الآية ١٦٦ من سورة النساء

الإسلام > القرآن > سور > سورة 4 النساء > الآية ١٦٦ من سورة النساء

لَّـٰكِنِ ٱللَّهُ يَشْهَدُ بِمَآ أَنزَلَ إِلَيْكَ ۖ أَنزَلَهُۥ بِعِلْمِهِۦ ۖ وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ يَشْهَدُونَ ۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدًا ١٦٦

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 87 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٦٦ من سورة النساء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٦٦ من سورة النساء عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

لما تضمن قوله تعالى : ( إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده ) إلى آخر السياق ، إثبات نبوته صلى الله عليه وسلم والرد على من أنكر نبوته من المشركين وأهل الكتاب ، قال الله تعالى : ( لكن الله يشهد بما أنزل إليك ) أي : وإن كفر به من كفر به ممن كذبك وخالفك ، فالله يشهد لك بأنك رسوله الذي أنزل عليه الكتاب ، وهو : القرآن العظيم الذي ( لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد ) [ فصلت : 42 ] ; ولهذا قال : ( أنزله بعلمه ) أي : فيه علمه الذي أراد أن يطلع العباد عليه ، من البينات والهدى والفرقان وما يحبه الله ويرضاه ، وما يكرهه ويأباه ، وما فيه من العلم بالغيوب من الماضي والمستقبل ، وما فيه من ذكر صفاته تعالى المقدسة ، التي لا يعلمها نبي مرسل ولا ملك مقرب ، إلا أن يعلمه الله به ، كما قال [ تعالى ] ( ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء ) [ البقرة : 255 ] ، وقال ( ولا يحيطون به علما ) [ طه : 110 ] .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا علي بن الحسين ، حدثنا الحسن بن سهل الجعفري وخزز بن المبارك قالا حدثنا عمران بن عيينة ، حدثنا عطاء بن السائب قال : أقرأني أبو عبد الرحمن السلمي القرآن ، وكان إذا قرأ عليه أحدنا القرآن قال : قد أخذت علم الله ، فليس أحد اليوم أفضل منك إلا بعمل ، ثم يقرأ : ( أنزله بعلمه والملائكة يشهدون وكفى بالله شهيدا ) وقوله ( والملائكة يشهدون ) أي : بصدق ما جاءك وأوحي إليك وأنزل عليك ، مع شهادة الله تعالى لك بذلك ( وكفى بالله شهيدا ) وقد قال محمد بن إسحاق ، عن محمد بن أبي محمد ، عن عكرمة أو سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم جماعة من اليهود ، فقال لهم : " إني لأعلم - والله - إنكم لتعلمون أني رسول الله " .

فقالوا : ما نعلم ذلك .

فأنزل الله عز وجل : ( لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه [ والملائكة يشهدون وكفى بالله شهيدا ] ) .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (166) قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: إن يكفر بالذي أوحينا إليك، يا محمد، اليهود الذين سألوك أن تنـزل عليهم كتابًا من السماء، وقالوا لك: مَا أَنْـزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ فكذبوك، فقد كذبوا.

ما الأمر كما قالوا: لكن الله يشهد بتنـزيله إليك ما أنـزل من كتابه ووحيه، أنـزل ذلك إليك بعلم منه بأنك خِيرَته من خلقه، وصفِيُّه من عباده، ويشهد لك بذلك ملائكته، فلا يحزنك تكذيبُ من كذَّبك، وخلافُ من خالفك=" وكفى بالله شهيدًا "، يقول: وحسبك بالله شاهدًا على صدقك دون ما سواه من خلقه، فإنه إذا شهد لك بالصدق ربك، لم يَضِرْك تكذيب من كذَّبك.

وقد قيل: إن هذه الآية نـزلت في قوم من اليهود، دعاهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى اتباعه، وأخبرهم أنهم يعلمون حقيقة نبوّته، فجحدوا نبوَّته وأنكروا معرفته.

ذكر الخبر بذلك: 10850- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا يونس، عن محمد بن إسحاق قال، حدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت قال، حدثني سعيد بن جبير= أو عكرمة= عن ابن عباس قال: دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم جماعة من يهود، فقال لهم: إني والله أعلم إنكم لتعلمون أنيّ رسول الله!

فقالوا: ما نعلم ذلك!

فأنـزل الله: " لكن الله يشهد بما أنـزل إليك أنـزله بعلمه والملائكة يشهدون وكفى بالله شهيدًا ".

10851- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثني ابن إسحاق قال، حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة وسعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم عِصابة من اليهود، ثم ذكر نحوه.

(20) 10852- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: " لكن الله يشهد بما أنـزل إليك أنـزله بعلمه والملائكة يشهدون وكفى بالله شهيدًا "، شهودٌ والله غير مُتَّهمة.

-------------- الهوامش : (20) الأثران: 10850 ، 10851 - سيرة ابن هشام 2 : 211 مع اختلاف في لفظه ، وهو تابع الأثر السالف رقم: 10840.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه والملائكة يشهدون وكفى بالله شهيداقوله تعالى : لكن الله يشهد رفع بالابتداء ، وإن شئت شددت النون ونصبت .

وفي الكلام حذف دل عليه الكلام ؛ كأن الكفار قالوا : ما نشهد لك يا محمد فيما تقول فمن يشهد لك ؟

فنزل لكن الله يشهد .

ومعنى أنزله بعلمه أي وهو يعلم أنك أهل لإنزاله عليك ؛ ودلت الآية على أنه تعالى عالم بعلم .

والملائكة يشهدون ذكر شهادة الملائكة ليقابل بها نفي شهادتهم .

وكفى بالله شهيدا أي كفى الله شاهدا ، والباء زائدة .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

لما ذكر أن الله أوحى إلى رسوله محمد صلى الله عليه وسلم كما أوحى إلى إخوانه من المرسلين، أخبر هنا بشهادته تعالى على رسالته وصحة ما جاء به، وأنه { أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ } يحتمل أن يكون المراد أنزله مشتملا على علمه، أي: فيه من العلوم الإلهية والأحكام الشرعية والأخبار الغيبية ما هو من علم الله تعالى الذي علم به عباده.

ويحتمل أن يكون المراد: أنزله صادرا عن علمه، ويكون في ذلك إشارة وتنبيه على وجه شهادته، وأن المعنى: إذا كان تعالى أنزل هذا القرآن المشتمل على الأوامر والنواهي، وهو يعلم ذلك ويعلم حالة الذي أنزله عليه، وأنه دعا الناس إليه، فمن أجابه وصدقه كان وليه، ومن كذبه وعاداه كان عدوه واستباح ماله ودمه، والله تعالى يمكنه ويوالي نصره ويجيب دعواته، ويخذل أعداءه وينصر أولياءه، فهل توجد شهادة أعظم من هذه الشهادة وأكبر؟" ولا يمكن القدح في هذه الشهادة إلا بعد القدح بعلم الله وقدرته وحكمته وإخباره تعالى بشهادة الملائكة على ما أنزل على رسوله، لكمال إيمانهم ولجلالة هذا المشهود عليه.

فإن الأمور العظيمة لا يستشهد عليها إلا الخواص، كما قال تعالى في الشهادة على التوحيد: { شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } وكفى بالله شهيدا.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( لكن الله يشهد بما أنزل إليك ) قال ابن عباس رضي الله عنهما أن رؤساء مكة أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا محمد سألنا عنك اليهود وعن صفتك في كتابهم فزعموا أنهم لا يعرفونك ، ودخل عليه جماعة من اليهود فقال لهم : إني - والله - أعلم إنكم لتعلمون أني رسول الله ، فقالوا : ما نعلم ذلك ، فأنزل الله عز وجل : ( لكن الله يشهد بما أنزل إليك ) إن جحدوك وكذبوك ( أنزله بعلمه والملائكة يشهدون وكفى بالله شهيدا )

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

ونزل لما سئل اليهود عن نبوته صلى الله عليه وسلم فأنكروه «لكن الله يشهد» يبين نبوتك «بما أنزل إليك» من القرآن المعجز «أنزله» ملتبسا «بعلمه» أي عالما به أو فيه علمه «والملائكة يشهدون» لك أيضا «وكفى بالله شهيدا» على ذلك.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

إن يكفر بك اليهود وغيرهم -أيها الرسول- فالله يشهد لك بأنك رسوله الذي أَنْزَلَ عليه القرآن العظيم، أنزله بعلمه، وكذلك الملائكة يشهدون بصدق ما أوحي إليك، وشهادة الله وحدها كافية.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقوله - سبحانه - : ( لكن الله يَشْهَدُ بِمَآ أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ والملائكة يَشْهَدُونَ وكفى بالله شَهِيداً ) استدراك قصد به الرد على جحود أهل الكتاب للحق الذى جاء به النبى صلى الله عليه وسلم فقد أخرج ابن جرير عن ابن عباس قال :" دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم جماعة من اليهود فقال لهم : " إنى والله أعلم أنكم لتعلمون أنى رسول الله .

فقالوا : ما نعلم ذلك " فأنزل الله قوله : ( لكن الله يَشْهَدُ ) .

الآية .والمقصود من الآية الكريمة تسلية النبى صلى الله عليه وسلم عن تذيب كثير من الناس له ، وإدخال الطمأنينة على قلبه ، فكأنه - سبحانه - يقول له :لم يشهد أهل الكتاب بأنك رسول من عند الله وصادق فيما تبلغه عنه ( لكن الله يَشْهَدُ بِمَآ أَنزَلَ إِلَيْكَ ) أى : لكن الله يشهد بأن الذى أنزله إليك من قرآن هو الحق الذى لا ريب فيه .وقوله : ( أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ ) أى : أنزله بعلم تام ، وحكمة بالغة ، أو بما علمه من مصالح عباده فى إنزاله عليك .وقوله : ( والملائكة يَشْهَدُونَ ) أى : والملائكة يشهدون بأنك صادق فى رسالتك ، وبأن ما أنزله الله عليك هو الحق الذى لا تحوم حوله شبهة .وقوله .

( وكفى بالله شَهِيداً ) أى : وكفى بشهادة الله شهادة بأنك على الحق وإن لم يشهد غيره لك .

فإنه لا عبرة لإِنكار المنكرين لنبوتك ، ولا قيمة لجحود الجاحدين لما نزل عليك بعد شهادة الله لك بأنك نبيه ورسوله ، لتخرج الناس بإذنه من ظلمات الجاهلية إلى نور الإِسلام .وقد أجاد صاحب الكشاف فى توضيح تلك المعانى حيث قال : فإن قلت الاستدارك لا بد له من مستدرك فما هو فى قوله : ( لكن الله يَشْهَدُ ) .قلت : لما سأل أهل الكتاب إنزال كتاب من السماء ، واحتج عليهم بقوله ( إِنَّآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ ) قال : لكن الله يشهد .

بمعنى : أنهم لا يشهدون لكن الله يشهد .

.ومعنى شهادة الله بما أنزل إليه ، إثباته لصحته بإظهار المعجزات ، كما تثبت الدعاوى بالبينات وشهادة الملائكة : شهادة بأنه حق وصدق .فإن قلت : ما معنى قوله : ( أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ ) قلت : معناه أنزله متلبسا بعلمه الخاص الذى لا يعلمه غيره .

وهو تأليفه على نظم وأسلوب يعجز عنه كل بليغ وصاحب بيان ، وموقعه مما قبله موقع الجملة المفسرة ، لأن بيان للشهادة .

وقيل : أنزله وهو عالم بأنك أهل لإِنزاله إليك وأنك مبلغه .

ويحتمل : أنه أنزله وهو عالم به رقيب عليه حافظ له من الشيطان برصد من الملائكة ، والملائكة يشهدون بذلك .هذا ، والمتأمل فى هذه الآيات الكريمة يراها قد أثبتت صدق النبى صلى الله عليه وسلم فى رسالته بالأدلة الساطعة .

والحجج الواضحة؛ وبينت وظيفة الرسل - عليهم السلام - وحكمة الله فى إرسالهم ، وزادت للنبى صلى الله عليه وسلم طمأنينة بأنه على الحق ، لأن الله قد شهد له بذلك ، وكفى بشهادة الله شهادة مهما خالفها المخالفون ، وأعرض عنها المعرضون .ثم بين - سبحانه - بعد ذلك ما عليه الكافرون من ضلال وخسران ، وما سيصير إليه حالهم يوم القيامة من ذل ومهانة ، ووجه إلى الناس جميعا نداء أمرهم فيه بالإِيمان وترك الكفر والعصيان فقال - تعالى - : ( إِنَّ الذين كَفَرُواْ .

.

.

عَلِيماً حَكِيماً ) .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وفي الآية مسألتان: المسألة الأولى: أعلم أن قوله: ﴿ لَكِنِ ﴾ لا يبتدأ به لأنه استدراك على ما سبق، وفي ذلك المستدرك قولان: الأول: أن هذه الآيات بأسرها جواب عن قوله: ﴿ يَسْأَلُكَ أَهْلُ الكتاب أَن تُنَزّلَ عَلَيْهِمْ كتابا مّنَ السماء  ﴾ وهذا الكلام يتضمن أن هذا القرآن ليس كتاباً نازلاً عليهم من السماء فكأنه قيل: إنهم وإن شهدوا بأن القرآن لم ينزل عليه من السماء لكن الله يشهد بأنه نازل عليه من السماء.

الثاني: أنه تعالى لما قال: ﴿ إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ  ﴾ قال القوم: نحن لا نشهد لك بذلك، فنزل ﴿ لكن الله يَشْهَدُ ﴾ .

المسألة الثانية: شهادة الله إنما عرفت بسبب أنه أنزل عليه هذا القرآن البالغ في الفصاحة في اللفظ والشرف في المعنى إلى حيث عجز الأولون والآخرون عن معارضته، فكان ذلك معجزاً وإظهار المعجزة شهادة بكون المدعي صادقاً، ولما كانت شهادته إنما عرفت بواسطة إنزال القرآن لا جرم قال: ﴿ لكن الله يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ ﴾ أي يشهد لك بالنبوّة بواسطة هذا القرآن الذي أنزله إليك.

ثم قال تعالى: ﴿ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: أنه تعالى لما قال: ﴿ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ ﴾ بين صفة ذلك الإنزال وهو أنه تعالى أنزله بعلم تام وحكمة بالغة، فصار قوله: ﴿ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ ﴾ جارياً مجرى قول القائل: كتبت بالقلم وقطعت بالسكين، والمراد من قوله: ﴿ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ ﴾ وصف القرآن بغاية الحسن ونهاية الكمال، وهذا مثل ما يقال في الرجل المشهور بكمال الفشل والعلم إذا صنف كتاباً واستقصى في تحريره: إنه إنما صنف هذا بكمال علمه وفضله، يعني أنه اتخذ جملة علومه آلة ووسيلة إلى تصنيف هذا الكتاب فيدل ذلك على وصف ذلك التصنيف بغاية الجودة ونهاية الحسن، فكذا هاهنا والله أعلم.

المسألة الثانية: قال أصحابنا: دلت الآية على أن لله تعالى علماً، وذلك لأنها تدل على إثبات علم الله تعالى، ولو كان علمه نفس ذاته لزم إضافة الشيء إلى نفسه وهو محال.

ثم قال: ﴿ والملائكة يَشْهَدُونَ ﴾ وإنما تعرف شهادة الملائكة له بذلك لأن ظهور المعجز على يده يدل على أنه تعالى شهد له بالنبوة، وإذا شهد الله له بذلك فقد شهدت الملائكة لا محالة بذلك لما ثبت في القرآن أنهم لا يسبقونه بالقول، والمقصود كأنه قيل: يا محمد إن كذبك هؤلاء اليهود فلا تبال بهم فإن الله تعالى وهو إله العالمين يصدقك في ذلك، وملائكة السموات السبع يصدقونك في ذلك، ومن صدقه ربّ العالمين وملائكة العرش والكرسي والسموات السبع أجمعون لم يلتفت إلى تكذيب أخس الناس، وهم هؤلاء اليهود.

ثم قال تعالى: ﴿ وكفى بالله شَهِيداً ﴾ والمعنى وكفى الله شهيداً، وقد سبق الكلام في مثل هذا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ﴾ جواب لأهل الكتاب عن سؤالهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينزل عليهم كتاباً من السماء.

واحتجاج عليهم بأنّ شأنه في الوحي إليه كشأن سائر الأنبياء الذين سلفوا.

وقرئ ﴿ زبوراً ﴾ بضم الزاي جمع زبر وهو الكتاب ﴿ وَرُسُلاً ﴾ نصب بمضمر في معنى: أوحينا إليك وهو: أرسلنا، ونبأنا، وما أشبه ذلك.

أو بما فسره قصصناهم.

وفي قراءة أبيّ: ﴿ ورسل قد قصصناهم عليك من قبل ورسل لم نقصصهم ﴾ .

وعن إبراهيم ويحيى بن وثاب: أنهما قرآ ﴿ وَكَلَّمَ الله ﴾ بالنصب.

ومن بدع التفاسير أنه من الكَلْم، وأن معناه وجرّح الله موسى بأظفار المحن ومخالب الفتن ﴿ رُّسُلاً مُّبَشّرِينَ وَمُنذِرِينَ ﴾ الأوجه أن ينتصب على المدح.

ويجوز انتصابه على التكرير.

فإن قلت: كيف يكون للناس على الله حجة قبل الرسل، وهم محجوجون بما نصبه الله من الأدلة التي النظر فيها موصل إلى المعرفة، والرسل في أنفسهم لم يتوصلوا إلى المعرفة إلا بالنظر في تلك الأدلة، ولا عرف أنهم رسل الله إلا بالنظر فيها؟

قلت: الرسل منبهون عن الغفلة، وباعثون على النظر، كما ترى علماء أهل العدل والتوحيد مع تبليغ ما حملوه من تفضيل أمور الدين وبيان أحوال التكليف وتعليم الشرائع، فكان إرسالهم إزاحة للعلة وتتميماً لإلزام الحجة، لئلا يقولوا: لولا أرسلت إلينا رسولاً فيوقظنا من سنة الغفلة وينبهنا لما وجب الانتباه له.

وقرأ السلمي: لكنّ الله يشهد، بالتشديد.

فإن قلت: الاستدراك لابد له من مستدرك فما هو قوله: ﴿ لكن الله يَشْهَدُ ﴾ ؟

قلت: لما سأل أهل الكتاب إنزال الكتاب من السماء وتعنتوا بذلك واحتج عليهم بقوله: ﴿ إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ﴾ قال: لكن الله يشهد، بمعنى أنهم لا يشهدون لكن الله يشهد.

وقيل: لما نزل ﴿ إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ﴾ قالوا: ما نشهد لك بهذا، فنزل ﴿ لكن الله يَشْهَدُ ﴾ ومعنى شهادة الله بما أنزل إليه: إثباته لصحته بإظهار المعجزات، كما تثبت الدعاوى بالبينات.

وشهادة الملائكة: شهادتهم بأنه حق وصدق.

فإن قلت: بم يجابون لو قالوا: بم يعلم أن الملائكة يشهدون بذلك؟

قلت: يجابون بأنه يعلم بشهادة الله، لأنه لما علم بإظهار المعجزات أنه شاهد بصحته علم أن الملائكة يشهدون بصحة ما شهد بصحته؛ لأنّ شهادتهم تبع لشهادته.

فإن قلت: ما معنى قوله: ﴿ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ ﴾ وما موقعه من الجملة التي قبله؟

قلت: معناه أنزله ملتبساً بعلمه الخاص الذي لا يعلمه غيره، وهو تأليفه على نظم وأسلوب يعجز عنه كل بليغ وصاحب بيان، وموقعه مما قبله موقع الجملة المفسرة لأنه بيان للشهادة، وأن شهادته بصحته أنه أنزله بالنظم المعجز الفائت للقدرة.

وقيل أنزله وهو عالم بأنك أهل لإنزاله إليك وأنك مبلغه.

وقيل: أنزله مما علم من مصالح العباد مشتملاً عليه.

ويحتمل: أنه أنزل وهو عالم به رقيب عليه حافظ له من الشياطين برصد من الملائكة، والملائكة يشهدون بذلك، كما قال في آخر سورة الجنّ.

ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ ﴾ [الجن: 8] والإحاطة بمعنى العلم ﴿ وكفى بالله شَهِيداً ﴾ وإن لم يشهد غيره، لأنّ التصديق بالمعجزة هو الشهادة حقاً ﴿ قُلْ أَىُّ شَيْء أَكْبَرُ شهادة قُلِ الله ﴾ [الأنعام: 19] .

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ ﴾ اسْتِدْراكٌ عَنْ مَفْهُومِ ما قَبْلَهُ فَكَأنَّهُ لَمّا تَعَنَّتُوا عَلَيْهِ بِسُؤالِ كِتابٍ يَنْزِلُ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ، واحْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ إنّا أوْحَيْنا إلَيْكَ قالَ: إنَّهم لا يَشْهَدُونَ ولَكِنَّ اللَّهَ يَشْهَدُ، أوْ أنَّهم أنْكَرُوهُ ولَكِنَّ اللَّهَ يُثَبِّتُهُ ويُقَرِّرُهُ.

﴿ بِما أنْزَلَ إلَيْكَ ﴾ مِنَ القُرْآنِ المُعْجِزِ الدّالِّ عَلى نُبُوَّتِكَ.

رُوِيَ أنَّهُ لَمّا نَزَلَ إنّا أوْحَيْنا إلَيْكَ قالُوا ما نَشْهَدُ لَكَ فَنَزَلَتْ.

﴿ أنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ ﴾ أنْزَلَهُ مُلْتَبِسًا بِعِلْمِهِ الخاصِّ بِهِ، وهو العِلْمُ بِتَأْلِيفِهِ عَلى نَظْمٍ يَعْجِزُ عَنْهُ كُلُّ بَلِيغٍ، أوْ بِحالِ مَن يَسْتَعِدُّ لِلنُّبُوَّةِ ويَسْتَأْهِلُ نُزُولَ الكِتابِ عَلَيْهِ، أوْ بِعِلْمِهِ الَّذِي يَحْتاجُ إلَيْهِ النّاسُ في مَعاشِهِمْ ومَعادِهِمْ، فالجارُّ والمَجْرُورُ عَلى الأوَّلَيْنِ حالٌ مِنَ الفاعِلِ وعَلى الثّالِثِ حالٌ مِنَ المَفْعُولِ، والجُمْلَةُ كالتَّفْسِيرِ لِما قَبْلَها ﴿ والمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ ﴾ أيْضًا بِنُبُوَّتِكَ.

وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهم يَوَدُّونَ أنْ يَعْلَمُوا صِحَّةَ دَعْوى النُّبُوَّةِ عَلى وجْهٍ يَسْتَغْنِي عَنِ النَّظَرِ والتَّأمُّلِ، وهَذا النَّوْعُ مِن خَواصِّ المَلِكِ ولا سَبِيلَ لِلْإنْسانِ إلى العِلْمِ بِأمْثالِ ذَلِكَ سِوى الفِكْرِ والنَّظَرِ، فَلَوْ أتى هَؤُلاءِ بِالنَّظَرِ الصَّحِيحِ لَعَرَفُوا نُبُوَّتَكَ وشَهِدُوا بِها كَما عَرَفَتِ المَلائِكَةُ وشَهِدُوا.

﴿ وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا ﴾ أيْ وكَفى بِما أقامَ مِنَ الحُجَجِ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّتِكَ عَنِ الِاسْتِشْهادِ بِغَيْرِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

ولما نزل إنا أوحينا إليك قالوا ما نشهدلك بهذا فنزل {لكن الله يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ} ومعنى شهادة الله بما أنزل إليه اثباته لصحته باظهار المعجزات كما يثبت الدعاوى بالبينات إذا لحيكم لا يؤيد الكاذب بالمعجزة {أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ} أي أنزله وهو عالم بأنك أهل لانزاله إليه وأنك مبلغه أو أنزله بما علم من مصالح العباد وفيه نفي قول المعتزلة في انكار الصفات فانه أثبت لنفسه العلم {والملائكة يَشْهَدُونَ} لك بالنبوة {وكفى بالله شَهِيداً} شاهداً وإن لم يشهد غيره

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ ﴾ بِتَخْفِيفِ النُّونِ ورَفْعِ الجَلالَةِ.

وقَرَأ السُّلَيْمِيُّ بِتَشْدِيدِ النُّونِ ونَصْبِ الجَلالَةِ، وهو اسْتِدْراكٌ عَنْ مَفْهُومِ ما قَبْلَهُ، كَأنَّهم لَمّا سَألُوهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إنْزالَ كِتابٍ مِنَ السَّماءِ، وتَعَنَّتُوا، ورَدَّ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنّا أوْحَيْنا إلَيْكَ ﴾ إلَخْ، قِيلَ: إنَّهم لا يَشْهَدُونَ، (لَكِنَّ اللَّهَ يَشْهَدُ).

وحاصِلُ ذَلِكَ إنْ لَمْ تَلْزَمْهُمُ الحُجَّةُ ويَشْهَدُوا لَكَ فاللَّهُ تَعالى يَشْهَدُ، وقِيلَ: إنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا شَبَّهَ الإيحاءَ إلَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِالإيحاءِ إلى الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أوْهَمَ ذَلِكَ التَّشْبِيهُ مَزِيَّةَ الإيحاءِ إلَيْهِمْ، فاسْتُدْرِكَ عَنْهُ بِأنَّ لِلْإيحاءِ إلَيْكَ مَزِيَّةَ شَهادَةِ اللَّهِ تَعالى.

﴿ بِما أنْزَلَ إلَيْكَ ﴾ أيْ: بِحَقِّيَّةِ الَّذِي أنْزَلَهُ إلَيْكَ وهو القُرْآنُ، فالجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِـ(يَشْهَدُ) والباءُ صِلَةٌ، والمَشْهُودُ بِهِ هو الحَقِّيَّةُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَشْهُودُ بِهِ هو النُّبُوَّةَ، وتَعَلَّقَ (بِما أنْزَلَ) تَعَلُّقَ الآلِيَّةِ، أيْ: يَشْهَدُ بِنُبُوَّتِكَ بِسَبَبِ ما أنْزَلَ إلَيْكَ لِدَلالَتِهِ بِإعْجازِهِ عَلى صِدْقِكَ ونُبُوَّتِكَ، ولَعَلَّ مَآلَ المَعْنى ومُؤَدّاهُ واحِدٌ، فَإنَّ شَهادَتَهُ سُبْحانَهُ بِحَقِّيَّةِ ما أنْزَلَهُ مِنَ القُرْآنِ بِإظْهارِ المُعْجِزِ المَقْصُودِ مِنهُ إثْباتُ نُبُوَّتِهِ، صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ.

وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ، وغَيْرُهُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - قالَ: «دَخَلَ جَماعَةٌ مِنَ اليَهُودِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَهُمْ: «إنِّي واللَّهِ أعْلَمُ أنَّكم تَعْلَمُونَ أنِّي رَسُولُ اللَّهِ، فَقالُوا: ما نَعْلَمُ ذَلِكَ، فَنَزَلَتْ (لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ)».

وفِي رِوايَةِ ابْنِ جَرِيرٍ عَنْهُ: «أنَّهُ لَمّا نَزَلَ (إنّا أوْحَيْنا إلَيْكَ) قالُوا: ما نَشْهَدُ لَكَ، فَنَزَلَ (لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أنْزَلَ إلَيْكَ).

وقُرِئَ (أُنْزِلَ) عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ ﴿ أنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ ﴾ ذُكِرَ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ المَعْنى (أنْزَلَهُ) بِعِلْمِهِ الخاصِّ بِهِ الَّذِي لا يَعْلَمُهُ غَيْرُهُ سُبْحانَهُ، وهو تَأْلِيفُهُ عَلى نَظْمٍ وأُسْلُوبٍ يَعْجَزُ عَنْهُ كُلُّ بَلِيغٍ وصاحِبِ بَيانٍ، واخْتارَهُ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ.

والثّانِي: أنْ يَكُونَ المَعْنى (أنْزَلَهُ) وهو عالِمٌ بِأنَّكَ أهْلٌ لِإنْزالِهِ إلَيْكَ؛ لِقِيامِكَ فِيهِ بِالحَقِّ، ودُعائِكَ النّاسَ إلَيْهِ، واخْتارَهُ الطَّبَرْسِيُّ.

والثّالِثُ: أنْ يَكُونَ المَعْنى (أنْزَلَهُ) بِما عَلِمَ مِن مَصالِحِ العِبادِ، مُشْتَمِلًا عَلَيْهِ.

والرّابِعُ: أنْ يَكُونَ المَعْنى (أنْزَلَهُ) وهو عالِمٌ بِهِ رَقِيبٌ عَلَيْهِ، حافِظٌ لَهُ مِنَ الشَّياطِينِ بِرَصْدٍ مِنَ المَلائِكَةِ.

والعِلْمُ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ قِيلَ بِمَعْنى المَعْلُومِ، والمُرادُ بِهِ التَّأْلِيفُ والنَّظْمُ المَخْصُوصُ، ولَيْسَ مِن جَعْلِ العِلْمِ مَجازًا عَنْ ذَلِكَ، ولَوْ جُعِلَ عَلَيْهِ العِلْمُ بِمَعْناهُ المَصْدَرِيِّ، والباءُ لِلْمُلابَسَةِ، ويَكُونُ تَأْلِيفُهُ بَيانًا لِتَلَبُّسِهِ لا لِلْعِلْمِ نَفْسِهِ صَحَّ، لَكِنْ فِيهِ تَجَوُّزٌ مِن جِهَةِ أنَّ التَّأْلِيفَ لَيْسَ نَفْسَ التَّلَبُّسِ بَلْ أثَرَهُ، ويُحْتَمَلُ عَلى هَذا أنْ تَكُونَ الباءُ لِلْآلِيَّةِ كَما يُقالُ: فَعَلَهُ بِعِلْمِهِ إذا كانَ مُتْقِنًا وعَلى ما يَنْبَغِي، فَيَكُونُ وصْفًا لِلْقُرْآنِ بِكَمال الحُسْنِ والبَلاغَةِ.

وأمّا عَلى الوَجْهِ الثّانِي والثّالِثِ فالعِلْمُ بِمَعْناهُ، أوْ في الثّالِثِ بِمَعْنى المَعْلُومِ، والظَّرْفُ حالٌ مِنَ الفاعِلِ أوِ المَفْعُولِ، ومُتَعَلِّقُ العِلْمِ مُخْتَلِفٌ، وهو أنَّكَ أهْلٌ لِإنْزالِهِ أوْ مَصالِحِ العِبادِ.

وظاهِرُ كَلامِ البَعْضِ أنَّهُ عَلى الثّانِي حالٌ مِنَ الفاعِلِ، وعَلى الثّالِثِ مِنَ المَفْعُولِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا مُطْلَقًا مُطْلَقًا أيْ: إنْزالًا مُتَلَبِّسًا بِعِلْمِهِ، ومَوْقِعُ الجُمْلَةِ عَلى الأوَّلِ مَوْقِعُ الجُمْلَةِ المُفَسِّرَةِ؛ لِأنَّهُ بَيانٌ لِلشَّهادَةِ عَلى ما نَصَّ عَلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ، وعَلى الوَجْهَيْنِ مَوْقِعُ التَّقْرِيرِ والبَيانِ لِلصِّلَةِ، وقِيلَ: إنَّها في الأوْجُهِ الثَّلاثَةِ كالتَّفْسِيرِ لِـ(أنْزَلَ إلَيْكَ) لِأنَّها بَيانٌ لِإنْزالِهِ عَلى وجْهٍ مَخْصُوصٍ.

وأمّا عَلى الوَجْهِ الرّابِعِ فَقَدْ ضُمِّنَ العِلْمُ بِمَعْنى الرَّقِيبِ والحافِظِ، والظَّرْفُ حالٌ مِنَ الفاعِلِ، ويَكُونُ (أنْزَلَهُ) تَكْرِيرًا لِيَعْلَقَ بِهِ ما عَلَقَ، أوْ كَما قِيلَ، ولَمْ يَعْتَبِرْ بَعْضُهم هَذا الوَجْهَ؛ لِأنَّهُ لا مَساسَ لَهُ بِهَذا المَقامِ، وقِيلَ: إنَّ فِيهِ تَعْظِيمًا لِأمْرِ القُرْآنِ بِحِفْظِهِ مِن شَياطِينِ الجِنِّ المُشْعِرِ بِحِفْظِهِ أيْضًا مِن شَياطِينِ الإنْسِ، فَتَكُونُ الجُمْلَةُ حِينَئِذٍ كالتَّفْسِيرِ لِلشَّهادَةِ أيْضًا، وقُرِئَ (نَزَّلَهُ) .

﴿ والمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ ﴾ أيْضًا بِما شَهِدَ اللَّهُ تَعالى بِهِ؛ لِأنَّهم تَبَعٌ لَهُ سُبْحانَهُ في الشَّهادَةِ، والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَها، وقِيلَ: حالٌ مِن مَفْعُولِ (أنْزَلَهُ) أيْ: أنْزَلَهُ والمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ بِصِدْقِهِ وحَقِّيَّتِهِ، وجَعَلَ بَعْضُهم شَهادَةَ المَلائِكَةِ عَلى صِدْقِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - في دَعْواهُ بِإتْيانِهِمْ لِإعانَتِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - في القِتالِ ظاهِرِينَ، كَما كانَ في غَزْوَةِ بَدْرٍ، وأيّا ما كانَ (فَيَشْهَدُونَ) مِنَ الشَّهادَةِ، وذُكِرَ أنَّهُ عَلى الوَجْهِ الرّابِعِ مِنَ الشُّهُودِ لِلْحِفْظِ.

﴿ وكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا ﴾ عَلى ما شَهِدَ بِهِ لَكَ، حَيْثُ نَصَبَ الدَّلِيلَ، وأوْضَحَ السَّبِيلَ، وأزالَ الشُّبَهَ، وبالَغَ في ذَلِكَ عَلى وجْهٍ لا يُحْتاجُ مَعَهُ إلى شَهادَةِ غَيْرِهِ عَزَّ وجَلَّ.

* * * هَذا، ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ: ( ﴿ لا يُحِبُّ اللَّهُ الجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ ﴾ ) أيْ: لا يُحِبُّ أنْ يَهْتِكَ العَبْدُ سِتْرَهُ إذا صَدَرَتْ مِنهُ هَفْوَةٌ، أوِ اتَّفَقَتْ مِنهُ كَبْوَةٌ ( ﴿ إلا مَن ظُلِمَ ﴾ ) أيْ: إلّا جَهْرُ مَن ظَلَمَتْهُ نَفْسُهُ بِرُسُوخِ المَلِكاتِ الخَبِيثَةِ فِيهِ؛ فَإنَّهُ مَأْذُونٌ لَهُ بِإظْهارِ ما فِيهِ مِن تِلْكَ المَلِكاتِ، وعَرْضِها عَلى أطِبّاءِ القُلُوبِ، لِيَصِفُوا لَهُ دَواءَها.

وقِيلَ: لا يُحِبُّ اللَّهُ تَعالى إفْشاءَ سِرِّ الرُّبُوبِيَّةِ، وإظْهارَ مَواهِبِ الأُلُوهِيَّةِ، أوْ كَشْفَ القِناعِ مِن مَكْنُوناتِ الغَيْبِ ومَصُوناتِ غَيْبِ الغَيْبِ ( ﴿ إلا مَن ظُلِمَ ﴾ ) بِغَلَباتِ الأحْوالِ، وتَعاقُبِ كُؤُوسِ الجَلالِ والجَمالِ، فاضْطُرَّ إلى المَقالِ، فَقالَ بِاللِّسانِ الباقِي لا بِاللِّسانِ الفانِي: أنا الحَقُّ وسُبْحانِي ما أعْظَمَ شَأْنِي، وفي تَسْمِيَةِ تِلْكَ الغَلَبَةِ ظُلْمًا خَفاءٌ لا يَخْفى.

وفِي ظاهِرِ الآيَةِ بِشارَةٌ عَظِيمَةٌ لِلْمُذْنِبِينَ، حَيْثُ بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّهُ لا يَرْضى بِهَتْكِ السِّتْرِ إلّا مِنَ المَظْلُومِ، فَكَيْفَ يَرْضى سُبْحانَهُ مِن نَفْسِهِ أنْ يَهْتِكَ سِتْرَ العاصِينَ ولَيْسُوا بِظالِمِيهِ جَلَّ جَلالُهُ؟!

وإنَّما ظَلَمُوا أنْفُسَهم كَما نَطَقَ بِذَلِكَ الكِتابُ: ( ﴿ إنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ ورُسُلِهِ ويُرِيدُونَ أنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ ورُسُلِهِ ويَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ ونَكْفُرُ بِبَعْضِ ﴾ ) هَؤُلاءِ قَوْمٌ احْتَجَبُوا بِالجَمْعِ عَنِ التَّفْصِيلِ، فَأنْكَرُوا الرُّسُلَ لِتَوَهُّمِهِمْ وحْدَةً مُنافِيَةً لِلْكَثْرَةِ، وجَمْعًا مُبايِنًا لِلتَّفْصِيلِ، ومِن هُنا عَطَّلُوا الشَّرائِعَ وأباحُوا المُحَرَّماتِ، وتَرَكُوا الصَّلَواتِ، ( ﴿ ويُرِيدُونَ أنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ ﴾ ) الإيمانِ بِالكُلِّ جَمْعًا وتَفْصِيلًا والكُفْرِ بِالكُلِّ ( ﴿ سَبِيلا ﴾ ) أيْ: طَرِيقًا ( ﴿ أُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ ﴾ ) المَحْجُوبُونَ ( ﴿ حَقًّا ﴾ ) بِذَواتِهِمْ وصِفاتِهِمْ؛ لِأنَّ مَعْرِفَتَهم وهْمٌ وغَلَطٌ، وتَوْحِيدَهم زَنْدَقَةٌ وضَلالٌ، ولَقَتْلُ واحِدٍ مِنهم أنْفَعُ مِن قَتْلِ ألْفِ حَرْبِيٍّ عَلى ما أشارَ إلَيْهِ حُجَّةُ الإسْلامِ الغَزالِيُّ، قُدِّسَ سِرُّهُ.

( ﴿ والَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ ولَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أحَدٍ مِنهُمْ ﴾ ) وهُمُ المُؤْمِنُونَ جَمْعًا وتَفْصِيلًا، لا يَحْجُبُهم جَمْعٌ عَنْ تَفْصِيلٍ، ولا تَفْصِيلٌ عَنْ جَمْعٍ، كالسّادَةِ الصّادِقِينَ مِن أهْلِ الوَحْدَةِ ( ﴿ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ ﴾ ) مِنَ الجَنّاتِ الثَّلاثِ ( ﴿ وكانَ اللَّهُ غَفُورًا ﴾ ) يَسْتُرُ ذَواتِهِمْ وصِفاتِهِمْ ( ﴿ رَحِيمًا ﴾ ) يَرْحَمُهم بِالوُجُودِ المَوْهُوبِ الحَقّانِيِّ، والبَقاءِ السَّرْمَدِيِّ.

( ﴿ يَسْألُكَ أهْلُ الكِتابِ أنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتابًا مِنَ السَّماءِ ﴾ ) أيْ: عِلْمًا يَقِينًا بِالمُكاشَفَةِ مِن سَماءِ الرُّوحِ ( ﴿ فَقَدْ سَألُوا مُوسى أكْبَرَ مِن ذَلِكَ فَقالُوا أرِنا اللَّهَ جَهْرَةً ﴾ ) أيْ: طَلَبُوا المُشاهَدَةَ، ولا شَكَّ أنَّها أكْبَرُ وأعْلى مِنَ المُكاشَفَةِ ( ﴿ فَأخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ ﴾ ) أيِ اسْتَوْلَتْ عَلَيْهِمْ نارُ الأنانِيَّةِ وأهْلَكَتِ اسْتِعْدادَهم بِظُلْمِهِمْ، وهو طَلَبُهُمُ المُشاهَدَةَ مَعَ بَقاءِ ذَواتِهِمْ ( ﴿ ثُمَّ اتَّخَذُوا العِجْلَ ﴾ ) أيْ: عِجْلَ الشَّهَواتِ، الَّذِي صاغَهُ سامِرِيُّ النَّفْسِ الأمّارَةِ ( ﴿ مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّناتُ ﴾ ) الرّادِعَةُ لَهم عَنْ ذَلِكَ ( ﴿ وآتَيْنا مُوسى سُلْطانًا مُبِينًا ﴾ ) وهو سُطُوعُ نُورِ التَّجَلِّي مِن وجْهِهِ حَتّى احْتاجَ إلى أنْ يَسْتُرَ وجْهَهُ بِالبُرْقُعِ رَحْمَةً بِخَفافِيشِ أُمَّتِهِ ( ﴿ ورَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ ﴾ ) أيْ: جَعَلْناهُ مُسْتَوْلِيًا عَلَيْهِمْ ( ﴿ بِمِيثاقِهِمْ ﴾ ) أيْ: بِسَبَبِ أنْ يُعْطُوا المِيثاقَ، وأُشِيرَ بِالطُّورِ إلى مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - أوْ إلى العَقْلِ، ورَفْعُهُ فَوْقَهم تَأْيِيدُهُ بِالأنْوارِ الإلَهِيَّةِ ( ﴿ وقُلْنا لَهُمُ ادْخُلُوا البابَ ﴾ ) أيْ: بابَ السَّيْرِ والسُّلُوكِ المُوصِلِ إلى حَضِيرَةِ القُدْسِ، ومُلْكِ المُلُوكِ ( ﴿ سُجَّدًا ﴾ ) خُضَّعًا مُتَذَلِّلِينَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ( ﴿ بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إلَيْهِ ﴾ ) أُشِيرَ بِهِ - عَلى ما ذَكَرَهُ بَعْضُ القَوْمِ والعُهْدَةُ عَلَيْهِ - إلى اتِّصالِ رُوحِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِالعالَمِ العُلْوِيِّ عِنْدَ مُفارَقَتِهِ لِلْعالَمِ السُّفْلِيِّ، وذَلِكَ الرَّفْعُ عِنْدَهم إلى السَّماءِ الرّابِعَةِ؛ لِأنَّ مَصْدَرَ فَيَضانِ رُوحِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - رَوْحانِيَّةُ فَلَكِ الشَّمْسِ الَّذِي هو بِمَثابَةِ قَلْبِ العالَمِ، ولَمّا لَمْ يَصِلْ إلى الكَمالِ الحَقِيقِيِّ الَّذِي هو دَرَجَةُ المَحَبَّةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ بُدٌّ مِنَ النُّزُولِ مَرَّةً أُخْرى في صُورَةٍ جَسَدانِيَّةٍ، يَتَّبِعُ المِلَّةَ المُحَمَّدِيَّةَ لِنَيْلِ تِلْكَ الدَّرَجَةِ العَلِيَّةِ، وحِينَئِذٍ يَعْرِفُهُ كُلُّ أحَدٍ فَيُؤْمِنُ بِهِ أهْلُ الكِتابِ، أيْ: أهْلُ العِلْمِ العارِفِينَ بِالمَبْدَأِ والمَعادِ، كُلُّهم عَنْ آخِرِهِمْ ( ﴿ قَبْلَ مَوْتِهِ ﴾ ) عَلَيْهِ السَّلامُ بِالفَناءِ بِاللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - فَإذا آمَنُوا بِهِ يَكُونُ يَوْمَ القِيامَةِ، أيْ: يَوْمُ بُرُوزِهِمْ عَنِ الحُجُبِ الجُسْمانِيَّةِ، وانْتِباهِمْ عَنْ نَوْمِ الغَفْلَةِ ( ﴿ شَهِيدًا ﴾ ) وذَلِكَ بِأنْ يَتَجَلّى الحَقُّ عَلَيْهِمْ في صُورَتِهِ.

( ﴿ فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا ﴾ ) وهو عِبادَتُهم عِجْلَ الشَّهَواتِ، واتِّخاذُهُ إلَهًا، وامْتِناعُهم عَنْ دُخُولِ بابِ حَضِيرَةِ القُدْسِ، واعْتِدائُهم في السَّبْتِ بِمُخالَفَةِ الشَّرْعِ الَّذِي هو المَظْهَرُ الأعْظَمُ، والِاحْتِجابُ عَنْ كَشْفِ تَوْحِيدِ الأفْعالِ، ونَقْضُهم مِيثاقَ اللَّهِ تَعالى، واحْتِجابُهم عَنْ تَوْحِيدِ الصِّفاتِ، الَّذِي هو كُفْرٌ بِآياتِ اللَّهِ تَعالى إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المُساوِي: مُساوٍ لَوْ قُسِمْنَ عَلى الغَوانِي لَما أُمْهِرْنَ إلّا بِالطَّلاقِ ( ﴿ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ ﴾ ) عَظِيمَةٍ جَلِيلَةٍ، وهي ما في الجَنّاتِ الثَّلاثِ ( ﴿ أُحِلَّتْ لَهُمْ ﴾ ) بِحَسَبِ اسْتِعْدادِهِمْ لَوْلا هَذِهِ المَوانِعُ ( ﴿ وبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ ) أيِ الطَّرِيقِ المُوصِلَةِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ ( ﴿ كَثِيرًا ﴾ ) أيْ: خَلْقًا كَثِيرًا، وهي القُوى الرُّوحانِيَّةُ، ( ﴿ وأخْذِهِمُ الرِّبا ﴾ ) وهو فُضُولُ العِلْمِ الرَّسْمِيِّ الجَدَلِيِّ، الَّذِي هو كَشَجَرَةِ الخِلافِ لا ثَمَرَةَ لَهُ، كاللَّذّاتِ البَدَنِيَّةِ والحُظُوظِ النَّفْسانِيَّةِ ( ﴿ وقَدْ نُهُوا عَنْهُ ﴾ ) لِما أنَّهُ الحِجابُ العَظِيمُ ( ﴿ وأكْلِهِمْ أمْوالَ النّاسِ بِالباطِلِ ﴾ ) أيِ اسْتِعْمالِ عُلُومِ القُوى الرُّوحانِيَّةِ في تَحْصِيلِ الخَسائِسِ الدُّنْيَوِيَّةِ، أوْ أخْذِ ما في أيْدِي العِبادِ بِرَذِيلَةِ الحِرْصِ والطَّمَعِ.

( ﴿ لَكِنِ الرّاسِخُونَ في العِلْمِ ﴾ ) المُسْتَقِيمُونَ في السَّماعِ الخاصِّ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ، مِن غَيْرِ مُعارِضَةِ النُّفُوسِ، واضْطِرابِ الأسْرارِ، ( ﴿ والمُؤْمِنُونَ ﴾ ) بِالإيمانِ العِيانِيِّ حالَ كَوْنِهِمْ ( ﴿ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ ﴾ ) مِنَ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ، والأسْرارِ الإلَهِيَّةِ.

( ﴿ والمُقِيمِينَ الصَّلاةَ ﴾ ) عَلى أكْمَلِ وجْهٍ ( ﴿ والمُؤْتُونَ الزَّكاةَ ﴾ ) بِبَذْلِ قَوامِهِمْ في أصْنافِ الطّاعَةِ ( ﴿ والمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ ﴾ ) أيْ: بِالمَبْدَأِ والمَعادِ، والمُرادُ مِنَ المُتَعاطِفاتِ طائِفَةٌ واحِدَةٌ كَما قَدَّمْنا ( ﴿ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أجْرًا عَظِيمًا ﴾ ) لا يُقادَرُ قَدْرُهُ فِيما أُعِدَّ لَهم مِنَ الجَنّاتِ.

( ﴿ إنّا أوْحَيْنا إلَيْكَ كَما أوْحَيْنا إلى نُوحٍ ﴾ ) الآيَةَ، التَّشْبِيهُ عَلى حَدِّ التَّشْبِيهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ( ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ ﴾ ) عَلى قَوْلِ: ( ﴿ رُسُلا مُبَشِّرِينَ ﴾ ) بِتَجَلِّياتِ اللُّطْفِ ( ﴿ ومُنْذِرِينَ ﴾ ) بِتَجَلِّياتِ القَهْرِ ( ﴿ لِئَلا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ﴾ ) أيْ: لِئَلّا يَكُونَ لَهم ظُهُورٌ وسَلْطَنَةٌ بَعْدَما مُحِيَ ذَلِكَ بِإمْدادِ الرُّسُلِ ( ﴿ وكانَ اللَّهُ عَزِيزًا ﴾ ) فَيَمْحُو صِفاتِهِمْ، ويُفْنِي ذَواتِهِمْ ( ﴿ حَكِيمًا ﴾ ) فَيُفِيضُ عَلَيْهِمْ مِن صِفاتِهِ، ويُبْقِيهِمْ في ذاتِهِ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ ( ﴿ لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أنْزَلَ إلَيْكَ ﴾ ) لِتَجَلِّيهِ فِيهِ سُبْحانَهُ ( ﴿ أنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ ﴾ ) أيْ: مُتَلَبِّسًا بِعِلْمِهِ المُحِيطِ الَّذِي لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ، ومِن هَنا عَلِمَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ما كانَ وما هو كائِنٌ ( ﴿ والمَلائِكَةُ ﴾ ) هم أصْحابُ النُّفُوسِ القُدْسِيَّةِ ( ﴿ يَشْهَدُونَ ﴾ ) أيْضًا لِعَدَمِ احْتِجابِهِمْ ( ﴿ وكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا ﴾ ) لِأنَّهُ الجامِعُ ولا مَوْجُودَ غَيْرُهُ، واللَّهُ تَعالى المُوَفِّقُ لِلصَّوابِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ أي أرسلنا رسلاً مبشرين بالجنة ومنذرين بالنار لِئَلَّا يَكُونَ يقول: لكيلا يكون لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ يعني: بعد إرسال الرسل، كي لا يقولوا يوم القيامة إنك لم ترسل إلينا رسولاً.

ولو إن الله تعالى لم يرسل رسولاً كان ذلك عدلاً منه إذ أعطى كل واحد من خلقه من العقل ما يعرفه، ولكن أرسل تفضلاً منه، ولكي يكون زيادة في الحجة عليهم.

ثم قال تعالى: وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً.

عَزِيزاً بالنقمة لمن يجحده حَكِيماً حكم إرسال الرسل والأنبياء عليهم السلام.

قوله تعالى: لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ قال ابن عباس: وذلك أن رؤساء مكة أتوا إلى رسول الله  ، فقالوا سألنا اليهود عن صفتك ونعتك، فزعموا أنهم لا يعرفونك في كتابهم، فأتِنا بمن يشهد لك بأنك نبي مبعوث فنزل: لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ يعني إن لم يشهد لك أحد منهم، فالله تعالى أعظم شهادة من خلقه، هو يشهد لك بأنك نبيّ ويظهر نبوتك.

قال القتبي: هذا من الاختصار لأنه لما نزل إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ [سورة النساء: 163] قال المشركون: لا نشهد لك بهذا فمن يشهد لك؟

فنزلت هذه الآية حكاية قولهم.

فقال تعالى لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ لأن كلمة لكن إنما تجيء بعد نفي شيء، فوجب ذلك الشيء بها.

ثم قال تعالى: أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ أي بأمره.

ويقال: أنزل القرآن الذي فيه علمه.

ثم قال تعالى: وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ أيضاً على شهادتك بالذي شهدت أنه الحق وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً فلا أحد أفضل من الله تعالى، شهادة بأنه أنزل عليك القرآن.

قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ يعني صرفوا الناس عن دين الله قَدْ ضَلُّوا ضَلالًا بَعِيداً عن الحق.

ثم قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا أي جحدوا وأشركوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ أي ما داموا على كفرهم وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً يعني: لا يوفقهم لطريق الإسلام إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ يعني: يتركهم ويخذلهم في طريق الكفر عقوبة لكفرهم ولجحودهم وهو طريق جهنم.

ويقال: إلا العمل الذي يجبرهم إلى جهنم.

وقال الضحاك: لا يهديهم طريقاً يوم القيامة، أي لا يرفع لهم إلا طريق جهنم.

وذلك أن أهل الإيمان يرفع لهم في الموقف طريق تأخذ بهم إلى الجنة، ويرفع لأهل الكفر طريق ينتهي بهم إلى النار.

ثم قال تعالى: خالِدِينَ فِيها أَبَداً أي دائمين فيها وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً أي خلودهم وعذابهم في النار هيّن على الله تعالى.

قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله تعالى: لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ ...

الآية: سببُهَا قولُ اليَهُود: مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ [الأنعام: ٩١] .

وقال ص: «لكن» : استدراكٌ، ولا يُبتدأُ بها، فيتعيَّن تقديرُ جملةٍ قبلها يبيِّنها سببُ النزول، وهو أنه لَمَّا نزل: إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ [النساء: ١٦٣] ، قالوا: ما نشهَدُ لك بهذا فَنَزَلَ: لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ.

انتهى.

وقوله تعالى: أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ، هذه الآيةُ مِنْ أقوى متعلَّقات أهْل السنَّة في إثبات عِلْمِ اللَّه عزَّ وجلَّ خلافاً للمعتزلةِ في أنهم يقولُونَ: عَالِمٌ بِلاَ عِلْمٍ، والمعنى عند أهْل السُّنَّة:

أنزله، وهو يَعْلَمُ/ إنزالَهُ ونُزُولَهُ.

وقوله سبحانه: وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ: تقويةٌ لأمر نبيّنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم، وردٌّ على اليهود.

وقوله تعالى: وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً، تقديره: وكفَى اللَّهُ شهيداً، لكنه دخلَتِ الباءُ لتدُلَّ على أنَّ المراد اكتفوا باللَّهِ، وباقي الآية بيّن.

يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْراً لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً (١٧٠) يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلهٌ واحِدٌ سُبْحانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلاً (١٧١) لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً (١٧٢) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذاباً أَلِيماً وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً (١٧٣)

وقوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ ...

الآية: خطابٌ لجميعَ النَّاسِ، وهي دعاءٌ إلى الشرْعِ، ولو كانَتْ في أمر من أوامر الأحكام، ونَحْوِ هذا، لكانتُ: «يا أيها الذين آمنوا» ، والرسول في الآية: نبيّنا محمد صلّى الله عليه وسلّم، ثم قال سبحانه: وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، وهذا خبرٌ بالاستغناء، وإنَّ ضَرَر الكُفْر إنما هو

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ ﴾ في سَبَبِ نَزُولِها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: «أنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلامُ دَخَلَ عَلى جَماعَةٍ مِنَ اليَهُودِ، فَقالَ: "إنِّي واللَّهِ أعْلَمُ أنَّكم لَتَعْلَمُونَ أنِّي رَسُولُ اللَّهِ"، فَقالُوا: ما نَعْلَمُ ذَلِكَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ،» هَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: «أنَّ رُؤَساءَ أهْلِ مَكَّةَ أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ  ، فَقالُوا: سَألْنا عَنْكَ اليَهُودَ، فَزَعَمُوا أنَّهم لا يَعْرِفُونَكَ، فائْتِنا بِمَن يَشْهَدُ لَكَ أنَّ اللَّهَ بَعَثَكَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ،» هَذا قَوْلُ ابْنِ السّائِبِ.

قالَ الزَّجّاجُ: الشّاهِدُ: المُبَيِّنُ لِما يَشْهَدُ بِهِ، فاللَّهُ عَزَّ وجَلَّ بَيَّنَ ذَلِكَ، ويَعْلَمُ مَعَ إبانَتِهِ أنَّهُ حَقٌّ.

وفي مَعْنى ﴿ أنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنْزَلَهُ وفِيهِ عِلْمُهُ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

والثّانِي: أنْزَلَهُ مِن عِلْمِهِ، ذَكَرَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.

والثّالِثُ: أنْزَلَهُ إلَيْكَ بِعِلْمٍ مِنهُ أنَّكَ خِيرَتُهُ مِن خَلْقِهِ، قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: يَشْهَدُونَ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَهُ.

والثّانِي: يَشْهَدُونَ بِصِدْقِكَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: "الباءُ" دَخَلَتْ مُؤَكِّدَةً، والمَعْنى: اكْتَفُوا بِاللَّهِ في شَهادَتِهِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ رُسُلا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ لِئَلا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُسُلِ وكانَ اللهِ عَزِيزًا حَكِيمًا ﴾ ﴿ لَكِنِ اللهُ يَشْهَدُ بِما أنْزَلَ إلَيْكَ أنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ والمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وكَفى بِاللهِ شَهِيدًا ﴾ ﴿ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عن سَبِيلِ اللهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلالا بَعِيدًا ﴾ ﴿ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهم ولا لِيَهْدِيَهم طَرِيقًا ﴾ ﴿ إلا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أبَدًا وكانَ ذَلِكَ عَلى اللهِ يَسِيرًا ﴾ "رُسُلًا"؛ بَدَلٌ مِنَ الأوَّلِ قَبْلُ؛ و"مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ"؛ حالانِ؛ أيْ: يُبَشِّرُونَ بِالجَنَّةِ مَن آمَنَ؛ وأطاعَ؛ ويُنْذِرُونَ بِالنارِ مَن كَفَرَ؛ وعَصى؛ وأرادَ اللهُ تَعالى أنْ يَقْطَعَ بِالرُسُلِ احْتِجاجَ مَن يَقُولُ: لَوْ بُعِثَ إلَيَّ لَآمَنتُ؛ واللهُ تَعالى عَزِيزٌ؛ لا يُغالِبُهُ شَيْءٌ؛ ولا حُجَّةَ لِأحَدٍ عَلَيْهِ؛ وهو - مَعَ ذَلِكَ - حَكِيمٌ؛ تَصْدُرُ أفْعالُهُ عن حِكْمَةٍ؛ فَكَذَلِكَ قَطَعَ الحُجَّةَ بِالرُسُلِ حِكْمَةً مِنهُ تَعالى.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَكِنِ اللهُ يَشْهَدُ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ: سَبَبُها قَوْلُ اليَهُودِ: ﴿ ما أنْزَلَ اللهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ  ﴾ ؛ وقالَ بَعْضُهم لِمُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -: ما نَعْلَمُ يا مُحَمَّدُ أنَّ اللهَ أرْسَلَ إلَيْكَ؛ ولا أنْزَلَ عَلَيْكَ شَيْئًا؛ وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ السُلَمِيُّ ؛ والجَرّاحُ الحَكَمِيُّ: "لَكِنَّ اللهَ يَشْهَدُ"؛ بِشَدِّ النُونِ؛ ونَصْبِ المَكْتُوبَةِ عَلى اسْمِ "لَكِنَّ".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ ﴾ ؛ هَذِهِ الآيَةُ مِن أقْوى مُتَعَلِّقاتِ أهْلِ السُنَّةِ في إثْباتِ عِلْمِ اللهِ تَعالى ؛ خِلافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ في أنَّهم يَقُولُونَ: عالِمٌ بِلا عِلْمٍ؛ والمَعْنى - عِنْدَ أهْلِ السُنَّةِ -: أنْزَلَهُ وهو يَعْلَمُ إنْزالَهُ ونُزُولَهُ؛ ومَذْهَبُ المُعْتَزِلَةِ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ أنْزَلَهُ مُقْتَرِنًا بِعِلْمِهِ؛ أيْ: فِيهِ عِلْمُهُ مِن غُيُوبٍ؛ وأوامِرَ؛ ونَحْوِ ذَلِكَ؛ فالعِلْمُ عِبارَةٌ عَنِ المَعْلُوماتِ الَّتِي في القُرْآنِ؛ كَما هو في قَوْلِ الخَضِرِ: "ما نَقَصَ عِلْمِي وعِلْمُكَ مِن عِلْمِ اللهِ إلّا ما نَقَصَ هَذا العُصْفُورُ مِن هَذا البَحْرِ"؛ مَعْناهُ: مِن عِلْمِ اللهِ الَّذِي بَثَّ في عِبادِهِ؛ وقَرَأ الجُمْهُورُ: "أنْزَلَ"؛ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ؛ وقَرَأ الحَسَنُ: "أُنْزِلَ"؛ بِضَمِّ الهَمْزَةِ؛ عَلى بِنائِهِ لِلْمَفْعُولِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ ﴾ ؛ تَقْوِيَةٌ لِأمْرِ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -؛ ورَدٌّ عَلى اليَهُودِ؛ قالَ قَتادَةُ: "شُهُودٌ واللهِ غَيْرُ مُتَّهَمَةٌ"؛ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكَفى بِاللهِ شَهِيدًا ﴾ ؛ تَقْدِيرُهُ: وكَفى اللهُ شَهِيدًا؛ لَكِنْ دَخَلَتِ الباءُ لِتَدُلَّ عَلى أنَّ المُرادَ: اِكْتَفُوا بِاللهِ.

ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عَنِ الكافِرِينَ الَّذِينَ يَصُدُّونَ الناسَ عن سَبِيلِ اللهِ تَعالى أنَّهم قَدْ بَعُدُوا عَنِ الحَقِّ؛ وضَلُّوا ضَلالًا بَعِيدًا؛ لا يَقْرُبُ رُجُوعُهم عنهُ؛ ولا تَخَلُّصُهم مِنهُ؛ وقَرَأ عِكْرِمَةُ ؛ وابْنُ هُرْمُزٍ: "وَصُدُّوا"؛ بِضَمِّ الصادِ.

ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عَنِ الكافِرِينَ الظالِمِينَ في أنْ وضَعُوا الشَيْءَ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ؛ وهو الكُفْرُ بِاللهِ؛ واللهُ تَعالى يَسْتَوْجِبُ مِنهم غَيْرَ ذَلِكَ؛ لِنِعَمِهِ الظاهِرَةِ؛ والباطِنَةِ؛ إنَّهم بِحَيْثُ لَمْ يَكُنْ لِيَغْفِرَ لَهُمْ؛ وهَذِهِ العِبارَةُ أقْوى مِنَ الإخْبارِ المُجَرَّدِ أنَّهُ لا يَغْفِرُ؛ ومِثالُ ذَلِكَ أنَّكَ إذا قُلْتَ: "أنا لا أبِيعُ هَذا الشَيْءَ"؛ فُهِمَ مِنكَ الِاغْتِباطُ بِهِ؛ فَإذا قُلْتَ: "أنا ما كُنْتُ لِأبِيعَ هَذا الشَيْءَ"؛ فالِاغْتِباطُ مِنكَ أكْثَرُ؛ هَذا هو المَفْهُومُ مِن هَذِهِ العِبارَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا لِيَهْدِيَهم طَرِيقًا ﴾ ﴿ إلا طَرِيقَ جَهَنَّمَ ﴾ ؛ هَذِهِ هِدايَةُ الطُرُقِ؛ ولَيْسَتْ بِالإرْشادِ عَلى الإطْلاقِ؛ وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ؛ يَتَضَمَّنُ تَحْقِيرَ أمْرِ الكُفّارِ؛ وأنَّهم لا يُبالِيهِمُ اللهُ بالَةً؛ كَما ورَدَ في الحَدِيثِ: "يَذْهَبُ الصالِحُونَ؛ الأوَّلُ فالأوَّلُ حَتّى تَبْقى حُثالَةٌ كَحُثالَةِ التَمْرِ؛ لا يُبالِيهِمُ اللهُ بالَةً"؛ اَلْمَعْنى: إذْ هم كُفّارٌ في آخِرِ الزَمانِ؛ وعَلَيْهِمْ تَقُومُ الساعَةُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

هذا استدراك على معنًى أثارهُ الكلام: لأنّ ما تقدّم من قوله: ﴿ يسألك أهل الكتاب ﴾ [النساء: 153] مسوق مساق بيان تعنّتهم ومكابرتهم عن أن يشهدوا بصدق الرسول صلى الله عليه وسلم وصحّة نسبة القرآن إلى الله تعالى، فكان هذا المعنى يستلزم أنَّهم يأبون من الشهادة بصدق الرسول، وأنّ ذلك يحزن الرسول صلى الله عليه وسلم فجاء الاستدراك بقوله: ﴿ لكن الله يشهد ﴾ .

فإنّ الاستدراك تعقيب الكلام برفع ما يُتوهَّم ثبوتُه أو نفيُه.

والمعنى: لم يشهد أهلُ الكتاب لكن الله شهد وشهادة الله خير من شهادتهم.

وقد مضى عند قوله تعالى: ﴿ واستشهدوا شهيدين من رجالكم ﴾ في سورة البقرة (282)، أنّ حقيقة الشهادة إخبار لتصديق مخبر، وتكذيب مخبر آخر.

وتقدّم أنّها تطلق على الخبر المحقّق الذي لا يتطرّقه الشكّ عند قوله تعالى: ﴿ شهد الله أنّه لا إله إلاّ هو ﴾ في سورة آل عمران (18).

فالشهادة في قوله: لكن الله يشهد } أطلقت على الإخبار بنزول القرآن من الله إطلاقاً مجازياً، لأنّ هذا الخبر تضمّن تصديق الرسول وتكذيب معانديه، وهو إطلاق على وجه الاستعارة من الإطلاق الحقيقي هو غير الإطلاق الذي في قوله: ﴿ شهد الله أنّه لا إله إلاّ هو ﴾ [آل عمران: 18] فإنّه على طريقة المجاز المرسل.

وعطف شهادة الملائكة على شهادة الله: لزيادة تقرير هذه الشهادة بتعدّد الشهود، ولأنّ شهادة الله مجاز في العلم وشهادة الملائكة حقيقة.

وإظهار فعل ﴿ يشهدون ﴾ مع وجود حرف العطف للتّأكيد.

وحَرف (لكنْ) بسكون النون مخفّف لكنَّ المشدّدة النون التي هي من أخوات (إنّ) وإذا خفّفت بطل عملها.

وقَوله: ﴿ وكفى بالله شهيداً ﴾ يَجري على الاحتمالين.

وقوله: ﴿ بما أنزل إليك أنزله بعلمه ﴾ وقع تحويل في تركيب الجملة لقصد الإجمال الذي يعقبه التفصيل، ليكون أوقع في النفس.

وأصل الكلام: يشهد بإنزال ما أنزله إليك بعلمه؛ لأنّ قوله: ﴿ بما أنزل إليك ﴾ لم يُفد المشهود به إلاّ ضمناً مع المشهود فيه إذ جيء باسم الموصول ليوصل بصلة فيها إيماء إلى المقصود، ومع ذلك لم يذكر المقصود من الشهادة الذي هو حقّ مدخوللِ الباء بعد مادّة شهد، فتكون جملة ﴿ أنزله بعلمه ﴾ مكمّلة معنى الشهادة.

وهذا قريب من التحويل الذي يستعمله العرب في تمييز النسبة.

وقال الزمخشري: «موقع قوله: ﴿ أنزله بعلمه ﴾ من قوله: ﴿ لكن الله يشهد بما أنزل إليك ﴾ موقع الجملة المفسّرة لأنّه بيان للشهادة وأنّ شهادته بصحّته أنّه أنزله بالنظم المعجز».

فلعلّه يجعل جملة ﴿ لكن الله يشهد بما أنزل إليك ﴾ مستقلة بالفائدة، وأنّ معنى ﴿ بما أنزل إليك ﴾ بصحّة ما أنزل إليك، وما ذكرتُه أعرق في البلاغة.

ومعنى ﴿ أنزله بعلمه ﴾ أي متلبّساً بعلمه، أي بالغاً الغاية في باب الكتب السماوية، شأن ما يكون بعلم من الله تعالى، ومعنى ذلك أنّه معجز لفظاً ومعنى، فكما أعجز البلغاء من أهل اللّسان أعجز العلماءَ من أهل الحقائق العالية.

والباء في قوله: ﴿ وكفَى بالله شهيداً ﴾ زائدة للتَّأكيد، وأصله: كفى الله شهيداً كقوله: كفَى الشيبُ والإسلام للمرء ناهياً *** أو يضمّن (كفى) معنى اقتنِعوا، فتكون الباء للتعدية.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أهْلَ الكِتابِ لا تَغْلُوا في دِينِكُمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ خِطابٌ لِلنَّصارى خاصَّةً.

والثّانِي: أنَّهُ خِطابٌ لِلْيَهُودِ والنَّصارى، لِأنَّ الفَرِيقَيْنِ غَلَوْا فِيالمَسِيحِ، فَقالَتِ النَّصارى: هو الرَّبُّ، وقالَتِ اليَهُودُ: هو لِغَيْرِ رِشْدَةٍ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ.

والغُلُوُّ: مُجاوَزَةُ الحَدِّ، ومِنهُ غَلاءُ السِّعْرِ، إذا جاوَزَ الحَدَّ في الزِّيادَةِ، وغَلا في الدِّينِ، إذا فَرَّطَ في مُجاوَزَةِ الحَقِّ.

﴿ وَلا تَقُولُوا عَلى اللَّهِ إلا الحَقَّ ﴾ يَعْنِي في غُلُوِّهِمْ في المَسِيحِ.

﴿ إنَّما المَسِيحُ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﴾ رَدًّا عَلى مَن جَعَلَهُ إلَهًا، أوْ لِغَيْرِ رِشْدَةٍ [أوْ] ساحِرًا.

﴿ وَكَلِمَتُهُ ألْقاها إلى مَرْيَمَ ﴾ في كَلِمَتِهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: لِأنَّ اللَّهَ كَلَّمَهُ حِينَ قالَ لَهُ كُنْ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ، وقَتادَةَ.

الثّانِي: لِأنَّهُ بِشارَةُ اللَّهِ الَّتِي بَشَّرَ بِها، فَصارَ بِذَلِكَ كَلِمَةَ اللَّهِ.

والثّالِثُ: لِأنَّهُ يُهْتَدى بِهِ كَما يُهْتَدى بِكَلامِ اللَّهِ.

﴿ وَرُوحٌ مِنهُ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ رُوحٌ مِنَ الأرْواحِ، وأضافَهُ اللَّهُ إلى نَفْسِهِ تَشْرِيفًا لَهُ.

والثّانِي: أنَّهُ سُمِّيَ رُوحًا; لِأنَّهُ يَحْيا بِهِ النّاسُ كَما يَحْيَوْنَ بِالأرْواحِ.

والثّالِثُ: أنَّهُ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِنَفْخِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، لِأنَّهُ كانَ يَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ بِإذْنِ اللَّهِ، والنَّفْخُ يُسَمّى في اللُّغَةِ رُوحًا، فَكانَ عَنِ النَّفْخِ فَسُمِّيَ بِهِ ﴿ فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ ولا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ ﴾ في الثَّلاثَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: هو قَوْلُ النَّصارى: أبٌ وابْنٌ ورُوحُ القُدُسِ، وهَذا قَوْلُ بَعْضِ البَصْرِيِّينَ.

والثّانِي: هو قَوْلُ مَن قالَ: آلِهَتُنا ثَلاثَةٌ، وهو قَوْلُ الزَّجّاجِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن اسحاق وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال: دخل جماعة من اليهود على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لهم: «إني والله أعلم أنكم تعلمون أني رسول الله، فقالوا: ما نعلم ذلك..

!

فأنزل الله: ﴿ لكن الله يشهد..

﴾ الآية» .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ لكن الله يشهد..

﴾ الآية.

قال: شهود والله غير متهمة.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ ﴾ الآية.

قال ابن عباس وغيره من المفسرين: إن رؤساء مكة قالوا: يا محمد سألنا اليهود عنك وعن صفتك، فزعموا أنهم لا يعرفونك في كتابهم.

فقال رسول الله  لليهود: "إني والله أعلم أنكم لتعلمون أني رسول الله"، فقالوا: ما نعلم ذلك.

فأنزل الله هذه الآية (١) قال أهل المعاني: "لكن" لا يبتدأ به، لأنه لاستدراك ما سبق ومضى، وإنما يجيء بعد نفي لشيء فيثبت ذلك الشيء به، وهذه الآية من باب الحذف والاختصار، وذلك أن اليهود لما جحدوا نبوته وأنكروا ما أنزل الله عليه قالوا: ما نشهد لك بهذا، فمن يشهد لك به؟

فترك ذكر قولهم، وأنزل: ﴿ لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ ﴾ (٢) قال الزجاج: ومعنى ﴿ لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَد ﴾ أنَ الشاهد هو المبين لما يشهد به، فالله عز وجل يبين ما أنزل إليه، ويعلم مع إبانته أنه حق (٣) ومعنى إبانة الله تعالى ذلك نصب المعجزة له.

ووجه الاحتجاج بشهادة الله على اليهود أنهم أبوا أن يشهدوا بما شهد الله به، وكفى بهذا خزيًا بهم، وأيضًا فإن الله تعالى شهادته تبين صدق نبيه بما يغني عن بيان أهل الكتاب.

وقوله تعالى: ﴿ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ ﴾ فيه قولان: أحدهما: أنزله وهو يعلم أنك أهل لإنزاله عليك، لقيامك به وعملك بالحق فيه.

وفي هذا إثبات العلم لله، لأن المعنى: أنزله بعلمه الذي هو عالم به (٤) الثاني: ما ذكره الزجاج، وهو أنه قال: معنى ﴿ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ ﴾ أي أنزل القرآن الذي فيه علمه (٥) قال أبو علي: (أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ) أنزله وفيه علمه.

والجار في موضع الحال، كما أن: خرج بعدته، معناه: خرج وعليه عدته.

والعلم المعلوم، أي أنزله وفيه معلومه، كما أن الصيد يراد به المصاد في قوله: ﴿ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ  ﴾ .

والأيدي (٦) (٧) قوله تعالى: ﴿ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ ﴾ إنما تعرف شهادة الملائكة بقيام المعجزة ووضوحها، ومن قامت له المعجزة شهدت الملائكة بصدقه، ولا نحتاج مع شهادة الله تعالى في تصحيح المشهود به إلى شهادة غيره، لكن ذكرت شهادة الملائكة الذين هم عباد الله في مقابلة جحود اليهود الذين هم عباد الله، على جهة الاعتياض بهذه من ذاك.

ذكره بعض أهل المعاني (٨) وقوله تعالى: ﴿ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا ﴾ دخلت الباء مؤكدة، المعنى: وكفي الله شهيدًا، ويجوز أن يكون المعنى: اكتفوا بالله في شهادته (٩) (١٠) وهذه الآية تسلية للنبي  عن شهادة أهل الكتاب، فشهادة الله عز وجل والملائكة (مع ما) (١١) (١٢) (١) انظر: الطبري 6/ 31، و"الكشف والبيان" 4/ 145 أ، وابن كثير 1/ 651.

(٢) أخرجه الطبري 6/ 31، وذكره الثعلبي في "الكشف والبيان" 4/ 145 ب، والمؤلف في "أسباب النزول" ص 189، وابن كثير 1/ 651 - 652، والسيوطي في "الدر المنثور" 2/ 439، وعزاه إضافة إلى الطبري إلى كل من ابن إسحاق وابن المنذر والبيهقي.

(٣) "تأويل مشكل القرآن" ص 231، وانظر: "بحر العلوم" 1/ 406، و"الكشاف" 1/ 314، و"رصف المباني" ص 347، و"الدر المصون" 4/ 162.

(٤) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 134، وانظر: "زاد المسير" 2/ 257.

(٥) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 134.

(٦) في "الحجة": "فالأيدي".

(٧) "الحجة" لأبي علي 2/ 160.

(٨) "الحجة" لأبي علي 2/ 160.

(٩) انظر: "بحر العلوم" 3/ 399.

(١٠) "معاني الزجاج" 2/ 134، وانظر: "زاد المسير" 2/ 257.

(١١) في المخطوط جاءت هكذا: "معما".

(١٢) يكون في الكلام سقط، ولعل الصواب: "دليل على جهل من قعد عن هذِه الشهادة".

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ ﴾ منصوب بفعل مضمر أو على البدل ﴿ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى الله حُجَّةٌ بَعْدَ الرسل ﴾ أي بعثهم الله ليقطع حجة من يقول: لو أرسل إليّ رسولاً لآمنت ﴿ لكن الله يَشْهَدُ ﴾ الآية: معناها أنّ الله يشهد بأن القرآن من عنده، وكذلك تشهد الملائكة بذلك، وسبب الآية: إنكار اليهود للوحي، فجاء الاستدراك على تقدير أنهم قالوا: لن نشهد بما أنزل إليك، فقيل: لكن الله يشهد بذلك، وفي الآية من أدوات البيان الترديد، وهو ذكر الشهادة أولاً، ثم ذكرها في آخر الآية ﴿ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ ﴾ في هذا دليل لأهل السنة على إثبات علم الله، خلافاً للمعتزلة في قولهم إنه عالم بلا علم، وقد تأوّلوا الآية بتأويل بعيد.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ لا تعدوا ﴾ بتشديد الدال مع سكون العين: أبو جعفر نافع غير ورش وقرأ ورش مفتوحة العين مشددة.

﴿ بل طبع ﴾ بالإدغام: علي وهشام وأبو عمرو وعن حمزة ﴿ بل رفعه ﴾ مظهراً وبابه: الحلواني عن قالون ﴿ سيؤتيهم ﴾ حمزة وخلف وقتيبة.

الباقون بالنون ﴿ زبوراً ﴾ بضم الزاي حيث كان: حمزة وخلف والباقون بالفتح.

الوقوف: ﴿ بظلمهم ﴾ ج لأن "ثم" لترتيب الأخبار مع أن مراد الكلام متحد.

﴿ عن ذلك ﴾ ج لأن التقدير وقد آتينا.

﴿ مبيناً ﴾ ه ﴿ غليظاً ﴾ 5 ﴿ غلف ﴾ ط ﴿ قليلاً ﴾ ه ص للعطف.

﴿ عظيماً ﴾ ه لا لأنّ التقدير وفي قولهم.

﴿ رسول الله ﴾ ج لأن ما بعده يحتمل ابتداء النفي والحال.

﴿ شبه لهم ﴾ ط ﴿ منه ﴾ ط ﴿ الظن ﴾ ج لاحتمال الاستئناف والحال ﴿ يقيناً ﴾ ج لتقرير نفي القتل بإثبات الرفع ﴿ إليه ﴾ ط ﴿ حكيماً ﴾ ه ﴿ قبل موته ﴾ ط لأن الواو للاستئناف مع اتحاد المقصود.

﴿ شهيداً ﴾ ه ج للآية ولأن قوله: ﴿ فبظلم ﴾ راجع إلى / قوله: ﴿ فبما نقضهم ﴾ ﴿ وقولهم ﴾ متعلق الكل ﴿ حرمنا ﴾ .

﴿ كثيراً ﴾ لا ﴿ بالباطل ﴾ ط ﴿ اليماً ﴾ ه ﴿ واليوم الآخر ﴾ ط ﴿ عظيماً ﴾ ه ﴿ من بعده ﴾ ج للعطف من مع تكرار الفعل.

﴿ وسليمن ﴾ ج لأنّ التقدير وقد آتينا التخصيص داود بإيتاء الزبر.

﴿ زبوراً ﴾ ه ج لأنّ التقدير وقصصنا رسلاً.

﴿ عليك ﴾ ط.

﴿ تكليماً ﴾ ه ج لاحتمال البدل والنصيب على المدح.

﴿ الرسل ﴾ ط ج ﴿ حكيماً ﴾ ه ﴿ بعلمه ﴾ ج لاحتمال ما بعده الاستئناف والحال.

﴿ يشهدون ﴾ ط ﴿ شهيداً ﴾ ه ﴿ بعيداً ﴾ ه ﴿ طريقاً ﴾ ه لا ﴿ أبداً ﴾ ط ﴿ يسيراً ﴾ ه.

التفسير: هذا نوع ثان من جهالات اليهود فإنهم قالوا: إن كنت رسولاً من عند الله فأتنا بكتاب من السماء جملة كما جاء موسى بالألواح.

وقيل: اقترحوا أن ينزل عليهم كتاباً إلى فلان وكتاباً إلى فلان بأنك رسول الله.

وقيل: كتاباً نعاينه حين ينزل.

فإن استكبرت ما سألوه ﴿ فقد سألوا ﴾ بمعنى سأل آباؤهم ومن هؤلاء على مذهبهم ﴿ موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة ﴾ وأنما كان سؤال الرؤية أكبر من سؤال تنزيل الكتاب لأن التنزيل أمر ممكن في ذاته بخلاف رؤية الله عياناً فإنها ممتنعة لذاتها عند المعتزلة، أو ممتنعة في الدنيا عند غيرهم.

وفي قوله: ﴿ من بعد ما جاءتهم البينات ﴾ وجوه: أحدها أن البينات الصاعقة لأنها تدل على قدرة الله  وعلى علمه وعلى قدمه وعلى كونه مخالفاً للأجسام والأعراض، وعلى صدق موسى  في دعوى النبوة.

وثانيها أنها إنزال الصاعقة واحياؤهم بعد إماتتهم.

وثالثها أنها الآيات التسع من العصا واليد وفلق البحر وغيرها.

وفحوى الكلام أن هؤلاء يطلبون منك يا محمد أن تنزل عليهم كتاباً من السماء فاعلم أنهم لا يطلبونه منك إلاّ عناداً ولجاجاً فإن موسى  قد أنزل عليه هذا الكتاب وأنزل عليه سائر المعجزات الباهرة ثم إنهم طلبوا الرؤية على سبيل العناد وأقبلوا على عبادة العجل، وكل ذلك يدل على أنهم مجبولون على اللجاج والعناد والبعد عن طريق الحق ﴿ فعفونا عن ذلك ﴾ حيث لم نستأصل عبدة العجل ﴿ وآتينا موسى سلطاناً مبيناً ﴾ تسلطاً ظاهراً وهو أن أمرهم بقتل أنفسهم، أو المراد قوّة أمره وكمال حاله وانكسار خصومه ففيه بشارة للنبي  بأن هؤلاء الكفار وإن كانوا يعاندونه فإنه بالآخرة يستولي عليهم ويقهرهم.

ثم حكى عنهم سائر جهالاتهم واصرارهم على أباطيلهم منها أنه  رفع الطور بميثاقهم أي بسبب ميثاقهم ليخافوا فلا ينقضوه، ومنها قصة دخولهم الباب باب بيت المقدس، ومنها قصة اعتدائهم في السبت باصطياد السمك وقد مر جميع هذه القصص في سورة البقرة، وقيل: إن العدو ههنا ليس بمعنى الاعتداء وإنما هو بمعنى الحظر والمراد به النهي عن العمل والكسب يوم السبت كأنه قيل لهم: اسكنوا عن العمل في هذا اليوم واقعدوا في منازلكم فأنا / الرزاق.

ثم قال: ﴿ وأخذنا منهم ميثاقاً غليظاً ﴾ أي العهد المؤكد غاية التوكيد على أن يتمسكوا بالتوراة ويعملوا بما فيها ﴿ فبما نقضهم ﴾ "ما" مزيدة للتوكيد أي فبنقضهم وبسبب كذا وكذا ثم قال: ﴿ بل طبع الله عليها ﴾ ردّاً لقولهم قلوبنا أوعية للعلم وتنبيهاًَ على أنه  ختم عليها فلهذا لا يصل أثره الدعوة البيان إليها، أو تكذيباً لادعائهم إن قلوبنا في أكنة وذلك بحسب تفسيري الغلف كما مر في سورة البقرة ﴿ فلا يؤمنون إلاّ ﴾ إيماناً ﴿ قليلاً ﴾ وهو إيمانهم بموسى والتوراة على زعمهم وإلا فالكافر بنبي واحد كافر بجميع الأنبياء فالقلة في الحقيقة بمعنى العدم ﴿ وبكفرهم وقولهم على مريم بهتاناً عظيماً ﴾ فإنكارهم قدرة الله  على خلق الولد من غير أب وكذا إنكارهم نبوة عيسى كفر ونسبتهم الزنا لمريم بهتان عظيم لأنه ظهر لهم عند ولادة عيسى من الكرامات والمعجزات ما دلهم على براءتها من كل سوء ﴿ وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى بن مريم رسول الله ﴾ قالوه على وجه الاستهزاء كقول فرعون ﴿ إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون  ﴾ أو أنه  جعل الذكر الحسن مكان القبيح الذي كانوا يطلقونه عليه من الساحر ابن الساحرة والفاعل ابن الفاعلة.

﴿ وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه ﴾ أي المقتول ﴿ لهم ﴾ لدلالة ذكر قتلنا على المقتول، أو يكون شبه مسنداً إلى الجار والمجرور وهولهم أي وقع لهم التشبيه، ولا يجوز أن يكون في شبه ضمير المسيح لأنه المشبه به وليس بمشبه.

قال أكثر المتكلمين: إن اليهود لما قصدوا قتله رفعه الله إلى السماء فخاف رؤساء اليهود وقوع الفتنة فيما بين عوامهم فأخذوا إنساناً وقتلوه وصلبوه ولبَّسوا على الناس أنه هو المسيح، والناس ما كانوا يعرفون المسيح، إلاّ بالاسم لإنه كان قليل المخالطة مع الناس.

وقيل: إن اليهود لما علموا أنه في البيت الفلاني مع أصحابه, أمر يهوذا رأس اليهود رجلاً من أصحابه ـ يقال له طيطانوس ـ أن يدخل على عيسى ويخرجه ليقتله، فلما دخل عليه أخرج الله  عيسى من سقف البيت وألقى على ذلك الرجل شبه عيسى فخرج فظنوا أنه هو المسيح فصلبوه وقتلوه.

وقيل: وكلوا بعيسى  رجلاً يحرسه وصعد عيسى في الجبل ورفع إلى السماء وألقى الله الشبه على ذلك الرقيب فقتلوه وهو يقول لست عيسى.

وقيل إن رهطاً من اليهود سبوه وسبوا أمه فدعا عليهم: اللهم أنت ربي وبكلمتك خلقتني، اللهم العن من سبني وسب والدتي.

فمسخ الله من سبهما قردة وخنازير، فأجمعت اليهود على قتله فلما هموا بأخذه وكان معه عشرة من أصحابه قال لهم: من يشتري الجنة بأن يلقى عليه شبهي؟

فقال واحد منهم: أنا فألقى الله شبه عيسى عليه فأخرج وقتل ورفع الله عيسى.

وقيل: كان رجل يدعي أنه من أصحاب عيسى وكان منافقاً، فذهب إلى اليهود ودلهم عليه فلما دخل مع اليهود لأخذه / ألقى الله شبهه عليه فقتل وصلب ﴿ وإنّ الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ﴾ قيل: إن المختلفين هم اليهود لما قتلوا الشخص المشبه ونظروا إلى بدنه قالوا: الوجه وجه عيسى والجسد جسد غيره.

وقال السبكي: لما قتلوا اليهودي المشبه مكانه قالوا: إن كان هذا عيسى فأين صاحبنا، وإن كان هذا صاحبنا فأين عيسى؟

وقيل: إن المختلفين هم النصارى وذلك أنهم بأسرهم متفقون على أن اليهود قتلوه إلا أن كبار فرق النصارى ثلاثة: النسطورية والملكانية واليعقوبية.

فالنسطورية زعموا أن المسيح صلب من جهة ناسوته لا من جهة لاهوته وهو قريب من قول الحكماء إنّ القتل والموت يرد على الهيكل لا على النفس المجردة، وعلى هذا فالفرق بين عيسى وبين سائر المصلوبين أن نفسه كانت قدسية علوية مشرقة قريبة من عالم الأرواح فلم يعظم تألمها بسبب القتل وتخريب البدن.

وقالت الملكانية: القتل والصلب وصل إلى اللاهوت بالإحساس والشعور لا بالمباشرة.

وقالت اليعقوبية: القتل والصلب وقع للمسيح الذي هو جوهر متولد من جوهرين، والشك في الأحكام استواء طرفي نقيضه عند الذاكر وقد يطلق عليه الظن وبهذا ذم في قوله: ﴿ ما لهم به من علم إلا اتباع الظن ﴾ وأما العمل بالقياس فليس من اتباع الظن في شيء لأنه عمل بالطرف الراجح، ولأن العلم بوجوب العمل قطعي.

ثم قال: ﴿ وما قتلوه يقيناً ﴾ وإنه يحتمل عدم يقين القتل أي قتلاً يقيناً أو متيقنين.

واليقين عقد جازم مطابق ثابت لدليل ويحتمل يقين عدم القتل على أن ﴿ يقيناً ﴾ تأكيد لقوله: ﴿ وما قتلوه ﴾ أي حق انتفاء قتله حقاً وهذا أولى لقوله: ﴿ بل رفعه الله إليه ﴾ وقيل: هو من قولهم قتلت الشيء علماً إذا تبالغ فيه علمه فيكون تهكماً بهم لأنه نفى عنهم العلم أولاً نفياً كلياً ثم نبه بقوله: ﴿ وكان الله عزيزاً حكيماً ﴾ على أن رفع عيسى إلى السماء بالنسبة إلى قدرته سهل وأن فيه من الحكم والفوائد ما لا يحصيها إلاّ هو.

ثم قال: ﴿ وإن من أهل الكتاب إلاّ ليومننّ به قبل موته ﴾ فقوله: ﴿ إلاّ ليؤمنن به ﴾ جملة قسمية واقعة صفة لموصوف محذوف "وإن" هي النافية.

التقدير: وما من أهل الكتاب أحد إلاّ ليؤمنن به كقوله: ﴿ وما منا إلاّ له مقام معلوم  ﴾ والضمير في ﴿ به ﴾ عائد إلى عيسى، وفي ﴿ موته ﴾ إلى أحد.

عن شهر بن حوشب قال لي الحجاج: آية ما قرأتها إلاّ تخالج في نفسي شيء منها يعني هذه الآية وقال: إني أوتي بالأسير من اليهود والنصارى فأضرب عنقه فلا أسمع منه ذلك.

فقلت: إن اليهودي إذا حضره الموت ضربت الملائكة دبره ووجهه وقالوا: يا عدوّ الله أتاك عيسى نبياً فكذبت به فيقول: آمنت أنه عبد نبي.

وتقول للنصراني: أتاك عيسى نبياً فزعمت أنه الله أو ابن الله فيؤمن به ويقول: إنه / عبد الله ورسوله حيث لا ينفعه إيمانه.

قال: وكان متكئاً فاستوى جالساً فنظر إليّ وقال: ممن قلت؟

قلت: حدثني محمد بن علي ابن الحنفية فأخذ ينكت الأرض بقضيبه ثم قال: لقد أخذتها من عين صافية أو من معدنها.

وعن ابن عباس أنه فسره كذلك فقال له عكرمة: فإن أتاه رجل فضرب عنقه؟

قال: لا تخرج نفسه حتى يحرك بها شفتيه.

قال: وإن خر من فوق بيت أو احترق أو أكله سبع؟

قال: يتكلم بها في الهواء ولا تخرج روحه حتى يؤمن به.

وفائدة هذا الإخبار الوعيد وإلزام الحجة والبعث على معاجلة الإيمان به في أوان الانتفاع، لأنه إذا لم يكن بد من الإيمان به فلأن يؤمنوا به حال التكليف ليقع معتداً به أولى.

وقيل: الضميران في ﴿ به ﴾ وفي ﴿ موته ﴾ لعيسى والمراد بأهل الكتاب الذين يكونون في زمان نزوله.

روي أنه ينزل من السماء في آخر الزمان فلا يبقى أحد من أهل الكتاب إلا يؤمن به حتى تكون الملة واحدة وهي ملة الإسلام، ويهلك الله في زمانه المسيح الدجال وتقع الأمنة حتى ترتع الأسود والنمور مع الإبل والبقر، والذئاب مع الغنم، ويلعب الصبيان بالحيات، ويلبث في الأرض أربعين سنة ثم يتوفى ويصلي عليه المسلمون ويدفنونه.

قال بعض المتكلمين: ينبغي أن يكون هذا عند ارتفاع التكاليف أو بحيث لا يعرف إذ لو نزل مع بقاء التكليف على وجه يعرف أنه عيسى.

فأما أن يكون نبياً - ولا نبي بعد محمد  - أو غير نبي وعزل الأنبياء لا يجوز.

وأجيب بأنه كان نبياً إلى مبعث محمد  وبعد ذلك انتهت مدة نبوته فلا يلزم عزله فلا يبعد أن يصير بعد نزوله تبعاً لمحمد  .

قال في الكشاف: ويجوز أن يراد أنه لا يبقى أحد من جميع أهل الكتاب إلاّ ليؤمن به على أن الله  يحييهم في قبورهم في ذلك الزمان ويعلمهم نزوله وما أنزل له ويؤمنون به حين لا ينفعهم إيمانهم وقيل: الضمير في ﴿ به ﴾ يرجع إلى الله  وقيل إلى محمد  ﴿ ويوم القيامة يكون عليهم شهيداً ﴾ يشهد على اليهود بأنهم كذبوه وعلى النصارى بأنهم دعوه ابن الله وكذلك كل نبي شاهد على أمته.

قوله: ﴿ فبظلم ﴾ التنوين للتعظيم يعني فبأي ظلم ﴿ من الذين هادوا ﴾ والذنوب نوعان: الظلم على الخلق وهو قوله: ﴿ فبظلم من الذين هادوا ﴾ الآية والإعراض عن الدين الحق وهو قوله: ﴿ وبصدّهم عن سبيل الله كثيراً ﴾ أي ناساً كثيراً أو صداً كثيراً.

ومن هذا القبيل أخذ الربا بعد النهي عنه وأكل أموال الناس بالباطل أي بالرشا على التحريف؛ فهذه الذنوب هي الموجبة للتشديد عليهم في الدنيا والآخرة.

أما في الدنيا فتحريم بعض المطاعم الطيبة كما يجيء في سورة الأنعام: ﴿ وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر  ﴾ الآية وأما في الآخرة فقوله: ﴿ وأعتدنا للكافرين منهم عذاباً أليماً ﴾ واعلم أن في متعلق قوله: ﴿ فبما نقضهم ﴾ وما عطف عليه قولين: الأوّل أنه محذوف والتقدير: فبنقضهم وبكذا وكذا لعنّاهم أو سخطنا عليهم أو نحو ذلك ثم استأنف قوله: / ﴿ فبظلم ﴾ ومتعلقه ﴿ حرمنا ﴾ وكذا متعلق المعطوفات بعده.

الثاني أن متعلق الكل ﴿ حرمنا ﴾ وقوله: ﴿ فبظلم ﴾ بدل من قوله: ﴿ فبما نقضهم ﴾ قاله الزجاج.

ويرجح الأوّل بأن حذف المتعلق أفخم ليذهب الوهم كل مذهب، ولأنّ تحريم الطيبات عقوبة خفيفة فلا يحسن تعليقها بتلك الجنايات العظائم.

قلت: لو جعل قوله: ﴿ وأعتدنا ﴾ معطوفاً على ﴿ حرمنا ﴾ زال هذا الإشكال، أما تكرار الكفر في الآيات ثلاث مرات ويلزم من عطف الثالث على الأوّل أو على الثاني عطف الشيء على نفسه فقد أجاب عنه في الكشاف بأنه قد تكرر منهم الكفر لأنهم كفروا بموسى ثم بعيسى ثم بمحمد  فعطف بعض كفرهم على بعض، أو عطف مجموع المعطوف على مجموع المعطوف عليه كأنهم قيل: فبجمعهم بين نقض الميثاق والكفر بآيات الله، وقتل الأنبياء عليهم السلام، وقولهم قلوبنا غلف، وجمعهم بين كفرهم وبهتهم مريم وافتخارهم بقتل عيسى، عاقبناهم أو بل طبع الله عليها بكفرهم وجمعهم بين كفرهم وكذا وكذا.

ثم وصف طريقة المؤمنين المحقين منهم فقال: ﴿ لكن الراسخون في العلم منهم ﴾ يعني عبدالله بن سلام وأضرابه ممن نبت في العلم وثبت وأتقن واستبصر حتى حصلت له المعارف بالاستدلال واليقين دون التقليد والتخمين، لأن المقلد يكون بحيث إذا شكك تشكك، أما المستدل فإنه لا يتشكك ألبتة ﴿ والمؤمنون ﴾ يريد المؤمنين منهم أو المؤمنين من المهاجرين والأنصار.

والراسخون مبتدأ و ﴿ يؤمنون ﴾ خبره.

أما قوله: ﴿ والمقيمين الصلاة ﴾ ففيه أقوال: الأوّل روي عن عثمان وعائشة أنهما قالا: إن في المصحف لحناً وستقيمه العرب بألسنتها، ولا يخفى ركاكة هذا القول لأن هذا المصحف منقول بالتواتر عن رسول الله  فكيف يمكن ثبوت اللحن فيه؟

الثاني قول البصريين إنه نصب على المدح لبيان فضيل الصلاة ﴿ والمؤتون الزكاة ﴾ رفع على المدح لبيان فضل الزكاة كقولك: جاءني قومك المطعمين في المحل والمغيثون في الشدائد.

فتقدير الآية أعني المقيمين الصلاة وهم المؤتون الزكاة ﴿ والمؤمنون بالله واليوم الآخر ﴾ وطعن الكسائي في هذا القول بأن النصب على المدح إنما يكون بعد تمام الكلام وههنا الخبر وهو قوله: ﴿ أولئك ﴾ إلخ منتظر.

والجواب أن الخبر ﴿ يؤمنون ﴾ ولو سلم فما الدليل على أنه لا يجوز الاعتراض بالمدح بين المبتدأ وخبره؟

الثالث وهو اختيار الكسائي أن المقيمين خفض للعطف على ما في قوله: ﴿ إنما أنزل إليك ﴾ والمراد بهم الأنبياء لأنه لم يخل شرع واحد منهم من الصلاة قال  : ﴿ وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة  ﴾ أو الملائكة لقوله: ﴿ وإنا لنحن الصافون  ﴾ واعلم أن العلماء ثلاثة أقسام: العلماء بأحكام الله وتكاليفه وشرائعه، والعلماء بذات الله وصفاته الواجبة والممتنعة وأحوال / المبدإ والمعاد، والعلماء الجامعون بين العلمين المذكورين مع العمل بما يجب العمل به وهم الراسخون في العلم وأنهم أكابر العلماء، وإلى الأقسام الثلاثة أشار بقوله  : " جالس العلماء وخالط الحكماء ورافق الكبراء" اللهم اجعلنا من زمرتهم بفضلك يا مستعان.

ثم إنه  عاد إلى الجواب عن سؤال اليهود وهو اقتراح نزول الكتاب جملة فقال: ﴿ إنا أوحينا إليك ﴾ الآية.

فبدأ بذكر نوح  لأنه أول من شرع الله على لسان الأحكام والحلال والحرام، ثم قال: ﴿ والنبيين من بعده ﴾ ثم خص بعض النبيين بالذكر لكونهم أفضل من غيرهم، ولم يذكر فيهم موسى لأن المقصود من تعداد هؤلاء الأنبياء أنهم كانوا رسلاً مع أن واحداً منهم ما أوتي كتاباً مثل التوراة دفعة واحدة.

ثم ختم ذكر الأنبياء بقوله: ﴿ وآتينا داود زبوراً ﴾ يعني أنكم اعترفتم، أن الزبور من عند الله، ثم إنه ما نزل على داود جملة واحدة وهذا إلزام حسن قوي والزبور كتاب داود  .

من قرأ بضم الزاي فعلى أنه جمع زبر وهو الكتاب كقدر وقدور.

ثم قال: ﴿ ورسلاً قد قصصناهم عليك من قبل ورسلاً لم نقصصهم عليك ﴾ والمعنى أنه  إنه ذكر أحوال بعض الأنيباء في القرآن والأكثرون غير مذكورين على سبيل التفصيل ﴿ وكلم الله موسى تكليماً ﴾ هذا أيضاً من تتمة الجواب.

والمراد أنه بعث كل هؤلاء الأنبياء والرسل وخص موسى  بشرف التكليم معهم ولم يلزم منه الطعن في سائر الأنبياء فكيف يلزم الطعن بإنزال التوراة عليه دفعة وإنزال غيرها على غيره منجماً ﴿ رسلاً مبشرين ومنذرين ﴾ يعني أن المقصود من بعثة الأنبياء إلزام التكاليف بالإنذار والتبشير، وقد يتوقف هذا المطلوب على إنزال الكتب وقد يكون إنزال الكتاب منجماً مفرقاً أقرب إلى المصلحة لأنه إذا نزل جملة كثرة التكاليف فيثقل القبول كما ثقل على قوم موسى فعصوا.

ثم ختم الآية بقوله: ﴿ وكان الله عزيزاً حكيماً ﴾ والمعنى أن عزته تقتضي أن لا يجاب المتعنت إلى مطلوبه وإن كان أمراً هيناً في القدرة وكذلك حكمته تقتضي هذا الامتناع، لأنه لو فعل ذلك لأصروا على اللجاج في كل قضية.

واحتج الأشاعرة بالآية على أن معرفة الله لا تثبت إلاّ بالسمع لقوله: ﴿ لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل ﴾ فيكون قبل البعثة لهم حجة في ترك الطاعات والمعارف.

وأجابت المعتزلة بأن الرسل منبهون عن الغفلة وباعثون على النظر وكان إرسالهم إزاحة للغفلة وتتميماً لإلزام الحجة مع إفادة تفصيل أمور الدين وبيان أحوال التكليف وتعليم الشرائع.

والمعتزلة قالوا: في الآية دلالة على امتناع تكليف ما لا يطاق لأن عدم إرسال الرسل إذا كان يصلح عذراً فبأن يكون عدم القدرة والمكنة صالحاً للعذر أولى وعورض.

وأيضاً قالوا: الآية تدل على أن العبد قد يحتج على الرب فيبطل قول أهل السنة إنه لا / اعتراض عليه لأحد.

وأجيب بأنه يشبه الحجة وليس حجة في الحقيقة.

قوله: ﴿ لكن الله يشهد ﴾ لا بد له من مستدرك لأن ﴿ لكن ﴾ لا يبتدأ به.

وفي ذلك المستدرك وجهان: أحدهما أن هذه الآيات بأسرها جواب عن قول اليهود لو كان نبياً لنزل عليه الكتاب جملة، وهذا الكلام يتضمن أنه هذا القرآن ليس كتاباً نازلاً عليه من السماء فلا جرم قيل: ﴿ لكن الله يشهد ﴾ بأنه نازل عليه من السماء.

الثاني أنه  لما قال: ﴿ إنا أوحينا إليك ﴾ قال القوم: نحن لا نشهد لك بذلك فنزل ﴿ لكن الله يشهد ﴾ ومعنى شهادة الله إنزال القرآن بحيث عجز عن معارضته الأولون والآخرون أي يشهد لك بالنبوة بواسطة هذا القرآن الذي أنزله إليك.

ثم فسر ذلك وأوضح بقوله: ﴿ أنزله بعلمه ﴾ أي متلبساً بعلمه الخاص الذي لا يعلمه غيره، أو بسبب علمه الكامل مثل: كتبت بالقلم وهذا كما يقال في الرجل المشهور بكمال الفضل إذا صنف كتاباً واستقصى في تحريره إنما صنف هذا بكمال علمه يعني أنه اتخذ جملة علومه آلة ووسيلة إلى تصنيف ذلك الكتاب، أو أنزله وهو عالم بأنك أهل لإنزاله إليك وأنك مبلغه، أو أنزله بما علم من مصالح العباد فيه، أو أنزله وهو عالم به رقيب عليه حافظ له من شياطين الجن والإنس ﴿ والملائكة يشهدون ﴾ لأنهم لا يسبقونه بالقول فشهادته تستتبع شهادتهم ومن صدقه رب العالمين وملائكة السموات والأرضين لم يلتفت إلى تكذيب أخس الناس إياه ﴿ وكفى بالله شهيداً ﴾ وإن لم يشهد غيره ﴿ إن الذين كفروا ﴾ بمحمد  والقرآن ﴿ وصدوا ﴾ غيرهم ﴿ عن سبيل الله ﴾ بإلقاء الشبهات كقولهم: لو كان رسولاً لأنزل عليه القرآن دفعة كما نزلت التوراة على موسى، وكقولهم إن شريعة موسى لا تنسخ وإن الأنبياء لا يكونوا إلاّ من ولد هارون وداود ﴿ قد ضلوا ضلالاً بعيداً ﴾ لأن غاية الضلال أن ينضم معه الإضلال.

﴿ إنّ الذين كفروا وظلموا ﴾ محمداً  بكتمان بعثته أو عوامهم بإلقاء الشبهات في قلوبهم.

ومعنى قوله: ﴿ ولا ليهديهم طريقاً ﴾ أنهم لا يسلكون إلاّ الطريق الموصل إلى جهنم أو لا يهديهم يوم القيامة إلاّ طريقها.

والعامل في ﴿ خالدين ﴾ معنى لا ليهديهم أي يعاقبهم أو يدخلهم النار خالدين.

﴿ وكان ذلك على الله يسيراً ﴾ لأنه لا صارف له عن ذلك ولا يتعذر عليه إيصال الألم إليه شيئاً بعد شيء إلى غير النهاية.

واللام في ﴿ الذين ﴾ إما لقوم معهودين علم الله منهم أنهم يموتون على الكفر، وإما للاستغراق فيجب أن يضمر شرط عدم التوبة.

وحمل المعتزلة قوله: ﴿ وظلموا ﴾ على أصحاب الكبائر بناء على أنه لا فرق عندهم بين الكافر وصاحب الكبيرة في أنه لا يغفر لهما إلاّ بالتوبة.

التأويل: ﴿ أرنا الله جهرة ﴾ لعل خرة موسى بلن تراني كانت بشؤم القوم وما كان في انفسهم من سوء أدب هذا السؤال لئلا يطمعوا في مطلوب لم يعطه نبيهم، فما اتعظوا بحالة نبيهم لأنهم كانوا أشقياء والسعيد من وعظ بغيره.

فكلما زاد عنادهم زاد بلاؤهم وابتلاؤهم / كرفع الطور فوقهم وغير ذلك.

قال أهل الإشارة: ارتكاب المحظورات يوجب تحريم المباحات والطيبات التي أحلت لهم ولأزواجهم الطيبين قبل التلوث بقذر المخالفات والإسراف في المباحات يستتبع حرمان المناجاة والقربات ﴿ لكن الراسخون في العلم ﴾ هم الذين رسخوا بقدمي الصدق والعمل في العلم إلى أن بلغوا معادن العلوم فاتصلت علومهم الكسبية بالعلوم العطائية واللدنية ﴿ إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده ﴾ أي كل ما أوحينا إليك من سر ﴿ فأوحى إلى عبده ما أوحى  ﴾ ﴿ ورسلاً قد قصصناهم عليك من قبل ﴾ أي ليلة المعراج ﴿ ورسلاً لم نقصصهم عليك  ﴾ الآن في القرآن مفصلة ﴿ أنزله بعلمه ﴾ تجلى له بصفة العالمية حتى علم بعلمه ما كان وما سيكون ﴿ والملائكة يشهدون ﴾ على تلك الخلوة وإن لم يكونوا معك في الخلوة ﴿ وكفى بالله شهيداً ﴾ على ما جرى.

قد كان ما كان سراً لا أبوح به *** ظن خيراً ولا تسأل عن الخبر <div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ كَمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ نُوحٍ وَٱلنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ ﴾ .

قيل فيه بوجوه: قيل: قوله: ﴿ كَمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ نُوحٍ ﴾ الكاف صلة زائدة، ومعناه: إنا أوحينا إليك ما أوحينا إلى نوح ومن ذكر من بعده، أي: لا يختلف ما أنزل إليك وما أنزل إلى غيرك من الرسل؛ وهو كقوله -  -: ﴿ وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ ٱلأَوَّلِينَ  ﴾ ، ﴿ إِنَّ هَـٰذَا لَفِي ٱلصُّحُفِ ٱلأُولَىٰ ﴾ \[الآية\] [الأعلى: 18].

وقيل: ﴿ إِنَّآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ ﴾ من الحجج والآيات "كما أوحينا إلى نوح" ومن ذكر من الحجج والآيات على صدق ما ادعوا، أي: قد أعطاك [الله] من الحجج والآيات ما يدل على رسالتك ونبوتك؛ كما أعطى أولئك من الحجج والآيات على صدق ما ادعوا من الرسالة والنبوة، ثم لم يؤمنوا.

وقيل: إن اليهود قالوا: إن محمداً لو كان رسولا - لكان يؤتى كتاباً جملة، كما أوتي موسى كتاباً جملة من غير وحي؛ فقال -  -: ﴿ إِنَّآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ كَمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ نُوحٍ وَٱلنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ ﴾ وحياً من غير أن أوتي كلٌّ منهم كتاباً جملة كما أوتي موسى، ثم كان أولئك رسلاً؛ فعلى ذلك محمد  رسول وإن لم يؤت كتاباً كما أوتي موسى، ولله أن يفعل ذلك: يؤتي من شاء كتاباً جملة مرة، ومن شاء يوحي إليه بالتفاريق، والله أعلم بذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ...

﴾ ومن ذكر.

يحتمل ذكر إبراهيم ومن ذكر من أولاده بعد قوله: ﴿ إِنَّآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ كَمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ نُوحٍ وَٱلنَّبِيِّينَ ﴾ - على التخصيص لإبراهيم ومن ذكر؛ لأنه ذكر النبيين [من] بعد نوح؛ فدخلوا فيه، ثم خصهم بالذكر؛ تفضيلاً وتخصيصاً لهم.

ويحتمل أن يكون قوله -  -: ﴿ وَٱلنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ ﴾ : الرسل الذين كانوا بعد نوح قبل إبراهيم، ثم ابتدأ الكلام فقال: ﴿ وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ...

﴾ ومن ذكر.

وفي حرف حفصة -  ا -: "إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح، وكما أوحينا إلى الرسل من بعدهم، وكما أوحينا إلى إبراهيم"؛ فهذا يدل على ما ذكرنا من ابتداء الذكر لهم، والله أعلم.

والآية ترد على القرامطة مذهبهم؛ لأنهم يقولون: الرسلت ستة، سابعهم قائم الزمان؛ لأنه ذكر في الآية من الرسل أكثر من عشرة؛ فظهر كذبهم بذلك، ومخايلهم التي سول لهم الشيطان وزين في قلوبهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلاً لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ ﴾ ذكر في بعض القصة: أن اليهود قالوا: ما بال موسى لم يذكر فيمن ذكر من الأنبياء؛ فأنزل الله - عز وجل -: ﴿ وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ ﴾ هؤلاء بمكة في "الأنعام" وفي غيرها؛ لأنه قيل: إن هذه السورة مدنية.

ثم في قوله: ﴿ وَرُسُلاً لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ ﴾ دلائل من وجوه: أحدها: أن معرفة الرسل بأجمعهم واحداً بعد واحد - ليس من شرط الإيمان بعد أن يؤمن بهم جميعاً؛ لأنه أخبر - عز وجل - أن من الرسل من لم يقصصهم عليه، ولو كان معرفتهم من شرط الإيمان لقصهم عليه جميعاً، لا يحتمل ترك ذلك؛ دل أنه ليس ذلك من شرط الإيمان، والله أعلم.

والثاني: أن الإيمان ليس هو المعرفة، ولكنه التصديق؛ لأنه لم يؤخذ عليه عدم معرفة الرسل، وأخذ بتصديقهم والإيمان بهم جملة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَلَّمَ ٱللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيماً ﴾ .

اختلف فيه: قال بعضهم: خلق الله كلاماً وصوتاً، وألقى ذلك في مسامعه.

وقال آخرون: كتب له كتاباً فكلمه بذلك؛ فذلك معنى قوله: ﴿ وَكَلَّمَ ٱللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيماً ﴾ لا أن كلمه بكلامه، ولا ندري كيف كان؟

سوى أنا نعلم أنه أحدث صوتاً لم يكن، فأسمع موسى ذلك كيف شاء، وما شاء، وممن شاء؛ لأن كلامه الذي هو موصوف به في الأزل لا يوصف بالحروف، ولا بالهجاء، ولا بالصوت، ولا بشيء مما يوصف به كلام الخلق بحال.

وما يقال: هذا كلام الله - إنما يُقال على الموافقة والمجاز؛ كقوله: ﴿ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلاَمَ ٱللَّهِ  ﴾ ، ولا سبيل له أن يسمع كلام الله الذي هو موصوف به بالأزل؛ ولكنه على الموافقة والمجاز يقال ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَلَّمَ ٱللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيماً ﴾ يخرج هذا - والله أعلم - مخرج التخصيص له؛ إذ ما من رسول إلا وقد كان له خصوصية، [والكلام خصوصية] لموسى -  - إذ كلمه من غير أن كان ثمة سفير ورسول، وكان لسائر الرسل وحياً يوحي إليهم؛ أي: دليل برسول، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَلَّمَ ٱللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيماً ﴾ دل المصدر على تحقيق الكلام؛ إذ المصادر مما يؤكد حقائق ما له المصادر في موضوع اللغة، وأيد ذلك الأمر المشهور من تسمية موسى: كليم الله، وما جرى على ألسن الخلق من القول بأن الله كلم موسى؛ فثبت أنه كان له فيما كلمه خصوصية لم يشركه فيها غيره من الرسل، وعلى حق الوحي وإنزال الكتب له شركاء في ذلك من الرسل؛ فثبت أن لما وصف به موسى خصوصية باين بها غيره؛ على ما ذكره من خصوصية كثير من الرسل بأسماء أو نعوت أوجبت لهم الفضيلة بها، وإن كان حمل ما يحتمل تلك الخصوصية - قد يتوجه إلى ما قد يشترك في ذلك جملة الرسل؛ فعلى ذلك أمر تكليم موسى  .

وقوله - عز جل -: ﴿ رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ ﴾ .

أخبر أنه بعث الرسل بالبشارة في العاقبة لمن أطاعه، والإنذار لمن عصاه؛ فهذا ليعلم أن كل أمر لا عاقبة له فهو عبث، ليس من الحكمة، وأن الذي دعا الرسلُ الخلق إليه إنما دعوا لأمر له عاقبة؛ إذ في عقل كل أحد أن كل أمر لا عاقبة له ليس بحكمة؛ فهذا - والله أعلم - معنى قوله: ﴿ مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ  ﴾ [مبشرين] لمن أطاع الله بالجنة، ومنذرين لمن عصاه بالنار.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى ٱللَّهِ حُجَّةٌ ﴾ .

يحتمل هذا وجهين: يحتمل: لئلا يكون للناس على الله -  - الاحتجاج بأنه لم يرسل الرسل إلينا، وإن لم يكن لهم في - الحقيقة - عند الله -  - ذلك؛ فيقولوا: ﴿ لَوْلاۤ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخْزَىٰ  ﴾ .

ويحتمل قوله -  -: ﴿ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى ٱللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ ٱلرُّسُلِ ﴾ حقيقة الحجة، لكن ذلك إنما يكون في العبادات والشرائع التي سبيل معرفتها السمع لا العقل، وأما الدين فإن سبيل لزومه بالعقل؛ فلا يكون لهم في ذلك على الله حجة؛ إذ في خلقة كل أحد من الدلائل ما لو تأمّل وتفكر فيها لدلته على هيبته، وعلى وحدانيته وربوبيته؛ لكن بعث الرسل لقطع الاحتجاج لهم عنه، وإن لم تكن لهم الحجة.

وإن كان على حقيقة الحجة فهو في العبادات والشرائع؛ فبعث الرسل على قطع الحجة لهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً ﴾ .

أي: لا يعجزه شيء عن إعزاز من أراد أن يعزه، ولا على إذلال من أراد إذلاله.

﴿ حَكِيماً ﴾ : يعرف وضع كل شيء موضعه.

وقد ذكرنا تأويله في غير موضع.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَّـٰكِنِ ٱللَّهُ يَشْهَدُ بِمَآ أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَٱلْمَلاۤئِكَةُ يَشْهَدُونَ ﴾ .

قيل فيه بوجهين: قيل: يشهد الله يوم القيامة - والملائكة يشهدون أيضاً - أن [هذا] القرآن الذي أنزل إليك إنما أنزل من عند الله، لا كما يقولون: ﴿ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ  ﴾ ، ﴿ مَا هَـٰذَآ إِلاَّ إِفْكٌ مُّفْتَرًى  ﴾ ، ﴿ إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ ٱخْتِلاَقٌ  ﴾ كما قالوا.

وقيل: قوله: ﴿ لَّـٰكِنِ ٱللَّهُ يَشْهَدُ بِمَآ أَنزَلَ إِلَيْكَ ﴾ أي: يبين بالآيات والحجج التي يعجز الخلائق عن إتيان مثلها، وتلزمهم الإقرار بأنه إنما أنزل من عند الله، والله أعلم.

وقوله - عزو جل -: ﴿ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ ﴾ يحتمل وجهين: أنزله بالآيات والحجج ما يعلم أنها آيات الربوبية والحجج السماوية.

ويحتمل: ﴿ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ ﴾ أي: أنزله على علم منه بمن يقبل ومن لا يقبل، ليس كما يبعث ملوك الأرض بعضهم إلى بعض رسائل وهدايا لا يعلمون قبولها ولا ردها، ولا علم لها بمن يقبلها وبمن يردها، ولو كان لهم بذلك علم ما أرسلوا الرسل، ولا بعثوا الهدايا؛ إذا علموا أنهم لا يقبلون؛ فأخبر - عز وجل - أنه على علم منه أنزل بمن يقبل وبمن يرد، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً ﴾ .

أي: شاهداً على ما ذكرنا من شهادته يوم القيامة على أحد التأويلين أنه أنزله.

ويحتمل قوله: ﴿ شَهِيداً ﴾ أي: مبيناً، أي: كفى بالله مبيناً بالآيات والحجج.

وعن ابن عباس -  - قال: لما أنزل الله: ﴿ لَّـٰكِنِ ٱلرَّاسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ مِنْهُمْ  ﴾ إلى قوله : ﴿ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى ٱللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ ٱلرُّسُلِ...

﴾ الآية [النساء: 165] - قالت قريش: من يشهد لك أن ما تقول حق؛ فأنزل الله -  -: ﴿ لَّـٰكِنِ ٱللَّهُ يَشْهَدُ بِمَآ أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَٱلْمَلاۤئِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً ﴾ ، وأنزل ﴿ قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَٰدةً قُلِ ٱللَّهُ شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ ﴾ الآية [الأنعام: 19].

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

إنْ كان اليهود يكفرون بك فإن الله يصدقك بصحة ما أنزل إليك -أيها الرسول- من القرآن، أنزل فيه علمه الذي أراد أن يُطْلِعَ العباد عليه مما يحبه ويرضاه أو يكرهه ويأباه، والملائكة يشهدون بصدق ما جئت به مع شهادة الله، وكفى بالله شهيدًا، فشهادته كافية عن شهادة غيره.

<div class="verse-tafsir" id="91.r3Xrn"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

يقال في سبب النزول: إنه اجتمع نفر من المسلمين واليهود والنصارى وتكلم كل في تفضيل دينه فنزل قوله تعالى: ﴿ لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ  ﴾ الآية، والمعنى بناء على ذلك: ليس شرف الدين وفضله ولا نجاة أهله به أن يقول القائل منهم إن ديني أفضل وأكمل، وأحق وأثبت، وإنما عليه إذا كان موقنًا به أن يعمل بما يهديه إليه فإن الجزاء إنما يكون على العمل لا على التمني والغرور، فلا أمر نجاتكم أيها المسلمون منوطًا بأمانيكم في دينكم، ولا أمر نجاة أهل الكتاب منوطًا بأمانيهم في دينهم، فإن الأديان ما شرعت للتفاخر والتباهي، ولا تحصل فائدتها بمجرد الانتماء إليها والتمدح بها بلوك الألسنة والتشدق في الكلام، بل شرعت للعمل، والآية مرتبطة بما قبلها سواء صح ما روي في سبب نزولها أم لم يصح، لأن قوله تعالى: ﴿ يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ  ﴾ في الآيات التي قبلها يدخل فيه الأماني التي كان يتمناها أهل الكتاب غرورًا بدينهم إذ كانوا يرون أنهم شعب الله الخاص ويقولون إنهم أبناء الله وأحباؤه وأنه لن تمسهم النار إلا أيامًا معدودة، وأنه لن يدخل الجنة إلا من كان هودًا أو نصارى، وغير ذلك مما يقولون ويدعون، وإنما سرى هذا الغرور إلى أهل الأديان من اتكالهم على الشفاعات، وزعمهم أن فضلهم على غيرهم من البشر بمن بعث فيهم من الأنبياء لذاتهم، فهم بكرامتهم يدخلون الجنة وينجون من العذاب لا بأعمالهم، فحذرنا الله أن نكون مثلهم، وكانت هذه الأماني قد دبت إلى المسلمين في عصر النبي  بدليل قوله تعالى في سورة الحديد: ﴿ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ  ﴾ الآية، فهذا خطاب للذين كانوا ضعفاء الإيمان من المسلمين في العصر الأول ولأمثالهم في كل زمان والله عليم بما كانوا عليه حين أنزل هذه الموعظة وبما آل وما يؤول إليه أمرهم بعد ذلك، ولو تدبروا قوله لما كان لأمثال هذه الأماني عليهم من سلطان فقد بين لهم طرق الغرور ومداخل الشيطان فيها.

وقد روي حديث عن الحسن: "ليس الإيمان بالتمني ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل"، وقال الحسن: إن قومًا غرتهم المغفرة فخرجوا من الدنيا وهم مملؤون بالذنوب ولو صدقوا لأحسنوا العمل.

إن كثيرًا من الناس يقولون تبعًا لمن قبلهم في أزمنة مضت: إن الإسلام أفضل الأديان، أي دين أصلح إصلاحه؟

أي دين أرشد إرشاده؟

أي شرع كشرعه في كماله؟

ولو سئل الواحد منهم ماذا فعل الإسلام؟

وبماذا يمتاز على غيره من الأديان؟

لا يحير جوابًا.

وإذا عرضت عليه شبهة على الإسلام وسئل كشفها حاص حيصة الحمر وقال أعوذ بالله، أعوذ بالله، والضال يبقى على ضلاله، والطاعن في الدين يتمادى في طعنه، والمغرور يسترسل في غروره، فالكلام كثير ولا علم ولا عمل يرفع شأن الإسلام والمسلمين.

﴿ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ  ﴾ وإذا طبقنا المسألة على سنة الله التي لا تبديل لها ولا تحويل علمنا أن مصائب الدنيا تكون جزاء على ما يقصر فيه الناس من السير على سنن الفطرة وطلب الأشياء من أسبابها، واتقاء المضرات باجتناب عللها، ﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ  ﴾ .

﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا  ﴾ تقدم في الآيات السابقة وصف الضالين الذين لا يستعملون عقولهم في فهم الدين وآياته وذكر حظ الشيطان منهم وإشغاله بالأماني الخادعة، ثم بين أن أمر الآخرة ليس بالأماني وإنما هو بالعمل والإيمان، وأن العبرة عند الله بالقلوب والأعمال، والحقيقة واحدة لا تختلف باختلاف الأوقات والأحوال، ولا تتبدل بتبديل الأجيال والآجال، ثم زاد هذا بيانا بهذه الآية فبيّن أن صفوة الأديان التي ينتحلها الناس هي ملة إبراهيم في إخلاص التوحيد وإحسان العمل، وعبر عن توجه القلب بإسلام الوجه لأن الوجه أعظم مظهر لما في النفس من الإقبال والإعراض، والخشوع والسرور والكآبة وغير ذلك، وقد يظهر بعض الناس الخضوع أو الاحترام للآخر بإشارة اليد ولكن هذا يكون بالتعمل ويعرف بالمواضعة، وما يظهر في الوجه هو الفطري الذي يدل على السريرة وهو يتمثل في كل جزء منه كالعينين والجبهة والحاجبين والأنف والحركة، فإسلام الوجه لله هو تركه له بأن يتوجه إليه وحده في طلب حاجاته وإظهار عبوديته، وهو كمال التوحيد وأعلى درجات الإيمان.

وأما الإحسان فهو إحسان العمل -خلافًا (للجلال) فيهما إذا عكس- واتباع ملة إبراهيم يراد به فيما يظهر ما أشار إليه في قوله  : ﴿ شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ  ﴾ فإقامة الدين مرتبة فوق مرتبة التدين المطلق وهي العمل به على وجه الكمال بحيث يقوم بناؤه ويثبت، وعدم التفرق فيه والتعادي بين أهله، ﴿ وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا  ﴾ أي اصطفاه لتوحيده وإقامه دينه في زمن وبلاد غلبت عليها الوثنية، وقوم أفسد الشرك عقولهم ودنس فطرتهم، فكان إبراهيم خالصًا مخلصًا لله، وبهذا المعنى سماه الله خليلاً، وإذا أراد الله أن يكرم عبدًا من عباده أطلق عليه ما شاء، وإلا فإن المعنى المتبادر من لفظ الخليل في استعمالنا له يتنزه الله عنه فإن الخلة بين الخليلين إنما تتحقق بشيء من المساواة بينهما وهي من مادة التخلل الذي هو بمعنى الامتزاج والاختلاط.

﴿ وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا  ﴾ ختم هذا السياق بهذه الآية لفوائد: إحداها: التذكير بقدرته تعالى على إنجاز وعده ووعيده في الآيات التي قبلها فإن له ما في السموات والأرض خلقًا وملكًا وهو أكرم من وعد وأقدر من أوعد.

ثانيها: بيان الدليل على أنه المستحق وحده لإسلام الوجه له والتوجه إليه في كل حال، وهذا هو روح الدين وجوهره لأنه هو المالك لكل شيء وغيره لا يملك بنفسه شيئًا، فكيف يتوجه العاقل إلى من لا يملك شيئًا ويترك التوجه إلى مالك كل شيء أو يشرك به غيره في التوجه ولو لأجل قربة منه؟

ثالثها: نفى ما ربما يسبق إلى بعض الأذهان من اللوازم العادية في اتخاذ الله إبراهيم خليلاً- كأن يتوهم أحد أن هنالك شيئًا من المناسبة أو المقاربة في حقيقة الذات أو الصفات، فبين تعالى أن كل ما في السموات والأرض ملك له ومن خلقه مهما اختلفت صفات تلك المخلوقات ومراتبها في أنفسها وبنسبة بعضها إلى بعض، فإذا هي نسبت إليه فهو الخالق المالك المعبود وهي مخلوقات مملوكة عابدة له خاضعة لأمره التكويني ﴿ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا  ﴾ .

فسروا الإحاطة بالقدرة والقهر ويصح أن يكون إحاطة وجود لأن هذه الموجودات ليس وجودها من ذاتها، ولا هي ابتدعت نفسها وإنما وجودها مستمد من ذلك الوجود الواجب الأعلى فالوجود الإلهي هو المحيط بكل موجود فوجب أن يخلص الخلق له ويتوجه إليه العباد وحده ولا يشركوا به أحدًا من خلقه.

متفرقات آيات من سورة الحج [مسألة الغرانيق].

الترتيب والتعقيب -الشفاعة- والتكرار: في القرآن.

آية من سورة الأحزاب [مسألة زيد وزينب].

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
أستغفر الله