الإسلام > القرآن > سور > سورة 4 النساء > الآية ٨٨ من سورة النساء
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 126 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٨٨ من سورة النساء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يقول تعالى منكرا على المؤمنين في اختلافهم في المنافقين على قولين ، واختلف في سبب ذلك ، فقال الإمام أحمد : حدثنا بهز ، حدثنا شعبة ، قال عدي بن ثابت : أخبرني عبد الله بن يزيد ، عن زيد بن ثابت : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى أحد ، فرجع ناس خرجوا معه ، فكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم فرقتين : فرقة تقول : نقتلهم .
وفرقة تقول : لا فأنزل الله : ( فما لكم في المنافقين فئتين ) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إنها طيبة ، وإنها تنفي الخبث كما تنفي النار خبث الفضة " .
أخرجاه في الصحيحين ، من حديث شعبة .
وقد ذكر محمد بن إسحاق بن يسار في وقعة أحد أن عبد الله بن أبي بن سلول رجع يومئذ بثلث الجيش ، رجع بثلاثمائة وبقي النبي صلى الله عليه وسلم في سبعمائة .
وقال العوفي ، عن ابن عباس : نزلت في قوم كانوا بمكة ، قد تكلموا بالإسلام ، كانوا يظاهرون المشركين ، فخرجوا من مكة يطلبون حاجة لهم ، فقالوا : إن لقينا أصحاب محمد فليس علينا منهم بأس ، وأن المؤمنين لما أخبروا أنهم قد خرجوا من مكة ، قالت فئة من المؤمنين : اركبوا إلى الجبناء فاقتلوهم ، فإنهم يظاهرون عليكم عدوكم .
وقالت فئة أخرى من المؤمنين : سبحان الله !
أو كما قالوا : أتقتلون قوما قد تكلموا بمثل ما تكلمتم به ؟
أمن أجل أنهم لم يهاجروا ولم يتركوا ديارهم تستحل دماؤهم وأموالهم .
فكانوا كذلك فئتين ، والرسول عندهم لا ينهى واحدا من الفريقين عن شيء فأنزل الله : ( فما لكم في المنافقين فئتين ) رواه ابن أبي حاتم ، وقد روي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وعكرمة ومجاهد والضحاك وغيرهم قريب من هذا .
وقال زيد بن أسلم ، عن ابن لسعد بن معاذ : أنها نزلت في تقاول الأوس والخزرج في شأن عبد الله بن أبي ، حين استعذر منه رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر في قضية الإفك .
وهذا غريب ، وقيل غير ذلك .
وقوله : ( والله أركسهم بما كسبوا ) أي : ردهم وأوقعهم في الخطأ .
قال ابن عباس : ( أركسهم ) أي : أوقعهم .
وقال قتادة : أهلكهم .
وقال السدي : أضلهم .
وقوله : ( بما كسبوا ) أي : بسبب عصيانهم ومخالفتهم الرسول واتباعهم الباطل .
( أتريدون أن تهدوا من أضل الله ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا ) أي : لا طريق له إلى الهدى ولا مخلص له إليه .
القول في تأويل قوله : فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله : " فما لكم في المنافقين فئتين "، فما شأنكم، أيها المؤمنون، في أهل النفاق فئتين مختلفتين (8) =" والله أركسَهم بما كسبوا "، يعني بذلك: والله رَدّهم إلى أحكام أهل الشرك، في إباحة دمائهم وسَبْي ذراريهم.
* * * و " الإركاس "، الردُّ، ومنه قول أمية بن أبي الصلت: فَأُرْكِسُـوا فِـي حَـمِيمِ النَّـارِ, إِنَّهُـمُ كَـانُوا عُصَـاةً وَقَـالُوا الإفْكَ وَالزُّورَا (9) يقال منه: " أرْكَسهم " و " رَكَسَهم ".
* * * وقد ذكر أنها في قراءة عبد الله وأبي: ( وَاللَّهُ رَكَسَهُمْ )، بغير " ألف ".
(10) * * * واختلف أهل التأويل في الذين نـزلت فيهم هذه الآية.
فقال بعضهم :نـزلت في اختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الذين تخلَّفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد وانصرفوا إلى المدينة، وقالوا لرسول الله عليه السلام ولأصحابه: لَوْ نَعْلَمُ قِتَالا لاتَّبَعْنَاكُمْ [سورة آل عمران: 167].
*ذكر من قال ذلك: 10049- حدثني الفضل بن زياد الواسطي قال: حدثنا أبو داود، عن شعبة، عن عدي بن ثابت قال: سمعت عبد الله بن يزيد الأنصاري يحدّث، عن زيد بن ثابت: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما خرج إلى أحد، رجعت طائفة ممن كان معه، فكان أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم فيهم فرقتين، فرقة تقول: " نقتلهم "، وفرقة تقول: " لا ".
فنـزلت هذه الآية: " فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا أتريدون أن تهدوا " الآية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة: إنها طَيْبَة، وإنها تَنْفي خَبَثها كما تنفي النار خبثَ الفِضَّة.
(11) 10050- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا أبو أسامة قال: حدثنا شعبة، عن عدي بن ثابت، عن عبد الله بن يزيد، عن زيد بن ثابت قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر نحوه.
(12) 10051- حدثني زريق بن السخت قال، حدثنا شبابة، عن عدي بن ثابت، عن عبد الله بن يزيد، عن زيد بن ثابت قال: ذكروا المنافقين عند النبي صلى الله عليه وسلم، فقال فريق: " نقتلهم "، وقال فريق: " لا نقتلهم ".
فأنـزل الله تبارك وتعالى: " فما لكم في المنافقين فئتين " إلى آخر الآية (13) وقال آخرون: بل نـزلت في اختلاف كان بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوم كانوا قدموا المدينة من مكة، فأظهروا للمسلمين أنهم مسلمون، ثم رجعوا إلى مكة وأظهروا لهم الشرك.
*ذكر من قال ذلك: 10052- حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " فما لكم في المنافقين فئتين "، قال: قوم خرجوا من مكة حتى أتوا المدينة يزعمون أنهم مهاجرون، ثم ارتدوا بعد ذلك، فاستأذنوا النبيّ صلى الله عليه وسلم إلى مكة ليأتوا ببضائع لهم يتّجرون فيها.
فاختلف فيهم المؤمنون، فقائل يقول: " هم منافقون "، وقائل يقول: " هم مؤمنون ".
فبين الله نفاقهم فأمر بقتالهم، فجاؤوا ببضائعهم يريدون المدينة، فلقيهم علي بن عويمر، أو: هلال بن عويمر الأسلمي، (14) وبينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم حلف= وهو الذي حَصِر صدره أن يقاتل المؤمنين أو يُقاتل قومه، فدفع عنهم= بأنهم يَؤُمُّون هلالا (15) وبينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم عهد.
10053- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله بنحوه= غير أنه قال: فبيّن الله نفاقهم، وأمر بقتالهم، فلم يقاتلوا يومئذ، فجاؤوا ببضائعهم يريدون هلالَ بن عويمر الأسلمي، وبينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم حِلْف.
(16) * * * وقال آخرون: بل كان اختلافهم في قوم من أهل الشرك كانوا أظهروا الإسلام بمكة، وكانوا يعينون المشركين على المسلمين.
*ذكر من قال ذلك: 10054- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: " فما لكم في المنافقين فئتين "، وذلك أن قوما كانوا بمكة قد تكلّموا بالإسلام، وكانوا يظاهرون المشركين، فخرجوا من مكة يطلبون حاجة لهم، فقالوا: إن لقينا أصحابَ محمد " عليه السلام "، فليس علينا منهم بأس!
وأن المؤمنين لما أخبروا أنهم قد خرجوا من مكة، قالت فئة من &; 9-11 &; المؤمنين: اركبوا إلى الخبثاء فاقتلوهم، فإنهم يظاهرون عليكم عدوكم!
وقالت فئة أخرى من المؤمنين: سبحان الله = أو كما قالوا =، أتقتلون قوما قد تكلموا بمثل ما تكلَّمتم به؟
أمن أجل أنهم لم يهاجروا ويتركوا ديارَهم، تستحلّ دماؤهم وأموالهم لذلك!
فكانوا كذلك فئتين، والرسول عليه السلام عندهم لا ينهى واحدا من الفريقين عن شيء، فنـزلت: " فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا أتريدون أن تهدوا من أضل الله "، الآية.
10055- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " فما لكم في المنافقين فئتين " الآية، ذكر لنا أنهما كانا رجلين من قريش كانا مع المشركين بمكة، وكانا قد تكلّما بالإسلام ولم يهاجرا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فلقيهما ناس من أصحاب نبي الله وهما مقبلان إلى مكة، فقال بعضهم: إن دماءهما وأموالهما حلال!
وقال بعضهم: لا يحلُّ لكم!
فتشاجروا فيهما، فأنـزل الله في ذلك: " فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا " حتى بلغ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ .
10056- حدثنا القاسم قال، حدثنا أبو سفيان، عن معمر بن راشد قال: بلغني أنّ ناسًا من أهل مكة كتبوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنهم قد أسلموا، وكان ذلك منهم كذبا، فلقوهم، فاختلف فيهم المسلمون، فقالت طائفة: دماؤهم حلال!
وقالت طائفة: دماؤهم حرام!
فأنـزل الله: " فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا ".
* * * 10057- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول، أخبرنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: " فما لكم في المنافقين فئتين "، هم ناس تخلّفوا عن نبي الله صلى الله عليه وسلم، وأقاموا بمكة وأعلنوا الإيمان ولم يهاجروا، فاختلف فيهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتولاهم ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتبرأ من وَلايتهم آخرون، &; 9-12 &; وقالوا: تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يهاجروا!
فسماهم الله منافقين، وبرّأ المؤمنين من وَلايتهم، وأمرهم أن لا يتولَّوهم حتى يهاجروا.
* * * وقال آخرون: بل كان اختلافهم في قوم كانوا بالمدينة، أرادوا الخروج عنها نفاقًا.
* ذكر من قال ذلك: 10058- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا "، قال: كان ناس من المنافقين أرادوا أن يخرجوا من المدينة، فقالوا للمؤمنين: إنّا قد أصابنا أوجاعٌ في المدينة واتَّخَمْناها، (17) فلعلنا أن نخرج إلى الظَّهر حتى نتماثل ثم نرجع، (18) فإنا كنا أصحاب برّيّة.
فانطلقوا، واختلف فيهم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت طائفة: أعداءٌ لله منافقون!
(19) وددنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أذن لنا فقاتلناهم!
وقالت طائفة: لا بل إخواننا غَمَّتهم المدينة فاتّخموها، (20) فخرجوا إلى الظهر يتنـزهون، (21) فإذا بَرَؤوا رجعوا.
فقال الله: " فما لكم في المنافقين فئتين "، يقول: ما لكم تكونون فيهم فئتين =" والله أركسهم بما كسبوا ".
* * * وقال آخرون: بل نـزلت هذه الآية في اختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمر أهل الإفك.
*ذكر من قال ذلك: 10059- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا "، حتى بلغ فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، قال: هذا في شأن ابن أُبيّ حين تكلم في عائشة بما تكلم.
10060- وحدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: إن هذه الآية حين أنـزلت: " فما لكم في المنافقين فئتين "، فقرأ حتى بلغ فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، فقال سعد بن معاذ: فإنّي أبرأ إلى الله وإلى رسوله من فئته!
= يريد عبد الله بن أبيّ ابن سلول.
(22) * * * قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بالصواب في ذلك، قول من قال: نـزلت هذه الآية في اختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوم كانوا ارتدُّوا عن الإسلام بعد إسلامهم من أهل مكة.
وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب، لأنّ اختلاف أهل التأويل في ذلك إنما هو على قولين: أحدهما: أنهم قوم كانوا من أهل مكة، على ما قد ذكرنا الرواية عنهم.
والآخر: أنهم قوم كانوا من أهل المدينة.
= وفي قول الله تعالى ذكره: فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا ، أوضح الدّليل على أنهم كانوا من غير أهل المدينة.
لأنّ الهجرة كانت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى داره ومدينته من سائر أرض الكفر.
فأما من كان بالمدينة في دار الهجرة مقيمًا من المنافقين وأهل الشرك، فلم يكن عليه فرضُ هجرة، لأنه في دار الهجرة كان وطنُه ومُقامه.
* * * واختلف أهل العربية في نصب قوله: " فئتين ".
فقال بعضهم: هو منصوب على الحال، كما تقول: " ما لَك قائما "، يعني: ما لك في حال القيام.
وهذا قول بعض البصريين.
* * * وقال بعض نحويي الكوفيين: هو منصوب على فعل " ما لك "، قال: ولا تُبالِ أكان المنصوب في" ما لك " معرفة أو نكرة.
(23) .
قال: ويجوز في الكلام أن تقول: " ما لك السائرَ معنا "، لأنه كالفعل الذي ينصب بـ" كان " و " أظن " وما أشبههما.
قال: وكل موضع صلحت فيه " فعل " و " يفعل " من المنصوب، جاز نصب المعرفة منه والنكرة، كما تنصب " كان " و " أظن "، لأنهن نواقصُ في المعنى، وإن ظننت أنهنّ تَامّاتٍ.
(24) وهذا القول أولى بالصواب في ذلك، لأن المطلوب في قول القائل: " ما لك قائمًا "،" القيام "، فهو في مذهب " كان " وأخواتها، و " أظن " وصواحباتها.
(25) * * * القول في تأويل قوله عز وجل : وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: " والله أركسهم ".
فقال بعضهم: معناه: ردَّهم، كما قلنا.
*ذكر من قال ذلك: 10061- حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس: " والله أركسهم بما كسبوا "، ردَّهم.
* * * وقال آخرون: معنى ذلك: والله أوْقَعهم.
*ذكر من قال ذلك: 10062- حدثني المثنى قال، حدثني عبد الله قال، حدثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: " والله أركسهم بما كسبوا "، يقول: أوقعهم.
وقال آخرون: معنى ذلك: أضلهم وأهلكهم.
*ذكر من قال ذلك: 10063- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا أبو سفيان، عن معمر، عن قتادة: " والله أركسهم "، قال: أهلكهم.
10064- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة: " والله أركسهم بما كسبوا "، أهلَكَهم بما عملوا.
10065- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " والله أركسهم بما كسبوا "، أهلكهم.
* * * وقد أتينا على البيان عن معنى ذلك قبل، بما أغنى عن إعادته.
(26) * * * القول في تأويل قوله : أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلا (88) قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله " أتريدون أن تهدوا من أضل الله "، أتريدون، أيها المؤمنون، أن تهدوا إلى الإسلام فتوفقوا للإقرار به والدخول فيه، من أضله الله عنه= يعني بذلك: من خَذَله الله عنه، فلم يوفقه للإقرار به؟
(27) وإنما هذا خطاب من الله تعالى ذكره للفئة التي دافعت عن هؤلاء المنافقين الذين وصف الله صفتهم في هذه الآية.
يقول لهم جل ثناؤه: أتبغون هداية هؤلاء الذين أضلَّهم الله فخذلهم عن الحق واتباع الإسلام، بمدافعتكم عن قتالهم من أراد قتالَهم من المؤمنين؟
=" ومن يُضلل الله فلن تجد له سبيلا "، يقول: ومَن خذله عن دينه واتباع ما أمره به، من الإقرار به وبنبيه محمد صلى الله عليه وسلم وما جاء به من عنده، فأضلَّه عنه=" فلن تجد له "، يا محمد،" سبيلا "، يقول: فلن تجد له طريقًا تهديه فيها إلى إدراك ما خذله الله [عنه]، (28) ولا منهجًا يصل منه إلى الأمر الذي قد حرمه الوصول إليه.
------------------- الهوامش : (8) انظر تفسير"فئة" فيما سلف 5 : 352 ، 353 / 6 : 230.
(9) ديوانه: 36 ، وليس هذا البيت بنصه هذا في الديوان ، بل جاء في شعر من بحر آخر ، هو: أُرْكِسُــوا فِـي جَـهَنَّمٍ، أَنَّهُـمْ كَـانُوا عُتَـــاةً تَقُـــولُ إفْكًـــا وَزُورَا ولم أجده برواية أبي جعفر في مكان آخر.
(10) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 281 = ثم انظر تفسير"أركسهم" فيما يلي ص: 15 ، 16 (11) الحديث: 10049 - الفضل بن زياد الواسطي: لا أدري من هو؟
والترجمة الوحيدة التي وجدتها بهذا الاسم هي"الفضل بن زياد الطساس البغدادي".
وهو من هذه الطبقة.
فلعله هو.
مترجم في الجرح 3 / 2 / 62.
وتاريخ بغداد 12: 360.
وله ترجمة غير محررة ، في لسان الميزان 4: 441.
أبو داود: هو الطيالسي.
وقد روى الطبري هذا الحديث بثلاثة أسانيد ، سيأتي تخريجه في آخرها ، إن شاء الله.
(12) الحديث: 10050 - أبو أسامة: هو حماد بن أسامة.
(13) الحديث: 10051 - زريق- بتقديم الزاي - بن السخت ، شيخ الطبري: لم أجد له ترجمة ولا ذكرا ، إلا في المشتبه للذهبي ، ص: 222 ، قال: "زريق بن السخت ، عن إسحاق الأزرق.
وهو الصحيح ، ويقال بتقديم الراء".
شبابة: هو ابن سوار.
مضت ترجمته في: 37.
ويجب أن يكون هنا سقط في الإسناد ، بين شبابة وعدي بن ثابت ، لأن شبابة بن سوار مات سنة 204 أو 205 ، أو 206 ، وهو الذي جزم به البخاري في الصغير ، ص: 228.
وعدي بن ثابت مات سنة 116 ، فبينهما 90 سنة.
والظاهر أنه سقط من الإسناد هنا [عن شعبة].
عدي بن ثابت الأنصاري: ثقة معروف.
أخرج له الجماعة.
وهو ابن بنت عبد الله بن يزيد - شيخه في هذا الإسناد.
عبد الله بن يزيد الخطمي - بفتح الخاء المعجمة وسكون الطاء المهملة: صحابي معروف ، شهد الحديبية صغيرا.
والحديث رواه الإمام أحمد في المسند 5: 184 ، عن بهز ، عن شعبة ، كالرواية الأولى هنا المطولة: 10049.
وكذلك رواه البخاري 4: 83 ، و7: 275 ، و 8 : 193 - من طريق شعبة ، به.
ورواه مسلم 1 : 389 - 390 ، من طريق شعبة أيضا ، ولكنه روى آخره: "إنها طيبة..." فقط.
وذكره ابن كثير 2: 529 ، من رواية المسند.
ثم قال: "أخرجاه في الصحيحين من طريق شعبة".
وذكره السيوطي 2: 189-190 ، وزاد نسبته للطيالسي ، وابن أبي شيبة ، وعبد بن حميد ، والترمذي ، والنسائي ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، والطبراني ، والبيهقي في الدلائل.
وليس في مسند الطيالسي المطبوع ، لأنه ناقص كما هو معروف.
(14) أسقط المطبوعة: "علي بن عويمر ، أو: " وساق الخبر"فلقيهم هلال.." وأثبته من المخطوطة.
والأثر التالي من رواية أبي جعفر ، هو الذي فيه إسقاط علي بن عويمر" من الخبر.
(15) في المطبوعة: "يؤمنون هلالا" ، والصواب من المخطوطة والدر المنثور 2: 190 (16) الأثران: 10052 ، 10053 - انظر الأثر التالي: 10071.
(17) "اتخمناها" ، "افتعل" من"الوخم" ، يقال: "أرض وخمة ووخيمة" ، وبيئة ، لا يوافق المرء سكنها فيجتويها.
و"استوخم القوم المدينة": استثقلوها ، ولم يوافق هواؤها أبدانهم.
والذي ذكرته كتب اللغة بناء"استوخم""استفعل" متعديا من"الوخم" ، ولم يذكروا"اتخم""افتعل" ، وهو صحيح في قياس العربية.
وهذا شاهده.
(18) "الظهر": ما غلظ وارتفع من الأرض ، و"البطن": ما لان منها وسهل ورق واطمأن.
ومثله"ظاهر الأرض" ، فسموا ما بعد عن القرية وارتفع في البرية: "ظهر البلدة وظاهرها".
(19) في المطبوعة: "أعداء الله المنافقون" ، وفي المخطوطة: أعداء الله منافقون" ، والصواب ما أثبت.
(20) في المطبوعة والدر المنثور 2 : 191 : "تخمتهم المدينة فاتخموها" ، وليس صوابا.
وفي المخطوطة: "عمهم المدينة" غير منقوطة ، وهذا صواب قراءتها ، من"الغم": وهو الكرب وكل ما يكرهه الإنسان فيورثه الضيق والهم.
والدليل على صحة هذه القراءة ما جاء في معاني القرآن 1 : 280"ضجروا منها واستوخموها" وانظر ما سلف تعليق: 1 ، في تفسير"اتخم".
(21) "يتنزهون" أي: يتباعدون عن الأرض التي استوخموها ، حتى يبرأوا.
و"التنزه" التباعد عن الأرياف والمياه ، حيث لا يكون ماء ولا ندى ولا جمع ناس ، وذلك شق البادية ، وهو أصح للأبدان.
(22) الأثر: 10059 ، 10060 - في المطبوعة ، ساق هذين الأثرين ، أثرا واحدا ، فجعله هكذا: "حين تكلم في عائشة بما تكلم ، فقال سعد بن معاذ.." وأسقط صدر الأثر: 10060 ، فرددته إلى الصواب من المخطوطة.
والذي أوقع الناشر في هذا ، سوء صنيع السيوطي في نقله عن ابن جرير ، وذلك في الدر المنثور 2 : 191 .
(23) في المطبوعة: "ولا تبالي كان المنصوب.." وفي المخطوطة: "ولا تبال كان المنصوب" ورجحت قراءتها كما أثبتها ، استظهارًا من نص الفراء في معاني القرآن.
(24) هذا مختصر نص الفراء في معاني القرآن 1 : 281.
(25) في المخطوطة: "والظن وصواحباتها" ، والصواب ما في المطبوعة.
(26) انظر ما سلف ص: 7 (27) انظر معنى"هدى" ، ومعنى"الضلال" فيما سلف من فهارس اللغة.
فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا أتريدون أن تهدوا من أضل الله ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلاقوله تعالى : فما لكم في المنافقين فئتين فئتين أي فرقتين مختلفتين .
روى مسلم عن زيد بن ثابت أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج إلى أحد فرجع ناس ممن كان معه ، فكان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فيهم فرقتين ؛ فقال بعضهم : نقتلهم .
وقال بعضهم : لا ؛ فنزلت فما لكم في المنافقين فئتين .
وأخرجه الترمذي فزاد : وقال : ( إنها طيبة ) وقال : ( إنها تنفي الخبيث كما تنفي النار خبث الحديد ) قال : حديث حسن صحيح .
وقال البخاري : ( إنها طيبة تنفي الخبث كما تنفي النار خبث الفضة ) .
والمعني بالمنافقين هنا عبد الله بن أبي وأصحابه الذين خذلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد ورجعوا بعسكرهم بعد أن خرجوا ؛ كما تقدم في " آل عمران " .
وقال ابن عباس : هم قوم بمكة آمنوا وتركوا الهجرة ، قال الضحاك : وقالوا إن ظهر محمد - صلى الله عليه وسلم - فقد عرفنا ، وإن ظهر قومنا فهو أحب إلينا .
فصار المسلمون فيهم فئتين قوم يتولونهم وقوم يتبرءون منهم ؛ فقال الله عز وجل : فما لكم في المنافقين فئتين .
وذكر أبو سلمة بن عبد الرحمن عن أبيه أنها نزلت في قوم جاءوا إلى المدينة وأظهروا الإسلام ؛ فأصابهم [ ص: 264 ] وباء المدينة وحماها ؛ فأركسوا فخرجوا من المدينة ، فاستقبلهم نفر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : ما لكم رجعتم ؟
فقالوا : أصابنا وباء المدينة فاجتويناها ؛ فقالوا : ما لكم في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة ؟
فقال بعضهم : نافقوا .
وقال بعضهم : لم ينافقوا ، هم مسلمون ؛ فأنزل الله عز وجل : فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا الآية .
حتى جاءوا المدينة يزعمون أنهم مهاجرون ، ثم ارتدوا بعد ذلك ، فاستأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة ليأتوا ببضائع لهم يتجرون فيها ، فاختلف فيهم المؤمنون فقائل يقول : هم منافقون ، وقائل يقول : هم مؤمنون ؛ فبين الله تعالى نفاقهم وأنزل هذه الآية وأمر بقتلهم .قلت : وهذان القولان يعضدهما سياق آخر الآية من قوله تعالى : حتى يهاجروا ، والأول أصح نقلا ، وهو اختيار البخاري ومسلم والترمذي .
وفئتين نصب على الحال ؛ كما يقال : ما لك قائما ؟
عن الأخفش .
وقال الكوفيون : هو خبر ( ما لكم ) كخبر كان وظننت ، وأجازوا إدخال الألف واللام فيه وحكى الفراء : " أركسهم ، وركسهم " أي ردهم إلى الكفر ونكسهم ؛ وقاله النضر بن شميل والكسائي : والركس والنكس قلب الشيء على رأسه ، أو رد أوله على آخره ، والمركوس المنكوس .
وفي قراءة عبد الله وأبي رضي الله عنهما " والله ركسهم " .
وقال ابن رواحة :أركسوا في فتنة مظلمة كسواد الليل يتلوها فتنأي نكسوا .
وارتكس فلان في أمر كان نجا منه .
والركوسية قوم بين النصارى والصابئين .
والراكس الثور وسط البيدر والثيران حواليه حين الدياس .
أتريدون أن تهدوا من أضل الله أي ترشدوه إلى الثواب بأن يحكم لهم بحكم المؤمنين .
تجد له سبيلا أي طريقا إلى الهدى والرشد وطلب الحجة .
وفي هذا رد على القدرية وغيرهم القائلين بخلق هداهم وقد تقدم .
المراد بالمنافقين المذكورين في هذه الآيات: المنافقون المظهرون إسلامهم، ولم يهاجروا مع كفرهم، وكان قد وقع بين الصحابة رضوان الله عليهم فيهم اشتباه، فبعضهم تحرج عن قتالهم، وقطع موالاتهم بسبب ما أظهروه من الإيمان، وبعضهم علم أحوالهم بقرائن أفعالهم فحكم بكفرهم.فأخبرهم الله تعالى أنه لا ينبغي لكم أن تشتبهوا فيهم ولا تشكوا، بل أمرهم واضح غير مشكل، إنهم منافقون قد تكرر كفرهم، وودوا مع ذلك كفركم وأن تكونوا مثلهم.
فإذا تحققتم ذلك منهم {فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ} وهذا يستلزم عدم محبتهم لأن الولاية فرع المحبة.
ويستلزم أيضا بغضهم وعداوتهم لأن النهي عن الشيء أمر بضده، وهذا الأمر موقت بهجرتهم فإذا هاجروا جرى عليهم ما جرى على المسلمين، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يجري أحكام الإسلام لكل مَنْ كان معه وهاجر إليه، وسواء كان مؤمنا حقيقة أو ظاهر الإيمان.
وأنهم إن لم يهاجروا وتولوا عنها {فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} أي: في أي وقت وأي محل كان، وهذا من جملة الأدلة الدالة على نسخ القتال في الأشهر الحرم، كما هو قول جمهور العلماء، والمنازعون يقولون: هذه نصوص مطلقة، محمولة على تقييد التحريم في الأشهر الحرم.
( فما لكم في المنافقين فئتين ) اختلفوا في سبب نزولها فقال قوم : نزلت في الذين تخلفوا يوم أحد من المنافقين ، فلما رجعوا قال بعض الصحابة رضي الله عنهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم : اقتلهم فإنهم منافقون ، وقال بعضهم : اعف عنهم فإنهم تكلموا بالإسلام .
أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أنا محمد بن يوسف ، أنا محمد بن إسماعيل ، أنا أبو الوليد ، أنا شعبة ، عن عدي بن ثابت ، قال : سمعت عبد الله بن يزيد ، يحدث عن زيد بن ثابت ، قال : لما خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى أحد رجع ناس ممن خرج معه وكان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فرقتين ، فرقة تقول نقاتلهم وفرقة تقول لا نقاتلهم ، فنزلت : ( فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا ) وقال : " إنها طيبة تنفي الذنوب كما تنفي النار خبث الفضة " .
وقال مجاهد : قوم خرجوا إلى المدينة وأسلموا ثم ارتدوا واستأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة ليأتوا ببضائع لهم يتجرون فيها فخرجوا وأقاموا بمكة ، فاختلف المسلمون فيهم ، فقائل يقول : هم منافقون ، وقائل يقول : هم مؤمنون .
وقال بعضهم : نزلت في ناس من قريش قدموا المدينة وأسلموا ثم ندموا على ذلك فخرجوا كهيئة المتنزهين حتى باعدوا من المدينة فكتبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنا على الذي فارقناك عليه من الإيمان ولكنا اجتوينا المدينة واشتقنا إلى أرضنا ، ثم إنهم خرجوا في تجارة لهم نحو الشام فبلغ ذلك المسلمين ، فقال بعضهم : نخرج إليهم فنقتلهم ونأخذ ما معهم لأنهم رغبوا عن ديننا ، وقالت طائفة : كيف تقتلون قوما على دينكم إن لم يذروا ديارهم ، وكان هذا بعين النبي صلى الله عليه وسلم وهو ساكت لا ينهى واحدا من الفريقين ، فنزلت هذه الآية .
وقال بعضهم : هم قوم أسلموا بمكة ثم لم يهاجروا وكانوا يظاهرون المشركين ، فنزلت ( فما لكم ) يا معشر المؤمنين ( في المنافقين فئتين ) أي : صرتم فيهم فئتين ، أي : فرقتين ، ( والله أركسهم ) أي : نكسهم وردهم إلى الكفر ، ( بما كسبوا ) بأعمالهم غير الزاكية ( أتريدون أن تهدوا ) أي : أن ترشدوا ( من أضل الله ) وقيل : معناه أتقولون أن هؤلاء مهتدون وقد أضلهم الله ، ( ومن يضلل الله ) أي : من يضلله الله عن الهدى ، ( فلن تجد له سبيلا ) أي : طريقا إلى الحق .
ولما رجع ناس من أُحد اختلف الناس فيهم، فقال فريق اقتلهم، وقال فريق: لا، فنزل: «فما لكم» ما شأنكم صرتم «في المنافقين فئتين» «والله أركسهم» ردهم «بما كسبوا» من الكفر والمعاصي «أتريدون أن تهدوا من أضلًـ» ـه «الله» أي تعدوهم من جملة المهتدين، والاستفهام في الموضعين للإنكار «ومن يضللـ» ـه «اللهُ فلن تجد له سبيلا» طريقا إلى الهدى.
فما لكم -أيها المؤمنون- في شأن المنافقين إذ اختلفتم فرقتين: فرقة تقول بقتالهم وأخرى لا تقول بذلك؟
والله تعالى قد أوقعهم في الكفر والضلال بسبب سوء أعمالهم.
أتودون هداية من صرف الله تعالى قلبه عن دينه؟
ومن خذله الله عن دينه، واتباع ما أمره به، فلا طريق له إلى الهدى.
ثم واصلت السورة الكريمة حديثها عن أحوال المنافقين ، وبينت حكم الله - تعالى - فيهم ، ورسمت للمؤمنين طريق معاملتهم لغيرهم فقال تعالى : ( فَمَا لَكُمْ .
.
.
سُلْطَاناً مُّبِيناً ) .أورد المفسرون فى سبب نزول قوله - تعالى - ( فَمَا لَكُمْ فِي المنافقين فِئَتَيْنِ ) روايات أهمها روايتان :أولهما : أن هذه الآية نزلت فى شأن المنافقين الذين تخلفوا عن الاشتراك مع المؤمنين فى غزوة أحد .
وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى أحد ومعه المسلمون .
وفى الطريق رجع عبد الله بن ابى بن سلول بثلث الناس وقالوا ( لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لاَّتَّبَعْنَاكُمْ ) فاختلف أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم فى شأن هؤلاء المنافقين .
فقال بعضهم : نقتلهم فقد كفروا .وقال آخرون : لم يكفروا .
فأنزل الله - تعالى - الآية .
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إنها طيبة وإنها تنفى الخبث كما ينفى الكير خبث الحديد " .أما الرواية الثاينة : فيؤخذ منها أنها نزلت فى قوم كانوا يظهرون الإِسلام بمكة إلا أنهم كانوا يظاهرون المشركين .
فقد أخرج ابن جريرعن ابن عباس أن قوما كانوا بمكة قد تكلوا بالإِسلام وكانوا يظاهرون المشركين ، فخرجوا من مكة يطلبون حاجة لهم .
فقالوا : إن لقينا أصحاب محمد فليس علينا منهم بأس .
وإن المؤمنين لما اخبروا أنهم قد خرجوا من مكة ، قالت فئة من المؤمنين : اركبوا إلى هؤلاء الخبثاء فاقتلوهم ، فإنهم يظاهرون عدوكم .
وقالت فئة أخرى من المؤمنين : سبحان الله : - أو كما قالوا - أتقتلون قوما قد تكلنوا بمثل ما تكلمت به؟
أمن أجل أنهم لم يهاجروا ولم يتركوا ديارهم تستحل دماؤهم وأموالهم؟
فكانوا كذلك فئتين والرسول صلى الله عليه وسلم عندهم لا ينهى واحداً من الفريقين عن شئ ، فنزلت : ( فَمَا لَكُمْ فِي المنافقين فِئَتَيْنِ ) .وهناك روايات أخرى قريبة من هذه الرواية فى معناها قد ذكرها المفسرون .ويبدو لنا أن الرواية الثانية هى الأقرب إلى سياق الآيات وإلى الواقع التاريخى ، لأنه من الثابت تاريخيا أن منافقى المدينة لم يرد أمر بقتالهم ، وإنما استعمل معهم الرسول صلى الله عليه وسلم وسائل أخرى أدت إلى نبذهم وهوان أمرهم ، لأن قوله - تعالى - بعد ذلك ( فَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ أَوْلِيَآءَ حتى يُهَاجِرُواْ ) يؤيد أنه ليس المقصود بالمنافقين هنا منافقى المدينة ، وإنما المقصود بهم جماعة أخرى من المنافقين كانوا خارج المدينة ، إذ لا هجرة من المدينة إلى غيرها وإنما الهجرة تكون من غيرها إليها ، لأنها دار الإِسلام ، ولم يكن فتح مكة قد تم عند نزول هذه الآية .وقد رجح الإِمام ابن جرير سبب النزول الذى حكته الرواية الثانية فقال ما ملخصه : وأولى الأقوال فى ذلك بالصواب قول من قال : نزلت هذه الآية فى اختلاف أصحاب رسول الله فى قوم كانوا قد ارتدوا عن الإِسلام بعد إسلامهم من أهل مكة .
وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب لأن قوله - تعالى - بعد ذلك ( فَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ أَوْلِيَآءَ حتى يُهَاجِرُواْ ) أوضح دليل على أنهم كانوا من غير أهل المدينة ، لأن الهجرة كانت على عهد الله إلى داره ومدينته من سائر أرض الكفر .فأما من كان من المدنية فى دار الهجرة مقيما من المنافقين وأهل الشرك فلم يكن عليه فرض هجرة .والفاء فى قوله ( فَمَا لَكُمْ ) للتفريع على ما تقدم من أخبار المنافقين وأحوالهم أو هى للافصاح و " ما " مبتدأ و " لكم " خبره .قال الجمل : وقوله ( فِي المنافقين ) فيه ثلاثة أوجه :أحدها : أنه متعلق بما تعلق به الخبر وهو " لكم " أى : أى شئ كان لكم أو مستقر لكم فى أمر المنافقين .والثانى : أنه متعلق بمعنى فئتين ، فإنه فى قوة : ما لكم تفترقون فى أمر المنافقين فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه .والثالث : أنه متعلق بمحذوف على أنه حال من فئتين ، لأنه فى الأصل صفة لها تقديره : فئتين مفترقين فى المنافقين وصفة النكرة إذا تقدمت عليها انتصبت حالا .
وقوله " فئتين " حال من ضمير " لكم " المجرور والعامل فيه الاستقرار أو الظرف لنيابته عنه .
.
.والاستفهام لإِنكار خلافهم فى شأن المنافقين ولوم المؤمنين الذين أحسنوا الظن بالمنافقين مع أن أحوال هؤلاء المنافقين تدعو إلى سوء الظن بهم .والمعنى : لقد سقت لكم - أيها المؤمنون - من أحوال المنافقين ما يكشف عن خبثهم ومكرهم ، وبينت لكم من صفاتهم ما يدعو إلى الحذر منهم وسوء الظن بهم ، وإذا كان هذا هو حالهم فما الذى سوغ لكم أن تختلفوا فى شأنهم إلى فئتين؟
فئة تحسن الظن بهم وتدافع عنهم ، وفئة أخرى صادقة الفراسة ، سليمة الحكم لأنها عندما رأت الشر قد استحوذ على المنافقين أعرضت عنهم ، واحتقرتهم ، وأخذت حذرها منهم ، وحكمت عليهم بالحكم الذى رضيه الله - تعالى - .والآن - أيها المؤمنون - بعد أن ظهر الحق ، وانكشف حال أولئك المنافقين ، عليكم أن تتركوا الخلاف فى شأنهم ، وأن تتفقوا جميعا على أنهم قوم بعيدون عن الحق والإِيمان .
ومنغمسون فى الضلال والبطلان .وقوله ( والله أَرْكَسَهُمْ بِمَا كسبوا ) حال من المنافقين مفيد لتأكيد الإِنكار السابق أى : لم تختلفوا - أيها المؤمنون - فى شأن المنافقين هذا الاختلاف والحال أن الله - تعالى - قد ردهم إلى الكفر بعد الإِيمان بسب أقولاهم الأثيمة ، وأعمالهم القبيحة .وقوله ( أَرْكَسَهُمْ ) من الركس وهو رد أول الشئ على آخره .
يقال : ركس الشئ يركسه ركسا إذا قلبه على رأسه .
والركس والنكس بمعنى واحد .والاستفهام فى قوله ( أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُواْ مَنْ أَضَلَّ الله ) للإِنكار على من أحسن الظن بأولئك المنافقين .أى : أتريدون أيها المؤمنون الذين أحسنتم الظن بهؤلاء المنافقين أن تعدوهم من جملة المهتدين ، مع أن الله - تعالى - قد خلق فيهم الضلال ، لأنهم قد استحبوا العمى على الهدى ، وآثروا الغى على الرشد .وقوله ( وَمَن يُضْلِلِ الله فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً ) أى : ومن يكتب الله عليه الضلالة ، فلن تجد أحداً يهديه ويرشده ، لأن فضاء الله لا يتبدل ، وقدره لا يتخلف .
اعلم أن هذا نوع آخر من أحوال المنافقين ذكره الله تعالى، وهاهنا مسائل: المسألة الأولى: ذكروا في سبب نزول هذه الآية وجوها: الأول: أنها نزلت في قوم قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم وآله مسلمين فأقاموا بالمدينة ما شاء الله، ثم قالوا يا رسول الله: نريد أن نخرج إلى الصحراء فائذن لنا فيه، فأذن لهم، فلما خرجوا لم يزالوا يرحلون مرحلة مرحلة حتى لحقوا بالمشركين فتكلم المؤمنون فيهم، فقال بعضهم: لو كانوا مسلمين مثلنا لبقوا معنا وصبروا كما صبرنا وقال قوم: هم مسلمون، وليس لنا أن ننسبهم إلى الكفر إلى أن يظهر أمرهم، فبين الله تعالى نفاقهم في هذه الآية.
الثاني: نزلت الآية في قوم أظهروا الاسلام بمكة، وكانوا يعينون المشركين على المسلمين.
فاختلف المسلمون فيهم وتشاجروا، فنزلت الآية.
وهو قول ابن عباس وقتادة.
الثالث: نزلت الآية في الذين تخلفوا يوم أحد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: لو نعلم قتالا لاتبعناكم، فاختلف أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم فيهم، فمنهم فرقة يقولون كفروا، وآخرون قالوا: لم يكفروا، فنزلت هذه الآية.
وهو قول زيد بن ثابت، ومنهم من طعن في هذا الوجه وقال: في نسق الآية ما يقدح فيه، وإنهم من أهل مكة، وهو قوله تعالى: ﴿ فَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ أَوْلِيَاء حتى يُهَاجِرُواْ فِي سَبِيلِ الله ﴾ الرابع: نزلت الآية في قوم ضلوا وأخذوا أموال المسلمين وانطلقوا بها إلى اليمامة فاختلف المسلمون فيهم، فنزلت الآية: وهو قول عكرمة.
الخامس: هم العرنيون الذين أغاروا وقتلوا يسارا مولى الرسول صلى الله عليه وسلم.
السادس: قال ابن زيد: نزلت في أهل الافك.
المسألة الثانية: في معنى الآية وجهان: الأول: أن فئتين نصب على الحال: كقولك: مالك قائما، أي مالك في حال القيام، وهذا قول سيبويه.
الثاني: أنه نصب على خبر كان، والتقدير: مالكم صرتم في المنافقين فئتين، وهو استفهام على سبيل الانكار، اي لم تختلفون في كفرهم مع أن دلائل كفرهم ونفاقهم ظاهرة جلية، فليس لكم أن تختلفوا فيه بل يجب أن تقطعوا بكفرهم.
المسألة الثالثة: قال الحسن: إنما سماهم منافقين وان أظهروا الكفر لأنهم وصفوا بالصفة التي كانوا عليها من قبل، والمراد بقوله: ﴿ فِئَتَيْنِ ﴾ ما بينا ان فرقة منهم كانت تميل اليهم وتذب عنهم وتواليهم، وفرقة منهم تباينهم وتعاديهم، فنهوا عن ذلك وأمروا بأن يكونوا على نهج واحد في التباين والتبري والتكفير، والله أعلم.
ثم قال تعالى مخبرا عن كفرهم: ﴿ والله أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُواْ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: الركس: رد الشيء من آخره إلى أوله، فالركس والنكس والمركوس والمنكوس واحد، ومنه يقال للروث الركس لأنه رد إلى حالة خسيسة، وهي حالة النجاسة، ويسمى رجيعا لهذا المعنى أيضا، وفيه لغتان: ركسهم وأركسهم فارتكسوا، أي ارتدوا.
وقال أمية.
فأركسوا في حميم النار إنهم *** كانوا عصاة وقالوا الافك والزورا المسألة الثانية: معنى الآية أنه ردهم إلى أحكام الكفار من الذل والصغار والسبي والقتل بما كسبوا، أي بما أظهروا من الارتداد بعدما كانوا على النفاق، وذلك أن المنافق ما دام يكون متمسكا في الظاهر بالشهادتين لم يكن لنا سبيل إلى قتله، فاذا أظهر الكفر فحينئذ يجري الله تعالى عليه أحكام الكفار.
المسألة الثالثة: قرأ ابي كعب وعبدالله بن مسعود ﴿ والله أَرْكَسَهُمْ ﴾ وقد ذكرنا أن أركس وركس لغتان.
ثم قال تعالى: ﴿ أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُواْ مَنْ أَضَلَّ الله وَمَن يُضْلِلِ الله فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً ﴾ قالت المعتزلة المراد من قوله: ﴿ أَضَلَّ الله ﴾ ليس أنه هو خلق الضلال فيه للوجوه المشهورة، ولأنه تعالى قال قبل هذه الآية: ﴿ والله أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُواْ ﴾ فبين تعالى انه إنما ردهم وطردهم بسبب كسبهم وفعلهم، وذلك ينفي القول بان إضلالهم حصل بخلق الله وعند هذا حملوا قوله: ﴿ مَنْ أَضَلَّ الله ﴾ على وجوه: الأول: المراد منه ان الله تعالى حكم بضلالهم وكفرهم كما يقال فلان يكفر فلانا ويضله: بمعنى أنه حكم به وأخبر عنه: الثاني: أن المعنى أتريدون أن تهدوا إلى الجنة من أضله الله عن طريق الجنة، وذلك لأنه تعالى يضل الكفار يوم القيامة عن الاهتداء إلى طريق الجنة.
الثالث: أن يكون هذا الاضلال مفسرا بمنع الالطاف.
واعلم أنا قد ذكرنا في مواضع كثيرة من هذا الكتاب ضعف هذه الوجوه، ثم نقول: هب أنها صحيحة، ولكنه تعالى لما أخبر عن كفرهم وضلالهم، وانهم لا يدخلون الجنة فقد توجه الاشكال لأن انقلاب علم الله تعالى جهلا محال، والمفضي الى المحال محال، ومما يدل على أن المراد من الآية أن الله تعالى أضلهم عن الدين قوله: ﴿ وَمَن يُضْلِلِ الله فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً ﴾ فالمؤمنون في الدنيا انما كانوا يريدون من المنافقين الايمان ويحتالون في إدخالهم فيه.
ثم قال تعالى: ﴿ وَمَن يُضْلِلِ الله فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً ﴾ فوجب أن يكون معناه أنه تعالى لما أضلهم عن الايمان امتنع أن يجد المخلوق سبيلا الى ادخاله في الايمان، وهذا ظاهر.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فِئَتَيْنِ ﴾ نصب على الحال، كقولك: مالك قائماً؟
روى أنّ قوماً من المنافقين استأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخروج إلى البدو معتلين باجتواء المدينة، فلما خرجوا لم يزالوا راحلين مرحلة مرحلة حتى لحقوا بالمشركين، فاختلف المسلمون فيهم، فقال بعضهم: هم كفار.
وقال بعضهم: هم مسلمون.
وقيل: كانوا قوماً هاجروا من مكة، ثم بدا لهم فرجعوا وكتبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنا على دينك وما أخرجنا إلا اجتواء المدينة والاشتياق إلى بلدنا.
وقيل: هم قوم خرجوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أُحد ثم رجعوا.
وقيل: هم العرنيون الذين أغاروا على السرح وقتلوا يساراً.
وقيل: هم قوم أظهروا الإسلام وقعدوا عن الهجرة.
ومعناه: ما لكم اختلفتم في شأن قوم نافقوا نفاقاً ظاهراً وتفرقتم فيه فرقتين وما لكم لم تبتوا القول بكفرهم ﴿ والله أَرْكَسَهُمْ ﴾ أي ردهم في حكم المشركين كما كانوا ﴿ بِمَا كَسَبُواْ ﴾ من ارتدادهم ولحوقهم بالمشركين واحتيالهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
أو أركسهم في الكفر بأن خذلهم حتى أركسوا فيه.
لما علم من مرض قلوبهم، ﴿ أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُواْ ﴾ أن تجعلوا من جملة المهتدين ﴿ مَنْ أَضَلَّ الله ﴾ من جعله من جملة الضلال، وحكم عليه بذلك أو خذله حتى ضلّ.
وقرئ: ﴿ ركسهم ﴾ .
و ﴿ ركسوا فيها ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَما لَكم في المُنافِقِينَ ﴾ فَما لَكم تَفَرَّقْتُمْ في أمْرِ المُنافِقِينَ.
﴿ فِئَتَيْنِ ﴾ أيْ فِرْقَتَيْنِ ولَمْ تَتَّفِقُوا عَلى كُفْرِهِمْ، وذَلِكَ أنَّ ناسًا مِنهُمُ اسْتَأْذَنُوا رَسُولَ اللَّهِ في الخُرُوجِ إلى البَدْوِ لِاجْتِواءِ المَدِينَةِ، فَلَمّا خَرَجُوا لَمْ يَزالُوا رَحْلَيْنِ مَرْحَلَةً مَرْحَلَةً حَتّى لَحِقُوا بِالمُشْرِكِينَ، فاخْتَلَفَ المُسْلِمُونَ في إسْلامِهِمْ.
وقِيلَ نَزَلَتْ في المُتَخَلِّفِينَ يَوْمَ أُحُدٍ، أوْ في قَوْمٍ هاجَرُوا ثُمَّ رَجَعُوا مُعْتَلِّينَ بِاجْتِواءِ المَدِينَةِ والِاشْتِياقِ إلى الوَطَنِ، أوْ قَوْمٍ أظْهَرُوا الإسْلامَ وقَعَدُوا عَنِ الهِجْرَةِ.
وفِئَتَيْنِ حالٌ عامِلُها لَكم كَقَوْلِكَ: ما لَكَ قائِمًا.
وفي المُنافِقِينَ حالٌ مِن فِئَتَيْنِ أيْ مُتَفَرِّقَتَيْنِ فِيهِمْ، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ أيْ فَما لَكم تَفْتَرِقُونَ فِيهِمْ، ومَعْنى الِافْتِراقِ مُسْتَفادٌ مِن فِئَتَيْنِ.
﴿ واللَّهُ أرْكَسَهم بِما كَسَبُوا ﴾ رَدَّهم إلى حُكْمِ الكَفَرَةِ، أوْ نَكَسَهم بِأنْ صَيَّرَهم لِلنّارِ.
وأصْلُ الرَّكْسِ رَدُّ الشَّيْءِ مَقْلُوبًا.
﴿ أتُرِيدُونَ أنْ تَهْدُوا مَن أضَلَّ اللَّهُ ﴾ أنْ تَجْعَلُوهُ مِنَ المُهْتَدِينَ.
﴿ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلا ﴾ إلى الهُدى.
<div class="verse-tafsir"
{فما لكم} مبتدأ وخبر {فِي المنافقين فِئَتَيْنِ} أى مالكم اختلفتم فى شأن قوم قدنا فقوا نفاقا ظاهرا وتفرقتم فيهم فرقتين القول بكفرهم وذلك أن قوماً من المنافقين استأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخروج إلى البدو معتلين باجتواء المدينة فلما خرجوا لم يزالوا راحلين مرحلة مرحلة حتى لحقوا بالمشركين فاختلف المسلمون فيهم فقال بعضهم هم كفار وقال بعضهم هم مسلمون وفئتين حال كقولك مالك قائماً قال سيبويه إذا قلت مالك قائماً فمعناه لم قمت ونصبه على
تأويل أي شيء يستقر لك في هذه الحال {والله أَرْكَسَهُمْ} ردهم إلى حكم الكفار {بِمَا كَسَبُواْ} من ارتدادهم ولحوقهم بالمشركين فردوهم أيضاً ولا تختلفوا في كفرهم {أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُواْ} أن تجعلوا من جملة المهتدين {مَنْ أَضَلَّ الله} من جعله الله ضالاً أو أتريدون أن تسموهم مهتدين وقد أظهر الله ضلالهم فيكون تعييراً لمن سماهم مهتدين والآية تدل على مذهبنا في إثبات الكسب للعبد والخلق للرب جلت قدرته {وَمَن يُضْلِلِ الله فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً} طريقاً إلى الهداية
﴿ فَما لَكُمْ ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ، والنَّفْيُ والخِطابُ لِجَمِيعِ المُؤْمِنِينَ، وما فِيهِ مِن مَعْنى التَّوْبِيخِ لِبَعْضِهِمْ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ فِي المُنافِقِينَ ﴾ يُحْتَمَلُ - كَما قالَ السَّمِينُ - أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِئَتَيْنِ ﴾ أيْ: فَما لكم تَفْتَرِقُونَ في المُنافِقِينَ، وأنْ يَكُونُ حالًا مِن (فِئَتَيْنِ) أيْ: فِئَتَيْنِ مُتَفَرِّقَتَيْنِ في المُنافِقِينَ، فَلَمّا قُدِّمَ نُصِبَ عَلى الحالِ، وأنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِما تَعَلَّقَ بِهِ الخَبَرُ، أيْ: أيُّ شَيْءٍ كائِنٌ لَكم في أمْرِهِمْ وشَأْنِهِمْ، فَحُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ، وفي انْتِصابِ (فِئَتَيْنِ) وجْهانِ كَما في الدُّرِّ المَصُونِ: أحَدُهُما أنَّهُ حالٌ مِن ضَمِيرِ (لَكُمْ) المَجْرُورِ، والعامِلُ فِيهِ الِاسْتِقْرارُ أوِ الظَّرْفُ لِنِيابَتِهِ عَنْهُ، وهَذِهِ الحالُ لازِمَةٌ لا يَتِمُّ الكَلامُ بِدُونِها، وهَذا مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ في هَذا التَّرْكِيبِ وما شابَهَهُ.
وثانِيهُما: وهو مَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ أنَّهُ خَبَرُ كانَ مَقْدِرَةً، أيْ: ما لكم في شَأْنِهِمْ كُنْتُمْ فِئَتَيْنِ، ورُدَّ بِالتِزامِ تَنْكِيرِهِ في كَلامِهِمْ، نَحْوُ: ﴿ فَما لَهم عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ).
﴾ وأمّا ما قِيلَ عَلى الأوَّلِ مِن أنَّ كُونَ ذِي الحالِ بَعْضًا مِن عامِلِهِ غَرِيبٌ، لا يَكادُ يَصِحُّ عِنْدَ الأكْثَرِينَ فَلا يَكُونُ مَعْمُولًا لَهُ، ولا يَجُوزُ اخْتِلافُ العامِلِ في الحالِ وصاحِبِها، فَمِن فَلْسَفَةِ النَّحْوِ كَما قالَ الشِّهابُ، والمُرادُ إنْكارُ أنْ يَكُونَ لِلْمُخاطَبِينَ شَيْءٌ مُصَحِّحٌ لِاخْتِلافِهِمْ في أمْرِ المُنافِقِينَ، وبَيانِ وُجُوبِ قَطْعِ القَوْمَ بِكُفْرِهِمْ وإجْرائِهِمْ مَجْرى المُجاهِرِينَ في جَمِيعِ الأحْكامِ، وذِكْرُهم بِعُنْوانِ النِّفاقِ بِاعْتِبارِ وصْفِهِمُ السّابِقِ.
أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: ««هم قَوْمٌ خَرَجُوا مِن مَكَّةَ حَتّى جاءُوا المَدِينَةَ يَزْعُمُونَ أنَّهم مُهاجِرِينَ، ثُمَّ ارْتَدُّوا بَعْدَ ذَلِكَ، فاسْتَأْذَنُوا النَّبِيَّ إلى مَكَّةَ لِيَأْتُوا بِبَضائِعَ لَهم يَتَّجِرُونَ فِيها، فاخْتَلَفَ فِيهِمُ المُسْلِمُونَ فَقائِلٌ يَقُولُ: هم مُنافِقُونَ، وقائِلٌ يَقُولُ: هم مُؤْمِنُونَ، فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى نِفاقَهُمْ، وأنْزَلَ هَذِهِ الآيَةَ، وأمَرَ بِقَتْلِهِمْ»».
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: «هم ناسٌ تَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وأقامُوا بِمَكَّةَ، وأعْلَنُوا الإيمانَ ولَمْ يُهاجِرُوا، فاخْتَلَفَ فِيهِمْ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ فَتَوَلّاهم ناسٌ، وتَبَرَّأ مِن ولايَتِهِمْ آخَرُونَ، وقالُوا: تَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ولَمْ يُهاجِرُوا، فَسَمّاهُمُ اللَّهُ تَعالى مُنافِقِينَ، وبَرَّأ المُؤْمِنِينَ مِن ولايَتِهِمْ، وأمَرَهم أنْ لا يَتَوَلَّوْهم حَتّى يُهاجِرُوا».
وأخْرَجَ الشَّيْخانِ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وأحْمَدُ، وغَيْرُهُمْ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ «خَرَجَ إلى أُحُدٍ فَرَجَعَ ناسٌ خَرَجُوا مَعَهُ، فَكانَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ فِيهِمْ (فِئَتَيْنِ) فِرْقَةٌ تَقُولُ: نَقْتُلُهُمْ، وفِرْقَةٌ تَقُولُ: لا، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿ فَما لَكم في المُنافِقِينَ ﴾ الآيَةَ كُلَّها».
ويُشْكَلُ عَلى هَذا ما سَيَأْتِي قَرِيبًا - إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى - مِن جَعْلِ هِجْرَتِهِمْ غايَةً لِلنَّهْيِ عَنْ تَوْلِيَتِهِمْ إلّا أنْ يُصْرَفَ عَنِ الظّاهِرِ كَما سَتَعْلَمُهُ.
وقِيلَ: هُمُ العُرَنِيُّونَ، الَّذِينَ أغارُوا عَلى السَّرْحِ، وأخَذُوا يَسارًا راعِيَ رَسُولِ اللَّهِ ومَثَّلُوا بِهِ، فَقَطَعُوا يَدَيْهِ ورِجْلَيْهِ، وغَرَزُوا الشَّوْكَ في لِسانِهِ وعَيْنَيْهِ حَتّى ماتَ، ويَرُدُّهُ - كَما قالَ شَيْخُ الإسْلامِ - ما سَيَأْتِي - إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى - مِنَ الآياتِ النّاطِقَةِ بِكَيْفِيَّةِ المُعامَلَةِ مَعَهم في السِّلْمِ والحَرْبِ، وهَؤُلاءِ قَدْ أُخِذُوا وفُعِلَ بِهِمْ ما فُعِلَ مِنَ المُثْلَةِ والقَتْلِ، ولَمْ يُنْقَلْ في أمْرِهِمُ اخْتِلافُ المُسْلِمِينَ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.
﴿ واللَّهُ أرْكَسَهم بِما كَسَبُوا ﴾ حالٌ مِنَ المُنافِقِينَ، مُفِيدٌ لِتَأْكِيدِ الإنْكارِ السّابِقِ، وقِيلَ: مِن ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ، والرّابِطُ الواوُ، وقِيلَ: مُسْتَأْنَفَةٌ، والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ، وما إمّا مَصْدَرِيَّةٌ وإمّا مَوْصُولَةٌ.
وأرْكَسَ ورَكَسَ بِمَعْنًى، واخْتُلِفَ في مَعْنى الرَّكْسِ لُغَةً، فَقِيلَ: الرَّدُّ كَما قِيلَ في قَوْلِ أُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَّلْتِ: فَأُرْكِسُوا في جَحِيمِ النّارِ أنَّهم كانُوا عُصاةً وقالُوا الإفْكَ والزُّورا وهَذِهِ رِوايَةُ الضَّحّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - والمَعْنى حِينَئِذٍ: واللَّهُ تَعالى رَدَّهم إلى الكُفْرِ بَعْدَ الإيمانِ بِسَبَبِ ما كَسَبُوهُ مِنَ الِارْتِدادِ واللُّحُوقِ بِالمُشْرِكِينَ، أوْ نَحْوُ ذَلِكَ، أوْ بِسَبَبِ كَسْبِهِمْ، وقِيلَ: هو قَرِيبٌ مِنَ النَّكْسِ، وحاصِلُهُ أنَّهُ تَعالى رَماهم مُنَكَّسِينَ، فَهو أبْلَغُ مِنَ التَّنْكِيسِ؛ لِأنَّ مَن يَرْمِي مُنَكَّسًا في هُوَّةٍ قَلَّما يَخْلُصُ مِنها، والمَعْنى أنَّهُ سُبْحانَهُ بِكَسْبِهِمُ الكُفْرَ أوْ بِما كَسَبُوهُ مِنهُ قَلَبَ حالَهم ورَماهم في حُفَرِ النِّيرانِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، أنَّهُ فَسَّرَ (أرْكَسَهُمْ) بِـ(أضَلَّهُمْ) وقَدْ جاءَ الإرْكاسُ بِمَعْنى الإضْلالِ، ومِنهُ: وأرْكَسَتْنِي عَنْ طَرِيقِ الهُدى ∗∗∗ وصَّيْرَتْنِي مَثَلًا لِلْعِدا.
وأخْرَجَ الطَّسْتِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - أنَّهُ قالَ: المَعْنى: حَبَسَهم في جَهَنَّمَ، والبُخارِيُّ عَنْهُ أنَّ المَعْنى بَبَّدَهُمْ، أيْ: فَرَّقَهم وفَرَّقَ شَمْلَهُمْ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ: أهْلَكَهُمْ، ولَعَلَّها مَعانٍ تَرْجِعُ إلى أصْلٍ واحِدٍ، ورُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ وأُبَيٍّ أنَّهُما قَرَآ (رُكِسُوا) بِغَيْرِ ألِفٍ، وقَدْ قُرِئَ (رَكَّسَهُمْ) مُشَدَّدًا.
﴿ أتُرِيدُونَ أنْ تَهْدُوا مَن أضَلَّ اللَّهُ ﴾ تَوْبِيخٌ لِلْفِئَةِ القائِلَةِ بِإيمانِ أُولَئِكَ المُنافِقِينَ عَلى زَعْمِهِمْ ذَلِكَ، وإشْعارٌ بِأنْ يُؤَدِّي إلى مُحاوَلَةِ المُحالِ الَّذِي هو هِدايَةُ مَن أضَلَّهُ اللَّهُ تَعالى، وذَلِكَ لِأنَّ الحُكْمَ بِإيمانِهِمْ وادِّعاءَ اهْتِدائِهِمْ مَعَ أنَّهم بِمَعْزِلٍ مِن ذَلِكَ سَعْيٌ في هِدايَتِهِمْ وإرادَةٌ لَها، فالمُرادُ بِالمَوْصُولِ (المُنافِقُونَ) إلّا أنْ وُضِعَ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ لِتَشْدِيدِ الإنْكارِ، وتَأْكِيدِ اسْتِحالَةِ الهِدايَةِ بِما ذُكِرَ في حَيِّزِ الصِّلَةِ، وحِمْلِهِ عَلى العُمُومِ، والمَذْكُورُونَ داخِلُونَ فِيهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا - كَما زَعَمَهُ أبُو حَيّانَ - لَيْسَ بِشَيْءٍ.
وتَوْجِيهُ الإنْكارِ إلى الإرادَةِ دُونَ مُتَعَلِّقِها لِلْمُبالَغَةِ في إنْكارِهِ بِبَيانِ أنَّ إرادَتَهُ مِمّا لا يُمْكِنُ فَضْلًا عَنْ إمْكانِ نَفْسِهِ، والآيَةُ ظاهِرَةٌ في مَذْهَبِ الجَماعَةِ، وحَمْلُ الهِدايَةِ والإضْلالِ عَلى الحُكْمِ بِها خِلافُ الظّاهِرِ، ويُبْعِدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلا ﴾ فَإنَّ المُتَبادَرَ مِنهُ الخَلْقُ، أيْ: مَن يُخْلَقُ فِيهِ الضَّلالُ كائِنًا مَن كانَ، ويَدْخُلُ هُنا مَن تَقَدَّمَ دُخُولًا أوَّلِيًّا (فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا) مِنَ السُّبُلِ فَضْلًا عَنْ أنْ تَهْدِيَهُ إلَيْهِ، والخِطابُ في (تَجِدَ) لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ، أوْ لِكُلِّ أحَدٍ مِنَ المُخاطَبِينَ لِلْإشْعارِ بِعَدَمِ الوِجْدانِ لِلْكُلِّ عَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ، ونَفْيُ وِجْدانِ السَّبِيلِ أبْلَغُ مَن نَفْيِ الهادِي، وحَمْلُ إضْلالِهِ تَعالى عَلى حُكْمِهِ وقَضائِهِ بِالضَّلالِ مُخِلٌّ بِحُسْنِ المُقابَلَةِ بَيْنَ الشَّرْطِ والجَزاءِ، وجَعْلُ السَّبِيلِ بِمَعْنى الحُجَّةِ، وأنَّ المَعْنى: مَن يَجْعَلُهُ اللَّهُ تَعالى في حُكْمِهِ ضالًّا فَلَنْ تَجِدَ لَهُ في ضَلالَتِهِ حُجَّةً - كَما قالَ جَعْفَرُ بْنُ حَرْبٍ - لَيْسَ بِشَيْءٍ كَما لا يَخْفى.
والجُمْلَةُ إمّا اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ مُقَرِّرٌ لِلْإنْكارِ السّابِقِ، مُؤَكِّدٌ لِاسْتِحالَةِ الهِدايَةِ، أوْ حالٌ مِن فاعِلِ (تُرِيدُونَ) أوْ (تَهْدُوا) والرّابِطُ الواوُ.
<div class="verse-tafsir"
فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ نزلت في تسعة نفر ارتدوا عن الإسلام، فخرجوا من أموالهم.
ويقال: كان قوم من المنافقين بمكة، خرجوا إلى الشام، فاختلف المسلمون في أمرهم، فبيّن الله تعالى للمسلمين نفاقهم، فقال تعالى: فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ يعني صرتم في المنافقين فئتين، أي فريقين تختصمون في أمرهم وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا أي أذلهم.
ويقال: أهلكهم.
ويقال: أركسهم أي ردهم إلى كفرهم.
ويقال: ركست الشيء وأركسته إذا رددته إلى الحال الأول.
ثم قال تعالى: أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ يعني: أترشدون إلى الهدى من أضله الله وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ عن الهدى فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا يعني ديناً.
ويقال: مخرجاً.
ثم قال تعالى: وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ أي ترجعون عن هجرتكم كَما كَفَرُوا أي كما رجعوا فَتَكُونُونَ أنتم وهم على الكفر سَواءً ومن هذا يقال في المثل: إن من أحرق يوماً كدسه يتمنى حرق أكداس الأمم.
فكذلك الكفار كانوا يتمنون أن يكون الناس كلهم كفاراً، حتى يحترقوا معهم.
قال الله تعالى: فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِياءَ في الدين والنصرة حَتَّى يُهاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ حتى يتوبوا ويرجعوا إلى دار الهجرة بالمدينة فَإِنْ تَوَلَّوْا يعني: أبوا الهجرة فَخُذُوهُمْ يعني: فأسروهم وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ يعني: أين وجدتموهم من الأرض وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً في العون.
ثم استثنى الذين كان بينهم وبين المسلمين عهد فقال: إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ وهم خزاعة، وبنو مدلج، وبنو خزيمة، وهلال بن عويمر الأسلمي وأصحابه، صالحهم رسول الله على أن كل من أتاهم من المسلمين فهو آمن، ومن جاء منهم إلى النبيّ فهو آمن.
وفي هذه الآية إثبات الموادعة بين أهل الحرب وأهل الإسلام، إذا كانت في الموادعة مصلحة للمسلمين.
ثم قال تعالى: أَوْ جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أي ضاقت قلوبهم أَنْ يُقاتِلُوكُمْ من قبل العهد أَوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ معكم من قبل القرابة.
ثم قال تعالى: وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقاتَلُوكُمْ ذكر منته على المؤمنين أنه يدفع عنهم البلاء ومنعهم عن قتالهم، ثم قال تعالى فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ في القتال فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ أي الصلح، معناه أنهم لو ثبتوا على صلحهم فلا تقاتلوهم، فذلك قوله: فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا أي حجة وسلطاناً في قتالهم.
ثم قال عز وجل: سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ وهم أسد وغطفان، كانوا إذا أتوا إلى النبيّ يقولون: آمنا بك.
وإذا رجعوا إلى قومهم قالوا: آمنا بالعقرب والخنفساء.
يقول: إنهم لم يريدوا بذلك تصديق النبيّ ، وإنما أرادوا به الاستهزاء.
وقال مجاهد: هم ناس من أهل مكة، كانوا يأتون النبيّ ويسلمون رياء، ثم يرجعون إلى قريش فيرتكسون بالأوثان، ويريدون أن يأمنوا هاهنا وهاهنا.
فذلك قوله تعالى: كُلَّما رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ يقول: كلما دعوا إلى الشرك أُرْكِسُوا فِيها يقول: عادوا إليه ودخلوا فيه فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ في القتال وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ أي لم يلقوا إليكم الصلح وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ عن قتالكم، يعني إن لم يكفوا أيديهم فَخُذُوهُمْ يعني أسروهم وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ يعني: حيث أدركتموهم ووجدتموهم وَأُولئِكُمْ يعني أهل هذه الصفة جَعَلْنا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطاناً يعني: حجة مُبِيناً أي حجة مبينة في القتال.
وقوله تعالى: <div class="verse-tafsir"
فيه عَنْ أَنسٍ أيضاً، قال: «مَا أَخَذَ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بِيَدِ رَجُلٍ، فَفَارَقَهُ حتى قَالَ: اللَّهُمَّ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً، وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ» «١» وَروِّينَا فيه، عَنِ البَرَاءِ بن عازِبٍ، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إنَّ المُسْلِمِيْنَ إذَا التقيا، فَتَصَافَحَا، وتَكَاشَرَا بِوُدٍّ وَنَصِيحَةٍ، تَنَاثَرَتْ خَطَايَاهُمَا بَيْنَهُمَا» ، وفي رواية: «إذَا التقى المُسْلِمَانِ، فَتَصَافَحَا، وَحَمِدَا اللَّهَ تعالى، واستغفرا- غفر الله عزّ وجلّ لهما» «٢» .
انتهى.
وحَسِيباً: معناه حَفِيظاً، وهو فَعِيلٌ من الحِسَاب.
وقوله سبحانه: اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ ...
الآية: لما تقدَّم الإنذارُ والتحذيرُ الذي تضمَّنه قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً، تلاه الإعلامُ بصفَةِ الربوبيَّة، وحالِ الوحدانيَّة والإعلامِ بالحَشْرِ والبَعْثِ مِنَ القبور للثَّواب والعقابِ إعلاماً بقَسَمٍ، تقديره: وَحَقِّهِ وَعَظَمَتِهِ لَيَجْمَعَنَّكُمْ، والجَمعُ بمعنى الحَشْر.
وقوله سبحانه: وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً: المعنى: لا أحَدَ أصْدَقُ من الله تعالى.
فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً (٨٨) وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَواءً فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِياءَ حَتَّى يُهاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً (٨٩) إِلاَّ الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ أَوْ جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقاتِلُوكُمْ أَوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً (٩٠)
وقوله تعالى: فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ ...
الآية: واختلف في هؤُلاَءِ المنافِقِينَ.
فقال ابنُ عَبَّاس: هم قومٌ كانوا بمَكَّة أظهروا الإيمانَ لأصحاب النبيّ صلّى الله عليه وسلّم في كُتُبٍ بَعَثُوا بِهَا إلى المدينةِ، ثم خَرَجُوا مسافِرِينَ إلى الشَّام، وأعطَتْهم قريشٌ بِضَاعَاتٍ، وقالوا لهم: أنتم لا تَخَافُونَ أصْحَاب محمَّد لأنّكم تخدعونهم بإظهار الإيمان، فاتّصل خبرهم
بالمدينَةِ، فاختلف المؤمنُونَ فيهم «١» ، فقالَتْ فرقةٌ: نَخْرُجُ إلَيْهم فإنهم منافقونَ، وَقَالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ هُمْ مُؤْمِنُونَ، لاَ سَبِيلَ لَنَا إلَيْهِمْ، فنزلَتِ الآية، وعن مجاهدٍ نحوه «٢» .
قال ع «٣» : ويَعْضُدُهُ ما في آخر الآيةِ مِنْ قوله تعالى: حَتَّى يُهاجِرُوا، وقال زيدُ بنُ ثابتٍ: نزلَتْ في عبد اللَّه بْنِ أُبيٍّ وأصحابِهِ المنافِقِينَ الذين رجعوا عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم يَوْمَ أُحُدٍ، وهو في «صحيحِ البخاريِّ» مسنداً «٤» ، قال ابن العربي في «أحكامه» «٥» ، وهذا القول هو اختيار البخاريِّ والترمذيِّ.
انتهى.
قال ع «٦» : وعلى هذا، فقولُه سبحانَهُ: حَتَّى يُهاجِرُوا المرادُ هَجْرُ ما نَهَى اللَّهُ عنه كما قال- عليه السلام-: «والمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ ما نَهَى الله عنه» «٧» ، وفِئَتَيْنِ:
معناه: فرقتين، / وأَرْكَسَهُمْ: معناه: أرجعَهُمْ في كُفْرِهِمْ وضَلاَلِهِمْ، والرِّكْس:
الرَّجيع ومنه قوله صلّى الله عليه وسلّم في الرَّوْثَةِ: «إنَّهَا رِكْسٌ» «٨» ، وحكى النضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ والكِسَائِيُّ:
رَكَسَ وأَرْكَسَ بمعنًى واحدٍ، أي: أرجَعَهم، ومَنْ قال مِنَ المتأوِّلين: أَهْلَكَهم، أو أضلَّهم، فإنَّما هو بالمعنى، وباقي الآية بَيِّنٌ.
قال ص: أَرْكَسَهُمْ، أي: رَدَّهم في الكُفْر.
وقال ابنُ العَرَبِيِّ في «أحكامه» : أَخْبَرَ اللَّه تعالى أنه رَدَّ المنافِقِينَ إلى الكُفْر، وهو الإركَاسُ، وهو عبارةٌ عن الرجُوعِ إلى الحالَةِ المكروهَةِ كما قال في الرَّوْثَةِ: «إنَّهَا رِكْسٌ» ، أيْ: رجَعَتْ إلى حالةٍ مكروهةٍ، فنَهَى اللَّه سبحانَهُ الصحابَةَ أنْ يتعلَّقوا فيهم بظَاهِرِ الإِيمان إذ كان باطنهم الكُفْرَ، وأمرهم بقَتْلهم، حَيْثُ وجَدُوهُم.
انتهى.
وقولُهُ تعالى: إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ ...
الآية.
قال ص: إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ: استثناءٌ متَّصِلٌ من مَفْعولِ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ.
انتهى.
قال ع «١» : هذه الآيةُ مِنْ آياتِ المُوَادَعَةِ في أول الإسلام، ثم نُسِخَتْ بما في سورة «بَرَاءَةَ» فالآيةُ تقتضي أنَّ مَنْ وصَلَ من المشركِينَ الذين لا عهد بينهم، وبين النبيّ صلّى الله عليه وسلّم إلى هؤلاءِ أهْلِ العهدِ، فدخَلَ في عِدَادِهِمْ، وفَعَلَ فِعْلَهم من المُوَادَعَةِ، فلا سَبِيلَ عليه.
وقوله تعالى: أَوْ جاؤُكُمْ: عطْفٌ على يَصِلُونَ، ويحتملُ أنْ يكون على قوله: بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ، والمعنى في العَطْفَينِ مختلفٌ، وهذا أيضاً حُكْمٌ قبل أنْ يستحكم أمْرُ الإسلام، فكان المشرك، إذا اعتزل القتَالَ، وجاء إلى دارِ الإِسلامِ مُسَالماً كارهاً لقتالِ قَوْمِهِ مع المسلِمِينَ، ولقِتَالِ المُسْلمين مع قومه، لا سَبِيلَ عليه، وهذه نُسِخَتْ أيضاً بما في «براءة» ، ومعنى حَصِرَتْ: ضاقَتْ، وحَرِجَتْ ومنه: الحَصَرُ في القَوْل، وهو ضِيقُ الكَلاَم علَى المتكلّم، وحَصِرَتْ: في موضعِ نصبٍ على الحال، واللاَّمُ في قوله: لَسَلَّطَهُمْ جوابٌ «لو» ، والمعنى: ولو شاء اللَّه، لَسَلَّطَ هؤلاءِ الَّذين هُمْ بهذه الصِّفَة من المُسَالَمَة والمُتَارَكَة عليكم، فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ، أي: إذا وقَعَ هذا، فلَمْ يقاتِلُوكم، فلا سَبِيلَ لكم عليهم، وهذا كلُّه، والذي في سورة «الممتحنة» : لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ ...
[الممتحنة: ٨] الآية: منسوخ قاله قتادة وغيره «٢» .
والسَّلَمَ: الصّلح.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَما لَكم في المُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها سَبْعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: «أنَّ قَوْمًا أسْلَمُوا، فَأصابَهم وباءٌ بِالمَدِينَةِ وحِماها، فَخَرَجُوا فاسْتَقْبَلَتْهم نَفَرٌ مِنَ المُسْلِمِينَ، فَقالُوا: ما لَكم خَرَجْتُمْ؟
قالُوا: أصابَنا وباءٌ بِالمَدِينَةِ، واجْتَوَيْناها، فَقالُوا: أما لَكم في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ؟
فَقالَ بَعْضُهُمْ: نافَقُوا، وقالَ بَعْضُهُمْ: لَمْ يُنافِقُوا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» رَواهُ أبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أبِيهِ.
والثّانِي: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ لَمّا خَرَجَ إلى أُحُدٍ، رَجَعَ ناسٌ مِمَّنْ خَرَجَ مَعَهُ، فافْتَرَقَ فِيهِمْ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ، فَفِرْقَةٌ تَقُولُ: نَقْتُلُهم، وفِرْقَةٌ تَقُولُ: لا نَقْتُلُهم، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.
هَذا في "الصَّحِيحَيْنِ" مِن قَوْلِ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ.
والثّالِثُ: أنَّ قَوْمًا كانُوا بِمَكَّةَ تَكَلَّمُوا بِالإسْلامِ وكانُوا يُعاوِنُونَ المُشْرِكِينَ، فَخَرَجُوا مِن مَكَّةَ لِحاجَةٍ لَهم، فَقالَ قَوْمٌ مِنَ المُسْلِمِينَ: اخْرُجُوا إلَيْهِمْ، فاقْتُلُوهم، فَإنَّهم يُظاهِرُونَ عَدْوَّكم.
وقالَ قَوْمٌ: كَيْفَ نَقْتُلُهم وقَدْ تَكَلَّمُوا بِمِثْلِ ما تَكَلَّمْنا بِهِ؟
فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، رَواهُ عَطِيَّةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والرّابِعُ: أنَّ قَوْمًا قَدِمُوا المَدِينَةَ، فَأظْهَرُوا الإسْلامَ، ثُمَّ رَجَعُوا إلى مَكَّةَ، فَأظْهَرُوا الشِّرْكَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، هَذا قَوْلُ الحَسَنِ، ومُجاهِدٍ.
والخامِسُ: أنَّ قَوْمًا أعْلَنُوا الإيمانَ بِمَكَّةَ وامْتَنَعُوا مِنَ الهِجْرَةِ، فاخْتَلَفَ المُؤْمِنُونَ فِيهِمْ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، وهَذا قَوْلُ الضَّحّاكِ.
والسّادِسُ: أنَّ قَوْمًا مِنَ المُنافِقِينَ أرادُوا الخُرُوجَ مِنَ المَدِينَةِ، فَقالُوا لِلْمُؤْمِنِينَ: إنَّهُ قَدْ أصابَتْنا أوْجاعٌ في المَدِينَةِ، فَلَعَلَّنا نَخْرُجُ فَنَتَماثَلُ، فَإنّا كُنّا أصْحابَ بادِيَةٍ، فانْطَلَقُوا واخْتَلَفَ فِيهِمْ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.
هَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ.
والسّابِعُ: أنَّها نَزَلَتْ في شَأْنِ ابْنِ أُبَيٍّ حِينَ تَكَلَّمَ في عائِشَةَ بِما تَكَلَّمَ، وهَذا قَوْلُ ابْنُ زَيْدٍ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَما لَكُمْ ﴾ خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ.
والمَعْنى: أيُّ شَيْءٍ لَكم في الِاخْتِلافِ في أمْرِهِمْ؟
و" الفِئَةُ": الفِرْقَةُ.
وفي مَعْنى "أرْكَسَهُمْ" أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: رَدَّهم، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: رَكَسْتُ الشَّيْءَ، وأرْكَسْتُهُ: لُغَتانِ، أيْ: نَكَسَهم ورَدَّهم في كُفْرِهِمْ، وهَذا قَوْلُ الفَرّاءِ، والزَّجّاجِ.
والثّانِي: أوْقَعَهم، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: أهْلَكَهم، قالَهُ قَتادَةُ.
والرّابِعُ: أضَلَّهم، قالَهُ السُّدِّيُّ.
فَأمّا الَّذِي كَسَبُوا، فَهو كُفْرُهم، وارْتِدادُهم.
قالَ أبُو سُلَيْمانَ: إنَّما قالَ: أتُرِيدُونَ أنْ تَهْدُوا مَن أضَلَّ اللَّهُ، لِأنَّ قَوْمًا مِنَ المُؤْمِنِينَ قالُوا: إخْوانُنا، وتَكَلَّمُوا بِكَلِمَتِنا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: إلى الحُجَّةِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
والثّانِي: إلى الهُدى، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اللهُ لا إلَهَ إلا هو لَيَجْمَعَنَّكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ ومَن أصْدَقُ مِنَ اللهُ حَدِيثًا ﴾ ﴿ فَما لَكم في المُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ واللهُ أرْكَسَهم بِما كَسَبُوا أتُرِيدُونَ أنْ تَهْدُوا مَن أضَلَّ اللهُ ومَن يُضْلِلِ اللهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلا ﴾ لَمّا تَقَدَّمَ الإنْذارُ والتَحْذِيرُ الَّذِي تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ اللهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا ﴾ تَلاهُ مُقَوِّيًا لَهُ الإعْلامُ بِصِفَةِ الرُبُوبِيَّةِ وحالِ الوَحْدانِيَّةِ، والإعْلامُ بِالحَشْرِ والبَعْثِ مِنَ القُبُورِ لِلثَّوابِ والعِقابِ، إعْلامًا بِقَسَمٍ، والمُقْسَمُ بِهِ تَقْدِيرُهُ: وهُوَ، أو: وحَقِّهِ، أو: وعَظَمَتِهِ "لَيَجْمَعَنَّكُمْ".
والجَمْعُ هُنا: الحَشْرُ، فَلِذَلِكَ حَسُنَتْ بَعْدَهُ "إلى"، أيْ: إلَيْهِ السَوْقُ والحَشْرُ، و"القِيامَةِ" أصْلُها: القِيامُ، ولَمّا كانَ قِيامُ الحَشْرِ مِن أذَلِّ الحالِ وأضْعَفِها إلى أشَدِّ الأهْوالِ وأعْظَمِها لَحِقَتْهُ هاءُ المُبالَغَةِ.
و"لا رَيْبَ فِيهِ" تَبْرِئَةٌ هي وما بَعْدَها بِمَثابَةِ الِابْتِداءِ تَطْلُبُ الخَبَرَ، ومَعْناهُ: لا رَيْبَ فِيهِ في نَفْسِهِ وحَقِيقَةِ أمْرِهِ، وإنِ ارْتابَ فِيهِ الكَفَرَةُ فَغَيْرُ ضائِرٍ.
﴿ وَمَن أصْدَقُ مِنَ اللهِ حَدِيثًا ﴾ ظاهِرُهُ الِاسْتِفْهامُ، ومَعْناهُ: تَقْرِيرُ الخَبَرِ، تَقْدِيرُهُ: لا أحَدَ أصْدَقُ مِنَ اللهِ تَعالى، لِأنَّ دُخُولَ الكَذِبِ في حَدِيثِ البَشَرِ إنَّما عِلَّتُهُ الخَوْفُ والرَجاءُ، أو سُوءُ السَجِيَّةِ، وهَذِهِ مَنفِيَّةٌ في حَقِّ اللهِ تَعالى وتَقَدَّسَتْ أسْماؤُهُ، والصِدْقُ في حَقِيقَتِهِ أنْ يَكُونَ ما يَجْرِي عَلى لِسانِ المُخْبِرِ مُوافِقًا لِما في قَلْبِهِ ولِلْأمْرِ المُخْبَرِ عنهُ في وُجُودِهِ، و"حَدِيثًا" نُصِبَ عَلى التَمْيِيزِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ فَما لَكم في المُنافِقِينَ ﴾ الآيَةُ.
الخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ، وهَذا ظاهِرُهُ اسْتِفْهامٌ، والمَقْصِدُ مِنهُ التَوْبِيخُ، واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ فِي: مَنِ المُرادُ بِالمُنافِقِينَ؟، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هم قَوْمٌ كانُوا بِمَكَّةَ فَكَتَبُوا إلى أصْحابِ النَبِيِّ بِالمَدِينَةِ، أنَّهم قَدْ آمَنُوا وتَرَكُوا الهِجْرَةَ، وأقامُوا بَيْنَ أظْهُرِ الكُفّارِ، ثُمَّ سافَرَ قَوْمٌ مِنهم إلى الشامِ فَأعْطَتْهم قُرَيْشٌ بِضاعاتٍ، وقالُوا لَهُمْ: إنَّكم لا تَخافُونَ أصْحابَ مُحَمَّدٍ، لِأنَّكم تَخْدَعُونَهم بِإظْهارِ الإيمانِ لَهُمْ، فاتَّصَلَ خَبَرُهم بِالمَدِينَةِ، فاخْتَلَفَ المُؤْمِنُونَ فِيهِمْ، فَقالَتْ طائِفَةٌ: نَخْرُجُ إلى أعْداءِ اللهِ المُنافِقِينَ، وقالَتْ طائِفَةٌ: بَلْ هم مُؤْمِنُونَ لا سَبِيلَ لَنا إلَيْهِمْ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ.
وقالَ مُجاهِدٌ: بَلْ نَزَلَتْ في قَوْمٍ جاؤُوا إلى المَدِينَةِ مِن مَكَّةَ، فَأظْهَرُوا الإسْلامَ، ثُمَّ قالُوا: لَنا بِضاعاتٌ بِمَكَّةَ فانْصَرَفُوا إلَيْها، وأبْطَنُوا الكُفْرَ، فاخْتَلَفَ فِيهِمْ أصْحابُ النَبِيِّ .
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذانِ القَوْلانِ يُعَضِّدُهُما ما في آخِرِ الآيَةِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ حَتّى يُهاجِرُوا ﴾ .
قالَ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ: نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ الَّذِينَ رَجَعُوا عن رَسُولِ اللهِ يَوْمَ أُحُدٍ، عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيٍّ وأصْحابِهِ، لِأنَّ أصْحابَ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ اخْتَلَفُوا فِيهِمْ.
وقالَ السُدِّيُّ: بَلْ نَزَلَتْ في قَوْمٍ مُنافِقِينَ كانُوا بِالمَدِينَةِ فَطَلَبُوا الخُرُوجَ عنها نِفاقًا وكُفْرًا، وقالُوا: إنّا اجْتَوَيْناها.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: إنَّما نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ الَّذِينَ تَكَلَّمُوا في حَدِيثِ الإفْكِ، لِأنَّ الصَحابَةَ اخْتَلَفُوا فِيهِمْ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: الِاخْتِلافُ في هَذِهِ النازِلَةِ كانَ بَيْنَ أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ، وسَعْدِ بْنِ عُبادَةَ حَسْبَما وقَعَ في البُخارِيِّ، وكانَ لِكُلِّ واحِدٍ أتْباعٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ عَلى قَوْلِهِ، وكُلُّ مَن قالَ في هَذِهِ الآيَةِ إنَّها فِيمَن كانَ بِالمَدِينَةِ يَرُدُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: "حَتّى يُهاجِرُوا" لَكِنَّهم يُخْرِجُونَ المُهاجَرَةَ إلى هَجْرِ ما نَهى اللهُ عنهُ، وتَرْكِ الخِلافِ والنِفاقِ، كَما قالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "والمُهاجِرُ مَن هَجَرَ ما نَهى اللهُ عنهُ".» و"فِئَتَيْنِ" مَعْناهُ: فِرْقَتَيْنِ، ونَصْبُهُما عَلى الحالِ، كَما تَقُولُ: ما لَكَ قائِمًا، هَذا مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ.
وقالَ الكُوفِيُّونَ: نَصْبُهُ بِما يَتَضَمَّنُهُ "فَما لَكُمْ" مِنَ الفِعْلِ، والتَقْدِيرُ: ما لَكم كُنْتُمْ فِئَتَيْنِ، أو صِرْتُمْ، وهَذا الفِعْلُ المُقَدَّرُ يَنْصِبُ عِنْدَهُمُ النَكِرَةَ والمَعْرِفَةَ، كَما تَقُولُ: مالِكٌ الشاتِمَ لِزَيْدٍ، وخَطَّأ هَذا القَوْلَ الزَجّاجُ، لِأنَّ المَعْرِفَةَ لا تَكُونُ حالًا.
و"أرْكَسَهُمْ" مَعْناهُ: رَجَعَهم في كُفْرِهِمْ وضَلالِهِمْ، والرِكْسُ: الرَجِيعُ، ومِنهُ حَدِيثُ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ في الِاسْتِنْجاءِ: « "فَأخَذَ الحَجَرَيْنِ، وألْقى الرَوْثَةَ وقالَ إنَّها رِكْسٌ"،» ومِنهُ قَوْلُ أُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَلْتِ: فَأُرْكِسُوا في حَمِيمِ النارِ إنَّهُمُ كانُوا عُصاةً وقالُوا الإفْكَ والزُورا وحَكى النَضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، والكِسائِيُّ: رَكَسَ وأرْكَسَ بِمَعْنىً واحِدٍ، أيْ: رَجَعَهُمْ، ومَن قالَ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: أهْلَكَهُمْ، أو أضَلَّهم فَإنَّما هي بِالمَعْنى، لِأنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ يَتَضَمَّنُهُ رَدُّهم إلى الكُفْرِ.
و"بِماكَسَبُوا" مَعْناهُ: بِما اجْتَرَحُوا مِنَ الكُفْرِ والنِفاقِ، أيْ إنَّ كُفْرَهم بِخَلْقٍ مِنَ اللهِ واخْتِراعٍ، وبِتَكَسُّبٍ مِنهُمْ، وقَوْلُهُ: "أتُرِيدُونَ" اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ الإبْعادُ واليَأْسُ مِمّا أرادُوهُ، والمَعْنى: أتُرِيدُونَ أيُّها المُؤْمِنُونَ القائِلُونَ بِأنَّ أُولَئِكَ المُنافِقِينَ مُؤْمِنُونَ أنْ تَسِمُوا بِالهُدى مَن قَدْ يَسَّرَهُ اللهُ لِضَلالَةٍ وحَتَّمَها عَلَيْهِ.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ "وَمَن يُضْلِلِ" فَلا سَبِيلَ إلى إصْلاحِهِ ولا إلى إرْشادِهِ.
<div class="verse-tafsir"
تفريع عن أخبار المنافقين التي تقدّمت، لأنّ ما وصف من أحوالهم لا يترك شكاً عند المؤمنين في حيث طويتهم وكفرهم، أو هو تفريع عن قوله: ﴿ ومن أصدق من الله حديثاً ﴾ [النساء: 87].
وإذ قد حدّث الله عنهم بما وصف من سابق الآي، فلا يحقّ التردّد في سوء نواياهم وكفرهم، فموقع الفاء هنا نظير موقع الفاء في قوله: ﴿ فقاتل في سبيل الله ﴾ في سورة النساء (84).
والاستفهام للتعجيب واللَّوم.
والتعريف في ﴿ المنافقين ﴾ للعهد، و ﴿ فئتين ﴾ حال من الضمير المجرور باللام فهي قيد لعامله، الذي هو التوبيخ، فعلم أنّ محلّ التوبيخ هو الانقسام: ﴿ في المنافقين ﴾ متعلّق بفئتين لتأويله بمعنى «منقسمين»، ومعناه: في شأن المنافقين، لأنّ الحكم لا يتعلّق بذوات المنافقين.
والفئة: الطائفة.
وزنها فِلَة، مشتقّة من الفيء وهو الرجوع، لأنّهم يَرجع بعضهم إلى بعض في شؤونهم.
وأصلها فَيّءٌ، فحذفوا الياء من وسطه لكثرة الاستعمال وعوّضوا عنها الهاء.
وقد علم أنّ الانقسام إلى فئتين ما هو إلاّ انقسام في حالة من حالتين، والمقام للكلام في الإيمان والكفر، أي فما لكم بين مكفّر لهم ومبرّر، وفي إجراء أحكام الإيمان أو الكفر عليهم.
قيل: نزلت هذه الآية في المنخزلين يوم أُحد: عبد الله بن أبَيّ وأتباعه، اختلف المسلمون في وصفهم بالإيمان أو الكفر بسبب فعلتهم تلك.
وفي «صحيح البخاري» عن زيد بن ثابت قال: رجع ناس من أصحاب النبي من أُحد، وكان الناس فيهم فريقين، فريق يقول: اقُتُلْهم، وفريق يقول: لا، فنزلت «فما لكم في المنافقين فئتين»، وقال: «إنّها طَيْبَة تنفي الخبث كما تنفي النار خبث الفضّة» أي ولَمْ يقتلهم النبي صلى الله عليه وسلم جرياً على ظاهر حالهم من إظهار الإسلام.
فتكون الآية لبيان أنّه ما كان ينبغي التردّد في أمرهم.
وعن مجاهد: أنها نزلت في قوم من أهل مكة أظهروا الإيمان، وهاجروا إلى المدينة، ثمّ استأذنوا في الرجوع إلى مكة، ليأتوا ببضاعة يتّجرون فيها، وزعموا أنّهم لم يزالوا مؤمنين، فاختلف المسلمون في شأنهم: أهم مشركون أم مسلمون.
ويبيّنه ما روي عن ابن عباس أنّها نزلت في قوم كانوا من أهل مكة يبطنون الشرك ويظهرون الإسلام للمسلمين، ليكونوا في أمن من تعرّض المسلمين لهم بحرب في خروجهم في تجارات أو نحوها، وأنّه قد بلغ المسلمين أنّهم خرجوا من مكة في تجارة، فقال فريق من المسلمين: نركب إليهم فنقاتلهم، وقال فريق: كيف نقتلهم وقد نطقوا بالإسلام، فاختلف المسلمون في ذلك، ولم يغيّر رسول الله على أحد من الفريقين حتّى نزلت الآية.
وعن الضّحاك: نزلت في قوم أظهروا الإسلام بمكة ولم يهاجروا، وكانوا يظاهرون المشركين على المسلمين، وهم الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿ إنّ الذين توفّاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم ﴾ [النساء: 97] الآية.
وأحسب أنّ هؤلاء الفرق كلّهم كانوا معروفين وقت نزول الآية، فكانوا مثَلاً لعمومها وهي عامّة فيهم وفي غيرهم من كلّ من عرف بالنفاق يومئذٍ من أهل المدينة ومن أهل مكة.
والظاهر أنّ الآية نزلت بعد أن فات وقت قتالهم، لقصد عدم التعرّض لهم وقت خروجهم استدراجاً لهم إلى يوم فتح مكة.
وعلى جميع الاحتمالات فموقع الملام هو الخطأ في الاجتهاد لضعف دليل المُخطِئين لأنّ دلائل كفر المتحدّث عنهم كانت ترجح على دليل إسلامهم الذي هو مجرّد النطق بكلمة الإسلام، مع التجرّد عن إظهار موالاة المسلمين.
وهذه الآية دليل على أنّ المجتهد إذا استند إلى دليل ضعيف ما كان من شأنه أن يستدلّ به العالِم لا يكون بعيداً عن الملام في الدنيا على أن أخطأ فيما لا يخطئ أهلُ العلم في مثله.
وجملة ﴿ والله أرْكَسَهم بما كسبوا ﴾ حالية، أي إن كنتم اختلفتم فيهم فالله قد ردّهم إلى حالهم السوأى، لأنّ معنى أركس رَدّ إلى الرّكْس، والركس قريب من الرجس.
وفي حديث الصحيح في الروث «إنّ هذا رِكْسٌ» وقيل: معنى أركس نكس، أي ردّ ردّاً شنيعاً، وهو مقارب للأول.
وقد جعل الله ردّهم إلى الكفر جزاء لسوء اعتقادهم وقلّة إخلاصهم مع رسوله صلى الله عليه وسلم فإنّ الأعمال تتوالد من جنسها، فالعمل الصالح يأتي بزيادة الصالحات، والعمل السيّيء يأتي بمنتهى المعاصي، ولهذا تكرّر في القرآن الإخبار عن كون العمل سبباً في بلوغ الغايات من جنسه.
وقوله: ﴿ أتريدون أن تهدوا من أضلّ الله ﴾ استئناف بياني نشأ عن اللوم والتعجيب الذي في قوله: ﴿ فما لكم في المنافقين فئتين ﴾ ، لأنّ السامعين يترقّبون بيان وجه اللوم، ويتساءلون عمّاذا يتُخذون نحو هؤلاء المنافقين.
وقد دلّ الاستفهام الإنكاري المشوب باللوم على جملة محذوفة هي محلّ الاستئناف البياني، وتقديرها: إنهم قد أضلّهم الله، أتريدون أن تهدوا من أضلّ الله، بناء على أنّ قوله: ﴿ والله أركسهم ﴾ ليس المراد منه أنَّه أضلّهم، بل المراد منه أساءَ حالهم، وسوءُ الحال أمر مجمل يفتقر إلى البيان، فيكون فَصْل الجملة فصل الاستئناف.
وإن جعلتَ معنى ﴿ والله أركسهم ﴾ أنّه ردّهم إلى الكفر، كانت جملة ﴿ أتريدون ﴾ استئنافاً ابتدائياً، ووجه الفصل أنّه إقبال على اللوم والإنكار، بعد جملة ﴿ والله أركسهم ﴾ التي هي خبرية، فالفصل لكمال الانقطاع لاختلاف الغرضين.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَما لَكم في المُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ ﴾ اخْتُلِفَ فِيمَن نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِسَبَبِهِ عَلى خَمْسَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها نَزَلَتْ في الَّذِينَ تَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ يَوْمَ أُحُدٍ، وقالُوا: لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لاتَّبَعْناكم، وهَذا قَوْلُ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ.
والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في قَوْمٍ قَدِمُوا المَدِينَةَ فَأظْهَرُوا الإسْلامَ، ثُمَّ رَجَعُوا إلى مَكَّةَ فَأظْهَرُوا الشِّرْكَ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ، ومُجاهِدٍ.
والثّالِثُ: أنَّها نَزَلَتْ في قَوْمٍ أظْهَرُوا الإسْلامَ بِمَكَّةَ وكانُوا يُعِينُونَ المُشْرِكِينَ عَلى المُسْلِمِينَ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ.
والرّابِعُ: أنَّها نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِن أهْلِ المَدِينَةِ أرادُوا الخُرُوجَ عَنْها نِفاقًا، وهَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ.
والخامِسُ: أنَّها نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِن أهْلِ الإفْكِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ.
وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واللَّهُ أرْكَسَهم بِما كَسَبُوا ﴾ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: مَعْناهُ رَدَّهم، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أوْقَعَهم، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.
والثّالِثُ: أهْلَكَهم، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ.
والرّابِعُ: أضَلَّهم، وهَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ.
والخامِسُ: نَكَسَهم، وهَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ.
﴿ أتُرِيدُونَ أنْ تَهْدُوا مَن أضَلَّ اللَّهُ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنْ تُسَمُّوهم بِالهُدى وقَدْ سَمّاهُمُ اللَّهُ بِالضَّلالِ عُقُوبَةً لَهم.
والثّانِي: تَهْدُوهم إلى الثَّوابِ بِمَدْحِهِمْ واللَّهُ قَدْ أضَلَّهم بِذَمِّهِمْ.
﴿ إلا الَّذِينَ يَصِلُونَ إلى قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ ﴾ أيْ يَدْخُلُونَ في قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم أمانٌ فَلَهم مِنهُ مِثْلُ ما لَكم.
قالَ عِكْرِمَةُ: نَزَلَتْ في الهِلالِ بْنِ عُوَيْمِرٍ الأسْلَمِيِّ، وسُراقَةَ بْنِ مالِكِ بْنِ جُعْثَمٍ، وخُزَيْمَةَ بْنِ عامِرِ بْنِ عَبْدِ مَنافٍ.
قالَ الحَسَنُ: هَؤُلاءِ بَنُو مُدْلِجٍ كانَ بَيْنَهم وبَيْنَ قُرَيْشٍ عَهْدٌ، وبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ [وَقُرَيْشٍ] عَهْدٌ، فَحَرَّمَ اللَّهُ مِن بَنِي مُدْلِجٍ ما حَرَّمَ مِن قُرَيْشٍ.
﴿ أوْ جاءُوكم حَصِرَتْ صُدُورُهم أنْ يُقاتِلُوكم أوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ ﴾ مَعْنى حَصِرَتْ أيْ ضاقَتْ، ومِنهُ حُصِرَ العَدُوُّ وهو الضِّيقُ ومِنهُ حَصْرُ العُداةِ لِأنَّهم قَدْ ضاقَتْ عَلَيْهِمْ مَذاهِبُهم.
ثُمَّ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ عَنْهم بِأنَّ صُدُورَهم حَصِرَتْ.
والثّانِي: أنَّهُ دُعاءٌ مِنَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بِأنْ تُحْصَرَ صُدُورُهُمْ، وهَذا قَوْلُ أبِي العَبّاسِ.
﴿ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهم عَلَيْكم فَلَقاتَلُوكُمْ ﴾ وفي تَسْلِيطِهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: بِتَقْوِيَةِ قُلُوبِهِمْ.
والثّانِي: بِالإذْنِ في القِتالِ لِيَدْفَعُوا عَنْ أنْفُسِهِمْ.
﴿ فَإنِ اعْتَزَلُوكم فَلَمْ يُقاتِلُوكم وألْقَوْا إلَيْكُمُ السَّلَمَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: الصُّلْحُ، وهو قَوْلُ الرَّبِيعِ.
والثّانِي: الإسْلامُ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ.
﴿ فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكم عَلَيْهِمْ سَبِيلا ﴾ قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ وعِكْرِمَةُ: هي مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَإذا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أنْ يَأْمَنُوكم ويَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ ﴾ هم قَوْمٌ يُظْهِرُونَ لِقَوْمِهِمُ المُوافَقَةَ لِيَأْمَنُوهُمْ، ولِلْمُسْلِمِينَ الإسْلامَ لِيَأْمَنُوهُمْ، وفِيهِمْ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهم أهْلُ مَكَّةَ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ.
والثّانِي: أنَّهم مِن أهْلِ تِهامَةَ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ.
والثّالِثُ: قَوْمٌ مِنَ المُنافِقِينَ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ.
والرّابِعُ: أنَّهُ نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ الأشْجَعِيُّ.
وَهَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ.
﴿ كُلَّ ما رُدُّوا إلى الفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيها ﴾ أيْ كُلَّما رُدُّوا إلى المِحْنَةِ في إظْهارِ الكُفْرِ رَجَعُوا فِيهِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج الطيالسي وابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والبيهقي في الدلائل عن زيد بن ثابت.
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى أحد، فرجع ناس خرجوا معه، فكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم فرقتين.
فرقة تقول نقتلهم، وفرقة تقول.
لا.
فأنزل الله: ﴿ فما لكم في المنافقين فئتين...
﴾ الآية كلها.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنها طيبة، وإنها تنفي الخبث كما تنفي النار خبث الفضة» .
وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق عبد العزيز بن محمد عن زيد بن أسلم عن ابن سعد بن معاذ الأنصاري.
أن هذه الآية أنزلت فينا ﴿ فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا ﴾ خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس فقال: «من لي بمن يؤذيني ويجمع لي في بيته من يؤذيني؟
فقام سعد بن معاذ فقال: إن كان منا يا رسول الله قتلناه، وإن كان من إخواننا الخزرج أمرتنا فاطعناك.
فقام سعد بن عبادة فقال: ما بك يا ابن معاذ طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن عرفت ما هو منك.
فقام أسيد بن حضير فقال: إنك يا ابن عبادة منافق تحب المنافقين.
فقال محمد بن مسلمة فقال: استكوا أيها الناس، فإن فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يأمرنا فننفذ لأمره.
فأنزل الله: ﴿ فما لكم في المنافقين فئتين...
﴾ الآية» .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس قال: «إن قوماً كانوا بمكة قد تكلموا بالإسلام وكانوا يظاهرون المشركين، فخرجوا من مكة يطلبون حاجة لهم، فقالوا: إن لقينا أصحاب محمد فليس علينا فيهم بأس، وإن المؤمنين لما أخبروا أنهم قد خرجوا من مكة قالت فئة من المؤمنين: اركبوا إلى الخبثاء فاقتلوهم فإنهم يظاهرون عليكم عدوكم.
وقالت فئة أخرى من المؤمنين: سبحان الله...
!
تقتلون قوماً قد تكلموا بمثل ما تكلمتم به من أجل أنهم لم يهاجروا ويتركوا ديارهم تستحل دماؤهم وأموالهم، فكانوا كذلك فئتين والرسول عندهم لا ينهى واحداً من الفريقين عن شيء.
فنزلت ﴿ فما لكم في المنافقين فئتين ﴾ إلى قوله: ﴿ حتى يهاجروا في سبيل الله ﴾ يقول: حتى يصنعوا كما صنعتم ﴿ فإن تولوا ﴾ قال: عن الهجرة» .
وأخرج أحمد بسند فيه انقطاع عن عبد الرحمن بن عوف أن قوماً من العرب أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة، فأسلموا وأصابهم وباء المدينة حماها فاركسوا، خرجوا من المدينة، فاستقبلهم نفر من الصحابة فقالوا لهم: ما لكم رجعتم؟
قالوا: أصابنا وباء المدينة فقالوا: ما لكم في رسول الله اسوة حسنة.
فقال بعضهم: نافقوا.
وقال بعضهم: لم ينافقوا، إنهم مسلمون.
فأنزل الله: ﴿ فما لكم في المنافقين فئتين...
﴾ الآية.
وأخرج ابن أبي حاتم من وجه آخر عن أبي سلمة عن عبد الرحمن.
أن نفراً من طوائف العرب هاجروا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمكثوا معه ما شاء الله أن يمكثوا، ثم ارتكسوا فرجعوا إلى قومهم، فلقوا سرية من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعرفوهم فسألوهم ما ردكم؟
فاعتلوا لهم فقال بعض القوم لهم: نافقتم، فلم يزل بعض ذلك حتى فشا فيهم القول، فنزلت هذه الآية ﴿ فما لكم في المنافقين فئتين ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ فما لكم في المنافقين فئتين ﴾ قال: قوم خرجوا من مكة حتى جاؤوا المدينة، يزعمون أنهم مهاجرون ثم ارتدوا بعد ذلك، فاستأذنوا النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة ليأتوا ببضائع لهم يتجرون فيها، فاختلف فيهم المؤمنون فقائل يقول: هم منافقون.
وقائل يقول: هم مؤمنون، فبين الله نفاقهم، فأمر بقتلهم، فجاءوا ببضائعهم يريدون هلال بن عويمر الأسلمي وبينه وبين محمد عليه السلام حلف، وهو الذي حصر صدره أن يقاتل المؤمنين أو يقاتل قومه، فدفع عنهم بأنهم يؤمون هلالاً وبينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم عهد.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ فما لكم في المنافقين فئتين ﴾ قال: ذكر لنا أنهما كانا رجلين من قريش، كانا مع المشركين بمكة، وكانا قد تكلما بالإسلام ولم يهاجرا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فلقيهما ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهما مقبلان إلى مكة، فقال بعضهم: إن دماءهما وأموالهما حلال.
وقال بعضهم: لا يحل ذلك لكم.
فتشاجروا فيهما، فانزل الله: ﴿ فما لكم في المنافقين فئتين ﴾ حتى بلغ ﴿ ولو شاء الله لسلطهم عليكم فلقاتلوكم ﴾ .
وأخرج ابن جرير عن معمر بن راشد قال: بلغني أن ناساً من أهل مكة كتبوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنهم قد أسلموا، أو كان ذلك منهم كذباً، فلقوهم فاختلف فيهم المسلمون فقالت طائفة: دماؤهم حلال.
وطائفة قالت: دماؤهم حرام.
فأنزل اله ﴿ فما لكم في المنافقين فئتين ﴾ .
وأخرج ابن جرير عن الضحاك في الآية قال: هم ناس تخلفوا عن نبي الله صلى الله عليه وسلم، وأقاموا بمكة وأعلنوا الإيمان ولم يهاجروا، فاختلف فيهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتولاهم ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وتبرأ من ولايتهم آخرون، وقالوا: تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يهاجروا فسماهم الله منافقين، وبرأ المؤمنين من ولايتهم، وأمرهم أن لا يتولوهم حتى يهاجروا.
وأخرج ابن جرير عن السدي قال: كان ناس من المنافقين أرادوا أن يخرجوا من المدينة، فقالوا للمؤمنين: إنا قد أصابنا أوجاع في المدينة واتخمناها، فلعلنا أن نخرج إلى الظهر حتى نتماثل ثم نرجع، فإنا كنا أصحاب برية.
فانطلقوا واختلف فيهم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت طائفة: أعداء الله منافقون، وددنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أذن لنا فقاتلناهم.
وقالت طائفة: لا، بل إخواننا تخمتهم المدينة فاتخموها، فخرجوا إلى الظهر يتنزهون فإذا برئوا رجعوا.
فأنزل الله في ذلك ﴿ فما لكم في المنافقين فئتين ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن عكرمة في الآية قال: أخذ ناس من المسلمين أموالاً من المشركين فانطلقوا بها تجاراً إلى اليمامة، فاختلف المسلمون فيهم، فقالت طائفة: لو لقيناهم قتلناهم وأخذنا ما في أيديهم.
وقال بعضهم: لا يصلح لكم ذلك، إخوانكم انطلقوا تجاراً.
فنزلت هذه الآية ﴿ فما لكم في المنافقين فئتين ﴾ .
وأخرج ابن جرير من طريق ابن وهب عن ابن زيد في قوله: ﴿ فما لكم في المنافقين فئتين ﴾ قال: هذا في شأن ابن أبي، حين تكلم في عائشة ما تكلم، فنزلت إلى قوله: ﴿ فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا في سبيل الله ﴾ فقال سعد بن معاذ: فإني أبرأ إلى الله وإلى رسوله منه.
يريد عبد الله بن أبي بن سلول.
وأخرج ابن أبي حاتم عن زيد بن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب الناس فقال: «كيف ترون في الرجل يخاذل بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويسيء القول لأهل رسول الله وقد برأها الله» ، ثم قرأ ما أنزل الله في براءة عائشة، فنزل القرآن في ذلك ﴿ فما لكم في المنافقين فئتين...
﴾ الآية.
فلم يكن بعد هذه الآية ينطق ولا يتكلم فيه أحد.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس ﴿ والله أركسهم ﴾ يقول: أوقعهم.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر من طريق عطاء الخراساني عن ابن عباس ﴿ أركسهم ﴾ قال: ردهم.
وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن قول ﴿ أركسهم ﴾ قال: حبسهم في جهنم بما عملوا.
قال: وهل تعرف العرب ذلك؟
قال: نعم، أما سمعت قول أمية بن الصلت في شعره: أركسوا في جهنم أنهم كانوا عتاة ** يقولوا مينا وكذبا وزورا وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر عن قتادة ﴿ أركسهم بما كسبوا ﴾ قال: أهلكهم بما عملوا.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي ﴿ أركسهم ﴾ قال: أضلهم.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ ﴾ .
قال ابن عباس وأكثر المفسرين: نزلت في قوم قدموا على النبي مسلمين، فأقاموا بالمدينة ما شاء الله، ثم قالوا: يا رسول الله إنا اجتوينا المدينة، فأذن لنا حتى نتبدا (١) ، فلما خرجوا لم يزالوا يرحلون مرحلة مرحلة، حتى لحقوا بالمشركين، فتكلم المؤمنون فيهم، فقال بعضهم: لو كانوا مسلمين مثلنا لأقاموا معنا وصبروا كما نصبر، وقال قوم: هم مسلمون حتى نعلم أنهم بدَّلوا.
فبين الله تعالى نفاقهم في هذه الآية.
وهذا معنى قول الحسن ومجاهد (٢) وإنما وصفوا بالنِّفاق وقد أظهروا الارتداد عن الإسلام واللحوق بالمشركين؛ لأنهم نُسبوا إلى ما كان عليه قبل من إضمار الكفر.
وانتصاب فئتين على الحال عند البصريين (٣) (٤) وقال الفراء: نصبه على معنى خبر كان، إذا قلت: مالك قائمًا، كأنك قلت: لم كنت قائمًا.
قال: ولا تبال أكان المنصوب معرفةً أو نكرة، يجوز في الكلام أن تقول: مالك الناظر في أمرنا.
وعنده يجوز: مالك القائم (٥) قال الزجاج: مالك القائم.
خطأ؛ لأن القائم معرفة، لا يجوز أن تقع حالًا، و"ما" حرف من حروف الاستفهام لا يعمل عمل كان.
قال: ولو جاز: مالك القائم، لوجب أن يجوز: ما عندك القائم، وما بك لقائم، وبإجماع لا يجوز: ما بك القائم، فما لك القائم مثله لا فرق في ذلك (٦) ومعنى الآية: ما لكم مختلفين في هؤلاء المنافقين.
قال الزجاج: أمر الله جل وعز أن يتَّفق المسلمون على تكفير من احتال على رسول الله وخالفه فقال: ﴿ فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ ﴾ أي: أيّ شيء لكم في الاختلاف في أمرهم (٧) وقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا ﴾ .
قال الفراء: يقول ردهم إلى الكفر (٨) (٩) قال أبو عبيد (١٠) (١١) والرَّكس قلب الشيء على رأسه، (أَوْرَدُّ) (١٢) (١٣) (١٤) فاركسوا في حميم النار إنهم ...
كانوا عصاةً وقالوا الإفك والزورا (١٥) ومن هذا يقال للرَّوث الركس، لأنه رد إلى حال النجاسة، ولهذا المعنى سمي رجيعًا (١٦) وإجماع أهل اللغة أن الركس والإركاس بمعنى، وأن تأويله النَّكس والرد، والمنكوس والمركوس واحد (١٧) قال الزجاج: تأويل ركسهم في اللغة (١٨) (١٩) ﴿ بِمَا كَسَبُوا ﴾ أي بما أظهروا من الارتداد بعدما كانوا على النفاق، وذلك أن المنافق ما دام متمسكًا في الظاهر بالشهادتين لم يكن لنا سبيل إلى دمائهم، وكذلك فعل رسول الله ، وكان قد أعلم بنفاق المنافقين، وذكر عددهم لحذيفة (٢٠) ، فإذا أظهروا الارتداد عادوا إلى حكم الكفار، وهذا معنى قوله: ﴿ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ ﴾ .
قال ابن عباس: "يريد تُرشدوا من لم يرشده الله" (٢١) ومعنى هذا أنه ليس إليكم هداية من أضل الله، وهؤلاء ممن ضلهم الله فلا يرشدهم أحد.
وقال الزجاج: [أي أتقولون] (٢٢) (٢٣) فمعنى ﴿ تَهْدُوا ﴾ على هذا تسموا (٢٤) (٢٥) ﴿ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا ﴾ قال ابن عباس: "يريد دينا" (٢٦) (٢٧) والمعنى أنه لا ينفعه هداية هاد له.
(١) أي: نلحق بالبادية، انظر: "معاني الزجاج" 2/ 87.
(٢) عن مجاهد بمعناه في "تفسيره" 1/ 168، وأخرجه الطبري 6/ 193.
== وانظر: "تفسير ابن كثير" 1/ 585، و"الدر المنثور" 2/ 340 - 341.
وقد نسب هذا القول لكل من الحسن، ومجاهد: الماوردي في "النكت والعيون" 1/ 515، وابن الجوزي في "زاد المسير" 2/ 154.
(٣) انظر: "معاني القرآن" للأخفش 1/ 451، و"معاني الزجاج" 2/ 88، و"إعراب القرآن" للنحاس 1/ 442.
(٤) "معاني الزجاج" 2/ 88.
(٥) "معاني القرآن" 2/ 281 بتصرف، وانظر: "معاني الزجاج" 2/ 88.
(٦) "معاني الزجاج" 2/ 88.
(٧) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 87، 88.
(٨) "معاني القرآن" 1/ 281، وانظر: "معاني القرآن" للنحاس 1/ 153.
(٩) في "معاني القرآن" 1/ 281: "وهي في قراءة عبد الله وأبي ﴿ وَاللَّهُ رَكَسَهم ﴾ وانظر: "معاني القرآن" للنحاس 1/ 153.
(١٠) في المخطوط: "أبو عبيدة" وهو خطأ.
(١١) "غريب الحديث" 1/ 166، و"تهذيب اللغة" 2/ 1460 (ركس).
(١٢) في المخطوط: "أورده" والصواب ما أثبته لاستقامة الكلام، وكما في المصادر التالية.
(١٣) "العين" 5/ 310، و"تهذيب اللغة" 2/ 1460 - 1461 (ركس)، وانظر: "الصحاح" 3/ 936 (ركس)، و"التفسير الكبير" 10/ 219.
(١٤) تقدمت ترجمته.
(١٥) "ديوانه" ص 408، والطبري 5/ 192، و"الدر المنثور" 2/ 342.
(١٦) انظر: "التفسير الكبير" 10/ 219.
(١٧) انظر: "العين" 5/ 310، و"تهذيب اللغة" 2/ 1460 - 1461، و"الكشف والبيان" 4/ 95 ب و"التفسير الكبير" 10/ 219.
(١٨) تكررت في (ش): (في اللغة) وهو سهو من الناسخ.
(١٩) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 88.
(٢٠) تقدمت ترجمته.
(٢١) "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 92.
(٢٢) طمس هذا الموضع في (ش)، والتسديد من "معاني الزجاج" 2/ 88.
(٢٣) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 88.
(٢٤) هكذا في المخطوط ولعل الصواب: "تسموهم".
(٢٥) في المخطوط طمس يمثل كلمة أو كلمتين.
(٢٦) "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 92.
(٢٧) بياض في (ش) وعند الزجاج في "معانيه" 2/ 88: "أي طريقًا إلى الحجة".
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَمَا لَكُمْ فِي المنافقين فِئَتَيْنِ ﴾ ما استفهامية بمعنى التوبيخ، والخطاب للمسلمين، ومعنى فئتين: أي طائفتين مختلفتين، وهو منصوب على الحال، والمراد بالمنافقين هنا ما قال ابن عباس أنها نزلت في قوم كانوا بمكة مع المشركين؛ فزعموا أنهم آمنوا ولم يهاجروا، ثم سافر قوم منهم إلى الشام بتجارات، فاختلف المسلمون هل يقاتلونهم لغنموا تجارتهم لأنهم لم يهاجروا؟
أو هل يتركونهم لأنهم مؤمنين؟
وقال زيد بن ثابت: نزلت في المنافقين الذين رجعوا عن القتال يوم أحد، فاختلف الصحابة في أمرهم، ويرد هذا قوله: حت يهاجروا.
﴿ أَرْكَسَهُمْ ﴾ أي أضلهم، وأهلكهم.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ ومن أصدق ﴾ وكل صاد ساكنة بعدها دال بإشمام الصاد الزاي: علي ورويس وحمزة غير العجلي.
﴿ حصرت صدورهم ﴾ وبابه مدغماً: أبو عمرو وحمزة وعلي وخلف وابن عامر.
وقرأ سهل ويعقوب والمفضل ﴿ حصرة صدورهم ﴾ بالنصب والتنوين.
الوقوف: ﴿ القرآن ﴾ ط لتناهي الاستفهام إلى الشرط.
﴿ كثيراً ﴾ ه ﴿ أذاعوا به ﴾ ط ﴿ منهم ﴾ ط ﴿ قليلاً ﴾ ه ﴿ في سبيل الله ﴾ ج ط لأن قوله: ﴿ لا تكلف ﴾ يحتمل الاستئناف والحال أي قاتل غير مكلف.
﴿ إلاّ نفسك ﴾ ط لعطف قوله: ﴿ وحرض ﴾ على قوله: ﴿ فقاتل ﴾ .
﴿ المؤمنين ﴾ ج لأنّ ﴿ عسى ﴾ مستأنف لفظاً ومتصل معنى لأنه لترجية نجح ما أمر به.
﴿ كفروا ﴾ ط ﴿ تنكيلاً ﴾ ه ﴿ نصيب منها ﴾ ط لابتداء شرط آخر مع واو العطف.
﴿ كفل منها ﴾ ط ﴿ مقيتاً ﴾ ه ﴿ ردوها ﴾ ط ﴿ حسيباً ﴾ ه ﴿ إلا هو ﴾ ط ﴿ لا ريب فيه ﴾ ط ﴿ حديثاً ﴾ ه ﴿ بما كسبوا ﴾ ط ﴿ من أضلّ الله ﴾ ط لتناهي الاستفهام إلى الشرط.
﴿ سبيلاً ﴾ ه ﴿ في سبيل الله ﴾ ط ﴿ وجدتموهم ﴾ ص ﴿ نصيراً ﴾ ه ط ﴿ أو يقاتلوا قومهم ﴾ ط ﴿ فلقاتلوكم ﴾ ط ﴿ السلم ﴾ لا لأن ما بعده جواب "فإن".
﴿ سبيلاً ﴾ ه ﴿ قومهم ﴾ ط ﴿ أركسوا فيها ﴾ ج ﴿ ثقفتموهم ﴾ ط ﴿ مبيناً ﴾ ه.
التفسير: لما حكي عن المنافقين ما حكى وكان السبب فيه اعتقادهم أنه غير محق في ادعاء الرسالة، أمرهم بالتفكر والتدبر وهو النظر في عواقب الأمور وأدبارها، ومنه قول أكثم: لا تدبروا أعجاز أمور قد ولت صدورها.
ويقال في فصيح الكلام: لو استقبلت من أمري ما استبدرت.
أي لو عرفت في صدره ما عرفت من عاقبته.
وظاهر الآية يدل على أنه احتج بالقرآن على صحة نبوة محمد وإلا انقطع النظم.
ودلالة القرآن على صدق النبي من ثلاثة أوجه: الفصاحة والاشتمال على الغيوب والسلامة من الاختلاف وهو المقصود من الآية.
واختلف المفسرون في المراد من سلامته من الاختلاف.
فقال أبو بكر الأصم: معناه / أن المنافقين كانوا يتواطئون في السر على أنواع كثيرة من المكايد، والرسول كان يخبرهم عنها حالاً فحالاً.
فقيل لهم: إن ذلك لو لم يحصل بإخبار الله لم يطرد صدقه ولظهر أنواع الاختلاف والتفاوت.
وقال أكثر المتكلمين: المراد تجاوب معانيه وتلاؤم مقاصده مع أنه مشتمل على علوم كثيرة وفنون غزيرة، ولو كان من عند غير الله لم يخل من تناقض واضطراب.
والذي تظن به التناقض كقوله: ﴿ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان ﴾ مع قوله: ﴿ لنسألنهم أجمعين ﴾ أو كقوله: ﴿ فإذا هي ثعبان مبين ﴾ مع قوله: ﴿ كأنها جان ﴾ ليس بذاك عند التدبر وملاحظة شروط التناقض من اتحاد الزمان والمكان وغيرهما وقال أبو مسلم: المراد صحة نظمه وكون كله بل كل جزء من أجزائه وأبعاضه بالغاً حد الإعجاز.
ومن المعلوم أن الإنسان وإن كان في غاية البلاغة ونهاية الفصاحة إذا كتب كتاباً طويلاً مشتملاً على المعاني الكثيرة فلا بد أن يظهر التفاوت في كلامه بحيث يكون بعضه قوياً متيناً وبعضه سخيفاً نازلاً، ولما لم يكن القرآن كذلك علمنا أنه معجز من عند الله .
وفي الآية دلالة على وجوب النظر والاستدلال أعني التدبر فيما إليه سبيل.
وقال الجبائي: فيها دلالة على أن أفعال العباد غير مخلوقة لله لأن فعل العبد لا ينفك عن التفاوت والاختلاف.
والجواب أنه لا يلزم من كون كلامه غير متفاوت ولا مختلف أن لا تكون أفعاله مختلفة بحسب اختلاف المظاهر والقوابل.
سلمنا لكن اختلافه وهو كونه غير مطابق للأغراض والمقاصد الإنسانية قد يكون بحسب نظرنا لا بحسب الأمر نفسه.
ثم حكى عن المنافقين - وقيل عن ضعفة المسلمين - أنه إذا جاءهم الخبر بأمر من الأمور سواء كان ذلك الأمر من باب الأمن أو من باب الخوف أذاعوا به وأفشوه.
يقال: أذاع السر وأذاع به لغتان.
ويجوز أن يكون معنى أذاع به فعل به الإذاعة وهو أبلغ.
ولا يخفى ما في ذلك الإفشاء من الضرر من جهة أن الإرجاف لا ينفكعن الكذب، ومن جهة أن تلك الزيادات إن كانت في جانب الأمن ولم تقع أورثت شبهة لضعفة المسلمين في صدق الرسول، لأن المنافقين كانوا يروونها عن الرسول، وإن كانت في جانب الخوف حصل اضطراب في الضعفة ووقعوا في الحيرة، وأيضاً البحث عن الإرجاف موجب ظهور الأسرار وذلك لا يوافق مصلحة المدينة فربما وصل الخبر إلى الكفار فاستعدوا للقتال أو تحصنوا.
وفي معنى الآية أقوال: الأول: ولو ردوا ذلك الخبر إلى رسول الله وإلى أولي الأمر - وهم كبار الصحابة البصراء بالأمور أو الذين كانوا يؤمرون منهم - ﴿ لعلمه ﴾ لعلم تدبير ما أخبروا به ﴿ الذين يستنبطونه ﴾ الذين يستخرجون تدبيره بفطنهم وتجاربهم ومعرفتهم بأمور الحرب ومكايدها، وأصل الاستنباط إخراج النبط وهو الماء يخرج من / البئر أول ما تحفر فاستعير لاستخراج المعاني.
والتدبير الثاني: كانوا يقفون من رسول الله وأولي الأمر على أمن ووثوق بالظهور على بعض الأعداء، أو على خوف واستشعار فيذيعونه فتعود إذاعتهم مفسدة.
فقيل لهم: لو فوضوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر وكانوا كأن لم يسمعوا العلم الذي يستنبطون تدبيره كيف يدبرونه وما يأتون ويذرون فيه.
الثالث: كانوا يسمعون من أفواه بعض المنافقين شيئاً من خبر السرايا غير معلوم الصحة فيذيعونه فقيل لهم: لو سكتوا حتى سمعوه من الرسول وأولي الأمر لعلمه صحته وهل هو مما يذاع أو لا يذاع فالمستنبطون هم المذيعون.
ومعنى يستنبطونه منهم يتلقونه من الرسول وأولي الأمر ويستخرجون علمه من جهنم.
قالت العلماء: في الآية دلالة على أن القياس حجة لأنهم أمروا أن يرجعوا في معرفة الوقائع إلى أولي الأمر من المستنبطين.
فرواية النص لا تكون استنباطاً فهو إذن رد واقعة إلى نظيرها وهو القياس.
واعترض بأنا لا نسلم أن المستنبطين هم العلماء وأولو الآراء بل هم المذيعون كما في القول الثالث.
سلمنا لكن الآية نزلت في الحروب، ولا يلزم من جواز الاستنباط في الوقائع المتعلقة بها جواز الاستنباط في الوقائع الشرعية.
فإن قيس أحد البابين على الآخر كان إثباتاً للقياس الشرعي بالقياس الشرعي.
سلمنا لكن لم لا يجوز أن يكون المراد استخراج الأحكام الشرعية من النصوص الخفية أو من تركيبات النصوص أو بالبراءة الأصلية أو بحكم العقل كما يقول الأكثرون إن الأصل في المنافع الإباحة وفي المضار الحرمة وكل هذه الأمور ليست من القياس الشرعي في شيء؟
سلنما أن القياس الشرعي داخل في الآية.
لكن بشرط كونه مفيداً "للعلم" بدليل قوله ﴿ لعلمه الذين يستنبطونه ﴾ ولا نزاع في مثله إنما النزاع في أن القياس المفيد للظن هل هو حجة أن لا.
وأجيب بأن صرف المستنبطين إلى المذيعين ليس بالقوي إذ لو كان المراد ذلك لكان الأليق بنظم الكلام أن يقال: ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر لعلموه من غير إقامة المظهر مقام المضمر.
وعن الثاني بأن الأمن او الخوف عام في كل ما يتعلق بباب التكليف.
ولئن سلم أنه مخصوص بأمور الحرب فإذا عرف أحكام الحروب بالقياس الشرعي لزم جواز التمسك به في سائر الوقائع إذ لا قائل بالفرق.
ألا ترى أن من قال القياس حجة في باب البيع لا في باب النكاح لم يلتفت إليه؟
وعن الثالث أن شيئاً من ذلك لا يسمى استنباطاً.
وعن الرابع أن العلم قد يراد به الظن الغالب.
سلمنا لكن القياس الشرعي عندنا يفيد العلم لأنه مهما غلب على الظن أن حكم الله في الأصل معلل بكذا ثم غلب على الظن أن ذلك المعنى قائم في الفرع، حصل ظن أن حكم الله في الفرع مساوٍ لحكمه في الصل، وعند هذا الظن نقطع بأنه مكلف بأن يعمل على وفق هذا الظن وهذا معنى قولهم: "الظن واقع في طريق الحكم" والحكم مقطوع به كأنه قال: مهما / غلب على ظنك كذا في الواقعة الفلانية فاعلم قطعاً أن حكمي فيها كذا.
أما قوله ﴿ لاتبعتم الشيطان إلا قليلاً ﴾ فظاهره يقتضي إشكالاً وهو أن قليلاً من الناس لا يحتاج في عدم اتباع الشيطان إلى فضل الله ورحمته، لكن الاحتياج بالنسبة إلى كل واحد من الناس ثابت بالاتفاق فهذا تناقض.
فذكر المفسرون في إزالة التناقض وجوهاً الأول: أن الاستثناء راجع إلى قوله: ﴿ أذاعوا به ﴾ كأنه أخرج بعض المنافقين من هذه الإذاعة كما أخرجهم في قوله: ﴿ بيت طائفة ﴾ الثاني: أنه عائد إلى قوله: ﴿ لعلمه ﴾ يعني لعلمه الذين يستنبطونه منهم إلاّ قليلاً.
قال الفراء والمبرد: القول الأول أولى لأن ما يعلم بالاستنباط فالأقل يعلمه والأكثر يجهله.
وصرف الاستثناء إلى ما ذكروه يقتضي ضد ذلك، قال الزجاج: هذا غلط لأنه لا يراد بهذا الاستنباط ما يستخرج بنظر دقيق وفكر غامض إنما هو استنباط خبر، وإذا كان كذلك فالأكثرون يعرفونه إلاّ البالغ في البلادة.
والإنصاف أن الاستنباط لو حمل على مجرد تفرق الأخبار والأراجيف فكلام الزجاج الصحيح وإن كان محمولاً على استخراج الأحكام الشرعية كما مر فالحق ما ذكره الفراء والمبرد.
الثالث: أن الاستثناء مصروف إلى ما يليه كما هو حق النسق لأن الفضل والرحمة مفسران بشيء خاص وفيه وجهان: أحدهما قول جماعة من المفسرين أن المراد إنزال القرآن وبعثة محمد والتقدير: لولا بعثة محمد وإنزال القرآن لاتبعتم الشيطان ولكفرتم بالله إلاّ القليل منكم فإن ذلك القليل بتقدير عدم بعثة محمد ما كان يكفر بالله وهم مثل قس بن ساعدة وورقة بن نوفل وزيد بن عمرو بن نفيل، كانوا مؤمنين بالله قبل بعثة محمد .
وثانيهما قول أبي مسلم أن المراد بالفضل والرحمة ههنا نصرته ومعونته اللذان تمناهما المنافقون بقولهم: ﴿ فأفوز فوزاً عظيماً ﴾ والتقدير: لولا حصول النصر والظفر على سبيل التتابع لتركتم الدين إلاّ القليل منكم وهم أهل البصائر والعزائم، ومن أفاضل المؤمنين الذين يعلمون أنه ليس من شرط كونه حقاً حصول الدولة في الدنيا، فلا تواتر الفتح والظفر يدل على كونه حقاً، ولا انقطاع النصر والغلبة يدل على كونه باطلاً، بل الأمر في كونه حقاً وباطلاً مبني على الدليل وهذا أحسن الوجوه.
قوله: ﴿ فقاتل ﴾ قيل: إنه جواب لقوله: ﴿ ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل ﴾ كأنه قال: إن أردت الفوز فقاتل.
وقيل: إنه متصل بمعنى ما ذكر من قصص المنافقين كذا وكذا فلا تعتد بهم ولا تلتفت إليهم بل قاتل فإنك لا تؤاخذ إلاّ بفعلك، فإذا أديت فرضك لم تكلف فرض غيرك، ويعلم من قوله: ﴿ وحرض المؤمنين ﴾ أن الواجب على الرسول إنما هو الجهاد وتحريض الناس على الجهاد أي الحث والإحماء عليه، فإذا أتى بالأمرين فقد خرج عن عهدة التكليف وليس عليه من كون غيره تاركاً شيء.
واعلم أن الجهاد في حق غير الرسول من فروض الكفايات، فما لم يغلب على الظن أنه مفيد لم يجب / بخلاف رسول الله فإنه على ثقة من النصر والظفر بدليل قوله: ﴿ والله يعصمك من الناس ﴾ وبدليل قوله ههنا: ﴿ عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا ﴾ وعسى من الله جزم لأن الرجاء عليه محال فهو إطماع وإطماع الكريم إيجاب فلزمه الجهاد وإن كان وحده فلا جرم أنه قال في بدر الصغرى: " لأخرجن وحدي" فخرج وتبعه سبعون راكباً، ولو لم يتبعه أحد لخرج وحده، ثم إنه كف بأس المشركين وألقى الرعب في قلوب أبي سفيان وأصحابه حتى ندموا وترك الحرب في تلك السنة.
وفي الآية دليل على أنه كان أشجع الخلق لأنه لم يأمره بالقتال وحده إلاّ أنه كذلك.
وقيل: اقتدى به أبو بكر حيث حاول الخروج وحده إلى قتال مانعي الزكاة ومن عرف أن الأمر كله بيد الله وأنه لا يحدث شيء إلاّ بقضاء الله سهل عليه الفوت وكان بمعزل عن تقية الموت.
﴿ والله أشد بأساً ﴾ من قريش ﴿ وأشد تنكيلاً ﴾ تعذيباً لأن عذاب الله دائم وعذاب غيره غير دائم، وعذاب غير الله يخلصه الله عنه وعذاب الله لا يقدر أحد على تخليصه منه، وعذاب غير الله يكون من وجه واحد وعذاب الله يصل إلى جميع الأبعاض والأجزاء ويشمل الروح والجسم فهذا طرف من الفرق والله أعلم بكنه عذابه ونعوذ بالله من عقابه.
قوله : ﴿ من يشفع شفاعة حسنة ﴾ وجه نظمه يعرف من تفسيره وذلك أنه قيل: المراد منه تحريض النبي إياهم على الجهاد، لأنه إذا كان يأمرهم بالغزو فقد جعل نفسه شفيعاً لهم في تحصيل الأغراض المتعلقة بالجهاد.
وأيضاً التحريض وهو الحث على سبيل الرفق والتلطف والتهديد جار مجرى الشفاعة.
وقيل: كان بعض المنافقين يشفع لمنافق آخر في أن يأذن له الرسول في التخلف عن الجهاد، وكان بعض المؤمنين يشفع لمؤمن آخر عند مؤمن ثالث أن يحصل له عدّة الجهاد فنزلت.
ونقل الواحدي عن ابن عباس أن الشفاعة الحسنة ههنا هي ان يشفع إيمانه بالله بقتال الكفار، والشفاعة السيئة أن يشفع كفره بالله بمحبة الكفار وترك إيذائهم.
وقال مقاتل: الشفاعة إلى الله إنما هي دعوة الله المسلم لما روي عن النبي : " "من دعا لأخيه المسلم بظهر الغيب استجيب له وقال له الملك ولك مثل ذلك" " فذلك النصيب والدعوة على المسلم بضد ذلك.
وقال الحسن ومجاهد والكلبي وابن زيد: هي مطلق الشفاعة والحسنة منها هي التي بها روعي حق مسلم ودفع بها عنه شر أو جلب إليه خير وابتغى بها وجه الله ولم يؤخذ عليها رشوة كانت في أمر حائز لا في حد من حدود الله ولا في إبطال حق من الحقوق، والسيئة ما كان بخلاف ذلك، وعلى هذا فوجه النظم أن التحريض على الجهاد بعث على الفعل الحسن وأنه نوع شفاعة كما مر في القول / الأول.
وعن مسروق أنه شفع شفاعة فأهدى إليه المشفوع له جارية فغضب وردها وقال: لو علمت ما في قلبك لما تكلمت في حاجتك ولا أتكلم فيما بقي منها.
قال أهل اللغة: الكفل أيضاً النصيب فهل لاختلاف اللفظين فائدة؟
فأجيب بأن الكفل اسم للنصيب الذي يكون عليه اعتماد الإنسان ومنه يقال "كفل البعير واكتفله" إذا أدار حول سنامه كساء وركب.
والكفيل الضامن لأن الغريم اعتمد عليه.
والتقدير من يشفع شفاعة سيئة يكن له منها نصيب يعتمد عليه ويكون له ذخيرة في معاشه ومعاده والغرض التهكم وحصول ضد ذلك مثل: ﴿ فبشرهم بعذاب أليم ﴾ ﴿ وكان الله على كل شيء مقيتاً ﴾ أي مقتدراً وحفيظاً.
واشتقاقه من القوت لأنه يمسك النفس ويحفظها.
والغرض أنه قادر على كل المقدورات حفيظ لجميع المعلومات فيجازي كل شافع بما يليق بحاله، ثم لما أمر المؤمنين بالجهاد أمرهم أيضاً بأن الأعداء لو رضوا بالمسالمة أو ألقوا في المبارزة بالسلم فقابلوهم بالإكرام وأيضاً السلام دعاء بالسلامة والدعاء نوع من الشفاعة والتحية تفعلة من الحياة ويجيء الناقص من باب التفعيل على "تفعلة" مثل: تسلية وتعزية.
لكنه أدغم ههنا لاجتماع المثلين.
وكانت العرب تقول عند التلاقي حياك الله.
دعاء له بالحياة فأبدل الله ذلك بالسلام، ولعمري إن هذا أحسن لأن الحياة إن لم تكن مقرونة بالسلامة لم يعتد بها بل لعل الموت خير منها، ولأن السلام اسم من اسماء الله فالابتداء به أولى، ولأن دفع الضرر أهم من جلب النفع وقد سلم الله عليك يا مؤمن في اثني عشر موضعاً في الأزل ولهذا سمى نفسه بالسلام، وعلى لسان نوح: ﴿ يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك ﴾ والمراد أمة محمد عليك على لسان جبريل: ﴿ تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر سلام ﴾ قال المفسرون إنه خاف على أمته أن يصيروا مثل أمة موسى وعيسى فقال الله : لا تهتم بذلك فإني وإن أخرجتك من الدنيا إلاّ إني جعلت جبرائيل خليفة لك ينزل إلى أمتك كل ليلة قدر ويبلغهم السلام مني.
وسلم عليك على لسان موسى: ﴿ والسلام على من اتبع الهدى ﴾ وسلم عليك على لسان محمد : ﴿ قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى ﴾ وأمر محمداً بالسلام عليك: ﴿ وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم ﴾ وأمر المؤمنين بالسلام: ﴿ وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها ﴾ وسلم عليك على لسان ملك الموت: ﴿ الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ﴾ قيل: إن ملك الموت يسلم في أذن المسلم: السلام يقرئك السلام ويقول: أجبني فإني مشتاق إليك واشتاقت الجنات والحور العين إليك، فإذا سمع المؤمن البشارة يقول لملك الموت: لا هدية أعز من روحي فاقبض روحي هدية لك.
وسلم عليك من الأرواح الطاهرة: ﴿ وأما إن كان من أصحاب اليمين فسلام لك من أصحاب اليمين ﴾ وسلم عليك على لسان خزنة الجنة: ﴿ وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين ﴾ وسلم عليك على لسان الملائكة في الجنة: ﴿ والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم ﴾ وسلم عليك على لسان أهل الجنة: ﴿ تحيتهم يوم يلقونه سلام ﴾ وسلم عليك إلى الأبد: ﴿ سلام قولاً من رب رحيم ﴾ ولما أراد إكرام يحيى وعده بالسلام في مواطن ثلاثة هي أشد الأوقات حاجة إلى السلام فقال: ﴿ وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حياً ﴾ ولما ذكر تعظيم محمد قال: ﴿ إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً ﴾ {الأحزاب:56] وعن عبد الله بن سلام قال: لما سمعت بقدوم رسول الله دخلت في غمار الناس فأول ما سمعت عنه: " يا أيها الناس أفشوا السلام وأطعموا الطعام وصلوا الأرحام وصلّوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام " وكانت تحية النصارى وضع اليد على الفم، وتحية اليهود الإشارة بالأصابع، وتحية المجوس الانحناء، وتحية الجاهلية "حياك الله"، وتحيتهم للملوك "أنعم صباحاً" فشتان ما بين تحياتهم وتحيتنا "السلام عليك ورحمة الله وبركاته" وفي هذا دليل على أن هذا الدين أشرف الأديان وأكملها.
ومما يدل على فضيلة السلام عقلاً أن الوعد بالنفع قد يقدر الإنسان على الوفاء به وقد لا يقدر، وأما الوعد بترك الضرر فإنه يقدر عليه لا محالة والسلام يدل عليه فهو أفضل أنواع التحية.
قال بعض العلماء: فمن دخل بيتاً وجب عليه أن يسلم على الحاضرين لقوله : ﴿ فإذا دخلتم بيوتاً فسلموا على أنفسكم ﴾ وقال : "أفشوا السلام" والأمر للوجوب، ولأن السلام بشارة بالسلامة وإزالة الضرر وهو واجب لقوله: " "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده" ولأنه من شعائر الإسلام وإظهار شعائر الإسلام واجب.
وعن ابن عباس والنخعي وأكثر العلماء أن السلام سنة.
وأما الجواب فواجب بالإجماع لأن ترك الجواب إهانة والإهانة ضرر والضرر حرام ولقوله : ﴿ وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها ﴾ وظاهر الأمر الوجوب وعن ابن عباس: ما من / رجل يمر على قوم مسلمين فيسلم عليهم ولا يردون عليه إلاّ نزع عنهم روح القدس وردت عليه الملائكة.
قال العلماء: الأحسن أن يزيد في جواب السلام والرحمة، وإن ذكر في الابتداء السلام والرحمة زاد في جوابه البركة، وإن ذكر المجموع أعادها فقط فإن منتهى الأمر في السلام أن يقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
لأن هذا القدر هو الوارد في التشهد.
وروي "أن رجلاً قال لرسول الله : السلام عليك يا رسول الله.
فقال: وعليك السلام ورحمة الله، وقال آخر: السلام عليك ورحمة الله.
فقال: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته.
وجاء ثالث وقال السلام عليك ورحمة الله وبركاته.
فقال: وعليك فقال: نقصتني فأين قول الله: ﴿ فحيوا بأحسن منها ﴾ فقال: إنك لم تترك لي فضلاً فرددت عليك مثله" .
فقوله : ﴿ أو ردوها ﴾ أي أجيبوها بمثلها، ورد السلام كرّه ورجعة إما إشارة إلى هذه الصورة وإما إلى التخيير بين الزيادة وتركها، ورد الجواب فرض على الكفاية إذا قام به بعض سقط عن الباقين.
والأولى أن يقوم به الكل إكثاراً للإكرام، والأحسن أن يدخل حرف العطف فيقول: وعليكم السلام.
وهو واجب على الفور بقدر ما يعهد بين الإيجاب والقبول في العقود فإن أخر عن ذلك كان ابتداء سلام لا جواباً وإذا ورد عليه سلام في كتاب فجوابه بالكتابة أيضاً واجب لقوله: ﴿ وإذا حييتم بتحية فحيوا ﴾ ومن قال لآخر أقرىء فلاناً عني السلام وجب عليه أن يفعل.
قال العلماء: المبتدىء يقول السلام عليكم والمجيب يقول: وعليكم السلام ليقع الابتداء والاختتام بذكر الله.
فإن خالف المبتدىء فليكن الاختتام بحاله.
ويجوز "سلام عليكم" بل قالوا إنه أولى من المعرف لأن المنكر في القرآن أكثر، وإن المنكر ورد من الله والملائكة والمؤمنين، والمعرف ورد في تسليم الإنسان على نفسه، قال موسى: ﴿ والسلام على من اتبع الهدى ﴾ وقال عيسى: ﴿ والسلام عليّ يوم ولدت ﴾ وأيضاً المعرف يدل على أصل الماهية والمنكر على الماهية مع وصف الكمال.
ومن السنة أن يسلم الراكب لزيادة هيبته على الماشي، وراكب الفرس على راكب الحمار، والصغير على الكبير، والأقل على الأكثر احتراماً للجماعة، والقائم على القاعد لأنه الواصل إليه لأن القائم أهيب ومن السنة الجهر بالسلام لأنه أقوى في إدخال السرور في القلب.
ومنها الابتداء به إظهاراً للتواضع، ومنها الإفشاء والتعميم لأن التخصيص إيحاش، والمصافحة عند السلام عادة النبي : " إذا تصافح المسلمان تحاتت ذنوبهما كما يتحات ورق الشجر " ومن استقبله رجل واحد فليقل: سلام عليكم وليقصد الرجل والملكين لأنه إذا سلم عليهما ردا السلام عليه، ومن سلم الملك عليه فقد سلم من عذاب / الله، ومن دخل بيتاً خالياً فليسلم ويكون كأنه سلام من الله على نفسه، أو سلام على من فيه من مؤمني الجن، أو طلب السلامة ببركة اسم السلام ممن في البيت من الشياطين والمؤذيات.
ولو قال: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين كان حسناً، ومن السنة أن يكون المبتدىء بالسلام على الطهارة وكذا المجيب.
روي أن واحداً سلم على رسول الله وهو في قضاء الحاجة فقام وتيمم ثم رد الجواب.
وإذا دخل يوم الجمعة والإمام يخطب فلا ينبغي أن يسلم لاشتغال الناس بالاستماع، فإن سلم ورد بعضهم فلا بأس، ولو اقتصروا على الإشارة كان أحسن.
ومن دخل الحمام فرأى الناس متزرين سلم عليهم فإن لم يكونوا مترزين لم يسلم عليهم.
والأولى ترك السلام على القارىء كيلا يقطع عليه باشتغاله بالجواب، وكذا القول فيمن كان مشتغلاً برواية الحديث ومذاكرة العلم أو بالأذان أو الإقامة.
ولا يسلم على المشغول بالأكل هكذا أطلق وحمله بعضهم على ما إذا كانت اللقمة في فيه.
ولا يسلم على قاضي الحاجة قال أبو يوسف: ولا على لاعب النرد ولا على المغني ومطير الحمام وكل من كان مشتغلاً بنوع معصية، ولا مانع من السلام على من هو في مساومة أو معاملة.
وإذا دخل الرجل بيته سلم على امرأته فإن حضرت أجنبية هناك لم يسلم عليها، وإذا سلمت الأجنبية عليه وكان يخاف في رد الجواب عليها تهمة أو فتنة لم يجب الرد بل الأولى أن لا يفعل.
وحيث قلنا لا يسلم فلو سلم لم يجب عليها الرد لأنه أتى بفعل منهي عنه فكان وجوده كعدمه.
وروي عن النبي أنه قال: " لا يبتدأ اليهودي بالسلام " وعن أبي حنيفة أنه قال: لا تبتدئه بسلام في كتاب ولا في غيره.
وعن أبي يوسف: لا تسلم عليهم ولا تصافحهم وإذا دخلت فقل: السام على من اتبع الهدى.
ولا بأس في الدعاء له بما يصلحه في دنياه، ورخص بعض العلماء في ابتداء السلام عليهم إذا دعت إلى ذلك حاجة، أما إذا سلموا علينا فقال أكثر العلماء ينبغي أن نقول: وعليك لما روي أن اليهود تقول للمسلمين: السلام عليكم، وعن الحسن: يجوز أن يقول للكافر وعليك السلام ولا يقل: ورحمة الله.
لأنها استغفار.
وعن الشعبي أنه قال لنصراني سلم عليه عليك السلام ورحمة الله فقيل له في ذلك؟
فقال: أليس في رحمة الله يعيش؟
واعلم أن مذهب أبي حنيفة أن من وهب لغير ذي رحم محرم فله الرجوع فيها ما لم يثب منها، فإذا أثيب منها فلا رجوع له فيها.
وقال الشافعي: له الرجوع في حق الولد وليس له الرجوع في حق الأجنبي.
واحتج لأبي حنيفة بالآية وذلك أن التحية تشمل جميع أنواع الإكرام فتشمل الهبة ومقتضاها وجوب / الرد إذا لم يصر مقابلاً بالأحسن، فإذا لم يثبت الوجوب فلا أقل من الجواز، وقال الشافعي: هذا الأمر محمول على الندب بدليل أنه لو أثيب بما هو أقل منه سقطت مكنة الرد بالإجماع مع أن ظاهر الآية يقتضي أن يثاب بالأحسن.
ثم احتج الشافعي على قوله بما روي عن ابن عباس وابن عمر أن النبي قال: " لا يحل لرجل أن يعطي عطية أو يهب هبة فيرجع فيها إلاّ الوالد فيما يعطي ولده " ﴿ إن الله كان على كل شيء حسيباً ﴾ فيحاسبكم على محافظة حقوق التحية وغيرها، فكونوا على حذر من مخالفته.
ثم أكد الوعيد بقوله: ﴿ الله لا إله إلاّ هو ليجمعنكم ﴾ فالأول توحيد والثاني عدل كأنه يقول: من سلم عليكم وحياكم فاقبلوا سلامة وأكرموه وعاملوه بناء على الظاهر فإن البواطن إنما يعرفها الله الذي لا اله إلاّ هو، وإنما تنكشف بواطن الخلق للخلق في يوم القيامة الذي يجمع فيه الأولون والآخرون للجزاء والحساب.
وقوله: ﴿ لا إله إلاّ هو ﴾ إما خبر المبتدأ وإما اعتراض والخبر: ﴿ ليجمعنكم ﴾ والتقدير الله والله ليجمعنكم إلى يوم القيامة أي ليضمنكم إليه ويجمعن بينكم وبينه بأن يبعثكم فيه، والقيامة والقيام كالطلابة والطلاب وهي قيامهم من القبور أو قيامهم للحساب.
قال : ﴿ يوم يقوم الناس لرب العالمين ﴾ ﴿ ومن أصدق من الله حديثاً ﴾ استفهام على سبيل الإنكار، وذلك أن الصدق من صفات الكمال والكمال للواجب أولى وأحق وأقدم وأتم من غيره، والمعتزلة نفوا عنه الكذب بناء على أنه قبيح، ومن كذب لم يكذب إلاّ لأنه محتاج إلى أن يكذب لجر منفعة أو دفع مضرة، أو هو غني عنه إلاّ أنه يجهل غناه أو هو جاهل بقبحه، أو هو سفيه لا يفرق بين الصدق والكذب في إخباره ولا يبالي بأيهما نطق، وربما كان الكذب أحلى على حنكه من الصدق، وكل هذه الأمور من الحكيم قبيح يجب تنزيهه عنها، واعلم أن المسائل الأصولية قسمان منها ما العلم بصحة النبوة يحتاج إلى العلم بصحته كعلمنا بافتقار العالم إلى صانع عالم بكل المعلومات قادر على كل الممكنات، فهذا القسم يمتنع إثباته بالقرآن والخبر وإلاّ وقع الدور.
ومنها غير ذلك كإثبات الحشر والنشر فإنه يمكن إثباته بالقرآن والحديث فاعلم.
ثم عاد إلى حكاية أحوال المنافقين فقال: ﴿ فما لكم في المنافقين فئتين ﴾ وهو منصوب على الحال والعامل معنوي مثل: ما لك قائماً أي ما تصنع؟
وقيل: نصب على أنه خبر "كان" أي ما لكم كنتم في شأن المنافقين فئتين؟
استفهام على سبيل الإنكار أي لا تختلفوا في كفرهم، ولكن اقطعوا بنفاقهم فقد ظهرت دلائل ذلك وانكشفت جلية الحال.
وذلك أنها نزلت "في قوم من العرب أتوا رسول الله بالمدينة فأسلموا وأصابوا وباء المدينة وحماها فقالوا: يا رسول الله نريد أن نخرج إلى الصحراء فأذن لنا فيه فأذن لهم.
فلما خرجوا لم يزالوا يرحلون مرحلة مرحلة حتى لحقوا بالمشركين.
فتكلم المؤمنون فيهم فقال بعضهم: نافقوا.
وقال بعضهم: هم مسلمون.
فبين الله نفاقهم" .
وقال مجاهد وقتادة: هم قوم هاجروا من مكة ثم بدا لهم فرجعوا وكتبوا إنا على دينك وما أخرجنا إلا اجتواء المدينة والاشتياق إلى بلدنا.
وعن زيد بن ثابت: هم الذين تخلفوا يوم أحد وقالوا: لو نعلم قتالاً لاتبعناكم.
وطعن بعضهم في هذا القول بأن نسق الكلام وهو قوله: ﴿ حتى يهاجروا في سبيل الله ﴾ يأباه إذ الهجرة تكون من مكة إلى المدينة.
وعن عكرمة: هم قوم أخذوا أموال المشركين وانطلقوا بها إلى اليمامة.
وقيل: هم العرنيون الذين أغاروا على السرح وقتلوا يساراً مولى النبي .
وقال ابن زيد: نزلت في أهل الإفك.
قال الحسن: سماهم المنافقين وإن أظهروا الكفر باعتبار حالهم التي كانوا عليها.
﴿ والله أركسهم ﴾ الركس والإركاس رد الشيء مقلوباً.
ويقال للرفث الركس لأنه رد إلى حالة خسيسة وهي حال النجاسة ويسمى رجيعاً أيضاً لذلك والمراد ردهم إلى أحكام الكفار من الذل والصغار والسبي والقتل ﴿ بما كسبوا ﴾ أي ما أظهروا من الارتداد بعدما كانوا على النفاق ﴿ ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلاً ﴾ لأن المخلوق لا يقدر على تبديل خلق الخالق وعلى خلاف مقتضى إرادته ومشيئته.
وهذا ظاهر في المقصود.
والمعتزلة يقولون: قوله: ﴿ أركسهم بما كسبوا ﴾ أي بسبب كسبهم وفعلهم ينفي القول بأن ضلالهم حصل بخلق الله فإذن المراد من إضلال الله حكمه بضلالهم كما يقال: فلان يكفر فلاناً أي ينسبه إلى الكفر ويحكم عليه بذلك.
أو المراد إضلالهم عن طريق الجنة وهو مفسر بمنع الألطاف.
ثم ذكر أنهم بالغوا في الكفر إلى أن تمنوا أن تصيروا كفاراً فكيف تطمعون في إيمانهم وهو قوله: ﴿ ودّوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء ﴾ أي في الكفر.
والمراد فتكونون أنتم وهم سواء إلاّ أنه اكتفى بذكر المخاطبين عن ذكر غيرهم لتقدم ذكرهم.
وقوله: ﴿ فتكونون ﴾ عطف على ﴿ تكفرون ﴾ .
﴿ فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا ﴾ أي حتى يضموا إلى إيمانهم المهاجرة الصحيحة المعتمدة وهي الهجرة في سبيل الله لا لغرض من الأغراض الفانية مثل قوله : " "أنا بريء من كل مسلم قام بين أظهر المشركين وأنا بريء من كل مسلم مع مشرك " وكانت الهجرة واجبة إلى أن فتحت مكة.
عن ابن عباس قال: قال رسول الله يوم فتح مكة "لا هجرة / بعد الفتح ولكن جهاد ونية" .
وعن الحسن: إن حكم الآية ثابت في كل من أقام في دار الحرب فرأى فرض الهجرة إلى دار الإسلام قائماً.
قال المحققون: الهجرة في سبيل الله تشمل الانتقال من دار الكفر إلى دار الإيمان، والانتقال من أعمال الكفار إلى أعمال المسلمين بل هذا أقدم وأهم لقوله : " المهاجر من هجر ما نهى الله عنه " ﴿ فإن تولوا ﴾ عن الإيمان المظاهر بالهجرة الصحيحة فحكمهم حكم سائر المشركين ﴿ فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم ﴾ في الحل أو في الحرم ﴿ ولا تتخذوا منهم ﴾ في هذه الحالة ﴿ ولياً ﴾ يتولى شيئاً من مهماتكم ﴿ ولا نصيراًً ﴾ ينصركم على أعدائكم بل جانبوهم مجانبة كلية.
ثم لما أمر بقتل هؤلاء الكفار استثنى عنه موضعين: الأول ﴿ إلا الذين يصلون ﴾ أي ينتهون ويتصلون ﴿ إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق ﴾ والمعنى أن من دخل في عهد من كان داخلاً في عهدكم فهم أيضاً داخلون في عهدكم.
قال القفال: وقد يدخل في الآية أن يقصد قوم حضرة الرسول فيتعذر عليهم ذلك المطلوب فيلتجئوا إلى قوم بينهم وبين المسلمين عهد إلى أن يجدوا السبيل إليه.
والقوم هم الأسلميون وذلك أنه وادع وقت خروجه إلى مكة هلال بن عويمر الأسلمي على أن لا يعينه ولا يعين عليه، وعلى أن من وصل إلى هلال ولجأ إليه فله من الجوار مثل الذي لهلال.
وقال ابن عباس: هم بنو بكر بن زيد مناة كانوا في الصلح.
وقال مقاتل: هم خزاعة وخزيمة.
وههنا نكتة وهي أنه رفع السيف عمن التجأ إلى الكفار المصالحين فلان يدفع النار عمن التجأ إلى محبة الله ومحبة رسوله كان أولى.
وعن أبي عبيدة: المراد بالوصلة الانتساب.
يقال: وصلت إلى فلان واتصلت به إذا انتهيت إليه.
وأعترض عليه بأن أهل مكة أكثرهم كانوا متصلين بالرسول من جهة النسب مع أنه كان قد أباح دم الكفار منهم.
الاستثناء الثاني قوله: ﴿ أو جاؤكم ﴾ وفي العطف وجهان: أحدهما أن يكون معطوفاً على صفة قوم والمعنى إلا الذين يصلون إلى قوم معاهدين أو إلى قوم جاؤوكم ممسكين عن القتال لا لكم ولا عليكم.
وثانيهما العطف على صلة الذين كأنه قيل: الذين يتصلون بالمعاهد أو إلى الذين لا يقاتلونكم وهذا أنسب بقوله في صفتهم ﴿ فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم ﴾ إلى آخر الآية.
إذ بين أن كفهم عن القتال سبب استحقاقهم لنفي التعرض لهم بالاستقلال لا بواسطة الاتصال.
ومعنى ﴿ حصرت صدورهم ﴾ ضاقت.
والحصر الضيق والانقباض وهو في موضع الحال بإضمار "قد" بدلالة قراءة من قرأ / ﴿ حصرة ﴾ .
وجعله المبرد صفة لموصوف محذوف منصوب على الحال أي جاؤوكم قوماً حصرت.
وقيل: هو بيان لجاؤوكم.
وقوله: ﴿ أن يقاتلوكم ﴾ أي عن أن يقاتلوكم.
ثم هؤلاء الجاؤون من الكفار أو من المؤمنين قال الجمهور: هم من الكفار بنو مدلج جاءوا رسول الله غير مقاتلين.
وعلى هذا يلزم النسخ لأن الكافر وإن ترك القتال جاز قتله، وقال أبو مسلم: إنه لما أوجب الهجرة على كل من أسلم استثنى من له عذر وهما طائفتان: إحداهما الذين قصدوا الرسول للهجرة والنصرة إلاّ أنه كان في طريقهم كفار غالبون فصاروا إلى قوم بينهم وبين المسلمين عهد وأقاموا عندهم إلى أن يمكنهم الخلاص.
والثانية من صار إلى الرسول ولا يقاتل الرسول ولا أصحابه لأنه يخاف الله فيه، ولا يقاتل الكفار أيضاً لأنهم أقاربه أو لأنه بقي أولاده وأزواجه بينهم فيخاف لو قاتلهم أن يقتلوا أولاده وأصحابه.
فهذان الفريقان من المشركين لا يحل قتالهم وإن كان لم يوجد منهم الهجرة ومقاتلة الكفار، وعلى هذا فمعنى قوله: ﴿ ولو شاء الله لسلطهم عليكم ﴾ أي لو شاء لقوّى قلوبهم ليدفعوا عن أنفسهم إن أقدمتم على مقاتلتهم على سبيل الظلم.
وعلى الأول معناه أن ضيق صدورهم عن قتالكم لأن الله قذف الرعب في قلوبهم، ولو قوّى قلوبهم لتسلطوا عليكم ولقاتلوكم وهو جواب "لو" على التكرير أو البدل.
قال الكعبي: إنه أخبر أنه لو شاء لفعل وهذا ينبىء عن القدرة على الظلم وهو صحيح عندنا ولا يدل على أنه فعل الظلم وأراده والنزاع فيه ﴿ فإن اعتزلوكم ﴾ أي فإن لم يتعرضوا لكم ﴿ وألقوا إليكم السلم ﴾ أي الانقياد والاستسلام ﴿ فما جعل الله لكم عليهم سبيلاً ﴾ فما أذن لكم في أخذهم وقتلهم ﴿ ستجدون آخرين ﴾ هم قوم من أسد وغطفان كانوا إذا أتوا المدينة أسلموا وعاهدوا ليأمنوا المسلمين فإذا رجعوا إلى قومهم كفروا ونكثوا عهودهم ﴿ كلما ردوا إل الفتنة ﴾ كلما دعاهم قومهم إلى قتال المسلمين ﴿ أركسوا فيها ﴾ أي ردوا مقلوبين منكوسين فيها.
وهذه استعارة لشدة إصرارهم على الكفر وعداوة المسلمين، لأن من وقع في حفر منكوساً تعذر خروجه ﴿ فإن لم يعتزلوكم ويلقوا ﴾ أي ولم يلقوا ولم يكفوا ﴿ فخذوهم واقتلوهم حيث ثقفتموهم ﴾ حيث تمكنتم منهم.
قال الأكثرون: وفيه دليل على أنهم إذا اعتزلوا قتالنا وطلبوا الصلح منا وكفوا أيديهم عن إيذائنا لم يجز لنا قتالهم ولا قتلهم.
وهذا مبني على أن المعلق بكلمة "إن" على الشرط يعدم عند الشرط.
أما قوله: ﴿ سلطاناً ﴾ فمعناه حجة واضحة لانكشاف حالهم في الكفر والغدر، أو تسلط ظاهر حيث أذنا لكم في قتلهم.
قوله : وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَا لَكُمْ فِي ٱلْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ ﴾ .
اختلف في قصّة الآية: قيل: إن ناساً من [أهل] مكة قدموا على رسول الله المدينةَ، فأسلموا، وأقاموا بها ما شاء الله أن يقيموا، ثم ندموا على الهجرة والإقامة فيها، وأرادوا الرجعة إلى مكة واجتووا المدينة؛ فخرجوا يتحولون مَنْقَلَةً مَنْقَلَةً، حتى تباعدوا من المدينة، فلحقوا بمكة، فكتبوا كتاباً، ثم بعثوا به مع رسول من قبلهم إلى رسول الله ، فقدم به الرسول عليه بالمدينة، فإذا فيه: "إنا على الذي فارقناك عليه من التصديق بالله وبرسوله، اشتقنا إلى إرضنا، واجتوينا المدينة".
ثم إنهم خرجوا من مكة متوجهين إلى الشام للتجارة، فبلغ ذلك المسلمين وهم عند رسول الله ؛ فقال بعضهم لبعض: فما يمنعنا أن نخرج إلى هؤلاء الذين رغبوا عن ديننا، وتركوا هجرتنا، فنقتلهم ونأخذ ما معهم؟!
فقال فريق منهم: كيف تقتلون قوماً على دينكم؟!
ورسول الله ساكت لا ينهي واحداً من الفريقين؛ حتى نزل قوله - -: ﴿ فَمَا لَكُمْ فِي ٱلْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ ﴾ : يبين الله - عز وجل - لرسوله أمرهم وما صاروا إليه.
وقيل: تخلَّف رجال عن أُحُد، فكان أصحاب رسول الله فيهم فئتين: فرقة تقول: [اعف عنهم، وفرقة تقول: نقتلهم]؛ فنزلت الآية: ﴿ فَمَا لَكُمْ فِي ٱلْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ ﴾ .
وقيل: إن قوماً كانوا يتحدثون، فاختصموا في أهل مكة: فقال بعضهم: إنهم كفار، وقال آخرون: إنهم قد أكلوا ذبائحكم، وصلوا صلاتكم، وأجابوا دعوتكم؛ فهم معكم، وقال غيرهم: تركوا النبي وتخلفوا عنه.
فأكثروا في ذلك؛ فنزل قوله - - ﴿ فَمَا لَكُمْ فِي ٱلْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ...
﴾ الآية، فلا ندري كيف كانت القصة، ولكن فيه النهي عن الاختلاف والتنازع بينهم؛ كأنه قال - والله أعلم -: كيف تختلفون في قوم ظهر نفاقهم؟
وكيف لا تسألون رسول الله عن حالهم وهو بين أظهركم؟!
كقوله - -: ﴿ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ...
﴾ الآية [النساء: 59]، وظهور نفاقهم يحتمل الخبر منه نصّاً أنهم منافقون.
ويحتمل الظهور بالاستدلال على أفعالهم، وقد يوقف على حال المرء بفعله أنه كافر أو مؤمن.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوۤاْ ﴾ .
قال الكسائي: فيه لغتان؛ [يقال]: أركسته في أمر كذا وكذا وركسته، وارتكس الرجل: إذا وقع فيه ورجع إليه.
وقيل في حرف ابن مسعود - - وحفصة - ا -: "والله ركسهم بما كسبوا".
ثم قيل: أركسهم: أي ردهم.
وعن ابن عباس - -: ﴿ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوۤاْ ﴾ قال: أوقعهم.
ثم يحتمل قوله - -: ﴿ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوۤاْ ﴾ وجهين: ما أظهروا بما كان في قلوبهم من النفاق والخلاف لرسول الله ، كقوله - -: ﴿ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ ﴾ .
ويحتمل: ابتداء كسب كسبوا بعد ما أسلموا، أي: كفروا وارتدوا عن الإسلام بعد ما صح إسلامهم.
وفي إضافة ارتكاسهم إلى الله دلالة خلق فعلهم وحرمان أمر يملكه، والله أعلم بما كسبوا من إحداث شرك، أو بكسبهم بالقلوب وقت إظهارهم الإيمان في أن ظهر عليهم بلحوقهم إخوانهم من الكفرة، أو لما جعل الله من أعلام النفاق التي ظهرت بغرض الجهاد والعبادات، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُواْ مَنْ أَضَلَّ ٱللَّهُ ﴾ .
تأويله - والله أعلم -: أتريدون أن تهدوا وقد أراد الله أن يضلُّوا؛ لما علم الله منهم أنهم لا يهتدون؛ باختيارهم الكفر.
ويحتمل: إنكم لا تقدرون على هداهم إذا لم يهدهم الله؛ كقوله - -: ﴿ إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ ﴾ .
وفي قوله - أيضاً -: ﴿ أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُواْ ﴾ قيل: أن يُسَمَّوْا مهتدين، وقد أظهر الله - - ضلالهم؛ صلة لقوله - -: ﴿ فَمَا لَكُمْ فِي ٱلْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ ﴾ حذرهم عن الاختلاف في التسمية بعد البيان.
وقيل: أن تجعلوهم مهتدين، وقد جعلهم ضالين على نحو قوله - -: ﴿ إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ ﴾ الآية [القصص: 56]، أَيَّدَنَا تَمَامُ الآية، وأوضح الأول قوله: ﴿ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً ﴾ يقول: من أضله الله عن الهدى فلن تجد له سبيلا يهتدي [به] وقيل: دينا، وقيل: مخرجاً، وهو واحد، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَآءً ﴾ .
قيل: ود [الذين تركوا] الهجرة، فرجعوا إلى أهلهم ومنازلهم، الذين لهم قال الله: ﴿ فَمَا لَكُمْ فِي ٱلْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ ﴾ - أن تكفروا كما كفروا، أي: تتركون الهجرة وترجعون كما رجعوا منهم؛ فتكونون أنتم وهم سواء؛ شرعاً في الكفر، فسماهم الله كفاراً، وأمرهم بالبراءة منهم؛ فقال: ﴿ فَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ أَوْلِيَآءَ ﴾ .
بالهجرة الأولى؛ كقوله - -: ﴿ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلْيَهُودَ وَٱلنَّصَارَىٰ أَوْلِيَآءَ ﴾ وقال الله - -: ﴿ لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَآءَ ﴾ وكقوله - -: ﴿ لاَّ يَتَّخِذِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ ﴾ نهاهم أن يتخذوا أولياء حتى يهاجروا هجرة ثانية إلى المدينة، ويثبتون على ذلك.
هذا على قول من قال: إنهم كانوا هاجروا ثم لحقوا بمكة.
وأما في قول من قال: إنهم كانوا في أهلهم تكلموا بالإسلام فيها ولم يهاجروا - فمعنى هذا: لا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا كما هاجر غيرهم.
وقيل: المهاجرون على طبقات: منهم: من هاجر، وأقام، وسمع، وأطاع، وثبت على ذلك.
ومنهم: من هاجر، ثم خرج من غير إذن رسول الله فلحق بأهله وأبطل هجرته التي هاجر، وإيمانَهُ الذي آمن.
ومنهم: من تكلم بالإسلام، وأقام بأهله، ولم يهاجر، وبه قوة [على] الهجرة؛ كان كذلك.
ومنهم: من تكلم بالإسلام ولم يكن له قوة على الهجرة؛ كانوا مستضعفين، وهو - والله أعلم - ما قال الله: ﴿ إِلاَّ ٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ ﴾ الآية.
وروي عن ابن عباس - - قال: "كنت أنا وأمي من المستضعفين".
والذين آمنوا ولم يهاجروا ولهم قوة الهجرة ما قال الله - -: ﴿ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُمْ مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ ﴾ .
وفي قوله - -: ﴿ فَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ أَوْلِيَآءَ حَتَّىٰ يُهَاجِرُواْ ﴾ - يحتمل: من أظهر الموافقة من المنافقين للكفرة، ولحق بهم.
ويحتمل: من قد آمن ولم يهاجر؛ فيكون الأول على ولاية الدين، والثاني: على ولاية الميراث؛ كقوله - -: ﴿ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُمْ مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ ﴾ .
ومن يتأول الآية على إظهار الكفر دون الخروج من المدينة - فمهاجرته تخرج على وجهين: أحدهما: أن يكون قد انضم فيها إلى معاني الكفرة فيما يترك صحبتهم.
والثاني: أن يهاجر الأعلام المجعولة لأهل النفاق، مما يظهر ذلك فيما امتحنوا به من الأفعال؛ فيظهر خلاف ذلك؛ كقوله: ﴿ وَيُعَذِّبَ ٱلْمُنَافِقِينَ إِن شَآءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ﴾ .
وقوله: ﴿ فَإِنْ تَوَلَّوْاْ ﴾ .
وأبوا الهجرة.
﴿ فَخُذُوهُمْ وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ ﴾ .
لأنهم صاروا حرباً لنا؛ حيث تركوا الهجرة وأبطلوا إيمانهم الذي تكلموا به.
﴿ وَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً ﴾ .
لما ذكرنا، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً * إِلاَّ ٱلَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَىٰ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ ﴾ .
يخرج على وجهين: أحدهما: في لحوق قوم من مظهري الإيمان أنهم لو لحقوا بمن لا ميثاق بينكم وبينهم ولا عهد؛ فاقتلوهم حتى يتوبوا ويهاجروا، ولو لحقوا بأهل الميثاق - لا تدعوا الولاية التي كانت بينكم وبينهم.
والثاني: أن تكون الآية في قوم من الأعداء وأهل الحرب: لو انضموا إلى أهل الميثاق وأهل العهد فلا تقاتلوهم؛ فيكون الأمر عقيب موادعة تجري بين رسول الله وبين قوم في دورهم، على أن لا تمانع بينهم لأهل الاتصال في الزيادة والاجتماع إلى المدة المجعولة للعهد، ممن إذا خيف منهم: ينبذ إليهم العهد، ويوفي إليهم المدة إذا وفوا - والله أعلم - كقوله: ﴿ إِلاَّ ٱلَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ...
﴾ ، وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَا ٱسْتَقَامُواْ لَكُمْ فَٱسْتَقِيمُواْ لَهُمْ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
ما شأنكم -أيها المؤمنون- صرتم فريقيْن مختلفيْن في شأن التعامل مع المنافقين: فريق يقول بقتالهم لكفرهم، وفريق يقول بترك قتالهم لإيمانهم؟!
فما كان لكم أن تختلفوا بشأنهم، والله ردهم إلى الكفر والضلال بسبب أعمالهم، أتريدون أن تهدوا من لم يوفقه الله إلى الحق؟!
ومن يضلل الله فلن تجد له طريقًا إلى الهداية.
<div class="verse-tafsir" id="91.Lq7QJ"
الفاء في قوله تعالى ﴿ فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ ﴾ تشعر بارتباط الآية بما قبلها، وزعم بعضهم أن الفاء للاستئناف وهذا لا معنى له، وإنما يخترع الجاهل تعليلات ومعاني لما لا يفهمه فالآية مرتبطة بما قبلها أشد الارتباط إذ الكلام السابق كان في أحكام القتال حتى ما ورد في الشفاعة الحسنة والسيئة، وقد ختمه بقوله: ﴿ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ﴾ إلخ، أي لا إله غيره يخشى ويخاف أو يرجى فتترك تلك الأحكام لأجله، ثم جاء بهذه الآيات موصولة بما قبلها بالفاء وهي تفيد تفريع الاستفهام الإنكاري فيها على ما قبله، أي إذا كان الله تعالى قد أمركم بالقتال في سبيله وتوعد المبطئين عنه والذين تمنوا تأخير كتابته عليهم، وإذا كان لا إله غيره فيترك أمره وطاعته لأجله -فما لكم تترددون في أمر المنافقين وتنقسمون فيهم إلى فئتين.
والمنافقون هنا غير من نزلت فيهم آيات البقرة وسورة المنافقين وأمثالهن من الآيات، المراد بالمنافقين هنا فريق من المشركين كانوا يظهرون المودة للمسلمين والولاء لهم وهم كاذبون فيما يظهرون، ضلعهم مع أمثالهم من المشركين، ويحتاطون في إظهار الولاء للمسلمين إذا رأوا منهم قوة، فإذا ظهر لهم ضعفهم انقلبوا عليهم وأظهروا لهم العداوة.
فكان المؤمنون فيهم على قسمين منهم من يرى أن يعدوا من الأولياء ويستعان بهم على سائر المشركين المحادين لهم جهرًا، ومنهم من يرى أن يعاملوا كما يعامل غيرهم من المجاهرين بالعداوة ممن لا ينافق، فأنكر الله عليهم ذلك وقال: ﴿ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا ﴾ : أي كيف تتفرقون في شأنهم والحال أن الله تعالى أركسهم وصرفهم عن الحق الذي أنتم عليه بما كسبوا من أعمال الشرك والمعاصي حتى أنهم لا ينظرون فيه نظر إنصاف وغنما ينظرون إليكم وما أنتم عليه نظر الأعداء المبطلين ويتربصون بكم الدوائر.
﴿ فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ ﴾ أي حتى يؤمنوا ويهاجروا، وكانت الهجرة لازمة للإيمان لزومًا مطردًا، فلذلك استغنى بذكرها عن ذكره إيجازًا.
<div class="verse-tafsir"