الآية ١٣٩ من سورة النساء

الإسلام > القرآن > سور > سورة 4 النساء > الآية ١٣٩ من سورة النساء

ٱلَّذِينَ يَتَّخِذُونَ ٱلْكَـٰفِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ ۚ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ ٱلْعِزَّةَ فَإِنَّ ٱلْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًۭا ١٣٩

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 77 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٣٩ من سورة النساء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٣٩ من سورة النساء عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ثم وصفهم بأنهم يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ، بمعنى أنهم معهم في الحقيقة ، يوالونهم ويسرون إليهم بالمودة ، ويقولون لهم إذا خلوا بهم : إنما نحن معكم ، إنما نحن مستهزئون .

أي بالمؤمنين في إظهارنا لهم الموافقة .

قال الله تعالى منكرا عليهم فيما سلكوه من موالاة الكافرين : ( أيبتغون عندهم العزة ) ؟

ثم أخبر تعالى بأن العزة كلها لله وحده لا شريك له ، ولمن جعلها له .

كما قال في الآية الأخرى : ( من كان يريد العزة فلله العزة جميعا ) [ فاطر : 10 ] ، وقال تعالى : ( ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون ) [ المنافقون : 8 ] .

والمقصود من هذا التهييج على طلب العزة من جناب الله ، والالتجاء إلى عبوديته ، والانتظام في جملة عباده المؤمنين الذين لهم النصرة في هذه الحياة الدنيا ، ويوم يقوم الأشهاد .

ويناسب أن يذكر هاهنا الحديث الذي رواه الإمام أحمد : حدثنا حسين بن محمد ، حدثنا أبو بكر بن عياش ، عن حميد الكندي ، عن عبادة بن نسي ، عن أبي ريحانة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من انتسب إلى تسعة آباء كفار ، يريد بهم عزا وفخرا ، فهو عاشرهم في النار " .

تفرد به أحمد وأبو ريحانة هذا هو أزدي ، ويقال : أنصاري .

اسمه شمعون بالمعجمة ، فيما قاله البخاري ، وقال غيره : بالمهملة ، والله أعلم .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا (139) قال أبو جعفر: أما قوله جل ثناؤه: " الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين "، فمن صفة المنافقين.

يقول الله لنبيه: يا محمد، بشر المنافقين الذين يتخذون أهل الكفر بي والإلحاد في ديني" أولياء "= يعني: أنصارًا وأخِلاء (46) =" من دون المؤمنين "، يعني: من غير المؤمنين (47) =" أيبتغون عندهم العزة "، يقول: أيطلبون عندهم المنعة والقوة، (48) باتخاذهم إياهم أولياء من دون أهل الإيمان بي؟=" فإن العزة لله جميعًا "، يقول: فإن الذين اتخذوهم من الكافرين أولياء ابتغاءَ العزة عندهم، هم الأذلاء الأقِلاء، فهلا اتخذوا الأولياء من المؤمنين، فيلتمسوا العزَّة والمنعة والنصرة من عند الله الذي له العزة والمنعة، الذي يُعِزّ من يشاء ويذل من يشاء، فيعزُّهم ويمنعهم؟

* * * وأصل " العزة "، الشدة.

ومنه قيل للأرض الصلبة الشديدة،" عَزَاز ".

وقيل: " قد استُعِزَّ على المريض "، (49) إذا اشتدَّ مرضه وكاد يُشفى.

ويقال: " تعزز اللحمُ"، إذا اشتد.

ومنه قيل: " عزّ عليّ أن يكون كذا وكذا "، بمعنى: اشتد عليَّ.

(50) ------------------- الهوامش : (46) انظر تفسير"الولي" فيما سلف ص: 247 ، تعليق: 5 ، والمراجع هناك.

(47) انظر تفسير"من دون" فيما سلف ص: 247 ، تعليق: 3 ، والمراجع هناك.

(48) انظر تفسير"الابتغاء" فيما سلف ص: 202 ، تعليق: 1 ، والمراجع هناك.

(49) "استعز" بالبناء للمجهول ، وفي الحديث: "أنه استعز برسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي مات فيه" ، أي: اشتد به المرض وغلبه وأشرف على الموت.

وقوله: "وكاد يشفى" ، أي: يشرف على الهلاك ، أشفى يشفى إشفاء.

(50) انظر تفسير"العزة" و"عزيز" فيما سلف 3 : 88 / 4 : 244 / 6 : 168 ، 271 ، 476.

هذا ، ولم يفسر أبو جعفر معنى"العزة" تفسيرًا مطولا إلا في هذا الموضع ، وهذا دليل آخر على طريقته في اختصار تفسيره هذا.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعاقوله تعالى : الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين الذين نعت للمنافقين .

وفي هذا دليل على أن من عمل معصية من الموحدين ليس بمنافق ؛ لأنه لا يتولى الكفار .

وتضمنت المنع من موالاة الكافر ، وأن يتخذوا أعوانا على الأعمال المتعلقة بالدين .

وفي الصحيح عن عائشة رضي الله عنها أن رجلا من المشركين لحق بالنبي صلى الله عليه وسلم يقاتل معه ، فقال له : ارجع فإنا لا نستعين بمشرك .

العزة أي : الغلبة ، عزه يعزه عزا إذا غلبه .

فإن العزة لله جميعا أي الغلبة والقوة لله .

قال ابن عباس : " يبتغون عندهم " يريد بني قينقاع ، فإن ابن أبي كان يواليهم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

وذلك بسبب محبتهم الكفار وموالاتهم ونصرتهم، وتركهم لموالاة المؤمنين، فأي شيء حملهم على ذلك؟

أيبتغون عندهم العزة؟

وهذا هو الواقع من أحوال المنافقين، ساء ظنهم بالله وضعف يقينهم بنصر الله لعباده المؤمنين، ولحظوا بعض الأسباب التي عند الكافرين، وقصر نظرهم عمّا وراء ذلك، فاتخذوا الكافرين أولياء يتعززون بهم ويستنصرون.

والحال أن العزة لله جميعا، فإن نواصي العباد بيده، ومشيئته نافذة فيهم.

وقد تكفل بنصر دينه وعباده المؤمنين، ولو تخلل ذلك بعض الامتحان لعباده المؤمنين، وإدالة العدو عليهم إدالة غير مستمرة، فإن العاقبة والاستقرار للمؤمنين، وفي هذه الآية الترهيب العظيم من موالاة الكافرين؛ وترك موالاة المؤمنين، وأن ذلك من صفات المنافقين، وأن الإيمان يقتضي محبة المؤمنين وموالاتهم، وبغض الكافرين وعداوتهم.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( الذين يتخذون الكافرين أولياء ) يعني : يتخذون اليهود أولياء وأنصارا أو بطانة ( من دون المؤمنين أيبتغون عندهم العزة ) أي : المعونة والظهور على محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه : وقيل : أيطلبون عندهم القوة والغلبة ، ( فإن العزة ) أي : الغلبة والقوة والقدرة ، ( لله جميعا ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«الذين» بدل أو نعت للمنافقين «يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين» لما يتوهمون فيهم من القوة «أيبتغون» يطلبون «عندهم العزة» استفهام إنكار أي لا يجدونها عندهم «فإن العزة لله جميعا» في الدنيا والآخرة ولا ينالها إلا أولياؤه.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

الذين يوالون الكافرين، ويتخذونهم أعوانًا لهم، ويتركون ولاية المؤمنين، ولا يرغبون في مودتهم.

أيطلبون بذلك النصرة والمنعة عند الكافرين؟

إنهم لا يملكون ذلك، فالنصرة والعزة والقوة جميعها لله تعالى وحده.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم كشف - سبحانه - عن جانب من طبيعتهم المنكوسة فقال : ( الذين يَتَّخِذُونَ الكافرين أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ المؤمنين ) .أى : أنذر هؤلاء المنافقين بالعذاب الأليم ، الذين من صفاتهم أنهم يتخذون الكافرين أولياء ونصراء لهم تاركين ولاية المؤمنين ونصرتهم .

فهم سلم على الكافرين وحرب على المؤمنين .والمراد بالكافرين هنا : اليهود - على أرجح الأقوال - فقد حكى عن المنافقين أنهم كانوا يقولون : إن أمر محمد صلى الله عليه وسلم لن يتم فتولوا اليهود ، ولأن غالب سكان المدينة - من غير المسلمين - كان من اليهود .وقوله ( مِن دُونِ المؤمنين ) حال من فاعل يتخذون .

أى : يتخذون الكفار أنصارا لهم حالة كونهم متجاوزين ولاية المؤمنين ونصرتهم .والاستفهام فى قوله : ( أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ العزة ) للإِنكار والتعجب من شأنهم ، والتهكم من سوء تصورهم .وقوله : ( فَإِنَّ العزة للَّهِ جَمِيعاً ) رد على تصوراتهم الباطلة ، ومداركهم الفاسدة ، وتثبيت للمؤمنين حتى يزدادوا قوة على قوتهم .أى : أن هؤلاء المنافقين قد تركوا ولاية المؤمنين إلى ولاية الكافرين فما الذى دفعهم إلى هذا الانتكاس؟

أيطلبون بلهفة ورغبة العزة والمنعة من عند الكافرين؟

إذا كان هذا حالهم فقد خابوا وخسروا ، فإن العزة والقوة والمنعة والنصرة له وحده .

ومن اعتز بغير الله هان وذل .قال ابن كثير : والمقصود من هذا التهييج على طلب العزة من جانب الله - تعالى - والإِقبال على عبوديته ، والانتظام فى جملة عباده المؤمنين ، الذين لهم النصرة فى الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد .

ويناسب هنا أن نذكر الحديث الذى رواه الإِمام أحمد عن أبى ريحانة أن النبى صلى الله عليه وسلم قال : " من انتسب إلى تسعة آباء كفار ، يريد بهم عزا وفخرا فهو عاشرهم فى النار " .وقال الإِمام الرازى : وأصل العزة فى اللغة الشدة .

ومنه قيل للأرض الصلبة الشديدة : عزاز .

ويقال : قد استعز المرض على المريض إذا اشتد ظهره به .

وشاة عزوز التى يشتد حبلها ويصعب .

والعزة : القوة منقولة منا لشدة لتقارب معنييهما .

والعزيز القوى المنيع بخلاف الذليل .ثم قال : إذا عرفت هذا فنقول : إن المنافقين كانوا يطلبون العزة والقوة بسبب اتصالهم باليهود .

ثم إنه - تعالى - أبطل عليهم هذا الرأى بقوله : ( فَإِنَّ العزة للَّهِ جَمِيعاً ) .فإن قيل : هذا كالمناقض لقوله : ( وَلِلَّهِ العزة وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ ) قلنا القدرة الكاملة لله .

وكل من سواه فبالقداره صار قادرا .

وبإعزازه صار عزيزا فالعزة الحاصلة للرسول عليه الصلاة والسلام وللمؤمنين لم تحصل إلا من الله - تعالى - فكأنه الأمر عند التحقيق أن العزة جميعا لله .قالوا : وقد دلت الآية الكريمة على وجوب موالاة المؤمنين ، والنهى عن موالاة الكافرين .

قال - تعالى - ( لاَّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بالله واليوم الآخر يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ الله وَرَسُولَهُ وَلَوْ كانوا آبَآءَهُمْ أَوْ أَبْنَآءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ )

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

﴿ الذين ﴾ : نصب على الذم، بمعنى أريد الذين، أو رفع بمعنى هم الذين، واتفق المفسرون على أن المراد بالذين يتخذون: المنافقون، وبالكافرين اليهود، وكان المنافقون يوالونهم ويقول بعضهم لبعض: إن أمر محمد لا يتم، فيقول اليهود بأن العزة والمنعة لهم.

ثم قال تعالى: ﴿ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ العزة ﴾ قال الواحدي: أصل العزة في اللغة الشدة، ومنه قيل للأرض الصلبة الشديدة: عزاز، ويقال: قد استعز المرض على المريض إذا اشتد مرضه وكاد أن يهلك، وعز الهم اشتد، ومنه عز على أن يكون كذا بمعنى اشتد، وعز الشيء إذا قل حتى لا يكاد يوجد لأنه اشتد مطلبه، واعتز فلان بفلان إذا اشتد ظهره به، وشاة عزوز التي يشتد حلبها ويصعب والعزة القوة منقولة من الشدة لتقارب معنييهما.

والعزيز القوي المنيع بخلاف الذليل.

إذا عرفت هذا فنقول: إن المنافقين كانوا يطلبون العزة والقوة بسبب اتصالهم باليهود، ثم إنه تعالى أبطل عليهم هذا الرأي بقوله: ﴿ فَإِنَّ العزة للَّهِ جَمِيعاً ﴾ .

فإن قيل: هذا كالمناقض لقوله: ﴿ وَلِلَّهِ العزة وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ  ﴾ .

قلنا: القدرة الكاملة لله، وكل من سواه فباقداره صار قادراً، وبإعزازه صار عزيزاً، فالعزة الحاصلة للرسول عليه الصلاة والسلام وللمؤمنين لم تحصل إلا من الله تعالى، فكان الأمر عند التحقيق أن العزة جميعاً لله.

ثم قال تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ بَشّرِ المنافقين ﴾ وضع (بشر) مكان: أخبر، تهكماً بهم.

و ﴿ الذين ﴾ نصب على الذمّ أو رفع بمعنى أريد الذين، أو هم الذين.

وكانوا يمايلون الكفرة ويوالونهم ويقول بعضهم لبعض: لا يتم أمر محمد فتولوا اليهود.

﴿ فَإِنَّ العزة للَّهِ جَمِيعاً ﴾ يريد لأوليائه الذين كتب لهم العز والغلبة على اليهود وغيرهم، وقال: ﴿ وَلِلَّهِ العزة وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ [المنافقون: 8] .

