الآية ١٦٥ من سورة النساء

الإسلام > القرآن > سور > سورة 4 النساء > الآية ١٦٥ من سورة النساء

رُّسُلًۭا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى ٱللَّهِ حُجَّةٌۢ بَعْدَ ٱلرُّسُلِ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًۭا ١٦٥

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 99 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٦٥ من سورة النساء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٦٥ من سورة النساء عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( رسلا مبشرين ومنذرين ) أي : يبشرون من أطاع الله واتبع رضوانه بالخيرات ، وينذرون من خالف أمره وكذب رسله بالعقاب والعذاب .

وقوله : ( لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزا حكيما ) أي : أنه تعالى أنزل كتبه وأرسل رسله بالبشارة والنذارة ، وبين ما يحبه ويرضاه مما يكرهه ويأباه ; لئلا يبقى لمعتذر عذر ، كما قال تعالى : ( ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى ) [ طه : 134 ] ، وكذا قوله تعالى : ( ولولا أن تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم [ فيقولوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك ونكون من المؤمنين ] ) [ القصص : 47 ] .

وقد ثبت في الصحيحين عن ابن مسعود ، [ رضي الله عنه ] قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا أحد أغير من الله ، من أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن ، ولا أحد أحب إليه المدح من الله ، من أجل ذلك مدح نفسه ، ولا أحد أحب إليه العذر من الله ، من أجل ذلك بعث النبيين مبشرين ومنذرين " وفي لفظ : " من أجل ذلك أرسل رسله ، وأنزل كتبه " .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : رُسُلا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (165) قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بذلك: إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده، ومن ذكر من الرسل (16) =" رسلا "، فنصب " الرسل " على القطع من أسماء الأنبياء الذين ذكر أسماءهم (17) =" مبشرين "، يقول: أرسلتهم رسلا إلى خلقي وعبادي، مبشرين بثوابي من أطاعني واتبع أمري وصدَّق رسلي، ومنذرين عقابي من عصاني وخالف أمري وكذب رسلي=" لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل "، يقول: أرسلت رسلي إلى عبادي مبشرين ومنذرين، لئلا يحتجّ من كفر بي وعبد الأنداد من دوني، أو ضل عن سبيلي بأن يقول إن أردتُ عقابه: لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى [سورة طه: 134].

فقطع حجة كلّ مبطل ألحدَ في توحيده وخالف أمره، بجميع معاني الحجج القاطعة عذرَه، إعذارًا منه بذلك إليهم، لتكون لله الحجة البالغة عليهم وعلى جميع خلقه.

* * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

*ذكر من قال ذلك: 10849- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل "، فيقولوا: ما أرسلت إلينا رسلا.

* * * =" وكان الله عزيزًا حكيمًا "، يقول: ولم يزل الله ذا عِزة في انتقامه ممن انتقم [منه] من خلقه، (18) على كفره به، ومعصيته إياه، بعد تثبيته حجَّتَه عليه برسله وأدلَّتَه=" حكيمًا "، في تدبيره فيهم ما دبّره.

(19) ----------------- الهوامش : (16) في المخطوطة: "ومن ذكر الرسل" ، بإسقاط"من" ، والصواب ما في المطبوعة.

(17) في المطبوعة والمخطوطة: "فنصب به الرسل" ، بزيادة"به" ، والصواب حذفها.

انظر معنى"القطع" فيما سلف من فهارس المصطلحات.

(18) الزيادة بين القوسين لا بد منها لسياق الكلام.

(19) انظر تفسير"عزيز" فيما سلف: ص408 ، تعليق: 2 ، والمراجع هناك= وتفسير"حكيم" فيما سلف من فهارس اللغة.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزا حكيما[ ص: 380 ] قوله تعالى : رسلا مبشرين ومنذرين هو نصب على البدل من ورسلا قد قصصناهم ويجوز أن يكون على إضمار فعل ؛ ويجوز نصبه على الحال ؛ أي كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده رسلا .

لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل فيقولوا ما أرسلت إلينا رسولا ، وما أنزلت علينا كتابا ؛ وفي التنزيل : وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا وقوله تعالى : ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك وفي هذا كله دليل واضح أنه لا يجب شيء من ناحية العقل .

وروي عن كعب الأحبار أنه قال : كان الأنبياء ألفي ألف ومائتي ألف .

وقال مقاتل : كان الأنبياء ألف ألف وأربعمائة ألف وأربعة وعشرين ألفا .

وروى أنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : بعثت على أثر ثمانية آلاف من الأنبياء منهم أربعة آلاف من بني إسرائيل ذكره أبو الليث السمرقندي في التفسير له ؛ ثم أسند عن شعبة عن أبي إسحاق عن الحارث الأعور عن أبي ذر الغفاري قال : قلت يا رسول الله كم كانت الأنبياء وكم كان المرسلون ؟

قال : كانت الأنبياء مائة ألف نبي وأربعة وعشرين ألف نبي وكان المرسلون ثلاثمائة وثلاثة عشر .قلت : هذا أصح ما روي في ذلك ؛ خرجه الآجري وأبو حاتم البستي في المسند الصحيح له .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

وأن الله أرسلهم مبشرين لمن أطاع الله واتبعهم، بالسعادة الدنيوية والأخروية، ومنذرين من عصى الله وخالفهم بشقاوة الدارين، لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل فيقولوا: { مَا جَاءَنَا مِن بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُم بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ } فلم يبق للخَلْق على الله حجة لإرساله الرسل تترى يبينون لهم أمر دينهم، ومراضي ربهم ومساخطه وطرق الجنة وطرق النار، فمن كفر منهم بعد ذلك فلا يلومن إلا نفسه.

وهذا من كمال عزته تعالى وحكمته أن أرسل إليهم الرسل وأنزل عليهم الكتب، وذلك أيضا من فضله وإحسانه، حيث كان الناس مضطرين إلى الأنبياء أعظم ضرورة تقدر فأزال هذا الاضطرار، فله الحمد وله الشكر.

ونسأله كما ابتدأ علينا نعمته بإرسالهم، أن يتمها بالتوفيق لسلوك طريقهم، إنه جواد كريم.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل ) فيقولوا : ما أرسلت إلينا رسولا وما أنزلت إلينا كتابا ، وفيه دليل على أن الله تعالى لا يعذب الخلق قبل بعثه الرسول ، قال الله تعالى : " وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا " ( الإسراء - 15 ) ، ( وكان الله عزيزا حكيما ) أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أنا محمد بن يوسف ، أنا محمد بن إسماعيل ، ثنا موسى بن إسماعيل ، أنا أبو عوانة ، أنا عبد الملك ، عن وراد كاتب المغيرة ، عن المغيرة قال : قال سعد بن عبادة رضي الله عنه : لو رأيت رجلا مع امرأتي لضربته بالسيف غير مصفح ، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " تعجبون من غيرة سعد؟

والله لأنا أغير منه ، والله أغير مني ، ومن أجل غيرة الله حرم الله الفواحش ما ظهر منها وما بطن ، ولا أحد أحب إليه العذر من الله ، ومن أجل ذلك بعث المنذرين والمبشرين ، ولا أحد أحب إليه المدحة من الله ، ومن أجل ذلك وعد الله الجنة " .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«رسلا» بدل من رسلا قبله «مبشرين» بالثواب من آمن «ومنذرين» بالعقاب من كفر أرسلناهم «لئلا يكون للناس على الله حجة» تقال «بعد» إرسال «الرسل» إليهم فيقولوا: ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك ونكون من المؤمنين فبعثناهم لقطع عذرهم «وكان الله عزيزا» في ملكْه «حكيما» في صنعه.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

أرسَلْتُ رسلا إلى خَلْقي مُبشِّرين بثوابي، ومنذرين بعقابي؛ لئلا يكون للبشر حجة يعتذرون بها بعد إرسال الرسل.

وكان الله عزيزًا في ملكه، حكيمًا في تدبيره.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقوله : ( رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى الله حُجَّةٌ بَعْدَ الرسل ) .بيان لوظيفة الرسل - عليهم الصلاة والسلام - وللحكمة من إرسالهم .

وقوله : ( رُّسُلاً ) منصوب على المدح ، أو بفعل مقدر قبله ، أى : وأرسلنا رسلا .

والمراد بالحجة هنا : المعذرة التى يعتذر بها الكافرون والعصاة .أى : وكما أوحينا إليك يا محمد بما أوحينا من قرآن وهدايات .

وأرسلناك للناس رسولا ، فقد أرسلنا من قبلك رسلا كثيرين مبشرين من آمن وعمل صالحا يرضاه الله عنه فى الدنيا والآخرة ، ومنذرين من كفر وعصى بسوء العقبى ، وقد أرسل - سبحانه - الرسل مبشرين ومنذرين لكى ( لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى الله حُجَّةٌ ) يوم القيامة ، أى لكى لا تكون لهم معذرة يعتذرون بها كأن يقولوا .

يا ربنا هلا أرسلت إلينا رسولا فيبين لنا شرائعك ، ويعلمنا أحكامك وأوامرك ونواهيك ، فقد أرسلنا إليهم الرسل مبشرين ومنذرين لكى لا تكون لهم حجة يحتجون بها ، كما قال - تعالى - ( وَلَوْ أَنَّآ أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ لَقَالُواْ رَبَّنَا لولا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ ونخزى ) قال الآلوسى : فالآية ظاهرة فى أنه لا بد من الشرع وإرسال الرسل .

وأن العقل لا يغنى عن ذلك .

وزعم المعتزلة أن العقل كان وأن مسألة الرسل إنما هو للتنبيه عن سنة الغفلة التى تعترى الإِنسان من دون اختيار .

فمعنى الآية عندهم : لئلا يبقى للناس على الله حجة .وتسمية ما يقال عند ترك الإِرسال حجة مع استحالة أن يكون لأحد عليه - سبحانه - حجة مجاز .

بتنزيل المعذرة فى القبول عنده - تعالى - بمقتضى كرمه ولطفه منزلة الحجة القاطعة التى لا مرد لها .وقوله : ( حُجَّةٌ ) اسم يكون .

وخبره قوله " للناس " وقوله : على الله حال من حجة .وقوله : ( بَعْدَ الرسل ) أى : بعد إرسال الرسل وتبليغ الشريعة على ألسنتهم وهو متعلق بالفنى أى : لتنفى حجتهم واعتذارهم بعد إرسال الرسل .قال ابن كثير : وقد ثبت فى الصحيحين عن ابن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا أحد أغير من الله ، ومن أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن .

ولا أحد أحب إليه المدح من الله ، ومن أجل ذلك مدح نفسه ، ولا أحد أحبن إليه العذر من الله ، ومن أجل ذلك بعث النبيين مبشرين ومنذرين " وفى لفظ آخر : " ومن أجل ذلك أرسل رسله وأنزل كتبه " .وقوله : ( وَكَانَ الله عَزِيزاً حَكِيماً ) تذييل قصد به بيان قدرته التى لا تغالب وحكمته التى لا تحيط أحد بكنهها .

أى : وكان الله - تعالى - وما زال هو القادر الغالب على كل شئ ، الحكيم فى جميع أفعاله وتصرفاته ، وسيجازى الذين أساؤوا بما عملوا ، وسيجازى الذين أحسنوا بالحسنى .هذا وللمرحوم الأستاذ الإِمام محمد عبده كلام نفس فى كتابه ( رسالة التوحيد ) عن : حاجة البشر إلى إرسال الرسل ، وعن وظيفتهم - عليهم الصلاة والسلام - وما قاله فى ذلك : الرسل يرشدون العقل إلى معرفة الله وما يجب أن يعرف من صفاته .

ويبينون الحد الذى يجب أن ييقف عنده فى طلب ذلك العرفان .

على وجه لا يشق عليه الاطمئنان إليه ، ولا يرفع ثقته بما آتاه الله من القوة .الرسل يبينون للناس ما اختلفت عليه عقولهم وشهواتهم .

وتنازعته مصالحهم ولذاتهم .

فيفصلون فى تلك المخاصمات بأمر الله الصادع .

ويؤيدون بما يبلغون عنه ما تقوم به المصالح الخاصة .الرسل يضعون لهم بأمر الله حدودا عامة .

يسهل عليهم أن يردوا إليها أعمالهم .

كاحترام الدماء البشرية إلا بحق .

مع بيان الحق الذى تهدر له ، وحظر تناول شئ ما كسبه الغير إلا بحق .

مع بيان الحق الذى يبيح تناوله .

واحترام الأعراض .

مع بيان ما يباح وما يحرم من الأبضاع .يحملونهم على تحويل أهوائهم عن اللذائذ الفانية إلى طلب الرغائب السامية آخذين فى ذلك كله بطرف من الترغيب والترهيب والإِنذار والتبشير حسبما أمرهم الله - جل شأنه - .يفصلون فى جميع ذلك للناس ما يؤهلهم لرضا الله عنهم وما يعرضهم لسخطه عليهم .

ثم يحيطون بيانهم بنبأ الدار الآخرة ، وما أعد الله فيها من الثواب وحسن العقبى ، لمن وقف عند حدوده .

وأخذ بأوامره .وبهذا تطمئن النفوس ، وتثلج الصدور ، ويعتصم المرزوء بالصبر ، انتظارا لجزيل الأجر .

أو إرضاء لمن بيده الأمر .

وبهذا ينحل أعظم مشكل فى الاجتماع اللإِنسانى ، لا يزال العقلاء يجهدون أنفسهم فى حلة إلى اليوم .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى لما حكى أن اليهود سألوا الرسول صلى الله عليه وسلم أن ينزل عليهم كتاباً من السماء، وذكر تعالى بعده أنهم لا يطلبون ذلك لأجل الاسترشاد ولكن لأجل العناد واللجاج، وحكى أنواعاً كثيرة من فضائحهم وقبائحهم، وامتد الكلام إلى هذا المقام، شرع الآن في الجواب عن تلك الشبهة فقال: ﴿ إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إلى نُوحٍ والنبيين مِن بَعْدِهِ ﴾ والمعنى: أنا توافقنا على نبوّة نوح وإبراهيم وإسماعيل وجميع المذكورين في هذه الآية، وعلى أن الله تعالى أوحى إليهم، ولا طريق إلى العلم بكونهم أنبياء الله ورسله إلا ظهور المعجزات عليهم ولكل واحد منهم نوع آخر من المعجزات على التعيين، وما أنزل الله على كل واحد من أنواع المعجزات عليهم، علمنا أن هذه الشبهة زائلة، وأن إصرار اليهود على طلب هذه المعجزة باطل، وتحقيق القول فيه أن إثبات المدلول يتوقف على ثبوت الدليل، ثم إذا حصل الدليل وتم فالمطالبة بدليل آخر تكون طلباً للزيادة وإظهاراً للتعنت واللجاج، والله سبحانه وتعالى يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، فلا اعتراض عليه لأحد بأنه لم أعطى هذا الرسول هذه المعجزة وذلك الرسول الآخر معجزاً آخر، وهذا الجواب المذكور هاهنا هو الجواب المذكور في قوله تعالى: ﴿ وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حتى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأرض يَنْبُوعًا  ﴾ إلى قوله: ﴿ قُلْ سبحان رَبّى هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَرًا رَّسُولاً  ﴾ يعني أنك إنما ادعيت الرسالة، والرسول لابد له من معجزة تدلّ على صدقه، وذلك قد حصل، وأما أن تأتي بكل ما يطلب منك فذاك ليس من شرط الرسالة، فهذا جواب معتمد عن الشبهة التي أوردها اليهود، وهو المقصود الأصلي من هذه الآية.

المسألة الثانية: قال الزجاج: الإيحاء الإعلام على سبيل الخفاء، قال تعالى: ﴿ فأوحى إِلَيْهِمْ أَن سَبّحُواْ بُكْرَةً وَعَشِيّاً  ﴾ أي أشار إليهم، وقال: ﴿ وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الحواريين أَنْ ءامِنُواْ بِى  ﴾ وقال: ﴿ وأوحى رَبُّكَ إلى النحل  ﴾ ﴿ وَأَوْحَيْنَا إلى أُمّ موسى  ﴾ والمراد بالوحي في هذه الآيات الثلاثة الإلهام.

المسألة الثالثة: قالوا إنما بدأ تعالى بذكر نوح لأنه أول نبي شرع الله تعالى على لسانه الأحكام والحلال والحرام، ثم قال تعالى: ﴿ والنبيين مِن بَعْدِهِ ﴾ ثم خصّ بعض النبيّين بالذكر لكونهم أفضل من غيرهم كقوله: ﴿ وَمَلئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وميكال  ﴾ .

واعلم أن الأنبياء المذكورين في هذه الآية سوى موسى عليه السلام إثنا عشر ولم يذكر موسى معهم، وذلك لأن اليهود قالوا: إن كنت يا محمد نبياً فأتنا بكتاب من السماء دفعة واحدة كما أتى موسى عليه السلام بالتوراة دفعة واحدة، فالله تعالى أجاب عن هذه الشبهة بأن هؤلاء الأنبياء الأثنى عشر كلهم كانوا أنبياءً ورسلاً مع أن واحداً منهم ما أتى بكتاب مثل التوراة دفعة واحدة، ثم ختم ذكر الأنبياء بقوله: ﴿ وَءاتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً ﴾ يعني أنكم اعترفتم بأن الزبور من عند الله، ثم إنه ما نزل على داود دفعة واحدة في ألواح مثل ما نزلت التوراة دفعة واحدة على موسى عليه السلام في الألواح، فدل هذا على أن نزول الكتاب لا على الوجه الذي نزلت التوراة لا يقدح في كون الكتاب من عند الله، وهذا إلزام حسن قوي.

المسألة الرابعة: قال أهل اللغة: الزبور الكتاب، وكل كتاب زبور، وهو فعول بمعنى مفعول، كالرسول والركوب والحلوب، وأصله من زبرت بمعنى كتبت، وقد ذكرنا ما فيه عند قوله: ﴿ جَاءوا بالبينات والزبر  ﴾ .

المسألة الخامسة: قرأ حمزة ﴿ زَبُوراً ﴾ بضم الزاي في كل القرآن، والباقون بفتحها، حجة حمزة أن الزبور مصدر في الأصل، ثم استعمل في المفعول كقولهم: ضرب الأمير، ونسج فلان فصار اسماً ثم جمع على زبر كشهود وشهد، والمصدر إذا أقيم مقام المفعول فإنه يجوز جمعه كما يجمع الكتاب على كتب، فعلى هذا، الزبور الكتاب، والزبر بضم الزاي الكتب، أما قراءة الباقين فهي أولى لأنها أشهر، والقراءة بها أكثر.

ثم قال تعالى: ﴿ وَرُسُلاً قَدْ قصصناهم عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلاً لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ ﴾ .

وأعلم أنه انتصب قوله: ﴿ رُسُلاً ﴾ بمضمر يفسره قوله: ﴿ قَدْ قصصناهم عَلَيْكَ ﴾ والمعنى أنه تعالى إنما ذكر أحوال بعض الأنبياء في القرآن، والأكثرون غير مذكورين على سبيل التفصيل.

ثم قال: ﴿ وَكَلَّمَ الله موسى تَكْلِيماً ﴾ والمراد أنه بعث كل هؤلاء الأنبياء والرسل وخص موسى عليه السلام بالتكلم معه، ولم يلزم من تخصيص موسى عليه السلام بهذا التشريف الطعن في نبوّة سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فكذلك لم يلزم من تخصيص موسى بإنزال التوراة عليه دفعة واحدة طعن فيمن أنزل الله عليه الكتاب لا على هذا الوجه، وعن إبراهيم ويحيى بن وثاب أنهما قرأ ﴿ وَكَلَّمَ الله ﴾ بالنصب، وقال بعضهم: وكلم الله معناه وجرح الله موسى بأظفار المحن ومخالب الفتن وهذا تفسير باطل.

ثم قال تعالى: ﴿ رُّسُلاً مُّبَشّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى الله حُجَّةٌ بَعْدَ الرسل وَكَانَ الله عَزِيزاً حَكِيماً ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: في انتصاب قوله: ﴿ رُسُلاً ﴾ وجوه: الأول: قال صاحب الكشاف: الأوجه أن ينتصب على المدح.

والثاني: أنه انتصب على البدل من قوله: ﴿ وَرُسُلاً ﴾ الثالث: أن يكون التقدير: أوحينا إليهم رسلاً فيكون منصوباً على الحال والله أعلم.

المسألة الثانية: اعلم أن هذا الكلام أيضاً جواب عن شبهة اليهود، وتقريره أن المقصود من بعثة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أن يبشروا الخلق على اشتغالهم بعبودية الله، وأن ينذروهم على الإعراض عن العبودية، فهذا هو المقصود الأصلي من البعثة، فإذا حصل هذا المقصود فقد كمل الغرض وتمّ المطلوب، وهذا المقصود الأصلي حاصل بإنزال الكتاب المشتمل على بيان هذا المطلوب، ومن المعلوم أنه لا يختلف حال هذا المطلوب بأن يكون ذلك الكتاب مكتوباً في الألواح أو لم يكن، وبأن يكون نازلاً دفعة واحدة أو منجماً مفرقاً، بل لو قيل: إن إنزال الكتاب منجماً مفرقاً أقرب إلى المصلحة لكان أولى لأن الكتاب إذا نزل دفعة واحدة كثرت التكاليف وتوجهت بأسرها على المكلفين فيثقل عليهم قبولها، ولهذا السبب أصر قوم موسى عليه السلام على التمرد ولم يقبلوا تلك التكاليف، أما إذا نزل الكتاب منجماً مفرقاً لم يكن كذلك، بل ينزل التكاليف شيئاً فشيئاً وجزءاً فجزءاً، فحينئذٍ يحصل الانقياد والطاعة من القوم وحاصل هذا الجواب أن المقصود من بعثة الرسل وإنزال الكتب هو الإعذار والإنذار، وهذا المقصود حاصل سواء إنزل الكتاب دفعة واحدة أو لم يكن كذلك، فكان اقتراح اليهود في أنزال الكتاب دفعة واحدة اقتراحاً فاسداً.

وهذا أيضاً جواب عن تلك الشبهة في غاية الحسن، ثم ختم الآية بقوله: ﴿ وَكَانَ الله عَزِيزاً حَكِيماً ﴾ يعني هذا الذي يطلبونه من الرسول أمر هين في القدرة، ولكنكم طلبتموه على سبيل اللجاج وهو تعالى عزيز، وعزته تقتضي أن لا يجاب المتعنت إلى مطلوبه فكذلك حكمته تقتضي هذا الامتناع لعلمه تعالى بأنه لو فعل ذلك لبقوا مصرين على لجاجهم، وذلك لأنه تعالى أعطى موسى عليه السلام هذا التشريف ومع ذلك فقومه بقوا معه على المكابرة والإصرار واللجاج، والله أعلم.

المسألة الثالثة: احتج أصحابنا بهذه الآية على أن وجوب معرفة الله تعالى لا يثبت إلا بالسمع قالوا لأن قوله: ﴿ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى الله حُجَّةٌ بَعْدَ الرسل ﴾ يدل على أن قبل البعثة يكون للناس حجة في ترك الطاعات والعبادات، ونظيره قوله تعالى: ﴿ وَمَا كُنَّا مُعَذّبِينَ حتى نَبْعَثَ رَسُولاً  ﴾ وقوله: ﴿ وَلَوْ أَنَّا أهلكناهم بِعَذَابٍ مّن قَبْلِهِ لَقَالُواْ رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ ءاياتك مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ ونخزى  ﴾ .

المسألة الرابعة: قالت المعتزلة: دلت هذه الآية على أن العبد قد يحتج على الرب، وأن الذي يقوله أهل السنة من أنه تعالى لا اعتراض عليه في شيء، وأن له أن يفعل ما يشاء كما يشاء ليس بشيء قالوا: لأن قوله: ﴿ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى الله حُجَّةٌ بَعْدَ الرسل ﴾ يقتضي أن لهم على الله حجة قبل الرسل، وذلك يبطل قول أهل السنة.

والجواب: المراد لئلا يكون للناس على الله حجة أي ما يشبه الحجة فيما بينكم.

قالت المعتزلة: وتدل هذه الآية أيضاً على أن تكليف ما لا يطاق غير جائز لأن عدم إرسال الرسل إذا كان يصلح عذراً فبأن يكون عدم المكنة والقدرة صالحاً لأن يكون عذراً كان أولى، وجوابه المعارضة بالعلم، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ﴾ جواب لأهل الكتاب عن سؤالهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينزل عليهم كتاباً من السماء.

واحتجاج عليهم بأنّ شأنه في الوحي إليه كشأن سائر الأنبياء الذين سلفوا.

وقرئ ﴿ زبوراً ﴾ بضم الزاي جمع زبر وهو الكتاب ﴿ وَرُسُلاً ﴾ نصب بمضمر في معنى: أوحينا إليك وهو: أرسلنا، ونبأنا، وما أشبه ذلك.

أو بما فسره قصصناهم.

وفي قراءة أبيّ: ﴿ ورسل قد قصصناهم عليك من قبل ورسل لم نقصصهم ﴾ .

وعن إبراهيم ويحيى بن وثاب: أنهما قرآ ﴿ وَكَلَّمَ الله ﴾ بالنصب.

ومن بدع التفاسير أنه من الكَلْم، وأن معناه وجرّح الله موسى بأظفار المحن ومخالب الفتن ﴿ رُّسُلاً مُّبَشّرِينَ وَمُنذِرِينَ ﴾ الأوجه أن ينتصب على المدح.

ويجوز انتصابه على التكرير.

فإن قلت: كيف يكون للناس على الله حجة قبل الرسل، وهم محجوجون بما نصبه الله من الأدلة التي النظر فيها موصل إلى المعرفة، والرسل في أنفسهم لم يتوصلوا إلى المعرفة إلا بالنظر في تلك الأدلة، ولا عرف أنهم رسل الله إلا بالنظر فيها؟

قلت: الرسل منبهون عن الغفلة، وباعثون على النظر، كما ترى علماء أهل العدل والتوحيد مع تبليغ ما حملوه من تفضيل أمور الدين وبيان أحوال التكليف وتعليم الشرائع، فكان إرسالهم إزاحة للعلة وتتميماً لإلزام الحجة، لئلا يقولوا: لولا أرسلت إلينا رسولاً فيوقظنا من سنة الغفلة وينبهنا لما وجب الانتباه له.

وقرأ السلمي: لكنّ الله يشهد، بالتشديد.

فإن قلت: الاستدراك لابد له من مستدرك فما هو قوله: ﴿ لكن الله يَشْهَدُ ﴾ ؟

قلت: لما سأل أهل الكتاب إنزال الكتاب من السماء وتعنتوا بذلك واحتج عليهم بقوله: ﴿ إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ﴾ قال: لكن الله يشهد، بمعنى أنهم لا يشهدون لكن الله يشهد.

وقيل: لما نزل ﴿ إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ﴾ قالوا: ما نشهد لك بهذا، فنزل ﴿ لكن الله يَشْهَدُ ﴾ ومعنى شهادة الله بما أنزل إليه: إثباته لصحته بإظهار المعجزات، كما تثبت الدعاوى بالبينات.

وشهادة الملائكة: شهادتهم بأنه حق وصدق.

فإن قلت: بم يجابون لو قالوا: بم يعلم أن الملائكة يشهدون بذلك؟

قلت: يجابون بأنه يعلم بشهادة الله، لأنه لما علم بإظهار المعجزات أنه شاهد بصحته علم أن الملائكة يشهدون بصحة ما شهد بصحته؛ لأنّ شهادتهم تبع لشهادته.

فإن قلت: ما معنى قوله: ﴿ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ ﴾ وما موقعه من الجملة التي قبله؟

قلت: معناه أنزله ملتبساً بعلمه الخاص الذي لا يعلمه غيره، وهو تأليفه على نظم وأسلوب يعجز عنه كل بليغ وصاحب بيان، وموقعه مما قبله موقع الجملة المفسرة لأنه بيان للشهادة، وأن شهادته بصحته أنه أنزله بالنظم المعجز الفائت للقدرة.

وقيل أنزله وهو عالم بأنك أهل لإنزاله إليك وأنك مبلغه.

وقيل: أنزله مما علم من مصالح العباد مشتملاً عليه.

ويحتمل: أنه أنزل وهو عالم به رقيب عليه حافظ له من الشياطين برصد من الملائكة، والملائكة يشهدون بذلك، كما قال في آخر سورة الجنّ.

ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ ﴾ [الجن: 8] والإحاطة بمعنى العلم ﴿ وكفى بالله شَهِيداً ﴾ وإن لم يشهد غيره، لأنّ التصديق بالمعجزة هو الشهادة حقاً ﴿ قُلْ أَىُّ شَيْء أَكْبَرُ شهادة قُلِ الله ﴾ [الأنعام: 19] .

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَرُسُلا ﴾ نُصِبَ بِمُضْمَرٍ دَلَّ عَلَيْهِ أوْحَيْنا إلَيْكَ كَأرْسَلْنا أوْ فَسَّرَهُ: ﴿ قَدْ قَصَصْناهم عَلَيْكَ مِن قَبْلُ ﴾ أيْ مِن قَبْلِ هَذِهِ السُّورَةِ أوِ اليَوْمَ.

﴿ وَرُسُلا لَمْ نَقْصُصْهم عَلَيْكَ وكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيمًا ﴾ وهو مُنْتَهى مَراتِبِ الوَحْيِ خُصَّ بِهِ مُوسى مِن بَيْنِهِمْ، وقَدْ فَضَّلَ اللَّهُ مُحَمَّدًا  بِأنْ أعْطاهُ مِثْلَ ما أعْطى كُلَّ واحِدٍ مِنهم.

﴿ رُسُلا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ ﴾ نُصِبَ عَلى المَدْحِ أوْ بِإضْمارِ أرْسَلْنا، أوْ عَلى الحالِ ويَكُونُ رُسُلًا مُوَطِّئًا لِما بَعْدَهُ كَقَوْلِكَ مَرَرْتُ بِزَيْدٍ رَجُلًا صالِحًا.

﴿ لِئَلا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ﴾ فَيَقُولُوا لَوْلا أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولًا فَيُنَبِّهُنا ويُعَلِّمُنا ما لَمْ نَكُنْ نَعْلَمُ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ بِعْثَةَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلى النّاسِ ضَرُورَةٌ لِقُصُورِ الكُلِّ عَنْ إدْراكِ جُزَيْئاتِ المَصالِحِ والأكْثَرِ عَنْ إدْراكِ كُلِّيّاتِها، واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِأرْسَلْنا أوْ بِقَوْلِهِ مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ، وحُجَّةٌ اسْمُ كانَ وخَبَرُهُ لِلنّاسِ أوْ عَلى اللَّهِ والآخَرُ حالٌ، ولا يَجُوزُ تَعَلُّقُهُ بِحُجَّةٍ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ وبَعْدَ ظَرْفٌ لَها أوْ صِفَةٌ.

﴿ وَكانَ اللَّهُ عَزِيزًا ﴾ لا يُغْلَبُ فِيما يُرِيدُ.

﴿ حَكِيمًا ﴾ فِيما دَبَّرَ مِن أمْرِ النُّبُوَّةِ وخَصَّ كُلَّ نَبِيٍّ بِنَوْعٍ مِنَ الوَحْيِ والإعْجازِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{رُّسُلاً مُّبَشّرِينَ وَمُنذِرِينَ} الأوجه أن ينتصب على المدح أي أعني رسلاً ويجوز أن يكون بدلاً من الأول وأن يكون مفعولاً أي وأرسلنا رسلاً واللام في {لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى الله حُجَّةٌ بَعْدَ الرسل} يتعلق

بمبشرين ومنذرين والمعنى أن إرسالهم إزاحة للعلة وتتميم لإلزام الحجة لئلا يقولوا لولا أرسلت إلينا رسولاً فيوقظنا من سنة الغفلة وينبهنا بما وجب الانتباه له ويعلمنا ما سبيل معرفته السمع كالعبادات والشرائع أعني في حق مقاديرها وأوقاتها وكيفياتها دون أصولها فإنها مما يعرف بالفعل {وَكَانَ الله عَزِيزاً} في العقاب على الإنكار {حَكِيماً} في بعث الرسل للإنذار

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ رُسُلا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ ﴾ نُصِبَ عَلى المَدْحِ، أوْ بِإضْمارِ (أرْسَلْنا) أوْ عَلى الحالِ مِن (رُسُلًا) الَّذِي قَبْلَهُ، أوْ ضَمِيرِهِ، وهي حالٌ مُوَطِّئَةٌ، والمَقْصُودُ وصْفُها، وضُعِّفَ هَذا بِأنَّهُ حِينَئِذٍ لا وجْهَ لِلْفَصْلِ بَيْنَ الحالِ وذِيها، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ نَصْبًا عَلى البَدَلِيَّةِ مِن (رُسُلًا) الأوَّلِ، وضُعِّفَ بِأنَّ اتِّحادَ البَدَلِ والمُبْدَلِ مِنهُ لَفْظًا بَعِيدٌ، وإنْ كانَ المُعْتَمَدُ بِالبَدَلِيَّةِ الوَصْفَ، أيْ: (مُبَشِّرِينَ) مَن آمَنَ وأطاعَ بِالجَنَّةِ والثَّوابِ (ومُنْذِرِينَ) مَن كَفَرَ وعَصى بِالنّارِ والعِقابِ ﴿ لِئَلا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ ﴾ أيْ: مَعْذِرَةً يَعْتَذِرُونَ بِها قائِلِينَ: (لَوْلا أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولًا) فَيُبَيِّنُ لَنا شَرائِعَكَ ويُعَلِّمُنا ما لَمْ نَكُنْ نَعْلَمُ مِن أحْكامِكَ لِقُصُورِ القُوى البَشَرِيَّةِ عَنْ إدْراكِ جُزَيْئاتِ المَصالِحِ، وعَجْزِ أكْثَرِ النّاسِ عَنْ إدْراكِ كُلِّيّاتِها، فالآيَةُ ظاهِرَةٌ في أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الشَّرْعِ وإرْسالِ الرُّسُلِ، وأنَّ العَقْلَ لا يُغْنِي عَنْ ذَلِكَ.

وزَعَمَ المُعْتَزِلَةُ أنَّ العَقْلَ كافٍ، وأنَّ إرْسالَ الرُّسُلِ إنَّما هو لِلتَّنْبِيهِ عَنْ سِنَةِ الغَفْلَةِ، الَّتِي تَعْتَرِي الإنْسانَ مِن دُونِ اخْتِيارٍ، فَمَعْنى الآيَةِ عِنْدَهُمْ: لِئَلّا يَبْقى لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ، وسَيَأْتِي رَدُّ ذَلِكَ - إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى - مَعَ تَحْقِيقِ هَذا المَبْحَثِ.

وتَسْمِيَةُ ما يُقالُ عِنْدَ تُرْكِ الإرْسالِ حُجَّةً مَعَ اسْتِحالَةِ أنْ يَكُونَ لِأحَدٍ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ (حُجَّةٌ) مَجازٌ، بِتَنْزِيلِ المَعْذِرَةِ في القَبُولِ عِنْدَهُ تَعالى بِمُقْتَضى كَرَمِهِ ولُطْفِهِ مَنزِلَةَ الحُجَّةِ القاطِعَةِ، الَّتِي لا مَرَدَّ لَها، فَلا يَبْطُلُ قَوْلُ أهْلِ السُّنَّةِ أنَّهُ لا اعْتِراضَ لِأحَدٍ عَلى اللَّهِ تَعالى في فِعْلٍ مِن أفْعالِهِ، بَلْ لَهُ سُبْحانَهُ أنْ يَفْعَلَ بِمَن شاءَ ما شاءَ.

واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ(أرْسَلْنا) المُقَدَّرِ، أوْ بِـ(مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ) عَلى التَّنازُعِ، وجُوِّزَ أنْ تَتَعَلَّقَ بِما يَدُلّانِ عَلَيْهِ، و(حُجَّةٌ) اسْمُ كانَ وخَبَرُها لِلنّاسِ، و(عَلى اللَّهِ) حالٌ مِن (حُجَّةٌ) ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخَبَرُ (عَلى اللَّهِ) و(لِلنّاسِ) حالٌ، ولا يَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ عَلى بِـ(حُجَّةٌ)؛ لِأنَّها مَصْدَرٌ ومَعْمُولُهُ لا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ، ومَن جَوَّزَهُ في الظَّرْفِ جَوَّزَهُ هُنا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَعْدَ الرُّسُلِ ﴾ أيْ: بَعْدَ إرْسالِهِمْ وتَبْلِيغِ الشَّرِيعَةِ عَلى ألْسِنَتِهِمْ، ظَرْفٌ لِـ(حُجَّةٌ) وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ صِفَةً لَها؛ لِأنَّ ظَرْفَ الزَّمانِ يُوصَفُ بِهِ المَصادِرُ كَما يُخْبَرُ بِهِ عَنْها ﴿ وكانَ اللَّهُ عَزِيزًا ﴾ لا يُغالَبُ في أمْرٍ يُرِيدُهُ ﴿ حَكِيمًا ﴾ في جَمِيعِ أفْعالِهِ، ومِن قَضِيَّةِ ذَلِكَ الِامْتِناعُ عَنْ إجابَةِ مَسْألَةِ المُتَعَنِّتِينَ، وقَطْعُ الحُجَّةِ بِإرْسالِ الرُّسُلِ، وتَنَوُّعُ الوَحْيِ إلَيْهِمْ، والإعْجازُ.

وقِيلَ: (عَزِيزًا) في عِقابِ الكُفّارِ (حَكِيمًا) في الإعْذارِ بَعْدَ تَقَدُّمِ الإنْذارِ، كَأنَّهُ بَعْدَ أنْ سَألُوا إنْزالَ كِتابِ اللَّهِ تَعالى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ أي أرسلنا رسلاً مبشرين بالجنة ومنذرين بالنار لِئَلَّا يَكُونَ يقول: لكيلا يكون لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ يعني: بعد إرسال الرسل، كي لا يقولوا يوم القيامة إنك لم ترسل إلينا رسولاً.

ولو إن الله تعالى لم يرسل رسولاً كان ذلك عدلاً منه إذ أعطى كل واحد من خلقه من العقل ما يعرفه، ولكن أرسل تفضلاً منه، ولكي يكون زيادة في الحجة عليهم.

ثم قال تعالى: وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً.

عَزِيزاً بالنقمة لمن يجحده حَكِيماً حكم إرسال الرسل والأنبياء عليهم السلام.

قوله تعالى: لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ قال ابن عباس: وذلك أن رؤساء مكة أتوا إلى رسول الله  ، فقالوا سألنا اليهود عن صفتك ونعتك، فزعموا أنهم لا يعرفونك في كتابهم، فأتِنا بمن يشهد لك بأنك نبي مبعوث فنزل: لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ يعني إن لم يشهد لك أحد منهم، فالله تعالى أعظم شهادة من خلقه، هو يشهد لك بأنك نبيّ ويظهر نبوتك.

قال القتبي: هذا من الاختصار لأنه لما نزل إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ [سورة النساء: 163] قال المشركون: لا نشهد لك بهذا فمن يشهد لك؟

فنزلت هذه الآية حكاية قولهم.

فقال تعالى لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ لأن كلمة لكن إنما تجيء بعد نفي شيء، فوجب ذلك الشيء بها.

ثم قال تعالى: أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ أي بأمره.

ويقال: أنزل القرآن الذي فيه علمه.

ثم قال تعالى: وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ أيضاً على شهادتك بالذي شهدت أنه الحق وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً فلا أحد أفضل من الله تعالى، شهادة بأنه أنزل عليك القرآن.

قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ يعني صرفوا الناس عن دين الله قَدْ ضَلُّوا ضَلالًا بَعِيداً عن الحق.

ثم قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا أي جحدوا وأشركوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ أي ما داموا على كفرهم وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً يعني: لا يوفقهم لطريق الإسلام إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ يعني: يتركهم ويخذلهم في طريق الكفر عقوبة لكفرهم ولجحودهم وهو طريق جهنم.

ويقال: إلا العمل الذي يجبرهم إلى جهنم.

وقال الضحاك: لا يهديهم طريقاً يوم القيامة، أي لا يرفع لهم إلا طريق جهنم.

وذلك أن أهل الإيمان يرفع لهم في الموقف طريق تأخذ بهم إلى الجنة، ويرفع لأهل الكفر طريق ينتهي بهم إلى النار.

ثم قال تعالى: خالِدِينَ فِيها أَبَداً أي دائمين فيها وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً أي خلودهم وعذابهم في النار هيّن على الله تعالى.

قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وزاد ص: وَالْمُقِيمِينَ منصوبٌ على المَدْحَ، قال: وقرأ جماعة: «والمقيمون» «١» انتهى.

إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَعِيسى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهارُونَ وَسُلَيْمانَ وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً (١٦٣) وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً (١٦٤)

وقوله تعالى: إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ ...

الآية:

سبَبُ نزولها قولُ بَعْض أحبار يَهُودَ: مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ ...

[الأنعام: ٩١] فأنزل اللَّه سبحانه الآية تَكْذيباً لهم.

قال ع «٢» : إسماعيلُ هو الذبيح في قول المحقِّقين، والوَحْيُ: إلقاءُ المعنى في خفاءٍ، وعُرْفُهُ في الأنبياء بوَسَاطة جبريلَ- عليه السلام-، وكلَّم اللَّه سبحانه موسى بكلامٍ دون تكْييفٍ، ولا تحديدٍ، ولا حرفٍ، ولا صوتٍ، والذي عليه الراسخُونَ في العِلْمِ أنَّ الكلام هو المعنَى القَائِمُ في النَّفْسِ، ويخلق اللَّه لموسى إدراكاً من جهةِ السَّمْعِ يتحصَّل به الكلامُ، وكما أنَّ اللَّه تعالى موجودٌ لا كالموجودَاتِ، معلومٌ لا كالمعلُومَاتِ فكذلك كلامه لا كالكلام.

وقوله سبحانه: رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ ...

الآية: رُسُلاً: بدلٌ من الأول، وأراد سبحانه أن يقطع بالرُّسُل احتجاجَ مَنْ يقول: لو بُعِثَ إلَيَّ رسول، لآمَنْتُ، واللَّه سبحانه «عزيزٌ» لا يغالبُهُ شيْء، ولا حُجَّة لأحدٍ عليه، حَكِيمٌ في أفعالِهِ، فقطع الحجّة بالرسل حكمة منه سبحانه.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِئَلا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ ﴾ أيْ: لِئَلّا يَحْتَجُّوا في تَرْكِ التَّوْحِيدِ والطّاعَةِ بِعَدَمِ الرُّسُلِ، لِأنَّ هَذِهِ الأشْياءَ إنَّما تَجِبُ بِالرُّسُلِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ رُسُلا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ لِئَلا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُسُلِ وكانَ اللهِ عَزِيزًا حَكِيمًا ﴾ ﴿ لَكِنِ اللهُ يَشْهَدُ بِما أنْزَلَ إلَيْكَ أنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ والمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وكَفى بِاللهِ شَهِيدًا ﴾ ﴿ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عن سَبِيلِ اللهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلالا بَعِيدًا ﴾ ﴿ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهم ولا لِيَهْدِيَهم طَرِيقًا ﴾ ﴿ إلا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أبَدًا وكانَ ذَلِكَ عَلى اللهِ يَسِيرًا ﴾ "رُسُلًا"؛ بَدَلٌ مِنَ الأوَّلِ قَبْلُ؛ و"مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ"؛ حالانِ؛ أيْ: يُبَشِّرُونَ بِالجَنَّةِ مَن آمَنَ؛ وأطاعَ؛ ويُنْذِرُونَ بِالنارِ مَن كَفَرَ؛ وعَصى؛ وأرادَ اللهُ تَعالى أنْ يَقْطَعَ بِالرُسُلِ احْتِجاجَ مَن يَقُولُ: لَوْ بُعِثَ إلَيَّ لَآمَنتُ؛ واللهُ تَعالى عَزِيزٌ؛ لا يُغالِبُهُ شَيْءٌ؛ ولا حُجَّةَ لِأحَدٍ عَلَيْهِ؛ وهو - مَعَ ذَلِكَ - حَكِيمٌ؛ تَصْدُرُ أفْعالُهُ عن حِكْمَةٍ؛ فَكَذَلِكَ قَطَعَ الحُجَّةَ بِالرُسُلِ حِكْمَةً مِنهُ تَعالى.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَكِنِ اللهُ يَشْهَدُ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ: سَبَبُها قَوْلُ اليَهُودِ: ﴿ ما أنْزَلَ اللهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ  ﴾ ؛ وقالَ بَعْضُهم لِمُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -: ما نَعْلَمُ يا مُحَمَّدُ أنَّ اللهَ أرْسَلَ إلَيْكَ؛ ولا أنْزَلَ عَلَيْكَ شَيْئًا؛ وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ السُلَمِيُّ ؛ والجَرّاحُ الحَكَمِيُّ: "لَكِنَّ اللهَ يَشْهَدُ"؛ بِشَدِّ النُونِ؛ ونَصْبِ المَكْتُوبَةِ عَلى اسْمِ "لَكِنَّ".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ ﴾ ؛ هَذِهِ الآيَةُ مِن أقْوى مُتَعَلِّقاتِ أهْلِ السُنَّةِ في إثْباتِ عِلْمِ اللهِ تَعالى ؛ خِلافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ في أنَّهم يَقُولُونَ: عالِمٌ بِلا عِلْمٍ؛ والمَعْنى - عِنْدَ أهْلِ السُنَّةِ -: أنْزَلَهُ وهو يَعْلَمُ إنْزالَهُ ونُزُولَهُ؛ ومَذْهَبُ المُعْتَزِلَةِ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ أنْزَلَهُ مُقْتَرِنًا بِعِلْمِهِ؛ أيْ: فِيهِ عِلْمُهُ مِن غُيُوبٍ؛ وأوامِرَ؛ ونَحْوِ ذَلِكَ؛ فالعِلْمُ عِبارَةٌ عَنِ المَعْلُوماتِ الَّتِي في القُرْآنِ؛ كَما هو في قَوْلِ الخَضِرِ: "ما نَقَصَ عِلْمِي وعِلْمُكَ مِن عِلْمِ اللهِ إلّا ما نَقَصَ هَذا العُصْفُورُ مِن هَذا البَحْرِ"؛ مَعْناهُ: مِن عِلْمِ اللهِ الَّذِي بَثَّ في عِبادِهِ؛ وقَرَأ الجُمْهُورُ: "أنْزَلَ"؛ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ؛ وقَرَأ الحَسَنُ: "أُنْزِلَ"؛ بِضَمِّ الهَمْزَةِ؛ عَلى بِنائِهِ لِلْمَفْعُولِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ ﴾ ؛ تَقْوِيَةٌ لِأمْرِ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -؛ ورَدٌّ عَلى اليَهُودِ؛ قالَ قَتادَةُ: "شُهُودٌ واللهِ غَيْرُ مُتَّهَمَةٌ"؛ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكَفى بِاللهِ شَهِيدًا ﴾ ؛ تَقْدِيرُهُ: وكَفى اللهُ شَهِيدًا؛ لَكِنْ دَخَلَتِ الباءُ لِتَدُلَّ عَلى أنَّ المُرادَ: اِكْتَفُوا بِاللهِ.

ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عَنِ الكافِرِينَ الَّذِينَ يَصُدُّونَ الناسَ عن سَبِيلِ اللهِ تَعالى أنَّهم قَدْ بَعُدُوا عَنِ الحَقِّ؛ وضَلُّوا ضَلالًا بَعِيدًا؛ لا يَقْرُبُ رُجُوعُهم عنهُ؛ ولا تَخَلُّصُهم مِنهُ؛ وقَرَأ عِكْرِمَةُ ؛ وابْنُ هُرْمُزٍ: "وَصُدُّوا"؛ بِضَمِّ الصادِ.

ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عَنِ الكافِرِينَ الظالِمِينَ في أنْ وضَعُوا الشَيْءَ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ؛ وهو الكُفْرُ بِاللهِ؛ واللهُ تَعالى يَسْتَوْجِبُ مِنهم غَيْرَ ذَلِكَ؛ لِنِعَمِهِ الظاهِرَةِ؛ والباطِنَةِ؛ إنَّهم بِحَيْثُ لَمْ يَكُنْ لِيَغْفِرَ لَهُمْ؛ وهَذِهِ العِبارَةُ أقْوى مِنَ الإخْبارِ المُجَرَّدِ أنَّهُ لا يَغْفِرُ؛ ومِثالُ ذَلِكَ أنَّكَ إذا قُلْتَ: "أنا لا أبِيعُ هَذا الشَيْءَ"؛ فُهِمَ مِنكَ الِاغْتِباطُ بِهِ؛ فَإذا قُلْتَ: "أنا ما كُنْتُ لِأبِيعَ هَذا الشَيْءَ"؛ فالِاغْتِباطُ مِنكَ أكْثَرُ؛ هَذا هو المَفْهُومُ مِن هَذِهِ العِبارَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا لِيَهْدِيَهم طَرِيقًا ﴾ ﴿ إلا طَرِيقَ جَهَنَّمَ ﴾ ؛ هَذِهِ هِدايَةُ الطُرُقِ؛ ولَيْسَتْ بِالإرْشادِ عَلى الإطْلاقِ؛ وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ؛ يَتَضَمَّنُ تَحْقِيرَ أمْرِ الكُفّارِ؛ وأنَّهم لا يُبالِيهِمُ اللهُ بالَةً؛ كَما ورَدَ في الحَدِيثِ: "يَذْهَبُ الصالِحُونَ؛ الأوَّلُ فالأوَّلُ حَتّى تَبْقى حُثالَةٌ كَحُثالَةِ التَمْرِ؛ لا يُبالِيهِمُ اللهُ بالَةً"؛ اَلْمَعْنى: إذْ هم كُفّارٌ في آخِرِ الزَمانِ؛ وعَلَيْهِمْ تَقُومُ الساعَةُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

استأنفتْ هذه الآياتُ الردّ على سؤال اليهود أن يُنَزّل عليهم كتاباً من السماء، بعد أن حُمقوا في ذلك بتحميق أسلافهم: بقوله: ﴿ فقد سألوا موسى أكبر من ذلك ﴾ [النساء: 153]، واستُطردت بينهما جمل من مخالفة أسلافهم، وما نالهم من جرّاء ذلك، فأقبل الآن على بيان أنّ إنزال القرآن على محمّد صلى الله عليه وسلم لم يكن بِدْعاً، فإنّه شأن الوحي للرسل، فلم يقدح في رسالتهم أنَّهم لم ينزّل عليهم كتاب من السماء.

والتأكيد (بإنّ) للاهتمام بهذا الخبر أو لتنزيل المردود عليهم منزلة من ينكر كيفيّة الوحي للرسل غير موسى، إذ لم يَجْروا على موجب علمهم حتّى أنكروا رسالة رسول لم يُنْزل إليه كتاب من السماء.

والوحي إفادة المقصود بطريق غير الكلام، مثل الإشارة قال تعالى: ﴿ فخرج على قومه من المحراب فأوحَى إليهم أن سبّحوا بكرة وَعَشِيّاً ﴾ [مريم: 11].

وقال داوود بن جرير: يَرْمُون بالخُطب الطِواللِ وتارةً *** وَحْيُ اللواحِظِ خيفَةَ الرقباء والتشبيه في قوله: ﴿ كما أوحينا إلى نوح ﴾ تشبيه بجنس الوحي وإن اختلفت أنواعه، فإنّ الوحي إلى النبي صلى الله عليه وسلم كان بأنواع من الوحي ورد بيانها في حديث عائشة في الصحيح عن سؤال الحارث بن هشام النّبيء صلى الله عليه وسلم كيف يأتيك الوحي بخلاف الوحي إلى غيره ممّن سمّاهم الله تعالى فإنّه يحتمل بعض من الأنواع، على أنّ الوحي للنبيء صلى الله عليه وسلم كان منه الكتاب القرآن ولم يكن لبعض من ذكر معه كتاب.

وعدّ الله هنا جمعاً من النبيئين والمرسلين وذكر أنّه أوحي إليهم ولم يختلف العلماء في أنّ الرسل والأنبياء يُوحى إليهم.

وإنَّما اختلفت عباراتهم في معنى الرسول والنبي.

ففي كلام جماعة من علمائنا لا نجد تفرقة، وأنّ كلّ نبيء فهو رسول لأنَّه يوحى إليه بما لا يخلو من تبليغه ولو إلى أهل بيته.

وقد يكون حال الرسول مبتدأ بنبؤة ثمّ يعقبها إرساله، فتلك النبوة تمهيد الرسالة كما كان أمر مبدإ الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنَّه أخبر خديجة، ونزل عليه: ﴿ وأنذر عشيريتك الأقربين ﴾ [الشعراء: 214].

والقول الصحيح أنّ الرسول أخصّ، وهو من أوحي إليه مع الأمر بالتبليغ، والنبي لا يؤمر بالتبليغ وإن كان قد يبلّغ على وجه الأمر بالمعروف والدعاء للخير، يعني بدون إنذار وتبشير.

وورد في بعض الأحاديث: الأنبياء مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً، وعدّ الرسل ثلاثمائة وثلاثة عشر رسولاً.

وقد ورد في حديث الشفاعة، في الصحيح: أنّ نوحاً عليه السلام أوّل الرسل.

وقد دَلَّت آيات القرآن على أنّ الدّين كان معروفاً في زمن آدم وأنّ الجزاء كان معلوماً لهم، فقد قَرّب ابنَا آدَمَ قرباناً، وقال أحدهما للآخر ﴿ إنَّما يتقبّل الله من المتّقين ﴾ [المائدة: 27]، وقال له: ﴿ إني أخاف الله ربّ العالمين إني أريد أن تَبوء بإثمي وإثمك فتكونَ من أصحاب النّار وذلك جزاءُ الظّالمين ﴾ [المائدة: 28، 29].

ودلّ على أنَّه لم يكن يومئذٍ بينهم من يأخذ على يد المعتدي وينتصف للضعيف من القويّ، فإنَّما كان ما تعلّموه من طريقة الوعظ والتعليم وكانت رسالة عائليَة.

ونوح هو أوّل الرسل، وهو نوح بن لامَك، والعرب تقول: لَمَك بن متوشالح بن أخنوخ.

ويسمّيه المصريون هُرمس، ويسمّيه العرب إدريس بن يارد بن مَهْلَلْئِيل بن قينان بن أنوش بن شيث بن آدم، حسب قول التَّوْراة.

وفي زمنه وقع الطّوفان العظيم.

وعاش تسعمائة وخمسين سنة، وقيل تسعمائة وتسعين سنة، والقرآن أثبت ذلك.

وقد مات نوح قبل الهجرة بثلاثة آلاف سنة وتسعمائة سنة وأربع وسبعين سنة على حسب حساب اليهود المستمَدّ مِن كتابهم.

وإبراهيم هو الخليل، إبراهيم بن تارح والعرب تسمّيه آزر بن ناحور بن ساروغ بن أرعو بن فالغ بن عابر بن شالح بن قينان بن أرفخشد بن سام بن نوح.

ولد سنة2893 قبل الهجرة، في بلد أوُر الكلدانيين، ومات في بلاد الكنعانيين، وهي سوريا، في حبرون حيث مدفنه الآن المعروف ببلد الخليل سنة2718 قبل الهجرة.

وإسماعيل هو ابن إبراهيم مِن الجارية المصرية هَاجَر.

توفِّي بمكة سنة2686 قبل الهجرة تقريباً.

وكان إسماعيل رسولاً إلى قومه الذين حلّ بينهم من جُرهم وغيرهم، وإلى أبنائه وأهله، قال تعالى: ﴿ واذكر في الكتاب إسماعيل إنّه كان صادق الوعد وكان رسولاً نبيّا ﴾ [مريم: 54].

وإسحاق هو ابن إبراهيم مِن سارة ابنة عمّه، توفّي قبل الهجرة سنة2613، وكان إسحاق نبيّاً مؤيّداً لشرع أبيه إبراهيم ولم يجئ بشرع.

ويعقوب هو ابن إسحاق، الملقّبُ بإسرائيل.

توفّي سنة2586 قبل الهجرة.

وكان يعقوب نبيّاً مؤيّداً لِشرع إبراهيم، قال تعالى: ﴿ ووصى بها إبراهيم بَنيه ويعقوب ﴾ [البقرة: 132] ولم يجئ بشرع جديد.

والأسباط هم أسباط إسحاق، أي أحفاده، وهم أبناء يعقوب اثنا عشر ابناً: روبين، وشمعون، وجاد، ويهوذا، ويساكر، وزَبُولُون، ويوسف، وبنيامين، ومنسَّى، ودَان، وأَشير، وثَفتالي.

فأمّا يوسف فكان رسولاً لقومه بمصر.

قال تعالى خطاباً لبني إسرائيل على لسان مؤمن بني إسرائيل، أو خطاباً من الله ﴿ ولقد جاءكم يوسفُ من قبلُ بالبيِّنات فما زِلْتُمْ في شكّ ممّا جاءكم به حتّى إذا هلك قلتم لن يبعث الله من بعده رسولاً ﴾ [غافر: 34].

وأمّا بقية الأسباط فكان كلّ منهم قائماً بدعوة شريعة إبراهيم في بنِيه وقومه.

والوحي إلى هؤلاء متفاوت.

وعيسى هو عيسى ابن مريم، وُلد من غير أب قبل الهجرة سنة622.

ورفع إلى السماء قبلها سنة589.

وهو رسول بشرع ناسخ لبعض أحكام التّوراة.

ودامت دعوته إلى الله ثلاث سنين.

وأيوب هو نبيء.

قيل: إنّه عربي الأصل من أرض عُوص، في بلاد أَدوم، وهي من بلاد حَوران، وقيل، هو أيوب بن ناحور أخي إبراهيم، وقيل: اسمه عوض، وقيل: هو يوباب ابن حفيد عيسو.

وقيل: كان قبل إبراهيم بمائة سنة.

والصحيح أنَّه كان بعد إبراهيم وقبل موسى في القرن الخامس عشر قبل المسيح، أي في القرن الحادي والعشرين قبل الهجرة.

ويقال: إنّ الكتاب المنسوب إليه في كتب اليَهود أصله مؤلف باللغة العربيّة وأنّ موسى عليه السّلام نقله إلى العبرانيّة على سبيل الموعظة، فظنّ كثير من الباحثين في التّاريخ أنّ أيوب من قبيلة عربيّة.

وليس ذلك ببعيد.

وكان أيوب رسولاً نبيّا.

وكان له صاحب اسمه اليفاز اليماني هو الّذي شدّ أزره في الصبر، كما سنذكره في موضعه.

وإنّما منع اسمه من الصرف إذ لم يكن من عرب الحجاز ونجد؛ لأنّ العرب اعتبرت القبائل البعيدة عنها عجماً، وإن كان أصلهم عربياً، ولذلك منعوا ثمودَ من الصرف إذ سكنوا الحِجر.

ويونس هو ابن متَّى من سبط زبولون من بني إسرائيل، بعثه الله إلى أهل نَيْنوَى عاصمة الأشوريين، بعد خراب بيت المقدس، وذلك في حدود القرن الحادي عشر قبل الهجرة.

وهارون أخو موسى بن عمران توفّي سنة 1972 قبل الهجرة وهو رسول مع موسى إلى بني إسرائيل.

وسليمانُ هو ابن داود.

كان نبيّاً حاكماً بالتّوراة وَمَلِكاً عظيماً.

توفّي سنة1597 قبل الهجرة.

وممّا أوحى الله به إليه ما تضمّنه كتاب «الجامعة» وكتاب «الأمثال من الحكمة والمواعظ»، وهي منسوبة إلى سليمان ولم يقل فيها إنّ الله أوحاها إليه؛ فعلمنا أنّها كانت موحى بمعانيها دون لفظها.

وداود أبُو سليمان هو داود بن يسي، توفّي سنة1626 قبل الهجرة، بعثه الله لنصر بني إسرائيل.

وأنزل عليه كتاباً فيه مواعظ وأمثال، كان بنو إسرائيل يترنّمون بفصوله، وهو المسمّى بالزبور.

وهو مصدر على وزن فَعول مثل قَبول.

ويقال فيه: زبُور بضم الزاي أي مصدراً مثل الشُّكور، ومعناه الكتابة ويسمّى المكتوب زَبوراً فيجمع على الزّبر، قال تعالى: ﴿ بالبيّنات والزبر ﴾ [آل عمران: 184].

وقد صار علماً بالغلبة في لغة العرب على كتاب داود النبي، وهو أحد أسفار الكتاب المقدّس عند اليهود.

وعُطفت جملة ﴿ وآتينا داوود زبورا ﴾ على ﴿ أوحينا إليك ﴾ .

ولم يعطف اسم داود على بقيّة الأسماء المذكورة قبله للإيماء إلى أنّ الزبور موحى بأن يكون كتاباً.

وقرأ الجمهور ﴿ زَبورا ﴾ بفتح الزاي، وقرأه حمزة وخلف بضمّ الزاي.

وقوله: ﴿ ورُسلا قد قصصناهم عليك من قبل ﴾ يعني في آي القرآن مثل: هود، وصالح، وشعيب، وزكرياء، ويحيى، وإلياس، والْيسع، ولوط، وتبّع.

ومعنى قوله: ﴿ ورسلاً لم نقصصهم عليك ﴾ لم يذكرهم الله تعالى في القرآن، فمنهم من لم يرد ذكره في السنّة: مثل حنظلة بن صفوان نبيء أصحاب الرسّ، ومثل بعض حكماء اليونان عند بعض علماء الحكمة.

قال السهروردي في «حكمة الإشراق»: «منهم أهل السفارة».

ومنهم من ذكرته السنّة: مثل خالد بن سنَان العبسي.

وإنَّما ذكر الله تعالى هنا الأنبياء الذين اشتهروا عند بني إسرائيل لأنّ المقصود محاجّتهم.

وإنَّما ترك الله أن يقصّ على النّبيء صلى الله عليه وسلم أسماء كثير من الرسل للاكتفاء بمن قصّهم عليه، لأنّ المذكورين هم أعظم الرسل والأنبياء قصصاً ذات عبر.

وقوله: ﴿ وكلم الله موسى تكليما ﴾ غُيّر الأسلوب فعُدل عن العطف إلى ذكر فعل آخر، لأنّ لهذا النّوع من الوحي مزيد أهمّيّة، وهو مع تلك المزيّة ليس إنزال كتاب من السماء، فإذا لم تكن عبرة إلاّ بإنزال كتاب من السماء حسب اقتراحهم، فقد بطل أيضاً ما عدا الكلمات العشر المنزّلة في الألواح على موسى عليه السّلام.

وكلام الله تعالى صفة مستقلّة عندنا، وهي المتعلّقة بإبلاغ مراد الله إلى الملائكة والرسللِ، وقد تواتر ذلك في كلام الأنبياء والرسل تواترا ثبت عند جميع المِلّيِّين، فكلام الله صفة له ثبتت بالشرع لا يدلّ عليها الدليل العقليّ على التحقيق إذ لا تدلّ الأدلّة العقلية على أنّ الله يجب له إبلاغ مراده الناس بل يجوز أن يُوجد الموجودات ثم يتركها وشأنَها، فلا يتعلّق علمه بحملها على ارتكاب حَسَن الأفعال وتجنّب قبائحها.

ألا ترى أنّه خلق العجماوات فما أمرها ولا نهى، فلو ترك النّاس فوضى كالحيوان لما ستحال ذلك.

وأنّه إذا أراد حمل المخلوقات على شيء يريده فطرها على ذلك فانساقت إليه بجبلاّتها، كما فطر النحل على إنتاج العسل، والشجر على الإثمار.

ولو شاء لحمل النّاس أيضاً على جِبِلّة لا يعدونها، غير أنَّنا إذ قد علمنا أنَّه عالم، وأنّه حكيم، والعلم يقتضي انكشاف حقائق الأشياء على ما هي عليه عنده، فهو إذ يعلم حسن الأفعال وقبحها، يريد حصول المنافع وانتفاء المضارّ، ويرضى بالأولى، ويكره الثّانية، وإذْ اقتضت حكمته وإرادته أن جعل البشر قابلاً للتعلّم والصلاح، وجعل عقول البشر صالحة لبلوغ غايات الخير، وغايات الشرّ، والتفنّن فيهما، بخلاف الحيوان الذي يبلغ فيما جبل عليه من خير أو شرّ إلى غاية فطر عليها لا يعدوها، فكان من المتوقّع طغيان الشرّ على الخير بعمل فريق الأشرار من البشر كان من مقتضى الحكمة أن يحمل النّاس على فعل الخير الذي يرضاه، وترككِ الشرّ الذي يكرهه، وحملُهم على هذا قد يحصل بخلق أفاضل النّاس وجبْلهم على الصلاح والخير، فيكونون دعاة للبشر، لكنّ حكمة الله وفضله اقتضى أن يخلق الصالحين القابلين للخير، وأن يعينهم على بلوغ ما جُبلوا عليه بإرشاده وهديه، فخلق النّفوس القابلة للنبوّة والرسالة وأمدّها بالإرشاد الدالّ على مراده المعبّر عنه بالوحي، كما اقتضاه قوله تعالى: ﴿ الله أعلم حيثُ يجعل رسالاته ﴾ [الأنعام: 124] فأثبت رسالة وتهيئة المرسَل لقبولها ومن هنا ثبتَت صفة الكلام.

فعلمنا بأخبار الشريعة المتواترة أنّ الله أراد من البشر الصلاح وأمرهم به، وأن أمره بذلك بلغ إلى البشر في عصور، كثيرة وذلك يدلّ على أنّ الله يرضى بعض أعمال البشر ولا يرضى بعضها وأنّ ذلك يسمّى كلاماً نفسياً، وهو أزلي.

ثُمّ إنّ حقيقة صفة الكلام يحتمل أن تكون من متعلَّقات صفة العلم، أو من متعلَّقات صفة الإرادة، أو صفة مستقلّة متميّزة عن الصفتين الأخريين؛ فمنهم من يقول: عَلم حاجة النّاس إلى الإرشاد فأرشدهم، أو أرادَ هَدي الناس فأرشدهم.

ونحن نقول: إنّ الإلهية تقتضي ثبوت صفات الكمال الّتي منها الرضا والكراهيّة والأمر والنهي للبشر أو الملائكة، فثبتت صفة مستقلّة هي صفة الكلام النفسي؛ وكلّ ذلك متقارب، وتفصيله في علم الكلام.

أمّا تكليم الله تعالى بعض عباده من الملائكة أو البشر فهو إيجاد ما يعرِف منه الملَك أو الرسول أنّ الله يأمر أوْ ينهَى أو يخبر.

فالتكليم تعلُّق لصفة الكلام بالمخاطب على جَعْل الكلام صفة مستقِلّة، أو تعلّق العِلم بإيصال المعلوم إلى المخاطب، أو تعلّق الإرادة بإبلاغ المراد إلى المخاطب.

فالأشاعرة قالوا: تكليم الله عبده هو أن يخلق للعبد إدراكاً من جهة السمع يتحصّل به العلم بكلام الله دون حروف ولا أصوات.

وقد ورد تمثيله بأنّ موسى سمع مِثْل الرعد عَلِم منه مدلول الكلام النفسي.

قلت: وقد مثّله النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح عن أبي هريرة " أنّ الله تعالى إذا قضى الأمر في السماء ضرَبَتْ الملائكة بأجنحتها خُضْعَاناً لقولِهِ كأنَّه سِلْسِلَة على صَفْوَاننٍ فإذا فُزّع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربّكم، قالوا للّذي قالَ «الحقّ وهو العليّ الكبير " فعلى هذا القول لا يلزم أن يكون المسموع للرسول أو الملك حروفاً وأصواتاً بل هو علم يحصل له من جهة سمعه يتّصل بكلام الله، وهو تعلّق من تعلّقات صفة الكلام النفسي بالمكلِّم فيما لا يَزال، فذلك التعلّق حادث لا محالة كتعلّق الإرادة.

وقالت المعتزلة: يخلق الله حروفاً وأصواتاً بلغة الرسول فيسمعها الرسول، فيعلم أنّ ذلك من عند الله، بعلم يجده في نفسه، يعلم به أنّ ذلك ورد إليه من قِبَل الله، إلاّ أنَّه ليس بواسطة الملك، فهم يفسّرونه بمثل ما نفسّر به نحن نزول القرآن؛ فإسناد الكلام إلى الله مجاز في الإسناد، على قولهم، لأنّ الله منزّه عن الحروف والأصوات.

والكلام حقيقة حروف وأصوات، وهذه سفسطة في الدليل لأنّه لا يقول أحد بأنّ الحروف والأصوات تتّصف بها الذات العليّة.

وهو عندنا وعندهم غير الوحي الذي يقع في قلب الرسول، وغير التبليغ الذي يكون بواسطة جبريل، وهو المشار إليه بقوله تعالى: ﴿ أوْ مِنْ وراء حِجاب ﴾ [الشورى: 51].

أمّا كلام الله الواردُ للرسول بواسطة الملَك وهو المعبّر عنه بالقرآن وبالتّوراة والإنجيل وبالزّبور: فتلك ألفاظ وحروف وأصوات يعلِّمها الله للملك بكيفية لا نعلمها، يَعلَم بها الملَكُ أنّ الله يَدلّ، بالألفاظ المخصوصة الملقاةِ للملَك، على مدلولاتتِ تلك الألفاظ فيلقيها الملَك على الرسول كما هي قال تعالى: ﴿ أو يرسلُ رسولاً فيوحي بإذنه ما يشاء ﴾ [الشورى: 51] وقال: ﴿ نزل به الروح الأمين على قبلك لتكون من المنذِرين بلسان عربيّ مُبين ﴾ [الشعراء: 193 195].

وهذا لا يمتري في حدوثه من له نصيب من العلم في الدّين.

ولكن أمسك بعض أيمّة الإسلام عن التصريح بحدوثه، أو بكونه مخلوقاً، في مجالس المناظرة التي غشيتْها العامَّة، أو ظُلمة المكابرة، والتحفّز إلى النبز والأذَى: دفعاً للإيهام، وإبقاء على النسبة إلى الإسلام، وتنصّلاً من غوغاء الطغام، فَرَحم الله نفوساً فُتنت، وأجسَاداً أوجعت، وأفواهاً سكتت، والخير أرادوا، سواء اقتصدوا أم زادوا.

والله حسيب الذين ألّبوا عليهم وجمعوا، وأغروا بهم وبئس ما صنعوا.

وقوله ﴿ تكليماً ﴾ مصدر للتوكيد.

والتوكيد بالمصدر يرجع إلى تأكيد النسْبة وتحقيقها مثل (قَدْ) و(إنّ)، ولا يقصد به رفع احتمال المجاز، ولذلك أكّدت العرب بالمصدر أفعالاً لم تستعمل إلاّ مجازاً كقوله تعالى: ﴿ إنَّما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهّركم تطهيراً ﴾ فإنَّه أراد أنّه يطهّرهم الطهارة المعنوية، أي الكمال النفسي، فلم يفد التأكيد رفع المجاز.

وقالت هند بنت النعمان بن بشير تذمّ زوجها رَوْح بن زِنْباع: بَكَى الخَزّ من رَوْح وأنْكَرَ جِلْده *** وعجَّتْ عجيجاً من جُذَامَ المَطَارف وليس العجيج إلاّ مجازاً، فالمصدر يؤكِّد، أي يُحقِّق حصول الفعْل الموكَّد على ما هو عليه من المعنى قبل التَّأكيد.

