الإسلام > القرآن > سور > سورة 4 النساء > الآية ٩٠ من سورة النساء
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 121 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٩٠ من سورة النساء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
ثم استثنى الله ، سبحانه من هؤلاء فقال : ( إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق ) أي : إلا الذين لجئوا وتحيزوا إلى قوم بينكم وبينهم مهادنة أو عقد ذمة ، فاجعلوا حكمهم كحكمهم .
وهذا قول السدي ، وابن زيد ، وابن جرير .
وقد روى ابن أبي حاتم : حدثنا أبي حدثنا أبو سلمة حدثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد بن جدعان ، عن الحسن : أن سراقة بن مالك المدلجي حدثهم قال : لما ظهر - يعني صلى الله عليه وسلم - على أهل بدر وأحد ، وأسلم من حولهم قال سراقة : بلغني أنه يريد أن يبعث خالد بن الوليد إلى قومي - بني مدلج - فأتيته فقلت : أنشدك النعمة .
فقالوا : صه فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " دعوه ، ما تريد ؟
" .
قال : بلغني أنك تريد أن تبعث إلى قومي ، وأنا أريد أن توادعهم ، فإن أسلم قومك أسلموا ودخلوا في الإسلام ، وإن لم يسلموا لم تخشن قلوب قومك عليهم .
فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيد خالد بن الوليد فقال : " اذهب معه فافعل ما يريد " .
فصالحهم خالد على ألا يعينوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن أسلمت قريش أسلموا معهم ، [ ومن وصل إليهم من الناس كانوا على مثل عهدهم ] فأنزل الله : ( ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء فلا تتخذوا منهم أولياء ) ورواه ابن مردويه من طريق حماد بن سلمة ، وقال فأنزل الله : ( إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق ) فكان وصل إليهم كانوا معهم على عهدهم وهذا أنسب لسياق الكلام .
وفي صحيح البخاري في قصة صلح الحديبية فكان من أحب أن يدخل في صلح قريش وعهدهم ، ومن أحب أن يدخل في صلح محمد وأصحابه وعهدهم .
وقد روي عن ابن عباس أنه قال : نسخها قوله : ( فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين [ حيث وجدتموهم ] ) [ التوبة : 5 ] .
وقوله : ( أو جاءوكم حصرت صدورهم [ أن يقاتلوكم أو يقاتلوا قومهم ] ) الآية ، هؤلاء قوم آخرون من المستثنين عن الأمر بقتالهم ، وهم الذين يجيئون إلى المصاف وهم حصرة صدورهم أي : ضيقة صدورهم مبغضين أن يقاتلوكم ، ولا يهون عليهم أيضا أن يقاتلوا قومهم معكم ، بل هم لا لكم ولا عليكم .
( ولو شاء الله لسلطهم عليكم فلقاتلوكم ) أي : من لطفه بكم أن كفهم عنكم ( فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم ) أي : المسالمة ( فما جعل الله لكم عليهم سبيلا ) أي : فليس لكم أن تقتلوهم ، ما دامت حالهم كذلك ، وهؤلاء كالجماعة الذين خرجوا يوم بدر من بني هاشم مع المشركين ، فحضروا القتال وهم كارهون ، كالعباس ونحوه ، ولهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم يومئذ عن قتل العباس وأمر بأسره .
القول في تأويل قوله : إِلا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: " إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق "، فإن تولىَّ هؤلاء المنافقون الذين اختلفتم فيهم عن الإيمان بالله ورسوله، وأبوا الهجرة فلم يهاجروا في سبيل الله، فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم، سوى من وَصل منهم إلى قوم بينكم وبينهم مُوادعة وعهد وميثاق، (35) فدخلوا فيهم، وصاروا منهم، ورضوا بحكمهم، فإن لمن وصل إليهم فدخل فيهم من أهل الشرك راضيًا بحكمهم في حقن دمائهم بدخوله فيهم: أن لا تسبى نساؤهم وذراريهم، ولا تغنم أموالهم، كما: - 10069- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق "، يقول: إذا أظهروا كفرهم فاقتلوهم حيث وجدتموهم، فإن أحدٌ منهم دخل في قوم بينكم وبينهم ميثاق، فأجروا عليه مثل ما تجرُون على أهل الذمة.
10070- حدثني يونس، عن ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق "، يصلون إلى هؤلاء الذين بينكم وبينهم ميثاق من القوم، لهم من الأمان مثل ما لهؤلاء.
10071- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج عن ابن جريج، عن عكرمة قوله: " إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق "، قال نـزلت في هلال بن عويمر الأسلمي، وسراقة بن مالك بن جعشم، وخزيمة بن عامر بن عبد مناف.
(36) * * * وقد زعم بعض أهل العربية، (37) أن معنى قوله: " إلا الذين يصلون إلى قوم "، إلا الذين يتَّصلون في أنسابهم لقوم بينكم وبينهم ميثاق، من قولهم: " اتّصل الرجل "، بمعنى: انتمى وانتسب، كما قال الأعشى في صفة امرأة انتسبت إلى قوم: إذَا اتَّصَلَـتْ قَـالَتْ: أَبَكْـرَ بنَ وَائِلٍ!
وَبَكْــرٌ سَـبَتْهَا وَالأنُـوفُ رَوَاغِـمُ!
(38) يعني بقوله: " اتصلت "، انتسبت.
* * * قال أبو جعفر: ولا وجه لهذا التأويل في هذا الموضع، لأن الانتساب إلى قوم من أهل الموادعة أو العهد، لو كان يوجب للمنتسبين إليهم ما لهم، إذا لم يكن لهم من العهد والأمان ما لهم، لما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لِيقاتل قريشًا وهم أنسباءُ السابقين الأوَّلين.
ولأهل الإيمان من الحق بإيمانهم، أكثر مما لأهل العهد بعهدهم.
وفي قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم مشركي قريش= بتركها الدخول فيما دخل فيه أهل الإيمان منهم، مع قرب أنسابهم من أنساب المؤمنين منهم - الدليلُ الواضح أنّ انتساب من لا عهد له إلى ذي العهد منهم، لم يكن موجبا له من العهد ما لذي العهد من انتسابه.
فإن ظن ذو غفلة أن قتال النبيّ صلى الله عليه وسلم من قاتل من أنسباء المؤمنين من مشركي قريش، إنما كان بعد ما نُسخ قوله: " إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق "، فإن أهل التأويل أجمعوا على أن ناسخ ذلك " براءة "، و " براءة " نـزلت بعد فتح مكة ودخول قريش في الإسلام.
(39) * * * القول في تأويل قوله : أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: " أو جاءوكم حَصِرَت صدورهم أن يقاتلوكم أو يقاتلوا قومهم "، فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ = إِلا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ = أو: إلا الذين جاءوكم منهم قد حصرت صدورهم عن أن يقاتلوكم أو يقاتلوا قومهم فدخلوا فيكم.
ويعني بقوله: " حصرت صدورهم "، ضاقت صدورهم عن أن يقاتلوكم أو أن يقاتلوا قومهم.
والعرب تقول لكل من ضاقت نفسه عن شيء من فعل أو كلام: " قد حَصِرَ"، ومنه " الحَصَرُ" في القراءة.
(40) * * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
*ذكر من قال ذلك: 10072- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " أو جاءوكم حصرت صدورهم "، يقول: رجعوا فدخلوا فيكم=" حصرت صدورهم "، يقول: ضاقت صدورهم=" أن يقاتلوكم أو يقاتلوا قومهم ".
* * * وفي قوله: " أو جاءوكم حصرت صدورهم أن يقاتلوكم أو يقاتلوا قومهم "، متروكٌ، ترك ذكره لدلالة الكلام عليه.
وذلك أن معناه: أو جاءوكم قد حصرت صدورهم، فترك ذكر " قد "، لأن من شأن العرب فعل مثل ذلك: تقول: " أتاني فلان ذَهَب عقله "، بمعنى: قد ذهب عقله.
ومسموع منهم: " أصبحت نظرتُ إلى ذات التَّنانير "، بمعنى: قد نظرت.
(41) ولإضمار " قد " مع الماضي، جاز وضع الماضي من الأفعال في موضع الحال، لأن " قد " إذا دخلت معه أدْنته من الحال، وأشبهت الأسماء.
(42) * * * وعلى هذه القراءة= أعني" حَصِرَت "، قراءة القرأة في جميع الأمصار، وبها يقرأ لإجماع الحجة عليها.
* * * وقد ذكر عن الحسن البصري أنه كان يقرأ ذلك: ( أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَةً صُدُورُهُمْ )، نصبًا، (43) وهي صحيحة في العربية فصيحة، غير أنه غير جائزة القراءة بها عندي، لشذوذها وخروجها عن قراءة قرأة الإسلام.
* * * القول في تأويل قوله : وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلا (90) قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه: " ولو شاء الله لسلطهم عليكم فلقاتلوكم "، ولو شاء الله لسلّط هؤلاء الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق فيدخلون في جوارهم وذمتهم، والذين يجيئونكم قد حصرت صدورهم عن قتالكم وقتال قومهم= عليكم، (44) أيها المؤمنون، فقاتلوكم مع أعدائكم من المشركين، ولكن الله تعالى ذكره كفَّهم عنكم.
يقول جل ثناؤه: فأطيعوا الذي أنعم عليكم بكفِّهم عنكم مع سائر ما أنعم به عليكم، فيما أمركم به من الكفِّ عنهم إذا وصلوا إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق، أو جاؤوكم حصرت صدورهم عن قتالكم وقتال قومهم.
ثم قال جل ثناؤه: " فإن اعتزلوكم "، يقول: فإن اعتزلكم هؤلاء الذين أمرتكم بالكف عن قتالهم من المنافقين، بدخولهم في أهل عهدكم، أو مصيرهم إليكم حصرت صدورهم عن قتالكم وقتال قومهم=" فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السَّلَم "، يقول: وصالحوكم.
* * * و " السَّلَم "، هو الاستسلام.
(45) وإنما هذا مثلٌ، كما يقول الرجل للرجل: " أعطيتك قِيادي"، و " ألقيت إليك خِطَامي"، إذا استسلم له وانقاد لأمره.
فكذلك قوله: " وألقوا إليكم السلم "، إنما هو: ألقوا إليكم قيادَهم واستسلموا لكم، صلحًا منهم لكم وسَلَمًا.
ومن " السَّلم " قول الطرمَّاح: وَذَاكَ أَنَّ تَمِيمًــا غَــادَرَتْ سَــلَمًا لِلأسْــدِ كُـلَّ حَصَـانٍ وَعْثَـةِ اللِّبَـدِ (46) يعني بقوله: " سلمًا "، استسلامًا.
* * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
*ذكر من قال ذلك: 10073- حدثني المثنى قال، حدثنا ابن أبي جعفر: عن أبيه، عن الربيع: " فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم "، قال: الصلح.
* * * وأما قوله: " فما جعل الله لكم عليهم سبيلا "، فإنه يقول: إذا استسلم لكم هؤلاء المنافقون الذين وصف صفتهم، صلحًا منهم لكم=" فما جعل الله لكم عليهم سبيلا "، أي: فلم يجعل الله لكم على أنفسهم وأموالهم وذراريهم ونسائهم طريقًا إلى قتل أو سباء أو غنيمة، بإباحةٍ منه ذلك لكم ولا إذْنٍ، فلا تعرَّضوا لهم في ذلك= إلا سبيل خير * * * ثم نسخ الله جميع حكم هذه الآية والتي بعدها بقوله تعالى ذكره: فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ إلى قوله: فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [سورة التوبة: 5].
ذكر من قال في ذلك مثل الذي قلنا: 10074- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح، عن الحسين، عن يزيد، عن عكرمة والحسن قالا قال: فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا * إِلا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ إلى قوله: وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا وقال في" الممتحنة ": لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ، وقال فيها: إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ إلى فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [سورة الممتحنة: 8 ، 9].
فنسخ هؤلاء الآيات الأربعة في شأن المشركين فقال: بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ [سورة التوبة: 1، 2].
فجعل لهم أربعة أشهر يسيحون في الأرض، وأبطل ما كان قبل ذلك.
وقال في التي تليها: فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ ، ثم نسخ واستثنى فقال: فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ إلى قوله: ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ [سورة التوبة: 5 ، 6].
10075- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: " فإن اعتزلوكم "، قال: نسختها: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ .
10076- حدثني المثنى قال، حدثنا الحجاج بن المنهال قال، حدثنا همام بن يحيى قال، سمعت قتادة: يقول في قوله: إِلا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ إلى قوله: " فما جعل الله لكم عليهم سبيلا "، ثم نسخ ذلك بعد في براءة، وأمر نبيَّه صلى الله عليه وسلم أن يقاتل المشركين بقوله: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ .
10077- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال، قال ابن زيد في قوله: إِلا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ ، الآية، قال: نسخ هذا كله أجمع، نسخه الجهاد، ضرب لهم أجل أربعة أشهر: إما أن يسلموا، وإما أن يكون الجهاد.
فقال إلا الذين يصلون أي يتصلون بهم ويدخلون فيما بينهم من الجوار والحلف ؛ المعنى : فلا تقتلوا قوما بينهم وبين من بينكم وبينهم عهد فإنهم على عهدهم ثم انتسخت العهود فانتسخ هذا .
هذا قول مجاهد وابن زيد وغيرهم ، وهو أصح ما قيل في معنى الآية .
قال أبو عبيد : يصلون ينتسبون ؛ ومنه قول الأعشى :[ ص: 266 ]إذا اتصلت قالت لبكر بن وائل وبكر سبتها والأنوف رواغميريد إذا انتسبت .
قال المهدوي : وأنكره العلماء ؛ لأن النسب لا يمنع من قتال الكفار وقتلهم .
وقال النحاس : وهذا غلط عظيم ؛ لأنه يذهب إلى أن الله تعالى حظر أن يقاتل أحد بينه وبين المسلمين نسب ، والمشركون قد كان بينهم وبين السابقين الأولين أنساب ، وأشد من هذا الجهل بأنه كان ثم نسخ ؛ لأن أهل التأويل مجمعون على أن الناسخ له " براءة " وإنما نزلت " براءة " بعد الفتح وبعد أن انقطعت الحروب .
وقال معناه الطبري .قلت : حمل بعض العلماء معنى ينتسبون على الأمان ؛ أي إن المنتسب إلى أهل الأمان آمن إذا أمن الكل منهم ، لا على معنى النسب الذي هو بمعنى القرابة .
واختلف في هؤلاء الذين كان بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم ميثاق ؛ فقيل : بنو مدلج .
عن الحسن : كان بينهم وبين قريش عقد ، وكان بين قريش وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد .
وقال عكرمة : نزلت في هلال بن عويمر وسراقة بن جعشم وخزيمة بن عامر بن عبد مناف كان بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم عهد .
وقيل : خزاعة .
وقال الضحاك عن ابن عباس : أنه أراد بالقوم الذين بينكم وبينهم ميثاق بني بكر بن زيد بن مناة ، كانوا في الصلح والهدنة .الثالثة : في هذه الآية دليل على إثبات الموادعة بين أهل الحرب وأهل الإسلام إذا كان في الموادعة مصلحة للمسلمين ، على ما يأتي بيانه في " الأنفال " " وبراءة " إن شاء الله تعالى .الرابعة : أو جاءوكم حصرت صدورهم أي ضاقت .
وقال لبيد :أسهلت وانتصبت كجذع منيفة جرداء يحصر دونها جرامهاأي تضيق صدورهم من طول هذه النخلة ؛ ومنه الحصر في القول وهو ضيق الكلام على المتكلم .
والحصر الكتوم للسر ؛ قال جرير :ولقد تسقطني الوشاة فصادفوا حصرا بسرك يا أميم ضنيناومعنى " حصرت " " قد حصرت " فأضمرت " قد " ، قال الفراء : وهو حال من المضمر المرفوع في جاءوكم كما تقول : جاء فلان ذهب عقله ، أي قد ذهب عقله .
وقيل : هو خبر بعد خبر قاله الزجاج .
أي جاءوكم ثم أخبر فقال : حصرت صدورهم فعلى هذا يكون حصرت بدلا من جاءوكم كما قيل : حصرت في موضع خفض على النعت لقوم .
وفي حرف أبي " إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق حصرت صدورهم " ليس فيه أو جاءوكم .
وقيل : تقديره أو جاءوكم رجالا أو قوما حصرت صدورهم ؛ فهي صفة [ ص: 267 ] موصوف منصوب على الحال .
وقرأ الحسن " أو جاءوكم حصرة صدورهم " نص على الحال ، ويجوز رفعه على الابتداء والخبر .
وحكى " أو جاءوكم حصرات صدورهم " ، ويجوز الرفع .
وقال محمد بن يزيد : حصرت صدورهم هو دعاء عليهم ؛ كما تقول : لعن الله الكافر ؛ وقاله المبرد .
وضعفه بعض المفسرين وقال : هذا يقتضي ألا يقاتلوا قومهم ؛ وذلك فاسد ؛ لأنهم كفار وقومهم كفار .
وأجيب بأن معناه صحيح ، فيكون عدم القتال في حق المسلمين تعجيزا لهم ، وفي حق قومهم تحقيرا لهم .
وقيل : أو بمعنى الواو ؛ كأنه يقول : إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق وجاءوكم ضيقة صدورهم عن قتالكم والقتال معكم فكرهوا قتال الفريقين .
ويحتمل أن يكونوا معاهدين على ذلك فهو نوع من العهد ، أو قالوا نسلم ولا نقاتل ؛ فيحتمل أن يقبل ذلك منهم في أول الإسلام حتى يفتح الله قلوبهم للتقوى ويشرحها للإسلام .
والأول أظهر .
والله أعلم .
أو يقاتلوا في موضع نصب ؛ أي عن أن يقاتلوكم .الخامسة : قوله تعالى : ولو شاء الله لسلطهم عليكم فلقاتلوكم تسليط الله تعالى المشركين على المؤمنين هو بأن يقدرهم على ذلك ويقويهم إما عقوبة ونقمة عند إذاعة المنكر وظهور المعاصي ، وإما ابتلاء واختبارا كما قال تعالى : ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم ، وإما تمحيصا للذنوب كما قال تعالى : وليمحص الله الذين آمنوا ولله أن يفعل ما يشاء ويسلط من يشاء على من يشاء إذا شاء .
ووجه النظم والاتصال بما قبل أي اقتلوا المنافقين الذين اختلفتم فيهم إلا أن يهاجروا ، وإلا أن يتصلوا بمن بينكم وبينهم ميثاق فيدخلون فيما دخلوا فيه فلهم حكمهم ، وإلا الذين جاءوكم قد حصرت صدورهم عن أن يقاتلوكم أو يقاتلوا قومهم فدخلوا فيكم فلا تقتلوهم .
.
ثم إن الله استثنى من قتال هؤلاء المنافقين ثلاث فِرَق: فرقتين أمر بتركهم وحتَّم [على] ذلك، إحداهما من يصل إلى قوم بينهم وبين المسلمين عهد وميثاق بترك القتال فينضم إليهم، فيكون له حكمهم في حقن الدم والمال.
والفرقة الثانية قوم { حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ } أي: بقوا، لا تسمح أنفسهم بقتالكم، ولا بقتال قومهم، وأحبوا ترك قتال الفريقين، فهؤلاء أيضا أمر بتركهم، وذكر الحكمة في ذلك في قوله: { وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ } فإن الأمور الممكنة ثلاثة أقسام: إما أن يكونوا معكم ويقاتلوا أعداءكم، وهذا متعذر من هؤلاء، فدار الأمر بين قتالكم مع قومهم وبين ترك قتال الفريقين، وهو أهون الأمرين عليكم، والله قادر على تسليطهم عليكم، فاقبلوا العافية، واحمدوا ربكم الذي كف أيديهم عنكم مع التمكن من ذلك.
فـهؤلاء { إن اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا } .
( إلا الذين يصلون إلى قوم ) وهذا الاستثناء يرجع إلى القتل لا إلى الموالاة ، لأن موالاة الكفار والمنافقين لا تجوز بحال ، ومعنى ( يصلون ) أي : ينتسبون إليهم ويتصلون بهم ويدخلون فيهم بالحلف والجوار ، وقال ابن عباس رضي الله عنهما : يريدون ويلجئون إلى قوم ، ( بينكم وبينهم ميثاق ) أي : عهد ، وهم الأسلميون ، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وادع هلال بن عويمر الأسلمي قبل خروجه إلى مكة على أن لا يعينه ولا يعين عليه ، ومن وصل إلى هلال من قومه وغيرهم ولجأ إليه فلهم من الجوار مثل ما لهلال ، .
وقال الضحاك عن ابن عباس : أراد بالقوم الذين بينكم وبينهم ميثاق بني بكر بن زيد بن مناة كانوا في الصلح والهدنة ، وقال مقاتل : هم خزاعة .
وقوله : ( أو جاءوكم ) أي : يتصلون بقوم جاءوكم ، ( حصرت صدورهم ) أي : ضاقت صدورهم ، قرأ الحسن ويعقوب " حصرة " ) منصوبة منونة أي : ضيقة صدورهم ، [ يعني القوم الذين جاءوكم وهم بنو مدلج ، كانوا عاهدوا أن لا يقاتلوا المسلمين وعاهدوا قريشا أن لا يقاتلوهم ، حصرت : ضاقت صدورهم ] ، ( أن يقاتلوكم ) أي : عن قتالكم للعهد الذي بينكم ، ( أو يقاتلوا قومهم ) يعني : من أمن منهم ، ويجوز أن يكون معناه أنهم لا يقاتلونكم مع قومهم ولا يقاتلون قومهم معكم ، يعنيقريشا قد ضاقت صدورهم لذلك .
وقال بعضهم : أو بمعنى الواو ، كأنه يقول : إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق أو جاءوكم حصرت صدورهم ، أي : حصرت صدورهم عن قتالكم والقتال معكم ، وهم قوم هلال الأسلميون وبنو بكر ، نهى الله سبحانه عن قتال هؤلاء المرتدين إذا اتصلوا بأهل عهد للمسلمين ، لأن من انضم إلى قوم ذوي عهد فله حكمهم في حقن الدم .
قوله تعالى : ( ولو شاء الله لسلطهم عليكم فلقاتلوكم ) يذكر منته على المسلمين بكف بأس المعاهدين ، يقول : إن ضيق صدورهم عن قتالكم لما ألقى الله في قلوبهم من الرعب وكفهم عن قتالكم ، ولو شاء الله لسلطهم عليكم فلقاتلوكم مع قومهم ، ( فإن اعتزلوكم ) أي : اعتزلوا قتالكم ، ( فلم يقاتلوكم ) ومن اتصل بهم ، ويقال : يوم فتح مكة يقاتلوكم مع قومهم ، ( وألقوا إليكم السلم ) أي : الصلح فانقادوا واستسلموا ( فما جعل الله لكم عليهم سبيلا ) أي : طريقا بالقتل والقتال .
«إلا الذين يصلون» يلجئون «إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق» عهد بالأمان لهم ولمن وصل إليهم كما عاهد النبي صلى الله عليه وسلم هلال بن عويمر الأسلمي «أو» الذين «جاَءُوكم» وقد «حَصِرَتْ» ضاقت «صدورهم» عن «أن يقاتلوكم» مع قومهم «أو يقاتلوا قومهم» معكم أي ممسكين عن قتالكم وقتالهم فلا تتعرضوا إليهم بأخذ ولا قتل وهذا ما بعده منسوخ بآية السيف «ولو شاء الله» تسليطهم عليكم «لسلطهم عليكم» بأن يقّوي قلوبهم «فلقاتلوكم» ولكنه لم يشأه فألقى في قلوبهم الرعب «فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السَّلَمَ» الصلح أي انقادوا «فما جعل الله لكم عليهم سبيلا» طريقا بالأخذ والقتال.
لكن الذين يتصلون بقوم بينكم وبينهم عهد وميثاق فلا تقاتلوهم، وكذلك الذين أتَوا إليكم وقد ضاقت صدورهم وكرهوا أن يقاتلوكم، كما كرهوا أن يقاتلوا قومهم، فلم يكونوا معكم ولا مع قومهم، فلا تقاتلوهم، ولو شاء الله تعالى لسلَّطهم عليكم، فلقاتلوكم مع أعدائكم من المشركين، ولكن الله تعالى صرفهم عنكم بفضله وقدرته، فإن تركوكم فلم يقاتلوكم، وانقادوا اليكم مستسلمين، فليس لكم عليهم من طريق لقتالهم.
وقوله : ( إِلاَّ الذين يَصِلُونَ إلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ ) استثناء من الضمير المنصوب فى قوله ( فَخُذُوهُمْ واقتلوهم ) .وقوله ( يَصِلُونَ ) بمعنى يتلجئون ويتصلون .
الميثاق العهد الموثق .والمعنى : أن الله - تعالى - يأمركم - أيها المؤمنون - أن تأخذوا أولئك المنافقين الذين أظهروا كفرهم وتمنوا أن تكونوا مثلهم ، وامتنعوا عن الهجرة إلى دياركم ، وينهاكم عن موالاتهم وعن الاستعانة بهم ، لكنه - سبحانه - قد استثنى من هؤلاء الذين أمركم بأخذهم وقتلهم أناسا التجأوا واستندوا إلى قوم بينكم وبينهم عهد أمان ، لأنهم بهذا الالتجاء قد صار حكمهم كحكم من لجأوا إليهم من حيث الأمان وعدم الاعتداء .وقد ذكر العلماء أقوالا فى المراد من القوم الذين كان بينهم وبين المسلمين عهد أمان ، فقيل : هم الأسلميون ، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقت خروجه إلى مكة قد وادع هلال بن عويمر الأسلمى على أن لا يعينه ولا يعين عليه ، وعلى أن من وصل إلى هلال ولجأ إليه فله من الجوار مثل الذى لهلال .
وقيل هم بنو بكر بن زيد .
وقيل هم خزاعة .وقوله : ( أَوْ جَآءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَن يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُواْ قَوْمَهُمْ ) عطف على صلة الذين وهو قوله ( يَصِلُونَ ) .ومعنى حصرت : ضاقت وانقبضت ومنه الحصر فى القول وهو ضيق الكلام على المتكلم .
ويقال حصر صدره يحصر أى ضاق .أى : خذوا واقتلوا - أيها المؤمنون - المنافقين الذين أعلنوا كفرهم ، ولا تأخذوا ولا تقتلوا الذين التجأوا إلى قوم بينكم وبينهم عهد أمان ، ولا تأخذوا ولا تقتلوا كذلك الذين جاءوا إليكم وقد ضاقت نفوسهم ، وانقبضت صدورهم عن قتالكم لأنكم مسلمون كما أنهم قد ضاقت نفوسهم عن قتال قومهم لأنهم منهم ، أو لأنهم يخشون قتالهم خوفا على أموالهم أو على ذريتهم أو ذوى أرحامهم .فأنت ترى أن الاستثناء فى قوله ( إِلاَّ الذين يَصِلُونَ إلى قَوْمٍ ) قد أخرج من الأخذ والقتل فريقين من الناس :الفريق الأول : هو الذى ترك المحاربين من الأعداء ، والتجأ إلى القوم الذين بينهم وبين المسلمين عهد أمان ، فإنه بهذا الالتجاء قد صار حكمه كحكم من التجأ إليهم فى الأمان .والفريق الثانى : هو الذى جاء إلى المؤمنين ، مسالما وترك قومه ، إلا أنه فى الوقت نفسه يكره أن يقاتل المسلمين لحبه لهم .
ويكره أن يقاتل قومه لأنهم قومه وعشيرته وأهله أو لأنه لو قاتلهم للحقه الضرر فى ماله أو ذريته .وقوله : ( حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ ) فى موضع نصب على الحال بتقدير قد كما يرى بعضهم .
وبعضهم لا يرى حاجة لتقديرها ، لأنه قد جاء الفعل الماضى حالا بغيرها كثيراً .وقيل هو صفة لموصوف محذوف هو حال من فاعل ( جاءوا ) أى : جاءوكم حالة كونهم حصرت صدورهم .وقوله : ( أَن يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُواْ قَوْمَهُمْ ) مجرور بحرف جر مقدر أى : حصرت صدورهم عن أن يقاتلولكم أو يقاتلوا قومهم .
أو هو فى محل نصب على مفعول لألأجله .
أى حصرت صدورهم كراهة قتالكم أو قتال قومهم .والمراد بالفريق الثانى بنو مدلج فقد أخرج ابن أبى حاتم " عن الحسن أن سراقة بن مالك المدلجى حدثهم فقال : لما ظهر النبى صلى الله عليه وسلم على أهل بدر وأسلم من حولهم ، قال : بلغنى أنه يريد أن يبعث خالد بن الوليد إلى قومى بنى مدلج .
فأتيته فقلت : أنشدك النعمة .
بلغنى أنك تريد أن تبعث إلى قومى .
وأنا أريد أن توادعهم .
فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيد خالد فقال : اذهب معه فافعل ما يريد " فصالحهم خالد على أن لا يعينوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن أسلمت قريش أسملوا معهم ، فأنزل الله الآية .وقوله ( وَلَوْ شَآءَ الله لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ ) بيان لمظهر من مظاهر فضل الله ورعايته للمؤمنين .أى : ولو شاء الله لسلط جميع المشركين عليكم بأن قوى قلوبهم ، وجرأهم عليكم ، وجعلهم يبرزون لقتالكم صفا واحدا ، ولكنه - سبحانه - لم يشأ ذلك ، بل ألقى الرعب فى صفوف أعدائكم ، وجعل منهم من يسالمكم ويأتى إليكم موادعا .قال صاحب الكشاف : فإن قتل : كيف يجوز أن يسلط الله الكفرة على المؤمنين؟
قلت : ما كانت مكافتهم إلا لقذف الرعب فى قلوبهم .
ولو شاء لمصلحة يراها من ابتلاء ونحوه لم يقذفه .
فكانوا متسلطين مقاتلين غير مكافين فذلك معنى التسليط .وقال القرطبى : قوله - تعالى - ( وَلَوْ شَآءَ الله لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ ) تسليط الله المشركين على المؤمنين هو بأن يقدرهم على ذلك ، ويقويهم إما عقوبة ونقمة عند إذاعة المنكر وظهور المعاصى .
وإما ابتلاء واختبارا كما قال - تعالى - ( وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حتى نَعْلَمَ المجاهدين مِنكُمْ والصابرين وَنَبْلُوَاْ أَخْبَارَكُمْ ) وإما تمحيصا للذنوب كما قال - تعالى - ( وَلِيُمَحِّصَ الله الذين آمَنُواْ ) ولله أن يفعل ما يشاء ويسلط من يشاء على من يشاء إذا شاء .ووجه النظم والاتصال بما قبل .
أى : اقتلوا المنافقين الذين اختلفتم فيهم إلا أن يهاجروا وإلا أن يتصلوا بمن بينكم وبينهم ميثاق فيدخلون فيما دخلوا فيه فلهم حكمهم ، وإلا الذين جاءكم قد حصرت صدورهم عن أن يقاتلوكم أو يقاتلوا قومهم فدخلوا فيكم فلا تقتلوهم .ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله ( فَإِنِ اعتزلوكم فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْاْ إِلَيْكُمُ السلم فَمَا جَعَلَ الله لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً ) .أى : أن هؤلاء الذين استثناهم الله - تعالى - - من الأخذ والقتل ، اقبلوا مسالمتهم إن اعتزلوا قتالكم فلم يتعرضوا لكم بسوء ، وكفوا عن قتالهم إذا ألقوا إليكم السلم ، أى : إذا انقادوا للصلح والأمان ورضوا به .
وهم متى فعلوا ذلك ( فَمَا جَعَلَ الله لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً ) أى : فما اذن الله لكم فى أخذهم وقتلهم بأى طريق من الطرق التى توصل إلى العدوان عليهم .وعبر بقوله ( وَأَلْقَوْاْ إِلَيْكُمُ السلم ) بدل السلام ، للاشارة إلى معنى التسليم لا مجرد الأمن والسلام ، لأن السلم يفيد معنى التسليم ، فهم ألقوا إليكم قيادهم واستسلموا لأمركم ، ودخلوا فى طاعتكم .وفى نفى أن يكون هناك سبيل عليهم ، مبالغة فى عدم التعرض لهم بسوء لأنه إذا نفى الوصول إليهم انتفى الاعتداء عليهم من باب أولى .هذا ، ويرى جمهور المفسرين أن الأحكام التى اشتملت عليها هذه الآية الكريمة منسوخة بآية سورة التوبة وهى قوله - تعالى - ( فَإِذَا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ واحصروهم واقعدوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ ) قال الجمل : معاهدة المشركين وموادعتهم فى هذه الآية بآية السيف - وهى قوله " فإذا انسلخ الأشهر الحرم .
الآية " لأن الله - تعالى - لما أعز الإِسلام وأهله أمر أن لا يقبل من مشركى العرب إلا الإِسلام أو القتال " .
وفيه مسائل: المسألة الأولى: في قوله: ﴿ يَصِلُونَ ﴾ قولان: الأول: ينتهون اليهم ويتصلون بهم، والمعنى أن كل من دخل في عهد من كان داخلا في عهدكم فهم أيضا داخلون في عهدكم.
قال القفال رحمه الله: وقد يدخل في الآية أن يقصد قوم حضرة الرسول صلى الله عليه وسلم فيتعذر عليهم ذلك المطلوب فيلجأوا إلى قوم بينهم وبين المسلمين عهد إلى أن يجدوا السبيل اليه.
القول الثاني: أن قوله: ﴿ يَصِلُونَ ﴾ معناه ينتسبون، وهذا ضعيف لأن أهل مكة أكثرهم كانوا متصلين بالرسول من جهة النسب مع أنه صلى الله عليه وسلم كان قد أباح دم الكفار منهم.
المسألة الثانية: اختلفوا في أن القوم الذين كان بينهم وبين المسلمين عهد من هم؟
قال بعضهم هم الأسلميون فإنه كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد، فإنه عليه الصلاة والسلام وادع وقت خروجه إلى مكة هلال بن عويمر الأسلمي على أن لا يعصيه ولا يعين عليه، وعلى أن كل من وصل إلى هلال ولجأ إليه فله من الجوار مثل ما لهلال.
وقال ابن عباس: هم بنو بكر ابن زيد مناة، وقال مقاتل: هم خزاعة وخزيمة بن عبد مناة.
واعلم أن ذلك يتضمن بشارة عظيمة لأهل الايمان، لأنه تعالى لما رفع السيف عمن التجأ إلى من التجأ إلى المسلمين، فبأن يرفع العذاب في الآخرة عمن التجأ إلى محبة الله ومحبة رسوله كان أولى والله أعلم.
الموضع الثاني في الاستثناء: قوله تعالى: ﴿ أَوْ جآؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَن يقاتلونكم أَوْ يقاتلوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاء الله لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فلقاتلوكم فَإِنِ اعتزلوكم فَلَمْ يقاتلوكم وَأَلْقَوْاْ إِلَيْكُمُ السلم فَمَا جَعَلَ الله لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبيلا ﴾ وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قوله تعالى: ﴿ أَوْ ﴾ يحتمل أن يكون عطفا على صلة ﴿ الذين ﴾ والتقدير: إلا الذين يصلون بالمعاهدين أو الذين حصرت صدورهم فلا يقاتلونكم، ويحتمل أن يكون عطفا على صفة قوم والتقدير: إلا الذين يصلون الى قوم بينكم وبينهم عهد، أو يصلون إلى قوم حصرت صدورهم فلا يقاتلونكم، والاول أولى لوجهين: أحدهما: قوله تعالى: ﴿ فَخُذُوهُمْ واقتلوهم حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ ﴾ وهذا يدل على أن السبب الموجب لترك التعرض لهم هو تركهم للقتال، وهذا إنما يتمشى على الاحتمال الاول، وأما على الاحتمال الثاني فالسبب الموجب لترك التعرض لهم هو الاتصال بمن ترك القتال.
الثاني: أن جعل ترك القتال موجبا لترك التعرض أولى من جعل الاتصال بمن ترك القتال سببا قريبا لترك التعرض، لأن على التقدير الأول يكون ترك القتال سببا قريبا لترك التعرض، وعلى السبب الثاني يصير سببا بعيدا.
المسألة الثانية: قوله: ﴿ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ ﴾ معناه ضاقت صدورهم عن المقاتلة فلا يريدون قتالكم لأنكم مسلمون، ولا يريدون قتالهم لأنهم أقاربهم.
واختلفوا في موضع قوله: ﴿ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ ﴾ وذكروا وجوها: الأول: أنه في موضع الحال باضمار قد وذلك لأن قد تقرب الماضي من الحال، ألا تراهم يقولون: قد قامت الصلاة، ويقال أتاني فلان ذهب عقله، أي أتاني فلان قد ذهب عقله: وتقدير الآية، أو جاؤكم حال ما قد حصرت صدورهم.
الثاني: أنه خبر بعد خبر، كأنه قال: أو جاؤكم ثم أخبر بعده فقال: ﴿ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ ﴾ وعلى هذا التقدير يكون قوله: ﴿ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ ﴾ بدلا من ﴿ جاؤكم ﴾ الثالث: أن يكون التقدير: جاؤكم قوما حصرت صدورهم أو جاؤكم رجالا حصرت صدورهم، فعلى هذا التقدير قوله: ﴿ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ ﴾ نصب لأنه صفة لموصوف منصوب على الحال، إلا أنه حذف الموصوف المنتصب على الحال.
وأقيمت صفته مقامه، وقوله: ﴿ أن يقاتلوكم أَوْ يقاتلوا قَوْمَهُمْ ﴾ معناه ضاقت قلوبهم عن قتالكم وعن قتال قومهم فهم لا عليكم ولا لكم.
المسألة الثالثة: اختلفوا في أن الذين استثناهم الله تعالى أهم من الكفار أو من المؤمنين؟
فقال الجمهور: هم من الكفار، والمعنى أنه تعالى أوجب قتل الكافر الا إذا كان معاهدا أو تاركا للقتال فإنه لا يجوز قتلهم، وعلى هذا التقدير فالقول بالنسخ لازم لأن الكافر وإن ترك القتال فإنه يجوز قتله، وقال أبو مسلم الاصفهاني: إنه تعالى لما أوجب الهجرة على كل من أسلم استثنى من له عذر فقال: ﴿ إِلاَّ الذين يَصِلُونَ ﴾ وهم قوم من المؤمنين قصدوا الرسول للهجرة والنصرة، الا أنهم كان في طريقهم من الكفار ما لم يجدوا طريقا اليه خوفا من أولئك الكفار، فصاروا الى قوم بين المسلمين وبينهم عهد وأقاموا عندهم الى أن يمكنهم الخلاص، واستثنى بعد ذلك من صار إلى الرسول ولا يقاتل الرسول ولا أصحابه، لأنه يخاف الله تعالى فيه، ولا يقاتل الكفار أيضا لأنهم أقاربه، أو لأنه أبقى أولاده وأزواجه بينهم، فيخاف لو قاتلهم أن يقتلوا أولاده وأصحابه، فهذان الفريقان من المسلمين لا يحل قتالهم وإن كان لم يوجد منهم الهجرة ولا مقاتلة الكفار.
المسألة الرابعة: قوله تعالى: ﴿ وَلَوْ شَاء الله لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ ﴾ التسليط في اللغة مأخوذ من السلاطة وهي الحدة، والمقصود منه أن الله تعالى من على المسلمين بكف بأس المعاهدين، والمعنى: أن ضيق صدورهم عن قتالكم إنما هو لأن الله قذف الرعب في قلوبهم، ولو أنه تعالى قوى قلوبهم على قتال المسلمين لتسلطوا عليهم.
قال أصحابنا: وهذا يدل على أنه لا يقبح من الله تعالى تسليط الكافر على المؤمن وتقويته عليه، وأما المعتزلة فقد أجابوا عنه من وجهين: الأول: قال الجبائي قد بينا أن القوم الذين استثناهم الله تعالى قوم مؤمنون لا كافرون، وعلى هذا فمعنى الآية: ولو شاء الله لسلطهم عليكم بتقوية قلوبهم ليدفعوا عن أنفسهم أن أقدمتم على مقاتلتهم على سبيل الظلم.
والثاني: قال الكلبي: إنه تعالى أخبر أنه لو شاء لفعل، وهذا لا يفيد إلا أنه تعالى قادر على الظلم، وهذا مذهبنا إلا أنا نقول: إنه تعالى لا يفعل الظلم، وليس في الآية دلالة على أنه شاء ذلك وأراده.
المسألة الخامسة: اللام في قوله: ﴿ فلقاتلوكم ﴾ جواب للو على التكرير أو البدل، على تأويل ولو شاء الله لسلطهم عليكم ولو شاء الله لقاتلوكم.
قال صاحب الكشاف: وقرئ ﴿ فلقاتلوكم ﴾ بالتخفيف والتشديد.
ثم قال: ﴿ فَإِنِ اعتزلوكم ﴾ أي فإن لم يتعرضوا لكم وألقوا اليكم السلم، أي الانقياد والاستسلام، وقرئ بسكون اللام مع فتح السين ﴿ فَمَا جَعَلَ الله لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً ﴾ فما أذن لكم في أخذهم وقتلهم.
واختلف المفسرون فقال بعضهم: الآية منسوخة بآية السيف، وهي قوله: ﴿ اقتلوا المشركين ﴾ وقال قوم: إنها غير منسوخة، أما الذين حملوا الاستثناء على المسلمين فذلك ظاهر على قولهم، وأما الذين حملوا الاستثناء على الكافرين فقال الأصم: إذا حملنا الآية على المعاهد فكيف يمكن أن يقال إنها منسوخة.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَتَكُونُونَ ﴾ عطف على ﴿ تَكْفُرُونِ ﴾ ولو نصب على جواب التمني لجاز.
والمعنى: ودّوا كفركم فكونكم معهم شرعاً واحداً فيما هم عليه من الضلال واتباع دين الآباء.
فلا تتولوهم وإن آمنوا حتى يظاهروا إيمانهم بهجرة صحيحة هي لله ورسوله لا لغرض من أغراض الدنيا مستقيمة ليس بعدها بداء ولا تعرّب.
﴿ فَإِن تَوَلَّوْاْ ﴾ عن الإيمان المظاهر بالهجرة الصحيحة المستقيمة، فحكمهم حكم سائر المشركين يقتلون حيث وجدوا في الحلّ والحرم، وجانبوهم مجانبة كلية، وإن بذلوا لكم الولاية والنصرة فلا تقبلوا منهم ﴿ إِلاَّ الذين يَصِلُونَ ﴾ استثناء من قوله: ﴿ فَخُذُوهُمْ واقتلوهم ﴾ ومعنى ﴿ يَصِلُونَ إلى قَوْمٍ ﴾ ينتهون إليهم ويتصلون بهم.
وعن أبي عبيدة: هو من الانتساب.
وصلت إلى فلان واتصلت به إذا انتميت إليه.
وقيل: إن الانتساب لا أثر له في منع القتال، فقد قاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم بمن معه من هو من أنسابهم، والقوم هم الأسلميون، كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد، وذلك أنه وادع وقت خروجه إلى مكة هلال بن عويمر الأسلمي على أن لا يعينه ولا يعين عليه، وعلى أنّ من وصل إلى هلال ولجأ إليه فله من الجوار مثل الذي لهلال.
