الآية ٦٤ من سورة النساء

الإسلام > القرآن > سور > سورة 4 النساء > الآية ٦٤ من سورة النساء

وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۚ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ جَآءُوكَ فَٱسْتَغْفَرُوا۟ ٱللَّهَ وَٱسْتَغْفَرَ لَهُمُ ٱلرَّسُولُ لَوَجَدُوا۟ ٱللَّهَ تَوَّابًۭا رَّحِيمًۭا ٦٤

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 87 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٦٤ من سورة النساء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٦٤ من سورة النساء عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

قول تعالى : ( وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع ) أي : فرضت طاعته على من أرسله إليهم وقوله : ( بإذن الله ) قال مجاهد : أي لا يطيع أحد إلا بإذني .

يعني : لا يطيعهم إلا من وفقته لذلك ، كقوله : ( ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه ) [ آل عمران : 52 ] أي : عن أمره وقدره ومشيئته ، وتسليطه إياكم عليهم .

وقوله : ( ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما ) يرشد تعالى العصاة والمذنبين إذا وقع منهم الخطأ والعصيان أن يأتوا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فيستغفروا الله عنده ، ويسألوه أن يستغفر لهم ، فإنهم إذا فعلوا ذلك تاب الله عليهم ورحمهم وغفر لهم ، ولهذا قال : ( لوجدوا الله توابا رحيما ) وقد ذكر جماعة منهم : الشيخ أبو نصر بن الصباغ في كتابه " الشامل " الحكاية المشهورة عن العتبي ، قال : كنت جالسا عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم ، فجاء أعرابي فقال : السلام عليك يا رسول الله ، سمعت الله يقول : ( ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما ) وقد جئتك مستغفرا لذنبي مستشفعا بك إلى ربي ثم أنشأ يقول : يا خير من دفنت بالقاع أعظمه فطاب من طيبهن القاع والأكم نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه فيه العفاف وفيه الجود والكرم ثم انصرف الأعرابي فغلبتني عيني ، فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم في النوم فقال : يا عتبي ، الحق الأعرابي فبشره أن الله قد غفر له .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: ولم نرسل، يا محمد، رسولا إلا فرضت طاعته على من أرسلته إليه.

يقول تعالى ذكره: فأنت، يا محمد، من الرسل الذين فرضت طاعتهم على من أرسلتُه إليه.

وإنما هذا من الله توبيخ للمحتكمين من المنافقين = الذين كانوا يزعمون أنهم &; 8-516 &; يؤمنون بما أنـزل إلى النبي صلى الله عليه وسلم = فيما اختصموا فيه إلى الطاغوت، صدودًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

يقول لهم تعالى ذكره: ما أرسلتُ رسولا إلا فرضت طاعته على من أرسلته إليه، فمحمد صلى الله عليه وسلم من أولئك الرسل، فمن ترك طاعته والرِّضى بحكمه واحتكم إلى الطاغوت، فقد خالف أمري، وضيَّع فرضي.

* * * ثم أخبر جل ثناؤه: أن من أطاع رسله، فإنما يطيعهم بإذنه = يعني: بتقديره ذلك وقضائه السابق في علمه ومشيئته، (19) كما:- 9904 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: " إلا ليطاع بإذن الله "، واجب لهم أن يطيعهم من شاء الله، ولا يطيعهم أحد إلا بإذن الله.

9905 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.

9906 - حدثني المثنى قال، حدثنا سويد بن نصر قال، أخبرنا ابن المبارك، عن شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.

* * * قال أبو جعفر: إنما هذا تعريض من الله تعالى ذكره لهؤلاء المنافقين، بأن تركهم طاعة الله وطاعة رسوله والرضى بحكمه، إنما هو للسابق لهم من خِذْلانه وغلبة الشقاء عليهم، ولولا ذلك لكانوا ممن أذن له في الرضى بحكمه، والمسارعة إلى طاعته.

* * * القول في تأويل قوله : وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا (64) قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: ولو أن هؤلاء المنافقين = الذين وصف صفتهم في هاتين الآيتين، الذين إذا دعوا إلى حكم الله وحكم رسوله صدّوا صدودًا =،" إذ ظلموا أنفسهم "، باكتسابهم إياها العظيم من الإثم في احتكامهم إلى الطاغوت، وصدودهم عن كتاب الله وسنة رسوله إذا دعوا إليها =" جاؤوك "، يا محمد، حين فعلو ما فعلوا من مصيرهم إلى الطاغوت راضين بحكمه دون حكمك، جاؤوك تائبين منيبين، فسألوا الله أن يصفح لهم عن عقوبة ذنبهم بتغطيته عليهم، وسأل لهم اللهَ رسولهُ صلى الله عليه وسلم مثل ذلك.

وذلك هو معنى قوله: " فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول ".

* * * = وأما قوله: " لوجدوا الله توابًا رحيمًا "، فإنه يقول: لو كانوا فعلوا ذلك فتابوا من ذنبهم =" لوجدوا الله توابًا "، يقول: راجعًا لهم مما يكرهون إلى ما يحبون (20) =" رحيمًا " بهم، في تركه عقوبتهم على ذنبهم الذي تابوا منه.

* * * وقال مجاهد: عُنِي بذلك اليهوديُّ والمسلم اللذان تحاكما إلى كعب بن الأشرف.

9907 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: " ظلموا أنفسهم " إلى قوله: وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ، قال: إن هذا في الرجل اليهودي والرجل المسلم اللذين تحاكما إلى كعب بن الأشرف.

---------------------- الهوامش : (19) انظر تفسير"الإذن" فيما سلف 8: 192 تعليق: 2 والمراجع هناك.

(20) انظر تفسير"الاستغفار" و"التوبة" فيما سلف من فهارس اللغة.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيماقوله تعالى : وما أرسلنا من رسول " من " زائدة للتوكيد .

إلا ليطاع فيما أمر به ونهى عنه .

بإذن الله " بعلم الله .

وقيل : بتوفيق الله .

ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك روى أبو صادق عن علي قال : قدم علينا أعرابي بعدما دفنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بثلاثة أيام ، فرمى بنفسه على قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وحثا على رأسه من ترابه ؛ فقال : قلت يا رسول الله فسمعنا قولك ، ووعيت عن الله فوعينا عنك ، وكان فيما أنزل الله عليك ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم الآية ، وقد ظلمت نفسي وجئتك تستغفر لي .

فنودي من القبر إنه قد غفر لك .

ومعنى لوجدوا الله توابا رحيما أي قابلا لتوبتهم ، وهما مفعولان لا غير .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يخبر تعالى خبرا في ضمنه الأمر والحث على طاعة الرسول والانقياد له.

وأن الغاية من إرسال الرسل أن يكونوا مطاعين ينقاد لهم المرسلُ إليهم في جميع ما أمروا به ونهوا عنه، وأن يكونوا معظمين تعظيم المطيع للمطاع.

وفي هذا إثبات عصمة الرسل فيما يبلغونه عن الله، وفيما يأمرون به وينهون عنه؛ لأن الله أمر بطاعتهم مطلقا، فلولا أنهم معصومون لا يشرعون ما هو خطأ، لما أمر بذلك مطلقا.

وقوله: { بِإِذْنِ اللَّهِ } أي: الطاعة من المطيع صادرة بقضاء الله وقدره.

ففيه إثبات القضاء والقدر، والحث على الاستعانة بالله، وبيان أنه لا يمكن الإنسان -إن لم يعنه الله- أن يطيع الرسول.

ثم أخبر عن كرمه العظيم وجوده، ودعوته لمن اقترفوا السيئات أن يعترفوا ويتوبوا ويستغفروا الله فقال: { وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ } أي: معترفين بذنوبهم باخعين بها.

{ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا } أي: لتاب عليهم بمغفرته ظلْمَهم، ورحمهم بقبول التوبة والتوفيق لها والثواب عليها، وهذا المجيء إلى الرسول صلى الله عليه وسلم مختص بحياته؛ لأن السياق يدل على ذلك لكون الاستغفار من الرسول لا يكون إلا في حياته، وأما بعد موته فإنه لا يطلب منه شيء بل ذلك شرك.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله عز وجل ( وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله ) أي : بأمر الله لأن طاعة الرسول وجبت بأمر الله ، قال الزجاج : ليطاع بإذن الله لأن الله قد أذن فيه وأمر به ، وقيل : إلا ليطاع كلام تام كاف ، بإذن الله تعالى أي : بعلم الله وقضائه ، أي : وقوع طاعته يكون بإذن الله ، ( ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم ) بتحاكمهم إلى الطاغوت ( جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما )

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وما أرسلنا من رسول إلا ليُطاع» فيما يأمر به ويحكم «بإذن الله» بأمره لا ليعصى ويخالف «ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم» بتحاكمهم إلى الطاغوت «جاءُوك» تائبين «فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول» فيه التفات عن الخطاب تفخيما لشأنه «لوجدوا الله توَابا» عليهم «رحيما» بهم.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وما بعَثْنَا من رسول من رسلنا، إلا ليستجاب له، بأمر الله تعالى وقضائه.

ولو أن هؤلاء الذين ظلموا أنفسهم باقتراف السيئات، جاؤوك -أيها الرسول- في حياتك تائبين سائلين الله أن يغفر لهم ذنوبهم، واستغفرت لهم، لوجدوا الله توابًا رحيمًا.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - أنه ما أرسل رسله إلا ليطاعوا لا ليخالفوا ، وأرشد المخالفين إلى ما يجب عليهم فعله للتكفير عن مخالفتهم فقال تعالى :( وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ الله وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظلموا أَنْفُسَهُمْ جَآءُوكَ فاستغفروا الله واستغفر لَهُمُ الرسول لَوَجَدُواْ الله تَوَّاباً رَّحِيماً ) .و ( مِن ) فى قوله ( مِن رَّسُولٍ ) زائدة للتأكيد والتعيمم ، واللام فى قوله ( لِيُطَاعَ ) للتعليل ، والاستثناء مفرغ من المفعول لأجله .أى : وما أرسلنا رسولا من الرسل لشئ من الأشياء إلا ليطاع فيما أمر ونهى وحكم ، لا ليطلب ذلك من غيره .

فطاعته فرض على من أرسل إليهم .

وإنكار فرضيتها كفر .لأن طاعة الرسول طاعة الله ، ومعصيته معصية لله .

قال - تعالى - : ( مَّنْ يُطِعِ الرسول فَقَدْ أَطَاعَ الله ) وقوله ( بِإِذْنِ الله ) أى : بسبب إذنه - سبحانه - فى طاعة رسوله .

لأن هو الذى أمر بهذه الطاعة لرسله .ويجوز أن يراد بقوله ( بِإِذْنِ الله ) أى بتوفيقه - سبحانه - إلى هذه الطاعة من يشاء توفيقه إليها من عباده .وقوله ( وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظلموا أَنْفُسَهُمْ جَآءُوكَ ) .

.

.

الخ بيان لما كان يجب عليهم ان يفعلوه بعد وقوعهم فى الخطأ .أى ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم بسبب تحاكمهم إلى الطاغوت ، وبخروجهم عن تعاليم الإِسلام ، لو انهم بسبب ذلك وغيره ( جَآءُوكَ ) تائبين توبة صادقة من هذا النفاق؛ ( فاستغفروا الله ) مما اجترحوه من ذنوب وسيئات ( واستغفر لَهُمُ الرسول ) .أى .

دعوا الله - تعالى - بأن يقبل توبتهم ، ويغفر ذنوبهم .

لو انهم فعلوا ذلك ( لَوَجَدُواْ الله تَوَّاباً ) أى كثير القبول للتوبة من التائبين ( رَّحِيماً ) أى كثير التفضيل على عباده بالرحمة والمغفرة .قال الفخر الرازى : لقائل ان يقول : أليس لو استغفروا الله وتابوا على وجه صحيح ، كانت توبتهم مقبولة؟

فما الفائدة فى ضم استغفار الرسول إلى استغفارهم؟قلنا : الجواب عنه من وجوه :الأول : أن ذلك التحاكم إلى الطاغوت كان مخالفة لحكم الله .وكان أيضا إساءة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ومن كان ذنبه كذلك وجب عليه الاعتذار عن ذلك الذنب لغيره .

فلهذا المعنى وجب عليهم أن يطلبوا من الرسول أن يستغفر لهم .الثاني : أن القوم لما لم يرضوا بحكم الرسول ، ظهر منهم ذلك التمرد .

فاذا تابوا وجب عليهم أن يفعلوا ما يزيل عنهم ذلك التمرد ، وما ذاك إلا بأن يذهبوا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ويطلبوا منه الاستغفار .الثالث : لعلهم إذا أتوا بالتوبة أتوا بها على وجه الخلل ، فاذا انضم إليها استغفار الرسول صارت مستحقة للقبول .ثم قال : وإنما قال - سبحانه - ( واستغفر لَهُمُ الرسول ) .

ولم يقل واستغفرت لهم : إجلالا للرسول صلى الله عليه وسلم .

وأنهم إذا جاءوا من خصه الله برسالته ، وأكرمه بوحيه ، وجعله سفيرا بينه وبين خلقه ، ومن كان كذلك فإن الله لا يرد شفاعته ، فكانت الفائدة فى العدول عن لفظ الخطاب إلى لفظ المغايبة .فالآية الكريمة قد فتحت باب التوبة أمام العصاة والمذنبين ، وسمت بمكانة الرسول صلى الله عليه وسلم عند ربه سموا عظيما .ورحم الله ابن كثير فقد قال عند تفسيره لهذه الآية : وقوله : ( وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظلموا أَنْفُسَهُمْ جَآءُوكَ ) .

الآية .

يرشد - تعالى - العصاة والمذنبين إذا وقع منهم الخطأ والعصيان أن يأتوا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فيستغفروا الله عنده ، ويسألوه أن يستغفر لهم ، فإنهم إذا فعلوا ذلك تاب الله عليهم ورحمهم وغفر لهم؛ ولهذا قال : ( لَوَجَدُواْ الله تَوَّاباً رَّحِيماً ) .وقد جاء عن الإِمام العتبى أنه قال : كنت جالسا عند قبر النبى صلى الله عليه وسلم فجاء أعرابى فقال : السلام عليك يا رسول الله!!

سمعت الله يقول : ( وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظلموا أَنْفُسَهُمْ جَآءُوكَ ) .

الآية : وقد جئتك مستغفرا لذنبى ، مستشفعا بك عند ربى .

ثم أنشأ يقول :يا خير من دفنت بالقاع أعظمه ...

فطاب من طيبهن القاع والأكمنفسى الفداء لقبر أنت ساكنه ...

فيه العفاف وفيه الجود والكرمقال العتبى : ثم انصرف الأعرابى ، فرأيت النبى صلى الله عليه وسلم فى النوم فقال " يا عتبى الحق الأعرابى فبشره أن الله قد غفر له " .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

قوله تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ الله ﴾ واعلم أنه تعالى لما أمر بطاعة الرسول في قوله: ﴿ وَأَطِيعُواْ الرسول وَأُوْلِى الامر مِنْكُمْ ﴾ ثم حكى ان بعضهم تحاكم الى الطاغوت ولم يتحاكم الى الرسول، وبين قبح طريقه وفساد منهجه، رغب في هذه الآية مرة أخرى في طاعة الرسول فقال: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ الله ﴾ وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قال الزجاج كلمة من هاهنا صلة زائدة، والتقدير: وما أرسلنا رسولا، ويمكن أن يكون التقدير: وما أرسلنا من هذا الجنس أحدا الا كذا وكذا، وعلى هذا التقدير تكون المبالغة أتم.

المسألة الثانية: قال أبو علي الجبائي: معنى الآية: وما أرسلت من رسول إلا وأنا مريد أن يطاع ويصدق ولم أرسله ليعصى.

قال: وهذا يدل على بطلان مذهب المجبرة لانهم يقولون: انه تعالى أرسل رسلا لتعصى، والعاصي من المعلوم أنه يبقى على الكفر، وقد نص الله على كذبهم في هذه الآية، فلو لم يكن في القرآن ما يدل على بطلان قولهم إلا هذه الآية لكفى، وكان يجب على قولهم أن يكون قد أرسل الرسل ليطاعوا وليعصوا جميعا، فدل ذلك على أن معصيتهم للرسل غير مرادة لله، وأنه تعالى ما أراد ألا أن يطاع.

واعلم أن هذا الاستدلال في غاية الضعف وبيانه من وجوه: الأول: ان قوله: ﴿ إلاَّ لِيُطَاعَ ﴾ يكفي في تحقيق مفهومه أن يطيعه مطيع واحد في وقت واحد، وليس من شرط تحقق مفهومه أن يطيعه جميع الناس في جميع الاوقات، وعلى هذا التقدير فنحن نقول بموجبه: وهو أن كل من أرسله الله تعالى فقد أطاعه بعض الناس في بعض الاوقات، اللهم الا أن يقال: تخصيص الشيء بالذكر يدل على نفي الحكم عما عداه، الا أن الجبائي لا يقول بذلك، فسقط هذا الاشكال على جميع التقديرات.

الثاني: لم لا يجوز أن يكون المراد به ان كل كافر فانه لابد وأن يقربه عند موته، كما قال تعالى: ﴿ وَإِن مّنْ أَهْلِ الكتاب إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ  ﴾ أو يحمل ذلك على ايمان الكل به يوم القيامة، ومن المعلوم أن العلم بعدم الطاعة مع وجود الطاعة متضادان، والضدان لا يجتمعان، وذلك العلم ممتنع العدم، فكانت الطاعة ممتنعة الوجود، والله عالم بجميع المعلومات، فكان عالما بكون الطاعة ممتنعة الوجود، والعالم بكون الشيء ممتنع الوجود لا يكون مريداً له، فثبت بهذا البرهان القاطع أن يستحيل أن يريد الله من الكافر كونه مطيعاً، فوجب تأويل هذه اللفظة وهو أن يكون المراد من الكلام ليس الارادة بل الأمر، والتقدير: وما أرسلنا من رسول إلا ليؤمر الناس بطاعته، وعلى هذا التقدير سقط الاشكال.

المسألة الثالثة: قال أصحابنا: الآية دالة على أنه لا يوجد شيء من الخير والشر والكفر والايمان والطاعة والعصيان إلا بارادة الله تعالى، والدليل عليه قوله تعالى: ﴿ إلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ الله ﴾ ولا يمكن أن يكون المراد من هذا الاذن الأمر والتكليف، لأنه لا معنى لكونه رسولا الا أن الله أمر بطاعته، فلو كان المراد من الاذن هو هذا لصار تقدير الآية: وما أذنا في طاعة من أرسلناه الا باذننا وهو تكرار قبيح، فوجب حمل الاذن على التوفيق والاعانة.

وعلى هذا الوجه فيصير تقدير الآية: وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بتوفيقنا وإعانتنا، وهذا تصريح بأنه سبحانه ما أراد من الكل طاعة الرسول، بل لا يريد ذلك الا من الذي وفقه الله لذلك وأعانه عليه وهم المؤمنون.

وأما المحرومون من التوفيق والاعانة فالله تعالى ما أراد ذلك منهم، فثبت أن هذه الآية من أقوى الدلائل على مذهبنا.

المسألة الرابعة: الآية دالة على أنه لا رسول إلا ومعه شريعة ليكون مطاعا في تلك الشريعة ومتبوعا فيها، اذ لو كان لا يدعو إلا إلى شرع من كان قبله لم يكن هو في الحقيقة مطاعا، بل كان المطاع هو الرسول المتقدم الذي هو الواضع لتلك الشريعة، والله تعالى حكم على كل رسول بأنه مطاع.

المسألة الخامسة: الآية دالة على أن الأنبياء عليهم السلام معصومون عن المعاصي والذنوب لأنها دلت على وجوب طاعتهم مطلقا، فلو أتوا بمعصية لوجب علينا الاقتداء بهم في تلك المعصية فتصير تلك المعصية واجبة علينا، وكونها معصية يوجب كونها محرمة علينا، فيلزم توارد الايجاب والتحريم على الشيء الواحد وإنه محال.

فان قيل: ألستم في الاعتراض على كلام الجبائي ذكرتم أن قوله: ﴿ إلاَّ لِيُطَاعَ ﴾ لا يفيد العموم، فكيف تمسكتم به في هذه المسألة مع أن هذا الاستدلال لا يتم إلا مع القول بأنها تفيد العموم.

قلنا: ظاهر اللفظ يوهم العموم، وإنما تركنا العموم في تلك المسألة للدليل العقلي القاطع الذي ذكرناه على أنه يستحيل منه تعالى أن يريد الايمان من الكافر، فلأجل ذلك المعارض القاطع صرفنا الظاهر عن العموم، وليس في هذه المسألة برهان قاطع عقلي يوجب القدح في عصمة الأنبياء فظهر الفرق.

قوله تعالى: ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَاءوكَ فاستغفروا الله واستغفر لَهُمُ الرسول لَوَجَدُواْ الله تَوَّاباً رَّحِيماً ﴾ .

وفيه مسائل: المسألة الأولى: في سبب النزول وجهان: الأول: المراد به من تقدم ذكره من المنافقين، يعني لو أنهم عندما ظلموا أنفسهم بالتحاكم إلى الطاغوت والفرار من التحاكم إلى الرسول جاؤا الرسول وأظهروا الندم على ما فعلوه وتابوا عنه واستغفروا منه واستغفر لهم الرسول بأن يسأل الله أن يغفرها لهم عند توبتهم لوجدوا الله توابا رحيما.

الثاني: قال أبو بكر الأصم: إن قوما من المنافقين اصطلحوا على كيد في حق الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم دخلوا عليه لأجل ذلك الغرض فأتاه جبريل عليه السلام فأخبره به، فقال صلى الله عليه وسلم: «إن قوما دخلوا يريدون أمراً لا ينالونه، فليقوموا وليستغفروا الله حتى أستغفر لهم» فلم يقوموا، فقال: «ألا تقومون»، فلم يفعلوا فقال صلى الله عليه وسلم: «قم يا فلان قم يا فلان» حتى عد اثني عشر رجلا منهم، فقاموا وقالوا: كنا عزمنا على ما قلت، ونحن نتوب إلى الله من ظلمنا أنفسنا فاستغفر لنا، فقال: «الآن اخرجوا أنا كنت في بدء الأمر أقرب إلى الاستغفار: وكان الله أقرب الى الاجابة اخرجوا عني».

المسألة الثانية: لقائل أن يقول: أليس لو استغفروا الله وتابوا على وجه صحيح لكانت توبتهم مقبولة، فما الفائدة في ضم استغفار الرسول إلى استغفارهم؟

قلنا: الجواب عنه من وجوه: الأول: أن ذلك التحاكم إلى الطاغوت كان مخالفة لحكم الله، وكان أيضاً إساءة إلى الرسول عليه الصلاة والسلام وإدخالا للغم في قلبه، ومن كان ذنبه كذلك وجب عليه الاعتذار عن ذلك الذنب لغيره، فلهذا المعنى وجب عليهم أن يطلبوا من الرسول أن يستغفر لهم.

الثاني: أن القوم لما لم يرضوا بحكم الرسول ظهر منهم ذلك التمرد، فاذا تابوا وجب عليهم أن يفعلوا ما يزيل عنهم ذلك التمرد، وما ذاك إلا بأن يذهبوا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ويطلبوا منه الاستغفار.

الثالث: لعلهم إذا أتوا بالتوبة أتوا بها على وجه الخلل، فاذا انضم اليها استغفار الرسول صارت مستحقة للقبول والله أعلم.

المسألة الثالثة: إنما قال: ﴿ واستغفر لَهُمُ الرسول ﴾ ولم يقل واستغفرت لهم إجلالا للرسول عليه الصلاة والسلام، وأنهم إذا جاؤه فقد جاؤا من خصه الله برسالته وأكرمه بوحيه وجعله سفيرا بينه وبين خلقه، ومن كان كذلك فان الله لا يرد شفاعته، فكانت الفائدة في العدول عن لفظ الخطاب إلى لفظ المغايبة ما ذكرناه.

المسألة الرابعة: الآية دالة على الجزم بأن الله تعالى يقبل توبة التائب، لأنه تعالى لما ذكر عنهم الاستغفار قال بعده: ﴿ لَوَجَدُواْ الله تَوَّاباً رَّحِيماً ﴾ وهذا الجواب إنما ينطلق على ذلك الكلام إذا كان المراد من قوله: ﴿ تَوَّاباً رَّحِيماً ﴾ هو أن يقبل توبتهم ويرحم تضرعهم ولا يريد استغفارهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ ﴾ وما أرسلنا رسولاً قط ﴿ إلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ الله ﴾ بسبب إذن الله في طاعته، وبأنه أمر المبعوث إليهم بأن يطيعوه ويتبعوه، لأنه مؤدّ عن الله، فطاعته طاعة الله ومعصيته معصية الله، وَمَن يُطِعِ الرسول فَقَدْ أَطَاعَ الله، ويجوز أن يراد بتيسير الله وتوفيقه في طاعته ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ ﴾ بالتحاكم إلى الطاغوت ﴿ جاؤك ﴾ تائبين من النفاق متنصلين عما ارتكبوا ﴿ فاستغفروا الله ﴾ من ذلك بالإخلاص، وبالغوا في الاعتذار إليك من إيذائك بردّ قضائك، حتى انتصبت شفيعاً لهم إلى الله ومستغفراً ﴿ لَوَجَدُواْ الله تَوَّاباً ﴾ لعلموه تواباً، أي لتاب عليهم.

ولم يقل.

واستغفرت لهم، وعدل عنه إلى طريقة الالتفات، تفخيماً لشأن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتعظيماً لاستغفاره، وتنبيهاً على أن شفاعة من اسمه الرسول من الله بمكان ﴿ فَلاَ وَرَبِّكَ ﴾ معناه فوربك كقوله تعالى: ﴿ فَوَرَبّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ ﴾ [الحجر: 92] و(لا) مزيدة لتأكيد معنى القسم، كما زيدت في ﴿ لّئَلاَّ يَعْلَمَ ﴾ [الحديد: 29] لتأكيد وجود العلم.

و ﴿ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ جواب القسم فإن قلت: هلا زعمت أنها زيدت لتظاهر (لا) في (لا يؤمنون)؟

قلت: يأبى ذلك استواء النفي والإثبات فيه، وذلك قوله: ﴿ فَلا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ وَمَا لاَ تُبْصِرُونَ إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ﴾ [التكوير: 19] ﴿ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ﴾ فيما اختلف بينهم واختلط، ومنه الشجر لتداخل أغصانه ﴿ حَرَجاً ﴾ ضيقاً، أي لا تضيق صدورهم من حكمك، وقيل: شكا، لأنّ الشاك في ضيق من أمره حتى يلوح له اليقين ﴿ وَيُسَلِّمُواْ ﴾ وينقادوا ويذعنوا لما تأتي به من قضائك، لا يعارضوه بشيء، من قولك: سلم الأمر لله وأسلم له، وحقيقة سلم نفسه وأسلمها، إذا جعلها سالمة له خالصة، و ﴿ تَسْلِيماً ﴾ تأكيد للفعل بمنزلة تكريره.

كأنه قيل: وينقادوا لحكمه انقياداً لا شبهة فيه، بظاهرهم وباطنهم.

قيل: نزلت في شأن المنافق واليهودي.

وقيل: في شأن الزبير وحاطب بن أبي بلتعة؛ وذلك أنهما اختصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في شراج من الحرّة.

كانا يسقيان بها النخل، فقال: «اسق يا زبير ثم أرسل الماء إلى جارك» ، فغضب حاطب وقال: لأن كان ابن عمتك؟

فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: «اسق يا زبير ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر واستوف حقك، ثم أرسله إلى جارك» كان قد أشار على الزبير برأي فيه السعة له ولخصمه؛ فلما أحفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم، استوعب للزبير حقه في صريح الحكم، ثم خرجا فمرا على المقداد، فقال: لمن كان القضاء؟

فقال الأنصاري: قضى لابن عمته، ولوى شدقه.

ففطن يهودي كان مع المقداد فقال: قاتل الله هؤلاء، يشهدون أنه رسول الله ثم يتهمونه في قضاء يقضى بينهم، وايم الله، لقد أذنبنا ذنباً مرّة في حياة موسى، فدعانا إلى التوبة منه وقال: اقتلوا أنفسكم، ففعلنا، فبلغ قتلانا سبعين ألفاً في طاعة ربنا حتى رضي عنا.

فقال ثابت بن قيس بن شماس: أما والله إنّ الله ليعلم مني الصدق، لو أمرني محمد أن أقتل نفسي لقتلتها.

وروى أنه قال ذلك ثابت وابن مسعود وعمار بن ياسر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده إنّ من أمتي رجالاً الإيمان أثبت في قلوبهم من الجبال الرواسي» وروى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: والله لو أمرنا ربنا لفعلنا، والحمد لله الذي لم يفعل بنا ذلك، فنزلت الآية في شأن حاطب، ونزلت في شأن هؤلاء.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلا لِيُطاعَ بِإذْنِ اللَّهِ ﴾ بِسَبَبِ إذْنِهِ في طاعَتِهِ وأمْرِهِ المَبْعُوثِ إلَيْهِمْ بِأنْ يُطِيعُوهُ، وكَأنَّهُ احْتَجَّ بِذَلِكَ عَلى أنَّ الَّذِي لَمْ يَرْضَ بِحُكْمِهِ وإنْ أظْهَرَ الإسْلامَ كانَ كافِرًا مُسْتَوْجِبَ القَتْلِ، وتَقْرِيرُهُ أنَّ إرْسالَ الرَّسُولِ لِما لَمْ يَكُنْ إلّا لِيُطاعَ كانَ مَن لَمْ يُطِعْهُ ولَمْ يَرْضَ بِحُكْمِهِ لَمْ يَقْبَلْ رِسالَتَهُ ومَن كانَ كَذَلِكَ كانَ كافِرًا مُسْتَوْجِبَ القَتْلِ.

﴿ وَلَوْ أنَّهم إذْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ ﴾ بِالنِّفاقِ أوِ التَّحاكُمِ إلى الطّاغُوتِ.

﴿ جاءُوكَ ﴾ تائِبِينَ مِن ذَلِكَ وهو خَبَرُ أنَّ وإذْ مُتَعَلِّقٌ بِهِ.

﴿ فاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ ﴾ بِالتَّوْبَةِ والإخْلاصِ.

﴿ واسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ ﴾ واعْتَذَرُوا إلَيْكَ حَتّى انْتَصَبْتَ لَهم شَفِيعًا، وإنَّما عَدَلَ الخِطابُ تَفْخِيمًا لِشَأْنِهِ وتَنْبِيهًا عَلى أنَّ مِن حَقِّ الرَّسُولِ أنْ يَقْبَلَ اعْتِذارَ التّائِبِ وإنْ عَظُمَ جُرْمُهُ ويَشْفَعَ لَهُ، ومِن مَنصِبِهِ أنْ يَشْفَعَ في كَبائِرِ الذُّنُوبِ.

﴿ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوّابًا رَحِيمًا ﴾ لَعَلِمُوهُ قابِلًا لِتَوْبَتِهِمْ مُتَفَضِّلًا عَلَيْهِمْ بِالرَّحْمَةِ، وإنْ فُسِّرَ وجَدَ بِصادَفَ كانَ تَوّابًا حالًا ورَحِيمًا بَدَلًا مِنهُ أوْ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ فِيهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ} أي رسولاً قط {لِيُطَاعَ بِإِذْنِ الله} بتوفيقه في طاعته وتيسيره أو بسبب إذن الله في طاعته وبأنه أمر المبعوث إليهم بأن يطيعوه لأنه مؤد عن الله فطاعته طاعة الله وَمَن يُطِعِ الرسول فقد أطاع الله {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ} بالتحاكم إلى الطاغوت {جاؤوك} تائبين من النفاق معتذرين عما ارتكبوا من الشقاق {فاستغفروا الله} من النفاق والشقاق {واستغفر لَهُمُ الرسول} بالشفاعة لهم والعامل في إذ ظلموا خير أن وهو جاءوك والمعنى ولو وقع مجيئهم في وقت ظلمهم مع استغفارهم واستغفار الرسول {لَوَجَدُواْ الله تَوَّاباً} لعلموه تواباً أي لتاب عليهم ولم يقل واستغفرت لهم وعدل عنه إلى طريقة الالتفات تفخيما لشأنه صلى الله عليه وسلم وتعظيماً لاستغفاره وتنبيهاً على أن شفاعة من اسمه الرسول من الله بمكان {رَّحِيماً} بهم قيل جاء أعرابي بعد دفنه عليه السلام فرمى بنفسه على قبره وحثا من ترابه على رأسه وقال يا رسول الله قلت فسمعنا وكان فيما أنزل عليك ولو أنهم إذ ظلموا

النساء (٦٥ _ ٦٩)

أنفسهم الآية وقد ظلمت نفسي وجئتك أستغفر الله من ذنبي فاستغفر لي من ربي فنودي من قبره قد غفر لك

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلا لِيُطاعَ بِإذْنِ اللَّهِ ﴾ تَمْهِيدٌ لِبَيانِ خَطَئِهِمْ بِاشْتِغالِهِمْ بِسَتْرِ نارِ جِنايَتِهِمْ بِهَشِيمِ اعْتِذارِهِمُ الباطِلِ، وعَدَمِ إطْفائِها بِماءِ التَّوْبَةِ، أيْ: وما أرْسَلْنا رَسُولًا مِنَ الرُّسُلِ لِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ إلّا لِيُطاعَ بِسَبَبِ إذْنِهِ تَعالى وأمْرِهِ المُرْسَلَ إلَيْهِمْ أنْ يُطِيعُوهُ؛ لِأنَّهُ مُؤَدٍّ عَنْهُ عَزَّ شَأْنُهُ، فَطاعَتُهُ طاعَتُهُ، ومَعْصِيَتُهُ مَعْصِيَتُهُ، أوْ بِتَيْسِيرِهِ وتَوْفِيقِهِ سُبْحانَهُ في طاعَتِهِ، ولا يَخْفى ما في العُدُولِ عَنِ الضَّمِيرِ إلى الِاسْمِ الجَلِيلِ.

واحْتَجَّ المُعْتَزِلَةُ بِالآيَةِ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يُرِيدُ إلّا الخَيْرَ، والشَّرُّ عَلى خِلافِ إرادَتِهِ، وأجابَ عَنْ ذَلِكَ صاحِبُ التَّيْسِيرِ بِأنَّ المَعْنى: إلّا لِيُطِيعَهُ مَن أذِنَ لَهُ في الطّاعَةِ وأرادَها مِنهُ، وأمّا مَن لَمْ يَأْذَنْ لَهُ فَيُرِيدُ عَدَمَ طاعَتِهِ، فَلِذا لا يُطِيعُهُ، ويَكُونُ كافِرًا، أوْ بِأنَّ المُرادَ إلْزامُ الطّاعَةِ، أيْ: وما أرْسَلَنا رَسُولًا إلّا لِإلْزامِ طاعَتِهِ النّاسَ لِيُثابَ مَنِ انْقادَ ويُعاقَبَ مَن سَلَكَ طَرِيقَ العِنادِ، فَلا تَنْتَهِضُ دَعْواهُمُ الِاحْتِجاجُ بِها عَلى مُدَعّاهم.

واحْتَجَّ بِها أيْضًا مَن أثْبَتَ الغَرَضَ في أفْعالِهِ تَعالى، وهو ظاهِرٌ، ولا يُمْكِنُ تَأْوِيلُ ذَلِكَ بِكَوْنِهِ غايَةً لا غَرَضًا؛ لِأنَّ طاعَةَ الجَمِيعِ لا تَتَرَتَّبُ عَلى الإرْسالِ إلّا أنْ يُقالَ: إنَّ الغايَةَ كَوْنُهُ مُطاعًا بِالإذْنِ لا لِلْكُلِّ؛ إذْ مَن لا إذْنَ لَهُ لا يُطِيعُ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في هَذِهِ المَسْألَةِ.

﴿ ولَوْ أنَّهم إذْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ ﴾ وعَرَّضُوها لِلْبَوارِ بِالنِّفاقِ، والتَّحاكُمِ إلى الطّاغُوتِ ﴿ جاءُوكَ ﴾ عَلى إثْرِ ظُلْمِهِمْ بِلا رَيْثٍ، مُتَوَسِّلِينَ بِكَ، تائِبِينَ عَنْ جِنايَتِهِمْ - غَيْرَ جامِعِينَ حَشَفًا وسُوءَ كِيلَةٍ - بِاعْتِذارِهِمُ الباطِلِ، وأيْمانِهِمُ الفاجِرَةِ ﴿ فاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ ﴾ لِذُنُوبِهِمْ، ونَزَعُوا عَمّا هم عَلَيْهِ ونَدِمُوا عَلى ما فَعَلُوا.

﴿ واسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ ﴾ وسَألَ اللَّهَ تَعالى أنْ يَقْبَلَ تَوْبَتَهُمْ، ويَغْفِرَ ذُنُوبَهُمْ، وفي التَّعْبِيرِ بِـ(اسْتَغْفَرَ) إلَخْ دُونَ (اسْتَغْفَرْتَ) تَفْخِيمٌ لِشَأْنِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - حَيْثُ عَدَلَ عَنْ خِطابِهِ إلى ما هو مِن عَظِيمِ صِفاتِهِ عَلى طَرِيقِ (حَكَمَ الأمِيرُ بِكَذا) مَكانَ (حَكَمْتَ)، وتَعْظِيمٌ لِاسْتِغْفارِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، حَيْثُ أسْنَدَهُ إلى لَفْظٍ مُنْبِئٍ عَنْ عُلُوِّ مَرْتَبَتِهِ.

﴿ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوّابًا رَحِيمًا ﴾ أيْ: لَعَلِمُوهُ قابِلًا لِتَوْبَتِهِمْ، مُتَفَضِّلًا عَلَيْهِمْ بِالتَّجاوُزِ عَمّا سَلَفَ مِن ذُنُوبِهِمْ، ومَن فَسَّرَ الوِجْدانَ بِالمُصادَفَةِ كانَ الوَصْفُ الأوَّلُ حالًا، والثّانِي بَدَلًا مِنهُ، أوْ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ فِيهِ أوْ مِثْلَهُ، وفي وضْعِ الِاسْمِ الجامِعِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ إيذانٌ بِفَخامَةِ القَبُولِ والرَّحْمَةِ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ ومن صلة فكأنه يقول: وما أرسلنا رسولاً إِلَّا لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ أي لكي يطاع بأمر الله.

ثم قال تعالى: وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ بصنعهم جاؤُكَ بالتوبة فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ لذنوبهم وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً أي متجاوزاً.

قوله تعالى: فَلا وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ كقول القائل: لا والله لا يؤمنون حَتَّى يُحَكِّمُوكَ حتى يقروا ويرضوا بحكمك يا محمد فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ أي فيما اختلفوا فيه.

ويقال: تشاجرا أي اختلفا.

ويقال: فيما التبس عليهم.

قال الفقيه: حدثنا الخليل بن أحمد، قال: حدثنا الديبلي، قال: حدّثنا أبو عبيد الله عن سفيان عن عمرو، عن رجل من ولد أم سلمة، عن أم سلمة أنها قالت: كان بين الزبير بن العوام وبين رجل خصومة، فقضى النبيّ  للزبير، فقال الرجل: إنما قضى له لأنه ابن عمته.

فأنزل الله تعالى فَلا وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ أي في قلوبهم حَرَجاً أي شكّاً مِمَّا قَضَيْتَ أنه الحق وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً أي ويخضعوا لأمرك في القضاء خضوعاً.

وقال الزجاج: تسليماً مصدر مؤكد، فإذا قلت ضربه ضرباً فكأنك قلت: لا شك فيه، كذلك وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً أي ويسلمون لحكمك تسليماً، لا يدخلون على أنفسهم شكّاً.

قوله تعالى: وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ يعني: لو فرضنا عليهم القتل أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ مَّا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ والقليل منهم: عمار بن ياسر، وابن مسعود، وثابت بن قيس، قالوا: لو أن الله تعالى أمرنا بأن نقتل أنفسنا أو نخرج من ديارنا لفعلنا، فقال النبيّ  : «الإيمانُ أثْبَتُ في قُلُوبِ الرِّجَالِ مِنَ الجِبالِ الرَّوَاسِي» قرأ ابن عامر إلا قليلاً منهم بالألف وهكذا في مصاحف أهل الشام.

وقرأ الباقون بغير الألف بالضم.

فمن قرأ بالضم فمعناه ما فعلوه، ويفعله قليل منهم على معنى الاستئناف.

ومن قرأ بالنصب على معنى أنه على خلاف الأول للاستثناء.

كقوله تعالى إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ [النساء: 98] .

ثم قال تعالى: وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ أي ما يؤمرون به لَكانَ خَيْراً لَهُمْ أي الثواب في الآخرة وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً أي تحقيقاً في الدنيا.

قوله تعالى وَإِذاً لَآتَيْناهُمْ يقول: حينئذٍ لأعطيناهم مِنْ لَدُنَّا أي من عندنا أَجْراً عَظِيماً في الآخرة يعني الجنة وَلَهَدَيْناهُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً أي ديناً قيماً يرضاه لهم.

قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله تعالى: أُولئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ: تكذيبٌ لهم وتوعُّد، أي:

فهو سبحانَهُ مجازيهم، فأَعْرِضْ عنهم، وعظْهم بالتَّخْوِيفِ مِنْ عذابِ اللَّه وغيره من المَوَاعظ.

وقوله سبحانه: وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ.

قال ص: أي: قل لهم خالياً بِهِمْ لأنَّ النُّصْح، إذا كان في السِّرِّ، كان أَنْجَحَ، أو: قُلْ لهم في حال أنفُسِهِمُ النَّجِسَةِ المنطويةِ على النِّفاق قولاً يَبْلُغُ منهم الزَّجْر عن العَوْد إلى ما فَعَلوا.

انتهى.

واختلف في «القَوْلِ البَلِيغِ» ، فقيل: هو الزجْرُ والردْعُ والكَفُّ بالبَلاَغَةِ من القَوْل، وقيل: هو التوعُّد بالقَتْل، إن استداموا حالة النِّفَاق قاله الحسن «١» ، وهذا أبْلَغُ ما يكون في نُفُوسهم، والبَلاَغَةُ مأخوذةٌ من بلوغ المراد بالقول.

وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً (٦٤)

وقوله تعالى: وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ: تنبيهٌ على جلالة الرُّسُل، أي: فأنْتَ، يا محمَّد، منهم تَجِبُ طاعَتُكَ، وتتعيّن إجابة الدعوة إليك، وبِإِذْنِ اللَّهِ:

معناه: بأمر الله، وظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ: أيْ: بالمعصيةِ، والنِّفَاق، وعن العتبيِّ، قال: كنت جالسا عند قبر النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فَجَاءَ أَعْرَابِيٌّ، فَقَالَ: السَّلاَمُ عَلَيْكَ، يَا رَسُولَ اللَّهِ، سَمِعْتُ اللَّهَ تعالى يَقُولُ: وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً، وقَدْ جِئْتُكَ مُسْتَعْفِياً مِنْ ذُنُوبِي، مُسْتَغْفِراً إلى رَبِّي، ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ: [البسيط]

يَا خَيْرَ مَنْ دُفِنَتْ بِالْقَاعِ أَعْظُمُهُ ...

فَطَابَ مِنْ طِيبِهِنَّ القَاعُ وَالأََكَمُ

نَفْسي الفِدَاءُ لِقَبْرٍ أَنْتَ سَاكِنُهُ ...

فِيهِ العَفَافُ، وَفِيهِ الجُودُ وَالكَرَمُ

قال: ثُمَّ انصرف، فَحَمَلَتْنِي عَيْنَايَ، فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ صلّى الله عليه وسلّم فِي النَّوْمِ، فَقَالَ لِي: «يَا عُتْبِيُّ:

الحق الأَعْرَابِيَّ، فَبَشِّرْهُ أنَّ اللَّهَ تعالى قَدْ غَفَرَ لَهُ» .

انتهى من «حلية النوويِّ» ، و «سُنَنِ الصَّالحين» للباجيِّ، وفيه: مُسْتَغْفِراً مِنْ ذُنُوبِي، مستشفعاً بك إلى ربّي.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلا لِيُطاعَ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: "مَن" دَخَلَتْ لِلتَّوْكِيدِ.

والمَعْنى: وما أرْسَلْنا رَسُولًا إلّا لِيُطاعَ.

وفي قَوْلِهِ ﴿ بِإذْنِ اللَّهِ ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ بِمَعْنى: الأمْرُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُ الأُذُنَ نَفْسَهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: إلّا لِيُطاعَ بِأنَّ اللَّهَ أذِنَ لَهُ في ذَلِكَ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْ أنَّهم إذْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ ﴾ يَرْجِعُ إلى المُتَحاكِمَيْنِ اللَّذَيْنِ سَبَقَ ذِكْرُهُما.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِسُخْطِهِمْ قَضاءَ الرَّسُولِ ﴿ جاءُوكَ فاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ ﴾ مِن صَنِيعِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَكَيْفَ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ ثُمَّ جاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللهِ إنْ أرَدْنا إلا إحْسانًا وتَوْفِيقًا ﴾ ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللهُ ما في قُلُوبِهِمْ فَأعْرِضْ عنهم وعِظْهم وقُلْ لَهم في أنْفُسِهِمْ قَوْلا بَلِيغًا ﴾ ﴿ وَما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلا لِيُطاعَ بِإذْنِ اللهِ ولَوْ أنَّهم إذْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم جاءُوكَ فاسْتَغْفَرُوا اللهِ واسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَسُولُ لَوَجَدُوا اللهِ تَوّابًا رَحِيمًا ﴾ قالَتْ فِرْقَةٌ: هي في المُنافِقِينَ الَّذِينَ احْتَكَمُوا حَسَبَ ما تَقَدَّمَ، فالمَعْنى: فَكَيْفَ بِهِمْ إذا عاقَبَهُمُ اللهُ بِهَذِهِ الذُنُوبِ بِنِقْمَةٍ مِنهُ؟

ثُمَّ حَلَفُوا إنْ أرَدْنا بِالِاحْتِكامِ إلى الطاغُوتِ إلّا تَوْفِيقَ الحُكْمِ وتَقْرِيبَهُ دُونَ مُرِّ الحُكْمِ وتَقَصِّي الحَقِّ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي في المُنافِقِينَ الَّذِينَ طَلَبُوا دَمَ الَّذِي قَتَلَهُ عُمَرُ، فالمَعْنى: فَكَيْفَ بِهِمْ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ في قَتْلِ قَرِيبِهِمْ ومِثْلِهِ مِن نِقَمِ اللهِ تَعالى؟

ثُمَّ إنَّهم حَلَفُوا ما أرادُوا بِطَلَبِ دَمِهِ إلّا إحْسانًا وحَقًّا، نَحا إلَيْهِ الزَجّاجُ.

ومَوْضِعُ "كَيْفَ" نَصْبٌ بِفِعْلٍ تَقْدِيرُهُ: فَكَيْفَ تَراهُمْ؟

ونَحْوُهُ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ مَوْضِعُها رَفْعًا، تَقْدِيرُهُ: فَكَيْفَ صَنِيعُهُمْ؟

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللهُ ما في قُلُوبِهِمْ ﴾ تَكْذِيبُ المُنافِقِينَ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهم وتَوَعُّدُهُمْ، أيْ: فَهو مُجازِيهِمْ بِما يَعْلَمُ.

و"فَأعْرِضْ عنهُمْ" يَعْنِي عن مُعاقَبَتِهِمْ، وعن شَغْلِ البالِ بِهِمْ، وعن قَبُولِ أيْمانِهِمُ الكاذِبَةِ في قَوْلِهِ "يَحْلِفُونَ"، ولَيْسَ بِالإعْراضِ الَّذِي هو القَطِيعَةُ والهَجْرُ، فَإنَّ قَوْلَهُ: "وَعِظْهُمْ" يَمْنَعُ مِن ذَلِكَ، و"وَعِظْهُمْ" مَعْناهُ بِالتَخْوِيفِ مِن عَذابِ اللهِ وغَيْرِهِ مِنَ المَواعِظِ.

والقَوْلُ البَلِيغُ اخْتُلِفَ فِيهِ، فَقِيلَ: هو الزَجْرُ والرَدْعُ والكَفُّ بِالبَلاغَةِ مِنَ القَوْلِ.

وقِيلَ: هو التَوَعُّدُ بِالقَتْلِ إنِ اسْتَدامُوا حالَةَ النِفاقِ، قالَهُ الحَسَنُ، وهَذا أبْلَغُ ما يَكُونُ في نُفُوسِهِمْ.

والبَلاغَةُ: مَأْخُوذَةٌ مِن بُلُوغِ المُرادِ بِالقَوْلِ، وحُكِيَ عن مُجاهِدٍ أنَّ قَوْلَهُ: "فِي أنْفُسِهِمْ" مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: "مُصِيبَةٌ" وهو مُؤَخَّرٌ بِمَعْنى التَقْدِيمِ، وهَذا ضَعِيفٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلا لِيُطاعَ بِإذْنِ اللهِ ﴾ تَنْبِيهٌ عَلى جَلالَةِ الرُسُلِ، أيْ: فَأنْتَ يا مُحَمَّدُ مِنهُمْ، تَجِبُ طاعَتُكَ، وتَتَعَيَّنُ إجابَةُ الدَعْوَةِ إلَيْكَ.

و"لِيُطاعَ" نُصِبَ بِلامِ "كَيْ"، و"بِإذْنِ اللهِ" مَعْناهُ: بِأمْرِ اللهِ، وحَسُنَتِ العِبارَةُ بِالإذْنِ، إذْ بِنَفْسِ الإرْسالِ تَجِبُ طاعَتُهُ وإنْ لَمْ يَنُصَّ أمْرٌ بِذَلِكَ.

ويَصِحُّ تَعَلُّقُ الباءِ مِن قَوْلِهِ: "بِإذْنِ" بِـ "أرْسَلْنا"، والمَعْنى: وما أرْسَلْنا بِأمْرِ اللهِ، أيْ: بِشَرِيعَتِهِ وعِبادَتِهِ مِن رَسُولٍ إلّا لِيُطاعَ، والأظْهَرُ تَعَلُّقُها بِـ "يُطاعَ"والمَعْنى: وما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلّا لِيُطاعَ بِأمْرِ اللهِ بِطاعَتِهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وعَلى التَعْلِيقَيْنِ فالكَلامُ عامُّ اللَفْظِ خاصُّ المَعْنى، لِأنّا نَقْطَعُ أنَّ اللهَ تَبارَكَ وتَعالى قَدْ أرادَ مِن بَعْضِ خَلْقِهِ ألّا يُطِيعُوا، ولِذَلِكَ خَرَّجَتْ طائِفَةٌ مَعْنى الإذْنِ إلى العِلْمِ، وطائِفَةٌ خَرَّجَتْهُ إلى الإرْشادِ لِقَوْمٍ دُونَ قَوْمٍ، وهَذا تَخْرِيجٌ حَسَنٌ، لِأنَّ اللهَ إذا عَلِمَ مِن أحَدٍ أنَّهُ يُؤْمِنُ، ووَفَّقَهُ لِذَلِكَ فَكَأنَّهُ أذِنَ لَهُ فِيهِ.

وحَقِيقَةُ الإذْنِ: التَمْكِينُ مَعَ العِلْمِ بِقَدْرِ ما مَكَّنَ مِنهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْ أنَّهم إذْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ ﴾ الآيَةُ، مَعْناهُ: بِالمَعْصِيَةِ والنِفاقِ ونَقْصِها حَظَّها مِنَ الإيمانِ، و"فاسْتَغْفَرُوا اللهَ" مَعْناهُ: طَلَبُوا مَغْفِرَتَهُ، وتابُوا إلَيْهِ.

و"تَوّابًا" مَعْناهُ: راجِعًا بِعِبادِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ الله ﴾ .

جملة معترضة في خلال الخبر عن قضية المنافق الذي تحاكم إلى الطاغوت.

وهو رجوع إلى الغرض الأوّل، وهو الإنحاء عليهم في إعراضهم عن التحاكم إلى الرسول، وأنّ إعراضهم ذلك مؤذن بنفاقهم: ببيان أنّ معنى الإيمان الرضا بحكم الرسول إذ ما جاء الرسول إلاّ ليُطاع فكيف يُعرض عنه.

وقوله: ﴿ بإذن الله ﴾ في موضع الحال من الضمير في (يطاع) أي متلبّساً في ذلك بإذن الله أي بأمره ووصايته، إذ لا تظهر فائدة الشرائع بدون امتثالها.

فمن الرسل من أطيع، ومنهم من عصي تارةٌ أو دائماً، وقد عصي موسى في مواقع، وعصى عيسى في معظم أمره، ولم يعصَ محمد من المؤمنين به المحقيّن إلاّ بتأوّل، مثل ما وقع في يوم أحُد إذ قال الله تعالى: ﴿ وعصيتم ﴾ [آل عمران: 152]، وإنّما هو عصيان بتأوّل، ولكنّه اعتبر عصياناً لكونه في الواقع مخالفة لأمر الرسول، ولذلك كان أكملُ مظاهر الرسالة تأييدَ الرسول بالسلطان، وكون السلطان في شخصه لكيلا يكون في حاجة إلى غيره، وإنّما تمّ هذا المظهر في رسالة محمد صلى الله عليه وسلم ولذلك وصف بأنّه نبيء الملاحم، وقد ابتدأت بوارق ذلك في رسالة موسى عليه السلام، ولم تستكمل، وكملت لمحمد صلى الله عليه وسلم قال تعالى: ﴿ لقد أرسلنا رسلنا بالبيّنات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسلَه بالغيب ﴾ [الحديد: 25] ولا أحسبه أراد برسله إلاّ رسوله محمداً عليه الصلاة والسلام وكان هو المراد من الجمع لأنّه الأكمل فيهم.

عطف على جملة ﴿ فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدّمت أيديهم ﴾ [النساء: 62] توبيخاً لهم على تحاكمهم إذ كان ذلك عصياناً على عصيان، فإنّهم ما كفاهم أن أعرضوا عن تحكيم الرسول حتّى زادوا فصدّوا عمّن قال لهم: تعالَوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول.

فلو أَستفاقوا حينئذٍ من غُلوائهم لعلموا أنّ إرادتهم أن يتحاكموا إلى الكفار والكهنة جريمة يجب الاستغفار منها ولكنّهم أصرّوا واستكبروا.

وفي ذكر (لو) وجعل ﴿ لوَجدوا الله تواباً رحيماً ﴾ جواباً لها إشارة إلى أنّهم لمّا لم يفعلوا فقد حُرموا الغفران.

وكان فعل هذا المنافق ظلماً لنفسه.

لأنّه أقحمها في معصية الله ومعصية الرسول، فجرّ لها عقاب الآخرة وعرضها لمصائب الانتقام في العاجلة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ﴾ ومَعْنى ﴿ شَجَرَ بَيْنَهُمْ ﴾ أيْ وقَعَ بَيْنَهم مِنَ المُشاجَرَةِ وهي المُنازَعَةُ والِاخْتِلافُ، سُمِّيَ ذَلِكَ مُشاجَرَةً، لِتَداخُلِ بَعْضِ الكَلامِ كَتَداخُلِ الشَّجَرِ بِالتِفافِها.

﴿ ثُمَّ لا يَجِدُوا في أنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمّا قَضَيْتَ ﴾ وفي الحَرَجِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي شَكًّا وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ.

والثّانِي: يَعْنِي إثْمًا، وهو قَوْلُ الضَّحّاكِ.

واخْتُلِفَ في سَبَبِ نُزُولِها عَلى قَوْلَيْنِ.

أحَدُهُما: أنَّها نَزَلَتْ في المُنافِقِ واليَهُودِيِّ اللَّذَيْنِ احْتَكَما إلى الطّاغُوتِ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ، والشَّعْبِيِّ.

والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في الزُّبَيْرِ ورَجُلٍ مِنَ الأنْصارِ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا، «تَخاصَما إلى رَسُولِ اللَّهِ  في شِراجٍ مِنَ الحَرَّةِ كانا يَسْقِيانِ بِهِ نَخْلًا، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ  : (اسْقِ يا زُبَيْرُ، ثُمَّ أرْسِلِ الماءَ إلى جارِكَ فَغَضِبَ الأنْصارِيُّ وقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، آنْ كانَ ابْنَ عَمَّتِكَ؟

فَتَلَوَّنَ وجْهُ رَسُولِ اللَّهِ  حَتّى عَرَفَ أنْ قَدْ ساءَهُ، ثُمَّ قالَ يا زُبَيْرُ: (احْبِسِ الماءَ إلى الجُدُرِ أوِ الكَعْبَيْنِ ثَمَّ خَلِّ سَبِيلَ الماءِ) فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ»، وهَذا قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، وعُرْوَةَ، وأُمِّ سَلَمَةَ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله ﴾ قال: واجب لهم أن يطيعهم من شاء الله لا يطيعهم أحد إلا بإذن الله.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم ﴾ الآية قال: هذا في الرجل اليهودي والرجل المسلم اللذين تحاكما إلى كعب بن الأشرف.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: الاستغفار على نحوين: أحدهما في القول، والآخر في العمل.

فأما استغفار القول فإن الله يقول ﴿ ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول ﴾ وأما استغفار العمل فإن الله يقول ﴿ وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون ﴾ [ الأنفال: 33] فعنى بذلك أن يعملوا عمل الغفران، ولقد علمت أن أناساً سيدخلون النار وهم يستغفرون الله بألسنتهم، ممن يدعي بالإسلام ومن سائر الملل.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ ﴾ الآية.

(من) دخلت مؤكدة، المعنى: وما أرسلنا رسولًا.

قاله الزجاج (١) وقوله تعالى: ﴿ إِلَّا لِيُطَاعَ ﴾ الذي اقتضى ذكر طاعة الرسول ههنا إعراض المنافقين الذين تحاكموا إلى الطاغوت.

ومعنى: ﴿ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ ﴾ قال الكلبي: بأمر الله (٢) يعني أن طاعة الرسول وجب (٣) (٤) وقال مجاهد: يطيعهم من شاء الله، ولا يطيعهم أحد إلا بإذن الله (٥) يريد أن الله قد بعث الرسل ليطاعوا، ولا يطيعهم إلا من شاء الله وأراد ذلك منه، وهذا خلاف مذهب القدرية.

ومحل قوله: ﴿ لِيُطَاعَ ﴾ نصب، لأن المعنى: وما أرسلنا رسولًا إلا مفروضًا له الطاعة (٦) وقوله تعالى: ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ﴾ قال ابن عباس: يريد بعصيانهم إياك وموالاتهم الكفار حتى يُحكِّموهم ويتحاكموا إليهم (٧) وقوله تعالى: ﴿ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ ﴾ قال: يريد نزعوا وتابوا إلى الله (٨) وقال الزجاج: المعنى في قوله: ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ﴾ إلى آخر الآية: ولو وقع مجيئهم في وقت ظلمهم أنفسهم مع استغفارهم ﴿ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا ﴾ (٩) (١) في "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 70، وانظر: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 430، "معاني القرآن" له 2/ 128.

(٢) انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 88، وقد ذكره غير واحد من المفسرين غير منسوب للكلبي.

انظر: "بحر العلوم" 1/ 365، "معالم التنزيل" 2/ 244.

(٣) لعل الصواب: "وجبت"، وانظر: "معالم التنزيل" 2/ 244.

(٤) انظر.: "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 70، "معاني القرآن" للنحاس 2/ 128، "معالم التنزيل" 2/ 244.

(٥) "تفسيره" 1/ 165، وأخرجه الطبري 5/ 157، وابن المنذر.

انظر: "الدر المنثور" 2/ 321.

(٦) انظر: "الدر المصون" 4/ 18.

(٧) ذكره المؤلف في "الوسيط" 2/ 606، دون نسبة لابن عباس، وذكره بمعناه ابن الجوزي في "زاد المسير" 2/ 123.

(٨) انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 88 (٩) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 70.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ فَكَيْفَ إِذَآ أصابتهم مُّصِيبَةٌ ﴾ الآية: أي كيف يكون حالهم إذا عاقبهم الله بذنوبهم ﴿ ثُمَّ جَآءُوكَ يَحْلِفُونَ بالله ﴾ يحتمل أن يكون هذا معطوفاً على ما قبله، أو يكون معطوفاً على قوله: يصدّون، ويكون قوله: فكيف إذا أصابتهم اعتراضاً ﴿ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ ﴾ أي عن معاقبتهم، وليس المراد بالإعراض القطيعة لقوله: ﴿ وَعِظْهُمْ ﴾ ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظلموا أَنْفُسَهُمْ ﴾ الآية: وعد بالمغفرة لمن استغفر، وفيه استدعاء للاستغفار والتوبة، ومعنى جاؤوك أتوك تائبين معتذرين من ذنوبهم، يطلبون أن تستغفر لهم الله ﴿ فَلاَ وَرَبِّكَ ﴾ لا هنا مؤكدة للنفي الذي بعدها ﴿ شَجَرَ بَيْنَهُمْ ﴾ أي اختلط واختلفوا فيه، ومعنى الآية: أنهم لا يؤمنون حتى يرضوا بحكم النبي صلى الله عليه وسلم، ونزلت بسبب المنافقين الذين تخاصموا، وقيل: بسبب خصام الزبير مع رجل من الأنصار في الماء وحكمها عام.

رضي الله عنR> <div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ أن اقتلوا ﴾ بكسر النون لالتقاء الساكنين: أبو عمرو وعاصم وحمزة وسهل ويعقوب.

الباقون: بالضم نقلاً لحركة همزة الوصل إلى ما قبلها ﴿ أو اخرجوا ﴾ بكسر الواو للساكنين: عاصم وسهل وحمزة.

الباقون: بالضم ﴿ إلاّ قليلاً ﴾ بالنصب: ابن عامر على أصل الاستثناء أو بمعنى إلاّ فعلاً أو أبوا إلاّ قليلاً.

الباقون: بالرفع على البدل وهو أكثر.

الوقوف: ﴿ إلى أهلها ﴾ لا لأن التقدير يأمركم أن تؤدوا وأن تحكموا بالعدل إذا حكمتم بين الناس.

﴿ بالعدل ﴾ ط ﴿ يعظكم به ﴾ ط ﴿ بصيراً ﴾ ه ﴿ منكم ﴾ ج لابتداء الشرط مع فاء التعقيب ﴿ واليوم الآخر ﴾ ط ﴿ تأويلاً ﴾ ه ﴿ أن يكفروا به ﴾ ج ﴿ بعيداً ﴾ ه ﴿ صدوداً ﴾ ه ج للآية مع فاء التعقيب ﴿ يحلفون ﴾ قد قيل على أن ما بعده ابتداء القسم والأولى تعليق الباء بيحلفون.

﴿ وتوفيقاً ﴾ ه ﴿ بليغاً ﴾ 5 ﴿ بإذن الله ﴾ ط ﴿ رحيماً ﴾ 5 ﴿ تسليماً ﴾ 5 ﴿ قليل منهم ﴾ ط ﴿ تثبيتاً ﴾ 5 لا ﴿ عظيماً ﴾ لا لأن ما بعده من تتمة جواب "لو".

﴿ مستقيماً ﴾ ه ﴿ والصالحين ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتفاق المعنى ﴿ رفيقاً ﴾ ه ﴿ من الله ﴾ ط ﴿ عليماً ﴾ ه.

التفسير: لما شرح بعض أحوال الكفار عاد إلى ذكر التكاليف.

وأيضاً لما حكى عن أهل الكتاب أنهم كتموا الحق وقالوا للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلاً، أمر المؤمنين في هذه الآية بأداء الأمانات في جميع الأمور، سواء كانت من باب المذاهب والديانات أو من باب الدنيا والمعاملات.

وأيضاً قد وعد في الآية السابقة الثواب العظيم على الأعمال الصالحات وكان من أجلها الأمانة فقال: ﴿ إنّ الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ﴾ روي "أن عثمان بن طلحة الحجبي من بني عبد الدار كان سادن الكعبة، فلما دخل النبي  مكة يوم الفتح أغلق عثمان باب البيت وصعد السطح، فطلب رسول الله  المفتاح فقيل له: إنه مع عثمان.

فطلب منه فأبى فقال: لو علمت أنه رسول الله  لم أمنعه.

فلوى علي بن أبي طالب  يده وأخذ منه المفتاح وفتح الباب، فدخل رسول الله  البيت وصلى ركعتين.

فلما خرج سأله العباس أن يعطيه المفتاح ويجمع له مع السقاية السدانة، فأراد النبي  أن يدفعه إلى العباس ثم قال: يا عثمان خذ المفتاح على أن للعباس معك نصيباً فأنزل الله هذه الآية.

فأمر رسول الله  علياً  أن يرد المفتاح إلى عثمان ويعتذر إليه، ففعل ذلك علي  فقال له عثمان: يا علي أكرهت وآذيت ثم جئت ترفق فقال: لقد أنزل الله في شأنك فقرأ عليه هذه الآية.

فقال عثمان: أشهد / أن لا إله إلاّ الله وأن محمداً رسول الله وأسلم.

فجاء جبريل عليه لاسلام وقال: ما دام هذا البيت كان المفتاح والسدانة في أولاد عثمان وقال: خذوها يا بني طلحة بأمانة الله لا ينزعها منكم إلاّ ظالم" .

ثم إنّ عثمان هاجر ودفع المفتاح إلى أخيه شيبة وهو اليوم في أيديهم.

ثم نزول الآية عند هذه القصة لا يوجب خصوصها بها ولكنها تعم جميع أنواع الأمانات.

فأولها الأمانة مع الرب  في كل ما أمر به ونهى عنه.

قال ابن مسعود: الأمانة في الكل لازمة، في الوضوء والجنابة والصلاة والزكاة والصوم.

وعن ابن عمر أنه  خلق فرج الإنسان وقال هذا أمانة خبأتها عندك فاحفظها إلاّ بحقها وهذا باب واسع.

فأمانة اللسان أن لا يستعمله في الكذب والغيبة والنميمة والكفر والبدعة والفحش وغيرها، وأمانة العين أن لا يستعمله في النظر إلى الحرام، وأمانة السمع أن لا يستعمله في سماع الملاهي والمناهي والفحش والأكاذيب، وكذا القول في سائر الأعضاء.

ثم الأمانة مع سائر الخلق ويدخل فيه رد الودائع وترك التطفيف ونشر عيوب الناس وإفشاء أسرارهم، ويدخل فيه عدل الأمراء مع الرعية والعلماء مع العوام بأن يرشدوهم إلى ما ينفعهم في دنياهم ودينهم ويمنعوهم عن العقائد الباطلة والأخلاق غير الفاضلة، وتشمل أمانة الزوجة للزوج في ماله وفي بضعها، وأمانة الزوج للزوجة في إيفاء حقوقها وحظوظها، وأمانة السيد للمملوك وبالعكس، وأمانة الجار للجار والصاحب للصاحب، ويدخل فيه نهي اليهود عن كتمان أمر محمد والأمانة مع نفسه بأن لا يختار لها إلا ما هو أنفع وأصلح في الدين وفي الدنيا، وأن لا يوقعها بسبب اللذات الفانية، في التبعات الدائمة.

وقد عظم الله  أمر الأمانة في مواضع من كتابه ﴿ إنا عرضنا الأمانة  ﴾ ﴿ والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون ﴾ } [المؤمنون:8] وقال  : " "ألا لا إيمان لمن لا أمانة له " والأمانة مصدر سمي به المفعول ولذلك جمع.

ثم لما أمر بأداء ما وجب لغيرك عليك أمر باستيفاء حقوق الناس بعضهم من بعض إذا كنت بصدد الحكم فقال: ﴿ وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل ﴾ وفي قوله: ﴿ وإذا حكمتم ﴾ تصريح بأنه ليس لجميع الناس أن يشرعوا في الحكم والقضاء.

وقد عدّ العلماء من شروط النيابة العامة: الإسلام والعقل والبلوغ والذكورة والحرية والعدالة والكفاية وأهلية الاجتهاد بأن يعرف ما يتعلق بالأحكام من كتاب الله وسنة رسوله.

ويعرف منهما العام والخاص والمطلق والمقيد والمجمل والمبين والناسخ والمنسوخ، ومن السنة المتواتر والآحاد والمسند والمرسل وحال الرواة، ويعرف أقاويل الصحابة ومن بعدهم إجماعاً وخلافاً، وجلي القياس وخفية وصحيحه وفاسده، ويعرف لسان العرب لغة وإعراباً خصوصاً وعموماً إلى غير ذلك مما له مدخل في استنباط الأحكام الشرعية من مداركها ومظانها.

وكفى بما في هذا المنصب من الخطر أنه منصب رسول الله  والخلفاء الراشدين / من بعده، فعلى المتصدي لذلك أن يتأدب بآدابهم ويتخلق بأخلاقهم وإلا فالويل له.

عن النبي  قال: "يجاء بالقاضي العادل يوم القيامة فيلقى من شدة الحساب ما يتمنى أنه لم يقض بين اثنين قط " وإذا كان حال العادل هكذا فما ظنك بالجائر؟

وعنه "ينادي مناد يوم القيامة أين الظلمة وأين أعوان الظلمة؟

فيجتمعون كلهم حتى من برى لهم قلماً أو لاق لهم دواة، فيجمعون ويلقون في النار" ﴿ إن الله نعماً يعظكم به ﴾ المخصوص بالمدح محذوف و "ما" موصولة أو مبهمة موصوفة والتقدير: نعم الذي أو نعم شيئاً يعظكم به ذلك المأمور من أداء الأمانات والحكم بالعدل ﴿ إنّ الله كان سميعاً بصيراً ﴾ يسمع كيف تحكمون ويبصر كيف تؤدون، وفيه أعظم أسباب الوعد للمطيع وأشد أصناف الوعيد للعاصي.

ثم إنه  أمر الرعاة بطاعة الولاة كما أمر الولاة في الآية المتقدمة بالشفقة على الرعاة فقال: ﴿ يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ﴾ الآية.

عن علي بن أبي طالب  : حق على الإمام أن يحكم بما أنزل الله ويؤدي الأمانة، فإذا فعل ذلك فحق على الرعية أن يسمعوا ويطيعوا.

قالت المعتزلة: الطاعة موافقة الإرادة.

وقالت الأشاعرة: الطاعة موافقة الأمر.

ولا نزاع أن موافقة الأمر طاعة إنما النزاع في أن المأمور به كإيمان أبي لهب هل يكون مراداً أم لا.

فعند الأشاعرة الأمر قد يوجد بدون الإرادة لئلا يلزم الجمع بين الضدين في تكليف أبي لهب مثلاً بالإيمان.

وعند المعتزلة لا يأمر إلا بما يريد والخلاف بين الفريقين مشهور.

قال في التفسير الكبير: هذه آية مشتملة على أكثر علم أصول الفقه لأن أصول الشريعة أربعة: الكتاب والسنة وأشار إليهما بقوله: ﴿ أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ﴾ وليس العطف للمغايرة الكلية، ولكن الكتاب يدل على أمر الله، ثم يعلم منه أمر الرسول لا محالة.

والسنة تدل على أمر الرسول ثم يعلم منه أمر الله.

والإجماع والقياس.

وأشير إلى الإجماع بقوله: ﴿ وأولي الأمر ﴾ لأنه  أمر بطاعتهم على سبيل الجزم.

ووجب أن يكون معصوماً لأن لو احتمل إقدامه على الخطا والخطأ منهي عنه لزم اعتبار اجتماع الأمر والنهي في الفعل الواحد وإنه محال.

ثم ذلك المعصوم إما مجموع الأمة أو بعضها على ما يقوله الشيعة من أن المراد بهم الأئمة المعصومون، أو على ما زعم بعضهم أنهم الخلفاء الراشدون، أو على ما روي عن سعيد بن جبير وابن عباس أنهم أمراء السرايا كعبدالله بن حذافة السهمي أو كخالد بن الوليد إذ بعثه رسول الله  في سرية وكان معه عمار بن ياسر فوقع بينهما خلاف فنزلت الآية.

أو على ما روي عن ابن عباس والحسن ومجاهد والضحاك أنهم العلماء الذين يفتون بالأحكام الشرعية ويعلمون الناس دينهم لكنه لا سبيل إلى الثاني.

أما ما زعمه الشيعة فلأنا نعلم بالضرورة أنا في زماننا هذا عاجزون عن معرفة / الإمام المعصوم والاستفادة منه، فلو وجب علينا طاعته على الإطلاق لزم تكليف ما لا يطاق ولو وجب علينا طاعته إذا صرنا عارفين به وبمذهبه صار هذا الإيجاب مشروطاً، وظاهر الآية يقتضي الإطلاق على أن طاعة الله وطاعة رسوله مطلقة.

فلو كانت هذه الطاعة مشروطة لزم أن تكون اللفظة الواحدة مطلقة ومشروطة معاً وهو باطل.

وأيضاً الإمام المعصوم عندهم في كل زمان واحد، ولفظ أولي الأمر جمع.

أيضاً إنه قال: ﴿ فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول ﴾ وعلى هذا ينبغي أن يقال: فردوه إلى الأمام.

وأما سائر الأقوال فلا نزاع في وجوه طاعتهم، لكنه إذا علم بالدليل أن طاعتهم حق وصواب.

وذلك الدليل ليس الكتاب والسنة فلا يكون هذا قسماً منفصلاً كما أن وجوب طاعة الزوجة للزوج والتلميذ للأستاذ داخل في طاعة الله وطاعة الرسول.

أما إذا حملناه على إجماع أهل الحل والعقد لم يكن هذا داخلاً فيما تقدم إذ الإجماع قد يدل على حكم لا يوجد في الكتاب والسنة.

وأيضاً قوله: ﴿ فإن تنازعتم في شيءٍ ﴾ مشعر بإجماع تقدم يخالف حكمه حكم التنازع.

وأيضاً طاعة الأمراء والخلفاء مشروطة بما إذا كانوا على الحق، وظاهر الآية يقتضي الإطلاق.

وإذا ثبت أن حمل الآية على هذه الوجوه غير مناسب تعين أن يكون ذلك المعصوم كل الأمة أي أهل الحل والعقد وأصحاب الاعتبار والآراء.

فالمراد بقوله: ﴿ وأولي الأمر ﴾ ما اجتمعت الأمة عليه وهو المدعى.

وأما القياس فذلك قوله: ﴿ فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول ﴾ إذ ليس المراد من رده إلى الله والرسول رده إلى الكتاب والسنة والإجماع وإلا كان تكراراً لما تقدم، ولا تفويض علمه إلى الله ورسوله والسكوت عنه لأن الواقعة ربما كانت لا تحتمل الإهمال وتفتقر إلى قطع مادة الشغب ولاخصومة فيها بنفي أو إثبات، ولا الإحالة على البراءة الأصلية فإنها معلومة بحكم العقل، فالرد إليها لا يكون رداً إلى الله والرسول فإذاً المراد ردها إلى الأحكام المنصوصة في الوقائع المشابهة لها وهذا معنى القياس، فحاصل الآية الخطاب لجميع المكلفين بطاعة الله، ثم لمن عدا الرسول بطاعة الرسول، ثم لما سوى أهل الحل والعقد بطاعتهم، ثم أمر أهل استنباط الأحكام من مداركها إن وقع اختلاف واشتباه بين الناس في حكم واقعة ما أن يستخرجوا لها وجهاً من نظائرها وأشباهها فما أحسن هذا الترتيب.

ثم في إطلاق الآية دلالة على أن الكتاب والسنة متقدمان على القياس مطلقاً سواء كان القياس جلياً أو خفياً، وأنه لا يجوز معارضة النص ولا تخصيصه بالقياس.

وقد اعتبر هذا الترتيب أيضاً في قصة معاذ واستحسنه رسول الله  ، وكيف لا والقرآن مقطوع في متنه والقياس مظنون والقرآن كلام لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والقياس نتيجة عقل الإنسان الذي هو عرضة الخطأ والنسيان.

وقد أجمع العلماء على أن إبليس خصص عموم الخطاب في قوله: ﴿ إذ قلنا / للملائكة اسجدوا  ﴾ بقياس هو قوله: ﴿ خلقتني من نار وخلقته من طين ﴾ {ص:76] فاستحق اللعن إلى يوم الدين.

والسر فيه أن تخصيص النص بالقياس يقدم القياس على النص وفيه ما فيه.

ثم إن كان الأمر للوجوب فقوله: ﴿ أطيعوا ﴾ يدل على وجوب الطاعة وإن كان للندب، فههنا يدل على الوجوب ظاهراً لأنه ختم الأوامر بقوله: ﴿ إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ﴾ وهو وعيد والظاهر أنه قيد في جميع الأوامر لا في قوله: ﴿ فردوه ﴾ وحده.

وأيضاً مجرد الندبية وهو أولوية الفعل معلوم من تلك الأوامر فلا بد للآية من فائدة خاصة، فيحمل على المنع من الترك ليحصل من المجموع معنى الوجوب.

ثم هذا الوجوب يكون دائماً إن كان الأمر للدوام والتكرار وكذا إن لم يكن غيره كذلك لأن الوقت المخصوص والكيفية المخصوصة غير مذكور.

فلو حملناه على العموم كانت الآية مبينة وإلا كانت مجملة، والمبين أولى من المجمل.

وأيضاً تخصيص اسم الله بالذكر يدل على أن وجوب الطاعة إنما هو لكونه إلهاً والإلهية دائمة فالوجوب دائم.

وإنما كرر لفظ ﴿ أطيعوا ﴾ للفصل بين اسم الله  وبين المخلوقين، ونعلم من إطلاق وجوب طاعة أولي الأمر أن الاجماع الحاصل عقيب الخلاف حجة وأنه لا يشترط انقراض العصر.

ومن إطلاق قوله: ﴿ فإن تنازعتم في شيء فردوه ﴾ أن القياس يجوز إجراؤه في الحدود والكفارات أيضاً.

والمراد بالتنازع قال الزجاج:هو الاختلاف وقول كل فريق القول قولي كأن كل واحد منهما ينزع الحق إلى جانبه ﴿ ذلك ﴾ الرد أو المأمور به في الآية ﴿ خير وأحسن تأويلاً ﴾ أي عاقبة من آل الشيء إذا رجع.

وقيل: الرد إلى الكتاب والسنة خير مما تأولون أنتم.

ثم إنه  لما أوجب على المكلفين طاعته وطاعة رسوله، وذكر أن المنافقين الذين في قلوبهم مرض لا يطيعون ولا يرضون بحكمه فقال: ﴿ ألم تر إلى الذين يزعمون ﴾ الآية.

قال الليث: قولهم زعم فلان معناه لا نعرف أنه صدق أو كذب ومنه زعموا مطية الكذب.

وقال ابن الأعرابي: الزعم قد يستعمل في القول المحقق لكن المراد في الآية الكذب بالاتفاق.

قال أبو مسلم: ظاهرالآية يدل على أن الزاعم كان منافقاً من أهل الكتاب مثل أن يكون يهودياً أظهر الإسلام على سبيل النفاق، لأن قوله  : ﴿ يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك ﴾ إنما يليق بمثل هذا المنافق.

أما سبب النزول ففيه وجوه.

والذي عليه أكثر المفسرين ما رواه الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس "أن رجلاً من المنافقين يسمى بشراً خاصم يهودياً فدعاه اليهودي إلى النبي  وقال المنافق: بيني وبينك كعب بن الأشرف.

وذلك أن اليهودي كان محقاً وكان النبي  لا يقضي إلا بالحق لجلالة منصبه عن قبول الرشوة، وكان كعب يبطل الحقوق بالرشا، فما زال اليهودي بالمنافق حتى ذهبا إلى رسول الله  فقضى لليهودي.

فلما خرجا من عنده لزمه المنافق وقال: ننطلق إلى عمر بن الخطاب.

فأقبلا إلى عمر فقال اليهودي: اختصمت أنا وهذا إلى محمد فقضى لي عليه فلم يرض بقضائه وزعم أنه يخاصم إليك وتعلق بي فجئت معه.

فقال عمر للمنافق: أكذلك؟

قال: نعم.

فقال لهما: مكانكما حتى أخرج إليكما، فدخل عمر فاشتمل على سيفه ثم خرج فضرب به عنق المنافق حتى برد ثم قال: هكذا أقضي لمن لم يرض بقضاء الله ورسوله وهرب اليهودي فنزلت الآية.

وقال جبريل: إن عمر فرق بين الحق والباطل فقال له رسول الله  : أنت الفاروق" .

وعلى هذا الطاغوت كعب بن الأشرف.

وقال السدي: "كان ناس من اليهود أسلموا ونافق بعضهم، وكانت قريظة والنضير في الجاهلية إذا قتل قرظي نضيرياً قتل به وأخذ ديته مائة وسق من تمر، وإذا كان بالعكس لم يقتل به وأعطى ديته ستين وسقاً من تمر.

وكانت النضير حلفاء الأوس وكانوا أكثر وأشرف من قريضة وهم حلفاء الخزرج.

فقتل نضيري قرظياً واختصموا في ذلك.

فقال بنو النضير: لا قصاص علينا إنما علينا ستون وسقاً من تمر على ما اصطلحنا عليه.

وقالت الخزرج: هذا حكم الجاهلية ونحن وأنتم اليوم إخوة وديننا واحد ولا فضل بيننا.

فقال المنافقون: انطلقوا إلى أبي برزة الكاهن الأسلمي.

وقال المسلمون: لا بل إلى النبي  فأبى المنافقون فانطلقوا إلى أبي برزة ليحكم بينهم فقال: أعظموا اللقمة - يعني الرشوة - فقالوا: لك عشرة أوسق.

فقال: لا بل مائة وسق ديتي فإني أخاف إن نفرت النضيري قتلتني قريضة، وإن نفرت القرظي قتلتني النضير.

فأبوا أن يعطوه فوق عشرة أوسق وأبى أن يحكم بينهم فأنزل الله هذه الآية.

فدعا النبي  كاهن أسلم إلى الإسلام فأبى وانصرف فقال النبي  لابنيه: أدركا أباكما فإنه إن جاز عقبة كذا لم يسلم أبداً فأدركاه فلم يزالا به حتى انصرف وأسلم وأمر النبي  منادياً فنادى: ألا إن كاهن أسلم قد أسلم" .

وعلى هذا القول الطاغوت هو الكاهن.

وقال الحسن: إنّ رجلاً من المسلمين كان له على رجل من المنافقين حق، فدعاه المنافق إلى وثن كان أهل الجاهلية يتحاكمون إليه ورجل قائم يترجم الأباطيل عن الوثن، فالطاغوت ذلك الرجل.

وقيل: كانوا يتحاكمون إلى الوثن يضربون القداح بحضرته، فما خرج على القداح عملوا به فالطاغوت هو الوثن.

ثم إن الطاغوت أي شيء كان من الأشياء المذكورة فإنه  جعل التحاكم إليه مقابلاً للكفر به، لكن الكفر به إيمان بالله وبرسوله فيكون نصاً في تكفير من لم يرض بقضاء رسول الله  تشككاً أو تمرداً ويؤكده قوله بعد ذلك: ﴿ فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك ﴾ الآية.

ومن هنا ذهب كثير من الصحابة إلى الحكم بارتداد مانعي الزكاة وقتلهم وسبى ذراريهم.

ثم قال: ﴿ ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالاً بعيداً ﴾ / فاحتجت المعتزلة به على أن كفر الكافر ليس بخلق الله وإلا لم يتوجه الذم على الشيطان ولم يحصل التعجب والتعجيب فإن لقائل أن يقول: إنما فعلوا لأجل أنك خلقت ذلك الفعل فيهم وأردته منهم بل التعجب من هذا التعجب أولى وقد عرفت الجواب مراراً.

قوله: ﴿ فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم ﴾ فيه وجهان: أحدهما - وهو قول الحسن واختاره الواحدي - أنه جملة معترضة وأصل النظم ﴿ وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدوداً ﴾ ﴿ ثم جاؤك ﴾ يعني أنهم في أول الأمر يصدون عنك أشد الصدود ثم بعد ذلك يجيؤونك ويحلفون كذباً على أنهم ما أرادوا بذلك الصد إلا الإحسان والتوفيق.

ووجه الاعتراض أنه حكى عنهم التحاكم إلى الطاغوت وأنهم يصدون، ثم أتبعها ما يدل على شدة أحوالهم بسبب أعمالهم القبيحة في الدنيا والآخرة.

والثاني أنه متصل بما قبله لا على وجه الاعتراض والمعنى أنه إذا كانت نفرتهم من الحضور عند الرسول في أوقات السلامة هكذا فكيف تكون نفرتهم إذا أتوا بجناية خافوا بسببها منك ثم جاؤك كراهاً يحلفون بالله على سبيل الكذب ما أردنا بتلك الجناية إلا الخير والمصلحة؟

أما المصيبة فقيل: إنها قتل عمر صاحبهم فإنهم جاؤوا وطلبوا بدمه وحلفوا أنهم ما أرادوا بالذهاب إلى غير الرسول إلا الصلاح وهو اختيار الزجاج.

وقال الجبائي: هي ما أمر الله رسوله بها من أنه لا يستصحبهم في الغزوات ويخصهم بمزيد الإذلال، والمعنى ثم جاؤك في وقت المصيبة يحلفون ويعتذرون ما أردنا بما كان منا من مواساة الكفار إلا إصلاح الحال.

وقال أبو مسلم: إنه  بشر رسوله أن المنافقين سيصيبهم مصائب تلجئهم إليه وإلى أن يظهروا الأيمان.

ومن عادة العرب عند التبشير والإنذار أن يقولوا: كيف أنت إذا كان كذا.

ومعنى الإحسان والتوفيق ما أردنا بالتحاكم إلى غير الرسول إلا إحساناً بين الخصوم وائتلافاً بينهم فإنهم لا يقدرون عند الرسول أن يرفعوا أصواتهم ويبينوا حججهم، أو ما أردنا بالتحاكم إلى عمر إلا أن يحسن إلى صاحبنا بالحكم العدل والتوفيق بينه وبين خصمه، وما خطر ببالنا أنه يحكم بما حكم به، وعلى هذا لا يبقى للحلف مناسبة ظاهرة.

أو ما أردنا بالتحاكم إلى غيرك يا رسول الله إلا أنك لا تحكم إلا بالحق المرّ وغيرك يدورعلى التوسط ويأمر كل واحد من الخصمين بالإحسان إلى الآخر وتقريب مراده من مراد صاحبه حتى تحصل بينهم الموافقة.

ثم أخبر الله  بما في ضمائرهم من الدغل والنفاق فقال: ﴿ أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم ﴾ وذلك أن من أراد المبالغة في شيء قال هذا شيء لا يعلمه إلا الله يعني أنه لكثرته وعظم حاله لا يقدر أحد على معرفته إلا هو.

ثم علّم نبيه كيف يعاملهم فأمره بثلاثة / أشياء: الأول الإعراض عنهم والمراد به أنه لا يقبل منهم ذلك العذر ويستمر على السخط، أو أنه لا يهتك سترهم ولا يظهر لهم أنه عالم بكنه ما في بواطنهم من النفاق لما فيه من حسن العشرة والحذر من آثار الفتنة.

الثاني أن يعظهم فيزجرهم عن النفاق بالتخويف من عذاب الدارين.

الثالث قوله: ﴿ وقل لهم في أنفسهم قولاً بليغاً ﴾ وفيه وجوه: أحدها أن في الآية تقديماً وتأخيراً.

والمعنى قل لهم قولاً بليغاً في أنفسهم مؤثراً في قلوبهم يغتمون به اغتماماً ويستشعرون منه الخوف.

الثاني وقل لهم في معنى أنفسهم الخبيثة وقلوبهم المطوية على النفاق قولاً بليغاً هو أن الله يعلم ما في قلوبكم فلن يغني عنكم الإخفاء، فطهروا قلوبكم عن دنس النفاق وإلا فسينزل الله بكم ما أنزل بالمجاهرين بالشرك أو شراً من ذلك وأغلظ.

الثالث قل لهم في أنفسهم خالياً بهم مساراً لهم بالنصيحة فإن النصح بين الملأ تقريع وفي السر أنفع وأنجع، قولاً يؤثر فيهم.

وقيل: القول البليغ يتعلق بالوعظ وهو أن يكون كلاماً حسناً وجيز المباني غزير المعاني يدخل الأذن بلا إذن، مشتملاً على الترغيب والترهيب والإعذار والإنذار.

ثم رغب مرة أخرة في طاعة الرسول فقال: ﴿ وما أرسلنا من رسول ﴾ أكثر النحاة على أن "من" صلة تفيد تأكيد النفي والتقدير: وما أرسلنا رسولاً.

وقيل: المفعول محذوف والتقيدير: وما أرسلنا من هذا الجنس أحداً.

قال الجبائي: هذه الآية من أقوى الدلائل على بطلان مذهب المجبرة لكونها صريحة في أن معصية الناس غير مرادة لله  .

والجواب أن إرسال الرسل لأجل الطاعة لا ينافي كون المعصية مرادة لله تعالى، على أن قوله: ﴿ بإذن الله ﴾ أي بتيسيره وتوفيقه وإعانته يدل على أن الكل بقضائه وقدره، وكذا لو كان المراد بسبب إذن الله في طاعة الرسول.

قيل: في الآية دلالة على أنه لا رسول إلا ومعه شريعة فإنه لو دعا إلى شرع من قبله لكان المطاع هو ذلك المتقدم،وفيها دلالة على أن الرسل معصومون عن المعاصي وإلا لم يجب اتباعهم في جميع أقوالهم وأفعالهم ﴿ ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم ﴾ بالتحاكم إلى الطاغوت ﴿ جاؤك ﴾ تائبين عن النفاق متنصلين عما ارتكبوا ﴿ فاستغفروا الله ﴾ من رد قضاء رسوله ﴿ واستغفر لهم الرسول ﴾ انتصب شفيعاً لهم إلى الله بعد اعتذارهم إليه من إيذائه برد قضائه ﴿ لوجدوا الله ﴾ لعلموه ﴿ تواباً رحيماً ﴾ ولم يقل: "واستغفرت لهم" لما في الالتفات عن الخطاب إلى ذكر الرسول تنبيه على أن شفاعة من اسمه الرسول من الله بمكان، فالآية على هذا التفسير من تمام ما قبلها.

وقال أبو بكر الأصم: "نزلت في قوم من المنافقين اصطلحوا على كيد في حق رسول الله  فدخلوا عليه لذلك الغرض فأتاه جبريل فأخبره به فقال  : إن قوماً دخلوا يريدون أمراً لا ينالونه فليقوموا فليستغفروا الله حتى أستغفر لهم فلم يقوموا.

فقال: ألا يقومون فلم يفعلوا فقال  : قم يا فلان حتى عدّ اثني عشر رجلاً منهم فقاموا وقالوا: كنا عزمنا على ما قلت / ونحن نتوب إلى الله من ظلمنا أنفسنا فاستغفر لنا.

فقال: الآن اخرجوا أنا كنت في بدء الأمر أقرب إلى الاستغفار وكان الله أقرب إلى الإجابة.

اخرجوا عني" .

﴿ فلا وربك لا يؤمنون ﴾ عن عطاء ومجاهد والشعبي أنها من تمام قصة اليهودي والمنافق.

وعن الزهري عن عروة بن الزبير "أنها نزلت في شأن الزبير وحاطب بن أبي بلتعة وذلك أنهما اختصما إلى رسول الله  في شراج من الحرة، والشرج مسيل الماء كانا يسقيان بها النخل فقال: اسق يا زبير ثم أرسل الماء إلى جارك.

فغضب حاطب.

وقال: إن كان ابن عمتك؟

وذلك أن أم الزبير صفية بنت عبد المطلب.

فتغير وجه رسول الله  ثم قال: اسق يا زبير ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر" يعني الجدار الذي يحيط بالمزرعة وهو أصغر من الجدار "واستوف حقك ثم أرسله إلى جارك" .

واعلم أن الحكم في هذا أن من كانت أرضه أقرب إلى فم الوادي فهو أولى بأول الماء وحقه تمام السقي.

والرسول  أذن للزبير في السقي على وجه المسامحة، فلما أساء خصمه الأدب ولم يعرف حق ما أمره به الرسول  من المسامحة لأجله أمره باستيفاء حقه وحمل خصمه على مر الحق.

وفي قوله: ﴿ فلا وربك ﴾ قولان: أحدهما أن "لا" صلة لتأكيد معنى القسم والتقدير فوربك.

والثاني أنها مفيدة وعلى هذا ففيه وجهان: الأول أنه يفيد نفي أمر سبق والتقدير ليس الأمر كما يزعمون أنهم آمنوا وهم يخالفون حكمك ثم استأنف القسم بقوله: ﴿ وربك لا يؤمنون ﴾ .

الثاني أنها لتوكيد النفي الذي جاء في الجواب، وهذا الوجه لا يتمشى فيما إذا كان الجواب مثبتاً.

ومعنى شجر اختلف واختلط ومنه الشجر لتداخل أغصانه، والتشاجر التنازع لاختلاط كلام بعضهم ببعض، والحرج الضيق أو الشك لأن الشاك في ضيق من أمره حتى يلوح له اليقين ﴿ ويسلموا ﴾ وينقادوا.

يقال: سلم لأمر الله أي سلم نفسه له وجعلها خالصة لحكمه ومن التعليمية من تمسك بالآية في أنه لا يحصل الإيمان إلا بإرشاد النبي  وهدايته والنزول على حكمه وقضائه في كل أمر ديني، ومنع بأن معرفة النبوة موقوفة على معرفة الإله فلو توقفت معرفة الإله على معرفة النبوة لزم الدور فإذن الحكم غير كلي والتقليد في جميع الأحكام غير مرضي.

واعلم أن الرضا بتحكيم الرسول  قد يكون رضا في الظاهر دون القلب فلهذا قال: ﴿ ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ﴾ وهو الجزم بأن ما حكم به الرسول الله  هو الحق والصدق، ثم من عرف بقلبه كون ذلك الحكم حقاً وصدقاً فقد يتمرد عن قبوله على سبيل العناد أو يتوقف في ذلك القبول فعدم الحرج إشارة إلى الانقياد في الباطن والتسليم إشارة إلى الانقياد في الظاهر.

وفي الآية دليل على عصمة الأنبياء عن الخطأ في الفتاوى والأحكام، وعلى أنه لا يجوز تخصيص النص بالقياس وإلاّ كان في النفس حرج.

قالت المعتزلة: لو كانت المعاصي بقضاء الله  لزم التناقض لأن الرضا بقضائه واجب فالرضا بالمعاصي واجب، / لكن الرسول قد نهى عنها فيجب أن يحصل الرضا في تركها ويلزم الرضا بالفعل والترك معاً وهو محال.

وأجيب بأن المراد من قضاء الله التكوين والإيجاد.

فالرضا بقضائه أن يعتقد كون الكل بإيجاده، والمراد من الرضا بقضاء الرسول أن يلتزم ما حكم به ويتلقى بالبشر والقبول فأين ذاك من هذا.

قوله: ﴿ ولو أنا كتبنا عليهم ﴾ "روي أن حاطباً لما أحفظ رسول الله  فاستوعب للزبير حقه في صريح الحكم خرجا فمرا على المقداد فقال: لمن كان القضاء؟

فقال حاطب: قضى لابن عمته ولوى شدقه ففطن يهودي كان مع المقداد فقال: قاتل الله هؤلاء يشهدون أنه رسول الله  ثم يتهمونه في قضاء يقضي بينهم، وأيم الله لقد أذنبنا ذنباً مرة في حياة موسى فدعانا إلى التوبة منه وقال: اقتلوا أنفسكم ففعلنا فبلغ قتلانا سبعين ألفاً في طاعة ربنا حتى رضي عنا.

فقال ثابت بن قيس بن شماس: أما والله إن الله ليعلم مني الصدق لو أمرني محمد أن أقتل نفسي لقتلتها، وكذا قال ابن مسعود وعمار بن ياسر.

فقال رسول الله  : والذي نفسي بيده إن من أمتي رجالاً الإيمان أثبت في قلوبهم من الجبال الرواسي" .

وروي عن عمر بن الخطاب أنه قال: والله لو أمرنا ربنا لفعلنا والحمد الله الذي لم يفعل بنا ذلك ونزلت الآية.

فالضمير في قوله: ﴿ عليهم ﴾ يعود إلى الناس والمراد بالقليل المؤمنون منهم.

عن ابن عباس ومجاهد أنه يعود إلى المنافقين والمراد أنا لو كتبنا القتل والخروج عن الوطن على هؤلاء المنافقين ما فعله إلاّ قليل منهم رياء وسمعة وحينئذٍ يصعب الأمر عليهم وينكشف كفرهم، فإن لم نفعل بهم ذلك بل كلفناهم بالأشياء السهلة فليتركوا النفاق وليلزموا الإخلاص ﴿ ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به ﴾ من الانقياد والطاعة لله ولرسوله.

وسمى التكليف وعظاً لاقترانه بالوعد والوعيد والترغيب والترهيب ﴿ لكان خيراً لهم ﴾ أي أنفع وأفضل من غيره أو خير الدنيا والآخرة لأن ﴿ خيراً ﴾ يستعمل بالوجهين جميعاً.

﴿ وأشد تثبيتاً ﴾ أقرب إلى ثباتهم على الإيمان والطاعة لأن الطاعة تدعو إلى أمثالها وتجر إلى المواظبة عليها، ولأنه حق والحق ثابت والباطل زائل.

وأيضاً الإنسان يطلب الخير أولاً فإذا حصل يطلب ثباته ودوامه.

ثم بين أن ما يوعظون به كما هو خير في نفسه فهو أيضاً مستعقب للخير فقال: ﴿ وإذاً لآتيناهم من لدنا أجراً عظيماً ﴾ وثواباً جزيلاً.

"وإذاً" جواب لسؤال مقدر كأنه قيل: ما يكون لهم بعد الخير والتثبيت؟

فقيل: هو أن نؤتيهم من لدنا أجراً عظيماً.

وفي إيراد صيغة التعظيم في ﴿ آتينا ﴾ و ﴿ لدنا ﴾ وفي قوله: ﴿ من لدنا ﴾ وفي وصف الأجر بالعظم وفي تنكير الأجر من المبالغة ما لا يخفى.

والصراط المستقيم الدين الحق أو الطريق من عرصة القيامة إلى الجنة وهذا أولى لأنه مذكور بعد استحقاق الأجر.

ثم أكد أمر / الطاعة بقوله: ﴿ ومن يطع الله والرسول ﴾ ولا شك أن الآية عامة في جميع المكلفين إلاّ أن المفسرين ذكروا في سبب نزولها وجوهاً.

قال الكلبي: "نزلت في ثوبان مولى رسول الله  وكان شديد الحب له قليل الصبر عنه فأتاه ذات يوم وقد تغير لونه ونحل جسمه يعرف في وجهه الحزن.

فقال له: يا ثوبان ما غيّر لونك؟

فقال: يا رسول الله ما بي مرض ولا وجع غير أني إذا لم أرك اشتقت إليك واستوحشت وحشة شديدة حتى ألقاك، ثم ذكرت الآخرة فأخاف أن لا أراك هناك لأني أعرف أنك ترفع مع النبيين وأني إن أدخلت الجنة كنت في منزلة أدنى من منزلتك، وإن لم أدخل الجنة فذاك حريّ أن لا أراك أبداً" .

وقال مقاتل: "نزلت في رجل من الأنصار قال للنبي  : إذا خرجنا من عندك إلى أهالينا اشتقنا إليك فما ينفعنا شيء حتى نرجع إليك، ثم ذكرت درجتك في الجنة فكيف لنا برؤيتك إن دخلنا الجنة فأنزل الله هذه الآية.

فلما توفي النبي  أتى الأنصاري ولده وهو في حديقة له فأخبره بموت النبي  فقال: اللهم أعمني حتى لا أرى شيئاً بعده فعمي مكانه" .

وقال السدي: "إن ناساً من الأنصار قالوا: يا رسول الله إنك تسكن الجنة في أعلاها ونحن نشتاق إليك فكيف نصنع" فنزلت.

وليس المراد من كون المطيعين مع المذكورين في الاية أن كلهم في درجة واحدة فإن ذلك يقتضي التسوية بين الفاضل والمفضول وإنه محال، ولكن المراد كونهم في الجنة بحيث يتمكن كل واحد منهم من رؤية الآخر وإن بعد المكان لأن الحجاب إذا زال شاهد بعضهم بعضاً، أو إذا أرادوا الزيارة والتلاقي قدروا على ذلك.

والتحقيق فيه أن عالم الأنوار لا تمانع فيها ولا تدافع بل ينعكس بعضها على بعض ويتقوى بعضها ببعض كالمرايا المجلوة المتقابلة.

﴿ إخواناً على سرر متقابلين  ﴾ .

ثم إنه  ذكر أصنافاً أربعة: النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ولا شك في تغايرها متداخلة كانت أو متباينة.

والمراد بالتداخل أن لا يمتنع كون كل مقام متقدم موصوفاً بما يتلوه كأن يكون النبي  صديقاً وشهيداً وصالحاً، أو الصديق شهيداً وصالحاً، وقد مر تفسير النبي  في أوائل البقرة، وأما الصديق فمبالغة الصادق وهو من غلب على أقواله الصدق وإنه لخصلة مرضية في جميع الأديان ومحققة للنطق الذي هو من مقومات الإنسان، وكفى به منقبة أن الإيمان ليس إلا التصديق، وكفى بنقيضه مذمة أن الكفر ليس سوى التكذيب.

وذكر المفسرون أكثرهم أن الصديقين في الآية كل من صدق بكل الدين لا يتخالجه فيه شك لقوله  : ﴿ والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون  ﴾ وقال قوم: هم أفاضل أصحاب النبي  وخصصه بعضهم بمن سبق إلى تصديق الرسول فصار في ذلك قدوة الناس كأبي بكر وعلي وأمثالهما، ولا واسطة بين الصديق والنبي ولذلك قال في هذه الآية: ﴿ مع النبيين / والصديقين ﴾ وفي صفة إبراهيم ﴿ إنه كان صديقاً نبياً  ﴾ يعني أنك إن ترقيت من الصديقين وصلت إلى النبوة وإن نزلت من النبوة وصلت إليهم.

وأما الشهداء فالمراد ههنا أعم من المقتولين بسيف الكفار من المسلمين: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله  : "ما تعدون الشهيد فيكم؟

قالوا: يا رسول من قتل في سبيل الله.

قال: إن شهداء أمتي إذاً لقليل.

من قتل في سبيل الله فهو شهيد، ومن مات في الطاعون فهو شهيد، ومن مات بالبطن فهو شهيد" .

وفي رواية "ومن مات بجمع فهو شهيد" وقيل: هو الذي يشهد لصحة دين الله تارة بالحجة واليان وأخرى بالسيف والسنان.

وأقول: لا يبعد أيضاً أن يدخل كل هذه الأمة في الشهداء لقوله  : ﴿ وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس  ﴾ .

وأما الصالحون فالصالح هو الذي صلح في اعتقاده وفي عمله وهذه مرتبة لا ينبغي أن تنحط عنها مرتبة المؤمن.

ثم قال في معرض التعجب ﴿ وحسن أولئك رفيقاً ﴾ كأنه قيل: وما أحسن أولئك.

والرفيق كالصديق والخليط في استواء الواحد والجمع فيه وانتصابه على الحال، ويجوز أن يكون مفرداً بيّن به الجنس في باب التمييز.

وقيل: معناه حسن كل واحد منهم رفيقاً كما قال ﴿ يخرجكم طفلاً  ﴾ والرفق في اللغة لين الجانب ولطافة الفعل فسمي الصاحب رفيقاً لارتفاقك به وتصحيبه، ومن الرفقة في السفر لارتفاق بعضهم ببعض.

وقد يكون الإنسان مع غيره ولا يكون رفيقاً له فبيّن الله  أن الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين يكونون كالرفقاء للمطيع من شدة محبتهم له وسرورهم برؤيته.

﴿ ذلك ﴾ مبتدأ و ﴿ الفضل ﴾ صفته و ﴿ من الله ﴾ خبره، أو ﴿ ذلك ﴾ مبتدأ و ﴿ الفضل من الله ﴾ خبره.

قالت المعتزلة: ذلك إشارة إلى الأجر العظيم ومرافقة المنعم عليهم من الأنبياء وهذا شيء تفضل الله به عليهم تبعاً لثوابهم الواجب على الله.

أو أراد أن فضل المنعم عليهم ومزيتهم من الله لأنهم اكتسبوه بتمكينه وتوفيقه ولولا أنه أعطى العقل والقدرة وأزاح الأحذار والموانع لم يتمكن المكلف من فعل الطاعة فصار ذلك بمنزلة من وهب غيره ثوباً لينتفع به فإذا باعه وانتفع بثمنه جاز أن يوصف ذلك الثمن بأنه فضل من الواهب.

وقال أهل السنة: ذلك إشارة إلى جميع ما تقدم ولا يجب على الله شيء ألبتة بل الثواب كله فضل من الله، وكيف يجب عليه شيء وإنه هو الذي خلق القدرة والداعية؟

وأيضاً الوجوب عبارة عن استحقاق الذم عند الترك وأنه ينافي الإلهية.

وأيضاً كل ما فرض من الطاعات فإنه في مقابلة النعم السالفة التي لا تعدّ ولا تحصى فيمتنع كونها موجبة الثواب في المستقبل.

معنى الآية أن ذلك الثواب بكمال درجته كأنه هو الفضل وما عداه غير معتمد / عليه وذلك الثواب المذكور هو من الله لا من غيره.

﴿ وكفى بالله عليماً ﴾ بالطاعة وكيفية الثواب عليها، وفيه ترغيب للمكلف على إكمال الطاعة والاحتراز عن التقصير فيه.

التأويل: الوجود المجازي أمانة من الله  كما أنّ وجود الظل أمانة من الشمس فلا جرم إذا تجلت شمس الربوبية لظلال وجود النفس والقلب والروح يقول بلسان العزة: ﴿ إنّ الله يأمركم أن تؤدّوا الأمانات إلى اهلها ﴾ فتلاشت الظلال واضمحلّت الأغيار وانمحت الآثار وبقي الواحد القهار، وهذا أحد أسرار قوله: ﴿ ولله يسجد من في السموات والأرض طوعاً وكرهاً وظلالهم بالغدو والآصال  ﴾ .

﴿ وإذا حكمتم ﴾ بعد فناء الوجود المجازي وبقاء الوجود الحقيقي بين الروح والقلب والنفس أن تحكموا بآداب الطريقة فيراقب القلب شواهد اللقاء ويلازم الروح عقبة الفناء والسر وارد سلطان البقاء ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ الخطاب مع القلب والروح والسر فإنهم آمنوا على الحقيقة، وطاعة القلب لله أن يحب الله وحده، وطاعة الروح أن لا يلتفت إلى غيره، وطاعة السر أن لا يرى غيره في الوجود.

أما الرسول فهو الرسول الوارد من الحق في الباطن كما قال  لوابصة بن معبد : "استفت قلبك يا وابصة ولو أفتاك المفتون" .

﴿ وأولي الأمر منكم ﴾ يعني مشايخكم ومن بيده أمر تربيتكم.

﴿ فإن تنازعتم في شيء ﴾ يعني منازعة النفس القلب والروح والسر فردوه إلى الكتاب والسنة أو يريد منازعة القلب فيما يحكم به الكتاب والسنّة نزاعاً من قصور الفهم والدراية ﴿ فردوه إلى الله ﴾ لمراقبة القلوب بشواهد الغيوب ﴿ وإلى رسول ﴾ وارد الحق بصدق النية وصفاء الطوية ذلك الإيمان الإيقاني بشهود النور الرباني خير من تعلم الكتاب والسنة بالتقليد دون التحقيق.

ثم يخبر عن حال أهل القال المتحاكمين إلى طاغوت الهوى والخبال من أهل البدع والضلال بقوله: ﴿ ألم تر إلى الذين يزعمون ﴾ الآية.

أصابتهم مصيبة ملامة من الخلق أو سياسة من السلطان.

﴿ فلا وربك لا يؤمنون ﴾ فيه أن الإيمان الحقيقي ليس بمجرد التصديق والإقرار ولكنه سيضرب على محك الاعتبار وهو تحكيم الشرع لا الطبع والنبوة لا البنوة والمولى لا الهوى ووارد الحق لا موارد الخلق فيما اختلفت آراؤهم وتحيّرت عقولهم ﴿ ثم لا يجدوا ﴾ ﴿ في ﴾ مرآة ﴿ أنفسهم ﴾ صورة كراهة من القضاء الأزلي والأحكام الإلهية.

والصديقين الذين لهم قدم صدق عند ربهم، والشهداء أهل الجهاد الأكبر، والصالحين الذين لهم صلوح الولاية ﴿ وحسن أولئك رفيقاً ﴾ في سلوك طريق الحق والله المستعان.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ ٱللَّهِ...

﴾ \[الآية\].

يحتمل قوله -  -: ﴿ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ﴾ وجوهاً.

قيل: ﴿ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ﴾ أي: بمشيئة الله.

وقيل: ﴿ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ﴾ أي: بأمر الله.

وقيل: ﴿ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ﴾ أي: بعلم الله.

ومن قال: ﴿ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ﴾ ، بمشيئة الله؛ أي: من أطاع الرسول  إنما يطيعه بمشيئته، وكذلك من عصاه إنما يعصيه بمشيئته، من أطاعه أو عصاه فإنما ذلك كله بمشيئة الله.

ومن تأول: ﴿ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ﴾ العلم، يقول: إنه يعلم من يطيعه ومن يعصيه، أي: كل ذلك إنما يكون بعلمه، لا عن غفلة منه وسهو، كصنيع ملوك الأرض أن ما يستقبلهم من العصيان والخلاف إنما يستقبلهم [لغفلة] منهم وسهو بالعواقب، فأما الله -  وتعالى - إذا بعث رسلا بعث على علم منه بالطاعة لهم وبالمعصية، لكنه بعثهم لما لا ينفعه طاعة أحد؛ ولا يضره معصية أحد، فإنما ضرّ ذلك عليهم، ونفعه لهم.

ثم قالت المعتزلة في قوله -  -: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ ﴾ : أخبر أنه ما أرسل الرسل إلا لتطاع، ومن الرسل من لم يطع؛ كيف لا تبينتم أن من الفعل ما قد أراد - عز وجل - أن يفعل، وأن يكون، ولكن لم يكن على ما أخبر أنه ما أرسل من رسول إلا ليطاع.

ثم من قد كان من الرسل ولم يطع.

قيل: هو ما ذكر في آخره: ﴿ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ﴾ أي: بمشيئة الله، فمن شاء من الرسل أن يطاع فقد أطيع، ومن شاء ألا يطاع، فلم يطع، وكذلك من علم أنه يطاع فأرسله ليطاع فأطيع، ومن علم أنه لا يطاع فلم يطع، ومن أرسل أن يطاع بأمر ليكون عليه الأمر فذلك مستقيم، ومن أرسل ليطاع بالأمر فلا يجوز ألا يطاع.

وقوله - أيضاً -: ﴿ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ﴾ .

قيل فيه: بأمر الله، وقد مرّ بيانه.

وقيل: ليطاع بمشيئة الله؛ فيطيعه كل من شاء الله.

وقيل: بعلم الله، فهو فيمن يعلم أنه يطيعه؛ إذ لا يجوز أن يعلم الطاعة ممن لا يكون.

والمعتزلة في هذا: أنه أخبر [أنه] أرسل ليطاع، ولم يطعه الكل ما يبعد أن يكون أراد ليطاع وإن كان لا يطيعه الكل.

فقلنا: إذا قال: ﴿ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ﴾ ، والإذن يتوجه إلى ما ذكرت؛ فعلى ما ذكرت كان ليطاع ممن يطيعه لا غير؛ فحصل الأمر على الدعوى، وهو كقوله -  -: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ  ﴾ ومعلوم أن الصغار منهم لا يعبدون، فخرج الخبر إلى الخصوص بالوجود، لا أن كان في كل أمر؛ فعلى ذلك أمر الإرادة فيمن وجد؛ لا أنه في كل على أنه فيه بعلم، وهو يرجع إلى بعض دون الكل، فمثله الإذن على إرادة المشيئة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ ﴾ .

أي: علموا أن حاصل ظلمهم راجع إليهم؛ لأن الظلم هو وضع الشيء في غير موضعه، وهم وضعوا أنفسهم في غير موضعها، فإذا لم يعرفوا أنفسهم لم يعرفوا خالقها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ جَآءُوكَ فَٱسْتَغْفَرُواْ ٱللَّهَ ﴾ .

أي: جاءوك مسلمين، تائبين عن التحاكم إلى غيرك، راضين بقضائك، نادمين على ما كان منهم، ﴿ وَٱسْتَغْفَرَ لَهُمُ ٱلرَّسُولُ ﴾ أي: تشفع لهم الرسول، ﴿ لَوَجَدُواْ ٱللَّهَ تَوَّاباً رَّحِيماً ﴾ أي: قابلا لتوبتهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ .

قيل: قوله: ﴿ فَلاَ ﴾ صلة، وكذلك في كل قسم أقسم به؛ كقوله  : ﴿ لاَ أُقْسِمُ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ  ﴾ ﴿ لاَ أُقْسِمُ بِيَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ  ﴾ ونحوه، كله صلة، كأنه قال: أقسم وربك لا يؤمنون.

وقيل: قوله: ﴿ فَلاَ وَرَبِّكَ ﴾ ليس هو على الصلة، ولكن يقال ذلك على نفي ما تقدم من الكلام وإنكاره؛ كقول الرجل: لا والله، هو ابتداء الكلام، ولكن على نفي ما تقدم من الكلام، فعلى ذلك هذا.

وفيه دلالة تفضيل [رسولنا] محمد  على غيره من البشر؛ لأن الإضافة إذا خرجت إلى واحد تخرج مخرج التعظيم لذلك الواحد، والتخصيص له، وإذا كانت إلى جماعة تعظيماً له؛ كقوله: ﴿ وَأَنَّ ٱلْمَسَاجِدَ لِلَّهِ  ﴾ ، وقوله: ﴿ لَّهُ مَا فِي ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ  ﴾ ، ونحوه.

وقوله -  -: ﴿ فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ﴾ كان رسول الله  حاكماً وإن لم يحكموه، ليس معناه - والله أعلم -: ﴿ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ﴾ أي: حتى يرضوا بحكمك [وقضائك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ﴾ .

أي: اختلفوا بينهم وتنازعوا.

وقوله - عز وجل -: {ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ] فِيۤ أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ}.

قيل ضيقاً.

وقيل: شكّاً مما قضيت بينهم أنه حق.

وقيل: إثماً.

ثم في الآية دلالة أن الإيمان يكون بالقلب؛ لأنه قال -  -: ﴿ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِيۤ أَنْفُسِهِمْ ﴾ أي: في قلوبهم؛ ألا ترى أنه قال الله -  - في آية أخرى: ﴿ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً  ﴾ ذكر ضيق الصدر، وذكر ضيق الأنفس، وهو واحد؛ ألا ترى أنه قال [الله - عز وجل -] في آية أخرى: ﴿ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ  ﴾ فهذه الآيات ترد على الكرامية قولهم [؛ لأن الله -  - قال: ﴿ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِيۤ أَنْفُسِهِمْ ﴾ وهم يقولون: بل يؤمنون]، فيقال لهم: أنتم أعلم أم الله؟!.

ثم قيل: إن الآية نزلت في اليهودي والمنافق اللذين تنازعا، فتحاكما إلى الطاغوت.

وقيل: "نزلت في شأن رجل من الأنصار والزبير بن العوام كان بينهما تشاجر في الماء، فارتفعا إلى النبي  ، فقال للزبير: اسْقِ، ثُمَّ أَرْسِلِ المَاءَ إِلَى جَارِكَ، فغضب ذلك الرجل، فنزلت الآية ﴿ فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ...

﴾ " الآية.

ولا ندري كيف كانت القصّة؟

وفيم كانت؟.

ثم روي عن رسول الله  في بعض الأخبار أنه قال: "لاَ يُؤْمِنُ أَحَدٌ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ نَفْسِهِ، وَأَهْلِهِ، وَوَلَدِهِ، وَمَالِهِ، وَالنَّاسِ جَمِيعاً" وقيل في قوله -  -: ﴿ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِيۤ أَنْفُسِهِمْ ﴾ أي: في قلوبهم ﴿ حَرَجاً ﴾ أي: شكّاً ﴿ مِّمَّا قَضَيْتَ ﴾ أنه هو الحق ﴿ وَيُسَلِّمُواْ ﴾ لقضائك لهم وعليهم ﴿ تَسْلِيماً ﴾ .

وفي قوله -  -: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ ﴾ قيل: تأويله: أنه ما أرسل رسولا في الأمم السالفة إلا ليطيعوه، فكيف تركتم أنتم طاعة الرسول الذي أرسل إليكم.

وقوله -  -: ﴿ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ﴾ ما أرسل الله رسولا إلا وقد أمرهم أن يطيعوه، لكن منهم من قد أطاعه، ومنهم من لم يطع.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وما أرسلنا من رسول إلا لأجل أن يُطاع فيما يأمر به بمشيئة الله وتقديره، ولو أنهم حين ظلموا أنفسهم بارتكاب المعاصي جاؤوك -أيها الرسول- في حياتك مُقِرِّين بما ارتكبوه نادمين تائبين، وطلبوا المغفرة من الله، وطلبتَ المغفرة لهم؛ لوجدوا الله توابًا عليهم رحيمًا بهم.

<div class="verse-tafsir" id="91.jP8za"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

بعد ما بين تعالى ما ينبغي للرسول مع أولئك المنافقين قال: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ  ﴾ فهذا كالدليل على استحقاق أولئك المنافقين للمقت لأنهم لم يرضوا بحكم الرسول  .

يقول إننا أرسلنا هذا الرسول على حكمتنا وسنتنا في الرسل قبله، وإننا لا نرسلهم إلا ليطاعوا بإذن الله تعالى، فمن صدر عنهم وخرج عن طاعتهم أو رغبة عن حكمهم كان خارجًا هم حكمنا وسنتنا فيهم مرتكبًا أكبر الآثام في ذلك.

وقوله: ﴿ بِإذْنِ اللَّهِ  ﴾ للاحتراس، لأن الطاعة في الحقيقة لله تعالى، فهذا القيد من قيود القرآن المحكمة الذاهبة بظنون من يظنون أن الرسول يطاع لذاته بلا شرط ولا قيد، فهو  يقول: إن الطاعة الذاتية ليست إلا لله تعالى رب الناس وخالقهم، وقد أمر أن تطاع رسله فطاعتهم واجبة بإذنه وإيجابه.

﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا  ﴾ .

إنه تعالى سمى ترك طاعة الرسول ظلمًا للأنفس أي إفسادًا لمصلحتها لأن الرسول هاد إلى مصالح الناس في دنياهم وآخرتهم، وهذا الظلم يشمل الاعتداء والبغي والتحاكم إلى الطاغوت وغير ذلك.

والاستغفار هو الإقبال على الله وعزم التائب على اجتناب الذنب وعدم العودة إليه مع الصدق والإخلاص لله في ذلك.

وأما الاستغفار باللسان عقب الذنب من دون هذا التوجه القلبي فليس استغفارًا حقيقيًا.

إنكم تعلمون أن مشاركة الناس بعضهم لبعض في الدعاء مسنونة، وأن من سننه تعالى أن يتقبل من الجماعة بأسرع مما يتقبل من الواحد، فدعاء الجماعة أرجى للإجابة وإن كان كل داع موعودًا بالاستجابة.

وحقية الدعاء إظهار العبودية والخضوع له تعالى، والإجابة التي وعد بها هي الإثابة وحسن الجزاء، فمتى أخلص الداعي أجاب الله دعاءه سواء كان بإعطائه ما طلب أو بغير ذلك من الأجر والثواب، وإنما كانت المشاركة في الدعاء أرجى للقبول لأن الداعين الكثيرين لشخص يؤدون هذه العبادة بسببه أي أن ذنبه يكون هو السبب في شعورهم وإحساسهم كلهم بالحاجة إلى الله تعالى والخضوع له والاتحاد المرضي عنده فكأن حاجته حاجتهم كلهم، فإذا كان الرسول  هو الداعي والمستغفر لأولئك التائبين من ظلمهم لأنفسهم مع استغفارهم هم فذلك من اشتراك قلبه الشريف مع قلوبهم بالحاجة إلى تطهير الله لهم من دنس الذنب، وطلب النجاة من عقوبته وناهيك بقرب الرسول  من ربه والرجاء في استجابة دعائه.

وأما اشتراط استغفار الرسول إلى استغفارهم فمعناه أن توبتهم لا تتحقق إلا إذا رضي عن توبتهم رضاء كاملًا بحيث يشعر قلبه الرحيم بالمؤمنين بحاجتهم إلى المغفرة لصحة توبتهم وإخلاصهم، فذنبهم ذلك لا يغفر إلا بضم استغفار  إلى استغفارهم وليس كل ذنب كذلك، بل يكتفي في سائر الذنوب بتوبة العبد المذنب حيث كان والإخلاص لله تعالى.

﴿ فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا  ﴾ تقريع على ما سبقه وهو نفي وإبطال لظن الظانين أنهم بمجرد محافظتهم على أحكام الدين الظاهرة يكونون صحيحي الإيمان، مستحقين للنجاة من عذاب الآخرة وللفوز بثوابها، لا وربك لا يكونون مؤمنين حتى يكونوا موقنين في قلوبهم مذعنين في بواطنهم، ولا يكونون كذلك حتى يحكموك فيما شجر واختلط بينهم من الحقوق، ثم بعد أن تحكم بينهم لا يجدوا في أنفسهم الضيق الذي يحصل للمحكوم عليه إذا لم يكن خاضعًا للحكم من قلبه، فإن الحرج إنما يلازم قلب من لم يخضع، ذلك بأن المؤمن لا ينازع أحدًا في شيء إلا بما عنده من شبهة الحق فإذا كان كل من الخصمين يرضى بالحق متى عرفه وزالت الشبهة عنه كما هو شأن المؤمن فحكم الرسول يرضيهما ظاهرًا وباطنًا لأنه أعدل من يحكم بالحق.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
الله أكبر