الإسلام > القرآن > سور > سورة 4 النساء > الآية ١٠٧ من سورة النساء
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 96 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٠٧ من سورة النساء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم [ إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما .
يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم ] ) إلى قوله : ( رحيما ) أي : لو استغفروا الله لغفر لهم ( ومن يكسب إثما فإنما يكسبه على نفسه ) إلى قوله : ( إثما مبينا ) قولهم للبيد : ( ولولا فضل الله عليك ورحمته ) إلى قوله : ( فسوف نؤتيه أجرا عظيما ) فلما نزل القرآن أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسلاح فرده إلى رفاعة .
فقال قتادة : لما أتيت عمي بالسلاح وكان شيخا ، قد عشا أو عسا - الشك من أبي عيسى - في الجاهلية وكنت أرى إسلامه مدخولا فلما أتيته بالسلاح قال : يا ابن أخي ، هو في سبيل الله .
فعرفت أن إسلامه كان صحيحا ، فلما نزل القرآن لحق بشير بالمشركين ، فنزل على سلافة بنت سعد بن سمية ، فأنزل الله تعالى : ( ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا .
إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالا بعيدا ) فلما نزل على سلافة رماها حسان بن ثابت بأبيات من شعره ، فأخذت رحله فوضعته على رأسها ، ثم خرجت به فرمت به في الأبطح ، ثم قالت : أهديت لي شعر حسان ؟
ما كنت تأتيني بخير .
لفظ الترمذي ، ثم قال الترمذي : هذا حديث غريب لا نعلم أحدا أسنده غير محمد بن سلمة الحراني : وروى يونس بن بكير وغير واحد ، عن محمد بن إسحاق ، عن عاصم بن عمر بن قتادة مرسلا لم يذكروا فيه عن أبيه عن جده .
ورواه ابن حاتم عن هاشم بن القاسم الحراني ، عن محمد بن سلمة ، به ببعضه .
ورواه ابن المنذر في تفسيره : حدثنا محمد بن إسماعيل - يعني الصائغ - حدثنا الحسن بن أحمد بن أبي شعيب الحراني ، حدثنا محمد بن سلمة - فذكره بطوله .
ورواه أبو الشيخ الأصبهاني في تفسيره عن محمد بن العباس بن أيوب والحسن بن يعقوب ، كلاهما عن الحسن بن أحمد بن أبي شعيب الحراني ، عن محمد بن سلمة ، به .
ثم قال في آخره : قال محمد بن سلمة : سمع مني هذا الحديث يحيى بن معين ، وأحمد بن حنبل ، وإسحاق بن إسرائيل .
وقد روى الحاكم أبو عبد الله النيسابوري هذا الحديث في كتابه " المستدرك " عن أبي العباس الأصم ، عن أحمد بن عبد الجبار العطاردي ، عن يونس بن بكير ، عن محمد بن إسحاق - بمعناه أتم منه ، وفيه الشعر ، ثم قال : وهذا حديث صحيح على شرط مسلم ، ولم يخرجاه .
القول في تأويل قوله : وَلا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا (107) قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: " ولا تجادل " يا محمد، فتخاصم=" عن الذين يختانون أنفسهم "، يعني: يخوّنون أنفسهم، يجعلونها خَبوَنة بخيانتهم ما خانوا من أموال من خانوه مالَه، وهم بنو أبيرق.
يقول: لا تخاصم عنهم من يطالبهم بحقوقهم وما خانوه فيه من أموالهم=" إن الله لا يحب من كان خوّانًا أثيمًا "، يقول: إنّ الله لا يحب من كان من صفته خِيَانة الناس في أموالهم، وركوب الإثم في ذلك وغيره مما حرَّمه الله عليه.
* * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل: وقد تقدم ذكر الرواية عنهم.
10418- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة: " ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم "، قال: اختان رجل عمًّا له درعًا، فقذف بها يهوديًا كان يغشاهم، فجادل عمُّ الرجل قومه، فكأن النبي صلى الله عليه وسلم عذره.
ثم لحق بأرض الشرك، فنـزلت فيه: وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى الآية.
* * * القول في تأويل قوله : يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا (108) قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: " يستخفون من الناس "، يستخفي هؤلاء الذين يختانون أنفسهم، ما أتَوْا من الخيانة، وركبوا من العار والمعصية (45) =" من الناس "، الذين لا يقدرون لهم على شيء، إلا ذكرهم بقبيح ما أتَوْا من فعلهم، (46) وشنيع ما ركبوا من جُرْمهم إذا اطلعوا عليه، حياءً منهم وحذرًا من قبيح الأحدوثة=" ولا يستخفون من الله " الذي هو مطلع عليهم، لا يخفى عليه شيء من أعمالهم، وبيده العقاب والنَّكال وتعجيل العذاب، وهو أحق أن يُستحى منه من غيره، وأولى أن يعظَّم بأن لا يراهم حيث يكرهون أن يراهم أحد من خلقه=" وهو معهم "، يعني: والله شاهدهم=" إذ يبيتون ما لا يرضى من القول "، يقول: حين يسوُّون ليلا ما لا يرضى من القول، فيغيِّرونه عن وجهه، ويكذبون فيه.
* * * وقد بينا معنى " التبييت " في غير هذا الموضع، وأنه كل كلام أو أمرٍ أصلح ليلا.
(47) وقد حكى عن بعض الطائيين أن " التبييت " في لغتهم: التبديل، وأنشد للأسود بن عامر بن جُوَين الطائي في معاتبة رجل: (48) &; 9-192 &; وَبَيَّــتَّ قَــوْلِــيَ عَبْـدَ الْمَلِيـكِ قـــاتلَكَ اللــه عَبْــدًا كَنُــودًا!!
(49) بمعنى: بدَّلت قولي.
* * * وروي عن أبي رزين أنه كان يقول في معنى قوله: " يبيتون "، يؤلّفون.
10419- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي رزين: " إذ يبيتون ما لا يرضى من القول "، قال: يؤلِّفون ما لا يرضى من القول.
10420- حدثنا أحمد بن سنان الواسطي قال، حدثنا أبو يحيى الحماني، عن سفيان، عن الأعمش، عن أبي رزين بنحوه.
10421- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري، عن الأعمش، عن أبي رزين، مثله.
(50) * * * قال أبو جعفر: وهذا القول شبيه المعنى بالذي قلناه.
وذلك أن " التأليف " هو التسوية والتغيير عما هو به، وتحويلُه عن معناه إلى غيره.
* * * وقد قيل: عنى بقوله: " يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله "، الرهطَ الذين مشوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسألة المدافعة عن ابن أبيرق والجدال عنه، (51) على ما ذكرنا قبل فيما مضى عن ابن عباس وغيره.
* * * =" وكان الله بما يعملون محيطًا " يعني جل ثناؤه: وكان الله بما يعمل هؤلاء المستخفون من الناس، فيما أتَوْا من جرمهم، حياءً منهم، من تبييتهم ما لا يرضى من القول، وغيره من أفعالهم=" محيطًا "، محصيًا لا يخفى عليه شيء منه، حافظًا لذلك عليهم، حتى يجازيهم عليه جزاءهم.
(52) --------------------- الهوامش : (45) في المطبوعة في الموضعين: "ما أوتوا" ، والصواب من المخطوطة.
(46) في المطبوعة في الموضعين: "ما أوتوا" ، والصواب من المخطوطة.
(47) انظر ما سلف 8 : 562 ، 563.
(48) في المطبوعة والمخطوطة: "...
بن جرير" ، والصواب ما أثبت ، والأسود بن عامر بن جوين الطائي ، أبو عامر بن جوين الطائي ، الذي نزل به امرؤ القيس (الأغاني 8 : 90 ، 95) ، وقد ذكرهما ابن دريد في الاشتقاق: 233 وقال: "كانا سيدين رئيسين" ، وذكرهما ابن حزم في الجمهرة: 379 ، وقال في الأسود بن عامر: "شاعر" ، ثم قال: "فولد الأسود هذا: قبيصة بن الأسود ، وفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم".
(49) لم أجد البيت في مكان ، وكنت أعرفه ولكن غاب عني مكانه ، فأرجو أن أجده وألحق به بيانه في طبعة أخرى ، أو في كتاب آخر.
(50) الآثار: 10419 - 10421 -"أبو رزين" هو"أبو رزين الأسدي": "مسعود بن مالك" ، مضى برقم: 4291 - 4294 ثم: 4791 - 4793.
(51) في المخطوطة والمطبوعة: "بني أبيرق" ، والسياق يقتضي ما أثبت.
(52) انظر تفسير"الإحاطة" و"محيط" فيما سلف 2 : 284 / 5 : 396 / 7 : 158.
قوله تعالى : ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم إن الله لا يحب من كان خوانا أثيماأي لا تحاجج عن الذين يخونون أنفسهم ؛ نزلت في أسير بن عروة كما تقدم .
والمجادلة المخاصمة ، من الجدل وهو الفتل ؛ ومنه رجل مجدول الخلق ، ومنه الأجدل [ ص: 323 ] للصقر .
وقيل : هو من الجدالة وهي وجه الأرض ، فكل واحد من الخصمين يريد أن يلقي صاحبه عليها ؛ قال العجاج :قد أركب الحالة بعد الحاله وأترك العاجز بالجداله منعفرا ليست له محالهالجدالة : الأرض ؛ من ذلك قولهم : تركته مجدلا ؛ أي مطروحا على الجدالة .قوله تعالى : إن الله لا يحب أي لا يرضى عنه ولا ينوه بذكر .
من كان خوانا خائنا .
وخوانا أبلغ ؛ لأنه من أبنية المبالغة ؛ وإنما كان ذلك لعظم قدر تلك الخيانة .
والله أعلم .
{ وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ } "الاختيان" و"الخيانة" بمعنى الجناية والظلم والإثم، وهذا يشمل النهي عن المجادلة، عن من أذنب وتوجه عليه عقوبة من حد أو تعزير، فإنه لا يجادل عنه بدفع ما صدر منه من الخيانة، أو بدفع ما ترتب على ذلك من العقوبة الشرعية.
{ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا } أي: كثير الخيانة والإثم، وإذا انتفى الحب ثبت ضده وهو البُغْض، وهذا كالتعليل، للنهي المتقدم.
( ولا تجادل ) لا تخاصم ، ( عن الذين يختانون أنفسهم ) أي : يظلمون أنفسهم بالخيانة والسرقة ، ( إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما ) يريد خوانا في الدرع ، أثيما في رميه اليهودي ، قيل : إنه خطاب مع النبي صلى الله عليه وسلم ، والمراد به غيره ، كقوله تعالى : " فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك " ، والاستغفار في حق الأنبياء بعد النبوة على أحد الوجوه الثلاثة : إما لذنب تقدم على النبوة أو لذنوب أمته وقرابته ، أو لمباح جاء الشرع بتحريه فيتركه بالاستغفار ، فالاستغفار يكون معناه : السمع والطاعة لحكم الشرع .
«ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم» يخونونها بالمعاصي لأن وبال خيانتهم عليهم «إن الله لا يحب من كان خوانا» كثير الخيانة «أثيما» أي يعاقبه.
ولا تدافع عن الذين يخونون أنفسهم بمعصية الله.
إن الله -سبحانه- لا يحب مَن عَظُمَتْ خيانته، وكثر ذنبه.
ثم قال - تعالى ( وَلاَ تُجَادِلْ عَنِ الذين يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّاناً أَثِيماً ) .أى : ولا تخاصم وتدافع عن هؤلاء الذين ( يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ ) أى يخونونها بشدة وإصرار إن الله - تعالى - لا يحب ولا يرضى عمن كانت الخيانة وصفا من أوصافه ، وخلقا من أخلاقه ، وكذلك لا يحب ولا يرضى عمن كان الانهماك فى الإِثم والمعصية عادة من عاداته .وجاء - سبحانه - بلفظ ( يَخْتَانُونَ ) بمعنى يخونون ، لقصد وصفهم بالمبالغة فى الخيانة لأن مادة الافتعال تدل على التكلف والمحاولة .وجعلت خيانة هؤلاء لغيرهم خيانة لأنفسهم ، لأن سوء عاقبة هذه الخيانة سيعود عليهم .
ولأن المسلمين جميعا كالجسد الواحد؛ فمن تظاهر بأنه منهم ثم خان أحدهم فكأنما خان نفسه ، وأوردها موارد البوار والتهلكة باعتدائه على حقوق الجماعة الإِسلامية ، وزعزعة أمنها واستقرارها .والمراد بالموصول فى قوله ( وَلاَ تُجَادِلْ عَنِ الذين يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ ) طعمة وأمثاله من الخائنين أو هو ومن عاونه وشهد ببراءته من أبناء عشيرته .وقال - سبحانه - ( إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّاناً أَثِيماً ) بصيغة المبالغة؛ لإِفادة أن الخيانة والإِثم صارا وصفا ملازما لهؤلاء الخائنين الآثمين .أى أن صيغة المبالغة هنا ليست للتخصيص حتى لا يتوهم متوهم أن الله - تعالى - يحب من عنده أصل الخيانة والاثم .وقد أشار صاحب الكشاف إلى هذا المعنى بقوله : فإن قلت : لم قيل " خوانا أثيما " على المبالغة؟
قلت : كان الله عالما من طعمة بالإِفراط فى الخيانة وركوب المآثم ، ومن كانت تلك خاتمة أمره لم يشك فى حاله .
وقيل : إذا عثرت من رجل على سيئة فاعلم أن لها أخوات .
وعن عمر - رضى الله عنه - أنه أمر بقطع يد سارق ، فجاءت أمه تبكى وتقول : هذه أول سرقة سرقها فاعف عنه .
فقال لها كذبت .
إن الله لا يؤاخذ عبده فى أول مرة .
والمراد بالذين يختانون أنفسهم طعمة ومن عاونه من قومه ممن علم كونه سارقاً، والاختيان كالخيانة يقال: خانه واختانه، وذكرنا ذلك عند قوله تعالى: ﴿ عَلِمَ الله أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ ﴾ وإنما قال تعالى لطعمة ولمن ذب عنهم: إنهم يختانون أنفسهم لأن من أقدم على المعصية قفد حرم نفسه الثواب وأوصلها إلى العقاب، فكان ذلك منه خيانة مع نفسه، ولهذا المعنى يقال لمن ظلم غيره: إنه ظلم نفسه.
وأعلم أن في الآية تهديداً شديداً، وذلك لأن النبي عليه الصلاة والسلام لما مال طبعه قليلاً إلى جانب طعمة، وكان في علم الله أن طعمة كان فاسقاً، فالله تعلى عاتب رسوله على ذلك القدر من إعانة المذنب، فكيف حال من يعلم من الظالم كونه ظالماً ثم يعينه على ذلك الظلم، بل يحمله عليه ويرغبه فيه أشد الترغيب.
ثم قال تعالى: ﴿ إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّاناً أَثِيماً ﴾ قال المفسرون: إن طعمة خان في الدرع، وأثم في نسبة اليهودي إلى تلك السرقة فلا جرم قال الله تعالى: ﴿ إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّاناً أثيماً ﴾ .
فإن قيل: لم قال: ﴿ خَوَّاناً أثيماً ﴾ مع أن الصادر عنه خيانة واحدة وإثم واحد.
قلنا: علم الله تعالى أنه كان في طبع ذلك الرجل الخيانة الكثيرة والإثم الكثير، فذكر اللفظ الدال على المبالغة بسبب ما كان في طبعه من الميل إلى ذلك، ويدل عليه ما رويناه أنه بعد هذه الواقعة هرب إلى مكة وارتد ونقب حائط إنسان لأجل السرقة فسقط الحائط عليه ومات، ومن كان خاتمته كذلك لم يشك في خيانته، وأيضاً طلب من النبي عليه الصلاة والسلام أن يدفع السرقة عنه ويلحقها باليهودي، وهذا يبطل رسالة الرسول، ومن حاول إبطال رسالة الرسول وأراد إظهار كذبه فقد كفر، فلهذا المعنى وصفه الله بالمبالغة في الخيانة والإثم.
وقيل: إذا عثرت من رجل على سيئة فاعلم أن لها أخوات.
عن عمر رضي الله عنه أنه أمر بقطع يد سارق، فجاءت أمة تبكي وتقول هذه أول سرقة سرقها فاعف عنه، فقال كذبت إن الله لا يؤاخذ عبده في أول الأمر، وأعلم أنه تعالى لما خص هذا الوعيد بمن كان عظيم الخيانة والإثم دل ذلك على أن من كان قليل الخيانة والإثم فهو خارج عنه ثم قال تعالى:
﴿ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ ﴾ يخونونها بالمعصية.
كقوله: ﴿ عَلِمَ الله أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ ﴾ [البقرة: 187] جعلت معصية العصاة خيانة منهم لأنفسهم كما جعلت ظلماً لها: لأنّ الضرر راجع إليهم.
فإن قلت: لم قيل ﴿ للخائنين ﴾ و ﴿ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ ﴾ وكان السارق طعمة وحده؟
قلت: لوجهين، أحدهما: أنّ بني ظفر شهدوا له بالبراءة ونصروه، فكانوا شركاء له في الإثم.
والثاني: أنه جمع ليتناول طعمة وكل من خان خيانته، فلا تخاصم لخائن قط ولا تجادل عنه.