فمعنى قوله: ﴿ تكليماً ﴾ هنا: أنّ موسى سمع كلاماً من عند الله، بحيث لا يحتمل أنّ الله أرسل إليه جبريل بكلام، أو أوحى إليه في نفسه.

وأمّا كيفية صدور هذا الكلام عن جانب الله فغرض آخر هو مجال للنظر بين الفِرق، ولذلك فاحتجاج كثير من الأشاعرة بهذه الآية على كون الكلام الَّذي سمعه موسى الصفة الذاتية القائمة بالله تعالى احتجاج ضعيف.

وقد حكى ابن عرفة أنّ المازري قال في «شرح التلقين»: إنّ هذه الآية حجّة على المعتزلة في قولهم: إنّ الله لم يكلّم موسى مباشرة بل بواسطة خَلق الكلام لأنَّه أكَّده بالمصدر، وأنّ ابن عبد السلام التّونسي، شيخ ابن عرفة، ردّه بأنّ التأكيد بالمصدر لإزالة الشكّ عن الحديث لا عن المحدّث عنه.

وتعقّبه ابن عرفة بما يؤول إلى تأييد ردّ ابن عبد السلام.

وقوله: ﴿ رُسُلاً ﴾ حال من المذكورين، وقد سمّاهم رسلاً لما قدّمناه، وهي حال موطّئة لصفتها، أعني مبشّرين؛ لأنَّه المقصود من الحال.

وقوله: ﴿ لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل ﴾ تعليل لقوله: ﴿ مبشرين ومنذرين ﴾ ولا يصحّ جعله تعليلاً لقوله: ﴿ إنا أوحينا إليك ﴾ لأنّ ذلك مسوق لبيان صحّة الرسالة مع الخُلُوّ عن هبوط كتاب من السماء ردّاً على قولهم: ﴿ حتّى تُنزّل علينا كتاباً نقرؤه ﴾ [الإسراء: 93].

فموقع قوله: ﴿ لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل ﴾ موقع الإدماج تعليماً للأمّة بحكمة من الحكم في بعثته الرسل.

والحجّة ما يدُلّ على صدق المدّعي وحقّيّة المعتذر، فهي تقتضي عدم المؤاخذة بالذنب أو التقصير.

والمراد هنا العذر البيّن الذي يوجب التنصّل من الغضب والعقاب.

فإرسال الرسل لقطع عذر البشر إذا سئلوا عن جرائم أعمالهم، واستحقّوا غضب الله وعقابه.

فعلم من هذا أنّ للنّاس قبل إرسال الرسل حجّة إلى الله أن يقولوا: ﴿ لولا أرسلت إلينا رسولاً فنتّبع آياتك ونكون من المؤمنين ﴾ [القصص: 47].

وأشعرت الآية أنّ من أعمال النّاس ما هو بحيث يُغضب الله ويعاقب عليه، وهي الأفعال التي تدلّ العقول السليمة على قبْحها لإفضائها إلى الفساد والأضرار البيّنة.

ووجه الإشعار أنّ الحجّة إنَّما تُقابِل محاولةَ عمل مّا، فلمّا بعث الله الرسل لقطع الحجّة علمنا أنّ الله حين بعث الرسل كان بصدد أنْ يؤاخذ المبعوث إليهم، فاقتضت رحمته أن يقطع حجّتهم ببعثة الرسل وإرشادهم وإنذارهم، ولذلك جعل قطع الحجّة علّة غائيّة للتبشير والإنذار: إذ التبشير والإنذار إنَّما يبيّنان عواقب الأعمال، ولذلك لم يعلّل بعثه الرسل بالتنبيه إلى ما يرضي الله وما يسخطه.

فهذه الآية ملجئة جميعَ الفرق إلى القول بأنّ بعثة الرسل تتوقّف عليها المؤاخذة بالذنوب، وظاهرها أنّ سائر أنواع المؤاخذة تتوقّف عليها، سواء في ذلك الذنوب الراجعة إلى الاعتقاد، والراجعة إلى العمل، وفي وجوب معرفة الله.

فإرسال الرسل عندنا من تَمَام العدل من الله لأنّه لو لم يرسلهم لكانت المؤاخذة بالعذاب مجرّد الإطلاق الذي تقتضيه الخالقية إذْ لا يسأل عمّا يفعل، وكانت عدلاً بالمعنى الأعمّ.

فأمّا جمهورُ أهل السنّة، الذين تترجم عن أقوالهم طريقة الأشعري، فعمّموا وقالوا: لا يثبت شيء من الواجبات، ولا مؤاخذة على ترك أو فعل إلاّ ببعثة الرسل حتّى معرفة الله تعالى، واستدلّوا بهذه الآية وغيرها: مثل ﴿ وما كنّا معذّبين حتّى نبعث رسولاً ﴾ [الإسراء: 15] وبالإجماع.

وفي دعوى الإجماع نظر، وفي الاستدلال به على أصل من أصول الدين نظر آخر، وفي الاستدلال بالآيات، وهي ظواهر، على أصل من أصول الدين نظر ثالث، إلاّ أن يقال: إنَّها تكاثرت كثرة أبلغتها إلى مرتبة القطع، وهذا أيضاً مجال للنظر، وهم ملجَئُون إلى تأويل هذه الآية، لأنّهم قائلون بمؤاخذة أهل الفترة على إشراكهم بالله.

والجواب أن يقال: إنّ الرسل في الآية كلٌّ إفْرادِي، صادق بالرسول الواحد، وهو يختلف باختلاف الدعوة.

فأمّا الدعوة إلى جملة الإيمان والتوحيد فَقد تقرّرت بالرسل الأوّلين، الّذين تقرّر من دعواتهم عند البشر وجوبُ الإيمان والتوحيد، وأمّا الدعوة إلى تفصيل الآيات والصفات وإلى فروع الشرائع، فهي تتقرّر بمجيء الرسل الذين يختصّون بأمم معروفة.

وأمّا المعتزلة فقد أثبتوا الحسن والقبح الذاتيين في حالة عدم إرسال رسول؛ فقالوا: إنّ العقل يثبت به وجوب كثير من الأحكام، وحرمة كثير، لا سيما معرفة الله تعالى، لأنّ المعرفة دافعة للضرّ المظنون، وهو الضرّ الأخروي، من لحاق العذاب في الآخرة، حيث أخبر عنه جمع كثير، وخوف ما يترتَّب على اختلاف الفِرق في معرفة الصانع قبل المعرفة الصحيحة من المحاربات، وهو ضرّ دنيويّ، وكلّ ما يدفع الضرّ المظنونَ أو المشكوك واجب عقلاً، كمن أراد سلوك طريق فأخبر بأنّ فيه سَبُعاً، فإنّ العقل يقتضي أن يتوقّف ويبحث حتّى يعلم أيسلك ذلك الطريق أم لا، وكذلك وجوب النظر في معجزة الرسل وسائر ما يؤدّي إلى ثبوت الشرائع.

فلذلك تأوّلوا هذه الآية بما ذكره في «الكشاف» إذ قال: «فإن قلت: كيف يكون للنّاس على الله حجّة قبل الرسل وهم محجوجون بما نصبه الله من الأدلّة التي النظر فيها موصّل إلى المعرفة، والرسلُ في أنفسهم لم يتوصّلوا إلى المعرفة بالنظر في تلك الأدلّة، أي قبل الرسالة.

قلت: الرسل منبِّهون عن الغفلة وباعثون على النظر مع تبليغ ما حمّلوه من أمور الدّين وتعليم الشرائع؛ فكان إرسالهم إزاحة للعلّة وتتميماً لإلزام الحجّة».

يعني أنّ بعثة الرسل رحمة من الله لا عدل، ولو لم يبعثهم لكانت المؤاخذة على القبائح عدلاً، فبعثة الرسل إتمام للحجّة في أصل المؤاخذة، وإتمام للحجّة في زيادة التزكية أن يقول النّاس: ربّنا لِمَ لَمْ ترشدنا إلى ما يرفع درجاتنا في مراتب الصدّيقين وقصرتنا على مجرّد النجاة من العذاب، حين اهتدينا لأصل التّوحيد بعقولنا.

وقال الماتريدي بموافقة الجمهور فيما عدا المعرفة بالله تعالى عند إرادة إفحام الرسل خاصّة لأنّه رآه مبنَى أصول الدّين، كما يشير إليه قول صدر الشريعة في «التوضيح» «أي يكون الفعل صفة يحمد فاعل الفعل ويثاب لأجلها أو يذمّ ويعاقب لأجلها؛ لأنّ وجوب تصديق النبي إنْ توقّف على الشرع يلزم الدور» وصرّح أيضاً بأنَّها تعرف بالشرع أيضاً.

وقد ضايق المعتزلةُ الأشاعرة في هذه المسألة بخصوص وجوب المعرفة فقالوا: لو لم تجب المعرفة إلاّ بالشرع للزم إفحامُ الرسل، فلم تكن للبعثة فائدة.

ووجه اللزوم أنّ الرسول إذا قال لأحد: انظرْ في معجزتي حتّى يظهر صدقي لديك، فله أن يقول: لا أنظر ما لم يجب عليّ، لأنّ ترك غير الواجب جائز، ولا يجب عليّ حتّى يثبتَ عندي الوجوب بالشرع، ولا يثبت الشرع ما دمتُ لم أنظر، لأنّ ثبوت الشرع نَظَريّ لا ضروري.

وظَاهَرَهم الماتريديّةُ وبعضُ الشافعيّة على هذا الاستدلال.

ولم أر للأشاعرة جواباً مقنعاً، سوى أنّ إمام الحرمين في «الإرشاد» أجاب: بأنّ هذا مشترك الإلزام لأنّ وجوب التأمّل في المعجزة نظري لا ضروريّ لا محالة، فلمن دعاه الرسول أن يقول: لا أتأمل في المعجزة ما لم يجب ذلك عليّ عقلاً، ولا يجب عليّ عقلاً ما لم أنظر، لأنّه وجوب نظري، والنّظري يحتاج إلى ترتيب مقدّمات، فأنا لا أرتّبها.

وتبعه على هذا الجواب جميع المتكلّمين بعده من الأشاعرة مثل البيضاوي والعضد والتفتزاني.

وقال ابن عرفة في «الشامل»: إنّه اعتراف بلزوم الإفحام فلا يزيل الشبهة بل يعمّمها بيننا وبينهم، فلم يحصل دفع الإشكال وكلام ابن عرفة ردٌّ متمكّن.

والظاهر أنّ مراد إمام الحرمين أن يُسقط استدلال المعتزلة لأنفسهم على الوجوب العقلي بتمحّض الاستدلال بالأدلة الشرعيّة وهو مطلوبنا.

وأنَا أرى أن يكون الجواب بأحد طريقين: أولهما: بالمنع، وهو أن نمنع أن يكون وجوب سماع دعوة الرسول متوقّفاً على الإصغاء إليه، والنظر في معجزته، وأنّه لو لم يثبت وجوب ذلك بالعقل يلزم إفحام الرسول، بل ندّعي أنّ ذلك أمر ثبت بالشرائع الّتي تعاقب ورودها بين البشر، بحيث قد علم كلّ مَن له علاقة بالمدنيَّة البشرية بأنّ دُعاة أتَوا إلى النّاس في عصور مختلفة، ودعوتهم واحدة: كلّ يقول إنّه مبعوث من عند الله ليدعو النّاس إلى ما يريده الله منهم، فاستقرّ في نفوس البشر كلّهم أنّ هنالك إيماناً وكفراً، ونجاة وارتباقاً، استقراراً لا يجدون في نفوسهم سبيلاً إلى دفعه، فإذا دعا الرسول النّاس إلى الإيمان حضرت في نفس المدعوّ السامععِ تلك الأخبار الماضية والمحاورات، فوجب عليه وجوباً اضطرارياً استماعُه والنظرُ في الأمر المقرّر في نفوس البشر، ولذلك آخذَ الله أهل الفترة بالإشراك كما دلّت عليه نصوص كثيرة من الكتاب والسنّة.

ولذلك فلو قَدّرْنا أحداً لم يخالط جماعات البشر، ولم يسبق له شعور بأنّ النّاس آمنوا وكفروا وأثبتوا وعطّلوا، لَما وجب عليه الإصغاء إلى الرسول لأنّ ذلك الانسياق الضروري مفقود عنده.

وعلى هذا الوجه يكون الوجوب غير شرعي، ولا عقلي نظري، بل هو من الأمور الضرورية التي لا يستطاع دفعها فلا عجب أن تقع المؤاخذة بتعمّد مخالفتها.

وثاني الجوابين: بالتسليم، غير أنّ ما وقِر في جبلّة البشر من استطلاع الحوادث والأخبار الجديدة، والإصغاء لكلّ صاحب دعوة، أمر يحمل كلّ من دعاه الرسول إلى الدين على أن يستمع لكلامه، ويتلقّى دعوته وتحدّيهُ ومعجزته، فلا يشعر إلاّ وقد سلكت دعوته إلى نفس المدعوِّ، فحرّكت فيه داعية النظر، فهو ينجَذب إلى تلقّي الدعوة، رويداً رويداً، حتّى يجد نفسه قد وعاها وَعَلِمها علماً لا يستطيع بعدَه أن يقول: إنّي لا أنظر المعجزة، أو لا أصغي إلى الدعوة.

فإن هو أعرض بعد ذلك فقد اختار العمى على الهدى، فكان مؤاخذاً، فلو قدّرنا أحداً مَرّ برسول يدعو فشغله شاغل عن تعرّف أمره والإصغاء لكلامه والنظر في أعماله، لسلّمنا أنّه لا يكون مخاطباً، وأنّ هذا الواحد وأمثاله إذا أفحَم الرسولَ لا تتعطّل الرسالة، ولكنّه خسر هديه، وسَفِه نفسه.

ولا يَرِد علينا أنّ من سمع دعوة الرسول فجعل أصابعه في أذنيه وأعرض هارباً حينئذٍ، لا يتوجّه إليه وجوبُ المعرفة، لأنّ هذا ما صنع صنعه إلاّ بعد أن علم أنّه قد تهيَّأ لتوجّه المؤاخذة عليه إذا سمع فعصى، وكفى بهذا شعوراً منه بتوجّه التكليف إليه فيكون مؤاخذاً على استحبابِه العمى على الهدى، كما قال تعالى في قوم نوح: ﴿ وإنّي كلَّما دعوتُهم أي إلى الإيمان لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشَوْا ثيابهم ﴾ [نوح: 7].

والإظهار في مقام الإضمار في قوله: ﴿ بعدَ الرسل ﴾ دون أن يقال: بعدَهم، للاهتمام بهذه القضيّة واستقلالها في الدلالة على معناها حتّى تسير مسرى الأمثال.

ومناسبة التذييل بالوصفين في قوله: ﴿ عزيزاً حكيماً ﴾ : أمّا بوصف الحكيم فظاهرة، لأنّ هذه الأخبار كلّها دليلُ حكمته تعالى، وأمّا بوصف العزيز فلأنّ العزيز يناسب عزّتَه أن يكون غالباً من كلّ طريق فهو غالب من طريق المعبوديّة، لا يُسأل عما يفعل، وغالب من طريق المعقولِيّة إذ شاء أن لا يؤاخذ عبيده إلاّ بعد الأدلّة والبراهين والآيات.

وتأخيرُ وصف الحكيم لأنّ إجراء عزّته على هذا التمام هو أيضاً من ضروب الحكمة الباهرة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أهْلَ الكِتابِ لا تَغْلُوا في دِينِكُمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ خِطابٌ لِلنَّصارى خاصَّةً.

والثّانِي: أنَّهُ خِطابٌ لِلْيَهُودِ والنَّصارى، لِأنَّ الفَرِيقَيْنِ غَلَوْا فِيالمَسِيحِ، فَقالَتِ النَّصارى: هو الرَّبُّ، وقالَتِ اليَهُودُ: هو لِغَيْرِ رِشْدَةٍ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ.

والغُلُوُّ: مُجاوَزَةُ الحَدِّ، ومِنهُ غَلاءُ السِّعْرِ، إذا جاوَزَ الحَدَّ في الزِّيادَةِ، وغَلا في الدِّينِ، إذا فَرَّطَ في مُجاوَزَةِ الحَقِّ.

﴿ وَلا تَقُولُوا عَلى اللَّهِ إلا الحَقَّ ﴾ يَعْنِي في غُلُوِّهِمْ في المَسِيحِ.

﴿ إنَّما المَسِيحُ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﴾ رَدًّا عَلى مَن جَعَلَهُ إلَهًا، أوْ لِغَيْرِ رِشْدَةٍ [أوْ] ساحِرًا.

﴿ وَكَلِمَتُهُ ألْقاها إلى مَرْيَمَ ﴾ في كَلِمَتِهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: لِأنَّ اللَّهَ كَلَّمَهُ حِينَ قالَ لَهُ كُنْ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ، وقَتادَةَ.

الثّانِي: لِأنَّهُ بِشارَةُ اللَّهِ الَّتِي بَشَّرَ بِها، فَصارَ بِذَلِكَ كَلِمَةَ اللَّهِ.

والثّالِثُ: لِأنَّهُ يُهْتَدى بِهِ كَما يُهْتَدى بِكَلامِ اللَّهِ.

﴿ وَرُوحٌ مِنهُ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ رُوحٌ مِنَ الأرْواحِ، وأضافَهُ اللَّهُ إلى نَفْسِهِ تَشْرِيفًا لَهُ.

والثّانِي: أنَّهُ سُمِّيَ رُوحًا; لِأنَّهُ يَحْيا بِهِ النّاسُ كَما يَحْيَوْنَ بِالأرْواحِ.

والثّالِثُ: أنَّهُ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِنَفْخِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، لِأنَّهُ كانَ يَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ بِإذْنِ اللَّهِ، والنَّفْخُ يُسَمّى في اللُّغَةِ رُوحًا، فَكانَ عَنِ النَّفْخِ فَسُمِّيَ بِهِ ﴿ فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ ولا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ ﴾ في الثَّلاثَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: هو قَوْلُ النَّصارى: أبٌ وابْنٌ ورُوحُ القُدُسِ، وهَذا قَوْلُ بَعْضِ البَصْرِيِّينَ.

والثّانِي: هو قَوْلُ مَن قالَ: آلِهَتُنا ثَلاثَةٌ، وهو قَوْلُ الزَّجّاجِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج أحمد والبخاري والترمذي والنسائي وابن المنذر وابن مردويه عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا أحد أغير من الله، من أجل ذلك حرَّم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا أحد أحب إليه المدح من الله من أجل ذلك مدح نفسه، ولا أحد أحب إليه العذر من الله من أجل ذلك بعث النبيين مبشرين ومنذرين» .

وأخرج أحمد والبخاري ومسلم والحكيم الترمذي عن المغيرة بن شعبة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا شخص أحب إليه العذر من الله ولذلك بعث الرسل مبشرين ومنذرين، ولا شخص أحب إليه المدح من الله ولذلك وعد الجنة» .

وأخرج ابن جرير عن السدي في قوله: ﴿ لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل ﴾ فيقولوا: ما أرسلتَ إلينا رسولاً.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ ﴾ انتصب رسلًا على البدل من قوله: (ورُّسُلًا) (١) (٢) وفي قوله: ﴿ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ ﴾ دليل على أنهم بُعثوا ببيان الطاعة والمعصية؛ لأنهم إنما يبشرون بالثواب على الطاعة، وينذرون بالعقاب على المعصية، ولا يصح ذلك إلا بعد الكشف عنهما.

وفي قوله: ﴿ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ﴾ دليل على أنه لو لم يبعث الرسل لكان للناس حجة في ترك الطاعة والتوحيد والمعرفة، وقد قال في آية أخرى: {وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا} [طه: 134]، فبين أنهم كانوا يحتجون بعدم الرسول لو لم يبعث إليهم (٣) وقوله تعالى: ﴿ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ﴾ أي عزيزًا في اقتداره على إنجاز موعوده على ألسنة رسله، حكيمًا في إرساله وجميع تدبيره.

(١) انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 474، و"مشكل إعراب القرآن" 1/ 213.

(٢) انظر: الطبري 6/ 30، و"إعراب القرآن" للنحاس 1/ 474، و"مشكل إعراب القرآن" 1/ 213.

(٣) انظر: الطبري 306.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ ﴾ منصوب بفعل مضمر أو على البدل ﴿ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى الله حُجَّةٌ بَعْدَ الرسل ﴾ أي بعثهم الله ليقطع حجة من يقول: لو أرسل إليّ رسولاً لآمنت ﴿ لكن الله يَشْهَدُ ﴾ الآية: معناها أنّ الله يشهد بأن القرآن من عنده، وكذلك تشهد الملائكة بذلك، وسبب الآية: إنكار اليهود للوحي، فجاء الاستدراك على تقدير أنهم قالوا: لن نشهد بما أنزل إليك، فقيل: لكن الله يشهد بذلك، وفي الآية من أدوات البيان الترديد، وهو ذكر الشهادة أولاً، ثم ذكرها في آخر الآية ﴿ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ ﴾ في هذا دليل لأهل السنة على إثبات علم الله، خلافاً للمعتزلة في قولهم إنه عالم بلا علم، وقد تأوّلوا الآية بتأويل بعيد.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ لا تعدوا ﴾ بتشديد الدال مع سكون العين: أبو جعفر نافع غير ورش وقرأ ورش مفتوحة العين مشددة.

﴿ بل طبع ﴾ بالإدغام: علي وهشام وأبو عمرو وعن حمزة ﴿ بل رفعه ﴾ مظهراً وبابه: الحلواني عن قالون ﴿ سيؤتيهم ﴾ حمزة وخلف وقتيبة.

الباقون بالنون ﴿ زبوراً ﴾ بضم الزاي حيث كان: حمزة وخلف والباقون بالفتح.

الوقوف: ﴿ بظلمهم ﴾ ج لأن "ثم" لترتيب الأخبار مع أن مراد الكلام متحد.

﴿ عن ذلك ﴾ ج لأن التقدير وقد آتينا.

﴿ مبيناً ﴾ ه ﴿ غليظاً ﴾ 5 ﴿ غلف ﴾ ط ﴿ قليلاً ﴾ ه ص للعطف.

﴿ عظيماً ﴾ ه لا لأنّ التقدير وفي قولهم.

﴿ رسول الله ﴾ ج لأن ما بعده يحتمل ابتداء النفي والحال.

﴿ شبه لهم ﴾ ط ﴿ منه ﴾ ط ﴿ الظن ﴾ ج لاحتمال الاستئناف والحال ﴿ يقيناً ﴾ ج لتقرير نفي القتل بإثبات الرفع ﴿ إليه ﴾ ط ﴿ حكيماً ﴾ ه ﴿ قبل موته ﴾ ط لأن الواو للاستئناف مع اتحاد المقصود.

﴿ شهيداً ﴾ ه ج للآية ولأن قوله: ﴿ فبظلم ﴾ راجع إلى / قوله: ﴿ فبما نقضهم ﴾ ﴿ وقولهم ﴾ متعلق الكل ﴿ حرمنا ﴾ .

﴿ كثيراً ﴾ لا ﴿ بالباطل ﴾ ط ﴿ اليماً ﴾ ه ﴿ واليوم الآخر ﴾ ط ﴿ عظيماً ﴾ ه ﴿ من بعده ﴾ ج للعطف من مع تكرار الفعل.

﴿ وسليمن ﴾ ج لأنّ التقدير وقد آتينا التخصيص داود بإيتاء الزبر.

﴿ زبوراً ﴾ ه ج لأنّ التقدير وقصصنا رسلاً.

﴿ عليك ﴾ ط.

﴿ تكليماً ﴾ ه ج لاحتمال البدل والنصيب على المدح.

﴿ الرسل ﴾ ط ج ﴿ حكيماً ﴾ ه ﴿ بعلمه ﴾ ج لاحتمال ما بعده الاستئناف والحال.

﴿ يشهدون ﴾ ط ﴿ شهيداً ﴾ ه ﴿ بعيداً ﴾ ه ﴿ طريقاً ﴾ ه لا ﴿ أبداً ﴾ ط ﴿ يسيراً ﴾ ه.

التفسير: هذا نوع ثان من جهالات اليهود فإنهم قالوا: إن كنت رسولاً من عند الله فأتنا بكتاب من السماء جملة كما جاء موسى بالألواح.

وقيل: اقترحوا أن ينزل عليهم كتاباً إلى فلان وكتاباً إلى فلان بأنك رسول الله.

وقيل: كتاباً نعاينه حين ينزل.

فإن استكبرت ما سألوه ﴿ فقد سألوا ﴾ بمعنى سأل آباؤهم ومن هؤلاء على مذهبهم ﴿ موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة ﴾ وأنما كان سؤال الرؤية أكبر من سؤال تنزيل الكتاب لأن التنزيل أمر ممكن في ذاته بخلاف رؤية الله عياناً فإنها ممتنعة لذاتها عند المعتزلة، أو ممتنعة في الدنيا عند غيرهم.

وفي قوله: ﴿ من بعد ما جاءتهم البينات ﴾ وجوه: أحدها أن البينات الصاعقة لأنها تدل على قدرة الله  وعلى علمه وعلى قدمه وعلى كونه مخالفاً للأجسام والأعراض، وعلى صدق موسى  في دعوى النبوة.

وثانيها أنها إنزال الصاعقة واحياؤهم بعد إماتتهم.

وثالثها أنها الآيات التسع من العصا واليد وفلق البحر وغيرها.

وفحوى الكلام أن هؤلاء يطلبون منك يا محمد أن تنزل عليهم كتاباً من السماء فاعلم أنهم لا يطلبونه منك إلاّ عناداً ولجاجاً فإن موسى  قد أنزل عليه هذا الكتاب وأنزل عليه سائر المعجزات الباهرة ثم إنهم طلبوا الرؤية على سبيل العناد وأقبلوا على عبادة العجل، وكل ذلك يدل على أنهم مجبولون على اللجاج والعناد والبعد عن طريق الحق ﴿ فعفونا عن ذلك ﴾ حيث لم نستأصل عبدة العجل ﴿ وآتينا موسى سلطاناً مبيناً ﴾ تسلطاً ظاهراً وهو أن أمرهم بقتل أنفسهم، أو المراد قوّة أمره وكمال حاله وانكسار خصومه ففيه بشارة للنبي  بأن هؤلاء الكفار وإن كانوا يعاندونه فإنه بالآخرة يستولي عليهم ويقهرهم.

ثم حكى عنهم سائر جهالاتهم واصرارهم على أباطيلهم منها أنه  رفع الطور بميثاقهم أي بسبب ميثاقهم ليخافوا فلا ينقضوه، ومنها قصة دخولهم الباب باب بيت المقدس، ومنها قصة اعتدائهم في السبت باصطياد السمك وقد مر جميع هذه القصص في سورة البقرة، وقيل: إن العدو ههنا ليس بمعنى الاعتداء وإنما هو بمعنى الحظر والمراد به النهي عن العمل والكسب يوم السبت كأنه قيل لهم: اسكنوا عن العمل في هذا اليوم واقعدوا في منازلكم فأنا / الرزاق.

ثم قال: ﴿ وأخذنا منهم ميثاقاً غليظاً ﴾ أي العهد المؤكد غاية التوكيد على أن يتمسكوا بالتوراة ويعملوا بما فيها ﴿ فبما نقضهم ﴾ "ما" مزيدة للتوكيد أي فبنقضهم وبسبب كذا وكذا ثم قال: ﴿ بل طبع الله عليها ﴾ ردّاً لقولهم قلوبنا أوعية للعلم وتنبيهاًَ على أنه  ختم عليها فلهذا لا يصل أثره الدعوة البيان إليها، أو تكذيباً لادعائهم إن قلوبنا في أكنة وذلك بحسب تفسيري الغلف كما مر في سورة البقرة ﴿ فلا يؤمنون إلاّ ﴾ إيماناً ﴿ قليلاً ﴾ وهو إيمانهم بموسى والتوراة على زعمهم وإلا فالكافر بنبي واحد كافر بجميع الأنبياء فالقلة في الحقيقة بمعنى العدم ﴿ وبكفرهم وقولهم على مريم بهتاناً عظيماً ﴾ فإنكارهم قدرة الله  على خلق الولد من غير أب وكذا إنكارهم نبوة عيسى كفر ونسبتهم الزنا لمريم بهتان عظيم لأنه ظهر لهم عند ولادة عيسى من الكرامات والمعجزات ما دلهم على براءتها من كل سوء ﴿ وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى بن مريم رسول الله ﴾ قالوه على وجه الاستهزاء كقول فرعون ﴿ إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون  ﴾ أو أنه  جعل الذكر الحسن مكان القبيح الذي كانوا يطلقونه عليه من الساحر ابن الساحرة والفاعل ابن الفاعلة.

﴿ وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه ﴾ أي المقتول ﴿ لهم ﴾ لدلالة ذكر قتلنا على المقتول، أو يكون شبه مسنداً إلى الجار والمجرور وهولهم أي وقع لهم التشبيه، ولا يجوز أن يكون في شبه ضمير المسيح لأنه المشبه به وليس بمشبه.

قال أكثر المتكلمين: إن اليهود لما قصدوا قتله رفعه الله إلى السماء فخاف رؤساء اليهود وقوع الفتنة فيما بين عوامهم فأخذوا إنساناً وقتلوه وصلبوه ولبَّسوا على الناس أنه هو المسيح، والناس ما كانوا يعرفون المسيح، إلاّ بالاسم لإنه كان قليل المخالطة مع الناس.

وقيل: إن اليهود لما علموا أنه في البيت الفلاني مع أصحابه, أمر يهوذا رأس اليهود رجلاً من أصحابه ـ يقال له طيطانوس ـ أن يدخل على عيسى ويخرجه ليقتله، فلما دخل عليه أخرج الله  عيسى من سقف البيت وألقى على ذلك الرجل شبه عيسى فخرج فظنوا أنه هو المسيح فصلبوه وقتلوه.

وقيل: وكلوا بعيسى  رجلاً يحرسه وصعد عيسى في الجبل ورفع إلى السماء وألقى الله الشبه على ذلك الرقيب فقتلوه وهو يقول لست عيسى.

وقيل إن رهطاً من اليهود سبوه وسبوا أمه فدعا عليهم: اللهم أنت ربي وبكلمتك خلقتني، اللهم العن من سبني وسب والدتي.

فمسخ الله من سبهما قردة وخنازير، فأجمعت اليهود على قتله فلما هموا بأخذه وكان معه عشرة من أصحابه قال لهم: من يشتري الجنة بأن يلقى عليه شبهي؟

فقال واحد منهم: أنا فألقى الله شبه عيسى عليه فأخرج وقتل ورفع الله عيسى.

وقيل: كان رجل يدعي أنه من أصحاب عيسى وكان منافقاً، فذهب إلى اليهود ودلهم عليه فلما دخل مع اليهود لأخذه / ألقى الله شبهه عليه فقتل وصلب ﴿ وإنّ الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ﴾ قيل: إن المختلفين هم اليهود لما قتلوا الشخص المشبه ونظروا إلى بدنه قالوا: الوجه وجه عيسى والجسد جسد غيره.

وقال السبكي: لما قتلوا اليهودي المشبه مكانه قالوا: إن كان هذا عيسى فأين صاحبنا، وإن كان هذا صاحبنا فأين عيسى؟

وقيل: إن المختلفين هم النصارى وذلك أنهم بأسرهم متفقون على أن اليهود قتلوه إلا أن كبار فرق النصارى ثلاثة: النسطورية والملكانية واليعقوبية.

فالنسطورية زعموا أن المسيح صلب من جهة ناسوته لا من جهة لاهوته وهو قريب من قول الحكماء إنّ القتل والموت يرد على الهيكل لا على النفس المجردة، وعلى هذا فالفرق بين عيسى وبين سائر المصلوبين أن نفسه كانت قدسية علوية مشرقة قريبة من عالم الأرواح فلم يعظم تألمها بسبب القتل وتخريب البدن.

وقالت الملكانية: القتل والصلب وصل إلى اللاهوت بالإحساس والشعور لا بالمباشرة.

وقالت اليعقوبية: القتل والصلب وقع للمسيح الذي هو جوهر متولد من جوهرين، والشك في الأحكام استواء طرفي نقيضه عند الذاكر وقد يطلق عليه الظن وبهذا ذم في قوله: ﴿ ما لهم به من علم إلا اتباع الظن ﴾ وأما العمل بالقياس فليس من اتباع الظن في شيء لأنه عمل بالطرف الراجح، ولأن العلم بوجوب العمل قطعي.

ثم قال: ﴿ وما قتلوه يقيناً ﴾ وإنه يحتمل عدم يقين القتل أي قتلاً يقيناً أو متيقنين.

واليقين عقد جازم مطابق ثابت لدليل ويحتمل يقين عدم القتل على أن ﴿ يقيناً ﴾ تأكيد لقوله: ﴿ وما قتلوه ﴾ أي حق انتفاء قتله حقاً وهذا أولى لقوله: ﴿ بل رفعه الله إليه ﴾ وقيل: هو من قولهم قتلت الشيء علماً إذا تبالغ فيه علمه فيكون تهكماً بهم لأنه نفى عنهم العلم أولاً نفياً كلياً ثم نبه بقوله: ﴿ وكان الله عزيزاً حكيماً ﴾ على أن رفع عيسى إلى السماء بالنسبة إلى قدرته سهل وأن فيه من الحكم والفوائد ما لا يحصيها إلاّ هو.

ثم قال: ﴿ وإن من أهل الكتاب إلاّ ليومننّ به قبل موته ﴾ فقوله: ﴿ إلاّ ليؤمنن به ﴾ جملة قسمية واقعة صفة لموصوف محذوف "وإن" هي النافية.

التقدير: وما من أهل الكتاب أحد إلاّ ليؤمنن به كقوله: ﴿ وما منا إلاّ له مقام معلوم  ﴾ والضمير في ﴿ به ﴾ عائد إلى عيسى، وفي ﴿ موته ﴾ إلى أحد.

عن شهر بن حوشب قال لي الحجاج: آية ما قرأتها إلاّ تخالج في نفسي شيء منها يعني هذه الآية وقال: إني أوتي بالأسير من اليهود والنصارى فأضرب عنقه فلا أسمع منه ذلك.

فقلت: إن اليهودي إذا حضره الموت ضربت الملائكة دبره ووجهه وقالوا: يا عدوّ الله أتاك عيسى نبياً فكذبت به فيقول: آمنت أنه عبد نبي.

وتقول للنصراني: أتاك عيسى نبياً فزعمت أنه الله أو ابن الله فيؤمن به ويقول: إنه / عبد الله ورسوله حيث لا ينفعه إيمانه.

قال: وكان متكئاً فاستوى جالساً فنظر إليّ وقال: ممن قلت؟

قلت: حدثني محمد بن علي ابن الحنفية فأخذ ينكت الأرض بقضيبه ثم قال: لقد أخذتها من عين صافية أو من معدنها.

وعن ابن عباس أنه فسره كذلك فقال له عكرمة: فإن أتاه رجل فضرب عنقه؟

قال: لا تخرج نفسه حتى يحرك بها شفتيه.

قال: وإن خر من فوق بيت أو احترق أو أكله سبع؟

قال: يتكلم بها في الهواء ولا تخرج روحه حتى يؤمن به.

وفائدة هذا الإخبار الوعيد وإلزام الحجة والبعث على معاجلة الإيمان به في أوان الانتفاع، لأنه إذا لم يكن بد من الإيمان به فلأن يؤمنوا به حال التكليف ليقع معتداً به أولى.

وقيل: الضميران في ﴿ به ﴾ وفي ﴿ موته ﴾ لعيسى والمراد بأهل الكتاب الذين يكونون في زمان نزوله.

روي أنه ينزل من السماء في آخر الزمان فلا يبقى أحد من أهل الكتاب إلا يؤمن به حتى تكون الملة واحدة وهي ملة الإسلام، ويهلك الله في زمانه المسيح الدجال وتقع الأمنة حتى ترتع الأسود والنمور مع الإبل والبقر، والذئاب مع الغنم، ويلعب الصبيان بالحيات، ويلبث في الأرض أربعين سنة ثم يتوفى ويصلي عليه المسلمون ويدفنونه.

قال بعض المتكلمين: ينبغي أن يكون هذا عند ارتفاع التكاليف أو بحيث لا يعرف إذ لو نزل مع بقاء التكليف على وجه يعرف أنه عيسى.

فأما أن يكون نبياً - ولا نبي بعد محمد  - أو غير نبي وعزل الأنبياء لا يجوز.

وأجيب بأنه كان نبياً إلى مبعث محمد  وبعد ذلك انتهت مدة نبوته فلا يلزم عزله فلا يبعد أن يصير بعد نزوله تبعاً لمحمد  .

قال في الكشاف: ويجوز أن يراد أنه لا يبقى أحد من جميع أهل الكتاب إلاّ ليؤمن به على أن الله  يحييهم في قبورهم في ذلك الزمان ويعلمهم نزوله وما أنزل له ويؤمنون به حين لا ينفعهم إيمانهم وقيل: الضمير في ﴿ به ﴾ يرجع إلى الله  وقيل إلى محمد  ﴿ ويوم القيامة يكون عليهم شهيداً ﴾ يشهد على اليهود بأنهم كذبوه وعلى النصارى بأنهم دعوه ابن الله وكذلك كل نبي شاهد على أمته.

قوله: ﴿ فبظلم ﴾ التنوين للتعظيم يعني فبأي ظلم ﴿ من الذين هادوا ﴾ والذنوب نوعان: الظلم على الخلق وهو قوله: ﴿ فبظلم من الذين هادوا ﴾ الآية والإعراض عن الدين الحق وهو قوله: ﴿ وبصدّهم عن سبيل الله كثيراً ﴾ أي ناساً كثيراً أو صداً كثيراً.

ومن هذا القبيل أخذ الربا بعد النهي عنه وأكل أموال الناس بالباطل أي بالرشا على التحريف؛ فهذه الذنوب هي الموجبة للتشديد عليهم في الدنيا والآخرة.

أما في الدنيا فتحريم بعض المطاعم الطيبة كما يجيء في سورة الأنعام: ﴿ وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر  ﴾ الآية وأما في الآخرة فقوله: ﴿ وأعتدنا للكافرين منهم عذاباً أليماً ﴾ واعلم أن في متعلق قوله: ﴿ فبما نقضهم ﴾ وما عطف عليه قولين: الأوّل أنه محذوف والتقدير: فبنقضهم وبكذا وكذا لعنّاهم أو سخطنا عليهم أو نحو ذلك ثم استأنف قوله: / ﴿ فبظلم ﴾ ومتعلقه ﴿ حرمنا ﴾ وكذا متعلق المعطوفات بعده.

الثاني أن متعلق الكل ﴿ حرمنا ﴾ وقوله: ﴿ فبظلم ﴾ بدل من قوله: ﴿ فبما نقضهم ﴾ قاله الزجاج.

ويرجح الأوّل بأن حذف المتعلق أفخم ليذهب الوهم كل مذهب، ولأنّ تحريم الطيبات عقوبة خفيفة فلا يحسن تعليقها بتلك الجنايات العظائم.

قلت: لو جعل قوله: ﴿ وأعتدنا ﴾ معطوفاً على ﴿ حرمنا ﴾ زال هذا الإشكال، أما تكرار الكفر في الآيات ثلاث مرات ويلزم من عطف الثالث على الأوّل أو على الثاني عطف الشيء على نفسه فقد أجاب عنه في الكشاف بأنه قد تكرر منهم الكفر لأنهم كفروا بموسى ثم بعيسى ثم بمحمد  فعطف بعض كفرهم على بعض، أو عطف مجموع المعطوف على مجموع المعطوف عليه كأنهم قيل: فبجمعهم بين نقض الميثاق والكفر بآيات الله، وقتل الأنبياء عليهم السلام، وقولهم قلوبنا غلف، وجمعهم بين كفرهم وبهتهم مريم وافتخارهم بقتل عيسى، عاقبناهم أو بل طبع الله عليها بكفرهم وجمعهم بين كفرهم وكذا وكذا.

ثم وصف طريقة المؤمنين المحقين منهم فقال: ﴿ لكن الراسخون في العلم منهم ﴾ يعني عبدالله بن سلام وأضرابه ممن نبت في العلم وثبت وأتقن واستبصر حتى حصلت له المعارف بالاستدلال واليقين دون التقليد والتخمين، لأن المقلد يكون بحيث إذا شكك تشكك، أما المستدل فإنه لا يتشكك ألبتة ﴿ والمؤمنون ﴾ يريد المؤمنين منهم أو المؤمنين من المهاجرين والأنصار.

والراسخون مبتدأ و ﴿ يؤمنون ﴾ خبره.

أما قوله: ﴿ والمقيمين الصلاة ﴾ ففيه أقوال: الأوّل روي عن عثمان وعائشة أنهما قالا: إن في المصحف لحناً وستقيمه العرب بألسنتها، ولا يخفى ركاكة هذا القول لأن هذا المصحف منقول بالتواتر عن رسول الله  فكيف يمكن ثبوت اللحن فيه؟

الثاني قول البصريين إنه نصب على المدح لبيان فضيل الصلاة ﴿ والمؤتون الزكاة ﴾ رفع على المدح لبيان فضل الزكاة كقولك: جاءني قومك المطعمين في المحل والمغيثون في الشدائد.

فتقدير الآية أعني المقيمين الصلاة وهم المؤتون الزكاة ﴿ والمؤمنون بالله واليوم الآخر ﴾ وطعن الكسائي في هذا القول بأن النصب على المدح إنما يكون بعد تمام الكلام وههنا الخبر وهو قوله: ﴿ أولئك ﴾ إلخ منتظر.

والجواب أن الخبر ﴿ يؤمنون ﴾ ولو سلم فما الدليل على أنه لا يجوز الاعتراض بالمدح بين المبتدأ وخبره؟

الثالث وهو اختيار الكسائي أن المقيمين خفض للعطف على ما في قوله: ﴿ إنما أنزل إليك ﴾ والمراد بهم الأنبياء لأنه لم يخل شرع واحد منهم من الصلاة قال  : ﴿ وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة  ﴾ أو الملائكة لقوله: ﴿ وإنا لنحن الصافون  ﴾ واعلم أن العلماء ثلاثة أقسام: العلماء بأحكام الله وتكاليفه وشرائعه، والعلماء بذات الله وصفاته الواجبة والممتنعة وأحوال / المبدإ والمعاد، والعلماء الجامعون بين العلمين المذكورين مع العمل بما يجب العمل به وهم الراسخون في العلم وأنهم أكابر العلماء، وإلى الأقسام الثلاثة أشار بقوله  : " جالس العلماء وخالط الحكماء ورافق الكبراء" اللهم اجعلنا من زمرتهم بفضلك يا مستعان.

ثم إنه  عاد إلى الجواب عن سؤال اليهود وهو اقتراح نزول الكتاب جملة فقال: ﴿ إنا أوحينا إليك ﴾ الآية.

فبدأ بذكر نوح  لأنه أول من شرع الله على لسان الأحكام والحلال والحرام، ثم قال: ﴿ والنبيين من بعده ﴾ ثم خص بعض النبيين بالذكر لكونهم أفضل من غيرهم، ولم يذكر فيهم موسى لأن المقصود من تعداد هؤلاء الأنبياء أنهم كانوا رسلاً مع أن واحداً منهم ما أوتي كتاباً مثل التوراة دفعة واحدة.

ثم ختم ذكر الأنبياء بقوله: ﴿ وآتينا داود زبوراً ﴾ يعني أنكم اعترفتم، أن الزبور من عند الله، ثم إنه ما نزل على داود جملة واحدة وهذا إلزام حسن قوي والزبور كتاب داود  .

من قرأ بضم الزاي فعلى أنه جمع زبر وهو الكتاب كقدر وقدور.

ثم قال: ﴿ ورسلاً قد قصصناهم عليك من قبل ورسلاً لم نقصصهم عليك ﴾ والمعنى أنه  إنه ذكر أحوال بعض الأنيباء في القرآن والأكثرون غير مذكورين على سبيل التفصيل ﴿ وكلم الله موسى تكليماً ﴾ هذا أيضاً من تتمة الجواب.

والمراد أنه بعث كل هؤلاء الأنبياء والرسل وخص موسى  بشرف التكليم معهم ولم يلزم منه الطعن في سائر الأنبياء فكيف يلزم الطعن بإنزال التوراة عليه دفعة وإنزال غيرها على غيره منجماً ﴿ رسلاً مبشرين ومنذرين ﴾ يعني أن المقصود من بعثة الأنبياء إلزام التكاليف بالإنذار والتبشير، وقد يتوقف هذا المطلوب على إنزال الكتب وقد يكون إنزال الكتاب منجماً مفرقاً أقرب إلى المصلحة لأنه إذا نزل جملة كثرة التكاليف فيثقل القبول كما ثقل على قوم موسى فعصوا.

ثم ختم الآية بقوله: ﴿ وكان الله عزيزاً حكيماً ﴾ والمعنى أن عزته تقتضي أن لا يجاب المتعنت إلى مطلوبه وإن كان أمراً هيناً في القدرة وكذلك حكمته تقتضي هذا الامتناع، لأنه لو فعل ذلك لأصروا على اللجاج في كل قضية.

واحتج الأشاعرة بالآية على أن معرفة الله لا تثبت إلاّ بالسمع لقوله: ﴿ لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل ﴾ فيكون قبل البعثة لهم حجة في ترك الطاعات والمعارف.

وأجابت المعتزلة بأن الرسل منبهون عن الغفلة وباعثون على النظر وكان إرسالهم إزاحة للغفلة وتتميماً لإلزام الحجة مع إفادة تفصيل أمور الدين وبيان أحوال التكليف وتعليم الشرائع.

والمعتزلة قالوا: في الآية دلالة على امتناع تكليف ما لا يطاق لأن عدم إرسال الرسل إذا كان يصلح عذراً فبأن يكون عدم القدرة والمكنة صالحاً للعذر أولى وعورض.

وأيضاً قالوا: الآية تدل على أن العبد قد يحتج على الرب فيبطل قول أهل السنة إنه لا / اعتراض عليه لأحد.

وأجيب بأنه يشبه الحجة وليس حجة في الحقيقة.

قوله: ﴿ لكن الله يشهد ﴾ لا بد له من مستدرك لأن ﴿ لكن ﴾ لا يبتدأ به.

وفي ذلك المستدرك وجهان: أحدهما أن هذه الآيات بأسرها جواب عن قول اليهود لو كان نبياً لنزل عليه الكتاب جملة، وهذا الكلام يتضمن أنه هذا القرآن ليس كتاباً نازلاً عليه من السماء فلا جرم قيل: ﴿ لكن الله يشهد ﴾ بأنه نازل عليه من السماء.

الثاني أنه  لما قال: ﴿ إنا أوحينا إليك ﴾ قال القوم: نحن لا نشهد لك بذلك فنزل ﴿ لكن الله يشهد ﴾ ومعنى شهادة الله إنزال القرآن بحيث عجز عن معارضته الأولون والآخرون أي يشهد لك بالنبوة بواسطة هذا القرآن الذي أنزله إليك.

ثم فسر ذلك وأوضح بقوله: ﴿ أنزله بعلمه ﴾ أي متلبساً بعلمه الخاص الذي لا يعلمه غيره، أو بسبب علمه الكامل مثل: كتبت بالقلم وهذا كما يقال في الرجل المشهور بكمال الفضل إذا صنف كتاباً واستقصى في تحريره إنما صنف هذا بكمال علمه يعني أنه اتخذ جملة علومه آلة ووسيلة إلى تصنيف ذلك الكتاب، أو أنزله وهو عالم بأنك أهل لإنزاله إليك وأنك مبلغه، أو أنزله بما علم من مصالح العباد فيه، أو أنزله وهو عالم به رقيب عليه حافظ له من شياطين الجن والإنس ﴿ والملائكة يشهدون ﴾ لأنهم لا يسبقونه بالقول فشهادته تستتبع شهادتهم ومن صدقه رب العالمين وملائكة السموات والأرضين لم يلتفت إلى تكذيب أخس الناس إياه ﴿ وكفى بالله شهيداً ﴾ وإن لم يشهد غيره ﴿ إن الذين كفروا ﴾ بمحمد  والقرآن ﴿ وصدوا ﴾ غيرهم ﴿ عن سبيل الله ﴾ بإلقاء الشبهات كقولهم: لو كان رسولاً لأنزل عليه القرآن دفعة كما نزلت التوراة على موسى، وكقولهم إن شريعة موسى لا تنسخ وإن الأنبياء لا يكونوا إلاّ من ولد هارون وداود ﴿ قد ضلوا ضلالاً بعيداً ﴾ لأن غاية الضلال أن ينضم معه الإضلال.

﴿ إنّ الذين كفروا وظلموا ﴾ محمداً  بكتمان بعثته أو عوامهم بإلقاء الشبهات في قلوبهم.

ومعنى قوله: ﴿ ولا ليهديهم طريقاً ﴾ أنهم لا يسلكون إلاّ الطريق الموصل إلى جهنم أو لا يهديهم يوم القيامة إلاّ طريقها.

والعامل في ﴿ خالدين ﴾ معنى لا ليهديهم أي يعاقبهم أو يدخلهم النار خالدين.

﴿ وكان ذلك على الله يسيراً ﴾ لأنه لا صارف له عن ذلك ولا يتعذر عليه إيصال الألم إليه شيئاً بعد شيء إلى غير النهاية.

واللام في ﴿ الذين ﴾ إما لقوم معهودين علم الله منهم أنهم يموتون على الكفر، وإما للاستغراق فيجب أن يضمر شرط عدم التوبة.

وحمل المعتزلة قوله: ﴿ وظلموا ﴾ على أصحاب الكبائر بناء على أنه لا فرق عندهم بين الكافر وصاحب الكبيرة في أنه لا يغفر لهما إلاّ بالتوبة.

التأويل: ﴿ أرنا الله جهرة ﴾ لعل خرة موسى بلن تراني كانت بشؤم القوم وما كان في انفسهم من سوء أدب هذا السؤال لئلا يطمعوا في مطلوب لم يعطه نبيهم، فما اتعظوا بحالة نبيهم لأنهم كانوا أشقياء والسعيد من وعظ بغيره.

فكلما زاد عنادهم زاد بلاؤهم وابتلاؤهم / كرفع الطور فوقهم وغير ذلك.

قال أهل الإشارة: ارتكاب المحظورات يوجب تحريم المباحات والطيبات التي أحلت لهم ولأزواجهم الطيبين قبل التلوث بقذر المخالفات والإسراف في المباحات يستتبع حرمان المناجاة والقربات ﴿ لكن الراسخون في العلم ﴾ هم الذين رسخوا بقدمي الصدق والعمل في العلم إلى أن بلغوا معادن العلوم فاتصلت علومهم الكسبية بالعلوم العطائية واللدنية ﴿ إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده ﴾ أي كل ما أوحينا إليك من سر ﴿ فأوحى إلى عبده ما أوحى  ﴾ ﴿ ورسلاً قد قصصناهم عليك من قبل ﴾ أي ليلة المعراج ﴿ ورسلاً لم نقصصهم عليك  ﴾ الآن في القرآن مفصلة ﴿ أنزله بعلمه ﴾ تجلى له بصفة العالمية حتى علم بعلمه ما كان وما سيكون ﴿ والملائكة يشهدون ﴾ على تلك الخلوة وإن لم يكونوا معك في الخلوة ﴿ وكفى بالله شهيداً ﴾ على ما جرى.

قد كان ما كان سراً لا أبوح به *** ظن خيراً ولا تسأل عن الخبر <div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ كَمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ نُوحٍ وَٱلنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ ﴾ .

قيل فيه بوجوه: قيل: قوله: ﴿ كَمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ نُوحٍ ﴾ الكاف صلة زائدة، ومعناه: إنا أوحينا إليك ما أوحينا إلى نوح ومن ذكر من بعده، أي: لا يختلف ما أنزل إليك وما أنزل إلى غيرك من الرسل؛ وهو كقوله -  -: ﴿ وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ ٱلأَوَّلِينَ  ﴾ ، ﴿ إِنَّ هَـٰذَا لَفِي ٱلصُّحُفِ ٱلأُولَىٰ ﴾ \[الآية\] [الأعلى: 18].

وقيل: ﴿ إِنَّآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ ﴾ من الحجج والآيات "كما أوحينا إلى نوح" ومن ذكر من الحجج والآيات على صدق ما ادعوا، أي: قد أعطاك [الله] من الحجج والآيات ما يدل على رسالتك ونبوتك؛ كما أعطى أولئك من الحجج والآيات على صدق ما ادعوا من الرسالة والنبوة، ثم لم يؤمنوا.

وقيل: إن اليهود قالوا: إن محمداً لو كان رسولا - لكان يؤتى كتاباً جملة، كما أوتي موسى كتاباً جملة من غير وحي؛ فقال -  -: ﴿ إِنَّآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ كَمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ نُوحٍ وَٱلنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ ﴾ وحياً من غير أن أوتي كلٌّ منهم كتاباً جملة كما أوتي موسى، ثم كان أولئك رسلاً؛ فعلى ذلك محمد  رسول وإن لم يؤت كتاباً كما أوتي موسى، ولله أن يفعل ذلك: يؤتي من شاء كتاباً جملة مرة، ومن شاء يوحي إليه بالتفاريق، والله أعلم بذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ...

﴾ ومن ذكر.

يحتمل ذكر إبراهيم ومن ذكر من أولاده بعد قوله: ﴿ إِنَّآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ كَمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ نُوحٍ وَٱلنَّبِيِّينَ ﴾ - على التخصيص لإبراهيم ومن ذكر؛ لأنه ذكر النبيين [من] بعد نوح؛ فدخلوا فيه، ثم خصهم بالذكر؛ تفضيلاً وتخصيصاً لهم.

ويحتمل أن يكون قوله -  -: ﴿ وَٱلنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ ﴾ : الرسل الذين كانوا بعد نوح قبل إبراهيم، ثم ابتدأ الكلام فقال: ﴿ وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ...

﴾ ومن ذكر.

وفي حرف حفصة -  ا -: "إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح، وكما أوحينا إلى الرسل من بعدهم، وكما أوحينا إلى إبراهيم"؛ فهذا يدل على ما ذكرنا من ابتداء الذكر لهم، والله أعلم.

والآية ترد على القرامطة مذهبهم؛ لأنهم يقولون: الرسلت ستة، سابعهم قائم الزمان؛ لأنه ذكر في الآية من الرسل أكثر من عشرة؛ فظهر كذبهم بذلك، ومخايلهم التي سول لهم الشيطان وزين في قلوبهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلاً لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ ﴾ ذكر في بعض القصة: أن اليهود قالوا: ما بال موسى لم يذكر فيمن ذكر من الأنبياء؛ فأنزل الله - عز وجل -: ﴿ وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ ﴾ هؤلاء بمكة في "الأنعام" وفي غيرها؛ لأنه قيل: إن هذه السورة مدنية.

ثم في قوله: ﴿ وَرُسُلاً لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ ﴾ دلائل من وجوه: أحدها: أن معرفة الرسل بأجمعهم واحداً بعد واحد - ليس من شرط الإيمان بعد أن يؤمن بهم جميعاً؛ لأنه أخبر - عز وجل - أن من الرسل من لم يقصصهم عليه، ولو كان معرفتهم من شرط الإيمان لقصهم عليه جميعاً، لا يحتمل ترك ذلك؛ دل أنه ليس ذلك من شرط الإيمان، والله أعلم.

والثاني: أن الإيمان ليس هو المعرفة، ولكنه التصديق؛ لأنه لم يؤخذ عليه عدم معرفة الرسل، وأخذ بتصديقهم والإيمان بهم جملة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَلَّمَ ٱللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيماً ﴾ .

اختلف فيه: قال بعضهم: خلق الله كلاماً وصوتاً، وألقى ذلك في مسامعه.

وقال آخرون: كتب له كتاباً فكلمه بذلك؛ فذلك معنى قوله: ﴿ وَكَلَّمَ ٱللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيماً ﴾ لا أن كلمه بكلامه، ولا ندري كيف كان؟

سوى أنا نعلم أنه أحدث صوتاً لم يكن، فأسمع موسى ذلك كيف شاء، وما شاء، وممن شاء؛ لأن كلامه الذي هو موصوف به في الأزل لا يوصف بالحروف، ولا بالهجاء، ولا بالصوت، ولا بشيء مما يوصف به كلام الخلق بحال.

وما يقال: هذا كلام الله - إنما يُقال على الموافقة والمجاز؛ كقوله: ﴿ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلاَمَ ٱللَّهِ  ﴾ ، ولا سبيل له أن يسمع كلام الله الذي هو موصوف به بالأزل؛ ولكنه على الموافقة والمجاز يقال ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَلَّمَ ٱللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيماً ﴾ يخرج هذا - والله أعلم - مخرج التخصيص له؛ إذ ما من رسول إلا وقد كان له خصوصية، [والكلام خصوصية] لموسى -  - إذ كلمه من غير أن كان ثمة سفير ورسول، وكان لسائر الرسل وحياً يوحي إليهم؛ أي: دليل برسول، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَلَّمَ ٱللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيماً ﴾ دل المصدر على تحقيق الكلام؛ إذ المصادر مما يؤكد حقائق ما له المصادر في موضوع اللغة، وأيد ذلك الأمر المشهور من تسمية موسى: كليم الله، وما جرى على ألسن الخلق من القول بأن الله كلم موسى؛ فثبت أنه كان له فيما كلمه خصوصية لم يشركه فيها غيره من الرسل، وعلى حق الوحي وإنزال الكتب له شركاء في ذلك من الرسل؛ فثبت أن لما وصف به موسى خصوصية باين بها غيره؛ على ما ذكره من خصوصية كثير من الرسل بأسماء أو نعوت أوجبت لهم الفضيلة بها، وإن كان حمل ما يحتمل تلك الخصوصية - قد يتوجه إلى ما قد يشترك في ذلك جملة الرسل؛ فعلى ذلك أمر تكليم موسى  .

وقوله - عز جل -: ﴿ رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ ﴾ .

أخبر أنه بعث الرسل بالبشارة في العاقبة لمن أطاعه، والإنذار لمن عصاه؛ فهذا ليعلم أن كل أمر لا عاقبة له فهو عبث، ليس من الحكمة، وأن الذي دعا الرسلُ الخلق إليه إنما دعوا لأمر له عاقبة؛ إذ في عقل كل أحد أن كل أمر لا عاقبة له ليس بحكمة؛ فهذا - والله أعلم - معنى قوله: ﴿ مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ  ﴾ [مبشرين] لمن أطاع الله بالجنة، ومنذرين لمن عصاه بالنار.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى ٱللَّهِ حُجَّةٌ ﴾ .

يحتمل هذا وجهين: يحتمل: لئلا يكون للناس على الله -  - الاحتجاج بأنه لم يرسل الرسل إلينا، وإن لم يكن لهم في - الحقيقة - عند الله -  - ذلك؛ فيقولوا: ﴿ لَوْلاۤ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخْزَىٰ  ﴾ .

ويحتمل قوله -  -: ﴿ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى ٱللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ ٱلرُّسُلِ ﴾ حقيقة الحجة، لكن ذلك إنما يكون في العبادات والشرائع التي سبيل معرفتها السمع لا العقل، وأما الدين فإن سبيل لزومه بالعقل؛ فلا يكون لهم في ذلك على الله حجة؛ إذ في خلقة كل أحد من الدلائل ما لو تأمّل وتفكر فيها لدلته على هيبته، وعلى وحدانيته وربوبيته؛ لكن بعث الرسل لقطع الاحتجاج لهم عنه، وإن لم تكن لهم الحجة.

وإن كان على حقيقة الحجة فهو في العبادات والشرائع؛ فبعث الرسل على قطع الحجة لهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً ﴾ .

أي: لا يعجزه شيء عن إعزاز من أراد أن يعزه، ولا على إذلال من أراد إذلاله.

﴿ حَكِيماً ﴾ : يعرف وضع كل شيء موضعه.

وقد ذكرنا تأويله في غير موضع.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَّـٰكِنِ ٱللَّهُ يَشْهَدُ بِمَآ أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَٱلْمَلاۤئِكَةُ يَشْهَدُونَ ﴾ .

قيل فيه بوجهين: قيل: يشهد الله يوم القيامة - والملائكة يشهدون أيضاً - أن [هذا] القرآن الذي أنزل إليك إنما أنزل من عند الله، لا كما يقولون: ﴿ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ  ﴾ ، ﴿ مَا هَـٰذَآ إِلاَّ إِفْكٌ مُّفْتَرًى  ﴾ ، ﴿ إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ ٱخْتِلاَقٌ  ﴾ كما قالوا.

وقيل: قوله: ﴿ لَّـٰكِنِ ٱللَّهُ يَشْهَدُ بِمَآ أَنزَلَ إِلَيْكَ ﴾ أي: يبين بالآيات والحجج التي يعجز الخلائق عن إتيان مثلها، وتلزمهم الإقرار بأنه إنما أنزل من عند الله، والله أعلم.

وقوله - عزو جل -: ﴿ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ ﴾ يحتمل وجهين: أنزله بالآيات والحجج ما يعلم أنها آيات الربوبية والحجج السماوية.

ويحتمل: ﴿ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ ﴾ أي: أنزله على علم منه بمن يقبل ومن لا يقبل، ليس كما يبعث ملوك الأرض بعضهم إلى بعض رسائل وهدايا لا يعلمون قبولها ولا ردها، ولا علم لها بمن يقبلها وبمن يردها، ولو كان لهم بذلك علم ما أرسلوا الرسل، ولا بعثوا الهدايا؛ إذا علموا أنهم لا يقبلون؛ فأخبر - عز وجل - أنه على علم منه أنزل بمن يقبل وبمن يرد، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً ﴾ .

أي: شاهداً على ما ذكرنا من شهادته يوم القيامة على أحد التأويلين أنه أنزله.

ويحتمل قوله: ﴿ شَهِيداً ﴾ أي: مبيناً، أي: كفى بالله مبيناً بالآيات والحجج.

وعن ابن عباس -  - قال: لما أنزل الله: ﴿ لَّـٰكِنِ ٱلرَّاسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ مِنْهُمْ  ﴾ إلى قوله : ﴿ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى ٱللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ ٱلرُّسُلِ...

﴾ الآية [النساء: 165] - قالت قريش: من يشهد لك أن ما تقول حق؛ فأنزل الله -  -: ﴿ لَّـٰكِنِ ٱللَّهُ يَشْهَدُ بِمَآ أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَٱلْمَلاۤئِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً ﴾ ، وأنزل ﴿ قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَٰدةً قُلِ ٱللَّهُ شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ ﴾ الآية [الأنعام: 19].

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

أرسلناهم مبشرين بالثواب الكريم من آمن بالله، ومُخوِّفين من كفر به من العذاب الأليم، حتى لا تكون للناس حجة على الله بعد إرسال الرسل يعتذرون بها، وكان الله عزيزًا في ملكه حكيمًا في قضائه.

<div class="verse-tafsir" id="91.ww26z"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

يقال في سبب النزول: إنه اجتمع نفر من المسلمين واليهود والنصارى وتكلم كل في تفضيل دينه فنزل قوله تعالى: ﴿ لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ  ﴾ الآية، والمعنى بناء على ذلك: ليس شرف الدين وفضله ولا نجاة أهله به أن يقول القائل منهم إن ديني أفضل وأكمل، وأحق وأثبت، وإنما عليه إذا كان موقنًا به أن يعمل بما يهديه إليه فإن الجزاء إنما يكون على العمل لا على التمني والغرور، فلا أمر نجاتكم أيها المسلمون منوطًا بأمانيكم في دينكم، ولا أمر نجاة أهل الكتاب منوطًا بأمانيهم في دينهم، فإن الأديان ما شرعت للتفاخر والتباهي، ولا تحصل فائدتها بمجرد الانتماء إليها والتمدح بها بلوك الألسنة والتشدق في الكلام، بل شرعت للعمل، والآية مرتبطة بما قبلها سواء صح ما روي في سبب نزولها أم لم يصح، لأن قوله تعالى: ﴿ يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ  ﴾ في الآيات التي قبلها يدخل فيه الأماني التي كان يتمناها أهل الكتاب غرورًا بدينهم إذ كانوا يرون أنهم شعب الله الخاص ويقولون إنهم أبناء الله وأحباؤه وأنه لن تمسهم النار إلا أيامًا معدودة، وأنه لن يدخل الجنة إلا من كان هودًا أو نصارى، وغير ذلك مما يقولون ويدعون، وإنما سرى هذا الغرور إلى أهل الأديان من اتكالهم على الشفاعات، وزعمهم أن فضلهم على غيرهم من البشر بمن بعث فيهم من الأنبياء لذاتهم، فهم بكرامتهم يدخلون الجنة وينجون من العذاب لا بأعمالهم، فحذرنا الله أن نكون مثلهم، وكانت هذه الأماني قد دبت إلى المسلمين في عصر النبي  بدليل قوله تعالى في سورة الحديد: ﴿ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ  ﴾ الآية، فهذا خطاب للذين كانوا ضعفاء الإيمان من المسلمين في العصر الأول ولأمثالهم في كل زمان والله عليم بما كانوا عليه حين أنزل هذه الموعظة وبما آل وما يؤول إليه أمرهم بعد ذلك، ولو تدبروا قوله لما كان لأمثال هذه الأماني عليهم من سلطان فقد بين لهم طرق الغرور ومداخل الشيطان فيها.

وقد روي حديث عن الحسن: "ليس الإيمان بالتمني ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل"، وقال الحسن: إن قومًا غرتهم المغفرة فخرجوا من الدنيا وهم مملؤون بالذنوب ولو صدقوا لأحسنوا العمل.

إن كثيرًا من الناس يقولون تبعًا لمن قبلهم في أزمنة مضت: إن الإسلام أفضل الأديان، أي دين أصلح إصلاحه؟

أي دين أرشد إرشاده؟

أي شرع كشرعه في كماله؟

ولو سئل الواحد منهم ماذا فعل الإسلام؟

وبماذا يمتاز على غيره من الأديان؟

لا يحير جوابًا.

وإذا عرضت عليه شبهة على الإسلام وسئل كشفها حاص حيصة الحمر وقال أعوذ بالله، أعوذ بالله، والضال يبقى على ضلاله، والطاعن في الدين يتمادى في طعنه، والمغرور يسترسل في غروره، فالكلام كثير ولا علم ولا عمل يرفع شأن الإسلام والمسلمين.

﴿ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ  ﴾ وإذا طبقنا المسألة على سنة الله التي لا تبديل لها ولا تحويل علمنا أن مصائب الدنيا تكون جزاء على ما يقصر فيه الناس من السير على سنن الفطرة وطلب الأشياء من أسبابها، واتقاء المضرات باجتناب عللها، ﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ  ﴾ .

﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا  ﴾ تقدم في الآيات السابقة وصف الضالين الذين لا يستعملون عقولهم في فهم الدين وآياته وذكر حظ الشيطان منهم وإشغاله بالأماني الخادعة، ثم بين أن أمر الآخرة ليس بالأماني وإنما هو بالعمل والإيمان، وأن العبرة عند الله بالقلوب والأعمال، والحقيقة واحدة لا تختلف باختلاف الأوقات والأحوال، ولا تتبدل بتبديل الأجيال والآجال، ثم زاد هذا بيانا بهذه الآية فبيّن أن صفوة الأديان التي ينتحلها الناس هي ملة إبراهيم في إخلاص التوحيد وإحسان العمل، وعبر عن توجه القلب بإسلام الوجه لأن الوجه أعظم مظهر لما في النفس من الإقبال والإعراض، والخشوع والسرور والكآبة وغير ذلك، وقد يظهر بعض الناس الخضوع أو الاحترام للآخر بإشارة اليد ولكن هذا يكون بالتعمل ويعرف بالمواضعة، وما يظهر في الوجه هو الفطري الذي يدل على السريرة وهو يتمثل في كل جزء منه كالعينين والجبهة والحاجبين والأنف والحركة، فإسلام الوجه لله هو تركه له بأن يتوجه إليه وحده في طلب حاجاته وإظهار عبوديته، وهو كمال التوحيد وأعلى درجات الإيمان.

وأما الإحسان فهو إحسان العمل -خلافًا (للجلال) فيهما إذا عكس- واتباع ملة إبراهيم يراد به فيما يظهر ما أشار إليه في قوله  : ﴿ شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ  ﴾ فإقامة الدين مرتبة فوق مرتبة التدين المطلق وهي العمل به على وجه الكمال بحيث يقوم بناؤه ويثبت، وعدم التفرق فيه والتعادي بين أهله، ﴿ وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا  ﴾ أي اصطفاه لتوحيده وإقامه دينه في زمن وبلاد غلبت عليها الوثنية، وقوم أفسد الشرك عقولهم ودنس فطرتهم، فكان إبراهيم خالصًا مخلصًا لله، وبهذا المعنى سماه الله خليلاً، وإذا أراد الله أن يكرم عبدًا من عباده أطلق عليه ما شاء، وإلا فإن المعنى المتبادر من لفظ الخليل في استعمالنا له يتنزه الله عنه فإن الخلة بين الخليلين إنما تتحقق بشيء من المساواة بينهما وهي من مادة التخلل الذي هو بمعنى الامتزاج والاختلاط.

﴿ وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا  ﴾ ختم هذا السياق بهذه الآية لفوائد: إحداها: التذكير بقدرته تعالى على إنجاز وعده ووعيده في الآيات التي قبلها فإن له ما في السموات والأرض خلقًا وملكًا وهو أكرم من وعد وأقدر من أوعد.

ثانيها: بيان الدليل على أنه المستحق وحده لإسلام الوجه له والتوجه إليه في كل حال، وهذا هو روح الدين وجوهره لأنه هو المالك لكل شيء وغيره لا يملك بنفسه شيئًا، فكيف يتوجه العاقل إلى من لا يملك شيئًا ويترك التوجه إلى مالك كل شيء أو يشرك به غيره في التوجه ولو لأجل قربة منه؟

ثالثها: نفى ما ربما يسبق إلى بعض الأذهان من اللوازم العادية في اتخاذ الله إبراهيم خليلاً- كأن يتوهم أحد أن هنالك شيئًا من المناسبة أو المقاربة في حقيقة الذات أو الصفات، فبين تعالى أن كل ما في السموات والأرض ملك له ومن خلقه مهما اختلفت صفات تلك المخلوقات ومراتبها في أنفسها وبنسبة بعضها إلى بعض، فإذا هي نسبت إليه فهو الخالق المالك المعبود وهي مخلوقات مملوكة عابدة له خاضعة لأمره التكويني ﴿ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا  ﴾ .

فسروا الإحاطة بالقدرة والقهر ويصح أن يكون إحاطة وجود لأن هذه الموجودات ليس وجودها من ذاتها، ولا هي ابتدعت نفسها وإنما وجودها مستمد من ذلك الوجود الواجب الأعلى فالوجود الإلهي هو المحيط بكل موجود فوجب أن يخلص الخلق له ويتوجه إليه العباد وحده ولا يشركوا به أحدًا من خلقه.

متفرقات آيات من سورة الحج [مسألة الغرانيق].

الترتيب والتعقيب -الشفاعة- والتكرار: في القرآن.

آية من سورة الأحزاب [مسألة زيد وزينب].

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله