى قوله: ﴿ وَمَن يُضْلِل الله فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ﴾ [الزمر: 22، 23] إشارة إلى العبرة من هذا التمثيل.
وقريب من تمثيل هذه الآية ما في «الصحيحين» عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضاً فكان منها نَقيَّةٌ قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعُشُب الكثير، وكان منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصاب منها طائفةً أخرى إنما هي قيعانٌ لا تمسك ماء ولا تنبت كلأً فذلك مَثَل من فقُه في دين الله ونفعَه ما بعثني الله به فعَلِم وعَلَّم، ومثَل من لم يرفع بذلك رأساً ولم يقبل هُدى الله الذي أرسلتُ به " ويجوز أن يكون المعنى أصالةً وإدماجاً على عكس ما بيّنا، فيكونَ عَوْداً إلى الاستدلال على تفرد الله تعالى بالإلهية بدليل من مخلوقاته التي يشاهدها الناس مشاهدة متكررة، فيكونَ قوله تعالى: ﴿ ألم ترَ أن الله أنزل من السماءِ ماءً ﴾ إلى قوله: ﴿ إن في ذلك لذكرى لأولي الألبابِ ﴾ متصلاً بقوله تعالى: ﴿ خلقكم من نفسسٍ واحدةٍ ثمَّ جعَلَ منها زَوجَهَا ﴾ [الزمر: 6] المتصل بقوله تعالى: ﴿ خَلَق السماواتتِ والأرض بالحققِ يُكورُ الليل على النَّهار ﴾ [الزمر: 5]، ويكونَ ما بيناه من تمثيل حال نزول القرآن وانتفاع المؤمنين إدماجاً في هذا الاستدلال.
وعلى كلا الوجهين أُدمج في أثناء الكلام إيماء إلى إمكان إحياء الناس حياة ثانية.
والكلام استفهام تقريري، والخطاب لكل من يصلح للخطاب فليس المراد به مخاطباً معيَّناً.
والرؤية بصرية.
وقوله: ﴿ أنزلَ مِن السماءِ ماءً ﴾ تقدم نظيره في قوله: ﴿ وهو الذي أنزل من السماء ماء ﴾ في سورة [الأنعام: 99].
و ﴿ سلكه ﴾ أدخله، أي جعله سالكاً، أي داخلاً، ففعل سلك هنا متعد وقد تقدم عند قوله تعالى: ﴿ وسلك لكم فيها سبلاً ﴾ في سورة [طه: 53]، وذكرنا هنالك أن فعل سلك يكون قاصراً ومتعدّياً، وهذا الإِدخال دليل ثان.
و ﴿ يَنابيعَ ﴾ جمع ينبوع وهو العين من الماء، تقدم في قوله تعالى: ﴿ حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً ﴾ في سورة [الإِسراء: 90].
وانتصب ﴿ ينابيعَ ﴾ على الحال من ضمير ﴿ مَاءً ﴾ .
وتصيير الماء الداخل في الأرض ينابيع دليل ثالث على عظيم قدرة الله.
وعطف ب ﴿ ثم ﴾ قوله: ﴿ ثُمَّ يُخرجُ بهِ زَرعاً ﴾ لإِفادة التراخي الرتبي بحرف ﴿ ثم ﴾ كشأنها في عطف الجمل لأن إخراج الزرع من الأرض بعد إقحالها أوقع في نفوس الناس لأنه أقرب لأبصارهم وأنفع لعيشهم وإذ هو المقصود من المطر.
وهذا الإِخراج دليل رابع.
والألوان: جمع لون، واللون: كيفية لائحة على ظاهر الجسم في الضوء، وتقدم في سورة فاطر [27، 28].
واختلاف ألوان الزرع بالمعنى الأول أن لكل نوع من الزرع لوناً ولنَوْرها ألواناً ولكل صنف من الزرع ألوان مختلفة في أطوار نباته وبلوغه أشُدّه، وهذا الاختلاف مع اتّحاد الأرض التي تنبت فيها واتحاد الماء الذي نبت به آية خامسة على عظيم القدرة والانفراد بالتصرف.
ومعنى ﴿ يهيج ﴾ يغلظ ويرتفع.
وحقيقة الهياج: ثورة الإنسان أو الحيوان، ويستعار الهياج لشدة الشيء من غير الحيوان يقال: هاجت ريِح، ومنه هياج الزرع في الآية لأن الزرع تطول سوقه وسنابله فيتم جفافه فإذا تحرك بمرور الريح عليه صار له حفيف وخشخشة سواء في ذلك الحَب والكَلأ وهذا الطور آية سادسة على الوحدانية.
والحطام: المحطوم، أي المكسور المفتوت، ووزن فُعال (بضم الفاء) يدل على المفعول كالفُتات والدُقاق، ومثله الفُعالة كالصُبابة والقُلامة والقُمامة.
والمعنى: أنه يبلغ من اليبس إلى حد أن يتحطم ويتكسر بحك بعضه بعضاً وتساقُطه وكسر الريح إياه.
وهذا الطور آية سابعة على قدرة الله.
وجميعها آيات على دقة صنعه وكيف أودع الأطوار الكثيرة في الشيء الواحد يخلف بعضها بعضاً من طور وجوده إلى طور اضمحلاله.
وجملة ﴿ إنَّ في ذلك لذكرى لأُولِى الألباب ﴾ مبيّنة للاستفهام التقريري وفذلكة للأطوار المستفهم عنها، فالإِشارة بذلك إلى المذكور من الإِنزال إلى آخر الأطوار.
والمراد: ذكرى بالدلالة على ما يغفل عنه العاقل.
ويجوز أن تكون الذكرى لما يذهل عنه العاقل مما تشتمل عليه هذه الأحوال من مبدئها إلى منتهاها.
فمن ذلك أنها تصلح مثالاً لتقريب البعث فإن إنزال الماء على الأرض وإنباتها بسببه أمر يتجدد بعد أن صار ما عليها من النبات حطاماً، وتخللت زراريعه الأرض فنبتت مرة أخرى بنزول الماء، فكذلك يعود الإِنسان بعد فنائه كما أشار إليه قوله تعالى: ﴿ واللَّه أنبتكم من الأرض نباتاً ثم يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجاً ﴾ [نوح: 17، 18] فتتضمن الآية إدماج تقريب البعث وإمكانه مع الاستدلال على انفراد الله تعالى بالتصرف، ومن ذلك أنها تصلح مثلاً للحياة الدنيا كما في آية سورة يونس وفي سورة الكهف، والمقصود: تشبيه الحالة بالحالة فلا يُعتبر التجوز في مفردات هذا المركب بأن يطلب لكل طور من أطوار الدنيا طور يشتبه به من أطوار النبات.
ومنها أنها مثل لأطوار الإِنسان من طور النطف إلى الشباب إلى الشيخوخة ثم الهلاك، والمقصود تشبيه الحالة بالحالة مع إمكان توزيع تشبيه كل طور من أطوار الحالة المشبهة بطور من أطوار الحالة المشبه بها وهو أكمل أنواع التمثيلية.
و ﴿ أولي الألبَابِ ﴾ هم الذين ينتفعون بألبابهم فيهتدون بما نصب لهم من الأدلة، كما تقدم آنفاً في قوله: ﴿ إنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الألباب ﴾ [الزمر: 9]، وهم الذين استدلوا فآمنوا.
وفي هذا تعريض بأن الذين لم يستفيدوا من الأدلة بمنزلة مَن عدموا العقول.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: وسَّعَ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ حَتّى يَثْبُتَ فِيهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والسُّدِّيُّ.
الثّانِي: وسَّعَ صَدْرَهُ بِالإسْلامِ بِالفَرَحِ بِهِ والطُّمَأْنِينَةِ إلَيْهِ، فَعَلى هَذا لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الشَّرْحُ قَبْلَ الإسْلامِ، وعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الشَّرْحُ قَبْلَ الإسْلامِ.
﴿ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِن رَبِّهِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: عَلى هُدًى مِن رَبِّهِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: أنَّهُ كِتابُ اللَّهِ الَّذِي بِهِ يَأْخُذُ وإلَيْهِ يَنْتَهِي، قالَهُ قَتادَةُ.
وَرَوى عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِدْرٍ قالَ: «تَلا رَسُولُ اللَّهِ هَذِهِ الآيَةَ، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ ما هَذا الشَّرْحُ؟
فَقالَ: (نُورٌ يُقْذَفُ بِهِ في القَلْبِ قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ لِذَلِكَ مِن أمارَةٍ؟
قالَ: (نَعَمْ قالُوا: ما هِيَ؟
قالَ: (الإنابَةُ إلى دارِ الخُلُودِ، والتَّجافِي عَنْ دارِ الغُرُورِ، والِاسْتِعْدادُ لِلْمَوْتِ قَبْلَ المَوْتِ.
» وَفِي مَن نَزَلَتْ فِيهِ هَذِهِ الآيَةُ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: في رَسُولِ اللَّهِ ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
الثّانِي: في عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، حَكاهُ النَّقّاشُ.
