الإسلام > القرآن > سور > سورة 44 الدخان > الآية ٢١ من سورة الدخان
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 82 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٢١ من سورة الدخان: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
( وإن لم تؤمنوا لي فاعتزلون ) أي : فلا تتعرضوا إلي ، ودعوا الأمر بيني وبينكم مسالمة إلى أن يقضي الله بيننا .
فلما طال مقامه بين أظهرهم ، وأقام حجج الله عليهم ، كل ذلك وما زادهم ذلك إلا كفرا وعنادا ، دعا ربه عليهم دعوة نفذت فيهم ، كما قال تعالى : ( وقال موسى ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالا في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم قال قد أجيبت دعوتكما فاستقيما ) [ يونس : 88 ، 89 ] .
وقوله ( وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ ) يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل نبيه موسى عليه السلام لفرعون وقومه: وإن أنتم أيها القوم لم تصدّقوني على ما جئتكم به من عند ربي, فاعتزلون: يقول: فخلوا سبيلي غير مرجوم باللسان ولا باليد.
كما حدثنا محمد بن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة ( وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ ) : أي فخلُّوا سبيلي.
قوله تعالى : وإن لم تؤمنوا لي فاعتزلون .قوله تعالى : وإن لم تؤمنوا لي أي : إن لم تصدقوني ولم تؤمنوا بالله لأجل برهاني ، فاللام في لي لام أجل .
وقيل : أي : وإن لم تؤمنوا بي ، كقوله : فآمن له لوط أي : به .
فاعتزلون أي : دعوني كفافا لا لي ولا علي ، قاله مقاتل .
وقيل : أي : كونوا بمعزل مني وأنا بمعزل منكم إلى أن يحكم الله بيننا .
وقيل : فخلوا سبيلي وكفوا عن أذاي .
والمعنى متقارب ، والله أعلم .
{ وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ } أي: لكم ثلاث مراتب: الإيمان بي وهو مقصودي منكم فإن لم تحصل منكم هذه المرتبة فاعتزلوني لا علي ولا لي، فاكفوني شركم.
فلم تحصل منهم المرتبة الأولى ولا الثانية بل لم يزالو متمردين عاتين على الله محاربين لنبيه موسى عليه السلام غير ممكنين له من قومه بني إسرائيل.
( وإن لم تؤمنوا لي فاعتزلون ) فاتركوني لا معي ولا علي .
وقال ابن عباس : فاعتزلوا أذاي باليد واللسان ، فلم يؤمنوا .
«وإن لم تؤمنوا لي» تصدقوني «فاعتزلون» فاتركوا أذاي فلم يتركوه.
وألا تتكبروا على الله بتكذيب رسله، إني آتيكم ببرهان واضح على صدق رسالتي، إني استجرت بالله ربي وربكم أن تقتلوني رجمًا بالحجارة، وإن لم تصدقوني على ما جئتكم به فخلُّوا سبيلي، وكفُّوا عن أذاي.
( وَإِن لَّمْ تُؤْمِنُواْ لِي فاعتزلون ) أى : قال لهم - أيضا - فى ختام نصحة لهم : إنى لن أتراجع عن دعوتكم إلى الحق مهما وضعتم فى طريقى من عقبات وعليكم أن تؤمنوا بى ، فإن لم تؤمنوا بى .
فكونوا بمعزل عن بحيث تتركونى وشأنى حتى أبلغ رسالة ربى ، فإنه لا موالاة ولا صلة بينى وبينكم ، ما دمتم مصرين على كفركم .فأنت ترى أن موسى - عليه السلام - قد طلب من فرعون وقومه الاستجابة بدعوته ، ونهاهم عن التكبر والغررو ، وبين لهم أنه رسول أمين على وحى الله - تعالى - ، وأنه معتصم بربه من كيدهم ، وأن عليهم إذا لم يؤمنوا به أن يتركوه وشأنه ، لكى يبلغ رسالة به ، ومن شاء بعد ذلك فليؤمن ومن شاء فليكفر .ولكن الإِرشادات الحكيمة من موسى لفرعون وقومه ، لم تجد أذنا صاغية ، فإن الطغيان فى كل زمان ومكان ، لا يعجبه منطق الحق والعدل والمسالمة ، ولكن الذى يعجبه هو التكبر فى الأرض بغير الحق ، وإيثار الغى على الرشد .
.
اعلم أنه تعالى لما بين أن كفار مكة مصرون على كفرهم، بين أن كثيراً من المتقدمين أيضاً كانوا كذلك، فبين حصول هذه الصفة في أكثر قوم فرعون، قال صاحب الكشاف قرئ، ﴿ وَلَقَدْ فَتَنَّا ﴾ بالتشديد للتأكيد قال ابن عباس ابتلينا، وقال الزجاج بلونا، والمعنى عاملناهم معاملة المختبر ببعث الرسول إليهم ﴿ وَجَاءهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ ﴾ وهو موسى واختلفوا في معنى الكريم هاهنا فقال الكلبي كريم على ربه يعني أنه استحق على ربه أنواعاً كثيرة من الإكرام، وقال مقاتل حسن الخلق وقال الفراء يقال فلان كريم قومه لأنه قل ما بعث رسول ألا من أشراف قومه وكرامهم.
ثم قال: ﴿ أَنْ أَدُّواْ إِلَي عِبَاد الله ﴾ وفي أن قولان الأول: أنها أن المفسرة وذلك لأن مجيء الرسول إلى من بعث إليهم متضمن لمعنى القول لأنه لا يجيئهم إلا مبشراً ونذيراً وداعياً إلى الله الثاني: أنها المخففة من الثقيلة ومعناه وجاءهم بأن الشأن والحديث أدواء، وعباد الله مفعول به وهم بنو إسرائيل يقول أدوهم إلي وأرسلوهم معي وهو كقوله: ﴿ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِى إسراءيل وَلاَ تُعَذّبْهُمْ ﴾ ويجوز أيضاً أن يكون نداء لهم والتقدير: أدوا إلى عباد الله ما هو واجب عليكم من الإيمان، وقبول دعوتي، وأتباع سبيلي، وعلل ذلك بأنه ﴿ رَسُولٌ أَمِينٌ ﴾ قد ائتمنه الله على وحيه ورسالته وأن لا تعلوا أن هذه مثل الأول في وجهيها أي لا تتكبروا على الله بإهانة وحيه ورسوله ﴿ إني آتيكم بسلطان مبين ﴾ بحجة بينة يعترف بصحتها كل عاقل ﴿ وَإِنّي عُذْتُ بِرَبّي وَرَبّكُمْ أَن تَرْجُمُونِ ﴾ قيل المراد أن تقتلون وقيل ﴿ أَن تَرْجُمُونِ ﴾ بالقول فتقولوا ساحر كذاب ﴿ وَإِن لَّمْ تُؤْمِنُواْ لِي ﴾ أي إن لم تصدقوني ولم تؤمنوا بالله لأجل ما أتيتكم به من الحجة، فاللام في لي لام الأجل ﴿ فاعتزلون ﴾ أي اخلوا سبيلي لا لي ولا علي.
قل مصنف الكتاب رحمه الله تعالى: إن المعتزلة يتصلفون ويقولون إن لفظ الاعتزال أينما جاء في القرآن كان المراد منه الاعتزال عن الباطل لا عن الحق، فاتفق حضوري في بعض المحافل، وذكر بعضهم هذا الكلام فأوردت عليه هذه الآية، وقلت المراد الاعتزال في هذه الآية الاعتزال عن دين موسى عليه السلام وطريقته وذلك لا شك أنه اعتزال عن الحق فانقطع الرجل.
ثم قال تعالى: ﴿ فَدَعَا رَبَّهُ ﴾ الفاء في فدعا تدل على أنه متصل بمحذوف قبله التأويل أنهم كفروا ولم يؤمنوا فدعا موسى ربه بأن هؤلاء قوم مجرمون، فإن قالوا الكفر أعظم حال من الجرم، فما السبب في أن جعل صفة الكفار كونهم مجرمين حال ما أراد المبالغة في ذمهم؟
قلت لأن الكافر قد يكون عدلاً في دينه وقد يكون مجرماً في دينه وقد يكون فاسقاً في دينه فيكون أخس الناس، قال صاحب الكشاف قرئ (إن هؤلاء) بالكسر على إضمار القول أي فدعا ربه فقال: إن هؤلاء قوم مجرمون.
ثم قال: ﴿ فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلاً ﴾ قرأ بن كثير ونافع ﴿ فَأَسْرِ ﴾ موصولة بالألف والباقون مقطوعة لألف سرى وأسرى لغتان أي أوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي ليلاً إنكم متبعون، أي يتبعكم فرعون وقومه ذلك سبباً لهلاكهم ﴿ واترك البحر رَهْواً ﴾ وفي الرهو قولان أحدهما: أنه الساكن يقال عيش راه إذا كان خافضاً وادعاً، وافعل ذلك سهواً رهواً أي ساكناً بغير تشدد، أراد موسى عليه السلام لما جاوز البحر أن يضربه بعصاه فينطبق كما كان فأمره الله تعالى بأن يتركه ساكناً على هيئته قاراً على حاله في انفلاق الماء وبقاء الطريق يبساً حتى تدخله القبط فإذا حصلوا فيه أطبقه الله عليهم والثاني: أن الرهو هو الفرجة الواسعة، والمعنى ذا رهو أي ذا فرجة يعني الطريق الذي أظهره الله فيما بين لبحر أنهم جند مغرقون، يعني اترك الطريق كما كان يدخلوا فيغرقوا، وإنما أخبره الله تعالى بذلك حتى يبقى فارغ القلب عن شرهم وإيذائهم.
ثم قال تعالى: ﴿ كَمْ تَرَكُواْ مِن جنات وَعُيُونٍ وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ ﴾ دلت هذه الآية على أنه تعالى أغرقهم، ثم قال بعد غرقهم هذا الكلام، وبيّن تعالى أنهم تركوا هذه الأشياء الخمسة، وهي الجنات والعيون والزروع والمقام الكريم والمراد بالمقام الكريم ما كان لهم من المجالس والمنازل الحسنة، وقيل المنابر التي كانوا يمدحون فرعون عليها ﴿ وَنَعْمَةٍ كَانُواْ فِيهَا فاكهين ﴾ قال علماء اللغة نعمة العيش، بفتح النون حسنه ونضارته، ونعمة الله إحسانه وعطاؤه، قال صاحب الكشاف النعمة بالفتح من التنعم وبالكسر من الإنعام، وقرئ فاكهين وفكهين كذلك الكاف منصوبة على معنى مثل ذلك الإخراج أخرجناهم منها وأورثناها أو في موضع الرفع على تقدير أن الأمر ﴿ كَذَلِكَ وأورثناها قَوْماً ءَاخَرِينَ ﴾ ليسوا منهم في شيء من قرابة ولا دين ولا ولاء، وهم بنو إسرائيل كانوا مستعبدين في أيديهم فأهلكهم الله على أيديهم وأورثهم ملكهم وديارهم.
ثم قال تعالى: ﴿ فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السماء والأرض ﴾ وفيه وجوه: الأول: قال الواحدي في البسيط روى أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من عبد إلا وله في السماء بابان باب يخرج منه رزقه وباب يدخل فيه عمله، فإذا مات فقداه وبكيا عليه» وتلا هذه الآية، قال وذلك لأنهم لم يكونوا يعملون على الأرض عملاً صالحاً فتبكي عليهم، ولم يصعد لهم إلى السماء كلام طيب ولا عمل صالح فتبكي عليهم، وهذا قول أكثر المفسرين.
القول الثاني: التقدير: فما بكت عليهم أهل السماء وأهل الأرض، فحذف المضاف والمعنى ما بكت عليهم الملائكة ولا المؤمنون، بل كانوا بهلاكهم مسرورين.
والقول الثالث: أن عادة الناس جرت بأن يقولوا في هلاك الرجل العظيم الشأن: إنه أظلمت له الدنيا، وكسفت الشمس والقمر لأجله وبكت الريح والسماء والأرض، ويريدون المبالغة في تعظيم تلك المصيبة لا نفس هذا الكذب.
ونقل صاحب الكشاف: عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما من مؤمن مات في غربة غابت فيها بواكيه إلا بكت عليه السماء والأرض».
وقال جرير: الشمس طالعة ليست بكاسفة *** تبكي عليك نجوم الليل والقمرا وفيه ما يشبه السخرية بهم يعني أنهم كانوا يستعظمون أنفسهم، وكانوا يعتقدون في أنفسهم أنهم لو ماتوا لبكت عليهم السماء والأرض، فما كانوا في هذا الحد، بل كانوا دون ذلك، وهذا إنما يذكر على سبيل التهكم.
ثم قال: ﴿ وَمَا كَانُواْ مُنظَرِينَ ﴾ أي لما جاء وقت هلاكهم لم ينظروا إلى وقت آخر لتوبة وتدارك وتقصير.
<div class="verse-tafsir"
وقرئ ﴿ ولقد فتنا ﴾ بالتشديد للتأكيد.
أو لوقوعه على القوم.
ومعنى الفتنة: أنه أمهلهم ووسع عليهم في الرزق؛ فكان ذلك سبباً في ارتكابهم المعاصي واقتراقهم الآثام.
أو ابتلاهم بإرسال موسى إليهم ليؤمنوا، فاختاروا الكفر على الإيمان، أو سلبهم ملكهم وأغرقهم ﴿ كَرِيمٌ ﴾ على الله وعلى عباده المؤمنين.
أو كريم في نفسه، لأنّ الله لم يبعث نبياً إلا من سراة قومه وكرامهم ﴿ أَنْ أدوا إِلَىَّ ﴾ هي أن المفسرة، لأن مجيء الرسول من بعث إليهم متضمن لمعنى القول لأنه لا يجيئهم إلا مبشراً ونذيراً وداعياً إلى الله.
أو المخففة من الثقيلة ومعناه: وجاءهم بأن الشأن والحديث أدّوا إليّ ﴿ عِبَادَ الله ﴾ مفعول به وهم بنو إسرائيل، يقول: أدوهم إليّ وأرسلوهم معي، كقوله تعالى: ﴿ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِى إسرائيل وَلاَ تُعَذّبْهُمْ ﴾ [طه: 47] ويجوز أن يكون نداء لهم على: أدوا إليّ يا عباد الله ما هو واجب لي عليكم من الإيمان لي وقبول دعوتي واتباع سبيلي، وعلل ذلك بأنه ﴿ رَسُولٌ أَمِينٌ ﴾ غير ظنين قد ائتمنه الله على وحيه ورسالته ﴿ وَأَن لاَّ تَعْلُواْ ﴾ أن هذه مثل الأولى في وجهيها، أي: لا تستكبروا ﴿ عَلَى الله ﴾ بالاستهانة برسوله ووحيه.
أو لا تستكبروا على نبيّ الله ﴿ بسلطان مُّبِينٍ ﴾ بحجة واضحة ﴿ أَن تَرْجُمُونِ ﴾ أن تقتلون.
وقرئ ﴿ عت ﴾ بالإدغام.
ومعناه أنه عائذ بربه متكل على أنه يعصمه منهم ومن كيدهم، فهو غير مبال بما كانوا يتوعدونهُ به من الرجم والقتل ﴿ فاعتزلون ﴾ يريد: إن لم يؤمن لي فلا موالاة بيني وبين من لا يؤمنوا، فتنحوا عني واقطعوا أسباب الوصلة عني، أي: فخلوني كفافاً لا لي ولا عليّ، ولا تتعرضوا لي بشركم وأذاكم؛ فليس جزاء من دعاكم إلى ما فيه فلاحكم ذلك.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَإنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فاعْتَزِلُونِ ﴾ فَكُونُوا بِمَعْزِلٍ مِنِّي لا عَلَيَّ ولا لِي، ولا تَتَعَرَّضُوا إلَيَّ بِسُوءٍ فَإنَّهُ لَيْسَ جَزاءَ مَن دَعاكم إلى ما فِيهِ فَلا حُكْمَ.
﴿ فَدَعا رَبَّهُ ﴾ بَعْدَ ما كَذَّبُوهُ.
﴿ أنَّ هَؤُلاءِ ﴾ بِأنَّ هَؤُلاءِ ﴿ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ ﴾ وهو تَعْرِيضٌ بِالدُّعاءِ عَلَيْهِمْ بِذِكْرِ ما اسْتَوْجَبُوهُ بِهِ ولِذَلِكَ سَمّاهُ دُعاءً، وقُرِئَ بِالكَسْرِ عَلى إضْمارِ القَوْلِ.
<div class="verse-tafsir"
{وَإِن لَّمْ تُؤْمِنُواْ لِى فاعتزلون} أي إن لم تؤمنوا الى فلا موالاة بيني وبين من لا يؤمن فتنحوا عنى او فخلونى كفافا لالى ولا على ولا تتعرضو الى بشركم واذا كم مليس جزاء من دعاكم الى مافيه فلاحكم ذلك ترجمونى فاعتزلوني في الحالتين يعقوب
﴿ وإنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فاعْتَزِلُونِ ﴾ فَكُونُوا بِمَعْزِلِ مِنِّي لا عَلَيَّ ولا لِي ولا تَتَعَرَّضُوا لِي بِسُوءٍ فَلَيْسَ ذَلِكَ جَزاءَ مَن يَدْعُوكم إلى ما فِيهِ فَلاحُكُمْ، وقِيلَ: اَلْمَعْنى وإنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَلا مُوالاةَ بَيْنِي وبَيْنَ مَن لا يُؤْمِنُ فَتَنَحَّوْا واقْطَعُوا أسْبابَ اَلْوَصْلَةِ عَنِّي، فَفي اَلْكَلامِ حَذْفُ اَلْجَوابِ وإقامَةُ اَلْمُسَبَّبِ عَنْهُ مَقامَهُ والأوَّلُ أوْفَقُ بِالمَقامِ، والِاعْتِزالُ عَلَيْهِ عِبارَةٌ عَنِ اَلتَّرْكِ وإنْ لَمْ تَكُنْ مُفارَقَةً بِالأبْدانِ <div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ يعني: ابتلينا قبل قومك قوم فرعون.
وَجاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ على ربه، وهو موسى- -.
ويقال: رسول كريم.
أي: شريف أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبادَ اللَّهِ يعني: أرسلوا معي بني إسرائيل، واتبعوني على ديني إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ قد جئتكم من عند الله تعالى.
ويقال: كريم لأنه كان يتجاوز عنهم، ويقال أمين فيكم قبل الوحي، فكيف تتهموني اليوم.
ويقال كريم حيث يتجاوز عنهم، حين دعا موسى، ورفع عنهم الجراد، والقمل، والضفادع والدم إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ فيما بينكم وبين ربكم.
قوله تعالى: وَأَنْ لاَّ تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ يعني: لا تخالفوا أمر الله تعالى.
ويقال: لا تستكبروا عن الإيمان، ولا تعلوا بالفساد، لأن فرعون لعنه الله، كان عاليا من المسرفين إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ يعني: آتيكم بحجة بينة اليد والعصى، وغير ذلك.
وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ يعني: أعوذ بالله أَنْ تَرْجُمُونِ يعني: أن تقتلون.
ومعناه: أسأل الله تعالى، أن يحفظني لكي لا تقتلوني.
قرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي عُذْتُ بإدغام الذال في التاء، لقرب مخرجيهما، والباقون بغير إدغام، لتبيين الحرف.
ثم قال: وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ يعني: إن لم تصدقوني فاتركوني.
