الإسلام > القرآن > سور > سورة 4 النساء > الآية ٨٧ من سورة النساء
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 90 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٨٧ من سورة النساء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله : ( الله لا إله إلا هو ) إخبار بتوحيده وتفرده بالإلهية لجميع المخلوقات ، وتضمن قسما ، لقوله : ( ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه ) وهذه اللام موطئة للقسم ، فقوله : ( الله لا إله إلا هو ) خبر وقسم أنه سيجمع الأولين والآخرين في صعيد واحد فيجازي كل عامل بعمله .
وقوله تعالى : ( ومن أصدق من الله حديثا ) أي : لا أحد أصدق منه في حديثه وخبره ، ووعده ووعيده ، فلا إله إلا هو ، ولا رب سواه .
القول في تأويل قوله : اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا (87) قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: " الله لا إله إلا هو ليجمعنكم "، المعبود الذي لا تنبغي العبودية إلا له، (1) هو الذي له عبادة كل شيء وطاعة كل طائع.
(2) * * * وقوله: " ليجمعنكم إلى يوم القيامة "، يقول: ليبعثنَّكم من بعد مماتكم، وليحشرنكم جميعًا إلى موقف الحساب الذي يجازي الناس فيه بأعمالهم، ويقضي فيه بين أهل طاعته ومعصيته، وأهل الإيمان به والكفر (3) =" لا ريب فيه "، (4) يقول: لا شك في حقيقة ما أقول لكم من ذلك وأخبركم من خبري: أنّي جامعكم إلى يوم القيامة بعد مماتكم (5) =" ومن أصدق من الله حديثًا "، يعني بذلك: فاعلموا حقيقة ما أخبركم من الخبر، فإني جامعكم إلى يوم القيامة للجزاء والعرض والحساب والثواب والعقاب يقينًا، فلا تشكوا في صحته ولا تمتروا في حقيقته، (6) فإن قولي الصدق الذي لا كذب فيه، ووعدي الصدق الذي لا خُلْف له-" ومن أصدق من الله حديثًا "، يقول: وأي ناطق أصدق من الله حديثًا؟
وذلك أن الكاذب إنما يكذب ليجتلب بكذبه إلى نفسه نفعًا، أو يدفع به عنها ضرًّا.
والله تعالى ذكره خالق الضر والنفع، فغير جائز أن يكون منه كذب، لأنه لا يدعوه إلى اجتلاب نفع إلى نفسه أو دفع ضر عنها [داعٍ.
وما من أحدٍ لا يدعوه داعٍ إلى اجتلاب نفع إلى نفسه، أو دفع ضر عنها]، سواه تعالى ذكره، (7) فيجوز أن يكون له في استحالة الكذب منه نظيرًا، [فقال]: " ومن أصدق من الله حديثًا "، وخبرًا.
---------------- الهوامش : (1) انظر ما كتب عن"العبودة" فيما سلف 6: 271 ، تعليق: 1 404 ، تعليق 2 / 549 ، تعليق: 2 / 565 ، تعليق: 2.
(2) انظر تفسير"لا إله إلا هو" فيما سلف 6: 149.
(3) انظر تفسير"القيامة" فيما سلف 2: 518.
(4) انظر تفسير"لا ريب فيه" 1: 228 ، 378 / 6: 221 ، 294 ، 295.
(5) في المطبوعة: "أي جامعكم" ، أساء قراءة المخطوطة.
(6) في المطبوعة: "في حقيته" ، وأثبت ما في المخطوطة.
(7) زدت ما بين القوسين على ما جاء في المطبوعة ، لأنه حق الكلام.
فإن أبا جعفر قدم الحجة الأولى في الجملة السابقة ، للبيان عن استحالة الكذب على الله سبحانه وتعالى.
ثم أتبع ذلك بالبيان عن معنى استعمال التفضيل في قوله تعالى: "ومن أصدق من الله حديثًا" ، وبين أنه ليس لله سبحانه وتعالى نظير في ذلك.
وكان في المطبوعة ، كما أثبته ، خلا ما بين القوسين وهو كلام غير مستقيم.
أما المخطوطة ، فقد كان فيها ما نصه: "لأنه لا يدعوه إلى اجتلاب نفع ولا دفع ضر عن نفسه أو دفع ضر عنها؛ سواه تعالى ذكره ، فيجوز أن يكون..." وهو كلام مختلط دال على إسقاط الناسخ من كلام أبي جعفر.
فاجتهدت في وضع هذه الزيادة التي أثبتها ، ليستقيم الكلام على وجه يصح.
وزدت أيضًا"فقال" بين قوسين ، لحاجة الكلام إليها.
اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْابتداء وخبر .واللام في قول " ليجمعنكم " لام القسم ; نزلت في الذين شكوا في البعث فأقسم الله تعالى بنفسه .وكل لام بعدها نون مشددة فهو لام القسم .ومعناه في الموت وتحت الأرضإِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِوقال بعضهم : " إلى " صلة في الكلام , معناه ليجمعنكم يوم القيامة .وسميت القيامة قيامة لأن الناس يقومون فيه لرب العالمين جل وعز ; قال الله تعالى : " ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم .يوم يقوم الناس لرب العالمين " [ المطففين : 4 - 6 ] .وقيل : سمي يوم القيامة لأن الناس يقومون من قبورهم إليها ; قال الله تعالى : " يوم يخرجون من الأجداث سراعا " [ المعارج : 43 ] وأصل القيامة الواو .وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًانصب على البيان , والمعنى لا أحد أصدق من الله .وقرأ حمزة والكسائي " ومن أزدق " بالزاي .الباقون : بالصاد , وأصله الصاد إلا أن لقرب مخرجها جعل مكانها زاي .
يخبر تعالى عن انفراده بالوحدانية وأنه لا معبود ولا مألوه إلا هو، لكماله في ذاته وأوصافه ولكونه المنفرد بالخلق والتدبير، والنعم الظاهرة والباطنة.
وذلك يستلزم الأمر بعبادته والتقرب إليه بجميع أنواع العبودية.
لكونه المستحق لذلك وحده والمجازي للعباد بما قاموا به من عبوديته أو تركوه منها، ولذلك أقسم على وقوع محل الجزاء وهو يوم القيامة، فقال: { لَيَجْمَعَنَّكُمْ } أي: أولكم وآخِركم في مقام واحد.
في { يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ } أي: لا شك ولا شبهة بوجه من الوجوه، بالدليل العقلي والدليل السمعي، فالدليل العقلي ما نشاهده من إحياء الأرض بعد موتها، ومن وجود النشأة الأولى التي وقوع الثانية أَوْلى منها بالإمكان، ومن الحكمة التي تجزم بأن الله لم يخلق خلقه عبثًا، يحيون ثم يموتون.
وأما الدليل السمعي فهو إخبار أصدق الصادقين بذلك، بل إقسامه عليه ولهذا قال: { وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا } كذلك أمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقسم عليه في غير موضع من القرآن، كقوله تعالى: { زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ } وفي قوله: { وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا } { وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا } إخبار بأن حديثه وأخباره وأقواله في أعلى مراتب الصدق، بل أعلاها.
فكل ما قيل في العقائد [والعلوم] والأعمال مما يناقض ما أخبر الله به، فهو باطل لمناقضته للخبر الصادق اليقين، فلا يمكن أن يكون حقًّا.
قوله تعالى : ( الله لا إله إلا هو ليجمعنكم ) اللام لام القسم تقديره : والله ليجمعنكم في الموت وفي القبور ، ( إلى يوم القيامة ) وسميت القيامة قيامة لأن الناس يقومون من قبورهم ، قال الله تعالى : يوم يخرجون من الأجداث سراعا ( المعارج - 43 ) وقيل : لقيامهم إلى الحساب ، قال الله تعالى : " يوم يقوم الناس لرب العالمين " ، ( المطففين - 6 ( ومن أصدق من الله حديثا ) أي : قولا ووعدا ، وقرأ حمزة والكسائي ( أصدق ) صاد ساكنة بعدها دال بإشمام الزاي .
«الله لا إله إلا هو» والله «ليجمعنكم» من قبوركم «إلى» في «يوم القيامة لا ريب» لا شك «فيه ومن» أي لا أحد «أصدق من الله حديثا» قولا.
الله وحده المتفرد بالألوهية لجميع الخلق، ليجمعنكم يوم القيامة، الذي لا شك فيه، للحساب والجزاء.
ولا أحد أصدق من الله حديثًا فيما أخبر به.
ثم بين - سبحانه - أن مصير العبادة جميعاً إليه يوم القيامة فقال - تعالى - ( الله لا إله إِلاَّ هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إلى يَوْمِ القيامة لاَ رَيْبَ فِيهِ ) .أى : الله الواحد الأحد الفرد الصمد والذى لا معبود بحق سواه ، كتب على نفسه أنه ليبعثنكم من قبوركم وليحشرنكم إلى الحساب فى يوم القيامة الذى لا شك فى حصوله ووقوعه .
فالجملة الكريمة قررت أن العبادة الحق إنما هى لله رب العالمين ، كما قررت أن يوم الحساب آت لا شك فيه مهما أنكره الملحدون ، ومارى فيه الممارون .ولفظ الجلالة مبتدأ ، وجملة ( لا إله إِلاَّ هُوَ ) خبر .
وقوله ( لَيَجْمَعَنَّكُمْ ) جواب قسم محذوف .
أى والله ليحشرنكم من قبوركم للحساب يوم القيامة .والجملة القسمية إما مستأنفة لا محل لها من الإِعراب ، أو هى خبر ثان للمبتدأ أو هى الخبر وجملة لا إله إلا له معترضة .وقوله ( لاَ رَيْبَ ) فى محل نصب على الحال من يوم إذ الضمير فى قوله ( فيه ) يعود إلى اليوم .
ويجوز أن يكون فى محل نصب على أنه نعت لمصدر محذوف دل عليه ليجمعنكم أى : ليجمعنكم جمعا لا ريب فيه .والاستفهام فى قوله - تعالى - ( وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ الله حَدِيثاً ) للإِنكار والنفى أى : لا يوجد فى هذا الوجود من هو أصدق من الله - تعالى فى حديثه وخبره ووعده ووعيده ، وذلك لأن الكذب قبيح ، والله - تعالى - منزه عن كل قبيح .
ولأن الكاذب إنما يكذب لجر منفعة ، أو لدفع مضرة ، أو لجهله بقبح الكذب .
.
والله - تعالى - غنى عن كل شئ ، وقدير على كل شئ وخالق لكل شئ ، ومن كان كذلك لا يصدر عنه كذب وإنما يصدر عنه كل حق وصدق وعدل .
في الآية مسائل: المسألة الأولى: في كيفية النظم وجهان: الأول: أنا بينا أن المقصود من قوله: ﴿ وَإِذَا حُيّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا ﴾ أن لا يصير الرجل المسلم مقتولا، ثم إنه تعالى أكد ذلك بالوعيد في قوله: ﴿ إِنَّ الله كَانَ على كُلّ شَيء حَسِيباً ﴾ ثم بالغ في تأكيد ذلك الوعيد بهذه الآية، فبين في هذه الآية أن التوحيد والعدل متلازمان، فقوله: ﴿ لاَ إله إِلاَّ هُوَ ﴾ إشارة إلى التوحيد، وقوله: ﴿ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إلى يَوْمِ القيامة ﴾ إشارة إلى العدل، وهو كقوله: ﴿ شَهِدَ الله أَنَّهُ لا إله إِلاَّ هُوَ والملائكة وَأُوْلُواْ العلم قَائِمَاً بالقسط ﴾ وكقوله في طه: ﴿ إِنَّنِى أَنَا الله لا إله إِلا أَنَاْ فاعبدنى وَأَقِمِ الصلاة لِذِكْرِى ﴾ وهو إشارة إلى التوحيد ثم قال: ﴿ إِنَّ الساعة ءاتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لتجزى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تسعى ﴾ وهو إشارة إلى العدل، فكذا في هذه الآية بين أنه يجب في حكمه وحكمته أن يجمع الأولين والآخرين في عرصة القيامة فينتصف للمظلومين من الظالمين، ولا شك أنه تهديد شديد.
الثاني: كأنه تعالى يقول: من سلم عليكم وحياكم فاقبلوا سلامه وأكرموه وعاملوه بناء على الظاهر، فان البواطن إنما يعرفها الله الذي لا إله إلا هو، إنما تنكشف بواطن الخلق للخلق في يوم القيامة.
المسألة الثانية: قال صاحب الكشاف: قوله: ﴿ لاَ إله إِلاَّ هُوَ ﴾ إما خبر للمبتدا، وإما اعتراض والخبر ﴿ لَيَجْمَعَنَّكُمْ ﴾ واللام لام القسم، والتقدير: والله ليجمعنكم.
المسألة الثالثة: لقائل أن يقول: لم لم يقل: ليجمعنكم في يوم القيامة؟
والجواب من وجهين: الأول: المراد ليجمعنكم في الموت أو القبور إلى يوم القيامة.
الثاني: التقدير: ليضمنكم إلى ذلك اليوم ويجمع بينكم وبينه بأن يجمعكم فيه.
المسألة الرابعة: قال الزجاج: يجوز أن يقال سميت القيامة قيامة لأن الناس يقومون من قبورهم، ويجوز أيضاً أن يقال: سميت بهذا الاسم لأن الناس يقومون للحساب قال تعالى: ﴿ يَوْمَ يَقُومُ الناس لِرَبّ العالمين ﴾ قال صاحب الكشاف: القيام القيامة، كالطلاب والطلابة.
المسألة الخامسة: اعلم أن ظاهر الآية يدل على أنه تعالى أثبت أن القيامة ستوجد لا محالة، وجعل الدليل على ذلك مجرد إخبار الله تعالى عنه، وهذا حق، وذلك لأن المسائل الأصولية على قسمين منها ما العلم بصحة النبوة يكون محتاجا إلى العلم بصحته، ومنها ما لا يكون كذلك.
والأول مثل علمنا بافتقار العالم إلى صانع عالم بكل المعلومات قادر على كل الممكنات، فانا ما لم نعلم ذلك لا يمكننا العلم بصدق الأنبياء، فكل مسألة هذا شأنها فانه يمتنع اثباتها بالقرآن واخبار الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، والا وقع الدور.
وأما القسم الثاني: وهو جملة المسائل التي لا يتوقف العلم بصحة النبوة على العلم بصحتها فكل ذلك مما يمكن اثباته بكلام الله واخباره ومعلوم أن قيام القيامة كذلك، فلا جرم أمكن إثباته بالقرآن وبكلام الله، فثبت أن الاستدلال على قيام القيامة باخبار الله عنه استدلال صحيح.
المسألة السادسة: قوله: ﴿ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ الله حَدِيثاً ﴾ استفهام على سبيل الانكار، والمقصود منه بيان أنه يجب كونه تعالى صادقا وأن الكذب والخلف في قوله محال.
وأما المعتزلة فقد بنوا ذلك على أصلهم، وهو أنه تعالى عالم بكون الكذب قبيحاً، وعالم بكونه غنياً عنه، وكل من كان كذلك استحال أن يكذب.
إنما قلنا: انه عالم بقبح الكذب، وعالم بكونه غنياً عنه لأن الكذب قبيح لكونه كذبا، والله تعالى غير محتاج إلى شيء أصلا، وثبت أنه عالم بجميع المعلومات فوجب القطع بكونه عالما بهذين الأمرين، وأما أن كل من كان كذلك استحال أن يكذب فهو ظاهر لأن الكذب جهة صرف لا جهة دعاء، فاذا خلا عن معارض الحاجة بقي ضارا محضا فيمتنع صدور الكذب عنه، وأما أصحابنا فدليلهم أنه لو كان كاذبا لكان كذبه قديما، ولو كان كذبه قديما لامتنع زوال كذبه لامتناع العدم على القديم، ولو امتنع زوال كذبه قديما لامتنع كونه صادقا، لأن وجود أحد الضدين يمنع وجود الضد الآخر، فلو كان كاذبا لامتنع أن يصدق لكنه غير ممتنع، لانا نعلم بالضرورة أن كل من علم شيئا فانه لا يمتنع عليه أن يحكم عليه بحكم مطابق للمحكوم عليه، والعلم بهذه الصحة ضروري، فاذا كان إمكان الصدق قائما كان امتناع الكذب حاصلا لا محالة، فثبت أنه لابد من القطع بكونه تعالى صادقا.
