الإسلام > القرآن > سور > سورة 4 النساء > الآية ٦٣ من سورة النساء
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 99 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٦٣ من سورة النساء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
ثم قال تعالى : ( أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم ) [ أي ] هذا الضرب من الناس هم المنافقون ، والله يعلم ما في قلوبهم وسيجزيهم على ذلك ، فإنه لا تخفى عليه خافية ، فاكتف به يا محمد فيهم ، فإن الله عالم بظواهرهم وبواطنهم ; ولهذا قال له : ( فأعرض عنهم ) أي : لا تعنفهم على ما في قلوبهم ( وعظهم ) أي : وانههم على ما في قلوبهم من النفاق وسرائر الشر ( وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا ) أي : وانصحهم فيما بينك وبينهم بكلام بليغ رادع لهم .
القول في تأويل قوله : أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلا بَلِيغًا (63) قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: " أولئك "، هؤلاء المنافقون الذين وصفت لك، يا محمد، صفتهم =" يعلم الله ما في قلوبهم " في احتكامهم إلى الطاغوت، وتركهم الاحتكام إليك، وصدودهم عنك = من النفاق والزيغ، (18) وإن حلفوا بالله: ما أردنا إلا إحسانًا وتوفيقًا =" فأعرض عنهم وعظهم "، يقول: فدعهم فلا تعاقبهم في أبدانهم وأجسامهم، ولكن عظهم بتخويفك إياهم بأسَ الله أن يحلّ بهم، وعقوبته أن تنـزل بدارهم، وحذِّرهم من مكروهِ ما هم عليه من الشك في أمر الله وأمر رسوله = ،" وقل لهم في أنفسهم قولا بليغًا "، يقول: مرهم باتقاء الله والتصديق به وبرسوله ووعده ووعيده.
---------------------- الهوامش : (18) السياق: "يعلم الله ما في قلوبهم...
من النفاق والزيغ".
فقال الله تعالى مكذبا لهم أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم قال الزجاج : معناه قد علم الله أنهم منافقون .
والفائدة لنا : اعلموا أنهم منافقون .
فأعرض عنهم قيل : عن عقابهم .
وقيل : عن قبول اعتذارهم وعظهم أي خوفهم .
قيل في [ ص: 229 ] الملا .
وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا أي ازجرهم بأبلغ الزجر في السر والخلاء .
الحسن : قل لهم إن أظهرتم ما في قلوبكم قتلتكم .
وقد بلغ القول بلاغة ؛ ورجل بليغ يبلغ بلسانه كنه ما في قلبه .
والعرب تقول : أحمق بلغ وبلغ ، أي نهاية في الحماقة .
وقيل : معناه يبلغ ما يريد وإن كان أحمق .
ويقال : إن قوله تعالى : فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم نزل في شأن الذين بنوا مسجد الضرار ؛ فلما أظهر الله نفاقهم ، وأمرهم بهدم المسجد حلفوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم دفاعا عن أنفسهم : ما أردنا ببناء المسجد إلا طاعة الله وموافقة الكتاب .
{ أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ } أي: من النفاق والقصد السيئ.
{ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ } أي: لا تبال بهم ولا تقابلهم على ما فعلوه واقترفوه.
{ وَعِظْهُمْ } أي: بين لهم حكم الله تعالى مع الترغيب في الانقياد لله، والترهيب من تركه { وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا } أي: انصحهم سرا بينك وبينهم، فإنه أنجح لحصول المقصود، وبالغ في زجرهم وقمعهم عمَّا كانوا عليه، وفي هذا دليل على أن مقترف المعاصي وإن أعرض عنه فإنه ينصح سرًا، ويبالغ في وعظه بما يظن حصول المقصود به.
( أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم ) من النفاق ، أي : علم أن ما في قلوبهم خلاف ما في ألسنتهم ، ( فأعرض عنهم ) أي : عن عقوبتهم وقيل : فأعرض عن قبول عذرهم وعظهم باللسان ، وقل لهم قولا بليغا ، وقيل : هو التخويف بالله ، وقيل : أن توعدهم بالقتل إن لم يتوبوا ، قال الحسن : القول البليغ أن يقول لهم : إن أظهرتم ما في قلوبكم من النفاق قتلتم لأنه يبلغ من نفوسهم كل مبلغ ، وقال الضحاك : ( فأعرض عنهم وعظهم ) في الملإ ( وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا ) في السر والخلاء ، وقال : قيل هذا منسوخ بآية القتال .
«أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم» من النفاق وكذبهم في عذرهم «فأعرض عنهم» بالصفح «وعِظهم» خوِّفهم الله «وقل لهم في» شأن «أنفسهم قولا بليغا» مؤثرا فيهم أي أزجرهم ليرجعوا عن كفرهم.
أولئك هم الذين يعلم الله حقيقة ما في قلوبهم من النفاق، فتولَّ عنهم، وحذِّرهم من سوء ما هم عليه، وقل لهم قولا مؤثرًا فيهم زاجرًا لهم.
ثم بين - سبحانه - أنه ليس غافلا عن أعمال أولئك المنافقين ، وأرشد نبيه صلى الله عليه وسلم إلى وسائل معالجتهم فقال - تعالى - : ( أولئك الذين يَعْلَمُ الله مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ في أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً ) .أى : أولئك الذين نافقوا ، وأخفوا حقيقة نواياهم السيئة ، وتركوا حكم الله إلى حكم الطاغوت .
.
.
( أولئك الذين يَعْلَمُ الله مَا فِي قُلُوبِهِمْ ) من النفاق والميل إلى الكفر ، وإن أظهروا إسلامهم .وقوله ( فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ ) .
.
.
الخ بيان لطرق معالجتهم .أى : فلا تلتفت إليهم ، وغض الطرف عن مسالكهم الخبيثة ، ولا تقبل عليهم ، لكى يشعروا باستنكارك لأعمالهم .وقوله ( وَعِظْهُمْ ) : الوعظ هو التذكير بفعل الخير وترك الشر بأسلوب يرقق القلوب ، ويشتمل على الترغيب والترهيب .أى : ذكرهم بما فى أعمالهم القبيحة من سوء العاقبة لهم ، وبما فى تركها من خير جزيل يعود عليهم فى دنياهم وآخرتهم ، وأخبرهم بأن تحاكمهم إلى غير شريعة الله سيكون فيه هلاكهم .وقوله ( وَقُل لَّهُمْ في أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً ) أى قل لهم بعد ذلك قولا يبلغ أعماق نفوسهم لقوته وشدة تأثيره .
بأن تورد لهم ما تريد أن تخاطبهم به بطريقة تجعلهم يقبلون على قولك .وفى هذه الجملة الكريمة ما فيها من التعبير البليغ المؤثر ، حتى لكأنما القول الذى يقوله الرسول صلى الله عليه وسلم لهم : يودع مباشرة فى الأنفس ، ويستقر رأسا فى القلوب .وقد وضح هذا المعنى صاحب الكشاف فقال : فإن قلت : بم تعلق قوله : ( في أَنْفُسِهِمْ ) قلت : بقوله ( بَلِيغاً ) أى : قبل لهم قولا بليغا فى أنفسهم مؤثرا فى قلوبهم يغتمون به اغتماما ، ويستشعرون منه الخوف استشعارا ، وهو التوعد بالقتل والاستئصال إن نجم منهم النفاق ، واطلع قرنه ، وأخبرهم أن ما فى نفوسهم من الدغل والنفاق معلوم عند الله ، وانه لا فرق بينكم وبين المشركين .
وما هذه المكانة إلا لإِظهاركم الإِيمان وإِسراركم الكفر وإضماره .
فإن فعلتم ما تكشفون به غطاءكم لم يبق إلا السيف .أو يتعلق بقوله ( وَقُل لَّهُمْ ) .
أى : قل لهم فى أنفسهم الخبيثة وقلوبهم المطوية على النفاق قولا بليغا .
وإن الله يعلم ما فى قلوبكم .
لا يخفى عليه .
فلا يغنى عنكم إبطانه .فأصلحوا أنفسكم وطهروا قلوبكم وداووها من مرض النفاق .
وإلا أنزل الله بكم ما أنزل بالمجاهرين بالشرك من انتقامه ، وشرا من ذلك وأغلظ ، أو قل لهم فى أنفسهم خاليا بهم ، ليس معهم غيرهم .
قولا بليغاً يبلغ منهم ، ويؤثر فيهم .فأنت ترى أن الآية الكريمة قد أرشدت النبى صلى الله عليه وسلم إلى استعمال ثلاثة طرق لصرف المنافقين عن أفعالهم القبيحة .وهذه الطرق هى الإِعراض عنهم ، ووعظم بما يرغبهم فى الخير ويرهبهم من الشر ، ومخاطبتهم بالقول البليغ المؤثر الذى يحرك نفوسهم تحريكا قويا ، ويجعلهم يقبلون وهذه الطرق هى أسمى ألوان الدعوة إلى الله .
وأنجع الأساليب فى جلب الناس إلى ما يأخذ بيدهم إلى الخير والفلاح .
وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن في اتصال هذه الآية بما قبلها وجهين: الأول: أن قوله: ﴿ فَكَيْفَ إِذَا أصابتهم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ﴾ كلام وقع في البين، وما قبل هذه الآية متصل بما بعدها هكذا: واذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا ثم جاؤك يحلفون بالله إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا، يعني أنهم في أول الأمر يصدون عنك أشد الصدود، ثم بعد ذلك يجيئونك ويحلفون بالله كذبا على أنهم ما أرادوا بذلك الصد إلا الاحسان والتوفيق، وعلى هذا التقدير يكون النظم متصلا، وتلك الآية وقعت في البين كالكلام الأجنبي، وهذا يسمى اعتراضا، وهو كقول الشاعر: إن الثمانين وبلغتها *** قد أحوجت سمعي إلى ترجمان فقوله: وبلغتها، كلام أجنبي وقع في البين، إلا أن هذا الكلام الأجنبي شرطه أن يكون له من بعض الوجوه تعلق بذلك المقصود كما في هذا البيت، فان قوله: بلغتها دعاء للمخاطب وتلطف في القول معه، والآية أيضا كذلك، لأن أول الآية وآخرها في شرح قبائح المنافقين وفضائحهم وأنواع كيدهم ومكرهم، فان الآية أخبرت بأنه تعالى حكى عنهم في أول الآية أنهم يتحاكمون إلى الطاغوت مع أنهم أمروا بالكفر به، ويصدون عن الرسول مع أنهم أمروا بطاعته، فذكر بعد هذا ما يدل على شدة الأحوال عليهم بسبب هذه الأعمال السيئة في الدنيا والآخرة فقال: ﴿ فَكَيْفَ إِذَا أصابتهم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ﴾ أي فكيف حال تلك الشدة وحال تلك المصيبة، فهذا تقرير هذا القول، وهو قول الحسن البصري، واختيار الواحدي من المتأخرين.
الوجه الثاني: أنه كلام متصل بما قبله، وتقريره انه تعالى لما حكى عنهم في الآية المتقدمة أنهم يتحاكمون إلى الطاغوت، ويفرون من الرسول عليه الصلاة والسلام أشد الفرار دل ذلك على شدة نفرتهم من الحضور عند الرسول والقرب منه، فلما ذكر ذلك قال: ﴿ فَكَيْفَ إِذَا أصابتهم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ﴾ يعني إذا كانت نفرتهم من الحضور عند الرسول في أوقات السلامة هكذا، فكيف يكون حالهم في شدة الغم والحسرة إذا أتوا بجناية خافوا بسببها منك، ثم جاؤك شاؤا أم أبوا ويحلفون بالله على سبيل الكذب: انا ما أردنا بتلك الجناية إلا الخير والمصلحة، والغرض من هذا الكلام بيان ان ما في قلبهم من النفرة عن الرسول لا غاية له، سواء غابوا أم حضروا، وسواء بعدوا أم قربوا، ثم انه تعالى أكد هذا المعنى بقوله: ﴿ أُولَئِكَ الذين يَعْلَمُ الله مَا فِي قُلُوبِهِمْ ﴾ والمعنى أن من أراد المبالغة في شيء قال: هذا شيء لا يعلمه إلا الله، يعني انه لكثرته وقوته لا يقدر أحد على معرفته إلا الله تعالى، ثم لما عرف الرسول عليه الصلاة والسلام شدة بغضهم ونهاية عداوتهم ونفرتهم أعلمه انه كيف يعاملهم فقال: ﴿ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً ﴾ وهذا الكلام على ما قررناه منتظم حسن الاتساق لا حاجة فيه إلى شيء من الحذف والإضمار، ومن طالع كتب التفسير علم ان المتقدمين والمتأخرين كيف اضطربوا فيه والله أعلم.
المسألة الثانية: ذكروا في تفسير قوله: ﴿ أصابتهم مُّصِيبَةٌ ﴾ وجوها: الأول: أن المراد منه قتل عمر صاحبهم الذي أقر أنه لا يرضى بحكم الرسول عليه السلام، فهم جاؤا إلى النبي عليه الصلاة والسلام فطالبوا عمر بدمه وحلفوا انهم ما أرادوا بالذهاب إلى غير الرسول إلا المصلحة، وهذا اختيار الزجاج.
الثاني: قال أبو علي الجبائي: المراد من هذه المصيبة ما أمر الله تعالى الرسول عليه الصلاة والسلام من أنه لا يستصحبهم في الغزوات، وانه يخصهم بمزيد الاذلال والطرد عن حضرته وهو قوله تعالى: ﴿ لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ ٱلْمُنَٰفِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَٱلْمُرْجِفُونَ فِى ٱلْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَآ إِلَّا قَلِيلًا مَّلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوٓا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا ﴾ وقوله: ﴿ قُل لَّن تَخْرُجُواْ مَعِىَ أَبَدًا ﴾ وبالجملة فأمثال هذه الآيات توجب لهم الذل العظيم، فكانت معدودة في مصائبهم، وانما يصيبهم ذلك لأجل نفاقهم، وعني بقوله: ﴿ ثُمَّ جاؤك ﴾ أي وقت المصيبة يحلفون ويعتذرون أنا ما أردنا بما كان منا من مداراة الكفار الا الصلاح، وكانوا في ذلك كاذبين لانهم أضمروا خلاف ما أظهروه، ولم يريدوا بذلك الاحسان الذي هو الصلاح.
الثالث: قال أبو مسلم الاصفهاني: انه تعالى لما أخبر عن المنافقين أنهم رغبوا في حكم الطاغوت وكرهوا حكم الرسول، بشر الرسول صلى الله عليه وسلم أنه ستصيبهم مصائب تلجئهم إليه، والى أن يظهروا له الايمان به والى أن يحلفوا بأن مرادهم الاحسان والتوفيق.
قال: ومن عادة العرب عند التبشير والانذار أن يقولوا: كيف أنت اذا كان كذا وكذا، ومثاله قوله تعالى: ﴿ فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ ﴾ وقوله: ﴿ فَكَيْفَ إِذَا جمعناهم لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ ﴾ ثم أمره تعالى اذا كان منهم ذلك أن يعرض عنهم ويعظهم.
المسألة الثالثة: في تفسير الاحسان والتوفيق وجوه: الأول: معناه ما أردنا بالتحاكم إلى غير الرسول صلى الله عليه وسلم الا الاحسان الى خصومنا واستدامة الاتفاق والائتلاف فيما بيننا، وانما كان التحاكم إلى غير الرسول إحسانا إلى الخصوم لأنهم لو كانوا عند الرسول لما قدروا على رفع صوت عند تقرير كلامهم، ولما قدروا على التمرد من حكمه، فاذن كان التحاكم إلى غير الرسول إحسانا الى الخصوم.
الثاني: أن يكون المعنى ما أردنا بالتحاكم إلى عمر إلا أنه يحسن الى صاحبنا بالحكم العدل والتوفيق بينه وبين خصمه، وما خطر ببالنا أنه يحكم بما حكم به الرسول.
الثالث: أن يكون المعنى ما أردنا بالتحاكم الى غيرك يا رسول الله الا أنك لا تحكم الا بالحق المر، وغيرك يدور على التوسط ويأمر كل واحد من الخصمين بالاحسان الى الآخر، وتقريب مراده من مراد صاحبه حتى يحصل بينهما الموافقة.
ثم قال تعالى: ﴿ أُولَئِكَ الذين يَعْلَمُ الله مَا فِي قُلُوبِهِمْ ﴾ والمعنى أنه لا يعلم ما في قلوبهم من النفاق والغيظ والعداوة الا الله.
ثم قال تعالى: ﴿ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً ﴾ واعلم أنه تعالى أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعاملهم بثلاثة أشياء: الأول: قوله: ﴿ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ ﴾ وهذا يفيد أمرين أحدهما: أن لا يقبل منهم ذلك العذر ولا يغتر به، فان من لا يقبل عذر غيره ويستمر على سخطه قد يوصف بأنه معرض عنه غير ملتفت إليه.
والثاني: أن هذا يجري مجرى أن يقول له: اكتف بالاعراض عنهم ولا تهتك سترهم، ولا تظهر لهم أنك عالم بكنه ما في بواطنهم، فان من هتك ستر عدوه وأظهر له كونه عالما بما في قلبه فربما يجرئه ذلك على أن لا يبالي باظهار العداوة فيزداد الشر، ولكن إذا تركه على حاله بقي في خوف ووجل فيقل الشر.
النوع الثاني: قوله تعالى: ﴿ وَعِظْهُمْ ﴾ والمراد أنه يزجرهم عن النفاق والمكر والكيد والحسد والكذب ويخوفهم بعقاب الآخرة، كما قال تعالى: ﴿ ادع إلى سَبِيلِ رَبّكَ بالحكمة والموعظة الحسنة ﴾ .
النوع الثالث: قوله تعالى: ﴿ وَقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: في قوله: ﴿ فِى أَنفُسِهِمْ ﴾ وجوه: الأول: أن في الآية تقديما وتأخيرا، والتقدير: وقل لهم قولا بليغا في أنفسهم مؤثرا في قلوبهم يغتمون به اغتماما ويستشعرون منه الخوف استشعاراً.
الثاني: أن يكون التقدير: وقل لهم في معنى أنفسهم الخبيثة وقلوبهم المطوية على النفاق قولا بليغا، وإن الله يعلم ما في قلوبكم فلا يغني عنكم إخفاؤه، فطهروا قلوبكم من النفاق وإلا أنزل الله بكم ما أنزل بالمجاهرين بالشرك أو شراً من ذلك وأغلظ.
الثالث: قل لهم في أنفسهم خاليا بهم ليس معهم غيرهم على سبيل السر، لأن النصحية على الملأ تقريع وفي السر محض المنفعة.
المسألة الثانية: في الآية قولان: أحدهما: أن المراد بالوعظ التخويف بعقاب الآخرة، والمراد بالقول البليغ التخويف بعقاب الدنيا، وهو أن يقول لهم: إن ما في قلوبكم من النفاق والكيد معلوم عند الله، ولا فرق بينكم وبين سائر الكفار، وإنما رفع الله السيف عنكم لأنكم أظهرتم الايمان، فان واظبتم على هذه الأفعال القبيحة ظهر للكل بقاؤكم على الكفر، وحينئذ يلزمكم السيف.
الثاني: أن القول البليغ صفة للوعظ، فأمر تعالى بالوعظ، ثم أمر أن يكون ذلك الوعظ بالقول البليغ، وهو أن يكون كلاما بليغا طويلا حسن الألفاظ حسن المعاني مشتملا على الترغيب والترهيب والاحذار والانذار والثواب والعقاب، فان الكلام إذا كان هكذا عظم وقعه في القلب، وإذا كان مختصرا ركيك اللفظ قليل المعنى لم يؤثر ألبتة في القلب.
<div class="verse-tafsir"
روي: أن بشراً المنافق خاصم يهودياً فدعاه اليهودي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودعاه المنافق إلى كعب بن الأشرف، ثم إنهما احتكما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقضى لليهودي فلم يرض المنافق وقال: تعال نتحاكم إلى عمر بن الخطاب.
فقال اليهودي لعمر: قضى لنا رسول الله فلم يرض بقضائه.
فقال للمنافق: أكذلك؟
قال: نعم.
فقال عمر: مكانكما حتى أخرج إليكما فدخل عمر فاشتمل على سيفه، ثم خرج فضرب به عنق المنافق حتى برد ثم قال: هكذا أقضي لمن لم يرض بقضاء الله ورسوله، فنزلت.
وقال جبريل: إنّ عمر فرق بين الحق والباطل، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنت الفاروق» .
والطاغوت: كعب بن الأشرف، سماه الله (طاغوتاً) لإفراطه في الطغيان وعداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
أو على التشبيه بالشيطان والتسمية باسمه.
أو جعل اختيار التحاكم إلى غير رسول الله صلى الله عليه وسلم على التحاكم إليه تحاكماً إلى الشيطان، بدليل قوله: ﴿ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشيطان أَن يُضِلَّهُمْ ﴾ .
وقرئ ﴿ بِمَا أنزَلَ...
وَمَا أَنَزلَ ﴾ على البناء للفاعل.
وقرأ عباس بن الفضل: ﴿ أن يكفروا بها ﴾ ، ذهاباً بالطاغوت إلى الجمع، كقوله: ﴿ أَوْلِيَاؤُهُمُ الطاغوت يُخْرِجُونَهُم ﴾ [البقرة: 257] وقرأ الحسن ﴿ تعالوا ﴾ بضم اللام على أنه حذف اللام من تعاليت تخفيفاً، كما قالوا: ما باليت به بالة، وأصلها بالية كعافية، وكما قال الكسائي في (آية) إن أصلها (آيية) فاعلة، فحذفت اللام، فلما حذفت وقعت واو الجمع بعد اللام من تعال فضمت، فصار (تعالوا)، نحو: تقدموا.
ومنه قول أهل مكة: تعالي، بكسر اللام للمرأة، وفي شعر الحمداني: تَعَالِي أُقَاسِمْكِ الهمُومَ تَعَالِي والوجه فتح اللام ﴿ فَكَيْفَ ﴾ يكون حالهم، وكيف يصنعون؟
يعني أنهم يعجزون عند ذلك فلا يصدرون أمراً ولا يوردونه ﴿ إِذَا أصابتهم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ﴾ من التحاكم إلى غيرك واتهامهم لك في الحكم ﴿ ثُمَّ جَاؤك ﴾ حين يصابون فيعتذرون إليك ﴿ يَحْلِفُونَ ﴾ ما أردنا بتحاكمنا إلى غيرك ﴿ إِلاَّ إِحْسَاناً ﴾ لا إساءة ﴿ وَتَوْفِيقاً ﴾ بين الخصمين، ولم يرد مخالفة لك ولا تسخطاً لحكمك، ففرج عنا بدعائك وهذا وعيد لهم على فعلهم، وأنهم سيندمون عليه حين لا ينفعهم الندم.
ولا يغني عنهم الاعتذار عند حلول بأس الله.
وقيل: جاء أولياء المنافق يطلبون بدمه وقد أهدره الله فقالوا: ما أردنا بالتحاكم إلى عمر إلا أن يحسن إلى صاحبنا بحكومة العدل والتوفيق بينه وبين خصمه، وما خطر ببالنا أنه يحكم له بما حكم به ﴿ فَأَعْرَضْ عَنْهُمْ ﴾ لا تعاقبهم لمصلحة في استبقائهم، ولا تزد على كفهم بالموعظة والنصيحة عما هم عليه ﴿ وَقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً ﴾ بالغ في وعظهم بالتخفيف والإنذار.
فإن قلت: بم تعلق قوله: ﴿ فِى أَنفُسِهِمْ ﴾ ؟
قلت: بقوله: (بليغاً) أي: قل لهم قولاً بليغاً في أنفسهم مؤثراً في قلوبهم يغتمون به اغتماماً، ويستشعرون منه الخوف استشعاراً، وهو التوعد بالقتل والاستئصال إن نجم منهم النفاق وأطلع قرنه، وأخبرهم أن ما في نفوسهم من الدغل والنفاق معلوم عند الله، وأنه لا فرق بينكم وبين المشركين، وما هذه المكافة إلا لإظهاركم الإيمان وإسراركم الكفر وإضماره، فإن فعلتم ما تكشفون به غطاءكم لم يبق إلا السيف.
أو يتعلق بقوله: ﴿ قُلْ لَهُمْ ﴾ أي قل لهم في معنى أنفسهم الخبيثة وقلوبهم المطوية على النفاق قولاً بليغاً، وأنّ الله يعلم ما في قلوبكم لا يخفي عليه فلا يغني عنكم إبطانه.
فأصلحوا أنفسكم وطهروا قلوبكم وداووها من مرض النفاق، وإلا أنزل الله بكم ما أنزل بالمجاهرين بالشرك من انتقامه، وشراً من ذلك وأغلظ.
أو قل لهم في أنفسهم- خالياً بهم، ليس معهم غيرهم، مسارًّا لهم بالنصيحة، لأنه في السر أنجع، وفي الإمحاض أدخل ﴿ قولاً بليغاً ﴾ يبلغ منهم ويؤثر فيهم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ما في قُلُوبِهِمْ ﴾ مِنَ النِّفاقِ فَلا يُغْنِي عَنْهُمُ الكِتْمانُ والحَلِفُ الكاذِبُ مِنَ العِقابِ.
﴿ فَأعْرِضْ عَنْهُمْ ﴾ أيْ عَنْ عِقابِهِمْ لِمَصْلَحَةٍ في اسْتِبْقائِهِمْ أوْ عَنْ قَبُولِ مَعْذِرَتِهِمْ.
﴿ وَعِظْهُمْ ﴾ بِلِسانِكَ وكُفَّهم عَمّا هم عَلَيْهِ.
﴿ وَقُلْ لَهم في أنْفُسِهِمْ ﴾ أيْ في مَعْنى أنْفُسِهِمْ أوْ خالِيًا بِهِمْ فَإنَّ النُّصْحَ في السِّرِّ أنْجَعُ.
﴿ قَوْلا بَلِيغًا ﴾ يَبْلُغُ مِنهم ويُؤَثِّرُ فِيهِمْ، أمَرَهُ بِالتَّجافِي عَنْ ذُنُوبِهِمْ والنُّصْحِ لَهم والمُبالَغَةِ فِيهِ بِالتَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ، وذَلِكَ مُقْتَضى شَفَقَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وتَعْلِيقُ الظَّرْفِ بِبَلِيغًا عَلى مَعْنى بَلِيغًا في أنْفُسِهِمْ مُؤَثِّرًا فِيها ضَعِيفٌ لِأنَّ مَعْمُولَ الصِّفَةِ لا يَتَقَدَّمُ عَلى المَوْصُوفِ، والقَوْلُ البَلِيغُ في الأصْلِ هو الَّذِي يُطابِقُ مَدْلُولَهُ المَقْصُودَ بِهِ.
<div class="verse-tafsir"
{أُولَئِكَ الذين يَعْلَمُ الله مَا فِى قُلُوبِهِمْ} من النفاق {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِى أَنفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً} فأعرض عن قبول الأعذار وعظ بالزجر والإنكار وبالغ في وعظهم بالتخويف والإنذار أو أعرض عن عقابهم وعظهم في عتابهم وبلغ كنه ما في ضميرك من الوعظ بارتكابهم والبلاغة أن يبلغ بلسانه كنه ما فى جنانه وفى أنفسهم يتعلق يقل لهم أي قل لهم في معنى أنفسهم الخبيثة وقلوبهم المطوية على
النفاق قولاً بليغاً يبلغ منهم ويؤثر فيهم
﴿ أُولَئِكَ ﴾ أيِ المُنافِقُونَ المَذْكُورُونَ ﴿ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ما في قُلُوبِهِمْ ﴾ مِن فُنُونِ الشُّرُورِ المُنافِيَةِ لِما أظْهَرُوا لَكَ مِن (بَناتِ غَيْرٍ) وجاءُوا بِهِ مِن أُذُنَيْ عَناقٍ.
﴿ فَأعْرِضْ ﴾ حَيْثُ كانَتْ حالُهم كَذَلِكَ ﴿ عَنْهُمْ ﴾ أيْ قَبُولِ عُذْرِهِمْ، ويَلْزَمُ ذَلِكَ الإعْراضُ عَنْ طَلَبِهِمْ دَمَ القَتِيلِ؛ لِأنَّهُ هَدَرٌ، وقِيلَ: عَنْ عِقابِهِمْ لِمَصْلَحَةٍ في اسْتِبْقائِهِمْ، ولا تُظْهِرْ لَهم عِلْمَكَ بِما في بَواطِنِهِمُ الخَبِيثَةِ حَتّى يَبْقُوا عَلى نِيرانِ الوَجِلِ.
﴿ وعِظْهُمْ ﴾ بِلِسانِكَ وكُفَّهم عَنِ النِّفاقِ ﴿ وقُلْ لَهم في أنْفُسِهِمْ ﴾ أيْ قُلْ لَهم خالِيًا لا يَكُونُ مَعَهم أحَدٌ؛ لِأنَّهُ أدْعى إلى قَبُولِ النَّصِيحَةِ، ولِذا قِيلَ: النُّصْحُ بَيْنَ المَلَأِ تَقْرِيعٌ، أوْ قُلْ لَهم في شَأْنِ أنْفُسِهِمْ ومَعْناها ﴿ قَوْلا بَلِيغًا ﴾ مُؤَثِّرًا واصِلًا إلى كُنْهِ المُرادِ، مُطابِقًا لِما سِيقَ لَهُ مِنَ المَقْصُودِ، فالظَّرْفُ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ مُتَعَلِّقٌ بِالأمْرِ.
وقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِـ(بَلِيغًا) وهو ظاهِرٌ عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ، والبَصْرِيُّونَ لا يُجِيزُونَ ذَلِكَ؛ لِأنَّ مَعْمُولَ الصِّفَةِ عِنْدَهم لا يَتَقَدَّمُ عَلى المَوْصُوفِ؛ لِأنَّ المَعْمُولَ إنَّما يَتَقَدَّمُ حَيْثُ يَصِحُّ تَقَدُّمُ عامِلِهِ.
وقِيلَ: إنَّهُ إنَّما يَصِحُّ إذا كانَ ظَرْفًا، وقَوّاهُ البَعْضُ، وقِيلَ: إنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ يُفَسِّرُهُ المَذْكُورُ، وفِيهِ بُعْدٌ، والمَعْنى عَلى تَقْدِيرِ التَّعَلُّقِ: (قُلْ لَهم قَوْلًا بَلِيغًا في أنْفُسِهِمْ) مُؤَثِّرًا فِيها يَغْتَمُّونَ بِهِ اغْتِمامًا، ويَسْتَشْعِرُونَ مِنهُ الخَوْفَ اسْتِشْعارًا، وهو التَّوَعُّدُ بِالقَتْلِ والِاسْتِئْصالِ، والإيذانُ بِأنَّ ما انْطَوَتْ عَلَيْهِ قُلُوبُهُمُ الخَبِيثَةُ مِنَ الشَّرِّ والنِّفاقِ بِمَرْأًى مِنَ اللَّهِ تَعالى ومَسْمَعٍ غَيْرَ خافٍ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ، وإنَّ ذَلِكَ مُسْتَوْجِبٌ لِما تَشِيبُ مِنهُ النَّواصِي، وإنَّما هَذِهِ المَكافَّةُ والتَّأْخِيرُ لِإظْهارِهِمُ الإيمانَ وإضْمارِهِمُ الكُفْرَ، ولَئِنْ أظْهَرُوا الشِّقاقَ وبَرَزُوا بِأشْخاصِهِمْ مَن نَفَقِ النِّفاقِ لَتُسامِرَنَّهُمُ السُّمْرَ والبِيضَ، ولَيَضِيقَنَّ عَلَيْهِمْ رَحْبُ الفَلا بِالبَلاءِ العَرِيضِ.
واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ الأوْلى عَلى أنَّهُ قَدْ تُصِيبُ المُصِيبَةُ بِما يَكْتَسِبُ العَبْدُ مِنَ الذُّنُوبِ، ثُمَّ اخْتُلِفَ في ذَلِكَ فَقالَ الجُبّائِيُّ: لا يَكُونُ ذَلِكَ إلّا عُقُوبَةً في التّائِبِ، وقالَ أبُو هاشِمٍ: يَكُونُ ذَلِكَ لُطْفًا.
وقالَ القاضِي عَبْدُ الجَبّارِ: قَدْ يَكُونُ لُطْفًا، وقَدْ يَكُونُ جَزاءً، وهو مَوْقُوفٌ عَلى الدَّلِيلِ.
<div class="verse-tafsir"
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وذلك أنَّ منافقاً يقال له بشر، كان بينه وبين يهودي خصومة، فقال اليهودي: انطلق بنا إلى محمد وكانت تلك الخصومة في حكم الإسلام على المنافق، وفي حكم اليهود على اليهودي.
فقال اليهودي: نأتي محمدا يحكم بيننا.
وقال المنافق: بل نأتي كعب بن الأشرف حتى يحكم بيننا.
فكانا في ذلك إذ سمع عمر بن الخطاب قولهما، فقال: ما شأنكما؟
فأخبراه بالقصة.
فقال عمر: أنا أحكم بينكما.
فأجلسهما، ثم دخل البيت وخرج بالسيف، وقتل المنافق، فنزلت هذه الآية أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ يعني بالقرآن وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يعني سائر الكتب المنزلة يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وهو كعب بن الأشرف وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ يعني أمروا بتكذيبه.
وقال الضحاك: نزلت الآية في شأن المنافقين، لأنهم آمنوا بلسانهم ولم يؤمنوا بقلوبهم، وركنوا إلى قول اليهود ومالوا إلى خلاف النبيّ ، فذلك قوله: يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا يعني: إلى كهنة اليهود وسحرتهم.
ثم قال: وَيُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ عَنِ الهدى وَعَن الحق ضَلالًا بَعِيداً ثم قال: وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ يعني: إلى ما أمر الله في كتابه، وإلى ما أمر الرسول، وإلى ما أنزل إلى الرسول رَأَيْتَ الْمُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً أي يعرضون عنك إعراضاً.
ويقال: صدّ يصد يكون لازماً ويكون متعدياً، وإنما يتبين ذلك بالمصدر.
ويقال: صدّ يصدّ صدّاً إذا صرف غيره.
كقوله تعالى فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وصدّ يصدّ صدوداً، إذا أعرض بنفسه كقوله تعالى فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وكقوله رَأَيْتَ الْمُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً قوله تعالى: فَكَيْفَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ يقول: فكيف يصنعون إذا أصابتهم عقوبة بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ أي بما عملت أيديهم ثُمَّ جاؤُكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ قال في رواية الكلبي: نزلت في شأن ثعلبة بن حاطب، كانت بينه وبين الزبير بن العوام خصومة، فقضى رسول الله للزبير، فخرجا من عنده فمرا على المقدام بن الأسود، فقال المقدام لمن كان القضاء يا ثعلبة؟
فقال ثعلبة: قضى لابن عمته الزبير ولوى شدقه على وجه الاستهزاء، فنزلت هذه الآية فَكَيْفَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ أي بليه شدقه، فلما نزلت هذه الآية أقبل إلى رسول الله يعتذر إليه ويحلف.
وذلك قوله: ثُمَّ جاؤُكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنا إِلَّا إِحْساناً أي ما أردنا إلا الإحسان في المقالة وَتَوْفِيقاً يقول: صواباً.
وقال الضحاك ومقاتل: نزلت في شأن الذين بنوا مسجد ضرار، فلما أظهر الله نفاقهم وأمر بهدم المسجد، حلفوا لرسول الله دفعاً عن أنفسهم: ما أردنا ببناء المسجد إلا طاعة الله وموافقة الكتاب.
قوله تعالى: أُولئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ من الضمير.
وقال الزجاج: معناه قد علم الله أنهم منافقون، والفائدة لنا أن اعلموا أنهم منافقون.
قال: ومعنى قوله: وَتَوْفِيقاً أي طلباً لما وافق الحق.
ثم قال تعالى: فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ ولا تعاقبهم وَعِظْهُمْ بلسانك وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغاً يقول: خوفهم وهددهم إن فعلتم الثاني عاقبتكم.
قال مقاتل: تقدم إليه تقدماً وثيقاً ثم نسخ بقوله يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ [سورة التوبة: 73] .
وقوله تعالى: <div class="verse-tafsir"
الأوَّل: قال ميمونُ بْنُ مِهْرَانَ: هم أصحاب السَّرَايَا، وروى في ذلك حديثاً، وهو اختيار البُخَاريِّ، وروي عن ابْنِ عباس أنَّها نزلَتْ في عبد اللَّه بْنِ حُذَافَة «١» ، إذْ بعثه النبيّ صلّى الله عليه وسلّم في سرِيَّة «٢» .
والثاني: هم العلماءُ، وبه قال أكثر التابِعِينَ، واختاره مالكٌ «٣» والطبريُّ.
والصحيحُ عِنْدِي: أنهم الأمراء والعلماء، أمَّا الأمراء فَلأنَّ الأمْرَ منهم، والحُكْمَ إلَيْهم، وأمَّا العلماء فَلأنَّ سؤالهم متعيِّن على الخَلْق، وجوابهم لازمٌ، وامتثال فَتْوَاهم واجبٌ، ويدخُلُ فيه تَأَمُّر الزَّوْج على الزَّوْجَةِ لأنَّه حاكِمٌ عليها.
انتهى.
وقوله تعالى: فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ ...
الآية: معنى التنَازُعِ أنَّ كلَّ واحدٍ ينتزعُ حُجَّة الآخَرِ ويُذْهِبُهَا، والرَّدُّ إلى اللَّه هو النَّظَرُ في كتابِهِ العزيزِ، والرّدّ إلى الرسول هو سؤاله صلّى الله عليه وسلّم في حياتِهِ، والنَّظَرُ في سُنَّته بعد وفاته، هذا قولُ مجاهد وغيرِهِ «٤» ، وهو الصحيحُ.
وقوله سبحانه: إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ...
الآية: فيه بعض وعيد، وتَأْوِيلًا:
معناه: مآلاً في قول جماعة، وقال قتادةُ وغيره: المعنى: أحْسَنُ عاقبةً «٥» ، وقالتْ فرقة:
المعنى أن اللَّه ورسولَهُ أحْسَنُ نَظَراً وتأوُّلاً منكم، إذا انفردتم بتأوّلكم.
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً (٦٠) وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً (٦١) فَكَيْفَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جاؤُكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنا إِلاَّ إِحْساناً وَتَوْفِيقاً (٦٢) أُولئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً (٦٣)
وقوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ ...
الآية: تقولُ العربُ: زَعَمَ فُلاَنٌ كَذَا في الأَمْرِ الذي يَضْعُفُ فيه التحقيقُ، وغايةُ دَرَجَةِ الزَّعْم إذا قَوِيَ:
أنْ يكون مظْنُوناً، وإذا قال سِيبَوَيْه: زَعَمَ الخَلِيلُ، فإنما يستعملُها فيما انفرد الخَلِيلُ به وكَأَنَّ أقوى رُتَبِ «زَعَمَ» أنْ تبقى معها عُهْدة الخَبَر على المُخْبِرِ.
قال عامرٌ الشَّعبيُّ: / نزلَتِ الآيةُ في منافِقٍ اسمه بِشْرٌ، خاصَمَ رجلاً من اليهودِ، فدعاه اليهوديُّ إلى المُسْلِمِينَ لعلمه أنهم لاَ يَرْتَشُونَ، وكان المنافِقُ يدعو اليهودِيَّ إلى اليهودِ لعلمه أنَّهم يرتَشُونَ، فاتفقا بَعْدَ ذلك على أنْ أَتَيَا كَاهِناً كَانَ بالمدينةِ، فَرَضِيَاهُ، فنزَلَتْ هذه الآيةُ فيهما، وفي صِنْفَيْهِمَا «١» ، فالذينَ يَزْعُمُونَ أنَّهم آمَنوا بما أنزل على محمَّد- عليه السلام- هم المنافِقُونَ، والذين يَزْعُمُونَ أنهم آمنوا بما أُنْزِلَ من قبله هم اليهودُ، وكلٌّ قد أُمِرَ في كتابه بالكُفْر بالطَّاغوت، والطَّاغُوتُ هُنَا الكَاهِنُ المذْكُور، فهذا تأنيبٌ للصِّنْفَيْنِ.
وقال ابنُ عبَّاس: الطَّاغُوتُ هنا هو كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ، وهو الذي تراضَيَا به «٢» ، وقيل غير هذا.
وقوله: رَأَيْتَ، هي رؤْيَةُ عَيْنٍ لمن صَدَّ من المنافقين مجاهَرَةً وتصريحاً، وهي رؤيةُ قَلْبٍ لِمَنْ صَدَّ منهم مكْراً وتخابُثاً ومُسَارَقَةَ حتى لاَ يُعْلَمَ ذلك مِنْه إلا بالقرائِنِ الصَّادِرَةِ عنه.
وقوله تعالى: فَكَيْفَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ، قالت فرقة: هي في المنافقينَ الَّذين احتكموا حَسْبَمَا تقدَّم، فالمعنى: فكَيْفَ بهم إذا عاقَبَهُمُ اللَّه بهذه الذُّنوب بنِقْمَةٍ منه، ثم حَلَفُوا، إنْ أردْنَا بالإحتكامِ إلى الطَّاغُوتِ إلاَّ توفيقَ الحُكْمِ وتقريبه.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ما في قُلُوبِهِمْ ﴾ أيْ: مِنَ النِّفاقِ والزَّيْغِ.
وَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إضْمارُهم خِلافَ ما يَقُولُونَ ﴿ فَأعْرِضْ عَنْهُمْ ﴾ ولا تُعاقِبُهم ﴿ وَعِظْهُمْ ﴾ بِلِسانِكَ ﴿ وَقُلْ لَهم في أنْفُسِهِمْ قَوْلا بَلِيغًا ﴾ أيْ: تُقَدِّمُ إلَيْهِمْ: إنْ فَعَلْتُمُ الثّانِيَةَ، عاقَبْتُكم.
وقالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: بَلَغَ الرَّجُلُ يَبْلُغُ بَلاغَةً فَهو بَلِيغٌ: إذا كانَ يُبَلِّغُ بِعِبارَةِ لِسانَهِ كُنْهَ ما في قَلْبِهِ.
وَقَدْ تَكَلَّمَ العُلَماءُ في حَدِّ "البَلاغَةِ" فَقالَ بَعْضُهُمْ: "البَلاغَةُ": إيصالُ المَعْنى إلى القَلْبِ في أحْسَنِ صُورَةٍ مِنَ اللَّفْظِ، وقِيلَ: "البَلاغَةُ": حُسْنُ العِبارَةِ مَعَ صِحَّةِ المَعْنى، وقِيلَ: "البَلاغَةُ": الإيجازُ مَعَ الإفْهامِ، والتَّصَرُّفِ مِن غَيْرِ إضْجارٍ.
قالَ خالِدُ بْنُ صَفْوانَ: أحْسَنُ الكَلامِ ما قَلَّتِ الفاظُهُ، وكَثُرَتْ مَعانِيهِ، وخَيْرُ الكَلامِ ما شَوَّقَ أوَّلُهُ إلى سَماعِ آَخِرِهِ، وقالَ غَيْرُهُ: إنَّما يَسْتَحِقُّ الكَلامُ اسْمَ البَلاغَةِ إذا سابَقَ لَفْظُهُ مَعْناهُ، ومَعْناهُ لَفْظَهُ، ولَمْ يَكُنْ لَفْظُهُ إلى سَمْعِكَ أسْبَقَ مِن مَعْناهُ إلى قَلْبِكَ.
* فَصْلٌ وَقَدْ ذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ "الإعْراضَ" المَذْكُورَ في هَذِهِ الآَيَةِ مَنسُوخٌ بِآَيَةِ السَّيْفِ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَكَيْفَ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ ثُمَّ جاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللهِ إنْ أرَدْنا إلا إحْسانًا وتَوْفِيقًا ﴾ ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللهُ ما في قُلُوبِهِمْ فَأعْرِضْ عنهم وعِظْهم وقُلْ لَهم في أنْفُسِهِمْ قَوْلا بَلِيغًا ﴾ ﴿ وَما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلا لِيُطاعَ بِإذْنِ اللهِ ولَوْ أنَّهم إذْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم جاءُوكَ فاسْتَغْفَرُوا اللهِ واسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَسُولُ لَوَجَدُوا اللهِ تَوّابًا رَحِيمًا ﴾ قالَتْ فِرْقَةٌ: هي في المُنافِقِينَ الَّذِينَ احْتَكَمُوا حَسَبَ ما تَقَدَّمَ، فالمَعْنى: فَكَيْفَ بِهِمْ إذا عاقَبَهُمُ اللهُ بِهَذِهِ الذُنُوبِ بِنِقْمَةٍ مِنهُ؟
ثُمَّ حَلَفُوا إنْ أرَدْنا بِالِاحْتِكامِ إلى الطاغُوتِ إلّا تَوْفِيقَ الحُكْمِ وتَقْرِيبَهُ دُونَ مُرِّ الحُكْمِ وتَقَصِّي الحَقِّ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي في المُنافِقِينَ الَّذِينَ طَلَبُوا دَمَ الَّذِي قَتَلَهُ عُمَرُ، فالمَعْنى: فَكَيْفَ بِهِمْ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ في قَتْلِ قَرِيبِهِمْ ومِثْلِهِ مِن نِقَمِ اللهِ تَعالى؟
ثُمَّ إنَّهم حَلَفُوا ما أرادُوا بِطَلَبِ دَمِهِ إلّا إحْسانًا وحَقًّا، نَحا إلَيْهِ الزَجّاجُ.
ومَوْضِعُ "كَيْفَ" نَصْبٌ بِفِعْلٍ تَقْدِيرُهُ: فَكَيْفَ تَراهُمْ؟
ونَحْوُهُ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ مَوْضِعُها رَفْعًا، تَقْدِيرُهُ: فَكَيْفَ صَنِيعُهُمْ؟
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللهُ ما في قُلُوبِهِمْ ﴾ تَكْذِيبُ المُنافِقِينَ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهم وتَوَعُّدُهُمْ، أيْ: فَهو مُجازِيهِمْ بِما يَعْلَمُ.
و"فَأعْرِضْ عنهُمْ" يَعْنِي عن مُعاقَبَتِهِمْ، وعن شَغْلِ البالِ بِهِمْ، وعن قَبُولِ أيْمانِهِمُ الكاذِبَةِ في قَوْلِهِ "يَحْلِفُونَ"، ولَيْسَ بِالإعْراضِ الَّذِي هو القَطِيعَةُ والهَجْرُ، فَإنَّ قَوْلَهُ: "وَعِظْهُمْ" يَمْنَعُ مِن ذَلِكَ، و"وَعِظْهُمْ" مَعْناهُ بِالتَخْوِيفِ مِن عَذابِ اللهِ وغَيْرِهِ مِنَ المَواعِظِ.
والقَوْلُ البَلِيغُ اخْتُلِفَ فِيهِ، فَقِيلَ: هو الزَجْرُ والرَدْعُ والكَفُّ بِالبَلاغَةِ مِنَ القَوْلِ.
وقِيلَ: هو التَوَعُّدُ بِالقَتْلِ إنِ اسْتَدامُوا حالَةَ النِفاقِ، قالَهُ الحَسَنُ، وهَذا أبْلَغُ ما يَكُونُ في نُفُوسِهِمْ.
والبَلاغَةُ: مَأْخُوذَةٌ مِن بُلُوغِ المُرادِ بِالقَوْلِ، وحُكِيَ عن مُجاهِدٍ أنَّ قَوْلَهُ: "فِي أنْفُسِهِمْ" مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: "مُصِيبَةٌ" وهو مُؤَخَّرٌ بِمَعْنى التَقْدِيمِ، وهَذا ضَعِيفٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلا لِيُطاعَ بِإذْنِ اللهِ ﴾ تَنْبِيهٌ عَلى جَلالَةِ الرُسُلِ، أيْ: فَأنْتَ يا مُحَمَّدُ مِنهُمْ، تَجِبُ طاعَتُكَ، وتَتَعَيَّنُ إجابَةُ الدَعْوَةِ إلَيْكَ.
و"لِيُطاعَ" نُصِبَ بِلامِ "كَيْ"، و"بِإذْنِ اللهِ" مَعْناهُ: بِأمْرِ اللهِ، وحَسُنَتِ العِبارَةُ بِالإذْنِ، إذْ بِنَفْسِ الإرْسالِ تَجِبُ طاعَتُهُ وإنْ لَمْ يَنُصَّ أمْرٌ بِذَلِكَ.
ويَصِحُّ تَعَلُّقُ الباءِ مِن قَوْلِهِ: "بِإذْنِ" بِـ "أرْسَلْنا"، والمَعْنى: وما أرْسَلْنا بِأمْرِ اللهِ، أيْ: بِشَرِيعَتِهِ وعِبادَتِهِ مِن رَسُولٍ إلّا لِيُطاعَ، والأظْهَرُ تَعَلُّقُها بِـ "يُطاعَ"والمَعْنى: وما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلّا لِيُطاعَ بِأمْرِ اللهِ بِطاعَتِهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وعَلى التَعْلِيقَيْنِ فالكَلامُ عامُّ اللَفْظِ خاصُّ المَعْنى، لِأنّا نَقْطَعُ أنَّ اللهَ تَبارَكَ وتَعالى قَدْ أرادَ مِن بَعْضِ خَلْقِهِ ألّا يُطِيعُوا، ولِذَلِكَ خَرَّجَتْ طائِفَةٌ مَعْنى الإذْنِ إلى العِلْمِ، وطائِفَةٌ خَرَّجَتْهُ إلى الإرْشادِ لِقَوْمٍ دُونَ قَوْمٍ، وهَذا تَخْرِيجٌ حَسَنٌ، لِأنَّ اللهَ إذا عَلِمَ مِن أحَدٍ أنَّهُ يُؤْمِنُ، ووَفَّقَهُ لِذَلِكَ فَكَأنَّهُ أذِنَ لَهُ فِيهِ.
وحَقِيقَةُ الإذْنِ: التَمْكِينُ مَعَ العِلْمِ بِقَدْرِ ما مَكَّنَ مِنهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْ أنَّهم إذْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ ﴾ الآيَةُ، مَعْناهُ: بِالمَعْصِيَةِ والنِفاقِ ونَقْصِها حَظَّها مِنَ الإيمانِ، و"فاسْتَغْفَرُوا اللهَ" مَعْناهُ: طَلَبُوا مَغْفِرَتَهُ، وتابُوا إلَيْهِ.
و"تَوّابًا" مَعْناهُ: راجِعًا بِعِبادِهِ.
<div class="verse-tafsir"
تفريع على قوله: ﴿ وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول ﴾ [النساء: 61] الآية، لأنّ الصدود عن ذلك يوجب غضب الله عليهم، فيوشك أن يصيبهم الله بمصيبة من غير فعل أحد، مثل انكشاف حالهم للمؤمنين فيعرفوا بالكفر فيصبحوا مهدّدين، أو مصيبة من أمر الله رسوله والمؤمنين بأن يظهروا لهم العداوة وأن يقتلوهم لنفاقهم فيجيئوا يعتذرون بأنّهم ما أرادوا بالتحاكم إلى أهل الطاغوت إلاّ قصد الإحسان إليهم وتأليفهم إلى الإيمان والتوفيق بينهم وبين المؤمنين.
وهذا وعيد لهم لأنّ ﴿ إذا ﴾ للمستقبل، فالفعلان بعدها: وهما ﴿ أصابتهم ﴾ و ﴿ جاؤوك ﴾ مستقبلان، وهو مثل قوله: «لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينّك بهم ثمّ لا يجاورونك فيها إلاّ قليلاً ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلاً».
و ﴿ كَيْفَ ﴾ خبر مبتدأ محذوف معلوم من سياق الكلام: أي كيف حالهم حين تصيبهم مصيبة بسبب ما فعلوا فيجيئونك معتذرين.
والاستفهام مستعمل في التهويل، كما تقدّم القول فيه في قوله تعالى آنفاً: ﴿ فكيف إذا جئنا من كلّ أمة بشهيد ﴾ .
وتركيب «كيف بك» يقال إذا أريدت بشارة أو وعيد تعجيباً أو تهويلاً.
فمن الأوّل قول النبي صلى الله عليه وسلم لسُراقة بن مالك: «كيْف بك إذ لبست سِوارَيْ كسرى» بشارة بأنّ سواري كسرى سيقعان بيد جيش المسلمين، فلمّا أتي بسواري كسرى في غنائم فتح فارس ألبسهما عُمَرُ بن الخطاب سُراقَةَ بن مالك تحقيقاً لمعجزة النبي صلى الله عليه وسلم ومن الثاني قوله تعالى: ﴿ فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه ﴾ [آل عمران: 25] وقد جمع الأمرين قوله تعالى: ﴿ فكيف إذا جئنا من كلّ أمّة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً ﴾ [النساء: 41] الآية.
وقوله: ﴿ أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم ﴾ جاء باسم الإشارة لتمييزهم للسامعين أكمل تمييز، لأنّهم قد حصل من ذكر صفاتهم مَا جعلهم كالمشاهدين، وأراد بما في قلوبهم الكفر الذي أبطنوه وأمر رسوله بالإعراض عنهم.
وحقيقة الإعراض عدم الالتفات إلى الشيء بقصد التباعد عنه، مشتقّ من العُرْض بضم العين وهوَ الجانب، فلعلّ أصل الهمزة في فعل أعرض للدخول في الشيء، أي دخل في عرض المكان، أو الهمزة للصيرورة، أي صار ذا عرض، أي جانب، أي أظهر جانبه لغيره، ولم يُظهر له وجهَه، ثم استعمل استعمالاً شائعاً في التَّرك والإمساك عن المخالطة والمحادثة، لأنّه يتضمّن الإعراض غالباً، يقال: أعرض عنه كما يقال: صدّ عنه، كقوله تعالى: ﴿ وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتّى يخوضوا في حديث غيره ﴾ [الأنعام: 68] ولذلك كثر هذا اللفظ في أشعار المتيَّمين رديفاً للصدود، وهذا أقرب المعاني إلى المعنى الحقيقي، فهو مجاز مرسل بعلاقة اللزوم، وقد شاع ذلك في الكلام ثمّ أطلق على العفو وعدم المؤاخذة بتشبيه حالة من يعفو بحالة من لا يلتفت إلى الشيء فيوليه عُرض وجهه، كما استعمل صَفَح في هذا المعنى مشتقّاً من صفحة الوجه، أي جانبه، وهو أبعد عن المعنى الحقيقي من الأوّل لأنّه مبني على التشبيه.
والوعظ: الأمر بفعل الخير وترك الشرّ بطريقة فيها تخويف وترقيق يحملان على الامتثال، والاسم منه الموعظة، وتقدّم آنفاً عند قوله تعالى: ﴿ إنّ الله نعمّا يعظكم به ﴾ [النساء: 58].
فهذا الإعراض إعراض صفح أو إعراض عدم الحزن من صدودهم عنك، أي لا تهتمّ بصدودهم، فإنّ الله مجازيهم، بدليل قوله: ﴿ وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولاً بليغاً ﴾ ، وذلك إبلاغ لهم في المعذرة، ورجاء لصلاح حالهم،.
شأن الناصح الساعي بكلّ وسيلة إلى الإرشاد والهدى.
والبليغ فعيل بمعنى بالغ بلوغاً شديداً بقوّة، أي: بالغاً إلى نفوسهم متغلغلاً فيها.
وقوله: ﴿ في أنفسهم ﴾ يجوز أن يتعلّق بقوله بليغاً، وإنّما قدّم المجرور للاهتمام بإصلاح أنفسهم مع الرعاية على الفاصلة، ويجوز أن يتعلق بفعل ﴿ قل لهم ﴾ ، أي قل لهم قولاً في شأن أنفسهم، فظرفية (في) ظرفية مجازية، شبّهت أنفسهم بظرف للقول.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّهم آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أنْ يَتَحاكَمُوا إلى الطّاغُوتِ وقَدْ أُمِرُوا أنْ يَكْفُرُوا بِهِ ﴾ اخْتُلِفَ فِيمَن نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّها نَزَلَتْ في رَجُلٍ مِنَ المُنافِقِينَ ورَجُلٍ مِنَ اليَهُودِ كانَ بَيْنَهُما خُصُومَةٌ، فَقالَ اليَهُودِيُّ: أُحاكِمُكَ إلى أهْلِ دِينِكَ لِأنِّي أعْلَمُ أنَّهم لا يَقْبَلُونَ الرِّشْوَةَ، وقالَ المُنافِقُ: أُحاكِمُكَ إلى اليَهُودِ مِنهم كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ، لِأنَّهُ عَلِمَ أنَّهم يَقْبَلُونَ الرِّشْوَةَ، فاصْطَلَحا أنْ يَتَحاكَما إلى كاهِنٍ مِن جُهَيْنَةَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِما هَذِهِ الآيَةَ ﴿ ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّهم آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ ﴾ يَعْنِي المُنافِقَ ﴿ وَما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ ﴾ يَعْنِي اليَهُودِيَّ.
﴿ يُرِيدُونَ أنْ يَتَحاكَمُوا إلى الطّاغُوتِ ﴾ يَعْنِي الكاهِنَ، وهَذا قَوْلُ الشَّعْبِيِّ ومُجاهِدٍ.
والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في رَجُلَيْنِ مِن بَنِي النَّضِيرِ وبَنِي قُرَيْظَةَ، وكانَتْ بَنُو قُرَيْظَةَ في الجاهِلِيَّةِ إذا قَتَلَتْ رَجُلًا مِن بَنِي النَّضِيرِ أقادُوا مِنَ القاتِلِ، وكانَتْ بَنُو النَّضِيرِ في الجاهِلِيَّةِ إذا قَتَلَتْ رَجُلًا مِن بَنِي قُرَيْظَةَ لَمْ تُقِدْ مِنَ القاتِلِ وأعْطَوْا دِيَتَهُ سِتِّينَ وسْقًا مِن تَمْرٍ، فَلَمّا أسْلَمَ ناسٌ مِن بَنِي قُرَيْظَةَ وبَنِي النَّضِيرِ، قَتَلَ رَجُلٌ مِن بَنِي النَّضِيرِ رَجُلًا مِن بَنِي قُرَيْظَةَ فَتَحاكَمُوا إلى النَّبِيِّ ، فَقالَ النَّضِيرِيُّ لِرَسُولِ اللَّهِ: إنّا كُنّا في الجاهِلِيَّةِ نُعْطِيهِمُ الدِّيَةَ سِتِّينَ وسْقًا مِن تَمْرٍ، فَنَحْنُ نُعْطِيهِمُ اليَوْمَ ذَلِكَ، وقالَتْ بَنُو قُرَيْظَةَ: نَحْنُ إخْوانٌ في النَّسَبِ والدِّينِ وإنَّما كانَ ذَلِكَ عَلَيْهِ الجاهِلِيَّةُ وقَدْ جاءَ الإسْلامُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى يُعَيِّرُهم بِما فَعَلُوا ﴿ وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ ﴾ ، ثُمَّ ذَكَرَ قَوْلَ بَنِي النَّضِيرِ ﴿ أفَحُكْمَ الجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ﴾ ثُمَّ أخَذَ النَّضِيرِيَّ فَقَتَلَهُ بِالقُرَظِيِّ، فَتَفاخَرَتِ النَّضِيرُ وقُرَيْظَةُ ودَخَلُوا المَدِينَةَ، فَتَحاكَمُوا إلى أبِي بُرْدَةَ الأسْلَمِيِّ الكاهِنِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ في ذَلِكَ ﴿ ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّهم آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ ﴾ يَعْنِي في الحالِ، ﴿ وَما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ ﴾ يَعْنِي حِينَ كانُوا يَهُودًا.
﴿ يُرِيدُونَ أنْ يَتَحاكَمُوا إلى الطّاغُوتِ ﴾ يَعْنِي أبا بُرْدَةَ الأسْلَمِيَّ الكاهِنَ، وهَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَكَيْفَ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ ﴾ الآيَةَ.
فِي سَبَبِ نُزُولِها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ عُمَرَ قَتَلَ مُنافِقًا لَمْ يَرْضَ بِحُكْمِ رَسُولِ اللَّهِ ، فَجاءَ إخْوانُهُ مِنَ المُنافِقِينَ يُطالِبُونَ بِدَمِهِ، وحَلَفُوا بِاللَّهِ أنَّنا ما أرَدْنا في المُطالَبَةِ بِدَمِهِ إلّا إحْسانًا إلى النِّساءِ، وما يُوافِقُ الحَقَّ في أمْرِنا.
والثّانِي: أنَّ المُنافِقِينَ بَعْدَ القَوَدِ مِن صاحِبِهِمُ اعْتَذَرُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ في مُحاكَمَتِهِمْ إلى غَيْرِهِ بَأنْ قالُوا: ما أرَدْنا في عُدُولِنا عَنْكَ إلّا تَوْفِيقًا بَيْنَ الخُصُومِ وإحْسانًا بِالتَّقْرِيبِ في الحُكْمِ دُونَ الحَمْلِ عَلى مُرِّ الحَقِّ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ما في قُلُوبِهِمْ ﴾ يَعْنِي مِنَ النِّفاقِ الَّذِي يُضْمِرُونَهُ.
﴿ فَأعْرِضْ عَنْهم وعِظْهُمْ ﴾ وفي الجَمْعِ بَيْنَ الإعْراضِ والوَعْظِ مَعَ تَنافِي اجْتِماعِهِما في الظّاهِرِ - ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أعْرِضْ عَنْهم بِالعَداوَةِ لَهم وعِظْهم فِيما بَدا مِنهم.
والثّانِي: أعْرِضْ عَنْ عِقابِهِمْ وعِظْهم.
والثّالِثُ: أعْرِضْ عَنْ قَبُولِ الأعْذارِ مِنهم وعِظْهم.
﴿ وَقُلْ لَهم في أنْفُسِهِمْ قَوْلا بَلِيغًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنْ يَقُولَ لَهُمْ: إنْ أظْهَرْتُمْ ما في قُلُوبِكم قَتَلَكم، فَإنَّهُ يَبْلُغُ مِن نُفُوسِهِمْ كُلَّ مَبْلَغٍ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ.
والثّانِي: أنْ يَزْجُرَهم عَمّا هم عَلَيْهِ بِأبْلَغِ الزَّواجِرِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي حاتم والطبراني بسند صحيح عن ابن عباس قال: كان أبو برزة الأسلمي كاهناً يقضي بين اليهود فيما يتنافرون فيه، فتنافر إليه ناس من المسلمين.
فأنزل الله: ﴿ ألم ترَ إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا ﴾ إلى قوله: ﴿ إحساناً وتوفيقاً ﴾ .
وأخرج ابن إسحاق وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: «كان الجلاس بن الصامت قبل توبته، ومعتب بن قشير، ورافع بن زيد، وبشير، كانوا يدَّعون الإسلام، فدعاهم رجال من قومهم من المسلمين في خصومة كانت بينهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعوهم إلى الكهان حكام الجاهلية.
فأنزل الله فيهم ﴿ ألم تَر إلى الذين يزعمون...
﴾ الآية» .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن الشعبي قال: كان بين رجل من اليهود ورجل من المنافقين خصومة- وفي لفظ: ورجل ممن زعم أنه مسلم- فجعل اليهودي يدعوه إلى النبي صلى الله عليه وسلم لأنه قد علم أنه لا يأخذ الرشوة في الحكم، ثم اتفقا على أن يتحاكما إلى كاهن في جهينة.
فنزلت ﴿ ألم ترَ إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا...
﴾ الآية.
إلى قوله: ﴿ ويسلموا تسليماً ﴾ .
وأخرج ابن جرير عن سليمان التيمي قال: زعم حضرمي أن رجلاً من اليهود كان قد أسلم، فكانت بينه وبين رجل من اليهود مدارأة في حق.
فقال اليهودي له: انطلق إلى نبي الله.
فعرف أنه سيقضي عليه فأبى، فانطلقا إلى رجل من الكهان، فتحاكما إليه.
فأنزل الله: ﴿ ألم ترَ إلى الذين يزعمون...
﴾ الآية.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة قال: ذكر لنا أن هذه الآية نزلت في رجل من الأنصار، ورجل من اليهود، في مدارأة كانت بينهما في حق تدارآ فيه فتحاكما إلى كاهن كان بالمدينة، وتركا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعاب الله ذلك عليهما، وقد حدثنا أن اليهودي كان يدعوه إلى نبي الله صلى الله عليه وسلم، وكان لا يعلم أنه لا يجوز عليه، وكان يأبى عليه الأنصاري الذي زعم أنه مسلم.
فأنزل الله فيهما ما تسمعون، عاب ذلك على الذي زعم أنه مسلم وعلى صاحب الكتاب.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في الآية قال: كان ناس من اليهود قد أسلموا ونافق بعضهم، وكانت قريظة والنضير في الجاهلية إذا قتل الرجل من بني النضير قتلته بنو قريظة قتلوا به منهم، فإذا قتل رجل من بني قريظة قتلته النضير أعطوا ديته ستين وسقاً من تمر، فلما أسلم أناس من قريظة والنضير قتل رجل من بني النضير رجلاً من بني قريظة، فتحاكموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال النضيري: يا رسول الله إنا كنا نعطيهم في الجاهلية الدية فنحن نعطيهم اليوم الدية؟
فقالت قريظة: لا، ولكنا إخوانكم في النسب والدين، ودماؤنا مثل دمائكم، ولكنكم كنتم تغلبونا في الجاهلية، فقد جاء الإسلام، فأنزل الله تعالى يعيرهم بما فعلوا فقال ﴿ وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس ﴾ [ المائدة: 45] يعيرهم، ثم ذكر قول النضيري: كنا نعطيهم في الجاهلية ستين وسقا ونقتل منهم ولا يقتلون منا فقال: ﴿ أفحكم الجاهلية يبغون ﴾ [ المائدة: 50] فأخذ النضيري فقتله بصاحبه.
فتفاخرت النضير وقريظة فقالت النضير: نحن أقرب منكم.
وقالت قريظة: نحن أكرم منكم.
فدخلوا المدينة إلى أبي برزة الكاهن الأسلمي فقال المنافقون من قريظة والنضير: انطلقوا بنا إلى أبي برزة ينفر بيننا فتعالوا إليه، فأبى المنافقون وانطلقوا إلى أبي برزة وسألوه فقال: أعظموا اللقمة.
يقول: أعظموا الخطر.
فقالوا: لك عشرة أوساق قال: لا، بل مائة وسق ديتي، فإني أخاف أن أنفر النضير فتقتلني قريظة، أو أنفر قريظة فتقتلني النضير.
فأبوا أن يعطوه فوق عشرة أوساق، وأبى أن يحكم بينهم فأنزل الله: ﴿ يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت ﴾ إلى قوله: ﴿ ويسلموا تسليماً ﴾ .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس في قوله: ﴿ يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت ﴾ قال: الطاغوت.
رجل من اليهود كان يقال له كعب بن الأشرف، وكانوا إذا ما دعوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول ليحكم بينهم قالوا: بل نحاكمهم إلى كعب.
فذلك قوله: ﴿ يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في الآية قال: تنازع رجل من المنافقين ورجل من اليهود فقال المنافق: اذهب بنا إلى كعب بن الأشرف، وقال اليهودي: اذهب بنا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله: ﴿ ألم ترَ إلى الذين يزعمون...
﴾ الآية.
وأخرج ابن جرير عن الربيع بن أنس قال: كان رجلان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بينهما خصومة، أحدهما مؤمن والآخر منافق، فدعاه المؤمن إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ودعاه المنافق إلى كعب بن الأشرف.
فأنزل الله: ﴿ وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدوداً ﴾ .
وأخرج الثعلبي عن ابن عباس في قوله: ﴿ ألم ترَ إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا...
﴾ الآية قال نزلت في رجل من المنافقين يقال له بشر، خاصم يهودياً فدعاه اليهودي إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ودعاه المنافق إلى كعب بن الأشرف، ثم إنهما احتكما إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقضى لليهودي فلم يرض المنافق.
وقال: تعال نتحاكم إلى عمر بن الخطاب.
فقال اليهودي لعمر: قضى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يرض بقضائه.
فقال للمنافق: أكذلك؟!
قال: نعم.
فقال عمر: مكانكما حتى أخرج إليكما.
فدخل عمر فاشتمل على سيفه، ثم خرج فضرب عنق المنافق حتى برد ثم قال: هكذا أقضي لمن لم يرض بقضاء الله ورسوله: فنزلت.
وأخرج ابن جرير عن الضحاك في قوله: ﴿ يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت ﴾ قال: هو كعب بن الأشرف.
وأخرج ابن المنذر عن مجاهد قال: الطاغوت والشيطان في صورة إنسان يتحاكمون إليه وهو صاحب أمرهم.
وأخرج ابن أبي حاتم عن وهب بن منبه قال: سألت جابر بن عبد الله عن الطواغيت التي كانوا يتحاكون إليها؟
قال: إن في جهينة واحداً، وفي أسلم واحداً، وفي هلال واحداً، وفي كل حي واحداً، وهم كهان تنزل عليهم الشياطين.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج ﴿ وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول ﴾ قال: دعا المسلم المنافق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليحكم.
وأخرج ابن المنذر عن عطاء في قوله: ﴿ يصدون عنك صدوداً ﴾ قال: الصدود.
الإعراض.
وأخرج ابن المنذر عن مجاهد ﴿ فكيف إذا أصابتهم مصيبة ﴾ في أنفسهم، وبين ذلك ما بينهما من القرآن، هذا من تقديم القرآن.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن جريج في قوله: ﴿ أصابتهم مصيبة ﴾ يقول: بما قدمت أيديهم في أنفسهم، وبين ذلك ما بين ذلك (قل لهم قولاً بليغاً).
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن ﴿ فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم ﴾ قال: عقوبة لهم بنفاقهم وكرههم حكم الله.
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج ﴿ فأعرض عنهم ﴾ ذلك لقوله: ﴿ وقل لهم في أنفسهم قولاً بليغاً ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ ﴾ الآية قال أبو إسحاق: الله عز وجل يعلم ما في قلوب أولئك وقلوب غيرهم، إلا أن تخصيصهم بالذكر هنا يفيد أن المعنى أولئك الذين قد علم الله أنهم منافقون، فكأنه قيل لنا: اعلموا أنهم منافقون (١) وقال غيره: معنى قوله: ﴿ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ ﴾ أي لا يُغني عنهم كتمان ما يضمرونه، ولا يدفع عنهم شيئًا من العقاب؛ لأن الله تعالى يعلم ما في قلوبهم (٢) فهذا كلام أهل المعاني، وقد عُلم النظم وظهرت الفائدة من غير إضمار.
وأما أهل التفسير فقال الحسن ومقاتل: أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم من الشرك والنفاق (٣) وقال عطاء: كذبهم الله تعالى بهذه الآية.
يريد أنهم يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم (٤) وقوله تعالى: ﴿ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ ﴾ .
قال ابن عباس: يريد: فاصفح عنهم.
قال: وهذا منسوخ يعني بآية السيف (٥) وقال بعض أصحاب المعاني: معناه فأعرض عن قبول الاعتذار منهم (٦) وقال مقاتل: معنى ﴿ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ ﴾ لا تعاقبهم (٧) وقوله تعالى: ﴿ وَعِظْهُمْ ﴾ .
قال ابن عباس: يريد ذكرهم (٨) وقال مقاتل: وعظهم بلسانك (٩) وقوله تعالى: ﴿ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا ﴾ يقال: قول بليغ، وقد بلغ القول بلاغةً، أي صار بليغًا وجيدًا وكذلك: بلغ الرجل يبلغ بلاغة فهو بليغ، إذا كان يبلغ بعبارة [لسانه كنه ما في قلبه] (١٠) (١١) وقيل: إنه الذي (بلغ النهاية في الحماقة) (١٢) وأما التفسير فقال ابن عباس: يريد خوفهم بالله (١٣) وقال الحسن: أي قل لهم: إن أظهرتم ما في قلوبكم من النفاق (قتلتم) (١٤) (١٥) وقال الزجاج: أعلمهم إن ظهر منهم رد لحكمك وكفر، فالقتل حقهم (١٦) وقال بعضهم: أي قل لهم في أنفسهم من الغيب بما أطلعك الله عليه من غشهم قولًا بليغًا، شديدًا باللسان، يعني: فازجرهم عما هم عليه بأبلغ الزجر، كي لا (يستمروا) (١٧) (١٨) والأظهر أن قوله: ( ﴿ فِي أَنْفُسِهِمْ ﴾ حقه) (١٩) (٢٠) (١) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 70، وانظر: "بحر العلوم" 1/ 365، و"تفسير القرطبي" 5/ 265.
(٢) انظر: "النكت والعيون" 1/ 502، "التفسير الكبير" 10/ 158.
(٣) انظر: "تفسير مقاتل بن سليمان" 1/ 385، "الكشف والبيان" 4/ 82 ب، ولم أقف عليه عن الحسن.
(٤) ذكر ابن الجوزي معناه عن ابن عباس في "زاد المسير" 2/ 122، ولم أقف عليه عن عطاء.
(٥) ذكر نحو ذلك غير منسوب لابن عباس كثير من المفسرين، وبعضهم ينسب القول بالنسخ إلى مقاتل.
انظر: الطبري 5/ 156، "بحر العلوم" 1/ 365، "الكشف والبيان" 4/ 82 ب، "الوسيط" 2/ 605، "معالم التنزيل" 2/ 244، "زاد المسير" 2/ 122.
(٦) ذكره الماوردي في "النكت والعيون" 1/ 503، والبغوي في "معالم التنزيل" 2/ 244، والقرطبي 5/ 265، وانظر: "التفسير الكبير" 10/ 158.
(٧) انظر: "بحر العلوم" 1/ 365، "الكشف والبيان" 4/ 82 ب، "زاد المسير" 2/ 122.
(٨) أورده المؤلف في "الوسيط" 2/ 605، بلفظ: "خوفهم بالله".
وذكره بنحو ما في "الوسيط" البغوي غير منسوب لأحد.
انظر: "معالم التنزيل" 2/ 244.
(٩) "تفسيره" 1/ 385، وذكره في "بحر العلوم" 1/ 365، والبغوي في "معالم التنزيل" 2/ 244، وابن الجوزي في "زاد المسير" 2/ 122.
(١٠) بياض في (ش) بقدر أربع كلمات تقريبًا، والتسديد من "معاني الزجاج" 2/ 70 لأنه نقل الكلام منه.
وانظر: "إعراب النحاس" 1/ 430، "زاد المسير" 2/ 122، والقرطبي 2/ 265.
(١١) يحتمل أن تكون "بلغ ملغ" بالميم أي خبيث.
انظر: "الصحاح" 4/ 1316 (بلغ).
(١٢) ما بين القوسين غير واضح.
ويبدو أن ذلك بسبب الرطوبة التي تصيب المخطوطات مع الزمن.
وقد استوضحته وأثبته بالرجوع إلى "معاني الزجاج" 2/ 70، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 430، وانظر القرطبي 5/ 265.
(١٣) تقدم الكلام على أثر عن ابن عباس نحوه.
(١٤) هذِه الكلمة في المخطوط: "قتلتكم"، وكذا عند القرطبي 5/ 265، وعند الماوردي: "قتلكم"، وما أثبته هو الموافق "للوسيط" للمؤلف 2/ 605، "معالم التنزيل" 2/ 244.
(١٥) ذكره الماوردي في "النكت والعيون" 1/ 503، والمؤلف في "الوسيط" 2/ 605 ، لكن محققه اعتبر كلام الحسن إلى قوله: "قتلتم"، ولا أراه صوابًا.
وانظر: "معالم التنزيل" 2/ 244، والقرطبي 5/ 265، "البحر المحيط" 3/ 281.
(١٦) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 70.
(١٧) كأن هذِه الكلمة: "يستيسروا".
(١٨) انظر: "النكت والعيون" 1/ 503، "التفسير الكبير" 10/ 159، "البحر المحيط" 3/ 281.
(١٩) ما بين القوسين غير واضح في المخطوط، وما أثبته هو الأقرب.
(٢٠) انظر: " التفسير الكبير" 10/ 159، "الدر المصون" 4/ 18.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَكَيْفَ إِذَآ أصابتهم مُّصِيبَةٌ ﴾ الآية: أي كيف يكون حالهم إذا عاقبهم الله بذنوبهم ﴿ ثُمَّ جَآءُوكَ يَحْلِفُونَ بالله ﴾ يحتمل أن يكون هذا معطوفاً على ما قبله، أو يكون معطوفاً على قوله: يصدّون، ويكون قوله: فكيف إذا أصابتهم اعتراضاً ﴿ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ ﴾ أي عن معاقبتهم، وليس المراد بالإعراض القطيعة لقوله: ﴿ وَعِظْهُمْ ﴾ ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظلموا أَنْفُسَهُمْ ﴾ الآية: وعد بالمغفرة لمن استغفر، وفيه استدعاء للاستغفار والتوبة، ومعنى جاؤوك أتوك تائبين معتذرين من ذنوبهم، يطلبون أن تستغفر لهم الله ﴿ فَلاَ وَرَبِّكَ ﴾ لا هنا مؤكدة للنفي الذي بعدها ﴿ شَجَرَ بَيْنَهُمْ ﴾ أي اختلط واختلفوا فيه، ومعنى الآية: أنهم لا يؤمنون حتى يرضوا بحكم النبي صلى الله عليه وسلم، ونزلت بسبب المنافقين الذين تخاصموا، وقيل: بسبب خصام الزبير مع رجل من الأنصار في الماء وحكمها عام.
رضي الله عنR> <div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ أن اقتلوا ﴾ بكسر النون لالتقاء الساكنين: أبو عمرو وعاصم وحمزة وسهل ويعقوب.
الباقون: بالضم نقلاً لحركة همزة الوصل إلى ما قبلها ﴿ أو اخرجوا ﴾ بكسر الواو للساكنين: عاصم وسهل وحمزة.
الباقون: بالضم ﴿ إلاّ قليلاً ﴾ بالنصب: ابن عامر على أصل الاستثناء أو بمعنى إلاّ فعلاً أو أبوا إلاّ قليلاً.
الباقون: بالرفع على البدل وهو أكثر.
الوقوف: ﴿ إلى أهلها ﴾ لا لأن التقدير يأمركم أن تؤدوا وأن تحكموا بالعدل إذا حكمتم بين الناس.
﴿ بالعدل ﴾ ط ﴿ يعظكم به ﴾ ط ﴿ بصيراً ﴾ ه ﴿ منكم ﴾ ج لابتداء الشرط مع فاء التعقيب ﴿ واليوم الآخر ﴾ ط ﴿ تأويلاً ﴾ ه ﴿ أن يكفروا به ﴾ ج ﴿ بعيداً ﴾ ه ﴿ صدوداً ﴾ ه ج للآية مع فاء التعقيب ﴿ يحلفون ﴾ قد قيل على أن ما بعده ابتداء القسم والأولى تعليق الباء بيحلفون.
﴿ وتوفيقاً ﴾ ه ﴿ بليغاً ﴾ 5 ﴿ بإذن الله ﴾ ط ﴿ رحيماً ﴾ 5 ﴿ تسليماً ﴾ 5 ﴿ قليل منهم ﴾ ط ﴿ تثبيتاً ﴾ 5 لا ﴿ عظيماً ﴾ لا لأن ما بعده من تتمة جواب "لو".
﴿ مستقيماً ﴾ ه ﴿ والصالحين ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتفاق المعنى ﴿ رفيقاً ﴾ ه ﴿ من الله ﴾ ط ﴿ عليماً ﴾ ه.
التفسير: لما شرح بعض أحوال الكفار عاد إلى ذكر التكاليف.
وأيضاً لما حكى عن أهل الكتاب أنهم كتموا الحق وقالوا للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلاً، أمر المؤمنين في هذه الآية بأداء الأمانات في جميع الأمور، سواء كانت من باب المذاهب والديانات أو من باب الدنيا والمعاملات.
وأيضاً قد وعد في الآية السابقة الثواب العظيم على الأعمال الصالحات وكان من أجلها الأمانة فقال: ﴿ إنّ الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ﴾ روي "أن عثمان بن طلحة الحجبي من بني عبد الدار كان سادن الكعبة، فلما دخل النبي مكة يوم الفتح أغلق عثمان باب البيت وصعد السطح، فطلب رسول الله المفتاح فقيل له: إنه مع عثمان.
فطلب منه فأبى فقال: لو علمت أنه رسول الله لم أمنعه.
فلوى علي بن أبي طالب يده وأخذ منه المفتاح وفتح الباب، فدخل رسول الله البيت وصلى ركعتين.
فلما خرج سأله العباس أن يعطيه المفتاح ويجمع له مع السقاية السدانة، فأراد النبي أن يدفعه إلى العباس ثم قال: يا عثمان خذ المفتاح على أن للعباس معك نصيباً فأنزل الله هذه الآية.
فأمر رسول الله علياً أن يرد المفتاح إلى عثمان ويعتذر إليه، ففعل ذلك علي فقال له عثمان: يا علي أكرهت وآذيت ثم جئت ترفق فقال: لقد أنزل الله في شأنك فقرأ عليه هذه الآية.
فقال عثمان: أشهد / أن لا إله إلاّ الله وأن محمداً رسول الله وأسلم.
فجاء جبريل عليه لاسلام وقال: ما دام هذا البيت كان المفتاح والسدانة في أولاد عثمان وقال: خذوها يا بني طلحة بأمانة الله لا ينزعها منكم إلاّ ظالم" .
ثم إنّ عثمان هاجر ودفع المفتاح إلى أخيه شيبة وهو اليوم في أيديهم.
ثم نزول الآية عند هذه القصة لا يوجب خصوصها بها ولكنها تعم جميع أنواع الأمانات.
فأولها الأمانة مع الرب في كل ما أمر به ونهى عنه.
قال ابن مسعود: الأمانة في الكل لازمة، في الوضوء والجنابة والصلاة والزكاة والصوم.
وعن ابن عمر أنه خلق فرج الإنسان وقال هذا أمانة خبأتها عندك فاحفظها إلاّ بحقها وهذا باب واسع.
فأمانة اللسان أن لا يستعمله في الكذب والغيبة والنميمة والكفر والبدعة والفحش وغيرها، وأمانة العين أن لا يستعمله في النظر إلى الحرام، وأمانة السمع أن لا يستعمله في سماع الملاهي والمناهي والفحش والأكاذيب، وكذا القول في سائر الأعضاء.
ثم الأمانة مع سائر الخلق ويدخل فيه رد الودائع وترك التطفيف ونشر عيوب الناس وإفشاء أسرارهم، ويدخل فيه عدل الأمراء مع الرعية والعلماء مع العوام بأن يرشدوهم إلى ما ينفعهم في دنياهم ودينهم ويمنعوهم عن العقائد الباطلة والأخلاق غير الفاضلة، وتشمل أمانة الزوجة للزوج في ماله وفي بضعها، وأمانة الزوج للزوجة في إيفاء حقوقها وحظوظها، وأمانة السيد للمملوك وبالعكس، وأمانة الجار للجار والصاحب للصاحب، ويدخل فيه نهي اليهود عن كتمان أمر محمد والأمانة مع نفسه بأن لا يختار لها إلا ما هو أنفع وأصلح في الدين وفي الدنيا، وأن لا يوقعها بسبب اللذات الفانية، في التبعات الدائمة.
وقد عظم الله أمر الأمانة في مواضع من كتابه ﴿ إنا عرضنا الأمانة ﴾ ﴿ والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون ﴾ } [المؤمنون:8] وقال : " "ألا لا إيمان لمن لا أمانة له " والأمانة مصدر سمي به المفعول ولذلك جمع.
ثم لما أمر بأداء ما وجب لغيرك عليك أمر باستيفاء حقوق الناس بعضهم من بعض إذا كنت بصدد الحكم فقال: ﴿ وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل ﴾ وفي قوله: ﴿ وإذا حكمتم ﴾ تصريح بأنه ليس لجميع الناس أن يشرعوا في الحكم والقضاء.
وقد عدّ العلماء من شروط النيابة العامة: الإسلام والعقل والبلوغ والذكورة والحرية والعدالة والكفاية وأهلية الاجتهاد بأن يعرف ما يتعلق بالأحكام من كتاب الله وسنة رسوله.
ويعرف منهما العام والخاص والمطلق والمقيد والمجمل والمبين والناسخ والمنسوخ، ومن السنة المتواتر والآحاد والمسند والمرسل وحال الرواة، ويعرف أقاويل الصحابة ومن بعدهم إجماعاً وخلافاً، وجلي القياس وخفية وصحيحه وفاسده، ويعرف لسان العرب لغة وإعراباً خصوصاً وعموماً إلى غير ذلك مما له مدخل في استنباط الأحكام الشرعية من مداركها ومظانها.
وكفى بما في هذا المنصب من الخطر أنه منصب رسول الله والخلفاء الراشدين / من بعده، فعلى المتصدي لذلك أن يتأدب بآدابهم ويتخلق بأخلاقهم وإلا فالويل له.
عن النبي قال: "يجاء بالقاضي العادل يوم القيامة فيلقى من شدة الحساب ما يتمنى أنه لم يقض بين اثنين قط " وإذا كان حال العادل هكذا فما ظنك بالجائر؟
وعنه "ينادي مناد يوم القيامة أين الظلمة وأين أعوان الظلمة؟
فيجتمعون كلهم حتى من برى لهم قلماً أو لاق لهم دواة، فيجمعون ويلقون في النار" ﴿ إن الله نعماً يعظكم به ﴾ المخصوص بالمدح محذوف و "ما" موصولة أو مبهمة موصوفة والتقدير: نعم الذي أو نعم شيئاً يعظكم به ذلك المأمور من أداء الأمانات والحكم بالعدل ﴿ إنّ الله كان سميعاً بصيراً ﴾ يسمع كيف تحكمون ويبصر كيف تؤدون، وفيه أعظم أسباب الوعد للمطيع وأشد أصناف الوعيد للعاصي.
ثم إنه أمر الرعاة بطاعة الولاة كما أمر الولاة في الآية المتقدمة بالشفقة على الرعاة فقال: ﴿ يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ﴾ الآية.
عن علي بن أبي طالب : حق على الإمام أن يحكم بما أنزل الله ويؤدي الأمانة، فإذا فعل ذلك فحق على الرعية أن يسمعوا ويطيعوا.
قالت المعتزلة: الطاعة موافقة الإرادة.
وقالت الأشاعرة: الطاعة موافقة الأمر.
ولا نزاع أن موافقة الأمر طاعة إنما النزاع في أن المأمور به كإيمان أبي لهب هل يكون مراداً أم لا.
فعند الأشاعرة الأمر قد يوجد بدون الإرادة لئلا يلزم الجمع بين الضدين في تكليف أبي لهب مثلاً بالإيمان.
وعند المعتزلة لا يأمر إلا بما يريد والخلاف بين الفريقين مشهور.
قال في التفسير الكبير: هذه آية مشتملة على أكثر علم أصول الفقه لأن أصول الشريعة أربعة: الكتاب والسنة وأشار إليهما بقوله: ﴿ أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ﴾ وليس العطف للمغايرة الكلية، ولكن الكتاب يدل على أمر الله، ثم يعلم منه أمر الرسول لا محالة.
والسنة تدل على أمر الرسول ثم يعلم منه أمر الله.
والإجماع والقياس.
وأشير إلى الإجماع بقوله: ﴿ وأولي الأمر ﴾ لأنه أمر بطاعتهم على سبيل الجزم.
ووجب أن يكون معصوماً لأن لو احتمل إقدامه على الخطا والخطأ منهي عنه لزم اعتبار اجتماع الأمر والنهي في الفعل الواحد وإنه محال.
ثم ذلك المعصوم إما مجموع الأمة أو بعضها على ما يقوله الشيعة من أن المراد بهم الأئمة المعصومون، أو على ما زعم بعضهم أنهم الخلفاء الراشدون، أو على ما روي عن سعيد بن جبير وابن عباس أنهم أمراء السرايا كعبدالله بن حذافة السهمي أو كخالد بن الوليد إذ بعثه رسول الله في سرية وكان معه عمار بن ياسر فوقع بينهما خلاف فنزلت الآية.
أو على ما روي عن ابن عباس والحسن ومجاهد والضحاك أنهم العلماء الذين يفتون بالأحكام الشرعية ويعلمون الناس دينهم لكنه لا سبيل إلى الثاني.
أما ما زعمه الشيعة فلأنا نعلم بالضرورة أنا في زماننا هذا عاجزون عن معرفة / الإمام المعصوم والاستفادة منه، فلو وجب علينا طاعته على الإطلاق لزم تكليف ما لا يطاق ولو وجب علينا طاعته إذا صرنا عارفين به وبمذهبه صار هذا الإيجاب مشروطاً، وظاهر الآية يقتضي الإطلاق على أن طاعة الله وطاعة رسوله مطلقة.
فلو كانت هذه الطاعة مشروطة لزم أن تكون اللفظة الواحدة مطلقة ومشروطة معاً وهو باطل.
وأيضاً الإمام المعصوم عندهم في كل زمان واحد، ولفظ أولي الأمر جمع.
أيضاً إنه قال: ﴿ فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول ﴾ وعلى هذا ينبغي أن يقال: فردوه إلى الأمام.
وأما سائر الأقوال فلا نزاع في وجوه طاعتهم، لكنه إذا علم بالدليل أن طاعتهم حق وصواب.
وذلك الدليل ليس الكتاب والسنة فلا يكون هذا قسماً منفصلاً كما أن وجوب طاعة الزوجة للزوج والتلميذ للأستاذ داخل في طاعة الله وطاعة الرسول.
أما إذا حملناه على إجماع أهل الحل والعقد لم يكن هذا داخلاً فيما تقدم إذ الإجماع قد يدل على حكم لا يوجد في الكتاب والسنة.
وأيضاً قوله: ﴿ فإن تنازعتم في شيءٍ ﴾ مشعر بإجماع تقدم يخالف حكمه حكم التنازع.
وأيضاً طاعة الأمراء والخلفاء مشروطة بما إذا كانوا على الحق، وظاهر الآية يقتضي الإطلاق.
وإذا ثبت أن حمل الآية على هذه الوجوه غير مناسب تعين أن يكون ذلك المعصوم كل الأمة أي أهل الحل والعقد وأصحاب الاعتبار والآراء.
فالمراد بقوله: ﴿ وأولي الأمر ﴾ ما اجتمعت الأمة عليه وهو المدعى.
وأما القياس فذلك قوله: ﴿ فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول ﴾ إذ ليس المراد من رده إلى الله والرسول رده إلى الكتاب والسنة والإجماع وإلا كان تكراراً لما تقدم، ولا تفويض علمه إلى الله ورسوله والسكوت عنه لأن الواقعة ربما كانت لا تحتمل الإهمال وتفتقر إلى قطع مادة الشغب ولاخصومة فيها بنفي أو إثبات، ولا الإحالة على البراءة الأصلية فإنها معلومة بحكم العقل، فالرد إليها لا يكون رداً إلى الله والرسول فإذاً المراد ردها إلى الأحكام المنصوصة في الوقائع المشابهة لها وهذا معنى القياس، فحاصل الآية الخطاب لجميع المكلفين بطاعة الله، ثم لمن عدا الرسول بطاعة الرسول، ثم لما سوى أهل الحل والعقد بطاعتهم، ثم أمر أهل استنباط الأحكام من مداركها إن وقع اختلاف واشتباه بين الناس في حكم واقعة ما أن يستخرجوا لها وجهاً من نظائرها وأشباهها فما أحسن هذا الترتيب.
ثم في إطلاق الآية دلالة على أن الكتاب والسنة متقدمان على القياس مطلقاً سواء كان القياس جلياً أو خفياً، وأنه لا يجوز معارضة النص ولا تخصيصه بالقياس.
وقد اعتبر هذا الترتيب أيضاً في قصة معاذ واستحسنه رسول الله ، وكيف لا والقرآن مقطوع في متنه والقياس مظنون والقرآن كلام لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والقياس نتيجة عقل الإنسان الذي هو عرضة الخطأ والنسيان.
وقد أجمع العلماء على أن إبليس خصص عموم الخطاب في قوله: ﴿ إذ قلنا / للملائكة اسجدوا ﴾ بقياس هو قوله: ﴿ خلقتني من نار وخلقته من طين ﴾ {ص:76] فاستحق اللعن إلى يوم الدين.
والسر فيه أن تخصيص النص بالقياس يقدم القياس على النص وفيه ما فيه.
ثم إن كان الأمر للوجوب فقوله: ﴿ أطيعوا ﴾ يدل على وجوب الطاعة وإن كان للندب، فههنا يدل على الوجوب ظاهراً لأنه ختم الأوامر بقوله: ﴿ إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ﴾ وهو وعيد والظاهر أنه قيد في جميع الأوامر لا في قوله: ﴿ فردوه ﴾ وحده.
وأيضاً مجرد الندبية وهو أولوية الفعل معلوم من تلك الأوامر فلا بد للآية من فائدة خاصة، فيحمل على المنع من الترك ليحصل من المجموع معنى الوجوب.
ثم هذا الوجوب يكون دائماً إن كان الأمر للدوام والتكرار وكذا إن لم يكن غيره كذلك لأن الوقت المخصوص والكيفية المخصوصة غير مذكور.
فلو حملناه على العموم كانت الآية مبينة وإلا كانت مجملة، والمبين أولى من المجمل.
وأيضاً تخصيص اسم الله بالذكر يدل على أن وجوب الطاعة إنما هو لكونه إلهاً والإلهية دائمة فالوجوب دائم.
وإنما كرر لفظ ﴿ أطيعوا ﴾ للفصل بين اسم الله وبين المخلوقين، ونعلم من إطلاق وجوب طاعة أولي الأمر أن الاجماع الحاصل عقيب الخلاف حجة وأنه لا يشترط انقراض العصر.
ومن إطلاق قوله: ﴿ فإن تنازعتم في شيء فردوه ﴾ أن القياس يجوز إجراؤه في الحدود والكفارات أيضاً.
والمراد بالتنازع قال الزجاج:هو الاختلاف وقول كل فريق القول قولي كأن كل واحد منهما ينزع الحق إلى جانبه ﴿ ذلك ﴾ الرد أو المأمور به في الآية ﴿ خير وأحسن تأويلاً ﴾ أي عاقبة من آل الشيء إذا رجع.
وقيل: الرد إلى الكتاب والسنة خير مما تأولون أنتم.
ثم إنه لما أوجب على المكلفين طاعته وطاعة رسوله، وذكر أن المنافقين الذين في قلوبهم مرض لا يطيعون ولا يرضون بحكمه فقال: ﴿ ألم تر إلى الذين يزعمون ﴾ الآية.
قال الليث: قولهم زعم فلان معناه لا نعرف أنه صدق أو كذب ومنه زعموا مطية الكذب.
وقال ابن الأعرابي: الزعم قد يستعمل في القول المحقق لكن المراد في الآية الكذب بالاتفاق.
قال أبو مسلم: ظاهرالآية يدل على أن الزاعم كان منافقاً من أهل الكتاب مثل أن يكون يهودياً أظهر الإسلام على سبيل النفاق، لأن قوله : ﴿ يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك ﴾ إنما يليق بمثل هذا المنافق.
أما سبب النزول ففيه وجوه.
والذي عليه أكثر المفسرين ما رواه الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس "أن رجلاً من المنافقين يسمى بشراً خاصم يهودياً فدعاه اليهودي إلى النبي وقال المنافق: بيني وبينك كعب بن الأشرف.
وذلك أن اليهودي كان محقاً وكان النبي لا يقضي إلا بالحق لجلالة منصبه عن قبول الرشوة، وكان كعب يبطل الحقوق بالرشا، فما زال اليهودي بالمنافق حتى ذهبا إلى رسول الله فقضى لليهودي.
فلما خرجا من عنده لزمه المنافق وقال: ننطلق إلى عمر بن الخطاب.
فأقبلا إلى عمر فقال اليهودي: اختصمت أنا وهذا إلى محمد فقضى لي عليه فلم يرض بقضائه وزعم أنه يخاصم إليك وتعلق بي فجئت معه.
فقال عمر للمنافق: أكذلك؟
قال: نعم.
فقال لهما: مكانكما حتى أخرج إليكما، فدخل عمر فاشتمل على سيفه ثم خرج فضرب به عنق المنافق حتى برد ثم قال: هكذا أقضي لمن لم يرض بقضاء الله ورسوله وهرب اليهودي فنزلت الآية.
وقال جبريل: إن عمر فرق بين الحق والباطل فقال له رسول الله : أنت الفاروق" .
وعلى هذا الطاغوت كعب بن الأشرف.
وقال السدي: "كان ناس من اليهود أسلموا ونافق بعضهم، وكانت قريظة والنضير في الجاهلية إذا قتل قرظي نضيرياً قتل به وأخذ ديته مائة وسق من تمر، وإذا كان بالعكس لم يقتل به وأعطى ديته ستين وسقاً من تمر.
وكانت النضير حلفاء الأوس وكانوا أكثر وأشرف من قريضة وهم حلفاء الخزرج.
فقتل نضيري قرظياً واختصموا في ذلك.
فقال بنو النضير: لا قصاص علينا إنما علينا ستون وسقاً من تمر على ما اصطلحنا عليه.
وقالت الخزرج: هذا حكم الجاهلية ونحن وأنتم اليوم إخوة وديننا واحد ولا فضل بيننا.
فقال المنافقون: انطلقوا إلى أبي برزة الكاهن الأسلمي.
وقال المسلمون: لا بل إلى النبي فأبى المنافقون فانطلقوا إلى أبي برزة ليحكم بينهم فقال: أعظموا اللقمة - يعني الرشوة - فقالوا: لك عشرة أوسق.
فقال: لا بل مائة وسق ديتي فإني أخاف إن نفرت النضيري قتلتني قريضة، وإن نفرت القرظي قتلتني النضير.
فأبوا أن يعطوه فوق عشرة أوسق وأبى أن يحكم بينهم فأنزل الله هذه الآية.
فدعا النبي كاهن أسلم إلى الإسلام فأبى وانصرف فقال النبي لابنيه: أدركا أباكما فإنه إن جاز عقبة كذا لم يسلم أبداً فأدركاه فلم يزالا به حتى انصرف وأسلم وأمر النبي منادياً فنادى: ألا إن كاهن أسلم قد أسلم" .
وعلى هذا القول الطاغوت هو الكاهن.
وقال الحسن: إنّ رجلاً من المسلمين كان له على رجل من المنافقين حق، فدعاه المنافق إلى وثن كان أهل الجاهلية يتحاكمون إليه ورجل قائم يترجم الأباطيل عن الوثن، فالطاغوت ذلك الرجل.
وقيل: كانوا يتحاكمون إلى الوثن يضربون القداح بحضرته، فما خرج على القداح عملوا به فالطاغوت هو الوثن.
ثم إن الطاغوت أي شيء كان من الأشياء المذكورة فإنه جعل التحاكم إليه مقابلاً للكفر به، لكن الكفر به إيمان بالله وبرسوله فيكون نصاً في تكفير من لم يرض بقضاء رسول الله تشككاً أو تمرداً ويؤكده قوله بعد ذلك: ﴿ فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك ﴾ الآية.
ومن هنا ذهب كثير من الصحابة إلى الحكم بارتداد مانعي الزكاة وقتلهم وسبى ذراريهم.
ثم قال: ﴿ ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالاً بعيداً ﴾ / فاحتجت المعتزلة به على أن كفر الكافر ليس بخلق الله وإلا لم يتوجه الذم على الشيطان ولم يحصل التعجب والتعجيب فإن لقائل أن يقول: إنما فعلوا لأجل أنك خلقت ذلك الفعل فيهم وأردته منهم بل التعجب من هذا التعجب أولى وقد عرفت الجواب مراراً.
قوله: ﴿ فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم ﴾ فيه وجهان: أحدهما - وهو قول الحسن واختاره الواحدي - أنه جملة معترضة وأصل النظم ﴿ وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدوداً ﴾ ﴿ ثم جاؤك ﴾ يعني أنهم في أول الأمر يصدون عنك أشد الصدود ثم بعد ذلك يجيؤونك ويحلفون كذباً على أنهم ما أرادوا بذلك الصد إلا الإحسان والتوفيق.
ووجه الاعتراض أنه حكى عنهم التحاكم إلى الطاغوت وأنهم يصدون، ثم أتبعها ما يدل على شدة أحوالهم بسبب أعمالهم القبيحة في الدنيا والآخرة.
والثاني أنه متصل بما قبله لا على وجه الاعتراض والمعنى أنه إذا كانت نفرتهم من الحضور عند الرسول في أوقات السلامة هكذا فكيف تكون نفرتهم إذا أتوا بجناية خافوا بسببها منك ثم جاؤك كراهاً يحلفون بالله على سبيل الكذب ما أردنا بتلك الجناية إلا الخير والمصلحة؟
أما المصيبة فقيل: إنها قتل عمر صاحبهم فإنهم جاؤوا وطلبوا بدمه وحلفوا أنهم ما أرادوا بالذهاب إلى غير الرسول إلا الصلاح وهو اختيار الزجاج.
وقال الجبائي: هي ما أمر الله رسوله بها من أنه لا يستصحبهم في الغزوات ويخصهم بمزيد الإذلال، والمعنى ثم جاؤك في وقت المصيبة يحلفون ويعتذرون ما أردنا بما كان منا من مواساة الكفار إلا إصلاح الحال.
وقال أبو مسلم: إنه بشر رسوله أن المنافقين سيصيبهم مصائب تلجئهم إليه وإلى أن يظهروا الأيمان.
ومن عادة العرب عند التبشير والإنذار أن يقولوا: كيف أنت إذا كان كذا.
ومعنى الإحسان والتوفيق ما أردنا بالتحاكم إلى غير الرسول إلا إحساناً بين الخصوم وائتلافاً بينهم فإنهم لا يقدرون عند الرسول أن يرفعوا أصواتهم ويبينوا حججهم، أو ما أردنا بالتحاكم إلى عمر إلا أن يحسن إلى صاحبنا بالحكم العدل والتوفيق بينه وبين خصمه، وما خطر ببالنا أنه يحكم بما حكم به، وعلى هذا لا يبقى للحلف مناسبة ظاهرة.
أو ما أردنا بالتحاكم إلى غيرك يا رسول الله إلا أنك لا تحكم إلا بالحق المرّ وغيرك يدورعلى التوسط ويأمر كل واحد من الخصمين بالإحسان إلى الآخر وتقريب مراده من مراد صاحبه حتى تحصل بينهم الموافقة.
ثم أخبر الله بما في ضمائرهم من الدغل والنفاق فقال: ﴿ أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم ﴾ وذلك أن من أراد المبالغة في شيء قال هذا شيء لا يعلمه إلا الله يعني أنه لكثرته وعظم حاله لا يقدر أحد على معرفته إلا هو.
ثم علّم نبيه كيف يعاملهم فأمره بثلاثة / أشياء: الأول الإعراض عنهم والمراد به أنه لا يقبل منهم ذلك العذر ويستمر على السخط، أو أنه لا يهتك سترهم ولا يظهر لهم أنه عالم بكنه ما في بواطنهم من النفاق لما فيه من حسن العشرة والحذر من آثار الفتنة.
الثاني أن يعظهم فيزجرهم عن النفاق بالتخويف من عذاب الدارين.
الثالث قوله: ﴿ وقل لهم في أنفسهم قولاً بليغاً ﴾ وفيه وجوه: أحدها أن في الآية تقديماً وتأخيراً.
والمعنى قل لهم قولاً بليغاً في أنفسهم مؤثراً في قلوبهم يغتمون به اغتماماً ويستشعرون منه الخوف.
الثاني وقل لهم في معنى أنفسهم الخبيثة وقلوبهم المطوية على النفاق قولاً بليغاً هو أن الله يعلم ما في قلوبكم فلن يغني عنكم الإخفاء، فطهروا قلوبكم عن دنس النفاق وإلا فسينزل الله بكم ما أنزل بالمجاهرين بالشرك أو شراً من ذلك وأغلظ.
الثالث قل لهم في أنفسهم خالياً بهم مساراً لهم بالنصيحة فإن النصح بين الملأ تقريع وفي السر أنفع وأنجع، قولاً يؤثر فيهم.
وقيل: القول البليغ يتعلق بالوعظ وهو أن يكون كلاماً حسناً وجيز المباني غزير المعاني يدخل الأذن بلا إذن، مشتملاً على الترغيب والترهيب والإعذار والإنذار.
ثم رغب مرة أخرة في طاعة الرسول فقال: ﴿ وما أرسلنا من رسول ﴾ أكثر النحاة على أن "من" صلة تفيد تأكيد النفي والتقدير: وما أرسلنا رسولاً.
وقيل: المفعول محذوف والتقيدير: وما أرسلنا من هذا الجنس أحداً.
قال الجبائي: هذه الآية من أقوى الدلائل على بطلان مذهب المجبرة لكونها صريحة في أن معصية الناس غير مرادة لله .
والجواب أن إرسال الرسل لأجل الطاعة لا ينافي كون المعصية مرادة لله تعالى، على أن قوله: ﴿ بإذن الله ﴾ أي بتيسيره وتوفيقه وإعانته يدل على أن الكل بقضائه وقدره، وكذا لو كان المراد بسبب إذن الله في طاعة الرسول.
قيل: في الآية دلالة على أنه لا رسول إلا ومعه شريعة فإنه لو دعا إلى شرع من قبله لكان المطاع هو ذلك المتقدم،وفيها دلالة على أن الرسل معصومون عن المعاصي وإلا لم يجب اتباعهم في جميع أقوالهم وأفعالهم ﴿ ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم ﴾ بالتحاكم إلى الطاغوت ﴿ جاؤك ﴾ تائبين عن النفاق متنصلين عما ارتكبوا ﴿ فاستغفروا الله ﴾ من رد قضاء رسوله ﴿ واستغفر لهم الرسول ﴾ انتصب شفيعاً لهم إلى الله بعد اعتذارهم إليه من إيذائه برد قضائه ﴿ لوجدوا الله ﴾ لعلموه ﴿ تواباً رحيماً ﴾ ولم يقل: "واستغفرت لهم" لما في الالتفات عن الخطاب إلى ذكر الرسول تنبيه على أن شفاعة من اسمه الرسول من الله بمكان، فالآية على هذا التفسير من تمام ما قبلها.
وقال أبو بكر الأصم: "نزلت في قوم من المنافقين اصطلحوا على كيد في حق رسول الله فدخلوا عليه لذلك الغرض فأتاه جبريل فأخبره به فقال : إن قوماً دخلوا يريدون أمراً لا ينالونه فليقوموا فليستغفروا الله حتى أستغفر لهم فلم يقوموا.
فقال: ألا يقومون فلم يفعلوا فقال : قم يا فلان حتى عدّ اثني عشر رجلاً منهم فقاموا وقالوا: كنا عزمنا على ما قلت / ونحن نتوب إلى الله من ظلمنا أنفسنا فاستغفر لنا.
فقال: الآن اخرجوا أنا كنت في بدء الأمر أقرب إلى الاستغفار وكان الله أقرب إلى الإجابة.
اخرجوا عني" .
﴿ فلا وربك لا يؤمنون ﴾ عن عطاء ومجاهد والشعبي أنها من تمام قصة اليهودي والمنافق.
وعن الزهري عن عروة بن الزبير "أنها نزلت في شأن الزبير وحاطب بن أبي بلتعة وذلك أنهما اختصما إلى رسول الله في شراج من الحرة، والشرج مسيل الماء كانا يسقيان بها النخل فقال: اسق يا زبير ثم أرسل الماء إلى جارك.
فغضب حاطب.
وقال: إن كان ابن عمتك؟
وذلك أن أم الزبير صفية بنت عبد المطلب.
فتغير وجه رسول الله ثم قال: اسق يا زبير ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر" يعني الجدار الذي يحيط بالمزرعة وهو أصغر من الجدار "واستوف حقك ثم أرسله إلى جارك" .
واعلم أن الحكم في هذا أن من كانت أرضه أقرب إلى فم الوادي فهو أولى بأول الماء وحقه تمام السقي.
والرسول أذن للزبير في السقي على وجه المسامحة، فلما أساء خصمه الأدب ولم يعرف حق ما أمره به الرسول من المسامحة لأجله أمره باستيفاء حقه وحمل خصمه على مر الحق.
وفي قوله: ﴿ فلا وربك ﴾ قولان: أحدهما أن "لا" صلة لتأكيد معنى القسم والتقدير فوربك.
والثاني أنها مفيدة وعلى هذا ففيه وجهان: الأول أنه يفيد نفي أمر سبق والتقدير ليس الأمر كما يزعمون أنهم آمنوا وهم يخالفون حكمك ثم استأنف القسم بقوله: ﴿ وربك لا يؤمنون ﴾ .
الثاني أنها لتوكيد النفي الذي جاء في الجواب، وهذا الوجه لا يتمشى فيما إذا كان الجواب مثبتاً.
ومعنى شجر اختلف واختلط ومنه الشجر لتداخل أغصانه، والتشاجر التنازع لاختلاط كلام بعضهم ببعض، والحرج الضيق أو الشك لأن الشاك في ضيق من أمره حتى يلوح له اليقين ﴿ ويسلموا ﴾ وينقادوا.
يقال: سلم لأمر الله أي سلم نفسه له وجعلها خالصة لحكمه ومن التعليمية من تمسك بالآية في أنه لا يحصل الإيمان إلا بإرشاد النبي وهدايته والنزول على حكمه وقضائه في كل أمر ديني، ومنع بأن معرفة النبوة موقوفة على معرفة الإله فلو توقفت معرفة الإله على معرفة النبوة لزم الدور فإذن الحكم غير كلي والتقليد في جميع الأحكام غير مرضي.
واعلم أن الرضا بتحكيم الرسول قد يكون رضا في الظاهر دون القلب فلهذا قال: ﴿ ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ﴾ وهو الجزم بأن ما حكم به الرسول الله هو الحق والصدق، ثم من عرف بقلبه كون ذلك الحكم حقاً وصدقاً فقد يتمرد عن قبوله على سبيل العناد أو يتوقف في ذلك القبول فعدم الحرج إشارة إلى الانقياد في الباطن والتسليم إشارة إلى الانقياد في الظاهر.
وفي الآية دليل على عصمة الأنبياء عن الخطأ في الفتاوى والأحكام، وعلى أنه لا يجوز تخصيص النص بالقياس وإلاّ كان في النفس حرج.
قالت المعتزلة: لو كانت المعاصي بقضاء الله لزم التناقض لأن الرضا بقضائه واجب فالرضا بالمعاصي واجب، / لكن الرسول قد نهى عنها فيجب أن يحصل الرضا في تركها ويلزم الرضا بالفعل والترك معاً وهو محال.
وأجيب بأن المراد من قضاء الله التكوين والإيجاد.
فالرضا بقضائه أن يعتقد كون الكل بإيجاده، والمراد من الرضا بقضاء الرسول أن يلتزم ما حكم به ويتلقى بالبشر والقبول فأين ذاك من هذا.
قوله: ﴿ ولو أنا كتبنا عليهم ﴾ "روي أن حاطباً لما أحفظ رسول الله فاستوعب للزبير حقه في صريح الحكم خرجا فمرا على المقداد فقال: لمن كان القضاء؟
فقال حاطب: قضى لابن عمته ولوى شدقه ففطن يهودي كان مع المقداد فقال: قاتل الله هؤلاء يشهدون أنه رسول الله ثم يتهمونه في قضاء يقضي بينهم، وأيم الله لقد أذنبنا ذنباً مرة في حياة موسى فدعانا إلى التوبة منه وقال: اقتلوا أنفسكم ففعلنا فبلغ قتلانا سبعين ألفاً في طاعة ربنا حتى رضي عنا.
فقال ثابت بن قيس بن شماس: أما والله إن الله ليعلم مني الصدق لو أمرني محمد أن أقتل نفسي لقتلتها، وكذا قال ابن مسعود وعمار بن ياسر.
فقال رسول الله : والذي نفسي بيده إن من أمتي رجالاً الإيمان أثبت في قلوبهم من الجبال الرواسي" .
وروي عن عمر بن الخطاب أنه قال: والله لو أمرنا ربنا لفعلنا والحمد الله الذي لم يفعل بنا ذلك ونزلت الآية.
فالضمير في قوله: ﴿ عليهم ﴾ يعود إلى الناس والمراد بالقليل المؤمنون منهم.
عن ابن عباس ومجاهد أنه يعود إلى المنافقين والمراد أنا لو كتبنا القتل والخروج عن الوطن على هؤلاء المنافقين ما فعله إلاّ قليل منهم رياء وسمعة وحينئذٍ يصعب الأمر عليهم وينكشف كفرهم، فإن لم نفعل بهم ذلك بل كلفناهم بالأشياء السهلة فليتركوا النفاق وليلزموا الإخلاص ﴿ ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به ﴾ من الانقياد والطاعة لله ولرسوله.
وسمى التكليف وعظاً لاقترانه بالوعد والوعيد والترغيب والترهيب ﴿ لكان خيراً لهم ﴾ أي أنفع وأفضل من غيره أو خير الدنيا والآخرة لأن ﴿ خيراً ﴾ يستعمل بالوجهين جميعاً.
﴿ وأشد تثبيتاً ﴾ أقرب إلى ثباتهم على الإيمان والطاعة لأن الطاعة تدعو إلى أمثالها وتجر إلى المواظبة عليها، ولأنه حق والحق ثابت والباطل زائل.
وأيضاً الإنسان يطلب الخير أولاً فإذا حصل يطلب ثباته ودوامه.
ثم بين أن ما يوعظون به كما هو خير في نفسه فهو أيضاً مستعقب للخير فقال: ﴿ وإذاً لآتيناهم من لدنا أجراً عظيماً ﴾ وثواباً جزيلاً.
"وإذاً" جواب لسؤال مقدر كأنه قيل: ما يكون لهم بعد الخير والتثبيت؟
فقيل: هو أن نؤتيهم من لدنا أجراً عظيماً.
وفي إيراد صيغة التعظيم في ﴿ آتينا ﴾ و ﴿ لدنا ﴾ وفي قوله: ﴿ من لدنا ﴾ وفي وصف الأجر بالعظم وفي تنكير الأجر من المبالغة ما لا يخفى.
والصراط المستقيم الدين الحق أو الطريق من عرصة القيامة إلى الجنة وهذا أولى لأنه مذكور بعد استحقاق الأجر.
ثم أكد أمر / الطاعة بقوله: ﴿ ومن يطع الله والرسول ﴾ ولا شك أن الآية عامة في جميع المكلفين إلاّ أن المفسرين ذكروا في سبب نزولها وجوهاً.
قال الكلبي: "نزلت في ثوبان مولى رسول الله وكان شديد الحب له قليل الصبر عنه فأتاه ذات يوم وقد تغير لونه ونحل جسمه يعرف في وجهه الحزن.
فقال له: يا ثوبان ما غيّر لونك؟
فقال: يا رسول الله ما بي مرض ولا وجع غير أني إذا لم أرك اشتقت إليك واستوحشت وحشة شديدة حتى ألقاك، ثم ذكرت الآخرة فأخاف أن لا أراك هناك لأني أعرف أنك ترفع مع النبيين وأني إن أدخلت الجنة كنت في منزلة أدنى من منزلتك، وإن لم أدخل الجنة فذاك حريّ أن لا أراك أبداً" .
وقال مقاتل: "نزلت في رجل من الأنصار قال للنبي : إذا خرجنا من عندك إلى أهالينا اشتقنا إليك فما ينفعنا شيء حتى نرجع إليك، ثم ذكرت درجتك في الجنة فكيف لنا برؤيتك إن دخلنا الجنة فأنزل الله هذه الآية.
فلما توفي النبي أتى الأنصاري ولده وهو في حديقة له فأخبره بموت النبي فقال: اللهم أعمني حتى لا أرى شيئاً بعده فعمي مكانه" .
وقال السدي: "إن ناساً من الأنصار قالوا: يا رسول الله إنك تسكن الجنة في أعلاها ونحن نشتاق إليك فكيف نصنع" فنزلت.
وليس المراد من كون المطيعين مع المذكورين في الاية أن كلهم في درجة واحدة فإن ذلك يقتضي التسوية بين الفاضل والمفضول وإنه محال، ولكن المراد كونهم في الجنة بحيث يتمكن كل واحد منهم من رؤية الآخر وإن بعد المكان لأن الحجاب إذا زال شاهد بعضهم بعضاً، أو إذا أرادوا الزيارة والتلاقي قدروا على ذلك.
والتحقيق فيه أن عالم الأنوار لا تمانع فيها ولا تدافع بل ينعكس بعضها على بعض ويتقوى بعضها ببعض كالمرايا المجلوة المتقابلة.
﴿ إخواناً على سرر متقابلين ﴾ .
ثم إنه ذكر أصنافاً أربعة: النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ولا شك في تغايرها متداخلة كانت أو متباينة.
والمراد بالتداخل أن لا يمتنع كون كل مقام متقدم موصوفاً بما يتلوه كأن يكون النبي صديقاً وشهيداً وصالحاً، أو الصديق شهيداً وصالحاً، وقد مر تفسير النبي في أوائل البقرة، وأما الصديق فمبالغة الصادق وهو من غلب على أقواله الصدق وإنه لخصلة مرضية في جميع الأديان ومحققة للنطق الذي هو من مقومات الإنسان، وكفى به منقبة أن الإيمان ليس إلا التصديق، وكفى بنقيضه مذمة أن الكفر ليس سوى التكذيب.
وذكر المفسرون أكثرهم أن الصديقين في الآية كل من صدق بكل الدين لا يتخالجه فيه شك لقوله : ﴿ والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون ﴾ وقال قوم: هم أفاضل أصحاب النبي وخصصه بعضهم بمن سبق إلى تصديق الرسول فصار في ذلك قدوة الناس كأبي بكر وعلي وأمثالهما، ولا واسطة بين الصديق والنبي ولذلك قال في هذه الآية: ﴿ مع النبيين / والصديقين ﴾ وفي صفة إبراهيم ﴿ إنه كان صديقاً نبياً ﴾ يعني أنك إن ترقيت من الصديقين وصلت إلى النبوة وإن نزلت من النبوة وصلت إليهم.
وأما الشهداء فالمراد ههنا أعم من المقتولين بسيف الكفار من المسلمين: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله : "ما تعدون الشهيد فيكم؟
قالوا: يا رسول من قتل في سبيل الله.
قال: إن شهداء أمتي إذاً لقليل.
من قتل في سبيل الله فهو شهيد، ومن مات في الطاعون فهو شهيد، ومن مات بالبطن فهو شهيد" .
وفي رواية "ومن مات بجمع فهو شهيد" وقيل: هو الذي يشهد لصحة دين الله تارة بالحجة واليان وأخرى بالسيف والسنان.
وأقول: لا يبعد أيضاً أن يدخل كل هذه الأمة في الشهداء لقوله : ﴿ وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ﴾ .
وأما الصالحون فالصالح هو الذي صلح في اعتقاده وفي عمله وهذه مرتبة لا ينبغي أن تنحط عنها مرتبة المؤمن.
ثم قال في معرض التعجب ﴿ وحسن أولئك رفيقاً ﴾ كأنه قيل: وما أحسن أولئك.
والرفيق كالصديق والخليط في استواء الواحد والجمع فيه وانتصابه على الحال، ويجوز أن يكون مفرداً بيّن به الجنس في باب التمييز.
وقيل: معناه حسن كل واحد منهم رفيقاً كما قال ﴿ يخرجكم طفلاً ﴾ والرفق في اللغة لين الجانب ولطافة الفعل فسمي الصاحب رفيقاً لارتفاقك به وتصحيبه، ومن الرفقة في السفر لارتفاق بعضهم ببعض.
وقد يكون الإنسان مع غيره ولا يكون رفيقاً له فبيّن الله أن الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين يكونون كالرفقاء للمطيع من شدة محبتهم له وسرورهم برؤيته.
﴿ ذلك ﴾ مبتدأ و ﴿ الفضل ﴾ صفته و ﴿ من الله ﴾ خبره، أو ﴿ ذلك ﴾ مبتدأ و ﴿ الفضل من الله ﴾ خبره.
قالت المعتزلة: ذلك إشارة إلى الأجر العظيم ومرافقة المنعم عليهم من الأنبياء وهذا شيء تفضل الله به عليهم تبعاً لثوابهم الواجب على الله.
أو أراد أن فضل المنعم عليهم ومزيتهم من الله لأنهم اكتسبوه بتمكينه وتوفيقه ولولا أنه أعطى العقل والقدرة وأزاح الأحذار والموانع لم يتمكن المكلف من فعل الطاعة فصار ذلك بمنزلة من وهب غيره ثوباً لينتفع به فإذا باعه وانتفع بثمنه جاز أن يوصف ذلك الثمن بأنه فضل من الواهب.
وقال أهل السنة: ذلك إشارة إلى جميع ما تقدم ولا يجب على الله شيء ألبتة بل الثواب كله فضل من الله، وكيف يجب عليه شيء وإنه هو الذي خلق القدرة والداعية؟
وأيضاً الوجوب عبارة عن استحقاق الذم عند الترك وأنه ينافي الإلهية.
وأيضاً كل ما فرض من الطاعات فإنه في مقابلة النعم السالفة التي لا تعدّ ولا تحصى فيمتنع كونها موجبة الثواب في المستقبل.
معنى الآية أن ذلك الثواب بكمال درجته كأنه هو الفضل وما عداه غير معتمد / عليه وذلك الثواب المذكور هو من الله لا من غيره.
﴿ وكفى بالله عليماً ﴾ بالطاعة وكيفية الثواب عليها، وفيه ترغيب للمكلف على إكمال الطاعة والاحتراز عن التقصير فيه.
التأويل: الوجود المجازي أمانة من الله كما أنّ وجود الظل أمانة من الشمس فلا جرم إذا تجلت شمس الربوبية لظلال وجود النفس والقلب والروح يقول بلسان العزة: ﴿ إنّ الله يأمركم أن تؤدّوا الأمانات إلى اهلها ﴾ فتلاشت الظلال واضمحلّت الأغيار وانمحت الآثار وبقي الواحد القهار، وهذا أحد أسرار قوله: ﴿ ولله يسجد من في السموات والأرض طوعاً وكرهاً وظلالهم بالغدو والآصال ﴾ .
﴿ وإذا حكمتم ﴾ بعد فناء الوجود المجازي وبقاء الوجود الحقيقي بين الروح والقلب والنفس أن تحكموا بآداب الطريقة فيراقب القلب شواهد اللقاء ويلازم الروح عقبة الفناء والسر وارد سلطان البقاء ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ الخطاب مع القلب والروح والسر فإنهم آمنوا على الحقيقة، وطاعة القلب لله أن يحب الله وحده، وطاعة الروح أن لا يلتفت إلى غيره، وطاعة السر أن لا يرى غيره في الوجود.
أما الرسول فهو الرسول الوارد من الحق في الباطن كما قال لوابصة بن معبد : "استفت قلبك يا وابصة ولو أفتاك المفتون" .
﴿ وأولي الأمر منكم ﴾ يعني مشايخكم ومن بيده أمر تربيتكم.
﴿ فإن تنازعتم في شيء ﴾ يعني منازعة النفس القلب والروح والسر فردوه إلى الكتاب والسنة أو يريد منازعة القلب فيما يحكم به الكتاب والسنّة نزاعاً من قصور الفهم والدراية ﴿ فردوه إلى الله ﴾ لمراقبة القلوب بشواهد الغيوب ﴿ وإلى رسول ﴾ وارد الحق بصدق النية وصفاء الطوية ذلك الإيمان الإيقاني بشهود النور الرباني خير من تعلم الكتاب والسنة بالتقليد دون التحقيق.
ثم يخبر عن حال أهل القال المتحاكمين إلى طاغوت الهوى والخبال من أهل البدع والضلال بقوله: ﴿ ألم تر إلى الذين يزعمون ﴾ الآية.
أصابتهم مصيبة ملامة من الخلق أو سياسة من السلطان.
﴿ فلا وربك لا يؤمنون ﴾ فيه أن الإيمان الحقيقي ليس بمجرد التصديق والإقرار ولكنه سيضرب على محك الاعتبار وهو تحكيم الشرع لا الطبع والنبوة لا البنوة والمولى لا الهوى ووارد الحق لا موارد الخلق فيما اختلفت آراؤهم وتحيّرت عقولهم ﴿ ثم لا يجدوا ﴾ ﴿ في ﴾ مرآة ﴿ أنفسهم ﴾ صورة كراهة من القضاء الأزلي والأحكام الإلهية.
والصديقين الذين لهم قدم صدق عند ربهم، والشهداء أهل الجهاد الأكبر، والصالحين الذين لهم صلوح الولاية ﴿ وحسن أولئك رفيقاً ﴾ في سلوك طريق الحق والله المستعان.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ...
﴾ الآية.
ذكر في القصة: أن رجلين تنازعا: أحدهما منافق، والآخر يهودي، فقال المنافق: اذهب بنا إلى كعب بن الأشرف، وقال اليهودي: اذهب بنا إلى محمد ، فاختصما إلى نبي الله ، فقضى لليهودي على المنافق، فلما خرجا قال المنافق: انطلق بنا إلى عمر بن الخطاب نختصم إليه، فأقبل معه اليهودي إلى عمر - - فقال اليهودي: يا عمر، إنا اختصمنا إلى محمد فقضى لي عليه، فزعم أنه لا يرضى بقضائه، وهو يزعم أنه يرضى بقضائك، فاقض بيننا، فقال عمر - - للمنافق: كذلك؟
قال: نعم، فقال: رويدكما أخرج إليكما، فدخل عمر - - البيت، فاشتمل على السيف، ثم خرج فضرب [به] عنق المنافق، فأنزل الله - -: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوۤاْ إِلَى ٱلطَّاغُوتِ ﴾ .
والطاغوت، قيل: هو كعب بن الأشرف.
وقيل: ﴿ ٱلطَّاغُوتِ ﴾ : هو اسم الكاهن.
وقيل: ﴿ ٱلطَّاغُوتِ ﴾ : الكافر.
والطاغوت: هو كل معبود دون الله - - وعلى هذا التأويل خرج قوله - وتعالى -: ﴿ فَكَيْفَ إِذَآ أَصَٰبَتْهُمْ مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَآءُوكَ يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ...
﴾ أي: جاء أهل النفاق يحلفون بالله: أنه لم يرد بالتحكم إلى ذلك إلا إحساناً وتوفيقاً.
وفي الآية دلالة إثبات رسالة محمد ؛ وذلك أن قوله - وتعالى -: ﴿ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوۤاْ ﴾ قصدوا أن يتحاكموا ولم يتحاكموا بعد، فأخبرهم رسول الله بذلك؛ فعلموا أنه إنما علم ذلك بالله، لكنهم لشدة تعنتهم وتمردهم لم يتبعوه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَدْ أُمِرُوۤاْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ ﴾ أي: أمروا أن يكفروا بالطاغوت؛ كقوله - -: ﴿ فَمَنْ يَكْفُرْ بِٱلطَّاغُوتِ وَيْؤْمِن بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱسْتَمْسَكَ بِٱلْعُرْوَةِ ٱلْوُثْقَىٰ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيُرِيدُ ٱلشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيداً ﴾ أي: يزين لهم الشيطان ليضلوا ضلالا بعيداً؛ أي: لا يعودون إلى الهدى أبداً، فيه إخبار أنهم يموتون على ذلك، فكذلك كان، وهو في موضع الإياس عن الهدى.
وقيل: بعيداً عن الحق.
وقيل: طويلا، وهو واحد.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَىٰ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ ﴾ .
أي: إذا قيل لهم: تعالوا إلى حكم ما أنزل الله في كتابه، وإلى الرسول، وإلى أمر الرسول وسنته - ﴿ رَأَيْتَ ٱلْمُنَٰفِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُوداً ﴾ .
والصدود: هو الإعراض في اللغة، والصد: الصرف.
وقال الكسائي: يقرأ: "يَصِدُّونَ" بكسر الصاد، و"يصدون" بضم الصاد.
وفي حرف حفصة: "وإذا دعوت الكافرين والمنافقين إلى ما أنزل الله رأيت المنافقين يصدون عنك صدوداً".
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَكَيْفَ إِذَآ أَصَٰبَتْهُمْ مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَآءُوكَ يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ إِنْ أَرَدْنَآ إِلاَّ إِحْسَٰناً وَتَوْفِيقاً ﴾ .
يحتمل هذا ما ذكر في القصة الأولى: أن عمر - - لما قتل ذلك الرجل المنافق جاء المنافقون إلى الرسول يحلفون بالله ما أراد ذلك الرجل إلا ﴿ إِحْسَٰناً ﴾ أي: تخفيفاً وتيسيراً عليك؛ ليرفع عنك المؤنة، ﴿ وَتَوْفِيقاً ﴾ إلى الخير والصواب.
وقيل: نزلت في المنافقين في بناء مسجد ضرار؛ كقوله - وتعالى -: ﴿ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ ٱلْحُسْنَىٰ ﴾ .
ويحتمل قوله - -: ﴿ فَكَيْفَ إِذَآ أَصَٰبَتْهُمْ مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَآءُوكَ يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ إِنْ أَرَدْنَآ إِلاَّ إِحْسَٰناً وَتَوْفِيقاً ﴾ الآية في كل مصيبة تصيبهم، وكل نكبة تلحقهم أن كانوا يأتون رسول الله صلى الله عليه سلم فيعتذرون كما ﴿ يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُل لاَّ تَعْتَذِرُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا ٱللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ...
﴾ الآية [التوبة: 94]؛ لأنهم كانوا يميلون إلى حيثما كانوا يطمعون من المنافع من الغنيمة وغيرها، إن رأوا النكبة والدبرة على المؤمنين مالوا إلى هؤلاء، ويظهرون الموافقة لهم؛ طمعاً منهم، ويقولون: إنا معكم، وإن كانت [النكبة و] الدبرة على الكافرين يظهرون الموافقة لهم؛ كقوله - : ﴿ ٱلَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ ٱللَّهِ قَالُوۤاْ أَلَمْ نَكُنْ مَّعَكُمْ وَإِن كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوۤاْ أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ هذا كان دأبهم وعادتهم أبداً.
وقوله - -: ﴿ إِنْ أَرَدْنَآ إِلاَّ إِحْسَٰناً وَتَوْفِيقاً ﴾ قيل فيه بوجوه: قيل: إلا تخفيفاً وتيسيراً عليك.
وقيل: قالوا: تحاكمنا إليه على أنه إن وفق، وإلا رجعنا إليك.
وفيه دلالة بطلان تحكيم الكافر والتحاكم إليه، وذلك حجة لأصحابنا - رحمهم الله - والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ يَعْلَمُ ٱللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ ﴾ من النفاق والخلاف غير ما حلفوا، ﴿ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ ﴾ ، ولا تعاقبهم في هذه المرة، ﴿ وَقُل لَّهُمْ ﴾ : إن فعلتم مثل هذا ثانية عاقبتكم.
ويحتمل: أن يكون على الوعيد، أي: لا تعاقبهم؛ فإن الله - عز وجل - هو معاقبهم.
وقوله - -: ﴿ إِنْ أَرَدْنَآ إِلاَّ إِحْسَٰناً وَتَوْفِيقاً ﴾ .
قيل: أي: تخفيفاً وتيسيراً عليك، على أنه إن وفق للصواب وإلا رجعنا إليك؛ إحساناً وتوفيقاً؛ لما لعل التحاكم إليهم يحملهم على الرجوع إلى دين الإسلام.
وقيل: ﴿ إِحْسَٰناً ﴾ : يحسنون إلينا ويبروننا بفضول أموالهم.
وقيل: ﴿ وَتَوْفِيقاً ﴾ : بفضول أموالهم.
وقيل: ﴿ وَتَوْفِيقاً ﴾ : أي: صواباً.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقُل لَّهُمْ فِيۤ أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً ﴾ .
قيل: أوعدهم وعيداً؛ حتى إذا عادوا إلى مثله يعاقبون.
وقيل: ألزمهم الحجة في ذلك وأبلغها إليهم؛ حتى إذا عادوا عاقبتهم.
<div class="verse-tafsir"
أولئك الذين يعلم الله ما يضمرون في قلوبهم من النفاق والقصد الرديء، فاتركهم -أيها الرسول- وأعرض عنهم، وبيِّن لهم حكم الله مرغبًا ومرهِّبًا وقل لهم قولًا بالغًا بلوغًا شديدًا متغلغلًا في نفوسهم.
<div class="verse-tafsir" id="91.9D3rp"
الكلام متصل بما قبله فإنه تعالى ذكر أن اليهود يؤمنون بالجبت والطاغوت إلخ، وذكر من سوء حالهم ووعيدهم ما ذكر، ثم أمر المؤمنين بعد ذلك بأداء الأمانات إلى أهلها والحكم بالعدل لأن أولئك قد خانوا بجعلهم الكافرين أهدى سبيلًا من المؤمنين، وأمرهم بطاعة الله ورسوله في كل شيء، وطاعة أولي الأمر فيما يجمعون عليه مختارين لا مسيطر عليهم فيه، وبرد ما تنازعوا فيه إلى الله ورسوله، في مقابلة طاعة أولئك للطاغوت وإيمانهم به وبالجبت واتباعهم للهوى.
وبعد هذا بين لنا حال طائفة أخرى بين الطائفتين وهم لمنافقون الذين يزعمون أنهم آمنوا ومن مقتضى الإيمان امتثال ما أمر به المؤمنين في الآيتين السابقتين، ولكنهم مع هذه الدعوى يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت الذي عليه تلك الطائفة فقال: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آَمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ ﴾ وقد ذكر المفسرون أسبابًا متعددة لنزول هذه الآية يمنعنا اختلافها وتشتت رواياتها أن نجزم بواحدة معينة منها وإنما نسترشد بمجموعها إلى معرفة حال من أعرضوا عن حكم الرسول ، وقد تقدم أن "الطاغوت" مصدر الطغيان وهو يصدق على كل ما جاءت الروايات في سبب نزول الآية بالتحاكم إليهم.
ومن قصد التحاكم إلى أي حاكم يريد أن يحكم له بالباطل ويهرب إليه من الحق فهو مؤمن بالطاغوت، ولا كذلك الذي يتحاكم إلى من يظن أنه يحكم بالحق، وكل من يتحاكم إليه من دون الله ورسوله ممن يحكم بغير ما أنزل الله على رسوله فهو راغب عن الحق إلى الباطل، وذلك عين الطاغوت الذي هو بمعنى الطغيان الكثير، ويدخل في هذا ما يقع كثيرًا من تحاكم الخصمين إلى الدجالين كالعرافين وأصحاب المندل والرمل ومدّعي الكشف، ويخرج المحكم في الصلح وكل ما أذن به الشرع مما هو معروف.
﴿ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا ﴾ أي أن الشيطان الذي هو داعية الباطل والشر في نفس الإنسان يريد أن يجعل بينهم وبين الحق مسافة بعيدة فيكون ضلالهم عنه مستمرًا لأنهم لشدة بعدهم عنه لا يهتدون إلى الطريق الموصلة إليه.
يسأل أحدكم: فما تقول في هذه المحاكم الأهلية والقوانين؟
وأقول: تلك عقوبة عوقب بها المسلمون أن خرجوا عن هداية قوله تعالى: ﴿ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ ﴾ فإذا كنا قد تركنا هذه الهداية للقيل والقال وآراء الرجال من قبل أن نبتلي بهذه القوانين ومنفذيها، فأي فرق بين آراء فلان وآراء فلان وكلها آراء منها الموافق لنصوص الكتاب والسنة ومنها المخالف له؟
ونحن الآن مكرهون إلى التحاكم إلى هذه القوانين فما كان منها يخالف حكم الله تعالى يقال فيه أي في أهله ﴿ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمان ﴾ الآية.
وانظر إلى ما هو موكول إلينا إلى الآن كالأحكام الشخصية، والعبادات، والمعاملات بين الوالدين ولأولاد والأزواج الزوجات، فهل نرجع في شيء من ذلك إلى الله ورسوله؟
إذا تنازع عالمان منا في مسألة فهل يردّانها إلى الله ورسوله أن يردّانها إلى قيل وقال، فهذا يقول قال "الجمل"، وهذا يقول قال "الصاوي"، وفلان وفلان.
﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا ﴾ إن الحامل لهم على هذا الصدود هو إتباع شهواتهم وألفتهم للباطل، وعدو الحق يعرض عنه إعراضًا شديدًا.
ثم أراد تعالى أن يبيّن سخافتهم وجهلهم وعدم طاقتهم بالثبات على هذا الصدود فقال: ﴿ فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ ﴾ إلخ، أي لو عقلوا لالتزموا ما أظهروا قبوله من الإسلام وعملوا بمقتضى ما ادعوه من الإيمان ليتم لهم الاستفادة منه، لن العاقل يعلم أن تلك الحال التي اختاروا فيها التحاكم إلى الطاغوت لا تدوم لهم وأنه يوشك أن ينتقلوا منها فيقعوا في مصاب يضطرهم إلى الرجوع إلى النبي ليكشفه عنهم وأن يعتذروا عن صدودهم بأنهم ما كانوا يريدون بالتحاكم إلى غير الرسول إلا إحسانًا وتوفيقًا، كأنه يقول فكيف يفعلون إذ أطلعك الله على شأنهم في إعراضهم عن حكم الله والتحاكم إليك وتبينّ أن عملهم يكذب دعواهم الإيمان؟
إنهم إذًا يستحقون العقوبة والإذلال ليكونوا عبرة لغيرهم.
وذهب أبو مسلم إلى أن في الآية بشارة بأن المنافقين سيقعون في مصيبة تفضح أمرهم، وتكشف سرهم، وهل يتوبون حينئذ ويجيئونك أم لا؟
ويقول غيره ليس المراد بذلك البشارة بشيء سيقع، وإنما هو بيان ناجز لأمرهم، وإيذان بمؤاخذاتهم وإذلالهم، وإراءتهم أنهم سفهاء الأحلام، مستحقون لما يعاقبهم به النبي .
فكيف يكون حال هؤلاء المنافقين أو حالهم وحال أمثالهم، أو كيف يكون الشأن في أمرهم إذا أصابتهم مصيبة يسبب ما قدمت أيديهم أي ما عملوا من السيئات بباعث النفاق الظاهر، والخبث الباطن، فإن الأعمال السيئة تترتب عليها آثار سيئة، وتكون لها عواقب ضارة لا يمكن كتمانها، ولا يستغني صاحبها عن الاستعانة فيها بقومه وأولياء أمره، فالآية تنذر جميع المنافقين الذين يستخفون من النار بأعمال النفاق مبينة أن هذه الأعمال لابد أن يترتب عليها بعض المصائب التي تفضح أمرهم، وتضطرهم إلى الرجوع إلى النبي والاعتذار له، والحلف على ذلك ليصدقه، فإنهم يشعرون بأنهم متهمون بالكذب.
أو كيف تعاملهم في هذه الشدة أيها الرسول بعد علمك بما كان من صدودهم عنك، في وقت الاستغناء عنك، هل تعطف عليهم وتقبل قولهم إذا أصابتهم المصيبة التي يستحقونها بارتكاب أسبابها ﴿ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا ﴾ أي يخادعونك بالحلف بالله إنهم ما أرادوا بما علموا من الصدود أو من الأعمال المنكرة والمعاصي التي ترتبت عليها المصيبة إلا إحسانًا في للمعاملة وتوفيقًا بينهم وبين خصمهم بالصلح أو الجمع بين منفعة الخصمين، وقالوا نحن نعلم أنك لا تحكم إلا بِمُرِّ الحق لا تراعي فيه أحدًا فلم نر ضررًا في استمالة خصومنا بقبول حكم طواغيتهم والتوفيق بين منفعتنا ومنفعتهم.
سأل العليم الحكيم كيف تكون المعاملة في هذه الحال تمهيدًا لبيان ما يجب العمل به وهو قوله تعالى: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ ﴾ من الكفر والحقد والكيد وتربص الدوائر بالمؤمنين ليظهروا عداوتهم.
والعبارة تدل على تعظيم الأمر أي فظاعته وكبره، ولا يزال مثلها مستعملًا فيما يعظم شأنه من خير وشر ومسرة وحزن، يقول الرجل لمن يحبه ويحفظ وده: الله يعلم ما في نفسي لك، ويقول في العدو الماكر المخادع الله يعلم ما في قلبه.
والمعنى إن ما في قلوب هؤلاء المنافقين كبير جدًا لا يعرفه كما هو إلا الله تعالى ﴿ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ ﴾ أي أصرف وجهك عنهم ولا تقبل عليهم بالبشاشة والتكريم ﴿ وَعِظْهُمْ ﴾ ببيان سوء حالهم لهم إذا هم أصروا على ما هم عليه ﴿ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا ﴾ يبلغ من نفوسهم الأثر الذي تريد أن تحدثه فيه.
<div class="verse-tafsir"