فإن قلت: لم قيل ﴿ خَوَّاناً أَثِيماً ﴾ على المبالغة؟
قلت: كان الله عالماً من طعمة بالإفراط في الخيانة وركوب المآثم، ومن كانت تلك خاتمة أمره لم يشك في حاله.
وقيل: إذا عثرت من رجل على سيئة فاعلم أن لها أخوات.
وعن عمر رضي الله عنه أنه أمر بقطع يد سارق، فجاءت أمه تبكي وتقول: هذه أوّل سرقة سرقها فاعف عنه.
فقال: كذبت، إن الله لا يؤاخذ عبده في أول مرة ﴿ يَسْتَخْفُونَ ﴾ يستترون ﴿ مِنَ الناس ﴾ حياء منهم وخوفاً من ضررهم ﴿ وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ الله ﴾ ولا يستحيون منه ﴿ وَهُوَ مَعَهُمْ ﴾ وهو عالم بهم مطلع عليهم لا يخفى عليهم خاف من سرهم، وكفى بهذه الآية ناعية على الناس ما هم من قلة الحياء والخشية من ربهم، مع علمهم إن كانوا مؤمنين أنهم في حضرته لا سترة ولا غفلة ولا غيبة، وليس إلا الكشف الصريح والافتضاح ﴿ يُبَيّتُونَ ﴾ يدبرون ويزوّرون وأصله أن يكون بالليل ﴿ مَا لاَ يرضى مِنَ القول ﴾ وهو تدبير طعمة أن يرمي بالدرع في دار زيد ليسرّق دون ويحلف ببراءته.
فإن قلت: كيف سمى التدبير قولاً، وإنما هو معنى في النفس؟
قلت لما حدّث بذلك نفسه سمي قولاً على المجاز.
ويجوز أن يراد بالقول: الحلف الكاذب الذي حلف به بعد أن بيته، وتوريكه الذنب على اليهودي ﴿ هاأنتم هؤلاء ﴾ ها للتنبيه في أنتم.
وأولاء، وهما مبتدأ وخبر.
و ﴿ جادلتم ﴾ جملة مبينة لوقوع أولاء خبرا، كما تقول لبعض الأسخياء: أنت حاتم، تجود بمالك، وتؤثر على نفسك.
ويجوز أن يكون (أولاء) اسماً موصولاً بمعنى الذين، وجادلتم صلته.
والمعنى: هبوا أنكم خاصمتم عن طعمة وقومه في الدنيا.
فمن يخاصم عنهم في الآخرة إذا أخذهم الله بعذابه.
وقرأ عبد الله: ﴿ عنه ﴾ ، أي عن طعمة ﴿ وَكِيلاً ﴾ حافظاً ومحامياً من بأس الله وانتقامه ﴿ وَمَن يَعْمَلْ سواءا ﴾ قبيحاً متعدياً يسوء به غيره، كما فعل طعمة بقتادة واليهودي ﴿ أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ﴾ بما يختص به كالحلف الكاذب.
وقيل: ومن يعمل سوءاً من ذنب دون الشرك.
أو يظلم نفسه بالشرك.
وهذا بعث لطعمة على الاستغفار والتوبة لتلزمه الحجة، مع العلم بما يكون منه.
أو لقومه لما فرط منهم من نصرته والذبّ عنه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أنْفُسَهُمْ ﴾ يَخُونُونَها فَإنَّ وبالَ خِيانَتِهِمْ يَعُودُ عَلَيْها، أوْ جَعَلَ المَعْصِيَةَ خِيانَةً لَها كَما جُعِلَتْ ظُلْمًا عَلَيْها، والضَّمِيرُ لِطُعْمَةَ وأمْثالِهِ أوْ لَهُ ولِقَوْمِهِ فَإنَّهم شارَكُوهُ في الإثْمِ حَيْثُ شَهِدُوا عَلى بَراءَتِهِ وخاصَمُوا عَنْهُ.
﴿ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَن كانَ خَوّانًا ﴾ مُبالِغًا في الخِيانَةِ مُصِرًّا عَلَيْها.
﴿ أثِيمًا ﴾ مُنْهَمِكًا فِيها.
رُوِيَ: أنَّ طُعْمَةَ هَرَبَ إلى مَكَّةَ وارْتَدَّ ونَقَبَ حائِطًا بِها لِيَسْرِقَ أهْلَهُ فَسَقَطَ الحائِطُ عَلَيْهِ فَقَتَلَهُ.
﴿ يَسْتَخْفُونَ مِنَ النّاسِ ﴾ يَسْتَتِرُونَ مِنهم حَياءً وخَوْفًا.
﴿ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ ﴾ ولا يَسْتَحْيُونَ مِنهُ وهو أحَقُّ بِأنْ يُسْتَحْيا ويُخافَ مِنهُ.
﴿ وَهُوَ مَعَهُمْ ﴾ لا يَخْفى عَلَيْهِ سِرُّهم فَلا طَرِيقَ مَعَهُ إلّا تَرْكَ ما يَسْتَقْبِحُهُ ويُؤاخِذُ عَلَيْهِ.
﴿ إذْ يُبَيِّتُونَ ﴾ يُدَبِّرُونَ ويُزَوِّرُونَ.
﴿ ما لا يَرْضى مِنَ القَوْلِ ﴾ مِن رَمْيِ البَرِيءِ والحَلِفِ الكاذِبِ وشَهادَةِ الزُّورِ.
﴿ وَكانَ اللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطًا ﴾ لا يَفُوتُ عَنْهُ شَيْءٌ.
<div class="verse-tafsir"
{وَلاَ تجادل عَنِ الذين يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ} يخونونها بالمعصية جعلت معصية العصاة خيانة منهم لأنفسهم لأن الضرر راجع إليهم والمراد به طعمة ومن عاونه من قومه وهم يعلمون أنه سارق أو ذكر بلفظ الجمع لتناول طعمه وكل من خان خيانته {إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّاناً أَثِيماً}
وإنما قيل بلفظ المبالغة لأنه تعالى عالم من طعمة أنه مُفْرط في الخيانة وركوب المآثم ورُوي أن طعمة هرب إلى مكة وارتد ونقب حائطا بمكة ليسرف أهله فسقط الحائط عليه فقتله وقيل إذا عثرت من رجل على سيئة فاعلم أن لها أخوات وعن عمر رضى الله عنه أنه أمر بقطع يد سارق فجاءت أمه تبكي وتقول هذه أول سرقة سرقها فاعف عنه فقال كذبت إن الله لا يؤاخذ عبده في أول مرة
﴿ ولا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أنْفُسَهُمْ ﴾ أيْ: يَخُونُونَها، وجُعِلَتْ خِيانَةُ الغَيْرِ خِيانَةً لِأنْفُسِهِمْ؛ لِأنَّ وبالَها وضَرَرَها عائِدٌ عَلَيْهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ جُعِلَتِ المَعْصِيَةُ خِيانَةً فَمَعْنى (يَخْتانُونَ أنْفُسَهُمْ) يَظْلِمُونَها بِاكْتِسابِ المَعاصِي وارْتِكابِ الآثامِ، وقِيلَ: الخِيانَةُ مَجازٌ عَنِ المَضَرَّةِ، ولا بُعْدَ فِيهِ.
والمُرادُ بِالمَوْصُولِ إمّا السّارِقُ أوَ المُودِعُ المُكافِرُ وأمْثالُهُ، وإمّا مَن عاوَنَهُ، فَإنَّهُ شَرِيكٌ في الإثْمِ والخِيانَةِ، والخِطابُ لِلنَّبِيِّ وهو - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -المَقْصُودُ بِالنَّهْيِ، والنَّهْيُ عَنِ الشَّيْءِ يَقْتَضِي كَوْنَ المَنهِيِّ مُرْتَكِبًا لِلْمَنهِيِّ عَنْهُ، وقَدْ يُقالُ: إنَّ ذَلِكَ مِن قَبِيلِ ﴿ لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ﴾ ومِن هُنا قِيلَ: المَعْنى لا تُجادِلْ أيُّها الإنْسانُ.
﴿ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَن كانَ خَوّانًا ﴾ كَثِيرَ الخِيانَةِ، مُفْرِطًا فِيها ﴿ أثِيمًا ﴾ مُنْهَمِكًا في الإثْمِ، وتَعْلِيقُ عَدَمِ المَحَبَّةِ المُرادُ مِنهُ البُغْضُ والسُّخْطُ بِصِيغَةِ المُبالَغَةِ لَيْسَ لِتَخْصِيصِهِ بَلْ لِبَيانِ إفْراطِ بَنِي أُبَيْرِقٍ وقَوْمِهِمْ في الخِيانَةِ والإثْمِ.
وقالَ أبُو حَيّانَ: أتى بِصِيغَةِ المُبالَغَةِ فِيهِما؛ لِيَخْرُجَ مِنهُ مَن وقَعَ مِنهُ الإثْمُ والخِيانَةُ مَرَّةً، ومَن صَدَرَ مِنهُ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الغَفْلَةِ وعَدَمِ القَصْدِ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ.
وإرْدافُ الخَوّانِ بِالأثِيمِ قِيلَ: لِلْمُبالَغَةِ، وقِيلَ: إنَّ الأوَّلَ بِاعْتِبارِ السَّرِقَةِ أوْ إنْكارِ الوَدِيعَةِ، والثّانِيَ بِاعْتِبارِ تُهْمَةِ البَرِئِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - وقُدِّمَتْ صِفَةُ الخِيانَةِ عَلى صِفَةِ الإثْمِ؛ لِأنَّها سَبَبٌ لَهُ، أوْ لِأنَّ وُقُوعَهُما كانَ كَذَلِكَ، أوْ لِتَواخِي الفَواصِلِ عَلى ما قِيلَ.
<div class="verse-tafsir"
إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ يعني: أنزلنا عليك جبريل ، ليقرأ عليك القرآن بالعدل والأمر والنهي لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ أي بما أعلمك الله وألهمك، وبما أوحي إليك وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً ولا تكن للسارقين معيناً.
وروى محمد بن إسحاق عن عاصم بن عمر، عن جده قتادة بن النعمان، قال: كان بنو أبيرق وكانوا ثلاثة: بشر، وبشير، ومبشر.
فكان بشر يكنى أبا طعمة، وكان شاعراً، وكان منافقاً، وكان يقول الشعر يهجو به أصحاب النبيّ ثم يقول: قال فلان وكان لعمي رفاعة بن زيد علية (١) فأخبرته أن بشيراً قد سرق من عمي الطعام والسلاح، فأما الطعام فلا حاجة لنا فيه، وأما السلاح فليردوه علينا، فجاء قومه وكانوا أهل لسان وبيان فقالوا: إن رفاعة وابن أخيه عمدوا إلى أهل بيت منا يتهمونهم بالسرقة، فوقع قولهم عند النبيّ موقعاً، فبين الله خيانتهم فنزل: وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً وهو ابن طعمة.
وقال الضحاك: سرق طعمة بن أبيرق اليهودي درعاً للزبير بن العوام، فاختصما إلى النبيّ فقال للزبير: «لاَ بُدَّ لَكَ مِنْ أَنْ تَأْتِيَ عَلَى ذلك بِحُجَّةٍ قَيِّمَةٍ وَشَهَادَةٍ صَحِيحَةٍ» .
فأنزل الله تعالى تصديقاً لقوله: وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً.
وقال مقاتل: سرق طعمة بن أبيرق المنافق درعاً من يهودي، فلما جاءوا إلى بيته بالأثر، رمى الدرع في دار رجل من الأنصار وأنكر، فجاء قومه ليبرئوه من السرقة فنزلت هذه الآية.
وقال الكلبي: سرق طعمة بن أبيرق درعاً من جار له يقال له قتادة بن النعمان، فوضعه عند رجل من اليهود يقال له زيد بن السمين، وأنكر السرقة فجاء قومه يخاصمون عنه، فنزلت هذه الآية وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً.
قوله تعالى: وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ عن جدالك عن طعمة حين جادلت عنه إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً ثم قال تعالى: وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ يقول: ولا تخاصم عن الذين يضرون أنفسهم بالسرقة إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ مَنْ كانَ خَوَّاناً أَثِيماً أي خائناً بالسرقة فاجراً برميه على غيره.
ثم قال تعالى: يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ قال الضحاك: لما سرق الدرع اتخذ حفرة في بيته، وجعل الدرع تحت التراب فنزل يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ بالتراب وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ يقول: لا يخفى مكان الدرع على الله وَهُوَ مَعَهُمْ أي رقيب حفيظ عليهم.
ويقال: يستخفون يعني يستترون من الناس وهم قوم طعمة، ولا يستخفون من الله يقال: ولا يقدرون أن يستتروا من الله وَهُوَ مَعَهُمْ يعني عالماً بهم وبخيانتهم إِذْ يُبَيِّتُونَ يقول: إذ يؤلفون ويغيرون مَا لاَ يَرْضى مِنَ الْقَوْلِ يقول: ما لا يرضو لأنفسهم من القول وهم سرقوا، ويقال: ما لا يرضى الله ولا يحبه.
ثم قال: وَكانَ اللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطاً أي عالماً بهم وبخيانتهم، ثم أقبل على قوم طعمة فقال: ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ يقول: ها أنتم هؤلاء جادَلْتُمْ أي خاصمتم عَنْهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا فَمَنْ يُجادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ يقول: فمن يخاصم الله عنهم يوم القيامة أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا أي كفيلاً، ويقال خصيماً.
وقال الضحاك: أراد النبيّ أن يقيم الحد على طعمة بن أبيرق، وكان طعمة مطاعاً في اليهود، فجاءت اليهود شاكين في السلاح، وهربوا بطعمة وجادلوا عنه، فنزل ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ يعني اليهود الآية.
ثم قال: (١) علية: غرفة.
<div class="verse-tafsir"
وغيرها «١» .
انتهى من «السلاح» .
وقوله تعالى: وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ
، لفظ عامٌّ يندرج تحته أصحابُ النازلةِ، ويتقرَّر به توبيخُهُمْ، وفي قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ مَنْ كانَ خَوَّاناً أَثِيماً
: رفْقٌ وإبقاءٌ فإن الخَوَّان هو الذي تتكرَّر منه الخيانَةُ كَطُعَيْمَةَ بْنِ الأُبَيْرِقِ، والأَثِيمُ هو الذي يَقْصِدُها، فيخرج من هذا التشديدِ السَّاقط مرةً واحدةً، ونحو ذلك، واختيان الأَنْفُسِ هو بما يَعُودُ عليها من الإثْمِ والعقوبةِ في الدنيا والآخرة.
وقوله تعالى: يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ ...
الآية: الضميرُ في «يستخفون» للصِّنْفِ المرتكبِ للمعاصِي، ويندرجُ في طَيِّ هذا العموم أهْلُ الخيانةِ في النازلة المذكورةِ، وأهْلُ التعصُّب لهم، والتّدبير في خدع النبيّ صلّى الله عليه وسلّم والتلبيسِ عليه، ويحتملُ أَنْ يكونَ الضميرُ لأَهْلِ هذه النازلةِ، ويدْخُلُ في معنى هذا التوبيخِ كلُّ من يفعل نَحْوَ فعلهم، قال صاحبُ «الكَلِمِ الفَارِقِيَّة، والحِكمِ الحقيقيَّة» : النفوسُ المرتكبةُ للمحارِمِ المحتقبَةُ للمآثِمِ، والمَظَالِمِ شبيهةٌ بالأراقم، تملأ أفواهَهَا سُمًّا، وتقصدُ مَنْ تقذفُهُ عَلَيْه عدواناً وظلماً، تجمعُ في ضمائرها سُمُومَ شُرُورِهَا وضَرَرها، وتحتالُ/ لإلقائها على الغافَلَينَ عَنْ مكائدهَا وخُدَعِهَا.
انتهى.
ومعنى: وَهُوَ مَعَهُمْ
، بالإحَاطَةِ والعِلْمِ والقُدْرَةِ، ويُبَيِّتُونَ
: يدبِّرون لَيْلاً، ويحتمل أنْ تكون اللفظة مأخوذةً من البَيْت، أي: يستَتِرُونَ في تَدْبِيرِهمْ بالجُدُرَاتِ.
ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ جادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا فَمَنْ يُجادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً (١٠٩) وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً (١١٠) وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً (١١١)
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أنْفُسَهُمْ ﴾ أيْ: يَخُونُونَ أنْفُسَهم، فَيَجْعَلُونَها خائِنَةً بِارْتِكابِ الخِيانَةِ.
قالَ عِكْرِمَةُ: والمُرادُ بِهِمْ: طُعْمَةُ بْنُ أُبَيْرِقٍ، وقَوْمُهُ الَّذِينَ جادَلُوا عَنْهُ.
وفي حَدِيثِ العَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: انْطَلَقَ نَفَرٌ مِن عَشِيرَةِ طُعْمَةَ لَيْلًا إلى رَسُولِ اللَّهِ ، فَقالُوا: إنَّ صاحِبَنا بَرِيءٌ.
و "الِاسْتِخْفاءُ": الِاسْتِتارُ، والمَعْنى: يَسْتَتِرُونَ مِنَ النّاسِ لِئَلّا يَطَّلِعُوا عَلى خِيانَتِهِمْ وكَذِبِهِمْ، ولا يَسْتَتِرُونَ مِنَ اللَّهِ، وهو مَعَهم بِالعِلْمِ.
