الآية ١٣٧ من سورة النساء

الإسلام > القرآن > سور > سورة 4 النساء > الآية ١٣٧ من سورة النساء

إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ثُمَّ كَفَرُوا۟ ثُمَّ ءَامَنُوا۟ ثُمَّ كَفَرُوا۟ ثُمَّ ٱزْدَادُوا۟ كُفْرًۭا لَّمْ يَكُنِ ٱللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًۢا ١٣٧

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 87 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٣٧ من سورة النساء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٣٧ من سورة النساء عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يخبر تعالى عمن دخل في الإيمان ثم رجع عنه ، ثم عاد فيه ثم رجع ، واستمر على ضلاله وازداد حتى مات ، فإنه لا توبة بعد موته ، ولا يغفر الله له ، ولا يجعل له مما هو فيه فرجا ولا مخرجا ، ولا طريقا إلى الهدى ; ولهذا قال : ( لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا ) قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا أحمد بن عبدة ، حدثنا حفص بن جميع ، عن سماك ، عن عكرمة ، عن ابن عباس في قوله : ( ثم ازدادوا كفرا ) قال : تموا على كفرهم حتى ماتوا .

وكذا قال مجاهد .

وروى ابن أبي حاتم من طريق جابر المعلى ، عن عامر الشعبي ، عن علي ، رضي الله عنه ، أنه قال : يستتاب المرتد ، ثلاثا ، ثم تلا هذه الآية : ( إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا )

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلا (137) قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك.

فقال بعضهم: تأويله: إن الذين آمنوا بموسى ثم كفروا به، ثم آمنوا= يعني: النصارى= بعيسى ثم كفروا به، ثم ازدادوا كفرًا بمحمد=" لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا ".

*ذكر من قال ذلك: 10697- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرًا "، وهم اليهود والنصارى.

آمنت اليهود بالتوراة ثم كفرت، وآمنت النصارى بالإنجيل ثم كفرت.

وكفرهم به: تركهم إياه= ثم ازدادوا كفرًا بالفرقان وبمحمد صلى الله عليه وسلم.

فقال الله: " لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا "، يقول: لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم طريق هدًى، وقد كفروا بكتاب الله وبرسوله محمد صلى الله عليه وسلم.

10698- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: " إن الذين آمنوا ثم كفروا "، قال: هؤلاء اليهود، آمنوا بالتوراة ثم كفروا.

ثم ذكر النصارى، ثم قال: " ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرًا "، يقول: آمنوا بالإنجيل ثم كفروا به، ثم ازدادوا كفرًا بمحمد صلى الله عليه وسلم.

* * * وقال آخرون: بل عنى بذلك أهل النفاق، أنهم آمنوا ثم ارتدوا، ثم آمنوا ثم ارتدوا، ثم ازدادوا كفرًا بموتهم على الكفر.

(37) *ذكر من قال ذلك: 10699- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد قوله: " إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرًا "، قال: كنا نحسبهم المنافقين، ويدخل في ذلك من كان مثلهم=" ثم ازدادوا كفرًا "، قال: تَمُّوا على كفرهم حتى ماتوا.

(38) 10700- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " ثم ازدادوا كفرًا "، قال: ماتوا.

(39) 10701- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: " ثم ازدادوا كفرًا "، قال: حتى ماتوا.

(40) 10702- حدثنا يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " إن الذين آمنوا ثم كفروا " الآية، قال: هؤلاء المنافقون، آمنوا مرتين، وكفروا مرتين، ثم ازدادوا كفرًا بعد ذلك.

(41) * * * وقال آخرون: بل هم أهل الكتابين، التوراة والإنجيل، أتوا ذنوبا في كفرهم فتابوا ، فلم تقبل منهم التوبة فيها، مع إقامتهم على كفرهم.

* * * *ذكر من قال ذلك: 10703- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو خالد، عن داود بن أبي هند، عن أبي العالية: " إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرًا "، قال: هم اليهود والنصارى، أذنبوا في شركهم ثم تابوا، فلم تقبل توبتهم.

ولو تابوا من الشرك لقُبِل منهم.

* * * قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بتأويل الآية، قول من قال عنى بذلك أهل الكتاب الذين أقروا بحكم التوراة, ثم كذبوا بخلافهم إياه ، ثم أقرّ من أقرَّ منهم بعيسى والإنجيل ، ثم كذب به بخلافه إياه, ثم كذب بمحمد صلى الله عليه وسلم والفرقان فازداد بتكذيبه به كفرا على كفره.

وإنما قلنا: ذلك أولى بالصواب في تأويل هذه الآية، لأن الآية قبلها في قصص أهل الكتابين= أعني قوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ = ولا دلالة تدلُّ على أن قوله: " إن الذين آمنوا ثم كفروا "، منقطع معناه من معنى ما قبله، فإلحاقه بما قبله أولى، حتى تأتي دلالة دالَّة على انقطاعه منه.

* * * وأما قوله: " لم يكن الله ليغفر لهم "، فإنه يعني: لم يكن الله ليسترَ عليهم كفرهم وذنوبهم، بعفوه عن العقوبة لهم عليه، ولكنه يفضحهم على رؤوس الأشهاد=" ولا ليهديهم سبيلا " يقول: ولم يكن ليسدِّدهم لإصابة طريق الحق فيوفقهم لها، ولكنه يخذلهم عنها، عقوبة لهم على عظيم جُرمهم، وجرأتهم على ربهم.

* * * وقد ذهب قوم إلى أن المرتد يُستتاب ثلاثًا، انتزاعًا منهم بهذه الآية، (42) وخالفهم على ذلك آخرون.

ذكر من قال: يستتاب ثلاثًا.

10704- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا حفص، عن أشعث، عن الشعبي، عن علي عليه السلام قال: إن كنتُ لمستتيبَ المرتدّ ثلاثًا.

ثم قرأ هذه الآية: " إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ".

10705- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن جابر، عن عامر، عن علي رضي الله عنه: يستتاب المرتد ثلاثًا.

ثم قرأ: " إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرًا "،.

10706- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن عبد الكريم، عن رجل، عن ابن عمر قال: يستتاب المرتد ثلاثًا.

* * * وقال آخرون: يستتابُ كلما ارتدّ.

*ذكر من قال ذلك: 10707- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن عمرو بن قيس، عمن سمع إبراهيم قال: يستتاب المرتدّ كلما ارتدّ.

* * * قال أبو جعفر: وفي قيام الحجة بأن المرتد يستتاب المرَّة الأولى، الدليل الواضح على أن حكم كلِّ مرة ارتدّ فيها عن الإسلام حكمُ المرة الأولى، في أن توبته مقبولة، وأن إسلامه حَقَن له دمه.

لأن العلة التي حقنت دمه في المرة الأولى إسلامُه، فغير جائز أن توجد العلة التي من أجلها كان دمه مَحْقُونًا في الحالة الأولى، ثم يكون دمه مباحًا مع وجودها، إلا أن يفرِّق بين حكم المرة الأولى وسائر المرات غيرها، ما يجب التسليم له من أصل محكمٍ، فيخرج من حكم القياس حينئذ.

--------------- الهوامش : (37) في المطبوعة: "على كفرهم" ، وأثبت ما في المخطوطة.

(38) في المطبوعة: "نموا على كفرهم" بالنون ، والصواب ما أثبت.

و "تم على الشيء": أقام عليه ولزمه.

(39) يعني بقوله: "ماتوا" ، أي: ماتوا عليه ، وهذا من الاختصار في الحديث.

(40) في المخطوطة: "حين ماتوا" ، أي: حين ماتوا عليه ، وهي صواب أيضًا.

(41) انظر تفسير"ثم ازدادوا كفرًا" فيما سلف 6: 579-582.

(42) يقال: "انتزع معنى آية من كتاب الله" ، إذا استنبطه واستخرجه.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلاقيل : المعنى آمنوا بموسى وكفروا بعزير ، ثم آمنوا بعزير ثم كفروا بعيسى ، ثم ازدادوا كفرا بمحمد صلى الله عليه وسلم .

وقيل : إن الذين آمنوا بموسى ثم آمنوا بعزير ، ثم كفروا بعد عزير بالمسيح ، وكفرت النصارى بما جاء به موسى وآمنوا بعيسى ، ثم ازدادوا كفرا بمحمد صلى الله عليه وسلم وما جاء به من القرآن .

فإن قيل : إن الله تعالى لا يغفر شيئا من الكفر فكيف قال : إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا لم يكن الله ليغفر لهم فالجواب أن الكافر إذا آمن غفر له كفره ، فإذا رجع فكفر لم يغفر له الكفر الأول ؛ وهذا كما جاء في صحيح مسلم عن عبد الله قال : قال أناس لرسول الله صلى الله عليه وسلم : يا رسول الله أنؤاخذ بما عملنا في الجاهلية ؟

قال : أما من أحسن منكم في الإسلام فلا يؤاخذ بها ومن أساء أخذ بعمله في الجاهلية والإسلام .

وفي رواية ومن أساء في الإسلام أخذ بالأول والآخر .

الإساءة هنا بمعنى الكفر ؛ إذ لا يصح أن يراد بها هنا ارتكاب سيئة ، فإنه يلزم عليه ألا يهدم الإسلام ما سبق قبله إلا لمن يعصم من جميع السيئات إلا حين موته ، وذلك باطل بالإجماع .

ومعنى : ثم ازدادوا كفرا أصروا على الكفر .

لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم يرشدهم .

سبيلا طريقا إلى الجنة .

وقيل : لا يخصهم بالتوفيق كما يخص أولياءه .

وفي هذه الآية رد على أهل القدر ؛ فإن الله تعالى بين أنه لا يهدي الكافرين طريق خير ليعلم العبد أنه إنما ينال الهدى بالله تعالى ، ويحرم الهدى بإرادة الله تعالى أيضا .

وتضمنت الآية أيضا حكم المرتدين ، وقد مضى القول فيهم في " البقرة " عند قوله تعالى : ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر .قوله تعالى : بشر المنافقين بأن لهم عذابا أليماالتبشير الإخبار بما ظهر أثره على البشرة ، وقد تقدم بيانه في " البقرة " ومعنى النفاق .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: من تكرر منه الكفر بعد الإيمان فاهتدى ثم ضل، وأبصر ثم عمي، وآمن ثم كفر واستمر على كفره وازداد منه، فإنه بعيد من التوفيق والهداية لأقوم الطريق، وبعيد من المغفرة لكونه أتى بأعظم مانع يمنعه من حصولها.

فإن كفره يكون عقوبة وطبعًا لا يزول كما قال تعالى: { فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ْ} { وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ ْ} ودلت الآية: أنهم إن لم يزدادوا كفرا بل رجعوا إلى الإيمان، وتركوا ما هم عليه من الكفران، فإن الله يغفر لهم، ولو تكررت منهم الردة.

وإذا كان هذا الحكم في الكفر فغيره من المعاصي التي دونه من باب أولى أن العبد لو تكررت منه ثم عاد إلى التوبة، عاد الله له بالمغفرة.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا ) قال قتادة : هم اليهود آمنوا بموسى ثم كفروا من بعد بعبادتهم العجل ، ثم آمنوا بالتوراة ثم كفروا بعيسى عليه السلام ، ثم ازدادوا كفرا بمحمد صلى الله عليه وسلم .

وقيل : هو في جميع أهل الكتاب آمنوا بنبيهم ثم كفروا به ، وآمنوا بالكتاب الذي نزل عليه ثم كفروا به ، وكفرهم به : تركهم إياه ثم ازدادوا كفرا بمحمد صلى الله عليه وسلم .

وقيل : هذا في قوم مرتدين آمنوا ثم ارتدوا ثم آمنوا ثم ارتدوا ثم آمنوا ثم ارتدوا ثم آمنوا ثم ارتدوا .

ومثل هذا هل تقبل توبته؟

حكي عن علي رضي الله عنه : أنه لا تقبل توبته بل يقتل ، لقوله تعالى : ( لم يكن الله ليغفر لهم ) وأكثر أهل العلم على قبول توبته ، وقال مجاهد : ثم ازدادوا كفرا أي ماتوا عليه ، ( لم يكن الله ليغفر لهم ) ما أقاموا على ذلك ، ( ولا ليهديهم سبيلا ) أي طريقا إلى الحق ، فإن قيل : ما معنى قوله ( لم يكن الله ليغفر لهم ) ومعلوم أنه لا يغفر الشرك إن كان أول مرة؟

.

قيل : معناه أن الكافر إذا أسلم أول مرة ودام عليه يغفر له كفره السابق ، فإن أسلم ثم كفر ثم أسلم ثم كفر لا يغفر له كفره السابق ، الذي كان يغفر له لو دام على الإسلام .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«إن الذين آمنوا» بموسى وهم اليهود «ثم كفروا» بعبادتهم العجل «ثم آمنوا» بعده «ثم كفروا» بعيسي «ثم ازدادوا كفرا» بمحمد «لم يكن الله ليغفر لهم» ما أقاموا عليه «ولا ليهديهم سبيلا» طريقا إلى الحق.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

إن الذين دخلوا في الإيمان، ثم رجعوا عنه إلى الكفر، ثم عادوا إلى الإيمان، ثم رجعوا إلى الكفر مرة أخرى، ثم أصرُّوا على كفرهم واستمروا عليه، لم يكن الله ليغفر لهم، ولا ليدلهم على طريق من طرق الهداية، التي ينجون بها من سوء العاقبة.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقوله - تعالى - : ( إِنَّ الذين آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ازدادوا كُفْراً لَّمْ يَكُنِ الله لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً ) للمفسرين فى تأويل هذه الآية وجوه :أولها : أن المراد بهم قوم تكرر منهم الارتداد ، وأصروا على الكفر ، وازدادوا تماديا فى البغى والضلال .وقد صدر الفخر الرازى تفسيره لهذه الآية بهذا المعنى فقال : المراد بهم الذين يتكرر منهم الكفر بعد الإِيمان مرات وكرات ، فإن ذلك يدل على أنه لا وقع للإِيمان فى قلوبهم ، إذ لو كان للإِيمان وقع فى قلوبهم لما تركوه لأدنى سبب ومن لا يكون للإِيمان وقع فى قلبه فالظاهر أنه لا يؤمن بالله إيمانا صحيحا معتبرا .

فهذا هو المراد بقوله : ( لَّمْ يَكُنِ الله لِيَغْفِرَ لَهُمْ ) .

وليس المراد أنه أتى بالإِيمان الصحيح لم يكن معتبرا ، بل المراد منه الاستبعاد والاستغراب على الوجه الذى ذكرناه .وقال الإِمام ابن كثير : يخبر - تعالى - عمن دخل فى الإِيمان ثم رجع عنه ثم عاد فيه ثم رجع واستمر على ضلاله ، وازداد حتى مات ، فإنه لا توبة بعد موته ولا يغفر الله له " ولا يجعل له مما هو فيه فرجا ولا مخرجا ولا طريقا إلى الهدى ، ولهذا قال : ( لَّمْ يَكُنِ الله لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً ) .

وقد قال ابن عباس فى قوله : ( ثُمَّ ازدادوا كُفْراً ) : تمادوا فى كفرهم حتى ماتوا " .وثانيها : أن المراد بهم أهل الكتاب .

وقد رجح هذا الإِتجاه ابن جرير فقال : وأولى هذه الأقوال بتأويل الآية قول من قال : عنى بذلك أهل الكتاب الذين أقروا بحكم التوراة ، ثم أقر من أقر منهم بعيسى والإِنجيل ، ثم كذب به بخلافه إياه ، ثم كذب بمحمد صلى الله عليه وسلم والفرقان ، فازداد بتكذيبه كفرا على كفره .وثالثها : أن المراد بهم طائفة من اليهود كانوا يظهرون الإِسلام تارة ثم يرجعون عنه إلى يهوديتهم لتشكيك المسلمين فى دينهم وذلك معنى قوله : ( وَقَالَتْ طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الكتاب آمِنُواْ بالذي أُنْزِلَ عَلَى الذين آمَنُواْ وَجْهَ النهار واكفروا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) ورابعها : أن المراد بهم المنافقون .

فالإِيمان الأول وإظهارهم الإِسلام .

وكفرهم بعد ذلك هو نفاقهم وكون باطنهم على خلاف ظاهرهم .

والإِيمان الثانى هو أنهم كلما لقوا جمعا من المسملين قالوا : إنا مؤمنون .

والكفر الثانى هو أنهم إذا خلوا إلى إخوانهم فى النفاق قالوا لهم إنا معكم .

وازديادهم فى الكفر هو جدهم واجتهادهم فى استخراج أنواع المكر والكيد فى حق المسلمين .والذى نراه أولى من بين هذه الأقوال القول الأول ، لأن ألفاظ الآية عامة ولم تخصص قوما دون قوم ، فكل من تكرر منهم الارتداد واستمرار فى ضلالهم حتى ماتوا ينطبق عليهم الوعيد الذى بينته الآية الكريمة ، سواءً كان أولئك الذين حدث منهم هذا الارتداد المتكرر من المنافقين أم من غيرهم .والمعنى : إن الذين آمنوا بدين الإِسلام ثم رجعوا عنه إلى ما كانوا عليه من ضلال ، ثم آمنوا ثم كفروا مرة أخرى ، ثم ازدادوا كفرا على كفرهم بأن استمروا فيه حتى ماتوا .

.

.

هؤلاء الذين فعلوا ذلك لم يكن الله ليغفر لهم ، لتماديهم فى الكفر وإصرارهم عليه حتى ماتوا ، ولم يكن - سبحانه - ليهديهم سبيلا مستقيما ، لأنهم هم الذين استحبوا العمى على الهدى ، وهم الذين كانوا ( وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الرشد لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الغي يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ) قال الآلوسى : والقول المشهور الذى عليه الجمهور أن المراد من نفى المغفرة والهداية ، نفى ما يقتضيهما وهو الإِيمان الخالص الثابت .

ومعنى نفيه : استبعاد وقوعه ، فإن من كرر منهم الارتداد وازدياد الكفر والإِصرار عليه صاروا بحيث قد ضربت قلوبهم بالكفر ، وصار الإِيمان عندهم أدون شئ وأهونه ، فلا يكادون يقربون منه قيد شبر ليتأهلوا للمغفرة وهداية سبيل الجنة ، لا أنهم لو أخلصوا الإِيمان لم يقبل منهم ولم يغفر لهم .

ثم قالوا : وخبر فى أمثالهم هذا الموضع محذوف وبه تتعلق اللام أى : ما كان الله مريداً للغفران لهم .

ونفى إرادة الفعل أبلغ من نفيه .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

فيه مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى لما أمر بالإيمان ورغب فيه بين فساد طريقة من يكفر بعد الإيمان فذكر هذه الآية.

واعلم أن فيها أقوالاً كثيرة: الأول: أن المراد منه الذين يتكرر منهم الكفر بعد الإيمان مرات وكرات، فإن ذلك يدل على أنه لا وقع للإيمان في قلوبهم، إذ لو كان للإيمان وقع ورتبة في قلوبهم لما تركوه بأدنى سبب، ومن لا يكون للإيمان في قلبه وقع فالظاهر أنه لا يؤمن بالله إيماناً صحيحاً معتبراً فهذا هو المراد بقوله: ﴿ لَّمْ يَكُنْ الله لِيَغْفِرَ لَهُمْ ﴾ وليس المراد أنه لو أتى بالإيمان الصحيح لم يكن معتبراً، بل المراد منه الاستبعاد والاستغراب على الوجه الذي ذكرناه، وكذلك نرى الفاسق الذي يتوب ثم يرجع ثم يتوب ثم يرجع فإنه لا يكاد يرجى منه الثبات، والغالب أنه يموت على الفسق، فكذا هاهنا.

الثاني: قال بعضهم: اليهود آمنوا بالتوراة وبموسى، ثم كفروا بعزير، ثم آمنوا بداود، ثم كفروا بعيسى، ثم ازدادوا كفراً عند مقدم محمد عليه الصلاة والسلام.

الثالث: قال آخرون: المراد المنافقون، فالإيمان الأول إظهارهم الإسلام، وكفرهم بعد ذلك هو نفاقهم وكون باطنهم على خلاف ظاهرهم، والإيمان الثاني هو أنهم كلما لقوا جمعاً من المسلمين قالوا إنا مؤمنون والكفر الثاني هو أنهم إذا دخلوا على شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزؤون، وازديادهم في الكفر هو جدهم واجتهادهم في استخراج أنواع المكر والكيد في حق المسلمين، وإظهار الإيمان قد يسمى إيماناً قال تعالى: ﴿ وَلاَ تَنْكِحُواْ المشركات حتى يُؤْمِنَّ  ﴾ قال القفال رحمة الله عليه: وليس المراد بيان هذا العدد، بل المراد ترددهم كما قال: ﴿ مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلك لاَ إلى هَؤُلاء وَلاَ إِلَى هَؤُلاء  ﴾ قال والذي يدل عليه قوله تعالى بعد هذه الآية ﴿ بَشّرِ المنافقين بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً ﴾ .

الرابع: قال قوم: المراد طائفة من أهل الكتاب قصدوا تشكيك المسلمين فكانوا يظهرون الإيمان تارة، والكفر أخرى على ما أخبر الله تعالى عنهم أنهم قالوا: ﴿ ءامِنُواْ بالذي أُنزِلَ عَلَى الذين ءامَنُواْ وَجْهَ النهار واكفروا آخره لعلّهم يرجعون  ﴾ وقوله: ﴿ ثُمَّ ازدادوا كُفْراً ﴾ معناه أنهم بلغوا في ذلك إلى حد الاستهزاء والسخرية بالإسلام.

المسألة الثانية: دلّت الآية على أنه قد يحصل الكفر بعد الإيمان وهذا يبطل مذهب القائلين بالموافاة، وهي أن شرط صحة الإسلام أن يموت على الإسلام وهم يجيبون عن ذلك بأنا نحمل الإيمان على إظهار الإيمان.

المسألة الثالثة: دلت الآية على أن الكفر يقبل الزيادة والنقصان، فوجب أن يكون الإيمان أيضاً كذلك لأنهما ضدان متنافيان، فإذا قبل أحدهما التفاوت فكذلك الآخر، وذكروا في تفسير هذه الزيادة وجوهاً: الأول: أنهم ماتوا على كفرهم.

الثاني: أنهم ازدادوا كفراً بسبب ذنوب أصابوها حال كفرهم، وعلى هذا التقدير لما كانت إصابة الذنوب وقت الكفر زيادة في الكفر فكذلك إصابة الطاعات وقت الإيمان يجب أن تكون زيادة في الإيمان.

الثالث: أن الزيادة في الكفر إنما حصلت بقولهم: ﴿ إِنَّمَا نَحْنُ مستهزؤن  ﴾ وذلك يدل على الاستهزاء بالدين أعظم درجات الكفر وأقوى مراتبه.

ثم قال تعالى: ﴿ لَّمْ يَكُنْ الله لِيَغْفِرَ لَهُمْ ﴾ وفيه سؤالان: الأول: أن الحكم المذكور في هذه الآية إما أن يكون مشروطاً بما قبل التوبة أو بما بعدها، والأول باطل لأن الكفر قبل التوبة غير مذكور على الإطلاق، وحينئذ تضيع هذه الشرائط المذكورة في هذه الآية.

والثاني: أيضاً باطل لأن الكفر بعد التوبة مغفور، ولو كان ذلك بعد ألف مرة، فعلى كلا التقديرين فالسؤال لازم.

والجواب عنه من وجوه: الأول: أنا لا نحمل قوله: ﴿ إِنَّ الذين ﴾ على الاستغراق، بل نحمله على المعهود السابق، والمراد به أقوام معينون علم الله تعالى منهم أنهم يموتون على الكفر ولا يتوبون عنه قط فقوله: ﴿ لَّمْ يَكُنْ الله لِيَغْفِرَ لَهُمْ ﴾ إخبار عن موتهم على الكفر، وعلى هذا التقدير زال السؤال.

الثاني: أن الكلام خرج على الغالب المعتاد، وهو أن كل من كان كثير الانتقال من الإسلام إلى الكفر لم يكن للإسلام في قلبه وقع ولا عظم، والظاهر من حال مثل هذا الإنسان أنه يموت على الكفر على ما قررناه.

الثالث: أن الحكم المذكور في الآية مشروط بعدم التوبة عن الكفر، وقول السائل: إن على هذا التقدير تضيع الصفات المذكورة.

قلنا: إن إفرادهم بالذكر يدل على كفرهم أفحش وخيانتهم أعظم وعقوبتهم في القيامة أقوى فجرى هذا مجرى قوله: ﴿ وَإِذ أَخَذْنَا مِنَ النبيين مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِن نُّوحٍ  ﴾ خصهما بالذكر لأجل التشريف، وكذلك قوله: ﴿ وَمَلَئِكَتُهُ...

وَجِبْرِيلَ وميكال  ﴾ .

السؤال الثاني: في قوله: ﴿ لِيَغْفِرَ لَهُمْ ﴾ اللام للتأكيد فقوله: ﴿ لَّمْ يَكُنْ الله لِيَغْفِرَ لَهُمْ ﴾ يفيد نفي التأكيد، وهذا غير لائق بهذا الموضع إنما اللائق به تأكيد النفي، فما الوجه فيه؟

والجواب: أن نفي التأكيد إذا ذكر على سبيل التهكم كان المراد منه المبالغة في تأكيد النفي.

ثم قال تعالى: ﴿ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً ﴾ قال أصحابنا: هذا يدل على أنه سبحانه وتعالى لم يهد الكافر إلى الإيمان خلافاً للمعتزلة، وهم أجابوا عنه بأنه محمول على المنع من زيادة اللطف، أو على أنه تعالى لا يهديه في الآخرة إلى الجنة.

ثم قال تعالى: ﴿ بَشّرِ المنافقين بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً ﴾ .

واعلم أن من حمل الآية المتقدمة على المنافقين قال إنه تعالى بيّن أنه لا يغفر لهم كفرهم ولا يهديهم إلى الجنة، ثم قال: وكما لا يوصلهم إلى دار الثواب فإنه مع ذلك يوصلهم إلى أعظم أنواع العقاب، وهو المراد من قوله: ﴿ بَشّرِ المنافقين بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً ﴾ وقوله: ﴿ بُشّرَ ﴾ تهكم بهم، والعرب تقول: تحيتك الضرب، وعتابك السيف.

ثم قال تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ لَّمْ يَكُنِ الله لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً ﴾ نفي للغفران والهداية وهي اللطف على سبيل المبالغة التي تُعطيها اللام، والمراد بنفيهما نفي ما يقتضيهما وهو الإيمان الخالص الثابت.

والمعنى: إنّ الذين تكرر منهم الارتداد وعهد منهم ازدياد الكفر والإصرار عليه، يستبعد منهم أن يحدثوا ما يستحقون به المغفرة ويستوجبون اللطف من إيمان صحيح ثابت يرضاه الله، لأن قلوب أولئك الذين هذا ديدنهم قلوب قد ضربت بالكفر ومرنت على الردّة، وكان الإيمان أهون شيء عنده وأدونه، حيث يبدو لهم فيه كرّة بعد أخرى وليس المعنى أنهم لو أخلصوا الإيمان بعد تكرار الردّة ونصحت توبتهم لم يقبل منهم ولم يغفر لهم، لأنّ ذلك مقبول حيث هو بذل للطاقة واستفراغ للوسع، ولكنه استبعاد له واستغراب، وأنه أمر لا يكاد يكون، وهكذا ترى الفاسق الذي يتوب ثم يرجع ثم يتوب ثم يرجع، لا يكاد يرجى منه الثبات.

والغالب أنه يموت على شرِّ حال وأسمج صورة.

وقيل: هم اليهود، آمنوا بالتوراة وبموسى ثم كفروا بالإنجيل وبعيسى.

ثم ازدادوا كفراً بكفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ يَعْنِي اليَهُودَ آمَنُوا بِمُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

﴿ ثُمَّ كَفَرُوا ﴾ حِينَ عَبَدُوا العِجْلَ.

﴿ ثُمَّ آمَنُوا ﴾ بَعْدَ عَوْدِهِ إلَيْهِمْ.

﴿ ثُمَّ كَفَرُوا ﴾ بِعِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

﴿ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا ﴾ بِمُحَمَّدٍ  ، أوْ قَوْمًا تَكَرَّرَ مِنهم الِارْتِدادُ ثُمَّ أصَرُّوا عَلى الكُفْرِ وازْدادُوا تَمادِيًا في الغَيِّ.

﴿ لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهم ولا لِيَهْدِيَهم سَبِيلا ﴾ إذْ يَسْتَبْعِدُ مِنهم أنْ يَتُوبُوا عَنِ الكُفْرِ ويَثْبُتُوا عَلى الإيمانِ، فَإنَّ قُلُوبَهم ضُرِبَتْ بِالكُفْرِ وبَصائِرَهم عَمِيَتْ عَنِ الحَقِّ لا أنَّهم لَوْ أخْلَصُوا الإيمانَ لَمْ يُقْبَلْ مِنهم ولَمْ يُغْفَرْ لَهُمْ، وخَبَرُ كانَ في أمْثالِ ذَلِكَ مَحْذُوفٌ تَعَلَّقَ بِهِ اللّامُ مِثْلَ: لَمْ يَكُنِ اللَّهُ مُرِيدًا لِيَغْفِرَ لَهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{إن الذين آمنوا} بموسى عليه السلام {ثم كفروا} حين

النساء (١٣٧ _ ١٤١)

عبدوا العجل {ثم آمنوا} بموسى من بعد عوده {ثُمَّ كَفَرُواْ} بعيسى عليه السلام {ثم ازدادوا كفرا} بكفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم {لَّمْ يَكُنْ الله لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً} إلى النجاة أو إلى الجنة أو هم المنافقون آمنوا في الظاهر وكفروا في السر مرة بعد أخرى وازدياد الكفر منهم ثباتهم عليه إلى الموت يؤيده قوله

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا ﴾ هم قَوْمٌ تَكَرَّرَ مِنهُمُ الِارْتِدادُ، وأصَرُّوا عَلى الكُفْرِ، وازْدادُوا تَمادِيًا في الغَيِّ، وعَنْ مُجاهِدٍ، وابْنِ زَيْدٍ: أنَّهم أُناسٌ مُنافِقُونَ، أظْهَرُوا الإيمانَ، ثُمَّ ارْتَدُّوا، ثُمَّ أظْهَرُوا، ثُمَّ ارْتَدُّوا، ثُمَّ ماتُوا عَلى كُفْرِهِمْ.

وجَعَلَها ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - عامَّةً لِكُلِّ مُنافِقٍ في عَهْدِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، في البَرِّ والبَحْرِ.

وعَنِ الحَسَنِ: أنَّهم طائِفَةٌ مِن أهْلِ الكِتابِ أرادُوا تَشْكِيكَ أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ  فَكانُوا يُظْهِرُونَ الإيمانَ بِحَضْرَتِهِمْ، ثُمَّ يَقُولُونَ: قَدْ عَرَضَتْ لَنا شُبْهَةٌ فَيَكْفُرُونَ، ثُمَّ يُظْهِرُونَ، ثُمَّ يَقُولُونَ: قَدْ عَرَضَتْ لَنا شُبْهَةٌ أُخْرى فَيَكْفُرُونَ، ويَسْتَمِرُّونَ عَلى الكُفْرِ إلى المَوْتِ، وذَلِكَ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وقالَتْ طائِفَةٌ مِن أهْلِ الكِتابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلى الَّذِينَ آمِنُوا وجْهَ النَّهارِ واكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ ﴾ .

وقِيلَ: هُمُ اليَهُودُ، آمَنُوا بِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ثُمَّ كَفَرُوا بِعِبادَتِهِمُ العَجَلَ حِينَ غابَ عَنْهُمْ، ثُمَّ آمَنُوا عِنْدَ عَوْدِهِ إلَيْهِمْ، ثُمَّ كَفَرُوا بِعِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا بِمُحَمَّدٍ  - ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ قَتادَةَ.

وقالَ الزَّجّاجُ والفَرّاءُ: إنَّهم آمَنُوا بِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ثُمَّ كَفَرُوا بَعْدَهُ، ثُمَّ آمَنُوا بِعُزَيْرٍ، ثُمَّ كَفَرُوا بِعِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا بِنَبِيِّنا، عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

وأُورِدَ عَلى ذَلِكَ بِأنَّ الَّذِينَ ازْدادُوا كُفْرًا بِمُحَمَّدٍ  لَيْسُوا بِمُؤْمِنِينَ بِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ثُمَّ كافِرِينَ بِعِبادَةِ العِجْلِ أوْ بِشَيْءٍ آخَرَ، ثُمَّ مُؤْمِنِينَ بِعَوْدِهِ إلَيْهِمْ، أوْ بِعُزَيْرٍ، ثُمَّ كافِرِينَ بِعِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بَلْ هم إمّا مُؤْمِنِينَ بِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وغَيْرِهِ، أوْ كُفّارٌ لِكُفْرِهِمْ بِعِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - والإنْجِيلِ.

وأُجِيبَ بِأنَّهُ لَمْ يُرِدْ عَلى هَذا قَوْمٌ بِأعْيانِهِمْ، بَلِ الجِنْسَ، ويَحْصُلُ التَّبْكِيتُ عَلى اليَهُودِ المَوْجُودِينَ بِاعْتِبارٍ ما صَدَرَ مِن بَعْضِهِمْ كَأنَّهُ صَدَرَ مِن كُلِّهِمْ.

والَّذِي يَمِيلُ القَلْبُ إلَيْهِ أنَّ المُرادَ قَوْمٌ تَكَرَّرَ مِنهُمُ الِارْتِدادُ أعَمُّ مِن أنْ يَكُونُوا مُنافِقِينَ أوْ غَيْرَهُمْ، ويُؤَيِّدُهُ ما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - أنَّهُ قالَ في المُرْتَدِّ: «إنْ كُنْتُ لَمُسْتَتِيبُهُ ثَلاثًا» ثُمَّ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ، وإلى رَأْيِ الإمامِ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - ذَهَبَ بَعْضُ الأئِمَّةِ، فَقالَ: يَقْتَلُ المُرْتَدُّ في الرّابِعَةِ ولا يُسْتَتابُ، وكَأنَّهُ أرادَ أنَّهُ لا فائِدَةَ مِنَ الِاسْتِتابَةِ إذْ لا مَنفَعَةَ، وعَلَيْهِ فالمُرادُ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهم ولا لِيَهْدِيَهم سَبِيلا ﴾ أنَّهُ سُبْحانَهُ لا يَفْعَلُ ذَلِكَ أصْلًا وإنْ تابُوا، وعَلى القَوْلِ المَشْهُورِ الَّذِي عَلَيْهِ الجُمْهُورُ: المُرادُ مِن نَفْيِ المَغْفِرَةِ والهِدايَةِ نَفْيُ ما يَقْتَضِيهِما وهو الإيمانُ الخاصُّ الثّابِتُ، ومَعْنى نَفْيِهِ اسْتِبْعادُ وُقُوعِهِ، فَإنَّ مَن تَكَرَّرَ مِنهُمُ الِارْتِدادَ وازْدِيادَ الكُفْرِ والإصْرارَ عَلَيْهِ صارُوا بِحَيْثُ قَدْ ضُرِبَتْ قُلُوبُهم بِالكُفْرِ، وتَمَرَّنَتْ عَلى الرِّدَّةِ، وكانَ الإيمانُ عِنْدَهم أدْوَنَ شَيْءٍ وأهْوَنَهُ، فَلا يَكادُونَ يَقْرَبُونَ مِنهُ قِيدَ شِبْرٍ لِيَتَأهَّلُوا لِلْمَغْفِرَةِ، وهِدايَةِ سَبِيلِ الجَنَّةِ، لا أنَّهم لَوْ أخْلَصُوا الإيمانَ لَمْ يُقْبَلْ مِنهُمْ، ولَمْ يُغْفَرْ لَهم.

وخَصَّ بَعْضُهم عَدَمَ الِاسْتِتابَةِ بِالمُتَلاعِبِ المُسْتَخِفِّ إذا قامَتْ قَرِينَةٌ عَلى ذَلِكَ، وخَبَرُ (كانَ) في أمْثالِ هَذا المَوْضِعِ مَحْذُوفٌ، وبِهِ تَتَعَلَّقُ اللّامُ، كَما ذَهَبَ إلَيْهِ البَصْرِيُّونَ، أيْ: ما كانَ اللَّهُ تَعالى مُرِيدًا لِلْغُفْرانِ لَهُمْ، ونَفْيُ إرادَةِ الفِعْلِ أبْلَغُ مِن نَفْيِهِ.

وذَهَبَ الكُوفِيُّونَ إلى أنَّ اللّامَ زائِدَةٌ، والخَبَرَ هو الفِعْلُ، وضُعِّفَ بَأنَّ ما بَعْدَها قَدِ انْتَصَبَ، فَإنْ كانَ النَّصْبُ بِاللّامِ نَفْسِها فَلَيْسَتْ بِزائِدَةٍ، وإنْ كانَ بِـ(أنْ) فَفاسِدٌ لِما فِيهِ مِنَ الإخْبارِ بِالمَصْدَرِ عَنِ الذّاتِ، وأُجِيبَ بِاخْتِيارِ الشِّقِّ الأوَّلِ، وأنَّهُ لا مانِعَ مِنَ العَمَلِ مَعَ الزِّيادَةِ كَما في حُرُوفِ الجَرِّ الزّائِدَةِ، وبِاخْتِيارِ الشِّقِّ الثّانِي، وامْتِناعُ الإخْبارِ بِالمَصْدَرِ عَنِ الذّاتِ لِعَدَمِ كَوْنِهِ دالًّا بِصِيغَتِهِ عَلى فاعِلٍ وعَلى زَمانٍ دُونَ زَمانٍ، والفِعْلُ المُصَدَّرُ بِـ(أنْ) يَدُلَّ عَلَيْهِما فَيَجُوزُ الإخْبارُ بِهِ - وإنْ لَمْ يَجُزْ بِالمَصْدَرِ - ولا يَخْفى ما فِيهِ، فَإنَّ الإخْبارَ عَلى هَذا بِالفِعْلِ لا بِالمَصْدَرِ، وإنَّ أُوِّلَ المَصْدَرُ بِاسْمِ الفاعِلِ لا بِهِ أيْضًا، فافْهَمْ.

واخْتارَ قَوْمٌ في القَوْمِ ما ذَهَبَ إلَيْهِ مُجاهِدٌ، وأُيِّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ بَشِّرِ المُنافِقِينَ بِأنَّ لَهم عَذابًا ألِيمًا ﴾ ووُضِعَ فِيهِ (بَشِّرْ) مَوْضِعَ (أنْذِرْ) تَهَكُّمًا بِهِمْ، فَفي الكَلامِ اسْتِعارَةٌ تَهَكُّمِيَّةٌ، وقِيلَ: مَوْضِعَ (أخْبِرْ) فَهُناكَ مَجازٌ مُرْسَلٌ تَهَكُّمِيٌّ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ أي كونوا قوامين بالعدل، وأقيموا الشهادة لله بالعدل، ومعناه قولوا الحق وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ أي وإذا كانت عندكم شهادة، فأدوا الشهادة ولو كانت الشهادة على أنفسكم أَوِ الْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ ثم قال: إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً أي أدوا الشهادة لا تكتموها، سواء كان لغني أو لفقير، ولا تميلوا إلى الغني لأجل غناه، ولا تكتموا الشهادة على الفقير لأجل فقره.

ويقال: اشهدوا على الوالدين كانا غنيين أو فقيرين فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما أي بالغني وبالفقير.

ويقال: أولى بالوالدين وأرحم بهما إن كانا غنيين أو فقيرين.

ثم قال: فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى أي لا تشهدوا بهواكم، ولكن اشهدوا على ما شهدتم عليه.

ثم قال تعالى: أَنْ تَعْدِلُوا يعني أولى بهما أن تعدلوا على وجه التقديم والتأخير.

ويقال: فلا تتبعوا الهوى أن لا تعدلوا.

وقال مقاتل: يعني فلا تتبعوا الهوى للقرابة، واتقوا الله أن تعدلوا عن الحق إلى الهوى.

وقال تعالى: وَإِنْ تَلْوُوا أي تحرفوا الشهادة وتلجلجوا بها ألسنتكم، فلا تقيموها على الوجه لتبطل به الشهادة أَوْ تُعْرِضُوا عنها فلا تشهدوا بها عند الحاكم.

قرأ حمزة وابن عامر: وَأَنْ تلوا بواو واحدة يعني من الولاية، يعني أقيموا الشهادة إذا وليتم.

وقرأ الباقون: تَلْوُوا بواوين من التحريف فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ من كتمان الشهادة وإقامتها خَبِيراً يعني عالماً.

فهذا تهديد للشاهد لكيلا لا يقصروا في أداء الشهادة ولا يكتموها.

وقال النبيّ  «مَن كَانَ يُؤْمِنُ بالله واليَوْمِ الآخِرِ فَلْيُقِمْ شَهَادَتَهُ عَلَى مَنْ كَانَتْ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بالله واليوم الآخِرِ فَلا يَجْحَد لِحَقَ هُوَ عَلَيْهِ بَلْ يُؤَدِّهِ، وَلاَ يُلْجِئْهُ إِلَى السُّلْطَانِ والخصومة» .

قوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ قال الضحاك: يعني أخبار أهل الكتابين الذين آمنوا بموسى وعيسى، آمنوا بالله ورسوله محمد  .

وقال في رواية الكلبي: نزلت في عبد الله بن سلام وأسيد وأسد ابني كعب، وثعلبة بن قيس وغيرهم، قالوا: يا رسول الله نؤمن بك وبكتابك وبموسى والتوراة وبعزير، ونكفر بما سواه من الكتب والرسل.

فقال لهم النبيّ  : «بَلْ آمِنُوا بِالله وَرَسُولِهِ محمد  وَكِتَابِهِ القُرْآنِ، وَبِكُلِّ كِتَابٍ كَانَ مِنْ قَبْلُ» .

فنزلت هذه الآية يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ ويقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خاطب به جميع المؤمنين، آمنوا بالله يعني اثبتوا على الإيمان.

وقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا يعني يوم الميثاق آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ويقال: نزلت في شأن أهل الكتاب لأنه علم أن فيهم من يؤمن، فلقربهم من الإيمان سماهم مؤمنين كما قال: إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ [الدخان: 24] وكانوا لم يغرقوا بعد.

ويقال: إنهم كانوا يقولون نحن مؤمنون فقال لهم: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أي بزعمهم كما قال ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ [الدخان: 49] أي بزعمه.

قرأ نافع وعاصم عن حمزة والكسائي وَالْكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ بنصب النون والزاي وَالْكِتابِ الَّذِي أَنْزَلَ بنصب الألف.

وقرأ الباقون (نزل) بضم النون وكسر الزاي، ونزل وأنزل بضم الألف على معنى فعل ما لم يسم فاعله.

ثم قال: وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أي من يجحد بوحدانية الله تعالى وملائكته أنهم عبيده، وبرسله أنهم أنبياؤه وعبيده، وبالبعث بعد الموت فَقَدْ ضَلَّ عن الهدى ضَلالًا بَعِيداً عن الحق.

وقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا قال مقاتل: يعني آمنوا بالتوراة وبموسى  ، ثم كفروا من بعد موسى، ثم آمنوا بعيسى  والإنجيل، ثم كفروا من بعده ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً بمحمد  وبالقرآن.

ويقال: إن الذين آمنوا بموسى ثم كفروا بعيسى، ثم آمنوا بمحمد  مِن قَبْلُ أن يبعث، ثم كفروا به بعد ما بعث، ثم ازدادوا كفراً يعني ثبتوا على كفرهم.

وقال في رواية الكلبي: آمنوا بموسى  ثم كفروا به بعده، ثم آمنوا بعزير، ثم كفروا بعيسى، ثم ازدادوا كفرا يعني بمحمد  .

وقال في رواية الضحاك: نزلت في شأن أبي عامر الراهب، وهو الذي بنى مسجد الضرار، آمن بالنبي  ثم كفر، ثم آمن ثم كفر ومات على كفره.

وقال الزجاج: يجوز أن يكون محارباً آمن ثم كفر، ثم آمن ثم كفر، ويجوز أن يكون منافقاً أظهر الإيمان وأبطن الكفر، ثم آمن ثم كفر، ثم ازداد كفراً بإقامته على النفاق.

فإن قيل: إن الله تعالى لا يغفر كفراً مرة واحدة فأيش الفائدة في قوله آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا؟

قيل له: لأن الكافر إذا أسلم فقد غفر له ما قد سلف من ذنبه، فإذا كفر بعد إيمانه لم يغفر الله له الكفر الأول، فهو مطالب بجميع ما فعل في كفره الأول، فذلك قوله عز وجل: لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ يعني إذا ماتوا على كفرهم وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا أي يوفقهم طريقاً.

ثم قال تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

قال ع «١» : وهذا هو التأويلُ الراجحُ، وتأمَّل قولَهُ تعالى: لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ فإنها عبارةٌ تقتضي أنَّ هؤلاءِ محتومٌ علَيْهم مِنْ أوَّلِ أمرهم ولذلك تردَّدوا، ولَيْسَتْ هذه العبارةُ مِثْلَ أن يقول: لاَ يَغْفِرُ الله لَهُمْ، بل هي أشَدُّ، فتأمَّل الفَرْقَ بيْنَ العبارَتَيْنِ فإنه من دقيقِ غَرَائِبِ الفَصَاحَةِ الَّتي في كتاب الله سبحانه.

وقوله تعالى: بَشِّرِ الْمُنافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً ...

الآية: في هذه الآيةِ دليلٌ مَّا على أنَّ التي قبلها إنما هي في المُنَافِقِينَ، ثم نصَّ سبحانه مِنْ صفاتِ المنافِقِينَ على أشدِّها ضرراً، وهي موالاتُهُم الكافِرِينَ، واطراحهم المُؤْمنينَ، ونبَّه على فسادِ ذلكَ ليدعه مَنْ عسى أنْ يَقَعَ في نَوْعٍ منه مِنَ المُؤْمنين غَفْلَةٌ، أوْ جهالةً، أوْ مسامحةً ثم وَقَفَهُمْ سبحانه على جهة التوبيخَ، فقال: أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ والإستكثار، أي: ليس الأمرُ كذلك فإن العزَّة للَّه جميعاً يؤتيها مَنْ يشاء، وقد وَعَدَ بها المؤمنينَ، وجعل العاقبة للمتَّقين، والعزَّةُ أصلُها الشِّدَّة والقُوَّة ومنه: وَعَزَّنِي فِي الْخِطابِ [ص: ٢٣] أي: غلبني بشدّته.

وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ أَنْ إِذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِها وَيُسْتَهْزَأُ بِها فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جامِعُ الْمُنافِقِينَ وَالْكافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً (١٤٠)

وقوله سبحانه: وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ ...

الآية: مخاطبةٌ لجميعِ مَنْ أظهر الإيمان من محقِّقٍ ومنافقٍ لأنه إذا أظهر الإيمان، فقَدْ لزمه امتثال أوامر كتاب اللَّه تعالى، والإشارةُ بهذه الآية إلى قوله تعالى: وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ [الأنعام: ٦٨] إلى نحوِ/ هذا من الآيات، والكتابُ في هذا الموضعِ القرآنُ، وفي الآيةِ دليلٌ قويٌّ على وجوبِ تجنُّبِ أهْلِ البِدَعِ والمعاصِي، وأَلاَّ يجالَسُوا، وقد قيل: [الطويل]

عَنِ المَرْءِ لاَ تَسْأَلْ وَسَلْ عَنْ قَرِينِهِ ...

فَكُلُّ قَرِينٍ بِالمُقَارَنِ مُقْتَدِ «٢»

وهذه المماثلةُ لَيْسَتْ في جميع الصفاتِ، ثم توعَّد سبحانه المنافِقِينَ والكافرين بجمعهم في جَهَنَّم، فتأكَّد بذلك النهْيُ عن مجالستهم وخلطتهم.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ﴾ اخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها في اليَهُودِ آَمَنُوا بِمُوسى، ثُمَّ كَفَرُوا بَعْدَ مُوسى، ثُمَّ آَمَنُوا بِعُزَيْرٍ، ثُمَّ كَفَرُوا بَعْدَهُ بِعِيسى، ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا بِمُحَمَّدٍ  ، هَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

ورُوِيَ عَنْ قَتادَةَ قالَ: آَمَنُوا بِمُوسى، ثُمَّ كَفَرُوا بِعِبادَةِ العِجْلِ، ثُمَّ آَمَنُوا بِهِ بَعْدَ عَوْدِهِ، ثُمَّ كَفَرُوا بَعْدَهُ بِعِيسى، ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا بِمُحَمَّدٍ.

والثّانِي: أنَّها في اليَهُودِ والنَّصارى، آَمَنَ اليَهُودُ بِالتَّوْراةِ، وكَفَرُوا بِالإنْجِيلِ، وآَمَنَ النَّصارى بِالإنْجِيلِ، ثُمَّ تَرَكُوهُ فَكَفَرُوا بِهِ، ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا بِالقُرْآَنِ وبِمُحَمَّدٍ، رَواهُ شَيْبانُ عَنْ قَتادَةَ.

ورُوِيَ عَنِ الحَسْنِ قالَ: هم قَوْمٌ مِن أهْلِ الكِتابِ، قَصَدُوا تَشْكِيكَ المُؤْمِنِينَ، فَكانُوا يَظْهَرُونَ بِالإيمانِ ثُمَّ الكُفْرِ، ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا بِثُبُوتِهِمْ عَلى دِينِهِمْ.

وقالَ مُقاتِلٌ: آَمَنُوا بِالتَّوْراةِ ومُوسى، ثُمَّ كَفَرُوا مِن بَعْدِ مُوسى، ثُمَّ آَمَنُوا بِعِيسى والإنْجِيلِ، ثُمَّ كَفَرُوا مِن بَعْدِهِ، ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا بِمُحَمَّدٍ والقُرْآَنِ.

والثّالِثُ: أنَّها في المُنافِقِينَ آَمَنُوا، ثُمَّ ارْتَدُّوا، ثُمَّ ماتُوا عَلى كُفْرِهِمْ.

قالَهُ مُجاهِدٌ.

ورَوى ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا ﴾ قالَ: ثَبَتُوا عَلَيْهِ حَتّى ماتُوا.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿ لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ ﴾ ما أقامُوا عَلى ذَلِكَ ﴿ وَلا لِيَهْدِيَهم سَبِيلا ﴾ أيْ: لا يَجْعَلُهم بِكُفْرِهِمْ مُهْتَدِينَ.

قالَ: وإنَّما عَلَّقَ امْتِناعَ المَغْفِرَةِ بِكُفْرٍ بَعْدَ كُفْرٍ، لِأنَّ المُؤْمِنَ بَعْدَ الكُفْرِ يُغْفَرُ لَهُ كُفْرُهُ، فَإذا ارْتَدَّ طُولِبَ بِالكُفْرِ الأوَّلِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا آمَنُوا بِاللهِ ورَسُولِهِ والكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ والكِتابِ الَّذِي أنْزَلَ مِن قَبْلُ ومَن يَكْفُرْ بِاللهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ واليَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيدًا ﴾ ﴿ إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهم ولا لِيَهْدِيَهم سَبِيلا ﴾ اِخْتَلَفَ الناسُ فِيمَن خُوطِبَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا آمَنُوا بِاللهِ ﴾ ؛ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: اَلْخِطابُ لِمَن آمَنَ بِمُوسى وعِيسى مِن أهْلِ الكِتابَيْنِ؛ أيْ: "يا مَن قَدْ آمَنَ بِنَبِيٍّ مِنَ الأنْبِياءِ؛ آمِن بِمُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ"؛ ورَجَّحَ الطَبَرِيُّ هَذا القَوْلَ؛ وقِيلَ: اَلْخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ؛ عَلى مَعْنى: "لِيَكُنْ إيمانُكم هَكَذا؛ عَلى الكَمالِ؛ والتَوْفِيَةِ بِاللهِ تَعالى ؛ وبِمُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -؛ وبِالقُرْآنِ وسائِرِ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ"؛ ومُضَمَّنٌ هَذا الأمْرُ الثُبُوتَ والدَوامَ؛ وقِيلَ: اَلْخِطابُ لِلْمُنافِقِينَ؛ أيْ: "يا أيُّها الَّذِينَ أظْهَرُوا الإيمانَ بِألْسِنَتِهِمْ؛ لِيَكُنْ إيمانُكم حَقِيقَةً عَلى هَذِهِ الصُورَةِ".

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو ؛ وابْنُ كَثِيرٍ ؛ وابْنُ عامِرٍ: "نُزِّلَ"؛ بِضَمِّ النُونِ؛ وكَسْرِ الزايِ المُشَدَّدَةِ؛ عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ؛ وكَذَلِكَ قَرَؤُوا: "والكِتابِ الَّذِي أُنْزِلَ مِن قَبْلُ"؛ بِضَمِّ الهَمْزَةِ؛ وكَسْرِ الزايِ؛ عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ؛ وقَرَأ الباقُونَ: "نَزَّلَ؛ وأنْزَلَ"؛ بِفَتْحِ النُونِ؛ والزايِ؛ وبِفَتْحِ الهَمْزَةِ في "أنْزَلَ"؛ عَلى إسْنادِ الفِعْلَيْنِ إلى اللهِ تَعالى ؛ ورُوِيَ عن عاصِمٍ مِثْلُ قِراءَةِ أبِي عَمْرٍو ؛ والكِتابُ المَذْكُورُ أوَّلًا هو القُرْآنُ؛ والمَذْكُورُ ثانِيًا هو اسْمُ جِنْسٍ لِكُلِّ ما نَزَلَ مِنَ الكِتابِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن يَكْفُرْ بِاللهِ ﴾ ؛ إلى آخَرِ الآيَةِ؛ وعِيدٌ وخَبَرٌ؛ مُضَمَّنَةٌ تَحْذِيرَ المُؤْمِنِينَ مِن حالَةِ الكُفْرِ.

واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في المُرادِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ﴾ ؛ فَقالَتْ طائِفَةٌ؛ مِنهم قَتادَةُ ؛ وأبُو العالِيَةِ: اَلْآيَةُ في اليَهُودِ والنَصارى؛ آمَنَتِ اليَهُودُ بِمُوسى؛ والتَوْراةِ؛ ثُمَّ كَفَرُوا؛ وآمَنَتِ النَصارى بِعِيسى؛ والإنْجِيلِ؛ ثُمَّ كَفَرُوا؛ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا بِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ ورَجَّحَ الطَبَرِيُّ هَذا القَوْلَ؛ وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: اَلْآيَةُ في الطائِفَةِ مِن أهْلِ الكِتابِ الَّتِي قالَتْ: ﴿ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلى الَّذِينَ آمِنُوا وجْهَ النَهارِ واكْفُرُوا آخِرَهُ  ﴾ ؛ وقالَ مُجاهِدٌ ؛ وابْنُ زَيْدٍ: اَلْآيَةُ في المُنافِقِينَ؛ فَإنَّ مِنهم مَن كانَ يُؤْمِنُ؛ ثُمَّ يَكْفُرُ؛ ثُمَّ يُؤْمِنُ؛ ثُمَّ يَكْفُرُ؛ يَتَرَدَّدُ في ذَلِكَ؛ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِيمَنِ ازْدادَ كُفْرًا؛ بِأنْ تَمَّ عَلى نِفاقِهِ حَتّى ماتَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا هو القَوْلُ المُتَرَجَّحُ؛ وقَوْلُ الحَسَنِ بْنِ أبِي الحَسَنِ جَيِّدٌ مُحْتَمَلٌ؛ وقَوْلُ قَتادَةَ ؛ وَأبِي العالِيَةِ ؛ وهو الَّذِي رَجَّحَ الطَبَرِيُّ ؛ قَوْلٌ ضَعِيفٌ؛ تَدْفَعُهُ ألْفاظُ الآيَةِ؛ وذَلِكَ أنَّ الآيَةَ إنَّما هي في طائِفَةٍ يَتَّصِفُ كُلُّ واحِدٍ مِنها بِهَذِهِ الصِفَةِ مِنَ التَرَدُّدِ بَيْنَ الكُفْرِ؛ والإيمانِ؛ ثُمَّ يَزْدادُ كُفْرًا بِالمُوافاةِ؛ واليَهُودُ والنَصارى لَمْ يَتَرَتَّبْ في واحِدٍ مِنهم إلّا إيمانٌ واحِدٌ وكُفْرٌ واحِدٌ؛ وإنَّما يُتَخَيَّلُ فِيهِمُ الإيمانُ؛ والكُفْرُ؛ مَعَ تَلْفِيقِ الطَوائِفِ الَّتِي لَمْ تَتَلاحَقْ في زَمانٍ واحِدٍ؛ ولَيْسَ هَذا مَقْصِدَ الآيَةِ؛ وإنَّما تُوجَدُ هَذِهِ الصِفَةُ في شَخْصٍ في المُنافِقِينَ؛ لِأنَّ الرَجُلَ الواحِدَ مِنهم يُؤْمِنُ؛ ثُمَّ يَكْفُرُ؛ ثُمَّ يُوافِي عَلى الكُفْرِ؛ وتَأمَّلْ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ لَمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ ﴾ ؛ فَإنَّها عِبارَةٌ تَقْتَضِي أنَّ هَؤُلاءِ مَحْتُومٌ عَلَيْهِمْ مِن أوَّلِ أمْرِهِمْ؛ ولِذَلِكَ تَرَدَّدُوا؛ ولَيْسَتْ هَذِهِ العِبارَةُ مِثْلَ أنْ يَقُولَ: "لا يَغْفِرُ اللهُ لَهُمْ"؛ بَلْ هي أشَدُّ؛ وهي مُشِيرَةٌ إلى اسْتِدْراجِ مَن هَذِهِ حالُهُ؛ وإهْلاكِهِ؛ وهي عِبارَةٌ تَقْتَضِي لِسامِعِها أنْ يَنْتَبِهَ؛ ويُراجِعَ؛ قَبْلَ نُفُوذِ الحَتْمِ عَلَيْهِ؛ وأنْ يَكُونَ مِن هَؤُلاءِ؛ وكُلُّ مَن كَفَرَ كُفْرًا واحِدًا؛ ووافى عَلَيْهِ؛ فَقَدْ قالَ اللهُ تَعالى إنَّهُ لا يَغْفِرُ لَهُ؛ ولَمْ يَقُلْ: "لَمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُ"؛ فَتَأمَّلِ الفارِقَ بَيْنَ العِبارَتَيْنِ؛ فَإنَّهُ مِن دَقِيقِ غَرائِبِ الفَصاحَةِ الَّتِي في كِتابِ اللهِ؛ كَأنَّ قَوْلَهُ: "لَمْ يَكُنِ اللهُ"؛ حُكْمٌ قَدْ تَقَرَّرَ عَلَيْهِمْ في الدُنْيا وهم أحْياءٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

استئناف عن قوله: ﴿ ومن يكْفُرْ بالله ﴾ [النساء: 136] الآية، لأنّه إذا كان الكفر كما علمت، فما ظنّك بكفر مضاعَف يعاوده صاحبه بعد أن دخل في الإيمان، وزالت عنه عوائق الاعتراف بالصدق، فكفره بئس الكفر.

وقد قيل: إنّ الآية أشارت إلى اليهود لأنّهم آمنوا بموسى ثم كفروا به إذ عبدوا العجل، ثم آمنوا بموسى ثم كفروا بعيسى ثم ازدادوا كفراً بمحمد، وعليه فالآية تكون من الذمّ المتوجّه إلى الأمّة باعتبار فعل سلفها، وهو بعيد، لأنّ الآية حكم لا ذَمّ، لقوله ﴿ لم يكن الله ليغفر لهم ﴾ فإنّ الأولين من اليهود كفروا إذ عبدوا العجل، ولكنّهم تابوا فما استحقّوا عدم المغفرة وعدمَ الهداية، كيف وقد قيل لهم ﴿ فتوبوا إلى بارئكم ﴾ إلى قوله: ﴿ فتاب عليكم ﴾ [البقرة: 54]، ولأنّ المتأخّرين منهم ما عبدوا العجل حتّى يُعَدَّ عليهم الكفرُ الأول، على أنّ اليهود كفروا غير مرّة في تاريخهم فكفروا بعد موت سليمان وعبدوا الأوثان، وكفروا في زمن بختنصر.

والظاهر على هذا التأويل أن لا يكون المراد بقوله: ﴿ ثم ازدادوا كفراً ﴾ أنّهم كفروا كَفْرَةً أخرى، بل المراد الإجمال، أي ثم كفروا بعد ذلك، كما يقول الواقِف: وأولادهم وأولاد أولادهم وأولاد أولاد أولادهم لا يريد بذلك الوقوف عند الجيل الثالث، ويكون المراد من الآية أنّ الذين عرف من دأبهم الخفّة إلى تكذيب الرسل، وإلى خلع ربقة الديانة، هم قوم لا يغفر لهم صُنعهم، إذْ كان ذلك عن استخفاف بالله ورسله.

وقيل: نزلت في المنافقين إذ كانوا يؤمنون إذا لقوا المؤمنين، فإذا رجعوا إلى قومهم كفروا، ولا قصد حينئذٍ إلى عدد الإيمانات والكَفَرات.

وعندي: أنّه يعني أقواماً من العرب من أهل مكة كانوا يتّجرون إلى المدينة فيؤمنون، فإذا رجعوا إلى مكة كفروا وتكرّر منهم ذلك، وهم الذين ذكروا عند تفسير قوله: ﴿ فما لكم في المنافقين فئتين ﴾ [النساء: 88].

وعلى الوجوه كلّها فاسم الموصول من قوله: ﴿ إنْ الذين...

كفروا ﴾ مراد منه فريق معهود، فالآية وعيد لهم ونذارة بأنّ الله حرمهم الهدى فلم يكن ليغفر لهم، لأنّه حرمهم سبب المغفرة، ولذلك لم تكن الآية دالّة على أنّ من أحوال الكفر ما لا ينفع الإيمان بعده.

فقد أجمع المسلمون على أنّ الإيمان يجُبّ ما قبله، ولو كفر المرء مائة مرة، وأنّ التوبة من الذنوب كذلك، وقد تقدّم شِبْه هذه الآية في آل عمران (190) وهو قوله: ﴿ إنّ الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفراً لن تقبل توبتهم ﴾ فإن قلت: إذا كان كذلك فهؤلاء القوم قد علم الله أنّهم لا يؤمنون وأخبر بنفي أن يهديهم وأن يغفر لهم، فإذن لا فائدة في الطلب منهم أن يؤمنوا بعد هذا الكلام، فهل هم مخصوصون من آيات عموم الدعوة.

قلت: الأشخاص الذين علم الله أنّهم لا يؤمنون، كأبي جهل، ولم يخبر نبيئَه بأنّهم لا يؤمنون فهم مخاطبون بالإيمان مع عموم الأمّة، لأنّ علم الله تعالى بعدم إيمانهم لم ينصب عليه أمَارة، كما عُلم من مسألة (التكليف بالمحال العارض) في أصول الفقه، وأمّا هؤلاء فلو كانوا معروفين بأعيانهم لكانت هذه الآية صارفة عن دعوتهم إلى الإيمان بعدُ، وإن لم يكونوا معروفين بأعيانهم فالقول فيهم كالقول فيمن علم الله عدم إيمانه ولم يخبر به، وليس ثمة ضابط يتحقّق به أنّهم دُعوا بأعيانهم إلى الإيمان بعد هذه الآية ونحوها.

والنفي في قوله: لم يكن الله ليغفر لهم} أبلغ من: لا يغفر الله لهم، لأنّ أصل وضع هذه الصيغة للدلالة على أنّ اسم كانَ لم يُجعل ليَصْدر منه خبرُها، ولا شكّ أنّ الشيء الذي لم يُجعل لشيء يكون نابياً عنه، لأنّه ضِدّ طبعه، ولقد أبدع النحاة في تسمية اللام التي بعدَ كان المنفية (لامَ الجحود).

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهم آمَنُوا بِمُوسى ثُمَّ كَفَرُوا بِعِبادَةِ العِجْلِ، ثُمَّ آمَنُوا بِمُوسى بَعْدَ عَوْدِهِ ثُمَّ كَفَرُوا بِعِيسى، ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا بِمُحَمَّدٍ  ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ.

والثّانِي: أنَّهُمُ المُنافِقُونَ آمَنُوا ثُمَّ ارْتَدُّوا، ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ ارْتَدُّوا، ثُمَّ ماتُوا عَلى كُفْرِهِمْ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ.

والثّالِثُ: أنَّهم قَوْمٌ مِن أهْلِ الكِتابِ قَصَدُوا تَشْكِيكَ المُؤْمِنِينَ فَكانُوا يُظْهِرُونَ الإيمانَ ثُمَّ الكُفْرَ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا بِثُبُوتِهِمْ عَلَيْهِ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ.

واخْتُلِفَ لِمَكانِ هَذِهِ الآيَةِ في اسْتِتابَةِ المُرْتَدِّ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ المُرْتَدَّ يُسْتَتابُ ثَلاثَ مَرّاتٍ بِدَلالَةِ الآيَةِ، فَإنِ ارْتَدَّ بَعْدَ الثَّلاثِ قُتِلَ مِن غَيْرِ اسْتِتابَةٍ، وهَذا قَوْلُ عَلِيٍّ.

والثّانِي: يُسْتَتابُ كُلَّما ارْتَدَّ، وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ والجُمْهُورِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في الآية قال: هم اليهود والنصارى، آمنت اليهود بالتوراة ثم كفرت، وآمنت النصارى بالإنجيل ثم كفرت.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ إن الذين آمنوا ثم كفروا ﴾ قال: هؤلاء اليهود، آمنوا بالتوراة ثم كفروا، ثم ذكر النصارى فقال: ﴿ ثم آمنوا ثم كفروا ﴾ يقول: آمنوا بالإنجيل ثم كفروا به ﴿ ثم ازدادوا كفراً ﴾ بمحمد صلى الله عليه وسلم ﴿ ولا ليهديهم سبيلاً ﴾ قال: طريق هدى وقد كفروا بآيات الله.

وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في الآية قال: هؤلاء المنافقون آمنوا مرتين وكفروا مرتين ﴿ ثم ازدادوا كفراً ﴾ .

وأخرج ابن المنذر عن مجاهد في الآية قال: هم المنافقون.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن علي أنه قال في المرتد: إن كنت لمستتيبه ثلاثاً، ثم قرأ هذه الآية ﴿ إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازداودا كفراً ﴾ .

وأخرج ابن المنذر والبيهقي في سننه عن فضالة بن عبيد.

أنه أتي برجل من المسلمين قد فر إلى العدوّ فأقاله الإسلام، فأسلم ثم فر الثانية، فأتي به فأقاله الإسلام، ثم فر الثالثة، فأتي به فنزع بهذه الآية ﴿ إن الذين آمنوا ثم كفروا ﴾ إلى ﴿ سبيلاً ﴾ ثم ضرب عنقه.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ ازدادوا كفراً ﴾ قال: تموا على كفرهم حتى ماتوا.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن مجاهد.

مثله.

وأخرج الحاكم في التاريخ والديلمي وابن عساكر عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله يقول كل يوم: أنا ربكم العزيز، فمن أراد عز الدارين فليطع العزيز» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ﴾ الآيةْ اختلفوا في هذه الآية، فذهب الأكثرون إلى أن المراد به اليهود.

وهو قول ابن عباس في رواية عطاء، قال: "هم قريظة والنضير" (١) ونحو ذلك قال الكلبي وقتادة: آمنت اليهود بالتوراة، ثم كفرت بمخالفتها، ثم آمنت بالإنجيل، ثم كفرت بمخالفته (٢) وقال بعضهم: إن اليهود آمنوا بالتوراة وموسى، ثم كفروا بعزير، ثم آمنوا بداود، ثم كفروا بعيسى (٣) وكيف ما كان الأمر فقد أخبر الله عنهم بترددهم في الكفر.

وقال مجاهد وابن زيد: نزلت في المنافقين، آمنوا، ثم ارتدوا، ثم آمنوا، ثم ارتدوا (٤) واختيار أبي علي أن هذا يُعني به المنافقون، قال: فالإيمان الأول دخولهم في الإسلام، وحقنُهم الدماء والأموال به، وكفرهم بعد نفاقهم، وأنَّ باطنهم على غير ظاهرهم.

(وإيمانهم بعد نفيهم نفاقهم) (٥) ﴿ إِنَّا مُؤْمِنُونَ  ﴾ ، في قوله: ﴿ وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا  ﴾ ، فهذا بعد الإظهار منهم للإيمان ثانية، يدخلون به في حكم الإسلام بعد الكفر، كما أن من جاء من المؤمنات مظهرات للإسلام داخلات في حكمه، لقوله: ﴿ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ  ﴾ فعُلِمن مؤمنات بما أظهرنه من ذلك، فكذلك هؤلاء، يكونون مؤمنين بإظهارهم الإيمان، بعدما علم منهم النفاق، وكفرهم بعد هذا الإيمان الثاني، قولهم إذا خلوا إلى شياطينهم، أي أصحابهم: ﴿ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ  ﴾ (٦) وقوله تعالى: ﴿ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا ﴾ قال الكلبي وقتادة: بمحمد  والقرآن (٧) وقال مجاهد والسدي والحسن: ماتوا على كفرهم (٨) وقال أبو العالية: ثم ازدادوا كفرًا بذنوب أصابوها في كفرهم (٩) قال أبو عبيد: جعل أبو العالية إصابة الذنوب زيادة في الكفر، كما أن أعمال البر زيادةٌ في الإيمان (١٠) وقال أبو علي: ما ازدادوه من الكفر إنما هو بقولهم: ﴿ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ  ﴾ فهذا زيادة في الكفر.

ويدل على أنَّ المستهزئ (١١) ﴿ وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ ﴾ إلى قوله: ﴿ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ  ﴾ ، فإذا كان المجالس مثلهم وإن لم يُظهر ذلك ولم يعتقده، فالقاتل لذلك أشد ذهابًا في الكفر (١٢) وقوله تعالى: ﴿ لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ ﴾ إن قيل: إن الله عز وجل لا يغفر الكفر وقد أخبر به، فلم قال ههنا فيمن آمن ثم كفر، ثم آمن ثم كفر: ﴿ لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ ﴾ ؟

فالجواب: أن الله تعالى يغفر للكافرين (١٣) وهذا جواب ذكره الزجاج (١٤) (١٥) وكذلك قالوا في الذنوب: أن من تاب من ذنب ثم عاد في مثله، فقال القاضي أبو بكر من أصحابنا (١٦) (١٧) (١٨) وقال الآخرون -وهو الاختيار-: إنَّ حكم ما تاب عنه بات على الصحة، وإن عاد إلى مثل ما تاب عنه (١٩) وعلى هذا فالجواب أن يقال: إن هذا إخبار عن قوم انتقلوا عن الكفر إلى الإيمان، وعن الإيمان إلى الكفر (...

و ....

(٢٠) (٢١) وأما من قال: إنه إذا كفر ثانيًا أخذ بالأول، فقد غلط (٢٢) وقال الكلبي: "لم يكن الله ليغفر لهم ما أقاموا على ذلك" (٢٣) وذلك أن الله تعالى أخبر أنه يغفر كفر الكافر إذا انتهى، فإذا أطلق القول بأنه لا يغفر لهم على (٢٤) وقوله تعالى: ﴿ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا ﴾ قال الكلبي وغيره: سبيل هدى (٢٥) ﴿ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا ﴾ أي: لا يجعلهم بكفرهم مهتدين (٢٦) وفي هذا دليل على أن الله تعالى لم يهد الكافر إلى الإيمان، خلافًا لقول القدرية (٢٧) (١) لم أقف عليه.

(٢) المأثور عن قتادة كما في الطبري 5/ 327 أن المراد اليهود والنصارى.

وانظر: " الكشف والبيان" 4/ 133 أ، و"النكت والعيون" 1/ 535.

(٣) نسب هذا القول لابن عباس.

انظر: "زاد المسير" 2/ 225، و"تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 100.

(٤) أخرج القول عنهما الطبري 5/ 327، وانظر: "النكت والعيون" 1/ 536 - 537، و"زاد المسير" 2/ 225 و"الدر المنثور" 2/ 415.

(٥) في "الحجة" لأبي علي 1/ 324: "وإيمانهم بعد يقيهم نفاقهم".

(٦) "الحجة" لأبي علي 1/ 234.

(٧) عن الكلبي انظر:"تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 100، أما عن قتادة فأخرجه الطبري 9/ 315.

(٨) أخرجه عن مجاهد: الطبري 5/ 327.

وانظر: "الكشف والبيان" 4/ 133 أ، وذكره عن الحسن الهواري في "تفسير كتاب الله العزيز" 1/ 431.

ولم أقف عليه عن السدي.

وقد أخرج ابن أبي حاتم مثله عن ابن عباس.

انظر: "تفسير ابن كثير" 1/ 624، و"الدر المنثور" 2/ 415.

(٩) لم أقف عليه.

(١٠) لم أقف عليه.

(١١) في المخطوط: "المستهزئين"، والتصويب من "الحجة" 1/ 234.

(١٢) "الحجة" لأبي علي 1/ 234، 235.

(١٣) هكذا في المخطوط، والإفراد أظهر.

(١٤) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 120.

(١٥) لم أقف عليه.

(١٦) لعله شيخ الواحدي: أبو بكر الحيري.

(١٧) هكذا في المخطوط بالصاد المهملة، ولعلها بالضاد المعجمة.

(١٨) لم أقف عليه.

(١٩) الراجح -حسب ما ورد به الدليل- هو القول الأول كما قال ابن مسعود  قال: قال رجل: يا رسول الله، أنؤاخذ بما عملنا في الجاهلية؟

قال: "من أحسن في الإسلام لم يؤاخذ بما عمل في الجاهلية، ومن أساء في الإسلام أخذ بالأول والآخر".

أخرجه البخاري (6921) كتاب: استتابة المرتدين، باب: إثم من أشرك بالله، ومسلم (120) كتاب: الإيمان، باب: هل يؤاخذ بأعمال الجاهلية، وانظر: "زاد المسير" 2/ 225، والقرطبي 5/ 415.

(٢٠) هنا كلمة غير واضحة، ولعلها: "وتفحيش" أو "تقبيح".

(٢١) هكذا في المخطوط، ولعل الصواب: "المعنيون" بتقديم النون.

(٢٢) هذا الحكم فيه نظر؛ لأنه تقدم الحديث الصحيح الذي يدل على أن من كفر بعد إسلامه، أخذ بالأول والآخر.

(٢٣) انظر: "زاد المسير" 2/ 225، و"تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 100.

(٢٤) هكذا في المخطوط، ولعلها: عُلم.

(٢٥) انظر: "الكشف والبيان" 4/ 133 أ، و"تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 100.

(٢٦) "معانى القرآن وإعرابه" 2/ 120.

(٢٧) انظر: "الكشف والبيان" 4/ 133 ب، والقرطبي 5/ 416.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ آمِنُواْ بالله ﴾ الآية خطاب للمسلمين: معناه الأمر بأن يكون إيمانهم على الكمال بكل ما ذكر، أو يكون أمراً بالدوام على الإيمان، وقيل: خطاب لأهل الكتاب الذين آمنوا بالأنبياء المتقدّمين: معناه الأمر بأن يؤمنوا مع ذلك بمحمد صلى الله عليه وسلم، وقيل: خطاب للمنافقين معناه الأمر بأن يؤمنوا بألسنتهم وقلوبهم ﴿ إِنَّ الذين آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ﴾ الآية، قيل: هي في المنافقين لتردّدهم بين الإيمان والكفر، وقيل: في اليهود والنصارى لأنهم آمنوا بأنبيائهم ثم كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم، والأوّل أرجح؛ لأنّ الكلام من هنا فيهم، والأظهر أنها فيمن آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم، ثم ارتدّ ثم عاد إلى الإيمان، ثم ارتدّ وازداد كفراً ﴿ لَّمْ يَكُنِ الله لِيَغْفِرَ لَهُمْ ﴾ ذلك فيمن علم الله أنه يموت على كفره، وقد يكون إضلالهم عقاباً لهم بسوء أفعالهم.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ يصلحا ﴾ من الإصلاح: عاصم وعلي وحمزة وخلف.

الباقون.

﴿ يصالحا ﴾ من التصالح وإدعام التاء في الصاد ﴿ إن يشأ ﴾ حيث كان بغير همز: الأعشى وأوقيه وورش من طريق الأصفهاني وحمزة في الوقف.

﴿ وإن تلوا ﴾ بواو واحدة: ابن عامر وحمزة.

الباقون بالواوين ﴿ نزل ﴾ و ﴿ أنزل ﴾ كلاهما على ما لم يسم فاعله من التنزيل والإنزال: ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو والباقون: ﴿ نزل ﴾ و ﴿ أنزل ﴾ مبنيين للفاعل من التنزيل والإنزال أيضاً.

﴿ وقد نزل ﴾ مشدداً مبنياً للفاعل: عاصم ويعقوب.

الباقون مبنياً للمفعول.

الوقوف: ﴿ في النساء ﴾ ط ﴿ فيهن ﴾ لا للعطف أي الله والمتلو يفتيكم ﴿ الولدان ﴾ لا للعطف أيضاً أي في يتامى النساء وفي المستضعفين وفي أن تقوموا ﴿ بالقسط ﴾ ط ﴿ عليماً ﴾ ه ﴿ صلحاً ﴾ ط ﴿ خير ﴾ ط ﴿ الشح ﴾ ط ﴿ خبيراً ﴾ ه ﴿ كالمعلقة ﴾ ط ﴿ رحيماً ﴾ ه ﴿ سعته ﴾ ط ﴿ حكيماً ﴾ ه ﴿ وما في الأرض ﴾ ط ﴿ أن اتقوا الله ﴾ ط ﴿ وما في الأرض ﴾ ط ﴿ حميداً ﴾ ه ﴿ وما في الأرض ﴾ ط ﴿ وكيلاً ﴾ ه ﴿ بآخرين ﴾ ط ﴿ قديراً ﴾ ه ﴿ والآخرة ﴾ ط ﴿ بصيراً ﴾ ه ﴿ والأقربين ﴾ ج لابتداء الشرط مع اتفاق المعنى ﴿ أن تعدلوا ﴾ ج لذلك ﴿ خبيراً ﴾ ه ﴿ من قبل ﴾ ط ﴿ بعيداً ﴾ ه ﴿ سبيلاً ﴾ ه ﴿ أليماً ﴾ ه لا لأن "الذين" صفة المنافقين وإن كان يحتمل النصب والرفع على الذم ﴿ المؤمنين ﴾ ط ﴿ جميعاً ﴾ ه ﴿ غيره ﴾ ج لأن ما بعده كالتعليل.

/ ﴿ مثلهم ﴾ ط ﴿ جميعاً ﴾ ه لا لأن ما بعده صفة المنافقين.

﴿ لكم ﴾ ج لابتداء الشرط مع أنه بيان التربص ﴿ معكم ﴾ ز لترجيح جانب العطف وإتمام بيان النفاق.

﴿ نصيب ﴾ لا لأن ﴿ قالوا ﴾ جواب: "إن" ﴿ المؤمنين ﴾ ط ﴿ القيامة ﴾ ط ﴿ سبيلاً ﴾ ه.

التفسير: أحسن الترتيبات اللائقة بالدعوة إلى الدين الحق والبعث على قبول التكاليف هو ما عليه القرآن الكريم من اقتران الوعد بالوعيد وخلط الترغيب بالترهيب وضم الآيات الدالة على العظمة والكبرياء إلى بيان الأحكام.

والاستفتاء طلب الفتوى.

يقال: استفتيت الرجل فأفتاني إفتاء وفتيا وفتوى وهما اسمان يوضعان موضع الإفتاء وهو إظهار المشكل من الفتى وهو الشاب الذي قوي وكمل كأنه قوي بيانه ما أشكل فشب وصار فتياً قوياً.

والاستفتاء لا يقع في ذوات النساء وإنما يقع في حالة من أحوالهن فلذلك اختلفوا؛ فعن بعضهم أنهم كانوا لا يورثون النساء والصبيان شيئاً من الميراث كما مر في أول السورة فنزلت في توريثهم.

وقيل: إنه في الأوصياء.

وقيل: في توفية الصداق لهن كانت اليتيمة تكون عند الرجل فإن كانت جميلة ومال إليها تزوج بها وأكل مالها، وإن كانت دميمة منعها من الأزواج حتى تموت فيرثها.

أما قوله: ﴿ وما يتلى عليكم ﴾ ففيه وجوه: أحدها أنه رفع بالابتداء معطوفاً على اسم الله أي الله يفتيكم والمتلو في الكتاب يفتيكم أيضاً.

ويجوز أن يكون رفعاً على الفاعلية لكونه عطفاً على المستتر في يفتيكم، وجاز بلا تأكيد للفصل أي يفتيكم الله والمتلو في الكتاب في معنى اليتامى كقولك: أعجبني زيد وكرمه.

وذلك المتلو هو قوله: ﴿ وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى  ﴾ كما سلف في أول السورة جعل دلالة الكتاب على هذا الحكم إفتاء من الكتاب.

وثانيها ﴿ وما يتلى عليكم ﴾ مبتدأ و ﴿ في الكتاب ﴾ خبره وهي جملة معترضة ويكون المراد من الكتاب اللوح المحفوظ.

والغرض تعظيم حال هذه الآية وأن المخل بها وبمقتضاها من رعاية حقوق اليتامى ظالم متهاون بما عظمه الله، ونظيره في تعظيم القرآن قوله: ﴿ وإنه في أم الكتاب لدينا لعليّ حكيم  ﴾ وثالثها أنه مجرور على القسم لمعنى التعظيم أيضاً كأنه قيل: قل الله يفتيكم فيهن وحق المتلو.

ورابعها أن يكون مجروراً على أنه معطوف على المجرور في ﴿ فيهن ﴾ قال الزجاج: إنه ليس بسديد لفظاً لعدم إعادة الخافض، ومعنى لأنه لا معنى لقوله القائل: يفتي الله فيما يتلى عليكم من الكتاب، لأن الإفتاء إنما يكون في المسائل.

وقوله: ﴿ في يتامى النساء ﴾ على الوجه الأول صلة ﴿ يتلى ﴾ أي يتلى عليكم في معناهن أو بدل من ﴿ فيهن ﴾ وعلى سائر الوجوه بدل من ﴿ فيهن ﴾ لا غير.

والإضافة في ﴿ يتامى النساء ﴾ قال الكوفيون: إنها إضافة الصفة إلى الموصوف وأصله في النساء اليتامى.

وقال البصريون: إنها / على تأويل جرد قطيفة وسحق عمامة.

وجوز بعضهم أن يكون المراد بالنساء أمهات اليتامى كما في قصة أم كجة.

ومعنى ﴿ لا تؤتونهن ما كتب لهن ﴾ قال ابن عباس: يريد ما فرض لهن من الميراث بناء على أنها نزلت في ميراث اليتامى والصغار.

وقال غيره: يعني ما كتب لهن من الصداق.

﴿ وترغبون أن تنكحوهن ﴾ قال أبو عبيدة: هذا يحتمل الشهوة والنفرة أي ترغبون في أن تنكحوهن لجمالهن، أو ترغبون عن أن تنكحوهن لدمامتهن احتج أصحاب أبي حنيفة بالآية على أنه يجوز لغير الأب والجد تزويج الصغيرة.

ورد باحتمال أن يكون المراد وترغبون أن تنكحوهن إذا بلغن، ولأن قدامة بن مظعون زوج بنت أخيه عثمان بن مظعون من عبد الله بن عمر فخطبها المغيرة بن شعبة ورغبت أمها في المال، فجاؤا إلى رسول الله  فقال قدامة: أنا عمها ووصي أبيها.

فقال النبي  : "إنها صغيرة وأنها لا تزوج إلا بإذنها وفرق بينها وبين ابن عمر" .

ولأنه ليس في الآية أكثر من ذكر رغبة الأولياء في نكاح اليتيمة، وذلك لا يدل على الجواز ﴿ والمستضعفين من الولدان ﴾ نزلت في ميراث الصغار.

والخطاب في ﴿ أن تقوموا ﴾ للأئمة في أن ينظروا لهم ويستوفوا حقوقهم.

قيل: ويجوز أن يكون ﴿ وأن تقوموا ﴾ منصوباً أي ويأمركم أن تقوموا.

ومن جملة ما أخبر الله  أنه يفتيهم به في النساء لكن لم يتقدم ذكره.

قوله ﴿ وإن امرأة خافت ﴾ ارتفاع ﴿ امرأة ﴾ بفعل يفسره خافت أي علمت.

وقيل: ظنت والظاهر أنه على معناه الأصلي إلا أن الخوف لا يحصل إلا عند ظهور العلامات الدالة على وقوع المخوف كأن يقول الرجل لامرأته: إنك دميمة أو مسنة وإني أريد أن أتزوج شابة جميلة، والبعل الزوج، والنشوز يكون من الزوجين وهو كراهة كل منهما صاحبه ويتبع نشوز الرجل أن يعرض عنها ويقبح وجهها ويترك مجامعتها ويسيء عشرتها.

عن عائشة أنها نزلت في المرأة تكون عند الرجل ويريد الرجل أن يستبدل بها غيرها فتقول: أمسكني وتزوج بغيري وأنت في حل من النفقة والقسم كما فعلت سودة بنت زمعة حين كرهت أن يفارقها رسول الله  وعرفت مكان عائشة من قلبه فوهبت لها يومها.

ومعنى الصلح وهو مصدر من غير لفظ الفعل مثل ﴿ والله أنبتكم من الأرض نباتاً  ﴾ ﴿ أن يصالحا ﴾ على أن تطيب المرأة له نفساً عن القسمة أو عن بعضها أو عن المهر والنفقة فإن هذه الأمور هي التي تقدر المرأة على طلبها من الزوج شاء أم أبى.

أما الوطء فليس كذلك لأن الزوج لا يجبر على الوطء ﴿ والصلح خير ﴾ من الفرقة أو من النشوز والإعراض فاللام للعهد، أو هو خير من الخصومة في كل شيء فاللام للاستغراق وبه تمسك أصحاب أبي حنيفة في جواز الصلح على الإنكار، أو الصلح خير من الخيرات كما أن الخصومة شر من الشرور, والجملة معترضة، وكذا قوله: ﴿ وأحضرت الأنفس الشح ﴾ إلا أنه اعتراض مؤكد للمطلوب محصل للمقصود.

والشح البخل مع / حرص، وأرض شحاح لا تسيل إلا من مطر كثير.

جعل الشح كالأمر الحاضر للنفوس لأنها جلبت على ذلك.

ثم يحتمل أن يكون هذا تعريضاً بالمرأة أنها تشح ببذل نصيبها أو حقها، أو بالزوج أنه يشح بأنه ينقضي عمره معها مع دمامتها وكبر سنها وعدم الالتذاذ بصحبتها.

واعلم أنه رخص أولاً في الصلح بقوله: ﴿ فلا جناح عليهما ﴾ وغايته ارتفاع الإثم، ثم بين أنه كما لا جناح فيه فكذلك فيه خير كثير.

ثم حث على الإحسان والتقوى وحسم مادة الخصومة رأساً فقال: ﴿ وإن تحسنوا ﴾ أي بالإقامة على نسائكم ﴿ وإن كرهتموهن ﴾ وأحببتم غيرهن وتتقوا النشوز والإعراض وما يؤدي إلى الأذى والخصومة المحوجة إلى الصلح ﴿ فإن الله كان بما تعملون ﴾ من الإحسان والتقوى ﴿ خبيراً ﴾ فيثيبكم على ذلك.

وعلى هذا فالخطاب للأزواج، وقيل: الخطاب للزوجين أن يحسن كل منهما إلى صاحبه ويحترز عن الظلم.

وقيل: لغيرهما أن يحسنوا في المصالحة بينهما ويتقوا الميل إلى واحد منهما.

يحكى أن عمران بن حطان الخارجي كان من أدمّ بني آدم وامرأته من أجملهم.

فأجالت يوماً نظرها في وجهه ثم قالت: الحمد لله.

فقال: مالك؟

فقالت: حمدت الله على إني وإياك من أهل الجنة.

لأنك رزقت مثلي فشكرت، ورزقت مثلك فصبرت، والشاكر والصابر من أهل الجنة.

﴿ ولن تستطيعوا أن تعدلوا ﴾ لن تقدروا على التسوية بين النساء في ميل الطباع ﴿ ولو حرصتم ﴾ وإذا لم تقدروا عليها بحيث لا يقع ميل ألبتة ولا زيادة ولا نقصان لم تكونوا مكلفين به، وهذا تفسير يناسب مذهب المعتزلة من أن تكليف ما لا يطاق غير واقع ولا جائز ﴿ فلا تميلوا كل الميل ﴾ أي رفع عنكم تمام العدل وغايته ولكن ائتوا منه ما استطعتم بشرط أن تبذلوا فيه وسعكم وطاقتكم.

وبوجه آخر لن تستطيعوا التسوية في الميل القلبي ﴿ ولو حرصتم ﴾ ولا التسوية الكلية في نتائج الحب من الأقوال والأفعال لأن الفعل بدون الداعي ومع قيام الصارف محال ﴿ فلا تميلوا كل الميل ﴾ فلا تجوروا على المرغوب عنها كل الجور فتمنعوها قسمتها ونفقتها وسائر حقوقها وحظوظها من غير رضا منها ﴿ فتذروها كالمعلقة ﴾ بين السماء والأرض لا على قرار أي غير ذات بعل ولا مطلقة.

والغرض النهي عن الميل الكلي مع جواز التفريط في العدل الكلي في نتائج الميل القلبي، وأما الميل القلبي فمعفو بالكل وبالبعض لأن القلب ليس في تصرف الإنسان وإنما هو بين أصبعين من أصابع الرحمن.

عن النبي  أنه كان يقسم بين نسائه فيعدل فيقول: "اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تؤاخذني فيما تملك ولا أملك" يعني المحبة لأن / عائشة كانت أحب إليه.

وعنه  : "من كانت له امرأتان يميل مع أحداهما جاء يوم القيامة وأحد شقيه مائل" ﴿ وإن تصلحوا ﴾ ما مضى من ميلكم وتتداركوه بالتوبة ﴿ وتتقوا ﴾ فيما يستقبل ﴿ فإن الله كان غفوراً رحيماً وإن يتفرقا يغن الله كلاً ﴾ يرزق كل واحد منهما زوجاً خيراً من زوجه وعيشاً أهنأ من عيشته.

والسعة الغنى والمقدرة ﴿ وكان الله واسعاً ﴾ من الرزق والفضل والرحمة والعلم وأي كمال يفرض ولهذا أطلق.

﴿ حكيماً ﴾ قال ابن عباس: فيما حكم ووعظ.

وقال الكلبي: فيما حكم على الزوج من إمساكها بمعروف أو تسريحها بإحسان.

ثم قال: ﴿ ولله ما في السموات وما في الأرض ﴾ وهو كالتفسير لسعة ملكه وملكه.

وفيه أن الذي أمر به من العدل والإحسان إلى اليتامى والنسوان ليس لعجز أو افتقار وإنما يعود فائدة ذلك إلى المكلف لأنه الأحسن له في دنياه وعقباه.

ثم بين أن الأمر بتقوى الله شريعة قديمة لم يلحقها نسخ وتبديل، وإن استغناءه  بالنسبة إلى الأمم السالفة كهو بالنسبة إلى الأمم الآتية فقال: ﴿ ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب ﴾ أي جنسه ليشمل التوراة والإنجيل والزبور وغيرها من الصحف.

وقوله: ﴿ من قبلكم ﴾ إما أن يتعلق بـ ﴿ وصينا ﴾ أو بـ ﴿ أوتوا ﴾ وقوله: ﴿ وإياكم ﴾ عطف على ﴿ الذين ﴾ ومعنى ﴿ أن اتقوا ﴾ بأن اتقوا وتكون "أن" المفسرة لأن التوصية في معنى القول.

﴿ وإن تكفروا ﴾ عطف على ﴿ اتقوا ﴾ أي أمرناهم وأمرناكم بالتقوى.

وقلنا لهم ولكم إن تكفروا فإن لله ما في السموات وما في الأرض وهو خالقهم ومالكهم والمنعم عليهم بأصناف النعم كلها فحقه أن يكون مطاعاً في خلقه غير معصى يخشون عقابه ويرجون ثوابه.

أو قلنا لهم ولكم: إن تكفروا فإن لله في سمواته وأرضه من الملائكة وغيرهم من يوحده ويعبده ويتقيه ﴿ وكان الله ﴾ مع ذلك ﴿ غنياً ﴾ عن خلقه وعن عباداتهم ﴿ حميداً ﴾ في ذاته وإن لم يحمده واحد منهم.

ثم كرر قوله: ﴿ ولله ما في السموات وما في الأرض وكفى بالله وكيلاً ﴾ تقريراً لأنه أهل أن يتقى وتوكيداً لاستغنائه عن طاعات المطيعين وسيئات المذنبين.

ثم بالغ في هذا المعنى بقوله: ﴿ إن يشأ يذهبكم ﴾ يعدمكم أيها الناس ﴿ ويأت بآخرين ﴾ يوجد خلقاً آخرين غير الإنس أو من جنس الإنس ﴿ وكان الله ﴾ على ذلك الإعدام ثم الإيجاد ﴿ قديراً ﴾ بليغ القدرة لم يزل موصوفاً بذلك ولن يزال كذلك.

وفي الآية من التخويف والغضب ما لا يخفى.

وقيل: الخطاب لأعداء النبي  من العرب والمراد بآخرين ناس يوالونه.

يروى أنها لما نزلت ضرب رسول الله  /بيده على ظهر سلمان وقال: "إنهم قوم هذا يريد أبناء فارس" .

ثم رغب الإنسان فيما عنده من الكرامة فقال: ﴿ من كان يريد ثواب الدنيا ﴾ كالمجاهد يريد بجهاده الغنيمة ﴿ فعند الله ثواب الدنيا والآخرة ﴾ فماله يطلب الأخس بالذات مع أنه إذا طلب الأشرف تبعه الأخس.

فالتقدير: فعند الله ثواب الدنيا والآخرة له إن أراده ليحصل ربط الجزاء بالشرط ﴿ وكان الله سميعا ﴾ لأقوال المجاهدين والطالبين ﴿ بصيراً ﴾ بمطامح عيونهم ومطارح ظنونهم فيجازيهم على نحو ذلك.

ثم بيّن أنّ كمال سعادة الإنسان في أن يكون قوله لله وفعله لله وحركته لله وسكونه لله فقال: ﴿ يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط ﴾ مجتهدين في اختيار العدل محترزين عن ارتكاب الميل ﴿ شهداء لله ﴾ لوجهه ولأجل مرضاته كما أمرتم بإقامتها ولو كانت تلك الشهادة وبالاً على أنفسكم، أو الوالدين والأقربين بأن يتوقع ضرره من سلطان ظالم أو غيره.

وفي كلام الحكماء: "إذا كان الكذب ينجي فالصدق أنجى".

أو المراد الإقرار على نفسه لأنه في معنى الشهادة عليها بإلزام الحق لها وأن يقول: أشهد أنّ لفلان على والدي كذا أو على أقاربي كذا.

وإنما قدم الأمر بالقيام بالقسط على الأمر بالشهادة لله عكس قوله: ﴿ شهد الله أنه لا إله إلاّ هو والملائكة وأولوا العلم قائماً بالقسط  ﴾ لأنّ شهادة الله  عبارة عن كونه خالقاً للمخلوقات، وقيامه بالقسط عبارة عن رعاية قوانين العدل في تلك المخلوقات، والأول مقدم علىالثاني.

وأما في حق العباد فالعدالة مقدمة على الشهادة تقدم الشرط على المشروط فاعلم ﴿ إن يكن ﴾ المشهود عليه ﴿ غنياً أو فقيراً ﴾ فلا تكتموا الشهادة طلباً لرضا الغني أو ترحماً على الفقير ﴿ فالله أولى ﴾ بأمورهما ومصالحهما.

وكان حق النسق أن لو قيل فالله أولى به أي بأحد هذين إلاّ أنه ثنى الضمير ليعود إلى الجنسين كأنه قيل: فالله أولى بجنسي الفقير والغني أي بالأغنياء والفقراء يريد بالنظر لهما وإرادة مصلحتهما ولولا أنّ الشهادة عليهما مصلحة لهما لما شرعها.

قال السدي: "اختصم إلى النبي  غني وفقير وكان ميله إلى الفقير رأى أنّ الفقير لا يظلم الغني فأبى الله إلاّ أن يقوم بالقسط في الغني والفقير" وأنزل الآية.

وقوله: ﴿ أن تعدلوا ﴾ يحتمل أن يكون من العدل أو من العدول فكأنه قيل: فلا تتبعوا الهوى كراهة أن تعدلوا بين الناس، أو إرادة أن تعدلوا عن الحق.

واحتمال آخر وهو أن يراد اتركوا الهوى لأجل أن تعدلوا أي حتى تتصفوا بصفة العدالة لأنّ العدل عبارة عن ترك متابعة الهوى.

ومن ترك أحد النقيضين فقد حصل له الآخر ﴿ وأن تلووا ﴾ بواوين من لوى يلوي إذا فتل، وبواو واحدة من الولاية والمعنى وإن تلووا ألسنتكم عن شهادة الحق وحكومة العدل ﴿ أو تعرضوا ﴾ عن الشهادة بما عندكم أو إن وليتم إقامة الشهادة أو تركتموها.

واعلم أن الإنسان لا يكون قائماً بالقسط إلاّ / إذا كان راسخ القدم في الإيمان فلهذا أردف ما ذكر بقوله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا آمنوا ﴾ وظاهر مشعر بالأمر بتحصيل الحاصل.

فالمفسرون ذكروا فيه وجوهاً الأول: ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ في الماضي والحاضر ﴿ آمنوا ﴾ في المستقبل أي دوموا على الإيمان واثبتوا.

الثاني: ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ تقليداً ﴿ آمنوا ﴾ استدلالاً.

الثالث: ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ استدلالاً إجمالياً ﴿ آمنوا ﴾ استدلالاً تفصيلياً.

الرابع: ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ بالله وملائكته وكتبه ورسله ﴿ آمنوا ﴾ بأن كنه الله  وعظمته وكذلك أحوال الملائكة وأسرار الكتب وصفات الرسل لا ينتهي إليها عقولكم.

الخامس قال الكلبي: "إن عبد الله بن سلام وأسداً وأسيداً ابني كعب وثعلبة بن قيس وجماعة من مؤمني أهل الكتاب قالوا: يا رسول الله، إنا نؤمن بك وبكتابك وبموسى والتوراة وعزير، ونكفر بما سواه من الكتب والرسل فأنزل الله هذه الآية فآمنوا بكل ذلك" .

وقيل: إن المخاطبين ليسوا هم المسلمين والتقدير: ﴿ يا أيها الذين آمنوأ ﴾ بموسى والتوراة وبعيسى والإنجيل ﴿ آمنوا ﴾ بمحمد  والقرآن وبجميع الكتب المنزلة من قبل لا ببعضها فقط، لأن طريق العلم بصدق النبي هو المعجز وأنه حاصل في الكل، فالخطاب لليهود والنصارى.

أو ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ بالسان ﴿ آمنوا ﴾ بالقلب فهم المنافقون, أو ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ باللات والعزى ﴿ آمنوا ﴾ بالله فهم المشركون، والمراد بالكتاب الذي أنزل من قبل جنسه.

فإن قيل: لم ذكر في مراتب الإيمان أموراً ثلاثة: الإيمان بالله وبالرسل وبالكتب.

وذكر في مراتب الكفر أموراً خمسة؟

أجيب بأن الإيمان بالثلاثة يلزم منه الإيمان بالملائكة وباليوم الآخر، لكنه ربما ادّعى الإنسان أنه يؤمن بالثلاثة ثم إنه ينكر الملائكة واليوم الآخر لتأويلات فاسدة، فلما كان هذا الاحتمال قائماً نص على أن منكر الملائكة والقيامة كافر بالله.

فإن قيل: لم قدم في مراتب الإيمان ذكر الرسول على ذكر الكتاب في مراتب الكفر عكس الأمر؟

فالجواب أن الكتاب مقدم على الرسول في مرتبة النزول من الخالق إلى الخلق، وأما في العروج فالرسول مقدم على الكتاب.

وبوجه آخر الرسول الأول هو نبينا محمد  والرسل عام له ولغيره، فلما خص ذكره أولاً للتشريف جعل ذكره تالياً لذكر الله لمزيد التشريف ولبيان أفضليته  .

ثم لما رغب في الإيمان والثبات عليه بين فساد طريقة من يكفر بعد الإيمان فقال: ﴿ إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفراً ﴾ والمراد الذين تكرر منهم الكفر بعد الإيمان تارات وأطواراً.

قال القفال: وليس المراد بيان العدد بل المراد ترددهم وتمرنهم على ذلك.

وقيل: اليهود هم آمنوا بالتوراة وبموسى ثم كفروا بعزير ثم آمنوا بداود ثم كفروا بعيسى ثم ازدادوا كفراً عند مقدم محمد  .

وقيل: هم المنافقون أظهروا الإسلام / ثم كفروا بنفاقهم وكون باطنهم على خلاف ظاهرهم، ثم إذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم، ثم ازدادوا كفراً بجدهم واجتهادهم في استخراج وجوه المكايد في حق المسلمين.

قيل: هم طائفة من أهل الكتاب قصدوا تشكيك المسلمين فكانوا يظهرون الإيمان تارة والكفر أخرى على ما أخبر الله  عنهم أنهم قالوا: ﴿ آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون  ﴾ ثم إنهم بالغوا في ذلك وازدادوا إلى حد الاستهزاء والسخرية بالإسلام.

وفي الآية دلالة على أنه قد يحصل الكفر بعد الإيمان وذلك يبطل مذهب القائلين بالموافاة وهي أن شرط صحة الإسلام أن يموت الشخص على الإسلام وهم يجيبون عن ذلك بأنا نحمل الإيمان على إظهار الإيمان.

وفيها أن الكفر يقبل الزيادة والنقصان فيجب أن يكون الإيمان كذلك لأنهما ضدان متنافيان، فإذا قبل أحدهما التفاوت فكذا الآخر.

وكيف يزداد كفرهم فيه وجوه: أحدهها أنهم ماتوا على كفرهم.

وثانيها بسبب ذنوب أصابوها حال كفرهم وعلى هذا فإصابة الطاعات وقت الإيمان تكون زيادة في الإيمان.

وثالثها استهزاؤهم بالدين.

أما قوله  : ﴿ لم يكن الله ليغفر لهم ﴾ فقيل عليه اللام تفيد نفي التأكيد وهذا لا يليق بالوضع إنما اللائق به تأكيد النفي.

وأجيب بأن نفي التأكيد إذا ذكر على سبيل التهكم أفاد تأكيد النفي.

ثم أورد عليه أن الكفر قبل التوبة غير مغفور على الإطلاق وحينئذٍ تضيع الشرائط المذكورة في الآية، وبعد التوبة مغفور ولو بعد ألف مرة فكيف يصح النفي؟

وأجيب بأن اللام في الذين لمعهودين وهم قوم علم الله منهم أنهم يموتون على الكفر لا يتوبون عنه قط، فقوله: ﴿ لم يكن الله ليغفر لهم ﴾ إخبار عن موتهم على الكفر، أو اللام للاستغراق وخرج الكلام على الغالب المعتاد وهو أن من كان مضطرب الحال كثير الانتقال من الإسلام إلى الكفر، لم يكن للإيمان في قلبه وقع واحتشام.

فالظاهر من حال مثله أنه يموت على الكفر، فليس المراد أنه لو أتى بالإيمان الصحيح لم يكن معتبراً بل المراد منه الاستبعاد والاستغراب كالفاسق يتوب ثم يرجع ثم يتوب ثم يرجع فإنه لا يرجى منه الثبات والغالب أنه يموت على الفسق.

﴿ ولا ليهديهم سبيلاً ﴾ أي إلى الإيمان عند الأشاعرة، وعند المعتزلة إلى الجنة.

أو محمول على المنع من زيادة الألطاف.

﴿ بشر المنافقين ﴾ تهكم كقولهم: عتابك السيف وتحيتهم الضرب ﴿ أيبتغون عندهم العزة ﴾ كان المنافقون يوادّون اليهود اعتقاداً منهم أن أمر محمد  لا يتم وحينئذٍ يبتغون بودّهم أن يحصل لهم بهم قوة وغلبة، فخيّب الله آمالهم بقوله: ﴿ فإن العزة لله جميعاً ﴾ وعزّة الله تستتبع عزة الرسول والمؤمنين كقوله: ﴿ ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين  ﴾ و ﴿ جميعاً ﴾ حال من العزة أي مجموعة.

قال المفسرون: إنّ المشركين كانوا بمكة يخوضون في ذكر القرآن في مجالسهم فيستهزؤن به / وبين أظهرهم المسلمون ولا يتهيّأ لهم حينئذِ الإنكار عليهم ظاهراً فنزلت إذا ذاك.

﴿ وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره ﴾ فكان أحبار اليهود بالمدينة يفعلون نحو فعل المشركين ويجالسهم بعض المنافقين فأنزل الله  في هؤلاء المنافقين ﴿ وقد نزل عليكم في الكتاب ﴾ معنى آية الأنعام ﴿ أن إذا سمعتم آيات الله ﴾ هي المخففة من الثقيلة وضمير الشأن مقدر والمعنى أنه إذا سمعتم آيات الله حال كونها يكفر بها ويستهزأ بها.

وقال الكسائي: المعنى إذا سمعتم الكفر بآيات الله والاستهزاء بها، ولكن أوقع فعل السماع على الآيات كما يقال: سمعت عبد الله يلام وفيه نظر، لأنّ إيقاع فعل السماع على الآيات ممكن بخلاف إيقاعه على عبد الله.

﴿ إنكم ﴾ أيها المنافقون ﴿ إذا مثلهم ﴾ مثل الأحبار في الكفر و "إذن" ههنا ملغاة لوقوعها بين الاسم والخبر ولذلك لم يذكر بعدها الفعل أي إذن تكونوا مثلهم، وأفرد ﴿ مثلهم ﴾ لأنها في معنى المصدر نحو ﴿ أنؤمن لبشرين مثلنا ﴾ \[المؤمنون:47\] وقد جمع في قوله: ﴿ ثم لا يكونوا أمثالكم  ﴾ وإنما لم يحكم بكفر المسلمين بمكة لمجالسة المشركين الخائضين وحكم بنفاق هؤلاء بالمدينة لمجالسة أحبار اليهود الخائضين، لأن مجالسة أولئك المسلمين كانت للضرورة وفي أوان ضعف الإسلام ولم يرد نهي بعد، ومجالسة هؤلاء المنافقين كانت في وقت الاختيار وقوة الإسلام وبعد ورود النهي.

قال أهل العلم: في الآية دليل على أن من رضي بالكفر فهو كافر، ومن رضي بمنكر يراه وخالط أهله وإن لم يباشر كان شريكهم في الإثم.

ثم حقق كون المنافقين مثل الكافرين بقوله: ﴿ إنّ الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعاً ﴾ يعني القاعدين والمقعود معهم.

والضمير في ﴿ معهم ﴾ يعود إلى الكافرين المستهزئين بدلالة ﴿ يكفر بها ويستهزأ بهأ ﴾ وأراد ﴿ جامع ﴾ بالتنوين لأنه بعد ما جمعهم ولكن حذف التنوين تخفيفاً في اللفظ.

والمعنى أنهم كما اجتمعوا على الاستهزاء بآيات الله في الدنيا فكذلك يجتمعون في عذاب جهنم يوم القيامة ومثله قوله  : "المرء مع من أحب" ﴿ يتربصون بكم ﴾ ينتظرون بكم ما يتجدد لكم من نصر أو إخفاق.

﴿ فإن كان لكم فتح من الله ﴾ ظهور على اليهود ﴿ قالوا ألم نكن معكم ﴾ مظاهرين فأسهموا لنا في الغنيمة ﴿ وإن كان للكافرين ﴾ أي اليهود نصيب استيلاء مّا في الظاهر ﴿ قالوا ألم نستحوذ عليكم ﴾ الحوذ السوق السريع والاستحواذ الغلبة.

وهذا جاء بالواو على أصله كما جاء استروح واستصوب.

وفي الآية وجهان: الأول ألم نغلبكم ونتمكن من قتلكم وأسركم ثم لم نفعل شيئاً من ذلك ﴿ ونمنعكم من المؤمنين ﴾ بأن ثبطناهم عنكم فهاتوا نصيباً لنا مما أصبتم.

الثاني أنّ أولئك الكفار كانوا قد هموا بالدخول في الإسلام.

ثم إنّ المنافقين نفروهم / وأطعموهم أنه سيضعف أمر محمد  ويقوى أمركم.

فالمراد ألسنا غلبناكم على رأيكم في الدخول في الإسلام ومنعناكم منه وأرشدناكم إلى مصالحكم فادفعوا إلينا نصيباً مما وجدتم.

وفي تسمية ظفر المؤمنين فتحاً وظفر الكافرين نصيباً تثبيت للمؤمنين وتعظيم لما هم عليه من الدين وتحقير لشأن الكافرين وتوهين لأمرهم، فكان ظفر المسلمين أمر عظيم يفتح له أبواب السماء حين ينزل على أولياء الله، وظفر الكافرين حظ دنيوي ينقضي ولا يبقى منه إلاّ الذم في الدنيا والعقاب في الآخرة ﴿ فالله يحكم بينكم يوم القيامة ﴾ أي بين المؤمن والمنافق.

والغرض أنه يقال: ما وضع السيف على المنافقين في الدنيا ولكن أخر عقابهم إلى يوم القيامة ﴿ ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً ﴾ قال علي وابن عباس: المراد في الدنيا ولكن بالحجة أي حجة المسلمين غالبة على حجة الكل.

وقيل: في الآخرة.

وقيل: عام في الكل.

والشافعي بنى عليه مسائل منها: أن الكافر إذا استولى على مال المسلم وأحرزه إلى دار الحرب لم يملكه بدلالة هذه الآية.

ومنها أن الكافر ليس له أن يشتري عبداً مسلماً.

ومنها أنّ المسلم لا يقتل بالذمي والله  أعلم.

التأويل: النفس للروح كالمرأة للزوج و ﴿ يتامى النساء ﴾ صفات النفوس و ﴿ ما كتب لهن ﴾ ما أوجب الله للنفوس من الحقوق.

وحاصل المعنى أنّ نفسك مطيتك فارفق بها وإليه الإشارة بقوله: ﴿ والصلح خير وأحضرت الأنفس الشح ﴾ فالروح تشح بترك حقوق الله، والنفس تشح بحظوظها ﴿ فلا تميلوا كل الميل ﴾ في رفض حظوظ النفس ﴿ فتذروها كالمعلقة ﴾ بين العالم العلوي والعالم السفلي ﴿ وإن يتفرّقا ﴾ أي الروح والنفس فالروح تجتذب بجذبة دع نفسك وتعالى إلى سعة غنى الله في عالم هويته لتستغني عن مركب النفس بالوصول إلى المقصود.

والنفس تجتذب عن الروح بجذبة ارجعي إلى ربك إلى سعة غنى الله في عالم فادخلي في عبادي وادخلي جنتي ﴿ يا أيها الذين آمنوا آمنوا ﴾ للإيمان ثلاث مراتب: إيمان للعوام أن يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وبالبعث والجنة والنار والقدر وهذا إيمان غيبي، وإيمان للخواص وهو أنه  إذا تجلّى للعبد بصفة من صفاته خضع له جميع أجزاء وجوده وآمن بالكلية وهذا إيمان عياني، وإيمان للأخص وهو بعد رفع الحجب الأنانية حين أفناه بصفة الجلال وأبقاه بصفة الجمال فلم يبق له إلا عين وبقي في العين وهذا إيمان عيني ﴿ إنّ الذين آمنوا ﴾ أي بالتقليد ﴿ ثم كفروا ﴾ إذ لم يكن للتقليد أصل ﴿ ثم آمنوا ﴾ بالاستدلال العقلي ﴿ ثم كفروا ﴾ إذ لم تكن عقولهم مشرقة بالنور الإلهي ﴿ ثم ازدادوا كفراً ﴾ بالشبهات والاعتراضات ﴿ لم يكن الله ﴾ في الأزل غافراً لهم بنوره عند الرش ﴿ ولا ليهديهم سبيلاً ﴾ اليوم لأن الأصل لا يخطىء ﴿ بشر المنافقين ﴾ أي بشرهم بأن أصلهم من / جوهر الكفار ولهذا اتخذوا الكافرين أولياء فإنّ ائتلافهم ههنا نتيجة تعارف أرواحهم وكما يعيشون يموتون وكما يموتون يحشرون.

/ <div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله  : ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ٱزْدَادُواْ كُفْراً لَّمْ يَكُنِ...

﴾ .

عن ابن عباس -  - قال: نزلت الآية في الذين قال الله -  - في سورة آل عمران: ﴿ كَيْفَ يَهْدِي ٱللَّهُ قَوْماً كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوۤاْ أَنَّ ٱلرَّسُولَ حَقٌّ  ﴾ .

وقيل: إنها نزلت في الذين آمنوا بموسى -  - ثم كفروا بعد موسى، ثم آمنوا بعُزَير، ثم كفروا بعده، ثم آمنوا بعيسى -  - وبالإنجيل، ثم كفروا من بعده، ثم ازدادوا كفراً بمحمد  وبالقرآن [الكريم].

وهو الأولى.

وقيل: غير هذا، لكن ليس بنا إلى أنها فيهم نزلت حاجة، ولكن فيه دليل أنها في قوم علم الله أنهم لا يؤمنون أبداً ولا يتوبون؛ لأنه قال: ﴿ لَّمْ يَكُنِ ٱللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً ﴾ أخبر أنه لا يغفر لهم، وهو كقوله -  -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ٱزْدَادُواْ كُفْراً لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ  ﴾ ؛ لما علم الله أنهم لا يتوبون؛ وإلا لو آمنوا وتابوا قبلت توبتهم؛ فعلى ذلك الأول؛ لما علم الله أنهم لا يتوبون، ويموتون على ذلك - أخبر أنه لا يغفر لهم.

وفيه دليل أنه تقبل توبة المرتد إذا تاب، ليس - كما قال بعض الناس - أنه لا تقبل توبة المرتد؛ لأنه أثبت لهم الإيمان بعد الكفر والارتداد بقوله: ﴿ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ آمَنُواْ ﴾ ثم كذا؛ فدل أنه إذا تاب يقبل منه.

وقال أصحابنا: يستتاب المرتد ثلاثاً؛ فإن أسلم وإلا قتل.

روي عن علي بن أبي طالب -  - قال: يستتاب المرتد ثلاثاً.

ثم تلا هذا الآية.

وعن ابن عمر -  - كذلك.

وعن عمر -  - أنه قدم عليه رجل من الجيش، فقال: هل حدث لكم حدث؛ فقال: إن رجلا من المسلمين ارتد ولحق بالمشركين فأخذناه.

فقال: ما صنعتم به؟

قالوا: قتلناه.

قال: هلا أدخلتموه بيتاً، وأغلقتم عليه بابا، وأطعمتموه كل يوم رغيفاً، واستتبتموه ثلاثاً؛ فإن تاب وإلا قتلتموه.

ثم قال: اللَّهُمَّ إني لم أشهد، ولم آمر، ولم أرض حين بلغني.

وقال أبو حنيفة -  -: إذا ارتد ثلاثاً، ثم تاب في كل مرة - فإنه يحبس في الثالثة إذا تاب؛ حتى يظهر منه خشوع التوبة، وذلك أثر الثبات على توبته؛ فإن ظهر ذلك، فحينئذ يخلى سبيله؛ لما يحتمل أن تكون توبته فراراً من القتل؛ فيحبس حتى تظهر حقيقة توبته؛ لأنه أظهر الفسق، والفاسق يحبس حتى يظهر خشوع التوبة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَّمْ يَكُنِ ٱللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً ﴾ .

لا يحتمل أن يكون أراد بقوله: ﴿ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً ﴾ - البيان؛ على ما قاله قوم؛ لأنه قد تولى لهم البيان، لكنهم تعاندوا ولم يهتدوا؛ فدل أن ثم معنى منه سوى البيان لم يعطهم؛ لما علم أنهم لا يهتدون أبداً، وهو التوفيق، فهذا يرد على من لا يجعل الهدى إلا بياناً؛ إذا قد بين لهم ذلك.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

إن الذين تكرر منهم الكفر بعد الإيمان، بأن دخلوا في الإيمان ثم ارتدوا عنه، ثم دخلوا فيه، ثم ارتدوا عنه، وأصروا على الكفر وماتوا عليه؛ لم يكن الله ليغفر لهم ذنوبهم، ولا ليوفقهم إلى الطريق المستقيم الموصل إليه تعالى.

<div class="verse-tafsir" id="91.xvV0p"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

يقال في سبب النزول: إنه اجتمع نفر من المسلمين واليهود والنصارى وتكلم كل في تفضيل دينه فنزل قوله تعالى: ﴿ لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ  ﴾ الآية، والمعنى بناء على ذلك: ليس شرف الدين وفضله ولا نجاة أهله به أن يقول القائل منهم إن ديني أفضل وأكمل، وأحق وأثبت، وإنما عليه إذا كان موقنًا به أن يعمل بما يهديه إليه فإن الجزاء إنما يكون على العمل لا على التمني والغرور، فلا أمر نجاتكم أيها المسلمون منوطًا بأمانيكم في دينكم، ولا أمر نجاة أهل الكتاب منوطًا بأمانيهم في دينهم، فإن الأديان ما شرعت للتفاخر والتباهي، ولا تحصل فائدتها بمجرد الانتماء إليها والتمدح بها بلوك الألسنة والتشدق في الكلام، بل شرعت للعمل، والآية مرتبطة بما قبلها سواء صح ما روي في سبب نزولها أم لم يصح، لأن قوله تعالى: ﴿ يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ  ﴾ في الآيات التي قبلها يدخل فيه الأماني التي كان يتمناها أهل الكتاب غرورًا بدينهم إذ كانوا يرون أنهم شعب الله الخاص ويقولون إنهم أبناء الله وأحباؤه وأنه لن تمسهم النار إلا أيامًا معدودة، وأنه لن يدخل الجنة إلا من كان هودًا أو نصارى، وغير ذلك مما يقولون ويدعون، وإنما سرى هذا الغرور إلى أهل الأديان من اتكالهم على الشفاعات، وزعمهم أن فضلهم على غيرهم من البشر بمن بعث فيهم من الأنبياء لذاتهم، فهم بكرامتهم يدخلون الجنة وينجون من العذاب لا بأعمالهم، فحذرنا الله أن نكون مثلهم، وكانت هذه الأماني قد دبت إلى المسلمين في عصر النبي  بدليل قوله تعالى في سورة الحديد: ﴿ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ  ﴾ الآية، فهذا خطاب للذين كانوا ضعفاء الإيمان من المسلمين في العصر الأول ولأمثالهم في كل زمان والله عليم بما كانوا عليه حين أنزل هذه الموعظة وبما آل وما يؤول إليه أمرهم بعد ذلك، ولو تدبروا قوله لما كان لأمثال هذه الأماني عليهم من سلطان فقد بين لهم طرق الغرور ومداخل الشيطان فيها.

وقد روي حديث عن الحسن: "ليس الإيمان بالتمني ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل"، وقال الحسن: إن قومًا غرتهم المغفرة فخرجوا من الدنيا وهم مملؤون بالذنوب ولو صدقوا لأحسنوا العمل.

إن كثيرًا من الناس يقولون تبعًا لمن قبلهم في أزمنة مضت: إن الإسلام أفضل الأديان، أي دين أصلح إصلاحه؟

أي دين أرشد إرشاده؟

أي شرع كشرعه في كماله؟

ولو سئل الواحد منهم ماذا فعل الإسلام؟

وبماذا يمتاز على غيره من الأديان؟

لا يحير جوابًا.

وإذا عرضت عليه شبهة على الإسلام وسئل كشفها حاص حيصة الحمر وقال أعوذ بالله، أعوذ بالله، والضال يبقى على ضلاله، والطاعن في الدين يتمادى في طعنه، والمغرور يسترسل في غروره، فالكلام كثير ولا علم ولا عمل يرفع شأن الإسلام والمسلمين.

﴿ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ  ﴾ وإذا طبقنا المسألة على سنة الله التي لا تبديل لها ولا تحويل علمنا أن مصائب الدنيا تكون جزاء على ما يقصر فيه الناس من السير على سنن الفطرة وطلب الأشياء من أسبابها، واتقاء المضرات باجتناب عللها، ﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ  ﴾ .

﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا  ﴾ تقدم في الآيات السابقة وصف الضالين الذين لا يستعملون عقولهم في فهم الدين وآياته وذكر حظ الشيطان منهم وإشغاله بالأماني الخادعة، ثم بين أن أمر الآخرة ليس بالأماني وإنما هو بالعمل والإيمان، وأن العبرة عند الله بالقلوب والأعمال، والحقيقة واحدة لا تختلف باختلاف الأوقات والأحوال، ولا تتبدل بتبديل الأجيال والآجال، ثم زاد هذا بيانا بهذه الآية فبيّن أن صفوة الأديان التي ينتحلها الناس هي ملة إبراهيم في إخلاص التوحيد وإحسان العمل، وعبر عن توجه القلب بإسلام الوجه لأن الوجه أعظم مظهر لما في النفس من الإقبال والإعراض، والخشوع والسرور والكآبة وغير ذلك، وقد يظهر بعض الناس الخضوع أو الاحترام للآخر بإشارة اليد ولكن هذا يكون بالتعمل ويعرف بالمواضعة، وما يظهر في الوجه هو الفطري الذي يدل على السريرة وهو يتمثل في كل جزء منه كالعينين والجبهة والحاجبين والأنف والحركة، فإسلام الوجه لله هو تركه له بأن يتوجه إليه وحده في طلب حاجاته وإظهار عبوديته، وهو كمال التوحيد وأعلى درجات الإيمان.

وأما الإحسان فهو إحسان العمل -خلافًا (للجلال) فيهما إذا عكس- واتباع ملة إبراهيم يراد به فيما يظهر ما أشار إليه في قوله  : ﴿ شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ  ﴾ فإقامة الدين مرتبة فوق مرتبة التدين المطلق وهي العمل به على وجه الكمال بحيث يقوم بناؤه ويثبت، وعدم التفرق فيه والتعادي بين أهله، ﴿ وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا  ﴾ أي اصطفاه لتوحيده وإقامه دينه في زمن وبلاد غلبت عليها الوثنية، وقوم أفسد الشرك عقولهم ودنس فطرتهم، فكان إبراهيم خالصًا مخلصًا لله، وبهذا المعنى سماه الله خليلاً، وإذا أراد الله أن يكرم عبدًا من عباده أطلق عليه ما شاء، وإلا فإن المعنى المتبادر من لفظ الخليل في استعمالنا له يتنزه الله عنه فإن الخلة بين الخليلين إنما تتحقق بشيء من المساواة بينهما وهي من مادة التخلل الذي هو بمعنى الامتزاج والاختلاط.

﴿ وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا  ﴾ ختم هذا السياق بهذه الآية لفوائد: إحداها: التذكير بقدرته تعالى على إنجاز وعده ووعيده في الآيات التي قبلها فإن له ما في السموات والأرض خلقًا وملكًا وهو أكرم من وعد وأقدر من أوعد.

ثانيها: بيان الدليل على أنه المستحق وحده لإسلام الوجه له والتوجه إليه في كل حال، وهذا هو روح الدين وجوهره لأنه هو المالك لكل شيء وغيره لا يملك بنفسه شيئًا، فكيف يتوجه العاقل إلى من لا يملك شيئًا ويترك التوجه إلى مالك كل شيء أو يشرك به غيره في التوجه ولو لأجل قربة منه؟

ثالثها: نفى ما ربما يسبق إلى بعض الأذهان من اللوازم العادية في اتخاذ الله إبراهيم خليلاً- كأن يتوهم أحد أن هنالك شيئًا من المناسبة أو المقاربة في حقيقة الذات أو الصفات، فبين تعالى أن كل ما في السموات والأرض ملك له ومن خلقه مهما اختلفت صفات تلك المخلوقات ومراتبها في أنفسها وبنسبة بعضها إلى بعض، فإذا هي نسبت إليه فهو الخالق المالك المعبود وهي مخلوقات مملوكة عابدة له خاضعة لأمره التكويني ﴿ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا  ﴾ .

فسروا الإحاطة بالقدرة والقهر ويصح أن يكون إحاطة وجود لأن هذه الموجودات ليس وجودها من ذاتها، ولا هي ابتدعت نفسها وإنما وجودها مستمد من ذلك الوجود الواجب الأعلى فالوجود الإلهي هو المحيط بكل موجود فوجب أن يخلص الخلق له ويتوجه إليه العباد وحده ولا يشركوا به أحدًا من خلقه.

متفرقات آيات من سورة الحج [مسألة الغرانيق].

الترتيب والتعقيب -الشفاعة- والتكرار: في القرآن.

آية من سورة الأحزاب [مسألة زيد وزينب].

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.1 / 29.5
الإضاءة 27%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل