الإسلام > القرآن > سور > سورة 4 النساء > الآية ١٤٣ من سورة النساء
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 79 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٤٣ من سورة النساء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله : ( مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ) يعني : المنافقين محيرين بين الإيمان والكفر ، فلا هم مع المؤمنين ظاهرا وباطنا ، ولا مع الكافرين ظاهرا وباطنا ، بل ظواهرهم مع المؤمنين ، وبواطنهم مع الكافرين .
ومنهم من يعتريه الشك ، فتارة يميل إلى هؤلاء ، وتارة يميل إلى أولئك ( كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا ) الآية [ البقرة : 20 ] .
قال مجاهد : ( مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ) يعني : أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ( ولا إلى هؤلاء ) يعني : اليهود .
وقال ابن جرير : حدثنا محمد بن المثنى ، حدثنا عبد الوهاب ، حدثنا عبيد الله ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين ، تعير إلى هذه مرة ، وإلى هذه مرة ، ولا تدري أيتهما تتبع " .
تفرد به مسلم .
وقد رواه عن محمد بن المثنى مرة أخرى ، عن عبد الوهاب ، فوقف به على ابن عمر ، ولم يرفعه ، قال : حدثنا به عبد الوهاب مرتين كذلك .
قلت : وقد رواه الإمام أحمد ، عن إسحاق بن يوسف بن عبيد الله ، به مرفوعا .
وكذا رواه إسماعيل بن عياش وعلي بن عاصم ، عن عبيد الله ، عن نافع ، عن ابن عمر مرفوعا .
وكذا رواه عثمان بن محمد بن أبي شيبة ، عن عبدة ، عن عبد الله ، به مرفوعا .
ورواه حماد بن سلمة ، عن عبيد الله - أو عبد الله بن عمر - عن نافع ، عن ابن عمر مرفوعا .
ورواه أيضا صخر بن جويرية ، عن نافع عن ابن عمر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، بمثله .
وقال الإمام أحمد : حدثنا خلف بن الوليد ، حدثنا الهذيل بن بلال ، عن ابن عبيد ، عن أبيه : أنه جلس ذات يوم بمكة وعبد الله بن عمر معه ، فقال أبي : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن مثل المنافق يوم القيامة كالشاة بين الربيضين من الغنم ، إن أتت هؤلاء نطحتها ، وإن أتت هؤلاء نطحتها " فقال له ابن عمر : كذبت .
فأثنى القوم على أبي خيرا - أو معروفا - فقال ابن عمر : لا أظن صاحبكم إلا كما تقولون ، ولكني شاهد نبي الله إذ قال : كالشاة بين الغنمين .
فقال : هو سواء .
فقال : هكذا سمعته .
وقال أحمد : حدثنا يزيد ، حدثنا المسعودي ، عن أبي جعفر محمد بن علي قال : بينما عبيد بن عمير يقص ، وعنده عبد الله بن عمر ، فقال عبيد بن عمير : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " مثل المنافق كالشاة بين ربيضين ، إذا أتت هؤلاء نطحتها ، وإذا أتت هؤلاء نطحتها " .
فقال ابن عمر : ليس كذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كشاة بين غنمين " .
قال : فاحتفظ الشيخ وغضب ، فلما رأى ذلك ابن عمر قال : أما إني لو لم أسمعه لم أردد ذلك عليك .
طريق أخرى : عن ابن عمر ، قال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق ، أخبرنا معمر ، عن عثمان بن بودويه ، عن يعفر بن زوذى قال : سمعت عبيد بن عمير وهو يقص يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " مثل المنافق كمثل الشاة الرابضة بين الغنمين " .
فقال ابن عمر : ويلكم .
لا تكذبوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم .
إنما قال صلى الله عليه وسلم : " مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين " .
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا عبيد الله بن موسى ، أخبرنا إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن أبي الأحوص ، عن عبد الله - هو ابن مسعود - قال : مثل المؤمن والمنافق والكافر مثل ثلاثة نفر انتهوا إلى واد ، فدفع أحدهم فعبر ، ثم وقع الآخر حتى إذا أتى على نصف الوادي ناداه الذي على شفير الوادي : ويلك .
أين تذهب ؟
إلى الهلكة ؟
ارجع عودك على بدئك ، وناداه الذي عبر : هلم إلى النجاة .
فجعل ينظر إلى هذا مرة وإلى هذا مرة ، قال : فجاءه سيل فأغرقه ، فالذي عبر المؤمن ، والذي غرق المنافق : ( مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ) والذي مكث الكافر وقال ابن جرير : حدثنا بشر ، حدثنا يزيد ، حدثنا شعبة عن قتادة : ( مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ) يقول : ليسوا بمؤمنين مخلصين ولا مشركين مصرحين بالشرك .
قال : وذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يضرب مثلا للمؤمن وللمنافق وللكافر ، كمثل رهط ثلاثة دفعوا إلى نهر ، فوقع المؤمن فقطع ، ثم وقع المنافق حتى إذا كاد يصل إلى المؤمن ناداه الكافر : أن هلم إلي ، فإني أخشى عليك .
وناداه المؤمن : أن هلم إلي ، فإني عندي وعندي ; يحصى له ما عنده .
فما زال المنافق يتردد بينهما حتى أتى أذى فغرقه .
وإن المنافق لم يزل في شك وشبهة ، حتى أتى عليه الموت وهو كذلك .
قال : وذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول : " مثل المنافق كمثل ثاغية بين غنمين ، رأت غنما على نشز فأتتها وشامتها فلم تعرف ، ثم رأت غنما على نشز فأتتها وشامتها فلم تعرف " .
ولهذا قال تعالى : ( ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا ) أي : ومن صرفه عن طريق الهدى ( فلن تجد له وليا مرشدا ) فإنه : ( من يضلل الله فلا هادي له ) والمنافقون الذين أضلهم عن سبيل النجاة فلا هادي لهم ، ولا منقذ لهم مما هم فيه ، فإنه تعالى لا معقب لحكمه ، ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون .
القول في تأويل قوله : مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إِلَى هَؤُلاءِ وَلا إِلَى هَؤُلاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلا (143) قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: " مذبذبين "، مردّدين.
* * * وأصل " التذبذب "، التحرك والاضطراب، كما قال النابغة: أَلــم تَـرَ أَنَّ اللـه أَعْطَـاكَ سُـورَةً تَــرَى كُـلَّ مَلْـكٍ دُونَهَـا يَتَذَبْـذَبُ (23) * * * وإنما عنى الله بذلك: أن المنافقين متحيِّرون في دينهم، لا يرجعون إلى اعتقاد شيء على صحة، فهم لا مع المؤمنين على بصيرة، ولا مع المشركين على جهالة، ولكنهم حيارَى بين ذلك، فمثلهم المثلُ الذي ضرب لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي:- 10728- حدثنا به محمد بن المثنى قال، حدثنا عبد الوهاب قال، حدثنا عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: مَثَلُ المنافق كمثل الشَّاة العائرة بين الغنمين، تَعِير إلى هذه مرة، وإلى هذه مرة، لا تدري أيَّهُما تَتْبع!
10729- وحدثنا به محمد بن المثنى مرة أخرى، عن عبد الوهاب، فَوقفه على ابن عمر، ولم يرفعه قال، حدثنا عبد الوهاب مرتين كذلك.
(24) 10730- حدثني عمران بن بكار قال، حدثنا أبو روح قال، حدثنا ابن عياش قال، حدثنا عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مثله.
(25) * * * وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل.
*ذكر من قال ذلك: 10731- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء "، يقول: ليسوا بمشركين فيظهروا الشرك، وليسوا بمؤمنين.
10732- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: " مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء "، يقول: ليسوا بمؤمنين مخلصين، ولا مشركين مصرِّحين بالشرك.
قال: وذُكر لنا أن نبيّ الله عليه السلام كان يضرب مَثَلا للمؤمن والمنافق والكافر، كمثل رَهْط ثلاثة دَفعوا إلى نهر، فوقع المؤمن فقَطع، ثم وقع المنافق حتى إذا كاد يصل إلى المؤمن ناداه الكافر: أن هلم إليَّ، فإنيّ أخشى عليك!
وناداه المؤمن: أن هلم إليّ، فإن عندي وعندي!
يحصي له ما عنده.
فما زال المنافق يتردَّد بينهما حتى أتى عليه آذيٌّ فغرَّقه.
(26) وإن المنافق لم يزل في شك وشبهة، حتى أتى عليه الموت وهو كذلك.
قال: وذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: مثل المنافق كمثل ثاغِيَة بين غنمين، (27) رأت غَنمًا على نَشَزٍ فأتتها فلم تعرف، (28) ثم رأت غنمًا على نَشَزٍ فأتتها وشامَّتها فلم تعرف.
(29) 10733- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: " مذبذبين "، قال: المنافقون.
10734- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء "، يقول: لا إلى أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، ولا إلى هؤلاء اليهود.
10735- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا حجاج، عن ابن جريج، قوله: " مذبذبين بين ذلك "، قال: لم يخلصوا الإيمان فيكونوا مع المؤمنين، وليسوا مع أهل الشرك.
10736- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " مذبذبين بين ذلك "، بين الإسلام والكفر=" لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ".
* * * وأما قوله: " ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا "، فإنه يعني: من يخذُله الله عن طريق الرشاد، وذلك هو الإسلام الذي دعا الله إليه عباده.
يقول: من يخذله الله عنه فلم يوفقه له=" فلن تجد له "، يا محمد=" سبيلا "، يعني: طريقًا يسلُكه إلى الحق غيره.
وأيّ سبيل يكون له إلى الحق غير الإسلام؟
وقد أخبر الله جل ثناؤه: أنه من يبتغ غيره دينًا فلن يُقبل منه، ومن أضله الله عنه فقد غَوَى فلا هادي له غيره.
(30) ------------- الهوامش: (23) مضى البيت وتخريجه وشرحه ، في 1 : 105.
(24) الأثران: 10728 ، 10729 - إسناده صحيح.
"عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي" ثقة.
مضى مرارًا كثيرة.
"عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم" ثقة ، مضى مرارًا.
وهذا الأثر رواه مسلم 17 : 128 ، من طريق محمد بن المثنى ، عن عبد الوهاب الثقفي ، بلفظه ، إلا أنه لم يذكر فيه: "لا تدري أيهما تتبع".
ورواه أيضًا من طريق محمد بن عبد الله بن نمير ، عن أبيه ، عن عبيد الله.
ومن طريق أبي بكر بن أبي شيبة ، عن أبي أسامة ، عن عبد الله.
ورواه أحمد في المسند: 5079 ، من طريق إسحاق بن يوسف ، عن عبيد الله ، مع اختلاف يسير في لفظه.
ورواه أيضًا في المسند: 5790 ، من طريق محمد بن عبيد ، عن عبيد الله ، بمثل لفظ أبي جعفر.
ورواه بمعناه في المسند ، الآثار رقم: 472 ، 5359 ، 5546 ، 5610.
واستوفى تخريجه أخي السيد أحمد في شرح المسند ، وزاد في تخريجه الحافظ ابن كثير في تفسيره 2 : 611 ، فراجعه هناك.
وكان في المطبوعة: "لا تدري أيتهما تتبع" ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو مطابق لرواية أحمد في المسند.
"الشاة العائرة": هي المترددة بين قطيعين لا تدري أيهما تتبع.
من قولهم: "عار الفرس والكلب وغيرهما يعير عيارًا" ، ذهب كأنه منفلت من صاحبه ، فهو يتردد هنا وهنا.
وقوله: "تعير إلى هذه مرة" ، أي: تذهب في ترددها إلى هذه مرة ، وإلى هذه مرة.
(25) الأثر: 10730 - مكرر الأثرين السالفين."عمران بن بكار الكلاعي" شيخ الطبري ، ثقة ، مضى برقم: 2071 ، وروى عنه الطبري في مواضع كثيرة سالفة.
و"أبو روح" هو: "الربيع بن روح الحمصي" ، أبو روح الحضرمي ثقة.
مضى برقم: 8164.
و"ابن عياش": هو: "إسماعيل بن عياش الحمصي" ، مضى برقم 5445 ، 8164.
وكان في المطبوعة والمخطوطة: "ابن عباس" ، وهو خطأ.
وطريق ابن عياش ، عن عبيد الله ، مرفوعًا ، أشار إليها الحافظ ابن كثير في تفسيره 2 : 611.
(26) في المطبوعة: "حتى أتى عليه الماء فغرقه" ، وفي المخطوطة: "حتى أتى عليه أذى يغرقه" ، وصواب ذلك كله ما أثبت.
"الآذى": الموج الشديد.
وقال ابن شميل: "آذى الماء" ، الأطباق التي تراها ترفعها من متنه الريح ، دون الموج.
(27) "الثاغية": الشاة."ثغت الشاة تثغو ثغاء": صاحت.
(28) "النشز": المتن المرتفع من الأرض أو الوادي ، كأنه رابية.
(29) "شامتها": دنت إليها وشمتها لتعرف أهي أخواتها أم غيرها.
ومنه قيل"شاممت فلانًا" إذا قاربته ، ابتغاء أن تعرف ما عنده بالاختبار والكشف.
وهو"مفاعلة" من"الشم".
(30) انظر تفسير: "الضلال" ، و"السبيل" فيما سلف من فهارس اللغة.
قوله تعالى : مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلاالمذبذب : المتردد بين أمرين ؛ والذبذبة الاضطراب .
يقال : ذبذبته فتذبذب ؛ ومنه قول النابغة :ألم تر أن الله أعطاك سورة ترى كل ملك دونها يتذبذبآخر :خيال لأم السلسبيل ودونها مسيرة شهر للبريد المذبذبكذا روي بكسر الذال الثانية .قال ابن جني : أي المهتز القلق الذي لا يثبت ولا يتمهل .
فهؤلاء المنافقون مترددون بين المؤمنين والمشركين ، لا مخلصين الإيمان ولا مصرحين بالكفر .
وفي صحيح مسلم من حديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم : مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين تعير إلى هذه مرة وإلى هذه أخرى وفي رواية ( تكر ) بدل ( تعير ) .
وقرأ الجمهور " مذبذبين " بضم الميم وفتح الذالين .
وقرأ ابن عباس بكسر الذال الثانية .
وفي حرف أبي " متذبذبين " .
ويجوز الإدغام على هذه القراءة " مذبذبين " بتشديد الذال الأولى وكسر الثانية .
وعن الحسن " مذبذبين " بفتح الميم والذالين .
{ مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ } أي: مترددين بين فريق المؤمنين وفريق الكافرين.
فلا من المؤمنين ظاهرا وباطنا، ولا من الكافرين ظاهرا وباطنا.
أعطوا باطنهم للكافرين وظاهرهم للمؤمنين، وهذا أعظم ضلال يقدر.
ولهذا قـال: { وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا } أي: لن تجد طريقا لهدايته ولا وسيلة لترك غوايته، لأنه انغلق عنه باب الرحمة، وصار بدله كل نقمة.
فهذه الأوصاف المذمومة تدل بتنبيهها على أن المؤمنين متصفون بضدها، من الصدق ظاهرا وباطنا، والإخلاص، وأنهم لا يجهل ما عندهم، ونشاطهم في صلاتهم وعباداتهم، وكثرة ذكرهم لله تعالى.
وأنهم قد هداهم الله ووفقهم للصراط المستقيم.
فليعرض العاقل نفسه على هذين الأمرين وليختر أيهما أولى به، وبالله المستعان.
( مذبذبين بين ذلك ) أي : مترددين متحيرين بين الكفر والإيمان ، ( لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ) أي : ليسوا من المؤمنين فيجب لهم ما يجب للمؤمنين ، وليسوا من الكفار فيؤخذ منهم ما يؤخذ من الكفار ، ( ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا ) أي : طريقا إلى الهدى .
أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر الجرجاني ، قال أخبرنا عبد الغافر بن محمد الفارسي ، أنا محمد بن عيسى الجلودي ، أنا إبراهيم بن محمد بن سفيان ، أنا مسلم بن الحجاج ، أنا محمد بن المثنى ، أنا عبد الوهاب ، يعني الثقفي أنا عبد الله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين ، تعير إلى هذه مرة وإلى هذه مرة " .
«مذبذبين» مترددين «بين ذلك» الكفر والإيمان «لا» منسوبين «إلى هؤلاء» أي الكفار «ولا إلى هؤلاء» أي المؤمنين «ومن يضللـ» ـه «الله فلن تجد له سبيلا» طريقا إلى الهدى.
إنَّ مِن شأن هؤلاء المنافقين التردد والحَيْرة والاضطراب، لا يستقرون على حال، فلا هم مع المؤمنين ولا هم مع الكافرين.
ومن يصرف الله قلبه عن الإيمان به والاستمساك بهديه، فلن تجد له طريقًا إلى الهداية واليقين.
وقوله : ( مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلك ) حال من فاعل يراءون واسم الإِشارة " ذلك " مشار به إلى الإِيمان والكفر المدلول عليه بذكر المؤمنين والكافرين .قال القرطبى : المذبذب : المتردد بين أمرين .
والذبذبة : الاضطراب .
يقال : ذبذبته فتذبذب .
ومنه قول النابغة - فى مدح النعمان بل المنذر -ألم تر أن الله أعطاك سورة ...
ترى كل ملك دونها يتذبذبأى : يضطرب وقال ابن جنى : المذبذب : المهتز القلق الذى لا يثبت ولا يتمهل .
فهؤلاء المنافقون مترددون بين المؤمنين والمشركين .
لا مخلصين للإِيمان ولا مصرحين بالكفر .
وفى صحيح مسلم من حيث ابن عمر عن النبى صلى الله عليه وسلم : " مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين - أى المترددة بين قطعتين - تعير إلى هذه مرة وإلى هذه أخرى " .وقوله ( إلى هؤلاء وَلاَ إِلَى هؤلاء ) فى محل نصب على أنه حال من ضمير ( مُّذَبْذَبِينَ ) أو على أنه بيان وتفسير له .وقوله : ( وَمَن يُضْلِلِ الله فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً ) أى : ومن يضلله الله - تعالى - عن طريق الحق ، بسبب إيثاره الغواية على الهداية .
فلن تجد له سبيلا يوصله إلى الصراط المسقيم .
وفيه مسائل: المسألة الأولى: مذبذبين.
إما حال من قوله: ﴿ يراؤن ﴾ أو من قوله: ﴿ لاَ يَذْكُرُونَ الله إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ ويحتمل أن يكون منصوباً على الذم.
المسألة الثانية: مذبذبين: أي متحيرين، وحقيقة المذبدب الذي يذب عن كلا الجانبين، أي يرد ويدفع فلا يقر في جانب واحد، إلا أن الذبذبة فيها تكرير وليس في الذب، فكان المعنى كلما مال إلى جانب ذب عنه.
وأعلم أن السبب في ذلك أن الفعل يتوقف على الداعي، فإن كان الداعي إلى الفعل هو الأغراض المتعلقة بأحوال هذا العالم كثر التذبذب والاضطراب، لأن منافع هذا العالم وأسبابه متغيرة سريعة التبدل، وإذا كان الفعل تبعاً للداعي، والداعي تبعاً للمقصود ثم إن المقصود سريع التبدل والتغير لزم وقوع التغير في الميل والرغبة، وربما تعارضت الدواعي والصوارف فيبقى الإنسان في الحيرة والتردد.
أما من كان مطلوبه في فعله إنشاء الخيرات الباقية، واكتساب السعادات الروحانية، وعلم أن تلك المطالب أمور باقية بريئة عن التغير والتبدل لا جرم كان هذا الإنسان ثابتاً راسخاً فلهذا المعنى وصف الله تعالى أهل الإيمان بالثبات فقال: ﴿ يُثَبّتُ الله الذين ءامَنُواْ ﴾ وقال: ﴿ أَلاَ بِذِكْرِ الله تَطْمَئِنُّ القلوب ﴾ وقال: ﴿ يأَيَّتُهَا النفس المطمئنة ﴾ .
المسألة الثالثة: قرأ ابن عباس ﴿ مُّذَبْذَبِينَ ﴾ بكسر الذال الثانية، والمعنى يذبذبون قلوبهم أو دينهم أو رأيهم، بمعنى يتذبذبون كما جاء صلصل وتصلصل بمعنى، وفي مصحف عبد الله بن مسعود: متذبذبين، وعن أبي جعفر: مدبدبين بالدال المهملة، وكأن المعنى أنهم تارة يكونون في دبة وتارة في أخرى، فلا يبقون على دبة واحدة والدبة الطريقة وهي التي تدب فيها الدواب.
المسألة الرابعة: قوله: ﴿ بَيْنَ ذلك ﴾ أي بين الكفر والإيمان، أو بين الكافرين والمؤمنين، وكلمة ﴿ ذلك ﴾ يشار به إلى الجماعة، وقد تقدم تقريره في تفسير قوله: ﴿ عَوَانٌ بَيْنَ ذلك ﴾ وذكر الكافرين والمؤمنين قد جرى في هذه القصة عند قوله: ﴿ الذين يَتَّخِذُونَ الكافرين أَوْلِيَاء مِن دُونِ المؤمنين ﴾ وإذا جرى ذكر الفريقين فقد جرى ذكر الكفر والإيمان قال قتادة: معنى الآية ليسوا مؤمنين مخلصين ولا مشركين مصرحين بالشرك.
المسألة الخامسة: احتج أصحابنا بهذه الآية على أن الحيرة في الدين إنما تحصل بإيجاد الله تعالى وقالوا: إن قوله: ﴿ مُّذَبْذَبِينَ ﴾ يقتضي فاعلاً قد ذبذبهم وصيرهم متحيرين مترددين، وذلك ليس باختيار العبد، فإن الإنسان إذا وقع في قلبه الدواعي المتعارضة الموجبة للتردد والحيرة، فلو أراد أن يدفع ذلك التردد عن نفسه لم يقدر عليه أصلاً، ومن رجع إلى نفسه وتأمل في أحواله علم أن الأمر كما ذكرنا، وإذا كانت تلك الذبذبة لابد لها من فاعل، وثبت أن فاعلها ليس هو العبد ثبت أن فاعلها هو الله تعالى، فثبت أن الكل من الله تعالى.
فإن قيل: قوله تعالى: ﴿ لاَ إلى هَؤُلاء وَلاَ إِلَى هَؤُلاء ﴾ يقتضي ذمهم على ترك طريقة المؤمنين وطريقة الكافرين، وذلك يقتضي أنه تعالى ما ذمهم على طريقة الكفار وإنه غير جائز.
قلنا: إن طريقة الكفار وإن كانت خبيثة إلا أن طريقة النفاق أخبث منها، ولذلك فإنه تعالى ذم الكفار في أول سورة البقرة في آيتين، وذم المنافقين في بضع عشرة آية، وما ذاك إلا أن طريقة النفاق أخبث من طريقة الكفار، فهو تعالى إنما ذمهم لا لأنهم تركوا الكفر، بل لأنهم عدلوا عنه إلى ما هو أخبث منه.
ثم قال تعالى: ﴿ وَمَن يُضْلِلِ الله فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً ﴾ واحتج أصحابنا بهذه الآية على قولهم من وجهين: الأول: أن ذكر هذا الكلام عقيب قوله: ﴿ مُّذَبْذَبِينَ ﴾ يدل على أن تلك الذبذبة من الله تعالى، وإلا لم يتصل هذا الكلام بما قبله.
والثاني: أنه تصريح بأن الله تعالى أضله عن الدين.
قالت المعتزلة: معنى هذا الإضلال سلب الألطاف، أو هو عبارة عن حكم الله عليه بالضلال، أو هو عبارة عن أن الله تعالى يضله يوم القيامة عن طريق الجنة، وهذه الوجوه قد تكلمنا عليها مراراً.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يخادعون الله ﴾ يفعلون ما يفعل المخادع من إظهار الإيمان وإبطان الكفر ﴿ وَهُوَ خَادِعُهُمْ ﴾ وهو فاعل بهم ما يفعل الغالب في الخداع حيث تركهم معصومي الدماء والأموال في الدنيا وأعدّ لهم الدرك الأسفل من النار في الآخرة، ولم يخلهم في العاجل من فضيحة وإحلال بأس ونقمة ورعب دائم.
والخادع: اسم فاعل من خادعته فخدعته إذا غلبته وكنت أخدع منه.
وقيل: يعطون على الصراط نوراً كما يعطى المؤمنون فيمضون بنورهم ثم يطفأ نورهم ويبقى نور المؤمنين، فينادون: انظرونا نقتبس من نوركم ﴿ كسالى ﴾ قرئ بضم الكاف وفتحها، جمع كسلان، كسكارى في سكران، أي يقومون متثاقلين متقاعسين، كما ترى من يفعل شيئاً على كره لا عن طيبة نفس ورغبة ﴿ يُرَآءُونَ الناس ﴾ يقصدون بصلاتهم الرياء والسمعة ﴿ وَلاَ يَذْكُرُونَ الله إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ ولا يصلون إلا قليلاً لأنهم لا يصلون قط غائبين عن عيون الناس إلا ما يجاهرون به، وما يجاهرون به قليل أيضاً لأنهم ما وجدوا مندوحة من تكلف ما ليس في قلوبهم لم يتكلفوه.
أو ولا يذكرون الله بالتسبيح والتهليل إلا ذكرا قليلاً في الندرة، وهكذا ترى كثيراً من المتظاهرين بالإسلام لو صحبته الأيام والليالي لم تسمع منه تهليلة ولا تسبيحة ولا تحميدة، ولكن حديث الدنيا يستغرق به أوقاته لا يفتر عنه.
ويجوز أن يراد بالقلة العدم.
فإن قلت: ما معنى المراءاة وهي مفاعلة من الرؤية؟
قلت: فيها وجهان، أحدهما: أن المرائي يريهم عمله وهم يرونه استحسانه.
والثاني: أن يكون من المفاعلة بمعنى التفعيل، فيقال: راءى الناس.
يعني رآهم، كقولك: نعمه وناعمه، وفنقه وفانقه وعيش مفانق.
روى أبو زيد: رأت المرأة المرأة الرجل، إذا أمسكتها لترى وجهه، ويدل عليه قراءة ابن أبي إسحاق: يرأونهم بهمزة مشدّدة: مثل.
يرعونهم، أي يبصرونهم أعمالهم ويراؤونهم كذلك ﴿ مُّذَبْذَبِينَ ﴾ إمّا حال نحو قوله: (ولا يذكرون) عن واو يراؤن، أي يراؤنهم غير ذاكرين مذبذبين، أو منصوب على الذم.
ومعنى (مذبذبين) ذبذبهم الشيطان والهوى بين الإيمان والكفر، فهم متردّدون بينهما متحيرون.
وحقيقة المذبذب الذي يذب عن كلا الجانبين أي يذاد ويدفع فلا يقرّ في جانب واحد، كما قيل: فلان يرمى به الرحوان إلا أن الذبذبة فيها تكرير ليس في الذب كأن المعنى: كلما مال إلى جانب ذب عنه.
وقرأ ابن عباس ﴿ مذبذبين ﴾ بكسر الذال، بمعنى يذبذبون قلوبهم أو دينهم أو رأيهم.
أو بمعنى يتذبذبون.
كما جاء: صلصل وتصلصل بمعنى.
وفي مصحف عبد الله.
متذبذبين.
وعن أبي جعفر: ﴿ مدبدبين ﴾ ، بالدال غير المعجمة وكأن المعنى: أخذ بهم تارة في دبة وتارة في دبة، فليسوا بماضين على دبة واحدة.
والدبة: الطريقة ومنها: دبة قريش.
و ﴿ ذلك ﴾ إشارة إلى الكفر والإيمان ﴿ لآ إلى هؤلاءآء ﴾ لا منسوبين إلى هؤلاء فيكونون مؤمنين ﴿ وَلاَ إلى هؤلاءآء ﴾ ولا منسوبين إلى هؤلاء فيسمون مشركين.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إنَّ المُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ وهو خادِعُهُمْ ﴾ سَبَقَ الكَلامُ فِيهِ أوَّلَ سُورَةِ البَقَرَةِ.
﴿ وَإذا قامُوا إلى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى ﴾ مُتَثاقِلِينَ كالمُكْرَهِ عَلى الفِعْلِ وقُرِئَ كَسالى بِالفَتْحِ وهُما جَمْعا كَسْلانَ.
﴿ يُراءُونَ النّاسَ ﴾ لِيَخالُوهم مُؤْمِنِينَ المُراءاةُ مُفاعَلَةٌ بِمَعْنى التَّفْعِيلِ كَنِعَمٍ وناعِمٍ أوْ لِلْمُقابَلَةِ فَإنَّ المُرائِيَ يُرِي مَن يُرائِيهِ عَمَلَهُ وهو يُرِيهِ اسْتِحْسانَهُ.
﴿ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إلا قَلِيلا ﴾ إذِ المُرائِي لا يَفْعَلُ إلّا بِحَضْرَةِ مَن يُرائِيهِ، وهو أقَلُّ أحْوالِهِ أوْ لِأنَّ ذِكْرَهم بِاللِّسانِ قَلِيلٌ بِالإضافَةِ إلى الذِّكْرِ بِالقَلْبِ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالذِّكْرِ الصَّلاةُ.
وقِيلَ الذَّكْرُ فِيها فَإنَّهم لا يَذْكُرُونَ فِيها غَيْرَ التَّكْبِيرِ والتَّسْلِيمِ.
﴿ مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ ﴾ حالٌ مِن واوِ يُراءُونَ كَقَوْلِهِ: ولا يَذْكُرُونَ، أيْ يُراءُونَهم غَيْرَ ذاكِرِينَ مُذَبْذَبِينَ أوْ واوِ يَذْكُرُونَ أوْ مَنصُوبٌ عَلى الذَّمِّ، والمَعْنى: مُرَدَّدِينَ بَيْنَ الإيمانِ والكُفْرِ مِنَ الذَّبْذَبَةِ وهي جَعْلُ الشَّيْءِ مُضْطَرِبًا، وأصْلُهُ الَّذِي بِمَعْنى الطَّرْدِ.
وقُرِئَ بِكَسْرِ الذّالِ بِمَعْنى يُذَبْذِبُونَ قُلُوبَهم أوْ دِينَهم أوْ يَتَذَبْذَبُونَ كَقَوْلِهِمْ: صَلْصَلَ بِمَعْنى تَصَلْصَلَ.
وقُرِئَ بِالدّالِ غَيْرِ المُعْجَمَةِ بِمَعْنى أخَذُوا تارَةً في دُبَّةٍ وتارَةً في دُبَّةٍ وهي الطَّرِيقَةَ.
﴿ لا إلى هَؤُلاءِ ولا إلى هَؤُلاءِ ﴾ لا مَنسُوبِينَ إلى المُؤْمِنِينَ ولا إلى الكافِرِينَ، أوْ لا صائِرِينَ إلى أحَدِ الفَرِيقَيْنِ بِالكُلِّيَّةِ.
﴿ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلا ﴾ إلى الحَقِّ والصَّوابِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَما لَهُ مِن نُورٍ ﴾ <div class="verse-tafsir"
{مذبذبين} نصب على الذم اى مررددين يعني ذبذبهم الشيطان والهوى بين الإيمان والكفر فهم مترددون بينهما متحيرون وحقيقة المذبذب الذي يذب عن كلا الجانبين أي يدفع فلا يقر في جانب واحد إلا أن الذبذبة فيها تكرير ليس في الذب {بَيْنَ ذلك} بين الكفر والإيمان {لا إلى هؤلاء} لا منسوبين إلى هؤلاء فيكونوا مؤمنين {وَلآَ إلى هؤلاء} ولا منسوبين إلى هؤلاء فيسموا مشركين {وَمَن يُضْلِلِ الله فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً} طريقاً إلى الهدى
﴿ مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ ﴿ يُراءُونَ ﴾ أوْ مِن فاعِلِ ﴿ يَذْكُرُونَ ﴾ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا مِن فاعِلِ ﴿ قامُوا)، ﴾ أوْ مَنصُوبٌ عَلى الذَّمِّ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ، وذَلِكَ إشارَةٌ إلى الإيمانِ والكُفْرِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِذِكْرِ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ، ولِذا أُضِيفَ (بَيْنَ) إلَيْهِ، ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ زَيْدٍ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ، فَيَكُونَ ما بَعْدَهُ تَفْسِيرًا لَهُ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ: الألْمَعِيُّ الَّذِي يَظُنُّ بِكَ الظَّنَّ كَأنْ قَدْ رَأى وقَدْ سَمِعا والمَعْنى مُرَدَّدِينَ بَيْنَهُما مُتَحَيَّرِينَ، قَدْ ذَبْذَبَهُمُ الشَّيْطانُ، وأصْلُ الذَّبْذَبَةِ - كَما قالَ الرّاغِبُ -: صَوْتُ الحَرَكَةِ لِلشَّيْءِ المُعَلَّقِ، ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِكُلِّ اضْطِرابٍ وحَرَكَةٍ أوْ تَرَدُّدٍ بَيْنَ شَيْئَيْنِ، والذّالُ الثّانِيَةُ أصْلِيَّةٌ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ، ومُبْدَلَةٌ مِن باءٍ عِنْدَ الكُوفِيِّينَ، وهو خِلافٌ مَعْرُوفٌ بَيْنَهم.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما (مُذَبْذِبِينَ) بِكَسْرِ الذّالِ الثّانِيَةِ، ومَفْعُولُهُ - عَلى هَذا - مَحْذُوفٌ، أيْ: مُذَبْذِبِينَ قُلُوبَهم أوْ دِينَهم أوْ رَأْيَهُمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُجْعَلَ لازَمًا، عَلى أنْ فَعْلَلَ بِمَعْنى تَفَعْلَلَ، كَما جاءَ (صَلْصَلَ) بِمَعْنى (تَصَلْصَلَ) أيْ: مُتَذَبْذِبِينَ، ويُؤَيِّدُهُ ما في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ (مُتَذَبْذِبِينَ).
وقُرِئَ بِالدّالِ غَيْرِ المُعْجَمَةِ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ (الدُّبَّةِ) بِضَمِّ الدّالِّ وتَشْدِيدِ الباءِ بِمَعْنى الطَّرِيقَةِ والمَذْهَبِ، كَما في النِّهايَةِ، ويُقالُ: هو عَلى دُبَّتِي أيْ: طَرِيقَتِي وسَمْتِي، وفي حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ: «اتَّبِعُوا دُبَّةَ قُرَيْشٍ، ولا تُفارِقُوا الجَماعَةَ» والمَعْنى - حِينَئِذٍ - أنَّهم أُخِذَ بِهِمْ تارَةً طَرِيقًا، وأُخْرى، أُخْرى.
﴿ لا إلى هَؤُلاءِ ولا إلى هَؤُلاءِ ﴾ أيْ: لا مَنسُوبِينَ إلى المُؤْمِنِينَ حَقِيقَةً لِإضْمارِهِمُ الكُفْرَ ولا إلى الكافِرِينَ لِإظْهارِهِمُ الإيمانَ، أوْ لا صائِرِينَ إلى الأوَّلِينَ ولا إلى الآخِرِينَ، ومَحَلُّهُ النَّصْبُ عَلى أنَّهُ حالٌ مِن ضَمِيرٍ (مُذَبْذَبِينَ) أوْ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِنهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بَيانًا وتَفْسِيرًا لَهُ.
﴿ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ ﴾ لِعَدَمِ اسْتِعْدادِهِ لِلْهِدايَةِ والتَّوْفِيقِ ﴿ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلا ﴾ مُوَصِّلًا إلى الحَقِّ والصَّوابِ، فَضْلًا عَنْ أنْ تَهْدِيَهُ إلَيْهِ، والخِطابُ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لَهُ، وهو أبْلَغُ في التَّفْظِيعِ.
<div class="verse-tafsir"
الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ يعني ينتظرون بكم الدوائر، وهو تغيير الحال عليكم فَإِنْ كانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ يعني النصرة والغلبة على العدو قالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ فأعطونا من الغنيمة وَإِنْ كانَ لِلْكافِرِينَ نَصِيبٌ يعني الظفر والغلبة على المؤمنين قالُوا للكفار أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ يعني: ألم نخبركم بصورة المسلمين ونطلعكم على سرهم، ونخبركم عن حالهم.
ويقال: أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ يعني: ألم نغلب عليكم بالمودة لكم.
والاستحواذ هو الاستيلاء على الشيء، كقوله تعالى اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ [المجادلة: 19] ثم قال: وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ يعني نجادل المؤمنين عنكم ونجنبهم عنكم.
قال الله تعالى: فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أي بين المؤمنين والمنافقين والكافرين وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا أي الحجة، ويقال: دولة دائمة أي لا تدوم دولتهم.
وروي عن علي كرم الله وجهه، أنه سئل عن قوله عز وجل إن الله تعالى يقول: وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا وهم يسلطون علينا ويغلبوننا، فقال: لا يسلط الكافر على المؤمن في الآخرة يوم القيامة.
ثم بين حال المنافقين في الدنيا وخداعهم، فقال تعالى: إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ أي يظنون أنهم يخادعون الله وَهُوَ خادِعُهُمْ أي يجازيهم جزاء خداعهم، وهو أنهم يمشون مع المؤمنين على الصراط يوم القيامة، ثم يسلبهم النور فيبكون في ظلمة.
ثم قال تعالى: وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ يعني المنافقين قامُوا كُسالى أي متثاقلين يُراؤُنَ النَّاسَ أي لا يرونها حقاً، ويصلون مراءاة للناس وسمعة وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا قال ابن عباس: لو كان ذلك القليل لله تعالى لكان كثيراً وتقبل منهم، ولكن لن يريدوا به وجه الله تعالى.
ثم قال: مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ أي مترددين.
ويقال: منفضحين بين ذلك لاَ إِلى هؤُلاءِ وَلا إِلى هؤُلاءِ يعني ليسوا مع المؤمنين في التصديق، ولا مع اليهود في الظاهر وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ أي من يخذله الله عن الهدى فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا أي مخرجا.
ثم قال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أي صدقوا.
قال مقاتل: الذين آمنوا بزعمهم وهم المنافقون لاَ تَتَّخِذُوا الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ويقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا في الظاهر وأسروا النفاق.
ويقال: يعني المؤمنين المخلصين، كانت بينهم وبين اليهود صداقة، وكانوا يأتونهم فنهاهم الله تعالى عن ذلك.
فقال: لاَ تَتَّخِذُوا الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ.
ثم قال تعالى: أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً مُبِيناً يعني حجة مبينة في الآخرة.
ثم بين مأوى المنافقين في الآخرة فقال تعالى: <div class="verse-tafsir"
الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كانَ لِلْكافِرِينَ نَصِيبٌ قالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً (١٤١) إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى يُراؤُنَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً (١٤٢) مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ لاَ إِلى هؤُلاءِ وَلا إِلى هؤُلاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً (١٤٣)
وقوله تعالى: الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ ...
الآية: هذه صفة المنافقين، ويَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ: معناه: ينتظِرُونَ دَوْرَ الدوائرِ عليكم، فإن كان فَتْحٌ للمؤْمِنِينَ، ادعوا فيه النصيبَ بحُكْمِ ما يظهرونه من الإيمان، وإن كان للكافِرِينَ نَيْلٌ من المؤمنين، ادعوا فيه النَّصِيبَ بحُكْمِ ما يبطنونه من موالاةِ الكُفَّار، وهذا حالُ المنافقين، ونَسْتَحْوِذْ: معناه: نَغْلِبُ على أمرِكِم ونَحُوطُكُمْ ومنه: اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ [المجادلة: ١٩] ، معناه: غَلَبَ على أمرهم، ثم سلى سبحانه المؤمنينَ، وأنَّسهم بما وَعَدَهُم به في قوله: فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ، أيْ: وبينهم، وينصفُكُم من جميعهم، وبقوله تعالى: وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا، أيْ: يوم القيامة قاله عليٌّ (رضي اللَّه عنه) «١» وعليه جميعُ أهْل التَّأوِيلِ، والسَّبيلُ هنا: الحُجَّة والغَلَبَةُ.
قلت: إِلاَّ ابنَ العَرَبِيِّ «٢» لم يرتَض هذا التأويلَ، قال: وإنما معنى الآية أحَدُ ثلاثةِ وُجُوهٍ:
الأول: لن يجعل اللَّه للكافِرِينَ عَلَى المؤمنينَ سَبيلاً يَمْحُو به دَوْلَةَ المؤمنين، ويستبيحُ بَيْضَتَهُمْ.
الثاني: لَنْ يجعل اللَّه للكافِرِينَ عَلَى المُؤْمنين سبيلاً إلاَّ أنْ يتواصَوْا بالباطِلِ، ولا يَتَنَاهَوْا عن المُنْكَر، ويتباعدوا عن التَّوْبَةِ، فيكونُ تسليطُ العَدُوِّ مِنْ قِبَلِهِمْ، وهذا نَفِيسٌ جِدًّا.
الثالث: لن يجعلَ اللَّه للكافرينَ عَلَى المؤمنينَ سبيلاً بالشَّرْع، فإن وُجِدَ ذلك، فبخلاف الشرْعِ، ونَزَعَ بهذا علماؤُنا بالإحْتجاجِ على أنَّ الكافر لا يَمْلِكُ العَبْدَ المُسْلِمَ.
انتهى «٣» .
ومخادعَةُ المنافقين: هي لأولياءِ اللَّهِ، ففِي الكلامِ حَذْفُ مضَافٍ إذْ لا يقصد أحَدٌ من البشر مخادَعَةَ اللَّهِ سبحانه.
وقوله تعالى: وَهُوَ خادِعُهُمْ
: عبارةٌ عن عقوبَتِهِمْ، سمَّاها باسم الذَّنْب، وقال ابن
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ ﴾ المُذَبْذَبُ: المُتَرَدِّدُ بَيْنَ أمْرَيْنِ، وأصْلُ التَّذَبْذُبِ: التَّحَرُّكُ، والِاضْطِرابُ، وهَذِهِ صِفَةُ المُنافِقِ، لِأنَّهُ مُحَيِّرٌ في دِينِهِ لا يَرْجِعُ إلى اعْتِقادٍ صَحِيحٍ.
قالَ قَتادَةُ: لَيْسُوا بِالمُشْرِكِينَ المُصَرِّحِينَ بِالشِّرْكَ، ولا بِالمُؤْمِنِينَ المُخْلِصِينَ.
قالَ ابْنُ زَيْدٍ: ومَعْنى "بَيْنَ ذَلِكَ": بَيْنَ الإسْلامِ والكُفْرِ، لَمْ يُظْهِرُوا الكَفْرَ فَيَكُونُوا إلى الكُفّارِ، ولَمْ يُصَدِّقُوا الإيمانَ، فَيَكُونُوا إلى المُؤْمِنِينَ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا إلى الهُدى.
وقَدْ رَوى ابْنُ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ أنَّهُ قالَ: « "مَثَلُ المُنافِقِ: مَثَلُ الشّاةِ العائِرَةِ بَيْنَ الغَنَمَيْنِ تُعِيرُ إلى هَذِهِ مَرَّةً، وإلى هَذِهِ مَرَّةً ولا تَدْرِي أيَّها تَتْبَعُ" .» <div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكم فَإنْ كانَ لَكم فَتْحٌ مِنَ اللهِ قالُوا ألَمْ نَكُنْ مَعَكم وإنْ كانَ لِلْكافِرِينَ نَصِيبٌ قالُوا ألَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكم ونَمْنَعْكم مِنَ المُؤْمِنِينَ فاللهُ يَحْكُمُ بَيْنَكم يَوْمَ القِيامَةِ ولَنْ يَجْعَلَ اللهِ لِلْكافِرِينَ عَلى المُؤْمِنِينَ سَبِيلا ﴾ ﴿ إنَّ المُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللهَ وهو خادِعُهم وإذا قامُوا إلى الصَلاةِ قامُوا كُسالى يُراءُونَ الناسَ ولا يَذْكُرُونَ اللهَ إلا قَلِيلا ﴾ ﴿ مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إلى هَؤُلاءِ ولا إلى هَؤُلاءِ ومَن يُضْلِلِ اللهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلا ﴾ "اَلَّذِينَ"؛ صِفَةٌ لِلْمُنافِقِينَ؛ و"يَتَرَبَّصُونَ"؛ مَعْناهُ: "يَنْتَظِرُونَ دَوْرَ الدَوائِرِ عَلَيْكُمْ؛ فَإنْ كانَ فَتْحٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ادَّعَوْا فِيهِ النَصِيبَ بِحُكْمِ ما يُظْهِرُونَهُ مِنَ الإيمانِ؛ وإنْ كانَ لِلْكافِرِينَ نَيْلٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ ادَّعَوْا فِيهِ النَصِيبَ بِحُكْمِ ما يُبْطِنُونَهُ مِن مُوالاةِ الكُفّارِ؛ وهَذا حالُ المُنافِقِينَ".
و"نَسْتَحْوِذْ"؛ مَعْناهُ: (نَغْلِبُ عَلى أمْرِكُمْ؛ ونَحُوطُكُمْ؛ ونَحْمِي أمْرَكُمْ)؛ ومِنهُ قَوْلُ العَجّاجِ في صِفَةِ ثَوْرٍ وبَقَرٍ: يَحُوذُهُنَّ ولَهُ حُوذِيُّ أيْ: يَغْلِبُهُنَّ عَلى أمْرِهِنَّ؛ ويُغْلِبُ الثِيرانَ عَلَيْهِنَّ؛ ويُرْوى: "يَحُوزُهُنَّ" بِالزايِ؛ ومِنَ اللَفْظَةِ قَوْلُ لَبِيدٍ في صِفَةِ عِيرٍ وأُتُنٍ: إذا اجْتَمَعَتْ وأحْوَذَ جانِبَيْها ∗∗∗ ∗∗∗ وأورَدَها عَلى عُوجٍ طِوالِ أحْوَذَ جانِبَيْها: قَهَرَها؛ وغَلَبَ عَلَيْها؛ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَيْطانُ ﴾ ؛ مَعْناهُ: غَلَبَ عَلَيْهِمْ؛ وشَذَّ هَذا الفِعْلُ في أنْ لَمْ تُعَلَّ واوُهُ؛ بَلِ اسْتُعْمِلَتْ عَلى الأصْلِ.
وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ "وَمَنَعْناكم مِنَ المُؤْمِنِينَ"؛ وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "وَنَمْنَعَكُمْ"؛ بِفَتْحِ العَيْنِ؛ عَلى الصَرْفِ.
ثُمَّ سَلّى وآنَسَ المُؤْمِنِينَ بِما وعَدَهم بِهِ؛ في قَوْلِهِ: ﴿ فاللهُ يَحْكُمُ بَيْنَكم يَوْمَ القِيامَةِ ﴾ ؛ أيْ: وبَيْنَهُمْ؛ ويُنْصِفُكم مِن جَمِيعِهِمْ؛ وبِقَوْلِهِ: ﴿ وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكافِرِينَ عَلى المُؤْمِنِينَ سَبِيلا ﴾ ؛ وقالَ يُسَيْعٌ الحَضْرَمِيُّ: كُنْتُ عِنْدَ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -؛ فَقالَ لَهُ رَجُلٌ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ ؛ أرَأيْتَ قَوْلَ اللهِ تَعالى: ﴿ وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكافِرِينَ عَلى المُؤْمِنِينَ سَبِيلا ﴾ ؛ كَيْفَ ذَلِكَ؛ وهم يُقاتِلُونَنا ويَظْهَرُونَ عَلَيْنا أحْيانًا؟
فَقالَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -: مَعْنى ذَلِكَ: يَوْمَ القِيامَةِ يَكُونُ الحُكْمُ؛ وبِهَذا قالَ جَمِيعُ أهْلِ التَأْوِيلِ.
و"اَلسَّبِيلُ": اَلْحُجَّةُ؛ والغَلَبَةُ.
ومُخادَعَةُ المُنافِقِينَ هي لِأولِياءِ اللهِ تَعالى ؛ إذْ يَظُنُّونَهم غَيْرَ أولِياءَ؛ فَفي الكَلامِ حَذْفُ مُضافٍ؛ وإلْزامُ ذَنْبٍ اقْتَضَتْهُ أفْعالُهُمْ؛ وإنْ كانَتْ نِيّاتُهم لَمْ تَقْتَضِهِ؛ لِأنَّهُ لا يَقْصِدُ أحَدٌ مِنَ البَشَرِ مُخادَعَةَ اللهِ تَعالى.
وَقَوْلُهُ: ﴿ وَهُوَ خادِعُهُمْ ﴾ ؛ أيْ: مُنْزِلُ الخِداعِ بِهِمْ؛ وهَذِهِ عِبارَةٌ عن عُقُوبَةٍ سَمّاها بِاسْمِ الذَنْبِ؛ فَعُقُوبَتُهم في الدُنْيا ذُلُّهُمْ؛ وخَوْفُهُمْ؛ وغَمُّ قُلُوبِهِمْ؛ وفي الآخِرَةِ عَذابُ جَهَنَّمَ؛ وقالَ السُدِّيُّ ؛ وابْنُ جُرَيْجٍ ؛ والحَسَنُ ؛ وغَيْرُهم مِنَ المُفَسِّرِينَ: إنَّ هَذا الخَدْعَ هو أنَّ اللهَ تَعالى يُعْطِي لِهَذِهِ الأُمَّةِ يَوْمَ القِيامَةِ نُورًا لِكُلِّ إنْسانٍ مُؤْمِنٍ؛ أو مُنافِقٍ؛ فَيَفْرَحُ المُنافِقُونَ؛ ويَظُنُّونَ أنَّهم قَدْ نَجَوْا؛ فَإذا جاؤُوا إلى الصِراطِ طُفِئَ نُورُ كُلِّ مُنافِقٍ؛ ونَهَضَ المُؤْمِنُونَ بِذَلِكَ؛ فَذَلِكَ قَوْلُ المُنافِقِينَ: ﴿ انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِن نُورِكُمْ ﴾ ؛ وذَلِكَ هو الخَدْعُ الَّذِي يَجْرِي عَلى المُنافِقِينَ؛ وقَرَأ مَسْلَمَةُ بْنُ عَبْدِ اللهِ النَحْوِيُّ: "وَهُوَ خادِعْهُمْ"؛ بِإسْكانِ العَيْنِ؛ وذَلِكَ عَلى التَخْفِيفِ.
ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى كَسَلَهم في القِيامِ إلى الصَلاةِ؛ وتِلْكَ حالُ كُلِّ مَن يَعْمَلُ العَمَلَ كارِهًا؛ غَيْرَ مُعْتَقِدٍ فِيهِ الصَوابَ؛ تُقْيَةً؛ أو مُصانَعَةً؛ وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزٍ الأعْرَجُ: "كَسالى"؛ بِفَتْحِ الكافِ؛ وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "يُرَؤُّونَ"؛ بِهَمْزَةٍ مَضْمُومَةٍ مُشَدَّدَةٍ بَيْنَ الراءِ والواوِ؛ دُونَ ألِفٍ؛ وهي تَعْدِيَةُ "رَأى"؛ بِالتَضْعِيفِ؛ وهي أقْوى في المَعْنى مِن "يُراؤُونَ"؛ لِأنَّ مَعْناها: "يَحْمِلُونَ الناسَ عَلى أنْ يَرَوْهُمْ؛ ويَتَظاهَرُونَ لَهم بِالصَلاةِ؛ وهم يُبْطِنُونَ النِفاقَ"؛ وتَقْلِيلُهُ ذِكْرَهم يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ؛ قالَ الحَسَنُ: قَلَّ لِأنَّهُ كانَ لِغَيْرِ اللهِ"؛ فَهَذا وجْهٌ؛ والثانِي أنَّهُ قَلِيلٌ بِالنِسْبَةِ إلى خَوْضِهِمْ في الباطِلِ؛ وقَوْلِهِمُ الزُورَ والكُفْرَ.
"مُذَبْذَبِينَ"؛ مَعْناهُ: مُضْطَرِبِينَ؛ لا يَثْبُتُونَ عَلى حالٍ؛ و"اَلتَّذَبْذُبُ": اَلِاضْطِرابُ بِخَجَلٍ؛ أو خَوْفٍ؛ أو إسْراعٍ في مَشْيٍ؛ ونَحْوِهِ؛ ومِنهُ قَوْلُ النابِغَةِ: ...
تَرى كُلَّ مَلْكٍ دُونَها يَتَذَبْذَبُ ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: خَيالٌ لِأُمِّ السَلْسَبِيلِ ودُونَها ∗∗∗ ∗∗∗ مَسِيرَةُ شَهْرٍ لِلْبَرِيدِ المُذَبْذِبِ بِكَسْرِ الذالِ الثانِيَةِ؛ قالَ أبُو الفَتْحِ: أيِ: "اَلْمُهْتَزِّ؛ القَلِقِ؛ الَّذِي لا يَثْبُتُ؛ ولا يَتَمَهَّلُ"؛ فَهَؤُلاءِ المُنافِقُونَ مُتَرَدِّدُونَ بَيْنَ الكُفّارِ؛ والمُؤْمِنِينَ ﴿ لا إلى هَؤُلاءِ ولا إلى هَؤُلاءِ ﴾ ؛ كَما قالَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: « "مَثَلُ المُنافِقِ مَثَلُ الشاةِ العائِرَةِ بَيْنَ الغَنَمَيْنِ"؛» فالإشارَةُ بِذَلِكَ إلى حالَيِ الكُفْرِ؛ والإيمانِ؛ وأشارَ إلَيْهِ؛ وإنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرُهُ؛ لِظُهُورِ تَضَمُّنِ الكَلامِ لَهُ؛ كَما جاءَ: ﴿ حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ ﴾ ؛ و ﴿ كُلُّ مَن عَلَيْها فانٍ ﴾ .
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "مُذَبْذَبِينَ"؛ بِفَتْحِ الذالِ الأُولى؛ والثانِيَةِ؛ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ وعَمْرُو بْنُ فائِدٍ: "مُذَبْذِبِينَ"؛ بِكَسْرِ الذالِ الثانِيَةِ؛ وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: "مُتَذَبْذِبِينَ"؛ بِالتاءِ؛ وكَسْرِ الذالِ الثانِيَةِ؛ وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "مَذَبْذَبِينَ"؛ بِفَتْحِ المِيمِ؛ والذالَّيْنِ؛ وهي قِراءَةٌ مَرْدُودَةٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلا ﴾ ؛ مَعْناهُ: سَبِيلَ هُدًى وإرْشادٍ.
<div class="verse-tafsir"
استئناف ابتدائي، فيه زيادة بيان لمساويهم.
والمناسبةُ ظاهرة.
وتأكيد الجملة بحرف (إنّ) لتحقيق حالتهم العجيبة وتحقيق ما عقبها من قوله: ﴿ وهو خادعهم ﴾ .
وتقدّم الكلام على معنى مخادعة المنافقين الله تعالى في سورة البقرة (9) عند قوله: ﴿ يخادعون الله والذين آمنوا ﴾ وزادت هذه الآية بقوله: وهو خادعهم } أي فقابلهم بمثل صنيعهم، فكما كان فعلهم مع المؤمنين المتبعين أمر الله ورسوله خداعاً لله تعالى، كان إمْهال الله لهم في الدنيا حتى اطمأنّوا وحسبوا أن حيلتهم وكيدهم راجَا على المسلمين وأنّ الله ليس ناصرهم، وإنذارهُ المؤمنين بكيدهم حتّى لا تنطلي عليهم حيلهم، وتقديرُ أخذه إيّاهم بأخَرَة، شبيهاً بفعل المخادع جزءاً وفاقاً.
فإطلاق الخداع على استدراج الله إيّاهم أستعارة تمثيلية، وحسنَّتَهْا المشاكلة؛ لأنّ المشاكلة لا تعدو أن تكون استعارة لفظ لغير معناه مع مزيد مناسبة مع لفظ آخر مثل اللفظ المستعار.
فالمشاكلة ترجع إلى التلميح، أي إذا لم تكن لإطلاق اللفظ على المعنى المراد علاقةٌ بين معنى اللفظ والمعنى المراد إلاّ محاكاة اللفظ، سميّت مشاكلة كقول أبي الرقَعْمَق.
قالوا: اقترْحْ شيئاً نجد لك طبخه *** قلتُ: أطبخوا لي جُبَّةً وقَميصاً و«كُسالى» جمع كسلان على وزن فُعالى، والكَسلان المتّصف بالكسل، وهو الفتور في الأفعال لسآمةٍ أو كراهية.
والكسل في الصلاة مؤذن بقلّة اكتراث المصلّي بها وزهده في فعلها، فلذلك كان من شيم المنافقين.
ومن أجل ذلك حذّرت الشريعة من تجاوز حدّ النشاط في العبادة خشية السآمة، ففي الحديث " عليكم من الأعمال بما تطيقون فإنّ الله لا يَمَلُّ حتّى تَمَلّوا ".
ونهى على الصلاة والإنسان يريد حاجته، وعن الصلاة عند حضور الطعام، كلّ ذلك ليكون إقبال المؤمن على الصلاة بَشَرهٍ وعزم، لأنّ النفس إذا تطرّقتها السآمة من الشيء دبّت إليها كراهيته دبيباً حتّى تتمكّن منها الكراهِية، ولا خطَر على النفس مثلُ أن تكره الخير.
و«كسالى» حال لازمة من ضمير ﴿ قاموا ﴾ ، لأنّ قاموا لا يصلح أن يقع وحده جواباً ل«إذا» التي شرطها «قاموا»، لأنّه لو وقع مجرّداً لكان الجواب عين الشرط، فلزم ذكر الحال، كقوله تعالى: ﴿ وإذا مرّوا باللغو مرّوا كراماً ﴾ [الفرقان: 72] وقول الأحوص الأنصاري: فإذا تَزُولُ تَزُولُ عن مُتَخَمِّطٍ *** تُخْشَى بَوادره على الأقران وجملة ﴿ يراءَون الناس ﴾ حال ثانية، أو صفة ل (كسالى)، أو جملة مستأنفة لبيان جواب من يسأل: ماذا قَصْدُهم بهذا القيام للصلاة وهلاّ تركوا هذا القيام من أصله، فوقع البيان بأنّهم يُراءون بصلاتهم الناس.
﴿ ويُراءون ﴾ فعل يقتضي أنّهم يُرون الناس صلاتهم ويُريهم الناس.
وليس الأمر كذلك، فالمفاعلة هنا لمجرد المبالغة في الإراءة، وهذا كثير في باب المفاعلة.
وقوله: ﴿ ولا يذكرون الله إلاّ قليلاً ﴾ معطوف على ﴿ يُراءُون ﴾ إن كان ﴿ يراءون ﴾ حالاً أو صفة، وإن كان ﴿ يراءون ﴾ استئناف فجملة ﴿ ولا يذكرون ﴾ حال، والواو واو الحال، أي: ولا يذكرون الله بالصلاة ألاّ قليلاً.
فالاستثناء إإمّا من أزمنة الذكر، أي إلاّ وقتاً قليلاً، وهو وقت حضورهم مع المسلمين إذ يقومون إلى الصلاة معهم حينئذٍ فيذكرون الله بالتكبير وغيره، وإمّا من مصدر ﴿ يذكرون ﴾ ، أي إلاّ ذكراً قليلاً في تلك الصلاة التي يُراءون بها، وهو الذكر الذي لا مندوحة عن تركه مثل: التأمين، وقول ربنا لك الحمد، والتكبير، وما عدا ذلك لا يقولونه من تسْبيححِ الركوع، وقراءةِ ركعات السرّ.
ولك أن تجعل جملة ﴿ ولا يذكرون ﴾ معطوفة على جملة ﴿ وإذا قاموا ﴾ ، فهي خبر عن خصالهم، أي هم لا يذكرون الله في سائر أحوالهم إلاّ حالا قليلاً أو زمناً قليلاً وهو الذكر الذي لا يخلو عنه عبد يحتاج لربّه في المنشط والمكره، أي أنّهم ليسوا مثل المسلمين الذين يذكرون الله على كلّ حال، ويكثرون من ذكره، وعلى كلّ تقدير فالآية أفادت عبوديتهم وكفرَهم بنعمة ربّهم زيادة على كفرهم برسوله وقرآنه.
ثم جاء بحال تعبر عن جامع نفاقهم وهي قوله: ﴿ مُذبذبينَ بينَ ذلك ﴾ وهو حال من ضمير ﴿ يُراءون ﴾ .
والمذَبْذَب اسن مفعول من الذّبْذَبة.
يقال: ذبذبه فتذبذب.
والذبذبة: شدّة الاضطراب من خوف أو خجل، قيل: إن الذبذبة مشتقّة من تكرير ذَبّ إذا طَرد، لأنّ المطرود يعجّل ويضطرب، فهو من الأفعال التي أفادت كثرة المصدر بالتكرير، مثل زلزل ولَمْلَم بالمكان وصلصل وكبكب، وفيه لغة بدالين مهملتين، وهي التي تجري في عاميتنا اليوم، يقولون: رجل مدبدب، أي يفعل الأشياء على غير صواب ولا توفيق.
فقيل: إنّها مشتقّة من الدْبَّة بضمّ الدال وتشديد الباء الموحدة أي الطريقة بمعنى أنّه يَسلك مرّة هذا الطريق ومرّة هذا الطريق.
والإشارة بقوله: ﴿ بين ذلك ﴾ إلى ما استفيد من قوله: ﴿ يُراءون الناس ﴾ لأنّ الذي يقصد من فعله إرضاء الناس لا يلبث أن يصير مذبذباً، إذ يجد في النماس أصنافاً متبايَنة المقاصد والشهوات.
ويجوز جعل الإشارة راجعة إلى شيء غير مذكور، ولكن إلى ما من شأنه أن يشار إليه، أي مذبذبين بين طرفين كالإيمان والكفر.
وجملة ﴿ لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ﴾ صفة ل ﴿ مذبذبين ﴾ لقصد الكشف عن معناه لما فيه من خفاء الاستعارة، أو هي بيان لقوله: ﴿ مذبذبين بين ذلك ﴾ .
و ﴿ هؤلاء ﴾ أحدهما إشارة إلى المؤمنين، والآخر إشارة إلى الكافرين من غير تعيين، إذ ليس في المقام إلاّ فريقان فأيّها جعلته مشاراً إليه بأحد اسمي الإشارة صحّ ذلك، ونظيره قوله تعالى «فوجد فيها رجلين يقتتلان هذا من شيعته وهذا من عدوّه».
والتقدير لا هُم إلى المسلمين ولا هُم إلى الكافرين.
و(إلى) متعلّقة بمحذوف دلّ عليه معنى الانتهاء، أي لا ذاهبين إلى هذا الفريق ولا إلى الفريق الآخر، والذهاب الذي دلّت عليه (إلى) ذهاب مجازي وهو الانتماء والانتساب، أي هُم أضاعوا النسبتين فلا هم مسلمون ولا هم كافرون ثابتون، والعرب تأتي بمثل هذا التركيب المشتمل على (لا) النافية مكرّرةً في غرضين: تارة يقصدون به إضاعة الأمرين، كقول إحدى نساء حديث أمّ زرع «لا سَهْلٌ فيُرْتقَى ولا سمين فيُنْتَقَل» وقوله تعالى: ﴿ فَلاَ صَدَّقَ ولا صلّى ﴾ [القيامة: 31] ﴿ لا ذلول تثير الأرض وَلا تسْقي الحرث ﴾ [البقرة: 71].
وتارة يقصدون به إثبات حالة وسَط بين حالين، كقوله تعالى: ﴿ لا شرقيةٍ ولا غريبةٍ ﴾ [النور: 35] ﴿ لا فارض ولا بكر ﴾ [المائدة: 68]، وقول زهير: فلاَ هُو أخفاها ولم يَتَقَدّمِ *** وعلى الاستعمالين فمعنى الآية خفي، إذ ليس المراد إثبات حالة وسط للمنافقين بين الإيمان والكفر، لأنّه لا طائل تحت معناه، فتعيّن أنّه من الاستعمال الأول، أي ليسوا من المؤمنين ولا من الكافرين.
وهم في التحقيق.، إلى الكافرين.
كما دَلّ عليه آيات كثيرة.
كقوله: ﴿ الذين يتُخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ﴾ [النساء: 139] وقوله: ﴿ وإن كان للكافرين نصيب قالوا ألم نستحوذ عليكم ونمنعكم من المؤمنين ﴾ [النساء: 141].
فتعيّن أنّ المعنى أنهم أضاعوا الإيمان والانتماء إلى المسلمين، وأضاعوا الكفر بمفارقة نصرة أهله، أي كانوا بحالة اضطراب وهو معنى التذبذب.
والمقصود من هذا تحقيرهم وتنفير الفريقين من صحبتِهم لينبذهم الفريقان.
وقوله: ﴿ فلن تجد له سبيلاً ﴾ الخطاب لغير مُعّين، والمعنى: لم تجد له سيبلاً إلى الهدى بقرينة مقابلته بقوله: ﴿ ومن يضلل الله ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنَّ المُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ وهو خادِعُهُمْ ﴾ مَعْنى ﴿ يُخادِعُونَ اللَّهَ ﴾ أيْ يُخادِعُونَ نَبِيَّ اللَّهِ بِما يُظْهِرُونَهُ مِنَ الإيمانِ ويُبْطِنُونَهُ مِنَ الكُفْرِ، فَصارَ خِداعُهم لِرَسُولِ اللَّهِ خِداعًا لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
﴿ وَهُوَ خادِعُهُمْ ﴾ يَعْنِي اللَّهَ تَعالى، وفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَعْنِي يُعاقِبُهم عَلى خِداعِهِمْ، فَسَمّى الجَزاءَ عَلى الفِعْلِ بِاسْمِهِ.
والثّانِي: أنَّهُ أمَرَ فِيهِمْ بِأمْرِ المُخْتَدِعِ لَهم بِما أمَرَ بِهِ مِن قَبُولِ إيمانِهِمْ وإنْ عَلِمَ ما يُبْطِنُونَ مِن كُفْرِهِمْ.
والثّالِثُ: ما يُعْطِيهِمْ في الآخِرَةِ مِنَ النُّورِ الَّذِي يَمْشُونَ بِهِ مَعَ المُؤْمِنِينَ، فَإذا جاؤُوا إلى الصِّراطِ طُفِئَ نُورُهم، فَتِلْكَ خَدِيعَةُ اللَّهِ إيّاهم.
﴿ وَإذا قامُوا إلى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى ﴾ يَحْتَمِلُ قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: مُتَثاقِلِينَ.
والثّانِي: مُقَصِّرِينَ.
﴿ يُراءُونَ النّاسَ ﴾ يَعْنِي أنَّهم يَقْصِدُونَ بِما يَفْعَلُونَهُ مِنَ البِرِّ رِياءَ النّاسِ دُونَ طاعَةِ اللَّهِ تَعالى.
﴿ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إلا قَلِيلا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: الرِّياءُ، لِأنَّهُ لا يَكُونُ إلّا ذِكْرًا حَقِيرًا، وهو قَوْلُ قَتادَةَ.
والثّانِي: يَسِيرًا لِاقْتِصارِهِ عَلى ما يَظْهَرُ مِنَ التَّكْبِيرِ دُونَ ما يُخْفِي مِنَ القِراءَةِ والتَّسْبِيحِ، وإنَّما قَلَّ مِن أجْلِ اعْتِقادِهِمْ لا مِن قِلَّةِ ذِكْرِهِمْ.
قالَ الحَسَنُ: لِأنَّهُ كانَ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود قال: مثل المؤمن والمنافق والكافر مثل ثلاثة نفر انتهوا إلى واد، فوقع أحدهم فعبر حتى أتى، ثم وقع أحدهم حتى أتى على نصف الوادي ناداه الذي على شفير الوادي: ويلك أين تذهب إلى الهلكة، ارجع عودك على بدئك؟!
وناداه الذي عبر: هلم النجاة.
فجعل ينتظر إلى هذا مرة وإلى هذا مرة قال: فجاءه سيل فأغرقه، فالذي عبر المؤمن، والذي غرق المنافق، مذبذب بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، والذي مكث الكافر.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن قتادة في الآية ﴿ مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ﴾ يقول: ليسوا بمؤمنين مخلصين ولا مشركين مصرحين بالشرك.
قال: «وذكر لنا: أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يضرب مثلاً للمؤمن والكافر والمنافق كمثل رهط ثلاثة دفعوا إلى نهر، فوقع المؤمن فقطع، ثم وقع المنافق حتى كاد يصل إلى المؤمن، ناداه الكافر: أن هلم إليّ فإني أخشى عليك، وناداه المؤمن أن هلم إليّ فإن عندي وعندي يحض يحصي له ما عنده، فما زال المنافق يتردد بينهما حتى أتى عليه الماء فغرقه، وإن المنافق لم يزل في شك وشبهة حتى أتى عليه الموت وهو كذلك» .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ مذبذبين بين ذلك ﴾ قال: هم المنافقون ﴿ لا إلى هؤلاء ﴾ يقول: لا إلى أصحاب محمد، ولا إلى هؤلاء اليهود.
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد ﴿ مذبذبين بين ذلك ﴾ قال: بين الإسلام والكفر.
وأخرج عبد بن حميد والبخاري في تاريخه ومسلم وابن جرير وابن المنذر عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَثَل المنافق مَثَل الشاة العائرة بين الغنمين، تعير إلى هذه مرة وإلى هذه مرة، لا تدري أيها تتبع» .
وأخرج أحمد والبيهقي عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أن مثل المنافق يوم القيامة كالشاة بين الغنمين، إن أتت هؤلاء نطحتها وإن أتت هؤلاء نطحتها» .
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ ﴾ الآية.
يقال: ذبذبه فتذبذب، أي: حركه فتحرك، وهو كتحريك شيء معلق بين السماء والأرض، ولهذا تسمى معاليق الهودج ذباذب (١) (٢) (٣) ألم ترَ أن الله أعطاكَ سورةً ...
ترى كُلَّ مَلْكٍ دونَها يتذَبْذَبُ (٤) وقوله تعالى: ﴿ بَيْنَ ذَلِكَ ﴾ .
أي: بين الكفر والإيمان، أو بين الكافرين والمؤمنين (٥) وذلك يشار به إلى الجماعة.
وقد ذكرنا الكلام فيه عند قوله: ﴿ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ ﴾ بأبلغ شرح [[انظر: [البقرة: 68].]].
وذكر الكافرين والمؤمنين قد جرى في هذه القصة عند قوله: ﴿ الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ ﴾ الآية، وإذا جرى ذكر الفريقين فقد جرى ذكر الكفر والإيمان.
قال ابن عباس: "يريد لا كافر ولا مؤمن" (٦) وإنما أراد ابن عباس لا كافر ظاهر الكفر، بدليل قول السدي: ليسوا بمشركين مُصرِّحين الشرك (٧) (٨) وقول قتادة: ليسوا بمؤمنين مخلصين، ولا مشركين مصرحين الشرك (٩) قال أهل المعاني: معنى ﴿ مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ ﴾ مترددين بين الكفر والإيمان، لا إلى المؤمنين بإخلاص الإيمان، ولا إلى المشركين فيخلصوا الشرك على الإظهار والإبطان (١٠) والمُذبذب المتردد المتحرك، ويكون ذلك بتحريك الغير، ولا أحد فعل ذلك إلا الله تعالى فهو قد ذبذبهم، وصيّرهم مترددين يتذبذبون.
وقوله تعالى: ﴿ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ ﴾ إشارة إلى الفريقين الذين تقدم ذكرهما، وهما الكافرين والمؤمنين (١١) وقد ذكرنا أنَّ المراد بالكافرين في هذه القصة اليهود.
فإن قيل: كيف يجوز أن يُذموا بأنهم لا إلى الكافرين، وهم لا يستحقون المدح، وإن صاروا إليهم بإظهار الكفر.
والجواب: أنهم تركوا ذلك الكفر بكفر أشر منه وأوضع لصاحبه، وذلك أن المنافق أشرّ من المجاهر بالكفر، والمجاهر أحسن حالًا منه، لأن المجاهر يُرجى (١٢) وقوله تعالى: ﴿ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا ﴾ قال ابن عباس: "يريد من أضله الله فلن تجد له دينًا" (١٣) (١) انظر: "العين" 8/ 178، و"تهذيب اللغة" 2/ 1265، و"اللسان" 3/ 1485 (ذبب).
(٢) هكذا في المخطوط، ولعله تصحيف، وقد جاء في "العين" 18/ 178 (ذب): "الذباذب ذكر الرجل، لأنه يتذبذب أي يتردد"، وانظر: "تهذيب اللغة" 2/ 1266، و"اللسان" 3/ 1485 (ذبب).
(٣) انظر: الطبري 5/ 335، و"زاد المسير" 2/ 232.
(٤) "ديوانه" ص 65، والطبري 5/ 335.
(٥) انظر: الطبري 5/ 336.
(٦) انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 101.
(٧) هكذا، وقد تكون: "بالشرك".
(٨) أخرجه بنحوه الطبري 5/ 336.
(٩) أخرجه الطبري 5/ 336، وابن المنذر.
انظر: "الدر المنثور" 8/ 412 وفيه: "مصرحين بالشرك".
(١٠) انظر: الطبري 5/ 336، و"الكشف والبيان" 4/ 135 أ.
(١١) انظر: "الكشف والبيان" 4/ 135ب.
وهكذا جاء التعبير بالنصب "الكافرين والمؤمنين" والظاهر الرفع: "وهما الكافرون والمؤمنون" على أنه مبتدأ وخبر.
(١٢) في المخطوط (يرجا) بالمحدودة.
(١٣) "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 101.
<div class="verse-tafsir"
﴿ مُّذَبْذَبِينَ ﴾ أي مضطربين متردّدين، لا إلى المسلمين ولا إلى الكفار ﴿ سلطانا مُّبِيناً ﴾ أي حجة ظاهرة ﴿ إِنَّ المنافقين فِي الدرك الأسفل ﴾ أي في الطبقة السفلى من جهنم، وهي سبع طبقات وفي ذلك دليل على أنهم شرّ من الكفار ﴿ إِلاَّ الذين تَابُواْ ﴾ استثناء من المنافقين، والتوبة هنا الإيمان الصادق في الظاهر والباطن ﴿ مَّا يَفْعَلُ الله بِعَذَابِكُمْ ﴾ المعنى أيُّ حاجة ومنفعة لله بعذابكم؟
وهو الغنيّ عنكم، وقدّم الشكر على الإيمان، لأن العبد ينظر إلى النعم فيشكر عليها ثم يؤمن بالمنعم فكان الشكر سبباً للإيمان: متقدّم عليه، ويحتمل أن يكون الشكر يتضمن الإيمان، ثم ذكر الإيمان بعده توكيداً واهتماماً به، والشاكر اسم الله ذكر في اللغات.
<div class="verse-tafsir"
القراآت: ﴿ في الدرك ﴾ بسكون الراء: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير الأعشى.
الباقون بالفتح ﴿ يؤتيهم ﴾ بالياء: حفص وعياش.
الباقون بالنون.
الوقوف: ﴿ خادعهم ﴾ ط لعطف المختلفين.
﴿ كسالى ﴾ لا لأن ﴿ يراؤون ﴾ .
صفتهم ﴿ قليلاً ﴾ ه ز بناء على أن ﴿ مذبذبين ﴾ نصب على الذم، والأوجه أنه حال أي يراؤون مذبذبين ﴿ بين ذلك ﴾ ق وقد قيل على تقدير الابتداء أي لا هم إلى هؤلاء، والأوجه أنه بيان الذبذبة أي لا منسوبين إلى هؤلاء ﴿ هؤلاء ﴾ الثانية ط ﴿ سبيلاً ﴾ ه ﴿ من دون المؤمنين ﴾ ط ﴿ مبيناً ﴾ ه ﴿ من النار ﴾ ج لابتداء النفي مع العطف ﴿ نصيراً ﴾ ه ط للاستثناء.
﴿ مع المؤمنين ﴾ ط ﴿ عظيماً ﴾ ه ﴿ وآمنتم ﴾ ط ﴿ عليماً ﴾ ه ﴿ ظلم ﴾ ط ﴿ عليماً ﴾ ه ﴿ قديراً ﴾ ه ﴿ ببعض ﴾ لا للعطف ﴿ سبيلاً ﴾ ه لأ لأن ما بعده خبر "إن" وقيل: إن الخبر محذوف أي هلكوا وما يتلوه مستأنف.
﴿ حقاً ﴾ ج لاحتمال ما بعده للعطف والاستئناف ﴿ مهيناً ﴾ ه ﴿ أجورهم ﴾ ط ﴿ رحيماً ﴾ ه.
/ التفسير: قال الزجاج: أي يخادعون رسول الله أي يظهرون له الإيمان ويبطنون الكفر كقوله: ﴿ إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله ﴾ وهو خادعهم اسم فاعل من خادعته فخدعته إذا غلبته وكنت أخدع منه.
قال ابن عباس: يعطيهم نوراً كما يعطي المؤمنين فإذا وصلوا إلى الصراط انطفأ نورهم ويبقى نور المؤمنين فينادون انظرونا نقتبس من نوركم.
وباقي تفسير المخادعة تقدم في أول البقرة.
كسالى جمع كسلان كسكارى في سكران أي يقومون متثاقلين متباطئين متقاعسين كما يرى من يفعل شيئاً على كره لا عن طيب نفس ورغبة وهو معنى الكسل.
والسبب في ذلك أنهم يبتغون بها في الحال ولا يرجون من فعلها ثواباً ولا يخافون من تركها عقاباً.
﴿ يراؤون الناس ﴾ أي لا يقومون إلى الصلاة إلاّ لأجل الرياء والسمعة.
ومعنى المفاعلة في الرياء أن المرائي يري الناس عمله وهم يرونه استحسان ذلك العمل، أو فاعل ههنا بمعنى فعل بالتشديد كقولك: ناعمة ونعمه ﴿ ولا يذكرون الله ﴾ أي ولا يصلون ﴿ إلا قليلاً ﴾ لأنه متى لم يكن معهم أحد من الأجانب لا يصلون، وإذا كانوا مع الناس فعند دخول وقت الصلاة يتكلفون حتى يصيروا غائبين عن أعين الناس، فإن لم يجدوا مندوحة فحينئذٍ يصلون.
وقيل: إنهم في صلاتهم لا يذكرون الله إلا قليلاً وهو الذي يظهر مثل التكبيرات، فأما الذي يخفى وهو القراءة والتسبيحات فهم لا يذكرونها.
وقيل: إنهم لا يذكرون الله في جميع الأوقات إلا ذكراً قليلاً في الندرة كما ترى من بعض المتهاونين بأمور الدين لو صحبته أياماً وليالي لم تسمع منه تهليله ولا تسبيحه ولا تحميدة، ولكن حديث الدنيا يستغرق أوقاته، ويجوز أن يراد بالقلة العدم، قال قتادة: يريد أن الله لا يقبل صلاتهم لأن ما رده الله فكثيره قليل، وما قبله الله فقليله كثير.
ومعنى مذبذبين ذبذبهم الشيطان والهوى.
وحقيقة المذبذب الذي يذب عن كل الجانبين أي يذاد ويدفع إلا أن الذبذبة فيها تكرير ليس في الذب كأن المعنى كلما مال إلى جانب ذب عنه.
وقرأ ابن عباس ﴿ مذبذبين ﴾ بالكسر أي يذبذبون قلوبهم أو دينهم أو رأيهم.
وعن أبي جعفر "مدبدين" بالدال غير المعجمة والمعنى أخذ بهم تارة في دبة وتارة في دبة والدبة الطريقة.
ومعنى ﴿ بين ذلك ﴾ أي بين الكفر والإيمان لأن ذكر الكافرين والمؤمنين يدل على الكفر والإيمان وذلك قد يشار به إلى اثنين كقوله: ﴿ عوان بين ذلك ﴾ واعلم أن السبب في التذبذب هو أن الفعل يتوقف على الداعي، فإذا كان الداعي إلى الفعل هو الأغراض المتعلقة بأحوال هذا العالم وأنها سيالة متغيرة لزم وقوع التغير في الميل والرغبة، وإذا تعارضت الدواعي والصوارف بقي الإنسان في الحيرة والتردد، وأما من كان مطلوبه في فعله اقتناء الخيرات الباقية واكتساب السعادات الروحانية وعلم أن تلك المطالب أمور باقية بريئة عن التغير والزوال، لا جرم كان هذا الإنسان ثابتاً في / إيمانه راسخاً في شأنه فلهذا المعنى وصف أهل الإيمان بالثبات ﴿ يثبت الله الذين آمنوا ﴾ ﴿ ألا بذكر الله تطمئن القلوب ﴾ ﴿ يا أيتها النفس المطمئنة ﴾ قيل: إنه ذمهم ترك طريقة المؤمنين وطريقة الكفار، والذم على ترك طريقة الكفار غير جائز, قلنا: إنما توجه الذم لأنهم عدلوا عن الكفر إلى ما هو أخبث وهو طريق النفاق ولهذا ورد فيهم من المبالغات ما ورد من قوله: ﴿ ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلاً ﴾ ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء ﴾ أي لا تتشبهوا بالمنافقين في اتخاذهم اليهود وغيرهم من أعداء الإسلام أولياء، وهو نهي للمؤمنين عن موالاة المنافقين والتخلق بأخلاقهم ومذاهبهم.
ومعنى ﴿ سلطاناً ﴾ حجة بينة على النفاق لأن وليّ المنافق منافق لا محالة.
ومعنى قوله: ﴿ إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ﴾ أي في أقصى قعرها فإن القعر الأخير من النار درك ودرك ومع ذلك وصف بالأسفل.
ودركات النار منازلها نقيض درجات الجنة، فبين أن المنافق في غاية البعد ونهاية الطرد عن حضرة الله وأنه مع فرعون لأنّ الدرك الأسفل أشد العذاب وقد قال عز من قائل: ﴿ أدخلوا آل فرعون أشد العذاب ﴾ وقيل: إن النار سبع دركات سميت بذلك لأنها متداركة متتابعة بعضها فوق بعض.
قال أبو حاتم: جمع الدرك أدراك كفرس وأفراس، وجمع الدرك أدرك كفلس وأفلس.
ثم قال: ﴿ ولن تجد لهم نصيراً ﴾ احتجوا بهذا على إثبات الشفاعة في حق الفساق من أهل القبلة لأنه ذكره في معرض الزجر عن النفاق، فلو حصل نفي الشفاعة مع عدم النفاق لم يبق هذا زجراً عن النفاق من حيث إنه نفاق.
ثم استثنى منهم التائبين فشرط أموراً أربعة أولها التوبة.
وثانيها إصلاح ما أفسدوا من أسرارهم.
وثالثها الاعتصام بدين الله.
ورابعها الإخلاص لأنه إذا كان مطلوبه جلب المنافع ودفع المضار تغير عن التوبة وإصلاح العمل سريعاً، أما إذا كان مطلوبه مرضاة الله وسعادة الآخرة والاعتصام بحبل الله بقي على هذه الطريقة ولم يتغير عنها.
وعند حصول الشرائط قال: ﴿ فأولئك مع المؤمنين ﴾ ولم يقل مؤمنون تشريفاً للمؤمنين أنهم متبعون والمنافقون بعد الشرائط تبع لهم.
ثم بين وعد المؤمنين بقوله: ﴿ وسوف يؤت الله المؤمنين أجراً عظيماً ﴾ ليشمل المنافقين التائبين بالتبعية.
ثم برهن على أن فائدة الإيمان والعمل الصالح إنما ترجع على المكلفين فقال: ﴿ ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم ﴾ لأن تعذيب الملوك بعض الرعية إنما يكون للتشفي من الغيظ ولدرك الثأر أو لجلب المنافقع أو لدفع المضار وأمثال هذه الأمور في حقه محال، وإنما المقصود حمل المكلفين على فعل الحسن وترك القبيح لينالوا السعادة العظمى، فمن امتثل وأطاع فكيف يليق بكرمه تعذيبه.
قالت المعتزلة: / هذا صريح في أنه لم يخلق أحداً لغرض التعذيب.
وفي أن فاعل الشكر والإيمان هو العبد وإلاّ لصار التقدير ما يفعل الله بعذابكم إن خلق الشكر والإيمان فيكم، ومعلوم أن هذا غير منتظم.
والجواب مسلم أنه غير مستكمل بالتعذيب ولا بالإثابة لكن وقوع البعض في مظاهر اللطف والبعض في مظاهر القهر ضروري كما سبق.
وأيضاً انتهاء الكل إلى إرادته وخلقه وتكوينه ضروري بواسطة أو بغير واسطة، فيؤول المعنى إلى أنه لا يعذبكم إن كنتم مظاهر اللطف وهذا كلام في غاية الصحة.
قال في الكشاف: وإنما قدم الشكر على الإيمان لأن العاقل ينظر أولاً إلى النعمة فيشكر شكراً مبهماً، ثم إذا انتهى به النظر إلى معرفة المنعم آمن به.
وأقول: إن لم تكن الواو للترتيب فلا سؤال، وإن كانت للترتيب فلعله إنما قدم الشكر في هذه الآية خلاف أكثر الآيات التي قدم الإيمان فيها على العمل الصالح وهو الأصل، لأن الآية مسوقة في غرض المنافقين، ولم يقع نزاع في إيمانهم ظاهراً وإنما يقع النزاع في بواطنهم وأفعالهم التي تصدر عنهم غير مطابقة للقول اللساني، فكان تقديم الشكر ههنا أهم لأنه عبارة عن صرف جميع ما أعطاه الله فيما خلق لأجله حتى تكون أفعاله وأقواله على نهج السداد وسنن الاستقامة ﴿ وكان الله شاكراً ﴾ مثيباً على الشكر فسمى جزاء الشكر شكراً، وفيه أنه يجزي على العمل القليل ثواباً كثيراً ﴿ عليماً ﴾ بالكليات والجزئيات من غير غلط ونسيان فيوصل جزاء الشاكرين إليهم كما يليق بحالهم بل كما يليق بكرمه وسعة فضلة ورحمته.
ثم إنه لما هتك ستر المنافقين وفضحهم وكان هتك الستر منافياً للكرم والرحمة ظاهراً ذكر ما يجري مجرى العذر من ذلك فقال: ﴿ لا يحب الله الجهر ﴾ الآية يعني أنه لا يحب إظهار الفضائح إلا في حق من ظلم وهم المسلمون الذين عظم ضرر المنافقين وكيدهم فيهم.
وأيضاً إن المنافقين إذا تاب وأصلح لم يكد يسلم من تعيير المسلمين إياه على ما صدر عنه في الماضي فبيّن أن تعييرهم بعد التوبة أمر مذموم وأنه لا يرضى به إلا من ظلم نفسه وعاد إلى نفاقه.
قالت المعتزلة: في الآية دلالة على أنه لا يريد من عباده فعل القبائح لأن محبة الله عبارة عن إرادته.
وقالت الأشاعرة: المحبة عبارة عن إيصال الثواب على الفعل وحينئذ يصح أن يقال: إنه أراده وما أحبه.
قال أهل العلم: إنه لا يحب الجهر بالسوء ولا غير الجهر، ولكنه ذكر هذا الوصف لأن كيفية الواقعة أوجبت ذلك كقوله: ﴿ إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ﴾ والتبين واجب في الطعن والإقامة.
أما قوله: ﴿ إلاّ من ظلم ﴾ فالاستثناء فيه متصل أو منقطع.
وعلى الأول قال أبو عبيدة: تقديره إلاّ جهر من ظلم فحذف المضاف.
وقال الزجاج: الجهر بمعنى المجاهر أي / لا يحب الله المجاهر بالسوء إلاّ من ظلم.
وعلى الثاني المعنى لكن المظلوم له أن يجهر بظلامته.
وماذا يفعل المظلوم؟
قال ابن عباس: له أن يرفع صوته بالدعاء على من ظلمه.
وقال مجاهد: له أن يخبر بظلم ظالمه له.
وقال الأصم: لا يجوز إظهار الأحوال المستورة المكنونة حذراً من الغيبة والريبة لكن له إظهار ظلمه بأن يذكر أنه سرق أو غصب.
وقال الحسن: له أن ينتصر من ظالمه.
وعن مجاهد أن ضيفاً تضيف قوماً فأساؤوا قراه فاشتكاهم فنزلت الآية رخصة في أن يشكو.
وقرأ الضحاك وزيد بن أسلم وسعيد بن جبير ﴿ إلاّ من ظلم ﴾ على البناء للفاعل.
وقيل: إنه كلام منقطع عما قبله أي لكن من ظلم فدعوه وخلوه.
وقال الفراء والزجاج: معناه لكن من ظلم فإنه يجهر له بالسوء من القول ﴿ وكان الله سميعاً عليماً ﴾ فليتق الله ولا يقل إلا الحق ولا يقذف مستوراً.
ثم حث على العفو بقوله: ﴿ إن تبدوا خيراً أو تخفوه ﴾ وهو إشارة إلى إيصال النفع ﴿ أو تعفوا عن سوء ﴾ وهذا إشارة إلى دفع الضرر، وعلى هذين تدور المعاشرة مع الخلق.
﴿ فإنّ الله عفواً قديراً ﴾ قال الحسن: أي يعفو عن الجاني مع قردته على الانتقام فعليكم أن تقتدوا بسنّة الله.
وقيل: عفو لمن عفا، قدير على إيصال الثواب إليه، وقال الكلبي: معناه أن الله أقدر على عفو ذنوبك منك على عفو صاحبك.
وفي الخبر "أن أبا بكر الصديق شتمه رجل فسكت مراراً ثم رد عليه فقام النبي فقال أبو بكر: شتمني وأنت جالس فلما رددت عليه قمت.
قال: إن ملكاً كان يجيب عنك، فلما رددت ذهب الملك وجاء الشيطان فلم أجلس عند مجيء الشيطان" .
ثم إنه تكلم بعد ذكر أحوال المنافقين في مذاهب اليهود والنصارى وأباطيلهم.
وذلك أنواع: الأول إيمانهم ببعض الأنبياء دون بعض فسلكهم في سلك من لا يقر بالوحدانية ولا بالنبوّات وهم الذين يكفرون بالله ورسله، وفي سلك من يقر بالوحدانية وينكر النبوّات وهم الذين يريدون أن يفرقوا بين الله ورسله في الإيمان بالله والكفر بالرسل؛ وذلك أن اليهود آمنوا بموسى والتوراة وكفروا بعيسى والإنجيل ومحمد والفرقان، والنصارى آمنوا بعيسى والإنجيل وكفروا بمحمد والقرآن فآمنوا ببعض الأنبياء وكفروا بالبعض وأرادوا أن يتخذوا بين ذلك أي بين الإيمان بالكل وبين الكفر بالكل سبيلاً أي واسطة ﴿ أولئك ﴾ أي الطوائف الثلاث ﴿ هم الكافرون ﴾ أما الطائفة الأولى فكفرهم ظاهر، وأما الثانية فلأنّ تكذيب الأنبياء وإنكارهم يستلزم تكذيب الله ﴿ إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله ﴾ وأما الطائفة الثالثة فلأنّ الدليل الدال على نبوة بعض الأنبياء هو المعجزة ويلزم منه حصول النبوة حيث حصل المعجز فالقدح في بعض من ظهر على يده المعجزة هو القدح في كل نبي.
فقيل: هب أنه يلزمهم الكفر بكل الأنبياء ولكن ليس إذا توجه بعض الإلزامات على إنسان لزم أن يكون ذلك الإنسان قائلاً به، فإلزام الكفر أمر والتزام الكفر غيره.
فالجواب أن الإلزام إذا كان خفياً / يحتاج فيه إلى فكر وتأمل فالأمر كما ذكرتم، أما إذا كان جلياً واضحاً لم يبق بين الإلزام والإلتزام فرق.
وانتصاب ﴿ حقاً ﴾ على أنه مصدر مؤكد لغيره كقوله: زيد قائم حقاً أي أخبرتك بهذا المعنى إخباراً حقاً أي ثابتاً.
وقيل: المراد هم الكافرون كفراً حقاً وطعن الواحدي فيه بأن الكفر لا يكون حقاً بوجه من الوجوه.
وأجيب بأن الحق ههنا الكامل الراسخ الثابت.
ثم ختم النوع بوعد المؤمنين.
ومعنى: ﴿ بين أحد ﴾ بين اثنين منهم أو جماعة لأن أحداً في سياق النفي يفيد التعدد.
ومعنى ﴿ سوف ﴾ توكيد الوعيد لا التأخر المجرد ولهذا قال سيبويه: لن أفعل نفى سوف أفعل.
فالمعنى أن إيتاء الأجور كائن لا محالة وإن تأخر.
التأويل: إنّ المنافقين يخادعون الله في الدنيا لأن الله خادعهم في الأزل حيث رش نوره وشاهدوه ثم أخطأهم إن شكرتم نعم الله عليكم وآمنتكم أنفسكم من عذابه ﴿ لا يحب الله الجهر بالسوء من القول ﴾ من العوام ولا من التحدث بالنفس من الخواص ولا من الخواطر من الأخص ﴿ إلاّ من ظلم ﴾ إما بتقاضي دواعي البشرية من غير اختيار أو بابتلاء من اضطرار.
وأيضاً ﴿ لا يحب الله الجهر بالسوء من القول ﴾ بإفشاء سر الربوبية، وإظهار مواهب الألوهية، أو بكشف القناع من مكنونات الغيب ومصونات غيب الغيب ﴿ إلا من ظلم ﴾ بغلبات الأحوال وتعاقب كؤوس الجلال والجمال فاضطر إلى المقال فقال باللسان الباقي لا باللسان الفاني: أنا الحق وسبحاني ﴿ إن تبدوا خيراً ﴾ مما كوشفتم به من ألطاف الحق تنبيهاً للخلق وإفادة بالحق، أو تخفوه صيانة لنفوسكم عن آفات الشوائب وفطامها عن المشارب ﴿ أو تعفوا عن سوء ﴾ مما يدعو إليه هوى النفس الأمارة، أو تتركوا إعلان ما جعل الله إظهاره سوءاً ﴿ فإن الله كان عفواً ﴾ فتكون عفواً متخلقاً بأخلاقه ﴿ إن الذين يكفرون ﴾ فيه إشارة إلى أن الإيمان لا يتبعض وإن كان يزيد وينقص مثاله شعاع الشمس؛ إذا دخل كوّة البيت فيزيد وينقص بحسب سعة الكوة وضيقها، ولكن لا يمكن تجزئتها بحيث يؤخذ جزء منه فيجعل في شيء آخر غير محاذ للشمس والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ ﴾ .
يحتمل قوله - -: ﴿ يُخَادِعُونَ ٱللَّهَ ﴾ ، أي: يخادعون أولياء الله أو دينه، فأضيف إليه؛ فهو جائز، وفي القرآن كثير؛ كقوله - -: ﴿ إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ يَنصُرْكُمْ ﴾ ، أي: إن تنصروا دين الله أو أوليائه ينصركم، وقد ذكرنا هذا في صدر الكتاب.
وقوله - عز جل -: ﴿ وَهُوَ خَادِعُهُمْ ﴾ ، أي: يجزيهم جزاء خداعهم المؤمنين؛ فسمي: خداعاً - وإن لم يكن في الحقيقة خداعاً؛ لأنه جزاء الخداع، وهو كما سمى جزاء السيئة: سيئة، وإن لم تكن الثانية - في الحقيقة - سيئة، وكذلك سمى جزاء الاعتداء: اعتداء، وإن لم يكن الثاني اعتداء؛ فعلى ذلك سمى هذا: خداعاً؛ لأنه جزاء الخداع، واللغة غير ممتنعة عن تسمية الشيء باسم سببه؛ على ما ذكرنا، والله أعلم.
ثم اختلف في جهة الخداع؛ عن ابن عباس - - قال: يعطي المنافقين على الصراط نوراً كما يعطي المؤمنين؛ فإذا مضوا به على الصراط طفِئ نورهم، ويبقى نور المؤمنين يمضون بنورهم؛ فينادون المؤمنين: ﴿ ٱنظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ ﴾ فتجوز به؛ فتناديهم الملائكة: ﴿ ٱرْجِعُواْ وَرَآءَكُمْ فَٱلْتَمِسُواْ نُوراً ﴾ ، وقد علموا أنهم لا يستطيعون الرجوع؛ فذلك قوله: ﴿ وَهُوَ خَادِعُهُمْ ﴾ وكذلك قال الحسن، ثم قال: فتلك خديعة الله إياهم.
وقال آخرون: يفتح لهم باب من أبواب الجنة؛ فإذا رأوا ذلك قصدوا ذلك الباب، فلما دنوا منه أغلق دونهم، فذلك الخداع، والله أعلم.
ويحتمل وجهاً آخر: وهو أنهم شاركوا المؤمنين في هذه الدنيا ومنافعها، والتمتع والتقلب فيها؛ فظنوا أنهم يشاركونهم في منافع الآخرة والتمتع بها؛ فيحرمون ذلك، فذلك الخديعة، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا قَامُوۤاْ إِلَى ٱلصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَىٰ يُرَآءُونَ ٱلنَّاسَ ...
﴾ الآية.
جعل الله - - للمنافق أعلاما في قوله وفعله يعلم بها المنافق.
أما في القول: ما قالوا: ﴿ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَٱخْشَوْهُمْ ﴾ ، وقوله: ﴿ وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ ﴾ ، وقوله - -: ﴿ قَدْ يَعْلَمُ ٱللَّهُ ٱلْمُعَوِّقِينَ مِنكُمْ وَٱلْقَآئِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا...
﴾ الآية [الأحزاب: 18].
وأما في الفعل فهو قوله - -: ﴿ وَإِذَا قَامُوۤاْ إِلَى ٱلصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَىٰ يُرَآءُونَ ٱلنَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ ، وقوله: ﴿ وَلاَ يَأْتُونَ ٱلْبَأْسَ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ أي القتال، وقوله - -: ﴿ فَإِذَا جَآءَ ٱلْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَٱلَّذِي يُغْشَىٰ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْمَوْتِ...
﴾ الآية [الأحزاب: 19]، ومثله كثير في القرآن، مما جعل ذلك علامة لهم، وهو قوله - -: ﴿ وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُواْ تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ...
﴾ الآية [المنافقون: 4]، وكقوله - -: ﴿ وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ نَّظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ...
﴾ الآية [التوبة: 127] يراءون في جميع أفعالهم - الناس.
وفي حرف حفصة - ا -: "يراءون الناس والله يعلم ما في قلوبهم ولا يذكرون الله إلا قليلا".
عن الحسن في قوله - -: ﴿ وَلاَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ - فقال: أما والله لو كان [ذلك] القليل منهم لله لقبله، ولكن ذلك القليل رياء.
وقيل: لو كان ذلك القليل لله يريدون به وجهه، فقبله - لكان كثيراً، ولكن لا يقبله؛ فهو لا شيء.
وقد تكلم بالقليل واليسير على إرادة النفي من الأصل، والله أعلم.
وروي عن ابن معسود - - قال: قال رسول الله : "مَنْ أَحْسَنَ الصَّلاَةَ حَيْثُ يَرَاهُ النَّاسُ، وَأَسَاءَهَا حَيْثُ يَخْلُو - فَتِلْكَ اسْتِهَانَةٌ يَسْتَهِينُ بِهَا رَبَّهُ" وروي في علامة المنافق أخبار: روى أبو هريرة - - [قال]: قال النبي : "إِنَّ للمُنَافِقِ عَلاَمَاتٍ، يُعْرَفُونَ بِهَا: تَحِيِّتَهُمْ لَعْنَةٌ، وَطَعَامُهُمْ نُهْبةٌ، وَغَنِيمَتُهُم غُلُولٌ، لاَ يَقْرَبُونَ المَسَاجِدَ إِلاَّ هَجْراً، وَلاَ يَاْتُونَ الصَّلاَةَ إِلاَّ دُبُراً" وعن عبد الله بن عمرو - - عن النبي قال: "أَرْبعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقاً خَالِصاً: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ" ، وروي: ثلاث.
ورُوي عن عبد الله قال: اعتبروا المنافق بثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر.
ثم قرأ الآيات: ﴿ وَمِنْهُمْ مَّنْ عَاهَدَ ٱللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ...
﴾ الآية [التوبة: 75].
وعن وهب قال: من خصال المنافق: أن يحب الحمد، ويكره الذم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذٰلِكَ لاَ إِلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ وَلاَ إِلَى هَـٰؤُلاۤءِ ﴾ .
قال أكثر أهل التأويل: ليسوا بمسلمين مخلصين ولا مشركين مصرحين.
وهو - أيضاً - قول قتادة.
وقال مقاتل: ليسوا مع اليهود فيظهرون ولا يتهم لهم، وليسوا مع المؤمنين في التصديق مع الولاية.
ويحتمل غير هذا: وهو أنه لم يظهر لكل واحد من الفريقين منهم الموافقة لهم والكون معهم؛ بل ظهر منهم الخلاف عند كل فريق؛ لأنهم كانوا أصحاب طمع، عُبّادَ أنفسهم، يكونون حيث رأوا السعة معهم؛ فلا إلى هؤلاء في حقيقة الدين عند أنفسهم، ولا إلى هؤلاء، فذلك - والله أعلم - تأويله.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً ﴾ .
قيل: حجة؛ على ما قيل في الأول.
وقيل: ﴿ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً ﴾ ، يعني: هدى وطريقاً مستقيماً، والله أعلم.
وعن الحسن: ﴿ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً ﴾ ؛ ما دام كافراً؛ فإذا تاب ورجع عن ذلك فله السبيل.
وقوله - عز جل -: ﴿ يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ .
عن ابن عباس - - قال: نزلت في المنافقين الذين اتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين؛ سماهم الله - - مؤمنين بإقرارهم بالإيمان علانية؛ وتوليهم الكافرين سرّاً، أو أن يقال: سموا مؤمنين؛ لما كانوا ينتسبون إلى المؤمنين؛ فسموا بذلك.
وقيل: نزلت في المؤمنين، نهاهم أن يتخذوا المنافقين أولياء بإظهارهم الإيمان علانية، وأمرهم أن يتخذوا المؤمنين أولياء.
ثم وجه النهي في الولاية واتخاذهم أولياء يكون من وجوه: يحتمل: النهي عن ولايتهم ولاية الدين، أي: لا تثقوا بهم، ولا تصدقوهم، ولا تأمنوهم في الدين؛ فإنهم يريدون أن يصرفوكم عن دينكم؛ كقوله - -: ﴿ يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِن تُطِيعُواْ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يَرُدُّوكُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ ﴾ الآية [آل عمران: 149].
ويحتمل: النهي عن اتخاذهم أولياء في أمر الدنيا؛ كقوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً...
﴾ الآية [آل عمران: 118]، نهى - عز وجل - المؤمنين أن يجعلوا المنافقين موضع سرهم في أمر من أمور الحرب وغيره.
والثالث: في كل أمر، أي: لا تصادقوهم، ولا تجالسوهم، ولا تأمنوهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُواْ للَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً مُّبِيناً ﴾ .
أي: تجعلون لله عليكم سلطاناً مبيناً.
قيل: عذراً مبيناً.
وقيل: حجة بينة يحتج بها عليكم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُواْ للَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً مُّبِيناً ﴾ فهو - والله أعلم - الإرادة، وهي صفة كل فاعل في الحقيقة، وحرف الاستفهام من الله إيجاب؛ فكأنه قال: قد جعلتم لله في تعذيبكم حجة بينة يعقلها الكل؛ إذ ذلك يكون - وهو اتخاذ الكافرين أولياء دون المؤمنين - حجة ظاهرة في لزوم المقت.
وجائز أن تكون الإضافة إلى الله ترجع إلى أولياء الله؛ نحو الأمر بنصر الله، والقول بمخادعة الله، وكان ذلك منهم حجة بينة عليهم لأولياء الله: أنهم لا يتخذون الشيطان [وليا، و] أولياء: عبادة غير الله اتخذوه، ولا قوة إلا بالله.
<div class="verse-tafsir"
هؤلاء المنافقون مترددون في حَيرة، فلا هم مع المؤمنين ظاهرًا وباطنًا ولا مع الكافرين، بل ظاهرهم مع المؤمنين وباطنهم مع الكافرين، ومن يضلل الله فلن تجد له -أيها الرسول- طريقًا لهدايته من الضلال.
<div class="verse-tafsir" id="91.orvOP"
يقال في سبب النزول: إنه اجتمع نفر من المسلمين واليهود والنصارى وتكلم كل في تفضيل دينه فنزل قوله تعالى: ﴿ لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ ﴾ الآية، والمعنى بناء على ذلك: ليس شرف الدين وفضله ولا نجاة أهله به أن يقول القائل منهم إن ديني أفضل وأكمل، وأحق وأثبت، وإنما عليه إذا كان موقنًا به أن يعمل بما يهديه إليه فإن الجزاء إنما يكون على العمل لا على التمني والغرور، فلا أمر نجاتكم أيها المسلمون منوطًا بأمانيكم في دينكم، ولا أمر نجاة أهل الكتاب منوطًا بأمانيهم في دينهم، فإن الأديان ما شرعت للتفاخر والتباهي، ولا تحصل فائدتها بمجرد الانتماء إليها والتمدح بها بلوك الألسنة والتشدق في الكلام، بل شرعت للعمل، والآية مرتبطة بما قبلها سواء صح ما روي في سبب نزولها أم لم يصح، لأن قوله تعالى: ﴿ يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ ﴾ في الآيات التي قبلها يدخل فيه الأماني التي كان يتمناها أهل الكتاب غرورًا بدينهم إذ كانوا يرون أنهم شعب الله الخاص ويقولون إنهم أبناء الله وأحباؤه وأنه لن تمسهم النار إلا أيامًا معدودة، وأنه لن يدخل الجنة إلا من كان هودًا أو نصارى، وغير ذلك مما يقولون ويدعون، وإنما سرى هذا الغرور إلى أهل الأديان من اتكالهم على الشفاعات، وزعمهم أن فضلهم على غيرهم من البشر بمن بعث فيهم من الأنبياء لذاتهم، فهم بكرامتهم يدخلون الجنة وينجون من العذاب لا بأعمالهم، فحذرنا الله أن نكون مثلهم، وكانت هذه الأماني قد دبت إلى المسلمين في عصر النبي بدليل قوله تعالى في سورة الحديد: ﴿ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ ﴾ الآية، فهذا خطاب للذين كانوا ضعفاء الإيمان من المسلمين في العصر الأول ولأمثالهم في كل زمان والله عليم بما كانوا عليه حين أنزل هذه الموعظة وبما آل وما يؤول إليه أمرهم بعد ذلك، ولو تدبروا قوله لما كان لأمثال هذه الأماني عليهم من سلطان فقد بين لهم طرق الغرور ومداخل الشيطان فيها.
وقد روي حديث عن الحسن: "ليس الإيمان بالتمني ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل"، وقال الحسن: إن قومًا غرتهم المغفرة فخرجوا من الدنيا وهم مملؤون بالذنوب ولو صدقوا لأحسنوا العمل.
إن كثيرًا من الناس يقولون تبعًا لمن قبلهم في أزمنة مضت: إن الإسلام أفضل الأديان، أي دين أصلح إصلاحه؟
أي دين أرشد إرشاده؟
أي شرع كشرعه في كماله؟
ولو سئل الواحد منهم ماذا فعل الإسلام؟
وبماذا يمتاز على غيره من الأديان؟
لا يحير جوابًا.
وإذا عرضت عليه شبهة على الإسلام وسئل كشفها حاص حيصة الحمر وقال أعوذ بالله، أعوذ بالله، والضال يبقى على ضلاله، والطاعن في الدين يتمادى في طعنه، والمغرور يسترسل في غروره، فالكلام كثير ولا علم ولا عمل يرفع شأن الإسلام والمسلمين.
﴿ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ ﴾ وإذا طبقنا المسألة على سنة الله التي لا تبديل لها ولا تحويل علمنا أن مصائب الدنيا تكون جزاء على ما يقصر فيه الناس من السير على سنن الفطرة وطلب الأشياء من أسبابها، واتقاء المضرات باجتناب عللها، ﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ﴾ .
﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ﴾ تقدم في الآيات السابقة وصف الضالين الذين لا يستعملون عقولهم في فهم الدين وآياته وذكر حظ الشيطان منهم وإشغاله بالأماني الخادعة، ثم بين أن أمر الآخرة ليس بالأماني وإنما هو بالعمل والإيمان، وأن العبرة عند الله بالقلوب والأعمال، والحقيقة واحدة لا تختلف باختلاف الأوقات والأحوال، ولا تتبدل بتبديل الأجيال والآجال، ثم زاد هذا بيانا بهذه الآية فبيّن أن صفوة الأديان التي ينتحلها الناس هي ملة إبراهيم في إخلاص التوحيد وإحسان العمل، وعبر عن توجه القلب بإسلام الوجه لأن الوجه أعظم مظهر لما في النفس من الإقبال والإعراض، والخشوع والسرور والكآبة وغير ذلك، وقد يظهر بعض الناس الخضوع أو الاحترام للآخر بإشارة اليد ولكن هذا يكون بالتعمل ويعرف بالمواضعة، وما يظهر في الوجه هو الفطري الذي يدل على السريرة وهو يتمثل في كل جزء منه كالعينين والجبهة والحاجبين والأنف والحركة، فإسلام الوجه لله هو تركه له بأن يتوجه إليه وحده في طلب حاجاته وإظهار عبوديته، وهو كمال التوحيد وأعلى درجات الإيمان.
وأما الإحسان فهو إحسان العمل -خلافًا (للجلال) فيهما إذا عكس- واتباع ملة إبراهيم يراد به فيما يظهر ما أشار إليه في قوله : ﴿ شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ ﴾ فإقامة الدين مرتبة فوق مرتبة التدين المطلق وهي العمل به على وجه الكمال بحيث يقوم بناؤه ويثبت، وعدم التفرق فيه والتعادي بين أهله، ﴿ وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا ﴾ أي اصطفاه لتوحيده وإقامه دينه في زمن وبلاد غلبت عليها الوثنية، وقوم أفسد الشرك عقولهم ودنس فطرتهم، فكان إبراهيم خالصًا مخلصًا لله، وبهذا المعنى سماه الله خليلاً، وإذا أراد الله أن يكرم عبدًا من عباده أطلق عليه ما شاء، وإلا فإن المعنى المتبادر من لفظ الخليل في استعمالنا له يتنزه الله عنه فإن الخلة بين الخليلين إنما تتحقق بشيء من المساواة بينهما وهي من مادة التخلل الذي هو بمعنى الامتزاج والاختلاط.
﴿ وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا ﴾ ختم هذا السياق بهذه الآية لفوائد: إحداها: التذكير بقدرته تعالى على إنجاز وعده ووعيده في الآيات التي قبلها فإن له ما في السموات والأرض خلقًا وملكًا وهو أكرم من وعد وأقدر من أوعد.
ثانيها: بيان الدليل على أنه المستحق وحده لإسلام الوجه له والتوجه إليه في كل حال، وهذا هو روح الدين وجوهره لأنه هو المالك لكل شيء وغيره لا يملك بنفسه شيئًا، فكيف يتوجه العاقل إلى من لا يملك شيئًا ويترك التوجه إلى مالك كل شيء أو يشرك به غيره في التوجه ولو لأجل قربة منه؟
ثالثها: نفى ما ربما يسبق إلى بعض الأذهان من اللوازم العادية في اتخاذ الله إبراهيم خليلاً- كأن يتوهم أحد أن هنالك شيئًا من المناسبة أو المقاربة في حقيقة الذات أو الصفات، فبين تعالى أن كل ما في السموات والأرض ملك له ومن خلقه مهما اختلفت صفات تلك المخلوقات ومراتبها في أنفسها وبنسبة بعضها إلى بعض، فإذا هي نسبت إليه فهو الخالق المالك المعبود وهي مخلوقات مملوكة عابدة له خاضعة لأمره التكويني ﴿ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا ﴾ .
فسروا الإحاطة بالقدرة والقهر ويصح أن يكون إحاطة وجود لأن هذه الموجودات ليس وجودها من ذاتها، ولا هي ابتدعت نفسها وإنما وجودها مستمد من ذلك الوجود الواجب الأعلى فالوجود الإلهي هو المحيط بكل موجود فوجب أن يخلص الخلق له ويتوجه إليه العباد وحده ولا يشركوا به أحدًا من خلقه.
متفرقات آيات من سورة الحج [مسألة الغرانيق].
الترتيب والتعقيب -الشفاعة- والتكرار: في القرآن.
آية من سورة الأحزاب [مسألة زيد وزينب].