الثّالِثُ: في عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
﴿ فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهم مِن ذِكْرِ اللَّهِ ﴾ قِيلَ: إنَّهُ عَنى أبا جَهْلٍ وأتْباعَهُ مِن كُفّارِ قُرَيْشٍ، وفي الكَلامِ مُضْمَرٌ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ، فَهو عَلى نُورٍ مِن رَبِّهِ كَمَن طَبَعَ اللَّهُ عَلى قَلْبِهِ فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهم.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه ينابيع في الأرض ﴾ قال: ما أنزل الله من السماء ولكن عروق في الأرض تغمره فذلك قوله: ﴿ فسلكه ينابيع في الأرض ﴾ فمن سره أن يعود الملح عذباً فليصعد.
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ في العظمة والخرائطي في مكارم الأخلاق عن الشعبي رضي الله عنه في قوله: ﴿ فسلكه ينابيع في الأرض ﴾ أصله من السماء.
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله: ﴿ فسلكه ينابيع في الأرض ﴾ قال: عيوناً.
وأخرج عبد بن حميد عن الكلبي رضي الله عنه قال: العيون والركايا مما أنزل الله من السماء ﴿ فسلكه ينابيع في الأرض ﴾ والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الأرض ﴾ معنى سلكه أدخله وأجراه، والينابيع: جمع ينبوع وهو العين، وفي هذا دليل على أن ماء العيون من المطر ﴿ مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ ﴾ أي أصنافه كالقمح والأرز والفول وغير ذلك، وقيل: ألوانه الخضرة والحمرة وشبه ذلك، وفي الوجهين دليل على الفاعل المختار وَرَدٌ على الطبائع الملحدين.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ يرضه ﴾ بالإِشباع: ابن كثير وعلي والمفضل وعباس وإسماعيل وابن ذكوان وخلف ﴿ يرضه ﴾ باختلاس ضمة الهاء: يزيد وسهل ويعقوب ونافع وعاصم غير يحيى وحماد والمفضل وحمزة وهشام وابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان.
الباقون ﴿ يرضه ﴾ بسكون الهاء ﴿ ليضل ﴾ بفتح الياء: ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب.
الباقون: بالضم ﴿ أمن هو ﴾ بتخفيف المميم: نافع وابن كثير وحمزة وأبو زيد ﴿ يا عبادي الذين ﴾ بفتح الياء: الشموني والبرجمي والوقف بالياء ﴿ إني أمرت ﴾ ﴿ فبشر عبادي ﴾ بفتح المتكلم فيهما: شجاع وأبو شعيب وعباس والشموني والبرجمي والوقف بالياء ﴿ إني أخاف ﴾ بالفتح: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو.
﴿ سالماً ﴾ بالألف: ابن كثير وأبو عمرو.
والآخرون: بفتح السين واللام من غير ألف.
الوقوف: ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ له الدين ﴾ ه ط ﴿ الخالص ﴾ ط ﴿ أولياء ﴾ ه التقدير يقولون ولو وصل لأوهم أن ما نعبدهم أخبار من الله قاله السجاوندي.
وعندي أن هذا وهم بعيد والأولى أن لا يوقف لئلا يفصل بين المبتدأ وخبره ﴿ زلفى ﴾ ج لاحتمال أن خبر المبتدأ هو ما بعده ﴿ يختلفون ﴾ ه ط ﴿ كفار ﴾ ه ﴿ ما يشاء ﴾ ز لتعجيل التنزيه { } ط ﴿ القهار ﴾ ه ز ﴿ بالحق ﴾ ج لاحتمال كون ما بعده حالاً والاستئناف أفضل ﴿ والقمر ﴾ ط ﴿ مسمى ﴾ ط ﴿ الغفار ﴾ ه ﴿ أزواج ﴾ ط ﴿ ثلاث ﴾ ط ﴿ الملك ﴾ ط ﴿ تصرفون ﴾ ه ﴿ الكفر ﴾ ج لعطف جملتي الشرط مع وقوع العارض ﴿ لكم ﴾ ط ﴿ أخرى ﴾ ط لأن "ثم" لترتيب الأخبار ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ الصدور ﴾ ه ﴿ سبيله ﴾ ط ﴿ قليلاً ﴾ ز ص والأولى والوصل أو التقدير فإنك ﴿ النار ﴾ ه ﴿ رحمة ربه ﴾ ه ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ الألباب ﴾ ه ﴿ ربكم ﴾ ط ﴿ حسنة ﴾ ط ﴿ واسعة ﴾ ط ﴿ حساب ﴾ ه ﴿ له الدين ﴾ ه ط ﴿ المسلمين ﴾ ه ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ ديني ﴾ ه لا ﴿ دونه ﴾ ط ﴿ يوم القيامة ﴾ ط ﴿ المبين ﴾ ه ﴿ ومن تحتهم ظلل ﴾ ط ﴿ عباده ﴾ ط ﴿ فاتقون ﴾ ه ﴿ البشرى ﴾ ج لانقطاع النظم مع فاء التعقيب ﴿ عباد ﴾ ه لا ﴿ أحسنه ﴾ ط ﴿ الألباب ﴾ ه ﴿ العذاب ﴾ ه ﴿ في النار ﴾ ه ج للآية مع الاستدراك مبنية لا لأن ما بعده وصف ﴿ الأنهار ﴾ ط ﴿ وعد الله ﴾ ط ﴿ الميعاد ﴾ ه ﴿ حطاماً ﴾ ط ﴿ الألباب ﴾ ه ﴿ من ربه ﴾ ط لحذف جواب الاستفهام من ﴿ ذكر الله ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ ربهم ﴾ ج لأن الجملة ليست من صفة الكتاب مع العطف ﴿ ذكر الله ﴾ ط ﴿ من يشاء ﴾ ط ﴿ هاد ﴾ ه ﴿ يوم القيامة ﴾ ط لحق الحذف كما مر ﴿ تكسبون ﴾ ه ﴿ لا يشعرون ﴾ ه ﴿ الدنيا ﴾ ج للام الابتداء مع العطف ﴿ أكبر ﴾ ه ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ يتذكرون ﴾ ه ج لاحتمال كون ﴿ قرآنا ﴾ نصباً على المدح أو على الحال المؤكدة كما يجيء ﴿ يتقون ﴾ ه ﴿ متشاكسون ﴾ ه ﴿ لرجل ﴾ ط ﴿ مثلاً ﴾ ط ﴿ الله ﴾ ج للإضراب مع اتفاق الجملتين ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ ميتون ﴾ ه ﴿ تحتصمون ﴾ ه.
التفسير: ﴿ تنزيل الكتاب ﴾ مبتدأ وخبره ﴿ من الله ﴾ وقيل: اصله هذا تنزيل الكتاب والجار صلة، والأولى أقوى لأن الإِضمار خلاف الأصل، ولأنه يلزم مجاز وهو كون التنزيل بمعنى المنزل فإن هذا إشارة إلى القرآن أو إلى جزء منه وهو هذه السورة.
وفيه إبطال ما يقوله المشركون من أن محمداً يقوله من تلقاء نفسه.
وفي قوله ﴿ من الله ﴾ إشارة إلى الذات المستحق للعبادة والطاعة كقولك: هذا كتاب من فلان.
تعظم به شأن الكتاب: وفي قوله ﴿ العزيز ﴾ إشارة إلى أن هذا الكتاب يحق قبوله فكتاب العزيز عزيز، وفيه أنه غني عن إرسال الكتاب والاستكمال به وإنما ينتفع به المرسل إليهم.
وفي قوله ﴿ الحكيم ﴾ إشارة إلى أنه مشتمل على الفوائد الدينية والدنيوية لا على العبث والباطل.
وقوله ﴿ إنا أنزلنا إليك ﴾ ليس تكراراً من وجهين: أحدهما أن التنزيل للتدريج والإنزال دفعي كما مر مراراً.
والثاني أن الأول كعنوان الكتاب، والثاني يقرر ما في الكتاب.
وقوله ﴿ بالحق ﴾ يعني أن كل ما أودعنا فيه من إثبات التوحيد والنبوة والمعاد وأنواع التكاليف فهو حق وصدق مؤيد بالبرهان العقلي وهو مطابقته للعقول الصحيحة، وبالدليل الحسي وهو أن الفصحاء عجزوا عن معارضته.
ثم اشتغل ببيان بعض ما فيه من الحق وهو الإقبال على عبادته بالإخلاص والالتفات عما سواه بالكلية.
أما الأول فهو قوله ﴿ فاعبد الله ﴾ أي أنت أو أمتك ﴿ مخلصاًً له الدين ﴾ وآية الإخلاص أن يكون الداعي إلى العبادة هو مجرد الأمر لا طلب مرغوب أو هرب مكروه.
وأما الثاني فذلك قوله ﴿ الا لله الدين الخالص ﴾ أي واجب اختصاصه بالطاعة من غير أن يشوب ذلك دعاء أو شرك ظاهر وخفي.
وخصصه قتادة فقال: الدين الخالص شهادة أن لا إله إلا الله.