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ بَشِّرِ المُنافِقِينَ بِأنَّ لَهم عَذابًا ألِيمًا ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ الآيَةَ في المُنافِقِينَ وهم قَدْ آمَنُوا في الظّاهِرِ وكَفَرُوا في السِّرِّ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى ثُمَّ ازْدادُوا بِالإصْرارِ عَلى النِّفاقِ وإفْسادِ الأمْرِ عَلى المُؤْمِنِينَ، ووَضْعُ بَشِّرِ مَكانَ أنْذِرْ تَهَكُّمٌ بِهِمْ.

﴿ الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الكافِرِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ ﴾ في مَحَلِّ النَّصْبِ، أوِ الرَّفْعِ عَلى الذَّمِّ بِمَعْنى أُرِيدَ الَّذِينَ أوْ هُمُ الَّذِينَ.

﴿ أيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ العِزَّةَ ﴾ أيَتَعَزَّزُونَ بِمُوالاتِهِمْ.

﴿ فَإنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا ﴾ لا يَتَعَزَّزُ إلّا مَن أعَزَّهُ اللَّهُ، وقَدْ كَتَبَ العِزَّةَ لِأوْلِيائِهِ فَقالَ ﴿ وَلِلَّهِ العِزَّةُ ولِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ ولا يُؤْبَهُ بِعِزَّةِ غَيْرِهِمْ بِالإضافَةِ إلَيْهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{الذين} نصب على الذم أو رفع بمعنى اريد الذين أوهم الذين {يَتَّخِذُونَ الكافرين أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ المؤمنين أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ العزة} كان المنافقون يوالون الكفرة يطلبون منهم المنعة والنصرة ويقولون لا يتم أمر محمد عليه السلام {فَإِنَّ العزة للَّهِ جَمِيعاً} ولمن أعزه كالنبي عليه السلام والمؤمنين كما قال ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الكافِرِينَ أوْلِياءَ ﴾ في مَوْضِعِ النَّصْبِ أوِ الرَّفْعِ عَلى الذَّمِّ، عَلى مَعْنى: أُرِيدَ بِهِمُ الَّذِينَ، أوْ هُمُ الَّذِينَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى اتِّباعِ المُنافِقِينَ، ولا يَمْنَعُ مِنهُ وُجُودُ الفاصِلِ، فَقَدْ جَوَّزَهُ العَرَبُ، والمُرادُ بِالكافِرِينَ قِيلَ: اليَهُودُ، وقِيلَ: مُشْرِكُو العَرَبِ، وقِيلَ: ما يَعُمُّ ذَلِكَ والنَّصارى، وأُيِّدَ الأوَّلُ بِما رُوِيَ أنَّهُ كانَ يَقُولُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: إنَّ أمَرَ مُحَمَّدٍ  لا يَتِمُّ، فَتَوَلُّوا اليَهُودَ.

﴿ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ ﴾ أيْ: مُتَجاوِزِينَ وِلايَةَ المُؤْمِنِينَ، وهو حالٌ مِن فاعِلِ (يَتَّخِذُونَ ﴿ أيَبْتَغُونَ ﴾ أيِ: المُنافِقُونَ ﴿ عِنْدَهُمُ ﴾ أيِ: الكافِرِينَ ﴿ العِزَّةَ ﴾ أيِ: القُوَّةَ والمَنَعَةَ، وأصْلُها الشِّدَّةُ، ومِنهُ قِيلَ لِلْأرْضِ الصُّلْبَةِ: عَزازٌ، والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ، والجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها، وقِيلَ: لِلتَّهَكُّمِ، وقِيلَ: لِلتَّعَجُّبِ.

﴿ فَإنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا ﴾ أيْ أنَّها مُخْتَصَّةٌ بِهِ تَعالى، يُعْطِيها مَن يَشاءُ، وقَدْ كَتَبَها سُبْحانَهُ لِأوْلِيائِهِ، فَقالَ عَزَّ شَأْنُهُ: ﴿ ولِلَّهِ العِزَّةُ ولِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ والجُمْلَةٌ تَعْلِيلٌ لِما يُفِيدُهُ الِاسْتِفْهامُ الإنْكارِيُّ مِن بُطْلانِ رَأْيِهِمْ، وخَيْبَةِ رَجائِهِمْ.

وقِيلَ: بَيانٌ لِوَجْهِ التَّهَكُّمِ أوِ التَّعَجُّبِ، وقِيلَ: إنَّها جَوابُ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: إنْ يَبْتَغُوا العِزَّةَ مِن هَؤُلاءِ فَإنَّ العِزَّةَ، إلَخْ، وهي عَلى هَذا التَّقْدِيرِ قائِمَةٌ مَقامَ الجَوابِ لا أنَّها الجَوابُ حَقِيقَةً و(جَمِيعًا) قِيلَ: حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في الجارِّ والمَجْرُورِ لِاعْتِمادِهِ عَلى المُبْتَدَأِ، ولَيْسَ في الكَلامِ مُضافٌ، أيْ: لِأوْلِياءَ، كَما زَعَمَهُ البَعْضُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

بَشِّرِ الْمُنافِقِينَ وذلك أنه لما نزل قوله تعالى: لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ [الفتح: 2] فقال المؤمنون هذا لك فما لنا؟

فنزل قوله تعالى: وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيراً [الأحزاب: 47] فقال المنافقون: فما لنا؟

فنزل قوله تعالى بَشِّرِ الْمُنافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً في الآخرة.

ثم نعت المنافقين فقال: الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكافِرِينَ يعني اليهود أَوْلِياءَ في العون والنصرة مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ثم عيّرهم بذلك فقال أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ يعني يطلبون عندهم المنعة والظفر على محمد  وأصحابه، العزة في اللغة المنفعة والغلبة كما يقال: من عزَّ بزَّ، أي من غلب سلب.

ويقال: عز الشيء إذا اشتد وجوده، ثم ذكر أنه لا نصرة لهم من الكفار، والنصرة من الله تعالى، فقال: فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً يعني الظفر والنصر كله من الله تعالى، وهذا كما قال في آية أخرى وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ [المنافقون: 8] .

ثم قال: وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ وذلك أن المشركين بمكة كانوا يستهزئون بالقرآن، فنهى الله تعالى المسلمين عن القعود معهم، وهو قوله وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ- إلى قوله- فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [الأنعام: 68] فامتنع المسلمون عن القعود معهم، فلما قدموا المدينة كانوا يجلسون مع اليهود والمنافقين، وكان اليهود يستهزئون بالقرآن، فنزلت هذه الآية وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ أَنْ إِذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِها أي يجحد بها وَيُسْتَهْزَأُ بِها فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ أي حتى يأخذوا في كلام أحسن.

ثم قال تعالى: إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ يعني: لو جلستم معهم كنتم معهم في الوزر، وفي هذه الآية دليل أن من جلس في مجلس المعصية ولم ينكر عليهم يكون معهم في الوزر سواء، وينبغي أن ينكر عليهم إذا تكلموا بالمعصية أو عملوا بها، فإن لم يقدر بأن ينكر عليهم ينبغي أن يقوم عنهم حتى لا يكون من أهل هذه الآية.

وروى جويبر عن الضحاك أنه قال: دخل في هذه الآية كل محدث في الدين، وكل مبتدع إلى يوم القيامة.

قرأ عاصم وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ بنصب النون والزاي، وقرأ الباقون بضم النون وكسر الزاي على فعل ما لم يسم فاعله.

ثم قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ جامِعُ الْمُنافِقِينَ وَالْكافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً يعني إذا ماتوا على كفرهم ونفاقهم، فبدأ بالمنافقين لأنهم شر من الكفار، وجعل مأواهم جميعاً النار.

وقال في رواية الكلبي: قوله تعالى فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ نسخ بقوله عز وجل وَما عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ [الأنعام: 69] وقال عامة المفسرين: إنها محكمة وليست بمنسوخة.

ثم أخبر عن المنافقين، فقال تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

قال ع «١» : وهذا هو التأويلُ الراجحُ، وتأمَّل قولَهُ تعالى: لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ فإنها عبارةٌ تقتضي أنَّ هؤلاءِ محتومٌ علَيْهم مِنْ أوَّلِ أمرهم ولذلك تردَّدوا، ولَيْسَتْ هذه العبارةُ مِثْلَ أن يقول: لاَ يَغْفِرُ الله لَهُمْ، بل هي أشَدُّ، فتأمَّل الفَرْقَ بيْنَ العبارَتَيْنِ فإنه من دقيقِ غَرَائِبِ الفَصَاحَةِ الَّتي في كتاب الله سبحانه.

وقوله تعالى: بَشِّرِ الْمُنافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً ...

الآية: في هذه الآيةِ دليلٌ مَّا على أنَّ التي قبلها إنما هي في المُنَافِقِينَ، ثم نصَّ سبحانه مِنْ صفاتِ المنافِقِينَ على أشدِّها ضرراً، وهي موالاتُهُم الكافِرِينَ، واطراحهم المُؤْمنينَ، ونبَّه على فسادِ ذلكَ ليدعه مَنْ عسى أنْ يَقَعَ في نَوْعٍ منه مِنَ المُؤْمنين غَفْلَةٌ، أوْ جهالةً، أوْ مسامحةً ثم وَقَفَهُمْ سبحانه على جهة التوبيخَ، فقال: أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ والإستكثار، أي: ليس الأمرُ كذلك فإن العزَّة للَّه جميعاً يؤتيها مَنْ يشاء، وقد وَعَدَ بها المؤمنينَ، وجعل العاقبة للمتَّقين، والعزَّةُ أصلُها الشِّدَّة والقُوَّة ومنه: وَعَزَّنِي فِي الْخِطابِ [ص: ٢٣] أي: غلبني بشدّته.

وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ أَنْ إِذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِها وَيُسْتَهْزَأُ بِها فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جامِعُ الْمُنافِقِينَ وَالْكافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً (١٤٠)

وقوله سبحانه: وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ ...

الآية: مخاطبةٌ لجميعِ مَنْ أظهر الإيمان من محقِّقٍ ومنافقٍ لأنه إذا أظهر الإيمان، فقَدْ لزمه امتثال أوامر كتاب اللَّه تعالى، والإشارةُ بهذه الآية إلى قوله تعالى: وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ [الأنعام: ٦٨] إلى نحوِ/ هذا من الآيات، والكتابُ في هذا الموضعِ القرآنُ، وفي الآيةِ دليلٌ قويٌّ على وجوبِ تجنُّبِ أهْلِ البِدَعِ والمعاصِي، وأَلاَّ يجالَسُوا، وقد قيل: [الطويل]

عَنِ المَرْءِ لاَ تَسْأَلْ وَسَلْ عَنْ قَرِينِهِ ...

فَكُلُّ قَرِينٍ بِالمُقَارَنِ مُقْتَدِ «٢»

وهذه المماثلةُ لَيْسَتْ في جميع الصفاتِ، ثم توعَّد سبحانه المنافِقِينَ والكافرين بجمعهم في جَهَنَّم، فتأكَّد بذلك النهْيُ عن مجالستهم وخلطتهم.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الكافِرِينَ أوْلِياءَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَتَّخِذُونَ اليَهُودَ أوْلِياءَ في العَوْنِ والنُّصْرَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ العِزَّةَ ﴾ أيِ: القُوَّةُ بِالظُّهُورِ عَلى مُحَمَّدٍ وأصْحابِهِ، والمَعْنى: أيُتَّقَوْنَ بِهِمْ؟

قالَ مُقاتِلٌ: وذَلِكَ أنَّ اليَهُودَ أعانُوا مُشْرِكِي العَرَبِ عَلى قِتالِ رَسُولِ اللَّهِ  .

وقالَ الزَّجّاجُ: أيَبْتَغِي المُنافِقُونَ عِنْدَ الكافِرِينَ العِزَّةَ.

وَ "العِزَّةُ": المَنعَةُ، وشِدَّةُ الغَلَبَةِ، وهو مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ: أرْضُ عِزازٍ.

قالَ الأصْمَعِيُّ: "العِزازُ": الأرْضُ الَّتِي لا تَنْبُتُ.

فَتَأْوِيلُ العِزَّةِ: الغَلَبَةُ والشِّدَّةُ الَّتِي لا يَتَعَلَّقُ بِها إذْلالٌ.

قالَتِ الخَنْساءُ: كَأنْ لَمْ يَكُونُوا حِمًى يُتَّقى إذِ النّاسُ إذْ ذاكَ مَن عَزَّ بَزّا أيْ: مَن قَوِيَ وغَلَبَ سَلْبَ.

ويُقالُ: قَدِ اسْتَعَزَّ عَلى المَرِيضِ، أيِ: اشْتَدَّ وجَعُهُ.

وكَذَلِكَ قَوْلُ النّاسِ: يَعِزُّ عَلَيَّ أنْ يَفْعَلَ، أيْ: يَشْتَدُّ، وقَوْلُهُمْ: قَدْ عَزَّ الشَّيْءُ: إذا لَمْ يُوجَدْ، مَعْناهُ: صَعُبٌ أنْ يُوجَدَ، والبابُ واحِدٌ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَشِّرِ المُنافِقِينَ بِأنَّ لَهم عَذابًا ألِيمًا ﴾ ﴿ الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الكافِرِينَ أولِياءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ أيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ العِزَّةَ فَإنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا ﴾ ﴿ وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكم في الكِتابِ أنْ إذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللهِ يُكْفَرُ بِها ويُسْتَهْزَأُ بِها فَلا تَقْعُدُوا مَعَهم حَتّى يَخُوضُوا في حَدِيثٍ غَيْرِهِ إنَّكم إذا مِثْلُهم إنَّ اللهِ جامِعُ المُنافِقِينَ والكافِرِينَ في جَهَنَّمَ جَمِيعًا ﴾ فِي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ ما عَلى أنَّ الَّتِي قَبْلَها إنَّما هي في المُنافِقِينَ؛ كَما تَرَجَّحَ آنِفًا؛ وجاءَتِ البِشارَةُ هُنا مُصَرَّحًا بِقَيْدِها؛ فَلِذَلِكَ حَسُنَ اسْتِعْمالُها في المَكْرُوهِ؛ ومَتى جاءَتْ مُطْلَقَةً فَإنَّما عُرْفُها في المَحْبُوبِ.

ثُمَّ نَصَّ تَعالى مِن صِفَةِ المُنافِقِينَ عَلى أشَدِّها ضَرَرًا عَلى المُؤْمِنِينَ؛ وهي مُوالاتُهُمُ الكُفّارَ واطِّراحُهُمُ المُؤْمِنِينَ؛ ونَبَّهَ عَلى فَسادِ ذَلِكَ؛ لِيَدَعَهُ مَن عَسى أنْ يَقَعَ في نَوْعٍ مِنهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ غَفْلَةً؛ أو جَهالَةً؛ أو مُسامَحَةً.

ثُمَّ وقَفَ تَعالى عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ عَلى مَقْصِدِهِمْ في ذَلِكَ؛ أهُوَ طَلَبُ العِزَّةِ والِاسْتِكْثارِ بِهِمْ؟

أيْ: لَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ؛ بَلِ العِزَّةُ كُلُّها لِلَّهِ؛ يُؤْتِيها مَن يَشاءُ؛ وقَدْ وعَدَ بِها المُؤْمِنِينَ؛ وجَعَلَ العاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ؛ و"اَلْعِزَّةُ": أصْلُها الشِدَّةُ؛ والقُوَّةُ؛ ومِنهُ: "اَلْأرْضُ العِزازُ"؛ أيْ: اَلصُّلْبَةُ؛ ومِنهُ: "عَزَّنِي"؛ أيْ: غَلَبَنِي بِشِدَّتِهِ؛ و"اِسْتَعَزَّ المَرَضُ"؛ إذا قَوِيَ؛ إلى غَيْرِ هَذا مِن تَصارِيفِ اللَفْظَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ ﴾ ؛ مُخاطَبَةٌ لِجَمِيعِ مَن أظْهَرَ الإيمانَ مِن مُحَقِّقٍ؛ ومُنافِقٍ؛ لِأنَّهُ إذا أظْهَرَ الإيمانَ فَقَدْ لَزِمَهُ أنْ يَمْتَثِلَ أوامِرَ كِتابِ اللهِ تَعالى ؛ والإشارَةُ بِهَذِهِ الآيَةِ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَإذا رَأيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ في آياتِنا فَأعْرِضْ عنهم حَتّى يَخُوضُوا في حَدِيثٍ غَيْرِهِ  ﴾ ؛ إلى نَحْوِ هَذا مِنَ الآياتِ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "نُزِّلَ عَلَيْكُمْ"؛ بِضَمِّ النُونِ؛ وكَسْرِ الزايِ المُشَدَّدَةِ؛ قالَ الطَبَرِيُّ: وقَرَأ بَعْضُ الكُوفِيِّينَ: "نَزَّلَ"؛ بِفَتْحِ النُونِ؛ والزايِ المُشَدَّدَةِ؛ عَلى مَعْنى: "نَزَّلَ اللهُ"؛ وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ؛ وحُمَيْدٌ: "نَزَلَ"؛ بِفَتْحِ النُونِ؛ والزايِ خَفِيفَةً؛ وقَرَأ إبْراهِيمُ النَخَعِيُّ: "أُنْزِلَ"؛ بِألْفٍ؛ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ؛ والكِتابُ - في هَذا المَوْضِعِ - القُرْآنُ.

وفِي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ قَوِيٌّ عَلى وُجُوبِ تَجَنُّبِ أهْلِ البِدَعِ؛ وأهْلِ المَعاصِي؛ وألّا يُجالَسُوا؛ وقَدْ رُوِيَ عن عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ أنَّهُ أخَذَ قَوْمًا يَشْرَبُونَ الخَمْرَ؛ فَقِيلَ لَهُ عن أحَدِ الحاضِرِينَ: إنَّهُ صائِمٌ؛ فَحَمَلَ عَلَيْهِ الأدَبَ؛ وقَرَأ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿ إنَّكم إذًا مِثْلُهُمْ ﴾ ؛ وَهَذِهِ المُماثَلَةُ لَيْسَتْ في جَمِيعِ الصِفاتِ؛ ولَكِنَّهُ إلْزامٌ شُبِّهَ بِحُكْمِ الظاهِرِ مِنَ المُقارَنَةِ؛ وهَذا المَعْنى كَقَوْلِ الشاعِرِ: عَنِ المَرْءِ لا تَسْألْ وسَلْ عن قَرِينِهِ ∗∗∗ فَكُلُّ قَرِينٍ بِالمُقارَنِ يَقْتَدِي ثُمَّ تَوَعَّدَ تَعالى المُنافِقِينَ والكافِرِينَ بِجَمْعِهِمْ في جَهَنَّمَ؛ فَتَأكَّدَ بِذَلِكَ النَهْيِ؛ والحَذَرُ مِن مُجالَسَتِهِمْ؛ وخِلْطَتِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

استئناف ابتدائي ناشِئ عن وصف الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفراً، فإنّ أولئك كانوا مظهرين الكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم، وكان ثمّة طائفة تبطن الكفر وهم أهل النفاق، ولمّا كان التظاهر بالإيمان ثم تعقيبه بالكفر ضرباً من التهكّم بالإسلام وأهله، جيء في جزاء عملهم بوعيد مناسب لتهكّمهم بالمسلمين، فجاء به على طريقة التهكّم إذ قال: ﴿ بشر المنافقين ﴾ ، فإنّ البشارة هي الخبر بما يَفرحَ المخبَر به، وليس العذاب كذلك، وللعرب في التهكّم أساليب كقول شَقِيق ابن سُليك الأسدي: أتاني من أبي أنَسسٍ وعيدٌ *** فَسُلىّ لِغَيظَةِ الضّحّاككِ جِسمِي وقول النابغة: فإنّك سوف تَحْلُم أو تَناهَى *** إذا ما شِبْت أو شَاب الغراب وقول ابن زَيَّابة: نُبِّئْتُ عَمْراً غارزاً رأسَه *** في سِنَةٍ يُوعدِ أخْوَالَهُ وتلكَ منه غير مأمُونَةٍ *** أنْ يَفعل الشيءَ إذَا قالَهُ ومجيء صفتهم بطريقة الموصول لإفادة تعليل استحقاقهم العذاب الأليم، أي لأنّهم اتّخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين، أي اتّخذوهم أولياء لأجل مضادّة المؤمنين.

والمراد بالكافرين مشركو مكة، أو أحْبار اليهود، لأنّه لم يْبق بالمدينة مشركون صُرحاءَ في وقت نزول هذه السورة، فليس إلاّ منافقون ويهود.

وجملة ﴿ أيبتغون عندهم العزّة فإنّ العزّة لله ﴾ استئنافٌ بياني باعتبار المعطوف وهو ﴿ فإنّ العزّة لله ﴾ وقوله: ﴿ أيَبْتَغَون ﴾ هو منشأ الاستئناف، وفي ذلك إيماء إلى أن المنافقين لم تكن موالاتهم للمشركين لأجل المماثلة في الدين والعقيدة، لأنّ معظم المنافقين من اليهود، بل اتّخذوهم ليعتزّوا بهم على المؤمنين، وإيماء إلى أنّ المنافقين شعروا بالضعف فطلبوا الاعتزاز، وفي ذلك نهاية التجهيل والذمّ.

والاستفهامُ إنكار وتوبيخ، ولذلك صحّ التفريع عنه بقوله: ﴿ فإنّ العزّة لله جميعاً ﴾ أي لا عزّة إلاّ به، لأنّ الاعتزاز بغيره باطل.

كما قيل: من اعتزّ بغير الله هَان.

وإن كان المراد بالكافرين اليهود فالاستفهام تهكّم بالفريقين كقول المثل: كالمستغيث من الرمضاء بالنار.

وهذا الكلام يفيد التحذير من مخالطتهم بطريق الكناية.

وجملة ﴿ وقد نزّل عليكم في الكتاب ﴾ الخ يجوز أن تكون معطوفة على جملة ﴿ بشرّ المنافقين ﴾ تذكيراً للمسلمين بما كانوا أعلموا به ممّا يؤكّد التحذير من مخالطتهم، فضمير الخطاب موجّه إلى المؤمنين، وضمائر الغيبة إلى المنافقين، ويجوز أن تكون في موضع الحال من ضمير (يتّخذون)، فيكون ضمير الخطاب في قوله: ﴿ وقد نزّل عليكم ﴾ خطاباً لأصحاب الصلة من قوله: ﴿ الذين يتّخذون الكافرين أولياء ﴾ [النساء: 139] على طريقة الالتفات، كأنّهم بعد أن أجريت عليهم الصلة صاروا معيّنين معروفين، فالتُفت إليهم بالخطاب، لأنّهم يعرفون أنّهم أصحاب تلك الصلة، فلعلّهم أن يقلعوا عن موالاة الكافرين.

وعليه فضمير الخطاب للمنافقين، وضمائر الغيبة للكافرين، والذي نزّل في الكتاب هو آيات نزلت قبل نزول هذه السورة في القرآن: في شأن كفر الكافرين والمنافقين واستهزائهم.

قال المفسّرون: إنّ الذي أحيل عليه هنا هو قوله تعالى في سورة (68) الأنعام: ﴿ وإذا رأيتَ الذين يخوضون في آياتنا فأعْرِضْ عنهم حتّى يخوضوا في حديث غيره ﴾ لأنّ شأن الكافرين يَسري إلى الذين يتُخذونهم أولياء، والظاهر أنّ الذي أحال الله عليه هو ما تكرّر في القرآن من قبل نزول هذه السورة نحو قوله في البقرة: وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنّا معكم إنّما نحن مشتهزءون } ممّا حصل من مجموعه تقرر هذا المعنى.

و (أنْ) في قوله: ﴿ أنْ إذا سمعتم ﴾ تفسيرية، لأنّ (نُزّل) تضمّن معنى الكلام دون حروف القول، إذ لم يقصد حكاية لفظ (ما نُزّل) بل حاصل معناه.

وجعَلها بعضهم مخفّفة من الثقيلة واسمها ضمير شأن محذوفاً، وهو بعيد.

وإسناد الفعلين: ﴿ يُكْفَر ﴾ و ﴿ يستهزأ ﴾ إلى المجهول لتتأتّى، بحذف الفاعل، صلاحية إسناد الفعلين إلى الكافرين والمنافقين.

وفيه إيماء إلى أنّ المنافقين يركنون إلى المشركين واليهود لأنّهم يكفرون بالآيات ويستهزئون، فتنثلج لذلك نفوس المنافقين، لأنّ المنافقين لا يستطيعون أن يتظاهروا بذلك للمسلمين فيشفي غليلَهم أن يسمع المسلمون ذلك من الكفّار.

وقد جعل زمان كفرهم واستهزائهم هو زمن سماع المؤمنين آيات الله.

والمقصود أنّه زمن نزول آيات الله أو قراءة آيات الله، فعدل عن ذلك إلى سماع المؤمنين، ليشير إلى عجيب تضادُّ الحالين، فلفي حالة اتّصاف المنافقين بالكفر باللَّه والهزل بآياته يتّصف المؤمنون بتلّقي آياته والإصغاء إليها وقصدِ الوعي لها والعمل بها.

وأعقب ذلك بتفريع النهي عن مجالستهم في تلك الحالة حتّى ينتقلوا إلى غيرها، لئلاّ يَتَوسّل الشيطان بذلك إلى استضعاف حرص المؤمنين على سماع القرآن، لأنّ للأخلاق عَدْوى، وفي المثل «تُعدي الصّحاحَ مَبَارِك الجُرْب».

وهذا النهي يقتضي الأمر بمغادرة مجالسهم إذا خاضوا في الكفر بالآيات والاستهزاء بها.

وفي النهي عن القعود إليهم حكمة أخرى: وهي وجوب إظهار الغضب لله من ذلك كقوله: ﴿ تُلْقُونَ إليهم بالمودّة وقد كَفروا بما جاءكم من الحقّ ﴾ [الممتحنة: 1].

و (حتّى) حرف يعطف غاية الشيء عليه، فالنهي عن القعود معهم غايته أم يكفّوا عن الخوض في الكفر بالآيات والاستهزاء بها.

وهذا الحكم تدريج في تحريم موالاة المسلمين للكافرين، جُعل مبدأ ذلك أن لا يحضروا مجالس كفرهم ليَظهرَ التمايزُ بين المسلمين الخُلَّص وبين المنافقين، ورخّص لهم القعود معهم إذ خاضوا في حديث غير حديث الكفر.

ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: ﴿ يأيها الذين آمنوا لا تتّخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبّوا الكفر على الإيمان ومن يتولّهم منكم فأولئك هم الظالمون قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكنُ تَرضَونَها أحبَّ إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربّصوا حتّى يأتي الله بأمره ﴾ [التوبة: 23، 24].

وجعل جواب القُعود معهم المنهي عنه أنّهم إذا لم ينتهوا عن القعود معهم يكونون مثلهم في الاستخفاف بآيات الله إذ قال: ﴿ إنَّكم إذَنْ مثلُهم ﴾ فإنِّ (إذَنْ) حرف جواب وجزاء لكلام مَلفوظ به أو مقدّر.

والمجازاة هنا لكلام مقدّر دلّ عليه النهي عن القعود معهم؛ فإنّ التقدير: إن قعدتم معهم إذن إنّكم مثلهم.

ووقوع إذن جزاء لكلام مقدّر شائع في كلام العرب كقول العنبري: لو كنتُ من مَازن لم تستبح إبلي *** بنو اللقيطة من ذُهْللِ شَيْبَانا إذَنْ لقام بنصري مَعْشَر خُشُن *** عند الحَفيظة إن ذُو لَوْثَة لاَنا قال المرزوقي في «شرح الحماسة»: «وفائدة (إذن) هو أنّه أخرج البيت الثاني مَخرج جواب قائل له: ولو استباحوا مَاذا كان يَفعل بنو مازن؟

فقال: إذن لقام بنصري معشر خشن».

قلت: ومنه قوله تعالى: ﴿ وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطّه بيمينك إذاً لارتابَ المُبطلون ﴾ [العنكبوت: 48].

التقدير: فلو كنت تتلو وتخطّ إذن لارتابَ المبطلون.

فقد علم أنّ الجزاء في قوله: ﴿ إنّكم إذن مثلهم ﴾ عن المنهي عنه لا عن النهي، كقول الراجز، وهو من شواهد اللغة والنحو: لاَ تَتْرُكَنِّي فيهم شَطِيرا *** أنّي إذَنْ أهْلِكَ أو أطِيرا والظاهر أنّ فريقاً من المؤمنين كانوا يجلسون هذه المجالس فلا يقدمون على تغيير هذا ولا يقُومون عنهم تَقيةً لهم فنُهوا عن ذلك.

وهذه المماثلة لهم خارجة مخرج التغليظ والتهديد والتخويف، ولا يصير المؤمن منافقاً بجلوسه إلى المنافقين، وأرَيد المماثلة في المعصية لا في مقدارها، أي أنّكم تصيرون مثلهم في التلبّس بالمعاصي.

وقوله: ﴿ إنّ الله جامع المنافقين والكافرين في جهنّم جميعاً ﴾ تحذير من أن يكونوا مثلهم، وإعلام بأنّ الفريقين سواء في عدواة المؤمنين، ووعيد للمنافقين بعدم جدوى إظهارهم الإسلام لهم.

وجملة ﴿ الذين يتربّصون بكم ﴾ صفة للمنافقين وحدَهم بدليل قوله: ﴿ وإن كان للكافرين نصيب ﴾ .

والتربّص حقيقة في المكث بالمكان، وقد مرّ قوله: ﴿ يتربّصن بأنفسهنّ ﴾ في سورة البقرة (228).

وهو مجاز في الانتظار وترقّب الحوادث.

وتفصيله قوله: ﴿ فإن كان لكم فتح من الله ﴾ الآيات.

وجُعل ما يحصل للمسلمين فتحاً لأنّه انتصار دائم، ونُسب إلى الله لأنّه مُقدّره ومريده بأسباب خفيّة ومعجزات بينّة.

والمراد بالكافرين هم المشركون من أهل مكة وغيرهم لا محالة، إذ لا حظّ لليهود في الحرب، وجعل ما يحصل لهم من النصر نصيباً تحقيراً له، والمراد نصيب من الفوز في القتال.

والاستحواذ: الغلبة والإحاطة، أبقوا الواو على أصلها ولم يقلبوها ألفاً بعد الفتحة على خلاف القياس.

وهذا أحد الأفعال التي صُحّحت على خلاف القياس مثل: استجوب، وقد يقولون: استحاذ على القياس كما يقولون: استجَاب واستصاب.

والاستفهام تقريري.

ومعنى ﴿ ألم نستحوذ عليكم ﴾ ألم نتولّ شؤونكم ونحيط بكم إحاطة العنايية والنصرة ونمنعكم من المؤمنين، أي من أن ينالكم بأسهم، فالمنع هنا إمّا منعٌ مكذوبٌ يخَيِّلُونه الكفارَ واقعاً وهو الظاهر، وإمّا منع تقديري وهو كفّ النصرة عن المؤمنين، والتجسّس عليهم بإبلاغ أخبارهم للكافرين، وإلقاء الأراجيف والفتن بين جيوش المؤمنين، وكلّ ذلك ممّ يضعف بأس المؤمنين إن وقع، وهذا القول كان يقوله من يندسّ من المنافقين في جيش المسلمين في الغزوات، وخاصّة إذا كانت جيوش المشركين قرب المدينة مثل غزوة الأحْزاب.

وقوله: ﴿ فالله يحكم بينكم يوم القيامة ﴾ الفاء للفصيحة، والكلام إنذار للمنافقين وكفاية لمُهمّ المؤمنين، بأن فوّض أمر جزاء المنافقين على مكائدهم وخزعبلاتهم إليه تعالى.

وقوله: ﴿ ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً ﴾ تثبيت للمؤمنين، لأنّ مثيل هذه الأخبار عن دخائل الأعداء وتألبّهم: من عدوّ مجاهر بكفره.

وعدو مصانع مظهر للأخوّة، وبيان هذه الأفعال الشيطانية البالغة أقصى المكر والحيلة، يثير مخاوف في نفوس المسلمين وقد يُخيِّل لهم مَهاوي الخيبة في مستقبلهم.

فكان من شأن التلطّف بهم أن يعقّب ذلك التحذير بالشدّ على العضد، والوعد بحسن العاقبة، فوَعدهم الله بأن لا يجعل للكافرين، وإن تألّبت عصاباتهم.

واختلفت مناحي كفرهم، سبيلاً على المؤمنين.

والمراد بالسبيل طريق الوصول إلى المؤمنين بالهزيمة والغلبة، بقرينة تعديته بعَلَى، ولأنّ سبيل العدوّ إلى عدوّه هو السعي إلى مضرّته، ولو قال لك الحبيب: لا سبيل إليك، لتحسّرت؛ ولو قال لك العدوّ: لا سبيل إليك لتهلّلت بشراً، فإذا عُدّي بعلى صار نصاً في سبيل الشرّ والأذى، فالآية وعد محض دنيوي، وليست من التشريع في شيء، ولا من أمور الآخرة في شيء لنبوّ المقام عن هذين.

فإن قلت: إذا كان وعداً لم يجز تخلّفه.

ونحن نرى الكافرين ينتصرون على المؤمنين انتصراً بيّناً، وربما تملّكوا بلادهم وطال ذلك، فكيف تأويل هذا الوعد.

قلتُ: إن أريد بالكافرين والمؤمنين الطائفتان المعهودتان بقرينة القصّة فالإشكال زائل، لأنّ الله جعل عاقبة النصر أيّامئذٍ للمؤمنين وقطع دابر القوم الذين ظلموا فلم يلبثوا أن ثقفوا وأخذوا وقتّلوا تقتيلاً ودخلت بقيتهم في الإسلام فأصبْحوا أنصاراً للدين؛ وإن أريد العموم فالمقصود من المؤمنين المؤمنون الخلّص الذين تلبّسوا بالإيمان بسائر أحواله وأصوله وفروعه، ولو استقام المؤمنون على ذلك لما نال الكافرون منهم منالاً، ولدفعوا عن أنفسهم خيبة وخبالاً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهم آمَنُوا بِمُوسى ثُمَّ كَفَرُوا بِعِبادَةِ العِجْلِ، ثُمَّ آمَنُوا بِمُوسى بَعْدَ عَوْدِهِ ثُمَّ كَفَرُوا بِعِيسى، ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا بِمُحَمَّدٍ  ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ.

والثّانِي: أنَّهُمُ المُنافِقُونَ آمَنُوا ثُمَّ ارْتَدُّوا، ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ ارْتَدُّوا، ثُمَّ ماتُوا عَلى كُفْرِهِمْ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ.

والثّالِثُ: أنَّهم قَوْمٌ مِن أهْلِ الكِتابِ قَصَدُوا تَشْكِيكَ المُؤْمِنِينَ فَكانُوا يُظْهِرُونَ الإيمانَ ثُمَّ الكُفْرَ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا بِثُبُوتِهِمْ عَلَيْهِ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ.

واخْتُلِفَ لِمَكانِ هَذِهِ الآيَةِ في اسْتِتابَةِ المُرْتَدِّ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ المُرْتَدَّ يُسْتَتابُ ثَلاثَ مَرّاتٍ بِدَلالَةِ الآيَةِ، فَإنِ ارْتَدَّ بَعْدَ الثَّلاثِ قُتِلَ مِن غَيْرِ اسْتِتابَةٍ، وهَذا قَوْلُ عَلِيٍّ.

والثّانِي: يُسْتَتابُ كُلَّما ارْتَدَّ، وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ والجُمْهُورِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في الآية قال: هم اليهود والنصارى، آمنت اليهود بالتوراة ثم كفرت، وآمنت النصارى بالإنجيل ثم كفرت.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ إن الذين آمنوا ثم كفروا ﴾ قال: هؤلاء اليهود، آمنوا بالتوراة ثم كفروا، ثم ذكر النصارى فقال: ﴿ ثم آمنوا ثم كفروا ﴾ يقول: آمنوا بالإنجيل ثم كفروا به ﴿ ثم ازدادوا كفراً ﴾ بمحمد صلى الله عليه وسلم ﴿ ولا ليهديهم سبيلاً ﴾ قال: طريق هدى وقد كفروا بآيات الله.

وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في الآية قال: هؤلاء المنافقون آمنوا مرتين وكفروا مرتين ﴿ ثم ازدادوا كفراً ﴾ .

وأخرج ابن المنذر عن مجاهد في الآية قال: هم المنافقون.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن علي أنه قال في المرتد: إن كنت لمستتيبه ثلاثاً، ثم قرأ هذه الآية ﴿ إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازداودا كفراً ﴾ .

وأخرج ابن المنذر والبيهقي في سننه عن فضالة بن عبيد.

أنه أتي برجل من المسلمين قد فر إلى العدوّ فأقاله الإسلام، فأسلم ثم فر الثانية، فأتي به فأقاله الإسلام، ثم فر الثالثة، فأتي به فنزع بهذه الآية ﴿ إن الذين آمنوا ثم كفروا ﴾ إلى ﴿ سبيلاً ﴾ ثم ضرب عنقه.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ ازدادوا كفراً ﴾ قال: تموا على كفرهم حتى ماتوا.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن مجاهد.

مثله.

وأخرج الحاكم في التاريخ والديلمي وابن عساكر عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله يقول كل يوم: أنا ربكم العزيز، فمن أراد عز الدارين فليطع العزيز» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ ﴾ هذا من صفة المنافقين الذين تقدم ذكرهم.

قال الكلبي: المراد بالكافرين ههنا: اليهود (١) وقول عطاء عن ابن عباس في قوله: ﴿ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ ﴾ : يريد بني قينُقاع (٢) وأصل العزة في اللغة: الشدة، ومنه قيل للأرض الصلبة الشديدة: عزاز، ويقال: استعز عليّ المرض، إذا اشتد مرضه وكاد أن يهلك، وتعزز اللحم، إذا اشتد، ومنه: عز عليّ أن يكون كذا، بمعنى: اشتد، وعز الشيء، إذا قل حتى لا يكاد يوجد، لأنه اشتد مطلبه، واعتز فلان بفلان، إذا اشتد ظهره به، وشاة عزوز، تحلب بشدة لضيق أحاليلها.

والعزة: القوة، منقولة عن الشدة لتقارب معنييهما.

والعزيز القوي المنيع، خلاف الذليل (٣) والكلبي فسر العزة في قوله: ﴿ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ ﴾ بالظهور على محمد وأصحابه (٤) وقوله تعالى: ﴿ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا ﴾ أي الغلبة والقوة، والمعنى أنه لا تطلق صفة العزة إلا لله -عز وجل- (٥) (١) "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 100.

(٢) لم أقف عليه.

(٣) انظر: الطبري 5/ 329، و"معاني الزجاج" 2/ 120، 121، و"تهذيب اللغة" 3/ 2420، 2421 (عز)، و"زاد المسير" 2/ 227.

(٤) انظر: "الكشف والبيان" 4/ 134 أ، و"زاد المسير" 2/ 226.

(٥) لعل المراد أن العزة على وجه الإطلاق لا تكون إلا لله.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ آمِنُواْ بالله ﴾ الآية خطاب للمسلمين: معناه الأمر بأن يكون إيمانهم على الكمال بكل ما ذكر، أو يكون أمراً بالدوام على الإيمان، وقيل: خطاب لأهل الكتاب الذين آمنوا بالأنبياء المتقدّمين: معناه الأمر بأن يؤمنوا مع ذلك بمحمد صلى الله عليه وسلم، وقيل: خطاب للمنافقين معناه الأمر بأن يؤمنوا بألسنتهم وقلوبهم ﴿ إِنَّ الذين آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ﴾ الآية، قيل: هي في المنافقين لتردّدهم بين الإيمان والكفر، وقيل: في اليهود والنصارى لأنهم آمنوا بأنبيائهم ثم كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم، والأوّل أرجح؛ لأنّ الكلام من هنا فيهم، والأظهر أنها فيمن آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم، ثم ارتدّ ثم عاد إلى الإيمان، ثم ارتدّ وازداد كفراً ﴿ لَّمْ يَكُنِ الله لِيَغْفِرَ لَهُمْ ﴾ ذلك فيمن علم الله أنه يموت على كفره، وقد يكون إضلالهم عقاباً لهم بسوء أفعالهم.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ يصلحا ﴾ من الإصلاح: عاصم وعلي وحمزة وخلف.

الباقون.

﴿ يصالحا ﴾ من التصالح وإدعام التاء في الصاد ﴿ إن يشأ ﴾ حيث كان بغير همز: الأعشى وأوقيه وورش من طريق الأصفهاني وحمزة في الوقف.

﴿ وإن تلوا ﴾ بواو واحدة: ابن عامر وحمزة.

الباقون بالواوين ﴿ نزل ﴾ و ﴿ أنزل ﴾ كلاهما على ما لم يسم فاعله من التنزيل والإنزال: ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو والباقون: ﴿ نزل ﴾ و ﴿ أنزل ﴾ مبنيين للفاعل من التنزيل والإنزال أيضاً.

﴿ وقد نزل ﴾ مشدداً مبنياً للفاعل: عاصم ويعقوب.

الباقون مبنياً للمفعول.

الوقوف: ﴿ في النساء ﴾ ط ﴿ فيهن ﴾ لا للعطف أي الله والمتلو يفتيكم ﴿ الولدان ﴾ لا للعطف أيضاً أي في يتامى النساء وفي المستضعفين وفي أن تقوموا ﴿ بالقسط ﴾ ط ﴿ عليماً ﴾ ه ﴿ صلحاً ﴾ ط ﴿ خير ﴾ ط ﴿ الشح ﴾ ط ﴿ خبيراً ﴾ ه ﴿ كالمعلقة ﴾ ط ﴿ رحيماً ﴾ ه ﴿ سعته ﴾ ط ﴿ حكيماً ﴾ ه ﴿ وما في الأرض ﴾ ط ﴿ أن اتقوا الله ﴾ ط ﴿ وما في الأرض ﴾ ط ﴿ حميداً ﴾ ه ﴿ وما في الأرض ﴾ ط ﴿ وكيلاً ﴾ ه ﴿ بآخرين ﴾ ط ﴿ قديراً ﴾ ه ﴿ والآخرة ﴾ ط ﴿ بصيراً ﴾ ه ﴿ والأقربين ﴾ ج لابتداء الشرط مع اتفاق المعنى ﴿ أن تعدلوا ﴾ ج لذلك ﴿ خبيراً ﴾ ه ﴿ من قبل ﴾ ط ﴿ بعيداً ﴾ ه ﴿ سبيلاً ﴾ ه ﴿ أليماً ﴾ ه لا لأن "الذين" صفة المنافقين وإن كان يحتمل النصب والرفع على الذم ﴿ المؤمنين ﴾ ط ﴿ جميعاً ﴾ ه ﴿ غيره ﴾ ج لأن ما بعده كالتعليل.

/ ﴿ مثلهم ﴾ ط ﴿ جميعاً ﴾ ه لا لأن ما بعده صفة المنافقين.

﴿ لكم ﴾ ج لابتداء الشرط مع أنه بيان التربص ﴿ معكم ﴾ ز لترجيح جانب العطف وإتمام بيان النفاق.

﴿ نصيب ﴾ لا لأن ﴿ قالوا ﴾ جواب: "إن" ﴿ المؤمنين ﴾ ط ﴿ القيامة ﴾ ط ﴿ سبيلاً ﴾ ه.

التفسير: أحسن الترتيبات اللائقة بالدعوة إلى الدين الحق والبعث على قبول التكاليف هو ما عليه القرآن الكريم من اقتران الوعد بالوعيد وخلط الترغيب بالترهيب وضم الآيات الدالة على العظمة والكبرياء إلى بيان الأحكام.

والاستفتاء طلب الفتوى.

يقال: استفتيت الرجل فأفتاني إفتاء وفتيا وفتوى وهما اسمان يوضعان موضع الإفتاء وهو إظهار المشكل من الفتى وهو الشاب الذي قوي وكمل كأنه قوي بيانه ما أشكل فشب وصار فتياً قوياً.

والاستفتاء لا يقع في ذوات النساء وإنما يقع في حالة من أحوالهن فلذلك اختلفوا؛ فعن بعضهم أنهم كانوا لا يورثون النساء والصبيان شيئاً من الميراث كما مر في أول السورة فنزلت في توريثهم.

وقيل: إنه في الأوصياء.

وقيل: في توفية الصداق لهن كانت اليتيمة تكون عند الرجل فإن كانت جميلة ومال إليها تزوج بها وأكل مالها، وإن كانت دميمة منعها من الأزواج حتى تموت فيرثها.

أما قوله: ﴿ وما يتلى عليكم ﴾ ففيه وجوه: أحدها أنه رفع بالابتداء معطوفاً على اسم الله أي الله يفتيكم والمتلو في الكتاب يفتيكم أيضاً.

ويجوز أن يكون رفعاً على الفاعلية لكونه عطفاً على المستتر في يفتيكم، وجاز بلا تأكيد للفصل أي يفتيكم الله والمتلو في الكتاب في معنى اليتامى كقولك: أعجبني زيد وكرمه.

وذلك المتلو هو قوله: ﴿ وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى  ﴾ كما سلف في أول السورة جعل دلالة الكتاب على هذا الحكم إفتاء من الكتاب.

وثانيها ﴿ وما يتلى عليكم ﴾ مبتدأ و ﴿ في الكتاب ﴾ خبره وهي جملة معترضة ويكون المراد من الكتاب اللوح المحفوظ.

والغرض تعظيم حال هذه الآية وأن المخل بها وبمقتضاها من رعاية حقوق اليتامى ظالم متهاون بما عظمه الله، ونظيره في تعظيم القرآن قوله: ﴿ وإنه في أم الكتاب لدينا لعليّ حكيم  ﴾ وثالثها أنه مجرور على القسم لمعنى التعظيم أيضاً كأنه قيل: قل الله يفتيكم فيهن وحق المتلو.

ورابعها أن يكون مجروراً على أنه معطوف على المجرور في ﴿ فيهن ﴾ قال الزجاج: إنه ليس بسديد لفظاً لعدم إعادة الخافض، ومعنى لأنه لا معنى لقوله القائل: يفتي الله فيما يتلى عليكم من الكتاب، لأن الإفتاء إنما يكون في المسائل.

وقوله: ﴿ في يتامى النساء ﴾ على الوجه الأول صلة ﴿ يتلى ﴾ أي يتلى عليكم في معناهن أو بدل من ﴿ فيهن ﴾ وعلى سائر الوجوه بدل من ﴿ فيهن ﴾ لا غير.

والإضافة في ﴿ يتامى النساء ﴾ قال الكوفيون: إنها إضافة الصفة إلى الموصوف وأصله في النساء اليتامى.

وقال البصريون: إنها / على تأويل جرد قطيفة وسحق عمامة.

وجوز بعضهم أن يكون المراد بالنساء أمهات اليتامى كما في قصة أم كجة.

ومعنى ﴿ لا تؤتونهن ما كتب لهن ﴾ قال ابن عباس: يريد ما فرض لهن من الميراث بناء على أنها نزلت في ميراث اليتامى والصغار.

وقال غيره: يعني ما كتب لهن من الصداق.

﴿ وترغبون أن تنكحوهن ﴾ قال أبو عبيدة: هذا يحتمل الشهوة والنفرة أي ترغبون في أن تنكحوهن لجمالهن، أو ترغبون عن أن تنكحوهن لدمامتهن احتج أصحاب أبي حنيفة بالآية على أنه يجوز لغير الأب والجد تزويج الصغيرة.

ورد باحتمال أن يكون المراد وترغبون أن تنكحوهن إذا بلغن، ولأن قدامة بن مظعون زوج بنت أخيه عثمان بن مظعون من عبد الله بن عمر فخطبها المغيرة بن شعبة ورغبت أمها في المال، فجاؤا إلى رسول الله  فقال قدامة: أنا عمها ووصي أبيها.

فقال النبي  : "إنها صغيرة وأنها لا تزوج إلا بإذنها وفرق بينها وبين ابن عمر" .

ولأنه ليس في الآية أكثر من ذكر رغبة الأولياء في نكاح اليتيمة، وذلك لا يدل على الجواز ﴿ والمستضعفين من الولدان ﴾ نزلت في ميراث الصغار.

والخطاب في ﴿ أن تقوموا ﴾ للأئمة في أن ينظروا لهم ويستوفوا حقوقهم.

قيل: ويجوز أن يكون ﴿ وأن تقوموا ﴾ منصوباً أي ويأمركم أن تقوموا.

ومن جملة ما أخبر الله  أنه يفتيهم به في النساء لكن لم يتقدم ذكره.

قوله ﴿ وإن امرأة خافت ﴾ ارتفاع ﴿ امرأة ﴾ بفعل يفسره خافت أي علمت.

وقيل: ظنت والظاهر أنه على معناه الأصلي إلا أن الخوف لا يحصل إلا عند ظهور العلامات الدالة على وقوع المخوف كأن يقول الرجل لامرأته: إنك دميمة أو مسنة وإني أريد أن أتزوج شابة جميلة، والبعل الزوج، والنشوز يكون من الزوجين وهو كراهة كل منهما صاحبه ويتبع نشوز الرجل أن يعرض عنها ويقبح وجهها ويترك مجامعتها ويسيء عشرتها.

عن عائشة أنها نزلت في المرأة تكون عند الرجل ويريد الرجل أن يستبدل بها غيرها فتقول: أمسكني وتزوج بغيري وأنت في حل من النفقة والقسم كما فعلت سودة بنت زمعة حين كرهت أن يفارقها رسول الله  وعرفت مكان عائشة من قلبه فوهبت لها يومها.

ومعنى الصلح وهو مصدر من غير لفظ الفعل مثل ﴿ والله أنبتكم من الأرض نباتاً  ﴾ ﴿ أن يصالحا ﴾ على أن تطيب المرأة له نفساً عن القسمة أو عن بعضها أو عن المهر والنفقة فإن هذه الأمور هي التي تقدر المرأة على طلبها من الزوج شاء أم أبى.

أما الوطء فليس كذلك لأن الزوج لا يجبر على الوطء ﴿ والصلح خير ﴾ من الفرقة أو من النشوز والإعراض فاللام للعهد، أو هو خير من الخصومة في كل شيء فاللام للاستغراق وبه تمسك أصحاب أبي حنيفة في جواز الصلح على الإنكار، أو الصلح خير من الخيرات كما أن الخصومة شر من الشرور, والجملة معترضة، وكذا قوله: ﴿ وأحضرت الأنفس الشح ﴾ إلا أنه اعتراض مؤكد للمطلوب محصل للمقصود.

والشح البخل مع / حرص، وأرض شحاح لا تسيل إلا من مطر كثير.

جعل الشح كالأمر الحاضر للنفوس لأنها جلبت على ذلك.

ثم يحتمل أن يكون هذا تعريضاً بالمرأة أنها تشح ببذل نصيبها أو حقها، أو بالزوج أنه يشح بأنه ينقضي عمره معها مع دمامتها وكبر سنها وعدم الالتذاذ بصحبتها.

واعلم أنه رخص أولاً في الصلح بقوله: ﴿ فلا جناح عليهما ﴾ وغايته ارتفاع الإثم، ثم بين أنه كما لا جناح فيه فكذلك فيه خير كثير.

ثم حث على الإحسان والتقوى وحسم مادة الخصومة رأساً فقال: ﴿ وإن تحسنوا ﴾ أي بالإقامة على نسائكم ﴿ وإن كرهتموهن ﴾ وأحببتم غيرهن وتتقوا النشوز والإعراض وما يؤدي إلى الأذى والخصومة المحوجة إلى الصلح ﴿ فإن الله كان بما تعملون ﴾ من الإحسان والتقوى ﴿ خبيراً ﴾ فيثيبكم على ذلك.

وعلى هذا فالخطاب للأزواج، وقيل: الخطاب للزوجين أن يحسن كل منهما إلى صاحبه ويحترز عن الظلم.

وقيل: لغيرهما أن يحسنوا في المصالحة بينهما ويتقوا الميل إلى واحد منهما.

يحكى أن عمران بن حطان الخارجي كان من أدمّ بني آدم وامرأته من أجملهم.

فأجالت يوماً نظرها في وجهه ثم قالت: الحمد لله.

فقال: مالك؟

فقالت: حمدت الله على إني وإياك من أهل الجنة.

لأنك رزقت مثلي فشكرت، ورزقت مثلك فصبرت، والشاكر والصابر من أهل الجنة.

﴿ ولن تستطيعوا أن تعدلوا ﴾ لن تقدروا على التسوية بين النساء في ميل الطباع ﴿ ولو حرصتم ﴾ وإذا لم تقدروا عليها بحيث لا يقع ميل ألبتة ولا زيادة ولا نقصان لم تكونوا مكلفين به، وهذا تفسير يناسب مذهب المعتزلة من أن تكليف ما لا يطاق غير واقع ولا جائز ﴿ فلا تميلوا كل الميل ﴾ أي رفع عنكم تمام العدل وغايته ولكن ائتوا منه ما استطعتم بشرط أن تبذلوا فيه وسعكم وطاقتكم.

وبوجه آخر لن تستطيعوا التسوية في الميل القلبي ﴿ ولو حرصتم ﴾ ولا التسوية الكلية في نتائج الحب من الأقوال والأفعال لأن الفعل بدون الداعي ومع قيام الصارف محال ﴿ فلا تميلوا كل الميل ﴾ فلا تجوروا على المرغوب عنها كل الجور فتمنعوها قسمتها ونفقتها وسائر حقوقها وحظوظها من غير رضا منها ﴿ فتذروها كالمعلقة ﴾ بين السماء والأرض لا على قرار أي غير ذات بعل ولا مطلقة.

والغرض النهي عن الميل الكلي مع جواز التفريط في العدل الكلي في نتائج الميل القلبي، وأما الميل القلبي فمعفو بالكل وبالبعض لأن القلب ليس في تصرف الإنسان وإنما هو بين أصبعين من أصابع الرحمن.

عن النبي  أنه كان يقسم بين نسائه فيعدل فيقول: "اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تؤاخذني فيما تملك ولا أملك" يعني المحبة لأن / عائشة كانت أحب إليه.

وعنه  : "من كانت له امرأتان يميل مع أحداهما جاء يوم القيامة وأحد شقيه مائل" ﴿ وإن تصلحوا ﴾ ما مضى من ميلكم وتتداركوه بالتوبة ﴿ وتتقوا ﴾ فيما يستقبل ﴿ فإن الله كان غفوراً رحيماً وإن يتفرقا يغن الله كلاً ﴾ يرزق كل واحد منهما زوجاً خيراً من زوجه وعيشاً أهنأ من عيشته.

والسعة الغنى والمقدرة ﴿ وكان الله واسعاً ﴾ من الرزق والفضل والرحمة والعلم وأي كمال يفرض ولهذا أطلق.

﴿ حكيماً ﴾ قال ابن عباس: فيما حكم ووعظ.

وقال الكلبي: فيما حكم على الزوج من إمساكها بمعروف أو تسريحها بإحسان.

ثم قال: ﴿ ولله ما في السموات وما في الأرض ﴾ وهو كالتفسير لسعة ملكه وملكه.

وفيه أن الذي أمر به من العدل والإحسان إلى اليتامى والنسوان ليس لعجز أو افتقار وإنما يعود فائدة ذلك إلى المكلف لأنه الأحسن له في دنياه وعقباه.

ثم بين أن الأمر بتقوى الله شريعة قديمة لم يلحقها نسخ وتبديل، وإن استغناءه  بالنسبة إلى الأمم السالفة كهو بالنسبة إلى الأمم الآتية فقال: ﴿ ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب ﴾ أي جنسه ليشمل التوراة والإنجيل والزبور وغيرها من الصحف.

وقوله: ﴿ من قبلكم ﴾ إما أن يتعلق بـ ﴿ وصينا ﴾ أو بـ ﴿ أوتوا ﴾ وقوله: ﴿ وإياكم ﴾ عطف على ﴿ الذين ﴾ ومعنى ﴿ أن اتقوا ﴾ بأن اتقوا وتكون "أن" المفسرة لأن التوصية في معنى القول.

﴿ وإن تكفروا ﴾ عطف على ﴿ اتقوا ﴾ أي أمرناهم وأمرناكم بالتقوى.

وقلنا لهم ولكم إن تكفروا فإن لله ما في السموات وما في الأرض وهو خالقهم ومالكهم والمنعم عليهم بأصناف النعم كلها فحقه أن يكون مطاعاً في خلقه غير معصى يخشون عقابه ويرجون ثوابه.

أو قلنا لهم ولكم: إن تكفروا فإن لله في سمواته وأرضه من الملائكة وغيرهم من يوحده ويعبده ويتقيه ﴿ وكان الله ﴾ مع ذلك ﴿ غنياً ﴾ عن خلقه وعن عباداتهم ﴿ حميداً ﴾ في ذاته وإن لم يحمده واحد منهم.

ثم كرر قوله: ﴿ ولله ما في السموات وما في الأرض وكفى بالله وكيلاً ﴾ تقريراً لأنه أهل أن يتقى وتوكيداً لاستغنائه عن طاعات المطيعين وسيئات المذنبين.

ثم بالغ في هذا المعنى بقوله: ﴿ إن يشأ يذهبكم ﴾ يعدمكم أيها الناس ﴿ ويأت بآخرين ﴾ يوجد خلقاً آخرين غير الإنس أو من جنس الإنس ﴿ وكان الله ﴾ على ذلك الإعدام ثم الإيجاد ﴿ قديراً ﴾ بليغ القدرة لم يزل موصوفاً بذلك ولن يزال كذلك.

وفي الآية من التخويف والغضب ما لا يخفى.

وقيل: الخطاب لأعداء النبي  من العرب والمراد بآخرين ناس يوالونه.

يروى أنها لما نزلت ضرب رسول الله  /بيده على ظهر سلمان وقال: "إنهم قوم هذا يريد أبناء فارس" .

ثم رغب الإنسان فيما عنده من الكرامة فقال: ﴿ من كان يريد ثواب الدنيا ﴾ كالمجاهد يريد بجهاده الغنيمة ﴿ فعند الله ثواب الدنيا والآخرة ﴾ فماله يطلب الأخس بالذات مع أنه إذا طلب الأشرف تبعه الأخس.

فالتقدير: فعند الله ثواب الدنيا والآخرة له إن أراده ليحصل ربط الجزاء بالشرط ﴿ وكان الله سميعا ﴾ لأقوال المجاهدين والطالبين ﴿ بصيراً ﴾ بمطامح عيونهم ومطارح ظنونهم فيجازيهم على نحو ذلك.

ثم بيّن أنّ كمال سعادة الإنسان في أن يكون قوله لله وفعله لله وحركته لله وسكونه لله فقال: ﴿ يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط ﴾ مجتهدين في اختيار العدل محترزين عن ارتكاب الميل ﴿ شهداء لله ﴾ لوجهه ولأجل مرضاته كما أمرتم بإقامتها ولو كانت تلك الشهادة وبالاً على أنفسكم، أو الوالدين والأقربين بأن يتوقع ضرره من سلطان ظالم أو غيره.

وفي كلام الحكماء: "إذا كان الكذب ينجي فالصدق أنجى".

أو المراد الإقرار على نفسه لأنه في معنى الشهادة عليها بإلزام الحق لها وأن يقول: أشهد أنّ لفلان على والدي كذا أو على أقاربي كذا.

وإنما قدم الأمر بالقيام بالقسط على الأمر بالشهادة لله عكس قوله: ﴿ شهد الله أنه لا إله إلاّ هو والملائكة وأولوا العلم قائماً بالقسط  ﴾ لأنّ شهادة الله  عبارة عن كونه خالقاً للمخلوقات، وقيامه بالقسط عبارة عن رعاية قوانين العدل في تلك المخلوقات، والأول مقدم علىالثاني.

وأما في حق العباد فالعدالة مقدمة على الشهادة تقدم الشرط على المشروط فاعلم ﴿ إن يكن ﴾ المشهود عليه ﴿ غنياً أو فقيراً ﴾ فلا تكتموا الشهادة طلباً لرضا الغني أو ترحماً على الفقير ﴿ فالله أولى ﴾ بأمورهما ومصالحهما.

وكان حق النسق أن لو قيل فالله أولى به أي بأحد هذين إلاّ أنه ثنى الضمير ليعود إلى الجنسين كأنه قيل: فالله أولى بجنسي الفقير والغني أي بالأغنياء والفقراء يريد بالنظر لهما وإرادة مصلحتهما ولولا أنّ الشهادة عليهما مصلحة لهما لما شرعها.

قال السدي: "اختصم إلى النبي  غني وفقير وكان ميله إلى الفقير رأى أنّ الفقير لا يظلم الغني فأبى الله إلاّ أن يقوم بالقسط في الغني والفقير" وأنزل الآية.

وقوله: ﴿ أن تعدلوا ﴾ يحتمل أن يكون من العدل أو من العدول فكأنه قيل: فلا تتبعوا الهوى كراهة أن تعدلوا بين الناس، أو إرادة أن تعدلوا عن الحق.

واحتمال آخر وهو أن يراد اتركوا الهوى لأجل أن تعدلوا أي حتى تتصفوا بصفة العدالة لأنّ العدل عبارة عن ترك متابعة الهوى.

ومن ترك أحد النقيضين فقد حصل له الآخر ﴿ وأن تلووا ﴾ بواوين من لوى يلوي إذا فتل، وبواو واحدة من الولاية والمعنى وإن تلووا ألسنتكم عن شهادة الحق وحكومة العدل ﴿ أو تعرضوا ﴾ عن الشهادة بما عندكم أو إن وليتم إقامة الشهادة أو تركتموها.

واعلم أن الإنسان لا يكون قائماً بالقسط إلاّ / إذا كان راسخ القدم في الإيمان فلهذا أردف ما ذكر بقوله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا آمنوا ﴾ وظاهر مشعر بالأمر بتحصيل الحاصل.

فالمفسرون ذكروا فيه وجوهاً الأول: ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ في الماضي والحاضر ﴿ آمنوا ﴾ في المستقبل أي دوموا على الإيمان واثبتوا.

الثاني: ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ تقليداً ﴿ آمنوا ﴾ استدلالاً.

الثالث: ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ استدلالاً إجمالياً ﴿ آمنوا ﴾ استدلالاً تفصيلياً.

الرابع: ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ بالله وملائكته وكتبه ورسله ﴿ آمنوا ﴾ بأن كنه الله  وعظمته وكذلك أحوال الملائكة وأسرار الكتب وصفات الرسل لا ينتهي إليها عقولكم.

الخامس قال الكلبي: "إن عبد الله بن سلام وأسداً وأسيداً ابني كعب وثعلبة بن قيس وجماعة من مؤمني أهل الكتاب قالوا: يا رسول الله، إنا نؤمن بك وبكتابك وبموسى والتوراة وعزير، ونكفر بما سواه من الكتب والرسل فأنزل الله هذه الآية فآمنوا بكل ذلك" .

وقيل: إن المخاطبين ليسوا هم المسلمين والتقدير: ﴿ يا أيها الذين آمنوأ ﴾ بموسى والتوراة وبعيسى والإنجيل ﴿ آمنوا ﴾ بمحمد  والقرآن وبجميع الكتب المنزلة من قبل لا ببعضها فقط، لأن طريق العلم بصدق النبي هو المعجز وأنه حاصل في الكل، فالخطاب لليهود والنصارى.

أو ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ بالسان ﴿ آمنوا ﴾ بالقلب فهم المنافقون, أو ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ باللات والعزى ﴿ آمنوا ﴾ بالله فهم المشركون، والمراد بالكتاب الذي أنزل من قبل جنسه.

فإن قيل: لم ذكر في مراتب الإيمان أموراً ثلاثة: الإيمان بالله وبالرسل وبالكتب.

وذكر في مراتب الكفر أموراً خمسة؟

أجيب بأن الإيمان بالثلاثة يلزم منه الإيمان بالملائكة وباليوم الآخر، لكنه ربما ادّعى الإنسان أنه يؤمن بالثلاثة ثم إنه ينكر الملائكة واليوم الآخر لتأويلات فاسدة، فلما كان هذا الاحتمال قائماً نص على أن منكر الملائكة والقيامة كافر بالله.

فإن قيل: لم قدم في مراتب الإيمان ذكر الرسول على ذكر الكتاب في مراتب الكفر عكس الأمر؟

فالجواب أن الكتاب مقدم على الرسول في مرتبة النزول من الخالق إلى الخلق، وأما في العروج فالرسول مقدم على الكتاب.

وبوجه آخر الرسول الأول هو نبينا محمد  والرسل عام له ولغيره، فلما خص ذكره أولاً للتشريف جعل ذكره تالياً لذكر الله لمزيد التشريف ولبيان أفضليته  .

ثم لما رغب في الإيمان والثبات عليه بين فساد طريقة من يكفر بعد الإيمان فقال: ﴿ إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفراً ﴾ والمراد الذين تكرر منهم الكفر بعد الإيمان تارات وأطواراً.

قال القفال: وليس المراد بيان العدد بل المراد ترددهم وتمرنهم على ذلك.

وقيل: اليهود هم آمنوا بالتوراة وبموسى ثم كفروا بعزير ثم آمنوا بداود ثم كفروا بعيسى ثم ازدادوا كفراً عند مقدم محمد  .

وقيل: هم المنافقون أظهروا الإسلام / ثم كفروا بنفاقهم وكون باطنهم على خلاف ظاهرهم، ثم إذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم، ثم ازدادوا كفراً بجدهم واجتهادهم في استخراج وجوه المكايد في حق المسلمين.

قيل: هم طائفة من أهل الكتاب قصدوا تشكيك المسلمين فكانوا يظهرون الإيمان تارة والكفر أخرى على ما أخبر الله  عنهم أنهم قالوا: ﴿ آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون  ﴾ ثم إنهم بالغوا في ذلك وازدادوا إلى حد الاستهزاء والسخرية بالإسلام.

وفي الآية دلالة على أنه قد يحصل الكفر بعد الإيمان وذلك يبطل مذهب القائلين بالموافاة وهي أن شرط صحة الإسلام أن يموت الشخص على الإسلام وهم يجيبون عن ذلك بأنا نحمل الإيمان على إظهار الإيمان.

وفيها أن الكفر يقبل الزيادة والنقصان فيجب أن يكون الإيمان كذلك لأنهما ضدان متنافيان، فإذا قبل أحدهما التفاوت فكذا الآخر.

وكيف يزداد كفرهم فيه وجوه: أحدهها أنهم ماتوا على كفرهم.

وثانيها بسبب ذنوب أصابوها حال كفرهم وعلى هذا فإصابة الطاعات وقت الإيمان تكون زيادة في الإيمان.

وثالثها استهزاؤهم بالدين.

أما قوله  : ﴿ لم يكن الله ليغفر لهم ﴾ فقيل عليه اللام تفيد نفي التأكيد وهذا لا يليق بالوضع إنما اللائق به تأكيد النفي.

وأجيب بأن نفي التأكيد إذا ذكر على سبيل التهكم أفاد تأكيد النفي.

ثم أورد عليه أن الكفر قبل التوبة غير مغفور على الإطلاق وحينئذٍ تضيع الشرائط المذكورة في الآية، وبعد التوبة مغفور ولو بعد ألف مرة فكيف يصح النفي؟

وأجيب بأن اللام في الذين لمعهودين وهم قوم علم الله منهم أنهم يموتون على الكفر لا يتوبون عنه قط، فقوله: ﴿ لم يكن الله ليغفر لهم ﴾ إخبار عن موتهم على الكفر، أو اللام للاستغراق وخرج الكلام على الغالب المعتاد وهو أن من كان مضطرب الحال كثير الانتقال من الإسلام إلى الكفر، لم يكن للإيمان في قلبه وقع واحتشام.

فالظاهر من حال مثله أنه يموت على الكفر، فليس المراد أنه لو أتى بالإيمان الصحيح لم يكن معتبراً بل المراد منه الاستبعاد والاستغراب كالفاسق يتوب ثم يرجع ثم يتوب ثم يرجع فإنه لا يرجى منه الثبات والغالب أنه يموت على الفسق.

﴿ ولا ليهديهم سبيلاً ﴾ أي إلى الإيمان عند الأشاعرة، وعند المعتزلة إلى الجنة.

أو محمول على المنع من زيادة الألطاف.

﴿ بشر المنافقين ﴾ تهكم كقولهم: عتابك السيف وتحيتهم الضرب ﴿ أيبتغون عندهم العزة ﴾ كان المنافقون يوادّون اليهود اعتقاداً منهم أن أمر محمد  لا يتم وحينئذٍ يبتغون بودّهم أن يحصل لهم بهم قوة وغلبة، فخيّب الله آمالهم بقوله: ﴿ فإن العزة لله جميعاً ﴾ وعزّة الله تستتبع عزة الرسول والمؤمنين كقوله: ﴿ ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين  ﴾ و ﴿ جميعاً ﴾ حال من العزة أي مجموعة.

قال المفسرون: إنّ المشركين كانوا بمكة يخوضون في ذكر القرآن في مجالسهم فيستهزؤن به / وبين أظهرهم المسلمون ولا يتهيّأ لهم حينئذِ الإنكار عليهم ظاهراً فنزلت إذا ذاك.

﴿ وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره ﴾ فكان أحبار اليهود بالمدينة يفعلون نحو فعل المشركين ويجالسهم بعض المنافقين فأنزل الله  في هؤلاء المنافقين ﴿ وقد نزل عليكم في الكتاب ﴾ معنى آية الأنعام ﴿ أن إذا سمعتم آيات الله ﴾ هي المخففة من الثقيلة وضمير الشأن مقدر والمعنى أنه إذا سمعتم آيات الله حال كونها يكفر بها ويستهزأ بها.

وقال الكسائي: المعنى إذا سمعتم الكفر بآيات الله والاستهزاء بها، ولكن أوقع فعل السماع على الآيات كما يقال: سمعت عبد الله يلام وفيه نظر، لأنّ إيقاع فعل السماع على الآيات ممكن بخلاف إيقاعه على عبد الله.

﴿ إنكم ﴾ أيها المنافقون ﴿ إذا مثلهم ﴾ مثل الأحبار في الكفر و "إذن" ههنا ملغاة لوقوعها بين الاسم والخبر ولذلك لم يذكر بعدها الفعل أي إذن تكونوا مثلهم، وأفرد ﴿ مثلهم ﴾ لأنها في معنى المصدر نحو ﴿ أنؤمن لبشرين مثلنا ﴾ \[المؤمنون:47\] وقد جمع في قوله: ﴿ ثم لا يكونوا أمثالكم  ﴾ وإنما لم يحكم بكفر المسلمين بمكة لمجالسة المشركين الخائضين وحكم بنفاق هؤلاء بالمدينة لمجالسة أحبار اليهود الخائضين، لأن مجالسة أولئك المسلمين كانت للضرورة وفي أوان ضعف الإسلام ولم يرد نهي بعد، ومجالسة هؤلاء المنافقين كانت في وقت الاختيار وقوة الإسلام وبعد ورود النهي.

قال أهل العلم: في الآية دليل على أن من رضي بالكفر فهو كافر، ومن رضي بمنكر يراه وخالط أهله وإن لم يباشر كان شريكهم في الإثم.

ثم حقق كون المنافقين مثل الكافرين بقوله: ﴿ إنّ الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعاً ﴾ يعني القاعدين والمقعود معهم.

والضمير في ﴿ معهم ﴾ يعود إلى الكافرين المستهزئين بدلالة ﴿ يكفر بها ويستهزأ بهأ ﴾ وأراد ﴿ جامع ﴾ بالتنوين لأنه بعد ما جمعهم ولكن حذف التنوين تخفيفاً في اللفظ.

والمعنى أنهم كما اجتمعوا على الاستهزاء بآيات الله في الدنيا فكذلك يجتمعون في عذاب جهنم يوم القيامة ومثله قوله  : "المرء مع من أحب" ﴿ يتربصون بكم ﴾ ينتظرون بكم ما يتجدد لكم من نصر أو إخفاق.

﴿ فإن كان لكم فتح من الله ﴾ ظهور على اليهود ﴿ قالوا ألم نكن معكم ﴾ مظاهرين فأسهموا لنا في الغنيمة ﴿ وإن كان للكافرين ﴾ أي اليهود نصيب استيلاء مّا في الظاهر ﴿ قالوا ألم نستحوذ عليكم ﴾ الحوذ السوق السريع والاستحواذ الغلبة.

وهذا جاء بالواو على أصله كما جاء استروح واستصوب.

وفي الآية وجهان: الأول ألم نغلبكم ونتمكن من قتلكم وأسركم ثم لم نفعل شيئاً من ذلك ﴿ ونمنعكم من المؤمنين ﴾ بأن ثبطناهم عنكم فهاتوا نصيباً لنا مما أصبتم.

الثاني أنّ أولئك الكفار كانوا قد هموا بالدخول في الإسلام.

ثم إنّ المنافقين نفروهم / وأطعموهم أنه سيضعف أمر محمد  ويقوى أمركم.

فالمراد ألسنا غلبناكم على رأيكم في الدخول في الإسلام ومنعناكم منه وأرشدناكم إلى مصالحكم فادفعوا إلينا نصيباً مما وجدتم.

وفي تسمية ظفر المؤمنين فتحاً وظفر الكافرين نصيباً تثبيت للمؤمنين وتعظيم لما هم عليه من الدين وتحقير لشأن الكافرين وتوهين لأمرهم، فكان ظفر المسلمين أمر عظيم يفتح له أبواب السماء حين ينزل على أولياء الله، وظفر الكافرين حظ دنيوي ينقضي ولا يبقى منه إلاّ الذم في الدنيا والعقاب في الآخرة ﴿ فالله يحكم بينكم يوم القيامة ﴾ أي بين المؤمن والمنافق.

والغرض أنه يقال: ما وضع السيف على المنافقين في الدنيا ولكن أخر عقابهم إلى يوم القيامة ﴿ ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً ﴾ قال علي وابن عباس: المراد في الدنيا ولكن بالحجة أي حجة المسلمين غالبة على حجة الكل.

وقيل: في الآخرة.

وقيل: عام في الكل.

والشافعي بنى عليه مسائل منها: أن الكافر إذا استولى على مال المسلم وأحرزه إلى دار الحرب لم يملكه بدلالة هذه الآية.

ومنها أن الكافر ليس له أن يشتري عبداً مسلماً.

ومنها أنّ المسلم لا يقتل بالذمي والله  أعلم.

التأويل: النفس للروح كالمرأة للزوج و ﴿ يتامى النساء ﴾ صفات النفوس و ﴿ ما كتب لهن ﴾ ما أوجب الله للنفوس من الحقوق.

وحاصل المعنى أنّ نفسك مطيتك فارفق بها وإليه الإشارة بقوله: ﴿ والصلح خير وأحضرت الأنفس الشح ﴾ فالروح تشح بترك حقوق الله، والنفس تشح بحظوظها ﴿ فلا تميلوا كل الميل ﴾ في رفض حظوظ النفس ﴿ فتذروها كالمعلقة ﴾ بين العالم العلوي والعالم السفلي ﴿ وإن يتفرّقا ﴾ أي الروح والنفس فالروح تجتذب بجذبة دع نفسك وتعالى إلى سعة غنى الله في عالم هويته لتستغني عن مركب النفس بالوصول إلى المقصود.

والنفس تجتذب عن الروح بجذبة ارجعي إلى ربك إلى سعة غنى الله في عالم فادخلي في عبادي وادخلي جنتي ﴿ يا أيها الذين آمنوا آمنوا ﴾ للإيمان ثلاث مراتب: إيمان للعوام أن يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وبالبعث والجنة والنار والقدر وهذا إيمان غيبي، وإيمان للخواص وهو أنه  إذا تجلّى للعبد بصفة من صفاته خضع له جميع أجزاء وجوده وآمن بالكلية وهذا إيمان عياني، وإيمان للأخص وهو بعد رفع الحجب الأنانية حين أفناه بصفة الجلال وأبقاه بصفة الجمال فلم يبق له إلا عين وبقي في العين وهذا إيمان عيني ﴿ إنّ الذين آمنوا ﴾ أي بالتقليد ﴿ ثم كفروا ﴾ إذ لم يكن للتقليد أصل ﴿ ثم آمنوا ﴾ بالاستدلال العقلي ﴿ ثم كفروا ﴾ إذ لم تكن عقولهم مشرقة بالنور الإلهي ﴿ ثم ازدادوا كفراً ﴾ بالشبهات والاعتراضات ﴿ لم يكن الله ﴾ في الأزل غافراً لهم بنوره عند الرش ﴿ ولا ليهديهم سبيلاً ﴾ اليوم لأن الأصل لا يخطىء ﴿ بشر المنافقين ﴾ أي بشرهم بأن أصلهم من / جوهر الكفار ولهذا اتخذوا الكافرين أولياء فإنّ ائتلافهم ههنا نتيجة تعارف أرواحهم وكما يعيشون يموتون وكما يموتون يحشرون.

/ <div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ بَشِّرِ ٱلْمُنَافِقِينَ ﴾ بكذا.

البشارة المطلقة المرسلة لا تكون إلا بالخير خاصة، وأما إذا كانت مقيدة مفسرة فإنها تجوز في الشر؛ كقوله -  -: ﴿ بَشِّرِ ٱلْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ ﴾ كذا، وكذلك قوله -  -: ﴿ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ  ﴾ ، وفي القرآن كثير، ما ذكرها في الشر إلا مفسرة مقيدة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ بَشِّرِ ٱلْمُنَافِقِينَ ﴾ - يدل هذا على أن الآية الأولى في أهل النفاق والمراءاة، على ما ذكرنا من التأويل؛ لأنه لم يسبق فيما تقدم ذكر لهم سوى قوله -  -: ﴿ آمَنُواْ آمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ .

ويحتمل على الابتداء والائتناف على غير ذكر تقدم، وذلك جائز في القرآن كثير.

ثم فسر المنافقين فقال: ﴿ ٱلَّذِينَ يَتَّخِذُونَ ٱلْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ .

ثم يحتمل قوله -  -: ﴿ يَتَّخِذُونَ ٱلْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ قولا وفعلا: أما القول: كقولهم: ﴿ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ  ﴾ ، وغيره من الآيات.

وأما الفعل: فكانوا يمنعون المؤمنين أن يغزوهم؛ كقوله -  -: ﴿ وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ  ﴾ ، وكقوله: ﴿ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَٱخْشَوْهُمْ  ﴾ ، وكقوله -  -: ﴿ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ ٱقْعُدُواْ مَعَ ٱلْقَاعِدِينَ  ﴾ كانوا يمنعون أصحاب رسول الله  والمسلمين عن أن يغزوهم ويقاتلوهم؛ فهم - وإن كانوا يُرُون من أنفسهم الموافقةَ للمؤمنين في الظاهر - فإنهم [كانوا] - في الحقيقة - معهم؛ فهذا - والله أعلم - تأويل قوله: ﴿ يَتَّخِذُونَ ٱلْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ .

وقوله - عز جل -: ﴿ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ ٱلْعِزَّةَ ﴾ .

قيل: قوله -  -: ﴿ أَيَبْتَغُونَ ﴾ على طرح الألف وأنها زائدة، أي: يبتغون بذلك من عندهم العزة.

ثم يحتمل قوله -  -: ﴿ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ ٱلْعِزَّةَ ﴾ وجهين.

يحتمل: العزة: المنعة والنصرة، وكانوا يطلبون بذلك النصرة والقدرة عند الكافرين.

ويحتمل: ليتعززوا بذلك.

والأصل: أن حرف الاستفهام كله من الله - له حق الإيجاب، على ما يقتضي جوابه من حقيقة الاستفهام؛ إذ الله عالم لا يخفى عليه شيء يستفهم، جل عن ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِنَّ ٱلعِزَّةَ للَّهِ جَمِيعاً ﴾ .

أي: [والنصرة والقدرة] كله لله، من عنده يكون، وبه يتعزز في الدنيا والآخرة، ليس من عند أولئك الذين يطلبون منهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي ٱلْكِتَٰبِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ ٱللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا ﴾ .

قال بعضهم: قوله -  -: ﴿ وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي ٱلْكِتَٰبِ ﴾ - هو ما ذكر في سورة الأنعام، وهو قوله -  -: ﴿ وَإِذَا رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِيۤ ءَايَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ  ﴾ ، ثم قال: ﴿ وَمَا عَلَى ٱلَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ  ﴾ ؛ لأنه نهاهم - عز وجل - عن القعود معهم إذا خاضوا في طعن القرآن وآيات الله؛ فأخبر أن ليس لهم من حسابهم من شيء إذا قعدوا.

ثم قال في هذه الآية: ﴿ فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ ﴾ : نهاهم - عز وجل - عن القعود معهم، وأخبر أنهم إذا فعلوا ذلك يكونوا مثلهم؛ فهو - والله أعلم - على النسخ: نسخ هذا الأول.

ويحتمل [أن يكون] قوله -  -: ﴿ وَمَا عَلَى ٱلَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ  ﴾ في المشركين، لم يلحقهم من العقوبة، والمآثم؛ لأنهم لا يقدرون على منع المشركين عن الاستهزاء بآيات الله والطعن فيها، ويقدرون على منع المنافقين عن ذلك؛ فشاركوهم في العقوبة فيما يقدرون على منعهم فلم يمنعوا، ورفع عنهم ذلك فيما لا يقدرون على دفعه.

وفيه دلالة أن من بلي بمنكر له قدرة التغيير على أهله، فلم يغير - أن يشاركهم في ذلك، أو إذا لم يكن له قدرة التغيير عليهم فلم يفارقهم، لكن أقام معهم - شاركهم أيضا في العقوبة؛ الواجب على كل من بُلي بذلك، وله قدرة التغيير عليهم - فعل، أي: أنكر عليهم وغيّره، وإلا فارقهم؛ وإلا يُخاف أن يشاركهم في العقوبة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ جَامِعُ ٱلْمُنَٰفِقِينَ وَٱلْكَٰفِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً ﴾ الآية.

لأنهم كانوا معهم في السر والحقيقة، وإن كانوا يظهرون للمؤمنين الموافقة باللسان؛ فهذا يدل على أن الحقائق في العواقب هو ما يسر المرء ويضمر، ليس ما يظهر؛ لأن المنافقين كانوا مع المؤمنين في الظاهر في جميع الأحكام: في الأنكحة، والعقود كلها، وإظهار الإيمان لهم باللسان، لكنهم إذا أضمروا خلاف ما أظهروا - لم ينفعهم ذلك؛ دل أن الحقائق في العواقب ما يسر ويضمر، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ ﴾ .

يحتمل وجهين: يحتمل: يتربصون الغنيمة والنصر، فإن كان الفتح للمؤمنين قالوا: ﴿ أَلَمْ نَكُنْ مَّعَكُمْ ﴾ في الإيمان والأحكام كلها؛ يطلبون الغنيمة والاشتراك فيها؛ كقوله -  -: ﴿ أَشِحَّةً عَلَى ٱلْخَيْرِ ﴾ الآية [الأحزاب: 19]، وإذا كانت الدبرة والبوار على المؤمنين للكافرين يقولون: ﴿ أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ بقولهم: ﴿ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَٱخْشَوْهُمْ  ﴾ ، وكقوله -  -: ﴿ قَدْ يَعْلَمُ ٱللَّهُ ٱلْمُعَوِّقِينَ مِنكُمْ وَٱلْقَآئِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا ﴾ الآية [الأحزاب: 18]: كانوا بين المسلمين كعيون لهم؛ يخبرونهم عن عوراتهم، ويطلعونهم على مقصود المؤمنين؛ فذلك مَنْعُهم من المؤمنين واستحواذهم عليهم، والله أعلم.

ويحتمل: ﴿ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ ﴾ ، يعني: أمر محمد  وأصحابه عندهم بألا يدوم ذلك، بل ينقطع عن قريب، والله أعلم.

ويحتمل: ﴿ يَتَرَبَّصُونَ ﴾ ما ذكر من قوله -  -: ﴿ وَتَرَبَّصْتُمْ وَٱرْتَبْتُمْ  ﴾ ، ثم خرج تأويله في قوله: ﴿ فَتَرَى ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَىٰ أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ  ﴾ ، ثم خص ذلك بقوله -  -: ﴿ وَمِنَ ٱلأَعْرَابِ مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغْرَماً وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ ٱلدَّوَائِرَ ﴾ الآية [التوبة: 98]؛ فبين أنهم يتربصون بهم انقلاب الأمر ورجوعه إلى أعداء الله؛ فمتى ظهرت لهم العواقب - أظهروا الذي له كان دينهم في الحقيقة - أنه كان لسعة الدنيا ونعيمها؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ...

﴾ الآية [النساء: 72]، وقوله -  -: ﴿ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَن يَجْعَلَ ٱللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً...

﴾ الآية.

يحتمل هذا - أيضاً - وجهين: يحتمل: لن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا في الحجج في الدنيا، أي ليس للكافرين الحجة على المؤمنين في الدنيا من شيء، إلا أن يموه عليه، ويفتعل به [و]يعجز المؤمن في إقامة الحجة عليه، ودفع تمويهاته؛ وإلا ليس للكافر حجة يقيمها على المؤمن في الدنيا.

ويحتمل: ﴿ وَلَن يَجْعَلَ ٱللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً ﴾ في الآخرة، على دفع شهادتهم التي شهدوا عليهم؛ لأن أمة محمد  يشهدون عليهم؛ كقوله -  -: ﴿ لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ  ﴾ ثم لا سبيل لهم على دفع شهادتهم التي شهدوا عليهم، وردِّها، والله أعلم.

وأيضاً: ﴿ وَلَن يَجْعَلَ ٱللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً ﴾ : في الحجة، أو في الشهادة، أو عند الله في الخصومة، وإنما دعوا إلى كتبهم إذا أجابوا الله فيما دعاهم إلى الإيمان بالكتب والرسل - عليهم السلام - أو في النصر؛ فيرجع أمره إلى العواقب، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ ﴾ .

الاستحواذ: الغلبة.

وقيل: الاستيلاء.

وقال بعضهم: ألم نخبركم بعورة محمد وأصحابه ونطلعكم على سرهم، ونكتب به إليكم؟!.

وعن ابن عباس -  -: ألم نحط من وراءكم؟!.

وفي حرف ابن مسعود -  -: "ألم نستحوذ عليكم ومنعناكم من المؤمنين؟!.".

قال الكسائي: هذا في كلام العرب كثير ظاهر، ومعنى ﴿ أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ ﴾ - إنا استحوذنا ومنعناكم، وهو ظريف.

وأصل الاستحواذ الغلبة والقهر، وهو ما ذكرنا أنهم يُجبنونَ أصحاب النبي  يقولون: ﴿ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَٱخْشَوْهُمْ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ ﴾ .

وحكم الله بينهم - والله أعلم - هو أن يُنزل المؤمنين الجنة، والمنافقين النار.

﴿ وَلَن يَجْعَلَ ٱللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً ﴾ في الحجة؛ على ما ذكرنا، وكذلك روي عن ابن عباس -  -: قال: حجة.

وقيل: ظهوراً عليهم، لكن الأول أشبه.

ويحتمل ما ذكرنا من الشهادة - أنه جعل يوم القيامة للمؤمنين الشهادة عليهم؛ ولم يجعل لهم إلى دفعها وردها على أنفسهم سبيلا، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

هذا العذاب لأنهم اتخذوا الكفار أنصارًا وأعوانًا من دون المؤمنين، وإنه لعجب ذلك الذي جعلهم يوالونهم، أيطلبون عندهم القوة والمنعة ليرتفعوا بها؟!

فإن القوة والمنعة كلها لله.

<div class="verse-tafsir" id="91.jNkYE"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

يقال في سبب النزول: إنه اجتمع نفر من المسلمين واليهود والنصارى وتكلم كل في تفضيل دينه فنزل قوله تعالى: ﴿ لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ  ﴾ الآية، والمعنى بناء على ذلك: ليس شرف الدين وفضله ولا نجاة أهله به أن يقول القائل منهم إن ديني أفضل وأكمل، وأحق وأثبت، وإنما عليه إذا كان موقنًا به أن يعمل بما يهديه إليه فإن الجزاء إنما يكون على العمل لا على التمني والغرور، فلا أمر نجاتكم أيها المسلمون منوطًا بأمانيكم في دينكم، ولا أمر نجاة أهل الكتاب منوطًا بأمانيهم في دينهم، فإن الأديان ما شرعت للتفاخر والتباهي، ولا تحصل فائدتها بمجرد الانتماء إليها والتمدح بها بلوك الألسنة والتشدق في الكلام، بل شرعت للعمل، والآية مرتبطة بما قبلها سواء صح ما روي في سبب نزولها أم لم يصح، لأن قوله تعالى: ﴿ يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ  ﴾ في الآيات التي قبلها يدخل فيه الأماني التي كان يتمناها أهل الكتاب غرورًا بدينهم إذ كانوا يرون أنهم شعب الله الخاص ويقولون إنهم أبناء الله وأحباؤه وأنه لن تمسهم النار إلا أيامًا معدودة، وأنه لن يدخل الجنة إلا من كان هودًا أو نصارى، وغير ذلك مما يقولون ويدعون، وإنما سرى هذا الغرور إلى أهل الأديان من اتكالهم على الشفاعات، وزعمهم أن فضلهم على غيرهم من البشر بمن بعث فيهم من الأنبياء لذاتهم، فهم بكرامتهم يدخلون الجنة وينجون من العذاب لا بأعمالهم، فحذرنا الله أن نكون مثلهم، وكانت هذه الأماني قد دبت إلى المسلمين في عصر النبي  بدليل قوله تعالى في سورة الحديد: ﴿ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ  ﴾ الآية، فهذا خطاب للذين كانوا ضعفاء الإيمان من المسلمين في العصر الأول ولأمثالهم في كل زمان والله عليم بما كانوا عليه حين أنزل هذه الموعظة وبما آل وما يؤول إليه أمرهم بعد ذلك، ولو تدبروا قوله لما كان لأمثال هذه الأماني عليهم من سلطان فقد بين لهم طرق الغرور ومداخل الشيطان فيها.

وقد روي حديث عن الحسن: "ليس الإيمان بالتمني ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل"، وقال الحسن: إن قومًا غرتهم المغفرة فخرجوا من الدنيا وهم مملؤون بالذنوب ولو صدقوا لأحسنوا العمل.

إن كثيرًا من الناس يقولون تبعًا لمن قبلهم في أزمنة مضت: إن الإسلام أفضل الأديان، أي دين أصلح إصلاحه؟

أي دين أرشد إرشاده؟

أي شرع كشرعه في كماله؟

ولو سئل الواحد منهم ماذا فعل الإسلام؟

وبماذا يمتاز على غيره من الأديان؟

لا يحير جوابًا.

وإذا عرضت عليه شبهة على الإسلام وسئل كشفها حاص حيصة الحمر وقال أعوذ بالله، أعوذ بالله، والضال يبقى على ضلاله، والطاعن في الدين يتمادى في طعنه، والمغرور يسترسل في غروره، فالكلام كثير ولا علم ولا عمل يرفع شأن الإسلام والمسلمين.

﴿ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ  ﴾ وإذا طبقنا المسألة على سنة الله التي لا تبديل لها ولا تحويل علمنا أن مصائب الدنيا تكون جزاء على ما يقصر فيه الناس من السير على سنن الفطرة وطلب الأشياء من أسبابها، واتقاء المضرات باجتناب عللها، ﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ  ﴾ .

﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا  ﴾ تقدم في الآيات السابقة وصف الضالين الذين لا يستعملون عقولهم في فهم الدين وآياته وذكر حظ الشيطان منهم وإشغاله بالأماني الخادعة، ثم بين أن أمر الآخرة ليس بالأماني وإنما هو بالعمل والإيمان، وأن العبرة عند الله بالقلوب والأعمال، والحقيقة واحدة لا تختلف باختلاف الأوقات والأحوال، ولا تتبدل بتبديل الأجيال والآجال، ثم زاد هذا بيانا بهذه الآية فبيّن أن صفوة الأديان التي ينتحلها الناس هي ملة إبراهيم في إخلاص التوحيد وإحسان العمل، وعبر عن توجه القلب بإسلام الوجه لأن الوجه أعظم مظهر لما في النفس من الإقبال والإعراض، والخشوع والسرور والكآبة وغير ذلك، وقد يظهر بعض الناس الخضوع أو الاحترام للآخر بإشارة اليد ولكن هذا يكون بالتعمل ويعرف بالمواضعة، وما يظهر في الوجه هو الفطري الذي يدل على السريرة وهو يتمثل في كل جزء منه كالعينين والجبهة والحاجبين والأنف والحركة، فإسلام الوجه لله هو تركه له بأن يتوجه إليه وحده في طلب حاجاته وإظهار عبوديته، وهو كمال التوحيد وأعلى درجات الإيمان.

وأما الإحسان فهو إحسان العمل -خلافًا (للجلال) فيهما إذا عكس- واتباع ملة إبراهيم يراد به فيما يظهر ما أشار إليه في قوله  : ﴿ شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ  ﴾ فإقامة الدين مرتبة فوق مرتبة التدين المطلق وهي العمل به على وجه الكمال بحيث يقوم بناؤه ويثبت، وعدم التفرق فيه والتعادي بين أهله، ﴿ وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا  ﴾ أي اصطفاه لتوحيده وإقامه دينه في زمن وبلاد غلبت عليها الوثنية، وقوم أفسد الشرك عقولهم ودنس فطرتهم، فكان إبراهيم خالصًا مخلصًا لله، وبهذا المعنى سماه الله خليلاً، وإذا أراد الله أن يكرم عبدًا من عباده أطلق عليه ما شاء، وإلا فإن المعنى المتبادر من لفظ الخليل في استعمالنا له يتنزه الله عنه فإن الخلة بين الخليلين إنما تتحقق بشيء من المساواة بينهما وهي من مادة التخلل الذي هو بمعنى الامتزاج والاختلاط.

﴿ وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا  ﴾ ختم هذا السياق بهذه الآية لفوائد: إحداها: التذكير بقدرته تعالى على إنجاز وعده ووعيده في الآيات التي قبلها فإن له ما في السموات والأرض خلقًا وملكًا وهو أكرم من وعد وأقدر من أوعد.

ثانيها: بيان الدليل على أنه المستحق وحده لإسلام الوجه له والتوجه إليه في كل حال، وهذا هو روح الدين وجوهره لأنه هو المالك لكل شيء وغيره لا يملك بنفسه شيئًا، فكيف يتوجه العاقل إلى من لا يملك شيئًا ويترك التوجه إلى مالك كل شيء أو يشرك به غيره في التوجه ولو لأجل قربة منه؟

ثالثها: نفى ما ربما يسبق إلى بعض الأذهان من اللوازم العادية في اتخاذ الله إبراهيم خليلاً- كأن يتوهم أحد أن هنالك شيئًا من المناسبة أو المقاربة في حقيقة الذات أو الصفات، فبين تعالى أن كل ما في السموات والأرض ملك له ومن خلقه مهما اختلفت صفات تلك المخلوقات ومراتبها في أنفسها وبنسبة بعضها إلى بعض، فإذا هي نسبت إليه فهو الخالق المالك المعبود وهي مخلوقات مملوكة عابدة له خاضعة لأمره التكويني ﴿ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا  ﴾ .

فسروا الإحاطة بالقدرة والقهر ويصح أن يكون إحاطة وجود لأن هذه الموجودات ليس وجودها من ذاتها، ولا هي ابتدعت نفسها وإنما وجودها مستمد من ذلك الوجود الواجب الأعلى فالوجود الإلهي هو المحيط بكل موجود فوجب أن يخلص الخلق له ويتوجه إليه العباد وحده ولا يشركوا به أحدًا من خلقه.

متفرقات آيات من سورة الحج [مسألة الغرانيق].

الترتيب والتعقيب -الشفاعة- والتكرار: في القرآن.

آية من سورة الأحزاب [مسألة زيد وزينب].

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.1 / 29.5
الإضاءة 27%
البدر بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله