الآية ٩١ من سورة النساء

الإسلام > القرآن > سور > سورة 4 النساء > الآية ٩١ من سورة النساء

سَتَجِدُونَ ءَاخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا۟ قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوٓا۟ إِلَى ٱلْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا۟ فِيهَا ۚ فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوٓا۟ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلَمَ وَيَكُفُّوٓا۟ أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ ۚ وَأُو۟لَـٰٓئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَـٰنًۭا مُّبِينًۭا ٩١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 86 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٩١ من سورة النساء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٩١ من سورة النساء عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( ستجدون آخرين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم [ كلما ردوا إلى الفتنة أركسوا فيها ] ) الآية ، هؤلاء في الصورة الظاهرة كمن تقدمهم ، ولكن نية هؤلاء غير نية أولئك ، فإن هؤلاء منافقون يظهرون للنبي صلى الله عليه وسلم ولأصحابه الإسلام ; ليأمنوا بذلك عندهم على دمائهم وأموالهم وذراريهم ويصانعون الكفار في الباطن ، فيعبدون معهم ما يعبدون ، ليأمنوا بذلك عندهم ، وهم في الباطن مع أولئك ، كما قال تعالى : ( وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم [ إنما نحن مستهزئون ] ) [ البقرة : 14 ] وقال هاهنا : ( كلما ردوا إلى الفتنة أركسوا فيها ) أي : انهمكوا فيها .

وقال السدي : الفتنة هاهنا : الشرك .

وحكى ابن جرير ، عن مجاهد : أنها نزلت في قوم من أهل مكة ، كانوا يأتون النبي صلى الله عليه وسلم فيسلمون رياء ، ثم يرجعون إلى قريش فيرتكسون في الأوثان ، يبتغون بذلك أن يأمنوا هاهنا وهاهنا ، فأمر بقتالهم إن لم يعتزلوا ويصلحوا ; ولهذا قال تعالى : ( فإن لم يعتزلوكم ويلقوا إليكم السلم ويكفوا أيديهم ) أي : عن القتال ( فخذوهم واقتلوهم حيث ثقفتموهم ) أي : أين لقيتموهم ( وأولئكم جعلنا لكم عليهم سلطانا مبينا ) أي : بينا واضحا .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّمَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا قال أبو جعفر: وهؤلاء فريق آخر من المنافقين، كانوا يظهرون الإسلام لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ليأمنوا به عندهم من القتل والسباء وأخذ الأموال وهم كفار، يعلم ذلك منهم قومهم، إذا لقوهم كانوا معهم وعبدوا ما يعبدونه من دون الله، ليأمنوهم على أنفسهم وأموالهم ونسائهم وذراريهم.

يقول الله: " كلما ردوا إلى الفتنة أركسوا فيها "، يعني: كلما دعاهم [قومهم] إلى الشرك بالله، (47) ارتدُّوا فصاروا مشركين مثلهم.

* * * واختلف أهل التأويل في الذين عنوا بهذه الآية.

فقال بعضهم: هم ناس كانوا من أهل مكة أسلموا -على ما وصفهم الله به من التقيَّة- وهم كفار، ليأمنوا على أنفسهم وأموالهم وذراريهم ونسائهم.

يقول الله: " كلما ردُّوا إلى الفتنة أركسوا فيها "، يعني كلما دعاهم [قومهم] إلى الشرك بالله، (48) ارتدوا فصاروا مشركين مثلهم، ليأمنوا عند هؤلاء وهؤلاء.

*ذكر من قال ذلك: 10078- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم "، قال: ناس كانوا يأتون النبي صلى الله عليه وسلم فيسلمون رياء، ثم يرجعون إلى قريش فيرتكسون في الأوثان، يبتغون بذلك أن يأمنوا ههنا وههنا.

فأمر بقتالهم إن لم يعتزلوا ويُصلحوا.

10079- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.

10080- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: " ستجدون آخرين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم كلما ردوا إلى الفتنة أركسوا فيها "، يقول: كلما أرادوا أن يخرجوا من فتنة أركسوا فيها.

وذلك أن الرجل كان يوجد قد تكلم بالإسلام، فيقرَّب إلى العُود والحجَر وإلى العقرب والخنفساء، فيقول المشركون لذلك المتكلِّم بالإسلام: " قل: هذا ربي"، للخنفساء والعقرب.

* * * وقال آخرون: بل هم قوم من أهل الشرك كانوا طلبوا الأمان من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ليأمنوا عنده وعند أصحابه وعند المشركين.

*ذكر من قال ذلك: 10081- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " ستجدون آخرين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم "، قال: حيٌّ كانوا بتهامة، قالوا: " يا نبيّ الله، لا نقاتلك ولا نقاتل قومنا "، وأرادوا أن يأمنوا نبيَّ الله ويأمنوا قومهم، فأبى الله ذلك عليهم، فقال: " كلما ردوا إلى الفتنة أركسوا فيها "، يقول: كلما عرض لهم بلاء هلكوا فيه.

* * * وقال آخرون: نـزلت هذه الآية في نعيم بن مسعود الأشجعي.

*ذكر من قال ذلك: 10082- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: ثم ذكر نعيم بن مسعود الأشجعي وكان يأمن في المسلمين والمشركين، ينقل الحديث بين النبي صلى الله عليه وسلم والمشركين، فقال: " ستجدون آخرين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم كلما ردوا إلى الفتنة "، يقول: إلى الشرك.

* * * وأما تأويل قوله: " كلما ردوا إلى الفتنة أركسوا فيها "، فإنه كما:- 10083- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، عن أبي العالية في قوله: " كلما ردّوا إلى الفتنة أركسوا فيها "، قال: كلما ابتلُوا بها، عَمُوا فيها.

10084- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: كلما عرَض لهم بلاء، هلكوا فيه.

* * * والقول في ذلك ما قد بينت قبلُ، وذلك أن " الفتنة " في كلام العرب، الاختبار، و " الإركاس " الرجوع.

(49) .

* * * فتأويل الكلام: كلما ردوا إلى الاختبار ليرجعوا إلى الكفر والشرك، رجعوا إليه.

* * * القول في تأويل قوله : فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا (91) قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: فإن لم يعتزلكم، (50) أيها المؤمنون، هؤلاء الذين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم، وهم كلما دعوا إلى الشرك أجابوا إليه =" ويلقوا إليكم السلم "، ولم يستسلموا إليكم فيعطوكم المقادَ ويصالحوكم، (51) .

كما:- 10085- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: " فإن لم يعتزلوكم ويلقوا إليكم السلم "، قال: الصلح.

* * * =" ويكفوا أيديهم "، يقول: ويكفوا أيديهم عن قتالكم، (52) =" فخذوهم واقتلوهم حيث ثقفتموهم "، يقول جل ثناؤه: إن لم يفعلوا، فخذوهم أين أصبتموهم من الأرض ولقيتموهم فيها، (53) فاقتلوهم، فإن دماءهم لكم حينئذ حلال=" وأولئكم جعلنا لكم عليهم سلطانًا مبينًا "، يقول جل ثناؤه: وهؤلاء الذين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم، وهم على ما هم عليه من الكفران، ولم يعتزلوكم ويلقوا إليكم السلم ويكفوا أيديهم، (54) جعلنا لكم حجة في قتلهم أينما لقيتموهم، بمقامهم على كفرهم، وتركهم هجرة دار الشرك=" مبينًا " يعني: أنها تبين عن استحقاقهم ذلك منكم، وإصابتكم الحق في قتلهم.

وذلك قوله: " سلطانًا مبينًا "، و " السلطان " هو الحجة، (55) .

كما:- 10086- حدثني المثنى قال، حدثنا قبيصة قال، حدثنا سفيان، عن رجل، عن عكرمة قال: ما كان في القرآن من " سلطان "، فهو: حجّة.

10087- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي قوله: " سلطانًا مبينًا " أما " السلطان المبين "، فهو الحجة.

* * * --------------- الهوامش : (35) انظر تفسير"الميثاق" فيما سلف: 8 : 127 تعليق: 1 ، والمراجع هناك.

(36) الأثر: 10071 - انظر الأثرين السالفين: 10052 ، 10053.

(37) هو أبو عبيدة في مجاز القرآن 1: 136 ، وفي المطبوع من مجاز القرآن تأخير وتقديم لم يمسسه بالتحرير ناشر الكتاب ، فليحرر مكانه.

(38) ديوانه: 59 ، ومجاز القرآن لأبي عبيدة 1: 136 والناسخ والمنسوخ: 109 واللسان (وصل) ، وغيرهما.

وفي اللسان"لبكر بن وائل" ، وفسرها"اتصلت": انتسبت.

وفسرها شارح شعر الأعشى: إذا دعت ، يعني دعت بدعوى الجاهلية ، وهو الاعتزاء.

وهذا البيت آخر بيت في قصيدة الأعشى تلك.

يقول: تدعى إليهم وتنتسب ، وهي من إمائهم اللواتي سبين وقد رغمت أنوفهن وأنوف رجالهن الذي كانوا يدافعون عنهن ، ثم انهزموا عنهن وتركوهن للسباء.

(39) في المخطوطة والمطبوعة: "فإن أهل التأويل أجمعوا على أن ذلك نسخ قراءة نزلت بعد فتح مكة ودخول قريش في الإسلام" ، وهو خطأ لا معنى له ، وخلط فاحش.

واستظهرت أن ما كتبته هو الصواب وأنه عنى"سورة براءة" ، من الناسخ والمنسوخ: 109 ، ومن تفسير أبي حيان 3: 315 ، وتفسير القرطبي 5: 308 ، وقد نسبوه جميعًا إلى الطبري أيضا.

(40) انظر تفسير"الحصر" فيما سلف 6: 376 ، 377 وانظر مجاز القرآن لأبي عبيدة 1: 136 ، ومعاني القرآن للفراء 1: 282.

(41) هذه مقالة الفراء في معاني القرآن 1: 282 .

و"ذات التنانير": أرض بين الكوفة وبلاد غطفان ، وقال ياقوت في معجمه: "عقبة بحذاء زبالة".

(42) في المطبوعة: "وأشبه الأسماء" ، وما في المخطوطة صواب ، يعني وأشبهت الأفعال الماضية الأسماء.

(43) انظر معاني القرآن للفراء 1: 282.

(44) السياق: ولو شاء الله لسلط هؤلاء ...

عليكم".

(45) انظر تفسير"الإسلام" أيضًا فيما سلف من فهارس اللغة"سلم".

(46) ديوانه: 145 ، من قصيدته التي هجا بها الفرزدق وبيوت بني دارم وبني سعد فقال قبله: وَدَارِمٌ قــد قَذَفْنَــا مِنْهُــمُ مِئَــةً فِـي جَـاحِمِ النَّـارِ، إِذْ يُلْقَوْنَ فِي الخُدَدِ يَـنْزُونَ بالْمُشْـتَوَى مِنْهَـا، ويُوقِدُهَـا عَمْـرٌو، وَلَـوْلا لُحُـومُ الْقَـوْمِ لَمْ تَقِدِ وَذَاكَ أنَّ تَمِيمًــــــا ............

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

فزعم أن عمرو بن المنذر اللخمي ، أحرق بني دارم رهط الفرزدق ، قال أبو عبيدة: ولم يكن للطرماح بهذا الحديث علم.

يعني حديث يوم أوارة ، وهو يوم غزا عمرو بن المنذر بني دارم ، فقتل منهم تسعة وتسعين رجلا.

و"الأسد" يعني عمرو بن المنذر ومن معه.

و"الحصان" المرأة العفيفة.

وكان في المطبوعة والمخطوطة: "كل مصان وعثه اللبد" وهو خطأ لا معنى له.

وامرأة"وعثة": كثيرة اللحم ، كأن الأصابع تسوخ فيها من كثرة لحمها ولينها."وامرأة وعثه الأرداف" ، كذلك.

و"اللبد" جمع لبدة (بكسر فسكون): وهي كساء ملبس يفرش للجلوس عليه.

وعنى بذلك أنها وعثة الأرداف ، حيث تجلس على اللبد.

فسمي الأرداف لبدًا.

يقول: أسلمت تميم نساءها لنا ولجيش عمرو بن المنذر ، وفروا عن أعراضهم ، لم يلفتهم إليهن ضعفهن عن الدفع عن أنفسهن ، وأنساهم الروع كرائم نسائهم ومترفاتهن.

(47) الزيادة بين القوسين لا بد منها لسياق الكلام.

(48) الزيادة بين القوسين لا بد منها لسياق الكلام.

(49) انظر"تفسير الفتنة" فيما سلف 2: 444 / 3 : 565 ، 566 ، 570 ، 571 / 4: 301 / 6 : 196 ، 197= وانظر تفسير"الإركاس" فيما سلف ص: 7 ، 15 ، 16.

(50) في المطبوعة والمخطوطة: "فإن لم يعتزلوكم" ، والسياق يقتضي ما أثبت.

(51) انظر تفسير"ألقوا السلم" فيما سلف ص23 ، 24.

(52) انظر تفسير"الكف" فيما سلف 8: 548.

(53) انظر تفسير"ثقف" فيما سلف 3 : 564.

(54) في المطبوعة والمخطوطة: "لم يعتزلوكم" ، بإسقاط الواو ، والأصح إثباتها.

(55) انظر تفسير"السلطان" فيما سلف 7: 279 = وتفسير"المبين" فيما سلف 8: 124 تعليق: 1 ، والمراجع هناك.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله : ستجدون آخرين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم كلما ردوا إلى الفتنة أركسوا فيها فإن لم يعتزلوكم ويلقوا إليكم السلم ويكفوا أيديهم فخذوهم واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأولئكم جعلنا لكم عليهم سلطانا مبيناقوله تعالى : ستجدون آخرين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم معناها معنى الآية الأولى .

قال قتادة : نزلت في قوم من تهامة طلبوا الأمان من النبي صلى الله عليه وسلم ليأمنوا عنده وعند قومهم .[ ص: 268 ] مجاهد : هي في قوم من أهل مكة .

وقال السدي : نزلت في نعيم بن مسعود كان يأمن المسلمين والمشركين .

وقال الحسن : هذا في قوم من المنافقين .

وقيل : نزلت في أسد وغطفان قدموا المدينة فأسلموا ثم رجعوا إلى ديارهم فأظهروا الكفر .قوله تعالى : كلما ردوا إلى الفتنة أركسوا فيها قرأ يحيى بن وثاب والأعمش " ردوا " بكسر الراء ؛ لأن الأصل " رددوا " فأدغم وقلبت الكسرة على الراء .

إلى الفتنة أي الكفر أركسوا فيها .

وقيل : أي ستجدون من يظهر لكم الصلح ليأمنوكم ، وإذا سنحت لهم فتنة كان مع أهلها عليكم .

ومعنى أركسوا فيها أي انتكسوا عن عهدهم الذين عاهدوا .

وقيل : أي إذا دعوا إلى الشرك رجعوا وعادوا إليه .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

الفرقة الثالثة: قوم يريدون مصلحة أنفسهم بقطع النظر عن احترامكم، وهم الذين قال الله فيهم: { سَتَجِدُونَ آخَرِينَ } أي: من هؤلاء المنافقين.

{ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ } أي: خوفا منكم { وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّمَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا } أي: لا يزالون مقيمين على كفرهم ونفاقهم، وكلما عرض لهم عارض من عوارض الفتن أعماهم ونكسهم على رءوسهم، وازداد كفرهم ونفاقهم، وهؤلاء في الصورة كالفرقة الثانية، وفي الحقيقة مخالفة لها.

فإن الفرقة الثانية تركوا قتال المؤمنين احترامًا لهم لا خوفا على أنفسهم، وأما هذه الفرقة فتركوه خوفا لا احتراما، بل لو وجدوا فرصة في قتال المؤمنين، فإنهم مستعدون لانتهازها، فهؤلاء إن لم يتبين منهم ويتضح اتضاحًا عظيمًا اعتزال المؤمنين وترك قتالهم، فإنهم يقاتلون، ولهذا قال: { فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ } أي: المسالمة والموادعة { وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا } أي: حجة بينة واضحة، لكونهم معتدين ظالمين لكم تاركين للمسالمة، فلا يلوموا إلا أنفسهم.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( ستجدون آخرين ) قال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما : هم أسد وغطفان كانوا حاضري المدينة تكلموا بالإسلام رياء وهم غير مسلمين ، وكان الرجل منهم يقول له قومه بماذا أسلمت؟

فيقول آمنت بهذا القرد وبهذا العقرب والخنفساء ، وإذا لقوا أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا : إنا على دينكم ، يريدون بذلك الأمن في الفريقين .

وقال الضحاك عن ابن عباس هم بنو عبد الدار كانوا بهذه الصفة ، ( يريدون أن يأمنوكم ) فلا تتعرضوا لهم ، ( ويأمنوا قومهم ) فلا يتعرضوا لهم ، ( كلما ردوا إلى الفتنة ) أي : دعوا إلى الشرك ، ( أركسوا فيها ) أي : رجعوا وعادوا إلى الشرك ، ( فإن لم يعتزلوكم ) أي : فإن لم يكفوا عن قتالكم حتى تسيروا إلى مكة ، ( ويلقوا إليكم السلم ) أي : المفاداة والصلح ، ( ويكفوا أيديهم ) ولم يقبضوا أيديهم عن قتالكم ، ( فخذوهم ) أسراء ، ( واقتلوهم حيث ثقفتموهم ) أي : وجدتموهم ، ( وأولئكم ) أي : أهل هذه الصفة ، ( جعلنا لكم عليهم سلطانا مبينا ) أي : [ حجة بينة ظاهرة بالقتل والقتال ] .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ستجدون آخرين يريدون أن يأمنوكم» بإظهار الإيمان عندكم «ويأمنوا قومهم» بالكفر إذا رجعوا إليهم وهم أسد وغطفان «كلما رُدُّوا إلى الفتنة» دعوا إلى الشرك «أركسوا فيها» وقعوا أشد وقوع «فإن لم يعتزلوكم» بترك قتالكم «و» لم «يلقوا إليكم السَّلم و» لم «يكفوا أيديهم» عنكم «فخذوهم» بالأسر «واقتلوهم حيث ثقفتموهم» وجدتموهم «وأولئكم جعلنا لكم عليهم سلطانا مبينا» برهانا بينا ظاهرً على قتلهم وسبيهم لغدرهم.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ستجدون قومًا آخرين من المنافقين يودون الاطمئنان على أنفسهم من جانبكم، فيظهرون لكم الإيمان، ويودون الاطمئنان على أنفسهم من جانب قومهم الكافرين، فيظهرون لهم الكفر، كلما أعيدوا إلى موطن الكفر والكافرين، وقعوا في أسوأ حال.

فهؤلاء إن لم ينصرفوا عنكم، ويقدموا إليكم الاستسلام التام، ويمنعوا أنفسهم عن قتالكم فخذوهم بقوة واقتلوهم أينما كانوا، وأولئك الذين بلغوا في هذا المسلك السيِّئ حدّاً يميزهم عمَّن عداهم، فهم الذين جعلنا لكم الحجة البينة على قتلهم وأسرهم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - صنفا آخر غير هؤلاء المسالمين ، وهم قوم من المنافقين المخادعين ، الذين لا يضمرون للمؤمنين إلا شرا ، ولا يمدون أيديهم إلى أهل الحق إلا بالسوء فقال - تعالى - : ( سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُواْ قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا ردوا إِلَى الفتنة أُرْكِسُواْ فِيِهَا ) .أى : ستجدون - أيها المؤمنون - قوما من المنافقين آخرين غير الذين وصفتهم لكم ، ( يُرِيدُونَ ) بإظهارهم للإِسلام ( أَن يَأْمَنُوكُمْ ) على أنفسهم ، ويريدون بإظهارهم للكفر ( أَن يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُواْ قَوْمَهُمْ ) من الأذى ، ومن صفات هؤلاء المخادعين أنهم ( كُلَّ مَا ردوا إِلَى الفتنة أُرْكِسُواْ فِيِهَا ) أى : كلما دعوا إلى الردة وإلى العصبية البغيضة وقعوا فيها أشنع وقوع ، وزجعوا إليها منكوسين على رءوسهم .قال ابن جرير : عن مجاهد قال : هم ناس كانوا يأتون النبى صلى الله عليه وسلم فيسلمون رياء ثم يرجعون إلى قريش فيرتكسون فى الأوثان .

يبتغون بذلك أن يأمنا ههنا وههنا ، فأمر بقتالهم إن لم يعتزلوا ويصلحوا .ثم بين - سبحانه - ما يجب على المؤمنين نحو هؤلاء المنافقين المخادعين فقال : ( فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ ويلقوا إِلَيْكُمُ السلم ويكفوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ واقتلوهم حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وأولئكم جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَاناً مُّبِيناً ) .أى : أن هؤلاء المنافقين إن لم يعتزلوا قتالكم والتعرض لكم بسوء ، ويلقوا إليكم الأمان والانقياد ، ويمتنعوا عن العدوان عليكم ، إن لم يفعلوا ذلك فخذوهم أسرى ، واقتلوهم حيث ( ثَقِفْتُمُوهُمْ ) أى : وجدتموهم وظفرتم بهم .

يقال ثقفت الرجل فى الحرب اثقفه ، إذا أدركته وظفرت به وقوله ( وأولئكم جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَاناً مُّبِيناً ) أى أولئك الذين وصفتهم لكم جعل الله لكم حجة واضحة فى أخذهم وقتلهم ، بسبب ظهور عداوتهم ، وانكشاف غدرهم ، وتذبذبهم بين الإِسلام والكفر تبعا لشهوات نفوسهم المريضة .هذا ، والمتأمل فى هذه الآيات الأربعة الاكريمة يراها قد رسمت للمؤمنين كيف تكون علاقتهم بغيرهم من المنافقين والمشركين .فهى تأمرهم - أولا - بأن يقفوا من المنافقين الذين أركسهم الله بما كسبوا صفا واحدا ورأيا واحدا ، فلا يدافعون عنهم ولا يحسنون الظن بهم ، ولا يولونهم ولا يستعينون بهم ، حتى يهاجروا فى سبيل الله ، فإن امتنعوا عن الهجرة حل أخذهم وقتلهم .وتأمرهم - ثانياً - بأن يسالموا - إلى حين - قوما التجأوا إلى قوم بينهم وبين المسلمين عهد وأمان ، وأن يسالموا كذلك أولئك الذين يأتون إليهم وهم يكرهون قتالهم أو قتال قومهم ، وأظهروا الانقياد والاستسلام للمؤمنين .وتأمرهم - ثالثا - بأن يأخذوا ويقتلوا أولئك المتلاعبين بالعقيدة والدين ولذين بلغ بهم الغدر والخداع أنهم إذا قدموا المدينة أظهروا الإِسلام ، فإذا ما عادوا إلى مكة أو إلى قومهم أظهروا الكفر ، وكانوا مع قومهم ضد المسلمين .وإنها لتوجيهات حكيمة تبصر المؤمنين بما يجب عليهم نحو غيرهم من الناس الذين يخالفونهم فى عقيدتهم .وبعد هذا الحديث الحكيم الذى بين الله - تعالى - فيه أحوال المنافقين ، وصفاتهم الذميمة ، وموقف المؤمنين ممن يخالفونهم فى العقيدة ، بعد كل ذلك أخذت السورة الكريمة فى بيان حكم القتل الخطأ ، وحكم القتل العمد فقال - تعالى - : ( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ .

.

.

عَذَاباً عَظِيماً ) .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

قال المفسرون: هم قوم من أسد وغطفان، كانوا اذا أتوا المدينة أسلموا وعاهدوا، وغرضهم أن يأمنوا المسلمين، فاذا رجعوا إلى قومهم كفروا ونكثوا عهودهم ﴿ كُلَّمَا رُدُّواْ إِلَى الفتنة ﴾ كلما دعاهم قومهم إلى قتال المسلمين ﴿ أُرْكِسُواْ فِيِهَا ﴾ أي ردوا مغلوبين منكوسين فيها، وهذا استعارة لشدة إصرارهم على الكفر وعداوة المسلمين لأن من وقع في شيء منكوسا يتعذر خروجه منه.

ثم قال تعالى: ﴿ فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُواْ إِلَيْكُمُ السلم وَيَكُفُّواْ أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ واقتلوهم حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ ﴾ .

والمعنى: فإن لم يعتزلوا قتالكم ولم يطلبوا الصلح منكم ولم يكفوا أيديهم فخذوهم واقتلوهم حيث ثقفتموهم.

قال الأكثرون: وهذا يدل على أنهم اذا اعتزلوا قتالنا وطلبوا الصلح منا وكفوا أيديهم عن إيذائنا لم يجز لنا قتالهم ولا قتلهم، ونظيره قوله تعالى: ﴿ لاَّ ينهاكم الله عَنِ الذين لَمْ يقاتلوكم فِي الدين وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مّن دياركم أَن تَبَرُّوهُمْ  ﴾ وقوله: ﴿ وقاتلوا فِي سَبِيلِ الله الذين يقاتلونكم  ﴾ فخص الأمر بالقتال لمن يقاتلنا دون من لم يقاتلنا.

واعلم أن هذا الكلام مبني على أن المعلق بكلمة إن على الشرط عدم عند عدم الشرط، وقد شرحنا الحال فيه في قوله تعالى: ﴿ إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَائِرَ مَا تُنهَوْنَ عَنْهُ  ﴾ .

ثم قال: ﴿ وَأُوْلَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سلطانا ﴾ .

وفي السلطان المبين وجهان: الأول: أنه ظهر على جواز قتل هؤلاء حجة واضحة ظاهرة، وهي ظهور عداوتهم وانكشاف حالهم في الكفر والغدر، وإضرارهم بأهل الاسلام.

الثاني: أن السلطان المبين هو إذن الله تعالى للمسلمين في قتل هؤلاء الكفار.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ فَتَكُونُونَ ﴾ عطف على ﴿ تَكْفُرُونِ ﴾ ولو نصب على جواب التمني لجاز.

والمعنى: ودّوا كفركم فكونكم معهم شرعاً واحداً فيما هم عليه من الضلال واتباع دين الآباء.

فلا تتولوهم وإن آمنوا حتى يظاهروا إيمانهم بهجرة صحيحة هي لله ورسوله لا لغرض من أغراض الدنيا مستقيمة ليس بعدها بداء ولا تعرّب.

﴿ فَإِن تَوَلَّوْاْ ﴾ عن الإيمان المظاهر بالهجرة الصحيحة المستقيمة، فحكمهم حكم سائر المشركين يقتلون حيث وجدوا في الحلّ والحرم، وجانبوهم مجانبة كلية، وإن بذلوا لكم الولاية والنصرة فلا تقبلوا منهم ﴿ إِلاَّ الذين يَصِلُونَ ﴾ استثناء من قوله: ﴿ فَخُذُوهُمْ واقتلوهم ﴾ ومعنى ﴿ يَصِلُونَ إلى قَوْمٍ ﴾ ينتهون إليهم ويتصلون بهم.

وعن أبي عبيدة: هو من الانتساب.

وصلت إلى فلان واتصلت به إذا انتميت إليه.

وقيل: إن الانتساب لا أثر له في منع القتال، فقد قاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم بمن معه من هو من أنسابهم، والقوم هم الأسلميون، كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد، وذلك أنه وادع وقت خروجه إلى مكة هلال بن عويمر الأسلمي على أن لا يعينه ولا يعين عليه، وعلى أنّ من وصل إلى هلال ولجأ إليه فله من الجوار مثل الذي لهلال.

وقيل: القوم بنو بكر بن زيد مناة كانوا في الصلح ﴿ أَوْ جَآءوكُمْ ﴾ لا يخلو من أن يكون معطوفاً على صفة قوم، كأنه قيل: إلا الذين يصلون إلى قوم معاهدين، أو قوم ممسكين عن القتال لا لكم ولا عليكم، أو على صلة الذين، كأنه قيل: إلا الذين يتصلون بالمعاهدين، أو الذين لا يقاتلونكم والوجه العطف على الصلة لقوله: ﴿ فَإِنِ اعتزلوكم فَلَمْ يقاتلوكم وَأَلْقَوْاْ إِلَيْكُمُ السلم فَمَا جَعَلَ الله لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً ﴾ بعد قوله: ﴿ فَخُذُوهُمْ واقتلوهم حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ ﴾ فقرّر أن كفهم عن القتال أحد سببي استحقاقهم لنفي التعرض عنهم وترك الإيقاع بهم.

فإن قلت: كل واحد من الاتصالين له تأثير في صحة الاستثناء، واستحقاق إزالة التعرّض الاتصال بالمعاهدين والاتصال بالمكافين، لأنّ الاتصال بهؤلاء أو هؤلاء دخول في حكمهم، فهلا جوزت أن يكون العطف على صفة قوم، ويكون قوله: ﴿ فَإِنِ اعتزلوكم ﴾ تقريراً لحكم اتصالهم بالمكافين واختلاطهم بهم وجريهم على سننهم؟

قلت: هو جائز، ولكن الأول أظهر وأجرى على أسلوب الكلام.

وفي قراءة أبيّ: ﴿ بينكم وبينهم ميثاق جاؤكم حصرت صدورهم ﴾ ، بغير أو ووجهه أن يكون (جاؤكم) بياناً ليصلون، أو بدلاً أو استئنافاً، أو صفة بعد صفة لقوم.

حصرت صدورهم في موضع الحال بإضمار قد.

والدليل عليه قراءة من قرأ: ﴿ حصرة صدورهم ﴾ ، و ﴿ حصرات صدورهم ﴾ .

و ﴿ حاصرات صدورهم ﴾ .

وجعله المبرد صفة لموصوف محذوف على: أو جاؤكم قوماً حصرت صدورهم.

وقيل: هو بيان لجاؤكم، وهم بنو مدلج جاؤوا رسول الله صلى الله عليه وسلم غير مقاتلين.

والحصر الضيق والانقباض ﴿ أن يقاتلوكم ﴾ عن أن يقاتلوكم.

أو كراهة أن يقاتلوكم.

فإن قلت: كيف يجوز أن يسلط الله الكفرة على المؤمنين؟

قلت: ما كانت مكافتهم إلا لقذف الله الرعب في قلوبهم، ولو شاء لمصلحة يراها من ابتلاء ونحوه لم يقذفه، فكانوا متسلطين مقاتلين غير مكافين، فذلك معنى التسليط.

وقرئ: ﴿ فلقتلوكم ﴾ ، بالتخفيف والتشديد ﴿ فَإِنِ اعتزلوكم ﴾ فإن لم يتعرضوا لكم ﴿ وَأَلْقَوْاْ إِلَيْكُمُ السلم ﴾ أي الانقياد والاستسلام.

وقرئ بسكون اللام مع فتح السين ﴿ فَمَا جَعَلَ الله لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً ﴾ فما أذن لكم في أخذهم وقتلهم ﴿ سَتَجِدُونَ ءاخَرِينَ ﴾ هم قوم من بني أسد وغطفان، كانوا إذا أتوا المدينة أسلموا وعاهدوا ليأمنوا المسلمين، فإذا رجعوا إلى قومهم كفروا ونكثوا عهودهم ﴿ كُلَّمَا رُدُّواْ إِلَى الفتنة ﴾ كلما دعاهم قومهم إلى قتال المسلمين ﴿ أُرْكِسُواْ فِيِهَا ﴾ قلبوا فيها أقبح قلب وأشنعه، وكانوا شراً فيها من كل عدوّ ﴿ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ ﴾ حيث تمكنتم منهم ﴿ سلطانا مُّبِيناً ﴾ حجة واضحة لظهور عداوتهم وانكشاف حالهم في الكفر والغدر، وإضرارهم بأهل الإسلام أو تسلطاً ظاهراً حيث أذنا لكم في قتلهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أنْ يَأْمَنُوكم ويَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ ﴾ هم أسَدُ وغَطَفانُ، وقِيلَ بَنُو عَبْدِ الدّارِ أتَوُا المَدِينَةَ وأظْهَرُوا الإسْلامَ لِيَأْمَنُوا المُسْلِمِينَ فَلَمّا رَجَعُوا كَفَرُوا.

﴿ كُلَّ ما رُدُّوا إلى الفِتْنَةِ ﴾ دَعَوْا إلى الكُفْرِ وإلى قِتالِ المُسْلِمِينَ.

﴿ أُرْكِسُوا فِيها ﴾ عادُوا إلَيْها وقَلَّبُوا فِيها أقْبَحَ قَلْبٍ.

﴿ فَإنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكم ويُلْقُوا إلَيْكُمُ السَّلَمَ ﴾ ويَنْبِذُوا إلَيْكُمُ العَهْدَ.

﴿ وَيَكُفُّوا أيْدِيَهُمْ ﴾ عَنْ قِتالِكم.

﴿ فَخُذُوهم واقْتُلُوهم حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ ﴾ حَيْثُ تَمَكَّنْتُمْ مِنهم فَإنَّ مُجَرَّدَ الكَفِّ لا يُوجِبُ نَفْيَ التَّعَرُّضِ.

﴿ وَأُولَئِكم جَعَلْنا لَكم عَلَيْهِمْ سُلْطانًا مُبِينًا ﴾ حُجَّةً واضِحَةً في التَّعَرُّضِ لَهم بِالقَتْلِ والسَّبْيِ لِظُهُورِ عَداوَتِهِمْ ووُضُوحِ كُفْرِهِمْ وغَدْرِهِمْ، أوْ تَسَلُّطًا ظاهِرًا حَيْثُ أذِنّا لَكم في قَتْلِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{ستجدون آخرين يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ} بالنفاق {وَيَأْمَنُواْ قَوْمَهُمْ} بالوفاق هم قوم من أسدو غطفان كانوا إذا أتو المدينة أسلموا وعاهدوا ليأمنوا المسلمين فإذا رجعوا إلى قومهم كفروا ونكثوا عهودهم {كُلَّ مَا رُدُّواْ إِلَى الفتنة} كلما دعاهم قومهم إلى قتال المسلمين {أُرْكِسُواْ فِيِهَا} قلبوا فيها أقبح قلب وأشنعه كانوا شراً فيها من كل عدو {فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ} فإن لم يعتزلوا قتالكم {وَيُلْقُواْ إِلَيْكُمُ السلم} عطف على لم يعتزلوكم أي ولم ينقادوا

النساء (٩١ _ ٩٢)

لكم بطلب الصلح {وَيَكُفُّواْ أَيْدِيَهُمْ} عطف عليه أيضاً أي ولم يمسكوا عن قتالكم {فَخُذُوهُمْ واقتلوهم حَيْثُ ثِقِفْتُمُوهُمْ} حيث تمكنتم منهم وظفرتم بهم {وَأُوْلَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سلطانا مُّبِيناً} حجة واضحة لظهور عداوتهم وانكشاف حالهم في الكفر والغدر وإضرارهم بالمسلمين أو تسلطاً ظاهراً حيث أذنا لكم فى قتلهم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أنْ يَأْمَنُوكم ويَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ ﴾ هم أُناسٌ كانُوا يَأْتُونَ النَّبِيَّ  فَيُسْلِمُونَ رِياءً، ثُمَّ يَرْجِعُونَ إلى قُرَيْشٍ فَيَرْتَكِسُونَ في الأوْثانِ، يَبْتَغُونَ بِذَلِكَ أنْ يَأْمَنُوا نَبِيَّ اللَّهِ تَعالى  ويَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ، فَأبى اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ، وقِيلَ: الآيَةُ في حَقِّ المُنافِقِينَ ﴿ كُلَّ ما رُدُّوا إلى الفِتْنَةِ ﴾ أيْ: دُعُوا إلى الشِّرْكِ - كَما رُوِيَ عَنِ السُّدِّيِّ - وقِيلَ: إلى قِتالِ المُسْلِمِينَ ﴿ أُرْكِسُوا فِيها ﴾ أيْ: قُلِّبُوا فِيها أقْبَحَ قَلْبٍ وأشْنَعَهُ.

يُرْوى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ الرَّجُلُ يَقُولُ لَهُ قَوْمُهُ: بِماذا آمَنتَ؟

بِهَذا القِرْدِ والعَقْرَبِ والخُنْفُساءِ ﴿ فَإنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ ﴾ بِالكَفِّ عَنِ التَّعَرُّضِ لَكم بِوَجْهٍ ما ﴿ ويُلْقُوا إلَيْكُمُ السَّلَمَ ﴾ أيْ: ولَمْ يُلْقُوا إلَيْكُمُ الصُّلْحَ والمُهادَنَةَ ﴿ ويَكُفُّوا أيْدِيَهُمْ ﴾ أيْ: ولَمْ يَكُفُّوا أنْفُسَهم عَنْ قِتالِكم.

﴿ فَخُذُوهم واقْتُلُوهم حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ ﴾ أيْ: وجَدْتُمُوهم وأصَبْتُمُوهُمْ، أوْ حَيْثُ تَمَكَّنْتُمْ مِنهُمْ، وعَنْ بَعْضِ المُحَقِّقِينَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُقابِلَةٌ لِلْآيَةِ الأُولى، وبَيْنَهُما تَقابُلٌ إمّا بِالإيجابِ والسَّلْبِ وإمّا بِالعَدَمِ والمَلَكَةِ؛ لِأنَّ إحْداهُما عَدَمِيَّةٌ والأُخْرى وُجُودِيَّةٌ، ولَيْسَ بَيْنَهُما تَقابُلُ التَّضادِّ ولاَ تَقابُلُ التَّضايُفِ؛ لِأنَّهُما عَلى ما قَرَّرُوا لا يُوجَدانِ إلّا بَيْنَ أمْرَيْنِ وُجُودِيَّيْنِ، فَقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ فَإنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ ﴾ مُقابِلٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَإنِ اعْتَزَلُوكُمْ ﴾ وقَوْلُهُ جَلَّ وعَلا: ﴿ ويُلْقُوا ﴾ مُقابِلٌ لِقَوْلِهِ عَزَّ شَأْنُهُ: ﴿ وألْقَوْا ﴾ وقَوْلُهُ جَلَّ جَلالُهُ: ﴿ ويَكُفُّوا ﴾ مُقابِلٌ لِقَوْلِهِ عَزَّ مِن قائِلٍ: ﴿ فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ ﴾ والواوُ لا تَقْتَضِي التَّرْتِيبَ، فالمُقَدَّمُ مُرَكَّبٌ مِن ثَلاثَةِ أجْزاءٍ في الآيَتَيْنِ، وهي في الآيَةِ الأُولى الِاعْتِزالُ وعَدَمُ القِتالِ وإلْقاءُ السَّلَمِ، فَبِهَذِهِ الأجْزاءِ تَمَّ الشَّرْطُ، وجَزاؤُهُ عَدَمُ التَّعَرُّضِ لَهم بِالأخْذِ والقَتْلِ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكم عَلَيْهِمْ سَبِيلا ﴾ وفي الآيَةِ الثّانِيَةِ عَدَمُ الِاعْتِزالِ وعَدَمُ إلْقاءِ السَّلَمِ وعَدَمُ الكَفِّ عَنِ القِتالِ، فَبِهَذِهِ الأجْزاءِ الثَّلاثَةِ تَمَّ الشَّرْطُ، وجَزاؤُهُ الأخْذُ والقَتْلُ المُصَرَّحُ بِهِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ فَخُذُوهم واقْتُلُوهُمْ).

﴾ ومِن هَذا يُعْلَمُ أنَّ (ويَكُفُّوا) بِمَعْنى (لَمْ يَكُفُّوا) عَطْفٌ عَلى المَنفِيِّ لا عَلى النَّفْيِ بِقَرِينَةِ سُقُوطِ النُّونِ الَّذِي هو عَلامَةُ الجَزْمِ، وعَطْفُهُ عَلى النَّفْيِ والجَزْمُ بِـ(أنِ) الشَّرْطِيَّةِ لا يَصِحُّ؛ لِأنَّهُ يَسْتَلْزِمُ التَّناقُضَ؛ لِأنَّ مَعْنى ﴿ فَإنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ ﴾ إنْ لَمْ يَكُفُّوا، وإذا عُطِفَ و(يَكُفُّوا) عَلى النَّفْيِ يَلْزَمُ اجْتِماعُ عَدَمِ الكَفِّ والكَفِّ، وكَلامُ اللَّهِ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنْهُ، وكَذا لا يَصِحُّ كَوْنُ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: و(يَكُفُّوا) جُمْلَةً حالِيَّةً، أوِ اسْتِئْنافِيَّةً بَيانِيَّةً، أوْ نَحْوِيَّةً، لِاسْتِلْزامِ كُلٍّ مِنهُما التَّناقُضَ، مَعَ أنَّهُ يَقْتَضِي ثُبُوتَ النُّونِ في (يَكُفُّوا) عَلى ما هو المَعْهُودُ في مِثْلِهِ، وأبُو حَيّانَ جَعَلَ الجَزاءَ في الأوَّلِ مُرَتَّبًا عَلى شَيْئَيْنِ، وفي الثّانِيَةِ عَلى ثَلاثَةٍ، والسِّرُّ في ذَلِكَ الإشارَةُ إلى مَزِيدِ خَباثَةِ هَؤُلاءِ الآخَرِينَ، وكَلامُ العَلّامَةِ البَيْضاوِيِّ - بَيَّضَ اللَّهُ تَعالى غُرَّةَ أحْوالِهِ - في هَذا المَقامِ لا يَخْلُو عَنْ تَعْقِيدٍ، ورُبَّما لا يُوجَدُ لَهُ مَحْمَلٌ صَحِيحٌ إلّا بَعْدَ عِنايَةٍ وتَكَلُّفٍ، فَتَأمَّلْ جِدًّا ﴿ وأُولَئِكُمْ ﴾ المَوْصُوفُونَ بِما ذُكِرَ مِنَ الصِّفاتِ الشَّنِيعَةِ.

﴿ جَعَلْنا لَكم عَلَيْهِمْ سُلْطانًا مُبِينًا ﴾ أيْ: حُجَّةً واضِحَةً فِيما أمَرْناكم بِهِ في حَقِّهِمْ لِظُهُورِ عَداوَتِهِمْ ووُضُوحِ كُفْرِهِمْ وخَباثَتِهِمْ، أوْ تَسَلُّطًا لا خَفاءَ فِيهِ حَيْثُ أذِنّا لَكم في أخْذِهِمْ وقَتْلِهِمْ

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ نزلت في تسعة نفر ارتدوا عن الإسلام، فخرجوا من أموالهم.

ويقال: كان قوم من المنافقين بمكة، خرجوا إلى الشام، فاختلف المسلمون في أمرهم، فبيّن الله تعالى للمسلمين نفاقهم، فقال تعالى: فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ يعني صرتم في المنافقين فئتين، أي فريقين تختصمون في أمرهم وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا أي أذلهم.

ويقال: أهلكهم.

ويقال: أركسهم أي ردهم إلى كفرهم.

ويقال: ركست الشيء وأركسته إذا رددته إلى الحال الأول.

ثم قال تعالى: أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ يعني: أترشدون إلى الهدى من أضله الله وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ عن الهدى فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا يعني ديناً.

ويقال: مخرجاً.

ثم قال تعالى: وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ أي ترجعون عن هجرتكم كَما كَفَرُوا أي كما رجعوا فَتَكُونُونَ أنتم وهم على الكفر سَواءً ومن هذا يقال في المثل: إن من أحرق يوماً كدسه يتمنى حرق أكداس الأمم.

فكذلك الكفار كانوا يتمنون أن يكون الناس كلهم كفاراً، حتى يحترقوا معهم.

قال الله تعالى: فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِياءَ في الدين والنصرة حَتَّى يُهاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ حتى يتوبوا ويرجعوا إلى دار الهجرة بالمدينة فَإِنْ تَوَلَّوْا يعني: أبوا الهجرة فَخُذُوهُمْ يعني: فأسروهم وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ يعني: أين وجدتموهم من الأرض وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً في العون.

ثم استثنى الذين كان بينهم وبين المسلمين عهد فقال: إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ وهم خزاعة، وبنو مدلج، وبنو خزيمة، وهلال بن عويمر الأسلمي وأصحابه، صالحهم رسول الله  على أن كل من أتاهم من المسلمين فهو آمن، ومن جاء منهم إلى النبيّ  فهو آمن.

وفي هذه الآية إثبات الموادعة بين أهل الحرب وأهل الإسلام، إذا كانت في الموادعة مصلحة للمسلمين.

ثم قال تعالى: أَوْ جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أي ضاقت قلوبهم أَنْ يُقاتِلُوكُمْ من قبل العهد أَوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ معكم من قبل القرابة.

ثم قال تعالى: وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقاتَلُوكُمْ ذكر منته على المؤمنين أنه يدفع عنهم البلاء ومنعهم عن قتالهم، ثم قال تعالى فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ في القتال فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ أي الصلح، معناه أنهم لو ثبتوا على صلحهم فلا تقاتلوهم، فذلك قوله: فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا أي حجة وسلطاناً في قتالهم.

ثم قال عز وجل: سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ وهم أسد وغطفان، كانوا إذا أتوا إلى النبيّ  يقولون: آمنا بك.

وإذا رجعوا إلى قومهم قالوا: آمنا بالعقرب والخنفساء.

يقول: إنهم لم يريدوا بذلك تصديق النبيّ  ، وإنما أرادوا به الاستهزاء.

وقال مجاهد: هم ناس من أهل مكة، كانوا يأتون النبيّ  ويسلمون رياء، ثم يرجعون إلى قريش فيرتكسون بالأوثان، ويريدون أن يأمنوا هاهنا وهاهنا.

فذلك قوله تعالى: كُلَّما رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ يقول: كلما دعوا إلى الشرك أُرْكِسُوا فِيها يقول: عادوا إليه ودخلوا فيه فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ في القتال وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ أي لم يلقوا إليكم الصلح وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ عن قتالكم، يعني إن لم يكفوا أيديهم فَخُذُوهُمْ يعني أسروهم وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ يعني: حيث أدركتموهم ووجدتموهم وَأُولئِكُمْ يعني أهل هذه الصفة جَعَلْنا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطاناً يعني: حجة مُبِيناً أي حجة مبينة في القتال.

وقوله تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله تعالى: سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ ...

الآية: لما وصَفَ اللَّه سبحانه المحقِّقين في المْتَارَكَة وإلقاءِ السَّلَم، نَبَّهَ على طائفةٍ مخادِعَةٍ كانوا يريدُونَ الإقامَةَ في مَوَاضِعِهِمْ مع أهليهم، يقُولُونَ لهم: نَحْنُ معكم وعلى دينَكُمْ، ويقولُونَ أيضاً للمسلمين: نَحْنُ معَكُمْ، وعلى دينكم خَبْثَةً منهم وخَديعَةً، وقوله: إِلَى الْفِتْنَةِ:

معناه: إلى الاِختبارِ، حُكِيَ أنهم كانُوا يَرْجِعُون إلى قومهم، فيقالُ لأحدِهِمْ: قل: رَبِّيَ الخُنْفُسَاءُ، رَبِّيَ العودُ، رَبِّيَ العَقْرَبُ، ونحوه، فيقولُهَا، ومعنى: أُرْكِسُوا: أيْ: رَجَعوا رَجْعَ ضلالةٍ، أي: أُهْلِكُوا في الإختبار بما واقَعُوهُ من الكُفْر، وهذه الآيةُ حَضٌّ على قتل هؤلاءِ المخادعين إذا لم يرجعوا عن حالهم، وثَقِفْتُمُوهُمْ: مأخوذٌ من الثِّقَافِ، أي:

ظَفرتُمْ بهم، مَغْلوبينَ متمكَّناً منْهم، والسُّلطانُ: الحُجَّة، قال عكرمةُ: حيثما وقع السلطانُ في كتابِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ، فهو الحجّة «١» .

وقوله تعالى: وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً ...

الآية: قال جمهورُ المفسِّرين: معنى الآية: وما كان في إذْنِ اللَّه، وفي أمره للمؤمن أن يَقْتُلَ مؤمناً بوَجْهٍ، ثم استثنَى استثناء/ منقطعاً ليس من الأول، وهو الذي تكُونُ فيه «إلاَّ» بمعنى «لَكِنْ» ، والتقديرُ: لَكِنِ الخطأُ قدْ يَقَعُ، ويتَّجِهُ في معنى الآيةِ وَجْهٌ آخر، وهو أنْ تقدَّر «كَانَ» بمعنى «استقر» ، و «وُجِدَ» كأنه قال: وما وُجِدَ، ولا تقرَّر، ولا سَاغَ لمؤْمِنٍ أنْ يقتُلَ مؤمناً إلا خطأً إذ هو مغلوبٌ فيه، فيجيءُ الإستثناءُ على هذا متَّصلاً، وتتضمَّن الآية على هذا إعْظَامَ العَمْد، وبَشَاعَةَ شأنه.

وقوله تعالى: وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً ...

الآية: حقيقةُ الخَطَإ ألاَّ يقصده بالقَتْلِ، ووجوهُ الخَطَإ كثيرةٌ لا تحصى، يربطها عدم القصد.

قال ابنُ عَبَّاس وغيره: الرَّقَبَةُ المؤمنةُ: هي الكَبِيرَةُ الَّتي قَدْ صَلَّتْ وعَقَلَتِ الإيمان «١» ، وقالَتْ جماعة، منهم مالكُ بْنُ أنَسٍ: يجزىءُ كُلُّ مَنْ يُحْكَم له بحُكْم الإسلام في الصلاة عليه، إنْ مات «٢» ، قال مالك: ومَنْ صلى وصَامَ أحَبُّ إلَيَّ، ولا يجزىءُ ذو العَيْب الكثير كأقطع اليَدَيْنِ، أو الرجْلَيْن، أو الأعمى إجماعاً فيما علمت، ومُسَلَّمَةٌ: معناه: مؤَدَّاة مدفوعةٌ، وهي على العاقلةِ فيما جاوز ثلث الدية، وإِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا: يريدُ: أولياءَ القَتِيلِ، وقوله: فَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ ...

الآية: أيْ: وإنْ كان هذا المقتولُ خطأً مؤمناً قَدْ آمَنَ، وبَقِيَ في قَوْمِهِ، وهم كَفَرَةٌ عدُوٌّ لكم، فلا ديةَ فيه، وإنما كفَّارته تحريرُ الرَّقَبة قاله ابنُ عَبَّاس «٣» وغيره، وسقَطَتِ الديةُ عندهم لوجهين:

أحدهما: أنَّ أولياء المقتولِ كُفَّار، فلا يصحُّ دفع الديةِ إلَيْهم.

والآخر: قلَّة حُرْمَة هذا المقتولِ، فلا دِيَةَ فيه.

واحتجّوا بقوله تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهاجِرُوا [الأنفال: ٧٢] .

وقالت فرقةٌ: بل الوجْهُ في سقوط الدِّية أنَّ الأولياء كُفَّار فقطْ، وسواءٌ قُتِلَ بين أظْهُر المسلمين، أو بَيْن قومه الكُفَّار لأنه لا يصحُّ دفعها إلى الكفَّار.

قال ع «٤» : وقائِلُ المقالة الأولى يقول: إن قُتِلَ المؤمنُ في بَلَدِ المسلمينَ، وقومُهُ حَرْبٌ، ففيه الديةُ لبَيْتِ المالِ والكَفَّارة.

وقوله تعالى: وَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ ...

الآية: قال ابنُ عَبَّاس وغيره: المقتولُ من أهل العَهْدِ خطأً لا نُبَالِي، كانَ مؤْمناً أو كافراً، على عهد قومِهِ فيه الدّية والتّحرير «٥» .

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سَتَجِدُونَ آخَرِينَ ﴾ اخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ عَلى أرْبَعَةِ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها نَزَلَتْ في أسَدٍ وغَطَفانَ، كانُوا قَدْ تَكَلَّمُوا بِالإسْلامِ لِيَأْمَنُوا المُؤْمِنِينَ بِكَلِمَتِهِمْ، ويَأْمَنُوا قَوْمَهم بِكُفْرِهِمْ، رَواهُ أبُو صالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في بَنِي عَبْدِ الدّارِ، رَواهُ الضَّحّاكُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّها نَزَلَتْ في قَوْمٍ أرادُوا أخْذَ الأمانِ مِنَ النَّبِيِّ  ، وقالُوا: لا نُقاتِلُكَ ولا نُقاتِلُ قَوْمَنا، قالَهُ قَتادَةُ.

والرّابِعُ: أنَّها نَزَلَتْ في نُعَيْمِ بْنِ مَسْعُودٍ الأشْجَعِي، كانَ يَأْمَنُ في المُسْلِمِينَ والمُشْرِكِينَ، فَيَنْقُلُ الحَدِيثَ بَيْنَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ وبَيْنَهم، ثُمَّ أسْلَمَ نُعَيْمٌ، هَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ.

ومَعْنى الآَيَةِ: سَتَجِدُونَ قَوْمًا يُظْهِرُونَ المُوافَقَةَ لَكم ولِقَوْمِهِمْ، لِيَأْمَنُوا الفَرِيقَيْنِ، كُلَّما دُعُوا إلى الشِّرْكَ، عادُوا فِيهِ، فَإنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكم في القِتالِ، ويُلْقُوا إلَيْكُمُ الصُّلْحَ، ويَكُفُّوا أيْدِيَهم عَنْ قِتالِكم، فَخُذُوهم، أيْ: ائْسِرُوهم، واقْتُلُوهم حَيْثُ أدْرَكْتُمُوهم، وأوْلائِكم جَعَلْنا لَكم عَلَيْهِمْ حُجَّةً بَيِّنَةً في قَتْلِهِمْ.

* فَصْلٌ قالَ أهْلُ التَّفْسِيرِ: والكَفُّ عَنْ هَؤُلاءِ المَذْكُورِينَ في هَذِهِ الآَيَةِ مَنسُوخٌ بِآَيَةِ السَّيْفِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أنْ يَأْمَنُوكم ويَأْمَنُوا قَوْمَهم كُلَّ ما رُدُّوا إلى الفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيها فَإنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكم ويُلْقُوا إلَيْكُمُ السَلَمَ ويَكُفُّوا أيْدِيَهم فَخُذُوهم واقْتُلُوهم حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهم وأُولَئِكم جَعَلْنا لَكم عَلَيْهِمْ سُلْطانًا مُبِينًا ﴾ لَمّا وصَفَ اللهُ تَعالى فِيما تَقَدَّمَ صِفَةَ المُحِقِّينَ في المُتارَكَةِ، المُجِدِّينَ في إلْقاءِ السَلَمِ، نَبَّهَ عَلى طائِفَةٍ مُخادِعَةٍ مُبْطِلَةٍ مُبَطَّنَةٍ كانُوا يُرِيدُونَ الإقامَةَ في مَواضِعِهِمْ مَعَ أهْلِيهِمْ، يَقُولُونَ لَهُمْ: نَحْنُ مَعَكم وعَلى دِينِكُمْ، ويَقُولُونَ أيْضًا لِلْمُسْلِمِينَ إذا وفَدُوا وأُرْسِلُوا: نَحْنُ مَعَكم وعَلى دِينِكم خُبْثَةً مِنهم وخَدِيعَةً، قِيلَ: كانَتْ أسَدٌ وغَطَفانُ بِهَذِهِ الصِفَةِ، وقِيلَ: نَزَلَتْ في نُعَيْمِ بْنِ مَسْعُودٍ الأشْجَعِيِّ، كانَ يَنْقُلُ بَيْنَ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ والكُفّارِ الأخْبارَ، وقِيلَ: نَزَلَتْ في قَوْمٍ يَجِيئُونَ مِن مَكَّةَ إلى النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ رِياءً، يُظْهِرُونَ الإسْلامَ، ثُمَّ يَرْجِعُونَ إلى قُرَيْشٍ فَيَكْفُرُونَ، فَفَضَحَ اللهُ تَعالى هَؤُلاءِ، وأعْلَمَ أنَّهم عَلى غَيْرِ صِفَةِ مَن تَقَدَّمَ.

وقَوْلُهُ: "إلى الفِتْنَةِ" مَعْناهُ: إلى الِاخْتِبارِ، حُكِيَ أنَّهم كانُوا يَرْجِعُونَ إلى قَوْمِهِمْ فَيُقالُ لِأحَدِهِمْ: رَبِّيَ الخُنْفُساءُ، ورَبِّيَ العُودُ، ورَبِّيَ العَقْرَبُ، ونَحْوُهُ، فَيَقُولُها، وَمَعْنى "أُرْكِسُوا" رَجَعُوا رَجْعَ ضَلالَةٍ، أيْ: أُهْلِكُوا في الِاخْتِيارِ بِما واقَعُوهُ مِنَ الكُفْرِ، وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ، "رُكِسُوا" بِضَمِّ الراءِ مِن غَيْرِ ألِفٍ، وحَكاهُ عنهُ أبُو الفَتْحِ بِشَدِّ الكافِ عَلى التَضْعِيفِ، والخِلافُ في "السَلَمَ" حَسْبَما تَقَدَّمَ.

هَذِهِ الآيَةُ حَضٌّ عَلى قَتْلِ هَؤُلاءِ المُخادِعِينَ إذا لَمْ يَرْجِعُوا عن حالِهِمْ إلى حالِ الآخَرِينَ المُعْتَزِلِينَ المُلْقِينَ لِلسَّلَمِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الحَقِّ رَحِمَهُ اللهُ: وتَأمَّلْ فَصاحَةَ الكَلامِ في أنَّ سِياقَهُ في الصِيغَةِ المُتَقَدِّمَةِ قَبْلَ هَذِهِ سِياقُ إيجابِ الِاعْتِزالِ، وإيجابِ إلْقاءِ السَلَمِ، ونَفْيِ المُقاتَلَةِ إذْ كانُوا مُحِقِّينَ في ذَلِكَ مُعْتَقِدِينَ لَهُ، وسِياقَهُ في هَذِهِ الصِيغَةِ المُتَأخِّرَةِ سِياقُ نَفْيِ الِاعْتِزالِ، ونَفْيِ إلْقاءِ السَلَمِ إذْ كانُوا مُبْطِلِينَ فِيهِ مُخادِعِينَ، والحُكْمُ سَواءٌ عَلى السِياقَيْنِ، لِأنَّ الَّذِينَ لَمْ يَجْعَلِ اللهُ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا لَوْ لَمْ يَعْتَزِلُوا لَكانَ حُكْمُهم حُكْمَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ جُعِلَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ مُبِينٌ، وكَذَلِكَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ عَلَيْهِمُ السُلْطانُ إذْ لَمْ يَعْتَزِلُوا، لَوِ اعْتَزَلُوا لَكانَ حُكْمُهم حُكْمَ الَّذِينَ لا سَبِيلَ عَلَيْهِمْ، ولَكِنَّهم بِهَذِهِ العِبارَةِ تَحْتَ القَتْلِ إنْ لَمْ يَعْتَزِلُوا.

و"ثَقِفْتُمُوهُمْ" مَأْخُوذٌ مِنَ الثِقافِ، أيْ: ظَفِرْتُمْ بِهِمْ مَغْلُوبِينَ مُتَمَكَّنًا مِنهُمْ، والسُلْطانُ: الحُجَّةُ.

قالَ عِكْرِمَةُ: حَيْثُما وقَعَ السُلْطانُ في كِتابِ اللهِ تَعالى فَهو الحُجَّةُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

هؤلاء فريق آخر لا سَعْيَ لهم إلاّ في خُوَيْصْتِهِم، ولا يعبأون بغيرهم، فهم يظهرون المودّة للمسلمين ليأمنوا غزوهم، ويظهرون الودّ لقومهم ليأمنوا غائلتهم، وما هم بمخلصين الودّ لأحد الفريقين، ولذلك وصفوا بإرادة أن يأمنوا من المؤمنين ومن قومهم، فلا هَمّ لهم إلاّ حظوظ أنفسهم، يلتحقون بالمسلمين في قضاء لبانات لهم فيظهرون الإيمانَ، ثم يرجعون إلى قومهم فيرتدّون إلى الكفر، وهو معنى قوله: ﴿ كُلَّما رُدّوا إلى الفتنة أُرْكسُوا فيها ﴾ [النساء: 91].

وقد مر بيان معنى (أركسوا) قريباً.

وهؤلاء هم غَطفان وبنُو أسد ممن كانوا حول المدينة قبل أن يخلص إسلامهم، وبنو عبد الدار من أهل مكة، كانوا يأتون المدينة فيظهرون الإسلام ويرجعون إلى مكة فيعبدون الأصنام.

وأمرْ الله المؤمنين في معامَلة هؤلاء ومُعَامَلَة الفريق المتقدّم في قوله: ﴿ إلاّ الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق ﴾ [النساء: 90] أمرٌ واحد، وهو تركهم إذا تركوا المؤمنين وسالموهم، وقتالُهم إذا ناصبوهم العَداء، إلاّ أن الله تعالى جعل الشرط المفروض بالنسبة إلى الأوّلين: أنّهم يعتزلون المسلمين، ويلقون إليهم السلم، ولا يقاتلونهم، وجعل الشرط المفروض بالنسبة إلى هؤلاء أنّهم لا يعتزلون المسلمين، ولا يلقون إليهم السلم، ولا يكفّون أيديهم عنهم، نظراً إلى الحالة المترقبّة من كلّ فريق من المذكورين.

وهو افتنان بديع لم يبق معه اختلاف في الحكم ولكن صرّح باختلاف الحالين، وبوصف ما في ضمير الفريقين.

والوجدان في قوله: ﴿ ستجدون آخرين ﴾ بمعنى العثور والإطّلاع، أي ستطَّلعون على قوم آخرين، وهو من استعمال وَجد، ويتعدّى إلى مفعول واحد، فقوله: ﴿ يريدون ﴾ جملة في موضع الحال، وسيأتي بيان تصاريف استعمال الوجدان في كلامهم عند قوله تعالى: ﴿ لتَجدنّ أشدّ الناس عداوة للذين آمنوا ﴾ في سورة المائدة (82).

وجيء باسم الإشارة في قوله: وأولئكم جعلنا لكم عليهم سلطاناً مبيناً} لزيادة تمييزهم.

(والسلطان المبين) هو الحجّة الواضحة الدالّة على نفاقهم، فلا يُخْشَى أن ينسب المسلمون في قتالهم إلى اعتداء وتفريق الجامعة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَما لَكم في المُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ ﴾ اخْتُلِفَ فِيمَن نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِسَبَبِهِ عَلى خَمْسَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها نَزَلَتْ في الَّذِينَ تَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  يَوْمَ أُحُدٍ، وقالُوا: لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لاتَّبَعْناكم، وهَذا قَوْلُ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ.

والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في قَوْمٍ قَدِمُوا المَدِينَةَ فَأظْهَرُوا الإسْلامَ، ثُمَّ رَجَعُوا إلى مَكَّةَ فَأظْهَرُوا الشِّرْكَ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ، ومُجاهِدٍ.

والثّالِثُ: أنَّها نَزَلَتْ في قَوْمٍ أظْهَرُوا الإسْلامَ بِمَكَّةَ وكانُوا يُعِينُونَ المُشْرِكِينَ عَلى المُسْلِمِينَ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ.

والرّابِعُ: أنَّها نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِن أهْلِ المَدِينَةِ أرادُوا الخُرُوجَ عَنْها نِفاقًا، وهَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ.

والخامِسُ: أنَّها نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِن أهْلِ الإفْكِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ.

وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واللَّهُ أرْكَسَهم بِما كَسَبُوا ﴾ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: مَعْناهُ رَدَّهم، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أوْقَعَهم، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.

والثّالِثُ: أهْلَكَهم، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ.

والرّابِعُ: أضَلَّهم، وهَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ.

والخامِسُ: نَكَسَهم، وهَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ.

﴿ أتُرِيدُونَ أنْ تَهْدُوا مَن أضَلَّ اللَّهُ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنْ تُسَمُّوهم بِالهُدى وقَدْ سَمّاهُمُ اللَّهُ بِالضَّلالِ عُقُوبَةً لَهم.

والثّانِي: تَهْدُوهم إلى الثَّوابِ بِمَدْحِهِمْ واللَّهُ قَدْ أضَلَّهم بِذَمِّهِمْ.

﴿ إلا الَّذِينَ يَصِلُونَ إلى قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ ﴾ أيْ يَدْخُلُونَ في قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم أمانٌ فَلَهم مِنهُ مِثْلُ ما لَكم.

قالَ عِكْرِمَةُ: نَزَلَتْ في الهِلالِ بْنِ عُوَيْمِرٍ الأسْلَمِيِّ، وسُراقَةَ بْنِ مالِكِ بْنِ جُعْثَمٍ، وخُزَيْمَةَ بْنِ عامِرِ بْنِ عَبْدِ مَنافٍ.

قالَ الحَسَنُ: هَؤُلاءِ بَنُو مُدْلِجٍ كانَ بَيْنَهم وبَيْنَ قُرَيْشٍ عَهْدٌ، وبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ  [وَقُرَيْشٍ] عَهْدٌ، فَحَرَّمَ اللَّهُ مِن بَنِي مُدْلِجٍ ما حَرَّمَ مِن قُرَيْشٍ.

﴿ أوْ جاءُوكم حَصِرَتْ صُدُورُهم أنْ يُقاتِلُوكم أوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ ﴾ مَعْنى حَصِرَتْ أيْ ضاقَتْ، ومِنهُ حُصِرَ العَدُوُّ وهو الضِّيقُ ومِنهُ حَصْرُ العُداةِ لِأنَّهم قَدْ ضاقَتْ عَلَيْهِمْ مَذاهِبُهم.

ثُمَّ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ عَنْهم بِأنَّ صُدُورَهم حَصِرَتْ.

والثّانِي: أنَّهُ دُعاءٌ مِنَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بِأنْ تُحْصَرَ صُدُورُهُمْ، وهَذا قَوْلُ أبِي العَبّاسِ.

﴿ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهم عَلَيْكم فَلَقاتَلُوكُمْ ﴾ وفي تَسْلِيطِهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: بِتَقْوِيَةِ قُلُوبِهِمْ.

والثّانِي: بِالإذْنِ في القِتالِ لِيَدْفَعُوا عَنْ أنْفُسِهِمْ.

﴿ فَإنِ اعْتَزَلُوكم فَلَمْ يُقاتِلُوكم وألْقَوْا إلَيْكُمُ السَّلَمَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: الصُّلْحُ، وهو قَوْلُ الرَّبِيعِ.

والثّانِي: الإسْلامُ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ.

﴿ فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكم عَلَيْهِمْ سَبِيلا ﴾ قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ وعِكْرِمَةُ: هي مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَإذا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ  ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أنْ يَأْمَنُوكم ويَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ ﴾ هم قَوْمٌ يُظْهِرُونَ لِقَوْمِهِمُ المُوافَقَةَ لِيَأْمَنُوهُمْ، ولِلْمُسْلِمِينَ الإسْلامَ لِيَأْمَنُوهُمْ، وفِيهِمْ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهم أهْلُ مَكَّةَ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ.

والثّانِي: أنَّهم مِن أهْلِ تِهامَةَ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ.

والثّالِثُ: قَوْمٌ مِنَ المُنافِقِينَ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ.

والرّابِعُ: أنَّهُ نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ الأشْجَعِيُّ.

وَهَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ.

﴿ كُلَّ ما رُدُّوا إلى الفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيها ﴾ أيْ كُلَّما رُدُّوا إلى المِحْنَةِ في إظْهارِ الكُفْرِ رَجَعُوا فِيهِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ ستجدون آخرين ﴾ الآية.

قال: ناس من أهل مكة كانوا يأتون النبي صلى الله عليه وسلم، فيسلمون رياء، ثم يرجعون إلى قريش فيرتكسون في الأوثان، يبتغون بذلك أن يأمنوا هاهنا وههنا، فأمر بقتالهم إن لم يعتزلوا ويصالحوا.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس ﴿ ستجدون آخرين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم كلما ردوا إلى الفتنة أركسوا فيها ﴾ يقول: كلما أرادوا أن يخرجوا من فتنة أركسوا فيها، وذلك أن الرجل كان يوجد قد تكلم بالإسلام، فيتقرب إلى العود والحجر، وإلى العقرب والخنفساء، فيقول المشركون لذلك المتكلم بالإسلام: قل هذا ربي، للخنفساء والعقرب.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ ستجدون آخرين...

﴾ الآية.

قال: حي كانوا بتهامة قالوا: يا نبي الله لا نقاتلك ولا نقاتل قومنا، وأرادوا أن يأمنوا نبي الله ويأمنوا قومهم، فأبى الله ذلك عليهم فقال: ﴿ كلما ردوا إلى الفتنة أركسوا فيها ﴾ يقول: كلما عرض لهم بلاء هلكوا فيه.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي قال: ثم ذكر نعيم بن مسعود الأشجعي، وكان يأمن في المسلمين والمشركين بنقل الحديث بين النبي صلى الله عليه وسلم والمشركين، فقال: ﴿ ستجدون آخرين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم كلما ردوا إلى الفتنة ﴾ يقول: إلى الشرك.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي العالية في قوله: ﴿ كلما ردوا إلى الفتنة أركسوا فيها ﴾ قال: كلما ابتلوا بها عموا فيها.

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ سَتَجِدُونَ آخَرِينَ ﴾ الآية: نزلت في قوم مخادعين، وهم من أسد وغطفان كانوا إذا أتوا المدينة أسلموا وعاهدوا ليأمنوا من المسلمين فإذا رجعوا إلى قومهم كفروا ونكثوا ليأمنوا قومهم، والفتنة هنا الكفر على الأظهر، وقيل: الاختبار.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ومن أصدق ﴾ وكل صاد ساكنة بعدها دال بإشمام الصاد الزاي: علي ورويس وحمزة غير العجلي.

﴿ حصرت صدورهم ﴾ وبابه مدغماً: أبو عمرو وحمزة وعلي وخلف وابن عامر.

وقرأ سهل ويعقوب والمفضل ﴿ حصرة صدورهم ﴾ بالنصب والتنوين.

الوقوف: ﴿ القرآن ﴾ ط لتناهي الاستفهام إلى الشرط.

﴿ كثيراً ﴾ ه ﴿ أذاعوا به ﴾ ط ﴿ منهم ﴾ ط ﴿ قليلاً ﴾ ه ﴿ في سبيل الله ﴾ ج ط لأن قوله: ﴿ لا تكلف ﴾ يحتمل الاستئناف والحال أي قاتل غير مكلف.

﴿ إلاّ نفسك ﴾ ط لعطف قوله: ﴿ وحرض ﴾ على قوله: ﴿ فقاتل ﴾ .

﴿ المؤمنين ﴾ ج لأنّ ﴿ عسى ﴾ مستأنف لفظاً ومتصل معنى لأنه لترجية نجح ما أمر به.

﴿ كفروا ﴾ ط ﴿ تنكيلاً ﴾ ه ﴿ نصيب منها ﴾ ط لابتداء شرط آخر مع واو العطف.

﴿ كفل منها ﴾ ط ﴿ مقيتاً ﴾ ه ﴿ ردوها ﴾ ط ﴿ حسيباً ﴾ ه ﴿ إلا هو ﴾ ط ﴿ لا ريب فيه ﴾ ط ﴿ حديثاً ﴾ ه ﴿ بما كسبوا ﴾ ط ﴿ من أضلّ الله ﴾ ط لتناهي الاستفهام إلى الشرط.

﴿ سبيلاً ﴾ ه ﴿ في سبيل الله ﴾ ط ﴿ وجدتموهم ﴾ ص ﴿ نصيراً ﴾ ه ط ﴿ أو يقاتلوا قومهم ﴾ ط ﴿ فلقاتلوكم ﴾ ط ﴿ السلم ﴾ لا لأن ما بعده جواب "فإن".

﴿ سبيلاً ﴾ ه ﴿ قومهم ﴾ ط ﴿ أركسوا فيها ﴾ ج ﴿ ثقفتموهم ﴾ ط ﴿ مبيناً ﴾ ه.

التفسير: لما حكي عن المنافقين ما حكى وكان السبب فيه اعتقادهم أنه  غير محق في ادعاء الرسالة، أمرهم بالتفكر والتدبر وهو النظر في عواقب الأمور وأدبارها، ومنه قول أكثم: لا تدبروا أعجاز أمور قد ولت صدورها.

ويقال في فصيح الكلام: لو استقبلت من أمري ما استبدرت.

أي لو عرفت في صدره ما عرفت من عاقبته.

وظاهر الآية يدل على أنه احتج بالقرآن على صحة نبوة محمد  وإلا انقطع النظم.

ودلالة القرآن على صدق النبي من ثلاثة أوجه: الفصاحة والاشتمال على الغيوب والسلامة من الاختلاف وهو المقصود من الآية.

واختلف المفسرون في المراد من سلامته من الاختلاف.

فقال أبو بكر الأصم: معناه / أن المنافقين كانوا يتواطئون في السر على أنواع كثيرة من المكايد، والرسول كان يخبرهم عنها حالاً فحالاً.

فقيل لهم: إن ذلك لو لم يحصل بإخبار الله  لم يطرد صدقه ولظهر أنواع الاختلاف والتفاوت.

وقال أكثر المتكلمين: المراد تجاوب معانيه وتلاؤم مقاصده مع أنه مشتمل على علوم كثيرة وفنون غزيرة، ولو كان من عند غير الله لم يخل من تناقض واضطراب.

والذي تظن به التناقض كقوله: ﴿ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان  ﴾ مع قوله: ﴿ لنسألنهم أجمعين  ﴾ أو كقوله: ﴿ فإذا هي ثعبان مبين  ﴾ مع قوله: ﴿ كأنها جان  ﴾ ليس بذاك عند التدبر وملاحظة شروط التناقض من اتحاد الزمان والمكان وغيرهما وقال أبو مسلم: المراد صحة نظمه وكون كله بل كل جزء من أجزائه وأبعاضه بالغاً حد الإعجاز.

ومن المعلوم أن الإنسان وإن كان في غاية البلاغة ونهاية الفصاحة إذا كتب كتاباً طويلاً مشتملاً على المعاني الكثيرة فلا بد أن يظهر التفاوت في كلامه بحيث يكون بعضه قوياً متيناً وبعضه سخيفاً نازلاً، ولما لم يكن القرآن كذلك علمنا أنه معجز من عند الله  .

وفي الآية دلالة على وجوب النظر والاستدلال أعني التدبر فيما إليه سبيل.

وقال الجبائي: فيها دلالة على أن أفعال العباد غير مخلوقة لله لأن فعل العبد لا ينفك عن التفاوت والاختلاف.

والجواب أنه لا يلزم من كون كلامه غير متفاوت ولا مختلف أن لا تكون أفعاله مختلفة بحسب اختلاف المظاهر والقوابل.

سلمنا لكن اختلافه وهو كونه غير مطابق للأغراض والمقاصد الإنسانية قد يكون بحسب نظرنا لا بحسب الأمر نفسه.

ثم حكى عن المنافقين - وقيل عن ضعفة المسلمين - أنه إذا جاءهم الخبر بأمر من الأمور سواء كان ذلك الأمر من باب الأمن أو من باب الخوف أذاعوا به وأفشوه.

يقال: أذاع السر وأذاع به لغتان.

ويجوز أن يكون معنى أذاع به فعل به الإذاعة وهو أبلغ.

ولا يخفى ما في ذلك الإفشاء من الضرر من جهة أن الإرجاف لا ينفكعن الكذب، ومن جهة أن تلك الزيادات إن كانت في جانب الأمن ولم تقع أورثت شبهة لضعفة المسلمين في صدق الرسول، لأن المنافقين كانوا يروونها عن الرسول، وإن كانت في جانب الخوف حصل اضطراب في الضعفة ووقعوا في الحيرة، وأيضاً البحث عن الإرجاف موجب ظهور الأسرار وذلك لا يوافق مصلحة المدينة فربما وصل الخبر إلى الكفار فاستعدوا للقتال أو تحصنوا.

وفي معنى الآية أقوال: الأول: ولو ردوا ذلك الخبر إلى رسول الله  وإلى أولي الأمر - وهم كبار الصحابة البصراء بالأمور أو الذين كانوا يؤمرون منهم - ﴿ لعلمه ﴾ لعلم تدبير ما أخبروا به ﴿ الذين يستنبطونه ﴾ الذين يستخرجون تدبيره بفطنهم وتجاربهم ومعرفتهم بأمور الحرب ومكايدها، وأصل الاستنباط إخراج النبط وهو الماء يخرج من / البئر أول ما تحفر فاستعير لاستخراج المعاني.

والتدبير الثاني: كانوا يقفون من رسول الله  وأولي الأمر على أمن ووثوق بالظهور على بعض الأعداء، أو على خوف واستشعار فيذيعونه فتعود إذاعتهم مفسدة.

فقيل لهم: لو فوضوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر وكانوا كأن لم يسمعوا العلم الذي يستنبطون تدبيره كيف يدبرونه وما يأتون ويذرون فيه.

الثالث: كانوا يسمعون من أفواه بعض المنافقين شيئاً من خبر السرايا غير معلوم الصحة فيذيعونه فقيل لهم: لو سكتوا حتى سمعوه من الرسول وأولي الأمر لعلمه صحته وهل هو مما يذاع أو لا يذاع فالمستنبطون هم المذيعون.

ومعنى يستنبطونه منهم يتلقونه من الرسول وأولي الأمر ويستخرجون علمه من جهنم.

قالت العلماء: في الآية دلالة على أن القياس حجة لأنهم أمروا أن يرجعوا في معرفة الوقائع إلى أولي الأمر من المستنبطين.

فرواية النص لا تكون استنباطاً فهو إذن رد واقعة إلى نظيرها وهو القياس.

واعترض بأنا لا نسلم أن المستنبطين هم العلماء وأولو الآراء بل هم المذيعون كما في القول الثالث.

سلمنا لكن الآية نزلت في الحروب، ولا يلزم من جواز الاستنباط في الوقائع المتعلقة بها جواز الاستنباط في الوقائع الشرعية.

فإن قيس أحد البابين على الآخر كان إثباتاً للقياس الشرعي بالقياس الشرعي.

سلمنا لكن لم لا يجوز أن يكون المراد استخراج الأحكام الشرعية من النصوص الخفية أو من تركيبات النصوص أو بالبراءة الأصلية أو بحكم العقل كما يقول الأكثرون إن الأصل في المنافع الإباحة وفي المضار الحرمة وكل هذه الأمور ليست من القياس الشرعي في شيء؟

سلنما أن القياس الشرعي داخل في الآية.

لكن بشرط كونه مفيداً "للعلم" بدليل قوله ﴿ لعلمه الذين يستنبطونه ﴾ ولا نزاع في مثله إنما النزاع في أن القياس المفيد للظن هل هو حجة أن لا.

وأجيب بأن صرف المستنبطين إلى المذيعين ليس بالقوي إذ لو كان المراد ذلك لكان الأليق بنظم الكلام أن يقال: ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر لعلموه من غير إقامة المظهر مقام المضمر.

وعن الثاني بأن الأمن او الخوف عام في كل ما يتعلق بباب التكليف.

ولئن سلم أنه مخصوص بأمور الحرب فإذا عرف أحكام الحروب بالقياس الشرعي لزم جواز التمسك به في سائر الوقائع إذ لا قائل بالفرق.

ألا ترى أن من قال القياس حجة في باب البيع لا في باب النكاح لم يلتفت إليه؟

وعن الثالث أن شيئاً من ذلك لا يسمى استنباطاً.

وعن الرابع أن العلم قد يراد به الظن الغالب.

سلمنا لكن القياس الشرعي عندنا يفيد العلم لأنه مهما غلب على الظن أن حكم الله في الأصل معلل بكذا ثم غلب على الظن أن ذلك المعنى قائم في الفرع، حصل ظن أن حكم الله في الفرع مساوٍ لحكمه في الصل، وعند هذا الظن نقطع بأنه مكلف بأن يعمل على وفق هذا الظن وهذا معنى قولهم: "الظن واقع في طريق الحكم" والحكم مقطوع به كأنه  قال: مهما / غلب على ظنك كذا في الواقعة الفلانية فاعلم قطعاً أن حكمي فيها كذا.

أما قوله ﴿ لاتبعتم الشيطان إلا قليلاً ﴾ فظاهره يقتضي إشكالاً وهو أن قليلاً من الناس لا يحتاج في عدم اتباع الشيطان إلى فضل الله ورحمته، لكن الاحتياج بالنسبة إلى كل واحد من الناس ثابت بالاتفاق فهذا تناقض.

فذكر المفسرون في إزالة التناقض وجوهاً الأول: أن الاستثناء راجع إلى قوله: ﴿ أذاعوا به ﴾ كأنه  أخرج بعض المنافقين من هذه الإذاعة كما أخرجهم في قوله: ﴿ بيت طائفة ﴾ الثاني: أنه عائد إلى قوله: ﴿ لعلمه ﴾ يعني لعلمه الذين يستنبطونه منهم إلاّ قليلاً.

قال الفراء والمبرد: القول الأول أولى لأن ما يعلم بالاستنباط فالأقل يعلمه والأكثر يجهله.

وصرف الاستثناء إلى ما ذكروه يقتضي ضد ذلك، قال الزجاج: هذا غلط لأنه لا يراد بهذا الاستنباط ما يستخرج بنظر دقيق وفكر غامض إنما هو استنباط خبر، وإذا كان كذلك فالأكثرون يعرفونه إلاّ البالغ في البلادة.

والإنصاف أن الاستنباط لو حمل على مجرد تفرق الأخبار والأراجيف فكلام الزجاج الصحيح وإن كان محمولاً على استخراج الأحكام الشرعية كما مر فالحق ما ذكره الفراء والمبرد.

الثالث: أن الاستثناء مصروف إلى ما يليه كما هو حق النسق لأن الفضل والرحمة مفسران بشيء خاص وفيه وجهان: أحدهما قول جماعة من المفسرين أن المراد إنزال القرآن وبعثة محمد والتقدير: لولا بعثة محمد وإنزال القرآن لاتبعتم الشيطان ولكفرتم بالله إلاّ القليل منكم فإن ذلك القليل بتقدير عدم بعثة محمد ما كان يكفر بالله وهم مثل قس بن ساعدة وورقة بن نوفل وزيد بن عمرو بن نفيل، كانوا مؤمنين بالله قبل بعثة محمد  .

وثانيهما قول أبي مسلم أن المراد بالفضل والرحمة ههنا نصرته  ومعونته اللذان تمناهما المنافقون بقولهم: ﴿ فأفوز فوزاً عظيماً  ﴾ والتقدير: لولا حصول النصر والظفر على سبيل التتابع لتركتم الدين إلاّ القليل منكم وهم أهل البصائر والعزائم، ومن أفاضل المؤمنين الذين يعلمون أنه ليس من شرط كونه حقاً حصول الدولة في الدنيا، فلا تواتر الفتح والظفر يدل على كونه حقاً، ولا انقطاع النصر والغلبة يدل على كونه باطلاً، بل الأمر في كونه حقاً وباطلاً مبني على الدليل وهذا أحسن الوجوه.

قوله: ﴿ فقاتل ﴾ قيل: إنه جواب لقوله: ﴿ ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل  ﴾ كأنه  قال: إن أردت الفوز فقاتل.

وقيل: إنه متصل بمعنى ما ذكر من قصص المنافقين كذا وكذا فلا تعتد بهم ولا تلتفت إليهم بل قاتل فإنك لا تؤاخذ إلاّ بفعلك، فإذا أديت فرضك لم تكلف فرض غيرك، ويعلم من قوله: ﴿ وحرض المؤمنين ﴾ أن الواجب على الرسول إنما هو الجهاد وتحريض الناس على الجهاد أي الحث والإحماء عليه، فإذا أتى بالأمرين فقد خرج عن عهدة التكليف وليس عليه من كون غيره تاركاً شيء.

واعلم أن الجهاد في حق غير الرسول من فروض الكفايات، فما لم يغلب على الظن أنه مفيد لم يجب / بخلاف رسول الله  فإنه على ثقة من النصر والظفر بدليل قوله: ﴿ والله يعصمك من الناس  ﴾ وبدليل قوله ههنا: ﴿ عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا ﴾ وعسى من الله جزم لأن الرجاء عليه محال فهو إطماع وإطماع الكريم إيجاب فلزمه الجهاد وإن كان وحده فلا جرم أنه  قال في بدر الصغرى: " لأخرجن وحدي" فخرج وتبعه سبعون راكباً، ولو لم يتبعه أحد لخرج وحده، ثم إنه  كف بأس المشركين وألقى الرعب في قلوب أبي سفيان وأصحابه حتى ندموا وترك الحرب في تلك السنة.

وفي الآية دليل على أنه  كان أشجع الخلق لأنه  لم يأمره بالقتال وحده إلاّ أنه كذلك.

وقيل: اقتدى به أبو بكر حيث حاول الخروج وحده إلى قتال مانعي الزكاة ومن عرف أن الأمر كله بيد الله وأنه لا يحدث شيء إلاّ بقضاء الله سهل عليه الفوت وكان بمعزل عن تقية الموت.

﴿ والله أشد بأساً ﴾ من قريش ﴿ وأشد تنكيلاً ﴾ تعذيباً لأن عذاب الله دائم وعذاب غيره غير دائم، وعذاب غير الله يخلصه الله عنه وعذاب الله لا يقدر أحد على تخليصه منه، وعذاب غير الله يكون من وجه واحد وعذاب الله يصل إلى جميع الأبعاض والأجزاء ويشمل الروح والجسم فهذا طرف من الفرق والله أعلم بكنه عذابه ونعوذ بالله من عقابه.

قوله  : ﴿ من يشفع شفاعة حسنة ﴾ وجه نظمه يعرف من تفسيره وذلك أنه قيل: المراد منه تحريض النبي  إياهم على الجهاد، لأنه إذا كان يأمرهم بالغزو فقد جعل نفسه شفيعاً لهم في تحصيل الأغراض المتعلقة بالجهاد.

وأيضاً التحريض وهو الحث على سبيل الرفق والتلطف والتهديد جار مجرى الشفاعة.

وقيل: كان بعض المنافقين يشفع لمنافق آخر في أن يأذن له الرسول في التخلف عن الجهاد، وكان بعض المؤمنين يشفع لمؤمن آخر عند مؤمن ثالث أن يحصل له عدّة الجهاد فنزلت.

ونقل الواحدي عن ابن عباس أن الشفاعة الحسنة ههنا هي ان يشفع إيمانه بالله بقتال الكفار، والشفاعة السيئة أن يشفع كفره بالله بمحبة الكفار وترك إيذائهم.

وقال مقاتل: الشفاعة إلى الله إنما هي دعوة الله المسلم لما روي عن النبي  : " "من دعا لأخيه المسلم بظهر الغيب استجيب له وقال له الملك ولك مثل ذلك" " فذلك النصيب والدعوة على المسلم بضد ذلك.

وقال الحسن ومجاهد والكلبي وابن زيد: هي مطلق الشفاعة والحسنة منها هي التي بها روعي حق مسلم ودفع بها عنه شر أو جلب إليه خير وابتغى بها وجه الله ولم يؤخذ عليها رشوة كانت في أمر حائز لا في حد من حدود الله ولا في إبطال حق من الحقوق، والسيئة ما كان بخلاف ذلك، وعلى هذا فوجه النظم أن التحريض على الجهاد بعث على الفعل الحسن وأنه نوع شفاعة كما مر في القول / الأول.

وعن مسروق أنه شفع شفاعة فأهدى إليه المشفوع له جارية فغضب وردها وقال: لو علمت ما في قلبك لما تكلمت في حاجتك ولا أتكلم فيما بقي منها.

قال أهل اللغة: الكفل أيضاً النصيب فهل لاختلاف اللفظين فائدة؟

فأجيب بأن الكفل اسم للنصيب الذي يكون عليه اعتماد الإنسان ومنه يقال "كفل البعير واكتفله" إذا أدار حول سنامه كساء وركب.

والكفيل الضامن لأن الغريم اعتمد عليه.

والتقدير من يشفع شفاعة سيئة يكن له منها نصيب يعتمد عليه ويكون له ذخيرة في معاشه ومعاده والغرض التهكم وحصول ضد ذلك مثل: ﴿ فبشرهم بعذاب أليم  ﴾ ﴿ وكان الله على كل شيء مقيتاً ﴾ أي مقتدراً وحفيظاً.

واشتقاقه من القوت لأنه يمسك النفس ويحفظها.

والغرض أنه قادر على كل المقدورات حفيظ لجميع المعلومات فيجازي كل شافع بما يليق بحاله، ثم لما أمر المؤمنين بالجهاد أمرهم أيضاً بأن الأعداء لو رضوا بالمسالمة أو ألقوا في المبارزة بالسلم فقابلوهم بالإكرام وأيضاً السلام دعاء بالسلامة والدعاء نوع من الشفاعة والتحية تفعلة من الحياة ويجيء الناقص من باب التفعيل على "تفعلة" مثل: تسلية وتعزية.

لكنه أدغم ههنا لاجتماع المثلين.

وكانت العرب تقول عند التلاقي حياك الله.

دعاء له بالحياة فأبدل الله ذلك بالسلام، ولعمري إن هذا أحسن لأن الحياة إن لم تكن مقرونة بالسلامة لم يعتد بها بل لعل الموت خير منها، ولأن السلام اسم من اسماء الله  فالابتداء به أولى، ولأن دفع الضرر أهم من جلب النفع وقد سلم الله عليك يا مؤمن في اثني عشر موضعاً في الأزل ولهذا سمى نفسه بالسلام، وعلى لسان نوح: ﴿ يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك  ﴾ والمراد أمة محمد  عليك على لسان جبريل: ﴿ تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر سلام  ﴾ قال المفسرون إنه خاف على أمته أن يصيروا مثل أمة موسى وعيسى فقال الله  : لا تهتم بذلك فإني وإن أخرجتك من الدنيا إلاّ إني جعلت جبرائيل خليفة لك ينزل إلى أمتك كل ليلة قدر ويبلغهم السلام مني.

وسلم عليك على لسان موسى: ﴿ والسلام على من اتبع الهدى  ﴾ وسلم عليك على لسان محمد  : ﴿ قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى  ﴾ وأمر محمداً  بالسلام عليك: ﴿ وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم  ﴾ وأمر المؤمنين بالسلام: ﴿ وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها ﴾ وسلم عليك على لسان ملك الموت: ﴿ الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم  ﴾ قيل: إن ملك الموت يسلم في أذن المسلم: السلام يقرئك السلام ويقول: أجبني فإني مشتاق إليك واشتاقت الجنات والحور العين إليك، فإذا سمع المؤمن البشارة يقول لملك الموت: لا هدية أعز من روحي فاقبض روحي هدية لك.

وسلم عليك من الأرواح الطاهرة: ﴿ وأما إن كان من أصحاب اليمين فسلام لك من أصحاب اليمين  ﴾ وسلم عليك على لسان خزنة الجنة: ﴿ وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين  ﴾ وسلم عليك على لسان الملائكة في الجنة: ﴿ والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم  ﴾ وسلم عليك على لسان أهل الجنة: ﴿ تحيتهم يوم يلقونه سلام  ﴾ وسلم عليك إلى الأبد: ﴿ سلام قولاً من رب رحيم  ﴾ ولما أراد إكرام يحيى  وعده بالسلام في مواطن ثلاثة هي أشد الأوقات حاجة إلى السلام فقال: ﴿ وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حياً  ﴾ ولما ذكر تعظيم محمد  قال: ﴿ إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً ﴾ {الأحزاب:56] وعن عبد الله بن سلام قال: لما سمعت بقدوم رسول الله  دخلت في غمار الناس فأول ما سمعت عنه: " يا أيها الناس أفشوا السلام وأطعموا الطعام وصلوا الأرحام وصلّوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام " وكانت تحية النصارى وضع اليد على الفم، وتحية اليهود الإشارة بالأصابع، وتحية المجوس الانحناء، وتحية الجاهلية "حياك الله"، وتحيتهم للملوك "أنعم صباحاً" فشتان ما بين تحياتهم وتحيتنا "السلام عليك ورحمة الله وبركاته" وفي هذا دليل على أن هذا الدين أشرف الأديان وأكملها.

ومما يدل على فضيلة السلام عقلاً أن الوعد بالنفع قد يقدر الإنسان على الوفاء به وقد لا يقدر، وأما الوعد بترك الضرر فإنه يقدر عليه لا محالة والسلام يدل عليه فهو أفضل أنواع التحية.

قال بعض العلماء: فمن دخل بيتاً وجب عليه أن يسلم على الحاضرين لقوله  : ﴿ فإذا دخلتم بيوتاً فسلموا على أنفسكم  ﴾ وقال  : "أفشوا السلام" والأمر للوجوب، ولأن السلام بشارة بالسلامة وإزالة الضرر وهو واجب لقوله: " "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده" ولأنه من شعائر الإسلام وإظهار شعائر الإسلام واجب.

وعن ابن عباس والنخعي وأكثر العلماء أن السلام سنة.

وأما الجواب فواجب بالإجماع لأن ترك الجواب إهانة والإهانة ضرر والضرر حرام ولقوله  : ﴿ وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها ﴾ وظاهر الأمر الوجوب وعن ابن عباس: ما من / رجل يمر على قوم مسلمين فيسلم عليهم ولا يردون عليه إلاّ نزع عنهم روح القدس وردت عليه الملائكة.

قال العلماء: الأحسن أن يزيد في جواب السلام والرحمة، وإن ذكر في الابتداء السلام والرحمة زاد في جوابه البركة، وإن ذكر المجموع أعادها فقط فإن منتهى الأمر في السلام أن يقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

لأن هذا القدر هو الوارد في التشهد.

وروي "أن رجلاً قال لرسول الله  : السلام عليك يا رسول الله.

فقال: وعليك السلام ورحمة الله، وقال آخر: السلام عليك ورحمة الله.

فقال: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته.

وجاء ثالث وقال السلام عليك ورحمة الله وبركاته.

فقال: وعليك فقال: نقصتني فأين قول الله: ﴿ فحيوا بأحسن منها ﴾ فقال: إنك لم تترك لي فضلاً فرددت عليك مثله" .

فقوله  : ﴿ أو ردوها ﴾ أي أجيبوها بمثلها، ورد السلام كرّه ورجعة إما إشارة إلى هذه الصورة وإما إلى التخيير بين الزيادة وتركها، ورد الجواب فرض على الكفاية إذا قام به بعض سقط عن الباقين.

والأولى أن يقوم به الكل إكثاراً للإكرام، والأحسن أن يدخل حرف العطف فيقول: وعليكم السلام.

وهو واجب على الفور بقدر ما يعهد بين الإيجاب والقبول في العقود فإن أخر عن ذلك كان ابتداء سلام لا جواباً وإذا ورد عليه سلام في كتاب فجوابه بالكتابة أيضاً واجب لقوله: ﴿ وإذا حييتم بتحية فحيوا ﴾ ومن قال لآخر أقرىء فلاناً عني السلام وجب عليه أن يفعل.

قال العلماء: المبتدىء يقول السلام عليكم والمجيب يقول: وعليكم السلام ليقع الابتداء والاختتام بذكر الله.

فإن خالف المبتدىء فليكن الاختتام بحاله.

ويجوز "سلام عليكم" بل قالوا إنه أولى من المعرف لأن المنكر في القرآن أكثر، وإن المنكر ورد من الله والملائكة والمؤمنين، والمعرف ورد في تسليم الإنسان على نفسه، قال موسى: ﴿ والسلام على من اتبع الهدى  ﴾ وقال عيسى: ﴿ والسلام عليّ يوم ولدت  ﴾ وأيضاً المعرف يدل على أصل الماهية والمنكر على الماهية مع وصف الكمال.

ومن السنة أن يسلم الراكب لزيادة هيبته على الماشي، وراكب الفرس على راكب الحمار، والصغير على الكبير، والأقل على الأكثر احتراماً للجماعة، والقائم على القاعد لأنه الواصل إليه لأن القائم أهيب ومن السنة الجهر بالسلام لأنه أقوى في إدخال السرور في القلب.

ومنها الابتداء به إظهاراً للتواضع، ومنها الإفشاء والتعميم لأن التخصيص إيحاش، والمصافحة عند السلام عادة النبي  : " إذا تصافح المسلمان تحاتت ذنوبهما كما يتحات ورق الشجر " ومن استقبله رجل واحد فليقل: سلام عليكم وليقصد الرجل والملكين لأنه إذا سلم عليهما ردا السلام عليه، ومن سلم الملك عليه فقد سلم من عذاب / الله، ومن دخل بيتاً خالياً فليسلم ويكون كأنه سلام من الله على نفسه، أو سلام على من فيه من مؤمني الجن، أو طلب السلامة ببركة اسم السلام ممن في البيت من الشياطين والمؤذيات.

ولو قال: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين كان حسناً، ومن السنة أن يكون المبتدىء بالسلام على الطهارة وكذا المجيب.

روي أن واحداً سلم على رسول الله  وهو في قضاء الحاجة فقام وتيمم ثم رد الجواب.

وإذا دخل يوم الجمعة والإمام يخطب فلا ينبغي أن يسلم لاشتغال الناس بالاستماع، فإن سلم ورد بعضهم فلا بأس، ولو اقتصروا على الإشارة كان أحسن.

ومن دخل الحمام فرأى الناس متزرين سلم عليهم فإن لم يكونوا مترزين لم يسلم عليهم.

والأولى ترك السلام على القارىء كيلا يقطع عليه باشتغاله بالجواب، وكذا القول فيمن كان مشتغلاً برواية الحديث ومذاكرة العلم أو بالأذان أو الإقامة.

ولا يسلم على المشغول بالأكل هكذا أطلق وحمله بعضهم على ما إذا كانت اللقمة في فيه.

ولا يسلم على قاضي الحاجة قال أبو يوسف: ولا على لاعب النرد ولا على المغني ومطير الحمام وكل من كان مشتغلاً بنوع معصية، ولا مانع من السلام على من هو في مساومة أو معاملة.

وإذا دخل الرجل بيته سلم على امرأته فإن حضرت أجنبية هناك لم يسلم عليها، وإذا سلمت الأجنبية عليه وكان يخاف في رد الجواب عليها تهمة أو فتنة لم يجب الرد بل الأولى أن لا يفعل.

وحيث قلنا لا يسلم فلو سلم لم يجب عليها الرد لأنه أتى بفعل منهي عنه فكان وجوده كعدمه.

وروي عن النبي  أنه قال: " لا يبتدأ اليهودي بالسلام " وعن أبي حنيفة أنه قال: لا تبتدئه بسلام في كتاب ولا في غيره.

وعن أبي يوسف: لا تسلم عليهم ولا تصافحهم وإذا دخلت فقل: السام على من اتبع الهدى.

ولا بأس في الدعاء له بما يصلحه في دنياه، ورخص بعض العلماء في ابتداء السلام عليهم إذا دعت إلى ذلك حاجة، أما إذا سلموا علينا فقال أكثر العلماء ينبغي أن نقول: وعليك لما روي أن اليهود تقول للمسلمين: السلام عليكم، وعن الحسن: يجوز أن يقول للكافر وعليك السلام ولا يقل: ورحمة الله.

لأنها استغفار.

وعن الشعبي أنه قال لنصراني سلم عليه عليك السلام ورحمة الله فقيل له في ذلك؟

فقال: أليس في رحمة الله يعيش؟

واعلم أن مذهب أبي حنيفة أن من وهب لغير ذي رحم محرم فله الرجوع فيها ما لم يثب منها، فإذا أثيب منها فلا رجوع له فيها.

وقال الشافعي: له الرجوع في حق الولد وليس له الرجوع في حق الأجنبي.

واحتج لأبي حنيفة بالآية وذلك أن التحية تشمل جميع أنواع الإكرام فتشمل الهبة ومقتضاها وجوب / الرد إذا لم يصر مقابلاً بالأحسن، فإذا لم يثبت الوجوب فلا أقل من الجواز، وقال الشافعي: هذا الأمر محمول على الندب بدليل أنه لو أثيب بما هو أقل منه سقطت مكنة الرد بالإجماع مع أن ظاهر الآية يقتضي أن يثاب بالأحسن.

ثم احتج الشافعي على قوله بما روي عن ابن عباس وابن عمر أن النبي  قال: " لا يحل لرجل أن يعطي عطية أو يهب هبة فيرجع فيها إلاّ الوالد فيما يعطي ولده " ﴿ إن الله كان على كل شيء حسيباً ﴾ فيحاسبكم على محافظة حقوق التحية وغيرها، فكونوا على حذر من مخالفته.

ثم أكد الوعيد بقوله: ﴿ الله لا إله إلاّ هو ليجمعنكم ﴾ فالأول توحيد والثاني عدل كأنه  يقول: من سلم عليكم وحياكم فاقبلوا سلامة وأكرموه وعاملوه بناء على الظاهر فإن البواطن إنما يعرفها الله الذي لا اله إلاّ هو، وإنما تنكشف بواطن الخلق للخلق في يوم القيامة الذي يجمع فيه الأولون والآخرون للجزاء والحساب.

وقوله: ﴿ لا إله إلاّ هو ﴾ إما خبر المبتدأ وإما اعتراض والخبر: ﴿ ليجمعنكم ﴾ والتقدير الله والله ليجمعنكم إلى يوم القيامة أي ليضمنكم إليه ويجمعن بينكم وبينه بأن يبعثكم فيه، والقيامة والقيام كالطلابة والطلاب وهي قيامهم من القبور أو قيامهم للحساب.

قال  : ﴿ يوم يقوم الناس لرب العالمين  ﴾ ﴿ ومن أصدق من الله حديثاً ﴾ استفهام على سبيل الإنكار، وذلك أن الصدق من صفات الكمال والكمال للواجب أولى وأحق وأقدم وأتم من غيره، والمعتزلة نفوا عنه الكذب بناء على أنه قبيح، ومن كذب لم يكذب إلاّ لأنه محتاج إلى أن يكذب لجر منفعة أو دفع مضرة، أو هو غني عنه إلاّ أنه يجهل غناه أو هو جاهل بقبحه، أو هو سفيه لا يفرق بين الصدق والكذب في إخباره ولا يبالي بأيهما نطق، وربما كان الكذب أحلى على حنكه من الصدق، وكل هذه الأمور من الحكيم قبيح يجب تنزيهه عنها، واعلم أن المسائل الأصولية قسمان منها ما العلم بصحة النبوة يحتاج إلى العلم بصحته كعلمنا بافتقار العالم إلى صانع عالم بكل المعلومات قادر على كل الممكنات، فهذا القسم يمتنع إثباته بالقرآن والخبر وإلاّ وقع الدور.

ومنها غير ذلك كإثبات الحشر والنشر فإنه يمكن إثباته بالقرآن والحديث فاعلم.

ثم عاد إلى حكاية أحوال المنافقين فقال: ﴿ فما لكم في المنافقين فئتين ﴾ وهو منصوب على الحال والعامل معنوي مثل: ما لك قائماً أي ما تصنع؟

وقيل: نصب على أنه خبر "كان" أي ما لكم كنتم في شأن المنافقين فئتين؟

استفهام على سبيل الإنكار أي لا تختلفوا في كفرهم، ولكن اقطعوا بنفاقهم فقد ظهرت دلائل ذلك وانكشفت جلية الحال.

وذلك أنها نزلت "في قوم من العرب أتوا رسول الله  بالمدينة فأسلموا وأصابوا وباء المدينة وحماها فقالوا: يا رسول الله نريد أن نخرج إلى الصحراء فأذن لنا فيه فأذن لهم.

فلما خرجوا لم يزالوا يرحلون مرحلة مرحلة حتى لحقوا بالمشركين.

فتكلم المؤمنون فيهم فقال بعضهم: نافقوا.

وقال بعضهم: هم مسلمون.

فبين الله نفاقهم" .

وقال مجاهد وقتادة: هم قوم هاجروا من مكة ثم بدا لهم فرجعوا وكتبوا إنا على دينك وما أخرجنا إلا اجتواء المدينة والاشتياق إلى بلدنا.

وعن زيد بن ثابت: هم الذين تخلفوا يوم أحد وقالوا: لو نعلم قتالاً لاتبعناكم.

وطعن بعضهم في هذا القول بأن نسق الكلام وهو قوله: ﴿ حتى يهاجروا في سبيل الله ﴾ يأباه إذ الهجرة تكون من مكة إلى المدينة.

وعن عكرمة: هم قوم أخذوا أموال المشركين وانطلقوا بها إلى اليمامة.

وقيل: هم العرنيون الذين أغاروا على السرح وقتلوا يساراً مولى النبي  .

وقال ابن زيد: نزلت في أهل الإفك.

قال الحسن: سماهم المنافقين وإن أظهروا الكفر باعتبار حالهم التي كانوا عليها.

﴿ والله أركسهم ﴾ الركس والإركاس رد الشيء مقلوباً.

ويقال للرفث الركس لأنه رد إلى حالة خسيسة وهي حال النجاسة ويسمى رجيعاً أيضاً لذلك والمراد ردهم إلى أحكام الكفار من الذل والصغار والسبي والقتل ﴿ بما كسبوا ﴾ أي ما أظهروا من الارتداد بعدما كانوا على النفاق ﴿ ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلاً ﴾ لأن المخلوق لا يقدر على تبديل خلق الخالق وعلى خلاف مقتضى إرادته ومشيئته.

وهذا ظاهر في المقصود.

والمعتزلة يقولون: قوله: ﴿ أركسهم بما كسبوا ﴾ أي بسبب كسبهم وفعلهم ينفي القول بأن ضلالهم حصل بخلق الله فإذن المراد من إضلال الله حكمه بضلالهم كما يقال: فلان يكفر فلاناً أي ينسبه إلى الكفر ويحكم عليه بذلك.

أو المراد إضلالهم عن طريق الجنة وهو مفسر بمنع الألطاف.

ثم ذكر أنهم بالغوا في الكفر إلى أن تمنوا أن تصيروا كفاراً فكيف تطمعون في إيمانهم وهو قوله: ﴿ ودّوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء ﴾ أي في الكفر.

والمراد فتكونون أنتم وهم سواء إلاّ أنه اكتفى بذكر المخاطبين عن ذكر غيرهم لتقدم ذكرهم.

وقوله: ﴿ فتكونون ﴾ عطف على ﴿ تكفرون ﴾ .

﴿ فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا ﴾ أي حتى يضموا إلى إيمانهم المهاجرة الصحيحة المعتمدة وهي الهجرة في سبيل الله لا لغرض من الأغراض الفانية مثل قوله  : " "أنا بريء من كل مسلم قام بين أظهر المشركين وأنا بريء من كل مسلم مع مشرك " وكانت الهجرة واجبة إلى أن فتحت مكة.

عن ابن عباس قال: قال رسول الله  يوم فتح مكة "لا هجرة / بعد الفتح ولكن جهاد ونية" .

وعن الحسن: إن حكم الآية ثابت في كل من أقام في دار الحرب فرأى فرض الهجرة إلى دار الإسلام قائماً.

قال المحققون: الهجرة في سبيل الله تشمل الانتقال من دار الكفر إلى دار الإيمان، والانتقال من أعمال الكفار إلى أعمال المسلمين بل هذا أقدم وأهم لقوله  : " المهاجر من هجر ما نهى الله عنه " ﴿ فإن تولوا ﴾ عن الإيمان المظاهر بالهجرة الصحيحة فحكمهم حكم سائر المشركين ﴿ فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم ﴾ في الحل أو في الحرم ﴿ ولا تتخذوا منهم ﴾ في هذه الحالة ﴿ ولياً ﴾ يتولى شيئاً من مهماتكم ﴿ ولا نصيراًً ﴾ ينصركم على أعدائكم بل جانبوهم مجانبة كلية.

ثم لما أمر بقتل هؤلاء الكفار استثنى عنه موضعين: الأول ﴿ إلا الذين يصلون ﴾ أي ينتهون ويتصلون ﴿ إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق ﴾ والمعنى أن من دخل في عهد من كان داخلاً في عهدكم فهم أيضاً داخلون في عهدكم.

قال القفال: وقد يدخل في الآية أن يقصد قوم حضرة الرسول  فيتعذر عليهم ذلك المطلوب فيلتجئوا إلى قوم بينهم وبين المسلمين عهد إلى أن يجدوا السبيل إليه.

والقوم هم الأسلميون وذلك أنه  وادع وقت خروجه إلى مكة هلال بن عويمر الأسلمي على أن لا يعينه ولا يعين عليه، وعلى أن من وصل إلى هلال ولجأ إليه فله من الجوار مثل الذي لهلال.

وقال ابن عباس: هم بنو بكر بن زيد مناة كانوا في الصلح.

وقال مقاتل: هم خزاعة وخزيمة.

وههنا نكتة وهي أنه  رفع السيف عمن التجأ إلى الكفار المصالحين فلان يدفع النار عمن التجأ إلى محبة الله ومحبة رسوله كان أولى.

وعن أبي عبيدة: المراد بالوصلة الانتساب.

يقال: وصلت إلى فلان واتصلت به إذا انتهيت إليه.

وأعترض عليه بأن أهل مكة أكثرهم كانوا متصلين بالرسول  من جهة النسب مع أنه كان قد أباح دم الكفار منهم.

الاستثناء الثاني قوله: ﴿ أو جاؤكم ﴾ وفي العطف وجهان: أحدهما أن يكون معطوفاً على صفة قوم والمعنى إلا الذين يصلون إلى قوم معاهدين أو إلى قوم جاؤوكم ممسكين عن القتال لا لكم ولا عليكم.

وثانيهما العطف على صلة الذين كأنه قيل: الذين يتصلون بالمعاهد أو إلى الذين لا يقاتلونكم وهذا أنسب بقوله في صفتهم ﴿ فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم ﴾ إلى آخر الآية.

إذ بين أن كفهم عن القتال سبب استحقاقهم لنفي التعرض لهم بالاستقلال لا بواسطة الاتصال.

ومعنى ﴿ حصرت صدورهم ﴾ ضاقت.

والحصر الضيق والانقباض وهو في موضع الحال بإضمار "قد" بدلالة قراءة من قرأ / ﴿ حصرة ﴾ .

وجعله المبرد صفة لموصوف محذوف منصوب على الحال أي جاؤوكم قوماً حصرت.

وقيل: هو بيان لجاؤوكم.

وقوله: ﴿ أن يقاتلوكم ﴾ أي عن أن يقاتلوكم.

ثم هؤلاء الجاؤون من الكفار أو من المؤمنين قال الجمهور: هم من الكفار بنو مدلج جاءوا رسول الله  غير مقاتلين.

وعلى هذا يلزم النسخ لأن الكافر وإن ترك القتال جاز قتله، وقال أبو مسلم: إنه  لما أوجب الهجرة على كل من أسلم استثنى من له عذر وهما طائفتان: إحداهما الذين قصدوا الرسول  للهجرة والنصرة إلاّ أنه كان في طريقهم كفار غالبون فصاروا إلى قوم بينهم وبين المسلمين عهد وأقاموا عندهم إلى أن يمكنهم الخلاص.

والثانية من صار إلى الرسول ولا يقاتل الرسول ولا أصحابه لأنه يخاف الله فيه، ولا يقاتل الكفار أيضاً لأنهم أقاربه أو لأنه بقي أولاده وأزواجه بينهم فيخاف لو قاتلهم أن يقتلوا أولاده وأصحابه.

فهذان الفريقان من المشركين لا يحل قتالهم وإن كان لم يوجد منهم الهجرة ومقاتلة الكفار، وعلى هذا فمعنى قوله: ﴿ ولو شاء الله لسلطهم عليكم ﴾ أي لو شاء لقوّى قلوبهم ليدفعوا عن أنفسهم إن أقدمتم على مقاتلتهم على سبيل الظلم.

وعلى الأول معناه أن ضيق صدورهم عن قتالكم لأن الله قذف الرعب في قلوبهم، ولو قوّى قلوبهم لتسلطوا عليكم ولقاتلوكم وهو جواب "لو" على التكرير أو البدل.

قال الكعبي: إنه  أخبر أنه لو شاء لفعل وهذا ينبىء عن القدرة على الظلم وهو صحيح عندنا ولا يدل على أنه فعل الظلم وأراده والنزاع فيه ﴿ فإن اعتزلوكم ﴾ أي فإن لم يتعرضوا لكم ﴿ وألقوا إليكم السلم ﴾ أي الانقياد والاستسلام ﴿ فما جعل الله لكم عليهم سبيلاً ﴾ فما أذن لكم في أخذهم وقتلهم ﴿ ستجدون آخرين ﴾ هم قوم من أسد وغطفان كانوا إذا أتوا المدينة أسلموا وعاهدوا ليأمنوا المسلمين فإذا رجعوا إلى قومهم كفروا ونكثوا عهودهم ﴿ كلما ردوا إل الفتنة ﴾ كلما دعاهم قومهم إلى قتال المسلمين ﴿ أركسوا فيها ﴾ أي ردوا مقلوبين منكوسين فيها.

وهذه استعارة لشدة إصرارهم على الكفر وعداوة المسلمين، لأن من وقع في حفر منكوساً تعذر خروجه ﴿ فإن لم يعتزلوكم ويلقوا ﴾ أي ولم يلقوا ولم يكفوا ﴿ فخذوهم واقتلوهم حيث ثقفتموهم ﴾ حيث تمكنتم منهم.

قال الأكثرون: وفيه دليل على أنهم إذا اعتزلوا قتالنا وطلبوا الصلح منا وكفوا أيديهم عن إيذائنا لم يجز لنا قتالهم ولا قتلهم.

وهذا مبني على أن المعلق بكلمة "إن" على الشرط يعدم عند الشرط.

أما قوله: ﴿ سلطاناً ﴾ فمعناه حجة واضحة لانكشاف حالهم في الكفر والغدر، أو تسلط ظاهر حيث أذنا لكم في قتلهم.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ إِلاَّ ٱلَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَىٰ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ ﴾ .

قال بعضهم: استثنى الذين خرجوا من دار الهجرة مرتدين إلى قومهم، وكان بينهم وبين المؤمنين عهد وميثاق، وقال: وفيهم نزل قوله -  -: ﴿ إِلاَّ ٱلَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ  ﴾ كأنه قال - والله أعلم -: إن وصل هؤلاء إلى أولئك الذين بينكم وبينهم عهد وميثاق - فلا تقاتلوهم.

وقيل: كان هذا في حي من العرب بينهم وبين رسول الله  أمان وعهد، وكانت الموادعة على أن من أتاهم من المسلمين فهو آمن، ومن جاء منهم إلى المؤمنين فهو آمن، يقول - والله أعلم -: إن وصل هؤلاء أو غيرهم إلى أهل عهدهم - أو قال: عهدكم - فإن لهم مثل الذي لأولئك من العهد وترك القتال.

وعن ابن عباس -  - قال: لما صد مشركو مكة نبي الله  عن البيت - جاء رجل - يقال كذا من بعض القبائل - لينظر ما أمر محمد وقريش؛ فرآهم قد حالوا بين رسول الله  وبين البيت، فقال: يا معشر قريش، [هلكتم]؛ أتردُّون قوماً عمار ضفروا رءوسهم عن البيت، والله لا نشرككم في هذا؛ فصالح رسول الله  ووادعه ألا يكونوا مع رسول الله  ولا يكونوا عليه، ومن لجأ إليه فهو آمن.

فلا ندري كيف كانت القصة في ذلك، غير أن فيه دليلا أن من اتصل بأهل العهد وكان على رأيهم - فهو بمنزلتهم، لا نقاتلهم.

ومن قولنا: إن الإمام إذا وادع أهل بلدة من بلدان أهل الحرب، فمن دخل فيها أو اتصل بهم فهم آمنون مثلهم؛ لا يحل قتالهم، ولا أسرهم، حتى ينبذ إليهم عهدهم، وإذا أمَّن قوماً منهم في دار الإسلام ووادعهم، ثم انضم إليهم آخرون، فدخلوا معهم دار الإسلام - له قتالهم وأسرهم.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَوْ جَآءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ ﴾ .

قيل: أي: ضيقة صدورهم، وهكذا قال الكسائي: كل من ضاق صدره عن فعل أو كلام؛ [فقد حصر]، فهذا - والله أعلم - ما ذكرنا: أن الموادعة ألا يعين بعضهم بعضاً في القتال، ولا يعينوا عليهم عدوهم، فنهاهم الله عن قتالهم؛ لما أخبر أن قلوبهم تضيق على أن يقاتلوكم مع قومهم أو أن يقاتلوا قومهم معكم.

وفي قوله -  - أيضاً: ﴿ أَوْ جَآءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ ﴾ يحتمل: أن يكون حكم هذا الحرف ما ضَمَّنه الحرف الأول؛ فيكون ذلك الشيء عمن ذكرت إذا كان هذا صفته - أن يضيق صدره عن مقاتلة المؤمنين والكافرين جميعاً: إما بالطبع، أو بوفاء العهد، أو بالنظر في الأمر؛ ليتبين له الحق، وهو متردد في الأمر؛ بما يجد المعروفين بالكتب التي احتج بها الرسول  مختلفين فيه على ما عقولهم مرتقب بهم، أو تخلف عن الإحاطة بحق الحق إلا بعد طول النظر، والله أعلم؛ فيكون معنى قوله: ﴿ أَوْ جَآءُوكُمْ ﴾ بمعنى: وجاءوكم.

ويحتمل: في قوم سوى ما ذكرت من الذين يصلون، لكن في أولئك المعاهدين نفسه الذين أبت أنفسهم نقض العهد بينهم وبين المؤمنين، وعزموا على الوفاء به، وأبت أنفسهم - أيضاً - معونة المؤمنين على قومهم بالموافقة بالمذهب والدين، وعلى ذلك وصف جميع المعاهدين الذين عزموا على الوفاء بالعهد، وذلك في حق الآيات التي ذكرنا، ثم بين الذين يناقضون العهد، أو المنافقين الذين متى سئلوا عن الكون على رسول الله والعون لأعدائه - الأمر فيهم؛ وذلك كقوله  : ﴿ يٰأَهْلَ يَثْرِبَ لاَ مُقَامَ لَكُمْ  ﴾ .

إلى قوله: ﴿ وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِّنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُواْ ٱلْفِتْنَةَ لآتَوْهَا  ﴾ وتكون هذا الآية فيهم؛ كقوله -  -: ﴿ لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ ٱلْمُنَافِقُونَ...

﴾ الأية [الأحزاب: 60]؛ فيكون في هذه الآية الإذن، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ ﴾ .

أي: نزع من قلوبهم الرعب والخوف؛ فقاتلوكم، ولم يطلبوا منكم الصلح والموادعة.

﴿ فَإِنِ ٱعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْاْ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلَمَ ﴾ .

يعني: طلبوا الصلح، وهو قول ابن عباس،  .

وقيل: قالوا: إنا على دينكم، وأظهروا الإسلام.

﴿ فَمَا جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً ﴾ .

أي: حجة وسلطان القتال، أمر الله رسوله  بالكف عن هؤلاء.

ثم قال: ﴿ سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُواْ قَوْمَهُمْ...

﴾ الآية.

قيل: كان رجال تكلموا بالإسلام متعوذين؛ ليأمنوا في المسلمين إذا لقوهم، ويأمنوا في قومهم بكفرهم؛ فأمر الله بقتالهم، إلا أن يعتزلوا عن قتالهم.

وقيل: قوله -  -: ﴿ سَتَجِدُونَ آخَرِينَ ﴾ غيرهم ممن لا يفي لكم ما كان بينكم وبينهم من العهد.

﴿ يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ ﴾ يقول: يريدون أن يأمنوا فيكم؛ فلا تتعرضوا لهم، ويأمنوا في قومهم بكفرهم؛ فلا يتعرضوا لهم.

ثم أخبر - عز وجل - عن صنيعهم وحالهم، فقال: ﴿ كُلَّ مَا رُدُّوۤاْ إِلَى ٱلْفِتْنِةِ ﴾ .

يعني: الشرك.

﴿ أُرْكِسُواْ فِيِهَا ﴾ أي: كلما دُعوا إلى الشرك فرجعوا فيها، فهؤلاء أمر الله رسوله  بقتالهم، وعرفه صفتهم، إن لم يعتزلوا ولم يكفوا أيديهم عن قتالكم.

﴿ فَخُذُوهُمْ وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُوْلَـٰئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَاناً مُّبِيناً ﴾ .

أي: جعلنا لكم عليهم سلطان القتل وحجته.

[و] في حرف ابن مسعود -  -: "ويكفوا أيديكم عن أن يقاتلوكم" وفي حرفه: "ركسوا فيها".

وفي حرف حفصة: "ركسوا فيها" وفي حرفها: "إن يقاتلوكم ويقاتلوا قومهم".

ثم يحتمل نسخ هذه الآية بقوله: ﴿ وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ  ﴾ .

وقوله -  -: ﴿ فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوۤاْ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلَمَ ﴾ بقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ  ﴾ ؛ [لأن الفرض في القتال أول ما كان فرض أنه يقاتل من قاتلنا وبدأنا، ثم إن الله -  - قال: ﴿ فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَٱحْصُرُوهُمْ ﴾ ] [التوبة: 5].

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ستجدون -أيها المؤمنون- فريقًا آخر من المنافقين يظهرون لكم الإيمان ليأمنوا على أنفسهم، ويظهرون لقومهم من الكفار الكفر إذا رجعوا إليهم ليأمنوهم، كلما دُعُوا إلى الكفر بالله والشرك به وقعوا فيه أشد الوقوع، فهؤلاء إذا لم يتركوا قتالكم، وينقادوا إليكم مصالحين، ويكفوا أيديهم عنكم؛ فخذوهم واقتلوهم أينما وجدتموهم، وأولئك الذين هذه صفتهم جعلنا لكم على أخذهم وقتلهم حجة واضحة؛ لغدرهم ومكرهم.

من فوائد الآيات خفاء حال بعض المنافقين أوقع الخلاف بين المؤمنين في حكم التعامل معهم.

بيان كيفية التعامل مع المنافقين بحسب أحوالهم ومقتضى المصلحة معهم.

عدل الإسلام في الكف عمَّن لم تقع منه أذية متعدية من المنافقين.

يكشف الجهاد في سبيل الله أهل النفاق بسبب تخلفهم عنه وتكلف أعذارهم.

<div class="verse-tafsir" id="91.6gpO9"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

الفاء في قوله تعالى ﴿ فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ  ﴾ تشعر بارتباط الآية بما قبلها، وزعم بعضهم أن الفاء للاستئناف وهذا لا معنى له، وإنما يخترع الجاهل تعليلات ومعاني لما لا يفهمه فالآية مرتبطة بما قبلها أشد الارتباط إذ الكلام السابق كان في أحكام القتال حتى ما ورد في الشفاعة الحسنة والسيئة، وقد ختمه بقوله: ﴿ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ  ﴾ إلخ، أي لا إله غيره يخشى ويخاف أو يرجى فتترك تلك الأحكام لأجله، ثم جاء بهذه الآيات موصولة بما قبلها بالفاء وهي تفيد تفريع الاستفهام الإنكاري فيها على ما قبله، أي إذا كان الله تعالى قد أمركم بالقتال في سبيله وتوعد المبطئين عنه والذين تمنوا تأخير كتابته عليهم، وإذا كان لا إله غيره فيترك أمره وطاعته لأجله -فما لكم تترددون في أمر المنافقين وتنقسمون فيهم إلى فئتين.

والمنافقون هنا غير من نزلت فيهم آيات البقرة وسورة المنافقين وأمثالهن من الآيات، المراد بالمنافقين هنا فريق من المشركين كانوا يظهرون المودة للمسلمين والولاء لهم وهم كاذبون فيما يظهرون، ضلعهم مع أمثالهم من المشركين، ويحتاطون في إظهار الولاء للمسلمين إذا رأوا منهم قوة، فإذا ظهر لهم ضعفهم انقلبوا عليهم وأظهروا لهم العداوة.

فكان المؤمنون فيهم على قسمين منهم من يرى أن يعدوا من الأولياء ويستعان بهم على سائر المشركين المحادين لهم جهرًا، ومنهم من يرى أن يعاملوا كما يعامل غيرهم من المجاهرين بالعداوة ممن لا ينافق، فأنكر الله عليهم ذلك وقال: ﴿ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا  ﴾ : أي كيف تتفرقون في شأنهم والحال أن الله تعالى أركسهم وصرفهم عن الحق الذي أنتم عليه بما كسبوا من أعمال الشرك والمعاصي حتى أنهم لا ينظرون فيه نظر إنصاف وغنما ينظرون إليكم وما أنتم عليه نظر الأعداء المبطلين ويتربصون بكم الدوائر.

﴿ فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ  ﴾ أي حتى يؤمنوا ويهاجروا، وكانت الهجرة لازمة للإيمان لزومًا مطردًا، فلذلك استغنى بذكرها عن ذكره إيجازًا.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
الله أكبر