المسألة السابعة: استدلت المعتزلة بهذه الآية على أن كلام الله تعالى محدث، قالوا لأنه تعالى وصفه بكونه حديثا في هذه الآية وفي قوله تعالى: ﴿ الله نَزَّلَ أَحْسَنَ الحديث ﴾ والحديث هو الحادث أو المحدث، وجوابنا عنه: انكما إنما تحكمون بحدوث الكلام الذي هو الحرف والصوت ونحن لا ننازع في حدوثه، إنما الذي ندعي قدمه شيء آخر غير هذه الحروف والأصوات، والآية لا تدل على حدوث ذلك الشيء ألبتة بالاتفاق منا ومنكم، فأما منا فظاهر، وأما منكم فانكم تنكرون وجود كلام سوى هذه الحروف والأصوات، فكيف يمكنكم أن تقولوا بدلالة هذه الآية على حدوثه، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ لاَ إله إِلاَّ هُوَ ﴾ إما خبر المبتدأ.
وإما اعتراض والخبر ﴿ لَيَجْمَعَنَّكُمْ ﴾ .
ومعناه: الله.
والله ليجمعنكم ﴿ إلى يَوْمِ القيامة ﴾ أي ليحشرنكم إليه.
والقيامة والقيام.
كالطلابة والطلاب، وهي قيامهم من القبور أو قيامهم للحساب.
قال الله تعالى: ﴿ يَوْمَ يَقُومُ الناس لِرَبّ العالمين ﴾ [المطففين: 6] ﴿ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ الله حَدِيثاً ﴾ لأنه عز وعلا صادق لا يجوز عليه الكذب.
وذلك أنّ الكذب مستقل بصارف عن الإقدام عليه وهو قبحه.
ووجه قبحه الذي هو كونه كذباً وإخباراً عن الشيء بخلاف ما هو عليه.
فمن كذب لم يكذب إلا لأنه محتاج إلى أن يكذب ليجرّ منفعة أو يدفع مضرة.
أو هو غني عنه إلا أنه يجهل غناه.
أو هو جاهل بقبحه.
أو هو سفيه لا يفرق بين الصدق والكذب في إخباره ولا يبالي بأيهما نطق، وربما كان الكذب أحلى على حنكه من الصدق.
وعن بعض السفهاء أنه عوتب على الكذب فقال: لو غرغرت لهواتك به ما فارقته.
وقيل لكذاب: هل صدقت قط؟
فقال: لولا أني صادق في قولي لا لقلتها.
فكان الحكيم الغني الذي لا يجوز عليه الحاجات العالم بكل معلوم، منزهاً عنه، كما هو منزه عن سائر القبائح.
<div class="verse-tafsir"
﴿ اللَّهُ لا إلَهَ إلا هُوَ ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، أوِ اللَّهُ مُبْتَدَأٌ والخَبَرُ ﴿ لَيَجْمَعَنَّكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ ﴾ أيِ اللَّهُ، واللَّهُ لَيَحْشُرَنَّكم مِن قُبُورِكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ، أوْ مُفْضِينَ إلَيْهِ أوْ في يَوْمِ القِيامَةِ، ولا إلَهَ إلّا هُوَ، اعْتِراضٌ.
والقِيامُ والقِيامَةُ كالطِّلابِ والطِّلابَةِ وهي قِيامُ النّاسِ مِنَ القُبُورِ أوْ لِلْحِسابِ.
﴿ لا رَيْبَ فِيهِ ﴾ في اليَوْمِ أوْ في الجَمْعِ فَهو حالٌ مِنَ اليَوْمِ، أوْ صِفَةٌ لِلْمَصْدَرِ ﴿ وَمَن أصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا ﴾ إنْكارُ أنْ يَكُونَ أحَدٌ أكْثَرَ صِدْقًا مِنهُ، فَإنَّهُ لا يَتَطَرَّقُ الكَذِبُ إلى خَبَرِهِ بِوَجْهٍ لِأنَّهُ نَقْصٌ وهو عَلى اللَّهِ مُحالٌ.
<div class="verse-tafsir"
{الله} مبتدأ {لاَ إله إِلاَّ هُوَ} خبره أو اعتراض والخبر {لَيَجْمَعَنَّكُمْ} ومعناه الله والله ليجمعكم {إلى يَوْمِ القيامة} أي ليحشرنكم إليه والقيامة القيام كالطلابة والطلاب وهي قيامهم من القبور أو قيامهم للحساب يَوْمَ يَقُومُ الناس لِرَبّ العالمين {لاَ رَيْبَ فِيهِ} هو حال من يوم القيامة والهاء يعود إلى اليوم أو صفة لمصدر محذوفة أي جمعاً لا ريب فيه والهاء يعود إلى الجمع {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ الله حَدِيثاً} تمييز وهو استفهام بمعنى النفي أي لا أحد أصدق منه في إخباره ووعده ووعيده لاستحالة الكذب عليه لقبحه لكونه إخباراً عن الشئ بخلاف ما هو عليه
﴿ اللَّهُ لا إلَهَ إلا هُوَ ﴾ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرٌ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ لَيَجْمَعَنَّكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ ﴾ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: واللَّهِ لَيَجْمَعَنَّكُمْ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ، أوْ خَبَرٌ ثانٍ، أوْ هي الخَبَرُ و(لا إلَهَ إلّا هُوَ) اعْتِراضٌ، واحْتِمالُ أنْ تَكُونَ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ لَكانَ، وجُمْلَةُ (اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هُوَ) مُعْتَرِضَةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِتَهْدِيدٍ قُصِدَ بِما قَبْلَها وما بَعْدَها، بِعِيدٌ، ثُمَّ الخَبَرُ وإنْ كانَ هو القَسَمَ وجَوابَهُ لَكِنَّهُ في الحَقِيقَةِ الجَوابُ، فَلا يَرِدُ وُقُوعُ الإنْشاءِ خَبَرًا، ولا أنَّ جَوابَ القَسَمِ مِنَ الجُمَلِ الَّتِي لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ، فَكَيْفَ يَكُونُ خَبَرًا مَعَ أنَّهُ لا امْتِناعَ مِنِ اعْتِبارِ المَحَلِّ وعَدَمِهِ بِاعْتِبارَيْنِ؟!
والجَمْعُ بِمَعْنى الحَشْرِ، ولِهَذا عُدِّيَ بِـ(إلى) كَما عُدِّيَ الحَشْرُ بِها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لإلى اللَّهِ تُحْشَرُونَ ﴾ وقَدْ يُقالُ: إنَّما عُدِّيَ بِها لِتَضْمِينِهِ مَعْنى الإفْضاءِ المُتَعَدِّي بِها أيْ: لَيَحْشُرَنَّكم مِن قُبُورِكم إلى حِسابِ يَوْمِ القِيامَةِ، أوْ مُفْضِينَ إلَيْهِ، وقِيلَ: (إلى) بِمَعْنى (فِي) كَما أثْبَتَهُ أهْلُ العَرَبِيَّةِ أيْ: لَيَجْمَعَنَّكم في ذَلِكَ اليَوْمِ.
﴿ لا رَيْبَ فِيهِ ﴾ أيْ: في يَوْمِ القِيامَةِ، أوْ في الجَمْعِ، فالجُمْلَةُ إمّا حالٌ مِنَ اليَوْمِ أوَصِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: جَمْعًا (لا رَيْبَ فِيهِ) والقِيامَةُ بِمَعْنى القِيامِ، ودَخَلَتِ التّاءُ فِيهِ لِلْمُبالَغَةِ كَعَلّامَةٍ ونَسّابَةٍ، وسُمِّيَ ذَلِكَ اليَوْمُ بِذَلِكَ لِقِيامِ النّاسِ فِيهِ لِلْحِسابِ مَعَ شِدَّةِ ما يَقَعُ فِيهِ مِنَ الهَوْلِ، ومُناسَبَةُ الآيَةِ لِما قَبْلَها ظاهِرَةٌ، وهي أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ ﴿ إنَّ اللَّهَ ﴾ تَعالى ﴿ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا ﴾ تَلاهُ بِالإعْلامِ بِوَحْدانِيَّتِهِ سُبْحانَهُ، والحَشْرِ، والبَعْثِ مِنَ القُبُورِ لِلْحِسابِ بَيْنَ يَدَيْهِ.
وقالَ الطَّبَرْسِيُّ: وجْهُ النُّظُمِ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا أمَرَ ونَهى فِيما قَبْلُ بَيَّنَ بَعْدُ أنَّهُ لا يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ سِواهُ؛ لِيَعْلَمُوا عَلى حَسَبِ ما أوْجَبَهُ عَلَيْهِمْ، وأشارَ إلى أنَّ لِهَذا العَمَلِ جَزاءُ بِبَيانِ وقْتِهِ، وهو يَوْمُ القِيامَةِ؛ لِيَجِدُّوا فِيهِ ويَرْغَبُوا ويَرْهَبُوا.
﴿ ومَن أصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا ﴾ الِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ، والتَّفْضِيلُ بِاعْتِبارِ الكَمِّيَّةِ في الأخْبارِ الصّادِقَةِ لا الكَيْفِيَّةِ، إذْ لا يُتَصَوَّرُ فِيها تَفاوُتٌ لِما أنَّ الصِّدْقَ المُطابَقَةُ لِلْواقِعِ وهي تَزِيدُ، فَلا يُقالُ لِحَدِيثٍ مُعَيَّنٍ: إنَّهُ أصْدَقُ مِن آخَرَ إلّا بِتَأْوِيلٍ وتَجَوُّزٍ، والمَعْنى: لا أحَدَ أكْثَرَ صِدْقًا مِنهُ تَعالى في وعْدِهِ وسائِرِ أخْبارِهِ، ويُفِيدُ نَفْيَ المُساواةِ أيْضًا كَما في قَوْلِهِمْ: لَيْسَ في البَلَدِ أعْلَمُ مِن زَيْدٍ، وإنَّما كانَ كَذَلِكَ لِاسْتِحالَةِ نِسْبَةِ الكَذِبِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، ولا يُعْرَفُ خِلافٌ بَيْنَ المُعْتَرِفِينَ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى مُتَكَلِّمٌ بِكَلامٍ في تِلْكَ الِاسْتِحالَةِ، وإنِ اخْتَلَفَ مَأْخَذُهم في الِاسْتِدْلالِ.
وقَدِ اسْتَدَلَّ المُعْتَزِلَةُ عَلى اسْتِحالَةِ الكَذِبِ في كَلامِ الرَّبِّ تَعالى بِأنَّ الكَلامَ مِن فِعْلِهِ تَعالى، والكَذِبُ قَبِيحٌ لِذاتِهِ، واللَّهُ تَعالى لا يَفْعَلُ القَبِيحَ، وهو مَبْنِيٌّ عَلى قَوْلِهِمْ بِالحُسْنِ والقُبْحِ الذّاتِيَّيْنِ، وإيجابِهِمْ رِعايَةَ الصَّلاحِ والأصْلَحِ، وأمّا الأشاعِرَةُ فَلَهم - كَما قالَ الآمِدِيُّ - في بَيانِ اسْتِحالَةِ الكَذِبِ في كَلامِهِ تَعالى القَدِيمِ النَّفْسانِيِّ مَسْلَكانِ: عَقْلِيٌّ وسَمْعِيٌّ، أمّا المَسْلَكُ الأوَّلُ: فَهو أنَّ الصِّدْقَ والكَذِبَ في الخَبَرِ مِنَ الكَلامِ النَّفْسانِيِّ القَدِيمِ لَيْسَ لِذاتِهِ ونَفْسِهِ، بَلْ بِالنَّظَرِ إلى ما يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنَ المُخْبَرِ عَنْهُ، فَإنْ كانَ قَدْ تَعَلَّقَ بِهِ عَلى ما هو عَلَيْهِ كانَ الخَبَرُ صِدْقًا، وإنْ كانَ عَلى خِلافِهِ كانَ كَذِبًا، وعِنْدَ ذَلِكَ فَلَوْ تَعَلَّقَ مِنَ الرَّبِّ سُبْحانَهُ كَلامُهُ القائِمُ عَلى خِلافِ ما هو عَلَيْهِ لَمْ يَخْلُ إمّا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَعَ العِلْمِ بِهِ أوْ لا، لا جائِزٌ أنْ يَكُونَ الثّانِي، وإلّا لَزِمَ الجَهْلُ المُمْتَنَعُ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ مِن أوْجُهٍ عَدِيدَةٍ، وإنْ كانَ الأوَّلُ فَمَن كانَ عالِمًا بِالشَّيْءِ يَسْتَحِيلُ أنْ لا يَقُومَ بِهِ الإخْبارُ عَنْهُ عَلى ما هو بِهِ، وهو مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ، وعِنْدَ ذَلِكَ فَلَوْ قامَ بِنَفْسِهِ الإخْبارَ عَنْهُ عَلى خِلافِ ما هو عَلَيْهِ حالَ كَوْنِهِ عالِمًا بِهِ مُخْبِرًا عَنْهُ عَلى ما هو عَلَيْهِ لَقامَ بِالنَّفْسِ الخَبَرُ الصّادِقُ والكاذِبُ بِالنَّظَرِ إلى شَيْءٍ واحِدٍ مِن جِهَةٍ واحِدَةٍ، وبُطْلانُهُ مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ.
واعْتُرِضَ بِأنّا نَعْلَمُ ضَرُورَةً مِن أنْفُسِنا إنّا حالَ ما نَكُونُ عالِمَيْنِ بِالشَّيْءِ يُمْكِنُنا أنْ نُخْبِرَ بِالخَبَرِ الكاذِبِ، ونَعْلَمَ كَوْنَنا كاذِبِينَ، ولَوْلا إنّا عالِمُونَ بِالشَّيْءِ المُخْبَرِ عَنْهُ لَما تُصُوِّرُ عِلْمُنا بِكَوْنِنا كاذِبِينَ، وأُجِيبَ بِأنَّ الخَبَرَ الَّذِي نَعْلَمُ مِن أنْفُسِنا كَوْنَنا كاذِبِينَ فِيهِ إنَّما هو الخَبَرُ اللِّسانِيُّ، وأمّا النَّفْسانِيُّ فَلا نُسَلِّمُ صِحَّةَ عِلْمِنا بِكَذِبِهِ حالَ الحُكْمِ بِهِ.
وأمّا المَسْلَكُ الثّانِي: فَهو أنَّهُ قَدْ ثَبَتَ صِدْقُ الرَّسُولِ بِدَلالَةِ المُعْجِزَةِ القاطِعَةِ فِيما هو رَسُولٌ فِيهِ عَلى ما بُيِّنَ في مَحَلِّهِ.
وقَدْ نُقِلَ عَنْهُ بِالخَبَرِ المُتَواتِرِ أنَّ كَلامَ اللَّهِ تَعالى صِدْقٌ، وأنَّ الكَذِبَ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ مُحالٌ، ونَظَرَ فِيهِ الآمِدِيُّ بِأنَّ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: صِحَّةُ السَّمْعِ مُتَوَقِّفَةٌ عَلى صِدْقِ الرَّسُولِ وصِدْقُهُ مُتَوَقِّفٌ عَلى اسْتِحالَةِ الكَذِبِ عَلى اللَّهِ تَعالى مِن حَيْثُ أنَّ ظُهُورَ المُعْجِزَةِ عَلى وفْقِ تَحَدِّيهِ بِالرِّسالَةِ نازِلٌ مَنزِلَةَ التَّصْدِيقِ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ لَهُ في دَعَواهُ، فَلَوْ جازَ الكَذِبُ عَلَيْهِ - جَلَّ شَأْنُهُ - لَأمْكَنَ أنْ يَكُونَ كاذِبًا في تَصْدِيقِهِ لَهُ، ولا يَكُونُ الرَّسُولُ صادِقًا، وإذا تَوَقَّفَ كُلٌّ مِنهُما عَلى صاحِبِهِ كانَ دَوْرًا.
لا يُقالُ إثْباتُ الرِّسالَةِ لا يَتَوَقَّفُ عَلى اسْتِحالَةِ الكَذِبِ عَلى اللَّهِ تَعالى لِيَكُونَ دَوْرًا، فَإنَّهُ لا يَتَوَقَّفُ إثْباتُ الرِّسالَةِ عَلى الإخْبارِ بِكَوْنِهِ رَسُولًا حَتّى يَدْخُلَهُ الصِّدْقُ والكَذِبُ، بَلْ عَلى إظْهارِ المُعْجِزَةِ عَلى وفْقِ تَحَدِّيهِ، وهو مُنَزَّلٌ مَنزِلَةَ الإنْشاءِ، وإثْباتُ الرِّسالَةِ وجَعْلُهُ رَسُولًا في الحالِ كَقَوْلِ القائِلِ: وكَّلْتُكَ في أشْغالِي، واسْتَنَبْتُكَ في أُمُورِي، وذَلِكَ لا يَسْتَدْعِي تَصْدِيقًا ولا تَكْذِيبًا إذْ يُقالُ حِينَئِذٍ: فَلَوْ ظَهَرَتِ المُعْجِزَةُ عَلى يَدِ شَخْصٍ لَمْ يَسْبِقْ مِنهُ التَّحَدِّي بِناءً عَلى جِوارِهِ عَلى أُصُولِ الجَماعَةِ لَمْ تَكُنِ المُعْجِزَةُ دالَّةً عَلى ثُبُوتِ رِسالَتِهِ إجْماعًا، ولَوْ كانَ ظُهُورُ المُعْجِزَةِ عَلى يَدِهِ مُنَزَّلٍ مَنزِلَةَ الإنْشاءِ لِرِسالَتِهِ لَوَجَبَ أنْ يَكُونَ رَسُولًا مُتَّبَعًا بَعْدَ ظُهُورِها، ولَيْسَ كَذَلِكَ، وكَوْنُ الإنْشاءِ مَشْرُوطًا بِالتَّحَدِّي بَعِيدٌ بِالنَّظَرِ إلى حُكْمِ الإنْشاءاتِ، وبِتَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ كَذَلِكَ غايَتُهُ ثُبُوتُ الرِّسالَةِ بِطَرِيقِ الإنْشاءِ، ولا يَلْزَمُ مِنهُ أنْ يَكُونَ الرَّسُولُ صادِقًا في كُلٍّ ما يُخْبِرُ بِهِ دُونَ دَلِيلٍ عَقْلِيٍّ يَدُلُّ عَلى صِدْقِهِ فِيما يُخْبِرُ بِهِ، أوْ تَصْدِيقِ اللَّهِ تَعالى لَهُ في ذَلِكَ، ولا دَلِيلَ عَقْلِيٍّ يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، وتَصْدِيقُ اللَّهِ تَعالى لَهُ تَوَقَّفَ عَلى صِدْقِ خَبَرِهِ، عادَ ما سَبَقَ، فَيَنْبَغِي أنْ يَكُونَ هَذا المَسْلَكَ السَّمْعِيَّ في بَيانِ اسْتِحالَةِ الكَلامِ اللِّسانِيِّ، وهو صَحِيحٌ فِيهِ.
والسُّؤالُ الوارِدُ ثَمَّ مُنْقَطِعٌ هُنا؛ فَإنَّ صِدْقَ الكَلامِ اللِّسانِيِّ وإنْ تَوَقَّفَ عَلى صِدْقِ الرَّسُولِ لَكِنَّ صِدْقَ الرَّسُولِ غَيْرُ مُتَوَقِّفٍ عَلى صِدْقِ الكَلامِ اللِّسانِيِّ، بَلْ عَلى الكَلامِ اللِّسانِيِّ نَفْسِهِ، فامْتَنَعَ الدَّوْرُ المُمْتَنَعُ.
وفِي المَواقِفِ: الِاسْتِدْلالُ عَلى امْتِناعِ الكَذِبِ عَلَيْهِ تَعالى عِنْدَ أهْلِ السُّنَّةِ بِثَلاثَةِ أوْجُهٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ نَقْصٌ، والنَّقْصُ مَمْنُوعٌ إجْماعًا، وأيْضًا فَيَلْزَمُ أنْ يَكُونَ نَحْنُ أكْمَلَ مِنهُ سُبْحانَهُ في بَعْضِ الأوْقاتِ، أعْنِي وقْتَ صِدْقِنا في كَلامِنا.
والثّانِي: أنَّهُ لَوِ اتَّصَفَ بِالكَذِبِ سُبْحانَهُ لَكانَ كَذِبًا قَدِيمًا، إذْ لا يَقُومُ الحادِثَ بِذاتِهِ تَعالى، فَيَلْزَمُ أنْ يَمْتَنِعَ عَلَيْهِ الصِّدْقُ، فَإنَّ ما ثَبَتَ قِدَمُهُ اسْتَحالَ عَدَمُهُ، واللّازِمُ باطِلٌ، فَإنّا نَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أنَّ مَن عَلِمَ شَيْئًا أمْكَنَ لَهُ أنْ يُخْبِرَ عَنْهُ عَلى ما هو عَلَيْهِ، وهَذانِ الوَجْهانِ إنَّما يَدُلّانِ عَلى أنَّ الكَلامَ النَّفْسِيَّ الَّذِي هو صِفَةٌ قائِمَةٌ بِذاتِهِ تَعالى يَكُونُ صادِقًا.
ثُمَّ أتى بِالوَجْهِ الثّالِثِ دَلِيلًا عَلى اسْتِحالَةِ الكَذِبِ في الكَلامِ اللَّفْظِيِّ والنَّفْسِيِّ عَلى طِرْزِ ما في المَسْلَكِ الثّانِي، وقَدْ عَلِمْتَ ما لِلْآمِدِيِّ فِيهِ، فَتَدَبَّرْ جَمِيعَ ذَلِكَ لِيَظْهَرَ لَكَ الحَقُّ.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْها قال الضحاك: يعني مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً في الإسلام، فله أجرها وأجر من عمل بها، من غير أن ينقص من أجورهم شيء.
وَمَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْها أي من سنّ في الإسلام سنة قبيحة محدثة، فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة، من غير أن ينقص من أوزارهم شيء.
وقال الكلبي: مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يعني: يصلح بين اثنين يكن له أجر منها وَمَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يمشي بالنميمة والغيبة، يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْها يعني إثم منها.
وقال مجاهد: إنما هي شفاعة في الناس بعضهم لبعض، يعني يشفع لأخيه المسلم في دفع المظلمة عنه.
وروى سفيان عن عمرو بن دينار أن النبيّ قال: «اشْفَعُوا إِلَيَّ تُؤْجَرُوا فَإِنَّ الرَّجُلَ مِنْكُمْ يَسْأَلُنِي الأمْرَ فَأَمْنَعُهُ كَيْ مَا تَشْفَعُوا فَتُؤْجَرُوا» .
وقال الحسن: الشفاعة تجري أجرها لصاحبها ما جرت منفعتها، والكفل في اللغة النصيب.
كقوله تعالى: يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ [الحديد: 28] ثم قال تعالى: وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً والمقيت المقتدر.
يقال: أقات على الشيء يعني اقتدر.
ويقال: المقيت الشاهد على الشيء، الحافظ له، ويقال: مقيتاً يعني: بيده الرزق وعليه قوت كل دابة، كقوله تعالى وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها [فصلت: 10] .
قوله تعالى: وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ يعني إذا سلم عليكم فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أي ردوا جوابها بأحسن منها أَوْ رُدُّوها أي مثلها، فأمر الله تعالى المسلمين برد السلام، بأن يردوا بأحسن منها، وهو أن يقولوا: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أو يرد مثله، فيقول: وعليكم السلام، وقال قتادة: فحيوا بأحسن منها للمسلمين، أو ردوها لأهل الذمة، فيقول لهم: وعليكم، وروي عن رسول الله : أن رجلاً دخل عليه، وقال: السلام عليكم، فقال له: «وَعَلَيْكُمُ السَّلَامُ فَلَكَ عَشْرُ حَسَنَاتٍ» .
ودخل آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله، فرد عليه فقال: «لَكَ عِشْرُونَ حَسَنَةً» .
ودخل آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فرد عليه فقال: «لَكَ ثَلاثُونَ حَسَنَةً» .
وروي عنه أنه نهى أن ينقص الرجل من سلامه أو من ردّه، وهو أن يقول: السلام عليك، ولكن ليقل: السلام عليكم.
ويقال: إنما ذلك للمؤمنين، لأن المؤمن لا يكون وحده ولكن يكون معه الملائكة.
وفي هذه الآية دليل أن السلام سنة، والرد واجب لأن الله تعالى أمر بالرد، والأمر من الله تعالى واجب ويقال: وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها يعني إذا أهدي إليكم بهدية، فكافئوا بأفضل منها أو مثلها.
وهذا التأويل ذكر عن أبي حنيفة.
ثم قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً أي مجازياً.
قوله تعالى: اللَّهُ لاَ إِلهَ إِلَّا هُوَ نزلت في شأن الذين شكوا في البعث، فأقسم الله تعالى بنفسه لَيَجْمَعَنَّكُمْ وهذه لام القسم، وكل لام بعدها نون مشددة فهي لام القسم.
وقوله: إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ قال بعضهم: إلى صلة في الكلام، معناه ليجمعنكم يوم القيامة.
ويقال: ليجمعنكم في الموت وفي قبوركم إلى يوم القيامة، ثم يبعثكم لاَ رَيْبَ فِيهِ أي لا شك فيه، وهو البعث.
يعني: لا شك فيه عند المؤمنين، ويقال: يعني لا ينبغي أن يشك فِيهِ.
ثم قال تعالى: وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً أي من أوفى من الله قولاً وعهداً.
قرأ حمزة والكسائي: (وَمِنْ أزدق) بالزاي.
وقرأ الباقون: أَصْدَقُ وأصله الصاد، إلا أنه لقرب مخرجيهما يجعل مكانه زاي.
قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"
قوله: لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلَّا قَلِيلًا لأنَّه لا وَجْهَ له فإنَّه لولا فَضْلُ اللَّهِ ورحْمَتُهُ، لاتبعوا الشيْطَانَ كلُّهم.
انتهى، وهو حَسَنٌ، وأما قوله: «لا وَجْهَ له» ، ففيه نظَرٌ، فقد وجَّهه العلماءُ بما لا نُطِيلُ بذكْره.
وقوله تعالى: فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ...
الآية: هذا أمر في ظاهر اللّفظ للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم وَحْده، لكن لم نَجِدْ قَطُّ في خَبَرٍ، أنّ القتال فرض على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، دون الأُمَّة مُدَّةً مَّا، والمعنى، واللَّه أعلَمُ أنه خطاب للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم في اللفظِ، وهو مثالُ مَا يُقَالُ لكلِّ واحدٍ في خاصَّة نَفْسه، أي: أنْتَ، يا محمَّد، وكلُّ واحدٍ من أمَّتك القولُ لَهُ: فقاتِلْ في سبيلِ اللَّه، لا تُكَلَّف إلاَّ نَفْسَكَ، ولهذا ينبغي لكلِّ مُؤْمِنٍ أَنْ يستَشْعِرَ أنْ يُجَاهِدَ، ولو وحْدَه ومِنْ ذلك قولُ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «وَاللَّهِ، لأُقَاتِلَنَّكُمْ حتى تَنْفَرِدَ سَالِفَتِي «١» » «٢» ، وقولُ أبِي بَكْرٍ (رضي اللَّه عنه) وَقْتَ الرِّدَّةِ: «وَلَوْ خَالَفَتْنِي يَمِينِي، لَجَاهَدتُّهَا بِشِمَالِي» ، وعسى إذا وردَتْ من اللَّه تعالى، فقال عكرمة وغيره: هي واجِبَةٌ بفَضْلِ اللَّه ووَعْده الجميلِ «٣» ، قلْتُ: أيْ: واقعٌ مَّا وعَدَ به سبحانه، والتنكيلُ: الأخْذُ بأنواع العذاب.
وقوله سبحانه: مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً ...
الآية: قال مجاهدٌ وغيره: هي في شَفَاعَاتِ النَّاس بينهم في حوائجهم، فَمَنْ يشفعْ لينفَع، فلَهُ نصيبٌ، ومَنْ يشفعْ ليضُرَّ، فله «٤» كِفْلٌ، والكِفْلُ: النَّصيبُ، ويستعمل في الخَيْرِ وفي الشَّرِّ، وفي كتاب اللَّه تعالى:
يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ [الحديد: ٢٨] ، وروى أبو داود، عن أبي أُمَامَةَ، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم
أنَّهُ قَالَ: «مَنْ شَفَعَ لأحَدٍ شَفَاعَةً، فأهدى لَهُ هَدِيَّةً عَلَيْهَا، فَقَبِلَهَا، فَقَدْ أتى بَاباً عظيما من أبواب الرّبا» «١» .
انتهى.
ومُقِيتاً: معناه: قديراً ومنه قولُ الزُّبَيْر بْنِ عبدِ المُطَّلِبِ: [الوافر]
وَذِي ضِغْنٍ كَفَفْتُ النَّفْسَ عَنْه ...
وَكُنْتُ على إسَاءَتِهِ مُقِيتَا «٢»
أيْ: قديراً.
وقيل: مُقِيتاً: معناه شهيداً، وقيل: حفيظاً.
وذهب مقاتلٌ إلى أنه الذي يَقُوتُ كلَّ حيوان، قال الداوديّ: قال الكلبيُّ المَقِيتُ هو المُقْدِرُ بلُغَة قُرَيْشٍ.
انتهى.
وقوله سبحانه: وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ ...
الآية: قالتْ فرقةٌ: معنى الآية: تخييرُ الرَّادِّ فإذا قال البادئ: «السَّلاَمُ عَلَيْكَ» ، فللرادِّ أنْ يقولَ: «وَعَلَيْكَ السَّلاَمُ» فقطْ، وهذا هو الرَّدُّ، وله أنْ يقولَ: «وعَلَيْكَ السَّلاَمُ، وَرَحْمَةُ اللَّهِ» ، وهذا هو التحيَّة بأحْسَنَ، ورُوِيَ عن ابن عُمَرَ وغيره انتهاء السَّلام إلى البَرَكة، وقالَتْ فرقةٌ: المعنى: إذا حُيِّيتم بتحيةٍ، فإن نَقَص المسلِّمُ مِنَ النهاية، فحَيُّوا بأحْسَنَ منها، وإن انتهى، فردُّوها، كذلك قال عطاءٌ، والآيةُ في المؤمنين خاصَّةً، ومَنْ سَلَّم من غيرهم، فيقالُ لَهُ: «عَلَيْكَ» كما»
في الحديث «٤» ، وفي
أبي داود، والترمذيّ، أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: «أَوْلَى النَّاسِ بِاللَّهِ مَنْ بَدَأَ بالسَّلاَمِ» «١» .
انتهى.
وأكثرُ أهل العلْمِ على أنَّ الابتداءَ بالسَّلاَمِ سُنَّةٌ مؤكَّدة، وَرَدُّه «٢» فريضةٌ لأنه حقٌّ من الحقوقِ قاله الحسن وغيره، قال «٣» النوويُّ: وروينا في كتاب ابن السني، عن أنس، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: «مَا مِنْ عَبْدَيْنِ مُتَحَابَّيْنِ فِي اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ يَسْتَقْبِلُ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ فَيُصَافِحُهُ، فَيُصَلِّيَانِ على النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم إلاَّ لَمْ يَتَفَرَّقَا حتى تُغْفَرَ ذُنُوبُهُمَا، مَا تقدّم منها وما تأخّر» «٤» ، وروّينا
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اللَّهُ لا إلَهَ إلا هُوَ ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ في الَّذِينَ شَكُّوا في البَعْثِ.
قالَ الزَّجّاجُ: ولِلامٍ في "لَيَجْمَعْنَّكُمْ" لامُ القَسَمِ، كَقَوْلِكَ: واللَّهُ لَيَجْمَعْنَّكم، قالَ: وجائِزٌ أنْ تَكُونَ سُمِّيَتِ القِيامَةُ، لِقِيامِ النّاسِ مِن قُبُورِهِمْ، وجائِزٌ أنْ تَكُونَ، لِقِيامِهِمْ لِلْحِسابِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن أصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا ﴾ إنَّما وصْفَ نَفْسَهُ بِهَذا، لِأنَّ جَمِيعَ الخَلْقِ يَجُوزُ عَلَيْهِمُ الكَذِبُ، ويَسْتَحِيلُ في حَقِّهِ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اللهُ لا إلَهَ إلا هو لَيَجْمَعَنَّكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ ومَن أصْدَقُ مِنَ اللهُ حَدِيثًا ﴾ ﴿ فَما لَكم في المُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ واللهُ أرْكَسَهم بِما كَسَبُوا أتُرِيدُونَ أنْ تَهْدُوا مَن أضَلَّ اللهُ ومَن يُضْلِلِ اللهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلا ﴾ لَمّا تَقَدَّمَ الإنْذارُ والتَحْذِيرُ الَّذِي تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ اللهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا ﴾ تَلاهُ مُقَوِّيًا لَهُ الإعْلامُ بِصِفَةِ الرُبُوبِيَّةِ وحالِ الوَحْدانِيَّةِ، والإعْلامُ بِالحَشْرِ والبَعْثِ مِنَ القُبُورِ لِلثَّوابِ والعِقابِ، إعْلامًا بِقَسَمٍ، والمُقْسَمُ بِهِ تَقْدِيرُهُ: وهُوَ، أو: وحَقِّهِ، أو: وعَظَمَتِهِ "لَيَجْمَعَنَّكُمْ".
والجَمْعُ هُنا: الحَشْرُ، فَلِذَلِكَ حَسُنَتْ بَعْدَهُ "إلى"، أيْ: إلَيْهِ السَوْقُ والحَشْرُ، و"القِيامَةِ" أصْلُها: القِيامُ، ولَمّا كانَ قِيامُ الحَشْرِ مِن أذَلِّ الحالِ وأضْعَفِها إلى أشَدِّ الأهْوالِ وأعْظَمِها لَحِقَتْهُ هاءُ المُبالَغَةِ.
و"لا رَيْبَ فِيهِ" تَبْرِئَةٌ هي وما بَعْدَها بِمَثابَةِ الِابْتِداءِ تَطْلُبُ الخَبَرَ، ومَعْناهُ: لا رَيْبَ فِيهِ في نَفْسِهِ وحَقِيقَةِ أمْرِهِ، وإنِ ارْتابَ فِيهِ الكَفَرَةُ فَغَيْرُ ضائِرٍ.
﴿ وَمَن أصْدَقُ مِنَ اللهِ حَدِيثًا ﴾ ظاهِرُهُ الِاسْتِفْهامُ، ومَعْناهُ: تَقْرِيرُ الخَبَرِ، تَقْدِيرُهُ: لا أحَدَ أصْدَقُ مِنَ اللهِ تَعالى، لِأنَّ دُخُولَ الكَذِبِ في حَدِيثِ البَشَرِ إنَّما عِلَّتُهُ الخَوْفُ والرَجاءُ، أو سُوءُ السَجِيَّةِ، وهَذِهِ مَنفِيَّةٌ في حَقِّ اللهِ تَعالى وتَقَدَّسَتْ أسْماؤُهُ، والصِدْقُ في حَقِيقَتِهِ أنْ يَكُونَ ما يَجْرِي عَلى لِسانِ المُخْبِرِ مُوافِقًا لِما في قَلْبِهِ ولِلْأمْرِ المُخْبَرِ عنهُ في وُجُودِهِ، و"حَدِيثًا" نُصِبَ عَلى التَمْيِيزِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ فَما لَكم في المُنافِقِينَ ﴾ الآيَةُ.
الخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ، وهَذا ظاهِرُهُ اسْتِفْهامٌ، والمَقْصِدُ مِنهُ التَوْبِيخُ، واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ فِي: مَنِ المُرادُ بِالمُنافِقِينَ؟، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هم قَوْمٌ كانُوا بِمَكَّةَ فَكَتَبُوا إلى أصْحابِ النَبِيِّ بِالمَدِينَةِ، أنَّهم قَدْ آمَنُوا وتَرَكُوا الهِجْرَةَ، وأقامُوا بَيْنَ أظْهُرِ الكُفّارِ، ثُمَّ سافَرَ قَوْمٌ مِنهم إلى الشامِ فَأعْطَتْهم قُرَيْشٌ بِضاعاتٍ، وقالُوا لَهُمْ: إنَّكم لا تَخافُونَ أصْحابَ مُحَمَّدٍ، لِأنَّكم تَخْدَعُونَهم بِإظْهارِ الإيمانِ لَهُمْ، فاتَّصَلَ خَبَرُهم بِالمَدِينَةِ، فاخْتَلَفَ المُؤْمِنُونَ فِيهِمْ، فَقالَتْ طائِفَةٌ: نَخْرُجُ إلى أعْداءِ اللهِ المُنافِقِينَ، وقالَتْ طائِفَةٌ: بَلْ هم مُؤْمِنُونَ لا سَبِيلَ لَنا إلَيْهِمْ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ.
وقالَ مُجاهِدٌ: بَلْ نَزَلَتْ في قَوْمٍ جاؤُوا إلى المَدِينَةِ مِن مَكَّةَ، فَأظْهَرُوا الإسْلامَ، ثُمَّ قالُوا: لَنا بِضاعاتٌ بِمَكَّةَ فانْصَرَفُوا إلَيْها، وأبْطَنُوا الكُفْرَ، فاخْتَلَفَ فِيهِمْ أصْحابُ النَبِيِّ .
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذانِ القَوْلانِ يُعَضِّدُهُما ما في آخِرِ الآيَةِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ حَتّى يُهاجِرُوا ﴾ .
قالَ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ: نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ الَّذِينَ رَجَعُوا عن رَسُولِ اللهِ يَوْمَ أُحُدٍ، عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيٍّ وأصْحابِهِ، لِأنَّ أصْحابَ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ اخْتَلَفُوا فِيهِمْ.
وقالَ السُدِّيُّ: بَلْ نَزَلَتْ في قَوْمٍ مُنافِقِينَ كانُوا بِالمَدِينَةِ فَطَلَبُوا الخُرُوجَ عنها نِفاقًا وكُفْرًا، وقالُوا: إنّا اجْتَوَيْناها.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: إنَّما نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ الَّذِينَ تَكَلَّمُوا في حَدِيثِ الإفْكِ، لِأنَّ الصَحابَةَ اخْتَلَفُوا فِيهِمْ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: الِاخْتِلافُ في هَذِهِ النازِلَةِ كانَ بَيْنَ أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ، وسَعْدِ بْنِ عُبادَةَ حَسْبَما وقَعَ في البُخارِيِّ، وكانَ لِكُلِّ واحِدٍ أتْباعٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ عَلى قَوْلِهِ، وكُلُّ مَن قالَ في هَذِهِ الآيَةِ إنَّها فِيمَن كانَ بِالمَدِينَةِ يَرُدُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: "حَتّى يُهاجِرُوا" لَكِنَّهم يُخْرِجُونَ المُهاجَرَةَ إلى هَجْرِ ما نَهى اللهُ عنهُ، وتَرْكِ الخِلافِ والنِفاقِ، كَما قالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "والمُهاجِرُ مَن هَجَرَ ما نَهى اللهُ عنهُ".» و"فِئَتَيْنِ" مَعْناهُ: فِرْقَتَيْنِ، ونَصْبُهُما عَلى الحالِ، كَما تَقُولُ: ما لَكَ قائِمًا، هَذا مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ.
وقالَ الكُوفِيُّونَ: نَصْبُهُ بِما يَتَضَمَّنُهُ "فَما لَكُمْ" مِنَ الفِعْلِ، والتَقْدِيرُ: ما لَكم كُنْتُمْ فِئَتَيْنِ، أو صِرْتُمْ، وهَذا الفِعْلُ المُقَدَّرُ يَنْصِبُ عِنْدَهُمُ النَكِرَةَ والمَعْرِفَةَ، كَما تَقُولُ: مالِكٌ الشاتِمَ لِزَيْدٍ، وخَطَّأ هَذا القَوْلَ الزَجّاجُ، لِأنَّ المَعْرِفَةَ لا تَكُونُ حالًا.
و"أرْكَسَهُمْ" مَعْناهُ: رَجَعَهم في كُفْرِهِمْ وضَلالِهِمْ، والرِكْسُ: الرَجِيعُ، ومِنهُ حَدِيثُ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ في الِاسْتِنْجاءِ: « "فَأخَذَ الحَجَرَيْنِ، وألْقى الرَوْثَةَ وقالَ إنَّها رِكْسٌ"،» ومِنهُ قَوْلُ أُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَلْتِ: فَأُرْكِسُوا في حَمِيمِ النارِ إنَّهُمُ كانُوا عُصاةً وقالُوا الإفْكَ والزُورا وحَكى النَضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، والكِسائِيُّ: رَكَسَ وأرْكَسَ بِمَعْنىً واحِدٍ، أيْ: رَجَعَهُمْ، ومَن قالَ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: أهْلَكَهُمْ، أو أضَلَّهم فَإنَّما هي بِالمَعْنى، لِأنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ يَتَضَمَّنُهُ رَدُّهم إلى الكُفْرِ.
و"بِماكَسَبُوا" مَعْناهُ: بِما اجْتَرَحُوا مِنَ الكُفْرِ والنِفاقِ، أيْ إنَّ كُفْرَهم بِخَلْقٍ مِنَ اللهِ واخْتِراعٍ، وبِتَكَسُّبٍ مِنهُمْ، وقَوْلُهُ: "أتُرِيدُونَ" اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ الإبْعادُ واليَأْسُ مِمّا أرادُوهُ، والمَعْنى: أتُرِيدُونَ أيُّها المُؤْمِنُونَ القائِلُونَ بِأنَّ أُولَئِكَ المُنافِقِينَ مُؤْمِنُونَ أنْ تَسِمُوا بِالهُدى مَن قَدْ يَسَّرَهُ اللهُ لِضَلالَةٍ وحَتَّمَها عَلَيْهِ.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ "وَمَن يُضْلِلِ" فَلا سَبِيلَ إلى إصْلاحِهِ ولا إلى إرْشادِهِ.
<div class="verse-tafsir"
استئناف ابتدائي، جمع تمجيد الله، وتهديداً، وتحذيراً من مخالف أمره، وتقريراً للإيمان بيوم البعث، وردّاً لإشراك بعض المنافقين وإنكارهم البعث.
فاسم الجلالة مبتدأ.
وجملة ﴿ لا إله إلا هو ﴾ معترضة بين المبتدأ وخبره لتمجيد الله.
وجملة ﴿ ليجمعنكم ﴾ جواب قسم محذوف واقع جميعه موقع الخبر عن اسم الجلالة.
وأكّد هذا الخبر: بلام القسم، ونون التوكيد، وبتقديم المسند إليه على الخبر الفعلي، لتقوية تحقيق هذا الخبر.
إبطالاً لأنكار الذين أنكروا البعث.
ومعنى ﴿ لا ريب فيه ﴾ نفي أن يتطرّقه جنس الريب والشكّ أي في مَجيئه، والمقصود لا ريب حقيقياً فيه، أو أنّ ارتياب المرتابين لوهنه نُزّل منزلة الجنس المعدوم.
والاستفهام عن أن يكون أحد أصدق من الله هو استفهام إنكاري.
و«حديثاً» تمييز لنسبة فعل التفضيل.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَن يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنها ومَن يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنها ﴾ في الشَّفاعَةِ الحَسَنَةِ والشَّفاعَةِ السَّيِّئَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مَسْألَةُ الإنْسانِ في صاحِبِهِ أنْ يَنالَهُ خَيْرٌ بِمَسْألَتِهِ أوْ شَرٌّ بِمَسْألَتِهِ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ، ومُجاهِدٍ، وابْنِ زَيْدٍ.
والثّانِي: أنَّ الشَّفاعَةَ الحَسَنَةَ الدُّعاءُ لِلْمُؤْمِنِينَ، والشَّفاعَةَ السَّيِّئَةَ الدُّعاءُ عَلَيْهِمْ، لِأنَّ اليَهُودَ كانَتْ تَفْعَلُ ذَلِكَ فَتَوَعَّدَهُمُ اللَّهُ عَلَيْهِ.
وَفي الكِفْلِ تَأْوِيلانِ: أحَدُها: أنَّهُ الوِزْرُ والإثْمُ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ، وقَتادَةَ.
والثّانِي: أنَّهُ النَّصِيبُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ يُؤْتِكم كِفْلَيْنِ مِن رَحْمَتِهِ ﴾ وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ، والرَّبِيعِ، وابْنِ زَيْدٍ.
﴿ وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَعْنِي مُقْتَدِرًا، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ، وابْنِ زَيْدٍ.
والثّانِي: حَفِيظًا، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والزَّجّاجِ.
والثّالِثُ: شَهِيدًا، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ.
والرّابِعُ: حَسِيبًا، وهو قَوْلُ ابْنِ الحَجّاجِ، ويُحْكى عَنْ مُجاهِدٍ أيْضًا.
والخامِسُ: مُجازِيًا، وأصْلُ المُقِيتِ القُوتُ، فَسُمِّيَ بِهِ المُقْتَدِرُ لِأنَّهُ قادِرٌ عَلى إعْطاءِ القُوتِ، ثُمَّ صارَ اسْمًا في كُلِّ مُقْتَدِرٍ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مِن قُوتٍ وغَيْرِهِ، كَما قالَ الزُّبَيْرُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ: وذِي ضِغْنٍ كَفَفْتُ النَّفْسَ عَنْهُ وكُنْتُ عَلى مَساءَتِهِ مُقِيتا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأحْسَنَ مِنها أوْ رُدُّوها ﴾ في المُرادِ بِالتَّحِيَّةِ هَهُنا قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الدُّعاءُ بِطُولِ الحَياةِ.
والثّانِي: السَّلامُ تَطَوُّعٌ مُسْتَحَبٌّ، ورَدُّهُ فَرْضٌ، وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ فَرْضَ رَدِّهِ عامٌّ في المُسْلِمِ والكافِرِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، وابْنِ زَيْدٍ.
والثّانِي: أنَّهُ خاصٌّ في المُسْلِمِينَ دُونَ الكافِرِ، وهَذا قَوْلُ عَطاءٍ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِأحْسَنَ مِنها ﴾ يَعْنِي الزِّيادَةَ في الدُّعاءِ.
﴿ أوْ رُدُّوها ﴾ يَعْنِي بِمِثْلِها، ورَوى الحَسَنُ «أنَّ رَجُلًا سَلَّمَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ فَقالَ: السَّلامُ عَلَيْكم فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ : (وَعَلَيْكُمُ السَّلامُ ورَحْمَةُ اللَّهِ) ثُمَّ جاءَ آخَرُ فَقالَ: السَّلامُ عَلَيْكم ورَحْمَةُ اللَّهِ، فَقالَ النَّبِيُّ : (وَعَلَيْكُمُ السَّلامُ ورَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ) ثُمَّ جاءَ آخَرُ فَقالَ: (السَّلامُ عَلَيْكم ورَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ) فَقالَ النَّبِيُّ : وعَلَيْكم (فَقِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، رَدَدْتَ عَلى الأوَّلِ والثّانِي وقُلْتَ لِلثّالِثِ: وعَلَيْكم، فَقالَ: إنَّ الأوَّلَ سَلَّمَ وأبْقى مِنَ التَّحِيَّةِ شَيْئًا، فَرَدَدْتُ عَلَيْهِ بِأحْسَنَ مِمّا جاءَ بِهِ، كَذَلِكَ الثّانِي، وإنَّ الثّالِثَ جاءَ بِالتَّحِيَّةِ كُلِّها، فَرَدَدْتُ عَلَيْهِ مِثْلَ ذَلِكَ).» وَقَدْ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: تَرُدُّ بِأحْسَنَ مِنها عَلى أهْلِ الإسْلامِ، أوْ مِثْلِها عَلى أهْلِ الكُفْرِ، ورُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ أنَّهُ قالَ: «لا تَبْدَءُوا اليَهُودَ بِالسَّلامِ فَإنْ بَدَءُوكم فَقُولُوا: عَلَيْكم» (.
﴿ إنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَعْنِي حَفِيظًا، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ.
والثّانِي: مُحاسِبًا عَلى العَمَلِ لِلْجَزاءِ عَلَيْهِ، وهو قَوْلُ بَعْضِ المُتَكَلِّمِينَ.
والثّالِثُ: كافِيًا، وهو قَوْلُ البَلْخِيِّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اللَّهُ لا إلَهَ إلا هو لَيَجْمَعَنَّكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ ﴾ وفي تَسْمِيَةِ القِيامَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: لِأنَّ النّاسَ يَقُومُونَ فِيهِ مِن قُبُورِهِمْ.
والثّانِي: لِأنَّهم يَقُومُونَ فِيهِ لِلْحِسابِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج أحمد في الزهد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه بسند حسن عن سلمان الفارسي قال: «جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: السلام عليك يا رسول الله فقال: وعليك ورحمة الله، ثم أتى آخر فقال: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله.
فقال: وعليك ورحمة الله وبركاته، ثم جاء آخر فقال: السلام عليك ورحمة الله وبركاته.
فقال له: وعليك.
فقال له الرجل: يا نبي الله- بأبي أنت وأمي- أتاك فلان وفلان فسلما عليك فرددت عليهما أكثر مما رددت علي؟!
فقال: إنك لم تدع لنا شيئاً، قال الله: ﴿ وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها ﴾ فرددناها عليك» .
وأخرج البخاري في الأدب المفرد عن أبي هريرة «أن رجلاً مر على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في مجلس فقال: سلام عليكم.
فقال: عشر حسنات.
فمر رجل آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله.
فقال: عشرون حسنة.
فمر رجل آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
فقال: ثلاثون حسنة» .
وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن ابن عمر قال: «جاء رجل فسلم فقال: السلام عليكم.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: عشر.
فجاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: عشرون.
فجاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
فقال: ثلاثون» .
وأخرج البيهقي عن سهل بن حنيف قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قال: السلام عليكم كتب الله له عشر حسنات، فإن قال: السلام عليكم ورحمة الله كتب الله له عشرين حسنة، فإن قال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته كتب له ثلاثين حسنة» .
وأخرج أحمد والدرامي وأبو داود والترمذي وحسنه والنسائي والبيهقي عن عمران بن حصين «أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: السلام عليكم.
فرد عليه وقال: عشر.
ثم جاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله.
فرد عليه ثم جلس فقال: عشرون.
ثم جاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
فرد عليه ثم جلس فقال: ثلاثون» .
وأخرج أبو داود والبيهقي عن معاذ بن أنس الجهني قال: «جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم بمعناه زاد، ثم أتى آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله ورحمته وبركاته ومغفرته.
فقال: أربعون.
قال: هكذا تكون الفضائل» .
وأخرج ابن جرير عن السدي ﴿ وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها ﴾ يقول: «إذا سلم عليك أحد فقل أنت: وعليك السلام ورحمة الله، أو تقطع إلى السلام عليك كما قال لك» .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن عطاء في قوله: ﴿ وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها ﴾ قال: ذلك كله في أهل الإسلام.
وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن ابن عمر.
أنه كان إذا سلم عليه إنسان رد كما يسلم عليه، يقول: السلام عليكم.
فيقول عبد الله: السلام عليكم.
وأخرج البيهقي أيضاً عن عروة بن الزبير.
أن رجلاً سلم عليه فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
فقال عروة: ما ترك لنا فضل، إن السلام انتهى إلى وبركاته.
وأخرج البخاري في الأدب المفرد عن سالم مولى عبد الله بن عمر قال: كان ابن عمر إذا سلم عليه فرد زاد، فاتيته فقلت: السلام عليكم.
فقال: السلام: عليكم ورحمة الله، ثم أتيته مرة أخرى فقلت: السلام عليكم ورحمة الله.
فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ثم أتيته مرة أخرى فقلت: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وطيب صلواته.
وأخرج البيهقي من طريق المبارك بن فضالة عن الحسن في قوله: ﴿ فحيوا بأحسن منها ﴾ قال: تقول إذا سلم عليك أخوك المسلم فقال: السلام عليك.
فقل: السلام عليكم ورحمة الله ﴿ أو ردوها ﴾ يقول: إن لم تقل له السلام عليك ورحمة الله فرد عليه كما قال: السلام عليكم كما سلم، ولا تقل وعليك.
وأخرج ابن المنذر من طريق يونس بن عبيد عن الحسن في الآية قال: ﴿ أحسن منها ﴾ للمسلمين ﴿ أو ردوها ﴾ على أهل الكتاب قال: وقال الحسن: كل ذلك للمسلم.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: من سلم عليك من خلق الله فاردد عليه، وإن كان يهودياً أو نصرانياً أو مجوسياً، ذلك بأن الله يقول ﴿ وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها ﴾ .
وأخرج البخاري في الأدب وابن المنذر عن ابن عباس قال: لو أن فرعون قال لي: بارك الله فيك.
لقلت: وفيك بارك الله.
وأخرج البخاري في الأدب المفرد وابن جرير عن الحسن قال: السلام تطوّع، والرد فريضة.
وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «السلام اسم من أسماء الله وضعه الله في الأرض: فافشوه بينكم، وإذا مر رجل بالقوم فسلم عليهم فردوا كان له عليهم فضل درجة لأنه ذكرهم السلام، وإن لم يردوا عليه رد عليه من هو خير منهم وأفضل» .
وأخرج البخاري في الأدب المفرد عن ابن مسعود.
موقوفاً.
وأخرج البخاري في الأدب المفرد عن أنس قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن السلام اسم من أسماء الله وضعه الله في الأرض، فافشوا السلام بينكم» .
وأخرج البيهقي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن السلام اسم من أسماء الله تعالى وضعه الله في الأرض، فافشوه بينكم» .
وأخرج البيهقي عن ابن عمر قال: السلام اسم من أسماء الله، فإذا أنت أكثرت منه أكثرت من ذكر الله.
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن السلام اسم من أسماء الله جعله بين خلقه، فإذا سلم المسلم على المسلم فقد حرم عليه أن يذكره إلا بخير» .
وأخرج ابن مردويه عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أفشوا السلام بينكم فإنها تحية أهل الجنة، فإذا مر رجل على ملأ فسلم عليهم كان له عليهم درجة وإن ردوا عليه، فإن لم يردوا عليه رد عليه من هو خير منهم الملائكة» .
وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن أبي بكر الصديق قال: السلام أمان الله في الأرض.
وأخرج الحكيم الترمذي عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من بدا بالسلام فهو أولى بالله ورسوله» .
وأخرج البخاري في الأدب وابن مردويه عن عائشة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما حسدتكم اليهود على شيء ما حسدتكم على السلام والتأمين» ولفظ ابن مردويه قال: «إن اليهود قوم حسد، وإنهم لن يحسدوا أهل الإسلام على أفضل من السلام، أعطانا الله في الدنيا وهو تحية أهل الجنة يوم القيامة، وقولنا وراء الإمام آمين» .
وأخرج البيهقي عن الحارث بن شريح.
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن المسلم أخو المسلم، إذا لقيه رد عليه من السلام بمثل ما حياه به أو أحسن من ذلك، وإذا استأمره نصح له، وإذا استنصره على الأعداء نصره، وإذا استنعته قصد السبيل يسره ونعت له، وإذا استغاره أحد على العدو أغاره، وإذا استعاره الحد على المسلم لم يعره، وإذا استعاره الجنة أعاره لا يمنعه الماعون.
قالوا: يا رسول الله وما الماعون؟
قال: الماعون في الحجر والماء والحديد.
قالوا: وأي الحديد؟
قال: قدر النحاس وحديد الفاس الذي تمتهنون به.
قالوا: فما هذا الحجر؟
قال: القدر من الحجارة» .
وأخرج البيهقي عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا التقى المؤمنان فسلم كل واحد منهما على صاحبه وتصافحا، كان أحبهما إلى الله أحسنهما بشراً لصاحبه ونزلت بينهما مائة رحمة، للبادي تسعون وللمصافح عشر» .
وأخرج البيهقي عن الحسن.
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن من الصدقة أن تسلم على الناس وأنت منطلق الوجه» .
وأخرج الطبراني والبيهقي عن أبي أمامة.
سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الله جعل السلام تحية لأمتنا، وأماناً لأهل ذمتنا» .
وأخرج البيهقي عن زيد بن أسلم.
أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يسلم الراكب على الماشي، والماشي على القاعد، والقليل على الكثير، والصغير على الكبير، وإذا مر بالقوم فسلم منهم واحداً أجزأ عنهم، وإذا رد من الآخرين واحد أجزأ عنهم» .
وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عمرو قال: «مر على النبي صلى الله عليه وسلم رجل وعليه ثوبان أحمران فسلم عليه، فلم يرد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم» .
وأخرج البيهقي عن سعيد بن أبي هلال الليثي قال: سلام الرجل يجزي عن القوم، ورد السلام يجزي عن القوم.
وأخرج البيهقي عن ابن عباس قال: إني لأرى جواب الكتاب حقاً، كما أرى حق السلام.
وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان بن عيينة في قوله: ﴿ وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها ﴾ قال: ترون هذا في السلام وحده؟
هذا في كل شيء، من أحسن إليك فأحسن إليه وكافئه، فإن لم تجد فادع له أو أثن عليه عند إخوانه.
وأخرج عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ إن الله كان على كل شيء ﴾ يعني من التحية وغيرها ﴿ حسيباً ﴾ يعني شهيداً.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد ﴿ حسيباً ﴾ قال: حفيظاً.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ ﴾ هذه لام القسم، كأنه قيل: والله ليجمعنكم (١) (٢) قال أبو إسحاق: جائز أن تكون سميت القيامة؛ لأن الناس يقومون من قبورهم، وجائز أن تكون سميت القيامة؛ لأنَّ الناس يقومون للحساب، قال الله تعالى: ﴿ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ (٣) وقوله تعالى: ﴿ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا ﴾ .
قال ابن عباس: "يريد موعدًا" (٤) وقال مقاتل: لا أحد أصدق من الله في أمر البعث (٥) وإنما جاء النفي ههنا بأداة الاستفهام؛ لأن جوابه يكون على معنى النفي فيما تقتضيه حجة العقل، فجاء هذا على المظاهرة برد الإنسان فيه إلى حجة عقله، وكان ذلك أبلغ من إخباره به، وهذا كما يقول القائل: ومن أفضل منِّي؟
فيقول من يصدقه ويعرف صدقه في ذلك: لا أحد أفضل منك.
فكان هذا أبلغ من أن يقول: أنا أفضل الناس.
ومضى مثل هذا فيما تقدم.
والحديث ما يُحَدِّث به المحدث، والحديث الجديد من الأشياء (٦) ﴿ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا ﴾ كقولك: ومن أصدق من الله إخبارًا أو خبرًا وقلًا وقيلًا، كلها متقارب.
ومن هذا المعنى سمي القرآن حديثًا في قوله تعالى: ﴿ اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ ﴾ لحدوث تلاوته فيما بيننا، فأما نفس كلام الله تعالى فقديم، لم يزل الباري تعالى ذكره متكلمًا.
(١) "معاني الزجاج" 2/ 87، وانظر: "بحر العلوم" 1/ 373، و"زاد المسير" 2/ 152.
(٢) انظر: الطبري 5/ 191، و"معاني الزجاج" 2/ 87، و"بحر العلوم" 1/ 373.
(٣) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 87 بتصرف، وانظر: "النكت والعيون" 1/ 514، و"زاد المسير" 2/ 152.
(٤) أورده المؤلف في "الوسيط" 2/ 645، ولم أقف عليه.
(٥) "تفسيره" 1/ 394، وانظر: "البحر المحيط" 3/ 312.
(٦) "تهذيب اللغة" 1/ 756، وانظر: "الصحاح" 1/ 278 (حدث).
<div class="verse-tafsir"
﴿ لَيَجْمَعَنَّكُمْ ﴾ جواب قسم محذوف، وتضمن معنى الحشر ولذلك تعدّى بإلى ﴿ وَمَنْ أَصْدَقُ ﴾ لفظه استفهام، ومعناه لا أحد أصدق من الله.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ ومن أصدق ﴾ وكل صاد ساكنة بعدها دال بإشمام الصاد الزاي: علي ورويس وحمزة غير العجلي.
﴿ حصرت صدورهم ﴾ وبابه مدغماً: أبو عمرو وحمزة وعلي وخلف وابن عامر.
وقرأ سهل ويعقوب والمفضل ﴿ حصرة صدورهم ﴾ بالنصب والتنوين.
الوقوف: ﴿ القرآن ﴾ ط لتناهي الاستفهام إلى الشرط.
﴿ كثيراً ﴾ ه ﴿ أذاعوا به ﴾ ط ﴿ منهم ﴾ ط ﴿ قليلاً ﴾ ه ﴿ في سبيل الله ﴾ ج ط لأن قوله: ﴿ لا تكلف ﴾ يحتمل الاستئناف والحال أي قاتل غير مكلف.
﴿ إلاّ نفسك ﴾ ط لعطف قوله: ﴿ وحرض ﴾ على قوله: ﴿ فقاتل ﴾ .
﴿ المؤمنين ﴾ ج لأنّ ﴿ عسى ﴾ مستأنف لفظاً ومتصل معنى لأنه لترجية نجح ما أمر به.
﴿ كفروا ﴾ ط ﴿ تنكيلاً ﴾ ه ﴿ نصيب منها ﴾ ط لابتداء شرط آخر مع واو العطف.
﴿ كفل منها ﴾ ط ﴿ مقيتاً ﴾ ه ﴿ ردوها ﴾ ط ﴿ حسيباً ﴾ ه ﴿ إلا هو ﴾ ط ﴿ لا ريب فيه ﴾ ط ﴿ حديثاً ﴾ ه ﴿ بما كسبوا ﴾ ط ﴿ من أضلّ الله ﴾ ط لتناهي الاستفهام إلى الشرط.
﴿ سبيلاً ﴾ ه ﴿ في سبيل الله ﴾ ط ﴿ وجدتموهم ﴾ ص ﴿ نصيراً ﴾ ه ط ﴿ أو يقاتلوا قومهم ﴾ ط ﴿ فلقاتلوكم ﴾ ط ﴿ السلم ﴾ لا لأن ما بعده جواب "فإن".
﴿ سبيلاً ﴾ ه ﴿ قومهم ﴾ ط ﴿ أركسوا فيها ﴾ ج ﴿ ثقفتموهم ﴾ ط ﴿ مبيناً ﴾ ه.
التفسير: لما حكي عن المنافقين ما حكى وكان السبب فيه اعتقادهم أنه غير محق في ادعاء الرسالة، أمرهم بالتفكر والتدبر وهو النظر في عواقب الأمور وأدبارها، ومنه قول أكثم: لا تدبروا أعجاز أمور قد ولت صدورها.
ويقال في فصيح الكلام: لو استقبلت من أمري ما استبدرت.
أي لو عرفت في صدره ما عرفت من عاقبته.
وظاهر الآية يدل على أنه احتج بالقرآن على صحة نبوة محمد وإلا انقطع النظم.
ودلالة القرآن على صدق النبي من ثلاثة أوجه: الفصاحة والاشتمال على الغيوب والسلامة من الاختلاف وهو المقصود من الآية.
واختلف المفسرون في المراد من سلامته من الاختلاف.
فقال أبو بكر الأصم: معناه / أن المنافقين كانوا يتواطئون في السر على أنواع كثيرة من المكايد، والرسول كان يخبرهم عنها حالاً فحالاً.
فقيل لهم: إن ذلك لو لم يحصل بإخبار الله لم يطرد صدقه ولظهر أنواع الاختلاف والتفاوت.
وقال أكثر المتكلمين: المراد تجاوب معانيه وتلاؤم مقاصده مع أنه مشتمل على علوم كثيرة وفنون غزيرة، ولو كان من عند غير الله لم يخل من تناقض واضطراب.
والذي تظن به التناقض كقوله: ﴿ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان ﴾ مع قوله: ﴿ لنسألنهم أجمعين ﴾ أو كقوله: ﴿ فإذا هي ثعبان مبين ﴾ مع قوله: ﴿ كأنها جان ﴾ ليس بذاك عند التدبر وملاحظة شروط التناقض من اتحاد الزمان والمكان وغيرهما وقال أبو مسلم: المراد صحة نظمه وكون كله بل كل جزء من أجزائه وأبعاضه بالغاً حد الإعجاز.
ومن المعلوم أن الإنسان وإن كان في غاية البلاغة ونهاية الفصاحة إذا كتب كتاباً طويلاً مشتملاً على المعاني الكثيرة فلا بد أن يظهر التفاوت في كلامه بحيث يكون بعضه قوياً متيناً وبعضه سخيفاً نازلاً، ولما لم يكن القرآن كذلك علمنا أنه معجز من عند الله .
وفي الآية دلالة على وجوب النظر والاستدلال أعني التدبر فيما إليه سبيل.
وقال الجبائي: فيها دلالة على أن أفعال العباد غير مخلوقة لله لأن فعل العبد لا ينفك عن التفاوت والاختلاف.
والجواب أنه لا يلزم من كون كلامه غير متفاوت ولا مختلف أن لا تكون أفعاله مختلفة بحسب اختلاف المظاهر والقوابل.
سلمنا لكن اختلافه وهو كونه غير مطابق للأغراض والمقاصد الإنسانية قد يكون بحسب نظرنا لا بحسب الأمر نفسه.
ثم حكى عن المنافقين - وقيل عن ضعفة المسلمين - أنه إذا جاءهم الخبر بأمر من الأمور سواء كان ذلك الأمر من باب الأمن أو من باب الخوف أذاعوا به وأفشوه.
يقال: أذاع السر وأذاع به لغتان.
ويجوز أن يكون معنى أذاع به فعل به الإذاعة وهو أبلغ.
ولا يخفى ما في ذلك الإفشاء من الضرر من جهة أن الإرجاف لا ينفكعن الكذب، ومن جهة أن تلك الزيادات إن كانت في جانب الأمن ولم تقع أورثت شبهة لضعفة المسلمين في صدق الرسول، لأن المنافقين كانوا يروونها عن الرسول، وإن كانت في جانب الخوف حصل اضطراب في الضعفة ووقعوا في الحيرة، وأيضاً البحث عن الإرجاف موجب ظهور الأسرار وذلك لا يوافق مصلحة المدينة فربما وصل الخبر إلى الكفار فاستعدوا للقتال أو تحصنوا.
وفي معنى الآية أقوال: الأول: ولو ردوا ذلك الخبر إلى رسول الله وإلى أولي الأمر - وهم كبار الصحابة البصراء بالأمور أو الذين كانوا يؤمرون منهم - ﴿ لعلمه ﴾ لعلم تدبير ما أخبروا به ﴿ الذين يستنبطونه ﴾ الذين يستخرجون تدبيره بفطنهم وتجاربهم ومعرفتهم بأمور الحرب ومكايدها، وأصل الاستنباط إخراج النبط وهو الماء يخرج من / البئر أول ما تحفر فاستعير لاستخراج المعاني.
والتدبير الثاني: كانوا يقفون من رسول الله وأولي الأمر على أمن ووثوق بالظهور على بعض الأعداء، أو على خوف واستشعار فيذيعونه فتعود إذاعتهم مفسدة.
فقيل لهم: لو فوضوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر وكانوا كأن لم يسمعوا العلم الذي يستنبطون تدبيره كيف يدبرونه وما يأتون ويذرون فيه.
الثالث: كانوا يسمعون من أفواه بعض المنافقين شيئاً من خبر السرايا غير معلوم الصحة فيذيعونه فقيل لهم: لو سكتوا حتى سمعوه من الرسول وأولي الأمر لعلمه صحته وهل هو مما يذاع أو لا يذاع فالمستنبطون هم المذيعون.
ومعنى يستنبطونه منهم يتلقونه من الرسول وأولي الأمر ويستخرجون علمه من جهنم.
قالت العلماء: في الآية دلالة على أن القياس حجة لأنهم أمروا أن يرجعوا في معرفة الوقائع إلى أولي الأمر من المستنبطين.
فرواية النص لا تكون استنباطاً فهو إذن رد واقعة إلى نظيرها وهو القياس.
واعترض بأنا لا نسلم أن المستنبطين هم العلماء وأولو الآراء بل هم المذيعون كما في القول الثالث.
سلمنا لكن الآية نزلت في الحروب، ولا يلزم من جواز الاستنباط في الوقائع المتعلقة بها جواز الاستنباط في الوقائع الشرعية.
فإن قيس أحد البابين على الآخر كان إثباتاً للقياس الشرعي بالقياس الشرعي.
سلمنا لكن لم لا يجوز أن يكون المراد استخراج الأحكام الشرعية من النصوص الخفية أو من تركيبات النصوص أو بالبراءة الأصلية أو بحكم العقل كما يقول الأكثرون إن الأصل في المنافع الإباحة وفي المضار الحرمة وكل هذه الأمور ليست من القياس الشرعي في شيء؟
سلنما أن القياس الشرعي داخل في الآية.
لكن بشرط كونه مفيداً "للعلم" بدليل قوله ﴿ لعلمه الذين يستنبطونه ﴾ ولا نزاع في مثله إنما النزاع في أن القياس المفيد للظن هل هو حجة أن لا.
وأجيب بأن صرف المستنبطين إلى المذيعين ليس بالقوي إذ لو كان المراد ذلك لكان الأليق بنظم الكلام أن يقال: ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر لعلموه من غير إقامة المظهر مقام المضمر.
وعن الثاني بأن الأمن او الخوف عام في كل ما يتعلق بباب التكليف.
ولئن سلم أنه مخصوص بأمور الحرب فإذا عرف أحكام الحروب بالقياس الشرعي لزم جواز التمسك به في سائر الوقائع إذ لا قائل بالفرق.
ألا ترى أن من قال القياس حجة في باب البيع لا في باب النكاح لم يلتفت إليه؟
وعن الثالث أن شيئاً من ذلك لا يسمى استنباطاً.
وعن الرابع أن العلم قد يراد به الظن الغالب.
سلمنا لكن القياس الشرعي عندنا يفيد العلم لأنه مهما غلب على الظن أن حكم الله في الأصل معلل بكذا ثم غلب على الظن أن ذلك المعنى قائم في الفرع، حصل ظن أن حكم الله في الفرع مساوٍ لحكمه في الصل، وعند هذا الظن نقطع بأنه مكلف بأن يعمل على وفق هذا الظن وهذا معنى قولهم: "الظن واقع في طريق الحكم" والحكم مقطوع به كأنه قال: مهما / غلب على ظنك كذا في الواقعة الفلانية فاعلم قطعاً أن حكمي فيها كذا.
أما قوله ﴿ لاتبعتم الشيطان إلا قليلاً ﴾ فظاهره يقتضي إشكالاً وهو أن قليلاً من الناس لا يحتاج في عدم اتباع الشيطان إلى فضل الله ورحمته، لكن الاحتياج بالنسبة إلى كل واحد من الناس ثابت بالاتفاق فهذا تناقض.
فذكر المفسرون في إزالة التناقض وجوهاً الأول: أن الاستثناء راجع إلى قوله: ﴿ أذاعوا به ﴾ كأنه أخرج بعض المنافقين من هذه الإذاعة كما أخرجهم في قوله: ﴿ بيت طائفة ﴾ الثاني: أنه عائد إلى قوله: ﴿ لعلمه ﴾ يعني لعلمه الذين يستنبطونه منهم إلاّ قليلاً.
قال الفراء والمبرد: القول الأول أولى لأن ما يعلم بالاستنباط فالأقل يعلمه والأكثر يجهله.
وصرف الاستثناء إلى ما ذكروه يقتضي ضد ذلك، قال الزجاج: هذا غلط لأنه لا يراد بهذا الاستنباط ما يستخرج بنظر دقيق وفكر غامض إنما هو استنباط خبر، وإذا كان كذلك فالأكثرون يعرفونه إلاّ البالغ في البلادة.
والإنصاف أن الاستنباط لو حمل على مجرد تفرق الأخبار والأراجيف فكلام الزجاج الصحيح وإن كان محمولاً على استخراج الأحكام الشرعية كما مر فالحق ما ذكره الفراء والمبرد.
الثالث: أن الاستثناء مصروف إلى ما يليه كما هو حق النسق لأن الفضل والرحمة مفسران بشيء خاص وفيه وجهان: أحدهما قول جماعة من المفسرين أن المراد إنزال القرآن وبعثة محمد والتقدير: لولا بعثة محمد وإنزال القرآن لاتبعتم الشيطان ولكفرتم بالله إلاّ القليل منكم فإن ذلك القليل بتقدير عدم بعثة محمد ما كان يكفر بالله وهم مثل قس بن ساعدة وورقة بن نوفل وزيد بن عمرو بن نفيل، كانوا مؤمنين بالله قبل بعثة محمد .
وثانيهما قول أبي مسلم أن المراد بالفضل والرحمة ههنا نصرته ومعونته اللذان تمناهما المنافقون بقولهم: ﴿ فأفوز فوزاً عظيماً ﴾ والتقدير: لولا حصول النصر والظفر على سبيل التتابع لتركتم الدين إلاّ القليل منكم وهم أهل البصائر والعزائم، ومن أفاضل المؤمنين الذين يعلمون أنه ليس من شرط كونه حقاً حصول الدولة في الدنيا، فلا تواتر الفتح والظفر يدل على كونه حقاً، ولا انقطاع النصر والغلبة يدل على كونه باطلاً، بل الأمر في كونه حقاً وباطلاً مبني على الدليل وهذا أحسن الوجوه.
قوله: ﴿ فقاتل ﴾ قيل: إنه جواب لقوله: ﴿ ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل ﴾ كأنه قال: إن أردت الفوز فقاتل.
وقيل: إنه متصل بمعنى ما ذكر من قصص المنافقين كذا وكذا فلا تعتد بهم ولا تلتفت إليهم بل قاتل فإنك لا تؤاخذ إلاّ بفعلك، فإذا أديت فرضك لم تكلف فرض غيرك، ويعلم من قوله: ﴿ وحرض المؤمنين ﴾ أن الواجب على الرسول إنما هو الجهاد وتحريض الناس على الجهاد أي الحث والإحماء عليه، فإذا أتى بالأمرين فقد خرج عن عهدة التكليف وليس عليه من كون غيره تاركاً شيء.
واعلم أن الجهاد في حق غير الرسول من فروض الكفايات، فما لم يغلب على الظن أنه مفيد لم يجب / بخلاف رسول الله فإنه على ثقة من النصر والظفر بدليل قوله: ﴿ والله يعصمك من الناس ﴾ وبدليل قوله ههنا: ﴿ عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا ﴾ وعسى من الله جزم لأن الرجاء عليه محال فهو إطماع وإطماع الكريم إيجاب فلزمه الجهاد وإن كان وحده فلا جرم أنه قال في بدر الصغرى: " لأخرجن وحدي" فخرج وتبعه سبعون راكباً، ولو لم يتبعه أحد لخرج وحده، ثم إنه كف بأس المشركين وألقى الرعب في قلوب أبي سفيان وأصحابه حتى ندموا وترك الحرب في تلك السنة.
وفي الآية دليل على أنه كان أشجع الخلق لأنه لم يأمره بالقتال وحده إلاّ أنه كذلك.
وقيل: اقتدى به أبو بكر حيث حاول الخروج وحده إلى قتال مانعي الزكاة ومن عرف أن الأمر كله بيد الله وأنه لا يحدث شيء إلاّ بقضاء الله سهل عليه الفوت وكان بمعزل عن تقية الموت.
﴿ والله أشد بأساً ﴾ من قريش ﴿ وأشد تنكيلاً ﴾ تعذيباً لأن عذاب الله دائم وعذاب غيره غير دائم، وعذاب غير الله يخلصه الله عنه وعذاب الله لا يقدر أحد على تخليصه منه، وعذاب غير الله يكون من وجه واحد وعذاب الله يصل إلى جميع الأبعاض والأجزاء ويشمل الروح والجسم فهذا طرف من الفرق والله أعلم بكنه عذابه ونعوذ بالله من عقابه.
قوله : ﴿ من يشفع شفاعة حسنة ﴾ وجه نظمه يعرف من تفسيره وذلك أنه قيل: المراد منه تحريض النبي إياهم على الجهاد، لأنه إذا كان يأمرهم بالغزو فقد جعل نفسه شفيعاً لهم في تحصيل الأغراض المتعلقة بالجهاد.
وأيضاً التحريض وهو الحث على سبيل الرفق والتلطف والتهديد جار مجرى الشفاعة.
وقيل: كان بعض المنافقين يشفع لمنافق آخر في أن يأذن له الرسول في التخلف عن الجهاد، وكان بعض المؤمنين يشفع لمؤمن آخر عند مؤمن ثالث أن يحصل له عدّة الجهاد فنزلت.
ونقل الواحدي عن ابن عباس أن الشفاعة الحسنة ههنا هي ان يشفع إيمانه بالله بقتال الكفار، والشفاعة السيئة أن يشفع كفره بالله بمحبة الكفار وترك إيذائهم.
وقال مقاتل: الشفاعة إلى الله إنما هي دعوة الله المسلم لما روي عن النبي : " "من دعا لأخيه المسلم بظهر الغيب استجيب له وقال له الملك ولك مثل ذلك" " فذلك النصيب والدعوة على المسلم بضد ذلك.
وقال الحسن ومجاهد والكلبي وابن زيد: هي مطلق الشفاعة والحسنة منها هي التي بها روعي حق مسلم ودفع بها عنه شر أو جلب إليه خير وابتغى بها وجه الله ولم يؤخذ عليها رشوة كانت في أمر حائز لا في حد من حدود الله ولا في إبطال حق من الحقوق، والسيئة ما كان بخلاف ذلك، وعلى هذا فوجه النظم أن التحريض على الجهاد بعث على الفعل الحسن وأنه نوع شفاعة كما مر في القول / الأول.
وعن مسروق أنه شفع شفاعة فأهدى إليه المشفوع له جارية فغضب وردها وقال: لو علمت ما في قلبك لما تكلمت في حاجتك ولا أتكلم فيما بقي منها.
قال أهل اللغة: الكفل أيضاً النصيب فهل لاختلاف اللفظين فائدة؟
فأجيب بأن الكفل اسم للنصيب الذي يكون عليه اعتماد الإنسان ومنه يقال "كفل البعير واكتفله" إذا أدار حول سنامه كساء وركب.
والكفيل الضامن لأن الغريم اعتمد عليه.
والتقدير من يشفع شفاعة سيئة يكن له منها نصيب يعتمد عليه ويكون له ذخيرة في معاشه ومعاده والغرض التهكم وحصول ضد ذلك مثل: ﴿ فبشرهم بعذاب أليم ﴾ ﴿ وكان الله على كل شيء مقيتاً ﴾ أي مقتدراً وحفيظاً.
واشتقاقه من القوت لأنه يمسك النفس ويحفظها.
والغرض أنه قادر على كل المقدورات حفيظ لجميع المعلومات فيجازي كل شافع بما يليق بحاله، ثم لما أمر المؤمنين بالجهاد أمرهم أيضاً بأن الأعداء لو رضوا بالمسالمة أو ألقوا في المبارزة بالسلم فقابلوهم بالإكرام وأيضاً السلام دعاء بالسلامة والدعاء نوع من الشفاعة والتحية تفعلة من الحياة ويجيء الناقص من باب التفعيل على "تفعلة" مثل: تسلية وتعزية.
لكنه أدغم ههنا لاجتماع المثلين.
وكانت العرب تقول عند التلاقي حياك الله.
دعاء له بالحياة فأبدل الله ذلك بالسلام، ولعمري إن هذا أحسن لأن الحياة إن لم تكن مقرونة بالسلامة لم يعتد بها بل لعل الموت خير منها، ولأن السلام اسم من اسماء الله فالابتداء به أولى، ولأن دفع الضرر أهم من جلب النفع وقد سلم الله عليك يا مؤمن في اثني عشر موضعاً في الأزل ولهذا سمى نفسه بالسلام، وعلى لسان نوح: ﴿ يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك ﴾ والمراد أمة محمد عليك على لسان جبريل: ﴿ تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر سلام ﴾ قال المفسرون إنه خاف على أمته أن يصيروا مثل أمة موسى وعيسى فقال الله : لا تهتم بذلك فإني وإن أخرجتك من الدنيا إلاّ إني جعلت جبرائيل خليفة لك ينزل إلى أمتك كل ليلة قدر ويبلغهم السلام مني.
وسلم عليك على لسان موسى: ﴿ والسلام على من اتبع الهدى ﴾ وسلم عليك على لسان محمد : ﴿ قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى ﴾ وأمر محمداً بالسلام عليك: ﴿ وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم ﴾ وأمر المؤمنين بالسلام: ﴿ وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها ﴾ وسلم عليك على لسان ملك الموت: ﴿ الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ﴾ قيل: إن ملك الموت يسلم في أذن المسلم: السلام يقرئك السلام ويقول: أجبني فإني مشتاق إليك واشتاقت الجنات والحور العين إليك، فإذا سمع المؤمن البشارة يقول لملك الموت: لا هدية أعز من روحي فاقبض روحي هدية لك.
وسلم عليك من الأرواح الطاهرة: ﴿ وأما إن كان من أصحاب اليمين فسلام لك من أصحاب اليمين ﴾ وسلم عليك على لسان خزنة الجنة: ﴿ وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين ﴾ وسلم عليك على لسان الملائكة في الجنة: ﴿ والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم ﴾ وسلم عليك على لسان أهل الجنة: ﴿ تحيتهم يوم يلقونه سلام ﴾ وسلم عليك إلى الأبد: ﴿ سلام قولاً من رب رحيم ﴾ ولما أراد إكرام يحيى وعده بالسلام في مواطن ثلاثة هي أشد الأوقات حاجة إلى السلام فقال: ﴿ وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حياً ﴾ ولما ذكر تعظيم محمد قال: ﴿ إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً ﴾ {الأحزاب:56] وعن عبد الله بن سلام قال: لما سمعت بقدوم رسول الله دخلت في غمار الناس فأول ما سمعت عنه: " يا أيها الناس أفشوا السلام وأطعموا الطعام وصلوا الأرحام وصلّوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام " وكانت تحية النصارى وضع اليد على الفم، وتحية اليهود الإشارة بالأصابع، وتحية المجوس الانحناء، وتحية الجاهلية "حياك الله"، وتحيتهم للملوك "أنعم صباحاً" فشتان ما بين تحياتهم وتحيتنا "السلام عليك ورحمة الله وبركاته" وفي هذا دليل على أن هذا الدين أشرف الأديان وأكملها.
ومما يدل على فضيلة السلام عقلاً أن الوعد بالنفع قد يقدر الإنسان على الوفاء به وقد لا يقدر، وأما الوعد بترك الضرر فإنه يقدر عليه لا محالة والسلام يدل عليه فهو أفضل أنواع التحية.
قال بعض العلماء: فمن دخل بيتاً وجب عليه أن يسلم على الحاضرين لقوله : ﴿ فإذا دخلتم بيوتاً فسلموا على أنفسكم ﴾ وقال : "أفشوا السلام" والأمر للوجوب، ولأن السلام بشارة بالسلامة وإزالة الضرر وهو واجب لقوله: " "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده" ولأنه من شعائر الإسلام وإظهار شعائر الإسلام واجب.
وعن ابن عباس والنخعي وأكثر العلماء أن السلام سنة.
وأما الجواب فواجب بالإجماع لأن ترك الجواب إهانة والإهانة ضرر والضرر حرام ولقوله : ﴿ وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها ﴾ وظاهر الأمر الوجوب وعن ابن عباس: ما من / رجل يمر على قوم مسلمين فيسلم عليهم ولا يردون عليه إلاّ نزع عنهم روح القدس وردت عليه الملائكة.
قال العلماء: الأحسن أن يزيد في جواب السلام والرحمة، وإن ذكر في الابتداء السلام والرحمة زاد في جوابه البركة، وإن ذكر المجموع أعادها فقط فإن منتهى الأمر في السلام أن يقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
لأن هذا القدر هو الوارد في التشهد.
وروي "أن رجلاً قال لرسول الله : السلام عليك يا رسول الله.
فقال: وعليك السلام ورحمة الله، وقال آخر: السلام عليك ورحمة الله.
فقال: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته.
وجاء ثالث وقال السلام عليك ورحمة الله وبركاته.
فقال: وعليك فقال: نقصتني فأين قول الله: ﴿ فحيوا بأحسن منها ﴾ فقال: إنك لم تترك لي فضلاً فرددت عليك مثله" .
فقوله : ﴿ أو ردوها ﴾ أي أجيبوها بمثلها، ورد السلام كرّه ورجعة إما إشارة إلى هذه الصورة وإما إلى التخيير بين الزيادة وتركها، ورد الجواب فرض على الكفاية إذا قام به بعض سقط عن الباقين.
والأولى أن يقوم به الكل إكثاراً للإكرام، والأحسن أن يدخل حرف العطف فيقول: وعليكم السلام.
وهو واجب على الفور بقدر ما يعهد بين الإيجاب والقبول في العقود فإن أخر عن ذلك كان ابتداء سلام لا جواباً وإذا ورد عليه سلام في كتاب فجوابه بالكتابة أيضاً واجب لقوله: ﴿ وإذا حييتم بتحية فحيوا ﴾ ومن قال لآخر أقرىء فلاناً عني السلام وجب عليه أن يفعل.
قال العلماء: المبتدىء يقول السلام عليكم والمجيب يقول: وعليكم السلام ليقع الابتداء والاختتام بذكر الله.
فإن خالف المبتدىء فليكن الاختتام بحاله.
ويجوز "سلام عليكم" بل قالوا إنه أولى من المعرف لأن المنكر في القرآن أكثر، وإن المنكر ورد من الله والملائكة والمؤمنين، والمعرف ورد في تسليم الإنسان على نفسه، قال موسى: ﴿ والسلام على من اتبع الهدى ﴾ وقال عيسى: ﴿ والسلام عليّ يوم ولدت ﴾ وأيضاً المعرف يدل على أصل الماهية والمنكر على الماهية مع وصف الكمال.
ومن السنة أن يسلم الراكب لزيادة هيبته على الماشي، وراكب الفرس على راكب الحمار، والصغير على الكبير، والأقل على الأكثر احتراماً للجماعة، والقائم على القاعد لأنه الواصل إليه لأن القائم أهيب ومن السنة الجهر بالسلام لأنه أقوى في إدخال السرور في القلب.
ومنها الابتداء به إظهاراً للتواضع، ومنها الإفشاء والتعميم لأن التخصيص إيحاش، والمصافحة عند السلام عادة النبي : " إذا تصافح المسلمان تحاتت ذنوبهما كما يتحات ورق الشجر " ومن استقبله رجل واحد فليقل: سلام عليكم وليقصد الرجل والملكين لأنه إذا سلم عليهما ردا السلام عليه، ومن سلم الملك عليه فقد سلم من عذاب / الله، ومن دخل بيتاً خالياً فليسلم ويكون كأنه سلام من الله على نفسه، أو سلام على من فيه من مؤمني الجن، أو طلب السلامة ببركة اسم السلام ممن في البيت من الشياطين والمؤذيات.
ولو قال: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين كان حسناً، ومن السنة أن يكون المبتدىء بالسلام على الطهارة وكذا المجيب.
روي أن واحداً سلم على رسول الله وهو في قضاء الحاجة فقام وتيمم ثم رد الجواب.
وإذا دخل يوم الجمعة والإمام يخطب فلا ينبغي أن يسلم لاشتغال الناس بالاستماع، فإن سلم ورد بعضهم فلا بأس، ولو اقتصروا على الإشارة كان أحسن.
ومن دخل الحمام فرأى الناس متزرين سلم عليهم فإن لم يكونوا مترزين لم يسلم عليهم.
والأولى ترك السلام على القارىء كيلا يقطع عليه باشتغاله بالجواب، وكذا القول فيمن كان مشتغلاً برواية الحديث ومذاكرة العلم أو بالأذان أو الإقامة.
ولا يسلم على المشغول بالأكل هكذا أطلق وحمله بعضهم على ما إذا كانت اللقمة في فيه.
ولا يسلم على قاضي الحاجة قال أبو يوسف: ولا على لاعب النرد ولا على المغني ومطير الحمام وكل من كان مشتغلاً بنوع معصية، ولا مانع من السلام على من هو في مساومة أو معاملة.
وإذا دخل الرجل بيته سلم على امرأته فإن حضرت أجنبية هناك لم يسلم عليها، وإذا سلمت الأجنبية عليه وكان يخاف في رد الجواب عليها تهمة أو فتنة لم يجب الرد بل الأولى أن لا يفعل.
وحيث قلنا لا يسلم فلو سلم لم يجب عليها الرد لأنه أتى بفعل منهي عنه فكان وجوده كعدمه.
وروي عن النبي أنه قال: " لا يبتدأ اليهودي بالسلام " وعن أبي حنيفة أنه قال: لا تبتدئه بسلام في كتاب ولا في غيره.
وعن أبي يوسف: لا تسلم عليهم ولا تصافحهم وإذا دخلت فقل: السام على من اتبع الهدى.
ولا بأس في الدعاء له بما يصلحه في دنياه، ورخص بعض العلماء في ابتداء السلام عليهم إذا دعت إلى ذلك حاجة، أما إذا سلموا علينا فقال أكثر العلماء ينبغي أن نقول: وعليك لما روي أن اليهود تقول للمسلمين: السلام عليكم، وعن الحسن: يجوز أن يقول للكافر وعليك السلام ولا يقل: ورحمة الله.
لأنها استغفار.
وعن الشعبي أنه قال لنصراني سلم عليه عليك السلام ورحمة الله فقيل له في ذلك؟
فقال: أليس في رحمة الله يعيش؟
واعلم أن مذهب أبي حنيفة أن من وهب لغير ذي رحم محرم فله الرجوع فيها ما لم يثب منها، فإذا أثيب منها فلا رجوع له فيها.
وقال الشافعي: له الرجوع في حق الولد وليس له الرجوع في حق الأجنبي.
واحتج لأبي حنيفة بالآية وذلك أن التحية تشمل جميع أنواع الإكرام فتشمل الهبة ومقتضاها وجوب / الرد إذا لم يصر مقابلاً بالأحسن، فإذا لم يثبت الوجوب فلا أقل من الجواز، وقال الشافعي: هذا الأمر محمول على الندب بدليل أنه لو أثيب بما هو أقل منه سقطت مكنة الرد بالإجماع مع أن ظاهر الآية يقتضي أن يثاب بالأحسن.
ثم احتج الشافعي على قوله بما روي عن ابن عباس وابن عمر أن النبي قال: " لا يحل لرجل أن يعطي عطية أو يهب هبة فيرجع فيها إلاّ الوالد فيما يعطي ولده " ﴿ إن الله كان على كل شيء حسيباً ﴾ فيحاسبكم على محافظة حقوق التحية وغيرها، فكونوا على حذر من مخالفته.
ثم أكد الوعيد بقوله: ﴿ الله لا إله إلاّ هو ليجمعنكم ﴾ فالأول توحيد والثاني عدل كأنه يقول: من سلم عليكم وحياكم فاقبلوا سلامة وأكرموه وعاملوه بناء على الظاهر فإن البواطن إنما يعرفها الله الذي لا اله إلاّ هو، وإنما تنكشف بواطن الخلق للخلق في يوم القيامة الذي يجمع فيه الأولون والآخرون للجزاء والحساب.
وقوله: ﴿ لا إله إلاّ هو ﴾ إما خبر المبتدأ وإما اعتراض والخبر: ﴿ ليجمعنكم ﴾ والتقدير الله والله ليجمعنكم إلى يوم القيامة أي ليضمنكم إليه ويجمعن بينكم وبينه بأن يبعثكم فيه، والقيامة والقيام كالطلابة والطلاب وهي قيامهم من القبور أو قيامهم للحساب.
قال : ﴿ يوم يقوم الناس لرب العالمين ﴾ ﴿ ومن أصدق من الله حديثاً ﴾ استفهام على سبيل الإنكار، وذلك أن الصدق من صفات الكمال والكمال للواجب أولى وأحق وأقدم وأتم من غيره، والمعتزلة نفوا عنه الكذب بناء على أنه قبيح، ومن كذب لم يكذب إلاّ لأنه محتاج إلى أن يكذب لجر منفعة أو دفع مضرة، أو هو غني عنه إلاّ أنه يجهل غناه أو هو جاهل بقبحه، أو هو سفيه لا يفرق بين الصدق والكذب في إخباره ولا يبالي بأيهما نطق، وربما كان الكذب أحلى على حنكه من الصدق، وكل هذه الأمور من الحكيم قبيح يجب تنزيهه عنها، واعلم أن المسائل الأصولية قسمان منها ما العلم بصحة النبوة يحتاج إلى العلم بصحته كعلمنا بافتقار العالم إلى صانع عالم بكل المعلومات قادر على كل الممكنات، فهذا القسم يمتنع إثباته بالقرآن والخبر وإلاّ وقع الدور.
ومنها غير ذلك كإثبات الحشر والنشر فإنه يمكن إثباته بالقرآن والحديث فاعلم.
ثم عاد إلى حكاية أحوال المنافقين فقال: ﴿ فما لكم في المنافقين فئتين ﴾ وهو منصوب على الحال والعامل معنوي مثل: ما لك قائماً أي ما تصنع؟
وقيل: نصب على أنه خبر "كان" أي ما لكم كنتم في شأن المنافقين فئتين؟
استفهام على سبيل الإنكار أي لا تختلفوا في كفرهم، ولكن اقطعوا بنفاقهم فقد ظهرت دلائل ذلك وانكشفت جلية الحال.
وذلك أنها نزلت "في قوم من العرب أتوا رسول الله بالمدينة فأسلموا وأصابوا وباء المدينة وحماها فقالوا: يا رسول الله نريد أن نخرج إلى الصحراء فأذن لنا فيه فأذن لهم.
فلما خرجوا لم يزالوا يرحلون مرحلة مرحلة حتى لحقوا بالمشركين.
فتكلم المؤمنون فيهم فقال بعضهم: نافقوا.
وقال بعضهم: هم مسلمون.
فبين الله نفاقهم" .
وقال مجاهد وقتادة: هم قوم هاجروا من مكة ثم بدا لهم فرجعوا وكتبوا إنا على دينك وما أخرجنا إلا اجتواء المدينة والاشتياق إلى بلدنا.
وعن زيد بن ثابت: هم الذين تخلفوا يوم أحد وقالوا: لو نعلم قتالاً لاتبعناكم.
وطعن بعضهم في هذا القول بأن نسق الكلام وهو قوله: ﴿ حتى يهاجروا في سبيل الله ﴾ يأباه إذ الهجرة تكون من مكة إلى المدينة.
وعن عكرمة: هم قوم أخذوا أموال المشركين وانطلقوا بها إلى اليمامة.
وقيل: هم العرنيون الذين أغاروا على السرح وقتلوا يساراً مولى النبي .
وقال ابن زيد: نزلت في أهل الإفك.
قال الحسن: سماهم المنافقين وإن أظهروا الكفر باعتبار حالهم التي كانوا عليها.
﴿ والله أركسهم ﴾ الركس والإركاس رد الشيء مقلوباً.
ويقال للرفث الركس لأنه رد إلى حالة خسيسة وهي حال النجاسة ويسمى رجيعاً أيضاً لذلك والمراد ردهم إلى أحكام الكفار من الذل والصغار والسبي والقتل ﴿ بما كسبوا ﴾ أي ما أظهروا من الارتداد بعدما كانوا على النفاق ﴿ ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلاً ﴾ لأن المخلوق لا يقدر على تبديل خلق الخالق وعلى خلاف مقتضى إرادته ومشيئته.
وهذا ظاهر في المقصود.
والمعتزلة يقولون: قوله: ﴿ أركسهم بما كسبوا ﴾ أي بسبب كسبهم وفعلهم ينفي القول بأن ضلالهم حصل بخلق الله فإذن المراد من إضلال الله حكمه بضلالهم كما يقال: فلان يكفر فلاناً أي ينسبه إلى الكفر ويحكم عليه بذلك.
أو المراد إضلالهم عن طريق الجنة وهو مفسر بمنع الألطاف.
ثم ذكر أنهم بالغوا في الكفر إلى أن تمنوا أن تصيروا كفاراً فكيف تطمعون في إيمانهم وهو قوله: ﴿ ودّوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء ﴾ أي في الكفر.
والمراد فتكونون أنتم وهم سواء إلاّ أنه اكتفى بذكر المخاطبين عن ذكر غيرهم لتقدم ذكرهم.
وقوله: ﴿ فتكونون ﴾ عطف على ﴿ تكفرون ﴾ .
﴿ فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا ﴾ أي حتى يضموا إلى إيمانهم المهاجرة الصحيحة المعتمدة وهي الهجرة في سبيل الله لا لغرض من الأغراض الفانية مثل قوله : " "أنا بريء من كل مسلم قام بين أظهر المشركين وأنا بريء من كل مسلم مع مشرك " وكانت الهجرة واجبة إلى أن فتحت مكة.
عن ابن عباس قال: قال رسول الله يوم فتح مكة "لا هجرة / بعد الفتح ولكن جهاد ونية" .
وعن الحسن: إن حكم الآية ثابت في كل من أقام في دار الحرب فرأى فرض الهجرة إلى دار الإسلام قائماً.
قال المحققون: الهجرة في سبيل الله تشمل الانتقال من دار الكفر إلى دار الإيمان، والانتقال من أعمال الكفار إلى أعمال المسلمين بل هذا أقدم وأهم لقوله : " المهاجر من هجر ما نهى الله عنه " ﴿ فإن تولوا ﴾ عن الإيمان المظاهر بالهجرة الصحيحة فحكمهم حكم سائر المشركين ﴿ فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم ﴾ في الحل أو في الحرم ﴿ ولا تتخذوا منهم ﴾ في هذه الحالة ﴿ ولياً ﴾ يتولى شيئاً من مهماتكم ﴿ ولا نصيراًً ﴾ ينصركم على أعدائكم بل جانبوهم مجانبة كلية.
ثم لما أمر بقتل هؤلاء الكفار استثنى عنه موضعين: الأول ﴿ إلا الذين يصلون ﴾ أي ينتهون ويتصلون ﴿ إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق ﴾ والمعنى أن من دخل في عهد من كان داخلاً في عهدكم فهم أيضاً داخلون في عهدكم.
قال القفال: وقد يدخل في الآية أن يقصد قوم حضرة الرسول فيتعذر عليهم ذلك المطلوب فيلتجئوا إلى قوم بينهم وبين المسلمين عهد إلى أن يجدوا السبيل إليه.
والقوم هم الأسلميون وذلك أنه وادع وقت خروجه إلى مكة هلال بن عويمر الأسلمي على أن لا يعينه ولا يعين عليه، وعلى أن من وصل إلى هلال ولجأ إليه فله من الجوار مثل الذي لهلال.
وقال ابن عباس: هم بنو بكر بن زيد مناة كانوا في الصلح.
وقال مقاتل: هم خزاعة وخزيمة.
وههنا نكتة وهي أنه رفع السيف عمن التجأ إلى الكفار المصالحين فلان يدفع النار عمن التجأ إلى محبة الله ومحبة رسوله كان أولى.
وعن أبي عبيدة: المراد بالوصلة الانتساب.
يقال: وصلت إلى فلان واتصلت به إذا انتهيت إليه.
وأعترض عليه بأن أهل مكة أكثرهم كانوا متصلين بالرسول من جهة النسب مع أنه كان قد أباح دم الكفار منهم.
الاستثناء الثاني قوله: ﴿ أو جاؤكم ﴾ وفي العطف وجهان: أحدهما أن يكون معطوفاً على صفة قوم والمعنى إلا الذين يصلون إلى قوم معاهدين أو إلى قوم جاؤوكم ممسكين عن القتال لا لكم ولا عليكم.
وثانيهما العطف على صلة الذين كأنه قيل: الذين يتصلون بالمعاهد أو إلى الذين لا يقاتلونكم وهذا أنسب بقوله في صفتهم ﴿ فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم ﴾ إلى آخر الآية.
إذ بين أن كفهم عن القتال سبب استحقاقهم لنفي التعرض لهم بالاستقلال لا بواسطة الاتصال.
ومعنى ﴿ حصرت صدورهم ﴾ ضاقت.
والحصر الضيق والانقباض وهو في موضع الحال بإضمار "قد" بدلالة قراءة من قرأ / ﴿ حصرة ﴾ .
وجعله المبرد صفة لموصوف محذوف منصوب على الحال أي جاؤوكم قوماً حصرت.
وقيل: هو بيان لجاؤوكم.
وقوله: ﴿ أن يقاتلوكم ﴾ أي عن أن يقاتلوكم.
ثم هؤلاء الجاؤون من الكفار أو من المؤمنين قال الجمهور: هم من الكفار بنو مدلج جاءوا رسول الله غير مقاتلين.
وعلى هذا يلزم النسخ لأن الكافر وإن ترك القتال جاز قتله، وقال أبو مسلم: إنه لما أوجب الهجرة على كل من أسلم استثنى من له عذر وهما طائفتان: إحداهما الذين قصدوا الرسول للهجرة والنصرة إلاّ أنه كان في طريقهم كفار غالبون فصاروا إلى قوم بينهم وبين المسلمين عهد وأقاموا عندهم إلى أن يمكنهم الخلاص.
والثانية من صار إلى الرسول ولا يقاتل الرسول ولا أصحابه لأنه يخاف الله فيه، ولا يقاتل الكفار أيضاً لأنهم أقاربه أو لأنه بقي أولاده وأزواجه بينهم فيخاف لو قاتلهم أن يقتلوا أولاده وأصحابه.
فهذان الفريقان من المشركين لا يحل قتالهم وإن كان لم يوجد منهم الهجرة ومقاتلة الكفار، وعلى هذا فمعنى قوله: ﴿ ولو شاء الله لسلطهم عليكم ﴾ أي لو شاء لقوّى قلوبهم ليدفعوا عن أنفسهم إن أقدمتم على مقاتلتهم على سبيل الظلم.
وعلى الأول معناه أن ضيق صدورهم عن قتالكم لأن الله قذف الرعب في قلوبهم، ولو قوّى قلوبهم لتسلطوا عليكم ولقاتلوكم وهو جواب "لو" على التكرير أو البدل.
قال الكعبي: إنه أخبر أنه لو شاء لفعل وهذا ينبىء عن القدرة على الظلم وهو صحيح عندنا ولا يدل على أنه فعل الظلم وأراده والنزاع فيه ﴿ فإن اعتزلوكم ﴾ أي فإن لم يتعرضوا لكم ﴿ وألقوا إليكم السلم ﴾ أي الانقياد والاستسلام ﴿ فما جعل الله لكم عليهم سبيلاً ﴾ فما أذن لكم في أخذهم وقتلهم ﴿ ستجدون آخرين ﴾ هم قوم من أسد وغطفان كانوا إذا أتوا المدينة أسلموا وعاهدوا ليأمنوا المسلمين فإذا رجعوا إلى قومهم كفروا ونكثوا عهودهم ﴿ كلما ردوا إل الفتنة ﴾ كلما دعاهم قومهم إلى قتال المسلمين ﴿ أركسوا فيها ﴾ أي ردوا مقلوبين منكوسين فيها.
وهذه استعارة لشدة إصرارهم على الكفر وعداوة المسلمين، لأن من وقع في حفر منكوساً تعذر خروجه ﴿ فإن لم يعتزلوكم ويلقوا ﴾ أي ولم يلقوا ولم يكفوا ﴿ فخذوهم واقتلوهم حيث ثقفتموهم ﴾ حيث تمكنتم منهم.
قال الأكثرون: وفيه دليل على أنهم إذا اعتزلوا قتالنا وطلبوا الصلح منا وكفوا أيديهم عن إيذائنا لم يجز لنا قتالهم ولا قتلهم.
وهذا مبني على أن المعلق بكلمة "إن" على الشرط يعدم عند الشرط.
أما قوله: ﴿ سلطاناً ﴾ فمعناه حجة واضحة لانكشاف حالهم في الكفر والغدر، أو تسلط ظاهر حيث أذنا لكم في قتلهم.
قوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ أَوْ رُدُّوهَآ ﴾ .
ذكر التحية، ولم يذكر ما تلك التحية، واسم التحية يقع على أشياء: من نحو ما جعل الصلاة لتحية المسجد، والطواف تحية البيت، وغير ذلك مما يكثر عددها، لكن أهل التأويل أجمعوا على صرف هذه التحية إلى السلام دون غيرها من التحية التي ذكرنا؛ ألا ترى أنه قال - عز وجل -: ﴿ أَوْ رُدُّوهَآ ﴾ ؟!
ولو كان غيرها أراد - لم يقل: ﴿ أَوْ رُدُّوهَآ ﴾ ؛ لأن غيرها من التحية لا يرد؛ إذ في الرد ترك القبول، ولم يؤمر بذلك؛ دل أنه أراد بالتحية: السلام، ويدل على ذلك آيات من كتاب الله - -: قال الله - عز وجل -: ﴿ فَسَلِّمُواْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ ﴾ ؛ فجعل تحية الملائكة للمؤمنين السلام؛ كقوله - -: ﴿ سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ ﴾ ، وجعل تحية أهل الجنة السلام؛ كقوله - -: ﴿ لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً إِلاَّ سَلاَماً ﴾ ، وكقوله - -: ﴿ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ ﴾ ، وتحية الملائكة بعضهم على بعض: بالسلام؛ ألا ترى أنه قال [الله - -:] ﴿ فَسَلِّمُواْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ...
﴾ الآية [النور: 61]، فعلى ذلك يمكن أن يكون المراد من قوله - -: ﴿ وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ ﴾ : السلام، وجعل الله - عز وجل - السلام علماً وشعاراً فيما بين المسلمين، وأماناً يؤمن بعضهم بعضاً من شره؛ ألا ترى أن أهل الريبة لا يسلِّمون ولا يردون السلام، وإن كانوا لا يعرفون تفسيره ولا معناه؟!
ولكن على الطبع جعل ذلك لهم.
والسلام: قيل: هم اسم من أسماء الله - - فهو يحتمل وجوهاً: يحتمل: سلامٌ مسَلَّمٌ طاهر عن الأشباه والأشكال، وسلام عدل منزه عن العيوب كلها، والجور والظلم.
وقوله: "رحمت الله"، أي: برحمته ينجو مَنْ نجا، وسعد من سعد: "وبركاته": به ينال كل خير، وهو اسم كل خير؛ ألا ترى أنه جعل التحليل من الصلاة بالسلام بقوله: "السلام عليكم ورحمة الله"؛ على ما جعل تحريمها باسم الله؛ فعلى ذلك جعل الافتتاح بما به جعل الختم.
ثم اختلف في قوله - عز وجل -: ﴿ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ أَوْ رُدُّوهَآ ﴾ : فقيل: حيوا بأحسن منها للمسلمين، أو ردوها على أهل الكتاب.
وعن أنس - - قال: نهينا أن نزيد على أهل الكتاب على: عليك، وعليكم.
وعن ابن مسعود - - قال: السلام: [اسم] من أسماء الله وصفاته في الأرض، فأفشوه بينكم؛ فإن الرجل إذا سلَّم كتبت له عشر حسنات، فإن [هم] ردوها عليه كتب لهم مثله.
وقيل: قوله - -: ﴿ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ ﴾ بالزيادة، ﴿ أَوْ رُدُّوهَآ ﴾ : بمثلها.
وروي عن رسول الله : "[أنه جاءه رجل] فقال: السلام عليكم، [يا رسول الله]، فقال رسول الله : عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ، ثم جاء آخر فقال: السلام عليكم، [يا رسول الله] ورحمة الله، فقال [النبي ]: عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، ثم جاءه آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فقال: عَلَيْكُم؛ فقيل له: إنك زدّت في الأول والثاني؟
فقال: إِنَّ الأَوَّلَ وَالثَّانِي قَدْ أَبْقَيَا لِي زِيَادَةً، وَهَذَا لَمْ يُبْقِ لِي زِيَادةً" وقيل: "إنه روي أنه سلَّم عليه رجل فقال: السلام عليكم، فقال النبي : عَشْرٌ يعني: عشر حسنات، وسلم عليه آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله؛ فقال: عِشْرُونَ، وقال آخر: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته؛ فقال: ثَلاثُونَ" .
ومنتهى السلام قوله: "وبركاته"، لا يزاد عليه؛ كقوله: ﴿ رَحْمَتُ ٱللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ ﴾ .
فإن قيل: يسلم في الصلاة على رسول الله : السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، ولا يقول في التحليل من الصلاة: وبركاته؟
قيل: لوجهين: أحدهما: تفضيلا لرسول الله .
والثاني: إبقاء لهم في الرد زيادة.
ويسلم الراكب على الماشي، والماشي على القائم، [والقائم على القاعد]: روي عن رسول الله قال: "يُسَلِّمُ الرَّاكِبُ عَلَى الْمَاشِي، وَالمَاشِي عَلَى القَائِمِ، وَالْقَائِمُ عَلَى الْقَاعِدِ، وَالصَّغِيرُ عَلَى الْكَبِيرِ، وَالْقَلِيلُ عَلَى الكَثِيرِ" وروي عن أبي هريرة - - أن النبي قال: "إِذَا انْتَهَى أَحَدُكُمْ إِلَى المَجْلِسِ فَلْيُسَلِّمْ، فَإِنْ بَدَا لَهُ أَنْ يَجْلِسْ فَلْيَجْلِسْ، وَإِنْ قَامَ وَالْقَوْمُ جُلُوسٌ فَلْيُسَلِّمْ؛ فَلَيْسَتِ الأُولَى بِأَحَقَّ مِنَ الأُخْرَِى" وعن جابر - - قال: قال رسول الله "مَنْ تَشَبَّهَ بِغَيْرِنَا فَلَيْسَ مِنَّا" ، وقال: "لاَ تُسَلِّمُوا تَسْلِيمَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى؛ فَإِنَّ تَسْلِّيمَ النَّصَارَى بِالأَكُفِّ، وَتَسْلِّيمَ الْيَهُودِ بِالإِشَارَةِ" ويكره أن يبتدئ أهل الكتاب بالتسليم، ولكن إذا بدءوا هم - يردّ؛ وعلى ذلك جاءت الآثار: روي عن أبي هريرة - - قال: قال رسول الله : "لاَ تَبْدَءُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى بِالتَّسْلِيمِ، وَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فِي الطَّرِيقِ فَاضْطَرُّوهُمْ إِلَى أَضْيَقِهَا" وعن أبي نضرة الغفاري - - أن النبي قال لهم يوماً: "إِنِّي رَاكِبٌ إِلَى يَهُودَ؛ فَإِنْ سَلَّمُوا عَلَيْكُمْ فَقُولوُا: وَعَلَيْكُمْ" ثم قيل في تفسير: "السلام عليكم" بوجوه: قال بعضهم: تأويله: الله شهيد عليكم.
وقيل: الله قائم عليكم، وهو كقوله الله - -: ﴿ أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍ ﴾ برّاً وفاجراً، يرزقهم، ويحفظهم، ويستجيب لهم.
وقيل: هو الدعاء لهم بالمغفرة والسلامة، وهو ما ذكرنا بدءاً.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً ﴾ .
قيل: شهيداً.
وقيل: حفيظاً.
وقيل: كافياً مقتدراً؛ يقال: أَحْسَبَني هذا، أي: كفاني.
وقال الكسائي: مشتقة من الحساب؛ كقوله - -: ﴿ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ ٱلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً ﴾ أي: حاسباً؛ كالأمير والآمر، والقدير والقادر، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ لاَ رَيْبَ فِيهِ ﴾ .
هذا - والله أعلم - لما ألزم الله، وأجرى على ألسنتهم أنه الله، وأنه خالق السماوات والأرض، وأنه خالقهم؛ كقوله - -: ﴿ وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ ﴾ : أخبر أن الذي سميتموه "الله" وقلتم: إنه خالق السماوات والأرض - هو واحد، لا إله غيره، ولا رب سواه، هو واحد، لا شريك معه ولا نِد، وأن الأصنام التي تعبدونها دون الله قد تعلمون أنها لا تنفعكم إن عبدتموها، ولا تضركم إن تركتم عبادتها، وبالله التوفيق.
وقوله: ﴿ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ ﴾ قيل فيه بوجهين: قيل: "ليجمعنكم ليوم القيامة"؛ كقوله: ﴿ يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ ٱلْجَمْعِ ﴾ .
وقيل: ليجمعنكم في القبور إلى يوم القيامة ثم يبعثكم، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ ٱللَّهِ حَدِيثاً ﴾ .
معناه - والله أعلم -: أنكم تقبلون الحديث بعضكم من بعض، وإن حديثكم يكون صدقاً ويكون كذباً؛ فكيف لا تقبلون حديث الله وخبره في البعث وما أخبر في القرآن، وحديثه لا يحتمل الكذب؟!
هذا - والله أعلم - تأويله.
<div class="verse-tafsir"
الله لا معبود بحق غيره، ليجمعنّ أولكم وآخركم يوم القيامة الذي لا شك فيه؛ لمجازاتكم على أعمالكم، ولا أحد أصدق حديثًا من الله.
<div class="verse-tafsir" id="91.8Y1y4"
حمل المفسر (الجلال) وغيره الشفاعة على ما يكون بين الناس في شؤونهم الخاصة من المعايش.
وهو خطأ فإن هذا التخصيص يذهب بما فيه الآية من القوة والحرارة ويخرجها من السياق، والصواب أنها أعم، فالمقصود أولًا وبالذات الشفاعة المتعلقة بالحرب، وقد علمنا أن الآيات في المبطئين عن القتال والذين يبيتون ما لا يرضي الله تعالى من خلاف ما أمر به الرسول ، ومن ذلك ضروب الاعتذار التي كانوا يعتذرون بها، وقد يكون هذا الاعتذار بواسطة بعض الناس الذين يرجى السماع لهم والقبول منهم، وهو عين الشفاعة.
وبعد أن علم الله المؤمنين طريقة الشفاعة الحسنة والسيئة، وهي من أسباب التواصل بين الناس، علمهم سنة التحية بينهم وبين إخوانهم الضعفاء والأقوياء في الإيمان وحس الأدب بينهم وبين من يلقونه في أسفارهم فقال: ﴿ وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا ﴾ .
﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا ﴾ : لمعنى أنه رقيب عليكم في مراعاة هذه الصلة بينكم بالتحية، وفيه تأكيد لأمر هذه الصلة بين الناس.
<div class="verse-tafsir"