الإسلام > القرآن > سور > سورة 4 النساء > الآية ٣٠ من سورة النساء
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 132 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٣٠ من سورة النساء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
ولهذا قال الله تعالى : ( ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما ) أي : ومن يتعاطى ما نهاه الله عنه متعديا فيه ظالما في تعاطيه ، أي : عالما بتحريمه متجاسرا على انتهاكه ( فسوف نصليه نارا [ وكان ذلك على الله يسيرا ] ) وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد ، فليحذر منه كل عاقل لبيب ممن ألقى السمع وهو شهيد .
القول في تأويل قوله : وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (30) قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: " ومن يفعل ذلك عدوانًا ".
فقال بعضهم: معنى ذلك: ومن يقتل نفسه، بمعنى: ومن يقتل أخاه المؤمن =" عدوانًا وظلمًا فسوف نُصليه نارًا ".
*ذكر من قال ذلك: 9167 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: أرأيتَ قوله: " ومن يفعل ذلكُ عدْوانًا وظلمًا فسوف نُصليه نارًا "، في كل ذلك، أو في قوله: وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ؟
قال: بل في قوله: وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ .
* * * وقال آخرون: بل معنى ذلك: ومن يفعل ما حرَّمته عليه من أول هذه السورة إلى قوله: " ومن يفعل ذلك " = من نكاح من حَرّمت نكاحه، وتعدِّي حدوده، وأكل أموال الأيتام ظلمًا، وقتل النفس المحرّم قتلها ظلمًا بغير حق.
* * * وقال آخرون: بل معنى ذلك: ومن يأكل مالَ أخيه المسلم ظلمًا بغير طيب نفس منه، وَقَتل أخاه المؤمن ظلمًا، فسوف نصليه نارًا.
* * * قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: معناه: ومن يفعل ما حرّم الله عليه، من قوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا إلى قوله: " ومن يفعل ذلك "، من نكاح المحرمات، وعضل المحرَّم عضلُها من النساء، وأكل المال بالباطل، وقتل المحرّم قتله من المؤمنين= لأنّ كلّ ذلك مما وعد الله عليه أهلَه العقوبة.
* * * فإن قال قائل: فما منعك أن تجعل قوله: " ذلك "، معنيّا به جميع ما أوعدَ الله عليه العقوبة من أول السورة؟
قيل: منعني ذلك (39) أن كلّ فصْل من ذلك قد قُرِن بالوعيد، إلى قوله: أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ، (40) ولا ذكر للعقوبة من بعد ذلك على ما حرّم الله في الآي التي بعده إلى قوله: " فسوف نصليه نارًا ".
فكان قوله: " ومن يفعل ذلك "، معنيًّا به ما قلنا، مما لم يُقرَن بالوعيد، مع إجماع الجميع على أنّ الله تعالى قد توعد على كل ذلك = (41) أولى من أن يكون معنيًّا به ما سلف فيه الوعيد بالنهي مقرونًا قبل ذلك.
(42) * * * وأما قوله: " عدْوانًا "، فإنه يعني به تجاوزًا لما أباح الله له، إلى ما حرمه عليه =" وُظلمًا "، يعني: فعلا منه ذلك بغير ما أذن الله به، وركوبًا منه ما قد نهاه الله عنه (43) .
وقوله: " فسوف نُصليه نارًا "، يقول: فسوف نُورده نارًا يصلَى بها فيحترق فيها (44) =" وكان ذلك على الله يسيرًا "، يعني: وكان إصلاءُ فاعل ذلك النارَ وإحراقه بها، على الله سَهْلا يسيرًا، لأنه لا يقدر على الامتناع على ربه مما أراد به من سوء.
وإنما يصعب الوفاءُ بالوعيد لمن توعده، على من كان &; 8-232 &; إذا حاول الوفاءَ به قَدَر المتوعَّد من الامتناع منه.
فأما من كان في قبضة مُوعِده، فيسيرٌ عليه إمضاءُ حكمه فيه، والوفاءُ له بوعيده، غيرُ عسير عليه أمرٌ أراده به.
(45) ------------------- الهوامش : (39) في المطبوعة: "منع ذلك" ، والصواب من المخطوطة.
(40) آخر الآية الثامنة عشرة من سورة النساء.
(41) قوله: "أولى" خبر"كان" في قوله: "فكان قوله..." (42) هذه حجة واضحة ، وبرهان على حسن فهم أبي جعفر لمعاني القرآن ومقاصده.
ونهج صحيح في ربط آيات الكتاب المبين ، قل أن تظفر بمثله في غير هذا التفسير.
(43) انظر تفسير"العدوان" و"الظلم" فيما سلف من فهارس اللغة ، مادة"عدا" و"ظلم".
(44) انظر تفسير"الإصلاء" فيما سلف: 27-29.
(45) عند هذا الموضع ، انتهى الجزء السادس من مخطوطتنا ، وفي آخرها ما نصه: "نجز الجزء السادسُ من الكتاب ، بحمد الله تعالى وعونِه وحُسْنِ توفيقه.
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
يتلوه في الجزء السابع إن شاء الله تعالى: القول في تأويل قوله: { إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلا كَرِيمًا } "وكان الفراغُ منه في بعض شهور سنة خمس عشرة وسبعمئة ، أحسَنَ اللهُ تَقَضِّيها وخاتمتها ، في خير وعافية بمنّه وكرمِهِ.
غفر الله لِصاحبه ولكاتبه ولمؤلّفه ولجميع المسلمين.
الحمد لله ربّ العالمين".
ثم كتب كاتب تحته بخط مغربي ، ما نصه: "طالعه الفقير إليه سبحانه ، محمد بن محمود بن محمد بن حسين الجزائري الحنفي ، عفى عنهم بمنّه ، وأتمه بتاريخ ثاني شهر ربيع الأول من سنة تسع وثلاثين واثني عشر مئة.
وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله" وهذا الشيخ الجزائري الذي كتب هذه الخاتمة ، هو الذي مضت له تعليقة على مكان من التفسير ، أثبتها في مكانها في الجزء الخامس: 514 ، تعليق: 2.
ثم بدأ الجزء السابع من مخطوطتنا ، وأوله: بسم الله الرحمن الرحيم رب أعن
قوله تعالى : ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما فسوف نصليه نارا وكان ذلك على الله يسيرا ذلك إشارة إلى القتل ؛ لأنه أقرب مذكور ؛ قاله عطاء .
وقيل : هو عائد إلى أكل المال بالباطل وقتل النفس ؛ لأن النهي عنهما جاء متسقا مسرودا ، ثم ورد الوعيد حسب النهي .
وقيل : هو عام على كل ما نهى عنه من القضايا ، من أول السورة إلى قوله تعالى : ومن يفعل ذلك .
وقال الطبري : ذلك عائد على ما نهى عنه من آخر وعيد ، وذلك قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها لأن كل ما نهي عنه من أول السورة قرن به وعيد ، إلا من قوله : يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم فإنه لا وعيد بعده إلا قوله [ ص: 138 ] : ومن يفعل ذلك عدوانا .
والعدوان تجاوز الحد .
والظلم وضع الشيء في غير موضعه ، وقد تقدم .
وقيد الوعيد بذكر العدوان والظلم ليخرج منه فعل السهو والغلط ، وذكر العدوان والظلم مع تقارب معانيهما لاختلاف ألفاظهما ، وحسن ذلك في الكلام كما قال عدي بن زيد :فقددت الأديم لراهشه وألفى قولها كذبا وميناوحسن العطف لاختلاف اللفظين ؛ يقال : بعدا وسحقا ؛ ومنه قول يعقوب : إنما أشكو بثي وحزني إلى الله .
فحسن ذلك لاختلاف اللفظ .
ونصليه معناه نمسه حرها .
وقد بينا معنى الجمع بين هذه الآي وحديث أبي سعيد الخدري في العصاة وأهل الكبائر لمن أنفذ عليه الوعيد ؛ فلا معنى لإعادة ذلك .
وقرأ الأعمش والنخعي " نصليه " بفتح النون ، على أنه منقول من صلى نارا ، أي أصليته ؛ وفي الخبر " شاة مصلية " .
ومن ضم النون منقول بالهمزة ، مثل طعمت وأطعمت .
ثم قال: { وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ } أي: أكل الأموال بالباطل وقتل النفوس { عُدْوَانًا وَظُلْمًا } أي: لا جهلا ونسيانا { فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا } أي: عظيمة كما يفيده التنكير { وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا }
( ومن يفعل ذلك ) يعني : ما سبق ذكره من المحرمات ، ( عدوانا وظلما ) فالعدوان مجاوزة الحد ، والظلم وضع الشيء في غير موضعه ، ( فسوف نصليه ) ندخله في الآخرة ، ( نارا ) يصلى فيها ، ( وكان ذلك على الله يسيرا ) هينا .
«ومن يفعل ذلك» أي ما نُهي عنه «عُدوانا» تجاوزا للحلال حال «وظلما» تأكيد «فسوف نصليه» ندخله «نارا» يحترق فيها «وكان ذلك على الله يسيرا» هيِّنا.
ومن يرتكب ما نهى الله عنه من أخذ المال الحرام كالسرقة والغصب والغش معتديًا متجاوزًا حد الشرع، فسوف يدخله الله نارًا يقاسي حرَّها، وكان ذلك على الله يسيرًا.
ثم بين - سبحانه - سوء عاقبة من يفعل ما نها الله عنه فقال : ( وَمَن يَفْعَلْ ذلك عُدْوَاناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً وَكَانَ ذلك عَلَى الله يَسِيراً ) .واسم الإِشارة فى قوله ( وَمَن يَفْعَلْ ذلك ) يعود إلى المذكور من أكل الأموال بالباطل ومن القتل .
وقيل الإِشارة إلى القتل لأنه أقرب مذكور .والعدوان : مجاوزة الحد المشروع عن قصد وتعمد .والظم : وضع الشى فى غير موضعه .والمعنى : أن من يفعل ذلك المحرم حال كونه ذا عدوان وظلم عاقبه الله على ذلك عقابا شديدا فى الآخرة ، بإدخاله نارا هائلة محرقة ، وكان عقابه بهذا العذاب الهائل الشديد يسيرا على الله ، لأنه - سبحانه - لا يعجزه شئ .وجمع - سبحانه - بين العدوان والظلم ليشمل العذاب كل أحوال الارتكاب لمحارم الله ، وليخرج ما كان غير مقصود من الجرائم ، كمن يتلف مال غيره بدون قصد ، وكمن يقتل غيره بدون تعمد ، فإنه يكون ظالما وعليه دفع عوض معين للمستحق لذلك ، إلا أنه لا يكون مستحقا لهذا العذاب الشديد الذى توعد الله به من يرتكب هذه الجنايات عن عدوان وظلم .
اعلم أن في كيفية النظم وجيهن: الأول: أنه تعالى لما شرح كيفية التصرف في النفوس بسبب النكاح ذكر بعده كيفية التصرف في الأموال.
والثاني: قال القاضي: لما ذكر ابتغاء النكاح بالأموال وأمر بإيفاء المهور والنفقات، بين من بعد كيف التصرف في الأموال فقال: ﴿ يا أيها الذين ءامَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أموالكم بَيْنَكُمْ بالباطل ﴾ وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: أنه تعالى خص الأكل هاهنا بالذكر وإن كانت سائر التصرفات الواقعة على الوجه الباطل محرمة، لما أن المقصود الأعظم من الأموال: الأكل، ونظيره قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الذين يَأْكُلُونَ أموال اليتامى ظُلْماً ﴾ .
المسألة الثانية: ذكروا في تفسير الباطل وجهين: الأول: أنه اسم لكل ما لا يحل في الشرع، كالربا والغصب والسرقة والخيانة وشهادة الزور وأخذ المال باليمين الكاذبة وجحد الحق.
وعندي أن حمل الآية على هذا الوجه يقتضي كونها مجملة، لأنه يصير تقدير الآية: لا تأكلوا أموالكم التي جعلتموها بينكم بطريق غير مشروع، فان الطرق المشروعة لما لم تكن مذكورة هاهنا على التفصيل صارت الآية مجملة لا محالة.
والثاني: ما روي عن ابن عباس والحسن رضي الله عنهم: أن الباطل هو كل ما يؤخذ من الإنسان بغير عوض، وبهذا التقدير لا تكون الآية مجملة، لكن قال بعضهم: إنها منسوخة، قالوا: لما نزلت هذه الآية تحرج الناس من أن يأكلوا عند أحد شيئا، وشق ذلك على الخلق، فنسخه الله تعالى بقوله في سورة النور: ﴿ لَّيْسَ عَلَى الاعمى حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الاعرج حَرَجٌ وَلاَ عَلَى المريض حَرَجٌ وَلاَ على أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُواْ مِن بُيُوتِكُمْ ﴾ الآية.
وأيضا: ظاهر الآية إذا فسرنا الباطل بما ذكرناه، تحرم الصدقات والهبات، ويمكن أن يقال: هذا ليس بنسخ وإنما هو تخصيص، ولهذا روى الشعبي عن علقمة عن ابن مسعود أنه قال: هذه الآية محكمة ما نسخت، ولا تنسخ إلى يوم القيامة.
المسألة الثالثة: قوله تعالى: ﴿ لاَ تَأْكُلُواْ أموالكم بَيْنَكُمْ بالباطل ﴾ يدخل تحته أكل مال الغير بالباطل، وأكل مال نفسه بالباطل؛ لأن قوله: ﴿ أموالكم ﴾ يدخل فيه القسمان معا، كقوله: ﴿ وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ ﴾ يدل على النهي عن قتل غيره وعن قتل نفسه بالباطل.
أما أكل مال نفسه بالباطل.
فهو إنفاقه في معاصي الله، وأما أكل مال غيره بالباطل فقد عددناه.
ثم قال: ﴿ إِلاَّ أَن تَكُونَ تجارة عَن تَرَاضٍ مّنْكُمْ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ عاصم وحمزة والكسائي: ﴿ تجارة ﴾ بالنصب، والباقون بالرفع.
أما من نصب فعلى كان الناقصة، والتقدير: إلا أن تكون التجارة تجارة، وأما من رفع فعلى كان التامة، والتقدير: إلا أن توجد وتحصل تجارة.
وقال الواحدي: والاختيار الرفع، لأن من نصب أضمر التجارة فقال: تقديره إلا أن تكون التجارة تجارة، والاضمار قبل الذكر ليس بقوى وإن كان جائزا.
المسألة الثانية: قوله: ﴿ إِلا ﴾ فيه وجهان: الأول: أنه استثناء منقطع، لأن التجارة عن تراض ليس من جنس أكل المال بالباطل، فكان إلا هاهنا بمعنى بل والمعنى: لكن يحل أكله بالتجارة عن تراض.
الثاني: ان من الناس من قال: الاستثناء متصل وأضمر شيئاً، فقال التقدير: لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل، وإن تراضيتم كالربا وغيره، إلا أن تكون تجارة عن تراض.
واعلم أنه كما يحل المستفاد من التجارة، فقد يحل أيضاً المال المستفاد من الهبة والوصية والارث وأخذ الصدقات والمهر وأروش الجنايات، فان أسباب الملك كثيرة سوى التجارة.
فان قلنا: إن الاستثناء منقطع فلا إشكال، فانه تعالى ذكر هاهنا سبباً واحد، من أسباب الملك ولم يذكر سائرها، لا بالنفي ولا باثبات.
وإن قلنا: الاستثناء متصل كان ذلك حكما بأن غير التجارة لا يفيد الحل، وعند هذا لابد إما من النسخ أو التخصيص.
المسألة الثالثة: قال الشافعي رحمة الله عليه: النهي في المعاملات يدل على البطلان، وقال أبو حنيفة رضي الله عنه: لا يدل عليه، واحتج الشافعي على صحة قوله بوجوه: الأول: أن جميع الأموال مملوكة لله تعالى، فاذا أذن لبعض عبيده في بعض التصرفات كان ذلك جاريا مجرى ما إذا وكل الإنسان وكيلا في بعض التصرفات، ثم إن الوكيل إذا تصرف على خلاف قول الموكل فذاك غير منعقد بالاجماع، فاذا كان التصرف الواقع على خلاف قول المالك المجازي لا ينعقد فبأن يكون التصرف الواقع على خلاف قول المالك الحقيقي غير منعقد كان أولى.
وثانيها: أن هذه التصرفات الفاسدة إما أن تكون مستلزمة لدخول المحرم المنهي عنه في الوجود، وإما أن لا تكون فان كان الأول وجب القول ببطلانها قياسا على التصرفات الفاسدة.
والجامع السعي في أن لا يدخل منشأ النهي في الوجود، وإن كان الثاني وجب القول بصحتها، قياسا على التصرفات الصحيحة، والجامع كونها تصرفات خالية عن المفسد، فثبت أنه لابد من وقوع التصرف على هذين الوجهين.
فأما القول بتصرف لا يكون صحيحا ولا باطلا فهو محال.
وثالثها: أن قوله: لا تبيعوا الدرهم بدرهمين، كقوله: لا تبيعوا الحر بالعبد، فكما أن هذا النهي باللفظ لكنه نسخ للشريعة فكذا الأول، وإذا كان ذلك نسخا للشريعة بطل كونه مفيداً للحكم، والله أعلم.
المسألة الرابعة: قال أبو حنيفة رحمة الله عليه، خيار المجلس غير ثابت في عقود المعاوضات المحضة، وقال الشافعي رحمة الله عليه: ثابت، احتج أبو حنيفة بالنصوص: أولها: هذه الآية، فان قوله: ﴿ إِلاَّ أَن تَكُونَ تجارة عَن تَرَاضٍ مّنْكُمْ ﴾ ظاهره يقتضي الحل عند حصول التراضي، سواء حصل التفرق أو لم يحصل.
وثانيها: قوله: ﴿ أَوْفُواْ بالعقود ﴾ فألزم كل عاقد الوفاء بما عقد عن نفسه.
وثالثها: قوله عليه الصلاة والسلام: لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه وقد حصلت الطيبة هاهنا بعقد البيع، فوجب أن يحصل الحل.
ورابعها: قوله عليه الصلاة والسلام: «من ابتاع طعاما لا يبعه حتى يقبضه» جوز بيعه بعد القبض.
وخامسها: ما روي أنه عليه السلام نهى عن بيع الطعام حتى يجري فيه الصيعان، وأباح بيعه إذا جرى فيه الصيعان، ولم يشترط فيه الافتراق.
وسادسها: قوله عليه الصلاة والسلام: «لا يجزي ولد والده إلا أن يجده مملوكا فيشتريه فيعتقه».
واتفقوا على أنه كما اشترى حصل العتق، وذلك يدل على أنه يحصل الملك بمجرد العقد.
واعلم أن الشافعي يسلم عموم هذه النصوص، لكنه يقول: أنتم أثبتم خيار الرؤية في شراء ما لم يره المشتري بحديث اتفق المحدثون على ضعفه، فنحن أيضاً نثبت خيار المجلس بحديث اتفق علماء الحديث على قبوله، وهو قوله عليه الصلاة والسلام: «المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا» وتأويلات أصحاب أبي حنيفة لهذا الخبر وأجوبتها مذكورة في الخلافيات، والله أعلم.
قوله تعالى: ﴿ وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ الله كَانَ بِكُمْ رَحِيماً ﴾ اتفقوا على أن هذا نهي عن أن يقتل بعضهم بعضا وإنما قال: ﴿ أَنفُسَكُمْ ﴾ لقوله عليه السلام: «المؤمنون كنفس واحدة» ولأن العرب يقولون: قتلنا ورب الكعبة إذا قتل بعضهم لأن قتل بعضهم يجري مجرى قتلهم.
واختلفوا في أن هذا الخطاب هل هو نهي لهم عن قتلهم أنفسهم؟
فانكره بعضهم وقال: إن المؤمن مع إيمانه لا يجوز أن ينهى عن قتل نفسه، لأنه ملجأ إلى أن لا يقتل نفسه، وذلك لأن الصارف عنه في الدنيا قائم، وهو الألم الشديد والذم العظيم، والصارف عنه أيضا في الآخرة قائم، وهو استحقاق العذاب العظيم، وإذا كان الصارف خالصا امتنع منه أن يفعل ذلك وإذا كان كذلك لم يكن للنهي عنه فائدة، وإنما يمكن أن يذكر هذا النهي فيمن يعتقد في قتل نفسه ما يعتقده أهل الهند، وذلك لا يتأتى من المؤمن، ويمكن أن يجاب عنه بأن المؤمن مع كونه مؤمناً بالله واليوم الآخر، قد يلحقه من الغم والأذية ما يكون القتل عليه أسهل من ذلك، ولذلك نرى كثيرا من المسلمين قد يقتلون أنفسهم بمثل السبب الذي ذكرناه، وإذا كان كذلك كان في النهي عنه فائدة، وأيضا ففيه احتمال آخر، كأنه قيل: لا تفعلوا ما تستحقون به القتل: من القتل والردة والزنا بعد الاحصان، ثم بين تعالى أنه رحيم بعباده ولأجل رحمته نهاهم عن كل ما يستوجبون به مشقة أو محنة، وقيل: إنه تعالى أمر بني إسرائيل بقتلهم أنفسهم ليكون توبة لهم وتمحيصا لخطاياهم وكان بكم يا أمة محمد رحيما، حيث لم يكلفكم تلك التكاليف الصعبة.
ثم قال: ﴿ وَمَن يَفْعَلْ ذلك عدوانا وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً وَكَانَ ذلك عَلَى الله يَسِيراً ﴾ .
واعلم أن فيه مسائل: المسألة الأولى: اختلفوا في أن قوله: ﴿ وَمَن يَفْعَلْ ذلك ﴾ إلى ماذا يعود؟
على وجوه: الأول: قال عطاء: إنه خاص في قتل النفس المحرمة، لأن الضمير يجب عوده إلى أقرب المذكورات.
الثاني: قال الزجاج: إنه عائد إلى قتل النفس وأكل المال بالباطل لأنهما مذكوران في آية واحدة.
والثالث: قال ابن عباس: إنه عائد إلى كل ما نهى الله عنه من أول السورة إلى هذا الموضع.
المسألة الثانية: إنما قال: ﴿ وَمَن يَفْعَلْ ذلك عدوانا ﴾ لأن في جملة ما تقدم قتل البعض للبعض، وقد يكون ذلك حقا كالقود، وفي جملة ما تقدم أخذ المال، وقد يكون ذلك حقا كما في الدية وغيرها، فلهذا السبب شرطه تعالى في ذلك الوعيد.
المسألة الثالثة: قالت المعتزلة: هذه الآية دالة على القطع بوعيد أهل الصلاة.
قالوا: وقوله: ﴿ فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً ﴾ وان كان لا يدل على التخليد إلا أن كل من قطع بوعيد الفساق قال: بتخليدهم، فيلزم من ثبوت أحدهما ثبوت الآخر، لأنه لا قائل بالفرق.
والجواب عنه بالاستقصاء قد تقدم في مواضع، إلا أن الذي نقوله هاهنا: ان هذا مختص بالكفار، لأنه قال: ﴿ وَمَن يَفْعَلْ ذلك عدوانا وَظُلْماً ﴾ ولا بد من الفرق بين العدوان وبين الظلم دفعا للتكرير، فيحمل الظلم على ما اذا كان قصده التعدي على تكاليف الله، ولا شك أن من كان كذلك كان كافراً لا يقال: أليس أنه وصفهم بالايمان فقال: ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ فكيف يمكن أن يقال: المراد بهم الكفار؟
لأنا نقول: مذهبكم أن من دخل تحت هذا الوعيد لا يكون مؤمنا ألبتة، فلابد على هذا المذهب أن تقولوا: أنهم كانوا مؤمنين، ثم لما أتوا بهذه الأفعال ما بقوا على وصف الايمان، فاذا كان لابد لكم من القول بهذا الكلام.
فلم لا يصح هذا الكلام منا أيضا في تقرير ما قلناه؟
والله أعلم.
ثم أنه تعالى ختم الآية فقال: ﴿ وَكَانَ ذلك عَلَى الله يَسِيراً ﴾ .
واعلم أن جميع الممكنات بالنسبة إلى قدرة الله على السوية، وحينئذ يمتنع أن يقال: ان بعض الأفعال أيسر عليه من بعض، بل هذا الخطاب نزل على القول المتعارف فيما بيننا كقوله تعالى: ﴿ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ ﴾ أو يكون معناه المبالغة في التهديد، وهو أن أحداً لا يقدر على الهرب منه ولا على الامتناع عليه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ بالباطل ﴾ بما لم تبحه الشريعة من نحو السرقة والخيانة والغصب والقمار وعقود الربا ﴿ إِلا أَن تَكُونَ تجارة ﴾ إلا أن تقع تجارة.
وقرئ ﴿ تجارة ﴾ على: إلا أن تكون التجارة تجارة.
﴿ عَن تَرَاضٍ مّنْكُمْ ﴾ والاستثناء منقطع.
معناه: ولكن اقصدوا كون تجارة عن تراض منكم.
أو ولكن كون تجارة عن تراض غير منهى عنه.
وقوله: (عن تراض) صفة لتجارة، أي تجارة صادرة عن تراض.
وخص التجارة بالذكر.
لأنّ أسباب الرزق أكثرها متعلق بها.
والتراضي رضا المتبايعين بما تعاقدا عليه في حال البيع وقت الإيجاب والقبول، وهو مذهب أبي حنيفة رحمه الله تعالى.
وعند الشافعي رحمه الله تفرّقهما عن مجلس العقد متراضيين.
﴿ وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ ﴾ من كان من جنسكم من المؤمنين.
وعن الحسن: لا تقتلوا إخوانكم، أو لا يقتل الرجل نفسه كما يفعله بعض الجهلة.
وعن عمرو بن العاص: أنه تأوله في التيمم لخوف البرد فلم ينكر عليه رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم.
وقرأ علي رضي الله عنه: ﴿ ولا تقتلوا ﴾ بالتشديد ﴿ إِنَّ الله كَانَ بِكُمْ رَحِيماً ﴾ ما نهاكم عما يضركم إلا لرحمته عليكم.
وقيل: معناه أنه أمر بني إسرائيل بقتلهم أنفسهم ليكون توبة لهم وتمحيصاً لخطاياهم، وكان بكم يا أمة محمد رحيماً حيث لم يكلفكم تلك التكاليف الصعبة.
﴿ ذلك ﴾ إشارة إلى القتل، أي ومن يقدم على قتل الأنفس ﴿ عدوانا وَظُلْماً ﴾ لا خطأ ولا اقتصاصاً.
وقرئ: ﴿ عدواناً ﴾ بالكسر.
و ﴿ نصلَيه ﴾ بتخفيف اللام وتشديدها.
و ﴿ نصليه ﴾ بفتح النون من صلاة يصليه.
ومنه شاة مصلية، ﴿ ويصليه ﴾ بالياء والضمير لله تعالى، أو لذلك، لكونه سبباً للصلي ﴿ نَارًا ﴾ أي ناراً مخصوصة شديدة العذاب ﴿ وَكَانَ ذلك عَلَى الله يَسِيراً ﴾ لأنّ الحكمة تدعو إليه، ولا صارف عنه من ظلم أو نحوه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ﴾ إشارَةٌ إلى القَتْلِ، أوْ ما سَبَقَ مِنَ المُحَرَّماتِ.
﴿ عُدْوانًا وظُلْمًا ﴾ إفْراطًا في التَّجاوُزِ عَنِ الحَقِّ وإتْيانًا بِما لا يَسْتَحِقُّهُ.
وقِيلَ أرادَ بِالعُدْوانِ التَّعَدِّيَ عَلى الغَيْرِ، وبِالظُّلْمِ ظُلْمَ النَّفْسِ بِتَعْرِيضِها لِلْعِقابِ.
﴿ فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نارًا ﴾ نُدْخِلُهُ إيّاها.
وقُرِئَ بِالتَّشْدِيدِ مِن صَلّى، وبِفَتْحِ النُّونِ مِن صَلّاهُ يُصَلِّيهِ.
ومِنهُ شاةٌ مُصَلِّيَةٌ، ويُصَلِّيهِ بِالياءِ والضَّمِيرُ لِلَّهِ تَعالى أوْ لِذَلِكَ مِن حَيْثُ إنَّهُ سَبَبُ الصِّلِيِّ.
﴿ وَكانَ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا ﴾ لا عُسْرَ فِيهِ ولا صارِفَ عَنْهُ.
<div class="verse-tafsir"
{وَمَن يَفْعَلْ ذلك} أي القتل أي ومن يقدم على قتل الأنفس {عدوانا وَظُلْماً} لا خطأ ولا قصاصاً وهما مصدران في موضع الحال أو مفعول لهما {فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً} ندخله نارا مخصوصة شديد العذاب {وَكَانَ ذلك} أي إصلاؤه النار {عَلَى الله يَسِيراً} سهلاً وهذا الوعيد في حق المستحل للتخليد وفي حق غيره لبيان استحقاقه دخول النار مع وعد الله بمغفرته
﴿ ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ﴾ أيْ: قَتْلَ النَّفْسِ فَقَطْ، أوْ هو وما قَبْلَهُ مِن أكْلِ الأمْوالِ بِالباطِلِ، أوْ مَجْمُوعَ ما تَقَدَّمَ مِنَ المُحَرَّماتِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكم أنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهًا ﴾ أوْ مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى هُنا أقْوالٌ: رُوِيَ الأوَّلُ مِنها عَنْ عَطاءٍ، ولَعَلَّهُ الأظْهَرُ، وما في ذَلِكَ مِنَ البُعْدِ إيذانٌ بِفَظاعَةِ قَتْلِ النَّفْسِ، وبُعْدِ مَنزِلَتِهِ في الفَسادِ، وإفْرادُ اسْمِ الإشارَةِ عَلى تَقْدِيرِ تَعَدُّدِ المُشارِ إلَيْهِ بِاعْتِبارِ تَأْوِيلِهِ بِما سَبَقَ.
﴿ عُدْوانًا ﴾ أيْ: إفْراطًا في التَّجاوُزِ عَنِ الحَدِّ، وقُرِئَ (عِدْوانًا) بِكَسْرِ العَيْنِ ﴿ وظُلْمًا ﴾ أيْ: إيتاءً بِما لا يَسْتَحِقُّهُ، وقِيلَ: هُما بِمَعْنًى، فالعَطْفُ لِلتَّفْسِيرِ، وقِيلَ: أُرِيدَ بِالعُدْوانِ التَّعَدِّي عَلى الغَيْرِ، وبِالظُّلْمِ الظُّلْمُ عَلى النَّفْسِ بِتَعْرِيضِها لِلْعِقابِ، وأيًّا ما كانَ فَهُما مَنصُوبانِ عَلى الحالِيَّةِ، أوْ عَلى العِلِّيَّةِ، وقِيلَ: وخَرَجَ بِهِما السَّهْوُ والغَلَطُ والخَطَأُ وما كانَ طَرِيقُهُ الِاجْتِهادَ في الأحْكامِ، ﴿ فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نارًا ﴾ أيْ نُدْخِلُهُ إيّاها، ونُحَرِّقُهُ بِها، والجُمْلَةُ جَوابُ الشَّرْطِ.
وقُرِئَ: (نُصَلِّيهِ) بِالتَّشْدِيدِ و(نَصْلِيهِ) بِفَتْحِ النُّونِ مِن (صَلّاهُ) لُغَةٌ كَـ(أصْلاهُ) و(يُصْلِيهِ) بِالياءِ التَّحْتانِيَّةِ، والضَّمِيرُ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ، أوْ لِذَلِكَ، والإسْنادُ مَجازِيٌّ مِن بابِ الإسْنادِ إلى السَّبَبِ.
﴿ وكانَ ذَلِكَ ﴾ أيْ: إصْلاؤُهُ النّارَ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا ﴾ هَيِّنًا، لا يَمْنَعُهُ مِنهُ مانِعٌ، ولا يَدْفَعُهُ عَنْهُ دافِعٌ، ولا يَشْفَعُ فِيهِ إلّا بِإذْنِهِ شافِعٌ، وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ؛ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ، وتَأْكِيدِ اسْتِقْلالِ الِاعْتِراضِ التَّذْيِيلِيِّ.
<div class="verse-tafsir"
يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ أي بيّن لكم أن الصبر خير لكم من نكاح الإماء، ويقال: يبين لكم إباحة نكاح الأمة عند العذر.
ثم قال تعالى: وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ أي شرائع الذين من قبلكم بأنه لم يحل لهم تزوج الإماء، وقد أحل لكم ذلك.
وقال مقاتل: يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ حكم حلاله وحرامه من النساء، وَيَهْدِيَكُمْ أي يبين لكم شرائع من كان قبلكم.
وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ أي يتجاوز عنكم ما كان منكم قبل التحريم وَاللَّهُ عَلِيمٌ بمن فعله منكم بعد التحريم حَكِيمٌ فيما نهاكم عن نكاح الاماء إن لم يجد طولاً.
والنهي نهي استحباب لا نهي وجوب.
ويقال: إن هذا ابتداء القصة، يريد الله أن يبين لكم كيفية طاعته وَيَهْدِيَكُمْ يعني يعرفكم سنن الذين من قبلكم، يعني أنهم لما تركوا أمري فكيف عاقبتهم؟
وأنتم إذا فعلتم ذلك لا أعاقبكم، ولكني أتوب عليكم وَاللَّهُ عَلِيمٌ بمن تاب حَكِيمٌ حكم بقبول التوبة.
ثم قال تعالى: وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ أي يتجاوز عنكم ما كان منكم من قبل التحريم، ويقال: يتجاوز عنكم الزلل والخطايا وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيماً يعني اليهود والنصارى، ويقال: المجوس.
أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيماً يعني أن تخطئوا خطأً عظيماً، لأن بعض الكفار كانوا يجيزون نكاح الأخت من الأب، وَبَنَاتُ الاخ، وَبَنَاتُ الاخت، فلما حرم الله تعالى ذلك قالوا للمسلمين: إنكم تنكحون ابنة الخالة والعمة، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
ويقال: ويريدون الذين يتبعون الشهوات، ويقال: إن اليهود يريدون أن يقفوا منكم على الزلل والخطايا، يعني: أن الله تعالى قد بين لكم لكي لا يقفوا منكم على الزلل والخطايا.
ثم قال تعالى: يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ يقول: يهون عليكم الأمر إذ رخص لكم في نكاح الإماء، وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً أي لا يصبر على النكاح.
وقال الضحاك: يخفف عنكم أي يريد أن يضع عنكم أوزاركم، ويضع عنكم آثامكم.
قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ يعني بالظلم باليمين الكاذبة ليقطع بها مال أخيه.
ثم استثنى ما استفضل الرجل من مال أخيه في تجارته أنه لا بأس به فقال: إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ ويقال: إلا ما كان بينهما تجارة، وهو أن يكون مضارباً له، فله أن يأكل من مال المضاربة إذا خرج إلى السفر.
ويقال: إلا ما يأكل الرجل شيئاً عند اشترائه ليذوقه.
قرأ حمزة والكسائي وعاصم: تِجارَةً بنصب الهاء على معنى خبر تكون.
وقرأ الباقون بالضم على معنى الاسم.
ثم قال تعالى: وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أي لا يقتل بعضكم بعضاً، فإنكم أهل دين واحد.
ويقال وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ يعني أن يوجب الرجل على نفسه قتل نفسه، فإيجابه باطل.
وقال القتبي: وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ يعني لا يأكل بعضكم مال بعض بالباطل، ولا يقتل بعضكم بعضاً كقوله: وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ [سورة الحجرات: 11] أي لا تعيبوا إخوانكم.
ويقال: وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أي لا تقتلوها بالكسل والبخل إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً إذ نهى عن القتل وعن أخذ الأموال.
قوله تعالى وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ عُدْواناً يعني اعتداء ويقال: مستحلاً وَظُلْماً أي وجوراً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً هذا وعيد لهم من الله تعالى، يعني يدخله في الآخرة النار وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً أي عذابه هين عليه.
قوله تعالى: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ قال مقاتل: يعني ما نهي عنه من أول هذه السورة إلى هذه الآية وقال في رواية الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس .
إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ الكبائر كل شيء سمى الله تعالى فيه النار لمن عمل بها، أو شيء نزل فيه حدّ في الدنيا، فمن اجتنب من هذا وهو مؤمن كفر الله عنه ما سواه من الصلاة إلى الصلاة، والجمعة إلى الجمعة، وشهر رمضان إلى شهر رمضان إن شاء الله تعالى.
قال: حدثنا محمد بن الفضل، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا إبراهيم بن يوسف، قال: حدثنا وكيع عن الأعمش، عن أبي الضحاك، عن مسروق، عن ابن مسعود قال: الكبائر من أول السورة إلى قوله إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ.
وروي عن ابن مسعود أنه قال: الْكَبَائِرُ أَرْبَعَةٌ: الإياس مِنْ رَوْحِ الله، وَالْقُنُوطُ مِنْ رَحْمَةِ الله، وَالأَمْنُ من مكر الله، والشرك بالله.
وروى عامر الشعبي عن النبي أنه قال: «ألا أُنْبِئَكُمْ بِأَكْبَرِ الكَبَائِرِ: الإِشْرَاكُ باللهِ، وَعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ، وَاليَمِينُ الغَمُوسُ» .
وقال ابن عمر الكبائر تسعة: الشرك بالله، وقتل المؤمن متعمداً، والفرار من الزحف، وقذف المحصنة، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا والسحر، وعقوق الوالدين، واستحلال حرمة البيت الحرام.
ويقال: الكبيرة ما أصر عليها صاحبها.
ويقال: لا كبيرة مع الاستغفار، ولا صغيرة مع الإصرار.
ثم قال تعالى: نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ يقول: نمحو عنكم ذنوبكم ما دون الكبائر وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيماً في الآخرة وهي الجنة.
قرأ نافع: مدخلاً بنصب الميم، والباقون بالضم.
فمن قرأ بالنصب فهو اسم الموضع وهو الجنة، ومن قرأ بالضم فهو المصدر والموضع جميعاً.
قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"
في نَفْسه ضعيفٌ يستَمِيلُهُ هواه في الأغْلَب.
وقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً ...
الآية: الاستثناء منقطعٌ، المعنى: لكنْ إنْ كانَتْ تجارةً، فكُلُوها، وأخْرَجَ البخاريُّ عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: «مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا، أَدَّى اللَّهُ عَنْهُ، وَمَنْ أَخَذَهَا يُرِيدُ إتْلاَفَهَا، أَتْلَفَهُ اللَّه» «١» .
انتهى.
وقوله تعالى: وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً، أجمع المتأوِّلون على أنَّ المقصودَ بهذه الآية النهْيُ عن أنْ يقتُلَ بعْضُ الناسِ بَعْضاً، ثم لفظها يتناوَلُ أنْ يقتل الرجُلُ نَفْسَهُ بقَصْدٍ منه للقتل، أو بأنْ يحملها على غَرَرٍ، رُبَّمَا ماتَ مِنْهُ، فهذا كلُّه يتناوله النَّهْيُ، وقد احتج عمرو بن العاصي بهذه الآيةِ حين امتنع مِنَ الاغتسال بالمَاءِ الباردِ خَوْفاً على نفسه منه، فقرّر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم احتجاجه «٢» .
وقوله تعالى: وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ عُدْواناً وَظُلْماً ...
الآية: اختلف في المُشَارِ إلَيْه ب «ذَلِكَ» .
فقال عطاء: «ذَلِكَ» عائدٌ على القَتْل لأنه أقربْ مَذْكُور، وقالتْ فرقةٌ: «ذلك» عائدٌ على أَكْلِ المالِ بالباطِلِ، وقَتْلِ النَّفْسِ، وقالَتْ فرقةٌ: «ذَلِكَ» : عائدٌ على كُلِّ ما نُهِيَ عَنْه مِنْ أوَّل السورةِ، وقال الطبريُّ «١» : «ذَلِكَ» عائدٌ على ما نُهِيَ عنه مِنْ آخر وعيدٍ، وذلك قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً [النساء: ١٩] لأنَّ كلَّ ما نهي عنه قبله إلى أول السُّورة، قُرِنَ به وعيدٌ.
قال ابنُ العَرَبيِّ «٢» في «أحكامه» : والقول الأول أصحُّ، وما عداه محتملٌ.
انتهى.
والعدوانُ: تَجَاوُزُ الحَدِّ.
قال ص: عُدْواناً وَظُلْماً: مصدرانِ في مَوْضِعِ الحال، / أي: متعدّين وظالِمِينَ، أبو البقاء: أو مفعولٌ من أجله.
انتهى.
واختلف العلماءُ في «٣» الكبائِرِ.
فقال ابنُ عبَّاس وغيره: الكبائرُ: كلُّ ما وَرَدَ علَيْه وعيدٌ بنارٍ، أو عذابٍ، أو لَعْنَةٍ، أو
ما أشبه ذلك «١» .
وقال ابن عبَّاس أيضاً: كلُّ ما نَهَى اللَّه عنه، فَهُوَ كَبِيرٌ «٢» ، وعلَى هذا القول أئمَّة الكلامِ القاضِي، وأبو المَعَالِي، وغَيْرُهما قالوا: وإِنما قيل: صغيرةٌ بالإِضافة إِلَى أكبر منها، وإِلاَّ فهي في نفسها كبيرةٌ منْ حيْثُ المَعْصِيُّ بالجميع واحدٌ، واختلف العلماءُ في هذه المسألة، فجماعةٌ من الفقهاءِ والمحدِّثين يَرَوْنَ أنَّ باجتنابِ الكبَائرِ تُكَفَّر الصغائرُ قطْعاً، وأما الأصوليُّون، فقَالُوا: مَحْمَلُ ذلك علَى غَلَبة الظَّنَّ، وقُوَّةِ الرجاءِ، لا علَى القَطْع، ومَحْمَلُ الكبائرِ عند الأصوليِّين في هذه الآيةِ أجناسُ الكُفْر، والآيةُ التي قَيَّدت الحُكْمَِ، فتردُّ إِلَيْها هذه المُطْلَقات كلُّها: قوله تعالَى: وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ [النساء: ٤٨ و ١١٦] .
وكَرِيماً: يقتضي كَرَمَ الفضيلةِ، ونَفْيَ العيوب كما تقول: ثَوْبٌ كريمٌ، وهذه آية رجاء، ورَوى أبو حاتم الْبُسْتِيُّ في «المُسْنَدِ الصَّحِيح» له، عن أبي هريرةَ وأَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ أنَّ رسُولَ الله صلّى الله عليه وسلّم جَلَسَ علَى المِنْبَرِ، ثُمَّ قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِه» ، ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، ثم سَكَتَ، فَأَكَبَّ كُلُّ رَجُلٍ مِنَّا يَبْكِي حَزِيناً لِيَمِينِ رَسُولِ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم، ثُمَّ قَالَ: «مَا مِنْ عَبْدٍ يُؤَدِّي الصَّلَوَاتِ الخَمْسَ، وَيَصُومُ رَمَضَانَ، وَيَجْتَنِبُ الكَبَائِرَ السَّبْعَ، إِلاَّ فُتِحَتْ لَهُ ثَمانِيَةُ أَبْوَابِ مِنَ الجَنَّةِ يَوْمَ القِيَامَةِ حَتَّى إِنَّها لَتُصَفِّقُ، ثُمَّ تَلاَ: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ ...
«٣» الآية» .
انتهى من «التذكرة» للقرطبيِّ، ونحوُهُ ما رواه مُسْلِمٌ، عن أبي هريرةَ، قَالَ: قال النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم: «الصَّلَوَاتُ الخَمْسُ، وَالجُمُعَةَ إِلَى الجُمُعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ مُكَفِّرَاتٌ مَا بَيْنَهُنَّ، إِذَا اجْتُنِبَتِ الكَبَائِرُ» «٤» قال القرطبيُّ «٥» : وعلَى هذا جماعةُ أهل التأويل، وجماعةُ الفقهاءِ، وهو الصحيحُ أنَّ الصغائر تُكَفَّرُ باجتنابِ الكبائرِ قَطْعاً بِوَعْدِ اللَّهِ الصِّدْق، وقولِهِ الحَقِّ سبحانه، وأما الكَبَائِرُ، فلا تكفِّرها إِلا التوبةُ منْهَا.
انتهى.
قلْتُ: وفي «صحيح مُسْلِمٍ» ، عن أبي هريرة (رضي اللَّه عنه) أنَّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوانًا وظُلْمًا ﴾ في المُشارِ إلَيْهِ ثَلاثَةُ أقَوْالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ قَتْلُ النَّفْسِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وعَطاءٍ.
والثّانِي: أنَّهُ عائِدٌ إلى كُلِّ ما نَهى اللَّهُ عَنْهُ مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى هاهُنا، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، والثّالِثُ: قَتْلُ النَّفْسِ، وأكْلُ الأمْوالِ بِالباطِلِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ إلا أنْ تَكُونَ تِجارَةً عن تَراضٍ مِنكم ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكم إنَّ اللهَ كانَ بِكم رَحِيمًا ﴾ ﴿ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوانًا وظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نارًا وكانَ ذَلِكَ عَلى اللهِ يَسِيرًا ﴾ هَذا اسْتِثْناءٌ لَيْسَ مِنَ الأوَّلِ، والمَعْنى: لَكِنْ إنْ كانَتْ تِجارَةً فَكُلُوها.
وقَرَأ المَدَنِيُّونَ، وابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو عَمْرٍو: "تِجارَةٌ" بِالرَفْعِ عَلى تَمامِ "أنْ" وأنَّها بِمَعْنى: وقَعَ.
وقَرَأتْ فِرْقَةٌ هي الكُوفِيُّونَ: حَمْزَةُ، وعاصِمٌ، والكِسائِيُّ: "تِجارَةً" بِالنَصْبِ عَلى نُقْصانِ "كانَ" وهو اخْتِيارُ أبِي عُبَيْدٍ.
وهُما قَوْلانِ قَوِيّانِ، إلّا أنَّ تَمامَ "كانَ" يَتَرَجَّحُ عِنْدَ بَعْضٍ، لِأنَّها صِلَةٌ لِـ "أنْ" فَهي مَحْطُوطَةٌ عن دَرَجَتِها إذا كانَتْ سَلِيمَةً مِن صِلَةٍ وغَيْرِها، وهَذا تَرْجِيحٌ لَيْسَ بِالقَوِيِّ، ولَكِنَّهُ حَسَنٌ، و"أنْ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ.
ومَن نَصَبَ "تِجارَةً" جَعَلَ اسْمَ "كانَ" مُضْمَرًا تَقْدِيرُهُ: الأمْوالُ أمْوالُ تِجارَةٍ، فَحُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ، أو يَكُونُ التَقْدِيرُ: إلّا أنْ تَكُونَ التِجارَةُ تِجارَةً، ومِثْلُ ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ: ......
إذا كانَ يَوْمًا ذا كَواكِبَ أشْنَعا أيْ: إذا كانَ اليَوْمُ يَوْمًا، والِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ في كُلِّ تَقْدِيرٍ، وفي قِراءَةِ الرَفْعِ.
فَأكْلُ الأمْوالِ بِالتِجارَةِ جائِزٌ بِإجْماعِ الأُمَّةِ، والجُمْهُورُ عَلى جَوازِ الغَبْنِ في التِجارَةِ، مِثالُ ذَلِكَ: أنْ يَبِيعَ الرَجُلُ ياقُوتَةً بِدِرْهَمٍ وهي تُساوِي مِائَةً، فَذَلِكَ جائِزٌ، ويُعَضِّدُهُ حَدِيثُ النَبِيِّ « "لا يَبِيعُ حاضِرٌ لِبادٍ"،» لِأنَّهُ إنَّما أرادَ بِذَلِكَ أنْ يَبِيعَ البادِي بِاجْتِهادِهِ، ولا يَمْنَعَ الحاضِرُ الحاضِرَ مِن رِزْقِ اللهِ في غَبْنِهِ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: الغَبْنُ إذا تَجاوَزَ الثُلُثَ مَرْدُودٌ، وإنَّما أُبِيحَ مِنهُ المُتَقارِبُ المُتَعارَفُ في التِجاراتِ، وأمّا المُتَفاحِشُ الفادِحُ فَلا، وقالَهُ ابْنُ وهْبٍ مِن أصْحابِ مالِكٍ رَحِمَهُ اللهُ.
و"عن تَراضٍ" مَعْناهُ: عن رِضا، إلّا أنَّها جاءَتْ مِنَ المُفاعَلَةِ، إذِ التِجارَةُ مِنِ اثْنَيْنِ، واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في التَراضِي، فَقالَتْ طائِفَةٌ: تَمامُهُ وجَزْمُهُ بِافْتِراقِ الأبْدانِ بَعْدَ عُقْدَةِ البَيْعِ، أو بِأنْ يَقُولَ أحَدُهُما لِصاحِبِهِ: اخْتَرْ، فَيَقُولَ: قَدِ اخْتَرْتُ، وذَلِكَ بَعْدَ العُقْدَةِ أيْضًا، فَيَنْجَزِمُ حِينَئِذٍ، هَذا هو قَوْلُ الشافِعِيِّ وجَماعَةٍ مِنَ الصَحابَةِ، وَحُجَّتُهُ حَدِيثُ النَبِيِّ « "البَيِّعانِ بِالخِيارِ ما لَمْ يَتَفَرَّقا إلّا بَيْعَ الخِيارِ"»، وهو حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ، وأبِي بَرْزَةَ، ورَأْيُهُما -وَهُما الراوِيانِ- أنَّهُ افْتِراقُ الأبْدانِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والتَفَرُّقُ لا يَكُونُ حَقِيقَةً إلّا بِالأبْدانِ، لِأنَّهُ مِن صِفاتِ الجَواهِرِ.
وقالَ مالِكٌ وأبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُما اللهُ: تَمامُ التَراضِي أنْ يُعْقَدَ البَيْعُ بِالألْسِنَةِ فَتَنْجَزِمَ العُقْدَةُ بِذَلِكَ ويَرْتَفِعَ الخِيارُ، وقالا في الحَدِيثِ المُتَقَدِّمِ: إنَّهُ التَفَرُّقُ بِالقَوْلِ، واحْتَجَّ بَعْضُهم بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَإنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللهُ كُلا مِن سَعَتِهِ ﴾ ، فَهَذِهِ فُرْقَةٌ بِالقَوْلِ لِأنَّها بِالطَلاقِ.
قالَ مَنِ احْتَجَّ لِلشّافِعِيِّ: بَلْ هي فُرْقَةٌ بِالأبْدانِ، بِدَلِيلِ تَثْنِيَةِ الضَمِيرِ.
والطَلاقُ لا حَظَّ لِلْمَرْأةِ فِيهِ، وإنَّما حَظُّها في فُرْقَةِ البَدَنِ الَّتِي هي ثَمَرَةُ الطَلاقِ، قالَ الشافِعِيُّ: ولَوْ كانَ مَعْنى قَوْلِهِ: "يَتَفَرَّقا" بِالقَوْلِ الَّذِي هو العَقْدُ لَبَطَلَتِ الفائِدَةُ في قَوْلِهِ: « "البَيِّعانِ بِالخِيارِ"،» لِأنَّهُ لا يُشَكُّ في أنَّ كُلَّ ذِي سِلْعَةٍ مُخَيَّرٌ ما لَمْ يَعْقِدْ، فَجاءَ الإخْبارُ لا طائِلَ فِيهِ.
قالَ مَنِ احْتَجَّ لِمالِكٍ: إنَّما القَصْدُ في الحَدِيثِ الإخْبارُ عن وُجُوبِ ثُبُوتِ العَقْدِ، فَجاءَ قَوْلُهُ: « "البَيِّعانِ بِالخِيارِ"» تَوْطِئَةً لِذَلِكَ، وإنْ كانَتِ التَوْطِئَةُ مَعْلُومَةً فَإنَّها تُهَيِّئُ النَفْسَ لِاسْتِشْعارِ ثُبُوتِ العَقْدِ ولُزُومِها.
واسْتَدَلَّ الشافِعِيُّ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "لا يَسُمِ الرَجُلُ عَلى سَوْمِ أخِيهِ، ولا يَبِعِ الرَجُلُ عَلى بَيْعِ أخِيهِ"» فَجَعَلَها مَرْتَبَتَيْنِ، لِأنَّ حالَةَ البَيِّعَيْنِ بَعْدَ العَقْدِ قَبْلَ التَفَرُّقِ تَقْتَضِي أنْ يُفْسِدَ مُفْسِدٌ بِزِيادَةٍ في السِلْعَةِ فَيَخْتارَ رَبُّها حَلَّ الصَفْقَةِ الأُولى، فَنَهى النَبِيُّ عن ذَلِكَ الإفْسادِ، ألا تَرى أنَّهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ قالَ: « "لا يَخْطُبُ الرَجُلُ عَلى خِطْبَةِ أخِيهِ"،» فَهي في دَرَجَةِ: « "لا يَسُمْ"،» ولَمْ يَقُلْ: لا يَنْكِحُ عَلى نِكاحِ أخِيهِ".
لِأنَّهُ لا دَرَجَةَ بَعْدَ عَقْدِ النِكاحِ تَقْتَضِي تَخْيِيرًا بِإجْماعٍ مِنَ الأُمَّةِ.
قالَ مَن يَحْتَجُّ لِمالِكٍ رَحِمَهُ اللهُ: قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "لا يَسُمْ"» و« "لا يَبِعْ"» هي دَرَجَةٌ واحِدَةٌ كُلُّها قَبْلَ العَقْدِ، وقالَ: « "لا يَبِعْ"» تَجَوُّزًا فِي: « "لا يَسُمْ"،» إذْ مَآلُهُ إلى البَيْعِ، فَهي جَمِيعًا بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ: « "لا يَخْطُبُ"،» والعَقْدُ جازِمٌ فِيهِما جَمِيعًا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقَوْلُهُ في الحَدِيثِ: « "إلّا بَيْعَ الخِيارِ"» مَعْناهُ عِنْدَ المالِكِيِّينَ: المُتَساوِمانِ بِالخِيارِ ما لَمْ يَعْقِدا، فَإذا عَقَدا بَطَلَ الخِيارُ، إلّا في بَيْعِ الخِيارِ الَّذِي عُقِدَ مِن أوَّلِهِ عَلى خِيارِ مُدَّةٍ ما، فَإنَّهُ لا يَبْطُلُ الخِيارُ فِيهِ.
ومَعْناهُ عِنْدَ الشافِعِيِّينَ: المُتَبايِعانِ -بَعْدَ عَقْدِهِما- مُخَيَّرانِ ما داما في مَجْلِسِهِما، إلّا بَيْعًا يَقُولُ فِيهِ أحَدُهُما لِصاحِبِهِ: اخْتَرْ فَيَخْتارُ، فَإنَّ الخِيارَ يَنْقَطِعُ بَيْنَهُما وإنْ لَمْ يَتَفَرَّقا، فَإنْ فُرِضَ بَيْعُ خِيارٍ فالمَعْنى: إلّا بَيْعَ الخِيارِ فَإنَّهُ يَبْقى الخِيارُ بَعْدَ التَفَرُّقِ بِالأبْدانِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ ﴾ ، قَرَأ الحَسَنُ: "وَلا تُقَتِّلُوا" عَلى التَكْثِيرِ، فَأجْمَعَ المُتَأوِّلُونَ أنَّ المَقْصِدَ بِهَذِهِ الآيَةِ النَهْيُ عن أنْ يَقْتُلَ بَعْضُ الناسِ بَعْضَها، ثُمَّ لَفْظُها يَتَناوَلُ أنْ يَقْتُلَ الرَجُلُ نَفْسَهُ بِقَصْدٍ مِنهُ لِلْقَتْلِ، أو بِأنْ يَحْمِلَها عَلى غَرَرٍ رُبَّما ماتَ مِنهُ، فَهَذا كُلُّهُ يَتَناوَلُهُ النَهْيُ، وقَدِ احْتَجَّ عَمْرُو بْنُ العاصِ بِهَذِهِ الآيَةِ حِينَ امْتَنَعَ مِنَ الاغْتِسالِ بِالماءِ البارِدِ خَوْفًا عَلى نَفْسِهِ مِنهُ، فَقَرَّرَ رَسُولُ اللهِ احْتِجاجَهُ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوانًا وظُلْمًا ﴾ ، اخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في المُشارِ إلَيْهِ بِـ "ذَلِكَ" فَقالَ عَطاءٌ: "ذَلِكَ" عائِدٌ عَلى القَتْلِ، لِأنَّهُ أقْرَبُ مَذْكُورٍ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: "ذَلِكَ" عائِدٌ عَلى أكْلِ المالِ بِالباطِلِ وقَتْلِ النَفْسِ، لِأنَّ النَهْيَ عنهُما جاءَ مُتَّسِقًا مَسْرُودًا، ثُمَّ ورَدَ الوَعِيدُ حَسَبَ النَهْيِ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: "ذَلِكَ" عائِدٌ عَلى كُلِّ ما نَهى عنهُ مِنَ القَضايا مِن أوَّلِ السُورَةِ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ﴾ وقالَ الطَبَرِيُّ: "ذَلِكَ" عائِدٌ عَلى ما نَهى عنهُ مِن آخِرِ وعِيدٍ، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكم أنْ تَرِثُوا النِساءَ كَرْهًا ﴾ ، لِأنَّ كُلَّ ما نُهِيَ عنهُ مِن أوَّلِ السُورَةِ قُرِنَ بِهِ وعِيدٌ إلّا مِن قَوْلِهِ: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكم أنْ تَرِثُوا النِساءَ كَرْهًا ﴾ فَإنَّهُ والنَواهِيَ بَعْدَهُ لا وعِيدَ مَعَها إلّا قَوْلَهُ: ﴿ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوانًا وظُلْمًا ﴾ .
والعُدْوانُ: تَجاوُزُ الحَدِّ.
و"نُصْلِيهِ" مَعْناهُ: نُمِسُّهُ حَرَّها كَما تُعْرَضُ الشاةُ المَصْلِيَّةُ، أيْ: نَحْرِقُهُ بِها.
وقَرَأ الأعْمَشُ والنَخْعِيُّ: "نَصْلِيهِ" بِفَتْحِ النُونِ، وقِراءَةُ الجُمْهُورِ بِضَمِّ النُونِ عَلى نَقْلِ صَلِيَ بِالهَمْزِ، وقِراءَةُ هَذَيْنِ عَلى لُغَةِ مَن يَقُولُ: صَلَّيْتُهُ نارًا بِمَعْنى: أصْلَيْتُهُ، وحَكى الزَجّاجُ أنَّها قَدْ قُرِئَتْ: "نُصَلِّيهِ" بِفَتْحِ الصادِ وشَدِّ اللامِ المَكْسُورَةِ، ويَسِيرٌ ذَلِكَ عَلى اللهِ عَزَّ وجَلَّ، لِأنَّ حُجَّتَهُ بالِغَةٌ وحُكْمَهُ لا مُعَقِّبَ لَهُ:.
<div class="verse-tafsir"
﴿ ياأيها الذين ءَامَنُواْ لاَ تأكلوا أموالكم بَيْنَكُمْ بالباطل إِلاَّ أَن تَكُونَ تجارة عَن تَرَاضٍ مِّنْكُمْ ﴾ .
استئناف من التشريع المقصود من هذه السورة.
وعلامة الاستئناف افتتاحه ب ﴿ يا أيّها الذين آمنوا ﴾ ، ومناسبته لما قبله أنّ أحكام المواريث والنكاح اشتملت على أوامر بإيتاء ذي الحقّ في المال حقّه، كقوله: ﴿ وآتوا اليتامى أموالهم ﴾ [النساء: 2] وقوله: ﴿ فآتوهن أجورهن فريضة ﴾ [النساء: 24] وقوله: ﴿ فإن طبن لكم عن شيء منه نفساً ﴾ [النساء: 4] الآية، فانتقل من ذلك إلى تشريع عامّ في الأموال والأنفس.
وقد تقدّم أنّ الأكل مجاز في الانتفاع بالشيء انتفاعاً تامّا، لا يعود معه إلى الغير، فأكل الأموال هو الاستيلاء عليها بنية عدم إرجاعها لأربابها، وغالب هذا المعنى أن يكون استيلاء ظلم، وهو مجاز صار كالحقيقة.
وقد يطلق على الانتفاع المأذون فيه كقوله تعالى: ﴿ فإن طبن لكم عن شيء منه نفساً فكلوه هنيئاً مريئاً ﴾ [النساء: 4] وقوله: ﴿ ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف ﴾ [النساء: 6]، ولذلك غلب تقييد المنهي عنه من ذلك بقيد ﴿ بالباطل ﴾ ونحوه.
والضمير المرفوع ب (تأكلوا)، والضمير المضاف إليه أموال: راجعان إلى ﴿ الذين آمنوا ﴾ ، وظاهر أنّ المرء لا يُنهى عن أكل مال نفسه، ولا يسمّى انتفاعه بماله أكلاً، فالمعنى: لا يأكل بعضهم مال بعض.
والباطل ضدّ الحق، وهو ما لم يشرعه الله ولا كان عن إذن ربّه، والباء فيه للملابسة.
والاستثناء في قوله: ﴿ إلا أن تكون تجارة ﴾ منقطع، لأنّ التجارة ليست من أكل الأموال بالباطل، فالمعنى: لكنْ كونُ التجارة غيرُ منهي عنه.
وموقع المنقطع هنا بَيِّن جار على الطريقة العربية، إذ ليس يلزم في الاستدراك شمولُ الكلام السابق للشيء المستدرك ولا يفيدُ الاستدراكُ حصراً، ولذلك فهو مقتضى الحال.
ويجوز أن يجعل قيد ﴿ الباطل ﴾ في حالة الاستثناء مُلغى، فيكون استثناء من أكل الأموال ويكون متّصلاً، وهو يقتضي أن الاستثناء قد حصر إباحة أكل الأموال في التجارة، وليس كذلك، وأياماً كان الاستثناء فتخصيص التجارة بالاستدراك أو بالاستثناء لأنّها أشدُّ أنواع أكل الأموال شَبَها بالباطل، إذ التبرّعات كلّها أكل أموال عن طيب نفس، والمعاوضات غير التجارات كذلك لأنّ أخذ كلا المتعاوِضين عوضاً عمّا بذَله للآخر مساوياً لقيمته في نظره يُطيَّب نفسَه.
وأمّا التجارة فلأجْل ما فيها من أخذ المتصدّي للتجر ما لا زائداً على قيمة ما بذله للمشتري قد تُشبه أكل المال بالباطل فلذلك خصّت بالاستدراك أو الاستثناء.
وحكمة إباحة أكل المال الزائد فيها أنّ عليها مدار رواج السلع الحاجية والتحسينية، ولولا تصدّي التجّار وجلبُهم السلعَ لما وَجد صاحب الحاجة ما يسدّ حاجته عند الاحتياج.
ويشير إلى هذا ما في «الموطأ» عن عمر بن الخطاب أنّه قال: في احتكار الطعام «ولكنْ أيُّما جالب جلب على عَمُود كَبِدِه في الشتاء والصيف فذلك ضيفُ عُمَر فليبع كيف شاء ويمسك كيف شاء».
وقرأ الجمهور: ﴿ إلا أن تكون تجارة ﴾ برفع تجارة على أنّه فاعل لكانَ مِن كان التامّة، أي تَقَعَ.
وقرأه عاصم، وحمزة، والكسائي، وخلَف بنصب تجارة على أنّه خبر كان الناقصة، وتقدير اسمها: إلاّ أن تكون الأموال تجارة، أي أموال تجارة.
وقوله: ﴿ عن تراض منكم ﴾ صفة ل (تجارة)، و(عن) فيه للمجاوزة، أي صادرة عن التراضي وهو الرضا من الجانبين بما يدلّ عليه من لفظ أو عرف.
وفي الآية ما يصلح أن يكون مستنداً لقول مالك من نفي خِيار المجلس: لأنّ الله جعل مناط الانعقاد هو التراضي، والتراضي يحصل عند التبايع بالإيجاب والقبول.
وهذه الآية أصل عظيم في حرمة الأموال، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا يحلّ مالُ امرئ مسلم إلاّ عن طيب نَفس ".
وفي خطبة حجّة الوداع " إنَّ دماءكم وأموالكم عليكم حرام ".
وتقديم النهي عن أكل الأموال على النهي عن قتل الأنفس، مع أنّ الثاني أخطر، إمّا لأنّ مناسبة ما قبله أفْضت إلى النهي عن أكل الأموال فاستحقّ التقديم لذلك، وإمّا لأنّ المخاطبين كانوا قريبي عهد بالجاهلية، وكان أكل الأموال أسهل عليهم، وهم أشدّ استخفافاً به منهم بقتللِ الأنفس، لأنّه كان يقع في مواقع الضعف حيث لا يَدفع صاحبه عن نفسه كاليتيم والمرأةِ والزوجة.
فآكِل أموال هؤلاء في مأمَن من التبِعات بخلاف قتل النفس، فإنّ تبعاته لا يسلم منها أحد، وإن بلغ من الشجاعة والعزّة في قومه كلّ مبلغ، ولا أمنع من كُلَيْب وائل، لأنّ القبائل ما كانت تهدر دماء قتلاها.
قوله: ﴿ ولا تقتلوا أنفسكم ﴾ نهي عن أن يقتل الرجل غيرَه، فالضميراننِ فيه على التوزيع، إذ قد عُلم أنّ أحداً لا يقتل نفسَه فيُنهى عن ذلك، وقَتْل الرجل نفسه داخل في النهي، لأنّ الله لم يبح للإنسان إتلاف نفسه كما أباح له صرف ماله، أمّا أن يكون المراد هنا خصوص النهي عن قتل المرء نفسَه فلا.
وأمّا ما في «مسند أبي داود»: أنّ عَمرو بن العاص رضي الله عنه تيمّم في يوم شديد البَرْد ولم يغتسل، وذلك في غزوة ذات السلاسل وصلّى بالناس، وبلَغ ذلك رسولَ الله، فسأله وقال: يا رسول الله إنّ الله يقولُ: ﴿ ولا تقتلوا أنفسكم ﴾ ، فلم ينكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم فذلك من الاحتجاج بعموم ضمير (تقتلوا) دون خصوص السبب.
وقوله: ﴿ ومن يفعل ذلك ﴾ أي المذكورَ: من أكل المال بالباطل والقتل.
وقيل: الإشارة إلى مَا ذكر من قوله تعالى: ﴿ يأيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهاً ﴾ [النساء: 19] لأنّ ذلك كلّه لم يرد بعده وعيد، وورد وعيد قبله، قاله الطبري.
وإنّما قيّده بالعدوان والظلم ليخرج أكل المال بوجه الحقّ، وقتلُ النفس كذلك، كقتل القاتل، وفي الحديث: «فإذا قالوها عصَمُوا منّي دماءَهم وأموالَهم إلاّ بحقِّها».
والعدوان بضَمّ العين مصدر بوزن كفران، ويقال بكسر العين وهو التسلّط بشدّة، فقد يكون بظلم غالباً، ويكون بحقّ، قال تعالى: ﴿ فلا عدوان إلا على الظالمين ﴾ [البقرة: 193] وعطف قوله: ﴿ وظلماً ﴾ على ﴿ عدواناً ﴾ من عطف الخاصّ على العامّ.
و (سوف) حرف يدخل على المضارع فيمحّضه للزمن المستقبل، وهو مرادف للسين على الأصحّ، وقال بعض النحاة: (سوف) تدل على مستقبل بعيد وسمّاه: التسويف، وليس في الاستعمال ما يشهد لهذا، وقد تقدّم عند قوله: ﴿ وسيصلون سعيراً ﴾ في هذه السورة [النساء: 10].
و(نُصليه) نجعلُه صاليا أو محترقا، وقد مضى فعل صَلِي أيضاً، ووجهُ نصب (نارا) هنالك، والآية دلّت على كُلِّيَتَيْن من كليّات الشريعة: وهما حفظ الأموال، وحفظ الأنفس، من قسم المناسب الضروري.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ الزِّنى، والقِمارُ، والبَخْسُ، والظُّلْمُ، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ.
والثّانِي: العُقُودُ الفاسِدَةُ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: أنَّهُ نَهى أنْ يَأْكُلَ الرَّجُلُ طَعامَ قِرًى وأمَرَ أنْ يَأْكُلَهُ شِرًى ثُمَّ نَسَخَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ النُّورِ: ﴿ وَلا عَلى أنْفُسِكم أنْ تَأْكُلُوا مِن بُيُوتِكُمْ ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ أوْ أشْتاتًا ﴾ وهو قَوْلُ الحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ.
﴿ إلا أنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنكُمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ التَّراضِيَ هو أنْ يَكُونَ العَقْدُ ناجِزًا بِغَيْرِ خِيارٍ، وهو قَوْلُ مالِكٍ، وأبِي حَنِيفَةَ.
والثّانِي: هو أنْ يُخَيِّرَ أحَدُهُما صاحِبَهُ بَعْدَ العَقْدِ وقَبْلَ الِافْتِراقِ، وهو قَوْلُ شُرَيْحٍ، وابْنِ سِيرِينَ، والشَّعْبِيِّ.
وَقَدْ رَوى القاسِمُ بْنُ سُلَيْمانَ الحَنَفِيُّ عَنْ أبِيهِ عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرانَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ : « (البَيْعُ عَنْ تَراضٍ والخِيارُ بَعْدَ الصَّفْقَةِ ولا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أنْ يَغُشَّ مُسْلِمًا)» .
﴿ وَلا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي لا يَقْتُلْ بَعْضُكم بَعْضًا، وهَذا قَوْلُ عَطاءٍ، والسُّدِّيِّ، وإنَّما كانَ كَذَلِكَ لِأنَّهم أهْلُ دِينٍ واحِدٍ فَصارُوا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإذا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلى أنْفُسِكُمْ ﴾ .
والثّانِي: نَهى أنْ يَقْتُلَ الرَّجُلُ نَفْسَهُ في حالِ الغَضَبِ والضَّجَرِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوانًا وظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نارًا ﴾ فِيما تَوَجَّهَ إلَيْهِ هَذا الوَعِيدُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ﴾ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ أكْلُ المالِ بِالباطِلِ، وقَتْلُ النَّفْسِ بِغَيْرِ حَقٍّ.
والثّانِي: أنَّهُ مُتَوَجِّهٌ إلى كُلِّ ما نَهى عَنْهُ مِن أوَّلِ سُورَةِ النِّساءِ.
والثّالِثُ: أنَّهُ مُتَوَجِّهٌ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لا يَحِلُّ لَكم أنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهًا ﴾ .
﴿ عُدْوانًا وظُلْمًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي تَعَدِّيًا واسْتِحْلالًا.
والثّانِي: أنَّهُما لَفْظَتانِ مُتَقارِبَتا المَعْنى فَحَسُنَ الجَمْعُ بَيْنَهُما مَعَ اخْتِلافِ اللَّفْظِ تَأْكِيدًا.
﴿ إنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكم سَيِّئاتِكُمْ ﴾ في الكَبائِرِ سَبْعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها كُلُّ ما نَهى اللَّهُ عَنْهُ مِن أوَّلِ سُورَةِ النِّساءِ إلى رَأْسِ الثَّلاثِينَ مِنها، وهَذا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ في رِوايَةِ مَسْرُوقٍ، وعَلْقَمَةَ، وإبْراهِيمَ.
والثّانِي: أنَّ الكَبائِرَ سَبْعٌ: الإشْراكُ بِاللَّهِ، وقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ، وقَذْفُ المُحْصَنَةِ، وأكْلُ مالِ اليَتِيمِ، وأكْلُ الرِّبا، والفِرارُ مِنَ الزَّحْفِ، والتَّعَرُّبُ بَعْدَ الهِجْرَةِ، وهَذا قَوْلُ عَلِيٍّ، وعَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ.
والثّالِثُ: أنَّها تِسْعٌ: الإشْراكُ بِاللَّهِ، وقَذْفُ المُحْصَنَةِ، وقَتْلُ النَّفْسِ المُؤْمِنَةِ، والفِرارُ مِنَ الزَّحْفِ، والسِّحْرُ، وأكْلُ مالِ اليَتِيمِ، وعُقُوقُ الوالِدَيْنِ المُسْلِمَيْنِ، وأكْلُ الرِّبا، وإلْحادٌ بِالبَيْتِ الحَرامِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ.
والرّابِعُ: أنَّها أرْبَعٌ: الإشْراكُ بِاللَّهِ، والقُنُوطُ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ، واليَأْسُ مِن رَوْحِ اللَّهِ، والأمْنُ مِن مَكْرِ اللَّهِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ في رِوايَةِ أبِي الطُّفَيْلِ عَنْهُ.
والخامِسُ: أنَّها كُلُّ ما أوْعَدَ اللَّهُ عَلَيْهِ النّارَ، وهَذا قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، والحَسَنِ، ومُجاهِدٍ، والضَّحّاكِ.
والسّادِسُ: السَّبْعَةُ المَذْكُورَةُ في المَقالَةِ الثّانِيَةِ وزادُوا عَلَيْها الزِّنى، والعُقُوقَ، والسَّرِقَةَ، وسَبَّ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ.
والسّابِعُ: أنَّها كُلُّ ما لا تَصِحُّ مَعَهُ الأعْمالُ، وهَذا قَوْلُ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ.
﴿ نُكَفِّرْ عَنْكم سَيِّئاتِكُمْ ﴾ يَعْنِي مِنَ الصَّغائِرِ إذا اجْتَنَبْتُمُ الكَبائِرَ، فَأمّا مَعَ ارْتِكابِ الكَبائِرِ، فَإنَّهُ يُعاقَبُ عَلى الكَبائِرِ والصَّغائِرِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي حاتم والطبراني بسند صحيح عن ابن مسعود في قوله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ﴾ قال: إنها محكمة ما نسخت ولا تنسخ إلى يوم القيامة.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في الآية قال: أما أكلهم أموالهم بينهم بالباطل، فالزنا والقمار والبخس والظلم ﴿ إلا أن تكون تجارة ﴾ فليرب الدرهم ألفاً إن استطاع.
وأخرج ابن جرير عن عكرمة والحسن في الآية قال: كان الرجل يتحرَّج أن يأكل عند أحد من الناس بعدما نزلت هذه الآية، فنسخ ذلك بالآية التي في النور ﴿ ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم..
﴾ [ النور: 61] الآية.
أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ﴾ قال: عن تراض في تجارة، بيع أو عطاء يعطيه أحد أحداً.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير والبيهقي في سننه عن قتادة في الآية قال: التجارة رزق من رزق الله، وحلال من حلال الله لمن طلبها بصدقها وبرها، وقد كنا نحدث أن التاجر الأمين الصدوق مع السبعة في ظل العرش يوم القيامة.
وأخرج الترمذي وحسنه والحاكم عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم «قال التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين والشهداء» .
وأخرج ابن ماجه والحاكم والبيهقي عن ابن عمر مرفوعاً قال: «التاجر الصدوق الأمين المسلم مع الشهداء يوم القيامة» .
وأخرج الحاكم عن رافع بن خديج قال: قيل: يا رسول الله أي الكسب أطيب؟
قال: «كسب الرجل بيده، وكل بيع مبرور» .
وأخرج الحاكم والبيهقي في سننه عن أبي بردة قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الكسب أطيب أو أفضل؟
قال: «عمل الرجل بيده، وكل بيع مبرور» .
وأخرج سعيد بن منصور عن نعيم بن عبد الرحمن الأزدي قال «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تسعة أعشار الرزق في التجارة، والعشر في المواشي» .
وأخرج الأصبهاني في الترغيب عن صفوان بن أمية قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أعلم أن عون الله مع صالحي التجار» .
وأخرج الأصبهاني عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «التاجر الصدوق في ظل العرش يوم القيامة» .
وأخرج الأصبهاني عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أطيب الكسب كسب التجار، الذين إذا حدثوا لم يكذبوا، وإذا وعدوا لم يخلفوا، وإذا ائتمنوا لم يخونوا، وإذا اشتروا لم يذموا، وإذا باعوا لم يمدحوا، وإذا كان عليهم لم يمطلوا، وإذا كان لهم لم يعسروا» .
وأخرج الأصبهاني عن أبي أمامة مرفوعاً: «أن التاجر إذا كان فيه أربع خصال طاب كسبه: إذا اشترى لم يذم، وإذا باع لم يمدح، ولم يدلس في البيع، ولم يحلف فيما بين ذلك» .
وأخرج الحاكم وصححه عن رفاعة بن رافع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن التجار يبعثون يوم القيامة فجاراً إلا من اتقى الله، وبرَّ، وصدق» .
وأخرج أحمد والحاكم وصححه عن عبد الرحمن بن شبل قال: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن التجار هم الفجار.
قالوا: يا رسول الله أليس قد أحل الله البيع؟
قال: بلى.
ولكنهم يحلفون فيأثمون، ويحدثون فيكذبون» .
وأخرج الحاكم وصححه عن عمرو بن تغلب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن من أشراط الساعة أن يفيض المال، ويكثر الجهل، وتظهر الفتن، وتفشو التجارة» .
أخرج ابن ماجه وابن المنذر عن ابن سعيد في قوله تعالى ﴿ عن تراضٍ منكم ﴾ قال: قال رسول الله: «إنما البيع عن تراض» .
وأخرج ابن جرير عن ميمون بن مهران قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «البيع عن تراض والخيار بعد الصفقة، ولا يحل لمسلم أن يغش مسلماً» .
وأخرج عبد بن حميد عن أبي زرعة.
أنه باع فرساً له فقال لصاحبه: اختر فخيره ثلاثاً ثم قال له: خيرني.
فخيره ثلاثاً، ثم قال: سمعت أبا هريرة يقول: هذا البيع عن تراض.
وأخرج ابن ماجة عن جابر بن عبد الله قال: «اشترى رسول الله صلى الله عليه وسلم من رجل من الأعراب حمل خبط، فلما وجب البيع قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اختر...
فقال الأعرابي: عمرك الله بيعاً» .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس «أن النبي صلى الله عليه وسلم باع رجلاً ثم قال له: اختر...
فقال: قد اخترت...
فقال: هكذا البيع» .
وأخرج ابن جرير عن أبي زرعة أنه كان إذا بايع رجلاً يقول له: خيرني...
ثم يقول: قال أبو هريرة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يفترق بيعان إلا عن رضا» .
وأخرج ابن جرير عن أبي قلابة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يا أهل البقيع لا يتفرقن بيعان إلا عن رضا» .
وأخرج البخاري والترمذي والنسائي عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، أو يقول أحدهما للآخر: اختر...» .
أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي صالح وعكرمة ﴿ ولا تقتلوا أنفسكم ﴾ قالا: نهاهم عن قتل بعضهم بعضاً.
وأخرج ابن المنذر عن مجاهد ﴿ ولا تقتلوا أنفسكم ﴾ لا يقتل بعضكم قال: بعضاً.
وأخرج ابن جرير عن عطاء بن أبي رباح.
مثله.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن السدي ﴿ ولا تقتلوا أنفسكم ﴾ قال: أهل دينكم.
وأخرج أحمد وأبو داود وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عمرو بن العاص قال: «بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم عام ذات السلاسل، احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، فتيممت به ثم صليت بأصحابي صلاة الصبح، فلما قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ذكرت ذلك له فقال: يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب؟
قلت: نعم يا رسول الله، إني احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، وذكرت قول الله: ﴿ ولا تقتلوا أنفسكم ﴾ فتيممت ثم صليت.
فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يقل شيئاً» .
وأخرج الطبراني عن ابن عباس «أن عمرو بن العاص صلى بالناس وهو جنب، فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكروا ذلك له، فدعاه فسأله عن ذلك، فقال: يا رسول الله خشيت أن يقتلني البرد، وقد قال الله تعالى ﴿ ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيماً ﴾ فسكت عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم» .
وأخرج سعيد بن منصور وابن سعد وابن المنذر عن عاصم بن بهدلة.
أن مسروقاً أتى صفين فقام بين الصفين فقال: يا أيها الناس أنصتوا، أرأيتم لو أن منادياً ناداكم من السماء فرأيتموه وسمعتم كلامه، فقال: إن الله ينهاكم عما أنتم فيه، أكنتم منتهين؟
قالوا: سبحان الله..
!
قال: فوالله لقد نزل بذلك جبريل على محمد، وما ذاك بأبين عندي منه، إن الله قال: ﴿ ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيماً ﴾ ثم رجع إلى الكوفة.
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ ومن يفعل ذلك ﴾ يعني الأموال والدماء جميعاً ﴿ عدواناً وظلماً ﴾ يعني متعمداً إعتداء بغير حق ﴿ وكان ذلك على الله يسيراً ﴾ يقول: كان عذابه على الله هيناً.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جرير قال: قلت لعطاء: أرأيت قوله تعالى ﴿ ومن يفعل ذلك عدواناً وظلماً فسوف نصليه ناراً ﴾ في كل ذلك أم في قوله: ﴿ ولا تقتلوا أنفسكم ﴾ ؟
قال: بل في قوله: ﴿ ولا تقتلوا أنفسكم ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
وقوله تعالى: ﴿ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا ﴾ الآية.
كان ابن عباس يقول: الإشارة تعود إلى كل ما نُهي عنه من أول سورة النساء إلى هذا الموضع (١) وقال ابن جريج: قلت لعطاء: أفي كل ذلك؟
قال: لا، ولكن في قتل النفس (٢) (٣) وقال قوم: الوعيد راجع إلى أكل المال بالباطل وقتل النفس المحرمة، فالوعيد بكل واحدة من الخصلتين.
وهذا اختيار الزجاج، قال: وعد الله عز وجل على أكل المال ظلمًا، وعلى القتل عدوانًا النار.
قال: ومعنى العدوان أن يعدوا ما أُمِر به (٤) والأظهر هذا القول؛ لاتصال الوعيد بذكر النهي عن الأمرين.
وقوله تعالى: ﴿ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا ﴾ يقال: يسر الشيء فهو يسير، وهو ضد عسير (٥) (٦) 31 - قوله تعالى: ﴿ إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ ﴾ الآية.
الاجتناب والتجنّب والمجانبة المُباعدة عن الشيء وتركه جانبًا (٧) وقالت تَجَنَّبنا ولا تَقْرَبنَّنا ...
فَكَيف وأنتم حاجَتِي أَتَجَنَّبُ (٨) وسنذكر هذا ملخصًا عند قوله: ﴿ وَالْجَارِ الْجُنُبِ ﴾ إن شاء الله.
واختلفوا في الكبائر ما هي؟
فروى عبد الله بن عمرو (٩) قال: "الكبائر: الإشراك بالله، واليمين الغموس، وعقوق الوالدين، وقتال النفس" (١٠) وروى أبو هريرة عنه أنه قال: "الكبائر أولهن الإشراك بالله، وقتل النفس بغير حقها، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم بِدارًا أن يكبَروا، وفرارٌ يوم الزحف، ورمي المحصنة، والانقلاب إلى الأعراب بعد الهجرة" (١١) وقال ابن عباس في رواية سعيد بن جبير: كل شيء عُصِي اللهُ فيه فهو كبيرة، فمن عمل منها شيئًا فليستغفر الله، فإن الله لا يُخلّد في النار من هذه الأمة إلا راجعًا عن الإسلام، أو جاحد فريضة، أو مكذبًا بقدر (١٢) وقال في رواية علي بن أبي طلحة: هي كل ذنب ختمه الله عز وجل بنار، أو غصب، أو لعنة، أو عذاب (١٣) وهذا قول الحسين (١٤) (١٥) وروى السدي، عن أبي مالك، قال: ذكروا الكبائر عند عبد الله بن مسعود، فقال عبد الله بن مسعود: افتتحوا سورة النساء، فكل شيء نهى الله عنه حتى ثلاث وثلاثين آية (١٦) ثم قال: مصداق ذلك: ﴿ إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ ﴾ الآية (١٧) (١٨) والصحيح أنه ليس لها حدّ يعرفه العباد وتتميّز به من الصغائر تميُّزَ إشارة، ولو عُرف ذلك لكانت الصغائر مباحة، ولكن الله تعالى يعلم ذلك وأخفاه عن العباد، ليجتهد كل أحد في اجتناب ما نهى عنه رجاء أن يكون مجتنب الكبائر.
ونظير هذا في الشريعة إخفاء الصلاة الوسطى في الصلوات، وليلة القدر في ليالي رمضان، وساعة الإجابة في ساعات الجمعة.
يؤكد هذا ما رُوي عن ابن جبير أنه قال: سأل رجل ابن عباس عن الكبائر أسبع هي؟
قال: هي إلى السّبعمائة أقرب، إلا أنه لا كبيرة مع الاستغفار ولا صغيرة مع الإصرار (١٩) وقال السدي: الكبائر ما رآه الناس بينهم فاحشة قبيحة.
وذهب في هذا إلى معنى اللفظ، وذلك أن حقيقة الكبائر ما كَبُر وعظُم من الذنوب.
قاله الزجاج (٢٠) وقوله تعالى: ﴿ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ ﴾ .
السيئات المكفّرة باجتناب الكبائر هي ما دون الكبائر، والمعاصي مما يجتمع في عمله أهل الصلاح وأهل الفسق، مثل النظرة والكذبة واللمسة والقُبلة، وأشباه ذلك.
وهذه تقع مكفّرةً بالصلوات الخمس، فقد قال : "الخمس كفارات لما بينهن ما اجتنبت (٢١) (٢٢) (٢٣) وقوله تعالى: ﴿ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا ﴾ .
وقرئ (مَدخلا) (٢٤) ﴿ وَنُدْخِلْكُمْ ﴾ محتمل أمرين: أحدهما: أن يكون مصدرًا وتضمر له فعلًا دلّ عليه الفعل المذكور، وانتصابه بذلك الفعل المضمر.
والتقدير: وندخلكم فتدخلون مَدْخَلًا.
والثاني: أن يكون مكانًا، كأنه قال: وندخلكم مكانًا.
وهو على هذا التقدير منتصب بهذا الفعل المذكور (٢٥) ومن قرأ بضم الميم جاز أن يكون مكانًا، وأن يكون مصدرًا، فإن جعلته مصدرًا جاز أن تريد مفعولًا محذوفًا من الكلام، كأنه: وندخلكم الجنة مدخلًا كريمًا، أي إدخالًا كريمًا (٢٦) والأشبه على القراءتين أن يكون مكانًا؛ لأن المفسرين قالوا في قوله: ﴿ مُدْخَلًا كَرِيمًا ﴾ : هو الجنة (٢٧) ﴿ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ ﴾ ، فوصف المكان بالكريم، فكذلك يكون قوله: ﴿ مُدْخَلًا ﴾ يراد به المكان مثل المقام.
ويجوز أن يكون المراد به الدخول أو الإدخال؛ فإن (٢٨) ﴿ الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ ﴾ الآية (٢٩) ومعنى الكريم: الشريف الفاضل، قال الله تعالى: ﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ ﴾ أي أفضلكم، وقال: ﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ ﴾ أي شرفناهم وفضلناهم، ومنه قوله: ﴿ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ ﴾ أي فضلت.
وزدنا بيانًا لمعنى الكريم في سورة الأنفال، عند قوله: ﴿ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ﴾ .
(١) انظر: "زاد المسير" 2/ 62، "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 83.
(٢) أخرجه بمعناه الطبري 5/ 36، وابن المنذر كما في "الدر المنثور" 2/ 260.
(٣) انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 410.
(٤) "معاني الزجاج" 2/ 44.
لكن آخر كلام الزجاج: وعلى القتال النار.
(٥) انظر: "معاني الزجاج" 2/ 45.
(٦) انظر: "الطبري" 5/ 36.
(٧) انظر: "اللسان" 2/ 692 (جنب).
(٨) البيت ليزيد بن مفرغ الحميري في "ديوانه" ص 44، وبلا نسبة في "الأغاني" 18/ 278، و"الحماسة" 2/ 103، ومنسوبًا في "وفيات الأعيان" 6/ 352.
(٩) هو أبو محمد أو أبو عبد الرحمن عبد الله بن عمرو بن العاص بن وائل السهمي القرشي صحابي فاضل، أسلم قبل أبيه وكان عالمًا بالقرآن والكتب المتقدمة ومن كتاب رسول الله ويعد من العبادلة الفقهاء، توفي -رحمه الله- سنة 65هـ.
انظر: "أسد الغابة" 2/ 348، "سير أعلام النبلاء" 3/ 80، "الإصابة" 2/ 351.
(١٠) أخرجه البخاري (6675) كتاب الإيمان والنذور، باب: اليمين الغموس.
(١١) أخرجه بمعناه البخاري (2766) كتاب الوصايا، باب: 23 قول الله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا ﴾ 3/ 195، ومسلم (89) كتاب الإيمان، باب: == بيان الكبائر 1/ 92 (ح 145).
وأخرجه بهذا اللفظ الثعلبي -شيخ المؤلف- في "الكشف والبيان" 4/ 44، 45.
(١٢) أخرجه من أوله إلى قوله: فهو كبيرة الطبري 5/ 41.
وقد ضعف هذا القول ابن الجوزي في "زاد المسير" 2/ 66.
(١٣) "تفسير ابن عباس" ص 144، وأخرجه ابن جرير 5/ 41.
(١٤) هكذا والظاهر أن الصواب: الحسن.
انظر: "زاد المسير" 2/ 66، وابن كثير 1/ 531.
(١٥) أخرجه عن سعيد بن جبير والضحاك بمعناه دون التمثيل بقتل النفس وما بعده من الطبري 5/ 42، وانظر "زاد المسير" 2/ 62.
(١٦) في (أ): (أنه)؛ ولعله تصحيف، فهو مخالف للآثار الواردة.
(١٧) أخرجه من طريق السدي الثعلبي في "الكشف والبيان" 4/ 45 أ، ب، وأخرجه من طرق أخرى بنحوه الطبري 5/ 37، وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد بلفظ قريب من هذا اللفظ.
انظر "الدر المنثور" 2/ 260.
(١٨) انظر: "تفسير مقاتل" بن سليمان 1/ 369، "بحر العلوم" 1/ 349.
(١٩) أخرجه الطبري 5/ 41، وابن المنذر وابن أبي حاتم، انظر: "الدر المنثور" 2/ 261.
(٢٠) "معانى القرآن وإعرابه" 2/ 45.
(٢١) في (أ): (ما اجتنب).
(٢٢) هذه الكلمة ليست في (د).
(٢٣) أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة بلفظ: " الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفرات ما بينهن إذا اجتنب الكبائر" (233) كتاب الطهارة، باب: 5 الصلوات الخمس.
(٢٤) هذه القراءة لأبي جعفر ونافع.
انظر: "الحجة" 3/ 153، "المبسوط" ص 156، "النشر" 2/ 249.
(٢٥) الوجهان لهذه القراءة من "الحجة" 3/ 153، 154 بتصرف.
(٢٦) انظر: "الحجة" 3/ 154.
(٢٧) انظر: "الطبري" 5/ 45 - 46 (٢٨) في "الحجة" 3/ 154 - والكلام من قوله: والأشبه- له وجاء هذا الحرف (وإن) وهو أصوب.
(٢٩) انتهى من "الحجة" 3/ 154.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَمَن يَفْعَلْ ذلك ﴾ إشارة إلى القتل، لأنه أقرب مذكور، وقيل: إليه وإلى أكمل المال بالباطل، وقيل: إلى كل ما تقدّم من المنهيات من أوّل السورة ﴿ إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ ﴾ اختلف الناس في الكبائر ما هي؟
فقال ابن عباس: الكبائر كل ذنب ختمه الله بنار أو لعنة أو غضب، وقال ابن مسعود: اكلبائر هي الذنوب المذكورة من أول هذه السورة إلى أول هذه الآية، وقال بعض العلماء: كل ما عصيّ الله به، فهو كبيرة، وعدّها بعضهم سبعة عشرة، وفي البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم: «اتقوا السبع الموبقات: الإشراك بالله، والسحر، وقتل النفس، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات» فلا شك أن هذه من الكبائر للنص عليها في الحديث، وعيد عليها، فمنها عقوق الوالدين، وشهادة الزور، واليمين الغموس، والزنا، والسرقة، وشرب الخمر، والنهبة، والقنوط من رحمة الله، والأمن من مكر الله، ومنع ابن السبيل الماء، والإلحاد في البيت الحرام، والنميمة، وترك التحرّز من البول، والغلول، واستطالة المرء في عرض أخيه، والجور في الحكم ﴿ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ ﴾ وعد بغفران الذنوب الصغائر إذا اجتنبت الكبائر ﴿ مُّدْخَلاً كَرِيماً ﴾ اسم مكان وهو هنا الجنة.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ والمحصنات ﴾ في كل القرآن بكسر الصاد إلاّ قوله: ﴿ والمحصنات من النساء ﴾ على الباقون بالفتح ﴿ وأحل ﴾ مبنياً للمفعول: يزيد وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد.
الباقون: مبنياً للفاعل ﴿ أحصن ﴾ بفتح الهمزة والصاد: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير حفص.
الباقون: ﴿ أحصن ﴾ بضم الهمزة وكسر الصاد.
﴿ تجارة ﴾ بالنصب: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير حفص.
الباقون: بالرفع.
الوقوف: ﴿ دخلتم بهن ﴾ الأولى (ز) لابتداء الشرط مع اتحاد المقصود ﴿ فلا جناح عليكم ﴾ (ز) لذلك فإن جملة الشرط معترضة ﴿ أصلابكم ﴾ (لا) للعطف ﴿ سلف ﴾ (ط) / ﴿ رحيماً ﴾ (ه) لا للعطف ﴿ أيمانكم ﴾ (ج) لأن ﴿ كتاب الله ﴾ يحتمل أن يكون مصدر التحريم لأنه في معنى الكتابة، ويحتمل أن يكون مصدر محذوف أي كتب الله كتاباً، والأحسن أن يكون مفعولاً له أي حرمت لكتاب الله.
من قرأ ﴿ وأحل ﴾ بالفتح لم يحسن الوقف له على ﴿ عليكم ﴾ للعطف على "كتب"، ومن قرأ ﴿ وأحل ﴾ بالضم عطفاً على ﴿ حرمت ﴾ جاز له الوقف لطول الكلام ﴿ مسافحين ﴾ (ط) لابتداء حكم المتعة ﴿ فريضة ﴾ (ط) ﴿ الفريضة ﴾ (ه) ﴿ حكيماً ﴾ (ه) ﴿ فتياتكم المؤمنات ﴾ (ط) ﴿ بإيمانكم ﴾ (ط) ﴿ من بعض ﴾ (ج) لعطف المختلفين ﴿ أخدان ﴾ (ج) لذلك ﴿ من العذاب ﴾ (ط) ﴿ العنت منكم ﴾ (ط) ﴿ خير لكم ﴾ (ط) ﴿ رحيم ﴾ (ه) ﴿ ويتوب عليكم ﴾ (ط) ﴿ حكيم ﴾ (5) ﴿ عظيماً ﴾ (ه) ﴿ يخفف عنكم ﴾ (ج) لانقطاع النظم مع اتحاد المعنى أي يخفف لضعفكم ﴿ ضعيفاً ﴾ (ه) ﴿ أنفسكم ﴾ (ط) ﴿ رحيماً ﴾ (ه) ﴿ ناراً ﴾ (ط) ﴿ يسيراً ﴾ (ه).
التفسير: إنه نص على تحريم أربعة عشر صنفاً من النسوان، سبعة من جهة النسب: الأمهات والبنات والأخوات والعمات والخالات وبنات الأخ وبنات الأخت، وسبعة أخرى لا من جهة النسب: الأمهات من الرضاعة، والأخوات من الرضاعة، وأمهات النساء، وبنات النساء بشرط الدخول بالنساء، وأزواج الأبناء والآباء - وهذه في الآية المتقدمة - والجمع بين الأختين، والمحصنات من النساء.
وذهب الكرخي إلى أن هذه الآية مجملة لأنه أضيف التحريم فيها إلى الأمهات والبنات، والتحريم لا يمكن إضافته إلى الأعيان وإنما يمكن إضافته إلى الأفعال وذلك غير مذكور في الآية، فليست إضافة هذا التحريم إلى بعض الأفعال التي لا يمكن إيقاعها في ذوات الأمهات والبنات أولى من بعض وهذا معنى الإجمال.
والجواب من المعلوم بالضرورة من دين محمد أن المراد منه تحريم نكاحهن لا سيما وقد تقدم قوله: ﴿ ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم ﴾ ومثله قوله : "لا يحل دم امرىء مسلم إلاّ لإحدى خصال ثلاث " فإنه لا يشتبه أن المراد لا يحل إراقة دمه.
ثم إنّ قوله: ﴿ حرمت ﴾ إنشاء للتحريم كقول القائل "بعت" أو "طلقت" لا إخبار عن التحريم في الزمان الماضي ولا يشتبه أن المحرم هو الله كقوله: ﴿ بعثر ما في القبور وحصل ما في الصدور ﴾ والخطاب لأولئك الحاضرين بالذات ولمن عداهم من الأمة بالتبعية.
والأصل في كل حكم هو الاستمرار والتأبيد ما لم ينسخه ناسخ، والقرينة / تدل على أن المراد أنه حرم على كل أحد أمه خاصة وبنته خاصة.
واعلم أنّ حرمة الأمهات والبنات كانت ثابتة من زمان آدم إلى هذا الزمان، ولم يثبت حل نكاحهن في شيء من الأديان، بل إنّ زرادشت نبي المجوس بزعمهم قال بحله إلاّ أن أكثر المسلمين اتفقوا على أنه كان كذاباً.
أما نكاح الأخوات فقد نقل أن ذلك كان مباحاً في زمان آدم وذلك للضرورة، وبعض المسلمين ينكره ويقول: إنه بعث الحور من الجنة حتى تزوج بهن أبناء آدم، ويرد عليه أنّ هذا النسل حينئذ لا يكون محض أولاد آدم وذلك بالإجماع باطل.
قال العلماء: السبب في تحريم الأمهات والبنات أن الوطء إذلال وإهانة فلا يليق بالأصل والجزء.
والأمهات جمع الأم والهاء زائدة.
ووزن أم "فعل" أو أصلية ووزنه "فع".
وقد يجيء جمعه على "أمات" وقد يقال الأمهات للإنسان، والأمات لغيره، وكل امرأة رجع نسبك إليها بالولادة من جهة أبيك أو من جهة أمك بدرجة أو درجات بإناث رجعت إليها أو بذكور فهي أمك.
ولا شك أن لفظ الأم حقيقة في التي ولدتك، أما في الجدة فيحتمل أن يكون حقيقة أيضاً وحينئذٍ يكون اللفظ متواطئاً فيها إن كان موضوعاً بإزاء قدر مشترك بينهما، وتكون الآية نصاً في تحريمها أو يكون مشتركاً بينهما.
وحينئذٍ إن جوز استعمال اللفظ المشترك في كلا مفهوميه فالآية نص في تحريمها أيضاً وإلا فطريقان: أحدهما أن تحريم الجدات مستفاد من الإجماع، والثاني أنه تكلم بهذه الآية مرتين لكل من المفهومين.
وكذا الكلام إن قلنا إنّ الأم حقيقة في الوالدة مجاز في الجدات.
قال الشافعي: إذا تزوج الرجل بأمه ودخل بها يلزمه الحد.
وقال أبو حنيفة: لا يلزمه.
حجة الشافعي أن وجود هذا النكاح وعدمه بمثابة واحدة لكونه محرّماً قطعاً في حكم الشرع فيكون وطؤها زناً محضاً.
الصنف الثاني من المحرمات البنات ويراد بهن كل أنثى رجع نسبها إليك بالولادة بدرجة أو درجات بإناث أو بذكور.
والكلام في أن إطلاق لفظ البنت على بنت الابن وبنت البنت حقيقة أو مجاز كما مر في الأمهات.
قال أبو حنيفة: البنت المخلوقة من ماء الزنا تحرم على الزاني.
وقال الشافعي: لا تحرم لأنها ليست بنتاً له شرعاً لقوله : " "الولد للفراش" وهذا يقتضي حصر النسب في الفراش، ولأنها لو كانت بنتاً له لأخذت الميراث ولثبت له ولاية الإجبار عليها، ولوجب عليه نفقتها وحضانتها، ولحل الخلوة بها، لكن التوالي باطلة بالاتفاق فكذا المقدم.
وأيضاً إنّ أبا حنيفة إما أن يثبت كونها بنتاً له على الحقيقة وهي كونها مخلوقة من مائه، أو بناء على حكم الشرع والأول باطل على مذهبه طرداً وعكساً.
أما الطرد فهو أنه إذا اشترى جارية بكراً وافتضها وحبسها ي داره إلى أن تلد فهذا الولد معلوم أنه مخلوق من مائة قطعاً مع أنه لا يثبت نسبه إلاّ عند الاستلحاق، وأما العكس فهو أن المشرقي إذا تزوج بالمغربية وحصل هناك ولد فإنه يثبت النسب مع القطع بأنه غير مخلوق من مائه.
والثاني أيضاً باطل بإجماع المسلمين على أنه لا نسب لولد الزاني من الزاني، ولو انتسب إليه وجب على القاضي منعه.
الصنف الثالث: الأخوات ويشمل الأخوات من الأب والأم، ومن الأب فقط، ومن الأم فقط، الصنف الرابع والخامس العمات والخالات.
قال الواحدي: كل ذكر رجع نسبك إليه فأخته عمتك وقد تكون العمة من جهة الأم وهي أخت أبي أمك، وكل أنثى رجع نسبها إليك بالولادة فأختها خالتك.
وقد تكون الخالة من جهة الأب وهي أخت أم أبيك، ولاتحرم أولاد العمات وأولاد الخالات.
الصنف السادس والسابع: بنات الأخ وبنات الأخت، والقول فيهما كالقول في بنت الصلب.
الثامن والتاسع: قوله: ﴿ وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة ﴾ سمى المرضعات أمهات تفخيماً لشأنهن كما سمى أزواج النبي أمهات لحرمتهن.
وليس قوله: ﴿ وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم ﴾ كقول القائل: وأمهاتكم اللاتي كسونكم أو أطعمنكم.
وإلاّ كان تكراراً لقوله: ﴿ حرمت عليكم أمهاتكم ﴾ بل المراد أن الرضاع هو الذي تستحق هي بسببه الأمومة ويعلم من تسمية المرضعة.
أما والراضعة أختاً إنه أجرى الرضاع مجرى النسب لأن المرحمات بسبب النسب سبع: اثنتان بالولادة وهما الأمهات والبنات، والباقية بطريق الإخوة وهو الأخوات والعمات والخالات وبنات الأخ وبنات الأخت، فذكر من كل واحد من القسمين صورة واحدة تنبيهاً بها على الباقي منهما.
فذكر من قسم الولادة الأمهات، ومن قسم الإخوة الأخوات.
ثم إنه أكد هذا البيان بصريح قوله: " "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب " فصار صريح الحديث مطابقاً لمفهوم الآية.
وهذا بيان لطيف فأمك من الرضاع كل أنثى أرضعتك، أو أرضعت من أرضعتك، أو أرضعت من ولدك من الآباء والأمهات، أو ولدت المرضعة، أو الفحل الذي منه اللبن بواسطة أو بغير واسطة.
وبنتك من الرضاع كل أنثى أرضعت بلبنك، أو أرضعت بلبن من ولدت من الأبناء أو البنات.
وأختك من الرضاع كل أنثى أرضعتها أمك أو أرضعت بلبن أبيك، أو ولدتها المرضعة أو الفحل الذي جر لبنه على المرضعة.
وعمتك كل أنثى من الرضاع من جهة الأب، وكل أنثى أرضعت بلبن واحد من أجدادك، أو كانت أخت الفحل الذي ارضعت / بلبنه.
ومن جهت الأم كل أنثى هي أخت ذكر أرضعت أمك بلبنه بواسطة أو بغير واسطة.
وخالتك من الرضاع من جهة الأم كل أنثى هي أخت أمك من الرضاع، أو أخت من ارضعتك من النسب أو الرضاع.
ومن جهة الأب كل أنثى هي أخت أنثى أرضعت أباك من الرضاع أو النسب.
وبنات الإخوة والأخوات من الرضاع كل أنثى ولدها ابن مرضعتك أو بنتها أو ولدها ابن الفحل الذي منه اللبن، أو بنته من الرضاع أو النسب، أو أرضعتها أختك أو أرضعت بلبن أخيك.
وكذلك حكم بنات أولاد من أرضعته أختك أو أرضعت بلبن أخيك من الرضاع أو النسب، وكذلك بنات من أرضعته أمك أو أرضع بلبن أبيك وبنات أولادهما من الرضاع أو النسب.
والرضاع المحرّم قد يسبق النكاح فيمنع انعقاده، وقد يطرأ عليه فيقطعه.
وللرضاع أركان: أحدها المرضع ويجب أن تكون امرأة، فلبن البهيمة لا يثبت تحريماً بين الذكر والأنثى للذين شربا منه وكذا لبن الرجل، وأن تكون حية.
وعند أبي حنيفة ومالك وأحمد يتعلق بلبن الميتة التحريم، وأن تكون محتملة للولادة بأن بلغت تسع سنين.
وثانيها اللبن ويتعلق به التحريم ولو تغيّر بحموضة أو انعقاد أو إغلاء أو اتخذ منه جبن أو زيد أو مخيض أو أقط أو ثرد فيه طعام أو عجن به دقيق وخبز أو خلط بمائع حلال أو حرام.
وثالثها المحل وهو معدة الصبي الحي فلا أثر للحقنة، ولا بعد الحولين الهلاليين، ولا للوصول إلى معدة الصبي الميت.
ولا بد مع ذلك من خمس رضعات لقوله : " لا تحرم المصة والمصتان ولا الرضعة والرضعتان" ولما روت عائشة " خمس رضعات يحرّمن " وعند أبي حنيفة: الرضعة الواحدة كافية.
الصنف العاشر قوله: ﴿ وأمهات نسائكم ﴾ ويدخل فيه الجدات من قبل الأب والأم.
الحادي عشر ﴿ وربائبكم اللاتي في حجوركم ﴾ والربائب جمع ربيبة وهي بنت امرأة الرجل من غيره، ومعناها مربوبة لأنّ الرجل يربها.
والحجور جمع حجر بالفتح والكسر.
وكونها في حجرة عبارة عن تربيته وهو بناء للكلام على الغالب ومثله هو في حضانة فلان وأصله من الحضن الذي هو الإبط.
وقال أبو عبيد: في حجوركم أي في بيوتكم.
وعن علي أنه جعل كونها ربيبة له وكونها في حجرة شرطاً في التحريم وهو استدلال حسن.
وأما سائر العلماء فذهبوا إلى / أنّ الكلام أخرج مخرج الأعم الأغلب، وأنه إذا دخل بالمرأة حرمت ابنتها عليه سواء كانت في تربيته أو لم تكن.
أما اشتراط الدخول بأمها فلقوله: ﴿ من نسائكم اللاتي دخلتم بهن ﴾ وهو متعلق بربائبكم كا تقول: بنات رسول الله من خديجة.
وأما عدم اشتراط التربية فلقوله: ﴿ فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم ﴾ علق رفع الجناح بمجرد عدم الدخول، وهذا يقتضي أن السبب لحصول الجناح هو مجرد الدخول.
وذهب جمع من الصحابة أن أم المرأة إنما تحرم بالدخول بالبنت كما أن الربيبة إنما تحرم بالدخول بأمها وهو قول علي وزيد وابن عمر وابن الزبير وجابر وأظهر الروايات عن ابن عباس.
وحجتهم أنه تعالى ذكر جملتين وهو قوله: ﴿ وأمهات نسائكم وربائبكم اللاتي في حجوركم ﴾ ثم ذكر شرطاً وهو قوله: ﴿ من نسائكم اللاتي دخلتم بهن ﴾ فوجب أن يكون ذلك الشرط معتبراً في الجملتين معاً.
وأما الأكثرون من الصحابة والتابعين فعلى أن قوله: ﴿ وأمهات نسائكم ﴾ جملة مستقلة بنفسها ولم يدل دليل على عود ذلك الشرط إليه إذ الظاهر تعلق الشرط بالثانية، وإذا تعلق الشرط بالثانية أو تعلق بإحدى الجمليتين فلا حاجة إلى تعليقه بأخرى.
وأيضاً عود الشرط إلى الجملة الأولى وحدها باطل بالإجماع وكذا عوده إليهما معاً، لأنّ معنى "من" مع الأولى البيان، ومعناها مع الثانية ابتداء الغاية، واستعمال اللفظ المشترك في مفهومية معاً غير جائز.
نعم لو جعل "من" للاتصال كقوله: ﴿ والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض ﴾ أمكن اعتبار الاتصال في النساء والربائب معاً، فأمهات النساء متصلات بالنساء لأنهن أمهاتهن، كما أن الربائب متصلات بأمهاتهن لأنهن بناتهن.
إلاّ أن هذا التفسير فيه خلل من جهة اللفظ ومن جهة المعنى.
أما اللفظ فلأن قوله: ﴿ وأمهات نسائكم ﴾ وكذا ربائبكم يكون حينئذٍ مبتدأ وقوله ﴿ من نسائكم ﴾ خبراً ويقع بين المعطوفات فاصلة لأن قوله: ﴿ وحلائل أبنائكم ﴾ وما بعده معطوف على فاعل ﴿ حرمت ﴾ .
وأما من جهة المعنى فلأن الحكم بالاتصال والاتحاد يقتضي التحليل لا التحريم ظاهراً.
ومما يدل على أن الجملة الأولى مرسلة ما روي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي أنه قال: " إذا نكح الرجل امرأة فلا يحل له أن يتزوج أمها دخل بالبنت أو لم يدخل، وإذا تزوج بالأم فلم يدخل بها ثم طلّقها فإن شاء تزوّج البنت " وكان عبد الله بن مسعود يفتي بنكاح أم المرأة إذا طلق بنتها فبل المسيس وهو يومئذٍ بالكوفة.
فاتفق أن ذهب إلى المدينة فصادفهم مجميعن على خلاف فتواه، فلما رجع إلى الكوفة لم يدخل داره حتى ذهب إلى ذلك الرجل وقرع عليه الباب وأمره بالنزول عن تلك المرأة.
وعن سعيد بن المسيب أن زيد بن ثابت قال: إنّ الرجل إذا طلق امرأته قبل الدخول وأراد أن يتزوج أمها فله ذلك، وإن ماتت عنده لم يتزوّج أمها أقام الموت مقام الدخول في التحريم كما قام مقامه في باب المهر.
والدخول بهن كناية عن الجماع كقولهم: بنى عليها أو ضرب عليها الحجاب.
يعني أدخلتموهن الستر، والباء للتعدية، وقد تقدم أن الخلوة الصحيحة عند أبي حنيفة تقوم مقام الدخول في التحريم، وقد تمسك أبو بكر الرازي بالآية في إثبات أن الزنى يوجب حرمة المصاهرة.
قال: لأنّ الدخول بها اسم لمطلق الوطء من نكاح كان أو سفاح, ورد بأنّ تقديم قوله: ﴿ من نسائكم ﴾ يوجب تخصيص الوطء بالحلال.
الصنف الثاني عشر ﴿ وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم ﴾ فيخرج المتبنى وكان في صدر الإسلام بمنزلة الابن إلى أن نزل: ﴿ وما جعل أدعياءكم أبناءكم ﴾ ﴿ لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم ﴾ وحكم الابن من الرضاع حكم الابن من النسب في تحريم حليلته على أبيه لقوله : " يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب" وإن كان ظاهراً قوله: ﴿ وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم ﴾ وظاهر قوله: ﴿ وأحل لكم ما وراء ذلكم ﴾ يقتضي الحل فههنا قد تخصص عموم القرآن بخبر الواحد.
واتفقوا على أنّ حرمة التزوّج بحليلة الابن تحصل بنفس العقد ولا تتوقف الحرمة على الدخول.
وما روي عن ابن عباس أنه قال: أبهموا ما أبهم الله أراد به التأبيد.
ألا ترى أنه قال في السبع المحرّمات من جهة النسب إنها من المبهمات أي من اللواتي تثبت حرمتهن على التأبيد؟
واتفقوا أيضاً على تحريم حليلة ولد الولد على الجد.
أما جارية الابن فقد قال أبو حنيفة: يجوز للأب أن يتزوّج بها.
وقال الشافعي: لا يجوز لأنّ الحليلة فعيله إما بمعنى المفعول من الحل أي المحللة، أو من الحلول بمعنى أن السيد يحل فيها، وإما بمعنى الفاعل لأنهما يحلاّن في لحاف واحد، أو يحل كل واحد منهما في قلب صاحبه لما بينهما من الإلفة والمودّة.
وعلى التقادير يصدق على جارية الإبن أنها حليلته كما يصدق على زوجته أنها حليلته فتناولها الحرمة بالآية.
الصنف الثالث عشر ﴿ وأن تجمعوا بين الأختين ﴾ أي حرمت عليكم الجمع بينهما والتأنيث للتغليب أو للاكتساب أو بتأويل الخصلة.
ويمكن أن يقال: الواو نائب عن الفعل المطلق من غير اعتبار تذكيره أو تأنيثه، والجمع يكون إما بالنكاح أو بالملك أو بهما.
أما النكاح فلو عقد عليهما معاً فنكاحهما باطل، وعلى الترتيب بطل الثاني / لأنّ الدفع أسهل من الرفع، وأما الجمع بينهما بملك اليمين أو بأن ينكح إحداهما ويشتري الأخرى فقد اختلف الصحابة فيه؛ فقال علي وعمرو بن مسعود وزيد بن ثابت وابن عمر: لا يجوز الجمع بينهما لإطلاق الآية، ولأنه لو لجاز الجمع بينهما في الملك لجاز وطؤهما معاً لقوله : ﴿ إلاّ على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم ﴾ \[المؤمنون:6\] ولأن الأصل في الإبضاع الحرمة، فلو سلم أن الآية تدل على الجواز فالأحوط جانب الترك.
وأما سائر الصحابة والفقهاء فقد قالوا: النهي وارد عن نكاحهما، فلو جمع بينهما في الملك جاز إلاّ أنه إذا وطىء إحداهما حرّم وطء الثانية عليه، ولا تزول هذه الحرمة ما لم يزل ملكه عن الأولى ببيع أو هبة أو عتق أو كتابة أو تزويج.
قال أبو حنيفة ههنا: لا يجوز نكاح الأخت في عدّة الأخت البائن لأنّ النكاح الأول كأنه باق بدليل وجوب العدة ولزوم النفقة.
وقال الشافعي: يجوز لأن نكاح المطلّقة زائل بدليل لزوم الحد بوطئها.
وأما وجوب العدة ولزوم النفقة فنقول: متى حصل النكاح حصلت القدرة على حبسها، ولا يلزم من حصول القدرة على حبسها حصول النكاح لأن استثناء عين التالي لا ينتج.
وإذا أسلم الكافر وتحته أختان فقد قال الشافعي: اختار أيتهما شاء وفارق الأخرى سواء تزوّج بهما معاً أو على الترتيب، لأنّ الكفار ليسوا بمخاطبين بفروع الشرائع في أحكام الدنيا إذ لا يتصوّر تكليفه بالفروع ما دام كافراً.
نعم يعاقب بترك الفروع في الآخرة كما يعاقب على ترك الإسلام ومما يؤيّد قول الشافعي ما روي أن فيروزاً الديلي أسلم على ثمان نسوة فقال : " اختر منهن أربعاً وفارق سائرهن" أطلق ولم يتفحص عن الترتيب.
وقال أبو حنيفة: إن تزوّج بهما معاً تركهما أو على الترتيب فارق الثانية، لأنّ الخطاب في قوله: ﴿ وأن تجمعوا ﴾ عام فيتناول المؤمن والكافر فخالف أصليه حيث جعل النهي دالاً على الفساد، والكافر مخاطباً بالفروع.
ومما يدل على أن الخطاب الفروع لا يظهر أثر في حق الكافر في الأحكام الدنيوية الإجماع على أنه لو تزوج بغير وليّ وشهود أو على سبيل القهر والغصب فبعد الإسلام يقرّر ذلك النكاح، أما قوله : ﴿ إلا ما قد سلف ﴾ فمعناه أن ما مضى مغفور بدليل قوله: ﴿ إنّ الله كان غفوراً رحيماً ﴾ وقد مرّ نظيره.
واعلم أنّ رسول الله ألحق بالأختين جميع المحارم حيث قال: " لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها" وضبط العلماء ذلك بأنّ كل شخصين بينهما قرابة أو رضاع / لو كان أحدهما ذكراً والآخر أنثى حرّم النكاح بينهما فلا يجوز الجمع بينهما، فيحرم الجمع بين المرأة وبنت أخيها وبنات أولاد أخيها.
وكذلك بين المرأة وبنت أختها وبنات أولاد أختها سواء كانت العمومة والخؤولة من النسب أوالرضاع.
ولا يحرم نكاح المرأة وأم زوجها، ولا نكاح المرأة وبنت زوجها لأنه لا توجد الحرمة على تقدير ذكورة كل واحدة منهما، وإنما توجد على تقدير ذكورة أم الزوج أو بنته فقط لمكان المصاهرة حينئذٍ بخلاف ما لو فرضت المرأة ذكراً فإنه لا يكون بينهما قرابة ولا رضاع.
وقد يضبط تحريم الجمع بعبارتين أخريين: إحداهما يحرم الجمع بين كل امرأتين بينهما قرابة أو رضاع يقتضي المحرمية، والثانية يحرم الجمع بين كل امرأتين بينهما وصلة قرابة أو رضاع لو كانت تلك الوصلة بينك وبين امرأة لحرمت عليك.
الصنف الرابع عشر ﴿ والمحصنات من النساء ﴾ وقد ورد الإحصان في القرآن بمعان: أحدها الحرية ﴿ والذين يرمون المحصنات ﴾ ﴿ فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب ﴾ وثانيها العفة ﴿ محصنات غير مسافحات ﴾ أحصنت فرجها.
وثالثها الإسلام ﴿ فإذا أحصن ﴾ قيل في تفسيره إذا أسلمن.
ورابعها كونها بذات زوج ﴿ والمحصنات من النساء ﴾ أي ذوات الأزواج منهن.
والوجوه كلها مشتركة في أصل المعنى اللغوي وهو المنع.
يقال: مدينة حصينة ودرع حصينة مانعة صاحبها من الآفات والجراحات.
والحرية سبب لمنع الإنسان من نفاذ حكم الغير فيه، والعفة مانعة من ارتكاب المناهي، وكذا الإسلام والزوج مانع لزوجته من كثير من الأمور، والزوجة مانعة للزوج من الوقوع في الزنا، قرىء بكسر الصاد لأنهن أحصن فروجهن بالتزوج.
ومعنى قوله: ﴿ إلاّ ما ملكت أيمانكم ﴾ أن اللاتي سبين ولهن أزواج في دار الكفر فهن حلال لغزاة المسلمين؛ وهكذا إذا سبى الزوجان معاً خلافاً لأبي حنيفة قياساً على شراء الأمة واتهابها وارثها فإن كلاً منها لا يوجب الفرقة.
وأجيب بأنّ الحاصل عند السبي إحداث الملك فيها، وعند البيع نقل الملك من شخص إلى شخص، والأول أقوى فظهر الفرق.
وقيل: المعنى أن ذوات لأزواج حرام عليكم إلاّ إذا ملكتموهن بنكاح جديد بعد وقوع الفراق بينهن وبين أزواجهنّ.
وقيل: المحصنات الحرائر.
والمعنى حرمت عليكم الحرائر إلاّ العدد الذي جعله الله ملكاً لكم وهو الأربع، أو إلاّ ما أثبت الله لكم ملكاً عليهن لحصول الشرائط المعتبرة من حضور الولي والشهود وغير ذلك، والقول هو الأول لما روي عن أبي سعيد الخدري قال: أصبنا سبايا يوم أوطاس لهن أزواج، فكرهنا أن نقع عليهن فسألنا النبي فنزلت: ﴿ والمحصنات من النساء إلاّ ما ملكت أيمانكم ﴾ فاستحللناهن.
ثم أكد تحريم المذكورات بقوله: ﴿ كتاب الله عليكم ﴾ قال الزجاج: يحتمل أن يكون منصوباً باسم فعل ويكون ﴿ عليكم ﴾ مفسراً له أي الزموا كتاب الله ﴿ وأحلّ لكم ما وراء ذلكم ﴾ أي ما وراء هذه المذكورات سواء كن / مذكورات بالقول الصريح أو بدلالة جلية أو خفية أو ببيان النبي كما قلنا في تحريم الجمع بين الأختين وغيرهما.
وقد دخل بعد هذه العناية في الآية تخصيصات أخر منها: أنّ المطلقة ثلاثاً لا تحل ودليل ذلك قوله: ﴿ فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره ﴾ ومنها الحربية والمرتدة بدليل قوله: ﴿ ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ﴾ ومنها المعتدة بدليل قوله: ﴿ والمطلّقات يتربصن ﴾ ومنها أن من في نكاحه حرة لم يجز له أن ينكح أمة بالاتفاق.
وعند الشافعي القادر على طول الحرة لا يجوز له نكاح الأمة بدليل ﴿ ومن لم يستطع منكم طولاً ﴾ ومنها الخامسة بدليل ﴿ مثنى وثلاث ورباع ﴾ ومنها الملاعنة لقوله : " المتلاعنان لا يجتمعان أبداً" وقوله: ﴿ أن تبتغوا ﴾ مفعول له أي بين لكم ما يحل مما يحرم إرادة أن يكون ابتغاؤكم بأموالكم في حال كونكم محصنين ولا في حال كونكم مسافحين، لئلاّ تضيّعوا أموالكم التي جعل الله لكم قياماً فيما لا يحل لكم فتخسروا دنياكم ودينكم.
ويجوز أن يكون ﴿ تبتغوا ﴾ بدلاً من ﴿ ما وراء ذلك ﴾ ومفعول ﴿ تبتغوا ﴾ مقدر وهو النساء.
والأجود أن لا يقدر لأنّه مفهوم منسوق الكلام وكأنه قيل: أن تخرجوا أموالكم.
ومعنى محصنين متعففين عن الزنا وسمي الزنا سفاحاً لأنّه لا غرض للزاني إلاّ سفح النطفة أي صبّها.
قال أبو حنيفة: لا يجوز المهر بأقل من عشرة دراهم لأنّه قيد التحليل بالابتغاء بالأموال والدرهم والدرهمان لا يسمى أموالاً.
وقال الشافعي: يجوز بالقليل والكثير لأنّ قوله: ﴿ بأموالكم ﴾ مقابلة الجمع بالجمع فيقتضي توزع الفرد على الفرد، فيتمكن كل واحد من ابتغاء النكاح بما يسمى مالاً، والقليل والكثير في هذه الحقيقة سواء.
وعن جابر عن النبي أنه قال: " من أعطى امرأة في نكاح كف دقيق أو سويق فقد استحل " وقال أبو حنيفة: لو تزوّج بها على تعليم سورة من القرآن لم يكن ذلك مهراً ولها مهر مثلها، لأنّ الابتغاء بالمال شرط والمال اسم للأعيان لا للمنافع، وكذا قوله ﴿ وآتوا النساء صدقاتهم نحلة فإن طبن لكم عن شيء منه نفساً فكلوه ﴾ والإيتاء والأكل من صفة الأعيان.
ولو تزوّج امرأة على خدمة سنة وإن كان حراً فلها مهر مثلها، وإن كان عبداً فلها خدمة سنة، وقال الشافعي: الآية تدل على أن الابتغاء بالمال جائز وليس فيه أن الابتغاء بغيره جائز أو لا.
وأيضاً قد خرج الخطاب مخرج الأعم الأغلب فلا يدل على نفي ما سواه.
ومما يدل على جواز جعل المنفعة صداقاً قوله في قصة شعيب ﴿ على أن تأجرني ثماني حجج ﴾ والأصل في شرع من قبلنا البقاء إلى أن يظهر الناسخ.
وأيضاً التي وهبت نفسها لما لم يجد الرجل الذي أراد التزوّج بها شيئاً قال : "هل معك شيء من القرآن؟
قال: نعم، سورة كذا وكذا.
فقال: زوّجتكها / بما معك من القرآن" .
ومنه يعلم جواز عتق الأمة صداقاً لها لا سيما وقد روي عن النبي "أنه أعتق صفية وجعل عتقها صداقها" وكونه من خواصه ممنوع.
﴿ فما استمتعتم به منهن ﴾ أي فما استمتعتم به من المنكوحات من جماع أو عقد عليهن أو خلوة صحيحة عند أبي حنيفة ﴿ فآتوهن أجورهن ﴾ أي عليه فأسقط الراجع للعلم به.
ويجوز أن يراد بما النساء "ومن" للتبعيض أو البيان لا لابتداء الاستمتاع، ويكون رجوع الضمير إليه في ﴿ به ﴾ على اللفظ وفي ﴿ فآتوهن ﴾ على المعنى.
والأجور المهور لأنّ المهر ثواب على البضع كما يسمى بدل منافع الدار والدابة أجراً.
و ﴿ فريضة ﴾ حال من الأجور بمعنى مفروضة، أو أقيمت مقام إيتاء لأنّ الإيتاء مفروض، أو مصدر مؤكد أي فرض ذلك فريضة.
ولا يخفى أنه إن استمتع بها بدخول بها يجب تمام المهر، وإن استمتع بعقد النكاح فقط فالأجر نصف المهر.
قال أكثر علماء الأمة: إنّ الآية في النكاح المؤبد.
وقيل: المراد بها حكم المتعة وهي أن يستأجر الرجل المرأة بمال معلوم إلى أجل معلوم ليجامعها، سميت متعة لاستمتاعه بها أو لتمتيعه لها بما يعطيها.
واتفقوا على أنها كانت مباحة في أول الإسلام، ثم السواد الأعظم من الأمة على أنها صارت منسوخة.
وذهب الباقون ومنهم الشيعة إلى أنها ثابتة كما كانت، ويروى هذا عن ابن عباس وعمران بن الحصين.
قال عمارة: "سألت ابن عباس عن المتعة أسفاح هي أم نكاح؟
قال: لا سفاح ولا نكاح.
قلت: فما هي؟
قال: هي متعة كما يقال.
قال: قلت هل لها عدة؟
قال: نعم، عدّتها حيضة.
قلت: هل يتواراثان؟
قال: لا" .
وفي رواية أخرى عنه أن الناس لما ذكروا الأشعار في فتيا ابن عباس في المتعة قال: "قاتلهم الله إني ما أفتيت بإباحتها على الإطلاق لكني قلت: إنها تحل للمضطر كما تحل الميتة والدم ولحم الخنزير" ، ويروى أنه رجع عن ذلك عند موته وقال: اللهم إني أتوب إليك من قولي في الصرف والمتعة.
وأما عمران بن الحصين فإنه قال: "نزلت آية المتعة في كتاب الله ولم ينزل بعدها آية تنسخها وأمرنا بها رسول الله وتمتعنا معه ومات ولم ينهنا عنها، ثم قال رجل برأيه ما شاء" - يريد أن عمر نهى عنها - وروى محمد بن جرير الطبري في تفسيره عن علي أنه قال: "لولا أن عمرو نهى عن المتعة ما زنى إلاّ شقي" .
حجة الجمهور على حرمة المتعة أنّ الوطء لا يحل إلاّ في الزوجة أو المملوكة لقوله : ﴿ إلاّ على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم ﴾ \[المؤمنون:6\] وهذه المرأة ليست بمملوكة ولا بزوجة وإلاّ لحصل التوارث ولثبت النسب ولوجبت العدة عليها بالأشهر والتوالي باطلة بأسرها بالاتفاق.
وروي عن عمر أنه نهى عن المتعة على المنبر بمحضر من الصحابة ولم ينكر عليه أحد منهم، فلو سكتوا لعلمهم بحرمتها فذاك، ولو سكتوا لجهلهم / بحلها وحرمتها فمحال عادة لشدة احتياجهم إلى البحث عن أمور النكاح، ولو سكتوا مع علمهم بحلها فإخفاء الحق مداهنة وكفر وبدعة وذلك محال منهم، وما روي عن عمر أنه قال: "لا أوتى برجل نكح امرأة إلى أجل إلاّ رجمته" .
ثم إنّ الصحابة لم ينكروا عليه مع أنّ الرجم لا يجوز في المتعة فلعله ذكر ذلك على سبيل التهديد والسياسة ومثل ذلك جائز للإمام عند المصلحة.
ألا ترى أنه قال " من منع منا الزكاة فإنا آخذوها منه وشطر ماله" مع أن أخذ شطر المال من مانعي الزكاة غير جائز إلاّ للسياسة، وروى الواحدي في البسيط عن مالك عن الزهري عن عبد الله والحسن ابني محمد بن علي عن أبيهما عن علي "أن رسول الله نهى عن متعة النساء وعن أكل لحوم الحمر الإنسية" .
قال: وروى الربيع بن سبرة الجهني عن أبيه قال: "غدوت على رسول الله فإذا هو قائم بين الركن والمقام مسند ظهره إلى الكعبة يقول: يا أيها الناس إني أمرتكم بالاستمتاع من هذه النساء، ألا وإن الله قد حرمه عليكم إلى يوم القيامة، فمن كان عنده منهن شيء فليخل سبيلها ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً" .
القائلون بإباحة المتعة قالوا: الابتغاء بالأموال يتناول الاستمتاع بالمرأة على سبيل التأبيد وعلى سبيل التوقيت، بل الآية مقصورة على نكاح المتعة لما روي أن أبي بن كعب كان يقرأ ﴿ فما استمتعتم به منهم إلى أجل مسمى فآتوهن أجورهن ﴾ وبه قرأ ابن عباس أيضاً، والصحابة ما أنكروا عليهما فكان إجماعاً.
وأيضاً أمر بإيتاء الأجور لمجرد الاستمتاع أي التلذذ وهذا في المتعة، وأما في النكاح المطلق فيلزم الأجر بالعقد.
وأيضاً قال في أول السورة: ﴿ فانكحوا ﴾ فناسب أن تحمل هذه الآية على نكاح المتعة لئلاّ يلزم التكرار في سورة واحدة، والحمل على حكم جديد أولى.
ومما يدل على ثبوت المتعة ما جاء في الروايات أنّ النبي "نهى عن المتعة وعن لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر" .
وأكثر الروايات أنه "أباح المتعة في حجة الوداع وفي يوم الفتح" .
وذلك أنّ أصحابه شكوا إليه يومئذٍ طول العزوبة فقال: "استمتعوا من هذه النساء" .
وقول من قال إنه حصل التحليل مراراً والنسخ مراراً ضعيف لم يقل به أحد من المعتبرين إلاّ الذين أرادوا إزالة التناقض عن هذه الروايات.
ونهي عمر يدل على أنه كان ثابتاً في عهد الرسول، وما كان ثابتاً في عهده لم يمكن نسخه بقول عمر كما أشار إليه عمران بن الحصين.
وأجيب بأنّ المراد من قول عمر "وأنا أنهي عنها" أنه قد ثبت عندي نسخها في زمان الرسول وقد سلموا له ذلك فكان إجماعاً.
﴿ ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة ﴾ الذين حملوا الآية على بيان / حكم النكاح قالوا: المراد أنه إذا كان المهر مقدّراً بمقدار معين فلا حرج في أن تحط عنه شيئاً أو تبرّئه عنه بالكلية كقوله: ﴿ فإن طبن لكم عن شيء ﴾ وقال الزجاج: لا إثم عليكم في أن تهب المرأة للزوج مهرها أو يهب الزوج للمرأة تمام المهر، إذا طلّقها قبل الدخول.
قال أبو حنيفة: إلحاق الزيادة بالصداق جائز لأنّ التراضي قد يقع على الزيادة وقد يقع على النقصان وهي ثابتة إن دخل بها أو مات عنها، أما إذا طلقها قبل الدخول بطلت الزيادة وكان لها نصف المسمى في العقد.
وقال الشافعي: الزيادة بمنزلة الهبة.
فإن أقبضها ملكته بالقبض وإن لم يقبضها بطلت، والدليل على بطلان هذه الزيادة أنها لو التحقت بالأصل فإما أن ترفع العقد الأول وتحدث عقداً ثانياً وهو باطل بالإجماع، وإما أن تحصل عقداً مع بقاء العقد الأول وهو تحصيل الحاصل.
والذين حملوا الآية على حكم المتعة قالوا: المراد أنه ليس للرجل سبيل على المرأة من بعد الفريضة وهي المقدار المفروض من الأجر والأجل، فإن قال لها زيدي في الأيام وأزيد في الأجر فهي بالخيار.
﴿ إنّ الله كان عليماً حكيماً ﴾ لا يشرع الأحكام إلاّ على وفق الحكمة والصواب.
ثم وسع الأمر على عبادة فقال: ﴿ ومن لم يستطع منكم طولاً ﴾ فضلاً في المال وسعة ومنه الطول في الجسم لأنه زيادة فيه كما أن القصر قصور فيه ونقصان.و ﴿ أن ينكح ﴾ متعلق بـ ﴿ طولاً ﴾ يقال: طال على الأمر إذا غلبه فتمكن من فعله.
والمحصنات ههنا الحرائر، والمعنى ومن لم يقدر على نكاح الحرة فلينكح من الإماء التي ملكتها أيمانكم.
قال ابن عباس: يريد جارية أخيك فإنّ الإنسان لا يجوز له أن يتزوّج بجارية نفسه والفتيات المملوكات.
تقول العرب للأمة فتاة وللعبد فتى.
عن النبي : "لا يقولن أحدكم عبدي ولكن ليقل فتاي وفتاتي" وقال الشافعي: إنّ الله شرط في نكاح الإماء ثلاث شرائط: اثنتان في الناكح الأولى فقد طول الحرة وهو عبارة عن عدم ما ينكح به الحرة كما يقول الرجل: لا أستطيع أن أحج إذا كان لا يجد ما يحج به.
فإذا كان كذلك جاز له التزوّج بالأمة لأنّ العادة في الإماء تخفيف مهورهن ونفقتهن لاشتغالهن بخدمة ساداتهن.
والثانية خشية العنت كما يجيء في آخر الآية.
والثالثة في المنكوحة وهي أن تكون الأمة لمسلم ومع ذلك تكون مؤمنة لا كافرة لقوله: ﴿ من فتياتكم المؤمنات ﴾ فالقيد الأول مستفاد من قوله: ﴿ من فتياتكم ﴾ أي من فتيات المسلمين لا من فتيات غيركم وهم المخالفون في الدين، والقيد الثاني من وصف الفتيات بالمؤمنات.
أما فائدة القيد الأول فهي أن الولد تابع / للأم في الحرية والرق، وحينئذٍ يعلق الولد رقيقاً على ملك الكافر.
إلاّ أن هذا القيد ألغاه أكثر الأئمة لأنّ الولد إذا رق للكافر بيع عليه في الحال.
وأما فائدة القيد الثاني فالحذر من اجتماع النقصانين الكفر والرق.
وهذا قول مجاهد وسعيد والحسن ومذهب مالك والشافعي.
أما أبو حنيفة فإنه يقول: الغني والفقير سواء في جواز نكاح الأمة.
وذلك أنه يحمل النكاح في الآية على الوطء ويقول: المراد أن من لم يملك فراش الحرة فله أن ينكح أمة.
ثم الأمة لو كانت كتابية جاز له نكاحها ولكن نكاح الأمة المؤمنة أفضل فحمل التقييد في الآية على الفضل لا على الوجوب قياساً على جواز نكاح الحرة الكتابية بالإجماع مع وصف الحرائر أيضاً بالمؤمنات.
وأجيب بالفرق وهو اجتماع النقصانين.
ومن الناس من قال: لا يجوز التزوّج بالكتابيات ألبتة ولا شك أن في الآية دلالة على الحذر عن نكاح الإماء وأن الإقدام عليه لا يجوز إلاّ عند الضرورة وذلك لتباعة الولد الأم في الرق، ولأنها ممتهنة مبتذلة خراجة ولاجة فربما تعوّدت بسبب ذلك فجوراً وقحة، ولما للمولى عليها من حق الاستخدام فلا تخلص لخدمة الزوج، ولأنّ السيد قد يبيعها فتصير مطلقة عند من يقول بذلك، ولأنّ مهرها ملك لمولاها فلا تقدر على هبة مهرها من زوجها ولا على إبرائه.
﴿ والله أعلم بإيمانكم ﴾ قال الزجاج: أي اعملوا على الظاهر في الإيمان فإنكم مكلفون بظواهر الأمور والله أعلم بما في الصدور.
﴿ بعضكم من بعض ﴾ كلكم أولاد آدم فلا يتداخلكم أنفة من التزوّج بالإماء عند الضرورة، أو كلكم مشتركون في الإيمان وهو أعظم المقاصد فإذا حصل الاشتراك فيه فما وراءه غير ملتفت إليه.
وفيه توهين ما كانوا عليه في الجاهلية من الفخر بالأنساب والأحساب وتأنيس بنكاح الإماء إذا كن مؤمنات.
ثم شرح كيفية هذا النكاح فقال: ﴿ فانكحوهن بإذن أهلهن ﴾ فلذلك اتفقوا على أنّ نكاح الأمة بدون إذن سيدها باطل لأنّ نكاحهن غير واجب فيتوجه الأمر إلى اشتراط الإذن، ولأنّ التزوّج بها يعطل على السيد أكثر منافعها فوجب أن لا يجوز إلاّ بإذنه.
ولفظ القرآن مقتصر على الأمة.
وأما العبد فقد ثبت ذلك في حقه بالحديث.
روى جابر عن النبي : " "إذا تزوّج العبد بغير إذن سيده فهو عاهر" واستدل الشافعي بالآية على أنّ المرأة البالغة العاقلة لا يصح نكاحها إلاّ بإذن الولي لأنّ قوله: ﴿ فانكحوهن ﴾ الضمير فيه يعود إلى الإماء.
والأمة ذات موصوفة بصفة الرق، وصفة الرق صفة زائلة، والإشارة إلى ذات موصوفة بصفة عرضية زائلة تبقى بعد زوال تلك الصفة بدليل أنه لو حلف لم يتكلم مع هذا الشاب فصار شيخاً ثم تكلم معه / يحنث في يمينه.
فعند زوال الرق عنها وهي حرة عاقلة بالغة يتوقف جواز نكاحها على إذن وليها، وإذا ثبت الحكم في هذه الصورة ثبت في سائر الصورة ضرورة أنه لا قائل بالفرق.
واعترض على قول الشافعي بأنّ ظاهر الآية يدل على الاكتفاء بحصول إذن أهلها وعنده لا يجوز للمرأة أن تزوّج أمتها.
وأجيب بأن المراد بالإذن الرضا، وعندنا أن رضا المولى لا بد منه.
فإما أنه كاف فليس في الآية دليل عليه، وأيضاً إن أهلهن عبارة عمن يقدر على إنكاحهن وهو المولى إن كان رجلاً أو ولي المولى إن كان امرأة.
سلمنا أن الأهل هو المولى لكنه عام يخصصه قوله : " العاهر هي التي تنكح نفسها " إذ يلزمه أن لا يكون لها عبارة في نكاح مملوكها ضرورة أنه لا قائل بالفرق.
قلت: الإنصاف أن استدلال الشافعي لا يتم.
فلقائل أن يقول: لا نسلم أن صفة الرق للأمة عرضية من حيث إنها أمة، وإن سلمنا ذلك فلا نسلم أن الإشارة إلى ذات الأمة في الآية تبقى بعد زوال صفة الرق.
فكونها مثل قول القائل لا أتكلم مع هذا الشاب ممنوع.
فمن المعلوم عرفاً أن المراد به ذات الشاب من حيث هو ولكنه كقول الحالف: لا أكلم شاباً.
فحينئذٍ لو كلّم زيداً وزيد شاب حنث فإذا صار شيخاً ثم كلمه لم يحنث.
﴿ وآتوهن أجورهن ﴾ أي مهورهن وفيه دلالة على وجوب مهرها إذا نكحها - سمى لها المهر أو لم يسم - وفي قوله: ﴿ بالمعروف ﴾ دلالة على أنه مبني على الاجتهاد وغالب الظن في المعتاد المتعارف وهو مهر المثل، أو المراد بغير مطل وضرار وإحواج إلى الاقتضاء.
وقيل: الأجور النفقة عليهن لأن المهر مقدر فلا معنى لاشتراط المعروف فيه فكأنه بيَّن أن كونها أمة لا يقدح في وجوب نفقتها وكفايتها كما في حق الحرة إذا حصلت التخلية من المولى بينه وبينها على العادة.
وعن بعض أصحاب مالك أنّ الأمة هي المستحقة لقبض مهرها، وأنّ المولى إذا آجرها للخدمة كان هو المستحق للأجرة دونها واحتجوا في المهر بظاهر قوله: ﴿ وآتوهن أجورهن ﴾ وأما الجمهور فعلى أن مهرها لمولاها لقوله : ﴿ ضرب الله مثلاً عبداً مملوكاً لا يقدر على شيء ﴾ وهذا ينفي كون المملوكة مالكة لشيء أصلاً، ولأنّ منافعها كانت مملوكة للسيد وقد أباحها للزوج بعقد النكاح فوجب أن يستحق بدلها.
وأما ظاهر الآية فلو حملنا لفظ الأجور على النفقة فلا إشكال، ولو حملناه على المهور فالجواب أنها ثمن أبضاعهن فلذلك أضيف الأجور إليهن.
وليس في قوله: ﴿ وآتوهن ﴾ ما يوجب كون المهر ملكاً لهن.
وهب أن المهر ملك لهن ولكنه قال: " العبد وما يملكه لمولاه " أو المراد وآتوا مواليهن فحذف المضاف ﴿ محصنات ﴾ قال ابن عباس: أي عفائف وهو حال من قوله: / ﴿ فانكحوهن ﴾ وظاهره يقتضي حرمة نكاح الزواني لكن الأكثرون على أنه يجوز فالآية محمولة على الندب والاستحباب.
﴿ غير مسافحات ﴾ قال أكثر المفسرين: المسافحة هي التي تؤاجر نفسها أي رجل أرادها، ومتخذة الخدن هي التي لها صديق معيّن.
وكان أهل الجاهلية يفصلون بين القسمين وما كانوا يحكمون على ذات الخدن بكونها زانية، فلما كان هذا الفرق معتبراً عندهم فلا جرم أفردهما الله بالذكر تنصيصاً على حرمتهما معاً.
والأخدان جمع خدن كالأتراب جمع ترب.
والخدن الذي يخادنك أي يكون معك في كل أمر ظاهر وباطن، يقع على الذكر والأنثى.
﴿ فإذا أحصن ﴾ بالتزوّج وهو قول ابن عباس وسعيد بن جبير والحسن ومجاهد، أو بالإسلام وهو قول عمر وابن مسعود والشعبي والنخعي والسدي.
وكأنه ذكر حال إيمانهن في النكاح في قوله: ﴿ من فتياتكم المؤمنات ﴾ ثم كرر ذلك في حكم ما يجب عليهن عند إقدامهن على الفاحشة.
وههنا إشكال وهو أن المحصنات في قوله: ﴿ فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب ﴾ أريد بها الحرائر المتزوجات أو الحرائر الأبكار.
وعلى الأول يجب عليهن نصف الرجم وتنصيف الرجم محال، وعلى الثاني يجب عليهن خمسون جلدة وهذا القدر واجب في زنا الأمة محصنة كانت أو لم تكن، وقد علق ذلك في الآية بمجموع الأمرين: الإحصان والزنا.
والجواب أنا نختار القسم الأول ويسقط الرجم عنهن بالدليل العقلي لأن الرجم لا يتنصف، أو الثاني والمراد بيان تخفيف عذابهن.
وذلك أن حد الزنا يغلظ عند التزوج فهذه إذا زنت وقد تزوّجت فحدها خمسون جلدة لا يزيد عليها، فلأن يكون قبل التزوّج هذا القدر أولى.
واعلم أن الخوارج اتفقوا على إنكار الرجم واحتجوا بأنّ الآية تدل على أنّ عذاب الأمة نصف عذاب الحرة المحصنة، فلو كان على الحرة الرجم لزم تنصيف الرجم في حق الأمة وهو محال.
والجواب ما مرّ أن المخصص في حق الأمة دليل عقلي، والفقهاء جعلوا الآية أصلاً في نقصان حكم العبد عن حكم الحرة في غير الحد وإن كان من الأمور ما لا يجب ذلك فيه كالصلاة والصوم وغيرهما.
﴿ ذلك ﴾ إشارة إلى نكاح الإماء بالاتفاق ﴿ لمن خشي العنت منكم ﴾ وقد عرفت فيما مرّ أن معناه الوقوع في أمر شاق.
وللمفسرين ههنا قولان: أحدهما أن الشبق الشديد والغلمة العظيمة ربما تدعو إلى الزنا فيقع في الحد في الدنيا وفي العذاب الأليم في الآخرة، والثاني أن الشبق قد يفضي إلى الأمراض الشديدة كأوجاع الوركين والظهر والوسواس وكاختناق الرحم للنساء، والأول أليق ببيان القرآن وعليه أكثر العلماء.
﴿ وأن تصبروا ﴾ أي صبركم عن نكاح الإماء بعد شروطه المبيحة متعففين خير لكم لما فيه من المفاسد المذكورة.
وعن النبي : " الحرائر صلاح البيت / والإماء هلاك البيت" ﴿ والله غفور رحيم ﴾ تأكيد لما ذكره من أن الأولى ترك النكاح إلاّ أنه أباحه لاحتياج المكلفين فهو من باب المغفرة والرحمة ﴿ يريد الله ليبين لكم ﴾ أقيمت اللام مقام "أن" في قولك أريد أن يقوم.
وقيل: زيدت اللام وقدر "أن" وذلك لتأكيد إرادة التبيين كما زيدت في "لا أبا لك" لتأكيد إضافة الأب.
وقيل: في الآية إضمار والأصل يريد الله إنزال هذه الأحكام ليبين لكم دينكم وشرعكم وما هو خفي عنكم من مصالحكم وأفاضل أعمالكم ويهديكم مناهج من كان قبلكم.
قيل: المراد أن كل ما بيّن لنا من التحريم والتحليل في شأن النساء فقد كان الحكم كذلك في جميع الشرائع والملل.
وقيل: بل المراد أن الشرائع والتكاليف وإن كانت مختلفة في نفسها إلاّ أنها متفقة في باب المصالح، وقيل: المعنى سنن من كان قبلكم من أهل الحق لتقتدوا بهم ويتوب عليكم.
قال القاضي: معناه كما أراد منا نفس الطاعة فلا جرم بينها وأزاح الشبه عنها، كذلك يريد أن يتوب علينا إن وقع تقصير وتفريط.
وفي الآية إشعار بأنه هو الذي يخلق التوبة فينا، فيرد عليه أنه إذا أراد التوبة منا وجب أن تحصل التوبة لكلنا وليس كذلك.
وأجيب بأنّ المراد التوبة في باب نكاح الأمهات والبنات وسائر المنهيات المذكورة في هذه الآيات وقد حصلت هذه التوبة، وكذا الكلام في قوله: ﴿ والله يريد أن يتوب عليكم ﴾ وقالت المعتزلة: يريد أن تفعلوا ما تستوجبون به أن يتوب عليكم ﴿ ويريد ﴾ الفجرة ﴿ الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ﴾ عن الحق والقصد ﴿ ميلاً عظيماً ﴾ وقيل: هم اليهود، وقيل: المجوس كانوا يحلون نكاح الأخوات من الأب وبنات الأخ وبنات الأخت، فلما حرمهن الله قالوا: فإنكم تحلّون بنت الخالة والعمة والخالة والعمة حرام عليكم فانكحوا بنات الأخ والأخت فنزلت.
يقول: يريدون أن تكونوا زناة مثلهم.
﴿ يريد الله أن يخفف عنكم ﴾ بإحلال نكاح الأمة وغيره من الرخص.
﴿ وخلق الإنسان ضعيفاً ﴾ فلضعفه خفف تكليفه ولم يثقل.
أما ضعف خلقته بالنسبة إلى كثير من المخلوقات بل الحيوانات فظاهر ولهذا اشتد احتياجه إلى التعاون والتمدن والأغذية والأدوية والمساكن والملابس والذخائر والمعاملات إلى غير ذلك من الضرورات، وأما ضعف عزائمه ودواعيه فأظهر ولهذا لا يصبر على مشاق الطاعات ولا عن الشهوات ولا سيما عن النساء.
عن سعيد بن المسيب: ما أيس الشيطان من بني آدم قط إلاّ أتاهم من قبل النساء، لقد أتى عليّ ثمانون سنة وذهبت إحدى عيني وأنا أعشو بالأخرى وإن أخوف ما أخاف علي النساء.
عن ابن عباس: ثمان آيات في سورة النساء هي خير لهذه الأمة مما طلعت عليه الشمس وغربت.
﴿ يريد الله ليبين لكم ﴾ ﴿ ويريد الله أن يتوب عليكم ﴾ ﴿ يريد الله أن يخفف عنكم ﴾ ﴿ إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه ﴾ ﴿ إنّ الله لا يغفر أن يشرك به ﴾ ﴿ إن الله لا يظلم مثقال ذرة ﴾ ﴿ من يعمل سوءاً / أو يظلم نفسه ﴾ ﴿ ما يفعل الله بعذابكم ﴾ اللهم لا تحرمنا مواعيدك إنك لا تخلف الميعاد.
ثم إنه لما ذكر ابتغاء النكاح بالأموال وأمر بإيفاء المهر والنفقات بيَّن عقيب ذلك أنه كيف يتصرف في الأموال فقال: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ﴾ بما لا يبيحه الشرع بوجه وقد مر تفسيره في البقرة في قوله: ﴿ ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ﴾ ﴿ إلاّ أن تكون تجارة عن تراض منكم ﴾ وقد سبق مثله في آخر البقرة.
وخص التجارة بالذكر وإن كان غير ذلك من الأموال المستفادة بنحو الهبة والإرث وأخذ الصدقات والمهور وأروش الجنايات حلالاً، لأنّ أكثر أسباب الرزق يتعلق بالتجارة.
ويدخل تحت هذا النهي أكل مال الغير بالباطل، وأكل مال نفسه بالباطل كما أن قوله : ﴿ ولا تقتلوا أنفسكم ﴾ يدل على النهي عن قتل غيره وعن قتل نفسه.
قال أبو حنيفة: النهي في المعاملات لا يدل على البطلان.
وقال الشافعي: يدل لأن الوكيل إذا تصرف على خلاف قول المالك فذلك غير منعقد بالإجماع فالتصرف الواقع على خلاف قول المالك الحقيقي وهو الله أولى أن يكون باطلاً.
وأي فرق بين قوله: "لا تبيعوا الدرهم بالدرهمين" وبين قوله: "لا تبيعو الحر" وإذا كان الثاني غير منعقد بالاتفاق فكذا الأول.
وقال أبو حنيفة: خيار المجلس غير ثابت في عقود المعاوضات المحضة لأن التراضي المذكور في الآية قد حصل.
وقال الشافعي: لا شك أن هذا التراضي يقتضي الحل إلاّ أنا نثبت بعد ذلك للمتبايعين الخيار بقوله : " "المتبايعان كل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا " ﴿ ولا تقتلوا أنفسكم ﴾ من كان من جنسكم من المؤمنين لأنّ المؤمنين كنفس واحدة، أو لا يقتل الرجل نفسه كما يفعله بعض الجهلة حينما يعرضه غم أو خوف أو مرض شديد يرى قتل نفسه أسهل عليه.
عن الحسن البصري قال: حدثنا جندب بن عبد الله أن رسول الله قال: " كان رجل جرح فقتل نفسه فقال الله: بدرني عبدي بنفسه فحرمت عليه الجنة " وعن أبي هريرة قال: "شهدنا مع رسول الله خيبر فقال لرجل ممن يدعي الإسلام: هذا من أهل النار.
فلما حضر القتال قاتل الرجل قتالاً شديداً فأصابته جراح.
فقيل له: يا رسول الله الذي قلت له آنفاً إنه من أهل النار فإنه قاتل اليوم قتالاً شديداً وقد مات.
فقال النبي إلى / النار.
فكاد بعض المسلمين أن يرتاب.
فبيناهم على ذلك إذ قيل له: إنه لم يمت ولكن به جراحات شديدة، فلما كان من الليل لم يصبر على الجراح فقتل نفسه فأخبر النبي فقال: الله أكبر أشهد أني عبد الله ورسوله" .
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله : " "من تردّى من جبل فقتل نفسه فهو في نار جهنم يتردى فيها خالداً مخلداً فيها أبداً.
ومن تحسى سماً فقتل نفسه فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً.
ومن قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجأ بها في بطنه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً " وعن عمرو بن العاص قال: احتلمت في ليلة باردة في غزاة ذات السلاسل فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك فتيممت ثم صلّيت بأصحابي الصبح فذكروا ذلك للنبي فقال: يا عمرو صلّيت بأصحابك وأنت جنب؟
فأخبرته بالذي منعني من الاغتسال وقلت: إني سمعت الله يقول: ﴿ ولا تقتلوا أنفسكم ﴾ فضحك رسول الله ولم يقل شيئاً.
وقيل: معنى الآية لا تفعلوا ما تستحقون به القتل من القتل والردة والزنا بعد الإحصان ﴿ إنّ الله كان بكم رحيماً ﴾ ولأجل رحمته نهاكم عما يضركم عاجلاً وآجلاً.
وقيل من رحمته أنه لم يأمركم بقتل أنفسكم كما أمر بني إسرائيل بذلك توبة لهم وتمحيصاً لخطاياهم.
﴿ ومن يفعل ذلك ﴾ القتل ﴿ عدواناً وظلماً ﴾ لا خطأ ولا قصاصاً.
هذا قول عطاء.
وقال الزجاج: ذلك إشارة إلى القتل والأكل بالباطل.
وعن ابن عباس أنه عائد إلى كل ما نهى الله عنه من أول السورة.
وتنكير النار للتعظيم أو للنوع.
﴿ وكان ذلك على الله يسيراً ﴾ مثل على وفق المتعارف كقوله: ﴿ وهو أهون عليه ﴾ وإلاّ فلا مانع له عن حكمه ولا منازع له في ملكه.
التأويل: ﴿ حرمت عليكم أمهاتكم ﴾ الآية كلها إشارات إلى نهي التعليق ومنع التصرف في الأمهات السفليات والمتوالدات من أوصاف الإنسان وصفات الحيوان.
﴿ إنّ الله كان غفوراً ﴾ بأنواع غفرانه ظلمات الصفات الإنسانية التي تتولد من تصرفات الحواس في المحسوسات عند الضرورات بالأمر لا بالطبع ﴿ رحيماً ﴾ بالمؤمنين فيما اضطرهم إليه من التصرفات بقدر الحاجة الضرورية.
﴿ والمحصنات من النساء ﴾ هي الدنيا التي تصرف فيها العلويات ﴿ إلاّ ما ملكت أيمانكم ﴾ بإذن الله حيث قال: ﴿ كلوا واشربوا ولا تسرفوا ﴾ ﴿ محصنين ﴾ حرائر من الدنيا وما فيها ﴿ غير مسافحين ﴾ في الطلب مياه وجوهكم.
﴿ فما استمتعتم به منهن ﴾ من الضروريات فأعطوا حقوق تلك الحظوظ بالطاعة والشكر والذكر.
ثم إنّ الله أحب نزاهة قلب المؤمن عن دنس حب الدنيا كما أحب / نزاهة فراشه فقال: ﴿ ومن لم يستطع ﴾ أي من لم يقدر أن يسخر عجوز الدنيا الصالحة بأسرها ويجعلها منكوحة له ويحصنها بتصرّف شرائع الإسلام بحيث لا يكون لها تصرف في قلبه بوجه ما، فليتصرف في القدر الذي ملكت يمين قلبه من الدنيا ولم تملك قلبه لأنها مأمورة بخدمته وهي مؤمنة له بالخدمة كما قال حكاية عن الله : " يا دنيا اخدمي من خدمني واستخدمي من خدمك" ﴿ محصنات ﴾ بالصدق والإخلاق ﴿ غير مسافحات ﴾ بالتبذير والإسراف ﴿ ولا متخذات أخدان ﴾ من النفس والهوى ﴿ فإذا أحصن ﴾ بالإخلاص في العطاء والمنع والأخذ والدفع ﴿ فإن أتين بفاحشة ﴾ هي غلبات شهواتها على القلب فليبذل نصف ما ملكت يمينه من الدنيا في الله جناية وغرامة فهو حدها كما أن حدّ عجوز الدنيا إذا أحصنها ذوو الطول من الرجال فأتت بفاحشة إهلاكها بالكلية بالبذل في الله كما كان حال سليمان إذ عرض عليه بالعشى الصافنات الجياد لما شغلته عن الصلاة وأتت بفاحشة حب الخيل فطفق مسحاً بالسوق والأعناق ﴿ ذلك ﴾ التصرف في قدر من الدنيا ﴿ لمن خشي ﴾ ضعف النفس وقلة صبرها على ترك الدنيا وامتناعها عن قبول الأوامر والنواهي ﴿ وأن تصبروا ﴾ عن التصرّف في الدنيا بالكلية ﴿ خير لكم ﴾ كما قال : " "يا طالب الدنيا لتبر فتركها خير وأبر " ﴿ يريد الله أن يخفف عنكم ﴾ فلكم المعونة ولغيركم المؤونة.
قال إبراهيم: ﴿ إني ذاهب إ لى ربي ﴾ وأخبر عن حال موسى بقوله: ﴿ ولما جاء موسى لميقاتنا ﴾ وعن حال نبينا بقوله: ﴿ سبحان الذي أسرى بعبده ﴾ وعن حال هذه الأمة بقوله: ﴿ سنريهم آياتنا ﴾ والمعونة هي الجذبة التي توازي عمل الثقلين، فلا جرم كان لغير نبيّنا الوصول إلى السموات فقط، وكان لنبيّنا الوصول إلى مقام قاب قوسين أو أدنى، ولأمته التقرّب: " "لا يزال العبد يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه" والفرق بين النبي والولي، أنّ النبي مستقل بنفسه والولي لا يمكنه السير إلاّ في متابعة النبي وتسليكه.
﴿ وخلق الإنسان ضعيفاً ﴾ ولهذا أعين بالخدمة حتى يتصل بقوّة ذلك إلى مقام لا يصل إليه الثقلان بسعيهم إلى الأبد، وضعفه بالنسبة إلى جلال الله وكماله وإلاّ فهو أقوى في حمل الأمانة من سائر المخلوقات، وايضاً من ضعفه أنه لا يصبر عن الله لحظة فإنه يحبهم ويحبونه.
الصبر يحمد في المواطن كلها *** إلاّ عليك فإنه لا يحمد وكان أبو الحسن الخرقاني يقول: لو لم ألق نفساً لم أبق.
وغير الإنسان يصبر عن الله / لعدم المحبة.
ومن ضعفه أنه لا يصبر مع الله عند غلبات سطوات التجلي كما أنه كان يغان على قلبه وكان يقول حينئذٍ: كلميني يا حميراء.
وكان الشبلي يقول: لا معك قرار ولا منك فرار، المستغاث بك منك إليك.
ضعف الإنسان سبب كماله وسعادته، فساعة يتصف بصفات البهيمة، وساعة يتسم بسمات الملك، وليس لغيره هذا الاستعداد فلهذا جاء في الحديث الرباني: " أنا ملك حي لا أموت أبداً فأطعني عبدي لعلك تكون ملكاً حياً لا تموت أبداً " ﴿ إلا أن تكون تجارة ﴾ أي تجارة تنجيكم من عذاب أليم.
﴿ ولا تقتلوا أنفسكم ﴾ بصرف أموالكم في شهواتها فإن ذلك سمها القاتل ﴿ إن الله كان بكم رحيماً ﴾ إذ بيّن لكم هذه الآفات ودلكم على هذه التجارات.
﴿ ومن يفعل ﴾ صرف المال إلى الهوى تعدياً عن أمر الله وظلماً على نفسه.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَٰلَكُمْ بَيْنَكُمْ بِٱلْبَٰطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَٰرَةً ﴾ .
الظاهر في الثنيا أنه من غير جنس المستثنى؛ لأنه استثنى التجارة عن تراضٍ من أكل المال بالباطل بينهم، وأكل المال بالباطل ليس من جنس التجارة، ولا التجارة من نوع أكل المال بالباطل، والثنيا في الأصل جعل تحصيل المراد في المجمل من اللفظ؛ فإذا لم يكن من نوعه كيف جاز؟!
لكنه يحتمل - والله أعلم - أن يكون على الابتداء والائتناف؛ كأنه قال: لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل، ولكن كلوا بتجارة عن تراض منكم؛ وعلى ذلك يخرج قوله - عز وجل -: ﴿ لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً إِلاَّ سَلاَماً ﴾ استثنى السلام، والسلام ليس من جنس اللغو، لكن معناه ما ذكرنا: لا يسمعون فيها لغواً، ولكن يسمعون فيها سلاماً.
ويحتمل أن يكون في الثنيا بيان تخصيص المراد في المطلق من الكلام؛ كقوله - -: ﴿ إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إِلَىٰ قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ إِلاَّ آلَ لُوطٍ ﴾ دل استثناؤه آل لوط على أنه أراد بقوم مجرمين قوم لوط خاصّة؛ لأنه قد كان في قوم إبراهيم - - وفي غيرهم أقوام مجرمين؛ دل الثنيا على مراد الخصوص؛ فعلى ذلك يدل استثناؤه التجارة عن تراض منهم - على أنه أراد بأكل المال بالباطل تجارة عن غير تراض، وإن كان - في الحقيقة - يصير مال هذا بمال هذا، وهو أن يأخذ مال غيره فيتلفه؛ فيلزمه بدله؛ فيصير ما عوض من بدله بما أتلفه قصاصاً؛ فهو - في الحقيقة - تجارة.
أو يحتمل: أن يكون أكل المال بالباطل بينهم ما لا يجوز ولا يطيب؛ لأن حرف البين لا يستعمل إلا فيما كان البدل من الجانبين؛ فإذا كان ما وصفنا محتملا - كان الثنيا من ذلك من وجه يطيب، ومن وجه لا يجوز ولا يطيب.
وفيه دليل: أن التجارة هي جعل الشيء له ببدل، وترك الشيء بالشيء؛ ألا ترى إلى قوله - -: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُاْ ٱلضَّلَـٰلَةَ بِٱلْهُدَىٰ ﴾ ذكر الشرى ولم يكن منهم إلا ترك الهدى بالكفر، ثم سمى ذلك تجارة بقوله - -: ﴿ فَمَا رَبِحَتْ تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ ﴾ .
وفيه دلالة: أن البيع يتم بوقوع التراضي بين المتبايعين، وليس كما قال قوم: لا يتم البيع وإن تراضيا على ذلك حتى يتفرقا عن المكان؛ فكانوا تاركين - عندنا - لظاهر هذه الآية، فإن احتجوا بالخبر الذي روي عن رسول الله أنه قال: "المُتَبَايِعَانِ بِالخَيَارِ مَا لَمْ يَتَفْرَقَا" - لكن معناه عندنا: أن يقول الرجل للرجل: بعتك عبدي بكذا، فلصاحبه أن يقول: قبلت البيع، ما دام في مجلسه.
أو يحتمل: أن يكون إذا قال: بعتك، كان له الرجوع قبل أن يقول الآخر: قبلت.
على أن قوله - -: "مَا لَمْ يَتَفْرَّقَا" ، لا يوجب أن يكون تفرقاً عن المكان [و] تفرق الأبدان؛ ألا ترى أن الله - وتعالى - قال: ﴿ وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ ٱللَّهُ كُلاًّ مِّن سَعَتِهِ ﴾ ، ولا يفهم المعنى من ذلك تفرق المكان والأبدان؛ ولكن وقع ذلك على القول والطلاق.
على أن في الآية بيان تمام البيع بوجود التراضي بقوله: ﴿ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَٰرَةً عَن تَرَاضٍ مِّنْكُمْ ﴾ .
ومما يدل على ذلك - أيضاً -: قوله - -: ﴿ وَأَشْهِدُوۤاْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ ﴾ فلو كان البيع لا يتم بالتراضي؛ فمتى يشهد: قبل التفرق أو بعد التفرق؟
إن أشهد قبل التفرق، فهل المقر صادق في أن لصاحبه عليه الثمن أو كاذب؛ إذ كان البيع لم يتم، وما ينفعه الإشهاد إن كان للمقر أن يبطل إقراره برد السلعة.
وإن كان إنما يشهد بعد التفرق فقد يجوز أن يتلف المال بالتفرق قبل الإشهاد؛ فأين التحصين الذي أمر الله ؟!
ومما يدل على تأويلنا في الخبر: ما روي عن أبي هريرة - - قال: قال رسول الله : "الْبَيِّعَانِ بِالخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا مِنَ بَيْعِهِمَا، أَوْ يَكُونُ بَيْنَهُمَا خِيَارٌ" ، وما روي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله -: "الْبَيعَانِ بالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، وَلاَ يَحِلُّ لأَِحدٍ أَنْ يُعَجِّلَ فِرَاقَهُ خشية أَنْ يَسْتَقيلَهُ" وقوله: "يستقيله" يدله على أن ليس له أن يرده إلا بأن يقيله صاحبه؛ ويدل قوله : "مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا مِنْ بَيْعِهِمَا" - على أن التفرق هو الفراغ من عقد البيع لا غيره.
ومما يدل على أن الخيار ليس بواجب: قول عمر - - إن البيع عن صفقة أو خيار؛ فكان موافقاً لما روى أبو هريرة - - يقول: دل قوله - -: ﴿ لاَ تَأْكُلُوۤاْ...
﴾ إلى قوله: ﴿ تِجَٰرَةً عَن تَرَاضٍ ﴾ - على الإذن في الأكل إذا وجدت التجارة عن تراض من الناس، والتجارة معروفة عند جميع من له عقل، ومعروف أن تفرق المتعاقدين بعد الفراغ من العقد لم يعرف - فيما هو عند الخلق - تجارة، ولكن التفرق بانقضاء ما له الاجتماع والفراغ منه بما ليس من معاقدة العقلاء الوقوف في مكان بلا حاجة؛ فليس التفرق مما يحتمل أن يظنه حكيم أو سفيه من التجارة، وقد أذن في الأكل، والأكل عبارة عن الأخذ وأكل أنواع المنافع بالباطل؛ فثبت أن قد ملك بالفراغ عن التجارة بغير الرضا، وأيّد ذلك قوله: ﴿ وَأَشْهِدُوۤاْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ ﴾ والتبايع الذي عليه الإشهاد هو التعاقد، لا التفرق، ومن البعيد أن يكلفوا الإشهاد على التبايع قبل وجوب الواجب من الحق الذي عليه الإشهاد؛ فثبت بذلك وجوب ما جعل البائع بوجوبه دون التفرق؛ وإذن ثبت الذي ذكرنا من أحكام القرآن مع الكفاية بالأمر الذي لا يجوز شذوذ حق لا يسلم عنه بشر عن علم جميع البشر، وكل أهل التبايع به يتعارفون الحق بينهم بالفراغ من العقود، ولا يجوز شذوذ العلم بحقٍّ ذلك محله؛ فيكون اتفاق الخلق على الجهل بالاعتقاد في أمر يعرفه الرسول ثم أئمة الهدى، لا ينتهون عن ذلك، والله أعلم.
فإذا لزم ذا الولاء المروي من الخيار: أن كل متبايعين بالخيار ما لم يتفرقا، حمل الخبر على ما فيه بعض العلم بحق القرآن، وما عليه أمر الخلق على اتساع لغير ذلك الوجه، بل لعله بغيره أولى، ثم يخرج على وجوه: على إضمار: حُقَّ على المتبايعين أن يكونا كذلك في حق الجعل، لا في حق العبادة عن واجب؛ دليله رواية عبد الله بن عمر - - أن رسول الله قال: "البَيِّعَانِ بِالخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفْرَّقَا" أو لا يحل لأحدهما أن يفارق صاحبه؛ خشية أن يستقيله؛ ثبت أن المعنى بالخيار في حق الجعل لو طلب - كالفسخ في الاستقالة، والله أعلم.
والثاني: أن يريد به: ما داما في التبايع؛ دليل ذلك احتمال اللفظ [في] قوله - -: ﴿ وَأَشْهِدُوۤاْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ ﴾ والإشهاد على التبايع، والتبايع هو فعل اثنين، وقد ثبت منهما مع الفراغ - الإشهاد على التبايع، وهذا أحق بوجوه: أحدها: حق اللغة أنه اسم التفاعل، وهو اسم لفعلهما؛ فيستحقان ذلك في وقت كونهما فيه: كالتضارب، والتقاتل، ونحو ذلك، وبعد الفراغ التسمية تكون بحق الحكاية دون تحقيق الفعل.
والثاني: بما روي عن أبي هريرة - - أن النبي قال: "البَيِّعَانِ بِالْخِيَّارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا مِنْ بَيْعِهِمَا، وَبَيْعُهُمَا مَعْرُوفٌ" ، والله أعلم.
والثالث: متفق القول من أهل العقل على رؤية وجوب البيع دون التفرق عن المكان، والله أعلم.
والرابع: أن يجعل ذلك الحد لإصلاح البياعات أنهما ما لم يتفرقا يملكان الاصطلاح، وإذا تفرقا لا، وهو أولى؛ إذ قد جعل التفرق التام شرطاً للفساد ومنع الإصلاح، وقد كان في بعض العقود مما يصلح بالقبض؛ فهو على الوجود قبل التفرق، ثم لا يصلح إذا وجد التفرق؛ فمثله مما كان الصلاح بالقول في الإصلاح؛ وعلى ذلك إذا قال أحد للآخر: اختر - انقطع خياره لو كان تفرقاً من القول، وليس فيه زيادة على ما في قوله: بعت منك، في حق الإصلاح؛ فثبت أن التفرق لقطع الإصلاح، لا للإصلاح - والله أعلم - قوله: إن للناس عرفاً في التبايع من وجهين: أحدهما: في التعاقد.
والثاني: في التقابض؛ فيكون المعنى من الخبر فيما البيع عن تقابض، وهو بيع المداومة إذا ترك كل واحد منهما الآخر يفارقه على ما سلم وقبض كان ذلك بينهما، وجاز ذلك - أيضاً - بحق الآية في الإباحة عن تراض، واسم التجارة قد يقع على تبادل ليس فيه قول البيع؛ كقوله - -: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُاْ ٱلضَّلَـٰلَةَ بِٱلْهُدَىٰ ﴾ وقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ ﴾ وذلك مع قوله - وتعالى -: ﴿ فَمَا رَبِحَتْ تِّجَارَتُهُمْ ﴾ وفي ذلك أن البيع الموقوف إذا أجيز يباح الأكل؛ لما كان وقت الأكل قد وجدت التجارة عن تراض، وفي ذلك دليل وجوب خيار الرؤية؛ إذ قد جعل الرضا سبباً، وهو بما يجهل غير محق، وإنما يعلم بالرؤية.
وفيه أنه بالقبض يمضي حق العقد؛ إذ التجارة للأكل، ولا يوصل إليه إلا بالقبض، فإذا فات، فات ما له التجارة؛ فيبطل، والله أعلم.
وفي قوله - أيضاً -: "تبايعا" وإن كان اسما لفعل اثنين، فلما يتصل صحة كلام كل واحد منهما إذا كان الآخر حاضراً؛ فكأنهما اشتركا في صحته؛ فصارا به متبايعين، نحو قوله: [حتى يتفرقا]، والتفرق اسم لفعل اثنين، لكن أحدهما إذا فارق مكان البيع والآخر لم يفارقه - فقد وجد حق التفرق من أن ليس أحدهما يجنب الآخر؛ فكأنهما اشتركا في التفرق وإن لم يوجد الفعل من أحدهما، والله أعلم.
وقوله - جل وعز -: ﴿ وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَنْفُسَكُمْ ﴾ .
يحتمل وجهين: أي: لا يقتل بعضكم بعضاً؛ فإنه إذا قتل آخر يقتل به؛ فكأنه هو الذي قتل نفسه؛ إذ لولا قتله إياه وإلا لم يقتل به.
والثاني: أنه أضاف القتل إلى أنفسهم؛ لأنهم كلهم كنفس واحدة؛ إذ كلهم من جنس واحد، ومن جوهر واحد.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً ﴾ .
أي: من رحمته: أن جعل لكم فيما بينكم القصاص، وأخذ النفس بالنفس، والمال بالمال، وفي ذلك حياة أنفسكم، وإبقاء أموالكم.
ومن رحمته - أيضاً -: أن جعلكم من جوهر واحد؛ إذ كل ذي جوهر يألف بجوهره، ويسكن إليه، والله أعلم.
ومن رحمته: أرسل إليكم الرسل، وأنزل عليكم الكتب، وأوضح لكم السبل.
ومن رحمته: أن أمهل لكم، وستر عليكم، ودعاكم إلى المتاب.
ومن رحمته: دفع عنكم الآفات، وأوسع لكم الرزق، وبالمؤمنين خاصة برحمته اهتدوا، وسلموا عن كل داء.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ عُدْوَاناً وَظُلْماً ﴾ عدواناً لمجاوزته حدود الله، وظلماً على صاحبه.
والعدوان هو التعدي والمجاوزة عن حدود الله؛ كقوله - -: ﴿ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ ﴾ .
ويحتمل قوله: ﴿ وَظُلْماً ﴾ على نفسه؛ كقوله - عز وجل: ﴿ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ﴾ وقوله - -: ﴿ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ ﴾ ، وقوله : ﴿ فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ ﴾ .
وهذا الوعيد - والله أعلم - لما يفعل ذلك مستخفّاً بحدود الله واستحلالا منه لذلك؛ وإلا لو كان ذلك على غير وجه الاستخفاف بها والاستحلال لها - لم يستوجب هذا الوعيد؛ ألا ترى أنه قال - -: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ فِي ٱلْقَتْلَى ﴾ ثم قال - عز وجل -: ﴿ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ ﴾ إنما جاء هذا في قتلى العمد، ثم أبقى الأخوة فيما بينهما، وأخبر أن ذلك تخفيف منه ورحمة، وفيما كان الفعل منه فعل الاستخفاف والاستحلال لا يجوز أن يكون فيه منه رحمة، ويخلد في النار؛ وعلى ذلك يخرج قوله - -: ﴿ وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَٰلِداً فِيهَا ﴾ إذا قتله مستحلا له مستخفّاً بتحريم الله إياه؛ فاستوجب هذا الوعيد، وأما من فعل على غير الاستحلال والاستخفاف بحدوده فالحكم فيه ما ذكرنا والله أعلم.
وقوله - ، أيضاً -: ﴿ عُدْوَاناً وَظُلْماً ﴾ يحتمل: الاستحلال؛ دليله قوله - عز وجل -: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ ﴾ ثم قال - عز وجل -: ﴿ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ ﴾ ، وقال: ﴿ ذٰلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ ﴾ فأبقى الأخوة التي كانت بقوله - عز وجل -: ﴿ يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ ؛ فثبت أن الإيمان بعدُ باق فأبقى له الرحمة والأخوة، وهاهنا زال؛ لذلك افترقت الآيتان.
والثاني: أنه وعد اختلافهم، ولم يذكر الخلود، وجائز تعذيبه في الحكمة والتنازع في الخلود لا غير.
والأصل في هذا ونحوه: أنه لم يتنازع أن يكون فعله الذي فيه الوعيد إن كان ثَمَّ خلود، فهو الذي يزيل عنه اسم الإيمان، ويبطل عنه حق فعله، وإنما التنازع في إبقاء اسم الإيمان في لزوم الوعيد؛ فهي فيمن لم يبق له الاسم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ ﴾ .
اختلف فيه: قال بعضهم: كبائر الشرك؛ لأن كبائر الشرك أنواع، منها: الإشراك بالله، ومنها جحود الأنبياء ، ومنها: الجحود ببعض الرسل، عليهم السلام، ومنها: جحود العبادات، واستحلال المحرمات، وتحرم المحللات، وغير ذلك وكل ذلك شرك بالله.
فقيل أراد بالكبائر كبائر الشرك، فإذا اجتنب كبائر الشرك صارت ما دونها موعوداً لها المغفرة بالمشيئة بقوله - -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ ﴾ وعد المغفرة لما دون الشرك، وقرنها بمشيئته؛ فهو في مشيئة الله - -: إن شاء عذبه، وإن شاء عفا عنه، وبالله التوفيق.
وقيل: أراد بالكبائر [كبائر] الإسلام.
ثم يحتمل وجهين بعد هذا: يحتمل: أن تكون الصغائر مغفورة باجتناب الكبائر.
ويحتمل: أن تكون الصغائر مغفورة بالحسنات؛ ألا ترى أنه قال في آخره: ﴿ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ ﴾ ، والتكفير إنما يكون [بالحسنات]؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ إِنَّ ٱلْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّـيِّئَاتِ ﴾ أخبر أن من السيئات ما يذهبها الحسنات.
ويحتمل: أن يكون التكفير لها جميعاً وإن لم تجتنب؛ ألا ترى أنه قال في آية أخرى: ﴿ إِن تُبْدُواْ ٱلصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ ﴾ إلى قوله - عز وجل -: ﴿ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ ﴾ وقال - عز وجل -: ﴿ تُوبُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحاً عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ ﴾ ؛ ألا ترى أنه روي عن أنس - - قال: قال رسول الله : "شَفَاعَتِي نَائِلَةٌ لأَِهْلِ الكَبَائِرِ مِنْ أُمُّتي" وروي عن علي [بن أبي طالب] - - أنه سمع امرأة تدعو: اللَّهُمَّ اجعلني من أهل شفاعة محمد فقال: "مَهْ!
فَقُولي: اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ الفَائِزِينَ؛ فَإِنَّ شَفَاعَةَ مُحَمَّدٍ لأَِهْلِ الكَبَائِرِ" ثم قرأ: ﴿ إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ...
﴾ الآية.
ثم اختلف في كيفية الكبائر وماهيتها: فقال بعضهم: ما أوجب الحد فهو كبيرة: من نحو الزنا، والسرقة، والقذف، وغير ذلك.
وقال آخرون: الإشراك بالله، وقتل النفس التي حرم الله بغير حقها، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا، وقول البهتان، والفرار من الزحف.
وروي عن عبد الله بن مسعود - - [أنه سئل عن ذلك؟
فقال: "من أول السور إلى هنا من المحرمات، فهو من الكبائر.
وروي أنه قيل لابن عباس: إن عبد الله بن عمر، يقول: الكبائر تسع.
فقال] ابن عباس - -: هنّ إلى التسعين أقرب، ولكن لا كبيرة مع توبة، ولا صغيرة مع إصرار.
وروي عن الحسن قال: قال [رسول الله] : "مَا تَقُولُونَ فِي الزِّنَا وَالسَّرِقَةِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ؟
قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: هُنَّ فَوَاحِشُ، وَفِيهِنَّ عُقُوبَةٌ ثم قال [رسول الله] : أَلاَ أُنْبَئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ؟
قالوا: بلى يا رسول الله، قال: الإِْشْرَاكُ بِاللهِ، وَعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ قال: وكان متكئاً فجلس ثم قال: أَلاَ وَقَوْلُ الزُّورِ، أَلاَ وَقَوْلُ الزُّورِ قاله ثلاثاً" .
وقوله - -: ﴿ إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ ﴾ .
ذكر تكفير السيئات إذا اجتنب الكبائر، ولم يذكر الحكم إذا لم يجتنبها؛ فليس فيه أنه إذا لم يجتنب لا يكفر، فهو في مشيئة الله: [إن شاء كفر، وإن شاء عذب]؛ على ما ذكرنا: أن وجوب الحكم لا يوجب إيجاب ذلك الحكم في حال أخرى، حظراً كان أو إحلالا، والله أعلم.
ويقرأ في بعض القراءات: (إن تجتنبوا كبير ما تنهون عنه) فإن ثبت هذا فهو يدل على التأويل الذي ذكرنا آنفاً: أنه أراد بالكبائر كبائر الشرك، [والله أعلم].
قوله - عز وجل -: ﴿ وَنُدْخِلْكُمْ مُّدْخَلاً كَرِيماً ﴾ .
قيل: الجنة.
<div class="verse-tafsir"
ومن يفعل ذلك الذي نهيتكم عنه فيأكل مال غيره أو يتعدى عليه بقتل ونحوه عالمًا متعديًا لا جاهلًا أو ناسيًا؛ فسيدخله الله نارًا عظيمة يوم القيامة، يعاني حرها، ويقاسي عذابها، وكان ذلك على الله هينًا؛ لأنه قادر لا يعجزه شيء.
<div class="verse-tafsir" id="91.MOeDr"
كان الكلام من أول السورة إلى هنا في معاملة اليتامى والأقارب والنساء ثم، في معاملة سائر الناس ومدار الكلام في تلك المعاملات على المال حتى أنه لما ذكر ما يحل وما يحرم من النساء، لم يخرج الكلام عن أحكام المال فقد ذكر ما يفرض لهن وما يجب من إيتائهن أجورهن، وبعد ذكر تلك الأنواع من الحقوق المالية ذكر قاعدة عامة للتعامل المالي فقال: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ ﴾ أضاف الأموال إلى الجميع فلم يقل لا يأكل بعضكم مال بعض للتنبيه على ما قررناه مرارًا من تكافل الأمة في حقوقها ومصالحها كأنه يقول إن مال كل واحد منكم هو مال أمتكم فإذا استباح أحدكم أن يأكل مال الآخر بالباطل كان كأنه أباح لغيره أكل ماله وهضم حقوقه لأن المرء يدان كما يدين.
وإن في هذه الإضافة تنبيهًا إلى مسألة أخرى وهي أن صاحب المال الحائز له يجب عليه بذله للمحتاج، فكما لا يجوز للمحتاج أن يأخذ شيئًا من مال غيره بالباطل كالسرقة والغصب، لا يجوز لصاحب المال أن يبخل عليه بما يحتاج إليه.
وفسر (الجلال) وغيره الباطل بالمحرم.
وهو إحالة للشيء على نفسه فإن الله حرم الباطل بهذه الآية، فقولهم إن الباطل هو المحرم يجعل حاصل معنى الآية: إنني جعلت المال المحرم محرمًا، والصواب أن الباطل هو ما يقابل الحق ويضاده، والكتاب يطلق الألفاظ كالحق والمعروف والحسنات أو الصالحات، وما يقابلها وهو الباطل والمكر والسيئات، ويكل فهمها إلى أهل الفطرة السليمة من العارفين باللغة ومن ذلك قوله في اليهود ﴿ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ﴾ فحق فلان في المال هو الثابت له في العرف وهو ما إذا عرض على العقلاء المنصفين أصحاب الفطرة السليمة يقولون إنه له، فيدخل في الباطل الغصب والغش والخداع والربا والغبن والتغرير، وقوله: ﴿ بَيْنَكُمْ ﴾ للإشعار بأن المال المحرم لأنهه باطل هو ما كان موضع التنازع في التعامل بين المتعاملين كأنه واقع بين الآكل والمأكول منه، كل منهما يريد جذبه لنفسه، فيجب أن يكون المرجح للمال بين اثنين يتنازعان فيه هو الحقن فلا يجوز لأحد أن يأخذه بالباطل، وعبر بالأكل عن مطلق الأخذ لأنه أقوى أسبابه وأعمها وأكثرها.
قال تعالى: ﴿ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ ﴾ قالوا إن الآية دليل على تحريم ما عدا ربح التجارة من أموال الناس -أي كالهدية والهبة- ثم نسخ ذلك بآية النور المبيحة للإنسان أن يأكل من بيوت أقاربه وأصدقائه، وهو افتراء على الذين لا أصل له، إذ لا يعقل أن تكون الهبة محرمة في وقت من الأوقات، ولا ما في معناها كإقراء الضيف، وإنما يكون التحريم فيما يمانع فيه صاحب المال فيؤخذ بدون رضاه، أو بدون علمه، مع العلم أو الظن بأنه لا يسمح به.
وإنما استثنى الله التجارة من عموم الأموال التي يجري فيها الأكل بالباطل، أي بدون مقابل، لأن معظم أنواعها يدخل فيها الأكل بالباطل، فإن تحديد قيمة الشيء وجعل عوضه أو ثمنه على قدره بقسطاس الحق المستقيم عزيز وعسير إن لم يكن محالًا.
فالمراد من الاستثناء التسامح بما يكون فيه أحد العوضين أكبر من الآخر وما يكون سبب التعاوض فيه براعة التاجر في تزيين سلعته وترويجها بزخرف القول من غير غش ولا خداع ولا تغرير كما يقع ذلك كثيرًا، فإن الإنسان كثيرًا ما يشتري الشيء من غير حاجة شديدة إليه، وكثيرًا ما يشتريه بثمن يعلم أنه يمكن ابتياعه بأقل منه من مكان آخر، ولا يكون سبب ذلك إلا خلابة التاجر وزخرفه، وقد يكون ذلك من المحافظة على الصدق واتقاء التغرير والغش، فيكون من باطل التجارة الحاصلة بالتراضي، وهو المستثنى، والحكمة في إباحة ذلك الترغيب في التجارة لشدة حاجة الناس إليها وتنبيه الناس إلى استعمال ما أوتوا من الذكاء والفطنة في اختبار الأشياء والتدقيق في المعاملة حفظًا لأموالهم التي جعلها الله لهم قيامًا أن يذهب شيء منها بالباطل، أي بدون منفعة تقابلها.
فعلى هذا يكون الاستثناء متصلًا خرج به الربح الكثير، الذي يكون بغير غش ولا تغرير، بل بتراض لم تنخدع فيه إرادة المغبون، ولو لم يبح مثل هذا لما رغب في التجارة ولا اشتغل بها أحد من أهل الدين على شدة حاجة العمران إليها وعدم الاستغناء عنها، إذ لا يمكن أن تتبارى الهمم فيها مع التضييق في مثل هذا، وقد شعر الناس منذ العصور الخالية بما يلابس التجارة من الباطل حتى أن اليونانيين جعلوا للتجارة والسرقة إلهًا أو ربًا واحدًا فيما كان عندهم من الآلهة والأرباب لأنواع المخلوقات وكليات الأخلاق والأعمال.
﴿ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا ﴾ ذهب بعض المفسرين إلى أن المشار إليه في قوله "ذلك" كل ما تقدم النهي عنه من أول السورة إلى الآية السابقة، وقال ابن جرير إن المشار إليه هو ما نهي عنه من قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا ﴾ إلى هنا، وذلك أن المنهيات التي قبل تلك الآية قد اقترنت بالوعيد عليها على حسب سنة القرآن، ولكن هذه المنهيات الأخيرة لم يوعد عليها بشيء وإن وصفت بالقبح الذي يترتب عليه الوعيد.
-وهي النهي عن إرث النساء كرهًا، وعن عضلهن لأخذ شيء من مالهن، وعن نكاح ما نكح الآباء في الجاهلية، وعن أكل أموال الناس بالباطل، وعن القتل- وقال بعضهم إن المشار إليه في هذه الآية هو القتل فقط، وقد قصر كل التقصير، وأكثر المفسرين على أن المراد بذلك ما في الآية الأخيرة من النهي عن أكل أموال الناس بالباطل وعن القتل، وهذا هو المعقول المقبول فإن ما قبلها من المنهيات التي لم تقترن بالوعيد قد اقترنت بالوصف الدال عليه.
والعدوان هو التعدي على الحق، فكأنه قال بغير حق، وهو يتعلق بالقصد فمعناه: أن يتعمد الفاعل إتيان الفعل وهو يعلم أنه قد تعدى الحق وجاوزه إلى الباطل، والظلم يتعلق بالفعل نفسه بأن كان المعتدي لم يتحر ويجتهد في استبانة ما يحل له فيفعل ما لا يحل، والوعيد مقرون بالأمرين معًا وهما أن يقصد الفاعل العدوان وأن يكون فعله ظلمًا في الواقع ونفس الأمر فإذا وجد أحدهما دون الآخر لا يستحق هذا الوعيد الشديد.
مثال تحقق العدوان دون الظلم أن يقتل الإنسان رجلًا بقصد الاعتداء عليه ثم يظهر له أنه كان راصدًا له يريد قتله ولو لم يسبقه لقتله، أو أنه كان قتل من له ولاية دمه كأصله أو فرعه، فههنا لم يتحقق الظلم وأما العدوان فواقع لا محالة، ومثال تحقق الظلم فقط أن يسلب امرؤ مال آخر ظانًا أنه ماله الذي كان سرقه أو اغتصبه منه، ثم يتبين له أن المال ليس ماله وأنه لم يكن هو الذي أخذ ماله، وأن يقتل رجلًا رآه هاجمًا عليه فظن أنه صائل يريد قتله ثم يتبين له خطأ ظنه، فههنا تحقق الظلم ولكن لم يتحقق العدوان.
﴿ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا ﴾ إن معنى كونه يسيرًا على الله تعالى هو أن حلمه في الدنيا على المعتدين الظالمين وعدم معالجتهم بالعقوبة لا يقتضي أن ينجوا من عقابه في الآخرة.
<div class="verse-tafsir"