وكُلُّ ما فَكَّرَ فِيهِ، أوْ خِيضَ فِيهِ بِلَيْلٍ، فَقَدْ بَيَّتَ.
وجُمْهُورُ العُلَماءِ عَلى أنَّ المُشارَ إلَيْهِ بِالِاسْتِخْفاءِ، والتَّبْيِيتِ، قَوْمُ طُعْمَةَ.
والَّذِي بَيَّتُوا: احْتِيالَهم في بَراءَةِ صاحِبِهِمْ بِالكَذِبِ.
وقالَ الزَّجّاجُ: هو السّارِقُ نَفْسُهُ، والَّذِي بَيَّتَ أنَّهُ قالَ: ارْمِ اليَهُودِيَّ بِأنَّهُ سارِقُ الدِّرْعِ، واحْلِفْ أنِّي لَمْ أسْرِقْها، فَتُقَبِّلْ يَمِينِيَّ، ولا تُقَبِّلْ يَمِينَ اليَهُودِيِّ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ الناسِ بِما أراكَ اللهُ ولا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيمًا ﴾ ﴿ واسْتَغْفِرِ اللهَ إنَّ اللهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ ﴿ وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أنْفُسَهم إنَّ اللهَ لا يُحِبُّ مَن كانَ خَوّانًا أثِيمًا ﴾ فِي هَذِهِ الآيَةِ تَشْرِيفٌ لِلنَّبِيِّ - -؛ وتَفْوِيضٌ إلَيْهِ؛ وتَقْوِيمٌ أيْضًا عَلى الجادَّةِ في الحُكْمِ؛ وتَأْنِيبٌ ما عَلى قَبُولِ ما رُفِعَ إلَيْهِ في أمْرِ بَنِي أُبَيْرِقٍ بِسُرْعَةٍ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِما أراكَ اللهُ ﴾ ؛ مَعْناهُ: عَلى قَوانِينِ الشَرْعِ؛ إمّا بِوَحْيٍ ونَصٍّ؛ أو بِنَظَرٍ جارٍ عَلى سَنَنِ الوَحْيِ؛ وقَدْ تَضَمَّنَ اللهُ تَعالى لِأنْبِيائِهِ العِصْمَةَ؛ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيمًا ﴾ ﴿ واسْتَغْفِرِ اللهَ إنَّ اللهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ ؛ سَبَبُها بِاتِّفاقٍ مِنَ المُتَأوِّلِينَ أمْرُ بَنِي أُبَيْرِقٍ؛ وكانُوا إخْوَةً: بِشْرٌ، وبَشِيرٌ، ومُبَشِّرٌ، وكانَ بَشِيرٌ رَجُلًا مُنافِقًا؛ يَهْجُو أصْحابَ النَبِيِّ - -؛ ويَنْحِلُ الشِعْرَ غَيْرَهُ؛ فَكانَ المُسْلِمُونَ يَقُولُونَ: "واللهِ ما هو إلّا شِعْرُ الخَبِيثِ"؛ فَقالَ شِعْرًا يَتَنَصَّلُ فِيهِ؛ فَمِنهُ قَوْلُهُ: أفَكُلَّما قالَ الرِجالُ قَصِيدَةً ∗∗∗ نُحِلَتْ وقالُوا ابْنُ الأُبَيْرِقِ قالَها؟
«قالَ قَتادَةُ بْنُ النُعْمانِ: "وَكانَ بَنُو أُبَيْرِقٍ أهْلَ فاقَةٍ؛ فابْتاعَ عَمِّي رَفاعَةُ بْنُ زَيْدٍ حِمْلًا مِن دَوْمَكِ الشامِ؛ فَجَعَلَهُ في مَشْرُبَةٍ لَهُ، وفي المَشْرُبَةِ دِرْعانِ لَهُ وسَيْفانِ، فَعُدِيَ عَلى المَشْرُبَةِ مِنَ اللَيْلِ، فَنُقِبَتْ وأُخِذَ الطَعامُ والسِلاحُ، فَلَمّا أصْبَحَ أتانِي عَمِّي رَفاعَةُ فَقالَ: يا ابْنَ أخِي؛ تَعْلَمُ أنَّهُ قَدْ عُدِيَ عَلَيْنا في لَيْلَتِنا هَذِهِ؛ فَنُقِبَتْ مَشْرُبَتُنا؛ وذُهِبَ بِطَعامِنا وسِلاحِنا؛ فَقالَ: فَتَحَسَّسْنا في الدارِ وسَألْنا، فَقِيلَ لَنا: قَدْ رَأيْنا بَنِي أُبَيْرِقٍ اسْتَوْقَدُوا في هَذِهِ اللَيْلَةِ، ولا نَراهُ إلّا عَلى بَعْضِ طَعامِكُمْ؛ قالَ: وقَدْ كانَ بَنُو أُبَيْرِقٍ قالُوا - ونَحْنُ نَسْألُ -: واللهِ ما نَرى صاحِبَكم إلّا لَبِيدَ بْنَ سَهْلٍ - رَجُلٌ مِنّا لَهُ صَلاحٌ وإسْلامٌ - فَسَمِعَ ذَلِكَ لَبِيدٌ ؛ فاخْتَرَطَ سَيْفَهُ؛ ثُمَّ أتى بَنِي أُبَيْرِقٍ فَقالَ: واللهِ لَيُخالِطَنَّكم هَذا السَيْفُ؛ أو لَتُبَيِّنُنَّ هَذِهِ السَرِقَةَ؛ قالُوا: إلَيْكَ عَنّا أيُّها الرَجُلُ؛ فَواللهِ ما أنْتَ بِصاحِبِنا؛ فَسَألْنا في الدارِ حَتّى لَمْ نَشُكُّ أنَّهم أصْحابُها؛ فَقالَ لِي عَمِّي: يا ابْنَ أخِي؛ لَوْ أتَيْتَ رَسُولَ اللهِ - - فَأخْبَرْتَهُ بِهَذِهِ القِصَّةِ؛ فَأتَيْتُهُ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - فَقَصَصْتُها عَلَيْهِ؛ فَقالَ: "أنْظُرُ في ذَلِكَ"؛ فَلَمّا سَمِعَ بِذَلِكَ بَنُو أُبَيْرِقٍ أتَوْا رَجُلًا مِنهُمْ؛ يُقالُ لَهُ "أسِيرُ بْنُ عُرْوَةَ "؛ فَكَلَّمُوهُ في ذَلِكَ؛ واجْتَمَعَ إلَيْهِ ناسٌ مِن أهْلِ الدارِ؛ فَأتَوْا رَسُولَ اللهِ - -؛ فَقالُوا: يا رَسُولَ اللهِ؛ إنَّ قَتادَةَ بْنَ النُعْمانِ وعَمَّهُ عَمَدا إلى أهْلِ بَيْتٍ مِنّا؛ أهْلِ إسْلامٍ وصَلاحٍ؛ يَرْمُونَهم بِالسَرِقَةِ عن غَيْرِ بَيِّنَةٍ؛ قالَ قَتادَةُ: فَأتَيْتُ رَسُولَ اللهِ - - فَكَلَّمْتُهُ؛ قالَ: "عَمَدْتَ إلى أهْلِ بَيْتٍ ذُكِرَ مِنهم إسْلامٌ وصَلاحٌ؛ فَرَمَيْتَهم بِالسَرِقَةِ عن غَيْرِ بَيِّنَةٍ"؛ قالَ: فَرَجَعْتُ وقَدْ ودِدْتُ أنْ أخْرُجَ عن بَعْضِ مالِي؛ ولَمْ أُكَلِّمْهُ؛ فَأتَيْتُ عَمِّي؛ فَقالَ: ما صَنَعْتَ؟
فَأخْبَرْتُهُ بِما قالَ رَسُولُ اللهِ - -؛ فَقالَ: اَللَّهُ المُسْتَعانُ؛ فَلَمْ نَلْبَثْ أنْ نَزَلَ القُرْآنُ: ﴿ إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ ﴾ ؛ اَلْآياتِ؛» فالخائِنُونَ بَنُو أُبَيْرِقٍ؛ والبَرِيءُ المَرْمِيُّ لَبِيدُ بْنُ سَهْلٍ؛ والطائِفَةُ الَّتِي هَمَّتْ أسِيرٌ وأصْحابُهُ.
وقالَ قَتادَةُ ؛ وغَيْرُ واحِدٍ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: "هَذِهِ القِصَّةُ؛ ونَحْوُها؛ إنَّما كانَ صاحِبُها طُعْمَةُ بْنُ أُبَيْرِقٍ، ويُقالُ فِيهِ "طُعَيْمَةُ"، وقالَ السُدِّيُّ: "اَلْقِصَّةُ في طُعْمَةَ بْنِ أُبَيْرِقٍ؛ ولَكِنْ بِأنِ اسْتَوْدَعَهُ يَهُودِيٌّ دِرْعًا؛ فَجَحَدَهُ إيّاها؛ وخانَهُ فِيها؛ وطَرَحَها في دارِ أبِي مُلَيْلٍ الأنْصارِيِّ؛ وأرادَ أنْ يَرْمِيَهُ بِسَرِقَتِها لَمّا افْتُضِحَ؛ وأبُو مُلَيْلٍ هو البَرِيءُ المُشارُ إلَيْهِ"؛ وقالَ عِكْرِمَةُ: "سَرَقَ طُعْمَةُ بْنُ أُبَيْرِقٍ دِرْعًا مِن مَشْرُبَةٍ؛ ورَمى بِسَرِقَتِها رَجُلًا مِنَ اليَهُودِ يُقالُ لَهُ " زَيْدُ بْنُ السَمِينِ ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: "وَجُمْلَةُ هَذا يَسْتَدِيرُ عَلى «أنَّ قَوْمَ طُعْمَةَ أتَوُا النَبِيَّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وكَلَّمُوهُ في أنْ يَذُبَّ عن طُعْمَةَ؛ ويَرْفَعَ الدَعْوى عنهُ؛ ودَفَعُوا هم عنهُ؛ ومِنهم مَن يَعْلَمُ أنَّهُ سَرَقَ؛ فَكانَتْ هَذِهِ مَعْصِيَةً مِن مُؤْمِنِيهِمْ؛ وخُلُقٌ مَقْصُودٌ مِن مُنافِقِيهِمْ؛ فَعَصَمَ اللهُ رَسُولَهُ مِن ذَلِكَ؛ ونَبَّهَ عَلى مَقالِهِ لِقَتادَةَ بْنِ النُعْمانِ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيمًا ﴾ ».
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: "وَطُعْمَةُ بْنُ أُبَيْرِقٍ صَرَّحَ بَعْدَ ذَلِكَ بِالِارْتِدادِ؛ وهَرَبَ إلى مَكَّةَ؛ ونَزَلَ عَلى سُلافَةَ؛ فَرَماها حَسّانُ بْنُ ثابِتٍ بِشِعْرٍ؛ فَأخَذَتْ رَحْلَ طُعْمَةَ؛ ورَمَتْ بِهِ في الأبْطُحِ؛ وقالَتْ: اُخْرُجْ عَنّا؛ أهْدَيْتَ إلَيَّ شِعْرَ حَسّانَ ؛ فَرُوِيَ: أنَّهُ نَزَلَ عَلى الحَجّاجِ بْنِ عِلاطٍ؛ وسَرَقَهُ؛ فَطَرَدَهُ؛ ورُوِيَ أنَّهُ نَقَبَ حائِطَ بَيْتٍ لِيَسْرِقَهُ؛ فانْهَدَمَ الحائِطُ عَلَيْهِ فَقَتَلَهُ؛ ورُوِيَ أنَّهُ اتَّبَعَ قَوْمًا مِنَ العَرَبِ؛ فَسَرَقَهُمْ؛ فَقَتَلُوهُ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واسْتَغْفِرِ اللهَ ﴾ ؛ ذَهَبَ الطَبَرِيُّ إلى أنَّ المَعْنى: اِسْتَغْفِرِ اللهَ مِن ذَنْبِكَ في خِصامِكَ لِلْخائِنِينَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: "وَهَذا لَيْسَ بِذَنْبٍ؛ لِأنَّ النَبِيَّ - - إنَّما دافَعَ عَنِ الظاهِرِ؛ وهو يَعْتَقِدُ بَراءَتَهُمْ؛ والمَعْنى: اِسْتَغْفِرْ لِلْمُذْنِبِينَ مِن أُمَّتِكَ؛ والمُتَخاصِمِينَ في الباطِلِ؛ لا أنْ تَكُونَ ذا جِدالٍ عنهُمْ؛ فَهَذا حَدُّكَ؛ ومَحَلُّكَ مِنَ الناسِ؛ أنْ تَسْمَعَ مِنَ المُتَداعِيَيْنِ؛ وتَقْضِيَ بِنَحْوِ ما تَسْمَعُ؛ وتَسْتَغْفِرَ لِلْمُذْنِبِ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أنْفُسَهُمْ ﴾ ؛ لَفْظٌ عامٌّ يَنْدَرِجُ طَيَّهُ أصْحابُ النازِلَةِ؛ ويَتَقَرَّرُ بِهِ تَوْبِيخُهم.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ اللهَ لا يُحِبُّ مَن كانَ خَوّانًا أثِيمًا ﴾ ؛ رِفْقٌ؛ وإبْقاءٌ؛ فَإنَّ الخَوّانَ هو الَّذِي تَتَكَرَّرُ مِنهُ الخِيانَةُ؛ والأثِيمُ هو الَّذِي يَقْصِدُها؛ فَيَخْرُجُ مِن هَذا التَشْدِيدِ الساقِطُ مَرَّةً واحِدَةً؛ ونَحْوَ ذَلِكَ مِمّا يَجِيءُ مِنَ الخِيانَةِ مِن غَيْرِ قَصْدٍ؛ أو عَلى غَفْلَةٍ؛ واخْتِيانُ الأنْفُسِ هو بِما يَعُودُ عَلَيْها مِنَ الإثْمِ والعُقُوبَةِ في الدُنْيا والآخِرَةِ.
<div class="verse-tafsir"
اتّصال هذه الآية بما قبلها يرجع إلى ما مضى من وصف أحوال المنافقين ومناصريهم، وانتقل من ذلك إلى الاستعداد لقتال المناوين للإسلام من قوله: ﴿ يأيها الذين آمنوا خُذوا حذركم فانفروا ﴾ [النساء: 71] الآية، وتخلّل فيه من أحوال المنافقين في تربّصهم بالمسلمين الدوائر ومختلف أحوال القبائل في علائقهم مع المسلمين، واستطرد لذكر قتل الخطأ والعمد، وانتقل إلى ذكر الهجرة، وعقّب بذكر صلاة السفر وصلاة الخوف، عاد الكلام بعد ذلك إلى أحوال أهل النفاق.
والجملة مستأنفة استئنافاً ابتدائياً.
وجمهور المفسّرين على أنّ هاته الآية نزلت بسبب حادثة رواها الترمذي حاصلها: أنّ أخوةً ثلاثة يقال لهم: بِشر وبَشير ومُبشّر، أبناء أبَيْرِق، وقيل: أبناء طُعْمَةَ بن أبيرق، وقيل: إنّما كان بشير أحدهم يكنى أبا طُعمة، وهم من بني ظَفَر من أهل المدينة، وكان بشير شرّهم، وكان منافقاً يهجو المسلمين بشعر يشيعه وينسبه إلى غيره، وكان هؤلاء الإخوة في فاقة، وكانوا جيرة لرفاعة بن زيد، وكانت عِير قد أقبلت من الشام بدَرْمَككٍ وهو دقيق الحُوّارَى أي السميذ فابتاع منها رفاعة بن زيد حِملا من دَرْمك لطعامه، وكان أهل المدينة يأكلون دقيق الشعير، فإذا جاء الدرمك ابتاع منه سيّد المنزل شيئاً لطعامه فجَعل الدرمك في مشربة له وفيها سلاح، فعدَى بنو أبيرق عليه فنقبوا مشربته وسرقوا الدقيق والسلاح، فلمّا أصبح رفاعة ووجد مشربته قد سرقت أخبر ابن أخيه قتادة بن النعمان بذلك، فجعل يتحسّس، فأنبئ بأنّ بني أبيرق استوقدُوا في تلك الليلة ناراً، ولعلّه على بعض طعام رفاعة، فلمّا افتضح بنو أبيرق طرحوا المسروق في دار أبي مُليل الأنصاري.
وقيل: في دار يهودي اسمه زيد بن السمين، وقيل: لبيد بنُ سهل، وجاء بعض بني ظَفر إلى النبي صلى الله عليه وسلم فاشتكوا إليه أنّ رفاعة وابن أخيه اتَّهَما بالسرقة أهلَ بيت إيمان وصلاح، قال قتادة: فأتَيت رسول الله، فقال لي " عمدت إلى أهل بيت إسلام وصلاح فرميتهم بالسرقة على غير بيّنة ".
وأشاعوا في الناس أنّ المسروق في دار أبي مُليل أو دار اليهودي.
فما لبث أن نزلت هذه الآية، وأطْلَعَ الله رسولَه على جِليّة الأمر، معجزة له، حتى لا يطمع أحد في أن يروّج على الرسول باطلاً.
هذا هو الصحيح في سَوق هذا الخبر.
ووقع في «كتاب أسباب النزول» للواحدي، وفي بعض روايات الطبري سوق القصة ببعض مخالفة لما ذكرتُه: وأنّ بني ظَفر سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجادل عن أصحابهم كي لا يفتضحوا ويبرأ اليهودي، وأنّ رسول الله هَمّ بذلك، فنزلت الآية.
وفي بعض الروايات أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لام اليهودي وبَرّأ المتّهم، وهذه الرواية واهية، وهذه الزيادة خطأ بيِّنٌ من أهل القَصص دون علم ولا تبصّر بمعاني القرآن.
والظاهر أنّ صدر الآية تمهيد للتلويح إلى القصة، فهو غير مختصّ بها، إذ ليس في ذلك الكلام ما يلوّح إليها، ولكن مبدأ التلويح إلى القصة من قوله: ﴿ ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم ﴾ .
وقوله: ﴿ بما أراك الله ﴾ الباء للآلة جعل ما أراه الله إيّاه بمنزلة آلة للحكم لأنّه وسيلة إلى مصادفة العدل والحقّ ونفي الجور، إذ لا يحتمل علم الله الخطأ.
والرؤية في قوله: ﴿ أراك الله ﴾ عرفانية، وحقيقتها الرؤية البصرية، فأطلقت على ما يدرك بوجه اليقين لمشابهته الشيء المشاهد.
والرؤية البصرية تنصب مفعولا واحداً فإذ أدخلت عليها همزة التعدية نصبت مفعولين كما هنا، وقد حذف المفعول الثاني لأنّه ضمير الموصول، فأغنى عنه الموصول، وهو حذف كثير، والتقدير: بما أراكَه الله.
فكلّ ما جعله الله حقّا في كتابه فقد أمر بالحكم به بين الناس، وليس المراد أنّه يُعلمه الحقّ في جانب شخص معيّن بأنّ يقول له: إن فلاناً على الحقّ، لأنّ هذا لا يلزم اطّراده، ولأنّه لا يُلفى مدلولا لجميع آيات القرآن وإنْ صلح الحمل عليه في مثل هذه الآية، بل المراد أنّه أنزل عليه الكتاب ليحكم بالطرق والقضايا الدالّة على وصف الأحوال التي يتحقّق بها العدل فيحكم بين الناس على حسب ذلك، بأن تندرج جزئيات أحوالهم عند التقاضي تحت الأوصاف الكلية المبيّنة في الكتاب، مثل قوله تعالى: ﴿ وما جعل أدعياءكم أبناءكم ﴾ [الأحزاب: 4]، فقد أبطل حكم التبنّي الذي كان في الجاهلية، فأعلَمنا أنّ قَول الرجل لمن ليس ولده: هذا ولدي، لا يجعل للمنسوب حقّاً في ميراثه.
ورسول الله صلى الله عليه وسلم لا يخطئ في إدراج الجزئيات تحت كليّاتها، وقد يعرض الخطأ لغيره، وليس المراد أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم يصادف الحقّ من غير وجوهه الجارية بين الناس، ولذلك قال " إنّما أنا بَشَر وإنَّكُم تختصمون إليّ ولعَلّ بعضَكُم أنْ يَكُونَ ألْحَنَ بحجّته من بعضضٍ فأقضي له على نحو ما أسمع فمن قضيت له بحقّ أخيه فلا يأخُذْه فإنّما أقْتَطِعُ له قِطعَة من نار ".
وغير الرسول يخطئ في الاندراج، ولذلك وجب بذل الجهد واستقصاء الدليل، ومن ثمّ استدلّ علماؤنا بهذه الآية على وجوب الاجتهاد في فهم الشريعة.
وعن عمر بن الخطاب أنّه قال: «لا يقولّن أحد قضيت بما أراني الله تعالى فإنّ الله تعالى لم يجعل ذلك إلاّ لنبيّه وأمّا الواحد منّا فرأيه يكون ظنّا ولا يكون علماً»، ومعناه هو ما قدّمناه من عروض الخطأ في الفهم لغير الرسول دون الرسول صلى الله عليه وسلم واللام في قوله: ﴿ للخائنين خصيماً ﴾ لام العلّة وليست لامَ التقوية.
ومفعول ﴿ خصيماً ﴾ محذوف دلّ عليه ذكر مقابله وهو ﴿ للخائنين ﴾ أي لا تكن تخاصم من يخاصم الخائنين، أي لا تخاصم عنهم.
فالخصيم هنا بمعنى المنتصر المدافع كقوله: «كنت أنا خَصْمَه يوم القيامة».
والخطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم والمراد الأمّة، لأنّ الخصام عن الخائنين لا يتوقّع من النبي صلى الله عليه وسلم وإنّما المراد تحذير الذين دفعتهم الحميّة إلى الانتصار لأبناء أبيرق.
والأمرُ باستغفار الله جرى على أسلوب توجيه الخطاب إلى الرسول، فالمراد بالأمر غيره، أرشدهم إلى ما هو أنفع لهم وهو استغفار الله ممّا اقترفوه، أو أراد: واستغفر الله للخائنين ليلهمهم إلى التوبة ببركة استغفارك لهم فذلك أجدر من دفاع المدافعين عنهم.
وهذا نظير قوله: ﴿ ولو أنّهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا لله ﴾ [النساء: 64] وليس المراد بالأمر استغفار النبي لنفسه، كما أخطأ فيه مَن تَوهَّم ذلك، فركَّب عليه أنّ النبي صلى الله عليه وسلم خَطر بباله مَا أوجب أمره بالاستغفار، وهو هَمُّه أن يجادل عن بني أبيرق، مع علمه بأنّهم سرقوا، خشية أن يفتضحوا، وهذا من أفهام الضعفاء وسوء وضعهم الأخبار لتأييد سقيم أفهامهم.
والخطاب في قوله: ﴿ ولا تجادل ﴾ للرسول، والمراد نهي الأمّة عن ذلك، لأنّ مثله لا يترقّب صدوره من الرسول عليه الصلاة والسلام كما دلّ عليه قوله تعالى: ﴿ ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا ﴾ .
و ﴿ يختانون ﴾ بمعنى يَخونون، وهو افتعال دالّ على التكلّف والمحاولة لقصد المبالغة في الخيانة.
ومعنى خيانتهم أنفسهم أنّهم بارتكابهم ما يضرّ بهم كانوا بمنزلة من يخون غيره كقوله: ﴿ عَلم الله أنّكم كنتم تختانون أنفسكم ﴾ [البقرة: 187].
ولك أن تجعل ﴿ أنفسهم ﴾ هنا بمعنى بني أنفسهم، أي بني قومهم، كقوله ﴿ تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقاً منكم من ديارهم ﴾ [البقرة: 85]، وقولِه ﴿ فسلّموا على أنفسكم ﴾ [النور: 61]، أي الذين يختانون ناساً من أهلهم وقومهم.
والعرب تقول: هو تميمي من أنفسهم، أي ليس بمولى ولا لصيق.
والمجادلة مفاعلة من الجدل، وهو القدرة على الخصام والحجّة فيه، وهي منازعة بالقول لإقناع الغير برأيك، ومنه سمّي علم قواعد المناظرة والاحتجاج في الفقه عِلْمَ الجدل، (وكان يختلط بعلم أصول الفقه وعلم آداب البحث وعلم المنطق).
ولم يسمع للجدل فعل مجرّد أصلي، والمسموع منه جَادل لأنّ الخصام يستدعي خصمين.
وأمّا قولهم: جَدَله فهو بمعنى غلبه في المجادلة، فليس فعلا أصلياً في الاشتقاق.
ومصدر المجادلة، الجدال، قال تعالى: ﴿ ولا جدال في الحجّ ﴾ [البقرة: 197].
وأمّا الجَدَل بفتحتين فهو اسم المصدر، وأصله مشتقّ من الجَدْل، وهو الصرع على الأرض، لأنّ الأرض تسمّى الجَدَالة بفتح الجيم يقال: جَدَله فهو مجدول.
وجملة: ﴿ يستحقون من الناس ﴾ بيان ل ﴿ يختانون ﴾ .
وجملة: ﴿ ولا يستخفون من الله ﴾ حال، وذلك هو محلّ الاستغراب من حالهم وكونهم يختانون أنفسهم.
والاستخفاء من الله مستعمل مجازا في الحياء، إذ لا يعتقد أحد يؤمن بالله أنّه يستطيع أن يستخفي من الله.
وجملة: ﴿ وهو معهم ﴾ حال من اسم الجلالة، والمعية هنا معية العلم والاطّلاع و ﴿ إذ يبيّتون ﴾ ظرف، والتبييت جعل الشيء في البيَات، أي الليل، مثل التصبيح، يقال: بيَّتهم العدوُّ وصبَّحهم العدوُّ وفي القرآن: ﴿ لنبيتَنَّه وأهلَه ﴾ [النمل: 49] أي لنأتينّهم ليلا فنقلتهم.
والمبيَّت هنا هو ما لا يُرضي من القول، أي دبّروه وزوّروه ليلا لقصد الإخفاء، كقول العرب: هذا أمر قُضي بليل، أو تُشُورّ فيه بليل، والمراد هنا تدبير مكيدتهم لرمي البُراء بتهمة السرقة.
وقوله ﴿ ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم ﴾ استئناف أثاره قوله: ﴿ ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم ﴾ ، والمخاطب كلّ من يصلح للمخاطبة من المسلمين.
والكلام جار مجرى الفرض والتقدير، أو مجرى التعريض ببعض بني ظَفَر الذين جادلوا عن بني أبيرق.
والقول في تركيب ﴿ هأنتم هؤلاء ﴾ تقدّم في سورة البقرة (85) عند قوله تعالى: ﴿ ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم ﴾ وتقدّم نظيره في آل عمران (119) ها أنتم أولاء تحبّونهم ولا يحبّونكم.
و (أمْ) في قوله: أمَّن يكون عليهم وكيلاً} مُنقطعة للإضراب الانتقالي.
و(مَن) استفهام مستعمل في الإنكار.
والوكيل مضى الكلام عليه عند قوله تعالى: ﴿ وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل ﴾ في سورة آل عمران (173).
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ ﴾ يَحْتَمِلُ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ الكِتابَ حَقٌّ.
والثّانِي: أنَّ فِيهِ ذِكْرَ الحَقِّ.
والثّالِثُ: أنَّكَ بِهِ أحَقُّ.
﴿ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أراكَ اللَّهُ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: بِما أعْلَمَكَ اللَّهُ أنَّهُ حَقٌّ.
والثّانِي: بِما يُؤَدِّيكَ اجْتِهادُكَ إلَيْهِ أنَّهُ حَقٌّ.
﴿ وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيمًا ﴾ أيْ مُخاصِمًا عَنْهم، وهَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ في طُعْمَةَ بْنِ أُبَيْرِقٍ، واخْتُلِفَ في سَبَبِ نُزُولِها فِيهِ، فَقالَ السُّدِّيُّ: كانَ قَدْ أُودِعَ دِرْعًا وطَعامًا فَجَحَدَهُ ولَمْ تَقُمْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ، فَهَمَّ رَسُولُ اللَّهِ بِالدَّفْعِ عَنْهُ، فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أمْرَهُ.
وَقالَ الحَسَنُ: إنَّهُ كانَ سَرَقَ دِرْعًا وطَعامًا فَأنْكَرَهُ واتَّهَمَ غَيْرَهُ وألْقاهُ في مَنزِلِهِ، وأعانَهُ قَوْمٌ مِنَ الأنْصارِ، وخاصَمَ النَّبِيُّ عَنْهُ أوْ هَمَّ بِذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةَ إلى قَوْلِهِ: ﴿ ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا ﴾ يَعْنِي الَّذِي اتَّهَمَهُ السّارِقُ وألْقى عَلَيْهِ السَّرِقَةَ.
وَقِيلَ: إنَّهُ كانَ رَجُلًا مِنَ اليَهُودِ يُقالُ لَهُ يَزِيدُ بْنُ السَّمِقِ.
وَقِيلَ: بَلْ كانَ رَجُلًا مِنَ الأنْصارِ يُقالُ لَهُ: لَبِيدُ بْنُ سَهْلٍ.
وَقِيلَ: طُعْمَةُ بْنُ أُبَيْرِقٍ فارْتَدَّ فَنَزَلَتْ فِيهِ هَذِهِ الآيَةُ.
وَلَحِقَ بِمُشْرِكِي أهْلِ مَكَّةَ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى فِيهِ: ﴿ وَمَن يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الهُدى ويَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلّى ﴾ الآيَةَ [النِّساءِ: ١١٥].
<div class="verse-tafsir"
أخرج الترمذي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والحاكم وصححه عن قتادة بن النعمان قال: كان أهل بيت منا يقال لهم: بنو أبيرق.
بشر، وبشير، ومبشر، وكان بشير رجلاً منافقاً يقول الشعر يهجو به أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ينحله بعض العرب، ثم يقول: قال فلان كذا وكذا، قال فلان كذا وكذا، وإذا سمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك الشعر قالوا: والله ما يقول هذا الشعر إلا هذا الخبيث فقال: أو كلما قال الرجال قصيدة أضحوا فقالوا: ابن الأبيرق قالها.
وكانوا أهل بيت حاجة وفاقة في الجاهلية والإسلام، وكان الناس إنما طعامهم بالمدينة التمر والشعير، وكان الرجل إذا كان له يسار فقدمت ضافطة من الشام من الرزمك ابتاع الرجل منها فخص بها بنفسه، وأما العيال فإنما طعامهم الشعير، فقدمت ضافطة الشام فابتاع عمي رفاعة بن زرد جملاً من الرزمك، فجعله في مشربة له وفي المشربة سلاح له درعان وسيفاهما وما يصلحهما، فعدا عدي من تحت الليل فنقب المشربة وأخذ الطعام والسلاح، فلما أصبح أتاني عمي رفاعة فقال: يا ابن أخي تعلم أنه قد عدي علينا في ليلتنا هذه، فنقبت مشربتنا، فذهب بطعامنا وسلاحنا قال: فتجسسنا في الدار وسألنا فقيل لنا: قد رأينا بني أبيرق قد استوقدوا في هذه الليلة، ولا نرى فيما نرى إلا على بعض طعامكم.
قال: وقد كان بنو أبيرق قالوا- ونحن نسأل في الدار- والله ما نرى صاحبكم إلا لبيد بن سهل رجلاً منا له صلاح وإسلام، فلما سمع ذلك لبيد اخترط سيفه، ثم أتى بني أبيرق وقال: أنا أسرق، فوالله ليخالطنكم هذا السيف أو لتتبين هذه السرقة.
قالوا: إليك عنا أيها الرجل- فوالله- ما أنت بصاحبها، فسألنا في الدار حتى لم نشك أنهم أصحابها.
فقال لي عمي: يا ابن أخي لو أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له؟.
قال قتادة: فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: يا رسول الله إن أهل بيت منا أهل جفاء، عمدوا إلى عمي رفاعة بن زيد فنقبوا مشربة له، وأخذوا سلاحه وطعامه، فليردوا علينا سلاحنا، فأما الطعام فلا حاجة لنا فيه.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سأنظر في ذلك» ، فلما سمع ذلك بنو أبيرق أتوا رجلاً منهم يقال له أسير بن عروة فكلموه في ذلك، واجتمع إليه ناس من أهل الدار فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا رسول الله إن قتادة بن النعمان وعمه عمدوا إلى أهل بيت منا، أهل إسلام وصلاح يرمونهم بالسرقة من غير بينة ولا ثبت.
قال قتادة: فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلمته.
فقال: عمدت إلى أهل بيت ذكر منهم إسلام وصلاح ترميهم بالسرقة من غير بينة ولا ثبت؟
قال قتادة: فرجعت ولوددت أني خرجت من بعض مالي ولم أكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك، فأتاني عمي رفاعة فقال: يا ابن أخي ما صنعت؟
فأخبرته بما قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: الله المستعان...
فلم نلبث أن نزل القرآن ﴿ إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيماً ﴾ لبني أبيرق ﴿ واستغفر الله ﴾ أي مما قلت لقتادة ﴿ إن الله كان غفوراً رحيماً، ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم ﴾ إلى قوله: ﴿ ثم يستغفر الله يجد الله غفوراً رحيماً ﴾ أي أنهم لو استغفروا الله لغفر لهم ﴿ ومن يكسب إثماً ﴾ إلى قوله: ﴿ فقد احتمل بهتاناً وإثماً مبيناً ﴾ قولهم للبيد ﴿ ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك ﴾ يعني أسير بن عروة وأصحابه إلى قوله: ﴿ فسيؤتيه أجراً عظيماً ﴾ .
فلما نزل القرآن أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسلاح فرده إلى رفاعة.
قال قتادة: فلما أتيت عمي بالسلاح- وكان شيخاً قد عسا في الجاهلية، وكنت أرى إسلامه مدخولاً- فلما أتيته بالسلاح قال: يا ابن أخي هو في سبيل الله، فعرفت أن إسلامه كان صحيحاً، فلما نزل القرآن لحق بشير بالمشركين، فنزل على سلافة بنت سعد، فأنزل الله: ﴿ ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ﴾ [ النساء: 115] إلى قوله: ﴿ ضلالاً بعيداً ﴾ [ النساء: 116] فلما نزل على سلافة رماها حسان بن ثابت بأبيات من شعر، فأخذت رحله فوضعته على رأسها، ثم خرجت فرمت به في الأبطح، ثم قالت أهديت لي شعر حسان ما كنت تأتيني بخير.
وأخرج ابن سعد عن محمود بن لبيد قال: «عدا بشير بن الحارث على علية رفاعة بن زيد عم قتادة بن النعمان الظفري فنقبها من ظهرها وأخذ طعاماً له ودرعين بأداتهما، فأتى قتادة بن النعمان النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره بذلك، فدعا بشيراً فسأله، فأنكر ورمى بذلك لبيد بن سهل رجلاً من أهل الدار ذا حسب ونسب، فنزل القرآن بتكذيب بشير وبراءة لبيد بن سهل قوله: ﴿ إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ﴾ إلى قوله: ﴿ ثم يستغفر الله يجد الله غفوراً رحيماً ﴾ يعني بشير بن أبيرق ﴿ ومن يكسب خطيئة أو إثماً ثم يرم به بريئاً ﴾ يعني لبيد بن سهل حين رماه بنو أبيرق بالسرقة، فلما نزل القرآن في بشير وعثر عليه هرب إلى مكة مرتداً كافراً، فنزل على سلافة بنت سعد بن الشهيد، فجعل يقع في النبي صلى الله عليه وسلم وفي المسلمين، فنزل القرآن فيه، وهجاه حسان بن ثابت حتى رجع وكان ذلك في شهر ربيع سنة أربع من الهجرة» .
وأخرج ابن سعد من وجه آخر عن محمود بن لبيد قال: كان أسير بن عروة رجلاً منطيقاً ظريفاً بليغاً حلواً، فسمع بما قال قتادة بن النعمان في بني أبيرق للنبي صلى الله عليه وسلم، حين اتهمهم بنقب علية عمه وأخذ طعامه والدرعين، فأتى أسير رسول الله صلى الله عليه وسلم في جماعة جمعهم من قومه، فقال: إن قتادة وعمه عمدوا إلى أهل بيت منا أهل حسب ونسب وصلاح، يؤنبونهم بالقبيح، ويقولون لهم ما لا ينبغي بغير ثبت ولا بينة، فوضع لهم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شاء ثم انصرف، فأقبل بعد ذلك قتادة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليكلمه، فجبهه رسول الله صلى الله عليه وسلم جبهاً شديداً منكراً، وقال: «بئسما صنعت، وبئسما مشيت فيه.
فقام قتادة وهو يقول: لوددت أني خرجت من أهلي ومالي، وأني لم أكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم في شيء من أمرهم، وما أنا بعائد في شيء من ذلك.
فأنزل الله على نبيه في شأنهم ﴿ إنا أنزلنا إليك الكتاب ﴾ إلى قوله: ﴿ ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم ﴾ يعني أسير بن عروة وأصحابه ﴿ إن الله لا يحب من كان خواناً أثيماً ﴾ » .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ﴾ إلى قوله: ﴿ ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضاة الله ﴾ فيما بين ذلك في طعمة بن أبيرق درعه من حديد التي سرق، وقال أصحابه من المؤمنين للنبي صلى الله عليه وسلم: اعذره في الناس بلسانك، ورموا بالدرع رجلاً من يهود بريئاً.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة قال: ذكر لنا أن هذه الآيات أنزلت في شأن طعمة بن أبيرق، وفيما هم به نبي صلى الله عليه وسلم من عذره، فبين الله شأن طعمة بن أبيرق، ووعظ نبيه صلى الله عليه وسلم، وحذره أن يكون للخائنين خصيماً، وكان طعمة بن أبيرق رجلاً من الأنصار، ثم أحد بني ظفر سرق درعاً لعمه كانت وديعة عندهم، ثم قدمها على يهودي كان يغشاهم، يقال له زيد بن السمين، فجاء اليهودي إلى النبي صلى الله عليه وسلم يهتف، فلما رأى ذلك قومه بنو ظفر، جاءوا إلى نبي الله صلى الله عليه وسلم ليعذروا صاحبهم، وكان نبي الله قد هم بعذره حتى أنزل الله في شأنه ما أنزل، فقال: ﴿ ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم ﴾ إلى قوله: ﴿ يرم به بريئاً ﴾ وكان طعمة قذف بها بريئاً، فلما بين الله شأن طعمة نافق ولحق بالمشركين، فأنزل الله في شأنه: ﴿ ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين...
﴾ [ النساء: 115] الآية.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس قال: «إن نفراً من الأنصار غزوا مع النبي صلى الله عليه وسلم في بعض غزواته، فسرقت درع لأحدهم، فأظن بها رجلاً من الأنصار، فأتى صاحب الدرع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن طعمة بن أبيرق سرق درعي.
فلما رأى السارق ذلك عمد إليها فألقاها في بيت رجل بريء وقال لنفر من عشيرته: إني غيبت الدرع وألقيتها في بيت فلان وستوجد عنده، فانطلقوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا نبي الله إن صاحبنا بريء، وإن سارق الدرع فلان، وقد أحطنا بذلك علماً، فاعذر صاحبنا على رؤوس الناس، وجادل عنه فإنه إن لا يعصمه الله بك يهلك، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فبرأه وعذره على رؤوس الناس، فأنزل الله: ﴿ إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ﴾ يقول: بما أنزل الله إليك إلى قوله: ﴿ خواناً أثيماً ﴾ ثم قال للذين أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلاً ﴿ يستخفون من الناس ﴾ إلى قوله: ﴿ وكيلاً ﴾ يعني الذين أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم مستخفين يجادلون عن الخائنين، ثم قال: ﴿ ومن يكسب خطيئة...
﴾ الآية.
يعني السارق والذين جادلوا عن السارق» .
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في الآية قال: كان رجل سرق درعاً من حديد في زمان النبي صلى الله عليه وسلم طرحه على يهودي، فقال اليهودي: والله ما سرقتها يا أبا القاسم ولكن طرحت عليّ.
وكان الرجل الذي سرق له جيران يبرئونه ويطرحونه على اليهودي، ويقولون: يا رسول الله إن هذا اليهودي خبيث يكفر بالله وبما جئت به، حتى مال عليه النبي صلى الله عليه وسلم ببعض القول، فعاتبه الله في ذلك فقال: ﴿ إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيماً، واستغفر الله ﴾ بما قلت لهذا اليهودي ﴿ إن الله كان غفوراً رحيماً ﴾ ثم أقبل على جيرانه فقال: ﴿ ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم ﴾ إلى قوله: ﴿ وكيلاً ﴾ ثم عرض التوبة فقال: ﴿ ومن يعمل سوءاً أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفوراً رحيماً، ومن يكسب إثماً فإنما يكسبه على نفسه ﴾ فما أدخلكم أنتم أيها الناس على خطيئة هذا تكلمون دونه ﴿ ومن يكسب خطيئة أو إثماً ثم يرم به بريئاً ﴾ وإن كان مشركاً ﴿ فقد احتمل بهتاناً ﴾ إلى قوله: ﴿ ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ﴾ قال: أبى أن يقبل التوبة التي عرض الله له وخرج إلى المشركين بمكة، فنقب بيتاً يسرقه، فهدمه الله عليه فقتله.
وأخرج ابن المنذر عن الحسن «أن رجلاً على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم اخْتَانَ درعاً من حديد، فلما خشي أن توجد عنده ألقاها في بيت جار له من اليهود وقال: تزعمون إني اختنت الدرع- فوالله- لقد أنبئت أنها عند اليهودي، فرفع ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم وجاء أصحابه يعذرونه، فكأن النبي صلى الله عليه وسلم عذره حين لم يجد عليه بينة، ووجدوا الدرع في بيت اليهودي، وأبى الله إلا العدل، فأنزل الله على نبيه ﴿ إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق ﴾ إلى قوله: ﴿ أمن يكون عليهم وكيلاً ﴾ فعرض الله بالتوبة لو قبلها إلى قوله: ﴿ ثم يرم به بريئاً ﴾ اليهودي ثم قال لنبيه صلى الله عليه وسلم ﴿ ولولا فضل الله عليك ورحمته ﴾ إلى قوله: ﴿ وكان فضل الله عليك عظيماً ﴾ فأبرئ اليهودي، وأخبر بصاحب الدرع قال: قد افتضحت الآن في المسلمين، وعلموا أني صاحب الدرع ما لي اقامة ببلد، فتراغم فلحق بالمشركين، فأنزل الله: ﴿ ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ﴾ [ النساء: 115] إلى قوله: ﴿ ضلالاً بعيداًَ ﴾ [ النساء: 116] » .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ﴾ قال: بما أوحى الله إليك، نزلت في طعمة بن أبيرق، استودعه رجل من اليهود درعاً، فانطلق بها إلى داره، فحفر لها اليهودي ثم دفنها، فخالف إليها طعمة فاحتفر عنها فأخذها، فلما جاء اليهودي يطلب درعه كافره عنها، فانطلق إلى أناس من اليهود من عشيرته فقال: انطلقوا معي فإني أعرف موضع الدرع، فلما علم به طعمة أخذ الدرع فألقاها في بيت أبي مليك الأنصاري، فلما جاءت اليهود تطلب الدرع فلم تقدر عليها، وقع به طعمة وأناس من قومه فسبوه قال: أتخوِّنوني...؟
فانطلقوا يطلبونها في داره، فأشرفوا على دار أبي مليك فإذا هم بالدرع، وقال طعمة: أخذها أبو مليك وجادلت الأنصار دون طعمة، وقال لهم: انطلقوا معي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقولوا له ينضح عني ويكذب حجة اليهودي، فإني إن أكذب كذب على أهل المدينة اليهودي، فأتاه أناس من الأنصار فقالوا: يا رسول الله جادل عن طعمة وأكذب اليهودي.
فهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفعل، فأنزل الله عليه ﴿ ولا تكن للخائنين خصيماً ﴾ إلى قوله: ﴿ أثيماً ﴾ ثم ذكر الأنصار ومجادلتهم عنه فقال: ﴿ يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله ﴾ إلى قوله: ﴿ وكيلاً ﴾ ثم دعا إلى التوبة فقال: ﴿ ومن يعمل سوءاً أو يظلم نفسه ﴾ إلى قوله: ﴿ رحيماً ﴾ ثم ذكر قوله حين قال أخذها أبو مليك، فقال: ﴿ ومن يكسب إثماً ﴾ إلى قوله: ﴿ مبيناً ﴾ ثم ذكر الأنصار وأتيانها إياه أن ينضح عن صاحبهم ويجادل عنه فقال: ﴿ لهمت طائفة منهم أن يضلوك ﴾ ثم ذكر مناجاتهم فيما يريدون أن يكذبوا عن طعمة فقال: ﴿ لا خير في كثير من نجواهم ﴾ [ النساء: 114] فلما فضح الله طعمة بالقرآن بالمدينة هرب حتى أتى مكة فكفر بعد إسلامه، ونزل على الحجاج بن علاط السلمي، فنقب بيت الحجاج، فأراد أن يسرقه، فسمع الحجاج خشخشته في بيته وقعقعة جلود كانت عنده، فنظر فإذا هو بطعمة فقال: ضيفي وابن عمي فأردت أن تسرقني؟
فأخرجه فمات بحرة بني سليم كافراً، وأنزل الله فيه ﴿ ومن يشاقق الرسول ﴾ [ النساء: 115] إلى ﴿ وساءت مصيراً ﴾ [ النساء: 115] .
وأخرج سنيد وابن جرير وابن المنذر عن عكرمة قال: استودع رجل من الأنصار طعمة بن أبيرق مشربة له فيها درع فغاب، فلما قدم الأنصاري فتح مشربته فلم يجد الدرع، فسأل عنها طعمة بن أبيرق فرمى بها رجلاً من اليهود يقال له زيد بن السمين، فتعلق صاحب الدرع بطعمة في درعه، فلما رأى ذلك قومه أتوا النبي صلى الله عليه وسلم، فكلموه ليدرأ عنه، فهم بذلك، فأنزل الله: ﴿ إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس ﴾ إلى قوله: ﴿ ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم ﴾ يعني طعمة بن أبيرق وقومه ﴿ ها أنتم هؤلاء جادلتم ﴾ إلى قوله: ﴿ يكون عليهم وكيلاً ﴾ محمد صلى الله عليه وسلم وقوم طعمة ﴿ ثم يرم به بريئاً ﴾ يعني زيد بن السمين ﴿ فقد احتمل بهتاناً ﴾ طعمة بن أبيرق ﴿ ولولا فضل الله عليك ورحمته ﴾ لمحمد صلى الله عليه وسلم ﴿ لهمت طائفة ﴾ قوم طعمة ﴿ لا خير في كثير ﴾ [ النساء: 114] الآية للناس عامة ﴿ ومن يشاقق الرسول ﴾ [ النساء: 115] قال: لما أنزل القرآن في طعمة بن أبيرق لحق بقريش ورجع في دينه، ثم عدا على مشربة للحجاج بن علاط البهري فنقبها، فسقط عليه حجر فلحج فلما أصبح أخرجوه من مكة، فخرج فلقي ركباً من قضاعة، فعرض لهم فقال: ابن سبيل منقطع به.
فحملوه حتى إذا جن عليه الليل عدا عليهم فسرقهم ثم انطلق، فرجعوا في طلبه فأدركوه فقذفوه بالحجارة حتى مات.
فهذه الآيات كلها فيه نزلت إلى قوله: ﴿ إن الله لا يغفر أن يُشْرَك به ﴾ [ النساء: 116] .
وأخرج ابن جرير عن الضحاك قال: نزلت هذه الآية في رجل من الأنصار، استودع درعاً فجحدها صاحبها، فلحق به رجال من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فغضب له قومه وأتوا نبي الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: خوّنوا صاحبنا وهو أمين مسلم، فأعذره يا نبي الله وازجر عنه، فقام النبي صلى الله عليه وسلم فعذره وكذب عنه وهو يرى أنه بريء وأنه مكذوب عليه، فأنزل الله بيان ذلك فقال: ﴿ إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ﴾ إلى قوله: ﴿ أمن يكون عليهم وكيلاً ﴾ فبين خيانته فلحق بالمشركين من أهل مكة وارتد عن الإسلام، فنزل فيه: ﴿ ومن يشاقق الرسول ﴾ [ النساء: 115] إلى قوله: ﴿ وساءت مصيراً ﴾ [ النساء: 115] .
وأخرج ابن أبي حاتم عن عطية العوفي «أن رجلاً يقال له طعمة بن أبيرق سرق درعاً على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فرفع ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فألقاها في بيت رجل، ثم قال لأصحاب له: انطلقوا فاعذروني عند النبي صلى الله عليه وسلم فإن الدرع قد وجد في بيت فلان.
فانطلقوا يعذرونه عند النبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله: ﴿ ومن يكسب خطيئة أو إثماً ثم يرم به بريئاً فقد احتمل بهتاناً ﴾ قال: بهتانه قذفه الرجل» .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم ﴾ قال: اختان رجل من الأنصار عمّاً له درعاً فقذف بها يهودياً كان يغشاهم، فجادل الرجل قومه، فكأن النبي صلى الله عليه وسلم عذره ثم لحق بدار الشرك، فنزلت فيه ﴿ ومن يشاقق الرسول...
﴾ [ النساء: 115] الآية.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: إياكم والرأي، فإن الله قال لنبيه صلى الله عليه وسلم ﴿ لتحكم بين الناس بما أراك الله ﴾ ولم يقل بما رأيت.
وأخرج ابن المنذر عن عمرو بن دينار.
أن رجلاً قال لعمر ﴿ بما أراك الله ﴾ قال: مه، إنما هذه للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن عطية العوفي ﴿ لتحكم بين الناس بما أراك الله ﴾ قال: الذي أراه في كتابه.
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق مالك بن أنس عن ربيعة قال: إن الله أنزل القرآن وترك فيه موضعاً للسُّنة، وسن رسول الله صلى الله عليه وسلم السنة وترك فيها موضعاً للرأي.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن وهب قال: قال لي مالك: الحكم الذي يحكم به بين الناس على وجهين، فالذي يحكم بالقرآن والسنة الماضية فذلك الحكم الواجب والصواب، والحكم يجتهد فيه العالم نفسه فيما لم يأت فيه شيء فلعله أن يوفق.
قال: وثالث التكلف لما لا يعلم، فما أشبه ذلك أن لا يوفق.
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ﴿ لتحكم بين الناس بما أراك الله ﴾ قال: بما بين الله لك.
وأخرج ابن أبي حاتم عن مطر ﴿ لتحكم بين الناس بما أراك الله ﴾ قال: بالبينات والشهود.
وأخرج عبد وابن أبي حاتم عن ابن مسعود موقوفاً ومرفوعاً قال: «من صلى صلاة عند الناس لا يصلي مثلها إذا خلا فهي استهانة استهان بها ربه، ثم تلا هذه الآية ﴿ يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم ﴾ » .
وأخرج عبد بن حميد عن حذيفة مثله، وزاد، ولا يستحيي أن يكون الناس أعظم عنده من الله.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي رزين ﴿ إذ يبيتون ﴾ قال: إذ يؤلفون ما لا يرضى من القول.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر من طريق علي عن ابن عباس في قوله: ﴿ ومن يعمل سوءاً أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله ﴾ قال: أخبر الله عباده بحلمه وعفوه وكرمه وسعة رحمته ومغفرته، فمن أذنب ذنباً صغيراً كان أو كبيراً ثم استغفر الله يجد الله غفوراً رحيماً ولو كانت ذنوبه أعظم من السموات والأرض والجبال.
وأخرج ابن جرير وعبد بن حميد والطبراني والبيهقي في شعب الإيمان عن ابن مسعود قال: كان بنو إسرائيل إذا أصاب أحدهم ذنباً أصبح قد كتب كفارة ذلك الذنب على بابه، وإذا أصاب البول شيئاً منه قرضه بالمقراض، فقال رجل: لقد آتى الله بني إسرائيل خيراً فقال ابن مسعود: ما آتاكم الله خير مما آتاهم، جعل لكم الماء طهوراً وقال: ﴿ ومن يعمل سوءاً أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفوراً رحيماً ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد عن ابن مسعود قال: من قرأ هاتين الآيتين من سورة النساء ثم استغفر غفر له ﴿ ومن يعمل سوءاً أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفوراً رحيماً ﴾ .
﴿ ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول..
﴾ [ النساء: 64] الآية.
وأخرج ابن جرير عن حبيب بن أبي ثابت قال: جاءت امرأة إلى عبد الله بن مغفل، فسألته عن امرأة فجرت فحبلت ولما ولدت قتلت ولدها فقال: ما لها إلا النار.
فانصرفت وهي تبكي، فدعاها ثم قال: ما أرى أمرك إلا أحد أمرين ﴿ من يعمل سوءاً أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفوراً رحيماً ﴾ فمسحت عينها ثم مضت.
وأخرج ابن أبي حاتم وابن السني في عمل اليوم والليلة وابن مردويه عن علي قال: سمعت أبا بكر يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما من عبد أذنب فقام فتوضأ فأحسن وضوءه، ثم قام فصلى واستغفر من ذنبه إلا كان حقاً على الله أن يغفر له، لأن الله يقول ﴿ ومن يعمل سوءاً أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفوراً رحيماً ﴾ » .
وأخرج أبو يعلى والطبراني وابن مردويه عن أبي الدرداء قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جلس وجلسنا حوله، وكانت له حاجة فقام إليها وأراد الرجوع ترك نعليه في مجلسه أو بعض ما يكون عليه، وأنه قام فترك نعليه، فأخذت ركوة من ماء فاتبعته فمضى ساعة ثم رجع ولم يقض حاجته، فقال: «إنه أتاني آت من ربي فقال: إنه ﴿ من يعمل سوءاً أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفوراً رحيماً ﴾ فأردت أن أبشر أصحابي» .
قال أبو الدرداء: وكانت قد شقت على الناس التي قبلها ﴿ من يعمل سوءاً يجز به ﴾ [ النساء: 123] فقلت: يا رسول الله وإن زنى وإن سرق ثم استغفر ربه غفر الله له؟
قال: «نعم» .
قلت: الثانية...
قال: «نعم» .
قلت: الثالثة...
قال: «نعم.
على رغم أنف عويمر» .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن سيرين ﴿ ثم يرم به بريئاً ﴾ قال: يهودياً.
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ وعلمك ما لم تكن تعلم ﴾ قال: علَّمه الله بيان الدنيا والآخرة.
بين حلاله وحرامه ليحتج بذلك على خلقه.
وأخرج عن الضحاك قال: علمه الخير والشر.
والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
<div class="verse-tafsir"
﴿ لِتَحْكُمَ بَيْنَ الناس بِمَآ أَرَاكَ الله ﴾ يحتمل أن يريد بالوحي لمن منع ذلك من الظاهرية وغيرهم ﴿ وَلاَ تَكُنْ لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيماً ﴾ نزلت هذه الآية وما بعدها في قصة طعمة بن الأبيرق إذ سرق طعاماً وسلاحاً لبعض الأنصار، وجاء قومه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا: إنه بريء، ونسبوا السرقة إلى غيره، وظن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم صادقون، فجادل عنهم ليدفع ما نسب إليهم حتى نزل القرآن فافتضحوا، فالخائنون في الآية: هم السراق بنو الأبيرق، وقال السهيلي: هم بشر وبشير ومبشر وأسيد، ومعناها: لا تكن لأجل الخائنين مخاصماً لغيرهم ﴿ واستغفر الله ﴾ أي من خصامك عن الخائنين، على أنه صلى الله عليه وسلم إنما تكلم على الظاهر وهو يعتقد براءتهم.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ عن أسلحتكم وأمتعتكم ﴾ عباس بالاختلاس.
﴿ اطمأننتم ﴾ وبابه بغير همز: أبو عمرو ويزيد والأعشى والأصبهاني عن ورش وحمزة في الوقف.
﴿ بريا ﴾ بالتشديد: يزيد والشموتي وحمزة في الوقف.
الوقوف: ﴿ من ورائكم ﴾ ج.
﴿ وأسلحتهم ﴾ ط لانقطاع النظم مع اتصال المعنى.
﴿ واحدة ﴾ ط ﴿ أسلحتكم ﴾ ج ﴿ حذركم ﴾ ط ﴿ مهيناً ﴾ ه ﴿ وعلى جنوبكم ﴾ ط للابتداء باذا الشرطية مع الفاء.
﴿ الصلاة ﴾ ج لاحتمال فإن أو لأن ﴿ موقوتاً ﴾ ه ﴿ القوم ﴾ ط ﴿ كما تألمون ﴾ لا لاحتمال الواو الاستئناف أو الحال: ﴿ ما لا يرجون ﴾ ط ﴿ حكيمأً ﴾ ه ﴿ اراك الله ﴾ ط لأن ما بعد استئناف.
﴿ خصيماً ﴾ ه لا للعطف ﴿ واستغفر الله ﴾ ط ﴿ رحيماً ﴾ ه للآية مع العطف.
﴿ أنفسهم ﴾ ط ﴿ أثيماً ﴾ ه ج لاحتمال ما بعد الوصف.
﴿ من القول ﴾ ط ﴿ محيطاً ﴾ ه ط ﴿ وكيلاً ﴾ ه ﴿ رحيماً ﴾ ه ﴿ على نفسه ﴾ ط ﴿ حكيماً ﴾ ه ﴿ مبيناً ﴾ ه ﴿ يضلوك ﴾ ط ﴿ من شيء ﴾ ط ﴿ تعلم ﴾ ط ﴿ عظيماً ﴾ ه.
التفسير: قال أبو يوسف والحسن بن زياد: صلاة الخوف كانت خاصة للرسول / ولا تجوز لغيره لقوله : ﴿ وإذا كنت فيهم ﴾ ولأن تغيير هيئة الصلاة أمر على خلاف الدليل إلاّ أنا جوّزنا ذلك في حق النبي لفضيلة الصلاة خلفه فينبغي لغيره على المنع.
وجمهور الفقهاء على أنها عامة لأن أئمة الأمة نواب عنه في كل عصر؛ ألا ترى أن قوله: ﴿ خذ من أموالهم صدقة ﴾ لم يوجب كون الرسول مخصوصاً به دون أئمة أمته؟
وذهب المزني إلى نسخ صلاة الخوف محتجاً بأنه لم يصلها في حرب الخندق، وأجيب بأن ذلك قبل نزول الآية.
عن ابن عباس قال: "خرج رسول الله في غزاة فلقي المشركين بعسفان، فلما صلى رسول الله الظهر فرأوه يركع ويسجد هو وأصحابه قال بعضهم لبعض: كأن هذا فرصة لكم لو أغرتم عليهم ما علموا بكم حتى تواقعوهم.
فقال قائل منهم: فإن لهم صلاة أخرى هي أحب إليهم من أهليهم وأموالهم فاستعدّوا حتى تغيروا عليهم فيها فأنزل الله عز وجل على نبيه: ﴿ وإذا كنت فيهم ﴾ إلى آخر الآية" أما شرح صلاة الخوف فهو أن الإمام يجعل القوم طائفتين ويصلي بإحداهما ركعة واحدة، ثم إذا فرغوا من الركعة سلموا منها ويذهبون إلى وجه العدو وتأتي الطائفة الأخرى فيصلي بهم الإمام ركعة أخرى ويسلم.
وهذا مذهب من يرى صلاة الخوف ركعة فللإمام ركعتان وللقوم ركعة، وهذا مروي عن ابن عباس وجابر بن عبد الله ومجاهد.
وقال الحسن البصري: إن الإمام يصلي بتلك الطائفة ركعتين ويسلم، ثم تذهب تلك الطائفة إلى وجه العدّو وتأتي الطائفة الأخرى فيصلي الإمام بهم مرة أخرى ركعتين كما فعل النبي ببطن نخل.
وليس في هذه الصلاة إلاّ اقتداء مفترض بمتنفل، فإن الصلاة الثانية نافلة للإمام لا محالة.
وفي جواز ذلك اختلاف بين العلماء.
وقال الشافعي إن كان العدو في جهة القبلة صلى الإمام بجميع العسكر إلى الاعتدال عن ركوع الركعة الأولى، فإذا حان وقت السجدة حرست فرقة إما صف أو فرقة من صف إلى أن يفرغ الإمام وغير الحارسة من السجدتين، فإذا فرغ الإمام منهما سجدت الفرقة الحارسة ولحقت به حيث أمكنها، وإذا سجد الإمام الركعة الثانية حرست فرقة إما الفرقة الحارسة في الركعة الأولى أو الفرقة الأخرى وهذه أولى.
فإذا فرغ الإمام من السجود سجدت الحارسة ولحقت بالإمام في التشهد ليسلم بهم وليس في هذه الصلاة إلاّ التخلف عن الإمام بأركان السجدتين والجلسة بينهما، واحتمل لحاجة الخوف وظهور العذر وبمثله صلى رسول الله بعسفان، وأما إن لم يكن العدوّ في وجه القبلة أو كانوا بحيث يمنعهم شيء من أبصار المسلمين صلى الإمام في الثنائية كالصبح أو الرباعية المقصورة بكل فرقة ركعة، وذلك أن ينحاز الإمام بفرقة إلى حيث لا تبلغهم سهام العدو فيصلي بهم ركعة، فإذا قام إلى الثانية انفردوا بها وسلموا وأخذوا مكان، إخوانهم في الصف، وانحاز الصف المقاتل إلى الإمام وهو ينتظر لهم واقتدوا به في / الثانية، فإذا جلس للتشهد قاموا وأتموا الثانية ولحقوا به قبل السلام وسلم بهم، وهذه صلاة ذات الرقاع رواه أبو داود والنسائي عن صالح عن سهل بن أبي حثمة عن النبي .
وقال أبو حنيفة: ويروى عن ابن عمر وابن مسعود أن الطائفة الأولى يصلي بهم الإمام ركعة ويعودون إلى وجه العدو تأتي الطائفة الثانية فيصلي بهم بقية الصلاة وينصرفون إلى وجه العدو، ثم تعود الطائفة الأولى فيقضون بقية صلاتهم بغير قراءة وينصرفون إلى وجه العدو، ثم تعود الطائفة الثانية فيقضون بقية صلاتهم بقراءة.
والفرق أن الطائفة الأولى أدركت أول الصلاة فهي في حكم من خلف الإمام، وأما الثانية فلم تدرك أول الصلاة والمسبوق فيما يقضي كالمنفرد في صلاته.
ولا خلاف في أن رسول الله قد صلى بهذه الصلاة في أوقات مختلفة بحسب المصالح، وإنما وقع الاختلاف بين الفقهاء في أن الأفضل والأشد موافقة لظاهر الآية أيّ هذه الأقسام.
فقال الواحدي: ﴿ ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا ﴾ يدل على أن الطائفة الأولى قد صلت عند إتيان الثانية كما هو مذهب الشافعي.
وأما عند أبي حنيفة فالطائفة الثانية تأتي والأولى بعد في الصلاة وما فرغوا منها.
وأيضاً قوله: ﴿ فليصلوا معك ﴾ ظاهرة يدل على أن جميع صلاة الطائفة الثانية مع الإمام.
قال أصحاب أبي حنيفة: ﴿ فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم ﴾ يدل على أن الطائفة الأولى لم يفرغوا من الصلاة ولكنهم يصلون ركعة ثم يكونون من وراء الطائفة الثانية للحراسة.
أجاب الواحدي بأن هذا إنما يلزم إذا جعلنا السجود والكون من ورائكم لطائفة واحدة، لكن السجود للأولى والكون من الوراء الذي بمعنى الحراسة للطائفة الثانية، أو معنى سجدوا صلوا وحينئذٍ لا يبقى إشكال وأيضاً الذي اختاره الشافعي أحوط لأمر الحرب فإنها أخف على الطائفتين جميعأ والحراسة خارج الصلاة أهون وليس فيها ما في غيرها من زيادة الذهاب والرجوع وكثرة الأفعال والاستدبار, وليس فيها إلاّ الانفراد عن الإمام في الركعة الثانية وذلك جائز على الأصح في الأمن أيضاً، وإلاّ انتظار الإمام بالطائفة الثانية مرتين وإن كانت الصلاة مغرباً فيصلي بالأولى ركعتين وبالثانية ركعة ويجوز العكس.
وإن كانت رباعية فيصلي بكل طائفة ركعتين، ويجوز أن يفرقهم أربع فرق إن مست الحاجة إليه بأن لا يكفي نصف المسلمين لعدوهم.
واعلم أن الصلاة على الوجه المشروع ليست عزيمة بل لو صلى الإمام بطائفة وأمر غيره فيصلي بترك فضيلة الجماعة ويتنافسون في الاقتداء به فأمره الله بترتيبهم هكذا لتحوز إحدى الطائفتين فضيلة التكبير معه، والأخرى فضيلة التسليم معه.
فالخطاب في قوله: ﴿ وإذا كنت ﴾ للنبي أي إذا كنت أيها النبي مع المؤمن في غزواتهم وخوفهم ﴿ فأقمت لهم / الصلاة ﴾ فاجعلهم طائفتين ﴿ فلتقم طائفة منهم معك ﴾ فصل بهم ﴿ وليأخذوا أسلحتهم ﴾ فإن كان الضمير لغير المصلين فلا كلام، وإن كان للمصلين فليأخذوا من السلاح ما لا يشغلهم عن الصلاة كالسيف والخنجر، ويحتمل أن يكون أمراً للفريقين بحمل السلاح لأن ذلك أقرب إلى الاحتياط.
ثم قال للطائفة الثانية: ﴿ وليأخذوا حذرهم ﴾ فكأنه جعل الحذر والتيقظ آلة يستعملها الغازي.
وفيه رحمة للخائف في الصلاة بأن يجعل بعض فكره في غير الصلاة.
وإنما أمر هذه الطائفة بأخذ الحذر والأسلحة جميعاً لأن العدو قلما يتنبه في أول الصلاة لكون المسلمين في الصلاة بل يظنونهم قياماً للمحاربة، وأما في الركعة الثانية فيظهر لهم ذلك من ركوعهم وسجودهم الأولين فربما ينتهزون الفرصة في الهجوم عليهم كما ذكرنا في سبب النزول، فلا جرم خص الله هذا الموضع بزيادة تحذير ﴿ ميلة واحدة ﴾ شدة واحدة.
ثم رخص لهم في وضع السلاح إذا أصابه بلل المطر فيسود وتفسد حدته وجدته أو يثقل على المرء إذا كان محشواً، وحين كان الرجل مريضاً فيشق عليه حمل السلاح ولكنه أعاد الأمر بأخذ الحذر لأن الغفلة عن كيد العدو لا تجوز بكل حال.
قال بعض العلماء أخذ السلاح في صلاة الخوف سنة مؤكدة والأصح أنه واجب لأن ظاهر الأمر للوجوب، ولأن رفع الجناح عند العذر ينبىء عن وجود الجناح في غير ذلك الوقت لكن الشرط أن لا يحمل سلاحاً فحسب أن أمكنه، ولا يحمل الرمح إلاّ في طرف الصف.
وبالجملة بحيث لا يتأذى به أحد وفي هذا دليل على أنه كان يجوز للنبي صلى الله عيله وسلم أن يأتي بصلاة الخوف على جهة يكون بها حاذراً غير غافل عن كيد العدو، فلا يكون شيء من الروايات الواردة فيها على خلاف نص القرآن وكما أن الآية دلت على وجوب الحذر عن العدو كذلك تدل على وجوب الحذر عن جميع المضار المظنون، وبهذا الطريق كان الإقدام على العلاج بالدواء والاحتراز عن الوباء في الجلوس تحت الجدار المائل واجباً.
قالت المعتزلة: لو لم يكن العبد قادراً على الفعل والترك، وعلى جميع وجوه الحذر لم يكن للأمر بالحذر فائدة.
والجواب أن لا ننكر الأسباب لكنا ندعي انتهاء الكل إلى مسببها ولهذا ختم الآية بقوله: ﴿ إن الله أعد للكافرين عذاباً مهيناً ﴾ ليعلموا أنه رتب على هذا الحذر كون الكفار مخذولين مقهورين وكان كما أخبر.
أما قوله: ﴿ فإذا قضيتم الصلاة ﴾ ففيه قولان: الأول فإذا قضيتم صلاة الخوف فواظبوا على ذكر الله في جميع الأحوال فإن ما أنتم عليه من الخوف والحرب جدير بذكر الله وإظهار الخشوع واللجوء إليه.
الثاني أن المراد بالذكر الصلاة أي صلوا قياماً حال اشتغالكم بالمسايفة والمقارعة، وقعوداً جاثين على الركب حال اشتغالكم بالرمي، وعلى جنوبكم مثخنين بالجراح.
وأورد على هذا القول أن الذكر بمعنى الصلاة مجاز وأن المعنى يصير حينئذٍ: فإذا قضيتم الصلاة فصلوا وفيه بعد اللهم إلاّ أن يقال: المراد فإذا أردتم قضاء الصلاة فصلوا في شدّة / التحام القتال.
واعلم أن الآية مسبوقة بحكمين: أحدهما بيان القصر في صلاة المسافر والثاني بيان صلاة الخوف.
فقوله: ﴿ فإذا اطمأننتم ﴾ يحتمل أن يراد به فإذا صرتم مقيمين فأقيموا الصلاة تامة من غير قصر ألبتة.
ويحتمل أن يراد فإذا زال الخوف وحصل سكون القلب فأقيموا الصلاة التي كنتم تعرفونها من غير تغيير شيء من هيئاتها ﴿ إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً ﴾ أي مكتوبة موقوتة محدودة بأوقات لا يجوز إخراجها عنها ولو في شدة الخوف، وفيه دليل للشافعي في إيجابه الصلاة على المحارب في حال المسايفة والاضطراب في المعركة إذا حضر وقتها.
وعند أبي حنيفة هو معذور في تركها إلى أن يطمئن.
وأوقات الصلاة الخمس مشهورة وقد يستدل عليها بقوله: ﴿ حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى ﴾ فإن الوسطى يجب أن تكون مغايرة للصلوات لئلا يلزم التكرار فهي زائدة على الثلاث، ولو كان الواجب أربعاً لم يوجد لها وسطى فإذاً أقلها خمس وسيجيء آيات أخر دالة على الأوقات الخمس كقوله: ﴿ وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفاً من الليل ﴾ ﴿ أقم الصلاة لدلوك الشمس ﴾ وسنشرحها إن شاء الله تعالى في مواضعها.
قال المحققون: إن للإنسان خمس مراتب: سن النمو إلى تمام سن الشباب، وسن الوقوف وهو أن يبقى ذلك الشخص على صفة كماله من غير زيادة ولا نقصان، وسن الكهولة ويظهر فيها نقصان خفي في الإنسان، وسن الشيخوخة ويظهر فيها نقصانات جلية فيه إلى أن يموت ويهلك.
وأما المرتبة الخامسة فهي أخباره وآثاره إلى أن يندرس وينطمس ويصير كأن لم يكن، وكذا الشمس إذا ظهر سلطانها من المشرق لا يزال يزداد ضياؤها إلى طلوع جرمها، ثم يزداد ارتفاعها شيئاً بعد شيء إلى أن يبلغ وسط السماء، ثم يظهر فيها نقصانات خفية من الانحطاط وضعف النور والحر إلى وقت العصر حين يصير ظل كل شيء مثله، ثم تظهر النقصانات الجلية إلى أن يصير في زمان لطيف ظل كل شيء مثليه، ثم أزيد إلى أن تغرب، ثم يبقى أثرها في أفق المغرب وهو الشفق، ثم ينمحي حتى يصير كأن الشمس لم توجد قط.
فهذه الأحوال الخمس أمور عجيبة لا يقدر عليها إلاّ خالقها وخالق جميع الأشياء، وموافقة لأسنان الإنسان فلهذا تعينت أوقاتها للعبادة والإقبال على المعبود الحق جده.
ثم عاد إلى الحث على الجهاد فقال: ﴿ ولا تهنوا في ابتغاء القوم ﴾ لا تضعفوا في طلب الكفار بالقتال والتعرض لهم بما يقلقهم.
ثم ألزمهم الحجة بقوله: ﴿ إن تكونوا تألمون ﴾ والمعنى أن حصول الألم قدر مشترك بينكم وبينهم ولكم مع ذلك رجاء الثواب على الجهاد دونهم لأنهم ينكرون المعاد فأنتم أولى بالصبر على القتال / والحد فيه منهم، ويحتمل أن يراد بهذا الرجاء ما وعدهم الله من النصر والغلبة على سائر الأديان، أو يراد أنكم تعبدون الإله العالم القادر السميع البصير الذي يصح أن يرجى منه، وأنهم يعبدون الأصنام التي لا خيرهن يرجى ولا شرهن يخشى، ويروى أن هذا في بدر الصغرى كان بهم جراح فتواكلوا ﴿ وكان الله عليماً حكيماً ﴾ لا يكلفكم إلا ما فيه صلاح لكم في دينكم ودنياكم.
ثم رجع إلى ما انجر منه الكلام وهو حديث المنافقين، وفيه أن الأحكام المذكورة كلها بإنزال الله وليس للرسول أن يحيد عن شيء منها طلباً لرضا قومه، وفيه أن كفر الكافر لا يبيح المساهلة في النظر له وإن كان يجوز الجهاد معه بل الواجب أن يحكم له وعليه بما أنزله على رسوله.
قال أكثر المفسرين: "إن رجلاً من الأنصار - يقال له طعمة بن أبيرق أحد بني ظفر بن الحرث - سرق درعاً من جار له - يقال له قتادة بن النعمان - وجراباً فيه دقيق، فجعل الدقيق ينتثر من خرق في الجراب حتى انتهى إلى الدار وفيها أثر الدقيق، ثم خبأها عند رجل من اليهود - يقال له زيد بن السمين - فالتمست الدرع عند طعمة فلم توجد عنده وحلف لهم والله ما أخذها وما له بها من علم فتركوه واتبعوا أثر الدقيق حتى انتهى إلى منزل اليهودي فأخذوها فقال: دفعها إلي طعمة وشهد له ناس من اليهود.
فقالت بنو ظفر: انطلقوا بنا إلى رسول الله فكلموه في ذلك وسألوه أن يجادل عن صاحبهم وقالوا: إنك إن لم تفعل هلك صاحبنا وافتضح وبرىء اليهودي.
فَهَمَّ رسول الله أن يفعل وكان هواه معهم وأن يعاقب اليهودي.
وقيل: همَّ أن يقطع يده فأنزل الله : ﴿ إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق ﴾ الآيات إلى قوله: ﴿ ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالاً بعيداً ﴾ " وفي الآية دليل على أن طعمة وقومه كانوا منافقين وإلا لما طلبوا من الرسول نصرة الباطل وإلحاق السرقة باليهودي.
قال أبو علي: قوله: ﴿ بما أراك الله ﴾ ليس منقولاً بالهمزة من رؤية البصر لأن حكم الحادثة لا يرى بالبصر ولا من رؤية القلب وإلا لاقتضى ثلاثة مفاعيل وليس في الآية إلا اثنان: أحدهما الكاف والآخر الضمير العائد المحذوف فهو إذن بمعنى الاعتقاد معناه بما علمك الله.
وسمى ذلك العلم بالرؤية لأن العلم اليقيني المبرأ عن جهات الريب يكون جارياً مجرى الرؤية في القوة والظهور، وكان عمر يقول: لا يقولن أحدكم قضيت بما أراني الله فإن الله لم يجعل ذلك إلا لنبيه والرأي منا ظن وتكلف.
قال بعض العلماء: في الآية دلالة على أنه ما كان يحكم إلا بالوحي والنص، وأن الاجتهاد ما كان جائزاً له وحينئذ يجب أن يكون حال الأمة كذلك لقوله: ﴿ فاتبعوه ﴾ وأجيب بأن العمل بالقياس عمل بالنص أيضاً وكأنه قال: مهما غلب على ظنك أن حكم الصورة المسكوت عنها مثل حكم الصورة المنصوص عليها بسبب أمر / جامع بين الصورتين، فاعلم أن تكليفي في حقك أن تعمل بموجب ذلك الظن.
﴿ ولا تكن للخائنين ﴾ أي لأجلهم يريد بني ظفر وهم قوم طعمة ﴿ خصيماً ﴾ مخاصماً وأصله من الخصم بالضم والسكون وهو ناحية الشيء وطرفه، وكأن كل واحد من الخصمين في ناحية من الحجة والدعوى.
قال بعض الطاعنين في عصمة الأنبياء : لولا أن الرسول أراد أن يخاصم لأجل الخائن ويذب عنه لما ورد النهي عنه ولما أمر بالاستغفار.
والجواب أن النهي عن الشي لا يقتضي كون المنهي مرتكباً للمنهي عنه، بل ثبت في الرواية أن قوم طعمة لما التمسوا منه أن يذب عن طعمة ويلحق السرقة باليهودي توقف وانتظر الوحي، ولعله أمر بالاستغفار لأنه مال طبعه إلى نصرة طعمة بسبب أنه كان في الظاهر من المسلمين وحسنات الأبرار سيئات المقربين، أو لعل القوم شهدوا بسرقة اليهودي وبراءة طعمة ولم يظهر للرسول ما يوجب القدح في شهادتهم، فهم بالقضاء على اليهودي وبراءة طعمة ولم يظهر للرسول ما يوجب القدح في شهادتهم, فهم بالقضاء على اليهودي فأطلعه الله على مصدوق الحال، أو لعل المراد واستغفر لأولئك الذين يذبون عن طعمة ثم قال: ﴿ ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم ﴾ يعني طعمة ومن عاونه من قومه ممن علموا كونه سارقاً.
والاختيان كالخيانة يقال: خانه واختانه، والعاصي خائن نفسه لأنه يحرم نفسه الثواب ويوصلها إلى العقاب ﴿ إن الله لا يحب من كان خواناً أثيماً ﴾ قال المفسرون: إن طعمة خان في الدرع وأثم في نسبة اليهودي إلى تلك السرقة.
وإنما ورد البناآن على المبالغة والعموم ليتناول طعمة وكل من خان خيانة فلا تخاصم لخائن قط ولا تجادل عنه لأن الله لا يحبه.
وأيضاً كان الله عالماً من طعمة بالإفراط في الخيانة وركوب الإثم.
وروي أنه هرب إلى مكة وارتد ونقب حائطاً ليسرق أهله فسقط الحائط عليه فقتله، ومن كانت تلك خاتمة أمره لا يشك في حاله.
وقالت العقلاء: إذا عثرت من رجل على سيئة فاعلم أن لها أخوات.
وعن عمر أنه أمر بقطع يد سارق فجاءت أمه تبكي وتقول: هذه أول سرقة سرقها فاعف عنه.
فقال: كذبت إن الله لا يؤاخذ عبده في أول مرة.
وفي الآية دليل على أن من كان قليل الخيانة والإثم لم يكن في معرض السخط من الله.
﴿ يستخفون ﴾ يستترون من الناس حياء منهم وخوفاً من ضررهم ﴿ ولا يستخفون من الله ﴾ أي لا يستحيون منه لأن الاستخفاء لازم الاستحياء وهو معهم بالعلم والقدرة والرؤية وكفى هذا زاجراً للإنسان عن المعاصي ﴿ إذ يبيّتون ﴾ يدبرون ﴿ ما لا يرضى من القول ﴾ وهو تدبير طعمة أن يرمي بالدرع في دار زيد ليسرق دونه ويحلف ببراءته وتسمية التدبير وهو معنى في النفس قولاً ليس فيها إشكال عند القائلين بالكلام النفسي، وأما عند غيرهم فمجاز، أو لعلهم اجتمعوا في الليل ورتبوا كيفية المكر فسمى الله كلامهم ذلك بالقول المبيت الذي لا يرضاه الله، أو المراد بالقول الحلف الكاذب الذي حلف به بعد أن بيته ﴿ ها أنتم هؤلاء ﴾ ها للتنبيه في أنتم / وأولاء وهما مبتدأ وخبر وقوله: ﴿ جادلتم عنهم ﴾ جملة موضحة للأولى كما يقال للسخي: أنت حاتم تجود بمالك.
أو المراد أنتم الذين جادلتم والخطاب لقوم مؤمنين كانوا يذبون عن طعمة وقومه لأنهم في الظاهر مسلمون.
والمعنى: هبوا أنكم خاصمتم عن طعمة وقومه في الدنيا فمن الذي يخاصم عنهم في الآخرة إذا أخذهم الله بعذابه ﴿ أمن يكون عليهم وكيلاً ﴾ حافظاً ومحامياً عن عذاب الله.
وهذا الاستفهام معطوف على الأول وكلاهما للإنكار والتقريع.
ثم أردف الوعيد بذكر التوبة فقال: ﴿ ومن يعمل سوءاً ﴾ قبيحاً متعدياً يسوء به غيره كما فعل طعمة بقتادة واليهودي ﴿ أو يظلم نفسه ﴾ بما يجازي به كالحلف الكاذب.
وإنما خص ما يتعدى إلى الغير باسم السوء لأن إيصال الضرر إلى الغير سوء حاضر بخلاف الذي يعود وباله إلى فاعله فإن ذلك في الأكثر لا يكون ضرراً عاجلاً.
لأن الإنسان لا يوصل الضرر إلى نفسه.
وقد يستدل بإطلاق الآية على أن التوبة مقبولة عن جميع الذنوب وإن كان كفراً أو قتلاً عمداً أو غضباً للأموال، بل على أن مجرد الاستغفار كاف.
وعن بعضهم أن الاستغفار لا ينفع مع الإصرار فلا بد من اقترانه بالتوبة ﴿ يجد الله غفور رحيماً ﴾ أي له فحذف هذا الرابط لدلالة الكلام عليه لأنه لا معنى للترغيب في الاستغفار إلا إذا كان المراد ذلك.
وقيل: ومن يعمل سوءاً من ذنب دون الشرك أو يظلم نفسه بالشرك, وهذا بعث لطعمة على الاستغفار والتوبة لتلزمه الحجة مع العلم بما يكون منه, أو بعث لقومه لما فرط منهم من نصرته والذب عنه.
﴿ ومن يكسب إثماً ﴾ الكسب عبارة عما يفيد جر منفعة أو دفع مضرة ولذلك لم يجز وصف الباري بذلك.
والمقصود منه ترغيب العاصي في الاستغفار وكأنه قال: الذنب الذي أتيت به إنما يعود وباله وضرره إليك لا إليّ فإني منزه عن النفع والضر، ولا تيأس من قبول التوبة.
﴿ وكان الله عليماً حكيماً ﴾ تقتضي حكمته أن يتجاوز عن التائب ما علمه منه ﴿ ومن يكسب خطيئة ﴾ صغيرة ﴿ وإثماً ﴾ كبيرة وقيل: الخطيئة الذنب القاصر على فاعله والإثم هو الذنب المتعدي إلى الغير كالظلم والقتل.
وقيل: الخطيئة ما لا ينبغي فعله سواء كان بالعمد أو الخطأ، والإثم ما حصل بسبب العمد ﴿ ثم يرم به ﴾ أي بأحد المذكورين أو بالإثم أو بذلك الذنب لأن الخطيئة في معنى الذنب، أو بذلك الكسب ﴿ بريئاً فقد احتمل بهتاناً وإثماً مبيناً ﴾ لأنه بكسب الإثم وبرمي البريء باهت فهو جامع بين الأمرين، فلا جرم يلحقه الذم في الدارين ﴿ ولولا فضل الله عليك ورحمته ﴾ ولولا أن خصك الله الفضل وهو النبوة وبالرحمة وهي العصمة ﴿ لهمت طائفة منهم ﴾ من بني ظفر أو طائفة من الناس والطائفة بنو ظفر ﴿ أن يضلوك ﴾ عن القضاء الحق والحكم العدل ﴿ وما يضلون إلا أنفسهم ﴾ بسبب تعاونهم على / الإثم والعدوان وشهادتهم بالزور والبهتان لأن وباله عليهم ﴿ وما يضرونك من شيء ﴾ لأنك إنما عملت بظاهر الحال وما أمرت الأنبياء إلا بالأحكام على الظواهر، أو هو وعد بإدامة العصمة له مما يريدون في الاستقبال من إيقاعه في الباطل.
ثم أكد الوعيد بقوله: ﴿ وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة ﴾ أي إنه لما أمرك بتبليغ الشريعة إلى الخلق فكيف يليق بحكمته أن لا يعصمك عن الوقوع في الشبهات والضلالات؟
وعلى الأول يكون المراد أنه أوجب في الكتاب والحكمة بناء أحكام الشرع على الظاهر فكيف يضرك بناء الأمر عليه ﴿ وعلمك ما لم تكن تعلم ﴾ من أخبار الأولين.
فيه معنيان: أحدهما أن يكون كما قال: ﴿ ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ﴾ أي أنزل الله عليك الكتاب والحكمة وأطلعك على أسرارها وأوقفك على حقائقهما مع أنك ما كنت قبل ذلك عالماً بشيء منهما، فكذلك يفعل بك في مستأنف إيامك حتى لا يقدر أحد من المنافقين على إضلالك.
الثاني أن يكون المراد منها خفيات الأمور وضمائر القلوب أي علمك ما لم تكن تعلم من أخبار الأولين، فكذلك يعلمك من حيل المنافقين ووجوه مكايدهم ما تقدر على الاحتراز منهم ﴿ وكان فضل الله عليك عظيماً ﴾ فيه دليل ظاهر على شرف العلم حيث سماه عظيماً وسمى متاع الدنيا بأسرها قليلاً.
التأويل: الصلاة صورة جذبة الحق ومعراج العبد فلهذا فرضت في الخوف والأمن وشدة القتال والسفر والحضر والصحة المرض ليكون العبد مجذوب العناية على الدوام ﴿ وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة ﴾ أي أدمتها لهم لأن النظر إليك عبادة كما أن الصلاة عبادة، وكما أن الصلاة تنهي عن الفحشاء والمنكر فإنك تنهاهم عن الفحشاء والمنكر ﴿ فلتقم طائفة ﴾ هم الخواص ﴿ منهم ﴾ أي من عوامهم ﴿ معك ﴾ أي مع الله لأنك مع الله كقوله: ﴿ لا تحزن إنّ الله معنا ﴾ ﴿ وليأخذوا ﴾ يعني طائفة من بقية القوم ﴿ أسلحتهم ﴾ من الطاعات والعبادات دفعأً لعدو النفس والشيطان ﴿ فإذا سجدوا ﴾ يعني من معك ونزّلوا مقامات القرب ﴿ فليكونوا ﴾ أي هؤلاء القوم ﴿ من ورائكم ﴾ في المرتبة والمقام والمتابعة يحفظونكم باشتغالكم بالأمور الدنيوية لحوائجكم الضرورية للإنسان.
﴿ ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا معك ﴾ في الصحبة ﴿ فليصلوا معك ﴾ في الوصلة ﴿ وليأخذوا حذرهم ﴾ وهو آداب الطريقة ﴿ وأسلحتهم ﴾ وهي أركان الشريعة ﴿ ودّ الذين كفروا ﴾ هم عدوّ النفس وصفاتها ﴿ إن كان بكم أذى من مطر ﴾ يعني أشغال الدنيا وضروريات حوائج الإنسان يمطر عليكم في بعض الأوقات أن تضعوا أسحلة الطاعة والأركان ساعة فساعة ﴿ وخذوا حذركم ﴾ من التوجه إلى الحق ومراقبة الأحوال وحفظ القلب وحضوره مع الله وخلو السر / عن الالتفات لغير الله ورعاية التسليم والتفويض إلى الله والاستمداد من همم أعاظم الدين والالتجاء إلى ولاية النبوة ﴿ إنّ الله أعد ﴾ بهذه الأسباب ﴿ للكافرين ﴾ من كفار النفس والشيطان ﴿ عذاباً مهيناً فإذا قضيتم الصلاة ﴾ المكتوبة ﴿ فاذكروا الله ﴾ في جميع حالاتكم إنّ الصلاة كانت في الأزل ﴿ على المؤمنين كتاباً موقوتاً ﴾ مؤقتاً إلى الأبد كما أشار إليه بقوله: ﴿ إنا فتحنا لك ﴾ أي باباً من القدم إلى الحدوث ﴿ ليغفر لك الله ﴾ بما فتح عليك ﴿ ما تقدم ﴾ في الأزل ﴿ من ذنبك ﴾ بأن لم تكن مصلياً ﴿ وما تأخر ﴾ من ذنبك بأن لا تكون مصلياً ﴿ ويتم نعمته عليك ﴾ بأن يجعل سيئاتك وهي عدم صلاتك في الأزل أو الأبد مبدلة بالحسنات وهي الصلاة المقبولة من الأزل إلى الأبد ﴿ ويهديك صراطاً مستقيماً ﴾ من الأزل إلى الأبد ومن الأبد إلى الأزل ﴿ ولا تهنوا في ابتغاء القوم ﴾ النفس وصفاتها ﴿ أن تكونوا تألمون ﴾ في الجهاد بعناء الرياضات والعبادات فإنهم يألمون في طلب اللذات والشهوات ﴿ كما تألمون وترجون من الله ﴾ العواطف الأزلية والعوارف الأبدية ﴿ ما لا يرجون ﴾ لأنّ همم النفس الدنية لا تجاوز قصورها الدنية المجازية الفانية ﴿ بما أراك الله ﴾ حين أوحى إليك بلا واسطة ما أوحى وأراك آياته الكبرى.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَهِنُواْ فِي ٱبْتِغَآءِ ٱلْقَوْمِ إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ وَتَرْجُونَ مِنَ ٱللَّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ ﴾ .
في الآية دلالة فرضية الجهاد؛ لأنه - عز وجل - أخبر أنهم يألمون ويتوجعون بما يصيبهم من الجراحات كما تألمون أنتم وتتوجعون بها؛ فلو كان نفلا لكان يرفع عنهم الجهاد عند الألم والتوجع؛ على ما يرفع سائر النوافل عند الألم والتوجع؛ فدل أنه فرض، لكنه فرض كفاية، وفرض الكفاية يسقط بقيام البعض عن الباقين.
وقد ذكرنا فيما تقدم الوجه فيه.
وقوله - -: ﴿ وَلاَ تَهِنُواْ فِي ٱبْتِغَآءِ ٱلْقَوْمِ ﴾ ، فمعناه - والله أعلم - أي: لا عذر لكم في تألمكم أن تهنوا في ابتغائهم؛ ﴿ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ ﴾ ولا [يضعفون في ذلك]، ﴿ وَتَرْجُونَ ﴾ أنتم العاقبة من الثواب الجزيل ﴿ مَا لاَ يَرْجُونَ ﴾ ، ثم هم لا يضعفون؛ فكيف تضعفون أنتم في ذلك؟!
وكل أمر لا عاقبة له فهو عبث، وليس لأمرهم عاقبة؛ فهو عبث، ولأمركم عاقبة محمودة؛ فأنتم أولى في ذلك.
ودل قوله: ﴿ وَلاَ تَهِنُواْ فِي ٱبْتِغَآءِ ٱلْقَوْمِ ﴾ - على تأكد فرضية الجهاد؛ إذ لم يأذن لهم في التخلف عن ذلك، على ما فيه من التألم، وخوف هلاك النفس في ذلك، ثم بين ما يخفف لمثله بحمل المكروه على الطبع له، وقد يختار له مباشرة الأتعاب في النفس من عواقب تنقطع وتزول؛ فكيف فيما [لا انقطاع] له من رجاء الثواب بذلك التألم؟!
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً ﴾ .
بتألمكم، أي: عن علم بالتألم أمركم بذلك، لا عن جهل.
وقد ذكرنا ذلك في غير موضع.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّآ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ ﴾ .
قوله: ﴿ بِٱلْحَقِّ ﴾ يتوجه وجوهاً.
بحق الله عليكم، أنزل إليك الكتاب.
ويحتمل: بحق بعض على بعض أنزل إليك الكتاب؛ لتحكم بين الناس.
ويحتمل قوله: ﴿ بِٱلْحَقِّ ﴾ ، أي: بالمحنة يمتحنهم بها؛ إذ في عقل كل أحد ذلك، وإهمال كل ذي لبٍّ لا يؤمر ولا ينهي - خروج عن الحكمة.
أو أن يقال: ﴿ بِٱلْحَقِّ ﴾ ، أي: بالعواقب؛ لتكون لهم العاقبة.
وقوله - -: ﴿ بِٱلْحَقِّ ﴾ أي: بالحق الذي لله، أو لبعض على بعض، أو لأمر كانت، وهو البعث؛ لِيُعَدَّ له، ويتزودوا بالذي يحمد عليه فاعله؛ إذ الحق صفة لكل ما يحمد عليه فاعله، والباطل لما يذم.
وقد يحتمل بالعدل والصدق على الأمر من التغيير والتبديل، والله الموفق.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لِتَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِمَآ أَرَاكَ ٱللَّهُ ﴾ .
قيل: إن في الآية دلالة جواز الاجتهاد؛ لأنه قال: ﴿ لِتَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِمَآ أَرَاكَ ٱللَّهُ ﴾ ؛ دل قوله ﴿ بِمَآ أَرَاكَ ٱللَّهُ ﴾ أن ثمة معنى يدرك بالنظر والتأمل؛ لأنه لو كان يحكم بالكل بالكتاب، لكان لا معنى لقوله: ﴿ بِمَآ أَرَاكَ ٱللَّهُ ﴾ .
ولكن يقول له: لتحكم بين الناس بالكتاب؛ دل أنه يحكم بما يريه الله بالتدبر فيه والتأمل، لكن اجتهاده كالنص؛ لأنه لا يخطئه؛ لأنه أخبر أنه يريه ذلك؛ فلا يحتمل أن يريه غير الصواب، وأما غيره من المجتهدين فيجوز أن يكون صواباً، ويجوز أن يكون خطأ؛ لأنه لا ينكر أن يكون الشيطان هو الذي أراه ذلك فيكون خطأ؛ فلا يجوز أن يشهد عليه بالصواب ما لم يظهر، وأما اجتهاده فهو كله يكون صواباً؛ لأن الله - - هو الذي أراه ذلك؛ فنشهد أنه صواب.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَكُنْ لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيماً ﴾ قال أكثر أهل التفسير: إنه هَمَّ أن يُقَوِّي سارقاً - يقال له: طعمة - ويصدقة في قوله؛ فنزل قوله: ﴿ وَلاَ تَكُنْ لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيماً ﴾ ؛ فلو لم يقولوا ذلك كان أوفق وأحسن، فإن كان ما قالوا، فذلك لم يظهر منه الخيانة عنده؛ إذ ذكر في القصة أنه وجد السرقة في دار غيره.
فلئن كان ذلك إنما كان لما ذكرنا.
وأما النهي عن أن يكون للخائنين خصيما: نهي وإن كان يعلم أن لا يكون لما عصمه الله؛ كقوله - -: ﴿ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكَينَ ﴾ ، ﴿ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ ﴾ ، إن كان عصمه من أن يكون منهم، والعصمة إنما تنفع إذا كان ثمة أمر ونهي، فأما إذا لم يكن ثمة لا أمر ولا نهي فلا معنى للعصمة والتوفيق.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱسْتَغْفِرِ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً ﴾ .
وقوله - -: ﴿ وَٱسْتَغْفِرِ ٱللَّهَ ﴾ ، ليس هو قول الناس: نستغفر الله، ولكن كأنه قال: كونوا على الحال التي تكون أعمالكم مكفرة للذنوب؛ ألا ترى إلى قول هود لقومه: ﴿ وَيٰقَوْمِ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوۤاْ إِلَيْهِ...
﴾ الآية [هود: 52].
وقال نوح - - لقومه: ﴿ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً...
﴾ الآية [نوح: 10]، لم يريدوا أن يقولوا: نستغفر الله قولا حسب؛ ولكن أرادوا أن يكونوا على الحال التي تكون أعمالهم مكفرة لذنوبهم؛ لأنهم لو قالوا بلسانهم ألف مرة: نستغفر الله، لكان لا ينفعهم ذلك؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ وَٱسْتَغْفِرِ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً ﴾ .
وحقيقة الاستغفار وجهان: أحدهما: الانتهاء عما أوجب العقوبة؛ لقوله: ﴿ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ ﴾ ، وعلى ذلك معنى قول من ذكر.
والثاني: طلب الستر بالعفو والتجاوز.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تُجَادِلْ عَنِ ٱلَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ...
﴾ الآية [النساء: 107]، هو ما ذكرنا أن العصمة لا تنفع؛ إذا لم يكن أمر ونهي.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ ﴾ : لا أحد يقصد قصد خيانة نفسه، ولكن لما رجع في العاقبة ضرر الخيانة إلى أنفسهم، صاروا كأنهم اختانوا أنفسهم كقوله: ﴿ وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُم ﴾ لا أحد يقصد قصد خداع نفسه؛ لكن لما رجع في العاقبة حاصل الخداع إليهم - صاروا كأنهم خدعوا أنفسهم؛ فعلى ذلك الأول، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
ولا تخاصم عن أي شخص يخون ويبالغ في إخفاء خيانته، والله لا يحب هؤلاء الخونة الكاذبين.
<div class="verse-tafsir" id="91.q9JRQ"
بعد أن حذر الله المنافقين من أعداء الحق الذين يحاولون طمسه بإهلاك أهله، أراد أن يحذرهم من ما يخشى على الحق من جهة الغفلة عنه، وترك العناية بالنظر في حقيقته وترك حفظه، فإن إهمال العناية بالحق أشد الخطرين عليه لأنه يكون سببًا لفقد العدل أو تداعي أركانه وذلك يفضي إلى هلاك الأمة وكذلك إهمال غير العدل من الأصول العامة التي جاء بها الدين، فالعدو لا يمكنه إهلاك أمة كبيرة وإعدامها، ولكن ترك الأصول المقومة للأمة كالعدل وغيره يهلك كل أمة تهمله ولذلك قال: ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا ﴾ - مستأنفة فعطفها على ما قبلها ليس من قبيل عطف المفرد على المفرد المشارك له في الحكم، بل من قبيل عطف الجملة الابتدائية على جملة قبلها لارتباطهما بالمعنى العام، والمعنى ولا تتهاون بتحري الحق اغترارًا بلحن الخائنين وقوة صلابتهم في الخصومة لئلا تكون خصيمًا لهم وتقع في ورطة الدفاع عنهم، وهذا الخطاب ليس خاصًا بالنبي بل هو عام لكل من يحكم بين الناس بما أنزل الله كما أمر الله.
﴿ وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ ﴾ واستغفر الله مما يعرض لك من شؤون البشر من نحو ميل إلى من تراه ألحن بحجته، أو الركون إلى مسلم لأجل إسلامه تحسينًا للظن به، فإن ذلك قد يوقع الاشتباه، وتكون صورة صاحبه صورة من أتى الذنب الذي يوجب له الاستغفار، وإن لم يكن متعمدًا للزيغ عن العدل، والتحيز إلى الخصم، فهذا من زيادة الحرص على الحق، كأن مجرد الالتفات إلى قول المخادع كاف في وجوب الاحتراس منه، وناهيك بما في ذلك من التشديد فيه.
﴿ وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ ﴾ إن هؤلاء الخائنين يوجدون في كل زمان ومكان، وهذا النهي لم يكن موجهًا إلى النبي خاصة، وإنما هو تشريع وجه إلى المكلفين كافة، وفي جعله بصيغة الخطاب له -وهو أعدل الناس وأكملهم- مبالغة في التحذير من هذه الخلة المعهودة من الحكام، ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا ﴾ أي من اعتاد الخيانة وألف الإثم فلم يعد ينفر منه، ولا يخاف العقاب الإلهي عليه، فيراقبه فيه، وإنما يحب الله أهل الأمانة والاستقامة.
﴿ يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ .
هذه الآيات تحذير من أعداء الحق والعدل الذين يحاولون هدم ركنهما وهذا الركن هو المقصود من الشرائع، وإنما يمتثل هذا التحذير بالاجتهاد وتحري العدل وعدم الاغترار بظاهر الخصماء.
والسوء ما يسوء به الإنسان غيره، والظلم ما كان ضرره خاصًا بالعامل كترك الفريضة، والاستغفار طلب المغفرة من الله تعالى ويتضمن ذلك لازمه وهو الشعور بقبح الذنب والتوبة منه.
ولسيدنا علي كرم الله وجهه خطبة في تفسير الاستغفار بالتوبة التي تذيب الشحم وتفني العظم.
ومعنى وجدانه الله غفورًا رحيمًا أن الله أكرم من أن يرد توبة عبده إذا اطلع على قلبه وعرف الصدق والإخلاص.
﴿ وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴾ أي أنه تعالى قد حدد للناس بعلمه حدود الشرائع التي يضرهم تجاوزها، وبحكمته جعل لها عقابًا يضر المتجاوز لها، فهو إذًا يضر نفسه ولا يضر الله شيئًا.
﴿ وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا ﴾ الخطيئة ما يصدر من الذنب عن الفاعل خطأ أي من غير ملاحظة أنه ذنب مخالف للشريعة، والإثم يصدر عنه مع الملاحظة أنه ذنب، أي مع تذكره وتصوره عند الفعل، وأن عدم الملاحظة والشعور بالذنب عند فعله قد يكون سببه تمكن داعيته من النفس ووصولها إلى درجة الملكات الراسخة والأخلاق الثابتة التي تصدر عنها الأعمال بغير تكلف ولا تدبر، وهذا المعنى هو المراد هنا.
والبهتان الكذب الذي يبهت المكذوب عليه أي يحيره ويدهشه.
﴿ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ ﴾ .
كان الكلام في المختانين أنفسهم ومحاولتهم زحزحة الرسول عن الحق، وقد أراد تعالى بعد بيان تلك الأوامر والنواهي وتوجيهها إلى نبيه أن يبين فضله ونعمته عليه.
ولا يصح تفسير الآية بما ورد من قصة طعمة لأنه على ما روى قد هم هو وأصحابه بإضلال النبي عن الحق الذي أنزله الله عليه، وهو تعالى يقول إنه بفضله ورحمته عليه قد صرف نفوس الأشرار عن الطمع في إضلاله وألهم بذلك، وذلك أن الأشرار إذا توجهت إرادتهم وهممهم إلى التلبيس على شخص ومخادعته ومحاولة صرفه عن الحق فلابد له أن يشغل طائفة من وقته لمقاومتهم، وكشف حيلهم وتمييز تلبيسهم، وذلك يشغل المرء عن تقرير الحقائق، وصرف وقت المقاومة إلى عمل آخر صالح نافع، ولذلك تفضل الله على نبيه ورحمه بصرف كيد الأشرار عنه حتى بِالَهِّم بغشه وزحزحته عن صراط الله الذي أقامه عليه.
<div class="verse-tafsir"