وقيل: القوم بنو بكر بن زيد مناة كانوا في الصلح ﴿ أَوْ جَآءوكُمْ ﴾ لا يخلو من أن يكون معطوفاً على صفة قوم، كأنه قيل: إلا الذين يصلون إلى قوم معاهدين، أو قوم ممسكين عن القتال لا لكم ولا عليكم، أو على صلة الذين، كأنه قيل: إلا الذين يتصلون بالمعاهدين، أو الذين لا يقاتلونكم والوجه العطف على الصلة لقوله: ﴿ فَإِنِ اعتزلوكم فَلَمْ يقاتلوكم وَأَلْقَوْاْ إِلَيْكُمُ السلم فَمَا جَعَلَ الله لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً ﴾ بعد قوله: ﴿ فَخُذُوهُمْ واقتلوهم حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ ﴾ فقرّر أن كفهم عن القتال أحد سببي استحقاقهم لنفي التعرض عنهم وترك الإيقاع بهم.
فإن قلت: كل واحد من الاتصالين له تأثير في صحة الاستثناء، واستحقاق إزالة التعرّض الاتصال بالمعاهدين والاتصال بالمكافين، لأنّ الاتصال بهؤلاء أو هؤلاء دخول في حكمهم، فهلا جوزت أن يكون العطف على صفة قوم، ويكون قوله: ﴿ فَإِنِ اعتزلوكم ﴾ تقريراً لحكم اتصالهم بالمكافين واختلاطهم بهم وجريهم على سننهم؟
قلت: هو جائز، ولكن الأول أظهر وأجرى على أسلوب الكلام.
وفي قراءة أبيّ: ﴿ بينكم وبينهم ميثاق جاؤكم حصرت صدورهم ﴾ ، بغير أو ووجهه أن يكون (جاؤكم) بياناً ليصلون، أو بدلاً أو استئنافاً، أو صفة بعد صفة لقوم.
حصرت صدورهم في موضع الحال بإضمار قد.
والدليل عليه قراءة من قرأ: ﴿ حصرة صدورهم ﴾ ، و ﴿ حصرات صدورهم ﴾ .
و ﴿ حاصرات صدورهم ﴾ .
وجعله المبرد صفة لموصوف محذوف على: أو جاؤكم قوماً حصرت صدورهم.
وقيل: هو بيان لجاؤكم، وهم بنو مدلج جاؤوا رسول الله صلى الله عليه وسلم غير مقاتلين.
والحصر الضيق والانقباض ﴿ أن يقاتلوكم ﴾ عن أن يقاتلوكم.
أو كراهة أن يقاتلوكم.
فإن قلت: كيف يجوز أن يسلط الله الكفرة على المؤمنين؟
قلت: ما كانت مكافتهم إلا لقذف الله الرعب في قلوبهم، ولو شاء لمصلحة يراها من ابتلاء ونحوه لم يقذفه، فكانوا متسلطين مقاتلين غير مكافين، فذلك معنى التسليط.
وقرئ: ﴿ فلقتلوكم ﴾ ، بالتخفيف والتشديد ﴿ فَإِنِ اعتزلوكم ﴾ فإن لم يتعرضوا لكم ﴿ وَأَلْقَوْاْ إِلَيْكُمُ السلم ﴾ أي الانقياد والاستسلام.
وقرئ بسكون اللام مع فتح السين ﴿ فَمَا جَعَلَ الله لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً ﴾ فما أذن لكم في أخذهم وقتلهم ﴿ سَتَجِدُونَ ءاخَرِينَ ﴾ هم قوم من بني أسد وغطفان، كانوا إذا أتوا المدينة أسلموا وعاهدوا ليأمنوا المسلمين، فإذا رجعوا إلى قومهم كفروا ونكثوا عهودهم ﴿ كُلَّمَا رُدُّواْ إِلَى الفتنة ﴾ كلما دعاهم قومهم إلى قتال المسلمين ﴿ أُرْكِسُواْ فِيِهَا ﴾ قلبوا فيها أقبح قلب وأشنعه، وكانوا شراً فيها من كل عدوّ ﴿ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ ﴾ حيث تمكنتم منهم ﴿ سلطانا مُّبِيناً ﴾ حجة واضحة لظهور عداوتهم وانكشاف حالهم في الكفر والغدر، وإضرارهم بأهل الإسلام أو تسلطاً ظاهراً حيث أذنا لكم في قتلهم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إلا الَّذِينَ يَصِلُونَ إلى قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ ﴾ اسْتِثْناءٌ مِن قَوْلِهِ فَخُذُوهم واقْتُلُوهم أيْ: إلّا الَّذِينَ يَتَّصِلُونَ ويَنْتَهُونَ إلى قَوْمٍ عاهَدُوكُمْ، ويُفارِقُونَ مُحارَبَتَكم.
والقَوْمُ هم خُزاعَةُ.
وقِيلَ: هُمُ الأسْلَمِيُّونَ فَإنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وادَعَ وقْتَ خُرُوجِهِ إلى مَكَّةَ هِلالَ بْنَ عُوَيْمِرٍ الأسْلَمِيَّ عَلى أنْ لا يُعِينَهُ ولا يُعِينَ عَلَيْهِ، ومَن لَجَأ إلَيْهِ فَلَهُ مِنَ الجِوارِ مِثْلُ مالِهِ.
وقِيلَ بَنُو بَكْرِ بْنِ زَيْدِ مَناةَ.
﴿ أوْ جاءُوكُمْ ﴾ عُطِفَ عَلى الصِّلَةِ، أيْ أوِ الَّذِينَ جاءُوكم كافِّينَ عَنْ قِتالِكم وقِتالِ قَوْمِهِمُ، اسْتَثْنى مِنَ المَأْمُورِ بِأخْذِهِمْ وقَتْلِهِمْ مَن تَرَكَ المُحارِبِينَ فَلَحِقَ بِالمُعاهِدِينَ، أوْ أتى الرَّسُولَ وكَفَّ عَنْ قِتالِ الفَرِيقَيْنِ، أوْ عَلى صِفَةِ قَوْمٍ وكَأنَّهُ قِيلَ: إلّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إلى قَوْمٍ مُعاهِدِينَ، أوْ قَوْمٍ كافِّينَ عَنِ القِتالِ لَكم وعَلَيْكم.
والأوَّلُ أظْهَرُ لِقَوْلِهِ فَإنِ اعْتَزَلُوكم.
وقُرِئَ بِغَيْرِ العاطِفِ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ بَعْدَ صِفَةٍ أوْ بَيانٌ لِيَصِلُونَ أوِ اسْتِئْنافٌ.
﴿ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ ﴾ حالٌ بِإضْمارِ قَدْ ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّهُ قُرِئَ «حَصْرَةُ صُدُورِهِمْ» وحَصَراتُ صُدُورِهِمْ، أوْ بَيانٌ لِجاءُوكم وقِيلَ صِفَةُ مَحْذُوفٍ أيْ جاءُوكم قَوْمًا حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ، وهم بَنُو مُدْلِجٍ جاءُوا رَسُولَ اللَّهِ غَيْرَ مُقاتِلِينَ والحَصْرُ الضِّيقُ والِانْقِباضُ.
﴿ أنْ يُقاتِلُوكم أوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ ﴾ أيْ عَنْ أنَّ أوْ لِأنَّ أوْ كَراهَةَ أنْ يُقاتِلُوكم.
﴿ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهم عَلَيْكُمْ ﴾ بِأنْ قَوّى قُلُوبَهم وبَسَطَ صُدُورَهم وأزالَ الرُّعْبَ عَنْهم.
﴿ فَلَقاتَلُوكُمْ ﴾ ولَمْ يَكُفُّوا عَنْكم.
﴿ فَإنِ اعْتَزَلُوكم فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ ﴾ فَإنْ لَمْ يَتَعَرَّضُوا لَكم.
﴿ وَألْقَوْا إلَيْكُمُ السَّلَمَ ﴾ الِاسْتِسْلامَ والِانْقِيادَ.
﴿ فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكم عَلَيْهِمْ سَبِيلا ﴾ فَما أذِنَ لَكم في أخْذِهِمْ وقَتْلِهِمْ.
<div class="verse-tafsir"
{إِلاَّ الذين يَصِلُونَ إلى قَوْمٍ} أي ينتهون إليهم ويتصلون بهم والاستثناء من قوله {فَخُذُوهُمْ واقتلوهم} دون الموالاة {بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ ميثاق} القوم هم إلا سلميون كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد وذلك أنه وادع قبل خروجه إلى مكة هلال بن عويمر الأسلمي على أن لا يعينه ولا يعين عليه وعلى أن من وصل إلى هلال والتجأ إليه فله من الجوار مثل الذي لهلال أي فاقتلوهم إلا من اتصل بقوم بينكم وبينهم ميثاق {أو جاؤوكم} عطف على صفة قوم أي إلا الذين يصلون إلى قوم معاهدين أو قوم ممسكين عن القتال لا لكم ولا عليكم أو على صلة الذين أي إلا الذين يتصلون
بالمعاهدين أو الذين لا يقاتلونكم {حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ} حال بإضمار قدو الحصر الضيق والانقباض {أن يقاتلوكم} عن أن يقاتلوكم أي عن قتالكم {أَوْ يقاتلوا قَوْمَهُمْ} معكم {وَلَوْ شَاء الله لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ} بتقوية قلوبهم وازاله الحصر عنها {فلقاتلوكم} عطف على نسلطهم ودخول اللام للتأكيد {فَإِنِ اعتزلوكم} فإن لم يتعرضوا لكم {فَلَمْ يقاتلوكم وَأَلْقَوْاْ إِلَيْكُمُ السلم} أي الانقياد والاستسلام {فَمَا جَعَلَ الله لَكُمْ عليهم سبيلا} طريقا إلى القتال
﴿ إلا الَّذِينَ يَصِلُونَ إلى قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ ﴾ اسْتِثْناءٌ مِنَ الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ فَخُذُوهم واقْتُلُوهُمْ ﴾ أيْ: إلّا الَّذِينَ يَصِلُونَ ويَنْتَهُونَ إلى قَوْمٍ عاهَدُوكم ولَمْ يُحارِبُوكُمْ، وهم بَنُو مُدْلِجٍ.
أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وغَيْرُهُ، عَنِ الحَسَنِ، أنَّ سُراقَةَ بْنَ مالِكٍ المُدْلِجِيَّ حَدَّثَهم قالَ: ««لَمّا ظَهَرَ رَسُولُ اللَّهِ عَلى أهْلِ بَدْرٍ وأُحُدٍ وأسْلَمَ مَن حَوْلَهم قالَ سُراقَةُ: بَلَغَنِي أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -يُرِيدُ أنْ يَبْعَثَ خالِدَ بْنَ الوَلِيدِ إلى قَوْمِي مِن بَنِي مُدْلِجٍ، فَأتَيْتُهُ فَقُلْتُ: أنْشُدُكَ النِّعْمَةَ، فَقالُوا: مَهْ!
فَقالَ: دَعُوهُ، ما تُرِيدُ؟
قُلْتُ: بَلَغَنِي أنَّكَ تُرِيدُ أنْ تَبْعَثَ إلى قَوْمِي، وأنا أُرِيدُ أنْ تُوادِعَهم فَإنْ أسْلَمَ قَوْمُكَ أسْلَمُوا ودَخَلُوا في الإسْلامِ، وإنْ لَمْ يُسْلِمُوا لَمْ تَخْشَ بِقُلُوبِ قَوْمِكَ عَلَيْهِمْ، فَأخَذَ رَسُولُ اللَّهِ بِيَدِ خالِدٍ فَقالَ: اذْهَبْ مَعَهُ فافْعَلْ ما يُرِيدُ، فَصالَحَهم خالِدٌ عَلى أنْ لا يُعِينُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ وإنْ أسْلَمَتْ قُرَيْشٌ أسْلَمُوا مَعَهُمْ، ومَن وصَلَ إلَيْهِمْ مِنَ النّاسِ كانُوا عَلى مِثْلِ عَهْدِهِمْ» فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿ ودُّوا ﴾ حَتّى بَلَغَ ﴿ إلا الَّذِينَ يَصِلُونَ ﴾ فَكانَ مَن وصَلَ إلَيْهِمْ كانُوا مَعَهم عَلى عَهْدِهِمْ».
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في هِلالِ بْنِ عُوَيْمِرٍ الأسْلَمِيِّ، وسُراقَةَ بْنُ مالِكٍ المُدْلِجِيِّ، وفي بَنِي جَذِيمَةَ بْنِ عامِرٍ.
ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مِنَ الضَّمِيرِ في (لا تَتَّخِذُوا) وإنْ كانَ أقْرَبَ؛ لِأنَّ اتِّخاذَ الوَلِيِّ مِنهم حَرامٌ مُطْلَقًا.
﴿ أوْ جاءُوكُمْ ﴾ عَطْفٌ عَلى الصِّلَةِ، أيْ: والَّذِينَ (جاءُوكُمْ) كافِّينَ مِن قِتالِكم وقِتالِ قَوْمِهِمْ، فَقَدِ اسْتُثْنِي مِنَ المَأْمُورِ بِأخْذِهِمْ وقَتْلِهِمْ فَرِيقانِ: مَن تَرَكَ المُحارِبِينَ ولَحِقَ بِالمُعاهَدِينَ، ومَن أتى المُؤْمِنِينَ وكَفَّ عَنْ قِتالِ الفَرِيقَيْنِ، أوْ عَطْفٌ عَلى صِفَةِ القَوْمِ، كَأنَّهُ قِيلَ: إلّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إلى قَوْمٍ مُعاهَدِينَ أوْ إلى قَوْمٍ كافِّينَ عَنِ القِتالِ لَكم وعَلَيْكم.
والأوَّلُ أرْجَحُ رِوايَةً ودِرايَةً؛ إذْ عَلَيْهِ يَكُونُ لِمَنعِ القِتالِ سَبَبانِ: الِاتِّصالُ بِالمُعاهَدِينَ والِاتِّصالُ بِالكافِّينَ، وعَلى الثّانِي يَكُونُ السَّبَبانِ: الِاتِّصالُ بِالمُعاهَدِينَ والِاتِّصالُ بِالكافِّينَ، لَكِنْ قَوْلُهُ تَعالى الآتِي: ﴿ فَإنِ اعْتَزَلُوكُمْ ﴾ إلَخْ يُقَرِّرُ أنَّ أحَدَ السَّبَبَيْنِ هو الكَفُّ عَنِ القِتالِ؛ لِأنَّ الجَزاءَ مُسَبَّبٌ عَنِ الشَّرْطِ، فَيَكُونُ مُقْتَضِيًا لِلْعَطْفِ عَلى الصِّلَةِ، إذْ لَوْ عُطِفَ عَلى الصِّفَةِ كانَ أحَدَ السَّبَبَيْنِ الِاتِّصالُ بِالكافِّينَ لا الكَفُّ عَنِ القِتالِ، فَإنْ قِيلَ: لَوْ عُطِفَ عَلى الصِّفَةِ تَحَقَّقَتِ المُناسِبَةُ أيْضًا؛ لَأنَّ سَبَبَ مَنعِ التَّعَرُّضِ حِينَئِذٍ الِاتِّصالُ بِالمُعاهَدِينَ والِاتِّصالُ بِالكافِّينَ، والِاتِّصالُ بِهَؤُلاءِ وهَؤُلاءِ سَبَبٌ لِلدُّخُولِ في حُكْمِهِمْ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ فَإنِ اعْتَزَلُوكُمْ ﴾ يُبَيِّنُ حُكْمَ الكافِّينَ لِسَبْقِ حُكْمِ المُتَّصِلِينَ بِهِمْ أُجِيبَ: بِأنَّ ذَلِكَ جائِزٌ إلّا أنَّ الأوَّلَ أظْهَرُ، وأُجْرِي عَلى أُسْلُوبِ كَلامِ العَرَبِ؛ لِأنَّهم إذا اسْتَثْنَوْا بَيَّنُوا حُكْمَ المُسْتَثْنى تَقْرِيرًا وتَوْكِيدًا.
وقالَ الإمامُ: جَعْلُ الكَفِّ عَنِ القِتالِ سَبَبًا لِتَرْكِ التَّعَرُّضِ أوْلى مِن جَعْلِ الِاتِّصالِ بِمَن يَكُفُّ عَنِ القِتالِ سَبَبًا لِتَرْكِ التَّعَرُّضِ؛ لِأنَّهُ سَبَبٌ بَعِيدٌ، عَلى أنَّ المُتَّصِلِينَ بِالمُعاهَدِينَ لَيْسُوا مُعاهَدِينَ، لَكِنْ لَهم حُكْمُهُمْ، بِخِلافِ المُتَّصِلِينَ بِالكافِّينَ فَإنَّهم إنْ كَفُّوا فَهم هُمْ، وإلّا فَلا أثَرَ لَهُ.
وقَرَأ أُبَيٌّ (جاءُوكُمْ) بِغَيْرٍ (أوْ) عَلى أنَّهُ اسْتِئْنافٌ وقَعَ جَوابًا لِسُؤالٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ كانَ المِيثاقُ بَيْنَكم وبَيْنَهُمْ؟
فَقِيلَ: (جاءُوكُمْ)، إلَخْ، وقِيلَ: يُقَدَّرُ السُّؤالُ: كَيْفَ وصَلُوا إلى المُعاهَدِينَ ومِن أيْنَ عُلِمَ ذَلِكَ؟
ولَيْسَ بِشَيْءٍ، أوْ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ بَعْدَ صِفَةٍ لِـ(قَوْمٍ)، أوَ بِيانٌ لِـ(يَصِلُونَ) أوْ بَدَلٌ مِنهُ، وضَعَّفَ أبُو حَيّانَ البَيانَ بِأنَّهُ لا يَكُونُ في الأفْعال، والبَدَلَ بِأنَّهُ لَيْسَ إيّاهُ، ولا بَعْضَهُ، ولا مُشْتَمِلًا عَلَيْهِ، وأُجِيبَ بِأنَّ الِانْتِهاءَ إلى المُعاهَدِينَ والِاتِّصالَ بِهِمْ حاصِلُهُ الكَفُّ عَنِ القِتالِ، فَصَحَّ جَعْلُ مَجِيئِهِمْ إلى المُسْلِمِينَ - بِهَذِهِ الصِّفَةِ وعَلى هَذِهِ العَزِيمَةِ - بَيانًا لِاتِّصالِهِمْ بِالمُعاهَدِينَ، أوْ بَدَلًا مِنهُ، كُلًّا أوْ بَعْضًا أوِ اشْتِمالًا، وكَوْنُ ذَلِكَ لا يَجْرِي في الأفْعال لا يَقُولُ بِهِ أهْلُ المَعانِي، وقِيلَ: هو مَعْطُوفٌ عَلى حَذْفِ العاطِفِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ ﴾ حالٌ بِإضْمارِ قَدْ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ الحَسَنِ: (حَصِرَةٌ صُدُورُهُمْ) وكَذا قِراءَةُ: (حَصِراتٌ) و(حاصِراتٌ) واحْتِمالُ الوَصْفِيَّةِ السَّبَبِيَّةِ لِـ(قَوْمٍ) لِاسْتِواءِ النَّصْبِ والجَرِّ بِعِيدٌ.
وقِيلَ: هو صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ هو حالٌ مِن فاعِلِ (جاءُوا) أيْ: جاءُوكم قَوْمًا حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ، ولا حاجَةَ حِينَئِذٍ إلى تَقْدِيرِ قَدْ، وما قِيلَ: إنَّ المَقْصُودَ بِالحالِيَّةِ هو الوَصْفُ لِأنَّها حالٌ مُوَطِّئَةٌ فَلا بُدَّ مِن قَدْ، سِيَّما عِنْدَ حَذْفِ المَوْصُوفِ، فَما ذُكِرَ التِزامٌ لِزِيادَةِ الإضْمارِ مِن غَيْرِ ضَرُورَةٍ غَيْرُ مُسَلَّمٍ.
وقِيلَ: بَيانٌ لِـ(جاءُوكُمْ) وذَلِكَ كَما الطِّيِبِيُّ؛ لِأنَّ مَجِيئَهم غَيْرَ مُقاتِلِينَ و(حَصِرَتْ صُدُورُهم أنْ يُقاتِلُوكُمْ) بِمَعْنًى واحِدٍ، وقالَ العَلّامَةُ الثّانِي: مِن جِهَةِ أنَّ المُرادَ بِالمَجِيءِ الِاتِّصالُ وتَرْكُ المُعانَدَةِ والمُقاتَلَةِ لا حَقِيقَةُ المَجِيءِ، أوْ مِن جِهَةِ أنَّهُ بَيانٌ لِكَيْفِيَّةٍ المَجِيءِ، وقِيلَ: يَدُلُّ اشْتِمالُ مَن (جاءُوكُمْ) لِأنَّ المَجِيءَ مُشْتَمِلٌ عَلى الحَصْرِ وغَيْرِهِ، وقِيلَ: إنَّها جُمْلَةٌ دُعائِيَّةٌ، ورُدَّ بِأنَّهُ لا مَعْنى لِلدُّعاءِ عَلى الكُفّارِ بِأنْ لا يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ، بَلْ بِأنْ يَقَعَ بَيْنَهُمُ اخْتِلافٌ وقَتْلٌ، والحَصَرُ بِفُتْحَتَيْنِ الضِّيقُ والِانْقِباضُ.
﴿ أنْ يُقاتِلُوكم أوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ ﴾ أيْ: عَنْ أنْ يُقاتِلُوكُمْ، أوْ لِأنْ، أوْ كَراهَةَ أنْ، ﴿ ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهم عَلَيْكُمْ ﴾ بِأنْ قَوّى قُلُوبَهُمْ، وبَسَطَ صُدُورَهُمْ، وأزالَ الرُّعْبَ عَنْهم ﴿ فَلَقاتَلُوكُمْ ﴾ عَقِيبَ ذَلِكَ، ولَمْ يَكُفُّوا عَنْكُمْ، واللّامُ جَوابِيَّةٌ لِعَطْفِهِ عَلى الجَوابِ، ولا حاجَةَ لِتَقْدِيرِ لَوْ، وسَمّاها مَكِّيٌّ وأبُو البَقاءِ لامَ المُجازاةِ والِازْدِواجِ، وهي تَسْمِيَةٌ غَرِيبَةٌ، وفي الإعادَةِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ جَوابٌ مُسْتَقِلٌّ، والمَقْصُودُ مِن ذَلِكَ الِامْتِنانُ عَلى المُؤْمِنِينَ.
وقُرِئَ (فَلَقَتَلُوكُمْ) بِالتَّخْفِيفِ والتَّشْدِيدِ ﴿ فَإنِ اعْتَزَلُوكُمْ ﴾ ولَمْ يَعْتَرِضُوا لَكم ﴿ فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ ﴾ مَعَ ما عَلِمْتُمْ مِن تَمَكُّنِهِمْ مِن ذَلِكَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى ﴿ وألْقَوْا إلَيْكُمُ السَّلَمَ ﴾ أيِ: الصُّلْحَ فانْقادُوا واسْتَسْلِمُوا، وكانَ إلْقاءُ السَّلَمِ اسْتِعارَةٌ؛ لِأنَّ مَن سَلَّمَ شَيْئًا ألْقاهُ وطَرَحَهُ عِنْدَ المُسَلَّمِ لَهُ، وقُرِئَ بِسُكُونِ اللّامِ مَعَ فَتْحِ السِّينِ وكَسْرِها ﴿ فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكم عَلَيْهِمْ سَبِيلا ﴾ فَما أذِنَ لَكم في أخْذِهِمْ وقَتْلِهِمْ، وفي نَفْيِ جَعْلِ السَّبِيلِ مُبالَغَةٌ في عَدَمِ التَّعَرُّضِ لَهُمْ؛ لِأنَّ مِن لا يَمُرُّ بِشَيْءٍ كَيْفَ يَتَعَرَّضُ لَهُ.
وهَذِهِ الآياتُ مَنسُوخَةُ الحُكْمِ بِآيَةِ بَراءَةَ ﴿ فَإذا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ ﴾ وقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - وغَيْرِهِ.
<div class="verse-tafsir"
فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ نزلت في تسعة نفر ارتدوا عن الإسلام، فخرجوا من أموالهم.
ويقال: كان قوم من المنافقين بمكة، خرجوا إلى الشام، فاختلف المسلمون في أمرهم، فبيّن الله تعالى للمسلمين نفاقهم، فقال تعالى: فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ يعني صرتم في المنافقين فئتين، أي فريقين تختصمون في أمرهم وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا أي أذلهم.
ويقال: أهلكهم.
ويقال: أركسهم أي ردهم إلى كفرهم.
ويقال: ركست الشيء وأركسته إذا رددته إلى الحال الأول.
ثم قال تعالى: أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ يعني: أترشدون إلى الهدى من أضله الله وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ عن الهدى فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا يعني ديناً.
ويقال: مخرجاً.
ثم قال تعالى: وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ أي ترجعون عن هجرتكم كَما كَفَرُوا أي كما رجعوا فَتَكُونُونَ أنتم وهم على الكفر سَواءً ومن هذا يقال في المثل: إن من أحرق يوماً كدسه يتمنى حرق أكداس الأمم.
فكذلك الكفار كانوا يتمنون أن يكون الناس كلهم كفاراً، حتى يحترقوا معهم.
قال الله تعالى: فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِياءَ في الدين والنصرة حَتَّى يُهاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ حتى يتوبوا ويرجعوا إلى دار الهجرة بالمدينة فَإِنْ تَوَلَّوْا يعني: أبوا الهجرة فَخُذُوهُمْ يعني: فأسروهم وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ يعني: أين وجدتموهم من الأرض وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً في العون.
ثم استثنى الذين كان بينهم وبين المسلمين عهد فقال: إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ وهم خزاعة، وبنو مدلج، وبنو خزيمة، وهلال بن عويمر الأسلمي وأصحابه، صالحهم رسول الله على أن كل من أتاهم من المسلمين فهو آمن، ومن جاء منهم إلى النبيّ فهو آمن.
وفي هذه الآية إثبات الموادعة بين أهل الحرب وأهل الإسلام، إذا كانت في الموادعة مصلحة للمسلمين.
ثم قال تعالى: أَوْ جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أي ضاقت قلوبهم أَنْ يُقاتِلُوكُمْ من قبل العهد أَوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ معكم من قبل القرابة.
ثم قال تعالى: وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقاتَلُوكُمْ ذكر منته على المؤمنين أنه يدفع عنهم البلاء ومنعهم عن قتالهم، ثم قال تعالى فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ في القتال فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ أي الصلح، معناه أنهم لو ثبتوا على صلحهم فلا تقاتلوهم، فذلك قوله: فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا أي حجة وسلطاناً في قتالهم.
ثم قال عز وجل: سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ وهم أسد وغطفان، كانوا إذا أتوا إلى النبيّ يقولون: آمنا بك.
وإذا رجعوا إلى قومهم قالوا: آمنا بالعقرب والخنفساء.
يقول: إنهم لم يريدوا بذلك تصديق النبيّ ، وإنما أرادوا به الاستهزاء.
وقال مجاهد: هم ناس من أهل مكة، كانوا يأتون النبيّ ويسلمون رياء، ثم يرجعون إلى قريش فيرتكسون بالأوثان، ويريدون أن يأمنوا هاهنا وهاهنا.
فذلك قوله تعالى: كُلَّما رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ يقول: كلما دعوا إلى الشرك أُرْكِسُوا فِيها يقول: عادوا إليه ودخلوا فيه فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ في القتال وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ أي لم يلقوا إليكم الصلح وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ عن قتالكم، يعني إن لم يكفوا أيديهم فَخُذُوهُمْ يعني أسروهم وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ يعني: حيث أدركتموهم ووجدتموهم وَأُولئِكُمْ يعني أهل هذه الصفة جَعَلْنا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطاناً يعني: حجة مُبِيناً أي حجة مبينة في القتال.
وقوله تعالى: <div class="verse-tafsir"
فيه عَنْ أَنسٍ أيضاً، قال: «مَا أَخَذَ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بِيَدِ رَجُلٍ، فَفَارَقَهُ حتى قَالَ: اللَّهُمَّ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً، وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ» «١» وَروِّينَا فيه، عَنِ البَرَاءِ بن عازِبٍ، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إنَّ المُسْلِمِيْنَ إذَا التقيا، فَتَصَافَحَا، وتَكَاشَرَا بِوُدٍّ وَنَصِيحَةٍ، تَنَاثَرَتْ خَطَايَاهُمَا بَيْنَهُمَا» ، وفي رواية: «إذَا التقى المُسْلِمَانِ، فَتَصَافَحَا، وَحَمِدَا اللَّهَ تعالى، واستغفرا- غفر الله عزّ وجلّ لهما» «٢» .
انتهى.
وحَسِيباً: معناه حَفِيظاً، وهو فَعِيلٌ من الحِسَاب.
وقوله سبحانه: اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ ...
الآية: لما تقدَّم الإنذارُ والتحذيرُ الذي تضمَّنه قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً، تلاه الإعلامُ بصفَةِ الربوبيَّة، وحالِ الوحدانيَّة والإعلامِ بالحَشْرِ والبَعْثِ مِنَ القبور للثَّواب والعقابِ إعلاماً بقَسَمٍ، تقديره: وَحَقِّهِ وَعَظَمَتِهِ لَيَجْمَعَنَّكُمْ، والجَمعُ بمعنى الحَشْر.
وقوله سبحانه: وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً: المعنى: لا أحَدَ أصْدَقُ من الله تعالى.
فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً (٨٨) وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَواءً فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِياءَ حَتَّى يُهاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً (٨٩) إِلاَّ الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ أَوْ جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقاتِلُوكُمْ أَوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً (٩٠)
وقوله تعالى: فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ ...
الآية: واختلف في هؤُلاَءِ المنافِقِينَ.
فقال ابنُ عَبَّاس: هم قومٌ كانوا بمَكَّة أظهروا الإيمانَ لأصحاب النبيّ صلّى الله عليه وسلّم في كُتُبٍ بَعَثُوا بِهَا إلى المدينةِ، ثم خَرَجُوا مسافِرِينَ إلى الشَّام، وأعطَتْهم قريشٌ بِضَاعَاتٍ، وقالوا لهم: أنتم لا تَخَافُونَ أصْحَاب محمَّد لأنّكم تخدعونهم بإظهار الإيمان، فاتّصل خبرهم
بالمدينَةِ، فاختلف المؤمنُونَ فيهم «١» ، فقالَتْ فرقةٌ: نَخْرُجُ إلَيْهم فإنهم منافقونَ، وَقَالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ هُمْ مُؤْمِنُونَ، لاَ سَبِيلَ لَنَا إلَيْهِمْ، فنزلَتِ الآية، وعن مجاهدٍ نحوه «٢» .
قال ع «٣» : ويَعْضُدُهُ ما في آخر الآيةِ مِنْ قوله تعالى: حَتَّى يُهاجِرُوا، وقال زيدُ بنُ ثابتٍ: نزلَتْ في عبد اللَّه بْنِ أُبيٍّ وأصحابِهِ المنافِقِينَ الذين رجعوا عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم يَوْمَ أُحُدٍ، وهو في «صحيحِ البخاريِّ» مسنداً «٤» ، قال ابن العربي في «أحكامه» «٥» ، وهذا القول هو اختيار البخاريِّ والترمذيِّ.
انتهى.
قال ع «٦» : وعلى هذا، فقولُه سبحانَهُ: حَتَّى يُهاجِرُوا المرادُ هَجْرُ ما نَهَى اللَّهُ عنه كما قال- عليه السلام-: «والمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ ما نَهَى الله عنه» «٧» ، وفِئَتَيْنِ:
معناه: فرقتين، / وأَرْكَسَهُمْ: معناه: أرجعَهُمْ في كُفْرِهِمْ وضَلاَلِهِمْ، والرِّكْس:
الرَّجيع ومنه قوله صلّى الله عليه وسلّم في الرَّوْثَةِ: «إنَّهَا رِكْسٌ» «٨» ، وحكى النضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ والكِسَائِيُّ:
رَكَسَ وأَرْكَسَ بمعنًى واحدٍ، أي: أرجَعَهم، ومَنْ قال مِنَ المتأوِّلين: أَهْلَكَهم، أو أضلَّهم، فإنَّما هو بالمعنى، وباقي الآية بَيِّنٌ.
قال ص: أَرْكَسَهُمْ، أي: رَدَّهم في الكُفْر.
وقال ابنُ العَرَبِيِّ في «أحكامه» : أَخْبَرَ اللَّه تعالى أنه رَدَّ المنافِقِينَ إلى الكُفْر، وهو الإركَاسُ، وهو عبارةٌ عن الرجُوعِ إلى الحالَةِ المكروهَةِ كما قال في الرَّوْثَةِ: «إنَّهَا رِكْسٌ» ، أيْ: رجَعَتْ إلى حالةٍ مكروهةٍ، فنَهَى اللَّه سبحانَهُ الصحابَةَ أنْ يتعلَّقوا فيهم بظَاهِرِ الإِيمان إذ كان باطنهم الكُفْرَ، وأمرهم بقَتْلهم، حَيْثُ وجَدُوهُم.
انتهى.
وقولُهُ تعالى: إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ ...
الآية.
قال ص: إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ: استثناءٌ متَّصِلٌ من مَفْعولِ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ.
انتهى.
قال ع «١» : هذه الآيةُ مِنْ آياتِ المُوَادَعَةِ في أول الإسلام، ثم نُسِخَتْ بما في سورة «بَرَاءَةَ» فالآيةُ تقتضي أنَّ مَنْ وصَلَ من المشركِينَ الذين لا عهد بينهم، وبين النبيّ صلّى الله عليه وسلّم إلى هؤلاءِ أهْلِ العهدِ، فدخَلَ في عِدَادِهِمْ، وفَعَلَ فِعْلَهم من المُوَادَعَةِ، فلا سَبِيلَ عليه.
وقوله تعالى: أَوْ جاؤُكُمْ: عطْفٌ على يَصِلُونَ، ويحتملُ أنْ يكون على قوله: بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ، والمعنى في العَطْفَينِ مختلفٌ، وهذا أيضاً حُكْمٌ قبل أنْ يستحكم أمْرُ الإسلام، فكان المشرك، إذا اعتزل القتَالَ، وجاء إلى دارِ الإِسلامِ مُسَالماً كارهاً لقتالِ قَوْمِهِ مع المسلِمِينَ، ولقِتَالِ المُسْلمين مع قومه، لا سَبِيلَ عليه، وهذه نُسِخَتْ أيضاً بما في «براءة» ، ومعنى حَصِرَتْ: ضاقَتْ، وحَرِجَتْ ومنه: الحَصَرُ في القَوْل، وهو ضِيقُ الكَلاَم علَى المتكلّم، وحَصِرَتْ: في موضعِ نصبٍ على الحال، واللاَّمُ في قوله: لَسَلَّطَهُمْ جوابٌ «لو» ، والمعنى: ولو شاء اللَّه، لَسَلَّطَ هؤلاءِ الَّذين هُمْ بهذه الصِّفَة من المُسَالَمَة والمُتَارَكَة عليكم، فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ، أي: إذا وقَعَ هذا، فلَمْ يقاتِلُوكم، فلا سَبِيلَ لكم عليهم، وهذا كلُّه، والذي في سورة «الممتحنة» : لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ ...
[الممتحنة: ٨] الآية: منسوخ قاله قتادة وغيره «٢» .
والسَّلَمَ: الصّلح.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا الَّذِينَ يَصِلُونَ ﴾ هَذا الِاسْتِثْناءُ راجِعٌ إلى القَتْلِ، لا إلى المُوالاةِ.
وَفِي (يَصِلُونَ) قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ بِمَعْنى: يَتَّصِلُونَ ويَلْجَؤُونَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: «كانَ هِلالُ بْنُ عُوَيْمِرٍ الأسْلَمِيُّ وادَعَ رَسُولَ اللَّهِ عَلى أنْ لا يُعِينَهُ ولا يُعِينُ عَلَيْهِ، فَكانَ مَن وصَلَ إلى هِلالٍ مَن قَوْمِهِ وغَيْرِهِمْ، فَلَهم مِنَ الجِوارِ مِثْلَ ما لِهِلالٍ.» والثّانِي: أنَّهُ بِمَعْنى: يَنْتَسِبُونَ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ، وأنْشَدَ: إذا اتَّصَلَتْ قالَتْ أبَكْرُ بْنُ وائِلٍ وبَكْرٌ سَبَتْها والأُنُوفُ رَواغِمُ يُرِيدُ: إذا انْتُسِبَتْ، قالَتْ: أبَكْرًا، أيْ: يا آَلَ بَكْرٍ.
وَفِي القَوْمِ المَذْكُورِينَ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهم بَنُو بَكْرِ بْنِ زَيْدِ مَناةَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهم هِلالُ بْنُ عُوَيْمِرٍ الأسْلَمِيُّ، وسُراقَةُ بْنُ مالِكٍ، وخُزَيْمَةُ بْنُ عامِرِ بْنُ عَبْدِ مُنافٍ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
والثّالِثُ: أنَّهم بَنُو مُدْلِجِ، قالَهُ الحَسَنُ.
والرّابِعُ: خُزاعَةُ، وبَنُو مُدْلِجٍ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: "والمِيثاقُ": العَهْدُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوْ جاءُوكُمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّ مَعْناهُ: أوْ يَصِلُونَ إلى قَوْمٍ جاؤُوكم، قالَهُ الزَّجّاجُ في جَماعَةٍ.
والثّانِي: أنَّهُ يَعُودُ إلى المَطْلُوبِينَ لِلْقَتْلِ، فَتَقْدِيرُهُ: أوْ رَجَعُوا فَدَخَلُوا فِيكم، وهو بِمَعْنى: قَوْلِ السُّدِّيِّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّ فِيهِ إضْمارُ "قَدْ" .
والثّانِي: أنَّهُ خَبَّرَ بَعْدَ خَبَرٍ، فَقَوْلُهُ (جاءوكُمْ): خَبَرٌ قَدْ تَمَّ، وحَصَرَتْ: خَبَرٌ مُسْتَأْنَفٌ، حَكاهُما الزَّجّاجُ.
وقَرَأ الحَسَنُ، ويَعْقُوبُ، والمُفَضَّلُ، عَنْ عاصِمٍ: ﴿ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ ﴾ عَلى الحالِ.
و "حَصِرَتْ" ضاقَتْ، ومَعْنى الكَلامِ: ضاقَتْ صُدُورُهم عَنْ قِتالِكم لِلْعَهْدِ الَّذِي بَيْنَكم وبَيْنَهم، أوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهم، يَعْنِي: قُرَيْشًا قالَ مُجاهِدٌ: هِلالُ بْنُ عُوَيْمِرٍ هو الَّذِي حُصِرَ صَدْرُهُ أنْ يُقاتِلَكم، أوْ يُقاتِلَ قَوْمَهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهم عَلَيْكُمْ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أخْبَرَ أنَّهُ إنَّما كَفَّهم بِالرُّعْبِ الَّذِي قُذِفَ في قُلُوبِهِمْ.
وفي "السَّلَمَ" قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ الإسْلامُ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّانِي: الصُّلْحُ، قالَهُ الرَّبِيعُ، ومُقاتِلٌ.
* فَصْلٌ قالَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: مُعاهَدَةُ المُشْرِكِينَ ومُوادَعَتِهِمُ المَذْكُورَةُ في هَذِهِ الآَيَةِ مَنسُوخَةٌ بِآَيَةِ السَّيْفِ.
قالَ القاضِي أبُو يَعْلى: لَمّا أعَزَّ اللَّهُ الإسْلامَ أمَرُوا أنْ لا يَقْبَلُوا مِن مُشْرِكِي العَرَبِ إلّا الإسْلامَ أوْ السَّيْفَ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا الَّذِينَ يَصِلُونَ إلى قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ أو جاءُوكم حَصِرَتْ صُدُورُهم أنْ يُقاتِلُوكم أو يُقاتِلُوا قَوْمَهم ولَوْ شاءَ اللهُ لَسَلَّطَهم عَلَيْكم فَلَقاتَلُوكم فَإنِ اعْتَزَلُوكم فَلَمْ يُقاتِلُوكم وألْقَوْا إلَيْكُمُ السَلَمَ فَما جَعَلَ اللهُ لَكم عَلَيْهِمْ سَبِيلا ﴾ كانَ هَذا الحُكْمُ في أوَّلِ الإسْلامِ قَبْلَ أنْ يَسْتَحْكِمَ أمْرُ الطاعَةِ مِنَ الناسِ، فَكانَ رَسُولُ اللهِ قَدْ هادَنَ مِنَ العَرَبِ قَبائِلَ، كَرَهْطِ هِلالِ بْنِ عُوَيْمِرٍ الأسْلَمِيِّ، وسُراقَةَ بْنِ مالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ، وخُزَيْمَةَ بْنِ عامِرِ بْنِ عَبْدِ مَنافٍ، فَقَضَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِأنَّهُ مَن وصَلَ مِنَ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ لا عَهْدَ بَيْنَهم وبَيْنَ النَبِيِّ إلى هَؤُلاءِ أهْلِ العَهْدِ، فَدَخَلَ في عِدادِهِمْ وفَعَلَ مِنَ المُوادَعَةِ، فَلا سَبِيلَ عَلَيْهِ.
قالَ عِكْرِمَةُ، والسُدِّيُّ، وابْنُ زَيْدٍ: ثُمَّ لَمّا تَقَوّى الإسْلامُ وكَثُرَ ناصِرُوهُ نُسِخَتْ هَذِهِ والَّتِي بَعْدَها بِما في سُورَةِ [بَراءَةٍ]، وَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ، وغَيْرُهُ: "يَصِلُونَ" -فِي هَذا المَوْضِعِ- مَعْناهُ: يَنْتَسِبُونَ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: إذا اتَّصَلَتْ قالَتْ لِبَكْرِ بْنِ وائِلٍ وبَكْرٌ سَبَتْها والأُنُوفُ رَواغِمُ يُرِيدُ إذا انْتَسَبَتْ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا غَيْرُ صَحِيحٍ، قالَ الطَبَرِيُّ: قِتالُ رَسُولِ اللهِ قُرَيْشًا وهم قَرابَةُ السابِقِينَ إلى الإسْلامِ يَقْضِي بِأنَّ قَرابَةَ مَن لَهُ مِيثاقٌ أجْدَرُ بِأنْ تُقاتَلَ، فَإنْ قِيلَ: إنَّ النَبِيَّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ لَمْ يُقاتِلْ قُرَيْشًا إلّا بَعْدَ نَسْخِ هَذِهِ الآيَةِ، قِيلَ: التَوارِيخُ تَقْضِي بِخِلافِ ذَلِكَ، لِأنَّ الناسِخَ لِهَذِهِ الآيَةِ هي سُورَةُ [بَراءَةٍ]، ونَزَلَتْ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ، وإسْلامِ جَمِيعِ قُرَيْشٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "أو جاءُوكُمْ" عُطِفَ عَلى: "يَصِلُونَ"، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ ﴾ ، والمَعْنى في العَطْفَيْنِ مُخْتَلِفٌ، وهَذا أيْضًا حُكْمٌ كانَ قَبْلَ أنْ يَسْتَحْكِمَ أمْرُ الإسْلامِ، فَكانَ المُشْرِكُ إذا اعْتَزَلَ القِتالَ، وجاءَ إلى دارِ الإسْلامِ مُسالِمًا كارِهًا لِقِتالِ قَوْمِهِ، مَعَ المُسْلِمِينَ، ولِقِتالِ المُسْلِمِينَ مَعَ قَوْمِهِ، لا سَبِيلَ عَلَيْهِ، وهَذِهِ نُسِخَتْ أيْضًا بِما في [بَراءَةٍ].
و"حَصِرَتْ": ضاقَتْ وحَرِجَتْ، ومِنهُ الحَصَرُ في القَوْلِ، وهُوَ: ضِيقُ الكَلامِ عَلى المُتَكَلِّمِ.
وَقَرَأ الحَسَنُ، وقَتادَةُ: "حَصِرَةٌ"، كَذا قالَ الطَبَرِيُّ، وحَكى ذَلِكَ المَهْدَوِيُّ عن عاصِمٍ مِن رِوايَةِ حَفْصٍ، وحُكِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قَرَأ: "حَصِراتٌ"، وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ سَقَطَ: "أو جاءُوكُمْ"، و"حَصِرَتْ" عِنْدَ جُمْهُورِ النَحْوِيِّينَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ بِتَقْدِيرِ: قَدْ حَصِرَتْ..
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا يَصْحَبُ الفِعْلَ الماضِيَ إذا كانَ في مَوْضِعِ الحالِ، والداعِي إلَيْهِ أنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ تَقْدِيرِ الحالِ وبَيْنَ خَبَرٍ مُسْتَأْنِفٍ، كَقَوْلِكَ: "جاءَ زَيْدٌ رَكِبَ الفَرَسَ"، فَإنْ أرَدْتَ بِقَوْلِكَ: "رَكِبَ الفَرَسَ" خَبَرًا آخَرَ عن زَيْدٍ لَمْ تَحْتَجْ إلى تَقْدِيرِ "قَدْ"، وإنْ أرَدْتَ بِهِ الحالَ مِن زَيْدٍ قَدَّرْتَهُ بِـ "قَدْ"، قالَ الزَجّاجُ: "حَصِرَتْ": خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، وقالَ المُبَرِّدُ: "حَصِرَتْ": دُعاءٌ عَلَيْهِمْ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: لا يَصِحُّ هُنا الدُعاءُ، لِأنَّهُ يَقْتَضِي الدُعاءَ عَلَيْهِمْ بِألّا يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ، ذَلِكَ فاسِدٌ.
قالَ المُؤَلِّفُ: وقَوْلُ المُبَرِّدِ يُخَرَّجُ عَلى أنَّ الدُعاءَ عَلَيْهِمْ بِألّا يُقاتِلُوا المُسْلِمِينَ تَعْجِيزٌ لَهُمْ، والدُعاءَ عَلَيْهِمْ بِألّا يُقاتِلُوا قَوْمَهم تَحْقِيرٌ لَهُمْ، أيْ: هم أقَلُّ وأحْقَرُ، ويُسْتَغْنى عنهُمْ، كَما تَقُولُ إذا أرَدْتَ هَذا المَعْنى: لا جَعَلَ اللهُ فُلانًا عَلَيَّ ولا مَعِيَ أيْضًا، بِمَعْنى: أسْتَغْنِي عنهُ وأسْتَقِلُّ دُونَهُ.
واللامُ في قَوْلِهِ: "لَسَلَّطَهُمْ" جَوابُ "وَلَوْ"، وفي قَوْلِهِ: "فَلَقاتَلُوكُمْ" لامُ المُحاذاةِ والِازْدِواجِ، لِأنَّها بِمَثابَةِ الأُولى، لَوْ لَمْ تَكُنِ الأُولى كُنْتَ تَقُولُ: لَوْ شاءَ اللهُ لَقاتَلُوكُمْ، والمَعْنى تَقْرِيرُ المُؤْمِنِينَ عَلى مِقْدارِ النِقْمَةِ وصَرْفِها، أيْ: لَوْ شاءَ اللهُ لَقَوّاهم وجَرَّأهم عَلَيْكُمْ، فَإذْ قَدْ أنْعَمَ اللهُ عَلَيْكم بِالهُدْنَةِ فاقْبَلُوها وأطِيعُوا فِيها.
وقَرَأتْ طائِفَةٌ "فَلَقَتَلُوكُمْ"، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ، والحَسَنُ: "فَلَقَتَّلُوكُمْ" بِتَشْدِيدِ التاءِ، والمَعْنى: "فَإنِ اعْتَزَلُوكُمْ" أيْ: هادَنُوكم وتارَكُوكم في القَتْلِ.
و"السَلَمَ" هُنا: الصُلْحُ، قالَهُ الرَبِيعُ، ومِنهُ قَوْلُ الطِرِمّاحِ بْنِ حَكِيمٍ: وَذاكَ أنَّ تَمِيمًا غادَرَتْ سَلَمًا لِلْأسْدِ كُلَّ حَصانٍ رَعْثَةِ الكَبِدِ وقالَ الرَبِيعُ: السَلَمُ هاهُنا الصُلْحُ، وكَذا قَرَأتْهُ عامَّةُ القُرّاءِ، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ "السَلْمَ" بِسُكُونِ اللامِ، وقَرَأ الحَسَنُ: "السِلْمَ" بِكَسْرِ السِينِ وسُكُونِ اللامِ، فَمَعْنى جُمْلَةِ هَذِهِ الآيَةِ: خُذُوا المُنافِقِينَ الكافِرِينَ واقْتُلُوهم حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ، إلّا مَن دَخَلَ مِنهم في عِدادِ مَن بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ والتَزَمَ مُهادَنَتَكُمْ، أو مَن جاءَكم وقَدْ كَرِهَ قِتالَكم وقِتالَ قَوْمِهِ، وهَذا بِفَضْلِ اللهِ عَلَيْكم ودِفاعِهِ عنكُمْ، لِأنَّهُ لَوْ شاءَ لَسَلَّطَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ هم بِهَذِهِ الصِفَةِ مِنَ المُتارَكَةِ عَلَيْكم فَلَقاتَلُوكُمْ، فَإنِ اعْتَزَلُوكُمْ، أيْ: إذا وقَعَ هَذا فَلَمْ يُقاتِلُوكم فَلا سَبِيلَ لَكم عَلَيْهِمْ، وهَذا والَّذِي في سُورَةِ [المُمْتَحِنَةِ] مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لا يَنْهاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكم في الدِينِ ولَمْ يُخْرِجُوكم مِن دِيارِكم أنْ تَبَرُّوهم وتُقْسِطُوا إلَيْهِمْ إنَّ اللهُ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ ﴾ ، مَنسُوخٌ بِما في سُورَةِ [بَراءَةٍ]، قالَهُ قَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ، وغَيْرُهُما.
<div class="verse-tafsir"
الاستثناء من الأمر في قوله: ﴿ فخذوهم واقتلوهم ﴾ أي: إلاّ الذين آمنوا ولم هاجروا.
أو إلاّ الذين ارتدّوا على أدبارهم إلى مكة بعد أن يهاجروا، وهؤلاء يصلون إلى قوم ممّن عاهدوكم، فلا تتعرّضوا لهم بالقتل، لئلاّ تنقضوا عهودكم المنعقدة مع قومهم.
ومعنى (يَصلُونَ) ينتسبون، مثل معنى اتَّصل في قول أحد بني نبهان: ألاَ بَلْغَا خُلَّني رَاشِداً *** وصِنْوِي قديماً إذَا ما اتَّصل أي انتسب، ويحتمل أن يكون بمعنى التحق، أي إلاّ الذين يلتحقون بقوم بينكم وبينهم ميثاق، فيدخلون في عهدهم، فعلى الاحتْمال الأول هم من المعاهدين أصالة وعلى الاحتمال الثاني هم كالمعاهدين لأنّ معاهَد المعاهَد كالمعاهَد.
والمراد ب (الذين يصلون) قوم غير معيّنين، بل كلّ من اتّصل بقوم لهم عهد مع المسلمين، ولذلك قال مجاهد: هؤلاء من القوم الذين نزل فيهم ﴿ فما لكم في المنافقين فئتين ﴾ [النساء: 88].
وأمّا قوله: ﴿ إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق ﴾ فالمراد به القبائل التي كان لهم عهد مع المسلمين.
قال مجاهد: لمّا نزلت: ﴿ فما لكم في المنافقين فئتين ﴾ الآية خاف أولئك الذين نزلت فيهم، فذهبوا ببضائعهم إلى هلال بن عويمر الأسلمي، وكان قد حَالف النبي صلى الله عليه وسلم على: أن لا يعينه ولا يعين عليه، وأنّ من لَجَأ إلى هلال من قومه وغيرهم فله من الجوار مثل ما له.
وقيل: أريد بالقوم الذين بينكم وبينهم ميثاق خزاعة، وقيل: بنو بكر بن زيد مناءةَ كانوا في صلح وهدنة مع المسلمين، ولم يكونوا آمنوا يومئذٍ وقيل: هم بنو مُدْلِج إذ كان سراقة بن مالك المدلِجي قد عقد عهدا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لقومه بني مدلج بعد يوم بدر، على أن لا يعينوا على رسول الله، وأنّهم إن أسلمتُ قريش أسلموا وإن لم تُسلم قريش فهم لا يسلمون، لئلاّ تخشن قلوب قريش عليهم.
والأولى أنّ جميع هذه القبائل مشمول للآية.
ومعنى ﴿ أو جاؤوكم حصرت صدورهم أن يقاتلوكم ﴾ الخ: أو جاءوا إلى المدينة مهاجرين ولكنّهم شرطوا أن لا يقاتلوا مع المؤمنين قومهم فاقْبَلُوا منهم ذلك.
وكان هذا رخصة لهم أوّل الإسلام، إذ كان المسلمون قد هادنوا قبائل من العرب تألّفاً لهم، ولمن دخل في عهدهم، فلمّا قوي الإسلام صار الجهاد مع المؤمنين واجباً على كلّ من يدخل في الإسلام، أمّا المسلمون الأوّلون من المهاجرين والأنصار ومن أسلموا ولم يشترطوا هذا الشرط فلا تشملهم الرخصة، وهم الذين قاتلوا مشركي مكة وغيرها.
وقرأ الجمهور «حَصِرَت» بصيغة فعل المضي المقترن بتاء تأنيث الفعل وقرأه يعقوب «حَصِرةً» بصيغة الصفة وبهاء تأنيث الوصف في آخره منصوبةٌ منونّة.
و ﴿ حصرت ﴾ بمعنى ضاقت وحرجت.
و ﴿ أن يقاتلوكم ﴾ مجرور بحذف عن، أي ضاقت عن قتالكم، لأجل أنّهم مؤمنون لا يرضون قتال إخوانهم، وعن قتال قومهم لأنّهم من نسب واحد، فعظم عليهم قتالهم.
وقد دلّ قوله: ﴿ حصرت صدورهم ﴾ على أنّ ذلك عن صدق منهم.
وأريد بهؤلاء بنو مدلِج: عاهدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك، وقد عذرهم الله بذلك إذ صدَقوا، وبيّن الله تعالى للمؤمنين فائدة هذا التسخير الذي سَخَّر لهم من قوم قد كانوا أعداء لهم فصاروا سلماً يودّونهم.
ولكنّهم يأبون قتال قومهم فقال: ﴿ ولو شاء الله لسلّطهم عليكم فلقاتلوكم ﴾ .
ولذلك أمر المؤمنين بكفّ أيديهم عن هؤلاء إن اعتزلوهم ولم يقاتلوهم، وهو معنى قوله: ﴿ فما جعل الله لكم عليهم سبيلاً ﴾ أي إذْنا بعد أذْن أمر المؤمنين بقتال غيرهم حيث وجدوهم.
والسبيل هنا مستعار لوسيلة المؤاخذة، ولذلك جاء في خبره بحرف الاستعلاء دون حرف الغاية، وسيأتي الكلام عليه عند قوله تعالى: ﴿ ما على المحسنين من سبيل ﴾ في سورة براءة (91).
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَما لَكم في المُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ ﴾ اخْتُلِفَ فِيمَن نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِسَبَبِهِ عَلى خَمْسَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها نَزَلَتْ في الَّذِينَ تَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ يَوْمَ أُحُدٍ، وقالُوا: لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لاتَّبَعْناكم، وهَذا قَوْلُ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ.
والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في قَوْمٍ قَدِمُوا المَدِينَةَ فَأظْهَرُوا الإسْلامَ، ثُمَّ رَجَعُوا إلى مَكَّةَ فَأظْهَرُوا الشِّرْكَ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ، ومُجاهِدٍ.
والثّالِثُ: أنَّها نَزَلَتْ في قَوْمٍ أظْهَرُوا الإسْلامَ بِمَكَّةَ وكانُوا يُعِينُونَ المُشْرِكِينَ عَلى المُسْلِمِينَ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ.
والرّابِعُ: أنَّها نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِن أهْلِ المَدِينَةِ أرادُوا الخُرُوجَ عَنْها نِفاقًا، وهَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ.
والخامِسُ: أنَّها نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِن أهْلِ الإفْكِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ.
وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واللَّهُ أرْكَسَهم بِما كَسَبُوا ﴾ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: مَعْناهُ رَدَّهم، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أوْقَعَهم، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.
والثّالِثُ: أهْلَكَهم، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ.
والرّابِعُ: أضَلَّهم، وهَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ.
والخامِسُ: نَكَسَهم، وهَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ.
﴿ أتُرِيدُونَ أنْ تَهْدُوا مَن أضَلَّ اللَّهُ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنْ تُسَمُّوهم بِالهُدى وقَدْ سَمّاهُمُ اللَّهُ بِالضَّلالِ عُقُوبَةً لَهم.
والثّانِي: تَهْدُوهم إلى الثَّوابِ بِمَدْحِهِمْ واللَّهُ قَدْ أضَلَّهم بِذَمِّهِمْ.
﴿ إلا الَّذِينَ يَصِلُونَ إلى قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ ﴾ أيْ يَدْخُلُونَ في قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم أمانٌ فَلَهم مِنهُ مِثْلُ ما لَكم.
قالَ عِكْرِمَةُ: نَزَلَتْ في الهِلالِ بْنِ عُوَيْمِرٍ الأسْلَمِيِّ، وسُراقَةَ بْنِ مالِكِ بْنِ جُعْثَمٍ، وخُزَيْمَةَ بْنِ عامِرِ بْنِ عَبْدِ مَنافٍ.
قالَ الحَسَنُ: هَؤُلاءِ بَنُو مُدْلِجٍ كانَ بَيْنَهم وبَيْنَ قُرَيْشٍ عَهْدٌ، وبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ [وَقُرَيْشٍ] عَهْدٌ، فَحَرَّمَ اللَّهُ مِن بَنِي مُدْلِجٍ ما حَرَّمَ مِن قُرَيْشٍ.
﴿ أوْ جاءُوكم حَصِرَتْ صُدُورُهم أنْ يُقاتِلُوكم أوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ ﴾ مَعْنى حَصِرَتْ أيْ ضاقَتْ، ومِنهُ حُصِرَ العَدُوُّ وهو الضِّيقُ ومِنهُ حَصْرُ العُداةِ لِأنَّهم قَدْ ضاقَتْ عَلَيْهِمْ مَذاهِبُهم.
ثُمَّ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ عَنْهم بِأنَّ صُدُورَهم حَصِرَتْ.
والثّانِي: أنَّهُ دُعاءٌ مِنَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بِأنْ تُحْصَرَ صُدُورُهُمْ، وهَذا قَوْلُ أبِي العَبّاسِ.
﴿ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهم عَلَيْكم فَلَقاتَلُوكُمْ ﴾ وفي تَسْلِيطِهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: بِتَقْوِيَةِ قُلُوبِهِمْ.
والثّانِي: بِالإذْنِ في القِتالِ لِيَدْفَعُوا عَنْ أنْفُسِهِمْ.
﴿ فَإنِ اعْتَزَلُوكم فَلَمْ يُقاتِلُوكم وألْقَوْا إلَيْكُمُ السَّلَمَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: الصُّلْحُ، وهو قَوْلُ الرَّبِيعِ.
والثّانِي: الإسْلامُ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ.
﴿ فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكم عَلَيْهِمْ سَبِيلا ﴾ قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ وعِكْرِمَةُ: هي مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَإذا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أنْ يَأْمَنُوكم ويَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ ﴾ هم قَوْمٌ يُظْهِرُونَ لِقَوْمِهِمُ المُوافَقَةَ لِيَأْمَنُوهُمْ، ولِلْمُسْلِمِينَ الإسْلامَ لِيَأْمَنُوهُمْ، وفِيهِمْ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهم أهْلُ مَكَّةَ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ.
والثّانِي: أنَّهم مِن أهْلِ تِهامَةَ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ.
والثّالِثُ: قَوْمٌ مِنَ المُنافِقِينَ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ.
والرّابِعُ: أنَّهُ نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ الأشْجَعِيُّ.
وَهَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ.
﴿ كُلَّ ما رُدُّوا إلى الفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيها ﴾ أيْ كُلَّما رُدُّوا إلى المِحْنَةِ في إظْهارِ الكُفْرِ رَجَعُوا فِيهِ.
<div class="verse-tafsir"
وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم وابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل عن الحسن أن سراقة بن مالك المدلجي حدثهم قال: «لما ظهر النبي صلى الله عليه وسلم على أهل بدر وأحد، وأسلم من حولهم قال سراقة: بلغني أنه يريد أن يبعث خالد بن الوليد إلى قومي بني مدلج، فأتيته فقلت: أنشدك النعمة.
فقالوا: مه.
فقال: دعوه، ما تريد؟
قلت: بلغني أنك تريد أن تبعث إلى قومي، وأنا أريد أن توادعهم، فإن أسلم قومك أسلموا ودخلوا في الإسلام، وإن لم يسلموا لم تخشن لقلوب قومك عليهم.
فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيد خالد فقال: اذهب معه فافعل ما يريد، فصالحهم خالد على أن لا يعينوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن أسلمت قريش أسلموا معهم، ومن وصل إليهم من الناس كانوا على مثل عهدهم.
فأنزل الله: ﴿ ودوا لو تكفرون ﴾ حتى بلغ ﴿ إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق ﴾ فكان من وصل إليهم كانوا معهم على عهدهم» .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق عكرمة عن ابن عباس في قوله: ﴿ إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق ﴾ يقول: إذا أظهروا كفرهم فاقتلوهم حيث وجدتموهم، فإن أحد منهم دخل في قوم بينكم وبينهم ميثاق فاجروا عليه مثل ما تجرون على أهل الذمة.
وأخرج أبو داود في ناسخه وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس والبيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله: ﴿ إلا الذين يصلون إلى قوم ﴾ الآية.
قال: نسختها براءة ﴿ فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ﴾ [ التوبة: 5] .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ حصرت صدورهم ﴾ قال: عن هؤلاء، وعن هؤلاء.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن السدي ﴿ أو جاءوكم ﴾ يقول: رجعوا فدخلوا فيكم ﴿ حصرت صدورهم ﴾ يقول: ضاقت صدورهم.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة.
أنه قرأ ﴿ حصرت صدورهم ﴾ أي كارهة صدورهم.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الربيع ﴿ وألقوا إليكم السلم ﴾ قال: الصلح.
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس عن قتادة في قوله: ﴿ فإن اعتزلوكم ﴾ الآية.
قال: نسختها ﴿ فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ﴾ [ التوبة: 5] .
وأخرج ابن جرير عن الحسن وعكرمة في هذه الآية قالا: نسخها في براءة.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ ﴾ الآية.
الاستثناء راجع إلى القتل (١) واختلفوا في معنى قوله: ﴿ يَصِلُونَ ﴾ ، فالأكثرون قالوا: معنى قوله: ﴿ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ ﴾ أي يتصلون بهم ويدخلون فيما بينهم بالحِلْف والجوار والالتجاء.
وبه قال الفراء (٢) (٣) (٤) وقال أبو عبيدة: ﴿ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ ﴾ أي ينتسبون، ووصل واتصل إذا انتسب (٥) إذا اتصلتْ قالتْ: أبكرَ بنَ وائلٍ ...
البيت (٦) وبه قال ابن الأعرابي (٧) (٨) وكلا القولين صحيح، وإن قال بعض الناس (٩) واختلفوا في القوم الذين بينهم وبين (....) (١٠) (١١) وقال ابن عباس في رواية الضحاك: هم بنو بكر بن زيد مَناة (١٢) وقال مقاتل: هم خزاعة وخزيمة بن عبد مناف، وبنو مُدلج (١٣) وقال الكلبي: هم قوم هلال بن عويمر الأسلمي (١٤) وزاد عكرمة: وسراقة بن مالك بن جُعْشُم (١٥) (١٦) وقوله تعالى: ﴿ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ ﴾ هذا وصف ثان معطوف على الوصف الأول للنكرة، وهو قوله: ﴿ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ ﴾ (١٧) وحصرت معناه: ضاقت (١٨) جَرداء يَحصُر دونَها جُرَّامُها (١٩) يصف نخلة طويلة، يضيق قلبُ صارم ثمرها إذا نظر إلى أعلاها أن يرقى فيها لطولها (٢٠) وذكرنا ما في هذا الحرف عند قوله: ﴿ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ ﴾ (٢١) واختلفوا في موضع قوله: ﴿ حَصِرَت ﴾ فالأكثرون قالوا: إنه في موضع الحال بإضمار قد (٢٢) أمُّ صبيِّ قد حبا أو دارج (٢٣) فكأنه قال: "أم صبي حاب أو دارج" (٢٤) فتأويل قوله: ﴿ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ ﴾ قد حصرت، والعرب كثيراً ما تجعل الفعل الماضي حالًا.
قال الفراء: العرب تقول: أتاني فلان ذهب.
[..
الآيات من 91 - 93 ...] (٢٥) (..
(٢٦) (٢٧) (٢٨) (٢٩) وإلى هذا أشار الزجاج فقال: "هذا وعيد شديد في القتل، حرم الله عز وجل به وحظر الدماء (٣٠) وفي هذا يحمل (..
(٣١) (٣٢) (٣٣) (٣٤) (٣٥) (٣٦) (٣٧) وسئل مسروق عن توبة القاتل فقال: "لا أغلق بابًا فتحه الله" (٣٨) (١) انظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 281، و"مجاز القرآن" 1/ 136، والطبري 5/ 197، و"معاني الزجاج" 2/ 89.
(٢) "معاني القرآن" 1/ 281.
(٣) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 89.
(٤) ذكره البغوي 2/ 260، وأخرجه بمعناه من طريق عكرمة عن ابن عباس ابن أبي حاتم.
انظر: "الدر المنثور" 2/ 342، وقد عزاه السيوطي أيضًا لابن جرير، ولم أجده عنده.
(٥) من "مجاز القرآن" 1/ 136 كما يدل عليه مضمون سياقه لبيت الأعشى في تفسير هذِه الآية وكلامه عليهن وانظر: "غريب القرآن" لابن قتيبة ص 130، و"الكشف والبيان" 4/ 96/ ب.
(٦) عجز هذا البيت هو: وبكرٌ سَبتها والأنوفُ رواغمُ وهو في ديوان الأعشى الكبير ص 180، و"مجاز القرآن" 1/ 136، و"غريب القرآن" لابن قتيبة ص130، والطبري 5/ 198، و"الكشف والبيان" 4/ 96 ب.
والشاهد منه قوله: "إذا اتصلت" أي: انتسبت.
(٧) "تهذيب اللغة" 2/ 235 (وصل).
(٨) ابن قتيبة في "غريب القرآن" ص130.
(٩) لعله يريد الطبري كما في "تفسيره" 6/ 198 فقد رد هذا القول بشدة وتبعه في ذلك ابن عطية في "المحرر الوجيز" 4/ 164.
(١٠) طمس في المخطوط بمقدار كلمتين تقريبًا ، ولعله: "وبينكم ميثاق" أو "المؤمنين ميثاق".
(١١) "تفسير الهواري" 1/ 407، و"النكت والعيون" 1/ 516، وانظر: "بحر العلوم" 1/ 374، و"زاد المسير" 2/ 156، و"تفسير ابن كثير" 1/ 585، و"الدر المنثور" 2/ 342.
(١٢) ذكره البغوي في "معالم التنزيل" 2/ 261، وابن الجوزي في "زاد المسير" 2/ 158.
(١٣) "تفسيره" 1/ 395، وانظر: "زاد المسير" 2/ 158.
(١٤) انظر: "الكشف والبيان" 4/ 96 ب، و"معالم التنزيل" 2/ 260، و"تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 92.
(١٥) هو أبو سفيان سراقة بن مالك بن جعشم بن مالك المدلجي الكناني، صحابي شاعر وكان قائفًا، وقصته حين أرسله أبو سفيان في طلب الرسول مشهورة.
توفي سنة 24 هـ.
انظر: "الاستيعاب" 2/ 148، و"أسد الغابة" 2/ 331، و"الإصابة" 2/ 19.
(١٦) أي: زاد عكرمة على قولي مقاتل والكلبي، والأثر أخرجه الطبري 5/ 198 ، عن عكرمة بلفظ: "قال: نزلت في هلال بن عويمر الأسلمي، وسراقة بن مالك بن جعشم، وخزيمة بن عمر بن عبد مناف".
(١٧) انظر: "الكشف والبيان" 4/ 96 ب، و"الكشاف" 1/ 288، و"المحرر الوجيز" 4/ 163، و"الدر المصون" 4/ 64.
(١٨) "مجاز القرآن" 1/ 136، و"غريب القرآن" لابن قتيبة ص 130، والطبري 5/ 198، و"الكشف والبيان" 4/ 96 ب.
(١٩) عجز بيت للبيد وصدره كما في شعره ص (43)، و"اللسان" 2/ 195: أعرضت وانتصبت كجذع منيفة وقافيته في "اللسان": "صرامها" بالصاد، ومعنى جرداء: انجرد عنها سعفهان ويحصر: يتعب ويكل.
وجرامها: قطاعها.
(٢٠) من "تهذيب اللغة" 1/ 837 - 838، وانظر: "اللسان" 2/ 195 (حصر).
(٢١) انظر: "البسيط" (النسخة الأزهرية) 1/ ل 119، 120.
(٢٢) انظر: "معاني الزجاج" 2/ 89، و"معاني الحروف" للرماني ص 98، و"سر صناعة الإعراب" 2/ 641، و"مشكل إعراب القرآن" 1/ 205، و"المحرر الوجيز" 4/ 165، و"البحر المحيط" 3/ 317، و"الدر المصون" 4/ 66.
وقد أشار كل من أبي حيان والسمين الحلبي إلى عدم الاحتياج إلى إضمار "قد" لكثرة ما جاء بدونها.
(٢٣) هذا شطر من الرجز وقبله: "يا ليتني علقت غير خارج ...
قبل الصباح ذات خلق بارج" وهو في "معاني القرآن" للفراء 1/ 214، و"اللسان" 3/ 1351 (درج)، إضافة إلى الآتي، وهو الذي أخذه منه المؤلف.
(٢٤) "سر صناعة الإعراب" 2/ 641.
(٢٥) إلى هنا نهاية صفحة: (أ) من لوحة (18) في نسخة: (ش)، وفي صفحة (ب) تكميل لتفسير الآية (93) قوله تعالى: ﴿ وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا ﴾ ، فالظاهر وجود سقط هنا، وقد جعلت تفسير الآية (93) في الصفحة التالية.
وهذِه الجملة كاملة عند الفراء في "معاني القرآن" 1/ 282: "أتاني فلان ذهب عقله، يريدون: قد ذهب عقله ...
(٢٦) ما بين القوسين غير واضح في المخطوط.
وهذا الكلام للمؤلف بعد سقط في المخطوط أشرف إليه آنفًا وهذا السقط من تفسير الآية (93) وهي قوله تعالى: ﴿ وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (93) ﴾ .
(٢٧) في هذا القول نظر لأنه مخالف لقوله تعالى: ﴿ مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ﴾ بعد قوله: ﴿ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ ﴾ .
== قال شيخ الإسلام ابن تيمية على هذِه الآية: "دليل على أن وعيده لا يبدل كما لا يبدل وعده ...
لكن التحقيق الجمع بين نصوص الوعد والوعيد، وتفسير بعضها ببعض من غير تبديل شيء منها".
"مجموع الفتاوى" 14/ 498.
وانظر: "أصول الدين" للبغدادي ص 243.
(٢٨) كلمة غير واضحة، وأظنها: "للمبالغة" أو نحو ذلك.
(٢٩) كلمة غير واضحة، والظاهر أنها: "مؤمن".
(٣٠) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 91.
(٣١) غير واضح في المخطوط، والظاهر أنه: "ما قاله" أو "ما ذهب إليه".
(٣٢) قال بهذا القول إضافة إلى ابن عباس: زيد بن ثابت والضحاك بن مزاحم، وروي عن ابن عمر وأبي هريرة.
انظر: الطبري 5/ 220، و"بحر العلوم" 1/ 376، و"النكت والعيون" 1/ 520.
قال البغوي -رحمه الله-: "والذي عليه الأكثرون، وهو مذهب أهل السنة: أن قاتل المسلم عمدًا توبته مقبولة لقوله تعالى: ﴿ وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ﴾ ." ...
وما روي عن ابن عباس ما فهو تشديد ومبالغة في الزجر عن القتل".
"معالم التنزيل" 2/ 267، وانظر: ابن كثير 1/ 589.
(٣٣) في "الوسيط" للمؤلف 2/ 665: "فان" بالفاء.
(٣٤) ما بيِن القوسين غير واضح في المخطوط، والتسديد من "الوسيط" للمؤلف 2/ 165.
(٣٥) هو ابن عيينة.
(٣٦) ما بين القوسين غير واضح في المخطوط، والتسديد من "الوسيط" للمؤلف 2/ 665.
(٣٧) أورده البغوي في "معالم التنزيل" 2/ 267، والسيوطي في "الدر المنثور" 2/ 353.
(٣٨) لم أقف عليه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ ﴾ الضمير للمنافقين أي تمنوا أن تكفروا ﴿ فَخُذُوهُمْ ﴾ يريد به الأسر ﴿ إِلاَّ الذين يَصِلُونَ ﴾ الآية: استثناء من قوله: ﴿ فَخُذُوهُمْ واقتلوهم ﴾ ومعناها: أن من وصل من الكفار غير المعاهدين إلى الكفار المعاهدين وهم الذين بينهم وبين المسلمين عهد ومهادنة فحكمه كحكمهم في المسالمة وترك قتاله، وكان ذلك في أول الإسلام، ثم نسخ بالقتال في أول سورة براءة، قال السهيلي وغيره: الذين يصلون هم بنو مدلج بن كنانة ﴿ إلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ ﴾ بنو خزاعة، فدخل بنو مدلج في صلح خزاعة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فمعنى يصلون إلى قوم: ينتهون إليهم، ويدخلون فيما دخلوا فيه من المهادنة وقيل: معنى يصلون أي ينتسبون، وهذا ضعيف جداً بدليل قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقريش، وهم أقاربه وأقارب المؤمنين فكيف لا يقاتل أقارب الكفار المعاهدين ﴿ أَوْ جَآءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ ﴾ ، عطف على يصلون أو على صفة قوم وهي: بينكم وبينهم ميثاق، والمعنى يختلف باختلاف ذلك، والأول أظهر، وحصرت صدورهم: في موضع الحال بدليل قراءة يعقوب حصرت، ومعناه ضاقت عن القتال وكرهته، ونزلت الآية في قوم جاؤوا إلى المسلمين، وكرهوا أن يقاتلوا المسلمين، وكرهوا أيضاً أن يقاتلوا قومهم، وهم أقاربهم الكفار، فأمر الله بالكف عنهم.
ثم نسخ أيضاً ذلك بالقتال ﴿ فَإِنِ اعتزلوكم ﴾ أي إن سالموكم فلا تقاتلوهم، والسلم هنا الانقياد.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ ومن أصدق ﴾ وكل صاد ساكنة بعدها دال بإشمام الصاد الزاي: علي ورويس وحمزة غير العجلي.
﴿ حصرت صدورهم ﴾ وبابه مدغماً: أبو عمرو وحمزة وعلي وخلف وابن عامر.
وقرأ سهل ويعقوب والمفضل ﴿ حصرة صدورهم ﴾ بالنصب والتنوين.
الوقوف: ﴿ القرآن ﴾ ط لتناهي الاستفهام إلى الشرط.
﴿ كثيراً ﴾ ه ﴿ أذاعوا به ﴾ ط ﴿ منهم ﴾ ط ﴿ قليلاً ﴾ ه ﴿ في سبيل الله ﴾ ج ط لأن قوله: ﴿ لا تكلف ﴾ يحتمل الاستئناف والحال أي قاتل غير مكلف.
﴿ إلاّ نفسك ﴾ ط لعطف قوله: ﴿ وحرض ﴾ على قوله: ﴿ فقاتل ﴾ .
﴿ المؤمنين ﴾ ج لأنّ ﴿ عسى ﴾ مستأنف لفظاً ومتصل معنى لأنه لترجية نجح ما أمر به.
﴿ كفروا ﴾ ط ﴿ تنكيلاً ﴾ ه ﴿ نصيب منها ﴾ ط لابتداء شرط آخر مع واو العطف.
﴿ كفل منها ﴾ ط ﴿ مقيتاً ﴾ ه ﴿ ردوها ﴾ ط ﴿ حسيباً ﴾ ه ﴿ إلا هو ﴾ ط ﴿ لا ريب فيه ﴾ ط ﴿ حديثاً ﴾ ه ﴿ بما كسبوا ﴾ ط ﴿ من أضلّ الله ﴾ ط لتناهي الاستفهام إلى الشرط.
﴿ سبيلاً ﴾ ه ﴿ في سبيل الله ﴾ ط ﴿ وجدتموهم ﴾ ص ﴿ نصيراً ﴾ ه ط ﴿ أو يقاتلوا قومهم ﴾ ط ﴿ فلقاتلوكم ﴾ ط ﴿ السلم ﴾ لا لأن ما بعده جواب "فإن".
﴿ سبيلاً ﴾ ه ﴿ قومهم ﴾ ط ﴿ أركسوا فيها ﴾ ج ﴿ ثقفتموهم ﴾ ط ﴿ مبيناً ﴾ ه.
التفسير: لما حكي عن المنافقين ما حكى وكان السبب فيه اعتقادهم أنه غير محق في ادعاء الرسالة، أمرهم بالتفكر والتدبر وهو النظر في عواقب الأمور وأدبارها، ومنه قول أكثم: لا تدبروا أعجاز أمور قد ولت صدورها.
ويقال في فصيح الكلام: لو استقبلت من أمري ما استبدرت.
أي لو عرفت في صدره ما عرفت من عاقبته.
وظاهر الآية يدل على أنه احتج بالقرآن على صحة نبوة محمد وإلا انقطع النظم.
ودلالة القرآن على صدق النبي من ثلاثة أوجه: الفصاحة والاشتمال على الغيوب والسلامة من الاختلاف وهو المقصود من الآية.
واختلف المفسرون في المراد من سلامته من الاختلاف.
فقال أبو بكر الأصم: معناه / أن المنافقين كانوا يتواطئون في السر على أنواع كثيرة من المكايد، والرسول كان يخبرهم عنها حالاً فحالاً.
فقيل لهم: إن ذلك لو لم يحصل بإخبار الله لم يطرد صدقه ولظهر أنواع الاختلاف والتفاوت.
وقال أكثر المتكلمين: المراد تجاوب معانيه وتلاؤم مقاصده مع أنه مشتمل على علوم كثيرة وفنون غزيرة، ولو كان من عند غير الله لم يخل من تناقض واضطراب.
والذي تظن به التناقض كقوله: ﴿ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان ﴾ مع قوله: ﴿ لنسألنهم أجمعين ﴾ أو كقوله: ﴿ فإذا هي ثعبان مبين ﴾ مع قوله: ﴿ كأنها جان ﴾ ليس بذاك عند التدبر وملاحظة شروط التناقض من اتحاد الزمان والمكان وغيرهما وقال أبو مسلم: المراد صحة نظمه وكون كله بل كل جزء من أجزائه وأبعاضه بالغاً حد الإعجاز.
ومن المعلوم أن الإنسان وإن كان في غاية البلاغة ونهاية الفصاحة إذا كتب كتاباً طويلاً مشتملاً على المعاني الكثيرة فلا بد أن يظهر التفاوت في كلامه بحيث يكون بعضه قوياً متيناً وبعضه سخيفاً نازلاً، ولما لم يكن القرآن كذلك علمنا أنه معجز من عند الله .
وفي الآية دلالة على وجوب النظر والاستدلال أعني التدبر فيما إليه سبيل.
وقال الجبائي: فيها دلالة على أن أفعال العباد غير مخلوقة لله لأن فعل العبد لا ينفك عن التفاوت والاختلاف.
والجواب أنه لا يلزم من كون كلامه غير متفاوت ولا مختلف أن لا تكون أفعاله مختلفة بحسب اختلاف المظاهر والقوابل.
سلمنا لكن اختلافه وهو كونه غير مطابق للأغراض والمقاصد الإنسانية قد يكون بحسب نظرنا لا بحسب الأمر نفسه.
ثم حكى عن المنافقين - وقيل عن ضعفة المسلمين - أنه إذا جاءهم الخبر بأمر من الأمور سواء كان ذلك الأمر من باب الأمن أو من باب الخوف أذاعوا به وأفشوه.
يقال: أذاع السر وأذاع به لغتان.
ويجوز أن يكون معنى أذاع به فعل به الإذاعة وهو أبلغ.
ولا يخفى ما في ذلك الإفشاء من الضرر من جهة أن الإرجاف لا ينفكعن الكذب، ومن جهة أن تلك الزيادات إن كانت في جانب الأمن ولم تقع أورثت شبهة لضعفة المسلمين في صدق الرسول، لأن المنافقين كانوا يروونها عن الرسول، وإن كانت في جانب الخوف حصل اضطراب في الضعفة ووقعوا في الحيرة، وأيضاً البحث عن الإرجاف موجب ظهور الأسرار وذلك لا يوافق مصلحة المدينة فربما وصل الخبر إلى الكفار فاستعدوا للقتال أو تحصنوا.
وفي معنى الآية أقوال: الأول: ولو ردوا ذلك الخبر إلى رسول الله وإلى أولي الأمر - وهم كبار الصحابة البصراء بالأمور أو الذين كانوا يؤمرون منهم - ﴿ لعلمه ﴾ لعلم تدبير ما أخبروا به ﴿ الذين يستنبطونه ﴾ الذين يستخرجون تدبيره بفطنهم وتجاربهم ومعرفتهم بأمور الحرب ومكايدها، وأصل الاستنباط إخراج النبط وهو الماء يخرج من / البئر أول ما تحفر فاستعير لاستخراج المعاني.
والتدبير الثاني: كانوا يقفون من رسول الله وأولي الأمر على أمن ووثوق بالظهور على بعض الأعداء، أو على خوف واستشعار فيذيعونه فتعود إذاعتهم مفسدة.
فقيل لهم: لو فوضوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر وكانوا كأن لم يسمعوا العلم الذي يستنبطون تدبيره كيف يدبرونه وما يأتون ويذرون فيه.
الثالث: كانوا يسمعون من أفواه بعض المنافقين شيئاً من خبر السرايا غير معلوم الصحة فيذيعونه فقيل لهم: لو سكتوا حتى سمعوه من الرسول وأولي الأمر لعلمه صحته وهل هو مما يذاع أو لا يذاع فالمستنبطون هم المذيعون.
ومعنى يستنبطونه منهم يتلقونه من الرسول وأولي الأمر ويستخرجون علمه من جهنم.
قالت العلماء: في الآية دلالة على أن القياس حجة لأنهم أمروا أن يرجعوا في معرفة الوقائع إلى أولي الأمر من المستنبطين.
فرواية النص لا تكون استنباطاً فهو إذن رد واقعة إلى نظيرها وهو القياس.
واعترض بأنا لا نسلم أن المستنبطين هم العلماء وأولو الآراء بل هم المذيعون كما في القول الثالث.
سلمنا لكن الآية نزلت في الحروب، ولا يلزم من جواز الاستنباط في الوقائع المتعلقة بها جواز الاستنباط في الوقائع الشرعية.
فإن قيس أحد البابين على الآخر كان إثباتاً للقياس الشرعي بالقياس الشرعي.
سلمنا لكن لم لا يجوز أن يكون المراد استخراج الأحكام الشرعية من النصوص الخفية أو من تركيبات النصوص أو بالبراءة الأصلية أو بحكم العقل كما يقول الأكثرون إن الأصل في المنافع الإباحة وفي المضار الحرمة وكل هذه الأمور ليست من القياس الشرعي في شيء؟
سلنما أن القياس الشرعي داخل في الآية.
لكن بشرط كونه مفيداً "للعلم" بدليل قوله ﴿ لعلمه الذين يستنبطونه ﴾ ولا نزاع في مثله إنما النزاع في أن القياس المفيد للظن هل هو حجة أن لا.
وأجيب بأن صرف المستنبطين إلى المذيعين ليس بالقوي إذ لو كان المراد ذلك لكان الأليق بنظم الكلام أن يقال: ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر لعلموه من غير إقامة المظهر مقام المضمر.
وعن الثاني بأن الأمن او الخوف عام في كل ما يتعلق بباب التكليف.
ولئن سلم أنه مخصوص بأمور الحرب فإذا عرف أحكام الحروب بالقياس الشرعي لزم جواز التمسك به في سائر الوقائع إذ لا قائل بالفرق.
ألا ترى أن من قال القياس حجة في باب البيع لا في باب النكاح لم يلتفت إليه؟
وعن الثالث أن شيئاً من ذلك لا يسمى استنباطاً.
وعن الرابع أن العلم قد يراد به الظن الغالب.
سلمنا لكن القياس الشرعي عندنا يفيد العلم لأنه مهما غلب على الظن أن حكم الله في الأصل معلل بكذا ثم غلب على الظن أن ذلك المعنى قائم في الفرع، حصل ظن أن حكم الله في الفرع مساوٍ لحكمه في الصل، وعند هذا الظن نقطع بأنه مكلف بأن يعمل على وفق هذا الظن وهذا معنى قولهم: "الظن واقع في طريق الحكم" والحكم مقطوع به كأنه قال: مهما / غلب على ظنك كذا في الواقعة الفلانية فاعلم قطعاً أن حكمي فيها كذا.
أما قوله ﴿ لاتبعتم الشيطان إلا قليلاً ﴾ فظاهره يقتضي إشكالاً وهو أن قليلاً من الناس لا يحتاج في عدم اتباع الشيطان إلى فضل الله ورحمته، لكن الاحتياج بالنسبة إلى كل واحد من الناس ثابت بالاتفاق فهذا تناقض.
فذكر المفسرون في إزالة التناقض وجوهاً الأول: أن الاستثناء راجع إلى قوله: ﴿ أذاعوا به ﴾ كأنه أخرج بعض المنافقين من هذه الإذاعة كما أخرجهم في قوله: ﴿ بيت طائفة ﴾ الثاني: أنه عائد إلى قوله: ﴿ لعلمه ﴾ يعني لعلمه الذين يستنبطونه منهم إلاّ قليلاً.
قال الفراء والمبرد: القول الأول أولى لأن ما يعلم بالاستنباط فالأقل يعلمه والأكثر يجهله.
وصرف الاستثناء إلى ما ذكروه يقتضي ضد ذلك، قال الزجاج: هذا غلط لأنه لا يراد بهذا الاستنباط ما يستخرج بنظر دقيق وفكر غامض إنما هو استنباط خبر، وإذا كان كذلك فالأكثرون يعرفونه إلاّ البالغ في البلادة.
والإنصاف أن الاستنباط لو حمل على مجرد تفرق الأخبار والأراجيف فكلام الزجاج الصحيح وإن كان محمولاً على استخراج الأحكام الشرعية كما مر فالحق ما ذكره الفراء والمبرد.
الثالث: أن الاستثناء مصروف إلى ما يليه كما هو حق النسق لأن الفضل والرحمة مفسران بشيء خاص وفيه وجهان: أحدهما قول جماعة من المفسرين أن المراد إنزال القرآن وبعثة محمد والتقدير: لولا بعثة محمد وإنزال القرآن لاتبعتم الشيطان ولكفرتم بالله إلاّ القليل منكم فإن ذلك القليل بتقدير عدم بعثة محمد ما كان يكفر بالله وهم مثل قس بن ساعدة وورقة بن نوفل وزيد بن عمرو بن نفيل، كانوا مؤمنين بالله قبل بعثة محمد .
وثانيهما قول أبي مسلم أن المراد بالفضل والرحمة ههنا نصرته ومعونته اللذان تمناهما المنافقون بقولهم: ﴿ فأفوز فوزاً عظيماً ﴾ والتقدير: لولا حصول النصر والظفر على سبيل التتابع لتركتم الدين إلاّ القليل منكم وهم أهل البصائر والعزائم، ومن أفاضل المؤمنين الذين يعلمون أنه ليس من شرط كونه حقاً حصول الدولة في الدنيا، فلا تواتر الفتح والظفر يدل على كونه حقاً، ولا انقطاع النصر والغلبة يدل على كونه باطلاً، بل الأمر في كونه حقاً وباطلاً مبني على الدليل وهذا أحسن الوجوه.
قوله: ﴿ فقاتل ﴾ قيل: إنه جواب لقوله: ﴿ ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل ﴾ كأنه قال: إن أردت الفوز فقاتل.
وقيل: إنه متصل بمعنى ما ذكر من قصص المنافقين كذا وكذا فلا تعتد بهم ولا تلتفت إليهم بل قاتل فإنك لا تؤاخذ إلاّ بفعلك، فإذا أديت فرضك لم تكلف فرض غيرك، ويعلم من قوله: ﴿ وحرض المؤمنين ﴾ أن الواجب على الرسول إنما هو الجهاد وتحريض الناس على الجهاد أي الحث والإحماء عليه، فإذا أتى بالأمرين فقد خرج عن عهدة التكليف وليس عليه من كون غيره تاركاً شيء.
واعلم أن الجهاد في حق غير الرسول من فروض الكفايات، فما لم يغلب على الظن أنه مفيد لم يجب / بخلاف رسول الله فإنه على ثقة من النصر والظفر بدليل قوله: ﴿ والله يعصمك من الناس ﴾ وبدليل قوله ههنا: ﴿ عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا ﴾ وعسى من الله جزم لأن الرجاء عليه محال فهو إطماع وإطماع الكريم إيجاب فلزمه الجهاد وإن كان وحده فلا جرم أنه قال في بدر الصغرى: " لأخرجن وحدي" فخرج وتبعه سبعون راكباً، ولو لم يتبعه أحد لخرج وحده، ثم إنه كف بأس المشركين وألقى الرعب في قلوب أبي سفيان وأصحابه حتى ندموا وترك الحرب في تلك السنة.
وفي الآية دليل على أنه كان أشجع الخلق لأنه لم يأمره بالقتال وحده إلاّ أنه كذلك.
وقيل: اقتدى به أبو بكر حيث حاول الخروج وحده إلى قتال مانعي الزكاة ومن عرف أن الأمر كله بيد الله وأنه لا يحدث شيء إلاّ بقضاء الله سهل عليه الفوت وكان بمعزل عن تقية الموت.
﴿ والله أشد بأساً ﴾ من قريش ﴿ وأشد تنكيلاً ﴾ تعذيباً لأن عذاب الله دائم وعذاب غيره غير دائم، وعذاب غير الله يخلصه الله عنه وعذاب الله لا يقدر أحد على تخليصه منه، وعذاب غير الله يكون من وجه واحد وعذاب الله يصل إلى جميع الأبعاض والأجزاء ويشمل الروح والجسم فهذا طرف من الفرق والله أعلم بكنه عذابه ونعوذ بالله من عقابه.
قوله : ﴿ من يشفع شفاعة حسنة ﴾ وجه نظمه يعرف من تفسيره وذلك أنه قيل: المراد منه تحريض النبي إياهم على الجهاد، لأنه إذا كان يأمرهم بالغزو فقد جعل نفسه شفيعاً لهم في تحصيل الأغراض المتعلقة بالجهاد.
وأيضاً التحريض وهو الحث على سبيل الرفق والتلطف والتهديد جار مجرى الشفاعة.
وقيل: كان بعض المنافقين يشفع لمنافق آخر في أن يأذن له الرسول في التخلف عن الجهاد، وكان بعض المؤمنين يشفع لمؤمن آخر عند مؤمن ثالث أن يحصل له عدّة الجهاد فنزلت.
ونقل الواحدي عن ابن عباس أن الشفاعة الحسنة ههنا هي ان يشفع إيمانه بالله بقتال الكفار، والشفاعة السيئة أن يشفع كفره بالله بمحبة الكفار وترك إيذائهم.
وقال مقاتل: الشفاعة إلى الله إنما هي دعوة الله المسلم لما روي عن النبي : " "من دعا لأخيه المسلم بظهر الغيب استجيب له وقال له الملك ولك مثل ذلك" " فذلك النصيب والدعوة على المسلم بضد ذلك.
وقال الحسن ومجاهد والكلبي وابن زيد: هي مطلق الشفاعة والحسنة منها هي التي بها روعي حق مسلم ودفع بها عنه شر أو جلب إليه خير وابتغى بها وجه الله ولم يؤخذ عليها رشوة كانت في أمر حائز لا في حد من حدود الله ولا في إبطال حق من الحقوق، والسيئة ما كان بخلاف ذلك، وعلى هذا فوجه النظم أن التحريض على الجهاد بعث على الفعل الحسن وأنه نوع شفاعة كما مر في القول / الأول.
وعن مسروق أنه شفع شفاعة فأهدى إليه المشفوع له جارية فغضب وردها وقال: لو علمت ما في قلبك لما تكلمت في حاجتك ولا أتكلم فيما بقي منها.
قال أهل اللغة: الكفل أيضاً النصيب فهل لاختلاف اللفظين فائدة؟
فأجيب بأن الكفل اسم للنصيب الذي يكون عليه اعتماد الإنسان ومنه يقال "كفل البعير واكتفله" إذا أدار حول سنامه كساء وركب.
والكفيل الضامن لأن الغريم اعتمد عليه.
والتقدير من يشفع شفاعة سيئة يكن له منها نصيب يعتمد عليه ويكون له ذخيرة في معاشه ومعاده والغرض التهكم وحصول ضد ذلك مثل: ﴿ فبشرهم بعذاب أليم ﴾ ﴿ وكان الله على كل شيء مقيتاً ﴾ أي مقتدراً وحفيظاً.
واشتقاقه من القوت لأنه يمسك النفس ويحفظها.
والغرض أنه قادر على كل المقدورات حفيظ لجميع المعلومات فيجازي كل شافع بما يليق بحاله، ثم لما أمر المؤمنين بالجهاد أمرهم أيضاً بأن الأعداء لو رضوا بالمسالمة أو ألقوا في المبارزة بالسلم فقابلوهم بالإكرام وأيضاً السلام دعاء بالسلامة والدعاء نوع من الشفاعة والتحية تفعلة من الحياة ويجيء الناقص من باب التفعيل على "تفعلة" مثل: تسلية وتعزية.
لكنه أدغم ههنا لاجتماع المثلين.
وكانت العرب تقول عند التلاقي حياك الله.
دعاء له بالحياة فأبدل الله ذلك بالسلام، ولعمري إن هذا أحسن لأن الحياة إن لم تكن مقرونة بالسلامة لم يعتد بها بل لعل الموت خير منها، ولأن السلام اسم من اسماء الله فالابتداء به أولى، ولأن دفع الضرر أهم من جلب النفع وقد سلم الله عليك يا مؤمن في اثني عشر موضعاً في الأزل ولهذا سمى نفسه بالسلام، وعلى لسان نوح: ﴿ يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك ﴾ والمراد أمة محمد عليك على لسان جبريل: ﴿ تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر سلام ﴾ قال المفسرون إنه خاف على أمته أن يصيروا مثل أمة موسى وعيسى فقال الله : لا تهتم بذلك فإني وإن أخرجتك من الدنيا إلاّ إني جعلت جبرائيل خليفة لك ينزل إلى أمتك كل ليلة قدر ويبلغهم السلام مني.
وسلم عليك على لسان موسى: ﴿ والسلام على من اتبع الهدى ﴾ وسلم عليك على لسان محمد : ﴿ قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى ﴾ وأمر محمداً بالسلام عليك: ﴿ وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم ﴾ وأمر المؤمنين بالسلام: ﴿ وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها ﴾ وسلم عليك على لسان ملك الموت: ﴿ الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ﴾ قيل: إن ملك الموت يسلم في أذن المسلم: السلام يقرئك السلام ويقول: أجبني فإني مشتاق إليك واشتاقت الجنات والحور العين إليك، فإذا سمع المؤمن البشارة يقول لملك الموت: لا هدية أعز من روحي فاقبض روحي هدية لك.
وسلم عليك من الأرواح الطاهرة: ﴿ وأما إن كان من أصحاب اليمين فسلام لك من أصحاب اليمين ﴾ وسلم عليك على لسان خزنة الجنة: ﴿ وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين ﴾ وسلم عليك على لسان الملائكة في الجنة: ﴿ والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم ﴾ وسلم عليك على لسان أهل الجنة: ﴿ تحيتهم يوم يلقونه سلام ﴾ وسلم عليك إلى الأبد: ﴿ سلام قولاً من رب رحيم ﴾ ولما أراد إكرام يحيى وعده بالسلام في مواطن ثلاثة هي أشد الأوقات حاجة إلى السلام فقال: ﴿ وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حياً ﴾ ولما ذكر تعظيم محمد قال: ﴿ إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً ﴾ {الأحزاب:56] وعن عبد الله بن سلام قال: لما سمعت بقدوم رسول الله دخلت في غمار الناس فأول ما سمعت عنه: " يا أيها الناس أفشوا السلام وأطعموا الطعام وصلوا الأرحام وصلّوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام " وكانت تحية النصارى وضع اليد على الفم، وتحية اليهود الإشارة بالأصابع، وتحية المجوس الانحناء، وتحية الجاهلية "حياك الله"، وتحيتهم للملوك "أنعم صباحاً" فشتان ما بين تحياتهم وتحيتنا "السلام عليك ورحمة الله وبركاته" وفي هذا دليل على أن هذا الدين أشرف الأديان وأكملها.
ومما يدل على فضيلة السلام عقلاً أن الوعد بالنفع قد يقدر الإنسان على الوفاء به وقد لا يقدر، وأما الوعد بترك الضرر فإنه يقدر عليه لا محالة والسلام يدل عليه فهو أفضل أنواع التحية.
قال بعض العلماء: فمن دخل بيتاً وجب عليه أن يسلم على الحاضرين لقوله : ﴿ فإذا دخلتم بيوتاً فسلموا على أنفسكم ﴾ وقال : "أفشوا السلام" والأمر للوجوب، ولأن السلام بشارة بالسلامة وإزالة الضرر وهو واجب لقوله: " "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده" ولأنه من شعائر الإسلام وإظهار شعائر الإسلام واجب.
وعن ابن عباس والنخعي وأكثر العلماء أن السلام سنة.
وأما الجواب فواجب بالإجماع لأن ترك الجواب إهانة والإهانة ضرر والضرر حرام ولقوله : ﴿ وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها ﴾ وظاهر الأمر الوجوب وعن ابن عباس: ما من / رجل يمر على قوم مسلمين فيسلم عليهم ولا يردون عليه إلاّ نزع عنهم روح القدس وردت عليه الملائكة.
قال العلماء: الأحسن أن يزيد في جواب السلام والرحمة، وإن ذكر في الابتداء السلام والرحمة زاد في جوابه البركة، وإن ذكر المجموع أعادها فقط فإن منتهى الأمر في السلام أن يقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
لأن هذا القدر هو الوارد في التشهد.
وروي "أن رجلاً قال لرسول الله : السلام عليك يا رسول الله.
فقال: وعليك السلام ورحمة الله، وقال آخر: السلام عليك ورحمة الله.
فقال: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته.
وجاء ثالث وقال السلام عليك ورحمة الله وبركاته.
فقال: وعليك فقال: نقصتني فأين قول الله: ﴿ فحيوا بأحسن منها ﴾ فقال: إنك لم تترك لي فضلاً فرددت عليك مثله" .
فقوله : ﴿ أو ردوها ﴾ أي أجيبوها بمثلها، ورد السلام كرّه ورجعة إما إشارة إلى هذه الصورة وإما إلى التخيير بين الزيادة وتركها، ورد الجواب فرض على الكفاية إذا قام به بعض سقط عن الباقين.
والأولى أن يقوم به الكل إكثاراً للإكرام، والأحسن أن يدخل حرف العطف فيقول: وعليكم السلام.
وهو واجب على الفور بقدر ما يعهد بين الإيجاب والقبول في العقود فإن أخر عن ذلك كان ابتداء سلام لا جواباً وإذا ورد عليه سلام في كتاب فجوابه بالكتابة أيضاً واجب لقوله: ﴿ وإذا حييتم بتحية فحيوا ﴾ ومن قال لآخر أقرىء فلاناً عني السلام وجب عليه أن يفعل.
قال العلماء: المبتدىء يقول السلام عليكم والمجيب يقول: وعليكم السلام ليقع الابتداء والاختتام بذكر الله.
فإن خالف المبتدىء فليكن الاختتام بحاله.
ويجوز "سلام عليكم" بل قالوا إنه أولى من المعرف لأن المنكر في القرآن أكثر، وإن المنكر ورد من الله والملائكة والمؤمنين، والمعرف ورد في تسليم الإنسان على نفسه، قال موسى: ﴿ والسلام على من اتبع الهدى ﴾ وقال عيسى: ﴿ والسلام عليّ يوم ولدت ﴾ وأيضاً المعرف يدل على أصل الماهية والمنكر على الماهية مع وصف الكمال.
ومن السنة أن يسلم الراكب لزيادة هيبته على الماشي، وراكب الفرس على راكب الحمار، والصغير على الكبير، والأقل على الأكثر احتراماً للجماعة، والقائم على القاعد لأنه الواصل إليه لأن القائم أهيب ومن السنة الجهر بالسلام لأنه أقوى في إدخال السرور في القلب.
ومنها الابتداء به إظهاراً للتواضع، ومنها الإفشاء والتعميم لأن التخصيص إيحاش، والمصافحة عند السلام عادة النبي : " إذا تصافح المسلمان تحاتت ذنوبهما كما يتحات ورق الشجر " ومن استقبله رجل واحد فليقل: سلام عليكم وليقصد الرجل والملكين لأنه إذا سلم عليهما ردا السلام عليه، ومن سلم الملك عليه فقد سلم من عذاب / الله، ومن دخل بيتاً خالياً فليسلم ويكون كأنه سلام من الله على نفسه، أو سلام على من فيه من مؤمني الجن، أو طلب السلامة ببركة اسم السلام ممن في البيت من الشياطين والمؤذيات.
ولو قال: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين كان حسناً، ومن السنة أن يكون المبتدىء بالسلام على الطهارة وكذا المجيب.
روي أن واحداً سلم على رسول الله وهو في قضاء الحاجة فقام وتيمم ثم رد الجواب.
وإذا دخل يوم الجمعة والإمام يخطب فلا ينبغي أن يسلم لاشتغال الناس بالاستماع، فإن سلم ورد بعضهم فلا بأس، ولو اقتصروا على الإشارة كان أحسن.
ومن دخل الحمام فرأى الناس متزرين سلم عليهم فإن لم يكونوا مترزين لم يسلم عليهم.
والأولى ترك السلام على القارىء كيلا يقطع عليه باشتغاله بالجواب، وكذا القول فيمن كان مشتغلاً برواية الحديث ومذاكرة العلم أو بالأذان أو الإقامة.
ولا يسلم على المشغول بالأكل هكذا أطلق وحمله بعضهم على ما إذا كانت اللقمة في فيه.
ولا يسلم على قاضي الحاجة قال أبو يوسف: ولا على لاعب النرد ولا على المغني ومطير الحمام وكل من كان مشتغلاً بنوع معصية، ولا مانع من السلام على من هو في مساومة أو معاملة.
وإذا دخل الرجل بيته سلم على امرأته فإن حضرت أجنبية هناك لم يسلم عليها، وإذا سلمت الأجنبية عليه وكان يخاف في رد الجواب عليها تهمة أو فتنة لم يجب الرد بل الأولى أن لا يفعل.
وحيث قلنا لا يسلم فلو سلم لم يجب عليها الرد لأنه أتى بفعل منهي عنه فكان وجوده كعدمه.
وروي عن النبي أنه قال: " لا يبتدأ اليهودي بالسلام " وعن أبي حنيفة أنه قال: لا تبتدئه بسلام في كتاب ولا في غيره.
وعن أبي يوسف: لا تسلم عليهم ولا تصافحهم وإذا دخلت فقل: السام على من اتبع الهدى.
ولا بأس في الدعاء له بما يصلحه في دنياه، ورخص بعض العلماء في ابتداء السلام عليهم إذا دعت إلى ذلك حاجة، أما إذا سلموا علينا فقال أكثر العلماء ينبغي أن نقول: وعليك لما روي أن اليهود تقول للمسلمين: السلام عليكم، وعن الحسن: يجوز أن يقول للكافر وعليك السلام ولا يقل: ورحمة الله.
لأنها استغفار.
وعن الشعبي أنه قال لنصراني سلم عليه عليك السلام ورحمة الله فقيل له في ذلك؟
فقال: أليس في رحمة الله يعيش؟
واعلم أن مذهب أبي حنيفة أن من وهب لغير ذي رحم محرم فله الرجوع فيها ما لم يثب منها، فإذا أثيب منها فلا رجوع له فيها.
وقال الشافعي: له الرجوع في حق الولد وليس له الرجوع في حق الأجنبي.
واحتج لأبي حنيفة بالآية وذلك أن التحية تشمل جميع أنواع الإكرام فتشمل الهبة ومقتضاها وجوب / الرد إذا لم يصر مقابلاً بالأحسن، فإذا لم يثبت الوجوب فلا أقل من الجواز، وقال الشافعي: هذا الأمر محمول على الندب بدليل أنه لو أثيب بما هو أقل منه سقطت مكنة الرد بالإجماع مع أن ظاهر الآية يقتضي أن يثاب بالأحسن.
ثم احتج الشافعي على قوله بما روي عن ابن عباس وابن عمر أن النبي قال: " لا يحل لرجل أن يعطي عطية أو يهب هبة فيرجع فيها إلاّ الوالد فيما يعطي ولده " ﴿ إن الله كان على كل شيء حسيباً ﴾ فيحاسبكم على محافظة حقوق التحية وغيرها، فكونوا على حذر من مخالفته.
ثم أكد الوعيد بقوله: ﴿ الله لا إله إلاّ هو ليجمعنكم ﴾ فالأول توحيد والثاني عدل كأنه يقول: من سلم عليكم وحياكم فاقبلوا سلامة وأكرموه وعاملوه بناء على الظاهر فإن البواطن إنما يعرفها الله الذي لا اله إلاّ هو، وإنما تنكشف بواطن الخلق للخلق في يوم القيامة الذي يجمع فيه الأولون والآخرون للجزاء والحساب.
وقوله: ﴿ لا إله إلاّ هو ﴾ إما خبر المبتدأ وإما اعتراض والخبر: ﴿ ليجمعنكم ﴾ والتقدير الله والله ليجمعنكم إلى يوم القيامة أي ليضمنكم إليه ويجمعن بينكم وبينه بأن يبعثكم فيه، والقيامة والقيام كالطلابة والطلاب وهي قيامهم من القبور أو قيامهم للحساب.
قال : ﴿ يوم يقوم الناس لرب العالمين ﴾ ﴿ ومن أصدق من الله حديثاً ﴾ استفهام على سبيل الإنكار، وذلك أن الصدق من صفات الكمال والكمال للواجب أولى وأحق وأقدم وأتم من غيره، والمعتزلة نفوا عنه الكذب بناء على أنه قبيح، ومن كذب لم يكذب إلاّ لأنه محتاج إلى أن يكذب لجر منفعة أو دفع مضرة، أو هو غني عنه إلاّ أنه يجهل غناه أو هو جاهل بقبحه، أو هو سفيه لا يفرق بين الصدق والكذب في إخباره ولا يبالي بأيهما نطق، وربما كان الكذب أحلى على حنكه من الصدق، وكل هذه الأمور من الحكيم قبيح يجب تنزيهه عنها، واعلم أن المسائل الأصولية قسمان منها ما العلم بصحة النبوة يحتاج إلى العلم بصحته كعلمنا بافتقار العالم إلى صانع عالم بكل المعلومات قادر على كل الممكنات، فهذا القسم يمتنع إثباته بالقرآن والخبر وإلاّ وقع الدور.
ومنها غير ذلك كإثبات الحشر والنشر فإنه يمكن إثباته بالقرآن والحديث فاعلم.
ثم عاد إلى حكاية أحوال المنافقين فقال: ﴿ فما لكم في المنافقين فئتين ﴾ وهو منصوب على الحال والعامل معنوي مثل: ما لك قائماً أي ما تصنع؟
وقيل: نصب على أنه خبر "كان" أي ما لكم كنتم في شأن المنافقين فئتين؟
استفهام على سبيل الإنكار أي لا تختلفوا في كفرهم، ولكن اقطعوا بنفاقهم فقد ظهرت دلائل ذلك وانكشفت جلية الحال.
وذلك أنها نزلت "في قوم من العرب أتوا رسول الله بالمدينة فأسلموا وأصابوا وباء المدينة وحماها فقالوا: يا رسول الله نريد أن نخرج إلى الصحراء فأذن لنا فيه فأذن لهم.
فلما خرجوا لم يزالوا يرحلون مرحلة مرحلة حتى لحقوا بالمشركين.
فتكلم المؤمنون فيهم فقال بعضهم: نافقوا.
وقال بعضهم: هم مسلمون.
فبين الله نفاقهم" .
وقال مجاهد وقتادة: هم قوم هاجروا من مكة ثم بدا لهم فرجعوا وكتبوا إنا على دينك وما أخرجنا إلا اجتواء المدينة والاشتياق إلى بلدنا.
وعن زيد بن ثابت: هم الذين تخلفوا يوم أحد وقالوا: لو نعلم قتالاً لاتبعناكم.
وطعن بعضهم في هذا القول بأن نسق الكلام وهو قوله: ﴿ حتى يهاجروا في سبيل الله ﴾ يأباه إذ الهجرة تكون من مكة إلى المدينة.
وعن عكرمة: هم قوم أخذوا أموال المشركين وانطلقوا بها إلى اليمامة.
وقيل: هم العرنيون الذين أغاروا على السرح وقتلوا يساراً مولى النبي .
وقال ابن زيد: نزلت في أهل الإفك.
قال الحسن: سماهم المنافقين وإن أظهروا الكفر باعتبار حالهم التي كانوا عليها.
﴿ والله أركسهم ﴾ الركس والإركاس رد الشيء مقلوباً.
ويقال للرفث الركس لأنه رد إلى حالة خسيسة وهي حال النجاسة ويسمى رجيعاً أيضاً لذلك والمراد ردهم إلى أحكام الكفار من الذل والصغار والسبي والقتل ﴿ بما كسبوا ﴾ أي ما أظهروا من الارتداد بعدما كانوا على النفاق ﴿ ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلاً ﴾ لأن المخلوق لا يقدر على تبديل خلق الخالق وعلى خلاف مقتضى إرادته ومشيئته.
وهذا ظاهر في المقصود.
والمعتزلة يقولون: قوله: ﴿ أركسهم بما كسبوا ﴾ أي بسبب كسبهم وفعلهم ينفي القول بأن ضلالهم حصل بخلق الله فإذن المراد من إضلال الله حكمه بضلالهم كما يقال: فلان يكفر فلاناً أي ينسبه إلى الكفر ويحكم عليه بذلك.
أو المراد إضلالهم عن طريق الجنة وهو مفسر بمنع الألطاف.
ثم ذكر أنهم بالغوا في الكفر إلى أن تمنوا أن تصيروا كفاراً فكيف تطمعون في إيمانهم وهو قوله: ﴿ ودّوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء ﴾ أي في الكفر.
والمراد فتكونون أنتم وهم سواء إلاّ أنه اكتفى بذكر المخاطبين عن ذكر غيرهم لتقدم ذكرهم.
وقوله: ﴿ فتكونون ﴾ عطف على ﴿ تكفرون ﴾ .
﴿ فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا ﴾ أي حتى يضموا إلى إيمانهم المهاجرة الصحيحة المعتمدة وهي الهجرة في سبيل الله لا لغرض من الأغراض الفانية مثل قوله : " "أنا بريء من كل مسلم قام بين أظهر المشركين وأنا بريء من كل مسلم مع مشرك " وكانت الهجرة واجبة إلى أن فتحت مكة.
عن ابن عباس قال: قال رسول الله يوم فتح مكة "لا هجرة / بعد الفتح ولكن جهاد ونية" .
وعن الحسن: إن حكم الآية ثابت في كل من أقام في دار الحرب فرأى فرض الهجرة إلى دار الإسلام قائماً.
قال المحققون: الهجرة في سبيل الله تشمل الانتقال من دار الكفر إلى دار الإيمان، والانتقال من أعمال الكفار إلى أعمال المسلمين بل هذا أقدم وأهم لقوله : " المهاجر من هجر ما نهى الله عنه " ﴿ فإن تولوا ﴾ عن الإيمان المظاهر بالهجرة الصحيحة فحكمهم حكم سائر المشركين ﴿ فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم ﴾ في الحل أو في الحرم ﴿ ولا تتخذوا منهم ﴾ في هذه الحالة ﴿ ولياً ﴾ يتولى شيئاً من مهماتكم ﴿ ولا نصيراًً ﴾ ينصركم على أعدائكم بل جانبوهم مجانبة كلية.
ثم لما أمر بقتل هؤلاء الكفار استثنى عنه موضعين: الأول ﴿ إلا الذين يصلون ﴾ أي ينتهون ويتصلون ﴿ إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق ﴾ والمعنى أن من دخل في عهد من كان داخلاً في عهدكم فهم أيضاً داخلون في عهدكم.
قال القفال: وقد يدخل في الآية أن يقصد قوم حضرة الرسول فيتعذر عليهم ذلك المطلوب فيلتجئوا إلى قوم بينهم وبين المسلمين عهد إلى أن يجدوا السبيل إليه.
والقوم هم الأسلميون وذلك أنه وادع وقت خروجه إلى مكة هلال بن عويمر الأسلمي على أن لا يعينه ولا يعين عليه، وعلى أن من وصل إلى هلال ولجأ إليه فله من الجوار مثل الذي لهلال.
وقال ابن عباس: هم بنو بكر بن زيد مناة كانوا في الصلح.
وقال مقاتل: هم خزاعة وخزيمة.
وههنا نكتة وهي أنه رفع السيف عمن التجأ إلى الكفار المصالحين فلان يدفع النار عمن التجأ إلى محبة الله ومحبة رسوله كان أولى.
وعن أبي عبيدة: المراد بالوصلة الانتساب.
يقال: وصلت إلى فلان واتصلت به إذا انتهيت إليه.
وأعترض عليه بأن أهل مكة أكثرهم كانوا متصلين بالرسول من جهة النسب مع أنه كان قد أباح دم الكفار منهم.
الاستثناء الثاني قوله: ﴿ أو جاؤكم ﴾ وفي العطف وجهان: أحدهما أن يكون معطوفاً على صفة قوم والمعنى إلا الذين يصلون إلى قوم معاهدين أو إلى قوم جاؤوكم ممسكين عن القتال لا لكم ولا عليكم.
وثانيهما العطف على صلة الذين كأنه قيل: الذين يتصلون بالمعاهد أو إلى الذين لا يقاتلونكم وهذا أنسب بقوله في صفتهم ﴿ فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم ﴾ إلى آخر الآية.
إذ بين أن كفهم عن القتال سبب استحقاقهم لنفي التعرض لهم بالاستقلال لا بواسطة الاتصال.
ومعنى ﴿ حصرت صدورهم ﴾ ضاقت.
والحصر الضيق والانقباض وهو في موضع الحال بإضمار "قد" بدلالة قراءة من قرأ / ﴿ حصرة ﴾ .
وجعله المبرد صفة لموصوف محذوف منصوب على الحال أي جاؤوكم قوماً حصرت.
وقيل: هو بيان لجاؤوكم.
وقوله: ﴿ أن يقاتلوكم ﴾ أي عن أن يقاتلوكم.
ثم هؤلاء الجاؤون من الكفار أو من المؤمنين قال الجمهور: هم من الكفار بنو مدلج جاءوا رسول الله غير مقاتلين.
وعلى هذا يلزم النسخ لأن الكافر وإن ترك القتال جاز قتله، وقال أبو مسلم: إنه لما أوجب الهجرة على كل من أسلم استثنى من له عذر وهما طائفتان: إحداهما الذين قصدوا الرسول للهجرة والنصرة إلاّ أنه كان في طريقهم كفار غالبون فصاروا إلى قوم بينهم وبين المسلمين عهد وأقاموا عندهم إلى أن يمكنهم الخلاص.
والثانية من صار إلى الرسول ولا يقاتل الرسول ولا أصحابه لأنه يخاف الله فيه، ولا يقاتل الكفار أيضاً لأنهم أقاربه أو لأنه بقي أولاده وأزواجه بينهم فيخاف لو قاتلهم أن يقتلوا أولاده وأصحابه.
فهذان الفريقان من المشركين لا يحل قتالهم وإن كان لم يوجد منهم الهجرة ومقاتلة الكفار، وعلى هذا فمعنى قوله: ﴿ ولو شاء الله لسلطهم عليكم ﴾ أي لو شاء لقوّى قلوبهم ليدفعوا عن أنفسهم إن أقدمتم على مقاتلتهم على سبيل الظلم.
وعلى الأول معناه أن ضيق صدورهم عن قتالكم لأن الله قذف الرعب في قلوبهم، ولو قوّى قلوبهم لتسلطوا عليكم ولقاتلوكم وهو جواب "لو" على التكرير أو البدل.
قال الكعبي: إنه أخبر أنه لو شاء لفعل وهذا ينبىء عن القدرة على الظلم وهو صحيح عندنا ولا يدل على أنه فعل الظلم وأراده والنزاع فيه ﴿ فإن اعتزلوكم ﴾ أي فإن لم يتعرضوا لكم ﴿ وألقوا إليكم السلم ﴾ أي الانقياد والاستسلام ﴿ فما جعل الله لكم عليهم سبيلاً ﴾ فما أذن لكم في أخذهم وقتلهم ﴿ ستجدون آخرين ﴾ هم قوم من أسد وغطفان كانوا إذا أتوا المدينة أسلموا وعاهدوا ليأمنوا المسلمين فإذا رجعوا إلى قومهم كفروا ونكثوا عهودهم ﴿ كلما ردوا إل الفتنة ﴾ كلما دعاهم قومهم إلى قتال المسلمين ﴿ أركسوا فيها ﴾ أي ردوا مقلوبين منكوسين فيها.
وهذه استعارة لشدة إصرارهم على الكفر وعداوة المسلمين، لأن من وقع في حفر منكوساً تعذر خروجه ﴿ فإن لم يعتزلوكم ويلقوا ﴾ أي ولم يلقوا ولم يكفوا ﴿ فخذوهم واقتلوهم حيث ثقفتموهم ﴾ حيث تمكنتم منهم.
قال الأكثرون: وفيه دليل على أنهم إذا اعتزلوا قتالنا وطلبوا الصلح منا وكفوا أيديهم عن إيذائنا لم يجز لنا قتالهم ولا قتلهم.
وهذا مبني على أن المعلق بكلمة "إن" على الشرط يعدم عند الشرط.
أما قوله: ﴿ سلطاناً ﴾ فمعناه حجة واضحة لانكشاف حالهم في الكفر والغدر، أو تسلط ظاهر حيث أذنا لكم في قتلهم.
قوله - عز وجل -: ﴿ إِلاَّ ٱلَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَىٰ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ ﴾ .
قال بعضهم: استثنى الذين خرجوا من دار الهجرة مرتدين إلى قومهم، وكان بينهم وبين المؤمنين عهد وميثاق، وقال: وفيهم نزل قوله - -: ﴿ إِلاَّ ٱلَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ﴾ كأنه قال - والله أعلم -: إن وصل هؤلاء إلى أولئك الذين بينكم وبينهم عهد وميثاق - فلا تقاتلوهم.
وقيل: كان هذا في حي من العرب بينهم وبين رسول الله أمان وعهد، وكانت الموادعة على أن من أتاهم من المسلمين فهو آمن، ومن جاء منهم إلى المؤمنين فهو آمن، يقول - والله أعلم -: إن وصل هؤلاء أو غيرهم إلى أهل عهدهم - أو قال: عهدكم - فإن لهم مثل الذي لأولئك من العهد وترك القتال.
وعن ابن عباس - - قال: لما صد مشركو مكة نبي الله عن البيت - جاء رجل - يقال كذا من بعض القبائل - لينظر ما أمر محمد وقريش؛ فرآهم قد حالوا بين رسول الله وبين البيت، فقال: يا معشر قريش، [هلكتم]؛ أتردُّون قوماً عمار ضفروا رءوسهم عن البيت، والله لا نشرككم في هذا؛ فصالح رسول الله ووادعه ألا يكونوا مع رسول الله ولا يكونوا عليه، ومن لجأ إليه فهو آمن.
فلا ندري كيف كانت القصة في ذلك، غير أن فيه دليلا أن من اتصل بأهل العهد وكان على رأيهم - فهو بمنزلتهم، لا نقاتلهم.
ومن قولنا: إن الإمام إذا وادع أهل بلدة من بلدان أهل الحرب، فمن دخل فيها أو اتصل بهم فهم آمنون مثلهم؛ لا يحل قتالهم، ولا أسرهم، حتى ينبذ إليهم عهدهم، وإذا أمَّن قوماً منهم في دار الإسلام ووادعهم، ثم انضم إليهم آخرون، فدخلوا معهم دار الإسلام - له قتالهم وأسرهم.
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَوْ جَآءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ ﴾ .
قيل: أي: ضيقة صدورهم، وهكذا قال الكسائي: كل من ضاق صدره عن فعل أو كلام؛ [فقد حصر]، فهذا - والله أعلم - ما ذكرنا: أن الموادعة ألا يعين بعضهم بعضاً في القتال، ولا يعينوا عليهم عدوهم، فنهاهم الله عن قتالهم؛ لما أخبر أن قلوبهم تضيق على أن يقاتلوكم مع قومهم أو أن يقاتلوا قومهم معكم.
وفي قوله - - أيضاً: ﴿ أَوْ جَآءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ ﴾ يحتمل: أن يكون حكم هذا الحرف ما ضَمَّنه الحرف الأول؛ فيكون ذلك الشيء عمن ذكرت إذا كان هذا صفته - أن يضيق صدره عن مقاتلة المؤمنين والكافرين جميعاً: إما بالطبع، أو بوفاء العهد، أو بالنظر في الأمر؛ ليتبين له الحق، وهو متردد في الأمر؛ بما يجد المعروفين بالكتب التي احتج بها الرسول مختلفين فيه على ما عقولهم مرتقب بهم، أو تخلف عن الإحاطة بحق الحق إلا بعد طول النظر، والله أعلم؛ فيكون معنى قوله: ﴿ أَوْ جَآءُوكُمْ ﴾ بمعنى: وجاءوكم.
ويحتمل: في قوم سوى ما ذكرت من الذين يصلون، لكن في أولئك المعاهدين نفسه الذين أبت أنفسهم نقض العهد بينهم وبين المؤمنين، وعزموا على الوفاء به، وأبت أنفسهم - أيضاً - معونة المؤمنين على قومهم بالموافقة بالمذهب والدين، وعلى ذلك وصف جميع المعاهدين الذين عزموا على الوفاء بالعهد، وذلك في حق الآيات التي ذكرنا، ثم بين الذين يناقضون العهد، أو المنافقين الذين متى سئلوا عن الكون على رسول الله والعون لأعدائه - الأمر فيهم؛ وذلك كقوله : ﴿ يٰأَهْلَ يَثْرِبَ لاَ مُقَامَ لَكُمْ ﴾ .
إلى قوله: ﴿ وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِّنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُواْ ٱلْفِتْنَةَ لآتَوْهَا ﴾ وتكون هذا الآية فيهم؛ كقوله - -: ﴿ لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ ٱلْمُنَافِقُونَ...
﴾ الأية [الأحزاب: 60]؛ فيكون في هذه الآية الإذن، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ ﴾ .
أي: نزع من قلوبهم الرعب والخوف؛ فقاتلوكم، ولم يطلبوا منكم الصلح والموادعة.
﴿ فَإِنِ ٱعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْاْ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلَمَ ﴾ .
يعني: طلبوا الصلح، وهو قول ابن عباس، .
وقيل: قالوا: إنا على دينكم، وأظهروا الإسلام.
﴿ فَمَا جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً ﴾ .
أي: حجة وسلطان القتال، أمر الله رسوله بالكف عن هؤلاء.
ثم قال: ﴿ سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُواْ قَوْمَهُمْ...
﴾ الآية.
قيل: كان رجال تكلموا بالإسلام متعوذين؛ ليأمنوا في المسلمين إذا لقوهم، ويأمنوا في قومهم بكفرهم؛ فأمر الله بقتالهم، إلا أن يعتزلوا عن قتالهم.
وقيل: قوله - -: ﴿ سَتَجِدُونَ آخَرِينَ ﴾ غيرهم ممن لا يفي لكم ما كان بينكم وبينهم من العهد.
﴿ يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ ﴾ يقول: يريدون أن يأمنوا فيكم؛ فلا تتعرضوا لهم، ويأمنوا في قومهم بكفرهم؛ فلا يتعرضوا لهم.
ثم أخبر - عز وجل - عن صنيعهم وحالهم، فقال: ﴿ كُلَّ مَا رُدُّوۤاْ إِلَى ٱلْفِتْنِةِ ﴾ .
يعني: الشرك.
﴿ أُرْكِسُواْ فِيِهَا ﴾ أي: كلما دُعوا إلى الشرك فرجعوا فيها، فهؤلاء أمر الله رسوله بقتالهم، وعرفه صفتهم، إن لم يعتزلوا ولم يكفوا أيديهم عن قتالكم.
﴿ فَخُذُوهُمْ وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُوْلَـٰئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَاناً مُّبِيناً ﴾ .
أي: جعلنا لكم عليهم سلطان القتل وحجته.
[و] في حرف ابن مسعود - -: "ويكفوا أيديكم عن أن يقاتلوكم" وفي حرفه: "ركسوا فيها".
وفي حرف حفصة: "ركسوا فيها" وفي حرفها: "إن يقاتلوكم ويقاتلوا قومهم".
ثم يحتمل نسخ هذه الآية بقوله: ﴿ وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ ﴾ .
وقوله - -: ﴿ فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوۤاْ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلَمَ ﴾ بقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ ﴾ ؛ [لأن الفرض في القتال أول ما كان فرض أنه يقاتل من قاتلنا وبدأنا، ثم إن الله - - قال: ﴿ فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَٱحْصُرُوهُمْ ﴾ ] [التوبة: 5].
<div class="verse-tafsir"
إلا من وصل منهم إلى قوم بينكم وبينهم عقد مؤكد على ترك القتال، أو من جاؤوكم وقد ضاقت صدورهم فلا يريدون قتالكم ولا قتال قومهم، ولو شاء الله لمكنهم منكم فقاتلوكم، فاقبلوا من الله عافيته، ولا تتعرضوا لهم بقتل ولا أسر، فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم، وانقادوا إليكم مصالحين تاركين قتالكم، فما جعل الله لكم عليهم طريقًا بقتلهم أو أسرهم.
<div class="verse-tafsir" id="91.rXPok"
الفاء في قوله تعالى ﴿ فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ ﴾ تشعر بارتباط الآية بما قبلها، وزعم بعضهم أن الفاء للاستئناف وهذا لا معنى له، وإنما يخترع الجاهل تعليلات ومعاني لما لا يفهمه فالآية مرتبطة بما قبلها أشد الارتباط إذ الكلام السابق كان في أحكام القتال حتى ما ورد في الشفاعة الحسنة والسيئة، وقد ختمه بقوله: ﴿ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ﴾ إلخ، أي لا إله غيره يخشى ويخاف أو يرجى فتترك تلك الأحكام لأجله، ثم جاء بهذه الآيات موصولة بما قبلها بالفاء وهي تفيد تفريع الاستفهام الإنكاري فيها على ما قبله، أي إذا كان الله تعالى قد أمركم بالقتال في سبيله وتوعد المبطئين عنه والذين تمنوا تأخير كتابته عليهم، وإذا كان لا إله غيره فيترك أمره وطاعته لأجله -فما لكم تترددون في أمر المنافقين وتنقسمون فيهم إلى فئتين.
والمنافقون هنا غير من نزلت فيهم آيات البقرة وسورة المنافقين وأمثالهن من الآيات، المراد بالمنافقين هنا فريق من المشركين كانوا يظهرون المودة للمسلمين والولاء لهم وهم كاذبون فيما يظهرون، ضلعهم مع أمثالهم من المشركين، ويحتاطون في إظهار الولاء للمسلمين إذا رأوا منهم قوة، فإذا ظهر لهم ضعفهم انقلبوا عليهم وأظهروا لهم العداوة.
فكان المؤمنون فيهم على قسمين منهم من يرى أن يعدوا من الأولياء ويستعان بهم على سائر المشركين المحادين لهم جهرًا، ومنهم من يرى أن يعاملوا كما يعامل غيرهم من المجاهرين بالعداوة ممن لا ينافق، فأنكر الله عليهم ذلك وقال: ﴿ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا ﴾ : أي كيف تتفرقون في شأنهم والحال أن الله تعالى أركسهم وصرفهم عن الحق الذي أنتم عليه بما كسبوا من أعمال الشرك والمعاصي حتى أنهم لا ينظرون فيه نظر إنصاف وغنما ينظرون إليكم وما أنتم عليه نظر الأعداء المبطلين ويتربصون بكم الدوائر.
﴿ فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ ﴾ أي حتى يؤمنوا ويهاجروا، وكانت الهجرة لازمة للإيمان لزومًا مطردًا، فلذلك استغنى بذكرها عن ذكره إيجازًا.
<div class="verse-tafsir"