قوله تعالى: فَدَعا رَبَّهُ يعني: دعا موسى ربه، كما ذكر في سورة يونس رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ [يونس: 88] وقوله: وَنَجِّنا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (86) [يونس: 86] أَنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ يعني: مشركون فأبوا أن يطيعوني فَأَسْرِ بِعِبادِي لَيْلًا فأوحى الله تعالى إليه، أن أدلج ببني إسرائيل إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ يعني: إنَّ فرعون يتبع أثركم، فخرج موسى ببني إسرائيل، وضرب بعصاه البحر، فصار طريقاً يابسا.
وهذا كقوله: فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً [طه: 77] فلما جاوز موسى مع بني إسرائيل البحر، فأراد موسى أن يضرب بعصاه البحر، ليعود إلى الحالة الأولى، فأوحى الله تعالى إليه بقوله وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْواً قال قتادة: يعني: طريقاً يابساً واسعاً.
وقال الضحاك: رَهْواً يعني: سهلاً.
وقال مجاهد: يعني: منفرجاً.
وقال القتبي: يعني: طريقاً سالكاً.
كما هو.
ويقال: رهواً أي: سككاً جدداً، طريقاً يابساً إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ وذلك، أن بني إسرائيل خشوا أن يدركهم فرعون، فقالوا لموسى: اجعل البحر كما كان، فإننا نخشى أن يلحق بنا.
قال الله تعالى: إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ يعني: سيغرقون، فدخل فرعون وقومه البحر، فأغرقهم الله تعالى، وبقيت قصورهم وبساتينهم قوله تعالى: كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ يعني: بساتين وأنهاراً جارية وَزُرُوعٍ يعني: الحروق وَمَقامٍ كَرِيمٍ يعني: مساكن ومنازل حسن.
كذلك يعني: هكذا أخرجناهم من النعم وَنَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ يعني: معجبين.
وقال أهل اللغة: النِّعمة بكسر النون هي المنة، واليد الصالحة، والنُّعمة بالضم هي الميسرة، وبالنصب هي السعة في العيش.
ثم قال: كَذلِكَ يعني: هكذا أخرجناهم من السعة والنعمة وَأَوْرَثْناها قَوْماً آخَرِينَ يعني: جعلناها ميراثاً لبني إسرائيل.
قوله تعالى: فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ قال بعضهم: هذا على سبيل المثل، والعرب إذا أرادت تعظيم ملك، عظيم الشأن، عظيم العطية تقول: كَسَفَ القَمَرُ لِفَقْدِهِ، وبَكَت الرِّيحُ والسَّمَاءُ وَالأرْضُ، وقد ذكروا ذلك في أشعارهم، فأخبر الله تعالى، أن فرعون لم يكن ممن يجزع له جازع، ولم يقم لفقده فقد، وقال بعضهم: فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ يعني: أهل السماء، وأهل الأرض.
فأقام السماء والأرض مقام أهلها.
كما قال: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ [يوسف: 82] وقال بعضهم: يعني: بكت السماء بعينها، وبكت الأرض.
وقال ابن عباس: «لِكُلِّ مُؤْمِنٍ بَابٌ في السَّمَاءِ، يَصْعَدُ فِيهِ عَمَلُهُ، وَيَنْزِلُ مِنهُ رِزْقُهُ، فَإذا مَاتَ بَكَى عَلَيْهِ بَابُه فِي السَّمَاءِ، وَبَكَتْ عَلَيْهِ آثَارُهُ فِي الأرْضِ» وذكر عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، أنه سئل: أتبكي السماء والأرض على أحد؟
قال نعم، إذا مات المؤمن، بكت عليه معادنه من الأرض، التي كان يذكر الله تعالى فيها ويصلي، وبكى عليه بابه الذي كان يرفع فيه عمله، فأخبر الله تعالى: أن قوم فرعون، لم تبك عليهم السماء والأرض وَما كانُوا مُنْظَرِينَ يعني: مؤجلين.
<div class="verse-tafsir"
الأحاديث عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أَنَّهُ قال: «تُقْطَعُ الآجَالُ مِنْ شَعْبَانَ إلَى شَعْبَانَ، حتى إنَّ الرَّجُلَ ليَنْكِحُ وَيُولَدُ لَهُ، وَلَقَدْ خَرَجَ اسمه في الموتى «١» » وقال قتادة، والحسن، ومجاهد: يُفْصَلُ في ليلة القدر كُلُّ ما في العامِ المُقْبِلِ، من الأقدار، والأرزاقِ، والآجال، وغير ذلك، وأَمْراً نُصِبَ على المصدر «٢» .
وقوله: إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ يحتمل أنْ يريدَ الرُّسُلَ والأَشْيَاءَ، ويحتمل أَنْ يريدَ الرحمة التي ذكر بَعْدُ، واختلف الناس في «الدخان» الذي أمر اللَّه تعالى بارتقابه، فقالت فرقة منها عليٌّ، وابن عباس، وابن عمر، والحَسَنُ بْنُ أبي الحَسَنِ، وأبو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ: هو دُخَانٌ يجيء قَبْلَ يومِ القيامة، يُصِيبُ المؤمنَ منه مِثْلُ الزكام، ويَنْضَحُ رُؤُوسَ المنافِقِينَ والكافِرِينَ، حتى تكونَ كأنَّها مَصْلِيَّةٌ حنيذة «٣» ، وقالت فرقة، منها ابن مسعود: هذا الدخان قد رأته قريشٌ حين دعا عليهم النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم بِسَبْعٍ كَسَبْعِ يُوسُفَ، فكان الرجُلُ يرى من الجُوع دُخَاناً بينه وبين السماء «٤» وما/ يأتي من الآيات يُؤَيِّدُ هذا التأويلَ، وقولهم: إِنَّا مُؤْمِنُونَ كان ذلك منهم مِنْ غَيْرِ حقيقةٍ، ثم قال تعالى: أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرى أي: من أين لهم التَّذَكُّرُ وَالاتعاظُ بعد حُلُولِ العذاب؟
وَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ يعني: محمداً صلّى الله عليه وسلّم ف تَوَلَّوْا عَنْهُ، أي: أعرضوا وَقالُوا: مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ.
وقوله: إِنَّكُمْ عائِدُونَ أي: إلى الكفر، واختلف في يوم البَطْشَةِ الكبرى، فقالتْ فرقةٌ: هو يوم القيامة، وقال ابن مسعود وغيره: هو يوم بدر «٥» .
وقوله: أَنْ أَدُّوا مأخوذ من الأداء، كأنَّه يقول: أنِ ادْفَعُوا إليَّ، وأعطوني، ومَكِّنُوني من بني إسرائيل، وَإيَّاهم أراد بقوله: عِبادَ اللَّهِ، وقال ابن عباس: المعنى:
اتبعوني إلى ما أدعوكم إليه من الحَقِّ «١» ، فعباد اللَّه على هذا مُنَادًى مضافٌ، والمؤدى هي الطاعة، والظاهر من شرع موسى ع أَنَّهُ بُعِثَ إلى دعاء فرعونَ إلَى الإيمَان، وأَنْ يرسل بني إسرائيل، فلمَّا أبى أَنْ يُؤمن ثبتت المكافحة في أنْ يرسل بني إسرائيل، وقوله بعد: وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ كالنَّصَّ في أَنَّه آخر الأمرِ، إنَّما يطلب إرسال بني إسرائيل فقط.
وقوله: وَأَنْ لاَّ تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ ...
الآية: المعنى: كانت رسالته، وقوله: أَنْ أَدُّوا وَأَنْ لاَّ تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ أيْ: على شرع اللَّه، وَعَبَّرَ بالعلوّ عن الطغيان والعتوّ، وأَنْ تَرْجُمُونِ معناه: الرجم بالحجارة المُؤَدِّي إلى القتل قاله قتادة وغيره «٢» ، وقيل:
أراد الرجم بالقول، والأول أظهر لأنَّه الذي عاذَ منه، ولم يَعُذْ من الآخر.
- قلت-: وعن ابن عمر قال: قال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «مَنِ استعاذ باللَّهِ فَأَعِيذُوهُ، وَمَنْ سَأَلَكُمْ باللَّهِ فَأَعْطُوهُ، وَمَنِ استجار باللَّهِ فَأَجِيرُوهُ، وَمَنْ أتى إلَيْكُمْ بِمَعْرُوفٍ/ فَكَافِئوهُ، فَإنْ لَمْ تَقْدِرُوا فادعوا لَهُ حتى تَعْلَمُوا أَنْ قَدْ كَافَأْتُمُوهُ «٣» » ، رواه أبو داود، والنسائيُّ، والحاكم، وابن حِبَّانَ في «صحيحيهما» ، واللفظ للنِّسَائِيِّ، وقال الحاكم: صحيحٌ على شَرْطِ الشيخَيْنِ- يعني البخاريَّ ومسلماً- اهـ من «السلاح» .
وقوله: فَاعْتَزِلُونِ متاركَةٌ صريحةٌ، قال قتادة: أراد خلّوا سبيلي.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ فَتَنّا ﴾ أيِ: ابْتَلَيْنا ﴿ قَبْلَهُمْ ﴾ أيْ: قَبْلَ قَوْمِكَ ﴿ قَوْمَ فِرْعَوْنَ ﴾ بِإرْسالِ مُوسى إلَيْهِمْ ﴿ وَجاءَهم رَسُولٌ كَرِيمٌ ﴾ وهو مُوسى بْنُ عِمْرانَ.
وَفِي مَعْنى "كَرِيمٍ" ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: حَسَنُ الخُلُقِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّانِي: كَرِيمٌ عَلى رَبِّهِ، قالَهُ الفَرّاءُ.
والثّالِثُ: شَرِيفٌ وسِيطُ النَّسَبِ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنْ أدُّوا ﴾ أيْ: بِأنْ أدُّوا ﴿ إلَيَّ عِبادَ اللَّهِ ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أدُّوا إلَيَّ ما أدْعُوكم إلَيْهِ مِنَ الحَقِّ بِاتِّباعِي، رَوى هَذا المَعْنى العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
فَعَلى هَذا يَنْتَصِبُ "عِبادَ اللَّهِ" بِالنِّداءِ.
قالَ الزَّجّاجُ: ويَكُونُ المَعْنى: أنْ أدُّوا إلَيَّ ما آمُرُكم بِهِ يا عِبادَ اللَّهِ.
والثّانِي: أرْسِلُوا مَعِي بَنِي إسْرائِيلَ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والمَعْنى: أطْلِقُوهم مِن تَسْخِيرِكُمْ، وسَلِّمُوهم إلَيَّ.
﴿ وَأنْ لا تَعْلُوا عَلى اللَّهِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: لا تَفْتَرُوا عَلَيْهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: لا تَعْتَوا عَلَيْهِ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّالِثُ: لا تَعَظَّمُوا عَلَيْهِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ ﴿ إنِّي آتِيكم بِسُلْطانٍ مُبِينٍ ﴾ أيْ: بِحُجَّةِ تَدَلُّ عَلى صِدْقِي.
فَلَمّا قالَ هَذا تَواعَدُوهُ بِالقَتْلِ فَقالَ: ﴿ وَإنِّي عُذْتُ بِرَبِّي ورَبِّكم أنْ تَرْجُمُونِ ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ رَجْمُ القَوْلِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ؛ فَيَكُونُ المَعْنى: أنْ يَقُولُوا: شاعِرٌ أوْ مَجْنُونٌ.
والثّانِي: القَتْلُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
﴿ وَإنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فاعْتَزِلُونِ ﴾ أيْ: فاتْرُكُونِي لا مَعِي ولا عَلَيَّ، فَكَفَرُوا ولَمْ يُؤْمِنُوا، ﴿ فَدَعا رَبَّهُ أنَّ هَؤُلاءِ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: مَن فَتَحَ "أنَّ"، فالمَعْنى: بِأنَّ هَؤُلاءِ؛ ومَن كَسَرَ، فالمَعْنى: قالَ: إنَّ هَؤُلاءِ، و "إنَّ" بَعْدَ القَوْلِ مَكْسُورَةٌ.
وقالَ المُفَسِّرُونَ: المُجْرِمُونَ هاهُنا: المُشْرِكُونَ.
فَأجابَ اللَّهُ دُعاءَهُ، وقالَ: ﴿ فَأسْرِ بِعِبادِي لَيْلا ﴾ يَعْنِي بِالمُؤْمِنِينَ ﴿ إنَّكم مُتَّبَعُونَ ﴾ يَتْبَعُكم فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ؛ فَأعْلَمَهم أنَّهم يَتْبَعُونَهُمْ، وأنَّهُ سَيَكُونُ سَبَبًا لِغَرَقِهِمْ.
﴿ واتْرُكِ البَحْرَ رَهْوًا ﴾ أيْ: ساكِنًا عَلى حالِهِ بَعْدَ أنِ انْفَرَقَ لَكَ، ولا تَأْمُرْهُ أنْ يَرْجِعَ كَما كانَ حَتّى يَدْخُلَهُ فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ.
والرَّهْوُ: مَشْيٌ في سُكُونٍ.
قالَ قَتادَةُ: لَمّا قَطَعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ البَحْرَ، عَطَفَ يَضْرِبُ البَحْرَ بِعَصاهُ لِيَلْتَئِمَ، وخافَ أنْ يَتْبَعَهُ فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ، فَقِيلَ [لَهُ]: "واتْرُكِ البَحْرَ رَهْوًا"، أيْ: كَما هُوَ- طَرِيقًا يابِسًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّهم جُنْدٌ مُغْرَقُونَ ﴾ أخْبَرَهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ بِغَرَقِهِمْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبُهُ في تَرْكِ البَحْرِ عَلى حالِهِ.
﴿ كَمْ تَرَكُوا ﴾ أيْ: بَعْدَ غَرَقِهِمْ ﴿ مِن جَنّاتٍ ﴾ وقَدْ فَسَّرْنا الآيَةَ في [الشُّعَراءِ: ٥٧] .
فَأمّا "النَّعْمَةُ" فَهو العَيْشُ اللَّيِّنُ الرَّغْدُ.
وما بَعْدُ هَذا قَدْ سَبَقَ بَيانُهُ [يَس: ٥٥] إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَأوْرَثْناها قَوْمًا آخَرِينَ ﴾ يَعْنِي بَنِي إسْرائِيلَ.
﴿ فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ ﴾ أيْ: عَلى آلِ فِرْعَوْنَ، وفي مَعْناهُ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ عَلى الحَقِيقَةِ؛ رَوى أنَسُ بْنُ مالِكٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ أنَّهُ قالَ: « "ما مِن مُسْلِمٍ إلّا ولَهُ في السَّماءِ بابانِ، بابٌ يَصْعَدُ فِيهِ عَمَلُهُ، وبابٌ يَنْزِلُ مِنهُ رِزْقُهُ، فَإذا ماتَ بَكَيا عَلَيْهِ"» وتَلا هَذِهِ الآيَةَ.
وقالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «إنَّ المُؤْمِنَ إذا ماتَ بَكى عَلَيْهِ مُصَلّاهُ مِنَ الأرْضِ ومَصْعَدُ عَمَلِهِ مِنَ السَّماءِ، وإنَّ آلَ فِرْعَوْنَ لَمْ يَكُنْ لَهم في الأرْضِ مُصَلًّى ولا في السَّماءِ مَصْعَدُ عَمَلٍ، فَقالَ اللَّهُ تَعالى: "فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ والأرْضُ"،» وإلى نَحْوِ هَذا ذَهَبَ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَّحّاكُ، ومُقاتِلٌ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الحُمْرَةُ الَّتِي في السَّماءِ: بُكاؤُها.
وقالَ مُجاهِدٌ: ما ماتَ مُؤْمِنٌ إلّا بَكَتْ عَلَيْهِ السَّماءُ والأرْضُ أرْبَعِينَ صَباحًا، فَقِيلَ لَهُ: أوَ تَبْكِي؟
قالَ: وما لِلْأرْضِ لا تَبْكِي عَلى عَبْدٍ كانَ يَعْمُرُها بِالرُّكُوعِ والسُّجُودِ؟!
وما لِلسَّماءِ لا تَبْكِي عَلى عَبْدٍ كانَ لِتَسْبِيحِهِ وتَكْبِيرِهِ فِيها دَوِيٌّ كَدَوِيِّ النَّحْلِ؟!
.
والثّانِي: أنَّ المُرادَ: أهْلُ السَّماءِ وأهْلُ الأرْضِ، قالَهُ الحَسَنُ، ونَظِيرُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حَتّى تَضَعَ الحَرْبُ أوْزارَها ﴾ ، أيْ: أهْلُ الحَرْبِ.
والثّالِثُ: أنَّ العَرَبَ تَقُولُ إذا أرادَتْ تَعْظِيمَ مَهْلِكِ عَظِيمٍ: أظْلَمَتِ الشَّمْسُ لَهُ، وكَسَفَ القَمَرُ لِفَقْدِهِ، وبَكَتْهُ الرِّيحُ والبَرْقُ والسَّماءُ والأرْضُ، يُرِيدُونَ المُبالَغَةَ في وصْفِ المُصِيبَةِ، ولَيْسَ ذَلِكَ بِكَذِبٍ مِنهُمْ، لِأنَّهم جَمِيعًا مُتَواطِئُونَ عَلَيْهِ، والسّامِعُ لَهُ يَعْرِفُ مَذْهَبَ القائِلِ فِيهِ؛ ونِيَّتَهم في قَوْلِهِمْ: أظْلَمَتِ الشَّمْسُ: كادَتْ تُظْلِمُ، وكَسَفَ القَمَرُ: كادَ يَكْسِفُ، ومَعْنى "كادَ": هَمَّ أنْ يَفْعَلَ ولَمْ يَفْعَلْ؛ قالَ ابْنُ مُفَرَّغٍ يَرْثِي رَجُلًا: الرِّيحُ تَبْكِي شَجْوَهُ والبَرْقُ يَلْمَعُ في غَمامَهْ وَقالَ الآخَرُ الشَّمْسُ طالِعَةٌ لَيْسَتْ بِكاسِفَةٍ- ∗∗∗ تَبْكِي عَلَيْكَ- نُجُومَ اللَّيْلِ والقَمَرا أرادَ: الشَّمْسُ طالِعَةٌ تَبْكِي عَلَيْهِ، ولَيْسَتْ مَعَ طُلُوعِها كاسِفَةً النُّجُومَ والقَمَرَ، لِأنَّها مُظْلِمَةٌ، وإنَّما تَكْسِفُ بِضَوْئِها، فَنُجُومُ اللَّيْلِ بادِيَةٌ بِالنَّهارِ، فَيَكُونُ مَعْنى الكَلامِ: إنَّ اللَّهَ لَمّا أهْلَكَ قَوْمَ فِرْعَوْنَ لَمْ يَبْكِ عَلَيْهِمْ باكٍ: ولَمْ يَجْزَعْ جازِعٌ، ولَمْ يُوجَدْ لَهم فَقْدٌ، هَذا كُلُّهُ كَلامُ ابْنِ قُتَيْبَةَ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَأنْ لا تَعْلُوا عَلى اللهِ إنِّي آتِيكم بِسُلْطانٍ مُبِينٍ ﴾ ﴿ وَإنِّي عُذْتُ بِرَبِّي ورَبِّكم أنْ تَرْجُمُونِ ﴾ ﴿ وَإنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فاعْتَزِلُونِ ﴾ ﴿ فَدَعا رَبَّهُ أنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ ﴾ ﴿ فَأسْرِ بِعِبادِي لَيْلا إنَّكم مُتَّبَعُونَ ﴾ ﴿ واتْرُكِ البَحْرَ رَهْوًا إنَّهم جُنْدٌ مُغْرَقُونَ ﴾ ﴿ كَمْ تَرَكُوا مِن جَنّاتٍ وعُيُونٍ ﴾ ﴿ وَزُرُوعٍ ومَقامٍ كَرِيمٍ ﴾ ﴿ وَنَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ ﴾ ﴿ كَذَلِكَ وأورَثْناها قَوْمًا آخَرِينَ ﴾ المَعْنى: كانَتْ رِسالَتُهُ وقَوْلُهُ: أنْ أدُّوا وألّا تَعْلُوا، وعَبَّرَ بِالعُلُوِّ عَنِ الطُغْيانِ والعُتُوِّ عَلى اللهِ تَعالى وعَلى شَرْعِهِ وعَلى رَسُولِهِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "إنِّي آتِيكُمْ" ﴾ بِكَسْرِ الألِفِ مِن "إنِّي" عَلى الإخْبارِ المُؤَكَّدِ، والسُلْطانُ: الحُجَّةُ، فَكَأنَّهُ قالَ: لا تَكْفُرُوا، فَإنَّ الدَلِيلَ المُؤَدِّيَ إلى الإيمانِ بَيِّنٌ.
وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "أنِّي آتِيكُمْ" بِفَتْحِ الألِفِ.
و"أنْ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ، بِمَعْنى: لا تَكْفُرُوا مِن أجْلِ أنِّي آتِيكم بِسُلْطانٍ مُبِينٍ، فَكَأنَّ مَقْصِدَ الكَلامِ التَوْبِيخُ، كَما تَقُولُ لِإنْسانٍ: لا تَغْضَبْ، لِأنَّ الحَقَّ قِيلَ لَكَ.
وقَوْلُهُ: ﴿ وَإنِّي عُذْتُ ﴾ الآيَةُ، كَلامٌ قالَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ لِخَوْفٍ لَحِقَهُ مِن فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ و"عُذْتُ": مَعْناهُ: اسْتَجَرْتُ وتَحَرَّمْتُ، وأُدْغَمَ الذالُ في التاءِ الأعْرَجُ، وأبُو عَمْرٍو، واخْتَلَفَ الناسُ في قَوْلِهِ: ﴿ "أنْ تَرْجُمُونِ" ﴾ فَقالَ قَتادَةُ وغَيْرُهُ: أرادَ الرَجْمَ بِالحِجارَةِ المُؤَدِّي إلى القَتْلِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رِضِيَ اللهُ عنهُما، وأبُو صالِحٍ: أرادَ الرَجْمَ بِالقَوْلِ مِنَ السِبابِ والمُخالَفَةِ ونَحْوِهِ، والأوَّلُ أظْهَرُ، لِأنَّهُ أُعِيذَ مِنهُ ولَمْ يَعُذْ مِنَ الآخَرِ، بَلْ قِيلَ فِيهِ عَلَيْهِ السَلامُ ولَهُ، وقَوْلُهُ: ﴿ تُؤْمِنُوا لِي ﴾ مَعْناهُ: تُؤْمِنُوا بِي، والمَعْنى: تُصَدِّقُوا، وقَوْلُهُ: ﴿ "فاعْتَزِلُونِ" ﴾ مُتارَكَةٌ صَرِيحَةٌ.
قالَ قَتادَةُ: أرادَ خَلُّوا سَبِيلِي.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَدَعا رَبَّهُ ﴾ قَبْلَهُ مَحْذُوفٌ مِنَ الكَلامِ، تَقْدِيرُهُ: فَما كَفُّوا عنهُ، بَلْ تَطَرَّقُوا إلَيْهِ، وعَتَوْا عَلَيْهِ وعَلى دَعْوَتِهِ فَدَعا رَبَّهُ، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، وعِيسى: "إنَّ هَؤُلاءِ" بِكَسْرِ الألِفِ مِن "إنَّ"، عَلى مَعْنى: "قالَ إنَّ"، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ، والحَسَنُ أيْضًا: "أنَّ هَؤُلاءِ" بِفَتْحِ الألِفِ، والقِراءَتانِ حَسَنَتانِ، وحُكِمَ عَلَيْهِمْ بِالإجْرامِ المُضَمَّنِ لِلْكُفْرِ حِينَ يَئِسَ مِنهُمْ، وهُنا أيْضًا مَحْذُوفٌ مِنَ الكَلامِ تَقْدِيرُهُ: فَقالَ اللهُ تَعالى لَهُ: فَأسْرِ بِعِبادِي، وهَذا هو الأمْرُ الَّذِي أنْفَذَهُ اللهُ تَعالى إلى مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ بِالخُرُوجِ مِن دِيارِ مِصْرَ بِبَنِي إسْرائِيلَ، وقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ وقَصَصُهُ في سُورَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَلامُ وغَيْرِها، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "فاسْرُ" مَوْصُولَةُ الألِفِ، وقَرَأ: "فَأسْرِ" بِقِطَعِ الألِفِ الحَسَنُ، وَعِيسى، ورُوِيَتْ عن أبِي عَمْرٍو، وأعْلَمَهُ تَعالى بِأنَّهم مُتَّبِعُونَ، أيْ: يَتْبَعُهم فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ.
واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واتْرُكِ البَحْرَ رَهْوًا ﴾ ، مَتى قالَها سُبْحانَهُ وتَعالى لِمُوسى عَلَيْهِ السَلامُ ؟
فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هو كَلامٌ مُتَّصِلٌ، إنَّكم مُتَّبَعُونَ واتْرُكِ البَحْرَ إذا انْفَرَقَ لَكَ رَهْوًا، وقالَ قَتادَةُ وغَيْرُهُ: خُوطِبَ عَلَيْهِ السَلامُ بِهِ بَعْدَ ما جازَ البَحْرَ وخَشِيَ أنْ يَدْخُلَ فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ وراءَهُ، وأنْ يَخْرُجُوا مِنَ المَسالِكِ الَّتِي خَرَجَ مِنها بَنُو إسْرائِيلَ، فَهَمَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ بِأنْ يَضْرِبَ البَحْرَ عَسى أنْ يَلْتَئِمَ ويَرْجِعَ إلى حالِهِ، فَقِيلَ لَهُ عِنْدَ ذَلِكَ: ﴿ واتْرُكِ البَحْرَ رَهْوًا ﴾ .
واخْتَلَفَتْ عِبارَةُ المُفَسِّرِينَ في تَفْسِيرِ الرَهْوِ، فَقالَ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ: مَعْناهُ: يَبَسًا، مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فاضْرِبْ لَهم طَرِيقًا في البَحْرِ يَبَسًا ﴾ ، وقالَ الضَحّاكُ بْنُ مُزاحِمٍ: مَعْناهُ: دَمِثًا لَيِّنًا.
وقالَ عِكْرِمَةُ أيْضًا: جَرْدًا.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: سَهْلًا.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِي اللهُ عنهُما: مَعْناهُ: ساكِنًا، أيْ: كَما جَزَتْهُ، وهَذا القَوْلُ الأخِيرُ هو الَّذِي تُؤَيِّدُهُ اللُغَةُ، فَإنَّ العَيْشَ الراهِيَ هو الَّذِي في خَفْضٍ ودَعَةٍ وسُكُونٍ، حَكاهُ المُبَرِّدُ وغَيْرُهُ، والرَهْوُ في اللُغَةِ هو هَذا المَعْنى، ومِنهُ قَوْلُ عُمَيْرِ بْنِ شُيَيْمٍ القَطامِيِّ: يَمْشُونَ رَهْوًا فَلا الأعْجازُ خاذِلَةً ∗∗∗ ولا الصُدُورُ عَلى الأعْجازِ تَتَّكِلُ فَإنَّما مَعْناهُ: يَمْشِينَ اتِّئادًا وسُكُونًا وتَماهُلًا، ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: ............................
∗∗∗ ∗∗∗ أو أُمَّةٌ خَرَجَتْ رَهْوًا إلى عِيدِ أيْ: خَرَجُوا في سُكُونٍ وتَماهُلٍ، فَقِيلَ لِمُوسى عَلَيْهِ السَلامُ: اتْرُكِ البَحْرَ ساكِنًا عَلى حالِهِ مِنَ الِافْتِراقِ لِيَقْضِيَ اللهُ أمْرًا كانَ مَفْعُولًا، والرَهْوُ مِن أسْماءِ الكُرْكِيِّ الطائِرِ، ولا مَدْخَلَ لَهُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ، ويُشْبِهُ عِنْدِي أنَّ سُمِّيَ رَهْوًا لِسُكُونِهِ، وأنَّهُ أبَدًا عَلى تَماهُلٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَمْ تَرَكُوا ﴾ الآيَةُ، قَبْلَهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: فَغَرِقُوا وقَطَعَ اللهُ دابِرَهُمْ، ثُمَّ أخَذَ اللهُ تَعالى يَعْجَبُ مِن كَثْرَةِ ما تَرَكُوا مِنَ الأُمُورِ الرَفِيعَةِ العَظِيمَةِ في الدُنْيا، و ﴿ "كَمْ" ﴾ خَبَرٌ لِلتَّكْثِيرِ، والجَنّاتُ والعُيُونُ رُوِيَ أنَّها كانَتْ مُتَّصِلَةً ضِفَّتَيِ النِيلِ جَمِيعًا مِن رَشِيدٍ إلى أسْوانَ، وأمّا العُيُونُ فَيُحْتَمَلُ أنَّهُ أرادَ الخِلْجانَ الخارِجَةَ مِنَ النِيلِ فَشَبَّهَها بِالعُيُونِ، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ كانَتْ ثَمَّ عُيُونٌ ونَضَبَتْ، كَما يَعْتَرِي في كَثِيرٍ مِن بِقاعِ الأرْضِ، وقَرَأ قَتادَةُ، ومُحَمَّدُ بْنُ السَمَيْفَعِ اليَمانِيُّ، ونافِعٌ -فِي رِوايَةِ خارِجَةَ عنهُ-: "وَمُقامٍ" بِضَمِّ المِيمِ، أيْ: مَوْضِعَ إقامَةٍ، وكَذَلِكَ قَرَأ اليَمانِيُّ في كُلِّ القُرْآنِ إلّا في مَرْيَمَ ﴿ خَيْرٌ مَقامًا ﴾ ، فَكَأنَّ المَعْنى: كَمْ تَرَكُوا مِن مَوْضِعٍ حَسَنٍ كَرِيمٍ في قَدْرِهِ ونَفْعِهِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ، ونافِعٌ: ﴿ "وَمَقامٍ كَرِيمٍ" ﴾ بِفَتْحِ المِيمِ، أيْ: مَوْضِعُ قِيامٍ، فَعَلى هَذِهِ القِراءَةِ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ: أرادَ المَنابِرَ، وعَلى ضَمِّ المِيمِ فِي: "مُقامٍ" قالَ قَتادَةُ: أرادَ المَواضِعَ الحِسانَ مِنَ المَساكِنِ وغَيْرِها، والقَوْلُ بِالمَنابِرِ بَهِيٌّ جِدًّا.
و"النَعْمَةَ" -بِفَتْحِ النُونِ-: غَضارَةُ العَيْشِ ولَذاذَةُ الحَياةِ، و"النِعْمَةُ" -بِكَسْرِ النُونِ-: أعَمُّ مِن هَذا، لِأنَّ النِعْمَةَ بِالفَتْحِ هي مِن جُمْلَةِ النِعَمِ بِالكَسْرِ، وقَدْ تَكُونُ الأمْراضُ والآلامُ والمَصائِبُ نِعَمًا، ولا يُقالُ فِيها نَعْمَةً بِالفَتْحِ، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ: "وَنِعْمَةً" بِالنَصْبِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "فاكِهِينَ" بِمَعْنى: ناعِمِينَ.
والفاكِهُ: الطَيِّبُ النَفْسِ، أو يَكُونُ بِمَعْنى: أصْحابُ فاكِهَةٍ كَلابِنٍ وتامِرٍ، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ، والحَسَنُ -بِخِلافٍ عنهُ- وابْنُ القَعْقاعِ: "فَكِهِينَ"، ومَعْناهُ قَرِيبٌ مِنَ الأوَّلِ، لَكِنَّ الفَكِهَ يُسْتَعْمَلُ كَثِيرًا في المُسْتَخِفِّ المُسْتَهْزِئِ، فَكَأنَّهُ ها هُنا يَقُولُ: كانُوا في هَذِهِ النِعْمَةِ مُسْتَخِفِّينَ بِشُكْرِها والمَعْرِفَةِ بِحَقِّها.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَذَلِكَ وأورَثْناها ﴾ مَعْناهُ: الأمْرُ كَذَلِكَ، وسَمّاهُ وِراثَةُ مِن حَيْثُ كانَتْ أشْياءُ أُناسٍ وصَلَتْ إلى قَوْمٍ آخَرِينَ مِن بَعْدِ مَوْتِ الأوَّلِينَ، وهَذِهِ حَقِيقَةُ المِيراثِ في اللُغَةِ، ورَبَطَها الشَرْعُ بِالنَسَبِ وغَيْرُهُ مِن أسْبابِ المِيراثِ، و"الآخَرُونَ": مِن مُلْكِ مِصْرَ بَعْدَ القِبْطِ، وقالَ قَتادَةُ: القَوْمُ الآخَرُونَ هم بَنُو إسْرائِيلَ، وهَذا ضَعِيفٌ، لِأنَّهُ لَمْ يُرْوَ في التَوارِيخِ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ رَجَعُوا إلى مِصْرَ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ الزَمانِ ولا مَلَكُوها قَطُّ، إلّا أنْ يُرِيدَ قَتادَةُ أنَّهم ورِثُوا نَوْعَها في بِلادِ الشامِ، وقَدْ ذَكَرَ الثَعْلَبِيُّ عَنِ الحَسَنِ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ رَجَعُوا إلى مِصْرَ بَعْدَ هَلاكِ فِرْعَوْنَ.
<div class="verse-tafsir"
جعل الله قصة قوم فرعون مع موسى عليه السلام وبني إسرائيل مثلاً لحال المشركين مع النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين به، وجعل ما حلّ بهم إنذاراً بما سيحلّ بالمشركين من القحط والبطشة مع تقريب حصول ذلك وإمكانه ويُسره وإن كانوا في حالة قوة فإن الله قادر عليهم، كما قال تعالى: ﴿ فأهلكنا أشدّ منهم بطشاً ﴾ [الزخرف: 8] فذكرها هنا تأييد للنبيء ووَعدٌ له بالنصر وحسننِ العاقبة، وتهديدٌ للمشركين.
وهذا المثل وإن كان تشبيهاً لمجْمُوععِ الحالة بالحالة فهو قابل للتوزيع بأن يشبَّه أبو جهل بفرعون، ويشبه أتباعه بملإِ فرعون وقومِه أو يشبه محمد صلى الله عليه وسلم بموسى عليه السلام، ويشبه المسلمون ببني إسرائيل.
وقبولُ المثل لتوزيع التشبيه من محاسنه.
وموقع جملة ﴿ ولقد فتنا ﴾ يجوز أن يكون موقع الحال فتكون الواوُ للحال وهي حال من ضمير ﴿ إنا منتقمون ﴾ [الدخان: 16].
ويجوز أن تكون معطوفة على جملة ﴿ إنا منتقمون ﴾ [الدخان: 16]، أي منتقمون منهم في المستقبل وانتقمنا من قوممِ فرعون فيما مضى.
وأشعر قولَه قبلَهم} أن أهل مكة سيُفتنون كما فُتِن قوم فرعون، فكان هذا الظرف مؤذناً بجملة محذوفة على طريقة الإيجاز، والتقدير: إنا منتقمون ففاتنوهم فقد فتنا قبلهم قوم فرعون، ومؤذناً بأن المذكور كالدليل على توقع ذلك وإمكانه وهو إيجاز آخر.
والمقصود تشبيه الحالة بالحالة ولكن عدل عن صَوغ الكلام بصيغة التشبيه والتمثيل إلى صوغه بصيغة الإخبار اهتماماً بالقصة وإظهاراً بأنها في ذاتها مما يهم العلمُ به، وأنها تذكير مستقل وأنها غير تابعة غيرها.
ولأن جملة ﴿ وجاءهم رسول كريم ﴾ عطفت على جملة ﴿ فتنا ﴾ أي ولقد جاءهم رسول كريم، عطفَ مفصل على مجمل، وإنما جاء معطوفاً إذ المذكور فيه أكثرُ من معنى الفتنة، فلا تكون جملة ﴿ وجاءهم رسول كريم ﴾ بياناً لجملة ﴿ فتنا ﴾ بل هي تفصيل لقصة بعثة موسى عليه السلام.
والفَتن: الإيقاع في اختلال الأحوال، وتقدم في قوله تعالى: ﴿ والفتنة أشدّ من القتل ﴾ في سورة البقرة (191).
والرسول الكريم: موسى، والكريم: النفيس الفائق في صنفه، وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ إِنَيَ أُلْقِيَ إليّ كتابٌ كريمٌ ﴾ في سورة النمل (29)، أي رسول من خِيرة الرسل أو من خِيرة الناس.
وأن أدوا إلي عباد الله } تفسير لما تضمنه وصف ﴿ رَسول ﴾ وفعل ﴿ جاءهم ﴾ من معنى الرسالة والتبليغ ففيهما معنى القول.
ومعنى ﴿ أدوا إلي ﴾ أرْجعوا إلي وأعطوا قال تعالى: ﴿ وَمِنْهُمْ من إن تأمَنْه بدينار لا يُؤدِه إليك ﴾ [آل عمران: 75]، يقال: أدَّى الشيء أوصله وأبلغه.
وهمزة الفعل أصلية وهو مضاعف العين ولم يسمع منه فِعل سالم غير مضاعف، جَعل بني إسرائيل كالأمانة عند فرعون على طريقة الاستعارة المكنية.
وخطاب الجمع لقوم فرعون.
والمرادُ: فرعون ومن حضر من ملئه لعلهم يشيرون على فرعون بالحق، ولعله إنما خاطب مجموع الملإ لمّا رأى من فرعون صلفاً وتكبراً من الامتثال، فخطاب أهل مشورته لعل فيهم من يتبصر الحق.
و ﴿ عباد الله ﴾ يجوز أن يكون مفعول ﴿ أدوا ﴾ مراداً به بنو إسرائيل، أجري وصفهم ﴿ عباد الله ﴾ تذكيراً لفرعون بموجب رفع الاستعباد عنهم، وجاء في سورة الشعراء (17) ﴿ أن أرسل معنا بني إسرائيل ﴾ فحصل أنّه وصفهم بالوصفين، فوصف ﴿ عباد الله ﴾ مبطل لحسبان القبط إياهم عَبيداً كما قال: ﴿ وقومُهُما لنا عابدون ﴾ [المؤمنون: 47] وإنما هم عباد الله، أي أحرار فعباد الله كناية عن الحرية كقول بشار يخاطب نفسه: أصبحتَ مولى ذي الجلال وبعضُهم *** مولَى العَبيد فلُذْ بفضلك وافخَر ويجوز أن يكون مفعول فعل ﴿ أدوا ﴾ محذوفاً يدل عليه المقام، أي أدّوا إليَّ الطاعةَ ويكون ﴿ عباد الله ﴾ منادى بحذف حرف النداء.
قال ابن عطية: الظاهر من شرع موسى أنه بعث إلى دعاء فرعون للإيمان وأن يرسل بني إسرائيل، فلما أبى فرعون أن يؤمن ثبتت المكافحة في أن يرسل بني إسرائيل، قال: ويدل عليه قوله بعد ﴿ وإن لم تؤمنوا لي فاعتزلون ﴾ .
وقوله: ﴿ إني لكم رسول أمين ﴾ علة للأمر بتسليم بني إسرائيل إليه، أي لأني مرسل إليكم بهذا، وأنا أمين، أي مؤتمن على أني رسول لكم.
وتقديم ﴿ لكم ﴾ على ﴿ رسول ﴾ للاهتمام بتعلق الإرسال بأنه لهم ابتداءً بأن يعطوه بني إسرائيل لأن ذلك وسيلة للمقصود من إرساله لتحرير أمة إسرائيل والتشريععِ لها، وليس قوله: ﴿ لكم ﴾ خطاباً لبني إسرائيل فإن موسى قد أبلغ إلى بني إسرائيل رسالتَه مع التبليغ إلى فرعون قال تعالى: ﴿ فما آمن لموسى إلا ذريةٌ من قومه على خوففٍ من فرعون وملائهم أن يفتنهم ﴾ [يونس: 83]، وليكون امتناع فرعون من تسريح بني إسرائيل مبرراً لانسلاخ بني إسرائيل عن طاعة فرعون وفرارهم من بلاده.
وعطف على طلب تسليم بني إسرائيل نهياً عن الاستكبار عن إجابة أمر الله أنَفَة من الحطّ من عظمته في أنظار قومهم فقال: ﴿ وأن لا تعلوا على الله ﴾ أي لا تَعْلُوا على أمره أو على رسوله فلما كان الاعتلاء على أمر الله وأمر رسوله ترفيعاً لأنفسهم على واجب امتثال ربهم جعلوا في ذلك كأنهم يتعالون على الله.
و ﴿ أن لا تعلوا ﴾ عطف على ﴿ أن أدوا إلي ﴾ .
وأعيد حرف ﴿ أنْ ﴾ التفسيرية لزيادة تأكيد التفسير لمدلول الرسالة.
و ﴿ لا ﴾ ناهية، وفعل ﴿ تعلوا ﴾ مجزوم ب ﴿ لا ﴾ الناهية.
وجملة ﴿ إني آتيكم بسلطان مبين ﴾ علة جديرة بالعود إلى الجمل الثلاث المتقدمة وهي ﴿ أدوا إلي عباد الله ﴾ ، ﴿ إني لكم رسول أمين ﴾ ، ﴿ وأن لا تعلوا على الله ﴾ لأن المعجزة تدل على تحقق مضامين تلك الجمل مَعلولِها وعلتها.
والسلطان من أسماء الحجة قال تعالى: ﴿ إن عندكم من سلطاننٍ بهذا ﴾ [يونس: 68] فالحجة تلجئ المحوج على الإقرار لمن يحاجّه فهي كالمتسلط على نفسه.
والمعجزة: حجة عظيمة ولذلك وصف السلطان ب ﴿ مبين ﴾ ، أي وَاضح الدلالة لا ريب فيه.
وهذه المعجزة هي انقلاب عصاه ثعباناً مبيناً.
و ﴿ آتيكم ﴾ مضارع أو اسم فاعل (أتى).
وعلى الاحتمالين فهو مقتض للإتيان بالحجّة في الحال.
وجملة ﴿ وإني عذت بربي ﴾ عطف على جملة ﴿ أدوا إلي عباد الله ﴾ ، فإن مضمون هذه الجملة مما شمله كلامه حين تبليغ رسالته فكان داخلاً في مجمل معنى ﴿ وجاءهم رسول كريم ﴾ المفسرُ بما بعد ﴿ أنْ ﴾ التفسيرية.
ومعناه: تحذيرهم من أن يرجموه لأن معنى ﴿ عذت بربي ﴾ جعلتُ ربي عوذاً، أي مَلْجَأ.
والكلام على الاستعارة بتشبيه التذكير بخوف الله الذي يمنعهم من الاعتداء عليه بالالتجاء إلى حصن أو معقل بجامع السلامة من الاعتداء.
ومثل هذا التركيب ممّا جرى مجرى المثل، ومنه قوله في سورة مريم (18) ﴿ قالت إنّي أعوذ بالرحمان منك إن كنتَ تقياً ﴾ وقال أحَدُ رُجّاز العرب: قالت وفيها حَيْدة وذُعْر *** عَوْذ بربي منكمُ وحِجْر والتعبير عن الله تعالى بوصف ﴿ ربي وربكم ﴾ لأنه أدخل في ارعوائهم من رجمه حين يتذكرون أنه استعصم بالله الذي يشتركون في مربوبيته وأنهم لا يخرجون عن قدرته.
والرجم: الرمي بالحجارة تباعاً حتى يموت المرمِي أو يثخنه الجراح.
والقصد منه تحقير المقتول لأنهم كانوا يرمون بالحجارة من يطردونه، قال: ﴿ فاخرُج منها فإنك رجيمٌ ﴾ [الحجر: 34].
وإنّما استعاذ موسى منه لأنه علم أن عادتهم عقاب من يخالف دينهم بالقتل رمياً بالحجارة.
وجاء في سورة القصص (33) ﴿ فأخاف أن يقْتلون ﴾ ومعنى ذلك إن لم تؤمنوا بما جئت به فلا تقتلوني، كما دل عليه تعقيبه بقوله: ﴿ وإن لم تؤمنوا لي ﴾ .
والمعنى: إن لم تؤمنوا بالمعجزة التي آتيكم بها فلا ترجموني فإني أعوذ بالله من أن ترجموني ولكن اعتزلوني فكونوا غير موالين لي وأكون مع قرمي بني إسرائيل، فالتقدير: فاعتزلوني وأعتزلكم لأن الاعتزال لا يتحقق إلا من جانبين.
وجيء في شرط ﴿ إن لم تؤمنوا لي ﴾ بحرف ﴿ إنْ ﴾ التي شأنها أن تستعمل في الشرط غير المتيقّن لأن عدم الإيمان به بعد دلالة المعجزة على صدقه من شأنه أن يكون غير واقع فيفرضَ عدمُه كما يُفرض المحال.
ولعله قال ذلك قبل أن يعلمه الله بإخراج بني إسرائيل من مصر، أو أراد: فاعتزلوني زمناً، يعني إلى أن يعيّن له الله زمن الخروج.
وعدّي ﴿ تؤمنوا ﴾ باللام لأنه يقال: آمَن به وآمن لَه، قال تعالى: ﴿ فآمن له لوطٌ ﴾ [العنكبوت: 26]، وأصل هذه اللام لام العلة على تضمين فعل الإيمان معنى الركون.
وقد جاء ترتيب فواصل هذا الخطاب على مراعاة ما يبدو من فرعون وقومه عند إلقاء موسى دعوته عليهم إذْ ابتدأ بإبلاغ ما أرسل به إليهم فآنس منهم التعجب والتردد فقال: ﴿ إني لكم رسول أمين ﴾ ، فرأى منهم الصلف والأنفة فقال: ﴿ وأن لا تعلوا على الله ﴾ فلم يرعُووا فقال: ﴿ إني آتيكم بسلطان مبين ﴾ ، فلاحت عليهم علامات إضمار السوء له فقال: ﴿ وإني عذت بربي وربكم أن ترجمون وإن لم تؤمنوا لي فاعتزلون ﴾ ، فكان هذا الترتيب بين الجُمللِ مغنياً عن ذكر ما أجابوا به على أبدع إيجاز.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَجاءَهم رَسُولٌ كَرِيمٌ ﴾ وهو مُوسى بْنُ عِمْرانَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
وَفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: كَرِيمٌ عَلى رَبِّهِ، قالَهُ الفَرّاءُ.
الثّانِي: كَرِيمٌ في قَوْمِهِ.
الثّالِثُ: كَرِيمُ الأخْلاقِ بِالتَّجاوُزِ والصَّفْحِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ أنْ أدُّوا إلَيَّ عِبادَ اللَّهِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أيْ أرْسِلُوا مَعِي بَنِي إسْرائِيلَ ولا تَسْتَعْبِدُوهم، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: أجِيبُوا عِبادَ اللَّهِ خَيْرًا، قالَهُ أبُو صالِحٍ.
الثّالِثُ: أدُّوا إلَيَّ يا عِبادَ اللَّهِ ما وجَبَ عَلَيْكم مِن حُقُوقِ اللَّهِ، وهَذا مُحْتَمَلٌ.
﴿ إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أمِينٌ عَلى أنْ أُؤَدِّيهِ لَكم فَلا أتَزَيَّدُ فِيهِ.
الثّانِي: أمِينٌ عَلى ما أسْتَأْدِيهِ مِنكم فَلا أخُونَ فِيهِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَأنْ لا تَعْلُوا عَلى اللَّهِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: لا تَبْغُوا عَلى اللَّهِ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: لا تَفْتَرُوا عَلى اللَّهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والفَرْقُ بَيْنَ البَغْيِ والِافْتِراءِ أنَّ البَغْيَ بِالفِعْلِ، والِافْتِراءَ بِالقَوْلِ.
الثّالِثُ: لا تُعَظِّمُوا عَلى اللَّهِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.
الرّابِعُ: لا تَسْتَكْبِرُوا عَلى عِبادِ اللَّهِ، قالَهُ يَحْيى.
والفَرْقُ بَيْنَ التَّعْظِيمِ والِاسْتِكْبارِ أنَّ التَّعْظِيمَ تَطاوُلُ المُقْتَدِرِ، والِاسْتِكْبارَ تَرَفُّعُ المُحْتَقِرِ.
﴿ إنِّي آتِيكم بِسُلْطانٍ مُبِينٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: بِعُذْرٍ مُبِينٍ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: بِحُجَّةٍ بَيِّنَةٍ، قالَهُ يَحْيى.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَإنِّي عُذْتُ بِرَبِّي ورَبِّكُمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لَجَأْتُ إلى رَبِّي ورَبِّكم.
الثّانِي: اسْتَغَثْتُ.
والفَرْقُ بَيْنَهُما أنَّ المُلْتَجِئَ مُسْتَدْفِعٌ والمُسْتَغِيثَ مُسْتَنْصِرٌ.
قَوْلُهُ ﴿ بِرَبِّي ورَبِّكُمْ ﴾ أيْ رَبِّي الَّذِي هو رَبُّكم.
﴿ أنْ تَرْجُمُونِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: بِالحِجارَةِ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: أنْ تَقْتُلُونِي، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّالِثُ: أنْ تَشْتِمُونِي بِأنْ تَقُولُوا ساحِرٌ أوْ كاهِنٌ أوْ شاعِرٌ، قالَهُ أبُو صالِحٍ.
﴿ وَإنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فاعْتَزِلُونِ ﴾ أيْ إنْ لَمْ تُؤْمِنُوا بِي وتُصَدِّقُوا قَوْلِي فَخَلُّوا سَبِيلِي وكُفُّوا عَنْ أذايَ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ واتْرُكِ البَحْرَ رَهْوًا ﴾ فِيهِ سَبْعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: سَمْتًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: يابِسًا، قالَهُ ابْنُ أبِي نَجِيحٍ.
الثّالِثُ: سَهْلًا، قالَهُ الرَّبِيعُ.
الرّابِعُ: طَرِيقًا، قالَهُ كَعْبٌ والحَسَنُ.
الخامِسُ: مُنْفَرِجًا، قالَهُ مُجاهِدٌ.
السّادِسُ: غَرَقًا، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
السّابِعُ: ساكِنًا، قالَهُ الكَلْبِيُّ والأخْفَشُ وقُطْرُبٌ.
قالَ القَطامِيُّ يَمْشِينَ رَهْوًا فَلا الأعْجازُ خاذِلَةٌ ولا الصُّدُورُ عَلى الأعْجازِ تَتَّكِلُ قالَ قَتادَةُ: لَمّا نَجا بَنُو إسْرائِيلَ مِنَ البَحْرِ وأرادَ آلُ فِرْعَوْنَ أنْ يَدْخُلُوهُ خَشِيَ نَبِيُّ اللَّهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يُدْرِكُوهُ فَأرادَ أنْ يَضْرِبَ البَحْرَ حَتّى يَعُودَ كَما كانَ فَقالَ اللَّهُ تَعالى ﴿ واتْرُكِ البَحْرَ رَهْوًا ﴾ أيْ طَرِيقًا يابِسًا حَتّى يَدْخُلُوهُ.
﴿ إنَّهم جُنْدٌ مُغْرَقُونَ ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: هو النِّيلُ، وكانَ عَرْضُهُ يَوْمَئِذٍ فَرْسَخَيْنِ، قالَ الضَّحّاكُ: كانَ غَرَقُهم بِالقَلْزَمِ وهو بَلَدٌ بَيْنَ مِصْرَ والحِجازِ.
فَإنْ قِيلَ فَلَيْسَتْ هَذِهِ الأحْوالُ في البَحْرِ مِن فِعْلِ مُوسى ولا إلَيْهِ.
قِيلَ يُشْبِهُ أنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعالى قَدْ أعْلَمَهُ أنَّهُ إنْ ضَرَبَ البَحْرَ بِعَصاهُ ثانِيَةً تَغَيَّرَتْ أحْوالُهُ، فَأمَرَهُ أنْ يَكُفَّ عَنْ ضَرْبِهِ حَتّى يُنْفِذَ اللَّهُ قَضاءَهُ في فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ.
وَتَأْوِيلُ سَهْلِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﴿ واتْرُكِ البَحْرَ ﴾ أيِ اجْعَلِ القَلْبَ ساكِنًا في تَدْبِيرِي ﴿ إنَّهم جُنْدٌ مُغْرَقُونَ ﴾ أيْ إنَّ المُخالِفِينَ قَدْ غَرَقُوا في التَّدْبِيرِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ كَمْ تَرَكُوا مِن جَنّاتٍ وعُيُونٍ ﴾ الجَنّاتُ البَساتِينُ.
وَفي العُيُونِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: عُيُونُ الماءِ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ.
الثّانِي: عُيُونُ الذَّهَبِ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.
﴿ وَزُرُوعٍ ﴾ قِيلَ إنَّهم كانُوا يَزْرَعُونَ ما بَيْنَ الجَبَلَيْنِ مِن أوَّلِ مِصْرَ إلى آخِرِها، وكانَتْ مِصْرُ كُلُّها تُرْوى مِن سِتَّةَ عَشَرَ ذِراعًا لِما دَبَّرُوهُ وقَدَّرُوهُ مِن قَناطِرَ وجُسُورٍ.
﴿ وَمَقامٍ كَرِيمٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها المَنابِرُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ ومُجاهِدٌ.
الثّانِي: المَساكِنُ، قالَهُ أبُو عَمْرٍو والسُّدِّيُّ، لِمُقامِ أهْلِها فِيها.
الثّالِثُ: مَجالِسُ المُلُوكِ لِقِيامِ النّاسِ فِيها.
وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: أنَّهُ مَرابِطُ الخَيْلِ لِأنَّها أكْرَمُ مَذْخُورٍ لِعِدَّةٍ وزِينَةٍ.
وَفِي الكَرِيمِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: هو الحَسَنُ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
الثّانِي: هو المُعْطِي لِدَيْهِ كَما يُعْطِي الرَّجُلُ الكَرِيمُ صِلَتَهُ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.
الثّالِثُ: أنَّهُ كَرِيمٌ لِكَرَمِ مَن فِيهِ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَنَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ ﴾ في النِّعْمَةِ هُنا أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: نِيلُ مِصْرَ، قالَهُ ابْنُ عُمَرَ.
الثّانِي: الفَيُّومُ، قالَهُ ابْنُ لَهِيعَةَ.
الثّالِثُ: أرْضُ مِصْرَ لِكَثْرَةِ خَيْرِها، قالَهُ ابْنُ زِيادٍ.
الرّابِعُ: ما كاُنُوا فِيهِ مِنَ السَّعَةِ والدَّعَةِ.
وَقَدْ يُقالُ نِعْمَةٌ ونَعْمَةٌ بِفَتْحِ النُّونِ وكَسْرِها، وفي الفَرْقِ بَيْنَهُما وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّها بِكَسْرِ النُّونِ في المُلْكِ، وبِفَتْحِها في البَدَنِ والدِّينِ; قالَهُ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ.
الثّانِي: أنَّها بِالكَسْرِ مِنَ المِنَّةِ وهو الإفْضالُ والعَطِيَّةُ، وبِالفَتْحِ مِنَ التَّنَعُّمِ وهو سَعَةُ العَيْشِ والرّاحَةُ، قالَهُ ابْنُ زِيادٍ.
وَفي ﴿ فاكِهِينَ ﴾ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: فَرِحِينَ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: ناعِمِينَ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّالِثُ: أنَّ الفاكِهَ هو المُتَمَتِّعُ بِأنْواعِ اللَّذْةِ كَما يَتَمَتَّعُ الآكِلُ بِأنْواعِ الفاكِهَةِ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.
وَقَرَأ يَزِيدُ بْنُ القَعْقاعِ ﴿ فَكِهِينَ ﴾ ومَعْناهُ مُعْجَبِينَ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿ كَذَلِكَ وأوْرَثْناها قَوْمًا آخَرِينَ ﴾ يَعْنِي بَنِي إسْرائِيلَ مَلَّكَهُمُ اللَّهُ أرْضَ مِصْرَ بَعْدَ أنْ كانُوا فِيها مُسْتَعْبَدِينَ، فَصَرُوا لَها وارِثِينَ لِوُصُولِ ذَلِكَ إلَيْهِمْ كَوُصُولِ المِيراثِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ والأرْضُ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَعْنِي أهْلَ السَّماءِ وأهْلَ الأرْضِ، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّانِي: أنَّ السَّماءَ والأرْضَ تَبْكِيانِ عَلى المُؤْمِنِ أرْبَعِينَ صَباحًا; قالَهُ مُجاهِدٌ.
قالَ أبُو يَحْيى: فَعَجِبْتُ مِن قَوْلِهِ، فَقالَ أتَعْجَبُ؟
وما لِلْأرْضِ لا تَبْكِي عَلى عَبْدٍ كانَ يَعْمُرُها بِالرُّكُوعِ والسُّجُودِ؟
وما لِلسَّماءِ لا تَبْكِي عَلى عَبْدٍ كانَ لِتَكْبِيرِهِ وتَسْبِيحِهِ فِيها دَوِيٌّ كَدَوِيِّ النَّحْلِ؟
الثّالِثُ: أنَّهُ يَبْكِي عَلَيْهِ مُصَلّاهُ مِنَ الأرْضِ ومَصْعَدُ عَمَلِهِ مِنَ السَّماءِ، قالَهُ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ.
وَتَقْدِيرُهُ فَما بَكَتْ عَلَيْهِمْ مَصاعِدُ عَمَلِهِمْ مِنَ السَّماءِ ولا مَواضِعَ عِبادَتِهِمْ مِنَ الأرْضِ.
وَهو مَعْنى قَوْلِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ.
الرّابِعُ: ما رَواهُ يَزِيدُ الرَّقاشِيُّ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ.
قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ : « (ما مِن مُؤْمِنٍ إلّا ولَهُ في السَّماءِ بابانِ، بابٌ يَنْزِلُ مِنهُ رِزْقُهُ، وبابