الإسلام > القرآن > سور > سورة 4 النساء > الآية ٢٢ من سورة النساء
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 185 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٢٢ من سورة النساء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله تعالى : ( ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء [ إلا ما قد سلف إنه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا ] ) يحرم تعالى زوجات الآباء تكرمة لهم ، وإعظاما واحتراما أن توطأ من بعده ، حتى إنها لتحرم على الابن بمجرد العقد عليها ، وهذا أمر مجمع عليه .
قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا مالك بن إسماعيل ، حدثنا قيس بن الربيع عن أشعث بن سوار ، عن عدي بن ثابت ، عن رجل من الأنصار قال : لما توفي أبو قيس - يعني ابن الأسلت - وكان من صالحي الأنصار ، فخطب ابنه قيس امرأته ، فقالت : إنما أعدك ولدا وأنت من صالحي قومك ، ولكن آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأستأمره .
فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : إن أبا قيس توفي .
فقال : " خيرا " .
ثم قالت : إن ابنه قيسا خطبني وهو من صالحي قومه .
وإنما كنت أعده ولدا ، فما ترى ؟
فقال لها : " ارجعي إلى بيتك " .
قال : فنزلت هذه الآية ( ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء [ إلا ما قد سلف ] ) الآية .
وقال ابن جرير : حدثنا القاسم ، حدثنا ، حسين ، حدثنا حجاج ، عن ابن جريج ، عن عكرمة في قوله : ( ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف ) [ الآية ] قال : نزلت في أبي قيس بن الأسلت ، خلف على أم عبيد الله بنت صخر وكانت تحت الأسلت أبيه ، وفي الأسود بن خلف ، وكان خلف على ابنة أبي طلحة بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار ، وكانت عند أبيه خلف ، وفي فاختة ابنة الأسود بن المطلب بن أسد ، كانت عند أمية بن خلف ، فخلف عليها صفوان بن أمية .
وقد زعم السهيلي أن نكاح نساء الآباء كان معمولا به في الجاهلية; ولهذا قال : ( إلا ما قد سلف ) كما قال ( وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف ) قال : وقد فعل ذلك كنانة بن خزيمة ، تزوج بامرأة أبيه ، فأولدها ابنه النضر بن كنانة قال : وقد قال صلى الله عليه وسلم : " ولدت من نكاح لا من سفاح " .
قال : فدل على أنه كان سائغا لهم ذلك ، فإن أراد أن ذلك كان عندهم يعدونه نكاحا فيما بينهم ، فقد قال ابن جرير : حدثنا محمد بن عبد الله المخرمي حدثنا قراد ، حدثنا ابن عيينة عن عمر ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : كان أهل الجاهلية يحرمون ما حرم الله ، إلا امرأة الأب والجمع بين الأختين ، فأنزل الله : ( ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء ) ( وأن تجمعوا بين الأختين ) وهكذا قال عطاء وقتادة .
ولكن فيما نقله السهيلي من قصة كنانة نظر ، والله أعلم .
على كل تقدير فهو حرام في هذه الأمة ، مبشع غاية التبشع ولهذا قال : ( إنه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا ) ولهذا قال [ تعالى ] ( ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ) [ الأنعام : 151 ] وقال ( ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا ) [ الإسراء : 32 ] فزاد هاهنا : ( ومقتا ) أي : بغضا ، أي هو أمر كبير في نفسه ، ويؤدي إلى مقت الابن أباه بعد أن يتزوج بامرأته ، فإن الغالب أن من تزوج بامرأة يبغض من كان زوجها قبله; ولهذا حرمت أمهات المؤمنين على الأمة; لأنهن أمهات ، لكونهن زوجات النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو كالأب [ للأمة ] بل حقه أعظم من حق الآباء بالإجماع ، بل حبه مقدم على حب النفوس صلوات الله وسلامه عليه .
وقال عطاء بن أبي رباح في قوله : ( ومقتا ) أي : يمقت الله عليه ( وساء سبيلا ) أي : وبئس طريقا لمن سلكه من الناس ، فمن تعاطاه بعد هذا فقد ارتد عن دينه ، فيقتل ، ويصير ماله فيئا لبيت المال .
كما رواه الإمام أحمد وأهل السنن ، من طرق ، عن البراء بن عازب ، عن خاله أبي بردة - وفي رواية : ابن عمر - وفي رواية : عن عمه : أنه بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رجل تزوج امرأة أبيه من بعده أن يقتله ويأخذ ماله .
وقال الإمام أحمد : حدثنا هشيم ، حدثنا أشعث ، عن عدي بن ثابت ، عن البراء بن عازب قال : مر بي عمي الحارث بن عمرو ، ومعه لواء قد عقده له النبي صلى الله عليه وسلم فقلت له : أي عم ، أين بعثك النبي [ صلى الله عليه وسلم ] ؟
قال : بعثني إلى رجل تزوج امرأة أبيه فأمرني أن أضرب عنقه .
مسألة : وقد أجمع العلماء على تحريم من وطئها الأب بتزويج أو ملك أو بشبهة أيضا ، واختلفوا فيمن باشرها بشهوة دون الجماع ، أو نظر إلى ما لا يحل له النظر إليه منها لو كانت أجنبية .
فعن الإمام أحمد رحمه الله أنها تحرم أيضا بذلك .
قد روى [ الحافظ ] ابن عساكر في ترجمة خديج الحصني مولى معاوية قال : اشترى لمعاوية جارية بيضاء جميلة ، فأدخلها عليه مجردة وبيده قضيب .
فجعل يهوي به إلى متاعها ويقول : هذا المتاع لو كان له متاع!
اذهب بها إلى يزيد بن معاوية .
ثم قال : لا ادع لي ربيعة بن عمرو الجرشي - وكان فقيها - فلما دخل عليه قال : إن هذه أتيت بها مجردة ، فرأيت منها ذاك وذاك ، وإني أردت أن أبعث بها إلى يزيد .
فقال : لا تفعل يا أمير المؤمنين ، فإنها لا تصلح له .
ثم قال : نعم ما رأيت .
ثم قال : ادع لي عبد الله بن مسعدة الفزاري ، فدعوته ، وكان آدم شديد الأدمة ، فقال : دونك هذه ، بيض بها ولدك .
قال : و [ قد ] كان عبد الله بن مسعدة هذا وهبه رسول الله صلى الله عليه وسلم لابنته فاطمة فربته ثم أعتقته ثم كان بعد ذلك مع معاوية من الناس على علي [ بن أبي طالب ] رضي الله عنه .
القول في تأويل قوله تعالى: وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلا (22) قال أبو جعفر: قد ذكر أن هذه الآية نـزلت في قوم كانوا يَخْلُفُون على حلائل آبائهم، فجاء الإسلام وهم على ذلك، فحرّم الله تبارك وتعالى عليهم المُقام عليهن، وعفا لهم عما كان سلف منهم في جاهليتهم وشِرْكهم من فعل ذلك، لم يؤاخذهم به، إن هم اتقوا الله في إسلامهم وأطاعوه فيه.
ذكر الأخبار التي رويت في ذلك: 8938 - حدثني محمد بن عبد الله المخرميّ قال، حدثنا قراد قال، حدثنا &; 8-133 &; ابن عيينة وعمرو، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كان أهل الجاهلية يحرِّمون ما يَحْرُم إلا امرأة الأب، والجمع بين الأختين.
قال: فأنـزل الله: " ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف " = وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ (19) 8939 - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الأعلى قال، حدثنا سعيد، عن قتادة في قوله: " ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء " الآية، قال: كان أهل الجاهلية يحرّمون ما حرَّم الله، إلا أنّ الرجل كان يخلُف على حَلِيلة أبيه، ويجمعون بين الأختين، فمن ثَمَّ قال الله: " ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف ".
8940 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة في قوله: " ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف "، قال: نـزلت في أبي قيس بن الأسلت، خلفَ على أمِّ عبيد بنت صخر، (20) كانت تحت الأسلت أبيه = وفي الأسود بن خلف، وكان خَلَف على بنت أبي طلحة بن عبد العُزّى بن عثمان بن عبد الدار، (21) وكانت عند أبيه خلف = وفي فاختة بنت الأسود بن المطلب بن أسَد، وكانت عند أمية بن خلف، فخلف عليها صفوان بن أمية = وفي منظور بن زبّان، (22) وكان خلف على مُليكةِ ابنة خارجة، وكانت عند أبيه زَبَّان بن سيّار.
(23) 8941 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال: قلت لعطاء بن أبي رباح: الرجل ينكح المرأة، ثم لا يراها حتى يُطلقها، أتحل لابنه؟
قال: هي مُرْسَلة، (24) قال الله تعالى: " ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء ".
قال: قلت لعطاء: ما قوله: " إلا ما قد سلف "؟
قال: كان الأبناء ينكحون نساء آبائهم في الجاهلية.
(25) 8942 - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية &; 8-136 &; بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: " ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء " الآية، يقول: كل امرأة تزوجها أبوك وابنك، دخل أو لم يدخل، فهي عليك حرام.
* * * واختلف في معنى قوله: " إلا ما قد سلف ".
فقال بعضهم: معناه: لكن ما قد سلف فدعوه.
وقالوا: هو من الاستثناء المنقطع.
* * * وقال آخرون: معنى ذلك: ولا تنكحوا نكاح آبائكم = بمعنى: ولا تنكحوا كنكاحهم، كما نكحوا على الوجوه الفاسدة التي لا يجوز مثلها في الإسلام =" إنه كان فاحشة ومقتًا وساء سبيلا "، يعني: أن نكاح آبائكم الذي كانوا ينكحونه في جاهليتهم، كان فاحشة ومقتًا وساء سبيلا - إلا ما قد سلف منكم في جاهليتكم من نكاح، لا يجوز ابتداء مثله في الإسلام، فإنه معفوٌّ لكم عنه.
وقالوا: قوله: " ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء "، كقول القائل للرجل: " لا تفعل ما فعلتُ"، و " لا تأكل كما أكلت "، بمعنى: ولا تأكل كما أكلت، ولا تفعل كما فعلتُ.
* * * وقال آخرون: معنى ذلك: ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء بالنكاح الجائز كان عقده بينهم، إلا ما قد سلف منهم من وجوه الزنا عندهم، فإنّ نكاحهن لكم حلال، لأنهن لم يكن لهم حلائل، وإنما كان ما كان من آبائكم ومنهن من ذلك، (26) فاحشة ومقتًا وساء سبيلا.
*ذكر من قال ذلك: 8943 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف " الآية، قال: الزنا =" إنه كان فاحشة ومقتًا وساء سبيلا " = فزاد ههنا " المقت ".
(27) * * * قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، على ما قاله أهل التأويل في تأويله، أن يكون معناه: ولا تنكحوا من النساء نكاحَ آبائكم، إلا ما قد سلف منكم فَمَضى في الجاهلية، فإنه كان فاحشة ومقتًا وساء سبيلا = فيكون قوله: " من النساء " من صلة قوله: " ولا تنكحوا "، ويكون قوله: " ما نكح آباؤكم " بمعنى المصدر، ويكون قوله: " إلا ما قد سلف " بمعنى الاستثناء المنقطع، لأنه يحسن في موضعه: " لكن ما قد سلف فمضى " =" إنه كان فاحشة ومقتًا وساء سبيلا ".
* * * فإن قال قائل: وكيف يكون هذا القول موافقًا قولَ من ذكرت قولَه من أهل التأويل، وقد علمتَ أن الذين ذكرتَ قولهم في ذلك، إنما قالوا: أنـزلت هذه الآية في النَّهي عن نكاح حلائل الآباء، وأنت تذكر أنهم إنما نهوا أن ينكحوا نكاحَهم؟
قيل له: إنما قلنا إن ذلك هو التأويل الموافق لظاهر التنـزيل، (28) إذ كانت " ما " في كلام العرب لغير بني آدم، وأنه لو كان المقصودَ بذلك النهيُ عن حلائل الآباء، دون سائر ما كان من مَناكح آبائِهم حرامًا ابتداءُ مثله في الإسلام بِنَهْي الله &; 8-138 &; جل ثناؤه عنه، (29) لقيل: " ولا تنكحوا مَنْ نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف "، لأن ذلك هو المعروف في كلام العرب، إذ كان " مَنْ" لبني آدم، و " ما " لغيرهم = ولم يُقَلْ: " ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء ".
(30) [وأما قوله تعالى ذكره: " ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء "]، فإنه يدخل في" ما "، (31) ما كان من مناكح آبائهم التي كانوا يتناكحونها في جاهليتهم.
فحرَّم عليهم في الإسلام بهذه الآية، نكاحَ حلائل الآباء وكلَّ نكاح سواه نهى الله تعالى ذكره [عن] ابتداء مثله في الإسلام، (32) مما كان أهل الجاهلية يتناكحونه في شِرْكهم.
* * * ومعنى قوله: " إلا ما قد سلف "، إلا ما قد مضى (33) =" إنه كان فاحشة "، يقول: إن نكاحكم الذي سلف منكم كنكاح آبائكم المحرَّم عليكم ابتداءُ مثله في الإسلام بعد تحريمي ذلك عليكم =" فاحشة "، يقول: معصية (34) =" ومقتًا وساء سبيلا "، (35) أي: بئس طريقًا ومنهجًا، (36) ما كنتم تفعلون في &; 8-139 &; جاهليتكم من المناكح التي كنتم تناكحونها.
(37) ----------------- الهوامش : (19) الأثر: 8938 -"محمد بن عبد الله المخرمي" ، سلفت ترجمته برقم: 3730 ، 4929 ، 5447.
و"قراد" ، لقب ، وهو: "عبد الرحمن بن غزوان" ، سلفت ترجمته برقم: 555.
(20) في المخطوطة والمطبوعة: "بنت ضمرة" ، والصواب من المراجع فيها تخريج الأثر.
وانظر التعليق على الأثر في آخره ، ففيه ذكر الاختلاف في اسمها.
(21) اسمها"حمينة بنت أبي طلحة" تصغير"حمنة" ، كما جاء في ترجمتها في المراجع.
(22) في المطبوعة: "رباب" في الموضعين ، وهي المخطوطة غير منقوطة ، وصوابه من المراجع بعد ، بالزاي المفتوحة ، وباء مشددة.
(23) الأثر: 8940 - روى ابن الأثير هذا الخبر ، في ترجمة أم عبيد بنت صخر ، ثم أشار إليها في تراجم أصحابها ، ونسب رواية الخبر إلى أبي موسى محمد بن أبي بكر بن أبي عيسى الأصفهاني ، في مستدركة على ابن منده.
وأشار إليها أيضًا الحافظ ابن حجر في الإصابة ، في تراجم المذكورين في هذا الخبر.
هذا ، ومضى الخبر رقم: 8873 ، وفيه أن أبا قيس بن الأسلت جنح على كبيشة بنت معن بن عاصم امرأة أبيه ، فأخشى أن يكون الخبر السالف وهذا الخبر ، مجتمعين على أنه جنح على امرأتين من نساء أبيه ، كبيشة بنت معن ، وعلى أم عبيد بنت صخر.
ولكن الواحدي في أسباب النزول: 109 قال إنها نزلت في حصن بن أبي قيس ، تزوج امرأة أبيه كبيشة بن معن ، وهو ما ذكره الثعلبي في تفسيره.
ورواه الحافظ في الإصابة في ترجمة"قيس بن صيفي بن الأسلت" (5: 257) عن الفريابي وابن أبي حاتم من طريق عدي بن ثابت.
ثم قال: "وفي سنده قيس بن الربيع ، عن أشعث بن سوار ، وهما ضعيفان.
والخبر مع ذلك منقطع" وقال: "وقد تقدم في ترجمة حصن بن أبي قيس بن الأسلت أن القصة وقعت مع امرأة أبيه كبيشة بنت معن.
هكذا سماها ابن الكلبي ، وخالفه مقاتل ، فجعل القصة لقيس.
وعند أبي الفرج الأصفهاني (15: 154) ما يوهم أن قيسًا قتل في الجاهلية ، فإنه ذكر أن يزيد بن مرداس السلمي قتل قيس بن أبي قيس بن الأسلت في بعض حروبهم".
وهذا أمر يحتاج إلى تحقيق طويل كما ترى ، اكتفيت بهذه الإشارة إليه ، وقد مضى في التعليق على اسم"أم عبيد بنت صخر" ، أنه كان في المطبوعة والمخطوطة"أم عبيد بنت ضمرة" ، وقد تابعت ما جاء في ترجمتها في كتب التراجم ، واستأنست بتسمية أخيه: "جرول بن مالك بن عمرو بن عزيز" (جمهرة الأنساب: 315) وأم عبيد هي: (أم عبيد بنت صخر بن مالك بن عمرو بن عزيز" ، و"الجرول": الحجر يكون ملء كف الرجل ، فكأن أباه سماه جرولا ، وسمى أخاه صخرًا ، على عادة العرب في ذلك.
والأنصار أيضًا ، يكثر في أنسابهم"صخر" ، ولم أجد منهم من تسمى"ضمرة" ، فلذلك رجحت ما أثبت.
ولكن ابن كثير نقل هذا الأثر في تفسيره 2: 388 ، وفيه"أم عبيد الله بنت ضمرة" ، ولكن الثقة بنقل ابن كثير في مثل هذا غير صحيحة.
أما الحافظ ابن حجر فقد ذكرها في ترجمة"قيس بن صيفي بن الأسلت" ، فنقل عن سيف من تفسيره ، وسماها"ضمرة أم عبيد الله" ، ثم ترجم"ضمرة زوج أبي قيس بن الأسلت" (الإصابة 8: 134) ، وقال: "ذكرها الطبري فيمن نزلت فيه: ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء" ، وهذا خلط وعجب من العجب ، ولم أجد من ذكر"ضمرة" هذه ، ولا ذكرها الطبري كما سها الحافظ في ذكرها وإفراد ترجمتها ، وأخطأ.
وهو من الأدلة على عجلة الحافظ في تأليفه كتاب الإصابة ، وصحة ما قيل من أنه لم يكن إلا مسودة لم يبيضها ، فيمحصها.
وهذا الاختلاف محتاج إلى إطالة ، اقتصرت منه على هذا القدر.
وأما "الأسود بن خلف" ، فهو"الأسود بن خلف بن أسعد بن عامر بن بياضة الخزاعي" ، وهو غير"الأسود بن خلف بن عبد يغوث" ، كما ذكره الحافظ في الإصابة ، وابن سعد 5: 339 فإن يكن ذلك ، فهو أخو"عبد الله بن خلف بن أسعد" والد"طلحة الطلحات".
ولم أجد ابن حجر قد أشار في الإصابة إلى خبر خلفه على امرأة أبيه ، مع أنه ذكره في تراجم النساء المذكورات في الخبر ، وفي ترجمة امرأة أبيه"حمينة بنت أبي طلحة" ، وكذلك لم يذكره بتة ، ابن الأثير ، مع أنه ذكره في ترجمته"حمينة".
وفي الإصابة وابن الأثير: "خلف بن أسد بن عاصم بن بياضة" ، وهو تصحيف ، بل هو"أسعد بن عامر".
وهذا أيضًا يحتاج إلى تحقيق أوفى ، ليس هذا مكانه.
وأما خبر"منظور بن زبان بن سيار المازني" ، وفي شأن قصته اختلاف ذكره الحافظ ابن حجر في ترجمته وترجمة"مليكة" ، ورجح أن هذه القصة كانت على عهد عمر بن الخطاب ، وأن عمر فرق بينهما ، فاشتد ذلك عليه ، وكان يحبها ، فقال فيها شعرًا منه: لَعَمْــرُ أبِــي دِيـنٍ يُفَـرِّقُ بَيْننَـا وَبيْنَــكِ قَسْــرًا، إِنّــهُ لَعَظِيــمُ وقصته في الأغاني 12: 194 (دار الكتب) (24) هكذا جاءت في المخطوطة والمطبوعة هنا ، وفي رقم: 8957 فيما يلي والدر المنثور ، 2: 134 ، "مرسلة" ، والذي جاء في كتب اللغة"امرأة مراسل" ، قالوا: هي التي فارقها زوجها بأي وجه كان ، مات أو طلقها.
وقيل: هي التي يموت زوجها ، أو أحست منه أنه يريد تطليقها ، فهي تزين لآخر.
وقيل: هي التي طلقت مرات.
وقيل: هي التي تراسل الخطاب.
وذلك كله قريب بعضه من بعض ، فإن المرأة إذا مات زوجها أو طلقها ، كانت خليقة أن تراسل الخطاب وتلتمس الطريق إلى زواج.
وفي الحديث: "أن رجلا من الأنصار تزوج امرأة مراسلا يعني: ثيبًا = فقال النبي صلى الله عليه وسلم: فهلا بكرًا تلاعبها وتلاعبك!!" ، فقال أصحاب اللغة: "المراسل: التي قد أسنت وفيها بقية شباب".
وكأن شرح هذا اللفظ يقتضي الجمع بين هذه الأقوال جميعًا فيقال: إنها التي قد فارقت الشباب فمات عنها زوجها أو طلقها ، فهي أحوج من ذات الشباب إلى طلب الزينة ومراسلة الخطاب ، لقلة رغبتهم فيها ، كرغبتهم في الأبكار الجميلات الشواب.
و أما في هذا الخبر ، فإن صح أن اللفظ"مرسلة" على الصواب ، كان تفسيره: أنها التي أرسلها زوجها ، أي أطلقها ، وإنما عنى به: البكر المطلقة التي تنزل في الحكم منزلة الثيب.
وإن كان الصواب"هي مراسل" ، فينبغي أن يزاد في معنى"مراسل" أنها البكر التي طلقت ، فهي بمنزلة الثيب.
وانظر الأثر التالي.
(25) سيأتي هذا الأثر برقم: 8957 ، مع اختلاف في لفظه ، انظر التعليق عليه هناك.
(26) في المطبوعة: "من آبائكم منهن" بإسقاط الواو ، وهو خطأ ، صوابه من المخطوطة.
(27) يعني بقوله: "زاد هاهنا" ، زاد على ما جاء في"سورة الإسراء: 32": { وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلا } .
(28) في المطبوعة والمخطوطة: "وإن قلنا إن ذلك هو التأويل" ، وهو كلام لا يستقيم مع الذي بعده ، والصواب الموافق للسياق هو ما أثبت.
(29) في المطبوعة: "...
حرامًا ابتدئ مثله في الإسلام" ، ولم يحسن قراءة المخطوطة"ابتدا" فبدلها إلى ما أفسد الكلام إفسادًا.
(30) في المخطوطة والمطبوعة: "إذ كان من لبني آدم ، وما لغيرهم ولا تقل: ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء" ، وهو كلام لا يستقيم البتة ، وصواب قوله"ولا تقل""ولم يقل" (بالبناء للمجهول) ، وهو معطوف على قوله آنفًا: "لقيل: ولا تنكحوا من نكح آباؤكم".
واختلط على الناسخ تكرار الآية مرتين فسبق بصره ، فأسقط من الكلام ما أثبته بعد بين القوسين ، مما لا يتم الكلام ولا يستقيم إلا بإثباته ، واجتهدت فيه استظهارًا من كلامه وحجته ، كما ترى.
(31) في المخطوطة: "فإنه يدخل فيما كان من مناكح آبائهم" ، وهو سهو وخطأ من الناسخ لما اختلط عليه الكلام ، والصواب هو الذي استظهره ناشر المطبوعة الأولى ، كما أثبتها.
(32) ما بين القوسين زيادة لا بد منها ، ساقطة من المخطوطة والمطبوعة.
(33) انظر تفسير"سلف" فيما سلف 6: 14.
(34) انظر تفسير"فاحشة" فيما سلف: 115 تعليق: 2 والمراجع هناك.
(35) لم يفسر أبو جعفر هنا"المقت" في هذا الموضع ، ولا في سائر المواضع التي جاء فيها ذكر"المقت" ، إلا تضمينًا.
و"المقت": أشد البغض ، ثم سمى هذا النكاح الذي كانوا يتناكحونه في الجاهلية"نكاح المقت" ، وسمي المولود عليه"المقتى" على النسبة.
(36) انظر تفسير"السبيل" فيما سلف: 37 ، تعليق: 6 ، والمراجع هناك.
وأما "ساء" ، فإن أبا جعفر لم يبين معناها ، ولم يذكر أن أصحاب العربية يعدونها فعلا جامدًا يجري مجرى"نعم" و"بئس" ، وإن كان تفسيره قد تضمن ذلك.
وهذا من الأدلة على أنه اختصر هذا التفسير في مواضع كثيرة.
(37) حجة أبي جعفر في هذا الموضع ، حجة رجل بصير عارف بالكلام ومنازله ، متمكن من أصول الاستنباط ، قادر على ضبط ما ينتشر من المعاني ، متابع لسياق الأحكام والأخبار في كتاب ربه ، خبير بما كان عليه العرب في جاهليتهم.
وقد رد العلماء على أبي جعفر قوله ، وقال بعضهم: هو قول غير وجيه.
وذكروا أن"ما" تقع على أنواع من يعقل ، وإن كانت لا تقع على آحاد من يعقل ، عند من يذهب إلى المذهب.
فجعلوا قول الطبري أن"ما" مصدرية باقية على معنى المصدر ، قولا ضعيفًا.
بيد أن مذهب أبي جعفر صحيح مستقيم لا ينال منه احتجاجهم عليه.
وإنما ساقهم إلى ذلك ، ترك أبي جعفر البيان عن حجته ، وأنا قائل في ذلك ما يشفي إن شاء الله.
وذلك أن الذين ردوا مقالة أبي جعفر ، أرادوا أن هذه الآية نص في تحريم نكاح حلائل الآباء وحده ، وكأنهم حسبوا أن لو جعلوا"ما" مصدرية ، لم يكن في الآيات نص صريح في تحريم حلائل الآباء غيرها.
والصواب غير ذلك.
فإن الله سبحانه وتعالى قد حرم نكاح حلائل الآباء الذي كان أهل الجاهلية يرتكبونه بقوله في الآية التاسعة عشرة من سورة النساء فيما مضى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا } وقال أبو جعفر في تفسيرها: "لا يحل لكم أن ترثوا نكاح نساء أقاربكم وآبائكم كرهًا" ، وساق هناك الآثار المبينة عن صورة نكاح حلائل الآباء والأقارب جميعًا.
وهذا الذي ساق هناك فيه البيان عن صورة نكاح حلائل الآباء والأقارب بالوراثة ، كما كان أهل الجاهلية يعرفونه.
فكانت هذه الآية نصًا قاطعًا بينًا في تحريم نكاح حلائل الآباء والأقارب بالوراثة ، كما عرفه أهل الجاهلية ، لأنهم لم يعرفوا نكاح حلائل الآباء إلا على هذه الصورة التي بينها الله في كتابه ، والتي أجمعت الأخبار على صفتها ، أن يخلف الرجل على امرأة أبيه.
وأنا أرجح أن الله تبارك وتعالى إنما قال: "لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهًا" ، فذكر وراثتهن كرهًا ، ثم أتبع ذلك بالنهي عن عضل النساء عامة ، وبالبيان عن مقصدهم من عضل النساء ، وهو الذهاب ببعض ما أوتين من صدقاتهن = لأن أهل الجاهلية ، إنما تورطوا في نكاح حلائل الآباء ، لشيء واحد: هو أخذ ما آتاهن الآباء من المال ، ولئلا تذهب المرأة بما عندها من مال آبائهم ، فلذلك أتبعه بالنهي عن العضل عامة ، لأن فعلهم بحلائل آبائهم عضل أيضًا ، ومقصدهم منه هو مقصدهم من عضل نسائهم.
وأيضًا ، فإن أهل الجاهلية لم يرتكبوا نكاح العمات والخالات والأخوات ، كما سترى بعد ، بل استنكروه ، فاستنكارهم نكاح حلائل الآباء - وهن بمنزلة أمهاتهن في حياة آبائهن - كان خليقًا أن يكون من فعلهم وعادتهم ، ولكن حملهم حب المال على مخالفة ذلك.
ثم أتبع الله ذلك - كما قال أبو جعفر -"بالنهي عن مناكح آبائهم التي كانوا يتناكحوها في الجاهلية ، فحرم عليهم بهذه الآية نكاح حلائل الآباء وكل نكاح سواه ، نهى الله عن ابتداء مثله في الإسلام ، مما كان أهل الجاهلية يتناكحونه".
وقد ذكرت عائشة رضي الله عنها في حديث البخاري (الفتح 9: 158) أن نكاح الجاهلية كان على أربعة أنحاء ، منها: "نكاح الناس اليوم" ، ثم عددت ضروب النكاح ووصفتها ، فأقر الإسلام منها نكاحًا واحدًا: يخطب الرجل إلى الرجل وليته أو ابنته ، فيصدقها ، ثم ينكحها.
فهذه الآية مبطلة ضروب نكاح الجاهلية جميعًا ، ما كان منها نكاحًا فاسدًا ، كالاستبضاع ، ونكاح البغايا ، ونكاح البدل ، والشغار ، فكل ذلك كان: فاحشة ومقتًا وساء سبيلا ، كما تعرفه من صفته في حديث عائشة ، ويدخل فيه ، كما قال أبو جعفر ، نكاح حلائل الآباء.
ثم أتبع الله سبحانه وتعالى هذه الآية التي حرمت جميع نكاح الجاهلية ، آية أخرى حرمت كل نكاح كان معروفًا في الأمم الأخرى ، غير العرب ، أو في الملل الأخرى غير ملة الإسلام فقال: "حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم" إلى آخر الآية.
والعرب لم تعرف قط نكاح الأمهات ، أو البنات أو الأخوات أو العمات أو الخالات ، بل كان ذلك في غيرهم كالمصريين واليهود وأشباههم ، ينكح الرجل أخته أو عمته أو خالته.
ومن الدليل على أن العرب لم تعرف نكاح الأخوات ، ولا نكاح العمات أو الخالات ، أنهم كانوا في جاهليتهم ، يقسمون على طلاق نسائهم أو تحريمهن على أنفسهم ، أو هجرانهن ، بقولهم للزوجة: "أنت علي كظهر أختي ، أو كظهر عمتي ، أو كظهر خالتي" ، فكان ذلك عندهم تحريمًا على أنفسهم غشيان الزوجة.
وهذا باب لم أجد أحدًا وفاه حقه ، فعسى أن أوفق في موضع آخر إلى استيعابه إن شاء الله.
وهو باب مهم في تفسير هذه الآيات ، والله المستعان.
وإذن فهذه الآية الأخيرة ، غير خاصة في نكاح أهل الجاهلية ، بل هي تحريم لكل نكاح كرهه الله للمؤمنين ، مما كان عند الأمم قبلهم جائزًا أو مرتكبًا ، أو كان بعضه عندهم قليلا غير مشهور شهرة أنكحة الجاهلية التي ذكرها الله في وراثة حلائل الآباء والأقارب ، والتي ذكرتها عائشة في حديثها ، والتي جاء تحريمها عامًا في قوله: "ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء" بمعنى"ما" المصدرية ، كما ذهب إليه أبو جعفر.
وكتبه: محمود محمد شاكر.
ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف إنه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا[ ص: 91 ] فيه أربع مسائل :الأولى : قوله تعالى : ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء يقال : كان الناس يتزوجون امرأة الأب برضاها بعد نزول قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها حتى نزلت هذه الآية : ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم فصار حراما في الأحوال كلها ؛ لأن النكاح يقع على الجماع والتزوج ، فإن كان الأب تزوج امرأة أو وطئها بغير نكاح حرمت على ابنه ؛ على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى .الثانية : قوله تعالى : ما نكح قيل : المراد بها النساء .
وقيل : العقد ، أي نكاح آبائكم الفاسد المخالف لدين الله ؛ إذ الله قد أحكم وجه النكاح وفصل شروطه .
وهو اختيار الطبري .
ف من متعلقة ب تنكحوا و " ما نكح " مصدر .
قال : ولو كان معناه ولا تنكحوا النساء اللاتي نكح آباؤكم لوجب أن يكون موضع ما " من " .
فالنهي على هذا إنما وقع على ألا ينكحوا مثل نكاح آبائهم الفاسد .
والأول أصح ، وتكون ما بمعنى " الذي " و " من " .
والدليل عليه أن الصحابة تلقت الآية على ذلك المعنى ؛ ومنه استدلت على منع نكاح الأبناء حلائل الآباء .
وقد كان في العرب قبائل قد اعتادت أن يخلف ابن الرجل على امرأة أبيه ، وكانت هذه السيرة في الأنصار لازمة ، وكانت في قريش مباحة مع التراضي .
ألا ترى أن عمرو بن أمية خلف على امرأة أبيه بعد موته فولدت له مسافرا وأبا معيط ، وكان لها من أمية أبو العيص وغيره ؛ فكان بنو أمية إخوة مسافر وأبي معيط وأعمامهما .
ومن ذلك صفوان بن أمية بن خلف تزوج بعد أبيه امرأته فاختة بنت الأسود بن المطلب بن أسد ، وكان أمية قتل عنها .
ومن ذلك منظور بن زبان خلف على مليكة بنت خارجة ، وكانت تحت أبيه زبان بن سيار .
ومن ذلك حصن بن أبي قيس تزوج امرأة أبيه كبيشة بنت معن .
والأسود بن خلف تزوج امرأة أبيه .
وقال الأشعث بن سوار : توفي أبو قيس وكان من صالحي الأنصار فخطب ابنه قيس امرأة أبيه فقالت : إني أعدك ولدا ، ولكني آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم أستأمره ؛ فأتته فأخبرته فأنزل الله هذه الآية .
وقد كان في العرب من تزوج ابنته ، وهو حاجب بن زرارة تمجس وفعل هذه الفعلة ؛ ذكر ذلك النضر بن شميل في كتاب المثالب .
فنهى الله المؤمنين عما كان عليه آباؤهم من هذه السيرة .الثالثة : قوله تعالى : إلا ما قد سلف أي تقدم ومضى .
والسلف ؛ من تقدم من [ ص: 92 ] آبائك وذوي قرابتك .
وهذا استثناء منقطع ، أي لكن ما قد سلف فاجتنبوه ودعوه .
وقيل : إلا بمعنى بعد ، أي بعد ما سلف ؛ كما قال تعالى : لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى أي بعد الموتة الأولى .
وقيل : إلا ما قد سلف أي ولا ما سلف ؛ كقوله تعالى : وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ يعني ولا خطأ .
وقيل : في الآية تقديم وتأخير ، معناه : ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إنه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا إلا ما قد سلف .
وقيل : في الآية إضمار لقوله ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء فإنكم إن فعلتم تعاقبون وتؤاخذون إلا ما قد سلف .الرابعة : قوله تعالى : إنه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا عقب بالذم البالغ المتتابع ، وذلك دليل على أنه فعل انتهى من القبح إلى الغاية .
قال أبو العباس : سألت ابن الأعرابي عن نكاح المقت فقال : هو أن يتزوج الرجل امرأة أبيه إذا طلقها أو مات عنها ؛ ويقال لهذا الرجل : الضيزن .
وقال ابن عرفة : كانت العرب إذا تزوج الرجل امرأة أبيه فأولدها قيل للولد : المقتي .
وأصل المقت البغض ؛ من مقته يمقته مقتا فهو ممقوت ومقيت .
فكانت العرب تقول للرجل من امرأة أبيه : مقيت ؛ فسمى تعالى هذا النكاح مقتا إذ هو ذا مقت يلحق فاعله .
وقيل : المراد بالآية النهي عن أن يطأ الرجل امرأة وطئها الآباء ، إلا ما قد سلف من الآباء في الجاهلية من الزنى بالنساء لا على وجه المناكحة فإنه جائز لكم زواجهن .
وأن تطئوا بعقد النكاح ما وطئه آباؤكم من الزنى ؛ قال ابن زيد : وعليه فيكون الاستثناء متصلا ، ويكون أصلا في أن الزنى لا يحرم على ما يأتي بيانه .
والله أعلم .
أي: لا تتزوجوا من النساء ما تزوجهن آباؤكم أي: الأب وإن علا.
{ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً } أي: أمرا قبيحا يفحش ويعظم قبحه { وَمَقْتًا } من الله لكم ومن الخلق بل يمقت بسبب ذلك الابن أباه والأب ابنه، مع الأمر ببره.
{ وَسَاءَ سَبِيلًا } أي: بئس الطريق طريقا لمن سلكه لأن هذا من عوائد الجاهلية، التي جاء الإسلام بالتنزه عنها والبراءة منها.
قوله عز وجل : ( ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء ) كان أهل الجاهلية ينكحون أزواج آبائهم ، قال الأشعث بن سوار : توفي أبو قيس وكان من صالحي الأنصار فخطب ابنه قيس امرأة أبيه فقالت : إني اتخذتك ولدا وأنت من صالحي قومك ، ولكني آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم أستأمره ، فأتته فأخبرته ، فأنزل الله تعالى : ( ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف ) ، قيل : بعد ما سلف ، وقيل : معناه لكن ما سلف ، أي : ما مضى في الجاهلية فهو معفو عنه ، ( إنه كان فاحشة ) أي : إنه فاحشة ، و " كان " فيه صلة ، والفاحشة أقبح المعاصي ، ( ومقتا ) أي : يورث مقت الله ، والمقت : أشد البغض ، ( وساء سبيلا ) وبئس ذلك طريقا وكانت العرب تقول لولد الرجل من امرأة أبيه ( مقيت ) وكان منهم الأشعث بن قيس وأبو معيط بن أبي عمرو بن أمية .
أخبرنا محمد بن الحسن المروزي ، أخبرنا أبو سهل محمد بن عمرو السجزي ، أنا الإمام أبو سليمان الخطابي ، أنا أحمد بن هشام الحضرمي ، أنا أحمد بن عبد الجبار العطاردي ، عن حفص بن غياث ، عن أشعث بن سوار ، عن عدي بن ثابت ، عن البراء بن عازب قال : مر بي خالي ومعه لواء فقلت : أين تذهب؟
قال : بعثني النبي صلى الله عليه وسلم إلى رجل تزوج امرأة أبيه آتيه برأسه " .
«ولا تنكحوا ما» بمعنى من «نكح آباؤكم من النساء إلا» لكن «ما قد سلف» من فعلكم ذلك فانه معفوّ عنه «إنه» أي نكاحهن «كان فاحشة» قبيحا «ومقتا» سببا للمقت من الله وهو أشد البغض «وساء» بئس «سبيلا» طريقا ذلك.
ولا تتزوجوا مَن تزوجه آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف منكم ومضى في الجاهلية فلا مؤاخذة فيه.
إن زواج الأبناء من زوجات آبائهم أمر قبيح يفحش ويعظم قبحه، وبغيض يمقت الله فاعله، وبئس طريقًا ومنهجًا ما كنتم تفعلونه في جاهليتكم.
أورد المفسرون روايات فى سبب نزول قوله - تعالى - ( وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِّنَ النسآء ) الآية .ومن هذه الروايات ما رواه ابن أبى حاتم - بسنده - " عن رجل من الأنصار قال : لما توفى أبو قيس - يعنى ابن الأسلت - وكان من صالحى الأنصار ، فخطب ابنه قيس امرأته فقال : إنما أعدك ولدا لى وأنت من صالحى قومك ، ولكنى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم واستأمره .فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله إن أبا قيس توفى .
فقال : " خيرا " .
ثم قالت إن ابنه قيسا خطبنى وهو من صالحى قومه ، وإنما كنت أعده ولدا لى فماذا ترى؟
فقال لها : " ارجعي إلى بيتك " فنزلت : ( وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِّنَ النسآء إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ ) .وقال القرطبى : قوله - تعالى - : ( وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِّنَ النسآء ) يقال : كان الناس يتزوجون امرأة الأب برضاها بعد نزول قوله - تعالى - : ( يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النسآء كَرْهاً ) حتى نزلت هذه الآية ( وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ ) فصار حراما فى الأحوال كلها ، لأن النكاح يقع على الجماع والتزوج ، فإن كان الأب تزوج امرأة وطئها يغير نكاح حرمت على ابنه .ثم قال : وقد كان فى العرب قبائل قد اعتادت أن يخلف ابن الرجل على امرأة أبيه .
وكانت هذه السيرة فى الأنصار لازمة ، وكانت فى قريش مباحة على التراضى ، فنهى الله المؤمنين عما كان عليه آباؤهم من هذه السيرة .وقوله ( وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ ) الخ .
معطوف على قوله : ( لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النسآء كَرْهاً ) و ( مَا ) فى قوله ( مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ ) موصول اسمى مراد به الجنس .
أى لا تنكحوا التى نكح آباؤكم .
وقوله ( مِّنَ النسآء ) بيان ل ( مَا ) الموصولة .ويرى بعضهم أن " ما " هنا مصدرية فيكون المعنى .
ولا تنحوا نكاحا مثل نكاح آبائكم الفاسد الذى كانوا يفعلونه فى الجاهلية .قال الآلوسى .
وإنما خص هذا النكاح بالنهى ، ولم ينظم فى سلك نكاح المحرمات الآتية " ومبالغة فى الزجر عنه .
حيث كان ذلك ديدنا لهم فى الجاهلية " .فالآية الكريمة تحرم على الأبناء أن يتزوجوا من النساء اللائى كن أزواجا لآبائهم .
وكلمة ( آبَاؤُكُمْ ) فى قوله ( وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ ) تشمل كل الأصول من الرجال .
أي : تشمل الأجداد جميعا سواء أكانوا من جهة الأب أو من جهة الأم والاستثناء فى قوله ( إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ ) استثناء منقطع .والمعنى : لا تنكحوا أيها المؤمنون ما نكح آباؤكم من النساء .
لأنه من أفعال الجاهلية القبيحة ، لكن ما قد سلف ومضى منه قبل نزول هذه الآية فلا تؤاخذون عليه ، فمن كان متزوجا من امرأة كانت زوجة لأبيه من النسب أو من الرضاع ، فإنها تصير حراما عليه من وقت نزول هذه الآية الكريمة ، ويجب عليه أن يفارقها أما ما مضى من هذا النكاح القبيح فلا تثريب عليكم فيه ، وتثبت به أحكام النكاح من النسب وغيره من الأحكام .ويرى بعضهم أن الاستثناء هنا متصل مما يستلزمه النهى ، ويستوجبه مباشرة المنهى عنه من العقاب .
فكأنه قيل : ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء فإنه قبيح ومعاقب عليه من الله - تعالى - ، إلا ما قد سلف ومضى ، فإنه معفو عنه .وقد وجه صاحب الكشاف الاستثناء بوجه آخر فقال : فإن قلت : كيف استثنى ما قد سلف مما نكح آباؤهم؟
قلت : كما استثنى " غير أن سيوفهم " من قول الشاعر :" ولا عيب فيهم " غير أن سيوفهم ...
بهن قلول من قراع الكتائبيعنى : إن أمكنكم أن تنكحوا ما قد سلف فانكحوه ، فإنه لا يحل لكم غيره ، وذلك غير ممكن والغرض المبالغة فى تحريمه ، وسد الطريق إلى إباحته كما يعلق بالمحال فى التأييد نحو قولهم : حتى يبيض الفأر .
وحتى يلج الجمل فى سم الخياط .ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة ببيان أن هذا النوع من النكاح فى نهاية السوء والقبح فقال : ( إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتاً وَسَآءَ سَبِيلاً ) .أى : إن هذا النوع من النكاح كان أمراً زائدا فى القبح شرعا وخلقاً ، لأنه يشبه نكاح الأمهات ، ويتنافى مع ما للآباء من وقار واحترام ، وما يجب من حسن الصحبة وكان " مقتا " والمقت مصدر بمعنى البغض والكراهية .أى : إن هذا النوع من النكاح كان خصلة بالغة الحد فى القبح والفحش ، وكان ممقوتا مبغوضا عند الله ، وعند ذوى المروءات والعقول السليمة من الناس .قال صاحب الكشاف : كانوا ينكحون روابهم - أى زوجات آبائهم جمع رابة وهى امرأة الأب - وكان ناس منهم من ذوى مروءاتهم يمقتونه - لفظاعته وبشاعته - ويسمونه نكاح المقت .
وكان المولود عليه يقال له المقتى - أى المبغوض - ومن ثم قيل ( وَمَقْتاً ) كأنه قيل : هو فاحشة فى دين الله بالغة فى القبح .
قبيح ممقوت فى المروءة .
ولا مزيد على ما يجمع القبحين .وقوله : ( وَسَآءَ سَبِيلاً ) أى بئس طريقا طريق ذلك النكاح ، إذ فيه هتك حرمة الأب .
وتقطيع للرحم التى أمر الله بوصلها .وقوله " وساء " هنا بمعنى بئس ، وفيه ضمير يفسره ما بعده .
والمخصوص بالذم محذوف تقديره ذلك؛ أى ساء سبيلا سبيل ذلك النكاح .قال الفخر الرازى : أعلم أنه - سبحانه - قد وصف هذا النكاح بأمور ثلاثة :أولها : أنه فاحشة لأن زوجة الأب تشبه الأم فمباشرتها من افحش الفواحش .وثانيها : المقت : وهو عبارة عن بغض مقرون باستحقار .وثالثها : قوله ( وَسَآءَ سَبِيلاً ) .واعلم أن مراتب القبح ثلاثة : القبح فى العقول وفى الشرائع وفى العادات .فقوله - تعالى - ( إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً ) إشارة الى القبح العقلى .
وقوله ( وَمَقْتاً ) إشارة إلى القبح الشرعى .
وقوله ( وَسَآءَ سَبِيلاً ) إشارة إلى القبح فى العرف والعادة .
ومتى اجتمعت فيه هذه الوجوه فقد بلغ الغاية فى القبح .وقال الإِمام ابن كثير ، فمن تعاطى هذا النكاح بعد ذلك - أى استباح تعاطيه - فقد ارتد عن دينه فيقتل ويصير ماله فيئا لبيت المال .
لما رواه الإِمام أحمد وأهل السنن من طرق عن البراء بن عازب أنه بعثه رسول الله صلى الله صلى الله عليه وسلم - إلى رجل تزوج امرأة أبيه من بعده ، فأمره أن يقتله ويأخذ ماله .وفى رواية عن البراء قال ، مرّ بى عمى الحارث بن عمير ومعه لواء قد عقده له النبى صلى الله عليه وسلم فقلت له ، أى عم ، أين بعثك النبى صلى الله عليه وسلم فقال ، بعثنى إلى رجل تزوج امرأة أبيه فأمرنى أن أضرب عنقه .
فيه مسائل: المسألة الأولى: قال ابن عباس وجمهور المفسرين: كان أهل الجاهلية يتزوجون بأزواج آبائهم فنهاهم الله بهذه الآية عن ذلك الفعل.
المسألة الثانية: قال أبو حنيفة رضي الله عنه: يحرم على الرجل أن يتزوج بمزنية أبيه، وقال الشافعي رحمة الله عليه: لا يحرم احتج أبو حنيفة بهذه الآية فقال: إنه تعالى نهى الرجل أن ينكح منكوحة أبيه، والنكاح عبارة عن الوطء فكان هذا نهيا عن نكاح موطوءة أبيه، إنما قلنا: إن النكاح عبارة عن الوطء لوجوه: الأول: قوله تعالى: ﴿ فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حتى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ ﴾ أضاف هذا النكاح إلى الزوج، والنكاح المضاف إلى الزوج هو الوطء لا العقد، لأن الإنسان لا يمكنه أن يتزوج بزوجة نفسه لأن تحصيل الحاصل محال، ولأنه لو كان المراد بالنكاح في هذه الآية هوالعقد لوجب أن يحصل التحليل بمجرد العقد وحيث لم يحصل علمنا أن المراد من النكاح في هذه الآية ليس هو العقد، فتعين أن يكون هو الوطء لأنه لا قائل بالفرق.
الثاني: قوله تعالى: ﴿ وابتلوا اليتامى حتى إِذَا بَلَغُواْ النّكَاحَ ﴾ والمراد من النكاح هاهنا الوطء لا العقد، لأن أهلية العقد كانت حاصلة أبدا.
الثالث: قوله تعالى: ﴿ الزانى لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً ﴾ فلو كان المراد هاهنا العقد لزم الكذب.
الرابع: قوله عليه الصلاة والسلام: «ناكح اليد ملعون».
ومعلوم أن المراد ليس هو العقد بل هو الوطء.
فثبت بهذه الوجوه أن النكاح عبارة عن الوطء، فلزم أن يكون قوله تعالى: ﴿ وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ ءابَاؤُكُمْ ﴾ أي: ولا تنكحوا ما وطئهن آباؤكم، وهذا يدخل فيه المنكوحة والمزنية، لا يقال: كما أن لفظ النكاح ورد بمعنى الوطء فقد ورد أيضاً بمعنى العقد قال تعالى: ﴿ وَأَنْكِحُواْ الأيامى مِنْكُمْ ﴾ ﴿ فانكحوا مَا طَابَ لَكُمْ مّنَ النساء ﴾ ﴿ إِذَا نَكَحْتُمُ المؤمنات ﴾ وقوله عليه الصلاة والسلام: «ولدت من نكاح ولم أولد من سفاح» فلم كان حمل اللفظ على الوطء أولى من حمله على العقد؟
أجابوا عنه من ثلاثة أوجه: الأول: ما ذهب اليه الكرخي وهو أن لفظ النكاح حقيقة في الوطء مجاز في العقد، بدليل أن لفظ النكاح في أصل اللغة عبارة عن الضم، ومعنى الضم حاصل في الوطء لا في العقد، فكان لفظ النكاح حقيقة في الوطء.
ثم إن العقد سمي بهذا الاسم لأن العقد لما كان سبباً له أطلق اسم المسبب على السبب، كما أن العقيقة اسم للشعر الذي يكون على رأس الصبي حال ما يولد، ثم تسمى الشاة التي تذبح عند حلق ذلك الشعر عقيقة فكذا هاهنا.
واعلم أنه كان مذهب الكرخي أنه لا يجوز استعمال اللفظ الواحد بالاعتبار الواحد في حقيقته ومجازه معا، فلا جرم كان يقول: المستفاد من هذه الآية حكم الوطء، أما حكم العقد فانه غير مستفاد من هذه الآية، بل من طريق آخر ودليل آخر.
الوجه الثاني: أن من الناس من ذهب إلى أن اللفظ المشترك يجوز استعماله في مفهوميه معا فهذا القائل قال: دلت الآيات المذكورة على أن لفظ النكاح حقيقة في الوطء وفي العقد معا، فكان قوله: ﴿ وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ ءابَاؤُكُمْ ﴾ نهيا عن الوطء وعن العقد معا، حملا للفظ على كلا مفهوميه.
الوجه الثالث: في الاستدلال، وهو قول من يقول: اللفظ المشترك لا يجوز استعماله في مفهوميه معا، قالوا: ثبت بالدلائل المذكورة أن لفظ النكاح قد استعمل في القرآن في الوطء تارة وفي العقد أخرى، والقول بالاشتراك والمجاز خلاف الأصل، ولا بد من جعله حقيقة في القدر المشترك بينهما وهو معنى الضم حتى يندفع الاشتراك والمجاز، وإذا كان كذلك كان قوله: ﴿ وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ ءابَاؤُكُمْ ﴾ نهيا عن القدر المشترك بين هذين القسمين، والنهي عن القدر المشترك بين القسمين يكون نهيا عن كل واحد من القسمين لا محالة، فان النهي عن التزويج يكون نهيا عن العقد وعن الوطء معا، فهذا أقصى ما يمكن أن يقال في تقرير هذا الاستدلال.
والجواب عنه من وجوه: الأول: لا نسلم أن اسم النكاح يقع على الوطء، والوجوه التي احتجوا بها على ذلك فهي معارضة بوجوه: أحدها: قوله عليه الصلاة والسلام: «النكاح سنتي».
ولا شك أن الوطء من حيث كونه وطأ ليس سنة له، وإلا لزم أن يكون الوطء بالسفاح سنة له فلما ثبت أن النكاح سنة، وثبت أن الوطء ليس سنة، ثبت أن النكاح ليس عبارة عن الوطء، كذلك التمسك بقوله: «تناكحوا تكثروا» ولو كان الوطء مسمى بالنكاح لكان هذا إذنا في مطلق الوطء وكذلك التمسك بقوله تعالى: ﴿ وَأَنْكِحُواْ الأيامى مِنْكُمْ ﴾ وقوله: ﴿ فانكحوا مَا طَابَ لَكُمْ مّنَ النساء ﴾ .
لا يقال: لما وقع التعارض بين هذه الدلائل فالترجيح معنا، وذلك لأنا لو قلنا: الوطء مسمى بالنكاح على سبيل الحقيقة لزم دخول المجاز في دلائلنا، ومتى وقع التعارض بين المجاز والتخصيص كان التزام التخصيص أولى.
لأنا نقول: أنتم تساعدون على أن لفظ النكاح مستعمل في العقد، فلو قلنا: إن النكاح حقيقة في الوطء لزم دخول التخصيص في الآيات التي ذكرناها، ولزم القول بالمجاز في الآيات التي ذكر النكاح فيها بمعنى العقد، أما قولنا: ان النكاح فيها بمعنى الوطء فلا يلزمنا التخصيص، فقولكم يوجب المجاز والتخصيص معا، وقولنا يوجب المجاز فقط، فكان قولنا أولى.
الوجه الثاني: من الوجوه الدالة على أن النكاح ليس حقيقة في الوطء قوله عليه الصلاة والسلام: ولدت من نكاح ولم أولد من سفاح أثبت نفسه مولودا من النكاح وغير مولود من السفاح، وهذا يقتضي أن لا يكون السفاح نكاحا، والسفاح وطء، فهذا يقتضي أن لا يكون الوطء نكاحا.
الوجه الثالث: أنه من حلف في أولاد الزنا: أنهم ليسوا أولاد النكاح لم يحنث، ولو كان الوطء نكاحا لوجب أن يحنث، وهذا دليل ظاهر على أن الوطء ليس مسمى بالنكاح على سبيل الحقيقة.
الثاني: سلمنا أن الوطء مسمى بالنكاح، لكن العقد أيضاً مسمى به، فلم كان حمل الآية على ما ذكرتم أولى من حملها على ما ذكرنا؟
أما الوجه الأول: وهو الذي ذكره الكرخي فهو في غاية الركاكة، وبيانه من وجهين: الأول: أو الوطء مسبب العقد، فكما يحسن إطلاق اسم المسبب على السبب مجازا فكذلك يحسن اطلاق اسم السبب على المسبب مجازا.
فكما يحتمل أن يقال: النكاح اسم للوطء ثم أطلق هذا الاسم على العقد لكونه سببا للوطء، فكذلك يحتمل أن يقال: النكاح اسم للعقد، ثم أطلق هذا الاسم على الوطء لكون الوطء مسبباً له، فلم كان أحدهما أولى من الآخر؟
بل الاحتمال الذي ذكرناه أولى، لأن استلزام السبب للمسبب أتم من استلزام المسبب للسبب المعين، فانه لا يمتنع أن يكون لحصول الحقيقة الواحدة أسباب كثيرة، كالملك فانه يحصل بالبيع والهبة والوصية والارث، ولا شك أن الملازمة شرط لجواز المجاز، فثبت أن القول بأن اسم النكاح حقيقة في العقد مجاز في الوطء، أولى من عكسه.
الوجه الثاني: أن النكاح لو كان حقيقة في الوطء مجازا في العقد، وقد ثبت في أصول الفقه أنه لا يجوز استعمال اللفظ الواحد في حقيقته ومجازه معا، فحينئذ يلزم أن لا تكون الآية دالة على حكم العقد، وهذا وإن كان قد التزمه الكرخي لكنه مدفوع بالدليل القاطع، وذلك لأن المفسرين أجمعوا على أن سبب نزول هذه الآية هو أنهم كانوا يتزوجون بأزواج آبائهم، وأجمع المسلمون على أن سبب نزول الآية لابد وأن يكون داخلا تحت الآية، بل اختلفوا في أن غيره هل يدخل تحت الآية أم لا؟
وأما كون سبب النزول داخلا فيها فذاك مجمع عليه بين الأمة، فاذا ثبت باجماع المفسرين، أن سبب نزول هذه الآية هو العقد لا الوطء، وثبت باجماع المسلمين أن سبب النزول لابد وأن يكون مراداً، ثبت بالاجماع أن النهي عن العقد مراد من هذه الآية، فكان قول الكرخي واقعا على مضادة هذا الدليل القاطع، فكان فاسداً مردودا قطعا.
أما الوجه الثاني: مما ذكروه وهو أنا نحمل لفظ النكاح على مفهوميه، فنقول: هذا أيضا باطل، وقد بينا وجه بطلانه في أصول الفقه.
وأما الوجه الثالث: فهو أحسن الوجوه المذكورة في هذا الباب، وهو أيضاً ضعيف لأن الضم الحاصل في الوطء عبارة عن تجاور الأجسام وتلاصقها، والضم الحاصل في العقد ليس كذلك لأن الايجاب والقبول أصوات غير باقية، فمعنى الضم والتلاقي والتجاور فيها محال، وإذا كان كذلك ثبت أنه ليس بين الوطء وبين العقد مفهوم مشترك حتى يقال: إن لفظ النكاح حقيقة فيه، فاذا بطل ذلك لم يبق إلا أن يقال: لفظ النكاح مشترك بين الوطء وبين العقد، ويقال: إنه حقيقة في أحدهما مجاز في الآخر، وحينئذ يرجع الكلام إلى الوجهين الأولين، فهذا هو الكلام الملخص في هذا.
الوجه الثاني: في الجواب عن هذا الاستدلال أن نقول: سلمنا أن النكاح بمعنى الوطء، ولكن لم قلتم: إن قوله: ﴿ مَا نَكَحَ ءابَاؤُكُمْ ﴾ المراد منه المنكوحة، والدليل عليه إجماعهم على أن لفظه ما حقيقة في غير العقلاء، فلو كان المراد منه هاهنا المنكوحة لزم هذا المجاز، وإنه خلاف الأصل، بل أهل العربية اتفقوا على أن ما مع بعدها في تقدير المصدر، فتقدير الآية: ولا تنكحوا نكاح آبائكم، وعلى هذا يكون المراد منه النهي عن أن تنكحوا نكاحا مثل نكاح آبائكم، فان أنكحتهم كانت بغير ولي ولا شهود، وكانت موقتة، وكانت على سبيل القهر والالجاء، فالله تعالى نهاهم بهذه الآية عن مثل هذه الأنكحة، وهذا الوجه منقول عن محمد بن جرير الطبري في تفسير هذه الآية.
الوجه الثالث: في الجواب عن هذا الاستدلال: سلمنا أن المراد من قوله: ﴿ مَا نَكَحَ ءابَاؤُكُمْ ﴾ المنكوحة، والتقدير: ولا تنكحوا من نكح آباؤكم ولكن قوله: من نكح آباؤكم ليس صريحا في العموم بدليل أنه يصح إدخال لفظي الكل والبعض عليه، فيقال: ولا تنكحوا كل ما نكح آباؤكم ولا تنكحوا بعض من نكح آباؤكم، ولو كان هذا صريحا في العموم لكان إدخال لفظ الكل عليه تكريراً، وإدخال لفظ البعض عليه نقصا، ومعلوم أنه ليس كذلك، فثبت أن قوله: ﴿ وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ ءابَاؤُكُمْ ﴾ لا يفيد العموم، وإذا لم يفد العموم لم يتناول محل النزاع.
لا يقال: لو لم يفد العموم لم يكن صرفه إلى بعض الأقسام أولى من صرفه الى الباقي، فحينئذ يصير مجملا غير مفيد، والأصل أن لا يكون كذلك.
لأنا نقول: لا نسلم أن بتقدير أن لا يفيد العموم لم يكن صرفه إلى البعض أولى من صرفه إلى غيره، وذلك لأن المفسرين أجمعوا على أن سبب نزوله إنما هو التزوج بزوجات الآباء، فكان صرفه إلى هذا القسم أولى، وبهذا التقدير لا يلزم كون الآية مجملة، ولا يلزم كونها متناولة لمحل النزاع.
الوجه الرابع: سلمنا أن هذا النهي يتناول محل النزاع، لكن لم قلتم: إنه يفيد التحريم؟
أليس أن كثيرا من أقسام النهي لا يفيد التحريم، بل يفيد التنزيه، فلم قلتم: إنه ليس الأمر كذلك؟
أقصى ما في الباب أن يقال: هذا على خلاف الأصل، ولكن يجب المصير إليه إذا دل الدليل، وسنذكر دلائل صحة هذا النكاح إن شاء الله تعالى.
الوجه الخامس: أن ما ذكرتم هب أنه يدل على فساد هذا النكاح، إلا أن هاهنا ما يدل على صحة هذا النكاح وهو من وجوه: الحجة الأولى: هذا النكاح منعقد فوجب أن يكون صحيحا، بيان أنه منعقد أنه عند أبي حنيفة رضي الله عنه منهي عنه بهذه الآية، ومن مذهبه أن النهي عن الشيء يدل على كونه في نفسه منعقدا وهذا هو أصل مذهبه في مسألة البيع الفاسد وصوم يوم النحر، فيلزم من مجموع هاتين المقدمتين أن يكون هذا النكاح منعقدا على أصل أبي حنيفة، وإذا ثبت القول بالانعقاد في هذه الصورة وجب القول بالصحة لأنه لا قائل بالفرق.
فهذا وجه حسن من طريق الالزام عليهم في صحة هذا النكاح.
الحجة الثانية: عموم قوله تعالى: ﴿ وَلاَ تَنْكِحُواْ المشركات حتى يُؤْمِنَّ ﴾ نهى عن نكاح المشركات ومد النهي إلى غاية وهي إيمانهن، والحكم الممدود إلى غاية ينتهي عند حصول تلك الغاية، فوجب أن ينتهي المنع من نكاحهن عند إيمانهن، وإذا انتهى المنع حصل الجواز، فهذا يقتضي جواز نكاحهن على الاطلاق، ولا شك أنه يدخل في هذا العموم مزنية الأب وغيرها، أقصى ما في الباب أن هذا العموم دخله التخصيص في مواضع يبقى حجة في غير محل التخصيص.
وكذلك نستدل بجميع العمومات الواردة في باب النكاح كقوله تعالى: ﴿ وَأَنْكِحُواْ الأيامى ﴾ وقوله: ﴿ فانكحوا مَا طَابَ لَكُمْ مّنَ النساء ﴾ وأيضا نتمسك بقوله تعالى: ﴿ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ ﴾ وليس لأحد أن يقول: إن قوله: ﴿ مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ ﴾ ضمير عائد إلى المذكور السابق، ومن جملة المذكور السابق قوله: ﴿ وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ ءابَاؤُكُمْ ﴾ وذلك لأن الضمير يجب عوده إلى أقرب المذكورات، وأقرب المذكورات اليه هو من قوله: ﴿ حُرّمَتْ عَلَيْكُمْ أمهاتكم ﴾ فكان قوله: ﴿ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ ﴾ عائدا اليه، ولا يدخل فيه قوله: ﴿ وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ ءابَاؤُكُمْ ﴾ وأيضاً نتمسك بعمومات الأحاديث كقوله عليه الصلاة والسلام: «إذا جاءكم من ترضون دينه فزوجوه».
وقوله: «زوجوا بناتكم الأكفاء» فكل هذه العمومات يتناول: محل النزاع.
واعلم أنا بينا في أصول الفقه أن الترجيح بكثرة الأدلة جائز، وإذا كان كذلك فنقول بتقدير أن يثبت لهم أن النكاح حقيقة في الوطء مجاز في العقد، فلو حملنا الآية على العقد لم يلزمنا إلا مجاز واحد، وبتقدير أن نحمل تلك الآية على حرمة النكاح يلزمنا هذه التخصيصات الكثيرة فكان الترجيح من جانبنا بسبب كثرة الدلائل.
الحجة الثالثة: الحديث المشهور في المسألة وهو قوله عليه الصلاة والسلام: الحرام لا يحرم الحلال أقصى ما في الباب أن يقال: إن قطرة من الخمر إذا وقعت في كوز من الماء فهاهنا الحرام حرم الحلال، وإذا اختلطت المنكوحة بالاجنبيات واشتبهت بهن، فهاهنا الحرام حرم الحلال، إلا أنا نقول: دخول التخصيص فيه في بعض الصور، ولا يمنع من الاستدلال به.
الحجة الرابعة: من جهة القياس أن نقول: المقتضى لجواز النكاح قائم، والفارق بين محل الاجماع وبين محل النزاع ظاهر، فوجب القول بالجواز، أما المقتضى فهو أن يقيس نكاح هذه المرأة على نكاح سائر النسوان عند حصول الشرائط المتفق عليها، بجامع ما في النكاح من المصالح، وأما الفارق فهو أن هذه المحرمية إنما حكم الشرع بثبوتها، سعيا في إبقاء الوصلة الحاصلة بسبب النكاح ومعلوم أن هذا لا يليق بالزنا.
بيان المقام الأول: من تزوج بامرأة، فلو لم يدخل على المرأة أب الرجل وابنه.
ولم تدخل على الرجل أم المرأة وبنتها، لبقيت المرأة كالمحبوسة في البيت، ولتعطل على الزوج والزوجة أكثر المصالح ولو أذنا في هذا الدخول ولم نحكم بالمحرمية فربما امتد عين البعض إلى البعض وحصل الميل والرغبة وعند حصول التزوج بأمها أو ابنتها تحصل النفرة الشديدة بينهن، لأن صدور الايذاء عن الأقارب أقوى وقعا وأشد إيلاما وتأثيرا، وعند حصول النفرة الشديدة يحصل التطليق والفراق، أما إذا حصلت المحرمية انقطعت الأطماع وانحبست الشهوة، فلا يحصل ذلك الضرر، فبقي النكاح بين الزوجين سليما عن هذه المفسدة، فثبت أن المقصود من حكم الشرع بهذه المحرمية، السعي في تقرير الاتصال الحاصل بين الزوجين، وإذا كان المقصود من شرع المحرمية ابقاء ذلك الاتصال، فمعلوم أن الاتصال الحاصل عند النكاح مطلوب البقاء، فيتناسب حكم الشرع باثبات هذه المحرمية، وأما الاتصال الحاصل عند الزنا فهو غير مطلوب البقاء، فلم يتناسب حكم الشرع باثبات هذه المحرمية، وهذا وجه مقبول مناسب في الفرق بين البابين، وهذا هو من قول الامام الشافعي رضي الله عنه عند مناظرته في هذه المسألة محمد بن الحسن حيث قال: وطء حمدت به، ووطء رجمت به، فكيف يشتبهان؟
ولنكتف بهذا القدر من الكلام في هذه المسألة.
واعلم أن السبب في ذكر هذا الاستقصاء هاهنا أن أبا بكر الرازي طول في هذه المسألة في تصنيفه، وما كان ذلك التطويل إلا تطويلا في الكلمات المختلطة والوجوه الفاسدة الركيكة، ثم إنه لما آل الأمر إلى المكالمة مع الامام الشافعي أساء في الأدب وتعدى طوره، وخاض في السفاهة وتعامى عن تقرير دلائله وتغافل عن إيراد حججه، ثم انه بعد أن كتب الأوراق الكثيرة في الترهات التي لا نفع لمذهبه منها ولا مضرة على خصومه بسببها، أظهر القدح الشديد والتصلف العظيم في كثرة علوم أصحابه وقلة علوم من يخالفهم، ولو كان من أهل التحصيل لبكى على نفسه من تلك الكلمات التي حاولت نصرة قوله بها، ولتعلم الدلائل ممن كان أهلا لمعرفتها، ومن نظر في كتابنا ونظر في كتابه وأنصف علم أنا أخذنا منه خرزة، ثم جعلناها لؤلؤة من شدة التخليص والتقرير ثم أجبنا عنه بأجوبة مستقيمة على قوانين الأصول، منطبقة على قواعد الفقه، ونسأل الله حسن الخاتمة ودوام التوفيق والنصرة.
المسألة الثالثة: ذكر المفسرون في قوله: ﴿ إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ ﴾ وجوها: الأول: وهو أحسنها: ما ذكره السيد صاحب حل المقل فقال: هذا استثناء على طريق المعنى لأن قوله: ﴿ وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ ءابَاؤُكُمْ مّنَ النساء إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ ﴾ قبل نزول آية التحريم فانه معفو عنه.
الثاني: قال صاحب الكشاف: هذا كما استثنى غير أن سيوفهم من قوله: (وَلاَ عيب فِيهِمْ) يعني إن أمكنكم أن تنكحوا ما قد سلف فانكحوه فانه لا يحل لكم غيره، وذلك غير ممكن، والغرض المبالغة في تحريمه وسد الطريق إلى إباحته، كما يقال: حتى يبيض القار، وحتى يلج الجمل في سم الخياط.
الثالث: أن هذا استثناء منقطع لأنه لا يجوز استثناء الماضي من المستقبل، والمعنى: لكن ما قد سلف فان الله تجاوز عنه.
والرابع: إلا هاهنا بمعنى بعد، كقوله تعالى: ﴿ لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا الموت إِلاَّ الموتة الأولى ﴾ أي بعد الموتة الأولى.
الخامس: قال بعضهم: معناه إلا ما قد سلف فانكم مقرون عليه، قالوا: إنه عليه الصلاة والسلام أقرهم عليهن مدة ثم أمر بمفارقتهن.
وإنما فعل ذلك ليكون إخراجهم عن هذه العادة الرديئة على سبيل التدريج، وقيل: إن هذا خطأ، لأنه عليه الصلاة والسلام ما أقر أحدا على نكاح امرأة أبيه، وإن كان في الجاهلية.
روى البراء: أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث أبا بردة الى رجل عرس بامرأة أبيه ليقتله ويأخذ ماله.
المسألة الرابعة: الضمير في قوله تعالى: ﴿ أَنَّهُ ﴾ إلى ماذا يعود؟
فيه وجهان: الأول: أنه راجع إلى هذا النكاح قبل النهي، أعلم الله تعالى أن هذا الذي حرمه عليهم كان لم يزل منكرا في قلوبهم ممقوتا عندهم، وكانت العرب تقول لولد الرجل من امرأة أبيه: مقتى، وذلك لأن زوجة الأب تشبه الأم، وكان نكاح الأمهات من أقبح الأشياء عند العرب، فلما كان هذا النكاح يشبه ذلك، لا جرم كان مستقبحا عندهم، فبين الله تعالى أن هذا النكاح أبدا كان ممقوتا وقبيحا.
الثاني: أن هذا الضمير راجع إلى هذا النكاح بعد النهي، فبين الله تعالى أنه كان فاحشة في الاسلام ومقتا عند الله، وإنما قال: ﴿ كَانَ ﴾ لبيان أنه كان في حكم الله وفي علمه موصوفا بهذا الوصف.
المسألة الخامسة: أنه تعالى وصفه بأمور ثلاثة: أولها: أنه فاحشة، وإنما وصف هذا النكاح بأنه فاحشة لما بينا أن زوجة الأب تشبه الأم فكانت مباشرتها من أفحش الفواحش.
وثانيها: المقت: وهو عبارة عن بغض مقرون باستحقار، حصل ذلك بسبب أمر قبيح ارتكبه صاحبه، وهو من الله في حق العبد يدل على غاية الخزي والخسار.
وثالثها: قوله: ﴿ وَسَاء سَبِيلاً ﴾ قال الليث: ساء فعل لازم وفاعله مضمر وسبيلا منصوب تفسيرا لذلك الفاعل، كما قال: ﴿ وَحَسُنَ أولئك رَفِيقاً ﴾ واعلم أن مراتب القبح ثلاثة: القبح في العقول، وفي الشرائع وفي العادات، فقوله: ﴿ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً ﴾ إشارة إلى القبح العقلي، وقوله: ﴿ وَمَقْتاً ﴾ إشارة إلى القبح الشرعي، وقوله: ﴿ وَسَاء سَبِيلاً ﴾ إشارة إلى القبح، في العرف والعادة، ومتى اجتمعت فيه هذه الوجوه فقد بلغ الغاية في القبح والله أعلم.
النوع السادس: من التكاليف المتعلقة بالنساء المذكورة في هذه الآيات.
<div class="verse-tafsir"
وكانوا ينكحون روابهم، وناس منهم يمقتونه من ذي مروآتهم، ويسمونه نكاح المقت.
وكان المولود عليه يقال له المقتي.
ومن ثم قيل: ﴿ وَمَقْتاً ﴾ كأنه قيل: هو فاحشة في دين الله بالغة في القبح، قبيح ممقوت في المروءة ولا مزيد على ما يجمع القبحين.
وقرئ: ﴿ لا تحل لكم ﴾ بالتاء، على أن ترثوا بمعنى الوراثة.
وكرها بالفتح، والضم من الكراهة والإكراه.
وقرئ ﴿ بفاحشة مُّبَيّنَةٍ ﴾ [النساء: 19] من أبانت بمعنى تبينت أو بينت، كما قرئ ﴿ مبيّنة ﴾ بكسر الياء وفتحها.
و ﴿ يَجْعَلُ الله ﴾ بالرفع، على أنه في موضع الحال: ﴿ وَءَاتَيْتُمْ إحداهن ﴾ بوصل همزة إحداهن.
كما قرئ ﴿ فلا إثم عليه ﴾ [البقرة: 173] .
فإن قلت: تعضلوهن، ما وجه إعرابه؟
قلت: النصب عطفاً على أن ترثوا.
و(لا) لتأكيد النفي.
أي لا يحل لكم أن ترثوا النساء ولا أن تعضلوهن.
فإن قلت: أي فرق بين تعدية ذهب بالباء، وبينها بالهمزة؟
قلت: إذا عدي بالباء فمعناه الأخذ والاستصحاب، كقوله تعالى: ﴿ فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِ ﴾ [يوسف: 15] وأما الإذهاب فكالإزالة.
فإن قلت: ﴿ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ ﴾ [النساء: 19] ما هذا الاستثناء؟
قلت: هو استثناء من أعم عام الظرف أو المفعول له، كأنه قيل: ولا تعضلوهن في جميع الأوقات إلا وقت أن يأتين بفاحشة.
أو: ولا تعضلوهنّ لعلة من العلل إلا لأن يأتين بفاحشة.
فإن قلت: من أي وجه صح قوله: ﴿ فعسى أَن تَكْرَهُواْ ﴾ جزاء للشرط؟
قلت: من حيث أنّ المعنى: فإن كرهتموهن فاصبروا عليهن مع الكراهة، فلعل لكم فيما تكرهونه خيراً كثيراً ليس فيما تحبونه فإن قلت كيف استثنى ما قد سلف مما نكح آباؤكم؟
قلت: كما استثنى (غير أن سيوفهم) من قوله: (ولا عيب فيهم) يعني: إن أمكنكم أن تنكحوا ما قد سلف، فانكحوه، فلا يحل لكم غيره.
وذلك غير ممكن.
والغرض المبالغة في تحريمه وسدّ الطريق إلى إباحته، كما يعلق بالمحال في التأبيد نحو قولهم: حتى يبيض القار، وحتى يلج الجمل في سم الخياط.
معنى ﴿ حُرّمَتْ عَلَيْكُمْ أمهاتكم ﴾ تحريم نكاحهن لقوله: ﴿ وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ ءابَاؤُكُمْ مّنَ النساء ﴾ [النساء: 22] ولأن تحريم نكاحهن هو الذي يفهم من تحريمهن، كما يفهم من تحريم الخمر تحريم شربها، ومن تحريم لحم الخنزير تحريم أكله.
وقرئ ﴿ وبنات الأخت ﴾ بتخفيف الهمزة.
وقد نزّل الله الرضاعة منزلة النسب، حتى سمى المرضعة أمًّا للرضيع، والمراضعة أختاً، وكذلك زوج المرضعة أبوه وأبواه جداه، وأخته عمته، وكل ولد ولد له من غير المرضعة قبل الرضاع وبعده فهم إخوته وأخواته لأبيه.
وأم المرضعة جدّته، وأختها خالته، وكل من ولد لها من هذا الزوج فهم إخوته وأخواته لأبيه وأمه، ومن ولد لها من غيره فهم إخوته وأخواته لأمه.
ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» وقالوا: تحريم الرضاع كتحريم النسب إلا في مسألتين: إحداهما أنه لا يجوز للرجل أن يتزوج أخت ابنه من النسب ويجوز أن يتزوّج أخت ابنه من الرضاع، لأن المانع في النسب وطؤه أمها.
وهذا المعنى غير موجود في الرضاع.
والثانية: لا يجوز أن يتزوج أم أخيه من النسب، ويجوز في الرضاع، لأن المانع في النسب وطء الأب إياها، وهذا المعنى غير موجود في الرضاع ﴿ مّن نِّسَائِكُمُ ﴾ متعلق بربائبكم.
ومعناه أن الربيبة من المرأة المدخول بها محرمة على الرجل حلال له إذا لم يدخل بها.
فإن قلت: هل يصح أن يتعلق بقوله: ﴿ وأمهات نِسَائِكُمْ ﴾ ؟
قلت: لا يخلو إمّا أن يتعلق بهن وبالربائب، فتكون حرمتهن وحرمة الربائب غير مبهمتين جميعاً، وإما أن يتعلق بهن بدون الربائب فتكون حرمتهن غير مبهمة وحرمة الربائب مبهمة فلا يجوز الأوّل، لأن معنى (من) مع أحد المتعلقين، خلاف معناه مع الآخر.
ألا تراك أنك إذا قلت: وأمّهات نسائكم من نسائكم اللاتي دخلتم بهنّ فقد جعلت (من) لبيان النساء.
وتمييز المدخول بهنّ من غير المدخول بهنّ.
وإذا قلت وربائبكم من نسائكم اللاتي دخلتم بهنّ فإنك جاعل (من) لابتداء الغاية، كما تقول: بنات رسول الله صلى الله عليه وسلم من خديجة، وليس بصحيح أن يعني بالكلمة الواحدة في خطاب واحد معنيان مختلفان.
ولا يجوز الثاني لأن ما يليه هو الذي يستوجب التعليق به، ما لم يعترض أمر لا يرد، إلا أن تقول: أعلقه بالنساء والربائب، وأجعل (من) للاتصال، كقوله تعالى: ﴿ المنافقون والمنافقات بَعْضُهُمْ مّن بَعْضٍ ﴾ [التوبة: 67] فإني لست منك ولست مني.
ما أنا من دد ولا الدد مني: وأمهات النساء متصلات بالنساء لأنهنّ أمهاتهنّ كما أن: الربائب متصلات بأمهاتهن لأنهنّ بناتهنّ.
هذا وقد اتفقوا على أن تحريم أمهات النساء مبهم دون تحريم الربائب، على ما عليه ظاهر كلام الله تعالى.
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في رجل تزوج امرأة ثم طلقها قبل أن يدخل بها أنه قال: «لا بأس أن يتزوج ابنتها، ولا يحل له أن يتزوج أمها» ، وعن عمر وعمران بن الحصين رضي الله عنهما: أن الأم تحرم بنفس العقد، وعن مسروق: هي مرسلة فأرسلوا ما أرسل الله.
وعن ابن عباس: أبهموا ما أبهم الله، إلا ما روي عن علي وابن عباس وزيد وابن عمر وابن الزبير: أنهم قرءوا: ﴿ وأمّهات نسائكم اللاتي دخلتم بهن ﴾ .
وكان ابن عباس يقول: والله ما نزل إلا هكذا.
وعن جابر روايتان.
وعن سعيد بن المسيب عن زيد: إذا ماتت عنده فأخذ ميراثها، كره أن يخلف على أمّها.
وإذا طلقها قبل أن يدخل بها فإن شاء فعل: أقام الموت مقام الدخول في ذلك، كما قام مقامه في باب المهر.
وسمى ولد المرأة من غير زوجها ربيباً وربيبة، لأنه يربهما كما يرب ولده في غالب الأمر، ثم اتسع فيه فسميا بذلك وإن لم يربهما.
فإن قلت: ما فائدة قوله في حجوركم؟
قلت: فائدته التعليل للتحريم، وأنهن لاحتضانكم لهن أو لكونهن بصدد احتضانكم، وفي حكم التقلب في حجوركم إذا دخلتم بأمّهاتهن، وتمكن بدخولكم حكم الزواج وثبتت الخلطة والألفة، وجعل الله بينكم المودة والرحمة، وكانت الحال خليقة بأن تجروا أولادهن مجرى أولادكم، كأنكم في العقد على بناتهن عاقدون على بناتكم.
وعن علي رضي الله عنه: أنه شرط ذلك في التحريم.
وبه أخذ داود.
فإن قلت: ما معنى ﴿ دَخَلْتُمْ بِهِنَّ ﴾ ؟
قلت: هي كناية عن الجماع، كقولهم: بنى عليها وضرب عليها الحجاب يعني أدخلتموهن الستر.
والباء للتعدية واللمس.
ونحوه؛ يقوم مقام الدخول عند أبي حنيفة.
وعن عمر رضي الله عنه أنه خلا بجارية فجردها، فاستوهبها ابن له فقال: إنها لا تحلّ لك.
وعن مسروق أنه أمر أن تباع جاريته بعد موته وقال: أما إني لم أصب منها إلا ما يحرمها على ولدي من اللمس والنظر.
وعن الحسن في الرجل يملك الأمة فيغمزها لشهوة أو يقبلها أو يكشفها: أنها لا تحل لولده بحال وعن عطاء وحماد بن أبي سليمان: إذا دخل بالأم فعرّاها ولمسها بيده وأغلق الباب وأرخى الستر، فلا يحلّ له نكاح ابنتها.
وعن ابن عباس وطاوس وعمرو بن دينار: أن التحريم لا يقع إلا بالجماع وحده ﴿ الذين مِنْ أصلابكم ﴾ دون من تبنيتم.
وقد تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش الأسدية بنت عمته أميمة بنت عبد المطلب حين فارقها زيد بن حارثة، وقال عزّ وجلّ: ﴿ لِكَيْلاَ يَكُونَ عَلَى المؤمنين حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ ﴾ [الأحزاب: 37] .
﴿ وَأَن تَجْمَعُواْ ﴾ في موضع الرفع عطف على المحرمات، أي وحرّم عليكم الجمع بين الأختين.
والمراد حرمة النكاح، لأنّ التحريم في الآية تحريم النكاح وأما الجمع بينهما في ملك اليمين، فعن عثمان وعلي رضي الله عنهما أنهما قالا: أحلتهما آية وحرّمتهما آية يعنيان هذه الآية وقوله: ﴿ أَوْ مَا مَلَكَتْ أيمانكم ﴾ [النساء: 3] فرجح عليُّ التحريم، وعثمانُ التحليل.
﴿ إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ ﴾ ولكن ما مضى مغفور بدليل قوله: ﴿ إِنَّ الله كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ ﴾ ولا تَنْكِحُوا الَّتِي نَكَحَها آباؤُكُمْ، وإنَّما ذَكَرَ ما دُونَ مَن لِأنَّهُ أُرِيدَ بِهِ الصِّفَةُ، وقِيلَ ما مَصْدَرِيَّةٌ عَلى إرادَةِ المَفْعُولِ مِنَ المَصْدَرِ.
﴿ مِنَ النِّساءِ ﴾ بَيانُ ما نَكَحَ عَلى الوَجْهَيْنِ.
﴿ إلا ما قَدْ سَلَفَ ﴾ اسْتِثْناءٌ مِنَ المَعْنى اللّازِمِ لِلنَّهْيِ وكَأنَّهُ قِيلَ: وتَسْتَحِقُّونَ العِقابَ بِنِكاحِ ما نَكَحَ آباؤُكم إلّا ما قَدْ سَلَفَ، أوْ مِنَ اللَّفْظِ لِلْمُبالَغَةِ في التَّحْرِيمِ والتَّعْمِيمِ كَقَوْلِهِ: ولا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهم ∗∗∗ بِهِنَّ فُلُولٌ مِن قِراعِ الكَتائِبِ والمَعْنى ولا تَنْكِحُوا حَلائِلَ آبائِكم إلّا ما قَدْ سَلَفَ إنْ أمْكَنَكم أنْ تَنْكِحُوهُنَّ.
وقِيلَ الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ ومَعْناهُ لَكِنْ ما قَدْ سَلَفَ، فَإنَّهُ لا مُؤاخَذَةَ عَلَيْهِ لِأنَّهُ مُقَرَّرٌ.
﴿ إنَّهُ كانَ فاحِشَةً ومَقْتًا ﴾ عِلَّةٌ لِلنَّهْيِ أيْ إنَّ نِكاحَهُنَّ كانَ فاحِشَةً عِنْدَ اللَّهِ ما رَخَّصَ فِيهِ لِأُمَّةٍ مِنَ الأُمَمِ، مَمْقُوتًا عِنْدَ ذَوِي المُرُوءاتِ ولِذَلِكَ سُمِّيَ ولَدُ الرَّجُلِ مِن زَوْجَةِ أبِيهِ المَقْتِي ﴿ وَساءَ سَبِيلا ﴾ سَبِيلُ مَن يَراهُ ويَفْعَلُهُ.
<div class="verse-tafsir"
ولما نزل لا يحل لكم أن ترثوا
النساء (٢٢ _ ٢٣)
النساء كرها قالوا تركنا هذا لاترثهن كرهاً ولكن نخطبهن فننكحهن برضاهن فقيل لهم {ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم مّنَ النساء} وقيل المراد بالنكاح الوطء أي لا تطؤا ما وطئ آباؤكم وفيه تحريم وطء موطوءة الأب بنكاح أو بملك يمين أو بزنا كما هو مذهبنا وعليه كثير من المفسرين ولما قالوا كنا نفعل ذلك فكيف حال ما كان منا قال {إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ} أي لكن ما قد سلف فإنكم لا تؤاخذون به والاستثناء منقطع عن سيبويه ثم بين صفة هذا العقد في الحال فقال {إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً} بالغة في القبح {وَمَقْتاً} وبغضاً عند الله وعند المؤمنين وناس منهم يمقتونه من ذوي مروآتهم ويسمونه نكاح المقت وكان المولود عليه يقال له المقتى {وَسَاءَ سَبِيلاً} وبئس الطريق طريقاً ذلك
﴿ ولا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ مَن يَحْرُمُ نِكاحُها مِنَ النِّساءِ ومَن لا يَحْرُمُ بَعْدَ بَيانِ كَيْفِيَّةِ مُعاشَرَةِ الأزْواجِ، وهو عِنْدَ بَعْضٍ مُرْتَبِطٌ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ لا يَحِلُّ لَكم أنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهًا ﴾ وإنَّما خُصَّ هَذا النِّكاحُ بِالنَّهْيِ ولَمْ يُنَظَّمْ في سِلْكِ نِكاحِ المُحَرَّماتِ الآتِيَةِ مُبالَغَةً في الزَّجْرِ عَنْهُ حَيْثُ كانَ ذَلِكَ دَيْدَنًا لَهم في الجاهِلِيَّةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ قالَ: «كانَ الرَّجُلُ إذا تُوُفِّيَ عَنِ امْرَأتِهِ كانَ ابْنُهُ أحَقَّ بِها أنْ يَنْكِحَها إنْ شاءَ إنْ لَمْ تَكُنْ أُمَّهُ، أوْ يَنْكِحُها مَن شاءَ فَلَمّا ماتَ أبُو قَيْسِ بْنُ الأسْلَتِ قامَ ابْنُهُ حِصْنٌ فَوَرِثَ نِكاحَ امْرَأتِهِ ولَمْ يُنْفِقْ عَلَيْها ولَمْ يُورِثْها مِنَ المالِ شَيْئًا فَأتَتِ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ فَقالَ: «ارْجِعِي لَعَلَّ اللَّهَ تَعالى يُنْزِلُ فِيكِ شَيْئًا فَنَزَلَتْ ﴿ ولا تَنْكِحُوا ﴾ الآيَةَ، ونَزَلَتْ أيْضًا ﴿ لا يَحِلُّ لَكُمْ ﴾ إلَخْ»» وذَكَرَ الواحِدِيُّ وغَيْرُهُ أنَّها نَزَلَتْ في حِصْنِ المَذْكُورِ، وفي الأسْوَدِ بْنِ خَلَفٍ تَزَوَّجَ امْرَأةَ أبِيهِ، وفي صَفْوانَ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ تَزَوَّجَ امْرَأةَ أبِيهِ فاخِتَةَ بِنْتَ الأسْوَدِ بْنِ المُطَّلِبِ، وفي مَنظُورِ بْنِ رَيّانَ تَزَوَّجَ امْرَأةَ أبِيهِ مُلَيْكَةَ بِنْتَ خارِجَةٍ، واسْمُ الآباءِ يَنْتَظِمُ الأجْدادَ كَيْفَ كانُوا بِاعْتِبارِ مَعْنًى يَعُمُّهُما لُغَةً لا بِاعْتِبارِ الجَمْعِ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ، وفي «النِّهايَةِ» إنَّ دَلالَةَ الأبِ عَلى الجِدِّ بِأحَدِ طَرِيقَيْنِ: إمّا أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالأبِ الأصْلَ وإمّا بِالإجْماعِ، ولا يَخْفى أنَّ كَوْنَ الدَّلالَةِ بِالإجْماعِ مِمّا لا مَعْنى لَهُ، نَعَمْ لِثُبُوتِ حُرْمَةِ مَن نَكَحَها الجَدُّ بِالإجْماعِ مَعْنًى لا خَفاءَ فِيهِ فَتَثْبُتُ حُرْمَةُ ما نَكَحُوها نَصًّا وإجْماعًا، ويَسْتَقِلُّ في إثْباتِ هَذِهِ الحُرْمَةِ نَفْسُ النِّكاحِ أعْنِي العَقْدَ إنْ كانَ صَحِيحًا ولا يُشْتَرَطُ الدُّخُولُ، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ ابْنُ عَبّاسٍ، فَقَدْ أخْرَجَ عَنْهُ ابْنُ جَرِيرٍ والبَيْهَقِيُّ أنَّهُ قالَ: كُلُّ امْرَأةٍ تَزَوَّجَها أبُوكَ دَخَلَ بِها أوْ لَمْ يَدْخُلْ بِها فَهي عَلَيْكَ حَرامٌ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ وابْنِ أبِي رَباحٍ، وإنْ كانَ النِّكاحُ فاسِدًا فَلا بُدَّ في إثْباتِ الحُرْمَةِ مِنَ الوَطْءِ أوْ ما يَجْرِي مَجْراهُ مِنَ التَّقْبِيلِ والمَسِّ بِشَهْوَةٍ مَثَلًا بَلْ هو المُحَرَّمُ في الحَقِيقَةِ حَتّى لَوْ وقَعَ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ بِمِلْكِ اليَمِينِ، وبِالوَجْهِ المُحَرَّمِ ثَبَتَتْ بِهِ الحُرْمَةُ عِنْدَنا، وإلَيْهِ ذَهَبَتِ الإمامِيَّةُ، وخالَفَتِ الشّافِعِيَّةُ في المُحَرَّمِ، وتَحْقِيقُ ذَلِكَ أنَّ النّاسَ اخْتَلَفُوا في مَفْهُومِ النِّكاحِ لُغَةً فَقِيلَ: هو مُشْتَرَكٌ لَفْظِيٌّ بَيْنَ الوَطْءِ والعَقْدِ وهو ظاهِرُ كَلامِ كَثِيرٍ مِنَ اللُّغَوِيِّينَ، وقِيلَ: حَقِيقَةٌ في العَقْدِ مَجازٌ في الوَطْءِ وعَلَيْهِ الشّافِعِيَّةُ، وقِيلَ: بِالعَكْسِ وعَلَيْهِ أصْحابُنا، ولا يُنافِيهِ تَصْرِيحُهم بِأنَّهُ حَقِيقَةٌ في الضَّمِّ لِأنَّ الوَطْءَ مِن أفْرادِهِ، والمَوْضُوعُ لِلْأعَمِّ حَقِيقَةً في كُلٍّ مِن أفْرادِهِ عَلى ما أطْلَقَهُ الأقْدَمُونَ، وقَدْ تَحَقَّقَ اسْتِعْمالُ النِّكاحِ في كُلٍّ مِن هَذِهِ المَعانِي، فَفي الوَطْءِ قَوْلُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ”«وُلِدْتُ مِن نِكاحٍ لا مِن سِفاحٍ“» أيْ مِن وطْءٍ حَلالٍ لا مِن وطْءٍ حَرامٍ، وقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «يَحِلُّ لِلرَّجُلِ مِنِ امْرَأتِهِ الحائِضِ كُلُّ شَيْءٍ إلّا النِّكاحَ»، وقَوْلُ الشّاعِرِ: ومِن أيِّمٍ قَدْ ”أنَكَحَتْها“ رِماحُنا وأُخْرى عَلى خالٍ وعَمٍّ تَلَهَّفُ وقَوْلُ الآخَرِ: ”ومَنكُوحَةٍ“ غَيْرِ مَمْهُورَةٍ وقَوْلُ الفَرَزْدَقِ: إذْ سَقى اللَّهُ قَوْمًا صَوْبَ عادِيَةٍ ∗∗∗ فَلا سَقى اللَّهُ أرْضَ الكُوفَةِ المَطَرا التّارِكِينَ عَلى طُهْرٍ نِساءَهُمُ ∗∗∗ ”والنّاكِحِينَ“ بِشَطَّيْ دِجْلَةَ البَقَرا وفِي «العَقْدِ» قَوْلُ الأعْشى: فَلا تَقْرَبَنَّ جارَةً إنَّ سِرَّها ∗∗∗ عَلَيْكَ حَرامٌ ”فانْكِحَنْ“ أوْ تَأبَّدا وفِي المَعْنى الأعَمِّ قَوْلُ القائِلِ: ضَمَمْتُ إلى صَدْرِي مُعَطَّرَ صَدْرِها ∗∗∗ كَما ”نَكَحَتْ“ أُمُّ الغُلامِ صَبِيَّها وقَوْلُ أبِي الطَّيِّبِ: ” أنْكَحْتُ“ صُمَّ حَصاها خُفَّ يَعْمَلَةٍ ∗∗∗ تَغَشْمَرَتْ بِي إلَيْكَ السَّهْلُ والجَبَلا فَمُدَّعِي الِاشْتِراكِ اللَّفْظِيِّ يَقُولُ: تَحَقَّقَ الِاسْتِعْمالُ والأصْلُ الحَقِيقَةُ، والثّانِي يَقُولُ: كَوْنُهُ مَجازًا في أحَدِهِما حَقِيقَةً في الآخَرِ حَيْثُ أمْكَنَ أوْلى مِنَ الِاشْتِراكِ، ثُمَّ يَدَّعِي تَبادُرَ العَقْدِ عِنْدَ إطْلاقِ لَفْظِ النِّكاحِ دُونَ الوَطْءِ ويُحِيلُ فَهْمَ الوَطْءِ مِنهُ حَيْثُ فُهِمَ عَلى القَرِينَةِ، فَفي الحَدِيثِ الأوَّلِ هي عَطْفُ السِّفاحِ بَلْ يَصِحُّ حَمْلُ النِّكاحِ فِيهِ عَلى العَقْدِ، وإنْ كانَتِ الوِلادَةُ بِالذّاتِ مِنَ الوَطْءِ، وفي الثّانِي إضافَةُ المَرْأةِ إلى ضَمِيرِ الرَّجُلِ فَإنَّ امْرَأتَهُ هي المَعْقُودُ عَلَيْها فَيَلْزَمُ إرادَةُ الوَطْءِ مِنَ النِّكاحِ المُسْتَثْنى وإلّا فَسَدَ المَعْنى إذْ يَصِيرُ: يَحِلُّ مِنَ المَعْقُودِ عَلَيْها كُلُّ شَيْءٍ إلّا العَقْدَ، وفي الأبْياتِ الإضافَةُ إلى البَقَرِ ونَفْيُ المُهُورِ، والإسْنادُ إلى الرِّماحِ إذْ يُسْتَفادُ أنَّ المُرادَ وطْءُ البَقْرِ والمَسْبِيّاتِ، والجَوابُ مَنعُ تَبادُرِ العَقْدِ عِنْدَ الإطْلاقِ لُغَةً بَلْ ذَلِكَ في المَفْهُومِ الشَّرْعِيِّ الفِقْهِيِّ، ولا نُسَلِّمُ أنَّ فَهْمَ الوَطْءِ فِيما ذُكِرَ مُسْنَدٌ إلى القَرِينَةِ وإنْ كانَتْ مَوْجُودَةً إذْ وُجُودُ قَرِينَةٍ تُؤَيِّدُ إرادَةَ المَعْنى الحَقِيقِيِّ مِمّا يُثْبِتُ مَعَ إرادَةِ الحَقِيقِيِّ فَلا يَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ كَوْنَ المَعْنى مَجازِيًّا بَلِ المُعْتَبَرُ مُجَرَّدُ النَّظَرِ إلى القَرِينَةِ إنْ عُرِفَ أنَّهُ لَوْلاها لَمْ يَدُلَّ اللَّفْظُ عَلى ما عَنَيْتُهُ فَهو مَجازٌ وإلّا فَلا، ونَحْنُ في هَذِهِ المَوادِّ المَذْكُورَةِ نَفْهَمُ الوَطْءَ قَبْلَ طَلَبِ القَرِينَةِ، والنَّظَرُ في وجْهِ دَلالَتِها فَيَكُونُ اللَّفْظُ حَقِيقَةً وإنْ كانَ مَقْرُونًا بِما إذا نُظِرَ فِيهِ اسْتَدْعى إرادَةَ ذَلِكَ المَعْنى، ألا يَرى أنَّ ما ادَّعَوْا فِيهِ الشَّهادَةَ عَلى أنَّهُ حَقِيقَةٌ في العَقْدِ مَجازٌ في الوَطْءِ مِن بَيْتِ الأعْشى فِيهِ قَرِينَةٌ تُفِيدُ العَقْدَ أيْضًا فَإنَّ قَوْلَهُ: فَلا تَقْرَبَنَّ جارَةً نَهْيٌ عَنِ الزِّنا بِدَلِيلِ أنَّ سِرَّها عَلَيْكَ حَرامٌ فَيَلْزَمُ أنَّ قَوْلَهُ: فانْكِحَنَّ أمْرٌ بِالعَقْدِ أيْ فَتَزَوَّجَ ∗∗∗ إنْ كانَ الزِّنا عَلَيْكَ حَرامًا أوْ تَأبَّدَ أيْ تَوَحَّشَ أيْ كُنْ كالوَحْشِ بِالنِّسْبَةِ إلى الآدَمِيّاتِ فَلا يَكُنْ مِنكَ قُرْبانٌ لَهُنَّ كَما لا يَقْرَبَهُنَّ وحْشٌ، ولَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ أنْ يَكُونَ اللَّفْظُ حَقِيقَةً في العَقْدِ عِنْدَهم في البَيْتِ إذْ هم لا يَقُولُونَ بِأنَّهُ مَجازٌ فِيهِ، وأمّا ادِّعاءُ أنَّهُ في الحَدِيثِ لِلْعَقْدِ فَيَسْتَلْزِمُ التَّجَوُّزَ في نِسْبَةِ الوِلادَةِ إلَيْهِ لِأنَّ العَقْدَ إنَّما هو سَبَبُ السَّبَبِ، فَفِيهِ دَعْوى حَقِيقَةٌ بِالخُرُوجِ عَنْ حَقِيقَةٍ وهو تَرْجِيحٌ بِلا مُرَجِّحٍ لَوْ كانا سَواءً، فَكَيْفَ والأنْسَبُ كَوْنُهُ في الوَطْءِ لِيَتَحَقَّقَ التَّقابُلُ بَيْنَهُ وبَيْنَ السِّفاحِ إذْ يَصِيرُ المَعْنى عَنْ وطْءٍ حَلالٍ لا وطْءٍ حَرامٍ فَيَكُونُ عَلى خاصٍّ مِنَ الوَطْءِ، والدّالُّ عَلى الخُصُوصِيَّةِ لَفْظُ السِّفاحِ أيْضًا فَثَبَتَ إلى هُنا أنّا لَمْ نَزِدْهُ عَلى ثُبُوتِ مُجَرَّدِ الِاسْتِعْمالِ شَيْئًا يَجِبُ اعْتِبارُهُ، وقَدْ عُلِمَ أيْضًا ثُبُوتُ الِاسْتِعْمالِ في الضَّمِّ فَبِاعْتِبارِهِ حَقِيقَةً فِيهِ يَكُونُ مُشْتَرَكًا مَعْنَوِيًّا مِن أفْرادِهِ الوَطْءُ والعَقْدُ إنِ اعْتَبَرْنا الضَّمَّ أعَمَّ مِن ضَمِّ الجِسْمِ إلى الجِسْمِ والقَوْلِ إلى القَوْلِ، أوِ الوَطْءِ فَقَطْ فَيَكُونُ مَجازًا في العَقْدِ لِأنَّهُ إذا دارَ بَيْنَ المَجازِ والِاشْتِراكِ اللَّفْظِيِّ كانَ المَجازُ أوْلى ما لَمْ يَثْبُتْ صَرِيحًا خِلافَهُ ولَمْ يَثْبُتْ نَقْلُ ذَلِكَ بَلْ قالُوا: نَقَلَ المُبَرِّدُ عَنِ البَصْرِيِّينَ، وغُلامُ ثَعْلَبٍ عَنِ الكُوفِيِّينَ أنَّهُ الجَمْعُ والضَّمُّ، ثُمَّ المُتَبادَرُ مِن لَفْظِ الضَّمِّ تَعَلُّقُهُ بِالأجْسامِ لا الأقْوالِ لِأنَّها أعْراضٌ يَتَلاشى الأوَّلُ مِنها قَبْلَ وُجُودِ الثّانِي فَلا يُصادِفُ الثّانِيَ ما يَنْضَمُّ إلَيْهِ فَوَجَبَ كَوْنُهُ مَجازًا في العَقْدِ كَذا في «فَتْحِ القَدِيرِ» .
إذا عَلِمْتَ ذَلِكَ فَنَقُولُ: حَمَلَ الشّافِعِيَّةُ النِّكاحَ في الآيَةِ الَّتِي نَحْنُ فِيها عَلى العَقْدِ دُونَ الوَطْءِ، واسْتَدَلُّوا بِها عَلى حُرْمَةِ المَعْقُودِ عَلَيْها وإنْ لَمْ تُوطَأْ، وذَهَبُوا إلى عَدَمِ ثُبُوتِ الحُرْمَةِ بِالزِّنا وحَمَلَهُ بَعْضُ أصْحابِنا عَلى العَقْدِ فِيها، واسْتَدَلُّوا بِها عَلى حُرْمَةِ نِكاحِ نِساءِ الآباءِ والأجْدادِ، وثُبُوتِ حُرْمَةِ المُصاهَرَةِ بِالزِّنا وجَعَلُوا حُرْمَةَ العَقْدِ ثابِتَةً بِالإجْماعِ ثُمَّ قالُوا: ولَوْ حُمِلَ عَلى العَقْدِ تَكُونُ حُرْمَةُ الوَطْءِ ثابِتَةً بِطَرِيقِ الأوْلى.
واعْتُرِضَ بِأنَّهُ لا يَنْبَغِي أنْ يُقالَ: ثَبَتَ حُرْمَةُ المَوْطُوأةِ بِالآيَةِ، والمَعْقُودِ عَلَيْها بِلا وطْءٍ بِالإجْماعِ لِأنَّهُ إذا كانَ الحُكْمُ الحُرْمَةَ بِمُجَرَّدِ العَقْدِ ولَفْظُ الدَّلِيلِ الصّالِحِ لَهُ كانَ مُرادًا مِنهُ بِلا شُبْهَةٍ؛ فَإنَّ الإجْماعَ تابِعٌ لِلنَّصِّ إذِ القِياسُ عَنْ أحَدِهِما يَكُونُ، ولَوْ كانَ عَنْ عِلْمٍ ضَرُورِيٍّ يَخْلُقُ لَهم ثَبَتَ بِذَلِكَ أنَّ ذَلِكَ الحُكْمَ مُرادٌ مِن كَلامِ الشّارِعِ إذا احْتَمَلَهُ، وحَمَلَهُ آخَرُونَ عَلى الوَطْءِ والعَقْدِ مَعًا فَقَدْ قالَ الزَّيْلَعِيُّ: الآيَةُ تَتَناوَلُ مَنكُوحَةَ الأبِ وطْءً وعَقْدًا صَحِيحًا، ولا يَضُرُّ الجَمْعُ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ لِأنَّ الكَلامَ نَفْيٌ، وفي النَّفْيِ يَجُوزُ الجَمْعُ بَيْنَهُما كَما يَجُوزُ فِيهِ أنْ يَعُمَّ المُشْتَرَكُ جَمِيعَ مَعانِيهِ، وقَدْ نَقَلَ أيْضًا سَعْدِي أفَنْدِي عَنْ وصايا «الهِدايَةِ» جَوازَ الجَمْعِ بَيْنَ مَعانِي المُشْتَرَكِ في النَّفْيِ وحِينَئِذٍ لا إشْكالَ في كَوْنِ الآيَةِ دَلِيلًا عَلى حُرْمَةِ المَوْطُوأةِ والمَعْقُودِ عَلَيْها كَما لا يَخْفى.
واعْتُرِضَ ما قالَهُ الزَّيْلَعِيُّ بِأنَّهُ ضَعِيفٌ في الأُصُولِ، والصَّحِيحُ أنَّهُ لا يَجُوزُ الجَمْعُ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ لا في النَّفْيِ ولا في الإثْباتِ، ولا عُمُومَ لِلْمُشْتَرَكِ مُطْلَقًا، وفي «الأكْمَلِ» والحَقُّ أنَّ النَّفْيَ كَما اقْتَضاهُ الإثْباتُ فَإنِ اقْتَضى الإثْباتُ الجَمْعَ بَيْنَ المَعْنَيَيْنِ فالنَّفْيُ كَذَلِكَ وإلّا فَلا.
ومَسْألَةُ اليَمِينِ المَذْكُورَةُ في «المَبْسُوطِ» حَلَفَ لا يُكَلِّمُ مُوالِيَهُ ولَهُ أعْلَوْنَ وأسْفَلُونَ فَأيُّهم كَلَّمَ حَنِثَ لَيْسَتْ بِاعْتِبارِ عُمُومِ المُشْتَرَكِ في النَّفْيِ كَما تَوَهَّمَ البَعْضُ، وإنَّما هو لِأنَّ حَقِيقَةَ الكَلامِ مَتْرُوكَةٌ بِدَلالَةِ اليَمِينِ إلى مَجازٍ يَعُمُّها، وفي «البَحْرِ» إنَّ الأوْلى أنَّ النِّكاحَ في الآيَةِ لِلْعَقْدِ كَما هو المَجْمَعُ عَلَيْهِ، ويَسْتَدِلُّ لِثُبُوتِ حُرْمَةِ المُصاهَرَةِ بِالوَطْءِ الحَرامِ بِدَلِيلٍ آخَرَ فَلْيُفْهَمْ، وما مَوْصُولٌ اسْمِيٌّ واقِعَةٌ عَلى مَن يَعْقِلُ ولا كَلامَ في ذَلِكَ عَلى رَأْيِ مَن جَوَّزَهُ مُطْلَقًا، وكَذا عَلى رَأْيِ مَن جَوَّزَهُ إذا أُرِيدَ مَعْنى صِفَةٍ مَقْصُودَةٍ مِنهُ، وقِيلَ: مَصْدَرِيَّةٌ عَلى إرادَةِ المَفْعُولِ مِنَ المَصْدَرِ أيْ مَنكُوحاتُ آبائِكم، واخْتارَ الطَّبَرِيُّ إبْقاءَ المَصْدَرِ عَلى مَصْدَرِيَّتِهِ ويَكُونُ المُرادُ النَّهْيَ عَنْ كُلِّ نِكاحٍ كانَ لَهم فاسِدَ أيْ لا تَنْكِحُوا مِثْلَ نِكاحِ آبائِكم ولَيْسَ بِالوَجِيهِ.
﴿ مِنَ النِّساءِ ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ( ما ) أوْ مِنَ العائِدِ عَلَيْها، وعِنْدَ الطَّبَرِيِّ مُتَعَلِّقَةٌ بِنَكَحَ، وذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّها بَيانٌ لِما عَلى الوَجْهَيْنِ السّابِقَيْنِ، وظاهِرُهُ أنَّها بَيانِيَّةٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ تَبْعِيضِيَّةً والبَيانُ مَعْنَوِيٌّ، ونُكْتَتُهُ مَعَ عَدَمِ الِاحْتِياجِ إلَيْهِ إذِ المَنكُوحاتُ لا يَكُنَّ إلّا نِساءً التَّعْمِيمُ كَأنَّهُ قِيلَ: أيُّ امْرَأةٍ كانَتْ، واحْتِمالُ كَوْنِهِ رَفَعَ تَوَهُّمَ التَّغْلِيبِ في آبائِكم وجَعَلَهُ أعَمَّ مِنَ الأُمَّهاتِ حَتّى يُفِيدَ أنَّهُ نُهِيَ لِلْبِنْتِ عَنْ نِكاحِ مَنكُوحٍ أُمُّها لا يَخْلُو عَنْ خَفاءٍ.
﴿ إلا ما قَدْ سَلَفَ ﴾ أيْ ماتَ كَما رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وهو اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ عَلى المُخْتارِ مِمّا نَكَحَ لِلْمُبالَغَةِ في التَّحْرِيمِ والتَّعْمِيمِ، والكَلامُ حِينَئِذٍ مِن بابِ تَأْكِيدِ الشَّيْءِ بِما يُشْبِهُ نَقِيضَهُ كَما في قَوْلِ النّابِغَةِ: ولا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهم ∗∗∗ ”بِهِنَّ فُلُولٌ مِن قِراعِ الكَتائِبِ “ والمَعْنى لا تَنْكِحُوا حَلائِلَ آبائِكم إلّا مَن ماتَ مِنهُنَّ.
والمَقْصُودُ سَدُّ بابِ الإباحَةِ بِالكُلِّيَّةِ لِما فِيهِ مِن تَعْلِيقِ الشَّيْءِ بِالمُحالِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ حَتّى يَلِجَ الجَمَلُ في سَمِّ الخِياطِ ﴾ والمُعَلَّقُ عَلى المُحالِ مُحالٌ، وقِيلَ: إنَّهُ اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ مِمّا يَسْتَلْزِمُهُ النَّهْيُ وتَسْتَلْزِمُهُ مُباشَرَةُ المَنهِيِّ عَنْهُ مِنَ العِقابِ كَأنَّهُ قِيلَ: تَسْتَحِقُّونَ العِقابَ بِنِكاحِ ما نَكَحَ آباؤُكم إلّا ما قَدْ سَلَفَ ومَضى فَإنَّهُ مَعْفُوٌّ عَنْهُ، وبِهَذا التَّأْوِيلِ يَنْدَفِعُ الِاسْتِشْكالُ بِأنَّ النَّهْيَ لِلْمُسْتَقْبَلِ، وما قَدْ سَلَفَ ماضٍ فَكَيْفَ يُسْتَثْنى مِنهُ، وجَعَلَ بَعْضُ مُحَقِّقِي النُّحاةِ الِاسْتِثْناءَ مِمّا دَخَلَ في حُكْمِ دَلالَةِ المَفْهُومِ مُنْقَطِعًا فَحُكِمَ عَلى ما هُنا بِالِانْقِطاعِ أيْ لَكِنْ ما سَلَفَ لا مُؤاخَذَةَ عَلَيْهِ فَلا تُلامُونَ بِهِ لِأنَّ الإسْلامَ يُهْدَمُ ما قَبْلَهُ فَتَثْبُتُ بِهِ أحْكامُ النِّسَبِ وغَيْرِهِ، ولا يُعَدُّ ذَلِكَ زِنًا، وقَدْ ذَكَرَ البَلْخِيُّ أنَّهُ لَيْسَ كُلُّ نِكاحٍ حَرَّمَهُ اللَّهُ تَعالى يَكُونُ زِنًا لِأنَّ الزِّنا فِعْلٌ مَخْصُوصٌ لا يَجْرِي عَلى طَرِيقَةٍ لازِمَةٍ وسُنَّةٍ جارِيَةٍ، ولِذَلِكَ لا يُقالُ لِلْمُشْرِكِينَ في الجاهِلِيَّةِ أوْلادُ زِنًا، ولا لِأوْلادِ أهْلِ الذِّمَّةِ مَثَلًا إذا كانَ ذَلِكَ عَنْ عَقْدٍ بَيْنَهم يَتَعارَفُونَهُ، وزَعَمَ بَعْضُهم عَلى تَقْدِيرِ الِانْقِطاعِ أنَّ المَعْنى لَكِنْ ما سَلَفَ أنْتُمْ مُقِرُّونَ عَلَيْهِ، وحُكِيَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أقَرَّهم عَلى مَنكُوحاتِ آبائِهِمْ مُدَّةً ثُمَّ أمَرَ بِمُفارَقَتِهِنَّ، وفَعَلَ ذَلِكَ لِيَكُونَ إخْراجُهم عَنْ هَذِهِ العادَةِ الرَّدِيئَةِ عَلى سَبِيلِ التَّدْرِيجِ، قالَ البَلْخِيُّ: وهَذا خِلافُ الإجْماعِ، وما عُلِمَ مِن دِينِ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فالقَوْلُ بِهِ خَطَأٌ والمُعَوَّلُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِ الأقْوالِ الأوَّلُ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( إنَّهُ ) أيِ نِكاحَ ما نَكَحَ الآباءُ ﴿ كانَ فاحِشَةً ومَقْتًا ﴾ فَإنَّهُ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ وبَيانٌ لِكَوْنِ المَنهِيِّ عَنْهُ في غايَةِ القُبْحِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ الأخْبارُ بِأنَّهُ فاحِشَةٌ مَبْغُوضًا بِاسْتِحْقارٍ جِدًّا حَتّى كَأنَّهُ نَفْسُ البُغْضِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ الأخْبارُ بِأنَّهُ مَقْتٌ، وإنَّهُ لَمْ يَزَلْ في حُكْمِ اللَّهِ تَعالى وعِلْمِهِ مَوْصُوفًا بِذَلِكَ ما رُخِّصَ فِيهِ لِأُمَّةٍ مِنَ الأُمَمِ كَما يَقْتَضِيهِ كانَ عَلى ما ذَكَرَهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسى وغَيْرُهُ، وهَذا لا يُلائِمُ أنْ يُوَسَّطَ بَيْنَهُما ما يُهَوِّنُ أمْرَهُ مِن تَرْكِ المُؤاخَذَةِ عَلى ما سَلَفَ مِنهُ كَما أشارَ إلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ وارْتَضاهُ جَمْعٌ مِنَ المُحَقِّقِينَ، ومِنَ النّاسِ مَنِ اسْتَظْهَرَ كَوْنَ هَذِهِ الجُمْلَةِ خَبَرًا عَلى تَقْدِيرِ الِانْقِطاعِ ولَيْسَ بِالظّاهِرِ، ومِنهم مَن فَسَّرَ الفاحِشَةَ هُنا بِالزِّنا ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وقَدْ كانَ هَذا النِّكاحُ يُسَمّى في الجاهِلِيَّةِ نِكاحَ المَقْتِ، ويُسَمّى الوَلَدُ مِنهُ مَقْتِيًّا، ويُقالُ لَهُ أيْضًا: مَقِيتٌ أيْ مَبْغُوضٌ مُسْتَحْقِرٌ، وكانَ مِن هَذا النِّكاحِ عَلى ما ذَكَرَهُ الطَّبَرَسِيُّ الأشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ ومُعَيْطٌ جَدُّ الوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ ﴿ وساءَ سَبِيلا ﴾ أيْ بِئْسَ طَرِيقًا طَرِيقُ ذَلِكَ النِّكاحِ، فَفي ساءَ ضَمِيرٌ مُبْهَمٌ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ، والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ، وذَمَّ الطَّرِيقَ مُبالَغَةً في ذَمِّ سالِكِها وكِنايَةً عَنْهُ، ويَجُوزُ -واخْتارَهُ اللَّيْثُ- أنْ تَكُونَ ساءَ كَسائِرِ الأفْعالِ فَفِيها ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى ما عادَ إلَيْهِ ضَمِيرُ بِهِ.
وسَبِيلًا تَمْيِيزٌ مُحَوِّلٌ عَنِ الفاعِلِ، والجُمْلَةُ إمّا مُسْتَأْنِفَةٌ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ، وإمّا مَعْطُوفَةٌ عَلى خَبَرِ كانَ مَحْكِيَّةٌ بِقَوْلٍ مُضْمَرٍ هو المَعْطُوفُ في الحَقِيقَةِ أيْ ومَقُولًا في حَقِّهِ ذَلِكَ في سائِرِ الأعْصارِ.
قالَ الإمامُ الرّازِيُّ: «مَراتِبُ القُبْحِ ثَلاثٌ: القُبْحُ العَقْلِيُّ والقُبْحُ الشَّرْعِيُّ والقُبْحُ العادِيُّ، وقَدْ وصَفَ اللَّهُ سُبْحانَهُ هَذا النِّكاحَ بِكُلِّ ذَلِكَ، فَقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ فاحِشَةً ﴾ إشارَةٌ إلى مَرْتَبَةِ قُبْحِهِ العَقْلِيِّ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ومَقْتًا ﴾ إشارَةٌ إلى مَرْتَبَةِ قُبْحِهِ الشَّرْعِيِّ، وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وساءَ سَبِيلا ﴾ إشارَةٌ إلى مَرْتَبَةِ قُبْحِهِ العادِيِّ، وما اجْتَمَعَ فِيهِ هَذِهِ المَراتِبُ فَقَدْ بَلَغَ أقْصى مَراتِبِ القُبْحِ»، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ كَوْنَ قَوْلِهِ عَزَّ شَأْنُهُ: ﴿ ومَقْتًا ﴾ إشارَةً إلى مَرْتَبَةِ قُبْحِهِ الشَّرْعِيِّ ظاهِرٌ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ المُرادُ ”ومَقْتًا“ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، وأمّا عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ المُرادُ ”ومَقْتًا“ عِنْدَ ذَوِي المُرُوآتِ فَلَيْسَ بِظاهِرٍ، ومِن هُنا قِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ جَلَّ شَأْنُهُ: ( فاحِشَةً ) إشارَةٌ إلى القُبْحِ الشَّرْعِيِّ ﴿ ومَقْتًا ﴾ إشارَةٌ إلى العَقْلِيِّ بِمَعْنى المُنافَرَةِ ﴿ وساءَ سَبِيلا ﴾ إلى العُرْفِيِّ، وعِنْدِي أنَّ لِكُلٍّ وجْهًا، ولَعَلَّ تَرْتِيبَ الإمامِ أوْلى مِن بَعْضِ الحَيْثِيّاتِ كَما لا يَخْفى، ومِمّا يَدُلُّ عَلى فَظاعَةِ أمْرِهِ ما أخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ والحاكِمُ والبَيْهَقِيُّ عَنِ البَراءِ قالَ: «لَقِيتُ خالِي ومَعَهُ الرّايَةُ قُلْتُ: أيْنَ تُرِيدُ؟
قالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إلى رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأةَ أبِيهِ مِن بَعْدِهِ فَأمَرَنِي أنْ أضْرِبَ عُنُقَهُ وآخُذَ مالَهُ».
<div class="verse-tafsir"
فقال تعالى: وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ يعني: لا تتزوجوا من قد تزوج آباؤكم من النساء، ويقال: اسم النكاح يقع على الجماع والتزوج، فإن كان الأب تزوج امرأة أو وطئها بغير نكاح، حرمت على ابنه.
وقوله: إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ يقول: لا تفعلوا ما قد فعلتم في الجاهلية، وكان الناس يتزوج الرجل منهم امرأة الأب برضاها بعد نزول قوله لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً حتى نزلت هذه الآية وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ الآية.
فصار حراماً في الأحوال كلها.
ويقال: إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ، يعني ولا ما قد سلف كقوله تعالى وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً [النساء: 92] ولا خطأ.
وقد قيل: إن في الآية تقديماً وتأخيراً، ومعناه ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء، فإنكم إن فعلتم تؤاخذون وتعاقبون إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ، إنه كان فاحشة ومقتاً وساء سبيلاً إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ.
وقد قيل: إن في الآية إضماراً تقول: وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ من النساء، فإنكم إن فعلتم تعاقبون وتؤاخذون إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ.
ثم قال: إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً أي معصية وَمَقْتاً أي بغضاً وَساءَ سَبِيلًا أي بئس المسلك حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ أي نكاح أمهاتكم، فذكر الأمهات والمراد منه الأمهات والجدات وَبَناتُكُمْ ذكر البنات، والمراد به البنات والحفيدات أي بنات الأولاد.
ثم قال تعالى: وَأَخَواتُكُمْ يعني من النسب وَعَمَّاتُكُمْ وَخالاتُكُمْ وَبَناتُ الْأَخِ وَبَناتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَواتُكُمْ مِنَ الرَّضاعَةِ.
ثم قال تعالى: وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ يعني أن نكاح أمهات نسائكم حرام عليكم، سواء دخل بالابنة أو لم يدخل بها.
هكذا روي عن ابن عباس وعن جماعة من الصحابة أنهم قالوا ذلك.
ثم قال: وَرَبائِبُكُمُ يعني حرام عليكم نكاح بنات نسائكم اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ يعني التي يربيها في حجره، حرام عليه إذا دخل بأمها مِنْ نِسائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ يعني: إن لم يكن دخل بأمها فهي حلال له أن يتزوجها، وقد اتفقوا على أن كونها في الحجر ليس بشرط، غير قول روي عن بعض المتقدمين، وإنما ذكر الحجر لتعارفهم فيما بينهم، وتسميتهم بذلك الاسم.
ثم قال تعالى: وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ يعني حرام عليكم نساء أَبْنَآئِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ يقال: إنما اشترط الذين من الأصلاب لزوال الاشتباه، لأن القوم كانوا يتبنون في ذلك الوقت ويجعلون الابن المتبنى بمنزلة ابن الصلب في الميراث والحرمة.
وتبنى رسول الله زيد بن حارثة، فتزوج زيد بن حارثة امرأة ثم طلقها، فتزوجها رسول الله ، فعيّره المشركون بذلك وقالوا: تزوج امرأة ابنه، فنزل قوله تعالى مَا كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ [الأحزاب: 40] وذكر في هذه الآية فقال: وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ لكي لا يظن أحد أن امرأة الابن المتبنى تحرم عليه.
ثم قال تعالى: وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ أي حرم عليكم أن تجمعوا بين الأختين في النكاح في حالة واحدة، ثم قال تعالى: إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ يقول: إلا ما قد مضى في الجاهلية.
وروى هشام بن عبيد الله، عن محمد بن الحسن أنه قال: كان أهل الجاهلية يعرفون هذه المحرمات كلها التي ذكر في هذه الآية، إلا اثنتين أحدهما نكاح امرأة الأب، والثانية الجمع بين الأختين.
ألا ترى أنه قال تعالى: وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ ولم يذكر في سائر المحرمات إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ.
ويقال: إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ، يعني: دع ما قد مضى إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً لما كان في الجاهلية، رَحِيماً بما كان في الإسلام إن تاب من ذلك.
ثم قال تعالى: <div class="verse-tafsir"
نَكَحْتُ، ومَلَكْتُ النِّكاحَ، ونحوه، فهذه التي بها تستحلُّ الفرُوج.
وقال عكرمة، والرَّبيع: الميثاقُ الغليظُ يفسّره قول النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «استوصوا بِالنِّسَاءِ خَيْراً فَإنَّهُنَّ عَوَانٌ عِنْدَكُمْ، أَخَذْتُمُوهُنَّ بأمانة الله، واستحللتم فروجهنّ بكلمة الله» «١» .
قوله تعالى: وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ: سبب الآيةِ ما اعتادته بعضُ قبائلِ العَرَبِ أنْ يَخْلُفَ ابنُ الرَّجُلِ على امرأةِ أَبِيهِ، وقد كان في العَرَب من تَزَوَّجَ ابنته، وهو حَاجِبُ بْنُ زُرارة «٢» .
واختلف في مقتضى ألفاظ الآية.
فقالَتْ فرقةٌ: قوله: مَا نَكَحَ، يريد: النساءَ، أي: لا تنكحوا النساءَ اللواتي نكَحَ آباؤكم، وقوله: إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ، معناه: ولكنْ ما قَدْ سَلَفَ، فَدَعُوهُ، وقال بعضهم:
المعنى: لكنْ ما قد سَلَفَ، فهو مَعْفُوٌّ عنكم لِمَنْ كان واقَعَهُ، فكأنه قال: ولا تفعلوا، حَاشَا ما قد سَلَفَ، وقالتْ فرقة: معناه: لا تَنْكِحُوا كَمَا نَكَح آباؤكم مِنْ عقودهم الفاسدةِ إلاَّ ما قَدْ سَلَفَ منْكم من تلك العقود الفاسدة، فمباح لكم إلا قامة علَيْه في الإسلامِ، إذا كان ممَّا يقرِّر الإسلامُ عَلَيْه، وقيل: إلا ما قد سَلَفَ، فهو معفوٌّ عنكم، وقال ابن زَيْدٍ: معنى الآية:
النهي عن أن يطأ الرجُلُ امرأةً وطئها الأبُ، إلاَّ ما سَلَفَ من الآباءِ في الجاهليَّة مِنَ الزِّنا بالنساءِ، لا على وجه المُنَاكَحَةِ، فذلك جائزٌ لكُمْ لأنَّ ذلك الزنَا كَانَ فاحشةً، والمَقْتُ:
البُغْض والاحتقار، بسبب رذيلة يفعلها الممقُوتُ، وَساءَ سَبِيلًا: أي: بئْسَ الطريقُ والمنهجُ لِمَنْ يسلكه إذ عاقبته إلى عذاب اللَّه.
قال ص: «سَاءَ» للمبالغةِ فِي الذمِّ ك «بِئْسَ» ، وسَبِيلاً: تفسيرُهُ، والمخصوص
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكم مِنَ النِّساءِ إلا ما قَدْ سَلَفَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يُحْرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ إلّا امْرَأةَ الأبِ، والجَمْعِ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.
وقالَ بَعْضُ الأنْصارِ: تُوُفِّيَ أبُو قَيْسِ بْنِ الأسْلَتِ، فَخَطِبَ ابْنُهُ قَيْسٌ امْرَأتَهُ، فَأتَتِ النَّبِيَّ تَسْتَأْذِنُهُ، وقالَتْ: إنَّما كُنْتُ أُعُدُّهُ ولَدًا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.
قالَ أبُو عُمَرَ غُلامُ ثَعْلَبٍ: الَّذِي حَصَّلْناهُ عَنْ ثَعْلَبٍ، عَنِ الكُوفِيِّينَ، والمُبَرِّدِ عَنِ البَصْرِيِّينَ، أنَّ "النِّكاحَ" في أصْلِ اللُّغَةِ: اسْمٌ لِلْجَمْعِ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ.
وقَدْ سَمَّوُا الوَطْءَ نَفْسَهُ نِكاحًا مِن غَيْرِ عَقْدٍ.
قالَ الأعْشى: وَمَنكُوحَةٌ غَيْرُ مَمْهُورَةٍ يَعْنِي: المَسْبِيَّةُ المَوْطُوءَةُ بِغَيْرِ مَهْرٍ ولا عَقْدٍ.
قالَ القاضِي أبُو يَعْلى: قَدْ يُطْلَقُ النِّكاحُ عَلى العَقْدِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ إذا نَكَحْتُمُ المُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ ﴾ وهو حَقِيقَةٌ في الوَطْءِ، مَجازٌ في العَقْدِ، لِأنَّهُ اسْمٌ لِلْجَمْعِ، والجَمْعُ: إنَّما يَكُونُ بِالوَطْءِ، فَسُمِّيَ العَقْدُ نِكاحًا، لِأنَّهُ سَبَبٌ إلَيْهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا ما قَدْ سَلَفَ ﴾ فِيهِ سِتَّةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها بِمَعْنى: بَعْدَ ما قَدْ سَلَفَ، فَإنَّ اللَّهَ يَغْفِرُهُ، قالَهُ الضَّحّاكُ، والمُفَضَّلُ.
وَقالَ الأخْفَشُ: المَعْنى: لا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكم، فَإنَّكم تُعَذَّبُونَ بِهِ، إلّا ما قَدْ سَلَفَ، فَقَدْ وضَعَهُ اللَّهُ عَنْكم.
والثّانِي: أنَّها بِمَعْنى: سِوى ما قَدْ سَلَفَ، قالَهُ الفَرّاءُ.
والثّالِثُ: أنَّها بِمَعْنى: لَكِنْ ما قَدْ سَلَفَ فَدَعَوْهُ، قالَهُ قُطْرُبٌ.
وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: لَكِنْ ما قَدْ سَلَفَ، فَإنَّهُ كانَ فاحِشَةً.
والرّابِعُ: أنَّ المَعْنى: ولا تَنْكِحُوا كَنِكاحِ آَبائِكُمُ النِّساءَ، أيْ: كَما نَكَحُوا عَلى الوُجُوهِ الفاسِدَةِ الَّتِي لا تَجُوزُ في الإسْلامِ إلّا ما قَدْ سَلَفَ في جاهِلِيَّتِكم، مِن نِكاحٍ لا يَجُورُ ابْتِداءُ مِثْلِهِ في الإسْلامِ، فَإنَّهُ مَعْفُوٌّ لَكم عَنْهُ، وهَذا كَقَوْلِ القائِلِ: لا تَفْعَلُ ما فَعَلَتْ، أيْ: لا تَفْعَلُ مِثْلَ ما فَعَلَتْ، ذَكَرَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
والخامِسُ: أنَّها بِمَعْنى: "الواوِ" فَتَقْدِيرُها: ولا ما قَدْ سَلَفَ، فَيَكُونُ المَعْنى: اقْطَعُوا ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِن نِكاحِ الآباءِ، ولا تَبْتَدِئُوا، قالَهُ بَعْضُ أهْلِ المَعانِي.
والسّادِسُ: أنَّها لِلِاسْتِثْناءِ، فَتَقْدِيرُ الكَلامِ: لا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آَباؤُكم مِنَ النِّساءِ بِالنِّكاحِ [الجائِزِ الَّذِي كانَ عَقْدُهُ بَيْنَهُمْ] إلّا ما قَدْ سَلَفَ مِنهم بِالزِّنى، والسِّفاحِ، فَإنَّهُنَّ حَلالٌ لَكم، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: "إنَّهُ" يَعْنِي: النِّكاحُ، و"الفاحِشَةُ": ما يُفْحِشُ ويُقَبِّحُ.
و"المَقْتُ": أشَدُّ البُغْضِ.
وفي المُرادِ بِهَذا "المَقْتِ" قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ اسْمٌ لِهَذا النِّكاحِ، وكانُوا يُسَمُّونَ نِكاحَ امْرَأةَ الأبِ في الجاهِلِيَّةِ: مَقْتًا، ويُسَمُّونَ الوَلَدَ مِنهُ: "المَقْتِيَّ" .
فَأُعْلِمُوا أنَّ هَذا الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْهِمْ [مِن نِكاحِ امْرَأةِ الأبِ] لَمْ يَزَلْ مُنْكَرًا [فِي قُلُوبِهِمْ] مَمْقُوتًا عِنْدَهم.
هَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ.
والثّانِي: أنَّهُ يُوجِبُ مَقْتَ اللَّهِ لِفاعِلِهِ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.
قَوْلُهُ: ﴿ وَساءَ سَبِيلا ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: قَبُحَ هَذا الفِعْلُ طَرِيقًا.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكم مِنَ النِساءِ إلا ما قَدْ سَلَفَ إنَّهُ كانَ فاحِشَةً ومَقْتًا وساءَ سَبِيلا ﴾ ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكم وبَناتُكم وأخَواتُكم وعَمّاتُكم وخالاتُكم وبَناتُ الأخِ وبَناتُ الأُخْتِ وأُمَّهاتُكُمُ اللاتِي أرْضَعْنَكم وأخَواتُكم مِنَ الرَضاعَةِ وأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ ﴾ .
هَذِهِ الآيَةُ مُخاطَبَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ مِنَ العَرَبِ في مُدَّةِ نُزُولِ الآيَةِ، ومَعْنى الآيَةِ والتَحْرِيمِ الَّذِي بَعْدَها مُسْتَقِرٌّ عَلى المُؤْمِنِينَ أجْمَعُ.
وسَبَبُ الآيَةِ أنَّ العَرَبَ كانَ مِنهم قَبائِلُ قَدِ اعْتادَتْ أنْ يَخْلُفَ الرَجُلُ عَلى امْرَأةِ أبِيهِ، عَلى ما ذَكَرْناهُ مِن أمْرِ أبِي عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ، ومِن ذَلِكَ خَبَرُ أبِي قَيْسِ بْنِ الأسْلَتِ، ومِن ذَلِكَ صَفْوانُ بْنُ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، تَزَوَّجَ بَعْدَ أبِيهِ فاخِتَةَ بِنْتَ الأسْوَدِ بْنِ المُطَّلِبِ بْنِ أسَدٍ، وكانَتِ امْرَأةَ أبِيهِ قُتِلَ عنها، ومِن ذَلِكَ مَنظُورُ بْنُ زَبّانَ، خَلَفَ عَلى مُلَيْكَةَ بِنْتِ خارِجَةَ، وكانَتْ عِنْدَ أبِيهِ زَبّانَ بْنِ سَيّارٍ، إلى كَثِيرٍ مِن هَذا.
وقَدْ كانَ في العَرَبِ مَن تَزَوَّجَ ابْنَتَهُ، وهو حاجِبُ بْنُ زُرارَةَ، تَمَجَّسَ وفَعَلَ هَذِهِ الفَعْلَةَ، ذَكَرَ ذَلِكَ النَضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ في كِتابِ المَثالِبِ، فَنَهى اللهُ المُؤْمِنِينَ عَمّا كانَ عَلَيْهِ آباؤُهم مِن هَذِهِ السِيَرِ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يُحَرِّمُونَ ما يَحْرُمُ، إلّا امْرَأةَ الأبِ والجَمْعَ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في ذَلِكَ.
واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مُقْتَضى ألْفاظِ الآيَةِ فَقالَ فِرْقَةٌ: قَوْلُهُ: "ما نَكَحَ" يُرادُ بِهِ النِساءُ، أيْ: لا تَنْكِحُوا النِساءَ اللَواتِي نَكَحَ آباؤُكُمْ، وقَوْلُهُ: ﴿ إلا ما قَدْ سَلَفَ ﴾ مَعْناهُ: لَكِنْ ما قَدْ سَلَفَ فَدَعُوهُ، وقالَ بَعْضُهُمُ: المَعْنى: لَكِنْ ما قَدْ سَلَفَ فَهو مَعْفُوٌّ عنكم لِمَن كانَ واقَعَهُ، فَكَأنَّهُ قالَ تَعالى: "وَلا تَفْعَلُوا حاشا ما قَدْ سَلَفَ"، فَـ "ما" عَلى هَذا القَوْلِ واقِعَةٌ عَلى مَن يَعْقِلُ مِن حَيْثُ هَؤُلاءِ النِساءُ صِنْفٌ مِن أصْنافِ مَن يَعْقِلُ، و"ما" تَقَعُ لِلْأصْنافِ والأوصافِ مِمَّنْ يَعْقِلُ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: قَوْلُهُ: "ما نَكَحَ" يُرادُ بِهِ فِعْلُ الآباءِ، أيْ: لا تَنْكِحُوا كَما نَكَحَ آباؤُكم مِن عُقُودِهِمُ الفاسِدَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿ إلا ما قَدْ سَلَفَ ﴾ مَعْناهُ: إلّا ما تَقَدَّمَ مِنكم ووَقَعَ مِن تِلْكَ العُقُودِ الفاسِدَةِ فَمُباحٌ لَكُمُ الإقامَةُ عَلَيْهِ في الإسْلامِ، إذا كانَ مِمّا يُقْدَرُ عَلَيْهِ مِن جِهَةِ القَرابَةِ، ويُجَوِّزُهُ الشَرْعُ إنْ لَوِ ابْتُدِئَ نِكاحُهُ في الإسْلامِ عَلى سُنَّتِهِ، وقِيلَ: مَعْنى ﴿ إلا ما قَدْ سَلَفَ ﴾ أيْ: فَهو مَعْفُوٌّ عنكم.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: و"ما" عَلى هَذا مَصْدَرِيَّةٌ، وفي قِراءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "إلّا ما قَدْ سَلَفَ إلّا مَن تابَ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وكَذَلِكَ حَكاهُ أبُو عَمْرٍو الدانِي.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مَعْنى الآيَةِ: النَهْيُ عن أنْ يَطَأ الرَجُلُ امْرَأةً وطِئَها الآباءُ، إلّا ما قَدْ سَلَفَ مِنَ الآباءِ في الجاهِلِيَّةِ مِنَ الزِنى، لا عَلى وجْهِ المُناكَحَةِ، فَذَلِكَ جائِزٌ لَكم زَواجُهم في الإسْلامِ، لِأنَّ ذَلِكَ الزِنى كانَ فاحِشَةً، قالَ ابْنُ زَيْدٍ: فَزادَ في هَذِهِ الآيَةِ المَقْتَ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما في تَأْوِيلِ هَذِهِ الآيَةِ: كُلُّ امْرَأةٍ تَزَوَّجَها أبُوكَ أوِ ابْنُكَ دَخَلَ أو لَمْ يَدْخُلْ فَهي عَلَيْكَ حَرامٌ.
و"كانَ" في هَذِهِ الآيَةِ تَقْتَضِي الماضِيَ والمُسْتَقْبَلَ، وقالَ المُبَرِّدُ: هي زائِدَةٌ، وذَلِكَ خَطَأٌ يَرُدُّ عَلَيْهِ وُجُودُ الخَبَرِ مَنصُوبًا؛ والمَقْتُ: البُغْضُ والِاحْتِقارُ بِسَبَبِ رَذِيلَةٍ يَفْعَلُها، فَسَمّى تَعالى هَذا النِكاحَ مَقْتًا إذْ هو ذُو مَقْتٍ يَلْحَقُ فاعِلَهُ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ: كانَتِ العَرَبُ تُسَمِّي الوَلَدَ الَّذِي يَجِيءُ مِن زَوْجِ الوالِدِ المَقْتِيَّ، وقَوْلُهُ: "وَساءَ سَبِيلًا" أيْ: بِئْسَ الطَرِيقُ والمَنهَجُ لِمَن يَسْلُكُهُ، إذْ عاقِبَتُهُ إلى عَذابِ اللهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ"....
الآيَةُ، حُكْمٌ حَرَّمَ اللهُ بِهِ سَبْعًا مِنَ النَسَبِ، وسِتًّا مِن بَيْنِ رَضاعٍ وصِهْرٍ، وألْحَقَتِ السُنَّةُ المَأْثُورَةُ سابِعَةً، وذَلِكَ الجَمْعُ بَيْنَ المَرْأةِ وعَمَّتِها، ومَضى عَلَيْهِ الإجْماعُ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: حُرِّمَ مِنَ النَسَبِ سَبْعٌ، ومِنَ الصِهْرِ سَبْعٌ، وتَلا هَذِهِ الآيَةَ، وقالَ عَمْرُو بْنُ سالِمٍ مَوْلى الأنْصارِ: مِثْلَ ذَلِكَ، وجَعَلَ السابِعَةَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ والمُحْصَناتُ مِنَ النِساءِ ﴾ .
وتَحْرِيمُ الأُمَّهاتِ عامٌّ في كُلِّ حالٍ لا يَتَخَصَّصُ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، ويُسَمِّيهِ أهْلُ العِلْمِ "المُبْهَمَ" أيْ لا بابَ فِيهِ، ولا طَرِيقَ إلَيْهِ لِانْسِدادِ التَحْرِيمِ وقُوَّتِهِ، وكَذَلِكَ تَحْرِيمُ البَناتِ والأخَواتِ، فالأُمُّ كُلُّ مَن ولَدَتِ المَرْءَ وإنْ عَلَتْ، والبِنْتُ كُلُّ مَن ولَدَها وإنْ سَفَلَتْ، أمّا الأُخْتُ لِأبَوَيْنِ أو لِأبٍ أو لِأُمٍّ فَهي الَّتِي قَدْ جَمَعَهُ وإيّاها صُلْبٌ أو بَطْنٌ، والعَمَّةُ أُخْتُ الأبِ، والخالَةُ أُخْتُ الأُمِّ، كَذَلِكَ فِيهِما العُمُومُ والإبْهامُ، وكَذَلِكَ عَمَّةُ الأبِ وخالَتُهُ، وعَمَّةُ الأُمِّ وخالَتُها، وكَذَلِكَ عَمَّةُ العَمَّةِ، وأمّا خالَةُ العَمَّةِ فَيَنْظُرُ، فَإنْ كانَتِ العَمَّةُ أُخْتَ أبٍ لِأُمٍّ أو لِأبٍ وأُمٍّ فَلا تَحِلُّ خالَةُ العَمَّةِ، لِأنَّها أُخْتُ الجَدَّةِ، وإنْ كانَتِ العَمَّةُ إنَّما هي أُخْتُ أبٍ لِأبٍ فَقَطْ فَخالَتُها أجْنَبِيَّةٌ مِن بَنِي أخِيها، تَحِلُّ لِلرِّجالِ، ويُجْمَعُ بَيْنَها وبَيْنَ النِساءِ؛ وكَذَلِكَ عَمَّةُ الخالَةِ يَنْظُرُ، فَإنْ كانَتِ الخالَةُ أُخْتَ أُمٍّ لِأبٍ، فَعَمَّتُها حَرامٌ، لِأنَّها أُخْتُ جَدٍّ، وإنْ كانَتِ الخالَةُ أُخْتَ أُمٍّ لِأُمٍّ فَقَطْ فَعَمَّتُها أجْنَبِيَّةٌ مِن بَنِي أُخْتِها، وكَذَلِكَ في بَناتِ الأخِ وبَناتِ الأُخْتِ العُمُومُ والإبْهامُ، سَواءٌ كانَتِ الأُخُوَّةُ أشِقّاءَ، أو لِأبٍ أو لِأُمٍّ.
وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "مِنَ الرِضاعَةِ" بِكَسْرِ الراءِ.
والرَضاعُ يُحَرِّمُ ما يُحَرِّمُ النَسَبُ، والمُرْضِعَةُ أُمٌّ، وما تَقَدَّمَ مِن أولادِها وتَأخَّرَ إخْوَةٌ، وفَحْلُ اللَبَنِ أبٌ، وما تَقَدَّمَ مِن أولادِهِ وتَأخَّرَ إخْوَةٌ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "اللايِ" بِكَسْرِ الياءِ، وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزَ: "وَأُمَّهاتُكُمُ الَّتِي" بِالإفْرادِ، كَأنَّهُ مِن جِهَةِ الإبْهامِ يَقَعُ مَعَ الواحِدِ والجَماعَةِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ ﴾ : فَقالَ جُمْهُورُ أهْلِ العِلْمِ: هي تامَّةُ العُمُومِ فِيمَن دَخَلَ بِها أو لَمْ يَدْخُلْ، فَبِالعَقْدِ عَلى الِابْنَةِ حُرِّمَتِ الأُمُّ، وهَذا مَذْهَبُ جُمْلَةِ الصَحابَةِ والتابِعِينَ وفُقَهاءِ الأمْصارِ، ورُوِيَ عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ أنَّهُ قِيلَ لَهُ في رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأةً فَطَلَّقَها قَبْلَ أنْ يَدْخُلَ بِها أيَتَزَوَّجُ أُمَّها؟
قالَ: نَعَمْ، هي بِمَنزِلَةِ الرَبِيبَةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: يُرِيدُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ مِن نِسائِكُمُ اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ ﴾ شَرْطٌ في هَذِهِ وفي الرَبِيبَةِ، ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ورُوِيَ عنهُ كَقَوْلِ الجُمْهُورِ.
ورُوِيَ عن زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ أنَّهُ كانَ يَقُولُ: إذا ماتَتْ عِنْدَهُ فَأخَذَ مِيراثَها كُرِهَ أنْ يَخْلُفَ عَلى أُمِّها، وإنْ طَلَّقَها قَبْلَ أنْ يَدْخُلَ بِها، فَإنْ شاءَ فَعَلَ.
وقالَ مُجاهِدٌ: الدُخُولُ مُرادٌ في النازِلَتَيْنِ، وقَوْلُ جُمْهُورِ الناسِ مُخالِفٌ لِهَذا القَوْلِ.
ورُوِيَ في ذَلِكَ عن زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ أنَّهُ قالَ: ( أُمَّهاتُ نِسائِكم ) مُبْهَمَةٌ، وإنَّما الشَرْطُ في الرَبائِبِ.
وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: قُلْتُ لِعَطاءٍ: أكانَ ابْنُ عَبّاسٍ يَقْرَأُ: "وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمُ اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ" ؟
فَقالَ: لا تَتَرَأَّ، قالَ حَجّاجٌ: قُلْتُ لِابْنِ جُرَيْجٍ: ما تَتَرَأَّ؟
قالَ: كَأنَّهُ قالَ: لا لا.
ويَرُدُّ هَذا القَوْلَ مِن جِهَةِ الإعْرابِ أنَّ المَجْرُورَيْنِ إذا اخْتَلَفا لَمْ يَكُنْ نَعْتُهُما واحِدًا، ومَعْناهُ: إذا اخْتَلَفا في العامِلِ، وهَذِهِ الآيَةُ قَدِ اخْتَلَفَ فِيها جِنْسُ العامِلِ.
*** قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَرَبائِبُكُمُ اللاتِي في حُجُورِكم مِن نِسائِكُمُ اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكم وحَلائِلُ أبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِن أصْلابِكم وأنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إلا ما قَدْ سَلَفَ إنَّ اللهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ .
الرَبِيبَةُ: بِنْتُ امْرَأةِ الرَجُلِ مِن غَيْرِهِ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّهُ يُرَبِّيها في حِجْرِهِ فَهي مَرْبُوبَتُهُ.
ورَبِيبَةٌ: فَعِيلَةٌ بِمَعْنى مَفْعُولَةٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اللاتِي في حُجُورِكُمْ ﴾ ذَكَرَ الأغْلَبَ في هَذِهِ الأُمُورِ، إذْ هي حالَةُ الرَبِيبَةِ في الأكْثَرِ، وهي مُحَرَّمَةٌ وإنْ كانَتْ في غَيْرِ الحِجْرِ، لِأنَّها في حُكْمِ أنَّها في الحِجْرِ، إلّا ما رُوِيَ عن عَلِيٍّ أنَّهُ قالَ: تَحِلُّ إذا لَمْ تَكُنْ في الحِجْرِ وإنْ دَخَلَ بِالأُمِّ، إذا كانَتْ بَعِيدَةً عنهُ، ويُقالُ: حَجْرٌ بِكَسْرِ الحاءِ وفَتْحِها، وهو مُقَدَّمُ ثَوْبِ الإنْسانِ وما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنهُ في حالَةِ اللُبْسِ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَتِ اللَفْظَةُ في الحِفْظِ والسَتْرِ، لِأنَّ اللابِسَ إنَّما تَحْفَظُ طِفْلًا وما أشْبَهَهُ بِذَلِكَ المَوْضِعِ مِنَ الثَوْبِ.
واخْتَلَفَ العُلَماءُ في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ دَخَلْتُمْ بِهِنَّ ﴾ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وطاوُسُ وابْنُ دِينارٍ: الدُخُولُ في هَذا المَوْضِعِ: الجِماعُ، فَإنْ طَلَّقَ الرَجُلُ بَعْدَ البِناءِ وقَبْلَ الوَطْءِ فَإنَّ ابْنَتَها لَهُ حَلالٌ.
وقالَ جُمْهُورٌ مِنَ العُلَماءِ مِنهم مالِكُ بْنُ أنَسٍ وعَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ وغَيْرُهُمْ: إنَّ التَجْرِيدَ والتَقْبِيلَ والمُضاجَعَةَ وجَمِيعَ أنْواعِ التَلَذُّذِ يُحَرِّمُ الِابْنَةَ كَما يُحَرِّمُها الوَطْءُ؛ والحَلائِلُ: جَمْعُ حَلِيلَةٍ، وهي الزَوْجَةُ، لِأنَّها تَحِلُّ مَعَ الرَجُلِ حَيْثُ حَلَّ، فَهي فَعِيلَةٌ بِمَعْنى فاعِلَةٍ.
وذَهَبَ الزَجّاجُ وقَوْمٌ إلى أنَّها مِن لَفْظَةِ الحَلالِ، فَهي حَلِيلَةٌ بِمَعْنى مُحَلَّلَةٌ.
وقَوْلُهُ: ﴿ الَّذِينَ مِن أصْلابِكُمْ ﴾ تَخْصِيصٌ لِيَخْرُجَ عنهُ كُلُّ مَن كانَتِ العَرَبُ تَتَبَنّاهُ مِمَّنْ لَيْسَ لِلصُّلْبِ، وكانَ عِنْدَهم أمْرًا كَثِيرًا قَوِيَّ الحُكْمِ.
قالَ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ: يُتَحَدَّثُ واللهُ أعْلَمُ أنَّها نَزَلَتْ في مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَلامُ حِينَ تَزَوَّجَ امْرَأةَ زَيْدِ بْنِ حارِثَةَ، فَقالَ المُشْرِكُونَ: قَدْ تَزَوَّجَ امْرَأةَ ابْنِهِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ.
وحُرِّمَتْ حَلِيلَةُ الِابْنِ مِنَ الرَضاعِ وإنْ لَمْ يَكُنْ لِلصُّلْبِ؛ بِالإجْماعِ المُسْتَنِدِ إلى قَوْلِهِ : « "يَحْرُمُ مِنَ الرَضاعَةِ ما يَحْرُمُ مِنَ النَسَبِ"» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إلا ما قَدْ سَلَفَ ﴾ لَفْظٌ يَعُمُّ الجَمْعَ بِنِكاحٍ وبِمِلْكِ يَمِينٍ، وأجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى مَنعِ جَمْعِهِما بِنِكاحٍ، وأمّا بِمِلْكِ يَمِينٍ، فَقالَ عُثْمانُ بْنُ عَفّانٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: أحَلَّتْهُما آيَةٌ، وحَرَّمَتْهُما آيَةٌ.
فَأمّا أنا في خاصَّةِ نَفْسِي فَلا أرى الجَمْعَ بَيْنَهُما حَسَنًا.
ورُوِيَ نَحْوُ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ذَكَرَهُ ابْنُ المُنْذِرِ، وذَكَرَ أنَّ إسْحاقَ بْنَ راهَوَيْهِ حَرَّمَ الجَمْعَ بَيْنَهُما بِالوَطْءِ، وأنَّ جُمْهُورَ أهْلِ العِلْمِ كَرِهُوا ذَلِكَ، وجَعَلَ مالِكًا فِيمَن كَرِهَهُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولا خِلافَ في جَوازِ جَمْعِهِما في المِلْكِ، وكَذَلِكَ الأُمُّ وبِنْتُها، ويَجِيءُ مِن قَوْلِ إسْحاقَ أنْ يُرْجَمَ الجامِعُ بَيْنَهُما بِالوَطْءِ، وتُسْتَقْرَأُ الكَراهِيَةُ مِن قَوْلِ مالِكٍ: إنَّهُ إذا وطِئَ واحِدَةً ثُمَّ وطِئَ أُخْرى؛ وقَفَ عنهُما حَتّى يُحَرِّمَ إحْداهُما، فَلَمْ يُلْزِمْهُ حَدًّا.
واخْتَلَفَ العُلَماءُ بَعْدَ القَوْلِ بِالمَنعِ مِنَ الجَمْعِ بَيْنَهُما بِالوَطْءِ، إذا كانَ يَطَأُ واحِدَةً ثُمَّ أرادَ أنْ يَطَأ الأُخْرى؛ فَقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ وابْنُ عُمَرَ والحَسَنُ البَصْرِيُّ والأوزاعِيُّ والشافِعِيُّ وأحْمَدُ وإسْحاقُ: لا يَجُوزُ لَهُ وطْءُ الثانِيَةِ حَتّى يُحَرِّمَ فَرْجَ الأُخْرى بِإخْراجِها مِن مِلْكِهِ، بِبَيْعٍ أو عِتْقٍ أو بِأنْ يُزَوِّجَها.
قالَ ابْنُ المُنْذِرِ: وفِيها قَوْلٌ ثانٍ لِقَتادَةَ، وهو أنَّهُ إنْ كانَ يَطَأُ واحِدَةً وأرادَ وطْءَ الأُخْرى فَإنَّهُ يَنْوِي تَحْرِيمَ الأُولى عَلى نَفْسِهِ وألّا يَقْرَبَها، ثُمَّ يُمْسِكُ عنها حَتّى يَسْتَبْرِئَ الأُولى المُحَرَّمَةَ، ثُمَّ يَغْشى الثانِيَةَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ومَذْهَبُ مالِكٍ رَحِمَهُ اللهُ: إذا كانَ أُخْتانِ عِنْدَ رَجُلٍ يَمْلِكُ، فَلَهُ أنْ يَطَأ أيَّتَهُما شاءَ، والكَفُّ عَنِ الأُخْرى مَوْكُولٌ إلى أمانَتِهِ، فَإنْ أرادَ وطْءَ الأُخْرى فَيَلْزَمُهُ أنْ يُحَرِّمَ عَلى نَفْسِهِ فَرْجَ الأُولى بِفِعْلٍ يَفْعَلُهُ، مِن إخْراجٍ عَنِ المِلْكِ أو تَزْوِيجٍ أو عِتْقٍ إلى أجَلٍ أو إخْدامٍ طَوِيلٍ، فَإنْ كانَ يَطَأُ إحْداهُما ثُمَّ وثَبَ عَلى الأُخْرى دُونَ أنْ يُحَرِّمَ الأُولى وُقِفَ عنهُما ولَمْ يَجُزْ لَهُ قُرْبُ إحْداهُما حَتّى يُحَرِّمَ الأُخْرى، ولَمْ يُبْقَ ذَلِكَ إلى أمانَتِهِ، لِأنَّهُ مُتَّهَمٌ فِيمَن قَدْ وطِئَ، ولَمْ يَكُنْ قَبْلُ مُتَّهَمًا إذْ كانَ لَمْ يَطَأْ إلّا الواحِدَةَ.
وإنْ كانَتْ عِنْدَ رَجُلِ أمَةٌ يَطَؤُها ثُمَّ تَزَوَّجَ أُخْتَها، فَفِيها في المَذْهَبِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: في النِكاحِ الثالِثِ مِنَ المُدَوَّنَةِ أنَّهُ يُوقَفُ عنهُما إذا وقَعَ عَقْدُ النِكاحِ حَتّى يُحَرِّمَ إحْداهُما مَعَ كَراهِيَتِهِ لِهَذا النِكاحِ، إذْ هو عَقْدٌ في مَوْضِعٍ لا يَجُوزُ فِيهِ الوَطْءُ، وذَلِكَ مَكْرُوهٌ إلّا في الحَيْضِ، لِأنَّهُ أمْرٌ غالِبٌ كَثِيرٌ، وفي البابِ بِعَيْنِهِ قَوْلٌ آخَرُ: إنَّ النِكاحَ لا يَنْعَقِدُ.
وقالَ أشْهَبُ في كِتابِ الِاسْتِبْراءِ: عَقْدُ النِكاحِ في الواحِدَةِ تَحْرِيمٌ لِفَرْجِ المَمْلُوكَةِ؛ وثَبَتَ عَنِ النَبِيِّ «أنَّهُ نَهى أنْ يُجْمَعَ بَيْنَ المَرْأةِ وعَمَّتِها، وبَيْنَ المَرْأةِ وخالَتِها،» وأجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى ذَلِكَ؛ وقَدْ رَأى بَعْضُ العُلَماءِ أنَّ هَذا الحَدِيثَ ناسِخٌ لِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَأُحِلَّ لَكم ما وراءَ ذَلِكُمْ ﴾ وذَلِكَ الحَدِيثُ مِنَ المُتَواتِرِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَلامُ: « "يَحْرُمُ مِنَ الرَضاعَةِ ما يَحْرُمُ مِنَ النَسَبِ"» قِيلَ أيْضًا: إنَّهُ ناسِخٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا ما قَدْ سَلَفَ ﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، مَعْناهُ: لَكِنْ ما قَدْ سَلَفَ مِن ذَلِكَ ووَقَعَ وأزالَهُ الإسْلامُ فَإنَّ اللهَ يَغْفِرُهُ، والإسْلامَ يَجُبُّهُ.
<div class="verse-tafsir"
عطف على جملة ﴿ لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهاً ﴾ [النساء: 19]، والمناسبة أنّ من جملة أحوال إرثهم النساء كرها، أن يكون ابن الميّت أولى بزوجة أبيه، إذا لم تكن أمَّهُ، فنهوا عن هذه الصورة نهياً خاصّاً مغلّظاً، وتُخلّص منه إلى إحصاء المحرّمات.
و ﴿ ما نَكح ﴾ بمعنى الذي نكح مراد به الجنس، فلذلك حسن وقع ﴿ ما ﴾ عوض (مَن) لأنّ (مَن) تكثير في الموصول المعلوم، على أنّ البيان بقوله: ﴿ من النساء ﴾ سوّى بين (ما ومن) فرجحت (مَا) لخفّتها، والبيان أيضاً يعيّن أن تكون (ما) موصولة.
وعدل عن أن يقال: لا تنكحوا نساء آبائكم ليدلّ بلفظ نكح على أنّ عقد الأب على المرأة كاف في حرمة تزوّج ابنه إياها.
وذكر ﴿ من النساء ﴾ بيان لكون (ما) موصولة.
والنهي يتعلّق بالمستقبل، والفعل المضارع مع النهي مدلوله إيجاد الحدث في المستقبل، وهذا المعنى يفيد النهي عن الاستمرار على نكاحهنّ إذا كان قد حصل قبل ورود النهي.
والنكاح حقيقة في العقد شرعا بين الرجل والمرأة على المعاشرة والاستمتاع بالمعنى الصحيح شرعاً، وتقدّم أنّه حقيقة في هذا المعنى دون الوطء عند تفسير قوله تعالى: ﴿ فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره ﴾ في سورة البقرة (230)، فحرام على الرجل أن يتزوَّج امرأةً عقَد أبوه عليها عقد نكاح صحيح، ولو لم يدخل بها، وأمّا إطلاق النكاح على الوطء بعقد فقد حمل لفظَ النكاح عليه بعضُ العلماء، وزعموا أنَّ قوله تعالى: ﴿ فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره ﴾ أُطلِق فيه النكاح على الوطء لأنّها لا يُحلّها لمطلّقها ثلاثاً مجرّد العقد أي من غير حاجة إلى الاستعانة ببيان السنّة للمقصود من قوله: ﴿ تنكح ﴾ وقد بيّنت ردّ ذلك في سورة البقرة عند قوله تعالى: ﴿ فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره ﴾ .
وأما الوَطْءُ الحرام من زنى فكونه من معاني النكاح في لغة العرب دعوى واهية.
وقد اختلف الفقهاء فيمن زنى بامرأة هل تحرم على ابنه أو على أبيه.
فالذي ذهب إليه مالك في «الموطأ»، والشافعي: أنّ الزنى لا ينشر الحرمة، وهذا الذي حكاه الشيخ أبو محمد بن أبي زيد في «الرسالة»، ويُروى ذلك عن عكرمة عن ابن عباس، وهو قول الزهري، وربيعة، والليث.
وقال أبو حنيفة، وابن الماجشون من أصحاب مالك: الزنى ينشر الحرمة.
قال ابن الماجشون: مات مالك على هذا.
وهو قول الأوزاعي والثوري.
وقال ابن الموّاز: هُو مكروه، ووقع في المدوّنة (يفارقها) فحمله الأكثر على الوجوب.
وتأوّله بعضهم على الكراهة.
وهذه المسألة جرت فيها مناظرة بين الشافعي ومحمد بن الحسن أشار إليها الجصّاص في أحكامه، والفخرُ في مفاتيح الغيب، وهي طويلة.
و ﴿ ما قد سلف ﴾ هو ما سبق نزولَ هذه الآية أي إلاّ نكاحاً قد سلف فتعيّن أنّ هذا النكاح صار محرَّماً.
ولذلك تعيّن أن يكون الاستثناء في قوله: ﴿ إلا ما قد سلف ﴾ مؤوَّلا إذ ما قد سلف كيف يستثنى من النهي عن فعله وهو قد حصل، فتعيّن أنّ الاستثناء يرجع إلى ما يقتضيه النهي من الإثم، أي لا إثم عليكم فيما قد سلف.
ثم ينتقل النظر إلى أنّه هل يقرّر عليه فلا يفرّق بين الزوجين اللذين تزوّجا قبل نزول الآية، وهذا لم يقل به إلاّ بعض المفسّرين فيما نقله الفخر، ولم أقف على أثر يُثبت قضية معيّنة فرّق فيها النبي صلى الله عليه وسلم بين رجل وزوج أبيه ممّا كان قبل نزول الآية، ولا على تعيين قائل هذا القول، ولعل الناس قد بادروا إلى فراق أزواج الآباء عند نزول هذه الآية.
وقد تزوّج قبل الإسلام كثير أزواجَ آبائهم: منهم عُمر بن أمية بن عبد شمس، خلف على زوج أبيه أميّة كما تقدّم، ومنهم صفوان بن أمية بن خلف تزوج امرأة أبيه فاختة بنت الأسود بن المطلب بن أسد، ومنهم منظور بن ريان بن سيار، تزوّج امرأة أبيه مُلكية بنت خارجة، ومنهم حصن بن أبي قيس، تزوّج بعد أبي قيس زوجه، ولم يُرْوَ أنّ أحداً من هؤلاء أسلم وقرّر على نكاح زوج أبيه.
وجوّزوا أن يكون الاستثناء من لازم النهي وهو العقوبة أي لا عقوبة على ما قد سلف.
وعندي أنّ مثل هذا ظاهر للناس فلا يحتاج للاستثناء، ومتى يظنّ أحد المؤاخذة عن أعمال كانت في الجاهلية قبل مجيء الدين ونزول النهي.
وقيل: هو من تأكيد الشيء بما يشبه ضدّه: أي إن كنتم فاعلين منه فانكحوا ما قد سلف من نساء الآباء البائدة، كأنّه يوهم أنه يرخّص لهم بعضه، فيجد السامع ما رخّص له متعذّراً فيتأكّد النهي كقول النابغة: ولا عيب فيهم غيرَ أَنّ سيُوفَهم *** بهنّ فُلول من قِراع الكتائب وقولهم (حتّى يؤوب القارظان) و(حتّى يشيب الغراب) وهذا وجه بعيد في آيات التشريع.
والظاهر أنّ قوله: ﴿ إلا ما قد سلف ﴾ قصد منه بيان صحّة ما سلف من ذلك في عهد الجاهلية، وتعذّرَ تداركه الآن، لموت الزوجين، من حيث إنّه يترتّب عليه.
ثبوت أنساب، وحقوق مهور ومواريث، وأيضاً بيان تصحيح أنساب الذين ولدوا من ذلك النكاح، وأنّ المسلمين انتدبوا للإقلاع عن ذلك اختياراً منهم، وقد تأوّل سائر المفسّرين قوله تعالى: ﴿ إلا ما قد سلف ﴾ بوجوه ترجع إلى التجوّز في معنى الاستثناء أو في معنى: ﴿ ما نكح ﴾ ، حَمَلَهم عليها أنّ نكاح زوج الأب لم يقرّره الإسلام بعد نزول الآية، لأنّه قال: ﴿ إنه كان فاحشة ومقتاً وساء سبيلاً ﴾ أي ومثل هذا لا يقرّر لأنّه فاسد بالذات.
والمقت اسم سَمَّتْ به العرب نكاح زوج الأب فقالوا نكاح المقت أي البغض، وسمّوا فاعل ذلك الضيزن، وسمَّوْا الابنَ من ذلك النكاح مَقيتا.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكم أنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهًا ﴾ وسَبَبُ ذَلِكَ أنَّ أهْلَ المَدِينَةِ في الجاهِلِيَّةِ كانُوا إذا ماتَ أحَدُهم عَنْ زَوْجَةٍ، كانَ ابْنُهُ وقَرِيبُهُ أوْلى بِها مِن غَيْرِهِ ومِنها بِنَفْسِها، فَإنْ شاءَ نَكَحَها كَأبِيهِ بِالصَّداقِ الأوَّلِ، وإنْ شاءَ زَوَّجَها ومَلَكَ صَداقَها، وإنْ شاءَ عَضَلَها عَنِ النِّكاحِ حَتّى تَمُوتَ فَيَرِثَها أوْ تَفْتَدِيَ مِنهُ نَفْسَها بِصَداقِها، إلى أنْ تُوُفِّيَ أبُو قَيْسِ بْنِ الأسْلَتِ عَنْ زَوْجَتِهِ كُبَيْشَةَ بِنْتِ مَعْنِ بْنِ عاصِمٍ فَأرادَ ابْنُهُ أنْ يَتَزَوَّجَها فَجاءَتْ إلى النَّبِيِّ فَقالَتْ يا نَبِيَّ اللَّهِ، لا أنا ورِثْتُ زَوْجِي، ولا أنا تُرِكْتُ فَأُنْكَحَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
﴿ وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ خِطابٌ لِوَرَثَةِ الأزْواجِ أنْ [لا] يَمْنَعُوهُنَّ مِنَ التَّزْوِيجِ كَما ذَكَرْنا، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ.
والثّانِي: أنَّهُ خِطابٌ لِلْأزْواجِ أنْ [لا] يَعْضِلُوا نِساءَهم بَعْدَ الطَّلاقِ، كَما كانَتْ قُرَيْشٌ تَفْعَلُ في الجاهِلِيَّةِ وهو قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ.
والثّالِثُ: أنَّهُ خِطابٌ لِلْأزْواجِ أنْ [لا] يَحْبِسُوا النِّساءَ كَرْهًا لِيَفْتَدِينَ نُفُوسَهُنَّ أوْ يَمُتْنَ فَيَرِثَهُنَّ الزَّوْجُ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ، والشَّعْبِيِّ، والضَّحّاكِ.
والرّابِعُ: أنَّهُ خِطابٌ لِلْأوْلِياءِ وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ.
﴿ إلا أنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ ﴾ فِيها هَهُنا ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها الزِّنى، وهو قَوْلُ الحَسَنِ، وأبِي قِلابَةَ والسُّدِّيِّ.
والثّانِي: أنَّها النُّشُوزُ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وعائِشَةَ.
والثّالِثُ: أنَّها البَذاءُ والأذى.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مِقْسَمٍ في قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: (وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ إلّا أنْ يُفْحِشْنَ).
﴿ فَإنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسى أنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا ويَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَعْنِي الوَلَدَ الصّالِحَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ أرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ وآتَيْتُمْ إحْداهُنَّ قِنْطارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنهُ شَيْئًا ﴾ يَعْنِي أنَّهُنَّ قَدْ مَلَكْنَ الصَّداقَ، ولَيْسَ مِلْكُهُنَّ لِلصَّداقِ مَوْقُوفًا عَلى التَّمَسُّكِ بِهِنَّ، بَلْ ذَلِكَ لَهُنَّ مَعَ إمْساكِهِنَّ، وفِراقِهِنَّ.
﴿ أتَأْخُذُونَهُ بُهْتانًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: ظُلْمًا بِالبُهْتانِ.
والثّانِي: أنْ يَبْهَتَها أنْ جَعَلَ ذَلِكَ لِيَسْتَرْجِعَهُ مِنها.
وَإنَّما مَنَعَ مِن ذَلِكَ مَعَ الِاسْتِبْدالِ بِهِنَّ وإنْ كانَ مَمْنُوعًا مِنهُ وإنْ لَمْ يَسْتَبْدِلْ بِهِنَّ أيْضًا لِئَلّا يَتَوَهَّمَ مُتَوَهِّمٌ أنَّهُ يَجُورُ مَعَ اسْتِبْدالِ غَيْرِها بِها أنْ يَأْخُذَ ما دَفَعَهُ إلَيْها لِيَدْفَعَهُ إلى مَنِ اسْتَبْدَلَ بِها مِنهُ وإنْ كانَ ذَلِكَ عُمُومًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وقَدْ أفْضى بَعْضُكم إلى بَعْضٍ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ (الإفْضاءَ الجِماعُ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، والسُّدِّيِّ.
والثّانِي: أنَّهُ الخَلْوَةُ، وهو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ.
﴿ وَأخَذْنَ مِنكم مِيثاقًا غَلِيظًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ عَقْدُ النِّكاحِ الَّذِي اسْتُحِلَّ بِهِ الفَرْجُ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ.
والثّانِي: أنَّهُ إمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ، وهو قَوْلُ الضَّحّاكِ، والسُّدِّيِّ، والحَسَنِ، وابْنِ سِيرِينَ، وقَتادَةَ.
والثّالِثُ: أنَّهُ ما رَواهُ مُوسى بْنُ عُبَيْدَةَ، عَنْ صُعْدَةَ بْنِ يَسارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ قالَ: « (أيُّها النّاسُ، إنَّ النِّساءَ عِنْدَكم عَوانٌ أخَذْتُمُوهُنَّ بِأمانَةِ اللَّهِ واسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ فَلَكم عَلَيْهِنَّ حَقٌّ ولَهُنَّ عَلَيْكم حَقٌّ، ومِن حَقِّكم عَلَيْهِنَّ ألّا يُوطِئْنَ فَرُشَكم أحَدًا ولا يَعْصِينَكم في مَعْرُوفٍ، فَإنْ فَعَلْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وكِسْوَتُهُنَّ بِالمَعْرُوفِ)» .
واخْتُلِفَ في ثُبُوتِ حُكْمِها أوْ نَسْخِهِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّها مُحْكَمَةٌ، لا يَجُوزُ لَهُ أنْ يَأْخُذَ مِنها شَيْئًا مِمّا أعْطاها سَواءٌ كانَتْ هي المُرِيدَةَ لِلطَّلاقِ أوْ هو، وهو قَوْلُ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ المُزَنِيِّ.
والثّانِي: أنَّها مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلا يَحِلُّ لَكم أنْ تَأْخُذُوا مِمّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إلا أنْ يَخافا ألا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ ﴾ ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ.
وَقالَ أبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ وغَيْرُهُ: حُكْمُها ثابِتٌ إلّا عِنْدَ خَوْفِ النُّشُوزِ فَيَجُوزُ أنْ يُفادِيَها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكم مِنَ النِّساءِ إلا ما قَدْ سَلَفَ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها نَزَلَتْ في قَوْمٍ كانُوا يَخْلُفُونَ الآباءَ عَلى نِسائِهِمْ، فَجاءَ الإسْلامُ بِتَحْرِيمِ ذَلِكَ وعَفا عَمّا كانَ مِنهم في الجاهِلِيَّةِ أنْ يُؤاخَذُوا بِهِ إذا اجْتَنَبُوهُ في الإسْلامِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ وعَطاءٍ، وعِكْرِمَةَ.
والثّانِي: يَعْنِي لا تَنْكِحُوا كَنِكاحِ آبائِكم في الجاهِلِيَّةِ عَلى الوَجْهِ الفاسِدِ، إلّا ما سَلَفَ مِنكم في جاهِلِيَّتِكم فَإنَّهُ مَعْفُوٌّ عَنْهُ إذا كانَ مِمّا يَجُوزُ الإقْرارُ عَلَيْهِ، وهَذا قَوْلُ بَعْضِ التّابِعِينَ.
والثّالِثُ: مَعْناهُ: ولا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكم مِنَ النِّساءِ بِالنِّكاحِ الجائِزِ، إلّا ما قَدْ سَلَفَ مِنهم بِالزِّنى والسِّفاحِ، فَإنَّ نِكاحَهُنَّ حَلالٌ لَكم، لِأنَّهُنَّ لَمْ يَكُنَّ حَلالًا، وإنَّما كانَ نِكاحُهُنَّ فاحِشَةً ومَقْتًا وساءَ سَبِيلًا، وهَذا قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ.
والرّابِعُ: إلّا ما قَدْ سَلَفَ فَدَعُوهُ فَإنَّكم تُؤاخَذُونَ بِهِ، قالُوهُ وهَذا مِنَ الِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ، ومِنهم مَن جَعَلَهُ بِمَعْنى لَكِنْ.
﴿ إنَّهُ كانَ فاحِشَةً ومَقْتًا ﴾ والمَقْتُ شِدَّةُ البُغْضِ لِقُبْحِ مُرْتَكِبِهِ، ومِنهُ قَوْلُهُمْ: قَدْ مَقَتَهُ النّاسُ إذا أبْغَضُوهُ، ورَجُلٌ مَقِيتٌ، وكانَ يُقالُ لِوَلَدِ الرَّجُلِ مِنِ امْرَأةِ أبِيهِ المَقْتِيُّ.
﴿ وَساءَ سَبِيلا ﴾ يَعْنِي طَرِيقًا.
<div class="verse-tafsir"
أخرج الفريابي وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والبيهقي في سننه عن عدي بن ثابت الأنصاري قال: «توفي أبو قيس بن الأسلت وكان من صالحي الأنصار، فخطب ابنه قيس امرأته فقالت: إنما أعدك ولداً وأنت من صالحي قومك ولكن آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستأمره.
فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: إن أبا قيس توفي فقال لها: خيراً.
قالت: وإن ابنه قيساً خطبني وهو من صالحي قومه، وإنما كنت أعدُّه ولدا فما ترى؟
قال: ارجعي إلى بيتك.
فنزلت هذه الآية ﴿ ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء ﴾ » قال: البيهقي مرسل.
قلت: فمن رواية ابن أبي حاتم عن عدي بن ثابت عن رجل من الأنصار.
وأخرج ابن جرير عن عكرمة في قوله: ﴿ ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء ﴾ قال: نزلت في أبي قيس بن الأسلت، خلف على أم عبيد بنت ضمرة، كانت تحت الأسلت أبيه، وفي الأسود بن خلف، وكان خلف على بنت أبي طلحة بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار، وكانت عند أبيه خلف، وفي فاختة ابنة الأسود بن المطلب بن أسد، كانت عند أمية بن خلف، فخلف عليها صفوان بن أمية.
وفي منظور بن رباب، وكان خلف على مليكة ابنة خارجة، وكانت عند أبيه رباب بن سيار.
وأخرج البيهقي في سننه عن مقاتل بن حيان قال: كان إذا توفي الرجل في الجاهلية عمد حميم الميت إلى امرأته فألقى عليها ثوباً فيرث نكاحها، فلما توفي أبو قيس بن الأسلت عمد ابنه قيس إلى امرأة أبيه فتزوّجها ولم يدخل بها.
فأتت النبي صلى الله عليه وسلم، فذكرت ذلك له، فأنزل الله في قيس ﴿ ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف ﴾ قبل التحريم، حتى ذكر تحريم الأمهات والبنات حتى ذكر ﴿ وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف ﴾ قبل التحريم ﴿ إن الله كان غفوراً رحيماً ﴾ [ النساء: 23] فيما مضى قبل التحريم.
وأخرج ابن سعد عن محمد بن كعب القرظي قال: «كان الرجل إذا توفي عن امرأته كان ابنه أحق بها، أن ينكحها إن شاء إن لم تكن أمه، أو ينكحها من شاء.
فلما مات أبو قيس بن الأسلت قام ابنه محصن فورث نكاح امرأته، ولم ينفق عليها ولم يورثها من المال شيئاً.
فأتت النبي صلى الله عليه وسلم، فذكرت ذلك له فقال: ارجعي لعل الله ينزل فيك شيئاً.
فنزلت ﴿ ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء...
﴾ الآية.
ونزلت ﴿ لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهاً ﴾ [ النساء: 19] » .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس قال: كان أهل الجاهلية يحرمون ما حرم الله إلا امرأة الأب، والجمع بين الأختين.
فأنزل الله: ﴿ ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء ﴾ .
﴿ وأن تجمعوا بين الأختين ﴾ [ النساء: 23] .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه من طريق علي عن ابن عباس في قوله: ﴿ ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء ﴾ يقول: كل امرأة تزوجها أبوك أو ابنك دخل أو لم يدخل بها فهي عليك حرام.
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن ابن جريج قال: قلت لعطاء بن أبي رباح: الرجل ينكح المرأة ثم لا يراها حتى يطلقها أتحل لابنه؟
قال: لا.
هي مرسلة، قال الله: ﴿ ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء ﴾ قلت لعطاء: ما قوله: ﴿ إلا ما قد سلف ﴾ ؟
قال: كان الأبناء ينكحون نساء آبائهم في الجاهلية.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في قوله: ﴿ ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء ﴾ قال: هو أن يملك عقدة النكاح وليس بالدخول.
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي بكر بن أبي مريم عن مشيخة قال: لا ينكح الرجل امرأة جده أبي أمه لأنه من الآباء يقول الله: ﴿ ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء ﴾ .
وأخرج ابن المنذر عن الضحاك ﴿ إلا ما قد سلف ﴾ إلا ما كان في الجاهلية.
وأخرج عبد الرزاق عن قتادة في قوله: ﴿ إلا ما قد سلف ﴾ قال: كان الرجل في الجاهلية ينكح امرأة أبيه.
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي بن كعب.
أنه كان يقرؤها ﴿ ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا من قد سلف ﴾ إلا من مات.
وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء بن أبي رباح ﴿ إنه كان فاحشة ومقتاً ﴾ قال: يمقت الله عليه ﴿ وساء سبيلاً ﴾ قال: طريقاً لمن عمل به.
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وأحمد والحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن البراء قال: لقيت خالي ومعه الراية قلت: أين تريد؟
قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رجل تزوج امرأة أبيه من بعده، فأمرني أن أضرب عنقه وآخذ ماله.
<div class="verse-tafsir"
وقوله تعالى: ﴿ وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ ﴾ الآية.
قال ابن عباس وجميع المفسرين: كانت العرب يتزوج الرجل منهم امرأة أبيه من بعده التي ليست بأمه، وكان نكاحًا جائزًا في العرب، فنهى الله عنه وحرمه (١) فقوله: ﴿ مَا نَكَحَ ﴾ يحتمل أن تكون (ما) بمعنى: مَن، فيكون المعنى: ولا تنكحوا مَن نكح.
ويحتمل أن تكون (ما) بمعنى المصدر، فيكون المعنى: ولا تنكحوا نكاح آبائكم، أي: كنكاح آبائكم، يعني: أن آبائهم كانوا ينكحون أزواج آبائهم، فنهاهم الله أن يكون نكاحهم كنكاح آبائهم، فيكون في التقدير الأول النهي عن التزوج بمنكوحات الآباء، وفي التقدير الثاني النهي عن أن يكون نكاحهم كنكاح آبائهم في البطلان والفساد (٢) وقوله تعالى: ﴿ مِنَ النِّسَاءِ ﴾ عام في الحرائر والإماء، أما الحرة فتحرم بنفس العقد (٣) (٤) (٥) وقوله تعالى: ﴿ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ ﴾ .
سلف في اللغة معناه: تقدم ومضى، يقال: سَلَف يَسلُف سُلُوفا (٦) (٧) ويقال: سَلَفَ له عمل صالح، أي: تقدم، والسلف أيضًا من تقدم من آبائك وذوي قرابتك.
ومنه قول طفيل (٨) مضوا سلفًا قصدُ السَّبيلِ عليهمُ ...
وصرفُ المنايا بالرجالِ تَقَلَّبُ (٩) أراد أنهم تقدمونا، وقصد سبيلنا عليهم (١٠) واختلفوا في هذا الاستثناء بعد إجماعهم على أن هذا ليس بمُخرِجٍ من التحريم؛ لأنه لو كان استثناءً مُخرِجًا من التحريم لوجب أن يُقرّ ما قد مضى منه في النكاح قبل نزول الآية إذ كانوا أحياء (١١) (١٢) وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء (١٣) (١٤) (١٥) (١٦) (١٧) (١٨) (١٩) وقد ذكرنا معنى الاستثناء المنقطع عند قوله: ﴿ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ ﴾ .
وقال المفضل: إلا ههنا بمعنى بَعْد، يعني: بعدما قد سلف فإن ذلك معفو عنه (٢٠) ﴿ لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى ﴾ ، أي: بعد الموتة الأولى؛ لأن أحدًا لا يدخل الجنة إلا بعد أن يذوق الموت (٢١) وقال الأخفش: في الآية محذوف استثني هذا عنه (٢٢) (٢٣) وقوله تعالى: ﴿ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا ﴾ .
الكناية تعود إلى النكاح، أي: ذلك النكاح، والفعل دلّ على المصدر (٢٤) والمقت أشد البُغض (٢٥) (٢٦) وفي هذا قولان: أحدهما: أن هذا إخبار عما كان في الجاهلية، أُعلِمُوا أن هذا الذي حُرّم عليهم لم يزل مُنكرًا في قلوبهم، ممقوتًا عندهم، وكانت العرب تقول لولد الرجل من امرأة أبيه مقيت ومقتي (٢٧) وهذا الوجه اختيار الزجاج (٢٨) (٢٩) القول الثاني: أن المعنى: أنه فاحشة في الإسلام، أي: زنًا ومقت من الله لمن فعله (٣٠) وهو قول ابن عباس في رواية عطاء (٣١) (٣٢) وأنكر ذلك عليه الزجاج وابن الأنباري (٣٣) (٣٤) (٣٥) وقوله تعالى: ﴿ وَسَاَءَ سَبِيلًا ﴾ .
قال الليث: سَاء يَسُوء فعلٌ للذم ومجاوز، يقال: ساء الشيء يسوء، فهو سيء، إذا قَبُح، ويقال: سَاء ما فعل صنيعًا، أي: قبح صنيعُه صنيعًا (٣٦) قال ابن قتيبة: أي: قبح هذا الفعل فعلًا وطريقًا، كما تقول: ساء هذا مذهبًا، وهو منصوب على التميز (٣٧) ﴿ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا ﴾ (٣٨) (١) أخرج الطبري بسند صحيح عن ابن عباس، قال: كان أهل الجاهلية يحرمون ما يحرم إلا امرأة الأب، والجمع بين الأختين.
قال فأنزل الله: ﴿ وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ ﴾ .
"جامع البيان" 4/ 318، وانظر: "تحقيق المروي عن ابن عباس" 1/ 209.
وبنحو هذا القول قال قتادة وعكرمة وعطاء، وغيرهم.
انظر: "الطبري" 4/ 318، "الدر المنثور" 2/ 239 - 240.
(٢) انظر: "الطبري" 4/ 318 - 319، "الدر المصون" 3/ 635.
(٣) انظر: "الكشف والبيان" 4/ 33 أ.
(٤) ثبت عن ابن عباس أنه قال في هذه الآية: كل امرأة تزوجها أبوك وابنك دخل أو لم يدخل، فهي عليك حرام "تفسيره" ص 141، وأخرجه الطبري 4/ 318، وما ذكره المؤلف مُجمع عليه بين العلماء.
انظر: "الإجماع" لابن المنذر ص 40، و"بداية المجتهد" 2/ 34، "المغني" 9/ 524، 525، والقرطبي 5/ 113، وابن كثير 1/ 509.
(٥) انظر "الكشف والبيان" 4/ 33 أ.
وقيل تحرم الأَمَة بمجرد اللمس والتقبيل، وقيل: بالنظر دون اللمس.
انظر: القرطبي 5/ 114، وابن كثير 1/ 510.
(٦) جاء في "الصحاح" 4/ 1376 (سلف): سلف يسلف سلفًا أي: مضى.
وانظر الطبري 4/ 319، "مقاييس اللغة" 3/ 95 (سلف)، الثعلبي 4/ 33 ب، "اللسان" 4/ 2068 (سلف) وفيه المصدر: سلوفًا كما عند المؤلف.
(٧) "تهذيب اللغة" 2/ 1735 (سلف).
(٨) هو أبو محمد طُفَيل بن كَعْب الغَنَوي، من فحول الشعراء في الجاهلية ومن أحسنهم شعرًا وأكثرهم وصفًا للخيل.
توفي نحو سنة 13 قبل الهجرة.
انظر: "الشعر والشعراء" ص 295، "الأعلام" 3/ 228، "معجم الشعراء في لسان العرب" ص 214.
(٩) استشهد بالبيت -إضافة إلى الأزهري- ابن منظور في "اللسان" 4/ 2069 (سلف).
(١٠) "تهذيب اللغة" 2/ 1735 (سلف) بتصرف، وانظر: "الصحاح" 4/ 1376، "اللسان" 4/ 2069 نفس المادة.
(١١) المؤلف يقصد الإجماع على حُرمة بقاء عقد الزوجية على من كان فعل ذلك في نزول هذه الآية.
انظر: "أحكام القرآن" لابن العربي 1/ 369.
(١٢) انظر: "الطبري" 4/ 319، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 404، والثعلبي 4/ 33 ب، "مشكل إعراب القرآن" 1/ 194، "أحكام القرآن" لابن العربي 1/ 369.
(١٣) لم أقف عليه.
(١٤) لم أقف عليه.
(١٥) انظر: "مجاز القرآن" 1/ 120.
(١٦) هو أبو علي محمد بن المُستنير بن أحمد، اشتهر بلقبه (قُطْرُب) تقدمت ترجمته.
(١٧) انظر: "الكشف والبيان" 4/ 33 ب، "زاد المسير" 2/ 45.
(١٨) انظر: "زاد المسير" 2/ 45.
(١٩) "الكشف والبيان" 4/ 33 ب.
(٢٠) انظر: "الكشف والبيان" 4/ 33 ب.
(٢١) اختيار الجرجاني قد يكون في "نظم القرآن" وهو مفقود.
(٢٢) هكذا في (أ)، (د)، ولعل الصواب: منه بالميم.
(٢٣) عبارة الأخفش في "معاني القرآن" 1/ 440: وقال: ﴿ وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ ﴾ ؛ لأن معناه: فإنكم تؤخذون به، فلذلك قال: ﴿ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ ﴾ ، أي: فليس عليكم جناح، فكأن في كلامه سقطًا، أو أن المؤلف تصرف في العبارة.
(٢٤) انظر: "الطبري" 8/ 138، "زاد المسير" 2/ 45، "البحر المحيط" 3/ 209.
(٢٥) "معاني الزجاج" 2/ 32، "معاني القرآن" للنحاس 2/ 53، "تهذيب اللغة" 4/ 3428 (مقت)، والثعلبي 4/ 33 ب.
(٢٦) انظر: "تهذيب اللغة" 4/ 3428، "الصحاح" 1/ 266 (مقت).
(٢٧) انظر: "تهذيب اللغة" 4/ 3428 (مقت).
(٢٨) في "معاني القرآن" 2/ 32، وانظر: "زاد المسير" 2/ 45.
(٢٩) أي يستقبحونه.
قال الجوهري: سمُج الشيء بالضم سماجة: قبُح، فهو سمج، مثل ضخم فهو ضخم، وسمج، مثل خشن فهو خشن، واستسمجه عده سمجًا.
"الصحاح" 1/ 322 (سمج).
(٣٠) انظر: "زاد المسير" 2/ 46.
(٣١) قال السيوطي وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء بن أبي رباح: ﴿ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا ﴾ قال: يمقت الله عليه.
"الدر المنثور" 2/ 240، وذكره ابن كثير في "تفسيره" 1/ 510.
هذا ما وجدته عن عطاء حول هذا القول.
(٣٢) "معاني الزجاج" 2/ 32، "معاني النحاس" 2/ 51.
(٣٣) انظر: "معاني الزجاج" 2/ 33.
(٣٤) لعله النحاس، انظر: "معاني القرآن" 2/ 51، 52، "إعراب القرآن" 1/ 404.
(٣٥) في (د): (أبو)، وهو تصحيف.
(٣٦) من "تهذيب اللغة" 2/ 1583، وانظر: "العين" 7/ 327 (سوء).
(٣٧) عند ابن قتيبة: على التمييز.
(٣٨) "غريب القرآن" ص 117.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِّنَ النسآء ﴾ كان بعض العرب يتزوّج امرأة أبيه بعده فنزلت الآية تحريماً لذلك، فكل امرأة تزوّجها رجل حرمت على أولاده ما سفلوا، سواء دخل بها أو لم يدخل، فالنكاح في الآية بمعنى العقد، وما نكح: يعني النساء، وإنما أطلق عليهن ما، لأنّ المراد الجنس، فإن زنى رجل بامرأة فاختلف هل يحرم تزوجها على أولاده أم لا: فحرمة أبو حنيفة، وأجازه الشافعي، وفي المذهب قولان: واحتج من حرّمه بهذه الآية وحمل النكاح فيها على الوطء، وقال من أجازه: إنّ الآية لا تتناوله إذ النكاح فيها بمعنى العقد ﴿ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ ﴾ أي إلاّ ما فعلتم في الجاهلية من ذلك، وانقطع بالإسلام فقد عفى عنه فلا تؤاخذون به، ويدل على هذا قوله: ﴿ إِنَّ الله كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً ﴾ [النساء: 23] بعد قوله: ﴿ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ ﴾ في المرأة الأخرى في الجمع بين الأختين قال ابن عباس: كانت العرب تحرم كل ما حرمته الشريعة إلاّ امرأة الأب، والجمع بين الأختين، وقيل: المعنى إلا ما قد سلف فانكحوه إن أمكنكم، وذلك غير ممكن؛ فالمعنى: المبالغة في التحريم ﴿ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتاً ﴾ كان في هذه الآية تقتضي الدوام كقوله: ﴿ إِنَّ الله كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً ﴾ [النساء: 23]، وشبه ذلك وقال المبرد: هي زائدة وذلك خطأ لوجود خبرها منصوباً، وزاد هذا المقت على ما وصف من الزنا في قوله تعالى: ﴿ إِنَّهُ كَانَ فاحشة وَمَقْتاً وَسَآءَ سَبِيلاً ﴾ : دلالة على ان هذا أقبح من الزنا.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ واحدة ﴾ بالرفع: أبو جعفر ونافع.
الباقون: بالنصب.
﴿ فلأمه ﴾ وما بعده / بكسر الهمزة لأجل كسرة ما قبلها: حمزة وعلي.
الباقون بالضم ﴿ يوصي ﴾ وما بعد مبنياً للمفعول: ابن كثير وابن عامر ويحيى وحماد والمفضل وافق الأعشى في الأولى وحفص في الثانية.
الباقون: مبنياً للفاعل.
﴿ ندخله ﴾ بالنون في الحرفين: نافع وابن عامر وأبو جعفر.
الباقون بالياء.
وكذلك في سورة الفتح والتغابن والطلاق.
﴿ واللذان ﴾ بتشديد النون: ابن كثير، وكذلك قوله: ﴿ هذان ﴾ و ﴿ هاتان ﴾ و ﴿ أرنا اللذين ﴾ وأشباه ذلك.
وأما قوله ﴿ فذانك ﴾ فابن كثير وأبو عمرو ويعقوب وعباس مخير.
الباقون: بالتخفيف ﴿ كرهاً ﴾ بالضم وكذلك في التوبة، حمزة وعلي وخلف.
الباقون بالفتح ﴿ مبينة ﴾ ﴿ مبينات ﴾ بفتح الياء: ابن كثير وأبو بكر وحماد.
وقرأ أبو جعفر ونافع وأبو عمرو وسهل ويعقوب ﴿ مبينة ﴾ بالكسر ﴿ مبينات ﴾ بالفتح.
الباقون كلها بالكسر.
الوقوف: ﴿ الأنثيين ﴾ ج ﴿ ما ترك ﴾ ج ﴿ فلها النصف ﴾ ط لانتهاء حكم الأولاد ﴿ إن كان له ولد ﴾ ج ﴿ فلأمه الثلث ﴾ ج ﴿ أو دين ﴾ ط ﴿ وأبناؤكم ﴾ ج لتقديرهم أبناؤكم، ولاحتمال كون آباؤكم مبتدأ وخبره.
﴿ لا تدرون ﴾ ﴿ نفعاً ﴾ ج ﴿ من الله ﴾ ط ﴿ حكيماً ﴾ ه ﴿ لم يكن لهن ولد ﴾ ج ﴿ دين ﴾ ط ﴿ منهما السدس ﴾ ج ﴿ دين ﴾ ط لأن غير حال عامله ﴿ يوصى ﴾ ﴿ مضار ﴾ ج لاحتمال نصب وصية به كما يجيء ﴿ من الله ﴾ ط ﴿ حليم ﴾ ه ط لأن ﴿ تلك ﴾ مبتدأ ﴿ حدود الله ﴾ ط ﴿ خالدين فيها ﴾ ط لأن ما بعده اعتراض مقرر للجزاء.
﴿ العظيم ﴾ ه ﴿ خالداً فيها ﴾ ص لأن ما بعده من تتمة الجزاء.
﴿ مهين ﴾ ه ﴿ أربعة منكم ﴾ ج لابتداء الشرط مع الفاء.
﴿ سبيلاً ﴾ ه ﴿ فآذوهما ﴾ ج ﴿ عنهما ﴾ ط ﴿ رحيماً ﴾ ه ﴿ عليهم ﴾ ط ﴿ حكيماً ﴾ ه ﴿ السيئات ﴾ ط لأن حتى إذا تصلح للابتداء وجوابه ﴿ قال إني تبت ﴾ وتصلح انتهاء لعمل السيئات ﴿ وهم كفار ﴾ ط ﴿ أليماً ﴾ ه ﴿ كرهاً ﴾ ط للعدول عن الإخبار إلى النهي ﴿ مبينة ﴾ ج للعارض بين المتفقين ﴿ بالمعروف ﴾ ج ﴿ كثيراً ﴾ ه ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ مبيناً ﴾ ه ﴿ غليظاً ﴾ ط ﴿ ومقتاً ﴾ ط ﴿ سبيلاً ﴾ ه.
التفسير: إنه لما بين حكم مال الأيتام وما على الأولياء فيه، بيَّن أن اليتيم كيف يملك المال إرثاً ولم يكن ذلك إلا بيان جملة أحكام الميراث.
أو نقول: أجمل حكم الميراث في قوله: ﴿ للرجال نصيب ﴾ و ﴿ للنساء نصيب ﴾ ثم فصل ذلك بقوله ﴿ يوصيكم الله ﴾ أي يعهد إليكم ويأمركم في أولادكم في شأن ميراثهم.
واعلم أن أهل الجاهلية كانوا يتوارثون بشيئين: النسب والعهد.
أما النسب فكانوا يورثون الكبار به ولا يورثون الصغار والإناث كما مر، وأما العهد فالحلف أو التبني كما سيجيء في تفسير قوله: ﴿ والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم ﴾ وكان التوريث بالعهد مقرر في أول الإسلام مع زيادة سببين آخرين: أحدهما الهجرة.
فكان المهاجر يرث من المهاجر وإن كان أجنبياً عنه إذا كان بينهما مزيد مخالطة ومخالصة، ولا يرثه غيره وإن كان من أقاربه.
والثاني المؤاخاة.
كان رسول الله يؤاخي بين كل اثنين منهم فيكون سبباً للتوارث.
والذي تقرر عليه الأمر في الإسلام إن أسباب التوريث ثلاثة: قرابة ونكاح وولاء.
والمراد من الولاء أن المعتق يرث بالعصوبة من المعتق.
روي "أن رسول الله ورث بنت حمزة من مولى لها" .
ووراء هذه الأسباب سبب عام وهو الإسلام، فمن مات ولم يخلف من يرثه بالأسباب الثلاثة فماله لبيت المال يرثه المسلمون بالعصوبة كما يحملون عنه الدية.
قال : " أنا وارث من لا وارث له أعقل عنه وأرثه " وعن أبي حنيفة وأحمد أنه يوضع ماله في بيت المال على سبيل المصلحة لا إرثاً، لأنه لا يخلو عن ابن عم وإن بعد فألحق بالمال الضائع الذي لا يرجى ظهور مالكه.
وإنما بدأ بذكر ميراث الأولاد لأن تعلق الإنسان بولده أشد التعلقات، ثم للأولاد حال انفراد وحال اجتماع مع أبوي الميت.
أما حال الانفراد فثلاث ذكور وإناث معاً، أو إناث فقط، أو ذكور فقط.
أما الحالة الأولى فبيانها قوله: ﴿ للذكر مثل حظ الأنثيين ﴾ أي للذكر منهم، فحذف الراجع للعلم به وفيه أحكام ثلاثة: أحدها: خلف ذكراً واحداً وأنثى واحدة فله سهمان ولها واحد.
وثانيها: خلف ذكوراً وإناثاً لكل ذكر سهمان ولكل أنثى سهم.
وثالثها: خلف مع الأولاد جمعاً آخرين كالزوجين، فهم يأخذون سهامهم والباقي بين الأولاد لكل ذكر مثل نصيب أنثيين.
وإنما لم يقل للأنثيين مثل حظ الذكر أو للأنثى نصف حظ الذكر إشعاراً بفضيلته كما ضوعف حظه لذلك، ولأن الابتداء بما ينبىء عن فضل أحد أدخل في الأدب من الابتداء بما ينبىء عن النقص، ولأنهم كانوا يورّثون الذكور دون الإناث فكأنه قيل لهم: كفى الذكور تضعيف من النصيب، فيقطعوا الطمع عن الزيادة.
وأما الحكمة في أنه جعل نصيب النساء من المال أقل من نصيب الرجال، فلنقصان عقلهن ودينهن كما جاء في الحديث، ولأن احتياجهن إلى المال أقل لأن أزواجهن ينفقون عليهن، أو لكثرة الشهوة فيهن فقد يصير المال سبباً لزيادة فجورهن كما قيل: إن الشباب والفراغ والجده *** مفسدة للمرء أي مفسده.
فيكف حال المرأة؟
وعن جعفر الصادق أن حواء أخذت حفنة من الحنطة وأكلتها، وأخذت حفنة أخرى وخبأتها، ثم أخذت حفنة أخرى ورفعتها إلى آدم.
فلما جعلت نصيب نفسها ضعف نصيب الرجل قلب الله الأمر عليها فجعل نصيب المرأة نصف نصيب الرجل.
وأما الحالة الثانية فهن أكثر من اثنتين أو اثنتان أو واحدة.
وحكم / القسم الأول مبين في قوله: ﴿ فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك ﴾ وحكم القسم الثالث في قوله: ﴿ وإن كانت واحدة فلها النصف ﴾ فمن قرأ بالرفع على "كان" التامة فظاهر، ومن قرأ بالنصب فالضمير في كانت إما أن يعود إلى النساء وجاز لعدم الإلباس بدليل واحدة، وإما أن يعود إلى غائب حكمي أي إن كانت البنت أو المولودة.
وقراءة النصب أوفق لقوله: ﴿ فإن كن نساء ﴾ وقراءة الرفع أيضاً حسنة لئلا يحتاج إلى التكلف في عود الضمير.
وجوّز صاحب الكشاف أن يكون الضمير في ﴿ كن ﴾ و ﴿ كانت ﴾ مبهمة وتكون ﴿ نساء ﴾ و ﴿ واحدة ﴾ تفسيراً لهما على أن "كان" تامة.
وأما القسم الثاني وهو حكم البنتين فغير مذكور في الآية صريحاً فلهذا اختلف العلماء فيه.
فعن ابن عباس أن فرضهما النصف كما في الواحدة، لأن الثلثين فرض البنات بشرط كونهن فوق اثنتين، فإذا لم يوجد الشرط لم يوجد المشروط.
وعورض بأن النصف أيضاً مشروط بالوحدة.
أقول: ولعله نظر إلى أن الاثنتين أقرب إلى الواحد من الأعداد غير المحصورة التي فوق الإثنتين سوى الثلاثة، والحمل على الأقرب أولى.
وقال الأكثرون من الصحابة وغيرهم: إن فرضهما الثلثان لأن من مات وخلف ابناً وبنتاً فللبنت الثلث بالآية، فيلزم أن يكون للبنتين الثلثان.
وأيضاً نصيب البنت مع الولد الذكر الثلث، فلأن يكون نصيبها مع ولد آخر أنثى هو الثلث أولى لأن الذكر أقوى من الأنثى.
وعلى هذا فكان قوله: ﴿ للذكر مثل حظ الأنثيين ﴾ دالاً على أنثيين، فذكر بعد ذلك أنهن وإن بلغن ما بلغن من العدد لم يتجاوز الثلثين.
وقيل: إن البنتين أمس رحماً بالميت من الأختين، لكنه يقول في آخر السورة ﴿ فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان ﴾ فالبنتان أولى وهذا قياس جلي، ومما يؤيده أنه لم يذكر ميراث الأخوات الكثيرة ليقاس ميراثهن على ميراث البنات الكثيرة كما يقاس ميراث البنتين على الأختين.
وقيل: لفظ ﴿ فوق ﴾ وهو صفة نساء أو خبر بعد خبر للتأكيد، أو ليخرج أقل الجمع وهو اثنان زائد كقوله: ﴿ فاضربوا فوق الأعناق ﴾ وقيل: فيه تقديم وتأخير والمراد: فإن كن نساء اثنتين فما فوقهما.
وعن جابر بن عبد الله قال: "جاءت امرأة بابنتين لها فقالت: يا رسول الله، هاتان بنتا ثابت بن قيس، أو قالت: سعد بن الربيع، قتل معك يوم أحد وقد استفاء عمهما مالهما وميراثهما.
فقال: يقضي الله في ذلك ونزلت هذه الآية.
فقال لي رسول الله : ادع لي المرأة وصاحبها.
فقال لعمهما: أعطهما الثلثين وأعط أمهما الثمن وما بقي فلك" .
وأما الحالة الثالثة وهو ما إذا كان الأولاد ذكوراً فقط فلم يذكر في الآية، لأنه لما علم أن للذكر مثل حظ الأنثيين وقد تبين أن للبنت الواحدة النصف، علم منه أن للابن الواحد الكل، وإذا كان للواحد الكل، فإذا كانوا أكثر من واحد لم يحسن حرمان بعضهم ولا / ترجيح بعضهم فيكون المال مشتركاً بينهم بالسوية.
وأيضاً قال : " وما أبقت السهام فلأولى عصبة ذكر" ولا نزاع في أن الابن عصبة ذكر، فإذا لم يكن معه صاحب فرض فله كل المال لا محالة.
والنص: سألت عن ولد الولد فقيل: اسم الولد يقع على ولد الابن أيضاً لقوله : ﴿ يا بني آدم ﴾ ﴿ يا بني إسرائيل ﴾ .
وقيل: قيس ولد الولد على الولد لما أنه كولد الصلب في الإرث والتعصيب، ولكنه لا يستحق شيئاً مع أولاد الصلب على وجه الشركة، وإنما يستحق إذا لم يوجد ولد الصلب رأساً، أو لا يأخذ كما في مسألة بنت واحدة وبنت ابن فإنهما يأخذان الثلثين.
واعلم أن عموم قوله ﴿ يوصيكم الله في أولادكم ﴾ مخصوص بصور منها: أن العبد والحر لا يتوارثان.
ومنها أن القاتل لا يرث.
ومنها أن لا يتوارث أهل ملتين والمرتد ماله فيء لبيت المال سوءا اكتسب في الإسلام أو في الردة.
وعند أبي حنيفة: ما اكتسب في الإسلام يرثه أقاربه المسلمون.
ومنها أن الأنبياء لا يورثون خلافاً للشيعة.
روي أن فاطمة ا لما طلبت الميراث احتجوا بقوله : " نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة" واحتجت بقوله حكاية عن زكريا ﴿ يرثني ويرث من آل يعقوب ﴾ وبقوله: ﴿ وورث سليمان داود ﴾ ، والأصل في التوريث للمال، ووراثة العلم أو الدين مجاز.
وبعموم قوله: ﴿ يوصيكم الله في أولادكم ﴾ ولأن المحتاج إلى هذه المسألة ما كان إلا علياً وفاطمة والعباس وهؤلاء كانوا من أكابر الزهاد والعلماء في الدين.
وأما أبو بكر فإنه ما كان محتاجاً إلى معرفة هذه المسألة البتة لأنه ما كان يخطر بباله أنه يرث الرسول عليه الصلاة والسلام، فكيف يليق بالرسول أن يبلغ هذه المسألة إلى من لا حاجة به إليها ولا يبلغها إلى من له إلى معرفتها أشد الحاجة؟
وأيضاً يحتمل أن يكون قوله: "ما تركناه صدقة" صلة لقوله: "لا نورث" والمراد أن الشيء الذي تركناه صدقة فذلك الشيء لا يورث ولعل فائدة تخصيص الأنبياء بذلك أنهم إذا عزموا على التصدق بشيء فمجرد العزم يخرج ذلك عن ملكهم فلا يرثه وارثهم عنهم.
أجابوا بأن فاطمة ا رضيت بقول أبي بكر بعد هذه المناظرة وانعقد الإجماع على ما ذهب إليه أبو بكر.
واعلم أن جميع ما ذكرنا إنما هو في حالة انفراد الأولاد، أما حالة اجتماعهم بالأبوين فذلك قوله: ﴿ ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد ﴾ والمراد بالأبوين الأب والأم.
فغلب جانب الأب لشرفه، ومثله من التغليب في التثنية "القمران" و"العمران" و "الخافقان".
/ والضمير في ﴿ أبويه ﴾ يعود إلى الميت المعلوم من سياق الكلام في الميراث و ﴿ لكل واحد منهما ﴾ بدل من ﴿ لأبويه ﴾ بتكرير العامل.
وفائدة هذا البدل أنه لو قيل: ولأبويه السدس لأوهم اشتراكهما فيه.
ولو قيل: ولأبويه السدسان لأوهم قسمة السدسين عليهما بالتساوي أو بالتفاوت.
ولو قيل: ولكل واحد من أبويه السدس لفاتت فائدة الإجمال والتفصيل والإبهام والتفسير.
فقوله: ﴿ السدس ﴾ مبتدأ وخبره ﴿ لأبويه ﴾ وقد توسط البدل بينهما للبيان.
واعلم أن للأبوين ثلاث أحوال: الأولى أن يحصل معهما ولد ولا نزاع أن اسم الولد يقع على الذكر وعلى الأنثى فههنا ثلاثة أوجه: أحدها أن يحصل معهما ولد ذكر واحد أو أكثر فللأبوين لكل واحد منهما السدس.
والباقي للأولاد بالسوية.
وثانيها أن يحصل معهما بنتان أو أكثر، فالحكم كما ذكر.
وثالثها أن يكون معهما بنت واحدة فههنا للبنت النصف وللأم السدس وللأب السدس بحكم الآية، والباقي للأب بحكم التعصيب.
فإن قيل: إن حق الوالدين على الولد مما لا يخفى فما الحكمة في أنه جعل نصيب الأولاد أكثر ونصيب الوالدين أقل؟
فالجواب - والله أعلم - أن الوالدين ما بقي من عمرهما إلا القليل غالباً، أما الأولاد فهم في زمان الصبا فاحتياجهم إلى المال أكثر وأيضاً كأنهما قالا بلسان الحال للأطفال: إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكوراً.
وأيضاً ولد الولد ولد، وترفيه حال الولد أهم عند الوالدين من ترفيه حالهما.
الحالة الثانية أن لا يكون معهما أحد من الأولاد ولا وارث سواهما وهو المراد بقوله: ﴿ فإن لم يكن له ولد وروثه أبواه ﴾ أي فقط ﴿ فلأمه الثلث ﴾ ويعلم منه أن الباقي يكون للأب فيكون المال بينهما للذكر مثل حظ الأنثيين، ويحصل للاب السدس بالفرضية، والنصف بالعصوبة، ولأنه قيد فرضية الثلث للأم بأن يكون الوارث منحصراُ في الأبوين اختلف العلماء في أنه إذا ورثه أبواه مع أحد الزوجين فكيف يكون فرض الأم؟
فقال ابن عباس: يدفع إلى الزوج نصيبه أو إلى الزوجة نصيبها، وللأم الثلث بحالة والباقي للأب.
وذهب الأكثرون إلى أن الزوج أو الزوجة لهما نصيبهما، ثم يدفع ثلث ما بقي إلى الأم والباقي للأب ليكون للذكر مثل حظ الأنثيين كما هو قاعدة الميراث عند اجتماع الذكر والأنثى، فيكون الأبوان كشريكين بينهما مال، فإذا صار شيء منه مستحقاً بقي الباقي بينهما على قدر الاستحقاق الأوّل.
وأيضاً الزوج إنما يأخذ سهمه بحكم عقد النكاح لا بحكم القرابة فأشبه الوصية في قسمة الباقي.
وعن ابن سيرين أنه وافق ابن عباس في الزوجة والأبوين.
فإنا إذا دفعنا الربع إلى الزوجة، والثلث إلى الأم بقي للأب الثلث ونصف السدس أكثر ما للأم، وخالفه في الزوج والأبوين لأنه إذا دفع إلى الزوج النصف وإلى الأم الثلث يبقى للأب السدس فيكون للأنثى مثل حظ الذكرين.
هذا عكس قوله : ﴿ للذكر مثل حظ الأنثيين ﴾ الحالة الثالثة أن يوجد معها الإخوة والأخوات وذلك قوله: ﴿ فإن كان له إخوة فلأمه السدس ﴾ واتفقوا على أن واحداً من الإخوة أو الأخوات لا يحجب الأم من الثلث إلى السدس، واتفقوا على أن ثلاثة منهم يحجبون لكن الاثنين مختلف فيهما.
فالأكثرون من الصحابة ذهبوا إلى إثبات الحجب بهما كما في الثلاثة بناء على أن الاثنين جمع لوجود التعدد في التثنية فما فوقها، فصح أن يتناول الأخوة للأخوين واستقراء باب الميراث يؤيد ذلك، فإنه جعل نصيب البنتين الثلثين مثل نصيب البنات وكذلك للأختين والأخوات.
وذكر الشيخ الكامل محيي الدين بن العربي في الفتوحات أنه رأى رسول الله في المنام فسأله عن خلاف الأئمة في أن أقل الجمع اثناء أو ثلاثة، فعلمه أن أقل الجمع في الشفع اثنان وفي الوتر ثلاثة.
وقال : " الاثنان فما فوقهما جماعة " وقد احتج ابن عباس بذلك على عثمان فقال: كيف تردّها إلى السدس بالأخوين وليسا بإخوة؟
فقال عثمان: لا أستطيع رد شيء كان قبلي ومضى في البلدان.
فأشار إلى إجماعهم قبل أن يظهر ابن عباس الخلاف.
ثم إن الاثنين أو الثلاثة إذا حجبوا الأم عن السدس، فذلك السدس يكون لهم حتى يبقى للأب الثلثان، أو لا يكون لهم شيء من الميراث ويكون خمسة الأسداس للأب.
ذهب ابن عباس إلى الأوّل، وذهب الجمهور إلى الثاني إذ لا يلزم من كون الشخص حاجباً كونه واراثاً ولم يرد لهم ذكرإلا بالحجب فوجب أن يبقى المال بعد حصول هذا الحجب على ملك الأبوين.
ثم ذكر أن هذه الأنصباء إنما تدفع إلى هؤلاء من بعد وصية يوصى بها أو دين.
حتى لو استغرق الدين كل مال الميت لم يكن للورثة فيه حق.
وإذا لم يكن أو كان لكنه قضى وفضل بعده شيء.
فإن أوصى الميت وصية أخرجت من ثلث ما فضل ثم قسم الباقي ميراثاً على فرائض الله .
عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: "إنكم لتقرؤن الوصية قبل الدين وإن الرسول قضى بالدين قبل الوصية" .
والمراد أنه لا عبرة بالتقديم في الذكر لأن كلمة أو لا تفيد الترتيب ألبتة، وإنما استفيد الترتيب من السنة عكس الترتيب في اللفظ.
وفائدة هذا العكس أن الوصية تشبه الميراث في كونها مأخوذة من غير عوض، فكان أدواؤها مظنة التفريط بخلاف الدين، فإن نفوس الورثة مطمئنة إلى أدائه فكان في تقديمها ترغيب لهم في أدائها، ولهذا جيء بكلمة أو دلالة على التسوية بينهما في الوجوب، ولأن كل مال ليس يحصل فيه الأمران فجيء بأو الفاصلة ليدل على أنه إن كان أحدهما فالميراث بعده، وكذلك إن كان كلاهما فالوصية تشبه الدين من جهة أن سهام أهل المواريث معتبرة بعد كل منهما.
ولكنها تفارق الدين من جهة / أنه متى هلك من المال شيء دخل النقصان في أنصباء أصحاب الوصية كما في الإرث بخلاف الدين فإنه يبقى بحاله.
ثم قال: ﴿ آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعاً ﴾ قال أبو البقاء ﴿ أيهم ﴾ مبتدأ و ﴿ أقرب ﴾ خبره، والجملة في موضع نصب بـ ﴿ تدرون ﴾ وهي معلقة عن العمل لفظاً لأنها من أفعال القلوب.
وأقول: من الجائز أن لا تكون من أفعال القلوب بل تكون بمعنى المعرفة، وكان ﴿ أيهم ﴾ مفعولة مبنياً لحذف صدر الصلة نحو ﴿ لننزعن من كل شيعة أيهم أشد ﴾ قال المفسرون: هذا كلام معترض بين ذكر الوارثين وأنصبائهم، وبين قوله: ﴿ فريضة من الله ﴾ ومن حق الاعتراض أن يناسب ما اعترض بينه ويؤكده.
فقيل: هذا من تمام الوصية أي لا تدرون من أنفع لكم من آبائكم وأبنائكم الذين يموتون، من أوصى منهم أم من لم يوص.
يعني أن من أوصى ببعض ماله فعرّضكم لثواب الآخرة بإمضاء وصيته فهو أقرب لكم نفعاً وأحضر جدوى ممن ترك الوصية عليكم عرض الدنيا وجعل الثواب الآخرة أقرب وأحضر من عرض الدنيا ذهاباً إلى حقيقة الأمر، لأن عرض الدنيا وإن كان عاجلاً قريباً في الصورة إلا أنه فانٍ فهو في الحقيقة الأبعد الأقصى، وثواب الآخرة وإن كان آجلاً إلا أنه باقٍ فهو في الحقيقة الأقرب الأدنى.
وقيل: عن ابن عباس أن الابن إن كان أرفع درجة من أبيه في الجنة سأل أن يرفع أبوه إليه فيرفع, وكذلك الأب إن كان أرفع درجة من ابنه سأل أن يرفع ابنه إليه.
فأنتم لا تدرون في الدنيا أيهم أقرب لكم نفعاً لأن أحدهما لا يعرف أن انتفاعة في الجنة بهذا اكثر أم بذلك.
وقيل: قد فرض الله الفرائض على ما هو عند حكمة، والعقول لا تهتدي إلى كمية تلك التقديرات.
فلو وكل ذلك إليكم لم تعلموا أيهم لكم أنفع فوضعتم أنتم الأموال في غير موضعها.
وقيل: المراد كيفية انتفاع بعضهم ببعض في الدنيا من جهة الإنفاق والذب عنه، فلا يدري أن الابن سيحتاج إلى أن ينفق الأب عليه أو الأب سيفتقر إلى الابن.
وقيل: المقصود جواز أن يموت هذا قبل: ذلك فيرثه وبالضد، والقول هو الأوّل.
﴿ فريضة من الله ﴾ نصبت على أنها صفة تقوم مقام المصدر المؤكد أي فرض الله ذلك فرضاً ﴿ إن الله كان عليماً ﴾ بكل المعلومات فيكون عالماً بما في قسمة المواريث من المصالح والمفاسد ﴿ حكيماً ﴾ لا يأمر إلا بما هو الأحسن الأصلح.
قال الخليل: "كان" ههنا منخلع عن اعتبار الاقتران بالزمان، لأنه منزه عن الدخول تحت الزمان ولكنه من الأزل إلى الأبد عليم حكيم.
وقال سيبويه: إن القوم لما شاهدوا علماً وحكمة تعجبوا فقيل لهم: إن الله كان كذلك أي لم يزل موصوفاً بهذه الصفات.
هذا واعلم أن الوارث إما أن يكون متصلاً يالميت بغير واسطة أو بواسطة.
وعلى الأول فسبب الاتصال / إما أن يكون هو النسب أو الزوجية.
فهذه ثلاثة أقسام: الأوّل قرابة التوالد الفروع والأصول وهو أشرف الاتصالات لعدم الواسطة ولكثرة المخالطة ولغاية الألفة والشفقة، ولهذا قدّم في الذكر.
ويتلوه في الشرف القسم الثاني لمثل ما قلنا ولهذا أردفه بالقسم الأول وذلك قوله: ﴿ ولكم نصف ما ترك أزواجكم ﴾ إلى قوله ﴿ توصون بها أو دين ﴾ ثم بيَّن أحوال القسم الثالث وهو الكلالة في قوله: ﴿ وإن كان رجل يورث كلالة ﴾ فما أحسن هذا النسق.
ولما جعل في الموجب النسبيّ حظ الرجل مثل حظ الأنثيين، فكذلك جعل في الموجب السببي وهو الزوجية حظ الزوج ضعف حظ الزوجة.
وقد نبه في الآية على فضل الرجال حيث ذكرهم على سبيل المخاطبة ثمان مرات، وذكرهن على الغيبة أقل من ذلك.
ثم الواحدة والجماعة سواء في الربع والثمن، ولا فرق في الولد بين الذكر والأنثى، ولا بين الابن وابن الابن، ولا بين البنت وبنت الابن، ويخرج منه ولد البنت لأنه لا يرث.
وههنا مسألة.
قال الشافعي: يجوز للزوج غسل زوجته لأنها بعد الموت زوجته بدليل قوله : ﴿ ولكم نصف ما ترك أزواجكم ﴾ وقال أبو حنيفة: لا يجوز لأنها ليست زوجته، ولو كانت زوجته لحل له وطؤها لقوله: ﴿ إلا على أزواجكم ﴾ \[المؤمون: 6\] وأجيب بأنه لو كانت زوجته له لكان قوله ﴿ ما ترك أزواجكم ﴾ مجازاً.
ولو كانت زوجة مع أنه لا يحل له وطؤها لزم التخصيص وإذا تعارض المجاز والتخصيص فالتخصيص أولى كما بين في أصول الفقه.
وكيف لا وقد علم في صور كثيرة حصول الزوجية مع حرمة الوطء كزمان الحيض والنفاس ونهار رمضان وعند اشتغالها بالصلاة المفروضة والحج المفروض وعند كونها في العدّة عن الوطء بالشبهة.
وأيضاً حل الوطء ثابت على خلاف الأصل لما فيه من المصالح، وعند الموت لم يبق شيء من تلك المصالح فعاد إلى أصل الحرمة، أما حل الغسل ففيه مصالح فوجب القول ببقائه.
واختلفوا في تفسير الكلالة فعن أبي بكر الصديق أنه سئل عن الكلالة فقال: أقول فيه برأيي فإن كان صواباً فمن الله، وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان والله بريء منه.
الكلالة ما خلا الوالد والولد.
وعن عمر : الكلالة من لا ولد له فقط.
وعنه في رواية أخرى التوقف.
وكان يقول: ثلاثة لأن يكون بينهم الرسول لنا أحبّ إليّ من الدنيا وما فيها: الكلالة والخلافة والربا.
وقيل: الكلالة القرابة من غير جهة الولد والوالد.
ومنه قولهم: ما ورث المجد عن كلالة كما تقول: ما صمت عن عيّ.
قال الفرزدق: ورثتم قناة الملك لا عن كلالة *** عن ابني مناف عبد شمس وهاشم والمختار الصحيح من الأقوال قول أبي بكر لأن الكلالة في الأصل مصدر بمعنى الكلال وهو ذهاب القوّة من الإعياء.
قال الأعشى: فآليت لا أرثي لها من كلالة *** ولا من وجى حتى تلاقي محمداً فاستعيرت للقرابة من غير جهة الوالد والولد لأنها بالإضافة إلى قرابة الأصول والفروع كلالة ضعيفة.
ويحتمل أن يقال: هي من الإكليل لأنهم يحيطون بالإنسان إحاطة الإكليل بالرأس بخلاف قرابة الولادة فإنها تذهب على الاستقامة كما قال: نسب تتابع كابراً عن كابر *** كالرمح أنبوباً على أنبوب وأيضاً فإنه قال في آخر السورة ﴿ قل الله يفتيكم في الكلالة إنْ امرؤا هلك ليس له ولد ﴾ فاحتج عمر بذلك.
والجواب أنه حكم في تلك الآية بتوريث الإخوة والإخوات حال كون الميت كلالة.
ولا شك أن الإخوة والأخوات لا يرثون حال وجود الأبوين، فيلزم أن لا يكون الميت كلالة حال وجود الأبوين.
وأيضاً إنه ذكر حكم الولد والوالدين في الآيات المتقدمة، ثم أتبعها ذكر الكلالة.
وهذا الترتيب يقتضي أن يكون الكلالة من عدا الوالدين والولد، ثم الكلالة قد يجعل وصفاً للمورث.
والمراد الذي يرثه من سوى الوالدين والأولاد، ويمكن أن يحمل عليه بيت الفرزدق أي ما ورثتم الملك عن الأعمام بل عن الآباء، فسمىالعم كلالة وهو ههنا مورث لا وارث.
وقد يجعل وصفاً للوارث ومنه قول جابر: "مرضت مرضاً أشفيت منه على الموت فأتاني النبي فقلت: يا رسول الله إني رجل لا يرثني إلا كلالة" وأراد به أنه ليس له والد ولا ولد.
ويقال: رجل كلالة وامرأة كلالة وقوم كلالة لا يثنى ولا يجمع لأنه مصدر كالدلالة والجلالة، وإذا جعلت صفة للوارث أو المورث كانت بمعنى ذي كلالة كما يقال: فلان من قرابتي أي من ذوي قرابتي.
ويجوز أن يكون صفة كالهجاجة والفقاقة يقال: رجل هجاجة وفقاقة كلاهما بالتخفيف أي أحمق.
وقوله : ﴿ وإن كان رجل يورث ﴾ فيه احتمالان: الأول وهو قول عطاء والضحاك: أن يكون مأخوذاً من ورث الرجل يرث فيكون الرجل هو الموروث منه، وينتصب كلالة على الحال أو على أنه خبر "كان" و ﴿ يورث ﴾ صفة رجل.
ويجوز أن يكون مفعولاً له أي يورث لأجل كونه كلالة.
والثاني وهو قول سعيد بن جبير أن يكون مبنياً للمفعول من أورث فالرجل حينئذٍ هو الوارث، وينتصب كلالة على الوجوه المذكورة.
قيل: ما السبب في أنه قال: ﴿ وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة ﴾ ثم قال: ﴿ وله أخ ﴾ فكنى عن الرجل ولم يكن عن المرأة؟
والجواب أنه إذا جاء حرفان في معنى واحد جاز إسناد التفسير / إلى أيهما أريد، وجاز إسناد إليهما أيضاً.
تقول: من كان له أخ أو أخت فليصله أو فليصلها.
والترجيح بالتذكير للشرف معارض بالتأنيث للقرب.
وإن قلت: فليصلهما جاز أيضاً.
ولعل التوحيد والتذكير في الآية أولى إما لأن الرجال في الأحكام أصل والنساء تبع لهم، وإما بتأويل أحد المذكورين.
ثم إن المفسرين أجمعوا على أن المراد من الأخ والأخت ههنا الأخ والأخت من الأم، ويدل عليه ما نسب إلى أبيّ وسعد بن أبي وقاص: ﴿ وله أخ أو أخت من أم فلكل واحد منهما ﴾ أي من الأخ والأخت ﴿ السدس ﴾ من غير مفاضلة الذكر على الأنثى.
هذا على الاحتمال الأوّل وهو أن الرجل مورث منه.
وأما على الاحتمال الثاني وهو أن الرجل وارث فالضمير عائد إلى الرجل وإلى واحد من أخيه أو أخته.
والمعنى مثل الأوّل، لأنك إذا قلت السدس له أو لواحد من الأخ أو الأخت على التخيير فقد سوّيت بين الذكر والأنثى.
ثم قال ﴿ فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث ﴾ فبيّن أن نصيبهم كيفما كانوا لا يزداد على الثلث.
وقد يسند الإجماع إلى هذا بيانه أنه قال في آخر السورة ﴿ قل الله يفتيكم في الكلالة ﴾ وأثبت للأختين الثلثين وللإخوة كل المال، وههنا أثبت للإخوة، والأخوات السدس عند الانفراد، والثلث عند الاجتماع، فعلم أن المراد من الإخوة والأخوات ههنا غير المراد من الإخوة والأخوات في تلك الآية.
فالمراد ههنا الإخوة والأخوات من الأم وهم الأخياف، وهناك الإخوة والأخوات من الأب والأم وهم الأعيان، أو من الأب وهم أولاد العلات.
فالكلالة وإن كانت عامة لمن عدا الوالد والولد إلا أنها في الآية خاصة كما بيَّنا ﴿ غير مضار ﴾ حال أي يوصي بها وهو غير مضارّ لورثته.
ومن قرأ ﴿ يوصى ﴾ مبنياً للمفعول فعامل الحال محذوف يدل عليهالمذكور أي يوصى إذا علم أن ثمة موصياً والضمير فيه وهو ذو الحال يعود إلى رجل على تقدير أنه المورث، أو إلى الميت الدال عليه سياق الكلام أي إن كان الرجل وارثاً وضرار الورثة بأن يوصي بأزيد من الثلث أو بالثلث فما دونه ونيته مضارة الورثة ومغاضبتهم وقطع الميراث عنهم لا وجه الله.
وقد يقر بأن الدين الذي كان له على غيره قد استوفاه، أو يبيع شيئاً بثمن بخس، أو يشتري شيئاً بثمن غال، كل ذلك لئلا يصل المال إلى الورثة.
قال العلماء: الأولى بالإنسان أن ينظر في قدر ما يخلف ومن يخلف، ثم يجعل وصيته بحسب ذلك فإن كان في المال قلة وفي الورثة كثرة لم يوص، وإن كان بالعكس أوصى على قانون العدالة, وقد روي عن عكرمة عن ابن عباس: أن الإضرار في الوصية من الكبائر، ويروى مرفوعاً وعن شهر بن حوشب عن أبي هريرة عن النبي : " أن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة سبعين سنة فإذا أوصى وحاف في وصيته ختم له بشر عمله فيدخل النار.
وإن الرجل / ليعمل بعمل أهل النار سبعين سنة فيعدل في وصيته فيختم له بخير عمله فيدخل الجنة" وعنه " من قطع ميراثاً فرضه الله قطع الله ميراثه من الجنة " ﴿ وصية من الله ﴾ نصب على المصدر المؤكد أو على أنه مفعول ﴿ مضار ﴾ أي لا يضار وصية من الله وهو الثلث فما دونه بزيادته على الثلث، أو وصية من الله بالأولاد لا يدعهم عالة بإسرافه في الوصية ﴿ والله عليم ﴾ بمن جار في وصيته أو عدل ﴿ حليم ﴾ عن الجائر لا يعاجله بالعقوبة، وفيه من الوعيد ما لا يخفى.
ثم أكد الوعيد بالترغيب والترهيب فقال: ﴿ تلك حدود الله ﴾ وهو إشارة إلى جميع ما ذكر في السورة من أحكام اليتامى والوصايا والمواريث وغيرها، وهي الشرائع التي لا يجوز للمكلف أن يتجاوزها ويتخطاها إلى ما ليس له بحق.
وقوله: ﴿ ومن يطع الله ﴾ ﴿ ومن يعص الله ﴾ عام في هذه التكاليف وفي غيرها، كما أن الوالد يقبل على ولده ويؤدبه في أمر مخصوص، ثم يقول احذر مخالفتي ويكون مقصوده منعه من معصيته في جميع الأمور.
وإنما قيل: ﴿ يدخله ﴾ و ﴿ خالدين ﴾ حملاً على لفظ "من" ومعناه.
وانتصب ﴿ خالدين ﴾ و ﴿ خالداً ﴾ على الحال.
ولا يجوز أن يكونا صفتين لـ ﴿ جنات ﴾ و ﴿ ناراً ﴾ لأنهم جريا على غير من هماله، فكان يلزم حينئذٍ أن يقال: خالدين هم فيها وخالداً هو فيها.
قالت المعتزلة: الآية تدل على القطع بوعيد الفساق وخلودهم وذلك أن التعدي في جميع حدود الله محال، لأن من حدوده ترك اليهودية والنصرانية والمجوسية، والتعدي فيها هو الإتيان بجميعها وذلك محال.
فإن المراد تعدّي أي حدّ كان، ولأن الآية مذكورة عقيب قسمة المواريث فيكون المراد التعدي في هذه الحدود، وأجيب بما مر من أن ذلك مشروط عندكم بعدم التوبة، فأي مانع لنا من أن نزيد فيه شرطاً آخر وهو عدم العفو.
وبأن الآية لعلها مخصوصة بالكافر لأن جميع المعاصي يصح استثناؤها من هذا اللفظ أي: ومن يعص الله في كذا وفي كذا.
وذلك لا يتحقق إلا في حق الكافر.
نعم يخرج منه ما يخصصه دليل عقلي كما ذكرتم من استحالة الجمع بين اليهودية والنصرانية، ومما يؤكد كون الآية مخصوصة بالكافر أن قوله: ﴿ ومن يعص الله ورسوله ﴾ يفيد كونه فاعلاً للمعاصي.
فلو كان المراد من قوله: ﴿ ويتعد حدوده ﴾ أيضاً ذلك لزم التكرار فوجب حمله على الكفر.
وإن سلم أن المراد هو التعدي في حدود المواريث فلعل المراد من التعدي هو اعتقاد كونها لا على وجه الحكمة والصواب ويلزم منه الكفر والله أعلم بمراده.
قوله عم طوله: ﴿ واللاتي يأتين / الفاحشة ﴾ الآية.
وجه النظم فيه أن التغيلظ عليهم في باب الفاحشة من جملة الإحسان إليهن المأمور به في الآيات المتقدمة.
وفيه أن مدار الشرع على العدل والإنصاف والاحتراز في كل باب من طرفي التفريط والإفراط،، فلا ينبغي أن يصير الإحسان إليهن سبباً لترك إقامة الحدود عليهن.
واللاتي جمع التي وفيه لغات: اللائي بالهمزة، واللواتي واللواتي فكأنهما جمعا الجمع.
وقد تحذف الياآت من الأربعة، وقد تسهل همزة اللائي بين الهمزة والياء لكونها مكسورة لقراءة ورش ﴿ واللائي يئسن من المحيض ﴾ وقد يقال: اللاي بياء ساكنة بعد الألف من غير همز، وقد يقال: اللوا بحذف التاء والياء معاً.
وقد يقال: اللاآت كاللامات.
قال ابن الأنباري: العرب تقول في الجمع من غير الحيوان التي، ومن الحيوان اللاتي كقوله: ﴿ أموالكم التي جعل الله لكم قياماً ﴾ وقال في هذه الآية ﴿ واللاتي ﴾ لأن الجمع من غير الحيوان سبيله سبيل الشيء الواحد بخلاف جمع الحيوان فإن كل واحد منهما متميز عن غيره بخواص وصفات.
ومن العرب من يلغي هذا الفرق.
والفاحشة الفعلة المتزايدة في القبح مصدر كالعافية.
وأجمعوا على أنها الزنا ههنا.
قال المحققون: خصص هذا العمل بالفاحشة لأن القوى البدنية نطقية وغضبية وشهوية، وفساد الأولى الكفر والبدعة وأمثالها، وفساد الثانية القتل بغير حق ونحوه، وفساد الثالثة الزنا واللواط والسحق وما أشبهها وهذه أخص الجميع.
ومعنى ﴿ من نسائكم ﴾ من زوجاتكم أو من الحرائر أو من نسائكم المؤمنات والثيبات أقوال.
﴿ فاستشهدوا عليهم أربعة منكم ﴾ احتياطاَ لأمر الزنا.
والمراد بقوله: ﴿ منكم ﴾ أي من رجالكم.
قال الزهري: مضت السنة من رسول الله والخليفتين بعده أن لا تقبل شهادة النساء في الحدود فإن شهدوا مفصلاً مفسراً كقولهم: رأيناه أدخل فرجه في فرجها كالمرود في المكحلة، أو كالرشاء في البئر.
ولا بد مع ذلك من الوصف بالتحريم لا بمعنى عرضي كالحيض، ولا مع تحليل عالم كالمتعة، ولا بشبهة ﴿ فأمسكوهن في البيوت ﴾ خلدوهن محبوسات في بيوتكم ﴿ حتى يتوفاهن الموت ﴾ أي ملائكة الموت أو حتى يأخذهن الموت ويستوفي أرواحهن ﴿ أو يجعل الله لهن سبيلاً ﴾ بالنكاح أو بالحد.
﴿ واللذان يأتيانها منكم ﴾ يعني الزاني والزانية أو اللائط والملوط ﴿ فآذوهما ﴾ فوبخوهما وقولوا لهما أما استحييتما أما خفتما الله أما لكما في النكاح مندوحة عن هذه؟
﴿ فإن تابا وأصلحا ﴾ وغيرا الحال ﴿ فأعرضوا عنهما ﴾ فاقطعوا التوبيخ والذم، أو خوطب الشهود الذين عثروا على سرهما أن يهددوهما بالرفع إلى الإمام والحد فإن تابا قبل الرفع إلى الإمام فأعرضوا عن العرض على الإمام.
واعلم أن للعلماء خلافاً في الآيتين.
فعن الحسن أن الثانية مقدمة في النزول.
أمروا بإيذاء الزانيين أولاً ثم أمروا بإمساك النساء في / البيوت إلى أن يتبين أحوالهن.
وقال السدي: المراد بهذه الآية البكر من الرجال والنساء، وبالآية الأولى الثيب.
وعن أبي مسلم أن الآية الأولى في السحاقات وحدّها الحبس إلى الموت إلا أن يخلصهن الله، والثاني في اللائطين وحدّهما الأذى بالقول والفعل.
والدليل على ذلك تذكير اللذان ولفظ منكم أي من رجالكم كما في قوله: ﴿ أربعة منكم ﴾ وأما الزنا من الرجل والمرأة فذلك في سورة النور وحدّه في البكر الجلد وفي المحصن الرجم، وعلى هذا لايلزم نسخ شيء من الآيات ولا تكرار الشيء الواحد في الموضع الواحد مرتين.
وزيف قول أبي مسلم بأنه قول لم يقل به أحد، وبأن الصحابة اختلفوا في أحكام اللواطة ولم يتمسك أحد منهم بهذه الآية.
وعدم تمسكهم بها مع شدة احتياجهم إلى نص يدل على هذا الحكم دليل على أن الآية ليست في اللواطة.
وأجاب أبو مسلم بأنه قول مجاهد - وهو من أكابر المفسرين - على أنه بيّن في الأصول أن استنباط تأويل جديد جائز، وأيضاً كان مطلوب الصحابة معرفة حدّ اللوطيّ وكمية ذلك وليس في الآية دلالة عليه بالنفي والإثبات، ومطلق الإيذاء لا يصلح للحد.
وجمهور المفسرين على أن الآيتين في الزنا وأنهما منسوختان لما روى مسلم في كتابه عن عبادة بن الصامت "كان نبي الله إذا أنزل عليه كرب لذلك وتربد له وجهه فأنزل عليه ذات يوم فلقي كذلك، فلما سري عنه قال: خذوا عني فقد جعل الله لهن سبيلاً: البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم" .
ثم استقر الأمر آخراً على أن البكر يجلد ويغرّب والثيب يرجم فقط.
وقيل: إن هذه الآية صارت منسوخة بآية الجلد.
وعن أصحاب أبي حنيفة أن آية الحبس نسخت بالحديث، والحديث منسوخ بآية الجلد، وآية الجلد نسخت بدلائل الرجم.
وقال في الكشاف: من الجائز أن لا تكون الآية منسوخة بأن يترك ذكر الحد لكونه معلوماً بالكتاب والسنة ويوصي بإمساكهن في البيوت بعد أن يحددن صيانة لهن عن مثل ما جرى عليهن بسبب الخروج من البيوت والتعرض للرجال.
وقال الشيخ أبو سليمان الخطابي في معالم السنن: إنه لم يحصل النسخ في الآية ولا في الحديث.
وذلك أن الآية تدل على أن إمساكهن في البيوت ممدود إلى غاية أن يجعل الله لهن سبيلاً.
ثم إن ذلك السبيل كان مجملاً، فلما قال : خذوا عني الثيب يرجم والبكر يجلد وينفى.
صار في هذا الحديث بياناً لتلك الآية لا ناسخاً لها، وصار أيضاً مخصصاً لعموم آية الجلد والله عليم.
ثم أخبر عن المستحقين لقبول التوبة وعن المستحقين لعدم القبول فقال: ﴿ إنما التوبة على الله ﴾ واجبة وجوب الوعد والكرم لا وجوباً يستحق بتركه الدم ﴿ للذين يعملون السوء بجهالة ﴾ قال أكثر المفسرين: كل من عصى فهو جاهل وفعله جهالة.
ولهذا قال موسى: ﴿ أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين ﴾ لأنه حيث لم / يستعمل ما معه من العلم بالعقاب والثواب فكأنه لا علم له.
وبهذا التفسير تكون المعصية مع العلم بأنها معصية جهالة.
وقيل: المراد أنه جاهل بعقاب المعصية.
وقيل: المراد أن يكون جاهلاً بكونها معصية لكنه يكون متمكناً من تحصيل العلم بكونها معصية، ولهذا أجمعنا على أن اليهودي يستحق على يهوديته العقاب وإن كان لا يعلم كون اليهودية معصية لأنه متمكن من تحصيل العلم بكون اليهودية ذنباً ومعصية، وأن النائم أو الساهي لا يستحق العقاب لأنه أتى بالقبيح غير متمكن من العلم بكونه قبيحاً.
أما المتعمد فإنه لا يكون داخلاً تحت الآية وإنما يعرف حاله بطريق القياس، وإنه لما كانت التوبة على هذا الجاهل واجبة فلأن تكون واجبة على العامد أولى لأنه عالم بقبح تلك المعصية.
أما قوله: ﴿ ثم يتوبون من قريب ﴾ فقد أجمعوا على أن المراد من هذا القرب قبل حضور زمان الموت ونزول سلطانه ومعاينة أهواله.
وإنما كان ذلك الزمان قريباً لأن الأجل آتٍ وكل ما هو آتٍ قريب، ولأن مدة عمر اإنسان وإن طالت إذا قيست إلى طرفي الأزل والأبد كانت كالعدم، ولأن الإنسان يتوقع في كل لحظة نزول الموت به، وما هذا حاله فإنه يوصف بالقرب.
و"من" في ﴿ من قريب ﴾ إما لابتداء الغاية أي يجعل مبتدأ توبته من زمان قريب من المعصية، أو للتبعيض أي يتوبون بعض زمان قريب كأنه سمى ما بين وجود المعصية وبين حضرة الموت زماناً قريباً لما قلنا ففي أي جزء تاب من أجزاء هذا الزمان فهو تائب من قريب وإلا فهو تائب من بعيد ألا ترى إلى قوله: ﴿ حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ﴾ فبين أن وقت الاحتضار هو الوقت الذي لا تقبل فيه التوبة، فبقي ما وراء ذلك في حكم القرب.
ومثله قوله : " إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر " والفائدة في قوله: ﴿ فأولئك يتوب الله عليهم ﴾ بعد قوله: ﴿ إنما التوبة على الله ﴾ أن الأوّل إعلام بأنه يجب على الله قبولها لزوم الكرم والفضل والإحسان, والثاني إخبار بأنه سيفعل ذلك.
أو المراد بالأوّل توفيق التوبة والإعانة عليها، وبالثاني قبولها ﴿ وكان الله عليماً ﴾ بأنه إنما أتى بتلك المعصية لاستيلاء الشهوة والغضب والجهالة عليه ﴿ حكيماً ﴾ يجب في كرمه قبول توبتة العبد إذا تاب من قريب.
قال المحققون: قرب الموت وهو وقوعه في الشدائد بحيث يغلب على ظنه نزول الموت كما في القولنج، وفي حالة الطلق، وعند تلاطم الأمواج مع انكسار السفينة لا يمنع من قبول التوبة، بل التوبة حينئذٍ أولى بالقبول لقوله: ﴿ أمن يجيب المضطر إذا دعاه ﴾ وإنما المانع من قبوله معاينة سلطان الموت ومشاهدة أحواله وأهواله بحيث تصير معرفته بالله ضرورية كما لأهل الآخرة، وحينئذٍ يسقط التكليف عنه إذ لم يبق في يده زمام الاختيار، وأفضى الأمر إلى حد الإلجاء والإجبار.
وههنا بحث للأشاعرة وهو أن أهل القيامة لا يشاهدون إلا أنهم صاروا أحياء بعد أن كانوا أمواتاً، ويشاهدون أيضاً أهوال القيامة فيستدلون بها على وجود الفاعل، فكيف يكون ذلك العلم ضرورياً؟
وبتقدير كونه ضرورياً فلم يمنع ذلك صحة التكليف؟
وذلك أن العبد مع علمه الضروري بوجود الإله المثيب المعاقب قد يقدم على المعصية لعلمه بأنه كريم وأنه لا تنفعه طاعة العبد ولا يضره ذنبه وأيضا العلم النظري هو الذي لا يكون معه تجويز نقيضه، وعلى هذا فلا فرق بينه وبين الضروري ألبتة، وعلى هذا فكيف يصير النظري موجباً للتكليف، والضروري مانعاً من التكليف؟
فثبت ضعف هذا الفرق، وأنه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، فهو بفضله وعد وقبل التوبة في بعض الأوقات، وبعدله أخبر عن عدم قبول التوبة في وقت آخر، وله أن يقلب الأمر فيجعل المقبول مردوداً والمردود مقبولاً ﴿ لا يسأل عما يفعل وهم يسألون ﴾ وأقول: التحقيق فيه أنه مالك الملك يتصرف في ملكه كيف يشاء، وقوله صدق وأمره حق، وقد عين لعبيده حالين: دنيا وعقبى.
وقد أخبر أنه جعل الدنيا دار العمل، والعقبة دار الجزاء، وليس لأحد عليه اعتراض أنه لم يعكس الأمر.
ثم إن لليقين مراتب: علم اليقين، وعين اليقين، وحق اليقين، وليس ببعيد أن لا يكون عليم اليقين منافياً للتكليف، ويكون عين اليقين منافياً له.
ثم عطف قوله: ﴿ ولا الذين يموتون ﴾ على ﴿ للذين يعملون السيئات ﴾ تسوية بين الذين سوّفوا توبتهم إلى حضرة الموت، وبين الذين ماتوا على الكفر في أنه لا توبة لهم لأن حضرة الموت أوّل أحوال الآخرة، فكما إن المائت على الكفر قد فاتته التوبة على اليقين، فكذلك المسوّف إلى حضرة الموت لمجاوزة كل منهما الحد المضروب للتوبة.
أو المعنى أنه كما أن التوبة عن المعاصي لا تقبل عند القرب من الموت، كذلك الإيمان لا يقبل عند القريب من الموت، أو المراد أن الكفار إذا ماتوا على الكفر فلو تابوا في الآخرة لا تقبل توبتهم.
﴿ أولئك أعتدنا لهم ﴾ أي أعددنا الوعيد نظير قوله: ﴿ فأولئك يتوب الله عليهم ﴾ في الوعد ليتبين أن الأمرين كائنان لا محالة.
قالت الوعيدية: المعطوف مغاير للمعطوف عليه.
لكن الطائفة الثانية كفار فالأوّلون فساق لكنهما مشتركان في العذاب الأليم، فثبت أن حكمهما واحد.
وأجيب بأن ﴿ أولئك ﴾ إشارة إلى أقرب المذكورين، ويعضده أن الكفار أشنع قولاً من الفساق، أو الطائفة الأولى هم الذين عاشوا على الكفر ثم تابوا في حضرة الموت كفرعون، والثانية هم الذين عاشوا على الكفر وماتوا عليه كنمرود مثلاً.
/ قوله : ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهاً ﴾ من ههنا شروع في النهي عما كانوا عليه في الجاهلية من إيذاء النساء بصنوف من العذاب وضروب من البلاء وذلك أنواع: الأول قوله: ﴿ لا يحل لكم أن ترثوا ﴾ وفيه قولان: أحدهما الوراثة تعود إلى المال أي لا يحل لكم أن تمسكوهن حتى ترثون أموالهن وهن كارهات لإمساككم، وثانيهما أنها ترجع إلى أعيانهن.
وكانوا إذا مات الرجل وله امرأة جاء ابنه من غيرها أو بعض أقاربه فألقى ثوبه عليها وقال: ورثت امرأته كما ورثت ماله.
فصار أحق بها من نفسها ومن غيره، فإن شاء تزوّجها بغير صداق إلا الصداق الأوّل الذي أصدقها الميت، وإن شاء زوّجها من إنسان آخر وأخذ صداقها ولم يعطها منه شيئاً فنزلت.
النوع الثاني: ﴿ ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن ﴾ قال أكثر المفسرين: كان الرجل منهم يكره زوجته ويريد مفارقتها فيسيء العشرة معها ويضيق الأمر عليها حتى تفتدي منه بمالها وتختلع فنهوا عن ذلك.
وقيل: إنه خطاب للوراث بأن يترك منعها من التزوّج بمن شاءت وأرادت لتبذل امرأة الميت ما أخذت من الميراث كما كان يفعله أهل الجاهلية.
وقيل: إنه نهي للأولياء عن عضل المرأة، أو للأزواج كما مر في سورة البقرة.
قال في الكشاف: إعراب ﴿ تعضلوهن ﴾ النصب عطفاً على ﴿ أن ترثوا ﴾ ولا لتأكيد النفي.
قلت: الظاهر أنه النهي لعطف الأمر وهو قوله: ﴿ وعاشروهن ﴾ عليه وصاحب الكشاف نظر إلى ما قبله وذهل عما بعده ﴿ إلا أن يأتين بفاحشة مبينة ﴾ من قرأ بالفتح فلأن الفاحشة لا فعل لها في الحقيقة وإنما الله هو الذي بينها، أو الشهود الأربعة هم بينوها.
ومن قرأ بالكسر فلأنها إذا تبينت وظهرت صارت أسباباً للبيان كقوله: ﴿ إنهن أضللن كثيراً من الناس ﴾ لما صرن أسباباً للضلال.
ثم إنه استثناء مماذا؟
قيل: من أخذ المال أي لا يحل له أن يحبسها ضراراً لتفتدي إلا إذا زنت فحينئذٍ حل لزوجها أن يسألها الخلع.
وكان الرجل إذا أصابت امرأته فاحشة أخذ منها ما ساق إليها وأخرجها.
وقيل: استثناء من العضل نهوا عن حبسهن في بيوت الأولياء والأزواج إلا بعد وجود الفاحشة.
ومن هؤلاء القائلين من زعم أن هذا الحكم منسوخ بآية الجلد.
وقيل: الفاحشة هي النشوز وشكاسة الخلق أي إلا أن يكون سوء العشرة من جهتهن فإنهم معذورون حينئذٍ في طلب الخلع.
النوع الثالث من التكاليف المتعلقة بأحوال النساء ﴿ وعاشروهن بالمعروف ﴾ وهو الإجمال في القول والإنصاف في المبيت والنفقة ﴿ فإن كرهتموهن ﴾ ورغبتم في فراقهن ﴿ فعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً ﴾ فههنا قد يميل طبعكم إلى المفارقة ويكون الخير في الاستمرار على المواصلة، منه الثناء في الدنيا بحسن الوفاء وكرم الخلق، ومنه الثواب في العقبى بالصبر على خلاف الهوى، ومنه حصول / ولد نجيب ومال كثير لليمن في صحبتها، قال : " الشؤم في المرأة والفرس والدار" وقيل: المعنى إن رغبتم في مفارقتهن فربما جعل الله في تلك المفارقة لهن خيراً كثيراً بأن تتخلص من زوج سيىء العشرة وتجد زوجاً آخر أوفق منه.
النوع الرابع من التكليف ﴿ وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج ﴾ وذلك أنه لما أذن في مضارتهن إذا أتين بفاحشة بين تحريم الضرار في غير حالة الفاحشة.
يروى أن الرجل منهم كان إذا مال إلى التزوج بامرأة أخرى رمى زوجته الأولى بالفاحشة حتى يلجئها إلى الافتداء منه بما أعطاها ليصرفه إلى تزوّج المرأة روي يريدها فنهوا عنه.
والقنطار المال العظيم, وفيه دليل على جواز المغالاة في المهر.
روي أن عمر قال على المنبر: ألا لا تغالوا في مهور نسائكم.
فقامت امرأة وقالت: يا ابن الخطاب، الله يعطينا وأنت تمنع وتلت هذه الآية.
فقال عمر: كل الناس أفقه من عمر ورجع عن ذلك.
ويحتمل أن يقال: ذكر إيتاء القنطار وارد على سبيل المبالغة والفرض لا الرخصة.
وهو في موضع الحال أي وقد آتيتم.
ومعنى الإيتاء الالتزام ووقوع العقد عليه سواء أدّى المال إليها أم لا.
واعلم أن النشوز إن كان من قبل الزوجة حل أخذ مال الخلع، وإن كان من قبل الزوج لم يحل إلا أنه يفيد الملك لو خالع، كما أن البيع وقت النداء منهي عنه، ثم إنه يفيد الملك.
﴿ أتأخذونه ﴾ استفهام بطريق الإنكار ﴿ بهتاناً ﴾ وهو أن يستقبل الرجل بأمر قبيح يقذفه به وهو بريء منه لأنه يبهت عند ذلك أي يتحير.
وفي الحديث " "إذا واجهت أخاك بما ليس فيه فقد بهته " وهو مصدر في موضع الحال أي باهتين وآثمين، أو على أنه مفعول له مثل: قعدت جبناً.
وقيل: بنزع الخافض أي ببهتان.
وقيل: بمضمر أي تصيبون بهتاناً.
وسبب تسيمة هذا الأخذ بهتاناً أنه فرض لها ذلك المهر فمن استردّه فكأنه يقول ليس ذلك بفرض فيكون بهتاناً، أو أنه عند العقد تكفل بتسليم ذلك المهر إليها وأن لا يأخذه منها فإذا أخذه منها صار القول الأوّل بهتاناً أي باطلاً، أو كان من عادتهم أنهم إذا أرادوا تطليق الزوجة رموها بفاحشة حتى تفتدي، فلما كان هذا الأمر واقعاً على هذا الوجه في الأغلب سيق الكلام على ذلك.
وبالحقيقة أن أخذ هذا المال طعن في ذاتها من حيث إنه مشعر بأنها قد أتت بفاحشة وقبض على مالها فهو بهتان من وجه وظلم من وجه آخر.
وقيل: المراد عقاب البهتان والإثم كقوله: ﴿ إنما يأكلون في بطونهم ناراً ﴾ ثم عجب من الأخذ مستفهماً فقال: ﴿ وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض ﴾ عن ابن عباس ومجاهد والسدي واختاره الزجاج وابن قتيبة وإليه ذهب الشافعي أن المراد بالإفضاء الجماع إذ الفضاء الساحة ويقال: أفضيت إذا خرجت إلى الفضاء.
وهذا المعنى إنما يحصل في الحقيقة عند الجماع.
وقيل: الإفضاء أن يخلو بها وإن لم يجامعها وهو قول الكلبي واختاره الفراء، ويوافقه مذهب أبي حنيفة أن الخلوة الصحيحة تقرر المهر.
ورجح مذهب الشافعي بأن الكلام ورد في معرض التعجب وهو إنما يتم إذا كان هذا الإفضاء سبباً قريباً في حصول الألفة والمودّة وذلك هو الجماع لا مجرد الخلوة، وأيضاً الإفضاء لا بد أن يكون مفسراً بفعل ينتهي منه إليها لأن كلمة "إلى" لانتهاء الغاية، ومجرد الخلوة ليس كذلك إذا لم يحصل فعل من أفعال أحدهما إلى الآخر.
فإن قيل: على هذا يجب أن يكون التلامس والاضطجاع في لحاف واحد كافياً في تحقيق الإفضاء، وأنتم لا تقولون به؟
فالجواب أنه باطل بالإجماع إذ القائل قائلان: قائل بتفسير الإفضاء بالجماع، وقائل بتفسيره بمجرد الخلوة.
وأيضاً الشرع قد علق تقرر المهر بتحقيق الإفضاء، وقد اشتبه معناه أنه الخلوة أو الجماع فوجب الرجوع إلى ما قبل زمان الخلوة.
ومقتضى ذلك عدم تقرر المهر.
ثم أكد المنع من استرداد المهر بقوله: ﴿ وأخذن منكم ميثاقاً غليظاً ﴾ قال السدي وعكرمة والفراء: هو قولكم زوّجتك هذه المرأة على ما أخذ الله للنساء على الرجال من إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان.
ومعلوم أنه إذا ألجأها إلى أن بذلت المهر فقد سرحها بالإساءة.
وقال ابن عباس ومجاهد: الميثاق الغليظ كلمة النكاح المعقودة على الصداق وإليها أشار في الحديث: " "واستحللتم فروجهن بكلمة الله " وقال آخرون: أخذن منكم بسبب إفضاء بعضكم إلى بعض ميثاقاً غليظاً وصفه بالغلظ لقوّته قد قالوا: صحبة عشرين يوماً قرابة فكيف بما يجري بين الزوجين من الاتحاد والامتزاج؟
النوع الخامس من التكاليف المتعلقة بأمور النساء قوله: ﴿ ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم ﴾ قال ابن عباس وجمهور المفسرين: كان أهل الجاهلية يتزوجون بأزواج آبائهم فنهوا عن ذلك.
وههنا مسألة خلافية قال أبو حنيفة: يحرم على الرجل أن يتزوج بمزنية أبيه، وقال الشافعي: لا يحرم.
حجة أبي حنيفة أن النكاح عبارة عن الوطء لقوله: ﴿ حتى تنكح زوجاً غيره ﴾ وبالاتفاق / لا يحصل التحليل بمجرد العقد.
ولقوله: ﴿ وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح ﴾ اي الوطء لأن أهلية العقد حاصلة أبداً.
ولقوله: ﴿ الزاني لا ينكح إلا زانية ﴾ ولقوله : " "ناكح اليد ملعون " فيدخل في الآية المزنية لأنها منكوحة أي موطوأة.
وعورض بالآيات الدالة على أن النكاح هو العقد كقوله: ﴿ وأنكحوا الأيامى منكم ﴾ ﴿ فانكحوا ما طاب لكم من النساء ﴾ وبقوله : " النكاح سنتي" ولا شك أن الوطء من حيث إنه وطء ليس سنة له.
وبقوله: " "ولدت من نكاح لا من سفاح " وبأن من حلف في أولاد الزنا إنهم ليسوا من أولاد النكاح لم يحنث.
سلمنا أن الوطء سمي بالنكاح لكن العقد أيضاً مسمى به، فلم كان حمل الآية على ما ذكره أولى من حملها على ما ذكرنا مع إجماع المفسرين على أن سبب نزول الآية هو العقد لا الوطء؟
قالوا: حقيقة في الوطء مجاز في العقد لأنه في اللغة الضم، وهذا المعنى حاصل في الوطء لا في العقد.
وإنما أطلق النكاح على العقد إطلاقاً لاسم المسبب على السبب، والحمل على الحقيقة أولى أو مشترك بينهما.
ويجوز استعماله في مفهوميه معاً، فتكون الآية نهياً عن الوطء وعن العقد معاً، أو لا يجوز استعماله في المفهومين فيكون نهياً عن القدر المشترك بينهما وهو الضم.
والنهي عن المشترك يكون نهياً عن القسمين، فإن النهي عن التلوين يكون نهياً عن التسويد والتبييض لا محالة، وأجيب بأنه خلاف إجماع المفسرين، وبأن استعمال اللفظ المشترك في كلا مفهوميه غير جائز، وبأن معنى الضم لا يتصوّر في العقد.
سلمنا أن النكاح بمعنى الوطء ولكن ما في قوله: ﴿ ما نكح ﴾ لا نسلم أنها موصولة لأنها حقيقة في غير العقلاء وإنما هي مصدرية والتقدير: ولا تنكحوا نكاح آبائكم فإن أنكحتهم كانت بغير ولي وشهود وكانت مرفية ومهرية فنهوا عن مثل هذه الأنكحة.
قال محمد بن جرير الطبري.
سلمنا أن المراد لا تنكحوا من نكح آباؤكم ولكنا لا نسلم أن "من" تفيد العموم وإذا لم تفد العموم لم تتناول محل النزاع.
لكن لم قلتم إن النهي للتحريم لا للتنزيه؟
سلمنا أن النهي للتحريم لكن لا نسلم أنه غير صحيح لأن النهي عندكم لا يدل على الفاسد كما في البيع الفاسد وفي صوم يوم النحر.
وإذا كان منعقداً صحيحاً.
ثم إنا نستدل على جواز نكاح مزنية الأب بقوله تعالى: ﴿ ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ﴾ نهى عن نكاحهن إلى غاية نفي إيمانهن، وهذا يقتضي جواز نكاحهن بعد تلك الغاية على الإطلاق مزنية كانت أو غيرها، إلا ماأخرجه الدليل، وهكذا سائر العمومات كقوله: ﴿ وأحل لكم ما وراء ذلكم ﴾ وكقوله " إذا جاءكم من ترضون دينه فزوّجوه" " وقوله: " زوّجوا أبناءكم / الأكفاء" وبقوله : " الحرام لا يحرّم الحلال" ودخول التخصيص فيه بما لو وقع قطرة من الخمر في إناء من الماء فتحرمه لا يمنع من الاستدلال به في غيره، وقد ناظر الشافعي محمد بن الحسن في هذه المسألة فوقع ختم الكلام على قول الشافعي وطء حدت به ووطء رجمت به فكيف يشتبهان؟
أما قوله : ﴿ إلا ما قد سلف ﴾ فللمفسرين فيه وجوه: أحسنها ما ذكره السيد صاحب حل العقد أنه على طريق المعنى.
فإن النهي يدل على المؤاخذة بارتكاب المنهي عنه فكأنه قيل: انتم مؤاخذون بنكاح ما نكح آباؤكم إلا ما قد سلف قبل نزول آية التحريم فإنه معفوّ عنه.
وقال في الكشاف: هذا كما استثنى "غير أن سيوفهم" من قوله: "ولا عيب فيهم" يعني إن أمكنكم أن تنكحوا ما قد سلف فانكحوه فإنه لا يحل لكم غيره وذلك غير ممكن.
والغرض المبالغة في تحريمه كقوله: ﴿ حتى يلج الجمل في سم الخياط ﴾ وقولهم: حتى يبيض القار.
وقيل: استثناء منقطع لأنه لا يجوز استثناء الماضي من المستقبل.
والمعنى لكن ما قد سلف فإن الله قد تجاوز عنه.
وقيل: "إلا" بمعنى"بعد" كقوله: ﴿ لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى ﴾ أي بعد موتتهم الأولى.
وقيل: إلا ما قد سلف فإنكم مقرّون عليه.
قالوا: إنه أقرهم عليهن مدة ثم أمر بمفارقتهن وإنما فعل ذلك ليكون صرفهم عن هذه العادة على سبيل التدريج.
وزيف بعضهم هذا القول وقال ما أقرّ أحداً على نكاح امرأة أبيه وإن كان في الجاهلية.
وروي "أنه بعث أبا بردة إلى رجل عرّس بامرأة أبيه ليقتله ويأخذ ماله" إنه أي إن هذا النكاح كان قبل النهي فاحشة، أعلم الله أن هذا الفعل كان أبداً ممقوتاً عند العرب، وهذا النكاح بعد النهي فاحشة في الإسلام لأنه كان في علم الله وحكمه موصوفاً بهذا الوصف، والمقت عبارة عن بغض مقرون باستحقار.
حصل ذلك بسبب أمر قبيح ارتكبه صاحبه، وهو من الله في حق العبد يدل على غاية الخزي والخسار.
قال بعضهم: مراتب القبح ثلاث: في العقول وفي الشرع وفي العادة.
فالفاحشة إشارة إلى القبح العقلي لأن زوجة الأب تشبه الأم، والمقت إشارة إلى القبح الشرعي.
﴿ وساء سبيلاً ﴾ إشارة إلى القبح العادي وساء فعل ذم وفاعله ضمير مبهم يفسره المنصوب بعده والله أعلم.
التأويل: الوراثة الدينية أيضاً سبب ونسب.
فالسبب هو الإرادة بلبس خرقة المشايخ والتشبه بهم، والنسب هو الصحبة معهم بالتسليم لتصرفات ولا يتهم ظاهراً وباطناً مستسلماً لأحكام التسليل والتربية ليتولد السالك بالنشأة الثانية من صلب ولايتهم.
ومن هنا قال : / " الأنبياء إخوة من علات أمهاتهم شتى ودينهم واحد " وإنما يتوارث أهل الدين على قدر تعلقاتهم السببية والنسبية والذكورة والأنوثة في الجدّ والاجتهاد وحسن الاستعداد وبتوارثهم العلوم الدينية واللدنية كقوله : " العلماء ورثة الأنبياء " وقول موسى للخضر ﴿ هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشداً ﴾ ﴿ واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم ﴾ هي النفوس الأمارات بالسوء ﴿ فاستشهدوا عليهم أربعة منكم ﴾ أي من خواص العناصر الأربعة التي أنتم منها مركبون وهي التراب ومن خواصه الخسة والذلة، والماء ومن خواصه اللين والأنوثة والشرة، والهواء ومن خواصه الحرص والحسد والبخل والشهوة، والنار ومن خواصها الكبر والغضب وحب الرياسة ﴿ فإن شهدوا ﴾ بأن يظهر بعض هذه الصفات من النفوس ﴿ فأمسكوهن في البيوت ﴾ في سجن الدينا وأغلقوا عليهم أبواب الحواس الخمس حتى تموت النفس بالانقطاع عن حظوظها دون حقوقها ﴿ أو يجعل الله لهن سبيلاً ﴾ بانفتاح روزنة القلوب إلى عالم الغيب ﴿ واللذان يأتيانها ﴾ أي النفس والقالب يأتيان من الفواحش ظاهراً في الأعمال وباطناً في الأحوال والأخلاق ﴿ فأذوهما ﴾ ظاهراً بالحدود وباطناً بالرياضات وترك الحظوظ ﴿ فأعرضوا عنهما ﴾ باللطف بعد العنف، وباليسر بعد العسر ﴿ بجهالة ﴾ أي بصفة الجهولية وهي داخلة في الظلومية لأن لا ظلومية تقتضي المعصية والإصرار عليها، والجهولية تقتضي المعصية فحسب.
فالعمل السوء إذا كان مصدره الجهولية فحسب يكون على عقيبة التوبة كما قال: ﴿ ثم يتوبون من قريب ﴾ أي عقيب المعصية.
قال : " أتبع السيئة السنة تمحها" " والحسنة التوبة.
ويحتمل أن يقال: من قريب أي قبل أن يموت القلب بالإصرار فإن الله لا يقبل التوبة من قلب ميت لأنها تكون اضطرارية باللسان لا اختيارية بالجنان ﴿ ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم ﴾ فيه إشارة إلى النهي عن التصرف في السفليات التي هي الأمهات المتصرفة فيها آباؤكم العلوية ﴿ إلا ما قد سلف ﴾ من التدبير الإلهي في ازدواج الأرواح لضرورة اكتساب الكمالات، فإن الركون إلى العالم السفلي يوجب مقت الحق والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنْ أَرَدْتُّمُ ٱسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً ﴾ والقنطار: قيل: مائة رطل.
وقيل في حرف ابن مسعود: "قنطاراً من الذهب".
وعن ابن عباس - - قال: إن كرهت امرأتك أو أعجبتك غيرها؛ فطلقت هذه وتزوجت تلك، فأعط هذه مهرها وإن كان قنطاراً.
والقنطار: اثنا عشر ألف درهم، أو ألف دينار.
وقيل: القنطار ألف ومائتا دينار، فهذا على التمثيل، ليس على التقدير، ووجه النهي والوعيد في ذلك - والله أعلم - ما روي عن رسول الله أنه قال: "إِنَّ النِّسَاءَ عِنْدَكُمْ عَوَانٍ، اتَّخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ اللهِ - تَعَالَى - وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ تَعَالَى" فوعد - عز وجل - الأزواج في غير آي من القرآن عن أخذ مهور النساء وغيرها من الأموال؛ لضعفهن في أنفسهن، والرجال هم القوامون عليهن؛ لئلا يبسط الأزواج في أموالهن؛ إشفاقاً عليهن، أو لما إذا أخذ منها مهرها تبقى تلك المنفعة بلا بدل، وذلك زنا؛ وعلى هذا يجيء ألا يجوز له أن يخلطها؛ لأنه إذا أخذ منها مهرها بقيت له المنفعة بلا بدل، لكنه أجيز له ذلك؛ لأنه تقلب في الملك، وكل من تقلب في ملكه ببدل يأخذه جاز له ذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً ﴾ .
قيل: ظلماً بغير حق.
وقيل: إذا أراد طلاقها لا يضارها بكذب لتفتدي منه مهرها.
﴿ وَإِثْماً مُّبِيناً ﴾ : ويحتمل أن يكون البهتان والإثم واحداً.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ ﴾ .
قيل: الإفضاء: هو الجماع.
والأشبه أن يكون الإفضاء: الاجتماع؛ لأنه أضاف إليهما جميعاً، فهو بالاجتماع أشبه وإليه أقرب؛ فيجب المهر بالاجتماع والخلوة بها، والجماع فعل الزوج، يضاف إليه خاصة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقاً غَلِيظاً ﴾ .
قيل: عقدة النكاح.
وقيل: هو ما ذكرنا في قوله - -: ﴿ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَٰنٍ ﴾ .
وقيل: الميثاق الغليظ ما ذكر أن النبي كان يقول: "اتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ؛ فَإِنَّكُمْ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمُوهُنَّ بِأمَانَةِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلمِةَ اللهِ، وَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٍ لاَ يَمْلِكْنَ مِنْ أَمْرِهِنَّ شَيْئاً" وقال النبي : "يَأَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقّاً، وَإِنَّ لَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقّاً، وَإِنَّ مِنْ حِقِّكُمْ عَلَيهِنَّ أَلاَّ يُوطِئنَّ فُرُشَكُمْ، وَلاَ يَأْذَنَّ فِي بُيُوتِكُمْ لأِحَدٍ تَكْرَهُونَهُ، وَلاَ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مبُيَنِّةٍ، فَإِنْ هُنَّ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَقَدْ أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ أَنْ تَضْرِبُوهُنَّ ضَرْباً غَيْرَ مُبَرِّحٍ - يعني: غير شائن - وَإِنَّ مِنْ حَقِّهِنَّ عَلَيْكُمُ الكُسْوَةَ والنَّفَقَةَ بِالْمَعْرُِوفِ" وقيل: "إن رجلا سأل رسول الله : ماذا يحل لنا من نسائنا؟
وما يحرك علينا منهم؟
فقال رسول الله : حَرْثُكَ، فَأْتِهِ أَنَّى شِئْتَ، وَلاَ تَضْرِبِ الوَجْهَ، وَلاَ تُقَبِّحْهُ، وَلاَ تَهْجُرْهَا إِلاَّ فِي بَيْتِهَا، وَأَطْعِمْهَا إِذَا أَكَلْتَ، وَاكْسُهَا إِذَا اكْتَسَيْتَ" وقيل: الميثاق الغليظ: ما أقروا به من قول الله: ﴿ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ ﴾ حرم - الله - على الأبناء نكاح نساء الآباء، وذلك أنهم كانوا يعملون في الجاهلية ما قيل في القصة: أن أبا قيس توفي فعمد ابنه - يقال له: محصن - فتزوج امرأة أبيه، فنهي الله - - عن ذلك، فقال - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ ﴾ .
وقيل: إن رجلاً من أصحاب رسول الله خرج سالاً سيفه؛ فقيل له: ما شأنك؟
فقال: إن رجلاً تزوج بامرأة أبيه، فهذا إذا تزوجها مستحلاً لها، فهو يكفر لذلك: كأن قصد قتله؛ وكذلك حرم الله - وتعالى - على الآباء نكاح نساء الأبناء بقوله - -: ﴿ وَحَلَٰئِلُ أَبْنَائِكُمُ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتاً ﴾ : أي: إنكم إذا انتهيتم عن ذلك في الائتناف يغفر لكم ما قد سلف، وإن كان فاحشة.
وقيل: ﴿ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ ﴾ قبل: التحريم.
﴿ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً ﴾ أي: صار فاحشة في الإسلام: ﴿ وَمَقْتاً ﴾ قيل: بغضاً.
﴿ وَسَآءَ سَبِيلاً ﴾ أي: بئس المسلك تزوج نساء الآباء.
ويحتمل أن تكون الآية في الطلاق؛ إذ كان الرجل يطلق امرأته ثمّ يندم على طلاقها، فيتزوجها ابنه، فيمقت ذلك الأب ويبغض.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَسَآءَ سَبِيلاً ﴾ : أي: بئس السبيل نكاح امرأة أبيه، حيث مقت أبيه وبئس مقت أبيه المسلك.
<div class="verse-tafsir"
ولا تنزوَّجوا ما تزوجه آباؤكم من النساء؛ فإن ذلك محرَّم، إلا ما سبق من ذلك قبل الإسلام فلا مؤاخذة عليه، ذلك أن تزوج الأبناء من زوجات آبائهم أمر يعظم قُبْحُه، وسبب غضب الله على فاعله، وساء طريقًا لمن سلكها.
<div class="verse-tafsir" id="91.OOBqX"
﴿ وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آَبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ ﴾ : إن النكاح له إطلاقان يطلق على عقد الزوجية وعلى ما وراء العقد وما يقصد به، أي على مجموعهما وهو المراد هناك، وقد صرح الفقهاء بأنه يطلق على العقد وعلى الوطء واختلفوا في أي من الإطلاقين هو الحقيقي وأيهما المجازي.
والظاهر أنه لا يطلق شرعًا على الوطء من غير عقد وإنما كمال معناه الشرعي العقد وما وراءه كما قلنا وقد يطلق على العقد وحده وهو الذي تمكن معرفته وتبنى عليه الأحكام في الغالب بخلاف ما قاله الحنفية من أن حقيقته الوطء.
﴿ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ : إن هذا النكاح وإن كان سبيلًا مسلوكًا إلا أنه سبيل سيء لم يزده السير فيه إلا قبحًا ومقتًا.
﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ ﴾ الآية.
إن الله تعالى جعل بين الناس ضروبًا من الصلة يتراحمون بها ويتعاونون على دفع المضار وجلب المنافع، وأقوى هذه الصلات صلة القرابة وصلة الصهر، ولكل واحدة من هاتين الصلتين درجات متفاوتة، فأما صلة القرابة فأقواها ما يكون بين الأولاد والوالدين من العاطفة والأريحية، فمن اكتنه السر في عطف الأب على ولده يجد في نفسه داعية فطرية تدفعه إلى العناية بتربيته إلى أن يكون رجلًا مثله، فهو ينظر إليه كنظره إلى بعض أعضائه، ويعتمد عليه في مستقبل أيامه، ويجد في نفس الوالد شعورًا بأن أباه كان منشأ وجوده وممد حياته، وقوام تأديبه وعنوان شرفه، وبهذا الشعور يحترم الابن أباه، وبتلك الرحمة والأريحية يعطف الأب على ابنه ويساعده.
وأما الإخوة والأخوات فالصلة بينهما تشبه الصلة بين الوالدين والأولاد من حيث أنهم كأعضاء الجسم الواحد، فإن الأخ والأخت من أصل واحد يستويان في النسبة إليه من غير تفاوت بينهما، ثم إنهما ينشآن في حجر واحد على طريقة واحدة في الغالب، وعاطفة الأخوة بينهما متكافئة، ليست أقوى في أحدهما منها في الآخر كقوة عاطفة الأمومة والأبوة على عاطفة البنوة، فلهذه الأسباب يكون أنس أحدهما بالآخر أنس مساواة لا يضاهيه أنس آخر، إذ لا يوجد بين البشر صلة أخرى فيها هذا النوع من المساواة الكاملة، وعواطف الود والثقة المتبادلة.
ويحكى أن امرأة شفعت عند الحجاج في زوجها وابنها وأخيها، وكان يريد قتلهم، فشفعها في واحد مُبهم منهم، وأمرها أن تختار من يبقى، فاختارت أخاها، فسألها عن سبب ذلك فقالت: إن الأخ لا عوض عنه وقد مات الوالدان، وأما الزوج والولد فيمكن الاعتياض عنهما بمثلهما، فأعجبه هذا الجواب وعفا عن الثلاثة، وقال: لو اختارت الزوج لما أبقى لها أحدًا.
وجملة القول أن صلة الأخوة صلة فطرية قوية، وإن الإخوة والأخوات لا يشتهي بعضهم التمتع ببعض، لأن عاطفة الأخوة تكون هي المسئولية على النفس، بحيث لا يبقى لسواها موضع ما سلمت الفطرة، فقضت حكمة الشريعة بتحريم نكاح الأخت حتى لا يكون لمعتلي الفطرة منفذ لاستبدال داعية الشهوة بعاطفة الأخوة.
وأما العمات والخالات فهن من طينة الأب والأم، وفي الحديث: "عم الرجل صنو أبيه" أي هما كالصنوان يخرجان من أصل النخلة، وتقدم هذا في تفسير ﴿ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آَبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ ﴾ فعدوا إسماعيل من آبائه لأنه أخ لإسحاق، فكأنه هو.
ولهذا المعنى- الذي كانت به صلة العمومة من صلة الأبوة، وصلة الخؤولة من صلة الأمومة- قالوا: إن تحريم الجدات مندرج في تحريم الأمهات وداخل فيه، فكان من محاسن دين الفطرة المحافظة على عاطفة صلة العمومة والخؤولة والتراحم والتعاون بها، وأن لا تنزو الشهوة عليها، وذلك بتحريم نكاح العمات والخالات.
وأما بنات الأخ وبنات الأخت فهما من الإنسان بمنزلة بناته من حيث إن أخاه وأخته كنفسه، وصاحب الفطرة السليمة يجد لهما هذه العاطفة من نفسه، وكذا صاحب الفطرة السقيمة، إلا أن عاطفة هذا تكون سقيمة.
نعم إن عطف الرجل على بنته يكون أقوى، لكونها بضعة منه، نمت وترعرت بعنايته ورعايته، وأنسه بأخيه وأخته يكون أقوى من أنسه ببناتهما، كما تقدم.
وأما الفرق بين العمات والخالات، وبين بنات الإخوة والأخوات، فهو أن الحب لهؤلاء حب عطف وحنان، والحب لأولئك حب تكريم واحترام، فهما من حيث البعد عن مواقع الشهوة متكافئان، وإنما قدم في النظم الكريم ذكر العمات والخالات لأن الإدلاء بهما من الآباء والأمهات، فصلتهما أشرف وأعلى من صلة الإخوة والأخوات.
هذه هي أنواع القرابة القريبة التي يتراحم الناس بها ويتعاطفون، ويتوادون ويتعاونون، بما جعل الله لها في النفوس من الحب والحنان، والعطف والاحترام، فحرم الله فيها النكاح لأجل أن تتوجه عاطفة الزوجية ومحبتها إلى من ضعفت الصلة الطبيعية أو النسبية بينهم كالغرباء والأجانب، والطبقات البعيدة من سلالات الأقارب، كأولاد الأعمام والعمات، والأخوال والخالات، وبذلك تتجدد بين البشر قرابة الصهر، التي تكون في المودة والرحمة كقرابة النسب، فتتسع دائرة المحبة والرحمة بين الناس، فهذه حكمة الشرع الروحية في محرمات القرابة.
<div class="verse-tafsir"