الإسلام > القرآن > سور > سورة 4 النساء > الآية ١٥٣ من سورة النساء
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 104 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٥٣ من سورة النساء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
قال محمد بن كعب القرظي ، والسدي ، وقتادة : سأل اليهود رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينزل عليهم كتابا من السماء .
كما نزلت التوراة على موسى مكتوبة .
قال ابن جريج : سألوه أن ينزل عليهم صحفا من الله مكتوبة إلى فلان وفلان وفلان ، بتصديقه فيما جاءهم به .
وهذا إنما قالوه على سبيل التعنت والعناد والكفر والإلحاد ، كما سأل كفار قريش قبلهم نظير ذلك ، كما هو مذكور في سورة " سبحان " : ( وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا ) [ الإسراء : 90 ، 93 ] الآيات .
ولهذا قال تعالى : ( فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة فأخذتهم الصاعقة بظلمهم ) أي : بطغيانهم وبغيهم ، وعتوهم وعنادهم .
وهذا مفسر في سورة " البقرة " حيث يقول تعالى : ( وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون .
ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون ) [ البقرة : 55 ، 56 ] .
وقوله تعالى : ( ثم اتخذوا العجل من بعد ما جاءتهم البينات ) أي : من بعد ما رأوا من الآيات الباهرة والأدلة القاهرة على يد موسى ، عليه السلام ، في بلاد مصر وما كان من إهلاك عدو الله فرعون وجميع جنوده في اليم ، فما جاوزوه إلا يسيرا حتى أتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم ، فقالوا لموسى ( اجعل لنا إلها كما لهم آلهة [ قال إنكم قوم تجهلون .
إن هؤلاء متبر ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون ] ) [ الأعراف : 138 ، 139 ] .
ثم ذكر تعالى قصة اتخاذهم العجل مبسوطة في سورة " الأعراف " ، وفي سورة " طه " بعد ذهاب موسى إلى مناجاة الله ، عز وجل ، ثم لما رجع وكان ما كان ، جعل الله توبتهم من الذي صنعوه وابتدعوه : أن يقتل من لم يعبد العجل منهم من عبده ، فجعل يقتل بعضهم بعضا ثم أحياهم الله ، عز وجل ، فقال الله عز وجل ( فعفونا عن ذلك وآتينا موسى سلطانا مبينا )
القول في تأويل قوله : يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا (153) قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: " يسألك " يا محمد=" أهل الكتاب "، يعني بذلك: أهل التوراة من اليهود=" أن تنـزل عليهم كتابًا من السماء ".
* * * واختلف أهل التأويل في" الكتاب " الذي سألَ اليهودُ محمدًا صلى الله عليه وسلم أن ينـزل عليهم من السماء.
فقال بعضهم: سألوه أن ينـزل عليهم كتابًا من السماء مكتوبًا، كما جاء موسى بني إسرائيل بالتوراة مكتوبةً من عند الله.
*ذكر من قال ذلك: 10768- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " يسألك أهل الكتاب أن تنـزل عليهم كتابًا من السماء "، قالت اليهود: إن كنت صادقًا أنك رسول الله، فآتنا كتابًا مكتوبًا من السماء، كما جاء به موسى.
10769- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا أبو معشر، عن محمد بن كعب القرظي قال: جاء أناس من اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: إن موسى جاء بالألواحِ من عند الله، فأتنا بالألواح من عند الله حتى نصدّقك!
فأنـزل الله: " يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَـزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ"، إلى قوله: وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا .
* * * وقال آخرون: بل سألوه أن ينـزل عليهم كتابًا، خاصَّة لهم.
*ذكر من قال ذلك: 10770- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَـزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ"، أي كتابًا، خاصةً=" فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة ".
وقال آخرون: بل سألوه أن ينـزل على رجال منهم بأعيانهم كتبًا بالأمر بتصديقه واتّباعه.
*ذكر من قال ذلك: 10771- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج قوله: " يسألك أهل الكتاب أن تنـزل عليهم كتابًا من السماء "، وذلك أن اليهود والنصارى أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: " لن نتابعك على ما تدعونا إليه، حتى تأتينا بكتاب من عند الله إلى فلان (28) أنك رسول الله، وإلى فلان بكتاب أنك رسول الله "!
قال الله جل ثناؤه: " يسألك أهل الكتاب أن تنـزل عليهم كتابًا من السماء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة ".
قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن أهل التوراة سألوا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم أن يسأل ربه أن ينـزل عليهم كتابًا من السماء، آيةً معجزةً جميعَ الخلق عن أن يأتوا بمثلها، شاهدةً لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالصدق، آمرة لهم باتباعه.
وجائز أن يكون الذي سألوه من ذلك كتابًا مكتوبًا ينـزل عليهم من السماء إلى جماعتهم= وجائز أن يكون ذلك كتبًا إلى أشخاص بأعينهم.
بل الذي هو أولى &; 9-358 &; بظاهر التلاوة، أن تكون مسألتهم إياه ذلك كانت مسألة لتنـزيل الكتاب الواحد إلى جماعتهم، (29) لذكر الله تعالى في خبره عنهم " الكتاب " بلفظ الواحد بقوله: " يسألك أهل الكتاب أن تنـزل عليهم كتابًا من السماء "، (30) ولم يقل " كتبًا ".
* * * وأما قوله: " فقد سألوا موسى أكبر من ذلك "، فإنه توبيخ من الله جل ثناؤه سائلي الكتابَ الذي سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينـزله عليهم من السماء، في مسألتهم إياه ذلك= وتقريعٌ منه لهم.
يقول الله لنبيه صلى الله عليه وسلم: يا محمد، لا يعظُمَنَّ عليك مسألتهم ذلك، فإنهم من جهلهم بالله وجراءَتهم عليه واغترارهم بحلمه، لو أنـزلت عليهم الكتاب الذي سألوك أن تنـزله عليهم، لخالفوا أمر الله كما خالفوه بعد إحياء الله أوائلهم من صعقتهم، فعبدوا العجل واتخذوه إلهًا يعبدونه من دون خالقهم وبارئهم الذي أرَاهم من قدرته وعظيم سلطانه ما أراهم، لأنهم لن يعدُوا أن يكونوا كأوائلهم وأسلافهم.
* * * ثم قصّ الله من قصتهم وقصة موسى ما قصَّ، يقول الله: " فقد سألوا موسى أكبرَ من ذلك "، يعني: فقد سأل أسلافُ هؤلاء اليهود وأوائلهم موسى عليه السلام، أعظم مما سألوك من تنـزيل كتاب عليهم من السماء، فقالوا له: " أرنا الله جهرة "، أي: عِيانًا نعاينه وننظر إليه.
* * * وقد أتينا على معنى " الجهرة "، بما في ذلك من الرواية والشواهد على صحة ما قلنا في معناه فيما مضى، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.
(31) * * * وقد ذكر عن ابن عباس أنه كان يقول في ذلك، بما:- 10772- حدثني به الحارث قال، حدثنا أبو عبيد قال، حدثنا حجاج، عن هارون بن موسى، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن عبد الرحمن بن معاوية، عن ابن عباس في هذه الآية قال: إنهم إذا رأوه فقد رأوه، إنما قالوا جهرةً: " أرنا الله ".
قال: هو مقدّم ومؤخر.
* * * وكان ابن عباس يتأول ذلك: أن سؤالهم موسى كان جهرة.
(32) * * * وأما قوله: " فأخذتهم الصاعقة "، فإنه يقول: " فصُعقوا "=" بظلمهم " أنفسهم.
وظلمهم أنفسهم، كان مسألَتهم موسى أن يريهم ربهم جهرة، لأن ذلك مما لم يكن لهم مسألته.
* * * وقد بينا معنى: " الصاعقة "، فيما مضى باختلاف المختلفين في تأويلها، والدليل على أولى ما قيل فيها بالصواب.
(33) * * * وأما قوله: " ثم اتخذوا العجل "، فإنه يعني: ثم اتخذ= هؤلاء الذين سألوا موسى ما سألوه من رؤية ربهم جهرةً، بعد ما أحياهم الله فبعثهم من صعقتهم= العجلَ الذي كان السامريُّ نبذ فيه ما نبذ من القبْضة التي قبضها من أثر فرس جبريل عليه السلام= إلهًا يعبدونه من دون الله.
(34) * * * وقد أتينا على ذكر السبب الذي من أجله اتخذوا العجل، وكيف كان أمرهم وأمره، فيما مضى بما فيه الكفاية.
(35) * * * وقوله: " من بعد ما جاءتهم البينات "، يعني: من بعد ما جاءت هؤلاء الذين سألوا موسى ما سألوا، البينات من الله، والدلالاتُ الواضحات بأنهم لن يروا الله عيانًا جهارًا.
وإنما عنى بـ " البينات ": أنها آيات تبين عن أنهم لن يروا الله في أيام حياتهم في الدنيا جهرة.
(36) وكانت تلك الآيات البينات لهم على أن ذلك كذلك: إصعاقُ الله إياهم عند مسألتهم موسى أن يريهم ربه جهرة، ثم إحياءه إياهم بعد مماتهم، مع سائر الآيات التي أراهم الله دلالةً على ذلك.
* * * = يقول الله، مقبِّحًا إليهم فعلهم ذلك، وموضحًا لعباده جهلهم ونقصَ عقولهم وأحلامهم: ثم أقرُّوا للعجل بأنه لهم إله، وهم يرونه عيانًا، وينظرون إليه جِهَارًا، بعد ما أراهم ربهم من الآيات البينات ما أراهم: أنهم لا يرون ربهم جهرة وعِيانًا في حياتهم الدنيا، فعكفوا على عبادته مصدِّقين بألوهته!!
* * * وقوله: " فعفونا عن ذلك "، يقول: فعفونا لعبدة العجل عن عبادتهم إياه، (37) وللمصدقين منهم بأنه إلههم بعد الذي أراهم الله أنهم لا يرون ربهم في حياتهم من الآيات ما أراهم= عن تصديقهم بذلك، (38) بالتوبة التي تابوها إلى ربّهم بقتلهم أنفسهم، وصبرهم في ذلك على أمر ربهم=" وآتينا موسى سلطانًا مبينًا "، يقول: وآتينا موسى حجة تبين عن صدقه، وحقيقة نبوّته، (39) وتلك الحجة هي: الآيات البينات التي آتاه الله إياها.
(40) --------------------- الهوامش : (28) في المخطوطة: "من عبد الله ، من الله إلى فلان" ، والذي في المطبوعة هو الصواب ، إلا أن يكون الناسخ كتب"من عند الله" ثم ، غيرها"من الله" ، ثم لم يضرب على أولاهما.
(29) في المطبوعة: "لينزل الكتاب" ، وأثبت ما في المخطوطة.
(30) في المطبوعة: "يقول: يسألك ..." ، والصواب من المخطوطة.
(31) انظر تفسير"جهرة" فيما سلف 2 : 80-82.
(32) هذا القول الذي نسب إلى ابن عباس ، لم يمض مثله في تفسير آية سورة البقرة 2 : 80-82 ، وهذا أحد الأدلة على اختصار هذا التفسير.
(33) انظر تفسير"الصاعقة" فيما سلف 2 : 82-84.
(34) سياق هذه الفقرة: ثم اتخذ هؤلاء ...
العجل ...
إلها ...".
(35) انظر ما سلف 2 : 63-68.
(36) انظر تفسير"البينات" فيما سلف 7 : 450 ، تعليق: 2 ، والمراجع هناك.
(37) انظر تفسير"العفو" فيما سلف ص: 351 ، تعليق: 2 ، والمراجع هناك.
(38) السياق: "فعفونا لعبدة العجل ...
عن تصديقهم بذلك".
(39) في المطبوعة: "وحقية نبوته" ، غير ما في المخطوطة عن وجهه ، ظنًا منه أنه خطأ ، وقد أشرنا إلى مثل ذلك من فعله فيما سلف ص: 336 ، تعليق: 4 ، وما سيأتي بعد قليل ص: 363 ، تعليق 2.
(40) انظر تفسير"الإيتاء" فيما سلف من فهارس اللغة.
وتفسير"السلطان" فيما سلف 7 : 279 / 9 : 336 ، 337.
وتفسير"مبين" فيما سلف ص: 336 تعليق: 3 ، والمراجع هناك.
قوله تعالى : يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة فأخذتهم الصاعقة بظلمهم ثم اتخذوا العجل من بعد ما جاءتهم البينات فعفونا عن ذلك وآتينا موسى سلطانا مبينا[ ص: 370 ] سألت اليهود محمدا صلى الله عليه وسلم أن يصعد إلى السماء وهم يرونه فينزل عليهم كتابا مكتوبا فيما يدعيه على صدقه دفعة واحدة ، كما أتى موسى بالتوراة ؛ تعنتا له صلى الله عليه وسلم ؛ فأعلم الله عز وجل أن آباءهم قد عنتوا موسى عليه السلام بأكبر من هذا فقالوا أرنا الله جهرة أي عيانا ؛ وقد تقدم في " البقرة " .
وجهرة نعت لمصدر محذوف أي رؤية جهرة ؛ فعوقبوا بالصاعقة لعظم ما جاءوا به من السؤال والظلم من بعد ما رأوا من المعجزات .قوله تعالى : ثم اتخذوا العجل في الكلام حذف تقديره : فأحييناهم فلم يبرحوا فاتخذوا العجل ؛ وقد تقدم في " البقرة " ويأتي ذكره في " طه " إن شاء الله .
من بعد ما جاءتهم البينات أي البراهين والدلالات والمعجزات الظاهرات من اليد والعصا وفلق البحر وغيرها بأنه لا معبود إلا الله عز وجل .
فعفونا عن ذلك أي عما كان منهم من التعنت .
وآتينا موسى سلطانا مبينا أي حجة بينة وهي الآيات التي جاء بها ؛ وسميت سلطانا لأن من جاء بها قاهر بالحجة ، وهي قاهرة للقلوب ، بأن تعلم أنه ليس في قوى البشر أن يأتوا بمثلها .
هذا السؤال الصادر من أهل الكتاب للرسول محمد صلى الله عليه وسلم على وجه العناد والاقتراح، وجعلهم هذا السؤال يتوقف عليه تصديقهم أو تكذيبهم.
وهو أنهم سألوه أن ينزل عليهم القرآن جملة واحدة كما نزلت التوراة والإنجيل، وهذا غاية الظلم منهم والجهل، فإن الرسول بشر عبد مدبر، ليس في يده من الأمر شيء، بل الأمر كله لله، وهو الذي يرسل وينزل ما يشاء على عباده كما قال تعالى عن الرسول، لما ذكر الآيات التي فيها اقتراح المشركين على محمد صلى الله عليه وسلم، { قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلَّا بَشَرًا رَّسُولًا } وكذلك جعلهم الفارق بين الحق والباطل مجرد إنزال الكتاب جملة أو مفرقا، مجرد دعوى لا دليل عليها ولا مناسبة، بل ولا شبهة، فمن أين يوجد في نبوة أحد من الأنبياء أن الرسول الذي يأتيكم بكتاب نزل مفرقا فلا تؤمنوا به ولا تصدقوه؟
بل نزول هذا القرآن مفرقا بحسب الأحوال مما يدل على عظمته واعتناء الله بمن أنزل عليه، كما قال تعالى: { وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا } فلما ذكر اعتراضهم الفاسد أخبر أنه ليس بغريب من أمرهم، بل سبق لهم من المقدمات القبيحة ما هو أعظم مما سلكوه مع الرسول الذي يزعمون أنهم آمنوا به.
من سؤالهم له رؤية الله عيانا، واتخاذهم العجل إلهًا يعبدونه، من بعد ما رأوا من الآيات بأبصارهم ما لم يره غيرهم.
قوله تعالى : ( يسألك أهل الكتاب ) الآية ، وذلك أن كعب بن الأشرف وفنحاص بن عازوراء من اليهود قالا لرسول الله صلى الله عليه وسلم : إن كنت نبيا فأتنا بكتاب جملة من السماء ، كما أتى بهموسى عليه السلام ، فأنزل الله عليه : ( يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء ) .
وكان هذا السؤال منهم سؤال تحكم واقتراح ، لا سؤال انقياد ، والله تعالى لا ينزل الآيات على اقتراح العباد .
قوله : ( فقد سألوا موسى أكبر من ذلك ) أي : أعظم من ذلك ، يعني : السبعين الذي خرج بهم موسى عليه السلام إلى الجبل ، ( فقالوا أرنا الله جهرة ) أي : عيانا ، قال أبو عبيدة : معناه قالوا جهرة أرنا الله ، ( فأخذتهم الصاعقة بظلمهم ثم اتخذوا العجل ) يعني إلها ، ( من بعد ما جاءتهم البينات فعفونا عن ذلك ) ولم نستأصلهم ، قيل : هذا استدعاء إلى التوبة ، معناه : أن أولئك الذين أجرموا تابوا فعفونا عنهم ، فتوبوا أنتم حتى نعفو عنكم ، ( وآتينا موسى سلطانا مبينا ) أي : حجة بينة من المعجزات ، وهي الآيات التسع .
«يسألك» يا محمد «أهل الكتاب» اليهود «أن تنزِّل عليهم كتابا من السماء» جملة كما أنزل على موسى تعنتا فإن استكبرت ذلك «فقد سألوا» أي آباؤهم «موسى أكبر» أعظم «من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة» عيانا «فأخذتهم الصاعقة» الموت عقابا لهم «بظلمهم» حيث تعتنوا في السؤال «ثم اتخذوا العجل» إلها «من بعد ما جاءتهم البينات» المعجزات على وحدانية الله «فعفونا عن ذلك» ولم نستأصلهم «وآتينا موسى سلطانا مبينا» تسلطا بينا ظاهرا عليهم حيث أمرهم بقتل أنفسهم توبة فأطاعوه.
يسألك اليهود -أيها الرسول- معجزة مثل معجزة موسى تشهد لك بالصدق: بأن تنزل عليهم صُحُفًا من الله مكتوبةً، مثل مجيء موسى بالألواح من عند الله، فلا تعجب -أيها الرسول- فقد سأل أسلافهم موسى -عليه السلام- ما هو أعظم: سألوه أن يريهم الله علانيةً، فَصُعِقوا بسبب ظلمهم أنفسهم حين سألوا أمرًا ليس من حقِّهم.
وبعد أن أحياهم الله بعد الصعق، وشاهدوا الآيات البينات على يد موسى القاطعة بنفي الشرك، عبدوا العجل من دون الله، فعَفونا عن عبادتهم العجل بسبب توبتهم، وآتينا موسى حجة عظيمة تؤيِّد صِدق نُبُوَّتِه.
ثم حكى - سبحانه - جانبا من الأسئلة المتعنتة التى كان اليهود يوجهونها إلى النبى صلى الله عليه وسلم ومن النعم التى أنعم - سبحانه - بها عليهم ومن المنكرات التى قالوها وفعلوها ، ومن العقوبات التى عاقبهم الله بها بسب ظلمهم وفسوقهم .
.
استمع إلى القرآن وهو يحكى كل ذلك فيقول : ( يَسْأَلُكَ أَهْلُ الكتاب .
.
.
أَجْراً عَظِيماً ) .ذكر المفسرون فى سبب نزول قوله - تعالى ( يَسْأَلُكَ أَهْلُ الكتاب ) .
.
الخ ذكروا روايات منها : ما أخرجه ابن جرير عن محمد بن كعب القرطى قال : جاء أناس من اليهود إلى رسول الله فقالوا : يا محمد ، إن موسى جاء بالألواح من عند الله ، فأتنا أنت بالألواح من عند الله حتى نصدقك .
فأنزل الله - تعالى - ( يَسْأَلُكَ أَهْلُ الكتاب ) .
إلى قوله ( وَقَوْلِهِمْ على مَرْيَمَ بُهْتَاناً عَظِيماً ) وعن السدى : قالت اليهود : يا محمد ، إن كنت صادقا فأتنا بكتاب من السماء كما جاء به موسى .وعن قتادة : أنهم سألوه أن ينزل على رجال منهم بأعيانهم كتبا ، تأمر بتصديقه واتباعه .والمراد بأهل الكتاب هنا اليهود خاصة ، بدليل سياق الأيات الكريمة التى ذكرت أوصافا تنطبق عليهم ، وبدليل ما ذكرناه فى سبب نزول الآيات .والمعنى يسألك اليهود يا محمد على سبيل التعنت والعناد ، أن تنزل عليهم كتابا من السماء مكتوبا جملة كما جاء موسى لآبائهم بالتوراة مكتوبة فى الألواح جملة .
أو يسألونك أن تنزل على رجال منهم بأعيانهم كتبا من السماء تأمرهم بتصديقك ، وسؤالهم هذا مقصدهم من ورائه التعنت والجحود ، ولو كانوا يريدون الإِيمان حقا لما وجهوا إليك هذه الأسئلة المتعنتة؛ لأن الأدلة القاطعة قد قامت على صدقك .وعبر بالمضارع فى قوله ( يَسْأَلُكَ ) لقصد استحضار حالتهم العجيبة فى هذا السؤال ، حتى لكأن السامع يراهم ، وللدلالة على تكرار أسئلتهم وتجددها المرة تلو الأخرى بدون حياء أو خجل .وقوله : ( فَقَدْ سَأَلُواْ موسى أَكْبَرَ مِن ذلك فقالوا أَرِنَا الله جَهْرَةً ) بيان للون من رذائلهم وقبائحهم ، وتسلية للرسول صلى الله عليه وسلم عما لحقه منهم من أذى وسوء أدب .والفاء فى قوله ( فَقَدْ سَأَلُواْ ) معطوفة على جملة محذوفة والتقدير : لا تبتئس يا محمد من أقوال هؤلاء اليهود ، ولا تهتهم بأسئلتهم ، فتلك سنشنة قديمة معروفة عن آبائهم ، فقد سأل آباؤهم موسى أسئلة أكبر من ذلك فقالوا له : أرنا الله جهرة أى رؤية ظاهرة بحيث نعاينه ونشاهده بأبصارنا ويطلب إلينا الإِيمان بك .
ويصح أن تكون الفاء واقعة فى جواب شرط مقدر ، وإليه أشار صاحب الكشاف بقوله : ( فَقَدْ سَأَلُواْ موسى أَكْبَرَ مِن ذلك ) ، جواب لشرط مقدر معناه ( إن استكبرت ما سألوك فقد سألوا موسى أكبر من ذلك ) وإنما أسند السؤال إليهم وإن وجد من آبائهم فى أيام مموسى وهم النقباء السبعون لأنهم كانوا على مذهبهم ، وراضين بسؤالهم .
ومضاهين لهم فى التعنت .أى : أن حاضر هؤلاء اليهود الذين يعيشون معك يا محمد كماضى آبائهم الأقدمين ، وأخلاق الأبناء صورة من أخلاق الآباء ، وجميعهم لا يبغون من سؤالهم الاهتداء إلى الحق وإنما يبغون إعنات الرسل - عليهم الصلاة والسلام - والإِساءة إليهم .والفاء فى قوله : ( فقالوا أَرِنَا الله جَهْرَةً ) تفسيرية كما فى قولهم : توضأ فغسل وجهه .
إذا أظهر ماءها .
وجهر الشئ : كشفه ، وجهر الرجل : رآه بلا حجاب .أى : أرنا الله جهارا عيانا بحاسة البصر فيكون قوله ( جَهْرَةً ) مفعولا مطلقا ، لأن لفظ ( جَهْرَةً ) نوع من مطلق الرؤية فيلاقى عامله فى الفعل .ويصح أن يكون حالا من المفعول الأول أى : أرنا الله مجاهررين معاينين وقوله : ( فَأَخَذَتْهُمُ الصاعقة بِظُلْمِهِمْ ) بيان للعقوبة التى حلت بهم نتيجة سوء أدبهم وجرأتهم على خالقهم وعلى أنبيائهم .والصاعقة - كما يقول ابن جرير - : كل أمر هائل رآه الرائى أو عاينه أو أصابه ، حتى يصير من هوله وعظيم شأنه إلى هلاك وعطب وذهاب عقل صوتا كان ذلك أو نارا أو زلزلة أو رجفة .وقال الراغب : الصاعقة على ثلاثة أوجه : الموت كقوله : ( فَصَعِقَ مَن فِي السماوات وَمَن فِي الأرض ) والعذاب كقوله : ( أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ ) والنار كقوله : ( وَيُرْسِلُ الصواعق فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَآءُ ) وما ذكره - سبحانه إنما هى أشياء حاصلة من الصاعقة؛ فإن الصاعقة هى الصوت الشديد فى الجو ، ثم يكون منه نار فقط ، أو عذاب ، أو موت ، وهى فى ذاتها شئ واحد .
وهذه الأشياء تأثيرات منها .ويبدو أن المراد بالصاعقة هنا : ذلك الصوت الشديد المجلجل المزلزل المصحوب بنار هائلة ، والذى كان من آثاره أن صعقوا : أى خروا مغشيا عليهم أو هلكوا ، بسبب ظلمهم وعنادهم وفسوقهم عن أمر الله .وقوله : ( ثُمَّ اتخذوا العجل مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ البينات فَعَفَوْنَا عَن ذلك وَآتَيْنَا موسى سُلْطَاناً مُّبِيناً ) بيان لنوع ثالث من جرائمهم ، ولمظهر من مظاهر رحمة الله بهم .أى : أن هؤلاء الذين سألوا موسى رؤية الله جهرة ، أخذتهم الصاعقة عقوبة لهم على ظلمهم ، لم يرتدعوا ولم ينزجروا ، بل لجوا فى طغيانهم وضلالهم فاتخذوا العجل معبودا لهم من دون الله ( مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ البينات ) أى من بعد ما جاءتهم الدلائل القاطعة على وحدانية الله وصدق أنبيائه .وقوله : ( فَعَفَوْنَا عَن ذلك ) أى .
عفونا من اتخاذهم العجل إلها بعد أن تابوا وأقلعوا عن عبادته ، لأن التوبة تجب ما قبلها .وقوله .
( وَآتَيْنَا موسى سُلْطَاناً مُّبِيناً ) أى .
أعطينا موسى بفضلنا ومنتنا حججا بينات ومعجزات باهرات ، وقوة وقدرة على الانتصال على من خالفه و ( ثم ) فى قوله .
( ثُمَّ اتخذوا العجل ) للتراخى الرتبى؛ لأن اتخاذهم العجل إلها أعظم جرما مما حكاه الله عنهم من جرائم قبل ذلك .وقوله ( مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ البينات ) بيان لفرط ضلالهم وانطماس بصيرتهم ، لأنهم لم يبعدوا العجل عن جهالة ، وإنما عبدوه من بعد ما وصلت إلى أسماعهم وعقولهم الدلائلة الواضحة وعلى وحدانية الله ، وعلى أن عبادة العجل لا يقدم عليها إنسان فيه شئ من العقل وحسن الإِدراك .واسم الإِشارة فى قوله ( فَعَفَوْنَا عَن ذلك ) يعود إلى اتخاذ العجل معبودا من دون الله .والجملة الكريمة حض لليهود المعاصرين للعهد النبوى على الدخول فى الإِسلام فإنهم متى فعلوا ذلك غفر الله لهم ما سلف من ذنوبهم كما غفر لآبائهم بعد أن تابوا من عبادة العجل .هذا ، وما حكته هذه الآية الكريمة من جرائم بنى إسرائيل بصورة مجملة قد جاء مفصلا فى مواطن أخرى ومن ذلك قوله - تعالى - : ( وَإِذْ قَالَ موسى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ باتخاذكم العجل فتوبوا إلى بَارِئِكُمْ فاقتلوا أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التواب الرحيم وَإِذْ قُلْتُمْ ياموسى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حتى نَرَى الله جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصاعقة وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ )
اعلم أن هذا هو النوع الثاني من جهالات اليهود، فإنهم قالوا: إن كنت رسولاً من عند الله فائتنا بكتاب من السماء جملة كما جاء موسى بالألواح.
وقيل: طلبوا أن ينزل عليهم كتاباً من السماء إلى فلان وكتاباً إلى فلان بأنك رسول الله وقيل: كتاباً نعاينه حين ينزل، وإنما اقترحوا ذلك على سبيل التعنت لأن معجزات الرسول كانت قد تقدمت، وحصلت فكان طلب الزيادة من باب التعنت.
ثم قال تعالى: ﴿ فَقَدْ سَأَلُواْ موسى أَكْبَرَ مِن ذلك ﴾ وإنما أسند السؤال إليهم وإن وجد من آبائهم في أيام موسى عليه السلام وهم النقباء السبعون لأنهم كانوا على مذهبهم وراضين بسؤالهم ومشاكلين لهم في التعنت.
واعلم أن المقصود من الآية بيان ما جبلوا عليه من التعنت، كأنه قيل: إن موسى لما نزل عليه كتاب من السماء لم يكتفوا بذلك القدر، بل طلبوا منه الرؤية على سبيل المعاينة، وهذا يدل على أن طلب هؤلاء لنزول الكتاب عليهم من السماء ليس لأجل الاسترشاد بل لمحض العناد.
ثم قال تعالى: ﴿ فَقَدْ سَأَلُواْ موسى أَكْبَرَ مِن ذلك فَقَالُواْ أَرِنَا الله جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصاعقة بِظُلْمِهِمْ ﴾ وهذه القصة قد فسرناها في سورة البقرة، واستدلال المعتزلة بهذه الآية على نفي الرؤية قد أجبنا عنه هناك.
ثم قال تعالى: ﴿ ثُمَّ اتخذوا العجل مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ البينات ﴾ والمعنى بيان كمال جهالاتهم وإصرارهم على كفرهم فإنهم ما اكتفوا بعد نزول التوراة عليهم بطلب الرؤية جهرة، بل ضموا إليه عبادة العجل وذلك يدل على غاية بعدهم عن طلب الحق والدين، والمراد بالبينات من قوله: ﴿ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ البينات ﴾ أمور: أحدها: أنه تعالى جعل ما أراهم من الصاعقة بينات، فإن الصاعقة وإن كانت شيئاً واحداً إلاّ أنها كانت دالة على قدرة الله تعالى وعلى علمه وعلى قدمه، وعلى كونه مخالفاً للأجسام والأعراض وعلى صدق موسى عليه السلام في دعوى النبوّة.
وثانيها: أن المراد بالبينات إنزال الصاعقة وإحياؤهم بعد ما أماتهم.
وثالثها: أنهم إنما عبدوا العجل من بعد أن شاهدوا معجزات موسى عليه السلام التي كان يظهرها في زمان فرعون، وهي العصا واليد البيضاء وفلق البحر وغيرها من المعجزات القاهرة، والمقصود من ذلك الكلام أن هؤلاء يطلبون منك يا محمد أن تنزل عليهم كتاباً من السماء فاعلم يا محمد أنهم لا يطلبونه منك إلاّ عناداً ولجاجاً، فإن موسى قد أنزل الله عليه هذا الكتاب وأنزل عليه سائر المعجزات القاهرة، ثم أنهم طلبوا الرؤية على سبيل العناد وأقبلوا على عبادة العجل، وكل ذلك يدل على أنهم مجبولون على اللجاج والعناد والبعد عن طريق الحق.
ثم قال: ﴿ فَعَفَوْنَا عَن ذلك ﴾ يعني لم نستأصل عبدة العجل ﴿ وآتينا موسى سلطاناً مبيناً ﴾ يعني أن قوم موسى وإن كانوا قد بالغوا في إظهار اللجاج والعناد معه لكنا نصرناه وقويناه فعظم أمره وضعف خصمه، وفيه بشارة للرسول صلى الله عليه وسلم على سبيل التنبيه، والرمز بأن هؤلاء الكفار وإن كانوا يعاندونه فإنه بالآخرة يستولي عليهم ويقهرهم، ثم حكى تعالى عنهم سائر جهالاتهم وإصرارهم على أباطيلهم: فأحدها: أنه تعالى رفع فوقهم الطور بميثاقهم، وفيه وجوه: الأول: أنهم أعطوا الميثاق على أن لا يرجعوا عن الدين.
ثم رجعوا عنه وهموا بالرجوع، فرفع الله فوقهم الطور حتى يخافوا فلا ينقضوا الميثاق.
الثاني: أنهم امتنعوا عن قبول شريعة التوراة فرفع الله الجبل فوقهم حتى قبلوا، وصار المعنى: ورفعنا فوقهم الطور لأجل أن يعطوا الميثاق بقبول الدين.
الثالث: أنهم أعطوا الميثاق على أنهم إن هموا بالرجوع عن الدين فالله يعذبهم بأي نوع من أنواع العذاب أراد، فلما هموا بترك الدين أظل الله الطور عليهم وهو المراد من قوله: ﴿ وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطور بميثاقهم ﴾ .
وثانيها: قوله: ﴿ وَقُلْنَا لَهُمُ ادخلوا الباب سُجَّداً ﴾ ومضى بيانه في سورة البقرة.
وثالثها: قوله: ﴿ وَقُلْنَا لَهُمْ لاَ تَعْدُواْ فِي السبت وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ ميثاقا غَلِيظاً ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: ﴿ لاَ تَعْدُواْ فِي السبت ﴾ ، فيه وجهان: الأول: لا تعدوا باقتناص السمك فيه قال الواحدي: يقال عدا عليه أشد العداء والعدو والعدوان، أي ظلمه وجاوز الحد، ومنه قوله: ﴿ فَيَسُبُّواْ الله عَدْواً ﴾ الثاني: لا تعدوا في السبت من العدو بمعنى الحضر، والمراد النهي عن العمل والكسب يوم السبت، كأنه قال لهم: اسكنوا عن العمل في هذا اليوم واقعدوا في منازلكم فأنا الرزاق.
المسألة الثانية: قرأ نافع ﴿ لاَ تَعْدُواْ ﴾ ساكنة العين مشددة الدال، وأراد: لا تعتدوا، وحجته قوله: ﴿ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الذين اعتدوا مِنكُمْ فِي السبت ﴾ فجاء في هذه القصة بعينها افتعلوا، ثم أدغم التاء في الدال لتقاربهما ولأن الدال تزيد على التاء في الجهر، وكثير من النحويين ينكرون الجمع بين الساكنين إذا كان الثاني منهما مدغماً ولم يكن الأول حرف لين نحو دابة وشابة، وقيل لهم، ويقولون: إن المد يصير عوضاً عن الحركة، وروى ورش عن نافع ﴿ لاَ تَعْدُواْ ﴾ بفتح العين وتشديد الدال، وذلك لأنه لما أدغم التاء في الدال نقل حركتها إلى العين، والباقون ﴿ تَعْدُواْ ﴾ بضم الدال وسكون العين حقيقة.
المسألة الثالثة: قال القفال: الميثاق الغليظ هو العهد المؤكد غاية التوكيد، وذلك بين فيما يدعونه من التوراة.
<div class="verse-tafsir"
روي: أنّ كعب بن الأشرف وفنحاص بن عازورا وغيرهما قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إن كنت نبياً صادقاً فأتنا بكتاب من السماء جملة كما أتى به موسى.
فنزلت.
وقيل: كتاباً إلى فلان وكتاباً إلى فلان أنك رسول الله، وقيل: كتاباً نعاينه حين ينزل.
وإنما اقترحوا ذلك على سبيل التعنت، قال الحسن: ولو سألوه لكي يتبينوا الحق لأعطاهم، وفيما آتاهم كفاية ﴿ فَقَدْ سَأَلُواْ موسى ﴾ جواب لشرط مقدر.
معناه: إن استكبرت ما سألوه منك فقد سألوا موسى.
﴿ أَكْبَرَ مِن ذلك ﴾ وإنما أسند السؤال إليهم وإن وجد من آبائهم في أيام موسى وهم النقباء السبعون، لأنهم كانوا على مذهبهم وراضين بسؤالهم ومضاهين لهم في التعنت ﴿ جَهْرَةً ﴾ عياناً بمعنى أرناه نره جهرة ﴿ بِظُلْمِهِمْ ﴾ بسبب سؤالهم الرؤية.
ولو طلبوا أمراً جائزاً لما سموا ظالمين ولما أخذتهم الصاعقة، كما سأل إبراهيم عليه السلام أن يريه إحياء الموتى فلم يسمه ظالماً ولا رماه بالصاعقة، فتباً للمشبهة ورمياً بالصواعق ﴿ وَءَاتَيْنا مُوسَى اسلطانا مُّبِيناً ﴾ تسلطاً واستيلاء ظاهراً عليهم حين أمرهم بأن يقتلوا أنفسهم حتى يتاب عليهم فأطاعوه، واحتبوا بأفنيتهم والسيوف تتساقط عليهم فيالك من سلطان مبين ﴿ بميثاقهم ﴾ بسبب ميثاقهم ليخافوا فلا ينقضوه ﴿ وَقُلْنَا لَهُمُ ﴾ والطور مطل عليهم ﴿ ادخلوا الباب سُجَّداً ﴾ ولا تعدوا في السبت، وقد أخذ منهم الميثاق على ذلك، وقولهم سمعنا وأطعنا، ومعاهدتهم على أن يتموا عليه ثم نقضوه بعد.
وقرئ: ﴿ لا تعتدوا ﴾ .
﴿ ولا تعدّوا ﴾ ، بادغام التاء في الدال ﴿ فَبِمَا نَقْضِهِم ﴾ فبنقضهم.
و(ما) مزيدة للتوكيد.
فإن قلت: بم تعلقت الباء؟
وما معنى التوكيد؟
قلت: إما أن يتعلق بمحذوف، كأنه قيل: فبما نقضهم ميثاقهم فعلنا بهم ما فعلنا، وإما أن يتعلق بقوله: ﴿ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ ﴾ على أنّ قوله: ﴿ فَبِظُلْمٍ مّنَ الذين هَادُواْ ﴾ [النساء: 160] بدل من قوله: ﴿ فَبِمَا نَقْضِهِم ميثاقهم ﴾ وأما التوكيد فمعناه تحقيق أنّ العقاب أو تحريم الطيبات لم يكن إلا بنقض العهد وما عطف عليه من الكفر وقتل الأنبياء وغير ذلك.
فإن قلت: هلا زعمت أن المحذوف الذي تعلقت به الباء ما دل عليه قوله: ﴿ بَلْ طَبَعَ الله عَلَيْهَا ﴾ فيكون التقدير: فبما نقضهم ميثاقهم طبع الله على قلوبهم، بل طبع الله عليها بكفرهم.
قلت: لم يصح هذا التقدير لأنّ قوله: ﴿ بَلْ طَبَعَ الله عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ ﴾ ردّ وإنكار لقولهم: ﴿ قُلُوبُنَا غُلْفٌ ﴾ فكان متعلقاً به، وذلك أنهم أرادوا بقولهم: (قلوبنا غلف) أن الله خلق قلوبنا غلفاً، أي في أكنة لا يتوصل إليها شيء من الذكر والموعظة، كما حكى الله عن المشركين وقالوا: ﴿ لَوْ شَاء الرحمن مَا عبدناهم ﴾ [الزخرف: 20] وكمذهب المجبرة أخزاهم الله، فقيل لهم: بل خذلها الله ومنعها الألطاف بسبب كفرهم، فصارت كالمطبوع عليها، لا أن تخلق غلفاً غير قابلة للذكر ولا متمكنة من قبوله.
فإن قلت: علام عطف قوله: ﴿ وَبِكُفْرِهِمْ ﴾ ؟
قلت: الوجه أن يعطف على (فبما نقضهم) ويجعل قوله: ﴿ بَلْ طَبَعَ الله عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ ﴾ كلاماً تبع قوله: ﴿ وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ ﴾ على وجه الاستطراد، يجوز عطفه على ما يليه من قوله: (بكفرهم).
فإن قلت: ما معنى المجيء بالكفر معطوفاً على ما فيه ذكره، سواء عطف على ما قبل حرف الإضراب، أو على ما بعده، وهو قوله: ﴿ وَكُفْرِهِم بئايات الله ﴾ وقوله: ﴿ بِكُفْرِهِمْ ﴾ ؟
قلت: قد تكرّر منهم الكفر، لأنهم كفروا بموسى، ثم بعيسى، ثم بمحمد صلوات الله عليهم، فعطف بعض كفرهم على بعض، أو عطف مجموع المعطوف على مجموع المعطوف عليه، كأنه قيل: فبجمعهم بين نقض الميثاق، والكفر بآيات الله، وقتل الأنبياء وقولهم: قلوبنا غلف، وجمعهم بين كفرهم وبهتهم مريم، وافتخارهم بقتل عيسى، عاقبناهم.
أو بل طبع الله عليها بكفرهم وجمعهم بين كفرهم وكذا وكذا.
والبهتان العظيم: هو التزنية.
فإن قلت: كانوا كافرين بعيسى عليه السلام، أعداء له، عامدين لقتله، يسمونه الساحر بن الساحرة، والفاعل بن الفاعلة، فكيف قالوا: (إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله)؟
قلت: قالوه على وجه الاستهزاء، كقول فرعون ﴿ إِنَّ رَسُولَكُمُ الذى أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ ﴾ [الشعراء: 27] ويجوز أن يضع الله الذكر الحسن مكان ذكرهم القبيح في الحكاية عنهم رفعاً لعيسى عما كانوا يذكرونه به وتعظيماً لما أرادوا بمثله كقوله: ﴿ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ العزيز العليم الذى جَعَلَ لَكُمُ الأرض مَهْداً ﴾ [الزخرف: 9] روي أنّ رهطاً من اليهود سبوه وسبوا أمّه فدعا عليهم «اللَّهم أنت ربي وبكلمتك خلقتني، اللَّهم العن من سبني وسب والدتي» ، فمسخ الله من سبهما قردة وخنازير، فأجمعت اليهود على قتله، فأخبره الله بأنه يرفعه إلى السماء ويطهره من صحبة اليهود، فقال لأصحابه: أيكم يرضى أن يلقى عليه شبهي فيقتل ويصلب ويدخل الجنة؟
فقال رجل منهم: أنا.
فألقي- عليه شبهه فقتل وصلب.
وقيل: كان رجلاً ينافق عيسى، فلما أرادوا قتله قال: أنا أدلكم عليه، فدخل بيت عيسى فرفع عيسى وألقي شبهه على المنافق، فدخلوا عليه فقتلوه وهم يظنون أنه عيسى، ثم اختلفوا فقال بعضهم: إنه إله لا يصح قتله.
وقال بعضهم: إنه قتل وصلب.
وقال بعضهم إن كان هذا عيسى فأين صاحبنا؟
وإن كان هذا صاحبنا فأين عيسى؟
وقال بعضهم رفع إلى السماء وقال بعضهم: الوجه وجه عيسى والبدن بدن صاحبنا.
فإن قلت: ﴿ شُبّهَ ﴾ مسند إلى ماذا؟
إن جعلته مسنداً إلى المسيح، فالمسيح مشبه به وليس بمشبه، وإن أسندته إلى المقتول فالمقتول لم يجر له ذكر قلت: هو مسند إلى الجار والمجرور وهو ﴿ لهم ﴾ كقولك خيل إليه، كأنه قيل: ولكن وقع لهم التشبيه.
ويجوز أن يسند إلى ضمير المقتول: لأنّ قوله: إنا قتلنا يدل عليه، كأنه قيل: ولكن شبه لهم من قتلوه ﴿ إِلاَّ اتباع الظن ﴾ استثناء منقطع لأنّ اتباع الظن ليس من جنس العلم، يعني: ولكنهم يتبعون الظن.
فإن قلت: قد وصفوا بالشك والشك أن لا يترجح أحد الجائزين، ثم وصفوا بالظن والظن أن يرتجح أحدهما، فكيف يكونون شاكين ظانين؟
قلت: أريد أنهم شاكون ما لهم من علم قط، ولكن إن لاحت لهم أمارة فظنوا، فذاك ﴿ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً ﴾ وما قتلوه قتلاً يقيناً.
أو ما قتلوه متيقنين، كما ادّعوا ذلك في قولهم: (إنا قتلنا المسيح) أو يجعل (يقيناً) تأكيداً لقوله: ﴿ وَمَا قَتَلُوهُ ﴾ كقولك: ما قتلوه حقاً أي حق انتفاء قتله حقاً.
وقيل: هو من قولهم: قتلت الشيء علماً ونحرته علماً إذا تبالغ فيه علمك.
وفيه تهكم، لأنه إذا نفى عنهم العلم نفياً كلياً بحرف الاستغراق.
ثم قيل: وما علموه علم يقين وإحاطة لم يكن إلا تهكماً بهم ﴿ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ ﴾ جملة قسمية واقعة صفة لموصوف محذوف تقديره: وإن من أهل الكتاب أحد إلا ليؤمننّ به.
ونحوه: ﴿ وَمَا مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ ﴾ [الصافات: 164] ﴿ وَإِن مّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا ﴾ [مريم: 71] والمعنى: وما من اليهود والنصارى أحد إلا ليؤمننّ قبل موته بعيسى، وبأنه عبد الله ورسوله، يعني: إذا عاين قبل أن تزهق روحه حين لا ينفعه إيمانه لانقطاع وقت التكليف.
وعن شهر بن حوشب: قال لي الحجاج: آية ما قرأتها إلا تخالج في نفسي شيء منها يعني هذه الآية، وقال: إني أوتى بالأسير من اليهود والنصارى فأضرب عنقه فلا أسمع منه ذلك، فقلت: إن اليهودي إذا حضره الموت ضربت الملائكة دبره ووجهه وقالوا: يا عدوّ الله، أتاك موسى نبياً فكذبت به فيقول: آمنت أنه عبد نبيّ.
وتقول للنصراني: أتاك عيسى نبياً فزعمت أنه الله أو ابن الله، فيؤمن أنه عبد الله ورسوله حيث لا ينفعه إيمانه.
قال: وكان متكئاً فاستوى جالساً فنظر إليّ وقال: ممن؟
قلت: حدثني محمد بن عليّ ابن الحنفية، فأخذ ينكت الأرض بقضيبه ثم قال: لقد أخذتها من عين صافية، أو من معدنها.
قال الكلبي: فقلت له: ما أردت إلى أن تقول حدثني محمد بن عليّ ابن الحنفية.
قال: أردت أن أغيظه، يعني بزيادة اسم عليّ، لأنه مشهور بابن الحنفية.
وعن ابن عباس أنه فسره كذلك، فقال له عكرمة: فإن أتاه رجل فضرب عنقه قال: لا تخرج نفسه حتى يحرّك بها شفتيه.
قال: وإن خرّ من فوق بيت أو احترق أو أكله سبع قال: يتكلم بها في الهواء ولا تخرج روحه حتى يؤمن به.
وتدل عليه قراءة أبيّ: ﴿ إلا ليؤمننّ به قبل موتهم ﴾ بضم النون على معنى: وإن منهم أحد إلا سيؤمنون به قبل موتهم، لأنّ أحداً يصلح للجمع.
فإن قلت: ما فائدة الإخبار بإيمانهم بعيسى قبل موتهم؟
قلت: فائدته الوعيد، وليكون علمهم بأنهم لابد لهم من الإيمان به عن قريب عند المعاينة، وأن ذلك لا ينفعهم، بعثاً لهم وتنبيهاً على معالجة الإيمان به في أوان الانتفاع به، وليكون إلزاماً للحجة لهم، وكذلك قولهُ: ﴿ وَيَوْمَ القيامة يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ﴾ يشهد على اليهود بأنهم كذبوه، وعلى النصارى بأنهم دعوه ابن الله.
وقيل: الضميران لعيسى، بمعنى: وإن منهم أحد إلا ليؤمننّ بعيسى قبل موت عيسى، وهم أهل الكتاب الذين يكونون في زمان نزوله.
روي: «أنه ينزل من السماء في آخر الزمان، فلا يبقى أحد من أهل الكتاب إلا يؤمن به، حتى تكون الملة واحدة وهي ملة الإسلام، ويهلك الله في زمانه المسيح الدجال، وتقع الأمنة حتى ترتع الأسود مع الإبل، والنمور مع البقر، والذئاب مع الغنم، ويلعب الصبيان بالحيات، ويلبث في الأرض أربعين سنة، ثم يتوفى ويصلي عليه المسلمون ويدفنونه» ويجوز أن يراد أنه لا يبقى أحد من جميع أهل الكتاب إلا ليؤمننّ به، على أن الله يحييهم في قبورهم في ذلك الزمان، ويعلمهم نزوله وما أنزل له، ويؤمنون به حين لا ينفعهم إيمانهم.
وقيل: الضمير في (به) يرجع إلى الله تعالى.
وقيل: إلى محمد صلى الله عليه وسلم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يَسْألُكَ أهْلُ الكِتابِ أنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتابًا مِنَ السَّماءِ ﴾ نَزَلَتْ في أحْبارِ اليَهُودِ قالُوا: إنْ كُنْتَ صادِقًا فائْتِنا بِكِتابٍ مِنَ السَّماءِ جُمْلَةً كَما أتى بِهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وقِيلَ: كِتابًا مُحَرَّرًا بِخَطٍّ سَماوِيٍّ عَلى ألْواحٍ كَما كانَتِ التَّوْراةُ، أوْ كِتابًا نُعايِنُهُ حِينَ يَنْزِلُ، أوْ كِتابًا إلَيْنا بِأعْيانِنا بِأنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ.
﴿ فَقَدْ سَألُوا مُوسى أكْبَرَ مِن ذَلِكَ ﴾ جَوابُ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ أيْ: إنِ اسْتَكْبَرْتَ ما سَألُوهُ مِنكَ فَقَدْ سَألُوا مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أكْبَرَ مِنهُ، وهَذا السُّؤالُ وإنْ كانَ مِن آبائِهِمْ أُسْنِدَ إلَيْهِمْ لِأنَّهم كانُوا آخِذِينَ بِمَذْهَبِهِمْ تابِعِينَ لِهَدْيِهِمْ.
والمَعْنى إنَّ عِرْقَهم راسِخٌ في ذَلِكَ وأنَّ ما اقْتَرَحُوهُ عَلَيْكَ لَيْسَ بِأوَّلِ جَهالاتِهِمْ وخَيالاتِهِمْ.
﴿ فَقالُوا أرِنا اللَّهَ جَهْرَةً ﴾ عَيانًا أيْ أرِناهُ نَرَهُ جَهْرَةً، أوْ مُجاهِرِينَ مُعايِنِينَ لَهُ.
﴿ فَأخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ ﴾ نارٌ جاءَتْ مِن قِبَلِ السَّماءِ فَأهْلَكَتْهم.
﴿ بِظُلْمِهِمْ ﴾ بِسَبَبِ ظُلْمِهِمْ وهو تَعَنُّتُهم وسُؤالُهُمْ، ما يَسْتَحِيلُ في تِلْكَ الحالِ الَّتِي كانُوا عَلَيْها وذَلِكَ لا يَقْتَضِي امْتِناعَ الرُّؤْيَةِ مُطْلَقًا.
﴿ ثُمَّ اتَّخَذُوا العِجْلَ مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّناتُ ﴾ هَذِهِ الجِنايَةُ الثّانِيَةُ الَّتِي اقْتَرَفَها أيْضًا أوائِلُهُمْ، والبَيِّناتُ، المُعْجِزاتُ، ولا يَجُوزُ حَمْلُها عَلى التَّوْراةِ إذْ لَمْ تَأْتِهِمْ بَعْدُ.
﴿ فَعَفَوْنا عَنْ ذَلِكَ وآتَيْنا مُوسى سُلْطانًا مُبِينًا ﴾ تَسَلُّطًا ظاهِرًا عَلَيْهِمْ حِينَ أمَرَهم بِأنْ يَقْتُلُوا أنْفُسَهم تَوْبَةً عَنِ اتِّخاذِهِمْ.
<div class="verse-tafsir"
ولما قال فنحاص وأصحابه للنبى صلى الله عليه وسلم إن كنت نبياً صادقاً فأتنا بكتاب من السماء جملة كما أتى به موسى عليه السلام نزل {يسألك أَهْلِ الكتاب أن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ} وبالتخفيف مكي وأبو عمرو {كتابا مّنَ السماء} أي جملة كما نزلت التوراة جملة وإنما اقترحوا ذلك على سبيل التعنت وقال الحسن ولو سألوه مسترشدين لأعطاهم لأن إنزال القرآن جملة ممكن {فَقَدْ سَأَلُواْ موسى أَكْبَرَ مِن ذلك} هذا جواب شرط مقدر معناه أن
النساء (١٣٥ _ ١٥٦)
استكبرت ما سألوه منك فقد سألوا موسى أكبر من ذلك وإنما أسند السؤال إليهم وقد وجد من آبائهم في أيام موسى عليه السلام وهم النقباء السبعون لأنهم كانوا على مذهبهم وراضين بسؤالهم {فَقَالُواْ أَرِنَا الله جَهْرَةً} عياناً أي أرنا نره جهرة {فَأَخَذَتْهُمُ الصاعقة} العذاب الهائل أو النار المحرقة {بِظُلْمِهِمْ} على أنفسهم بسؤال شيء في غير موضعه أو بالتحكم على نبيهم في الآيات وتعنتهم فى سؤل الرؤية لا بسؤال الرؤية لأنها ممكنة كما نزل القرآن جملة
ولو كان ذلك بسبب سؤال الرؤية لكان موسى بذلك أحق فإنه قال رب أرنى انظر اليك وما أخدته الصاعقة بل أطمعه وقيده بالممكن ولا يعلق بالممكن إلا ما هو ممكن الثبوت ثم أحياهم {ثُمَّ اتخذوا العجل} إلهاً {مِن بَعْدِ ما جاءتهم البينات} التوارة والمعجزات التسع {فَعَفَوْنَا عَن ذلك} تفضلاً ولم نستأصلهم {وآتينا مُوسَى سلطانا مُّبِيناً} حجة ظاهرة على من خالفه
﴿ يَسْألُكَ ﴾ يا مُحَمَّدُ ﴿ أهْلُ الكِتابِ ﴾ الَّذِينَ فَرَّقُوا بَيْنَ الرُّسُلِ ﴿ أنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتابًا مِنَ السَّماءِ ﴾ فَقالُوا: إنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - جاءَ بِالألْواحِ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، فَأْتِنا بِألْواحٍ مِن عِنْدِهِ تَعالى، فَطالَبُوا أنْ يَكُونَ المُنَزَّلَ جُمْلَةً، وأنْ يَكُونَ بِخَطٍّ سَماوِيٍّ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ، والسُّدِّيِّ.
وعَنْ قَتادَةَ أنَّهم سَألُوا أنْ يُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتابًا خاصًّا لَهُمْ، وقَرِيبٌ مِنهُ ما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: إنَّ اليَهُودَ قالُوا لِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لَنْ نُبايِعَكَ عَلى ما تَدْعُونا إلَيْهِ حَتّى تَأْتِيَنا بِكِتابٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى: مِنَ اللَّهِ تَعالى إلى فُلانٍ: إنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، وإلى فُلانٍ: إنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، وما كانَ مَقْصِدُهم بِذَلِكَ إلّا التَّحَكُّمَ والتَّعَنُّتَ.
قالَ الحَسَنُ: ولَوْ سَألُوهُ ذَلِكَ اسْتِرْشادًا لا عِنادًا لَأعْطاهم ما سَألُوا ﴿ فَقَدْ سَألُوا مُوسى ﴾ عَلَيْهِ السَّلامُ شَيْئًا أوْ سُؤْلًا ﴿ أكْبَرَ مِن ذَلِكَ ﴾ المَذْكُورِ وأعْظَمَ، والفاءُ في جَوابِ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ، والجَوابُ مُؤَوَّلٌ؛ لِيَصِحَّ التَّرْتِيبُ، أيْ: إنِ اسْتَكْبَرَتْ هَذا وعَرَفَتْ ما كانُوا عَلَيْهِ تَبَيَّنَ لَكَ رُسُوخُ عِرْقِهِمْ في الكُفْرِ، وقِيلَ: إنَّها سَبَبِيَّةٌ، والتَّقْدِيرُ: لا تُبالِ ولا تَسْتَكْبِرْ؛ فَإنَّهم قَدْ سَألُوا مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ما هو أكْبَرَ، وهَذِهِ المَسْألَةُ - وإنْ صَدَرَتْ عَنْ أسْلافِهِمْ - لَكِنَّهم لَمّا كانُوا عَلى سِيرَتِهِمْ في كُلِّ ما يَأْتُونَ ويَذَرُونَ أُسْنِدَ إلَيْهِمْ، وجَعَلَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ مِن قَبِيلِ إسْنادِ ما لِلسَّبَبِ لِلْمُسَبِّبِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مِن إسْنادِ فِعْلِ البَعْضِ إلى الكُلِّ، بِناءً عَلى كَمالِ الِاتِّحادِ، نَحْوُ: قَوْمِي هُمُ قَتَلُوا أُمَيْمَ أخِي فَإذا رَمَيْتُ يُصِيبُنِي سَهْمِي فَيَكُونُ المُرادُ بِضَمِيرِ (سَألُوا) جَمِيعَ أهْلِ الكِتابِ لِصُدُورِ السُّؤالِ عَنْ بَعْضِهِمْ، وأنْ يَكُونَ المُرادُ بِأهْلِ الكِتابِ أيْضًا الجَمِيعَ، فَيَكُونُ إسْنادُ (يَسْألُكَ) إلى أهْلِ الكِتابِ مِن ذَلِكَ الإسْنادِ، وأنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِمْ هَذا النَّوْعَ، ويَكُونُ المُرادُ بَيانَ قَبائِحِ النَّوْعِ، فَلا تَكَلُّفَ ولا تَجَوُّزَ لا في جانِبِ الضَّمِيرِ ولا في المَرْجِعِ.
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ إسْنادَ فِعْلِ البَعْضِ إلى الكُلِّ مِمّا أُلِفَ في الكِتابِ العَزِيزِ، ووَقَعَ في نَحْوِ ألْفِ مَوْضِعٍ.
وقَرَأ الحَسَنُ (أكْثَرَ) بِالمُثَلَّثَةِ ﴿ فَقالُوا أرِنا اللَّهَ ﴾ الَّذِي أرْسَلَكَ ﴿ جَهْرَةً ﴾ أيْ: مُجاهِرِينَ مُعايِنِينَ، فَهو في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ المَفْعُولِ الأوَّلِ، كَما قالَ أبُو البَقاءِ، ويُحْتَمَلُ الحالِيَّةُ مِنَ المَفْعُولِ الثّانِي، أيْ: مُعايَنًا عَلى صِيغَةِ المَفْعُولِ، ولا لَبْسَ فِيهِ لِاسْتِلْزامِ كُلٍّ مِنهُما لِلْآخَرِ، فَلا يُقالُ: إنَّهُ يَتَعَيَّنُ كَوْنُهُ حالًا مِنَ الثّانِي لِقُرْبِهِ مِنهُ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ هو الرُّؤْيَةُ لا الإراءَةُ؛ لِأنَّ الجَهْرَةَ في كُتُبِ اللُّغَةِ صِفَةٌ لِلْأوَّلِ لا الثّانِي، فَيُقالُ: التَّقْدِيرُ (أرِنا) نَرَهُ رُؤْيَةً جَهْرَةً، وقِيلَ: يُقَدَّرُ المَصْدَرُ المَوْصُوفُ سُؤالًا أيْ: سُؤالًا جَهْرَةً، وقِيلَ: قَوْلًا أيْ: قَوْلًا جَهْرَةً، ويُؤَيِّدُ هَذا ما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: «إنَّهم إذا رَأوْهُ فَقَدْ رَأوْهُ» إنَّما قالُوا (جَهْرَةً) (أرِنا اللَّهُ) تَعالى فَهو مُقَدَّمٌ ومُؤَخَّرٌ، وفِيهِ بُعْدٌ، والفاءُ تَفْسِيرِيَّةٌ ﴿ فَأخَذَتْهُمُ ﴾ أيْ: أهْلَكَتْهم لَمّا سَألُوهُ، وقالُوا ما قالُوا ﴿ الصّاعِقَةُ ﴾ وهي نارٌ جاءَتْ مِنَ السَّماءِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: (الصّاعِقَةُ) المَوْتُ، أماتَهُمُ اللَّهُ تَعالى قَبْلَ آجالِهِمْ عُقُوبَةً بِقَوْلِهِمْ ما شاءَ اللَّهُ تَعالى أنْ يُمِيتَهُمْ، ثُمَّ بَعَثَهُمْ، وفي ثُبُوتِ ذَلِكَ تَرَدُّدٌ.
وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - (الصَّعْقَةُ ﴿ بِظُلْمِهِمْ ﴾ أيْ: بِسَبَبِ ظُلْمِهِمْ، وهو تَعَنُّتُهم وسُؤالُهم لِما يَسْتَحِيلُ في تِلْكَ الحالَةِ الَّتِي كانُوا عَلَيْها، وإنْكارُ طَلَبِ الكُفّارِ لِلرُّؤْيَةِ تَعَنَّتًا لا يَقْتَضِي امْتِناعَها مُطْلَقًا.
واسْتَدَلَّ الزَّمَخْشَرِيُّ بِالآيَةِ عَلى الِامْتِناعِ مُطْلَقًا، وبَنى ذَلِكَ عَلى كَوْنِ الظُّلْمِ المُضافِ إلَيْهِمْ لَمْ يَكُنْ إلّا لِمُجَرَّدِ أنَّهم طَلَبُوا الرُّؤْيَةَ، ثُمَّ قالَ: ولَوْ طَلَبُوا أمْرًا جائِزًا لَما سُمُّوا بِهِ ظالِمِينَ، ولَما أخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ، كَما سَألَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - إحْياءَ المَوْتى، فَلَمْ يُسَمِّهِ ظالِمًا، ولا رَماهُ بِالصَّواعِقِ، ثُمَّ أرْعَدَ وأبْرَقَ ودَعا عَلى مُدَّعِي جَوازِ الرُّؤْيَةِ بِما هو بِهِ أحَقُّ.
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الرَّجُلَ قَدِ اسْتَوْلى عَلَيْهِ الهَوى، فَغَفَلَ عَنْ كَوْنِ اليَهُودِ إنَّما سَألُوا تَعَنُّتًا، ولَمْ يَعْتَبِرُوا المُعْجِزَ مِن حَيْثُ هُوَ، مَعَ أنَّ المُعْجِزاتِ سَواسِيَةُ الأقْدامِ في الدَّلالَةِ، ويَكْفِيهِمْ ذَلِكَ ظُلْمًا، والتَّنْظِيرُ بِسُؤالِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مِنَ العَجَبِ العُجابِ، كَما لا يَخْفى عَلى ذَوِي الألْبابِ.
﴿ ثُمَّ اتَّخَذُوا العِجْلَ ﴾ وعَبَدُوهُ ﴿ مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّناتُ ﴾ أيِ المُعْجِزاتُ الَّتِي أظْهَرُها لِفِرْعَوْنَ؛ مِنَ العَصا، واليَدِ البَيْضاءِ، وفَلْقِ البَحْرِ، وغَيْرِها، أوِ الحُجَجُ الواضِحَةُ الدّالَّةُ عَلى أُلُوهِيَّتِهِ تَعالى ووَحْدَتِهِ لا التَّوْراةُ؛ لِأنَّها إنَّما نَزَلَتْ عَلَيْهِمْ بَعْدَ الِاتِّخاذِ ﴿ فَعَفَوْنا عَنْ ذَلِكَ ﴾ الِاتِّخاذِ حِينَ تابُوا، وفي هَذا - عَلى ما قِيلَ -: اسْتِدْعاءٌ لَهُمُ إلى التَّوْراةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ أُولَئِكَ الَّذِينَ أجْرَمُوا تابُوا فَعَفَوْنا عَنْهُمْ، فَتُوبُوا أنْتُمْ أيْضًا حَتّى نَعْفُوَ عَنْكم.
﴿ وآتَيْنا مُوسى سُلْطانًا مُبِينًا ﴾ أيْ: تَسَلُّطًا ظاهِرًا عَلَيْهِمْ حِينَ أمَرَهم أنْ يَقْتُلُوا أنْفُسَهم تَوْبَةً عَنِ اتِّخاذِهِمْ، وهَذا - عَلى ما قِيلَ -: وإنْ كانَ قَبْلَ العَفْوِ فَإنَّ الأمْرَ بِالقَتْلِ كانَ قَبْلَ التَّوْبَةِ؛ لِأنَّ قَبُولَ القَتْلِ كانَ تَوْبَةً لَهُمْ، لَكِنَّ الواوَ لا تَقْتَضِي التَّرْتِيبَ، واسْتُظْهِرَ أنْ لا يُجْعَلَ التَّسَلُّطُ ذَلِكَ التَّسَلُّطَ بَلْ تَسَلُّطًا بَعْدَ العَفْوِ، حَيْثُ انْقادُوا لَهُ، ولَمْ يَتَمَكَّنُوا بَعْدَ ذَلِكَ مِن مُخالَفَتِهِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ يعني جملة واحدة كما جاء به موسى .
ويقال: إن كعب بن الأشرف وفنحاص بن عازوراء وأصحابهما قالوا: لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حتى تنزل علينا كتاباً تحمله الملائكة إلينا فتقرؤه.
قال الله تعالى لمحمد : فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ يعني إن هؤلاء من أصل أولئك القوم الذين فَقالُوا لموسى أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً يعني عياناً، وهم القوم الذين ساروا مع موسى إلى طور سيناء فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ أي أحرقتهم النار بِظُلْمِهِمْ أي بقولهم وسؤالهم ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ أي ومع ذلك، قد عبدوا العجل وهم قوم موسى في حال غيبته مِنْ بَعْدِ مَا جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ أي جاءهم موسى بالآيات والعلامات فَعَفَوْنا عَنْ ذلِكَ كله ولم نستأصلهم وَآتَيْنا مُوسى سُلْطاناً مُبِيناً أي حجة بينة، وهي اليد والعصا وَرَفَعْنا فَوْقَهُمُ يقول: قلعنا فوقهم الطُّورَ بِمِيثاقِهِمْ يعني بإقرارهم بما في التوراة حين أبوا أن يتقبلوا الشرائع وَقُلْنا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً يعني باب أريحة منحنية أصلابهم وَقُلْنا لَهُمْ لاَ تَعْدُوا فِي السَّبْتِ يقول: لا تستحلوا أخذ السمك في يوم السبت.
قرأ نافع في رواية ورش لاَ تَعْدُوا بالتشديد، لأن أصله لا تعتدوا، فأدغم التاء في الدال وأقيم التشديد مقامه.
وقرأ الباقون لاَ تَعْدُوا بالتخفيف من عدا يعدو عدواناً.
ثم قال تعالى: وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً يعني إقراراً وثيقاً شديداً في التوراة، يعني تركوا هذه الأشياء كلها ونقضوا الميثاق.
ثم قال عز وجل: فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ ولم يذكر في هذه الآية جوابهم، والجواب فيه مضمر فكأنه قال: وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ ميثاقا غليظاً، فبنقضهم الميثاق لعنهم الله تعالى وخذلهم كقوله فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ [النساء: 155] ثم قال: وَكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ يعني بكفرهم بآيات الله لعنهم الله وخذلهم.
ثم قال تعالى: وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ يعني: وبقتلهم الأنبياء بغير جرم وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ يعني: ذا غلاف ولا نفقه حديثك، وقرأ بعضهم: غلف بضم اللام وجماعة الغلاف يعني أن قلوبنا أوعية لكل علم ولا نفقه حديثك.
قال الله تعالى: بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها يعني ختم الله على قلوبهم بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا أي لا يؤمنون إلا قليل منهم ويقال لا يؤمنون إلا بالقليل لأنهم آمنوا ببعض وكفروا ببعض.
وقال مقاتل: يعني ما أقل ما يؤمنون، يقول: بأنهم لا يؤمنون البتة.
ثم قال تعالى: وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتاناً عَظِيماً وذلك أن مريم كانت متعبدة لله تعالى ناسكة، اصطفاها الله تعالى بولد بغير أب، فعيرها اليهود واتهموها وقذفوها بيوسف بن ماثان، وكان يوسف خادم بيت المقدس ويقال: كان ابن عمها، فأنزل الله تعالى إكذاباً لقولهم وبيّن بهتانهم فقال: وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتاناً عَظِيماً يعني لعنهم الله وخذلهم بذلك وَقَوْلِهِمْ أي وبقولهم إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ هذا قول الله لا قول اليهود وقول اليهود إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مَرْيَمَ.
ثم قال الله تعالى رَسُولَ اللَّهِ يعني الذي هو رسول الله وذلك أن اليهود لما اجتمعوا على قتله هرب منهم ودخل في بيت، فأمر ملك اليهود رجلاً يدخل البيت يقال له يهوذا ويقال ططيانوس، فجاء جبريل ورفع عيسى إلى السماء، فلما دخل الرجل إلى البيت لم يجده، فألقى الله شبه عيسى عليه، فلما خرج ظنوا أنه عيسى فقتلوه وصلبوه.
ثم قالوا: إن كان هذا عيسى فأين صاحبنا؟
وإن كان هذا صاحبنا فأين عيسى؟
فاختلفوا فيما بينهم، فأنزل الله تعالى إكذاباً لقولهم فقال: وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ يعني ألقي شبه عيسى على غيره فقتلوه.
ثم قال وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ أي من قتله مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ يعني لم يكن عندهم علم يقين أنه قتل أو لم يقتل إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ أي قالوا قولاً بالظن وَما قَتَلُوهُ يَقِيناً أي لم يستيقنوا بقتله، ويقال: يقيناً ما قتلوه بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وقال مقاتل: بل رفعه الله إلى السماء في شهر رمضان ليلة القدر.
وقال الضحاك: رفعه في يوم عاشوراء بين صلاتي المغرب والعشاء.
ثم قال تعالى: وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً أي منيعاً حين منع عيسى من القتل حَكِيماً حين حكم رفعه إلى السماء.
وقوله عز وجل: <div class="verse-tafsir"
وقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ...
إلى آخر الآية: نزل في اليهود والنصارى، وقد تقدَّم بيانُ هذه المعاني.
وقوله تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ...
الآية: لما ذَكَر سبحانَهُ أنَّ المفرِّقين بَيْنَ الرسُلِ هم الكافرونَ حقًّا، عَقَّبَ ذلك بذكْرِ المؤمنين باللَّه ورسُلِهِ جميعاً، وهم المؤمنون بمحمّد صلّى الله عليه وسلّم ليصرِّح بوَعْد هؤلاء كما صرَّح بوعيدٍ أولئِكَ، فبيّن الفرق بين المنزلتين.
وقوله تعالى: يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ ...
الآية: قال قتادة سَأَلَتِ اليهودُ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم أنْ يأتيهم بكتابٍ مِنْ عند اللَّه خاصٍّ لليهود، يأمرهم فيه بالايمان بمحمّد صلّى الله عليه وسلّم «١» ونحوه عن ابْنِ جُرَيْجٍ «٢» ، وزاد: «إلى فلان، وإلى فلانٍ أَنَّكَ رسُولُ اللَّهِ» ، ثم قال سبحانه على جهة التسلية لنبيّه صلّى الله عليه وسلّم: فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ، وفي الكلامِ محذوفٌ يدلُّ عليه المذكورُ، تقديره: فلا تُبَالِ، يا محمد، مِنْ سؤالِهِمْ وتَشَطُّطهم فإنها عادتهم، وجمهورُ المتأوِّلين على أنَّ جَهْرَةً معمولٌ ل أَرِنَا، أيْ:
حتى نراه جهاراً، أي: عياناً، وأهلُ السُّنَّة معتقدون أنَّ هؤلاءِ لم يسألوا مُحَالاً عَقْلاً، لكنَّه محالٌ من جهة الشَّرْع إذ قد أخبر تعالى على ألسنَةِ/ أنبيائه أنَّهُ لاَ يرى سبحانه في هذه الدنيا، والرؤْيَةُ في الآخِرَةِ ثَابِتَةٌ عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم بالخَبَرِ المُتَواتِرِ، وهي جائزةٌ عقْلاً من غير تحديدٍ، ولا تكييفَ ولا تحيُّز كما هو تعالى معلومٌ لا كالمعلومات كذلك هو مرئيٌّ، لا كالمرئيَّات سبحانه هذه حُجَّة أهل السنة، وقولُهم، وقد تقدَّم قصص القَوْم في «البقرة» ، وظلمهم: هو تعنُّتهم وسؤَالُهم ما لَيْسَ لهم أنْ يسألوه.
وقوله تعالى: ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ: «ثُمَّ» : للترتيب في الأخبار، لا في نَفْس الأمرِ، التقديرُ ثم قَدْ كان مِنْ أمْرِهِمْ أَن اتَّخذُوا العِجْلَ، وذلك أنَّ اتخاذَ العِجْلِ كان عند أمر
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَسْألُكَ أهْلُ الكِتابِ ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهم سَألُوهُ أنْ يُنْزِلَ كِتابًا عَلَيْهِمْ خاصَّةً، هَذا قَوْلُ الحَسَنِ، وقَتادَةَ.
والثّانِي: «أنَّ اليَهُودَ والنَّصارى أتَوْا إلى رَسُولِ اللَّهِ ، فَقالُوا: لا نُبايِعُكَ حَتّى تَأْتِيَنا بِكِتابٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ إلى فُلانٍ أنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ وإلى فُلانٍ بِكِتابٍ أنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» هَذا قَوْلُ ابْنِ جُرَيْجٍ.
والثّالِثُ: أنَّ اليَهُودَ سَألُوا النَّبِيَّ أنَّ يُنْزِلَ عَلَيْهِمْ كِتابًا مِنَ السَّماءِ مَكْتُوبًا كَما نَزَلَتِ التَّوْراةُ عَلى مُوسى، هَذا قَوْلُ القُرَظِيِّ، والسُّدِّيِّ.
وَفِي المُرادِ بِأهْلِ الكِتابِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: اليَهُودُ والنَّصارى.
والثّانِي: اليَهُودُ.
وَفِي المُرادِ بِأهْلِ الكِتابِ المُنَزَّلِ مِنَ السَّماءِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: كِتابٌ مَكْتُوبٌ غَيْرُ القُرْآَنِ.
والثّانِي: كِتابٌ بِتَصْدِيقِهِ في رِسالَتِهِ، وقَدْ بَيَّنّا في (البَقَرَةِ) مَعْنى سُؤالِهِمْ رَؤْيَةِ اللَّهِ جَهْرَةً، واتِّخاذِهُمُ العِجْلَ.
و "البَيِّناتِ": الآَياتُ الَّتِي جاءَ بِها مُوسى.
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ قالَ: ثُمَّ اتَّخَذُوا العِجْلَ، و "ثُمَّ" تَقْتَضِي التَّراخِيَ، والتَّأخُّرَ، أفَكانَ اتِّخاذُ العِجْلِ بَعْدَ قَوْلِهِمْ: "أرِنا اللَّهَ جَهْرَةً"؟
فَعَنْهُ أرْبَعَةُ أجْوِبَةٍ، ذَكَرَهُنَّ ابْنُ الأنْبارِيِّ.
أحَدَهُنَّ: أنْ تَكُونَ "ثُمَّ" مَرْدُودَةٌ عَلى فِعْلِهِمُ القَدِيمِ، والمَعْنى: وإذْ وعَدْنا مُوسى أرْبَعِينَ لَيْلَةً، فَخالَفُوا أيْضًا، ثُمَّ اتَّخَذُوا العِجْلَ.
والثّانِي: أنْ تَكُونَ مُقَدَّمَةً في المَعْنى، مُؤَخَّرَةً في اللَّفْظِ، والتَّقْدِيرِ: فَقَدِ اتَّخَذُوا العِجْلَ، ثُمَّ سَألُوا مُوسى أكْبَرَ مِن ذَلِكَ.
ومِثْلُهُ ﴿ فَألْقِهْ إلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهم فانْظُرْ ماذا يَرْجِعُونَ ﴾ المَعْنى: فَألْقِهِ إلَيْهِمْ، ثُمَّ انْظُرْ ماذا يَرْجِعُونَ، ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهم.
والثّالِثُ: أنَّ المَعْنى: ثُمَّ كانُوا اتَّخَذُوا العِجْلَ، فَأضْمَرَ الكَوْنَ.
والرّابِعُ: أنَّ "ثُمَّ" مَعْناها التَّأْخِيرُ في الإخْبارِ، والتَّقْدِيمُ في الفِعْلِ، كَما يَقُولُ القائِلُ: شَرِبْتُ الماءَ، ثُمَّ أكَلْتُ الخُبْزَ، يُرِيدُ: شَرِبْتُ الماءَ، ثُمَّ أُخْبِرُكم أنِّي أكَلْتُ الخُبْزَ بَعْدَ إخْبارِي بِشُرْبِ الماءِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَعَفَوْنا عَنْ ذَلِكَ ﴾ أيْ: لَمْ نَسْتَأْصِلْ عَبَدَةَ العِجْلِ.
و "السُّلْطانُ المُبِينُ": الحُجَّةُ البَيِّنَةُ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: اليَدُ والعَصا.
وقالَ غَيْرُهُ: الآياتُ التِّسْعُ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ ورُسُلِهِ ولَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أحَدٍ مِنهم أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهم وكانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ ﴿ يَسْألُكَ أهْلُ الكِتابِ أنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتابًا مِنَ السَماءِ فَقَدْ سَألُوا مُوسى أكْبَرَ مِنَ ذَلِكَ فَقالُوا أرِنا اللهَ جَهْرَةً فَأخَذَتْهُمُ الصاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا العِجْلَ مِنَ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّناتُ فَعَفَوْنا عن ذَلِكَ وآتَيْنا مُوسى سُلْطانًا مُبِينًا ﴾ لَمّا ذَكَرَ اللهُ تَعالى أنَّ المُفَرِّقِينَ بَيْنَ الرُسُلِ هُمُ الكافِرُونَ حَقًّا؛ عَقَّبَ ذَلِكَ بِذِكْرِ المُؤْمِنِينَ بِاللهِ ورُسُلِهِ جَمِيعًا؛ وهُمُ المُؤْمِنُونَ بِمُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -؛ لِيُصَرِّحَ بِوَعْدِ هَؤُلاءِ؛ كَما صَرَّحَ بِوَعِيدِ أُولَئِكَ؛ فَبَيَّنَ الفارِقَ بَيْنَ المَنزِلَتَيْنِ؛ وقَرَأ بَعْضُ السَبْعَةِ: "سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ"؛ بِالياءِ؛ أيْ: يُؤْتِيهِمُ اللهُ؛ وقَرَأ الأكْثَرُ: "سَوْفَ نُؤْتِيهِمْ"؛ بِالنُونِ؛ مِنهُمُ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ ونافِعٌ ؛ وأبُو عَمْرٍو.
واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في كَيْفِيَّةِ سُؤالِ أهْلِ الكِتابِ لِمُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - أنْ يُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتابًا مِنَ السَماءِ؛ فَقالَ السُدِّيُّ: قالَتِ اليَهُودُ: يا مُحَمَّدُ؛ إنْ كُنْتَ صادِقًا فَجِئْ بِكِتابٍ مِنَ السَماءِ؛ كَما جاءَ مُوسى بِكِتابٍ؛ وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ: قَدْ جاءَ مُوسى بِألْواحٍ فِيها التَوْراةُ؛ فَجِئْ أنْتَ بِألْواحٍ فِيها كِتابُكَ؛ وقالَ قَتادَةُ: بَلْ سَألُوهُ أنْ يَأْتِيَ بِكِتابٍ خاصٍّ لِلْيَهُودِ؛ يَأْمُرُهم فِيهِ بِالإيمانِ بِمُحَمَّدٍ؛ وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: قالَتِ اليَهُودُ: يا مُحَمَّدُ؛ لَنْ نُتابِعَكَ عَلى ما تَدْعُونا إلَيْهِ حَتّى تَأْتِيَنا بِكِتابٍ مِن عِنْدِ اللهِ إلى فُلانٍ؛ وإلى فُلانٍ؛ أنَّكَ رَسُولُ اللهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: فَقَوْلُ ابْنُ جُرَيْجٍ يَقْتَضِي أنَّ سُؤالَهم كانَ عَلى نَحْوِ سُؤالِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أبِي أُمَيَّةَ المَخْزُومِيِّ القُرَشِيِّ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ فَقَدْ سَألُوا مُوسى أكْبَرَ مِن ذَلِكَ ﴾ ؛ عَلى جِهَةِ التَسْلِيَةِ لِمُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -؛ وعَرْضِ الأُسْوَةِ؛ وفي الكَلامِ مَتْرُوكٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ المَذْكُورُ؛ تَقْدِيرُهُ: فَلا تُبالِ يا مُحَمَّدُ عن سُؤالِهِمْ؛ وتَشَطُّطِهِمْ؛ فَإنَّها عادَتُهُمْ؛ فَقَدْ سَألُوا مُوسى أكْبَرَ مِن ذَلِكَ؛ وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "أكْبَرَ"؛ بِالباءِ المَنقُوطَةِ بِواحِدَةٍ؛ وقَرَأ الحَسَنُ: "أكْثَرَ"؛ بِالثاءِ المُثَلَّثَةِ؛ وجُمْهُورُ المُتَأوِّلِينَ عَلى أنَّ "جَهْرَةً"؛ مَعْمُولٌ لِـ "أرِنا"؛ أيْ: حَتّى نَراهُ جِهارًا؛ أيْ: عِيانًا؛ رُؤْيَةً مُنْكَشِفَةً بَيِّنَةً؛ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ يَرى أنَّ "جَهْرَةً"؛ مَعْمُولٌ لِـ "قالُوا"؛ أيْ: قالُوا جَهْرَةً مِنهُمْ؛ وتَصْرِيحًا: "أرِنا اللهَ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وأهْلُ السُنَّةِ مُعْتَقِدُونَ أنَّ هَؤُلاءِ لَمْ يَسْألُوا مُحالًا عَقْلًا؛ لَكِنَّهُ مُحالٌ مِن جِهَةِ الشَرْعِ؛ إذْ قَدْ أخْبَرَ تَعالى عَلى ألْسِنَةِ أنْبِيائِهِ أنَّهُ لا يُرى في هَذِهِ الحَياةِ الدُنْيا؛ والرُؤْيَةُ في الآخِرَةِ ثابِتَةٌ عَنِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِالخَبَرِ المُتَواتِرِ؛ وهي جائِزَةٌ عَقْلًا؛ دُونَ تَحْدِيدٍ؛ ولا تَكْيِيفٍ؛ ولا تَحَيُّزٍ؛ كَما هو (تَعالى) مَعْلُومٌ لا كالمَعْلُوماتِ؛ كَذَلِكَ هو مَرْئِيٌّ لا كالمَرْئِيّاتِ؛ هَذِهِ حُجَّةُ أهْلِ السُنَّةِ وقَوْلُهُمْ؛ ولَقَدْ حَدَّثَنِي أبِي - رَحِمَهُ اللهُ - عن أبِي عَبْدِ اللهِ النَحْوِيِّ؛ أنَّهُ كانَ يَقُولُ - عِنْدَ تَدْرِيسِ هَذِهِ المَسْألَةِ -: "مِثالُ العِلْمِ بِاللهِ حَلَقَ لِحى المُعْتَزِلَةِ؛ في إنْكارِهِمُ الرُؤْيَةَ"؛ والجُمْلَةِ الَّتِي قالَتْ: "أرِنا اللهَ جَهْرَةً"؛ هي الَّتِي مَضَتْ مَعَ مُوسى لِحُضُورِ المُناجاةِ؛ وقَدْ تَقَدَّمَ قَصَصُها في سُورَةِ "اَلْبَقَرَةِ".
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "فَأخَذَتْهُمُ الصاعِقَةُ"؛ وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ السُلَمِيُّ ؛ وإبْراهِيمُ النَخَعِيُّ: "اَلصَّعْقَةُ"؛ والمَعْنى يَتَقارَبُ؛ إذْ ذَلِكَ كُلُّهُ عِبارَةٌ عَنِ الوَقْعِ الشَدِيدِ مِنَ الصَوْتِ؛ يُصِيبُ الإنْسانَ بِشِدَّتِهِ؛ وهو لَهُ خُمُودٌ؛ ورُكُودُ حَواسَّ؛ وظُلْمُهم هو تَعَنُّتُهُمْ؛ وسُؤالُهم ما لَيْسَ لَهم أنْ يَسْألُوهُ.
وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿ ثُمَّ اتَّخَذُوا العِجْلَ ﴾ ؛ تَرْتِيبٌ في الإخْبارِ؛ لا في نَفْسِ الأمْرِ؛ التَقْدِيرُ: "ثُمَّ قَدْ كانَ مِن أمْرِهِمْ أنِ اتَّخَذُوا العِجْلَ؛ وذَلِكَ أنَّ اتِّخاذَ العِجْلَ كانَ عِنْدَ أمْرِ المُضِيِّ لِلْمُناجاةِ؛ فَلَمْ يَكُنِ الَّذِينَ صُعِقُوا مِمَّنِ اتَّخَذُوا العِجْلَ؛ لَكِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوهُ كانُوا قَدْ جاءَتْهُمُ البَيِّناتُ في أمْرِ إجازَةِ البَحْرِ؛ وأمْرِ العَصا؛ وغَرَقِ فِرْعَوْنَ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ.
وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿ فَعَفَوْنا عن ذَلِكَ ﴾ ؛ يَعْنِي بِما امْتَحَنَهم بِهِ مِنَ القَتْلِ لِأنْفُسِهِمْ؛ ثُمَّ وقَعَ العَفْوُ عَنِ الباقِينَ مِنهُمْ؛ و"اَلسُّلْطانُ": اَلْحُجَّةُ.
<div class="verse-tafsir"
لمَّا ذكر معاذير أهل الكتابين في إنكارهم رسالة محمد صلى الله عليه وسلم أعقبها بذكر شيء من اقتراحهم مجيء المعجزات على وفق مطالبهم.
والجملة استئناف ابتدائي.
ومجيء المضارع هنا: إمّا لقصد استحضار حالتهم العجيبة في هذا السؤال حتّى كأنّ السامع يراهم كقوله: ﴿ ويَصْنَعُ الفُلْك ﴾ [هود: 38]، وقوله: ﴿ بل عَجِبْتَ وَيَسْخَرُون ﴾ [الصافات: 12]، وقوله: ﴿ الله الذي أرسل الرياح فتثير سحاباً ﴾ [فاطر: 9].
وإمَّا للدلالة على تكرار السؤال وتجدّده المرّة بعد الأخرى بأن يكونوا ألَحّوا في هذا السؤال لِقصد الإعنات، كقول طريف بن تميم العنبري: بعثوا إليّ عَريفَهم يَتَوَسَّمُ *** أي يكرّر التوسّم.
والمقصود على كلا الاحتمالين التعجيب من هذا السؤال، ولذلك قال بعده: ﴿ فقد سألوا موسى ﴾ .
والسَّائلُون هم اليهود، سألوا معجزة مثلَ معجزة موسى بأن ينزل عليه مثل ما أنزلت الألواح فيها الكلمات العشر على موسى، ولم يريدوا جميع التوراة كما توهّمه بعض المفسّرين فإنّ كتاب التوراة لم ينزل دفعة واحدة.
فالمراد بأهل الكتاب هنا خصوص اليهود.
والكتاب هنا إمَّا اسم للشيء المكتوب كما نزلت ألواح موسى، وإمّا اسم لقطعة ملتئمة من أوراق مكتوبة، فيكونون قد سألوا معجزة تغاير معجزة موسى.
والفاء في قوله: ﴿ فقد سألوا موسى ﴾ فاء الفصيحة دالّة على مقدّر دلّت عليه صيغة المضارع المراد منها التعجيب، أي فلا تعجب من هذا فإنّ ذلك شنشنة قديمة لأسلافهم مع رسولهم إذ سألوه معجزة أعظم من هذا، والاستدلال على حالتهم بحالة أسلافهم من قبيل الاستدلال بأخلاق الأمم والقبائل على أحوال العشائر منهم، وقد تقدّم بيان كثير منه في سورة البقرة.
وفي هذا الكلام تسلية للنبيء صلى الله عليه وسلم ودلالة على جراءتهم، وإظهارُ أنّ الرسل لا تجيء بإجابة مقترحات الأمم في طلب المعجزات بل تأتي المعجزات بإرادة الله تعالى عند تحدّي الأنبياء، ولو أجاب الله المقترحين إلى ما يقترحون من المعجزات لجعل رسله بمنزلة المشعوذين وأصحاب الخنقطرات والسيمياء، إذ يتلقّون مقترحات الناس في المحافل والمجامع العامَّة والخاصّة، وهذا ممَّا يحُطّ من مقدار الرسالة.
وفي إنجيل متَّى: أنّ قوماً قالوا للمسيح: نريد أن نرى منك آية فقال: «جِيل شِرّير يطلب آية ولا تعطى له آية».
وتكرّر ذلك في واقعة أخرى.
وقد يُقبل ذلك من المؤمنين، كما حكى الله عن عيسى: ﴿ إذ قال الحواريون يا عيسى ابن مريم هل يستطيع ربّك أن يُنزّل علينا مائدة من السماء قال اتّقوا الله إن كنتم مؤمنين قالوا نريد أن نأكل منها وتطمئنّ قلوبنا ونعلم أن قد صدقتنا ونكون عليها من الشاهدين إلى قوله قال الله إنّي منزّلها عليكم فمن يكفر بعد منكم فإنِّي أعذّبه عذاباً لا أعذّبه أحداً من العالمين ﴾ [المائدة: 112، 115]، وقال تعالى: ﴿ وما منعنا أن نُرسل بالآيات إلاّ أن كذّب بها الأوّلون وآتينا ثمودَ الناقةَ مُبصرةً فظلموا بها وما نرسل بالآيات إلاّ تَخْوِيفاً ﴾ [الإسراء: 59].
وهم لمّا سألوا موسى أن يريهم الله جهرة ما أرادوا التيمّن بالله، ولا التنعّم بالمشاهدة، ولكنَّهم أرادوا عَجَباً ينظرونه، فلذلك قالوا: ﴿ أرِنا الله جهرة ﴾ ، ولم يقولوا: ليتنا نرى ربّنا.
﴿ وجَهْرَة ﴾ ضدّ خُفية، أي عَلَناً، فيجوز أن يكون صفة للرؤية المستفادة من (أرنا)، ويجوز أن يكون حالاً من المرفوع في (أرنا): أي حال كونك مجاهراً لنا في رؤيته غير مخف رؤيته.
واستطرد هنا ما لحقهم من جرّاء سؤالهم هذه الرؤية وما ترتّب عليه فقال: ﴿ فأخذتهم الصاعقة بظلمهم ﴾ ، وهو ما حكاه تعالى في سورة البقرة (55) بقوله: ﴿ فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون.
وكان ذلك إرهاباً لهم وزجراً، ولذلك قال: بظلمهم ﴾ والظلم هو المحكي في سورة البقرة من امتناعهم من تصديق موسى إلى أن يروا الله جهرة، وليس الظلم لمجرّد طلب الرؤية؛ لأنّ موسى قد سأل مثل سؤالهم مرّة أخرى: حكاه الله عنه بقوله: ﴿ ولمّا جاء موسى لميقاتنا وكلّمه ربّه قال ربّ أرني أنظر إليك ﴾ الآية في سورة الأعراف (143).
وبيّن أنّهم لم يردعهم ذلك فاتَّخذوا العجل إلهاً من بعد ما جاءتهم البيّنات الدالّة على وحْدانية الله ونفي الشريك وعطفت جملة اتّخاذهم العجل بحرف (ثمّ) المفيد في عطفه الجمل معنى التراخي الرتبى.
فإنّ اتّخاذهم العجل إلهاً أعظم جرماً ممّا حكي قبله، ومع ذلك عفا الله عنهم وآتى موسى سلطاناً مبيناً، أي حجّة واضحة عليهم في تمرّدهم، فصار يزجرهم ويؤنّبهم.
ومن سلطانه المبين أن أحرق لهم العجل الذي اتّخذوه إلهاً.
ثم ذكر آيات أخرى أظهرها الله لهم وهي: رفع الطور، والأمر بقتال أهل أريحا، ودخولهم بابها سجّداً.
والباب يحتمل أنّه باب مدينة أريحا، ويحتمل أنّه باب الممرّ بين الجبال ونحوها، كما سيأتي عند قوله تعالى: ﴿ قال رجلان من الذين يخافون إلى قوله ادخلوا عليهم الباب ﴾ في سورة العقود (23)؛ وتحريم صيد البحر عليهم في السبت.
وقد مضى الكلام عليها جميعاً في سورة البقرة.
وأخذ الميثاق عليهم: المراد به العهد، ووصفُه بالغليظ.
أي القويّ، والغلظ من صفات الأجسام، فاستعير لقوّة المعنى وكنّى به عن توثّق العهد لأنّ الغلظ يستلزم القوّة، والمراد جنس الميثاق الصادق بالعهود الكثيرة التي أخذت عليهم، وقد ذكر أكثرها في آي سورة البقرة، والمقصود من هذا إظهار تأصّلهم في اللجاج والعناد، من عهد أنبيائهم، تسلية للنبيء على ما لقي منهم، وتمهيداً لقوله: ﴿ فبما نقضهم ميثاقهم ﴾ [النساء: 155].
وقوله: ﴿ لا تعدوا ﴾ قرأه نافع في أصحّ الروايات، وهي لورش عنه ولقالون في إحدى روايتيه عنه بفتح العين وتشديد الدال المضمومة أصله: لا تعْتدوا، والاعتداء افتعال من العَدوْ، يقال: اعتدى على فلان، أي تجاوز حدّ الحقّ معه، فلمّا كانت التاء قريبة من مخرج الدال ووقعت متحرّكة وقبلها ساكن، تهيّأ إدغامها، فنقلت حركتها إلى العين الساكنة قبلها، وأدغمت في الدال إدغاماً لقصد التخفيف، ولذلك جاز في كلام العرب إظهارها؛ فقالوا: تَعْتَدوا وتَعَدّوا، لأنَّها وقعت قبل الدال، فكانت غير مجذوبة إلى مخرجه، ولو وقعت بعد الدال لوجب إدغامها في نحو أدّان.
وقرأ الجمهور، وقالون في إحدى روايتين عنه: «لا تَعْدوا» بسكون العين وتخفيف الدال مضارع مجزوم من العدو، وهو العُدوان، كقوله: ﴿ إذ يَعْدون في السبت ﴾ في سورة الأعراف (163)؛ وفي إحدى روايتين عن قالون: باختلاس الفتحة، وقرأه أبو جعفر: بسكون العين وتشديد الدال، وهي رواية عن نافع أيضاً، رواها ابن مجاهد.
قال أبُو علي، في الحُجَّة } : وكثير من النحويين ينكرون الجمع بين الساكنين إذ كان الثاني منهما مدغماً ولم يكن الأول منهما حرف لين، نحو دابَّة، يقولون: المدّ يصير عوضاً عن الحركة، قال: وإذا جاز نحو دُوَيْبَّة مع نقصان المدّ الذي فيه لم يمتنع أن يجمع بين الساكنين في نحو: تَعدُوا.
لأنّ ما بين حرف اللين وغيره يَسير، أي مع عدم تعذّر النطق به.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَسْألُكَ أهْلُ الكِتابِ أنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتابًا مِنَ السَّماءِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ اليَهُودَ سَألُوا مُحَمَّدًا ، أنْ يُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتابًا مِنَ السَّماءِ مَكْتُوبًا، كَما نَزَّلَ عَلى مُوسى الألْواحَ، والتَّوْراةَ مَكْتُوبَةً مِنَ السَّماءِ، وهَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ، ومُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ.
والثّانِي: أنَّهم سَألُوهُ نُزُولَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ خاصَّةً، تَحَكُّمًا في طَلَبِ الآياتِ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ، وقَتادَةَ.
والثّالِثُ: أنَّهم سَألُوهُ أنْ يُنَزِّلَ عَلى طائِفَةٍ مِن رُؤَسائِهِمْ كِتابًا مِنَ السَّماءِ بِتَصْدِيقِهِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ جُرَيْجٍ.
﴿ فَقَدْ سَألُوا مُوسى أكْبَرَ مِن ذَلِكَ فَقالُوا أرِنا اللَّهَ جَهْرَةً ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ اللَّهَ تَعالى بَيَّنَ بِذَلِكَ أنَّ سُؤالَهم لِلْإعْناتِ لا لِلِاسْتِبْصارِ كَما أنَّهم سَألُوا مُوسى أنْ يُرِيَهُمُ اللَّهَ جَهْرَةً، ثُمَّ كَفَرُوا بِعِبادَةِ العِجْلِ.
والثّانِي: أنَّهُ بَيَّنَ بِذَلِكَ أنَّهم سَألُوا ما لَيْسَ لَهم، كَما أنَّهم سَألُوا مُوسى مِن ذَلِكَ ما لَيْسَ لَهم.
﴿ فَقالُوا أرِنا اللَّهَ جَهْرَةً ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم سَألُوهُ رُؤْيَتَهُ جَهْرَةً، أيْ مُعايَنَةً.
والثّانِي: أنَّهم قالُوا: جَهْرَةً مِنَ القَوْلِ أرِنا اللَّهَ، فَيَكُونُ عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.
﴿ فَأخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: بِظُلْمِهِمْ لِأنْفُسِهِمْ.
والثّانِي: بِظُلْمِهِمْ في سُؤالِهِمْ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَرَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثاقِهِمْ ﴾ يَعْنِي: بِالعَهْدِ الَّذِي أُخِذَ عَلَيْهِمْ بَعْدَ تَصْدِيقِهِمْ بِالتَّوْراةِ أنْ يَعْمَلُوا بِما فِيها، فَخالَفُوا بِعِبادَةِ العِجْلِ ونَقَضُوهُ، فَرَفَعَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الطُّورَ، لِيَتُوبُوا، وإلّا سَقَطَ عَلَيْهِمْ فَتابُوا حِينَئِذٍ.
﴿ وَقُلْنا لَهُمُ ادْخُلُوا البابَ سُجَّدًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ بابُ المَوْضِعِ الَّذِي عَبَدُوا فِيهِ العِجْلَ، وهو مِن أبْوابِ بَيْتِ المَقْدِسِ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ.
والثّانِي: بابُ حِطَّةٍ فَأُمِرُوا بِدُخُولِهِ ساجِدِينَ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
﴿ وَقُلْنا لَهم لا تَعْدُوا في السَّبْتِ ﴾ قَرَأ ورْشٌ عَنْ نافِعٍ: ( تَعَدُّوا ) بِفَتْحِ العَيْنِ وتَشْدِيدِ الدّالِ، مِنَ الِاعْتِداءِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّخْفِيفِ مِن (عَدَوْتَ).
وعَدْوُهم فِيهِ تَجاوُزُهم حُقُوقَهُ، فَيَكُونُ تَعَدِّيهِمْ فِيهِ - عَلى تَأْوِيلِ القِراءَةِ الثّانِيَةِ - تَرْكَ واجِباتِهِ.
﴿ وَأخَذْنا مِنهم مِيثاقًا غَلِيظًا ﴾ وهو مِيثاقٌ آخَرُ بَعْدَ رَفْعِ الطُّورِ عَلَيْهِمْ، غَيْرُ المِيثاقِ الأوَّلِ.
وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ غَلِيظًا ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ العَهْدُ بَعْدَ اليَمِينِ.
والثّانِي: أنَّ بَعْضَ اليَمِينِ مِيثاقٌ غَلِيظٌ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير عن محمد بن كعب القرظي قال: جاء ناس من اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: إن موسى جاءنا بالألواح من عند الله فائتنا بالألواح من عند الله حتى نصدقِّك، فأنزل الله: ﴿ يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتاباً من السماء ﴾ إلى ﴿ وقولهم على مريم بهتاناً عظيماً ﴾ .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج في الآية قال: إن اليهود والنصارى قالوا لمحمد صلى الله عليه وسلم: لن نبايعك على ما تدعونا إليه حتى تأتينا بكتاب من عند الله، من الله إلى فلان أنك رسول الله، وإلى فلان أنك رسول الله، فأنزل الله: ﴿ يسألك أهل الكتاب...
﴾ الآية.
وأخرج ابن جرير عن السدي في الآية قال: قالت اليهود: إن كنت صادقاً أنك رسول الله، فآتنا كتاباً مكتوباً من السماء كما جاء به موسى.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ أن تنزل عليهم كتاباً من السماء ﴾ أي كتاباً خاصة.
وفي قوله: ﴿ جهرة ﴾ أي عياناً.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ فقالوا أرنا الله جهرة ﴾ قال: إنهم إذا رأوه إنما قالوا جهرة أرنا الله، قال: هو مقدم ومؤخر.
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد عن عمر بن الخطاب.
أنه قرأ ﴿ فأخذتهم الصعقة ﴾ .
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ فأخذتهم الصاعقة ﴾ قال: الموت، أماتهم الله قبل آجالهم عقوبة بقولهم ما شاء الله أن يميتهم ثم بعثهم.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة ﴿ رفعنا فوقهم الطور ﴾ قال: جبل كانوا في أصله، فرفعه الله فجعله فوقهم كأنه ظلة، فقال: لتأخذن أمري أو لأرمينكم به فقالوا: نأخذه وأمسكه الله عنهم.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ وقلنا لهم ادخلوا الباب سجداً ﴾ قال: كنا نحدث أنه باب من أبواب بيت المقدس ﴿ وقلنا لهم لا تعدوا في السبت ﴾ قال: أمر القوم أن لا يأكلوا الحيتان يوم السبت ولا يعرضوا لها، وأحلت لهم ما خلا ذلك، وفي قوله: ﴿ فبما نقضهم ﴾ يقول: فبنقضهم ميثاقهم ﴿ وقولهم قلوبنا غلف ﴾ أي لا نفقة ﴿ بل طبع الله عليها ﴾ يقول: لما ترك القوم أمر الله، وقتلوا رسوله، وكفروا بآياته، ونقضوا الميثاق الذي عليهم، طبع الله على قلوبهم ولعنهم حين فعلوا ذلك.
وأخرج البزار والبيهقي في الشعب وضعفه عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الطابع معلق بقائمة العرش، فإذا انتهكت الحرمة، وعمل بالمعاصي، واجترئ على الله، بعث الله الطابع فطبع على قلبه، فلا يقبل بعد ذلك شيئاً.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ وقولهم على مريم بهتاناً عظيماً ﴾ قال: رموها بالزنا.
وأخرج البخاري في تاريخه والحاكم وصححه عن علي قال: قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: «إن لك من عيسى مثلاً أبغضته اليهود حتى بهتوا أمه، وأحبته النصارى حتى أنزلوه المنزل الذي ليس له» .
والله تعالى أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ ﴾ قال المفسرون: إنَّ اليهود قالوا للنبي : إن كنت صادقًا أنك نبي ائتنا بكتاب جملة من السماء كما أتى به موسى، فأنزل الله هذه الآية (١) وقوله تعالى: ﴿ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ ﴾ يعني السبعين الذين ذكرنا قصتهم عند قوله: ﴿ وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ ﴾ يعني الذين خلفهم موسى مع هارون حين خرج لميقات ربه (٢) وقوله تعالى: ﴿ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ ﴾ يريد: العصا، واليد، وفلق البحر (٣) ﴿ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ ﴾ أي: لم يستأصل عبدة العجل (٤) ﴿ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا ﴾ أي: حجةً بينة، قوي بها على من ناوأه (٥) (١) انظر: الطبري 6/ 7، و"بحر العلوم" 1/ 4014، و"الكشف والبيان" 2/ 138أ، و"أسباب النزول" للمؤلف ص189، و"لباب النقول" ص85.
(٢) انظر: الطبري 6/ 9.
(٣) انظر: "الوسيط" 2/ 756.
(٤) انظر: "بحر العلوم" 1/ 402، و"الوسيط" 2/ 756، وفيه: "لم نستأصل ...
" بالنون.
(٥) ناوأه أي عاداه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ والذين آمَنُواْ ﴾ الآية: في أمة محمد صلى الله عليه وسلم لأنهم آمنوا بالله وجميع رسله ﴿ يَسْأَلُكَ أَهْلُ الكتاب ﴾ الآية، روي أن اليهود قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: لن نؤمن بك حتى تأتينا بكتاب من السماء جملة كما أتى موسى بالتوراة، وقيل كتاب إلأى فلان، وكتاب إلى فلان بأنك رسول الله، وإنما طلبوا ذلك على وجه التعنت، فذكر الله سؤالهم من موسى، وسوء أدبهم معه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم بالتأسي بغيره، ثم ذكر أفعالهم القبيحة ليبين أن كفرهم إنما هو عناد، وقد تقدّم في البقرة ذكر طلبهم للرؤيا واتخاذهم العجل، ورفع الطور فوقهم، واعتدائهم في السبت وغير ذلك بما أشير إليه هنا.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ لا تعدوا ﴾ بتشديد الدال مع سكون العين: أبو جعفر نافع غير ورش وقرأ ورش مفتوحة العين مشددة.
﴿ بل طبع ﴾ بالإدغام: علي وهشام وأبو عمرو وعن حمزة ﴿ بل رفعه ﴾ مظهراً وبابه: الحلواني عن قالون ﴿ سيؤتيهم ﴾ حمزة وخلف وقتيبة.
الباقون بالنون ﴿ زبوراً ﴾ بضم الزاي حيث كان: حمزة وخلف والباقون بالفتح.
الوقوف: ﴿ بظلمهم ﴾ ج لأن "ثم" لترتيب الأخبار مع أن مراد الكلام متحد.
﴿ عن ذلك ﴾ ج لأن التقدير وقد آتينا.
﴿ مبيناً ﴾ ه ﴿ غليظاً ﴾ 5 ﴿ غلف ﴾ ط ﴿ قليلاً ﴾ ه ص للعطف.
﴿ عظيماً ﴾ ه لا لأنّ التقدير وفي قولهم.
﴿ رسول الله ﴾ ج لأن ما بعده يحتمل ابتداء النفي والحال.
﴿ شبه لهم ﴾ ط ﴿ منه ﴾ ط ﴿ الظن ﴾ ج لاحتمال الاستئناف والحال ﴿ يقيناً ﴾ ج لتقرير نفي القتل بإثبات الرفع ﴿ إليه ﴾ ط ﴿ حكيماً ﴾ ه ﴿ قبل موته ﴾ ط لأن الواو للاستئناف مع اتحاد المقصود.
﴿ شهيداً ﴾ ه ج للآية ولأن قوله: ﴿ فبظلم ﴾ راجع إلى / قوله: ﴿ فبما نقضهم ﴾ ﴿ وقولهم ﴾ متعلق الكل ﴿ حرمنا ﴾ .
﴿ كثيراً ﴾ لا ﴿ بالباطل ﴾ ط ﴿ اليماً ﴾ ه ﴿ واليوم الآخر ﴾ ط ﴿ عظيماً ﴾ ه ﴿ من بعده ﴾ ج للعطف من مع تكرار الفعل.
﴿ وسليمن ﴾ ج لأنّ التقدير وقد آتينا التخصيص داود بإيتاء الزبر.
﴿ زبوراً ﴾ ه ج لأنّ التقدير وقصصنا رسلاً.
﴿ عليك ﴾ ط.
﴿ تكليماً ﴾ ه ج لاحتمال البدل والنصيب على المدح.
﴿ الرسل ﴾ ط ج ﴿ حكيماً ﴾ ه ﴿ بعلمه ﴾ ج لاحتمال ما بعده الاستئناف والحال.
﴿ يشهدون ﴾ ط ﴿ شهيداً ﴾ ه ﴿ بعيداً ﴾ ه ﴿ طريقاً ﴾ ه لا ﴿ أبداً ﴾ ط ﴿ يسيراً ﴾ ه.
التفسير: هذا نوع ثان من جهالات اليهود فإنهم قالوا: إن كنت رسولاً من عند الله فأتنا بكتاب من السماء جملة كما جاء موسى بالألواح.
وقيل: اقترحوا أن ينزل عليهم كتاباً إلى فلان وكتاباً إلى فلان بأنك رسول الله.
وقيل: كتاباً نعاينه حين ينزل.
فإن استكبرت ما سألوه ﴿ فقد سألوا ﴾ بمعنى سأل آباؤهم ومن هؤلاء على مذهبهم ﴿ موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة ﴾ وأنما كان سؤال الرؤية أكبر من سؤال تنزيل الكتاب لأن التنزيل أمر ممكن في ذاته بخلاف رؤية الله عياناً فإنها ممتنعة لذاتها عند المعتزلة، أو ممتنعة في الدنيا عند غيرهم.
وفي قوله: ﴿ من بعد ما جاءتهم البينات ﴾ وجوه: أحدها أن البينات الصاعقة لأنها تدل على قدرة الله وعلى علمه وعلى قدمه وعلى كونه مخالفاً للأجسام والأعراض، وعلى صدق موسى في دعوى النبوة.
وثانيها أنها إنزال الصاعقة واحياؤهم بعد إماتتهم.
وثالثها أنها الآيات التسع من العصا واليد وفلق البحر وغيرها.
وفحوى الكلام أن هؤلاء يطلبون منك يا محمد أن تنزل عليهم كتاباً من السماء فاعلم أنهم لا يطلبونه منك إلاّ عناداً ولجاجاً فإن موسى قد أنزل عليه هذا الكتاب وأنزل عليه سائر المعجزات الباهرة ثم إنهم طلبوا الرؤية على سبيل العناد وأقبلوا على عبادة العجل، وكل ذلك يدل على أنهم مجبولون على اللجاج والعناد والبعد عن طريق الحق ﴿ فعفونا عن ذلك ﴾ حيث لم نستأصل عبدة العجل ﴿ وآتينا موسى سلطاناً مبيناً ﴾ تسلطاً ظاهراً وهو أن أمرهم بقتل أنفسهم، أو المراد قوّة أمره وكمال حاله وانكسار خصومه ففيه بشارة للنبي بأن هؤلاء الكفار وإن كانوا يعاندونه فإنه بالآخرة يستولي عليهم ويقهرهم.
ثم حكى عنهم سائر جهالاتهم واصرارهم على أباطيلهم منها أنه رفع الطور بميثاقهم أي بسبب ميثاقهم ليخافوا فلا ينقضوه، ومنها قصة دخولهم الباب باب بيت المقدس، ومنها قصة اعتدائهم في السبت باصطياد السمك وقد مر جميع هذه القصص في سورة البقرة، وقيل: إن العدو ههنا ليس بمعنى الاعتداء وإنما هو بمعنى الحظر والمراد به النهي عن العمل والكسب يوم السبت كأنه قيل لهم: اسكنوا عن العمل في هذا اليوم واقعدوا في منازلكم فأنا / الرزاق.
ثم قال: ﴿ وأخذنا منهم ميثاقاً غليظاً ﴾ أي العهد المؤكد غاية التوكيد على أن يتمسكوا بالتوراة ويعملوا بما فيها ﴿ فبما نقضهم ﴾ "ما" مزيدة للتوكيد أي فبنقضهم وبسبب كذا وكذا ثم قال: ﴿ بل طبع الله عليها ﴾ ردّاً لقولهم قلوبنا أوعية للعلم وتنبيهاًَ على أنه ختم عليها فلهذا لا يصل أثره الدعوة البيان إليها، أو تكذيباً لادعائهم إن قلوبنا في أكنة وذلك بحسب تفسيري الغلف كما مر في سورة البقرة ﴿ فلا يؤمنون إلاّ ﴾ إيماناً ﴿ قليلاً ﴾ وهو إيمانهم بموسى والتوراة على زعمهم وإلا فالكافر بنبي واحد كافر بجميع الأنبياء فالقلة في الحقيقة بمعنى العدم ﴿ وبكفرهم وقولهم على مريم بهتاناً عظيماً ﴾ فإنكارهم قدرة الله على خلق الولد من غير أب وكذا إنكارهم نبوة عيسى كفر ونسبتهم الزنا لمريم بهتان عظيم لأنه ظهر لهم عند ولادة عيسى من الكرامات والمعجزات ما دلهم على براءتها من كل سوء ﴿ وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى بن مريم رسول الله ﴾ قالوه على وجه الاستهزاء كقول فرعون ﴿ إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون ﴾ أو أنه جعل الذكر الحسن مكان القبيح الذي كانوا يطلقونه عليه من الساحر ابن الساحرة والفاعل ابن الفاعلة.
﴿ وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه ﴾ أي المقتول ﴿ لهم ﴾ لدلالة ذكر قتلنا على المقتول، أو يكون شبه مسنداً إلى الجار والمجرور وهولهم أي وقع لهم التشبيه، ولا يجوز أن يكون في شبه ضمير المسيح لأنه المشبه به وليس بمشبه.
قال أكثر المتكلمين: إن اليهود لما قصدوا قتله رفعه الله إلى السماء فخاف رؤساء اليهود وقوع الفتنة فيما بين عوامهم فأخذوا إنساناً وقتلوه وصلبوه ولبَّسوا على الناس أنه هو المسيح، والناس ما كانوا يعرفون المسيح، إلاّ بالاسم لإنه كان قليل المخالطة مع الناس.
وقيل: إن اليهود لما علموا أنه في البيت الفلاني مع أصحابه, أمر يهوذا رأس اليهود رجلاً من أصحابه ـ يقال له طيطانوس ـ أن يدخل على عيسى ويخرجه ليقتله، فلما دخل عليه أخرج الله عيسى من سقف البيت وألقى على ذلك الرجل شبه عيسى فخرج فظنوا أنه هو المسيح فصلبوه وقتلوه.
وقيل: وكلوا بعيسى رجلاً يحرسه وصعد عيسى في الجبل ورفع إلى السماء وألقى الله الشبه على ذلك الرقيب فقتلوه وهو يقول لست عيسى.
وقيل إن رهطاً من اليهود سبوه وسبوا أمه فدعا عليهم: اللهم أنت ربي وبكلمتك خلقتني، اللهم العن من سبني وسب والدتي.
فمسخ الله من سبهما قردة وخنازير، فأجمعت اليهود على قتله فلما هموا بأخذه وكان معه عشرة من أصحابه قال لهم: من يشتري الجنة بأن يلقى عليه شبهي؟
فقال واحد منهم: أنا فألقى الله شبه عيسى عليه فأخرج وقتل ورفع الله عيسى.
وقيل: كان رجل يدعي أنه من أصحاب عيسى وكان منافقاً، فذهب إلى اليهود ودلهم عليه فلما دخل مع اليهود لأخذه / ألقى الله شبهه عليه فقتل وصلب ﴿ وإنّ الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ﴾ قيل: إن المختلفين هم اليهود لما قتلوا الشخص المشبه ونظروا إلى بدنه قالوا: الوجه وجه عيسى والجسد جسد غيره.
وقال السبكي: لما قتلوا اليهودي المشبه مكانه قالوا: إن كان هذا عيسى فأين صاحبنا، وإن كان هذا صاحبنا فأين عيسى؟
وقيل: إن المختلفين هم النصارى وذلك أنهم بأسرهم متفقون على أن اليهود قتلوه إلا أن كبار فرق النصارى ثلاثة: النسطورية والملكانية واليعقوبية.
فالنسطورية زعموا أن المسيح صلب من جهة ناسوته لا من جهة لاهوته وهو قريب من قول الحكماء إنّ القتل والموت يرد على الهيكل لا على النفس المجردة، وعلى هذا فالفرق بين عيسى وبين سائر المصلوبين أن نفسه كانت قدسية علوية مشرقة قريبة من عالم الأرواح فلم يعظم تألمها بسبب القتل وتخريب البدن.
وقالت الملكانية: القتل والصلب وصل إلى اللاهوت بالإحساس والشعور لا بالمباشرة.
وقالت اليعقوبية: القتل والصلب وقع للمسيح الذي هو جوهر متولد من جوهرين، والشك في الأحكام استواء طرفي نقيضه عند الذاكر وقد يطلق عليه الظن وبهذا ذم في قوله: ﴿ ما لهم به من علم إلا اتباع الظن ﴾ وأما العمل بالقياس فليس من اتباع الظن في شيء لأنه عمل بالطرف الراجح، ولأن العلم بوجوب العمل قطعي.
ثم قال: ﴿ وما قتلوه يقيناً ﴾ وإنه يحتمل عدم يقين القتل أي قتلاً يقيناً أو متيقنين.
واليقين عقد جازم مطابق ثابت لدليل ويحتمل يقين عدم القتل على أن ﴿ يقيناً ﴾ تأكيد لقوله: ﴿ وما قتلوه ﴾ أي حق انتفاء قتله حقاً وهذا أولى لقوله: ﴿ بل رفعه الله إليه ﴾ وقيل: هو من قولهم قتلت الشيء علماً إذا تبالغ فيه علمه فيكون تهكماً بهم لأنه نفى عنهم العلم أولاً نفياً كلياً ثم نبه بقوله: ﴿ وكان الله عزيزاً حكيماً ﴾ على أن رفع عيسى إلى السماء بالنسبة إلى قدرته سهل وأن فيه من الحكم والفوائد ما لا يحصيها إلاّ هو.
ثم قال: ﴿ وإن من أهل الكتاب إلاّ ليومننّ به قبل موته ﴾ فقوله: ﴿ إلاّ ليؤمنن به ﴾ جملة قسمية واقعة صفة لموصوف محذوف "وإن" هي النافية.
التقدير: وما من أهل الكتاب أحد إلاّ ليؤمنن به كقوله: ﴿ وما منا إلاّ له مقام معلوم ﴾ والضمير في ﴿ به ﴾ عائد إلى عيسى، وفي ﴿ موته ﴾ إلى أحد.
عن شهر بن حوشب قال لي الحجاج: آية ما قرأتها إلاّ تخالج في نفسي شيء منها يعني هذه الآية وقال: إني أوتي بالأسير من اليهود والنصارى فأضرب عنقه فلا أسمع منه ذلك.
فقلت: إن اليهودي إذا حضره الموت ضربت الملائكة دبره ووجهه وقالوا: يا عدوّ الله أتاك عيسى نبياً فكذبت به فيقول: آمنت أنه عبد نبي.
وتقول للنصراني: أتاك عيسى نبياً فزعمت أنه الله أو ابن الله فيؤمن به ويقول: إنه / عبد الله ورسوله حيث لا ينفعه إيمانه.
قال: وكان متكئاً فاستوى جالساً فنظر إليّ وقال: ممن قلت؟
قلت: حدثني محمد بن علي ابن الحنفية فأخذ ينكت الأرض بقضيبه ثم قال: لقد أخذتها من عين صافية أو من معدنها.
وعن ابن عباس أنه فسره كذلك فقال له عكرمة: فإن أتاه رجل فضرب عنقه؟
قال: لا تخرج نفسه حتى يحرك بها شفتيه.
قال: وإن خر من فوق بيت أو احترق أو أكله سبع؟
قال: يتكلم بها في الهواء ولا تخرج روحه حتى يؤمن به.
وفائدة هذا الإخبار الوعيد وإلزام الحجة والبعث على معاجلة الإيمان به في أوان الانتفاع، لأنه إذا لم يكن بد من الإيمان به فلأن يؤمنوا به حال التكليف ليقع معتداً به أولى.
وقيل: الضميران في ﴿ به ﴾ وفي ﴿ موته ﴾ لعيسى والمراد بأهل الكتاب الذين يكونون في زمان نزوله.
روي أنه ينزل من السماء في آخر الزمان فلا يبقى أحد من أهل الكتاب إلا يؤمن به حتى تكون الملة واحدة وهي ملة الإسلام، ويهلك الله في زمانه المسيح الدجال وتقع الأمنة حتى ترتع الأسود والنمور مع الإبل والبقر، والذئاب مع الغنم، ويلعب الصبيان بالحيات، ويلبث في الأرض أربعين سنة ثم يتوفى ويصلي عليه المسلمون ويدفنونه.
قال بعض المتكلمين: ينبغي أن يكون هذا عند ارتفاع التكاليف أو بحيث لا يعرف إذ لو نزل مع بقاء التكليف على وجه يعرف أنه عيسى.
فأما أن يكون نبياً - ولا نبي بعد محمد - أو غير نبي وعزل الأنبياء لا يجوز.
وأجيب بأنه كان نبياً إلى مبعث محمد وبعد ذلك انتهت مدة نبوته فلا يلزم عزله فلا يبعد أن يصير بعد نزوله تبعاً لمحمد .
قال في الكشاف: ويجوز أن يراد أنه لا يبقى أحد من جميع أهل الكتاب إلاّ ليؤمن به على أن الله يحييهم في قبورهم في ذلك الزمان ويعلمهم نزوله وما أنزل له ويؤمنون به حين لا ينفعهم إيمانهم وقيل: الضمير في ﴿ به ﴾ يرجع إلى الله وقيل إلى محمد ﴿ ويوم القيامة يكون عليهم شهيداً ﴾ يشهد على اليهود بأنهم كذبوه وعلى النصارى بأنهم دعوه ابن الله وكذلك كل نبي شاهد على أمته.
قوله: ﴿ فبظلم ﴾ التنوين للتعظيم يعني فبأي ظلم ﴿ من الذين هادوا ﴾ والذنوب نوعان: الظلم على الخلق وهو قوله: ﴿ فبظلم من الذين هادوا ﴾ الآية والإعراض عن الدين الحق وهو قوله: ﴿ وبصدّهم عن سبيل الله كثيراً ﴾ أي ناساً كثيراً أو صداً كثيراً.
ومن هذا القبيل أخذ الربا بعد النهي عنه وأكل أموال الناس بالباطل أي بالرشا على التحريف؛ فهذه الذنوب هي الموجبة للتشديد عليهم في الدنيا والآخرة.
أما في الدنيا فتحريم بعض المطاعم الطيبة كما يجيء في سورة الأنعام: ﴿ وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ﴾ الآية وأما في الآخرة فقوله: ﴿ وأعتدنا للكافرين منهم عذاباً أليماً ﴾ واعلم أن في متعلق قوله: ﴿ فبما نقضهم ﴾ وما عطف عليه قولين: الأوّل أنه محذوف والتقدير: فبنقضهم وبكذا وكذا لعنّاهم أو سخطنا عليهم أو نحو ذلك ثم استأنف قوله: / ﴿ فبظلم ﴾ ومتعلقه ﴿ حرمنا ﴾ وكذا متعلق المعطوفات بعده.
الثاني أن متعلق الكل ﴿ حرمنا ﴾ وقوله: ﴿ فبظلم ﴾ بدل من قوله: ﴿ فبما نقضهم ﴾ قاله الزجاج.
ويرجح الأوّل بأن حذف المتعلق أفخم ليذهب الوهم كل مذهب، ولأنّ تحريم الطيبات عقوبة خفيفة فلا يحسن تعليقها بتلك الجنايات العظائم.
قلت: لو جعل قوله: ﴿ وأعتدنا ﴾ معطوفاً على ﴿ حرمنا ﴾ زال هذا الإشكال، أما تكرار الكفر في الآيات ثلاث مرات ويلزم من عطف الثالث على الأوّل أو على الثاني عطف الشيء على نفسه فقد أجاب عنه في الكشاف بأنه قد تكرر منهم الكفر لأنهم كفروا بموسى ثم بعيسى ثم بمحمد فعطف بعض كفرهم على بعض، أو عطف مجموع المعطوف على مجموع المعطوف عليه كأنهم قيل: فبجمعهم بين نقض الميثاق والكفر بآيات الله، وقتل الأنبياء عليهم السلام، وقولهم قلوبنا غلف، وجمعهم بين كفرهم وبهتهم مريم وافتخارهم بقتل عيسى، عاقبناهم أو بل طبع الله عليها بكفرهم وجمعهم بين كفرهم وكذا وكذا.
ثم وصف طريقة المؤمنين المحقين منهم فقال: ﴿ لكن الراسخون في العلم منهم ﴾ يعني عبدالله بن سلام وأضرابه ممن نبت في العلم وثبت وأتقن واستبصر حتى حصلت له المعارف بالاستدلال واليقين دون التقليد والتخمين، لأن المقلد يكون بحيث إذا شكك تشكك، أما المستدل فإنه لا يتشكك ألبتة ﴿ والمؤمنون ﴾ يريد المؤمنين منهم أو المؤمنين من المهاجرين والأنصار.
والراسخون مبتدأ و ﴿ يؤمنون ﴾ خبره.
أما قوله: ﴿ والمقيمين الصلاة ﴾ ففيه أقوال: الأوّل روي عن عثمان وعائشة أنهما قالا: إن في المصحف لحناً وستقيمه العرب بألسنتها، ولا يخفى ركاكة هذا القول لأن هذا المصحف منقول بالتواتر عن رسول الله فكيف يمكن ثبوت اللحن فيه؟
الثاني قول البصريين إنه نصب على المدح لبيان فضيل الصلاة ﴿ والمؤتون الزكاة ﴾ رفع على المدح لبيان فضل الزكاة كقولك: جاءني قومك المطعمين في المحل والمغيثون في الشدائد.
فتقدير الآية أعني المقيمين الصلاة وهم المؤتون الزكاة ﴿ والمؤمنون بالله واليوم الآخر ﴾ وطعن الكسائي في هذا القول بأن النصب على المدح إنما يكون بعد تمام الكلام وههنا الخبر وهو قوله: ﴿ أولئك ﴾ إلخ منتظر.
والجواب أن الخبر ﴿ يؤمنون ﴾ ولو سلم فما الدليل على أنه لا يجوز الاعتراض بالمدح بين المبتدأ وخبره؟
الثالث وهو اختيار الكسائي أن المقيمين خفض للعطف على ما في قوله: ﴿ إنما أنزل إليك ﴾ والمراد بهم الأنبياء لأنه لم يخل شرع واحد منهم من الصلاة قال : ﴿ وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة ﴾ أو الملائكة لقوله: ﴿ وإنا لنحن الصافون ﴾ واعلم أن العلماء ثلاثة أقسام: العلماء بأحكام الله وتكاليفه وشرائعه، والعلماء بذات الله وصفاته الواجبة والممتنعة وأحوال / المبدإ والمعاد، والعلماء الجامعون بين العلمين المذكورين مع العمل بما يجب العمل به وهم الراسخون في العلم وأنهم أكابر العلماء، وإلى الأقسام الثلاثة أشار بقوله : " جالس العلماء وخالط الحكماء ورافق الكبراء" اللهم اجعلنا من زمرتهم بفضلك يا مستعان.
ثم إنه عاد إلى الجواب عن سؤال اليهود وهو اقتراح نزول الكتاب جملة فقال: ﴿ إنا أوحينا إليك ﴾ الآية.
فبدأ بذكر نوح لأنه أول من شرع الله على لسان الأحكام والحلال والحرام، ثم قال: ﴿ والنبيين من بعده ﴾ ثم خص بعض النبيين بالذكر لكونهم أفضل من غيرهم، ولم يذكر فيهم موسى لأن المقصود من تعداد هؤلاء الأنبياء أنهم كانوا رسلاً مع أن واحداً منهم ما أوتي كتاباً مثل التوراة دفعة واحدة.
ثم ختم ذكر الأنبياء بقوله: ﴿ وآتينا داود زبوراً ﴾ يعني أنكم اعترفتم، أن الزبور من عند الله، ثم إنه ما نزل على داود جملة واحدة وهذا إلزام حسن قوي والزبور كتاب داود .
من قرأ بضم الزاي فعلى أنه جمع زبر وهو الكتاب كقدر وقدور.
ثم قال: ﴿ ورسلاً قد قصصناهم عليك من قبل ورسلاً لم نقصصهم عليك ﴾ والمعنى أنه إنه ذكر أحوال بعض الأنيباء في القرآن والأكثرون غير مذكورين على سبيل التفصيل ﴿ وكلم الله موسى تكليماً ﴾ هذا أيضاً من تتمة الجواب.
والمراد أنه بعث كل هؤلاء الأنبياء والرسل وخص موسى بشرف التكليم معهم ولم يلزم منه الطعن في سائر الأنبياء فكيف يلزم الطعن بإنزال التوراة عليه دفعة وإنزال غيرها على غيره منجماً ﴿ رسلاً مبشرين ومنذرين ﴾ يعني أن المقصود من بعثة الأنبياء إلزام التكاليف بالإنذار والتبشير، وقد يتوقف هذا المطلوب على إنزال الكتب وقد يكون إنزال الكتاب منجماً مفرقاً أقرب إلى المصلحة لأنه إذا نزل جملة كثرة التكاليف فيثقل القبول كما ثقل على قوم موسى فعصوا.
ثم ختم الآية بقوله: ﴿ وكان الله عزيزاً حكيماً ﴾ والمعنى أن عزته تقتضي أن لا يجاب المتعنت إلى مطلوبه وإن كان أمراً هيناً في القدرة وكذلك حكمته تقتضي هذا الامتناع، لأنه لو فعل ذلك لأصروا على اللجاج في كل قضية.
واحتج الأشاعرة بالآية على أن معرفة الله لا تثبت إلاّ بالسمع لقوله: ﴿ لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل ﴾ فيكون قبل البعثة لهم حجة في ترك الطاعات والمعارف.
وأجابت المعتزلة بأن الرسل منبهون عن الغفلة وباعثون على النظر وكان إرسالهم إزاحة للغفلة وتتميماً لإلزام الحجة مع إفادة تفصيل أمور الدين وبيان أحوال التكليف وتعليم الشرائع.
والمعتزلة قالوا: في الآية دلالة على امتناع تكليف ما لا يطاق لأن عدم إرسال الرسل إذا كان يصلح عذراً فبأن يكون عدم القدرة والمكنة صالحاً للعذر أولى وعورض.
وأيضاً قالوا: الآية تدل على أن العبد قد يحتج على الرب فيبطل قول أهل السنة إنه لا / اعتراض عليه لأحد.
وأجيب بأنه يشبه الحجة وليس حجة في الحقيقة.
قوله: ﴿ لكن الله يشهد ﴾ لا بد له من مستدرك لأن ﴿ لكن ﴾ لا يبتدأ به.
وفي ذلك المستدرك وجهان: أحدهما أن هذه الآيات بأسرها جواب عن قول اليهود لو كان نبياً لنزل عليه الكتاب جملة، وهذا الكلام يتضمن أنه هذا القرآن ليس كتاباً نازلاً عليه من السماء فلا جرم قيل: ﴿ لكن الله يشهد ﴾ بأنه نازل عليه من السماء.
الثاني أنه لما قال: ﴿ إنا أوحينا إليك ﴾ قال القوم: نحن لا نشهد لك بذلك فنزل ﴿ لكن الله يشهد ﴾ ومعنى شهادة الله إنزال القرآن بحيث عجز عن معارضته الأولون والآخرون أي يشهد لك بالنبوة بواسطة هذا القرآن الذي أنزله إليك.
ثم فسر ذلك وأوضح بقوله: ﴿ أنزله بعلمه ﴾ أي متلبساً بعلمه الخاص الذي لا يعلمه غيره، أو بسبب علمه الكامل مثل: كتبت بالقلم وهذا كما يقال في الرجل المشهور بكمال الفضل إذا صنف كتاباً واستقصى في تحريره إنما صنف هذا بكمال علمه يعني أنه اتخذ جملة علومه آلة ووسيلة إلى تصنيف ذلك الكتاب، أو أنزله وهو عالم بأنك أهل لإنزاله إليك وأنك مبلغه، أو أنزله بما علم من مصالح العباد فيه، أو أنزله وهو عالم به رقيب عليه حافظ له من شياطين الجن والإنس ﴿ والملائكة يشهدون ﴾ لأنهم لا يسبقونه بالقول فشهادته تستتبع شهادتهم ومن صدقه رب العالمين وملائكة السموات والأرضين لم يلتفت إلى تكذيب أخس الناس إياه ﴿ وكفى بالله شهيداً ﴾ وإن لم يشهد غيره ﴿ إن الذين كفروا ﴾ بمحمد والقرآن ﴿ وصدوا ﴾ غيرهم ﴿ عن سبيل الله ﴾ بإلقاء الشبهات كقولهم: لو كان رسولاً لأنزل عليه القرآن دفعة كما نزلت التوراة على موسى، وكقولهم إن شريعة موسى لا تنسخ وإن الأنبياء لا يكونوا إلاّ من ولد هارون وداود ﴿ قد ضلوا ضلالاً بعيداً ﴾ لأن غاية الضلال أن ينضم معه الإضلال.
﴿ إنّ الذين كفروا وظلموا ﴾ محمداً بكتمان بعثته أو عوامهم بإلقاء الشبهات في قلوبهم.
ومعنى قوله: ﴿ ولا ليهديهم طريقاً ﴾ أنهم لا يسلكون إلاّ الطريق الموصل إلى جهنم أو لا يهديهم يوم القيامة إلاّ طريقها.
والعامل في ﴿ خالدين ﴾ معنى لا ليهديهم أي يعاقبهم أو يدخلهم النار خالدين.
﴿ وكان ذلك على الله يسيراً ﴾ لأنه لا صارف له عن ذلك ولا يتعذر عليه إيصال الألم إليه شيئاً بعد شيء إلى غير النهاية.
واللام في ﴿ الذين ﴾ إما لقوم معهودين علم الله منهم أنهم يموتون على الكفر، وإما للاستغراق فيجب أن يضمر شرط عدم التوبة.
وحمل المعتزلة قوله: ﴿ وظلموا ﴾ على أصحاب الكبائر بناء على أنه لا فرق عندهم بين الكافر وصاحب الكبيرة في أنه لا يغفر لهما إلاّ بالتوبة.
التأويل: ﴿ أرنا الله جهرة ﴾ لعل خرة موسى بلن تراني كانت بشؤم القوم وما كان في انفسهم من سوء أدب هذا السؤال لئلا يطمعوا في مطلوب لم يعطه نبيهم، فما اتعظوا بحالة نبيهم لأنهم كانوا أشقياء والسعيد من وعظ بغيره.
فكلما زاد عنادهم زاد بلاؤهم وابتلاؤهم / كرفع الطور فوقهم وغير ذلك.
قال أهل الإشارة: ارتكاب المحظورات يوجب تحريم المباحات والطيبات التي أحلت لهم ولأزواجهم الطيبين قبل التلوث بقذر المخالفات والإسراف في المباحات يستتبع حرمان المناجاة والقربات ﴿ لكن الراسخون في العلم ﴾ هم الذين رسخوا بقدمي الصدق والعمل في العلم إلى أن بلغوا معادن العلوم فاتصلت علومهم الكسبية بالعلوم العطائية واللدنية ﴿ إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده ﴾ أي كل ما أوحينا إليك من سر ﴿ فأوحى إلى عبده ما أوحى ﴾ ﴿ ورسلاً قد قصصناهم عليك من قبل ﴾ أي ليلة المعراج ﴿ ورسلاً لم نقصصهم عليك ﴾ الآن في القرآن مفصلة ﴿ أنزله بعلمه ﴾ تجلى له بصفة العالمية حتى علم بعلمه ما كان وما سيكون ﴿ والملائكة يشهدون ﴾ على تلك الخلوة وإن لم يكونوا معك في الخلوة ﴿ وكفى بالله شهيداً ﴾ على ما جرى.
قد كان ما كان سراً لا أبوح به *** ظن خيراً ولا تسأل عن الخبر <div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ يَسْأَلُكَ أَهْلُ ٱلْكِتَابِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَاباً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ ﴾ .
قيل في أحد التأويلين: كان يريد كل أحد منهم أن يأتي إلى كل رجل منهم بكتاب: أن محمداً رسول الله ، وهو كقوله - وتعالى -: ﴿ بَلْ يُرِيدُ كُلُّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ أَن يُؤْتَىٰ صُحُفاً مُّنَشَّرَةً كَلاَّ ﴾ ، وكقوله - -: ﴿ وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَّقْرَؤُهُ ﴾ .
وقيل: سألوا أن يأتيهم بكتاب جملة مثل التوراة؛ مثل قولهم: ﴿ لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً ﴾ كما أنزلت التوراة على موسى جملة واحدة؛ لأنهم يقولون: إن هذا القرآن من اختراع محمد واختلاقه؛ لأنه لو كان من عند الله نزل؛ لنزل جملة كما نزلت التوراة جملة غير متفرقة؛ فأخبر أنهم: ﴿ سَأَلُواْ مُوسَىٰ أَكْبَرَ مِن ذٰلِكَ فَقَالُوۤاْ أَرِنَا ٱللَّهَ جَهْرَةً ﴾ ، وقد سألوا محمداً صلى الله عليه وسلم مثل سؤال أولئك موسى، وهو قوله: ﴿ لَوْلاَ أُنْزِلَ عَلَيْنَا ٱلْمَلاَئِكَةُ أَوْ نَرَىٰ رَبَّنَا ﴾ يعزي - عز وجل - رسوله ويصبره على أذاهم، يقول - والله أعلم -: إنهم سألوا آيات على رسالته، فأتى بها، فلم يؤمنوا به، يخبر أن سؤالهم سؤال تعنت، لا سؤال استرشاد؛ لأن سؤالهم لو كان سؤال استرشاد - لكان إذا أُتُوا بها قبلوها؛ ولذلك أخذهم العذاب بقوله - -: ﴿ فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ﴾ ؛ لأنهم كانوا يسألون سؤال تعنت، لا سؤال رشد.
وفي الآية دلالة أن المسئول لا يلزمه الدليل على شهوة السائل وإرادته؛ ولكن يلزمه أن يأتي بما هو دليل في نفسه.
وفيه دلالة له - أيضاً - أن المجوس ليسوا من أهل الكتاب؛ لأنه لما قال: ﴿ يَسْأَلُكَ أَهْلُ ٱلْكِتَابِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَاباً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ...
﴾ - لم يخطر ببال أحد أنه أراد المجوس بقوله: ﴿ أَهْلُ ٱلْكِتَابِ ﴾ ، والله أعلم.
فبطل قول من قال: بأنهم من أهل الكتاب، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ﴾ .
الصاعقة: هي العذاب الذي فيه الهلاك، وقد ذكرناه فيما تقدم، وإنما أخذهم العذاب بكفرهم بموسى بعد ما أتاهم موسى بآيات الرسالة، لا بسؤالهم الرؤية؛ لأنه لو كان ما أخذهم [من] العذاب إنما أخذ بسؤال الرؤية، لكان موسى بذلك أولى؛ حيث قال: ﴿ رَبِّ أَرِنِيۤ أَنظُرْ إِلَيْكَ ﴾ ؛ فدل أن العذاب إنما أخذهم بتعنتهم وبكفرهم بعد ظهور الآيات لهم أنه رسول الله، وذلك قوله - -: ﴿ ثُمَّ ٱتَّخَذُواْ ٱلْعِجْلَ مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَاتُ ﴾ يخبر نبيه عن شدة تعنتهم في تكذيب الرسل، وكثرة تمردهم وسفههم؛ ليصبر على أذى قومه، ولا يظن أنه أول مكذَّب من الرسل.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَآتَيْنَا مُوسَىٰ سُلْطَاناً مُّبِيناً ﴾ .
قيل: السلطان المبين يحتمل الآيات التي أراهم، ما يعقل كل أحد - إن لم يعاند ولا كابر - أنها سماوية؛ إذ هي كانت خارجة عن الأمر المعتاد بين الخلق، من نحو: اليد البيضاء، والعصا، وفرق البحر، وغير ذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ ٱلطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ ﴾ حين لم يقبلوا التوراة؛ فعند ذلك قبلوا، ثم أخذ عليهم الميثاق بذلك، وهو ما ذكرنا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقُلْنَا لَهُمُ ٱدْخُلُواْ ٱلْبَابَ سُجَّداً وَقُلْنَا لَهُمْ لاَ تَعْدُواْ فِي ٱلسَّبْتِ ﴾ .
[عن ابن عباس - - قال: ﴿ وَقُلْنَا لَهُمْ لاَ تَعْدُواْ فِي ٱلسَّبْتِ ﴾ ] يقول: لا تعملوا في السبت عملا من الدنيا، وتفرغوا فيه للعبادة.
وفي حرف حفصة - ا -: "وقلنا لهم لا تَعدّوا في السبت": وقال أبو معاذ: ويقرأ: "لا تَعَدَّوْا في السبت"؛ على معنى لا تتعدوا، [تلقى إحدى] التائين، وإن شئت: تعتدوا، لم تدغم التاء في الدال.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِّيثَاقاً غَلِيظاً ﴾ .
هو ما ذكر، قال ابن عباس - ما -: من أرسل الله إليه رسولا فأقر به - فقد أوجب على نفسه ميثاقاً غليظاً.
وقال مقاتل: الميثاق الغليظ: هو إقرارهم بما عهد الله إليهم في التوراة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِم بَآيَاتِ ٱللَّهِ ﴾ .
قال الكسائي: "ما" - هاهنا - صلة: فبنقضهم ميثاقهم.
وفي حرف ابن مسعود - -: "وكفرهم بآيات الله من بعد ما تبينت".
وقال مقاتل: فبنقضهم إقرارهم بما في التوراة، وبكفرهم بآيات الله، يعني: بالإنجيل والقرآن، وهم اليهود.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَتْلِهِمُ ٱلأَنْبِيَآءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ﴾ .
يحتمل على حقيقة القتل، ويحتمل على القصد والهمِّ في ذلك، وقد هموا بقتل رسول الله غير مرة.
وعن ابن عباس - -: قال كانوا يقتلون الأنبياء، وأما الرسل - عليهم السلام - فكانوا معصومين، لم يقتل رسول قط؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا ﴾ ، وقال - عز وجل -: ﴿ إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ ﴾ .
قيل فيه بوجهين: أحدهما: أنهم قالوا: قلوبنا أوعية للعلم، لا تسمع شيئاً إلا حفظته؛ فالقرآن في هذا الوجه غلف.
والثاني: قالوا: قلوبنا في أَكِنَّة مما تقول، لا تعقل ما تقوق؛ فالقراءة في هذا الوجه غلف فيه.
ثم قال - عز وجل -: ﴿ بَلْ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ ﴾ .
يحتمل أن يكون هذا جواباً وردّاً على قولهم: إن قلوبنا أوعية للعلم، لا تسمع شيئاً إلا وعته؛ أخبر - عز وجل - أنه طبع على قلوبهم بكفرهم؛ فلا يفقهون شيئاً، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
يسألك -أيها الرسول- اليهود أن تنزل عليهم كتابًا من السماء جملة واحدة كما وقع لموسى، يكون علامة لصدقك، فلا تستعظم منهم ذلك، فقد سأل أسلافهم موسى أعظم مما سألك هؤلاء، حيث سألوه أن يريهم الله عيانًا، فَصُعِقُوا عقابًا لهم على ما ارتكبوه، ثم أحياهم الله، فعبدوا العجل من دون الله من بعد ما جاءتهم الأيات الواضحة الدالة على وحدانية الله وتفرده بالربوبية والألوهية، ثم تجاوزنا عنهم، وأعطينا موسى حجة واضحة على قومه.
<div class="verse-tafsir" id="91.Qaj2R"
يقال في سبب النزول: إنه اجتمع نفر من المسلمين واليهود والنصارى وتكلم كل في تفضيل دينه فنزل قوله تعالى: ﴿ لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ ﴾ الآية، والمعنى بناء على ذلك: ليس شرف الدين وفضله ولا نجاة أهله به أن يقول القائل منهم إن ديني أفضل وأكمل، وأحق وأثبت، وإنما عليه إذا كان موقنًا به أن يعمل بما يهديه إليه فإن الجزاء إنما يكون على العمل لا على التمني والغرور، فلا أمر نجاتكم أيها المسلمون منوطًا بأمانيكم في دينكم، ولا أمر نجاة أهل الكتاب منوطًا بأمانيهم في دينهم، فإن الأديان ما شرعت للتفاخر والتباهي، ولا تحصل فائدتها بمجرد الانتماء إليها والتمدح بها بلوك الألسنة والتشدق في الكلام، بل شرعت للعمل، والآية مرتبطة بما قبلها سواء صح ما روي في سبب نزولها أم لم يصح، لأن قوله تعالى: ﴿ يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ ﴾ في الآيات التي قبلها يدخل فيه الأماني التي كان يتمناها أهل الكتاب غرورًا بدينهم إذ كانوا يرون أنهم شعب الله الخاص ويقولون إنهم أبناء الله وأحباؤه وأنه لن تمسهم النار إلا أيامًا معدودة، وأنه لن يدخل الجنة إلا من كان هودًا أو نصارى، وغير ذلك مما يقولون ويدعون، وإنما سرى هذا الغرور إلى أهل الأديان من اتكالهم على الشفاعات، وزعمهم أن فضلهم على غيرهم من البشر بمن بعث فيهم من الأنبياء لذاتهم، فهم بكرامتهم يدخلون الجنة وينجون من العذاب لا بأعمالهم، فحذرنا الله أن نكون مثلهم، وكانت هذه الأماني قد دبت إلى المسلمين في عصر النبي بدليل قوله تعالى في سورة الحديد: ﴿ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ ﴾ الآية، فهذا خطاب للذين كانوا ضعفاء الإيمان من المسلمين في العصر الأول ولأمثالهم في كل زمان والله عليم بما كانوا عليه حين أنزل هذه الموعظة وبما آل وما يؤول إليه أمرهم بعد ذلك، ولو تدبروا قوله لما كان لأمثال هذه الأماني عليهم من سلطان فقد بين لهم طرق الغرور ومداخل الشيطان فيها.
وقد روي حديث عن الحسن: "ليس الإيمان بالتمني ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل"، وقال الحسن: إن قومًا غرتهم المغفرة فخرجوا من الدنيا وهم مملؤون بالذنوب ولو صدقوا لأحسنوا العمل.
إن كثيرًا من الناس يقولون تبعًا لمن قبلهم في أزمنة مضت: إن الإسلام أفضل الأديان، أي دين أصلح إصلاحه؟
أي دين أرشد إرشاده؟
أي شرع كشرعه في كماله؟
ولو سئل الواحد منهم ماذا فعل الإسلام؟
وبماذا يمتاز على غيره من الأديان؟
لا يحير جوابًا.
وإذا عرضت عليه شبهة على الإسلام وسئل كشفها حاص حيصة الحمر وقال أعوذ بالله، أعوذ بالله، والضال يبقى على ضلاله، والطاعن في الدين يتمادى في طعنه، والمغرور يسترسل في غروره، فالكلام كثير ولا علم ولا عمل يرفع شأن الإسلام والمسلمين.
﴿ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ ﴾ وإذا طبقنا المسألة على سنة الله التي لا تبديل لها ولا تحويل علمنا أن مصائب الدنيا تكون جزاء على ما يقصر فيه الناس من السير على سنن الفطرة وطلب الأشياء من أسبابها، واتقاء المضرات باجتناب عللها، ﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ﴾ .
﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ﴾ تقدم في الآيات السابقة وصف الضالين الذين لا يستعملون عقولهم في فهم الدين وآياته وذكر حظ الشيطان منهم وإشغاله بالأماني الخادعة، ثم بين أن أمر الآخرة ليس بالأماني وإنما هو بالعمل والإيمان، وأن العبرة عند الله بالقلوب والأعمال، والحقيقة واحدة لا تختلف باختلاف الأوقات والأحوال، ولا تتبدل بتبديل الأجيال والآجال، ثم زاد هذا بيانا بهذه الآية فبيّن أن صفوة الأديان التي ينتحلها الناس هي ملة إبراهيم في إخلاص التوحيد وإحسان العمل، وعبر عن توجه القلب بإسلام الوجه لأن الوجه أعظم مظهر لما في النفس من الإقبال والإعراض، والخشوع والسرور والكآبة وغير ذلك، وقد يظهر بعض الناس الخضوع أو الاحترام للآخر بإشارة اليد ولكن هذا يكون بالتعمل ويعرف بالمواضعة، وما يظهر في الوجه هو الفطري الذي يدل على السريرة وهو يتمثل في كل جزء منه كالعينين والجبهة والحاجبين والأنف والحركة، فإسلام الوجه لله هو تركه له بأن يتوجه إليه وحده في طلب حاجاته وإظهار عبوديته، وهو كمال التوحيد وأعلى درجات الإيمان.
وأما الإحسان فهو إحسان العمل -خلافًا (للجلال) فيهما إذا عكس- واتباع ملة إبراهيم يراد به فيما يظهر ما أشار إليه في قوله : ﴿ شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ ﴾ فإقامة الدين مرتبة فوق مرتبة التدين المطلق وهي العمل به على وجه الكمال بحيث يقوم بناؤه ويثبت، وعدم التفرق فيه والتعادي بين أهله، ﴿ وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا ﴾ أي اصطفاه لتوحيده وإقامه دينه في زمن وبلاد غلبت عليها الوثنية، وقوم أفسد الشرك عقولهم ودنس فطرتهم، فكان إبراهيم خالصًا مخلصًا لله، وبهذا المعنى سماه الله خليلاً، وإذا أراد الله أن يكرم عبدًا من عباده أطلق عليه ما شاء، وإلا فإن المعنى المتبادر من لفظ الخليل في استعمالنا له يتنزه الله عنه فإن الخلة بين الخليلين إنما تتحقق بشيء من المساواة بينهما وهي من مادة التخلل الذي هو بمعنى الامتزاج والاختلاط.
﴿ وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا ﴾ ختم هذا السياق بهذه الآية لفوائد: إحداها: التذكير بقدرته تعالى على إنجاز وعده ووعيده في الآيات التي قبلها فإن له ما في السموات والأرض خلقًا وملكًا وهو أكرم من وعد وأقدر من أوعد.
ثانيها: بيان الدليل على أنه المستحق وحده لإسلام الوجه له والتوجه إليه في كل حال، وهذا هو روح الدين وجوهره لأنه هو المالك لكل شيء وغيره لا يملك بنفسه شيئًا، فكيف يتوجه العاقل إلى من لا يملك شيئًا ويترك التوجه إلى مالك كل شيء أو يشرك به غيره في التوجه ولو لأجل قربة منه؟
ثالثها: نفى ما ربما يسبق إلى بعض الأذهان من اللوازم العادية في اتخاذ الله إبراهيم خليلاً- كأن يتوهم أحد أن هنالك شيئًا من المناسبة أو المقاربة في حقيقة الذات أو الصفات، فبين تعالى أن كل ما في السموات والأرض ملك له ومن خلقه مهما اختلفت صفات تلك المخلوقات ومراتبها في أنفسها وبنسبة بعضها إلى بعض، فإذا هي نسبت إليه فهو الخالق المالك المعبود وهي مخلوقات مملوكة عابدة له خاضعة لأمره التكويني ﴿ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا ﴾ .
فسروا الإحاطة بالقدرة والقهر ويصح أن يكون إحاطة وجود لأن هذه الموجودات ليس وجودها من ذاتها، ولا هي ابتدعت نفسها وإنما وجودها مستمد من ذلك الوجود الواجب الأعلى فالوجود الإلهي هو المحيط بكل موجود فوجب أن يخلص الخلق له ويتوجه إليه العباد وحده ولا يشركوا به أحدًا من خلقه.
متفرقات آيات من سورة الحج [مسألة الغرانيق].
الترتيب والتعقيب -الشفاعة- والتكرار: في القرآن.
آية من سورة الأحزاب [مسألة زيد وزينب].