وحين حث على التوحيد والإخلاص ذم طريقة الشرك والتقليد فقال ﴿ والذين اتخذوا ﴾ الضمير للمشركين ولكن الموصول يحتمل أن يكون عبارة عن المشركين والخبر ما أضمر من القول، أو قوله ﴿ إن الله يحكم بينهم ﴾ والقول المضمر حال أو بدل فلا يكون له محل كالمبدل، وأن يكون عبارة عن الشركاء والخبر ﴿ إن الله يحكم بينهم ﴾ والقول المضمر للحال أو بدل.
وتقدير الكلام على الأول: والمشركون الذين اتخذوا من دونه أولياء ويقولون ما نعبدهم إلا ليقربونا أو المشركون الذين اتخذوا من دونه أولياء قائلين أو يقولون ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى إن الله يحكم بينهم.
وعلى الثاني: والشركاء الذين اتخذهم المشركون أولياء قائلين أو يقولون كذا إن الله يحكم بينهم.
وإذا عرفت التقادير فنقول: المراد بالأولياء ههنا الملائكة وعيسى واللات والعزى.
قال ابن عباس: كانوا يرجون شفاعتهم وتقريبهم إلى الله أما الملائكة وعيسى فظاهر، وأما الأصنام فلأنهم اعتقدوا أنها تماثيل الكواكب والأرواح السماوية أو الصالحين.
ومعنى حكم الله بينهم أنه يدخل الملائكة وعيسى الجنة، ويدخلهم مع الأصنام النار.
واختلافهم أن الملائكة وعيسى موحدون وهم مشركون والأصنام يكفرون يوم القيامة بشركهم وهم يرجون نفعهم وشفاعتهم.
ويجوز أن يرجع الضمير في ﴿ بينهم ﴾ إلى الفريقين المؤمن والمشرك.
ولا يخفى ما في الآية من التهديد.
ثم سجل عليهم بالخذلان والحرمان فقال ﴿ إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار ﴾ فكذبهم هو زعمهم شفاعة الأصنام وكفرانهم أنهم تركوا عبادة المنعم الحق وأقبلوا على عبادة من لا يملك لهم ضراً ولا نفعاً.
ومن جملة كذبهم قولهم الملائكة بنات الله فلذلك نعبد صورها فاحتج على إبطال معتقدهم بقوله ﴿ لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشاء ﴾ وهو الأفضل يعني البنين لا الأنقص وهن البنات.
وقال جار الله: معناه لو أراد اتخاذ الولد لم يزد على ما فعل من اصطفاء ما شاء من خلقه وهم الملائكة، لأن اتخاذ الولد ممتنع، وفيه توبيخ لهم على أنهم حسبوا الاصطفاء اتخاذ الأولاد بل البنات.
وأقول: إنه أراد إبطال قولهم بطريق برهان وهو صورة قياس استثنائي كقوله ﴿ لو اراد الله أن يتخذ ولداً لاصطفى ﴾ لأجل الاتخاذ مما يخلق ما يشاء لكنه ما اصطفى ينتج أنه لم يرد أما الشرطية فظاهرة بعد تسليم كمال قدرته، وأما الثانية فأشار إليها بقوله { هو الله الواحد القهار} فقوله { } إشارة إلى استحالة اصطفائه شيئاً لأجل اتخاذ الولد.
وقوله ﴿ هو الله الواحد القهار ﴾ إشارة إلى البرهان على استحالة ذلك وتقريره من ثلاثة أوجه: الأول أنه هو الله وهو اسم للمعبود الواجب الذات الجامع لجميع نعوت الجمال والجلال واتخاذ الولد يدل على الحاجة والفقر حتى يقوم الولد بعده مقامه، أو على الاستئناس والالتذاذ بوجوده أو لغير ذلك من الأغرض، وكل ذلك ينافي الوجوب الذاتي والاستغناء المطلق.
الثاني أنه هو الواحد الحقيقي كما مر ذكره مراراً.
والولد إنما يحصل من جزء من أجزاء الوالد، ومن شرطه أن يكون مماثلاً لوالده في تمام الماهية حتى تكون حقيقة الوالد حقيقة نوعية محمولة على شخصين، ويكون تعين كل منهما معلوماً لسبب منفصل وكل ذلك ينافي التعين الذاتي والوحدة المطلقة.
وأيضاً إن حصول الولد من الزوج يتوقف على الزوجة عادة وهي لا بد أن تكون من جنس الزوج فلا يكون الزوج مما ينحصر نوعه في شخصه.
الثالث أنه هو القهار والمحتاج إلى الولد هو الذي يموت فيقوم الولد مقامه والميت مقهور لا قاهر، فثبت بهذه الدلائل أنه ما اصطفى شيئاً لأن يتخذه ولداً فصح أنه لم يرد ذلك، ونفي إرادة الاتخاذ أبلغ من نفي الاتخاذ فقد يراد ولا يتخذ لمانع كعجزه ونحوه.
هذا ما وصل إليه فهمي في تفسير هذه الآية والله أعلم بأسرار كلامه.
وحين طعن في إلهية الأصنام عدد الصفات التي بها يستدل على الإلهية الحقة وهي أصناف: أولها قوله ﴿ خلق السموات والأرض بالحق ﴾ أي متلبساً بالغاية الصحيحة وقد مر مراراً.
الثاني.
﴿ يكوّر الليل على النهار ﴾ والتكوير اللف واللي يقال كار العمامة على رأسه وكورها.
وفي التشبيه أوجه منها: أن الليل والنهار متعاقبان إذا غشي أحدهما مكان الآخر فكأنما ألبسه ولف عليه.
ومنها أنه شبه كل منهما إذا غيب صاحبه بشيء ظاهر لف عليه ما غيبه عن الأبصار.
ومنها أن كلاً منهما يكر على الآخر كروراً متتابعاً أكوار العمامة.
وقيل: أراد أنه يزيد في كل واحد منهما بقدر ما ينقص من الآخر من قوله "نعوذ بالله من الحور بعد الكور" أي من الإدبار بعد الإقبال.
الثالث ﴿ وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى ﴾ وقد مر مثله في "فاطر" وغيره.
وحيث كان الأجل المسمى شاملاً للقيامة عقبه بقوله ﴿ الا هو العزيز الغفار ﴾ وفيه ترهيب مع ترغيب.
الرابع والخامس قوله ﴿ خلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها ﴾ وهما آيتان أوّلهما تشعيب الخلق الفائت للحصر من نفس آدم، والثانية خلق حوّاء من ضلعه.
ومعنى "ثم" ترتيب الأخبار لأن الأولى عادة مستمرة دون الثانية إذ لم يخلق أنثى غير حوّاء من قصيري رجل فكانت أدخل في كونها آية وأجلب لعجب السامع.
وقيل: هو متعلق بواحدة في المعنى كأنه قيل: خلقكم من نفس واحدة ثم شفعها الله بزوج منها.
وقيل: إنه خلق آدم وأخرج ذريته من ظهره ثم ردهم إلى مكانهم، ثم خلق بعد ذلك حوّاء.
وقيل: "ثم" قد يأتي مع الجملة دالاً على التقدّم كقوله { ﴿ ثم اهتدى ﴾ ﴿ ثم كان من الذين آمنوا ﴾ وكقوله "فليكفر عن يمينه ثم ليفعل الذي هو خير" السادس قوله ﴿ وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج ﴾ أما الأزواج فهي المذكورة في سورة الأنعم من الضأن اثنين الذكر والأنثى، ومن المعز اثنين، ومن الإبل اثنين، ومن البقر اثنين.
وأما وصفها بالإنزال فقيل: أنزلها من الجنة.
وقيل: أراد إنزال ما هو سبب في وجودها وهو المطر الذي به قوام النبات الذي به يعيش الحيوان.
وقيل: أنزل بمعنى قضى وقسم لأن قضاياه وقسمه مكتوبة في اللوح ومن هناك ينزل.
وفي هذه العبارة نوع فخامة وتعظيم لإفادتها معنى الرفعة والاعتلاء ولهذا يقال: رفعت القضية إلى الأمير وإن كان الأمير في سرب.
وخصت هذه الأزواج بالذكر لكثرة منافعها من اللبن واللحم والجلد والشعر والوبر والركوب والحمل والحرث وغير ذلك.
السابع قوله ﴿ يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقاً من بعد خلق ﴾ والمقصود ذكر تخليق الحيوان على الإطلاق بعد ذكر تخليق الإنسان والأنعام، إلا أنه غلب أولي العقل لشرفهم.
ويحتمل أن يكون ذكر الإنعام اعتراضاً حسن موقعه ذكر الأزواج بعد قوله ﴿ جعل منها زوجها ﴾ ليعلم أن كل حيوان ذو زوج وترتيب التخليق مذكور مراراً كقوله ﴿ ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ﴾ \[المؤمنون: 12\] إلى قوله ﴿ أحسن الخالقين ﴾ \[المؤمنون: 14\] والظلمات الثلاث: البطن والرحم والمشيمة، أو الصلب والرحم والبطن.
﴿ ذلكم ﴾ الذي هذه أفعاله ﴿ ربكم له الملك ﴾ وقد مر إعرابه في "فاطر".
﴿ لا إله إلا هو ﴾ إذ لا موصوف بهذه الصفات إلا هو ﴿ فأنى تصرفون ﴾ أي كيف يعدل بكم عن طريق الحق بعد هذا البيان؟
ثم بين أنه غني عن طاعات المطيعين وأنها لا تفيد إلا أنفسهم فقال ﴿ وإن تكفروا فإن الله غنيّ عنكم ﴾ قال المعتزلة: في قوله ﴿ ولا يرضى لعباده الكفر ﴾ دليل على أن الكفر ليس بقضائه وإلا لكان راضياً به.
وأجاب الأشاعرة بأنه قد علم من اصطلاح القرآن أن العباد المضاف إلى الله أو إلى ضميره هم المؤمنون.
قال { ﴿ وعباد الرحمن الذين يمشون ﴾ ﴿ عيناً يشرب بها عباد الله ﴾ فمعنى الآية: ولا يرضى لعباده المخلصين الكفر.
وهذا مما لا نزاع فيه.
أو نقول: سلمنا أن كفر الكافر ليس برضا الله بمعنى أنه لا يمدحه عليه ولا يترك اللوم والاعتراض إلا أنا ندعي أنه بإرادته، وليس في الآية دليل على إبطاله.
ثم بين غاية كرمه بقوله: ﴿ وإن تشكروا يرضه لكم ﴾ والسبب في كلا الحكمين ما جاء في الحديث القدسي "سبقت رحمتي غضبي" وباقي الآية مذكور مراراً مع وضوحه.
ثم حكى نهاية ضعف الإنسان وتناقض آرائه بقوله ﴿ وإذا مس ﴾ إلى آخره.
وقد مر نظيره أيضاً.
وقيل: إن الإنسان هو الكافر الذي تقدّم ذكره.
وقيل: أريد أقوام معينون كعتبة بن ربيعة وغيره.
ومعنى خوّله أعطاه لا لاستجرار العوض.
قال جار الله: في حقيقته وجهان: أحدهما جعله خائل مال من قولهم هو خائل مال وخال مال إذا كان متعهداً له حسن القيام به.
ومنه ما روي أن النبي كان يتخوّل أصحابه بالموعظة أي يتعهد ويتكفل أحوالهم إن رأى منهم نشاطاً في الوعظ وعظهم.
والثاني أنه جعله يخول أي يفتخر كما قيل: إن الغني طويل الذيل مياس *** ومعنى ﴿ نسي ما كان يدعو إليه ﴾ نسي الضر الذي كان يدعو الله إلى كشفه، أو نسي ربه الذي كان يتضرع إليه و "ما" بمعنى "من".
والمراد أنه نسي أن لا مفزع ولا إله سواه وعاد إلى اتخاذ الأنداد مع الله.
واللام في ﴿ ليضل ﴾ لام العاقبة.
ثم هدّده بقوله ﴿ تمتع بكفرك ﴾ كقوله ﴿ اعملوا ما شئتم ﴾ وفيه أن الكافر لا يتمتع بالدنيا إلا قليلاً ثم يؤل إلى النار.
ثم أردفه بشرح حال المحقين الذين لا رجوع لهم إلا إلى الله ولا اعتماد لهم إلا على فضله فقال ﴿ أمن هو قانت ﴾ قال ابن عباس: القنوت الطاعة.
وقال ابن عمر: لا أعلم القنوت إلا قراءة القرآن وطول القيام.
والمشهور أنه الدعاء في الصلاة والقيام بما يجب عليه من الطاعة.
وعن قتادة ﴿ آناء الليل ﴾ أوّله ووسطه وآخره.
وفيه تنبيه على فضل قيام الليل ولا يخفى أنه كذلك لبعده عن الرياء ولمزيد الحضور وفراغ الحواس من الشواغل الخارجية، ولأن الليل وقت الراحة فالعبادة فيه أشق على النفس فيكون ثوابه أكثر.
والواو في قوله ﴿ ساجداً وقائماً ﴾ للجمع بين الصفتين.
وفي قوله ﴿ يحذر الآخرة ﴾ أي عذابها ﴿ ويرجو رحمة ربه ﴾ إشارة إلى أن العابد يتقلب بين طوري القهر واللطف، ويتردّد بين حالي القبض والبسط ولا يخفى أن في الكلام حذفاً فمن قرأ ﴿ أمن ﴾ بالتخفيف فالخبر محذوف والمعنى أمن هو مطيع كغيره، وإنما حذف لدلالة الكلام عليه وهو جري ذكر الكافر قبله وبيان عدم الاستواء بين العالم والجاهل بعده.
ومن قرأ بالتشديد فالمحذوف جملة استفهامية والمذكور معطوف على المبتدأ والمعنى: هذا أفضل أمن هو قانت.
وقيل: الهمزة على قراءة التخفيف للنداء كما تقول: فلان لا يصلي ولا يصوم فيا من تصلي وتصوم أبشر.
وقيل: المنادي هو رسول الله بدليل قوله ﴿ قل هل يستوي الذين يعلمون ﴾ الآية.
قال جار الله: أراد بالذين يعلمون الذين سبق ذكرهم وهم القانتون فكأنه جعل من لا يعمل غير عالم.
وفيه ازدراء عظيم بالذين يقتنون العلوم ثم لا يقنتون فيها ثم يفتنون بالدنيا.
ويجوز أن يراد على وجه التشبيه أي كما لا يستوي العالمون والجاهلون كذلك لا يستوي القانتون والعاصون.
قيل نزلت في عمار بن ياسر وأمثاله، والظاهر العموم.
وفي قوله ﴿ إنما يتذكر أولو الألباب ﴾ إشارة إلى أن هذا التفات العظيم بين العالم والجاهل لا يعرفه إلا أرباب العقول كما قيل: إنما نعرف ذا الفضل من الناس ذووه *** وقيل لبعض العلماء: إنكم تزعمون أن العلم أفضل من المال ونحن نرى العلماء مجتمعين على أبواب الملوك دون العكس؟
فأجاب بأن هذا أيضاً من فضيلة العلم لأن العلماء علموا ما في المال من المنافع فطلبوه، والجهال لم يعرفوا ما في العلم من المنافع فتركوه.
وحين بين عدم الاستواء بين من يعلم وبين من لا يعلم أمر نبيه أن يخاطب المؤمنين بأنواع من الكلام.
النوع الأوّل.
﴿ قل يا عبادي الذين آمنوا اتقوا ربكم ﴾ قال أهل السنة: أمر المؤمنين أن يضموا إلى الإيمان التقوى، وفيه دلالة على أن الإيمان يبقى مع المعصية.
وقالت المعتزلة: أمرهم بالتقوى لكيلا يحبطوا إيمانهم بارتكاب الكبائر بل يزيدوا في الإيمان حتى يتصفوا بصفة الاتقاء.
ثم بين للمؤمنين فائدة الاتقاء قائلاً ﴿ للذين أحسنوا ﴾ الآية.
وقوله ﴿ في هذه الدنيا ﴾ إما أن يكون صلة لما قبله أو صلة لما بعده وهو قول السدي.
ومعناه على الأوّل: الذين أحسنوا في هذه الدنيا لهم حسنة في الآخرة وهي الجنة.
والتنكير للتعظيم أي حسنة لا يصل العقل إلى كنهها.
وعلى الثاني: الذين أحسنوا فلهم في هذه الدنيا حسنة.
قال جار الله: فالظرف بيان لمكان الحسنة.
ويحتمل أن يقال: إنه نصب على الحال لأنه نعت للنكرة قدّم عليها.
والقائلون بهذا القول فسروا الحسنة بالصحة والعافية وضم بعضهم إليها الأمن والكفاية.
ورجح الأوّل بأن هذه الأمور قد تحصل للكفار على الوجه الأتم فكيف تجعل جزاء للمؤمن المتقي.
وقيل: هي الثناء الجميل.
وقيل: الظفر والغنيمة.
وقيل: نور القلب وبهاء الوجه.
وفي قوله ﴿ وأرض الله واسعة ﴾ إشارة إلى أن أسباب التقوى إن لم تتيسر في أرض وجبت الهجرة إلى أرض يتيسر ذلك فيها فيكون كقوله { ﴿ ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها ﴾ وعن أبي مسلم: هي أرض الجنة لأنه حين بين أن المتقي له الجنة وصف أرض الجنة بالسعة ترغيباً فيها كما قال ﴿ نتبوّأ من الجنة حيث نشاء ﴾ ﴿ إنما يوفّى الصابرون ﴾ على مفارقة الأوطان وتجرّع الغصص واحتمال البلايا في طاعة الله وتكاليفه ﴿ أجرهم بغير حساب ﴾ أي لا يحاسبون أو بغير حصر.
قال جار الله: عن النبي "ينصب الله الموازين يوم القيامة فيؤتى بأهل الصلاة فيوفون أجورهم بالموازين ويؤتى بأهل الحج فيوفون أجورهم بالموازين ويؤتى بأهل البلاء فلا ينصب لهم ميزان ولا ينشر لهم ديوان ويصب عليهم الأجر صباً" ثم تلا الآية وقال: حتى يتمنى أهل العافية في الدنيا أن أجسادهم تقرض بالمقاريض مما يذهب به أهل البلاء من الفضل.
النوع الثاني ﴿ قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصاً له الدين ﴾ قال مقاتل: إن كفار قريش قالوا للنبي : ما يحملك على هذا الدين الذي أتيتنا به؟
ألا تنظر إلى ملة أبيك وجدّك وسادة قومك يعبدون اللات والعزى؟
فأنزل الله هذه الآية.
وكأنه إشارة إلى الأمر المذكور في أوّل السورة ﴿ فاعبد الله مخلصاً له الدين ﴾ وقوله ﴿ وأمرت لأن أكون ﴾ ليس بتكرار لأن اللام للعلة والمأمور به محذوف يدل عليه ما قبله والمعنى: أمرت بإخلاص الدين وأمرت بذلك لأجل أن أكون أوّل المسلمين أي مقدّمهم وسابقهم في الدارين فنقول: فائدة التكرار أن ذكر التعليل مع نوع تأكيد.
وقيل: اللام بدل من الباء أي أمرت بأن أكون أول من دعا نفسه إلى ما دعا إليه غيره ليصح الاقتداء بي في قولي وفعلي.
ولعل الإخلاص إشارة إلى عمل القلب والإسلام إلى عمل الجوارح، فإن النبي فسر الإسلام في خبر جبريل بالأعمال الظاهرة، وفيه أنه ليس مثل الملوك الجبابرة الذين يأمرون الناس بأشياء وهم لا يفعلونها بل له سابقة في كل ما يأمر به وينهى عنه.
وحين بين أن الله أمره بإخلاص القلب وبأعمال الجوارح وكان الأمر يحتمل الوجوب والندب بين أن ذلك الأمر للوجوب فقال ﴿ قل إني أخاف ﴾ الآية.
وذلك أن خوف العقاب لا يترتب إلا على ترك الواجب، وإذا كان النبيّ مع جلالة قدره خائفاً من العصيان فغيره أولى.
قيل: المراد به أمته.
وقيل: نزلت قبل أن يغفر الله له.
وقالت الأشاعرة: فيه دليل على أن صاحب الكبيرة قد يعفى عنه لأنه بين أن اللازم عند حصول المعصية خوف العقاب لا نفس العقاب.
النوع الثالث ﴿ قل الله أعبد مخلصاً له ديني ﴾ وليس بتكرار لما قبله وذلك أن الأوّل للإخبار بأنه مأمور من جهة الله بالعبادة الخالصة عن الشرك الجلي والخفي، وهذا إخبار بأن الذي أمر به فإنه قد أتى به على أكمل الوجوه، ولهذا أخر الفعل وضم إلى مضمونه التهديد بقوله ﴿ فاعبدوا ما شئتم من دونه ﴾ النوع الرابع ﴿ قل أن الخاسرين ﴾ الكاملين في الخسران الجامعين لوجوهه هم ﴿ الذين خسروا أنفسهم ﴾ لوقوعها في هلكة الإخلاد بعذابها ﴿ و ﴾ خسروا ﴿ أهليهم ﴾ لأن أهلهم وأولادهم إن كانوا في النار فلا فائدة لهم منهم لأنهم محجوبون عنهم، أو لأن كلاً منهم مشغول بهمه وإن كانوا من أهل الجنة فما أبعد ما بينهم.
وقيل: أهلوهم الحور العين في الجنة لو آمنوا.
قال أهل البيان: في قوله ﴿ ألا ذلك هو الخسران المبين ﴾ تفظيع لشأنهم حيث استأنف الجملة وصدّرها بحرف التنبيه ووسط الفصل وعرف الخسران ووصفه بالمبين.
قلت: التحقيق فيه أن للإنسان قوّتين يستكمل بإحداهما علماً وبالأخرى عملاً.
والآلة الواسطة في القسم الأول هي العلوم المسماة بالبديهيات وترتيبها على الوجه المؤدّي إلى النتائج وهو بمنزلة الربح يشبه تصرف التاجر في رأس المال بالبيع والشراء، والآلة في القسم العملي هي القوى البدنية وغيرها من الأسباب الخارجية المعينة عليها، واستعمال تلك القوى في وجوه أعمال البر التي هي بمنزلة الربح يشبه التجارة فكل من أعطاه الله العقل والصحة والتمكين.
ثم إنه لم يستفد منها معرف الحق ولا عمل الخير فإذا مات فقد فات ربحه وضاع رأس ماله ووقع في عذاب الجهل وألم البعد عن عالمه والقرب مما يضاده أبد الآباد، فلا خسران فوق هذا ولا حرمان أبين منه وقد أشار إلى هذا بقوله ﴿ لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل ﴾ أي أطباق من النار من ظلل الآخرين فإن لجهنم دركات كما أن للجنة درجات.
وقال المفسرون: سمى النار ظلة بغلظها وكثافتها فصارت محيطة بهم من جميع الجوانب حائلة من النظر إلى شيء آخر.
قلت: إن كانوا في كرة النار فوجهه ظاهر ونظيره في الأحوال النفسانية إحاطة نار الجهل والحرص وسائر الأخلاق الذميمة بالإنسان وقد مرّ في قوله ﴿ لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش ﴾ ﴿ يوم يغشاهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم ﴾ وقيل: الظلة ما علا الإنسان فسمى ما تحتهم بالظلة إطلاقاً لأحد الضدين على الآخر، أو لأن التحتانية مشابهة للفوقانية في الحرارة والإحراق و ﴿ ذلك ﴾ العذاب المعد للكفار ﴿ يخوّف الله به عباده ﴾ المؤمنين وقد مر أن العباد في القرآن إذا كان مضافاً إلى ضمير الله اختص بأهل الإيمان عند أهل السنة.
وعندي أنه لا مانع من التعميم ههنا.
ثم عقب الوعيد بالوعد قائلاً ﴿ والذين اجتنبوا الطاغوت ﴾ وهو كل ما عبد من دون الله كما مر في آية الكرسي.
وقوله ﴿ أن يعبدوها ﴾ بدل اشتمال منه ﴿ وأنابوا إلى الله ﴾ رجعوا بالكلية إلى تحصيل رضاه، فالأول تخلية، والثاني تحلية، وحقيقة الإعراض عما سوى الله والإقبال على الله هي أن يعرف أنّ كل ما سواه فإنه ممكن الوجود لذاته فقير في نفسه وهو واجب الوجود لذاته غني على الإطلاق لا حكم إلا له ولا تدبير إلا به وبأمره.
﴿ لهم البشرى ﴾ أي هم مخصوصون بالبشارة المطلقة وهي الخبر الأول الصدق الموجب للسرور بزوال المكاره وحصول الأماني ووقتها الموت ﴿ الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ﴾ وعند دخول الجنة ﴿ والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم ﴾ وعند لقاء الله ﴿ تحيتهم يوم يلقونه سلام ﴾ وسماع هذه البشارات في الدنيا على ألسنة الرسل لا يخرجها عن كونها بشارة في هذه الأوقات لأنها في الأول عامة للمكلفين مبهمة فيهم ولا تتعين إلا في هذه الأحوال.
وقيل: هذه أنواع أخر من السعادات فوق ما عرفوها أو سمعوها نسأل الله الفوز بها.
قال ابن زيد: نزلت في ثلاثة نفر كانوا يقولون في الجاهلية لا إله إلا الله: زيد بن عمرو وأبو ذر الغفاري وسلمان الفارسي.
وعن ابن عباس أن أبا بكر آمن بالنبي فجاءه عثمان وعبد الرحمن وطلحة والزبير وسعد وسعيد فسألوه فأخبرهم بإيمانه فآمنوا فأنزل الله ﴿ فبشر عبادي الذين يستمعون القول ﴾ أي من أبي بكر ﴿ فيتبعون أحسنه ﴾ وهو لا إله إلا الله.
وقال أهل النظم: لما بين أن الذين اجتنبوا وأنابوا لهم البشرى وكان ذلك درجة عالية لا يصل إليها إلا الأقلون جعل الحكم أعم إظهاراً للرحمة فقال: كل من اختار الأحسن في كل باب كان من زمرة السعداء أهلاً للبشارة.
وقال جار الله: أراد بعباده الذين يستمعون القول الذين اجتنبوا وأنابوا لا غيرهم أي هم الذين ضموا هذه الخصلة إلى تلك، ولهذا وضع الظاهر في موضع المضمر.
وفي الآية دلالة على وجوب النظر والاستدلال وأنه إذا اعترض أمران واجب وندب، فالأولى اختيار الواجب.
وكذا الكلام في المباح والندب، فالأولى اختيار الواجب.
وكذا الكلام في المباح والندب كالقصاص والعفو وكل ما هو أحوط في الدين.
مثاله في الأصول القول بأن للعالم صانعاً حياً قديماً عليماً قادراً متصفاً بنعوت الجلال والإكرام وصفات الكمال والتمام، أولى وأحوط من إنكاره.
وكذا الإقرار بالبعث والجزاء أحوط من انكاره، وفي الفروع الصلاة المشتملة على القراءة والتشهد والتسليم وغيرها من الأركان والأبعاض المختلف فيها أجود من الصلاة الفارغة عنها أو عن بعضها.
وقال العارفون: يسمعون من النفس الدعوة إلى الشهوات، ومن الشيطان قول الباطل والغرور، ومن الملك الإلهامات، ومن الله ورسوله الدعاء إلى دار السلام، فيقبلون كلام الله ورسوله والخواطر الحسنة دون غيرها.
وعن ابن عباس: هو الرجل يجلس مع القوم فيستمع الحديث فيه محاسن ومساوٍ فيحدث بأحسن ما سمع ويكف عما سواه.
ومن الواقفين من يقف على قوله ﴿ فبشر عبادي ﴾ ويبتدئ ﴿ الذين يستمعون ﴾ وخبره ﴿ أولئك الذين هداهم ﴾ وهو إشارة إلى الفاعل ﴿ وأولئك هم أولو الألباب ﴾ إشارة إلى أن جواهر نفوسهم قابلة لفيض الهداية بخلاف من لم يكن له قابلية ذلك وهو قوله ﴿ أفمن حق عليه كلمة العذاب ﴾ قال جار الله: أصل الكلام أمن حق عليه كلمة العذاب فأنت تنقذه فهي جملة شرطية دخل عليها الهمزة للإنكار، وكررت الفاء الثانية للجزاء تأكيداً لمعنى الإنكار.
ووضع من في النار موضع الضمير تصريحاً بجزائهم، وأما الفاء الأولى فللعطف على محذوف يدل عليه سياق الكلام تقديره: أأنت مالك أمرهم؟
فمن حق إلى آخره.
وجوز أن يكون الكلام بعد المحذوف جملتين شرطية جزاؤها محذوف أيضاً ثم حملية والتقدير: أفمن حق عليه كلمة العذاب فأنت تخلصه أفأنت تنقذ من في النار؟
قلت: فالكلام على هذا التقدير يشتمل على أربع جمل: ثنتان بعد همزتي الإنكار محذوفتان والباقيتان ظاهرتان.
ومن زعم أن الفاء بعد الهمزة لمزيد الإنكار لا للعطف فمجموع الآية شرطية كما ذكرنا، أو هي مع حملية ثم صرح بجزاء المتقين فقال ﴿ لكن الذين اتقوا ربهم لهم غرف ﴾ وهو كالمقابل لما مر في وعيد الكفار ﴿ لهم من فوقهم ظلل ﴾ ومعنى قوله ﴿ مبنية ﴾ والله أعلم.
أنها بنيت بناء المنازل التي على الأرض وسوّيت تسويتها وجعلت متساوية في أسباب النزاهة من الأشجار والأنهار لا مثل أبنية الدنيا فان الفوقاني منها يكون أضعف من التحتاني وأخف، والتحتاني قد يجري من تحتها الأنهار، وأما الفوقاني فلا يمكن فهيا ذلك.
قال حكماء الإسلام: الغرف المبنية بعضها فوق بعض هي العلوم المكتسبة المبنية على الفطريات، وأنها تكون في المتانة واليقين كالعلوم الغريزية البديهية.
وحين وصف الآخرة بصفات توجب الرغبة فيها أراد أن يصف الدنيا بما يقتضي النفرة عنها فقدم لذلك مقدمة يستدل بها على حقية الصانع أيضاً فقال ﴿ ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه ﴾ أي أدخله في الأرض حال كون ذلك الماء ﴿ ينابيع ﴾ مثل الدم في العروق.
والينابيع جمع ينبوع وهو كل ماء يخرج من الأرض.
وقيل: هو الموضع الذي يخرج منه الماء كالعيون والآبار فينصب على الظرف.
وقوله ﴿ ثم يخرج ﴾ على لفظ المستقبل تصوير لتلك الحالة العجيبة الشأن وهي إخراج النبت المختلف الألوان والأصناف والخواص بسبب الماء المخالط للأرض ﴿ ثم يهيج ﴾ أي يتم جفافه.
قال الأصمعي: لأنه إذا تم جفافه جاز له أن يثور عن منابته ويذهب ﴿ ثم يجعله حطاماً ﴾ أي فتاتاً متكسراً ﴿ إن في ذلك ﴾ الذي ذكر من إنزال الماء وإخراج الزرع بسببه ﴿ لذكرى ﴾ لتذكيراً أو تنبيهاً على وجود الصانع ﴿ لأولي الألباب ﴾ وفيه أن الإنسان وإن طال عمره فلا بدّ له من الانتهاء إلى حالة اصفرار اللون وتحطم الأجزاء والأعضاء بل إلى الموت والفناء.
وإنما قال ههنا ﴿ ثم يجعله حطاماً ﴾ وفي الحديد ﴿ ثم يكون حطاماً ﴾ لأن الفعل هناك مسند إلى النبات وهو قوله ﴿ أعجب الكفار نباته ﴾ وههنا مسند إلى الله من قوله ﴿ أنزل ﴾ إلى آخره.
وحين بالغ في تقرير البيانات الدالة على وجوب الإقبال على طاعة الله والإعراض عن الدنيا الفانية بيّن أن ذلك البيان لا يكمل الانتفاع به إلا إذا شرح الله صدره ونور قلبه فقال ﴿ أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه ﴾ ولا يخفى ما في لفظه "على" من فائدة الاستعلاء والتمكن كما مر في قوله ﴿ أولئك على هدى ﴾ والخبر محذوف كما ذكرنا في قوله ﴿ أمن هو قانت ﴾ يعني هذا الشخص المنشرح الصدر كمن طبع الله على قلبه يدل عليه ما بعده ﴿ فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله ﴾ أي من أجل سماع القرآن.
وإنما عدى بـ "من" لأن قسوة القلب تدل على خلوه من فوائد القرآن ويجوز أن يكون "من" للتعليل وذلك أن جواهر النفوس مختلفة فبعضها تكون مشرقة بنور الله يزيدها نور القرآن بهاء وضياء، وبعضها تكون مظلمة كدرة لا ينعكس نور الذكر إليها ولا تظهر صور الحق فيها كالمرآة الصدئة.
ثم أكد وصف القرآن وكيفية تأثيره في النفوس بقوله ﴿ الله نزل أحسن الحديث ﴾ عن ابن عباس وابن مسعود أن أصحاب رسول الله ملوا ملة فقالوا له: حدثنا، فنزلت الآية.
والحديث كلام يتضمن الخبر عن حال متقدمة ووصفه بالحدوث من حيث النزول لا ينافي قدمه من حيث إنه كلام نفسي.
ووجه كونه أحسن لفظاً ومعنى مما لا يخفى على ذي طبع فضلاً عن ذي لب.
وقوله ﴿ كتاباً ﴾ بدل من أحسن أو حال موطئة.
ومعنى ﴿ متشابهاً ﴾ أنه يشبه بعضه بعضاً في الإعجاز اللفظي والمعنوي والنظم الأنيق والأسلوب العجيب والاشتمال على الغيوب وعلى أصول العلوم كما مر في أوّل "البقرة" في تفسير قوله ﴿ وإن كنتم في ريب ﴾ وقيل: هو من قوله ﴿ وأخر متشابهات ﴾ فيكون صفة لبعض القرآن.
وقيل: يشبه اللفظ اللفظ والمعنى مختلف.
وقوله ﴿ مثاني ﴾ جميع مثنى ومثنى بمعنى مكرر لما ثنى من قصصه وأحكامه ومواعظه، أو لأنه يثني في التلاوة فلا يورث ملالاً كقوله "ولا يخلق على كثرة الرد" وقيل: المثاني لآي القرآن كالقوافي للشعر.
وقد مر بعض هذه الأقوال في مقدمات الكتاب وفي سورة الحجر في قوله ﴿ ولقد آتيناك سبعاً من المثاني ﴾ ومعنى اقشعرار الجلد تقبضه.
قال جار الله: تركيبه من حروف القشع وهو الأديم اليابس مضموماً إليها الراء ليصير رباعياً دالاً على معنى زائد، وهو تمثيل لشدة الخوف أو حقيقة سببه الخوف.
قال المفسرون: أراد أنهم عند سماع آيات العذاب يخافون فتقشعر جلودهم وعند سماع آيات الرحمة والإحسان أو تذكرهم لرأفته وأن رحمته سبقت غضبه تلين جلودهم وقلوبهم.
ومعنى "إلى" في قوله ﴿ إلى ذكر الله ﴾ هو أنه ضمن لأن معنى سكن واطمأن.
وقال العارفون: إذا نظروا إلى عالم الجلال طاشوا وإن راح لهم أثر من عالم الجمال عاشوا.
وقال أهل البرهان: إذا اعتبر العقل موجوداً لا أول له ولا آخر لا حين ولا جهة وقع في بادية التحير والهيبة، وإذا اعتبر الدلائل القاطعة على وجود موجود واجب لذاته واحد في صفاته وأفعاله اطمأن قلبه إليه.
قال جار الله: إنما ذكرت الجلود أوّلاً وحدها لأن الخشية تدل على القلوب لأنها محل الخشية فكأنه قيل: تقشعر جلودهم بعد خشية قلوبهم، ثم إذا ذكروا الله ومبنى أمره على الرأفة والرحمة استبدلوا بالخشية رجاء في قلوبهم وبالقشعريرة ليناً في جلودهم.
ويحتمل أن يقال: المكاشفة في مقام الرجاء أكمل منها في مقام الخوف، ومحل المكاشفات هو القلب، فلذلك اختص ذكر القلب بجانب الرجاء.
ثم أشار إلى الكتاب المذكور بقوله ﴿ ذلك هدى الله ﴾ كقوله ﴿ هدى للمتقين ﴾ .
ثم بين أن القاسية قلوبهم حالين: أما في الدنيا فالضلال العام وهو قوله ﴿ ومن يضلل الله فما له من هاد ﴾ وأما في الآخرة فقوله ﴿ أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب ﴾ أي شدّته والخبر محذوف وهو كمن أمن العذاب واتقاء العذاب بوجهه إما حقيقة بأن تكون يداه مغلولة إلى عنقه فلا يتهيأ له أن يتقي النار إلا بوجهه، وإما أن يكون كناية عن عجزه عن الإتقاء وذلك أن الإنسان إذا وقع في نوع من العذاب فإنه يجعل يديه وقاية لوجهه الذي هو أشرف الأعضاء، فكأنه قيل: لا يقدرون على الإتقاء إلا بالوجه، والاتقاء بالوجه غير ممكن فلا اتقاء أصلاً ﴿ وقيل للظالمين ﴾ القائلون هم خزنة النار.
قوله ﴿ كذب الذين من قبلهم ﴾ تصوير لحال أمثالهم من الأمم الخالية بيناهم آمنون إذ أخذهم العذاب والخزي في الدنيا كالمسخ والقتل ونحوهما.
ثم بين بقوله ﴿ ولقد ضربنا ﴾ إلى آخر الآيتين أن هذه البيانات بلغت في الكمال إلى حيث لا مزيد عليه.
ثم ضرب من أمثال القرآن مثلاً لقبح طريقة أهل الشرك وهو رجل من المماليك قد اشترك ﴿ فيه شركاء متشاكسون ﴾ أي كلهم يسيء خلقه في استخدامه أو هم مختلفون في ذلك يأمره هذا بشيء وينهاه الآخر عن ذلك الشيء بعينه.
والشكاسة سوء الخلق والاختلاف.
﴿ ورجلاً سالماً لرجل ﴾ أي خالصاً من الشرك.
ومن قرأ بغير ألف فعلى حذف المضاف أي ذا سلامة وذا خلوص من الشركة.
وقال جار الله: وإنما جعله رجلاً ليكون أفطن لما شقي به أو سعد فان المرأة والصبي قد يغفلان عن ذلك.
قلت: لا ريب أن الرجل أصل في كل باب فجعله مضرب المثل أولى نظيره ﴿ وضرب الله مثلاً رجلين أحدهما أبكم ﴾ ثم استفهم على سبيل الإنكار بقوله ﴿ هل يستويان مثلاً ﴾ وهو تمييز أي هل يستوي حالاهما وصفتاهما.
واقتصر في التمييز على الواحد لقصد الجنس والمراد تجهيل من يجعل المعبود متعدداً، فليس رضا واحد كطلب رضا جماعة مختلفين.
وحاصله يرجع إلى دليل التمانع كما مرّ في قوله ﴿ لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا ﴾ وقال أهل العرفان: الشركاء المتشاكسون تجاذب شغل الدنيا وشغل العيال وغير ذلك من الأشغال، فأين ذلك الرجل ممن ليس له في الدنيا نصيب ولا له في الخلق نسيب وهو عن الآخرة غريب وإلى الله قريب.
قوله ﴿ الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون ﴾ كما مرّ في "لقمان" قوله ﴿ إنك ميت ﴾ وجه النظم أنه كأنه قال إن هؤلاء الأقوام إن لم يلتفتوا إلى هذه الدلائل القاهرة بسبب استيلاء الحرص والحسد عليهم في الدنيا، فلا تبال يا محمد بهذا فإنك ستموت وهم أيضاً يؤلون إلى الموت فلو أنهم يتربصون بك الموت فإن الموت يعم الكل فلا معنى لشماتة المرء بعد وفاة صاحبه ﴿ ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون ﴾ تحتج عليهم بأنك قد بلغت وهم يعتذرون بما لا طائل تحته، وقد يخاصم الكفار بعضهم بعضاً حتى يقال لهم ﴿ لا تختصموا لديّ ﴾ وقد يقع الاختصام بين أهل الملة في الدماء والمظالم التي بينهم والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ أَلَمْ تَرَ ﴾ ونحوه [يخرج] على وجهين: أحدهما: على الخبر ﴿ أَلَمْ تَرَ ﴾ أي: قد رأيت.
والثاني على الأمر: أن ره.
ثم الخطاب، وإن كان في الظاهر لرسول الله فهو لكل أحد يحتمل النظر والتأمل، ثم جهة الحكمة المودعة فيها ما ذكر من إنزال الماء من السماء، وجعله ينابيع في الأرض، والينابيع هي العيون التي تخرج من الأرض، والآبار التي جعلت فيها؛ ليعلم أنّ المياة الخارجة من الأرض والجارية فيها أصلها من السماء، منزلة منها، وهي طهور؛ على ما أخبر أنه أنزله طهوراً، وإن اختلف طبعه لاختلاف جواهر الأرض ما لم يخالطه شيء من جواهر الأرض من القذر والنجاسة وغيرها من الألوان التي تخرجه عن أن يكون طهوراً وتغيره عن جوهره الذي أنزل من السماء، ثم جعل الله - عز وجل - في سِرّية ذلك الماء معنى ولطفاً ما يوافق جميع الأشجار والنبات، وكل خارج من الأرض وإن اختلفت جواهرها وألوانها وطعمها؛ ليعلم أنّ من قدر على جعل ما جعل في الماء من اللطف، والمعنى الذي يوافق كل شيء من النبات والشجر وإن اختلفت جواهرها وألوانها وطعمها، لا يعجزه شيء، ولا يخفى عليه شيء، ولا قوة إلا بالله.
أو أن يقول: إن من تكلف زرع الزراعة في الأرض، ويتحمل المؤن العظام إلى أن بلغ المبلغ الذي ينتفع به وينال منه النفع فتركه لم ينتفع به؛ أليس يوصف بالسفه وبغير الحكمة، فكذلك الله - - لما أنشأكم صغاراً طفلا وغذاكم بألوان الأغذية والأطعمة حتى كبرتم وبلغتم مبلغ الانتفاع بكم، ثم أتلفكم بلا عاقبة تقصد في ذلك كان غير حكيم، وقد عرفتموه حكيماً؛ فدل أن المقصود في ذلك كله حتى يكون إنشاؤه إياكم صغاراً وتربيته إياكم بألوان الأغذية التي جعل لكم حكمة - هو البعث ما لولا ذلك كان سهفاً غير حكمة؛ على ما ذكر من إخراج الزرع من الأرض بالماء الذي أخرج، ثم تركه فيها حتى صار ياسباً لا ينتفع به كان سفيهاً غير حكيم، فعلى ذلك ما كان عند أولئك الكفرة أن لا بعث كان ما ذكر، والله أعلم.
وقوله - -: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ ﴾ أي: فيما يذكر من إنزال الماء من السماء وإدخاله في الأرض وإخراج ما ذكر منها به وما ذكر - موعظة لأولي الألباب؛ أي: لمن انتفع بلبه وعقله؛ لما ذكرنا، وما ذكر لأهل الجنة من الغرف وغير ذلك.
وقوله: ﴿ فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ أي: أدخله فيها وجعله ينابيع؛ أي: عيوناً.
وقوله: ﴿ ثُمَّ يَهِـيجُ ﴾ أي: ييبس.
وقوله: ﴿ ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَاماً ﴾ متكسراً مثل الرفات والفتات، وهو قول أبي عوسجة والقتبي، ويقال: هاجت الأرض: إذا ابتدأت في اليبس، حطاما، أي: متكسرا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِّن رَّبِّهِ ﴾ قيل: ﴿ شَرَحَ ٱللَّهُ ﴾ : وسع الله.
وقيل: رحب الله.
وقيل: لبى الله، ونحوه؛ وكله واحد.
ثم يحتمل قوله: ﴿ أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ ﴾ فيسلم ﴿ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِّن رَّبِّهِ ﴾ ، أي: يجعل الله في صدره النور؛ أي: يجعل إذا أسلم حتى يبصر الحق وحججه وبراهينه بصورة الحق أنه حق، والباطل أنه باطل، وأنه تمويه، يبصر كل شيء بذلك النور على ما هو حقيقة أنه حق وباطل، فيأخذ الحق ويعمل به، ويترك الباطل ويجتنبه، والله أعلم.
أو أن يكون قوله: ﴿ أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِّن رَّبِّهِ ﴾ ، يكون نوره هو إسلامه الذي هداه شرح صدره لنوره حتى أسلم، وهو ما روي في الخبر "أنّ رسول الله سئل أنه: هل ينشرح الصدر للإسلام؟
وكيف ينشرح؟
فقال نبي الله : إذا دخله النور انشرح لذلك الصدر، وانفسح له" ؛ أخبر أن النور إذا دخل الصدر انشرح لذلك الصدر، وانفسح له بذلك النور، والله أعلم.
وجائز - أيضاً - أن يكون قوله - عز وجل -: ﴿ أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ ﴾ في الدنيا ﴿ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِّن رَّبِّهِ ﴾ في الآخرة؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَىٰ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ...
﴾ الآية [التحريم: 8]، والذين كفروا طبع الله على قلوبهم فتظلم وتفسق لما تبقى في الظلمة أبداً، والله أعلم.
ومنهم من قال: ﴿ شَرَحَ ٱللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ ﴾ : الإسلام نفسه إذا أسلم ﴿ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِّن رَّبِّهِ ﴾ كتاب الله، قال: هذا المؤمن به يأخذ، وإليه ينتهي، "وما سئل النبي : هل لذلك - أي: لانشراح الصدر للإسلام - علامة؟
فقال: نعم؛ التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والاستعداد للموت قبل حلول الموت" ، فهذا في التحقيق ليس في المعاملة في العمل، ولكن في الاعتقاد؛ أي: يتجافى عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود: يتزود من الدنيا للآخرة.
ثم قوله: ﴿ أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ ﴾ يحتمل أن يكون على الاستفهام؛ على ما ذكر.
ويحتمل ألا يكون على الاستفهام، ولكن على الإيجاب، فإن كان على هذا فهو على إسقاط الألف: فمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربّه...
الآية؛ كقوله في آية أخرى: ﴿ فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلَٰمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً ﴾ فعلى ذلك يحتمل أن تكون هذه الآية على هذا، والله أعلم.
وإن كان على الاستفهام فلابد أن يكون له مقابل يعرف ذلك بدليل أنه جواب.
ثم قال بعضهم: جوابه في قوله: ﴿ فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِّن ذِكْرِ ٱللَّهِ ﴾ كأنه يقول: ليس المنشرح صدره للإسلام كالقاسي قلبه بالكفر؛ وهو قول الكسائي.
وجائز أن يكون جوابه ومقابله ما تقدم ذكره، وهو قوله: ﴿ أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ ٱلْعَذَابِ...
﴾ الآية [الزمر: 19]؛ كأنه يقول: أفمن حق عليه العذاب كمن شرح صدره للإسلام؛ أي: ليس من وجب عليه العذاب كمن شرح صدره للإسلام فهو على نور من ربه، والله أعلم.
وقوله: ﴿ ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ ﴾ .
يحتمل قوله - عز وجل -: ﴿ نَزَّلَ أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ ﴾ : أصدقه خبراً، وأعدله حكماً، وهو ما ذكر في آية أخرى، ووصفه بالصدق والعدل؛ حيث قال - عز وجل -: ﴿ وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً ﴾ أي: صدقاً فيخبره، وعدلا في حكمه، فعلى ذلك يحتمل قوله: ﴿ أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ ﴾ خبراً، وأعدله حكماً، والله أعلم.
وجائز أن يكون قوله: ﴿ أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ ﴾ ، أي: أتقنه وأحكمه، وهو متقن ومحكم، وهو على ما وصفه بالصدق والعدل في آية أخرى قال: ﴿ لاَّ يَأْتِيهِ ٱلْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ﴾ أخبر أنه لا يأتي القرآن باطل من بين يديه ولا من خلفه، وذلك لإتقانه وإحكامه، والله أعلم.
وهو أحسن الحديث؛ لأن من تأمله ونظر فيه وتفكرّ أنار قلبه، وأضاء صدره، وهداه سبيل الخير والحق، ودفع عنه الوساوس والشبهات وكل شر، وأفضاه إلى كل خير وبرّ فهو أحسن الحديث؛ إذ لا حديث يعمل ما يعمل هو؛ لما ذكرنا، وغير ذلك، والله أعلم.
وقوله: ﴿ كِتَاباً مُّتَشَابِهاً ﴾ قوله: ﴿ مُّتَشَابِهاً ﴾ أي: ليس بمختلف ولا متناقض، ليس كحديث الناس وكتبهم مما يختلف ويتناقض حديثهم وكتابهم، وخاصة فيما امتدّ من الأوقات وطال وبعدت مدته، وهو ما ذكر: ﴿ أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخْتِلاَفاً كَثِيراً...
﴾ دل كونه متفقاً، متشابهاً، غير مختلف في طول نزوله، وتفرق أوقاته، وتباعد أيامه في الإنزال - أنه من عند الله نزل، ومنه جاء؛ إذ لو لم يكن من عنده لخرج مختلفاً متناقضاً على ما يخرج حديث الناس وخبرهم مختلفاً ومتناقضاً، والله أعلم.
وقوله: ﴿ مَّثَانِيَ ﴾ قال أهل التأويل: سماه: مثاني؛ لما ثنّى فيه أنباؤه وقصصه مرة بعد مرة، وأصله: أنه سماه: مثاني؛ لأنه ذكر فيه المواعظ والذكرى وكررها في غير موضع، لما لو لم يكررها غفلوا عنها، وسهوا عنها؛ لأن الحكيم إذا وعظ أحداً عظة وزجره وسها عنه [كررها عليه]، وكرر - عز وجل - عليهم المواعظ والزواجر؛ ليكونوا أبداً متعظين متذكرين لذلك - والله أعلم - لكيلا يغفلوا عنها ولا يسهوا.
وقوله: ﴿ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ ﴾ قال أهل التأويل: ﴿ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ﴾ عند تلاوة آية الرهبة والخوف، وتلين قلوبهم عند تلاوة آية الرحمة.
وجائز أن يكون ذلك لهم بجميع القرآن بما فيه من الرحمة والرهبة جميعاً يكون فيهما الموعظة: تلين قلوبهم وتقشعر جلودهم وتخاف أنفسهم؛ لأن آية الرحمة ليست بأحق بتليين القلوب من آية الرهبة، بل آية الرهبة أحق بذلك.
وقتادة يقول: كانت جلودهم تقشعر، وعيونهم تبكي، وقلوبهم تطمئن إليه، ولا تذهب عقولهم، ولا يغشى عليهم، كما رأينا أهل البدع يفعلونه، وإنما ذلك من الشيطان.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ذَلِكَ هُدَى ٱللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَآءُ ﴾ قد بين سبيل الهدى والحق، وحججه وبراهينه، وبين سبيل الضلالة والباطل، فمن سلك سبيل الهدى فبتوفيقه سلك، وبمعونته اهتدى، ومن سلك طريق الكفر والباطل فبخذلانه ضل وزاغ.
وقوله: ﴿ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ﴾ أخبر أنّ من أضله الله فلا هادي له، وعلى ما قال في المعيشة والرزق؛ قال - عز وجل -: ﴿ مَّا يَفْتَحِ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ ﴾ وقال - عز وجل - في الضراء والخير؛ حيث قال: ﴿ وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَآدَّ لِفَضْلِهِ ﴾ ذكر في الضلال والهدى ما ذكر في الرزق والضر والخير، ذلك أنّ الله في فعلهم وصنعهم تدبيراً، ليس على ما تقوله المعتزلة أن لا تدبير لله في ذلك، وأن من اهتدى إنما يهتدي بنفسه، ومن ضل وزاع إنما ذلك بنفسه، لا تدبير لله في ذلك، فالآية تنقض قولهم ومذهبهم.
وقتادة يقول في قوله: ﴿ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ ﴾ وإنما يذكر الله أهل الإيمان، فكانت تقشعرّ بذلك جلودهم، وتبكي أعينهم، وتطمئن قلوبهم، ولا تذهب عقولهم منه، وأما أن يصرع أحدهم فلم يكن، وإنما كان هذا في أصحاب البدع، وربما هو من الشيطان، ولعمري ما كان في هذه الأمة أحد أعلم من نبيه ومن بعده أصحابه الذين انتخبهم الله - عز وجل -: لصحبة النبي وإقامة دينه، ولقد سألنا من لقينا من أصحاب رسول الله وأصحاب أصحابه، فحدثوا أن هذا إنما كان في أهل البدع.
<div class="verse-tafsir"
إنكم تعلمون بالمشاهدة أن الله أنزل من السماء ماء المطر، فأدخله في عيونٍ ومجارٍ، ثم يخرج بهذا الماء زرعًا مختلف الألوان، ثم ييبس الزرع، فتراه -أيها المشاهد- مُصْفَرَّ اللون بعد أن كان مُخْضَرًّا، ثم يجعله بعد يبسه متكسِّرًا متهشمًا، إن في ذلك المذكور لتذكيرًا لأصحاب القلوب الحية.
من فوائد الآيات إخلاص العبادة لله شرط في قبولها.
المعاصي توجب عذاب الله وغضبه.
هداية التوفيق إلى الإيمان بيد الله، وليست بيد الرسول .
<div class="verse-tafsir" id="91.nLa41"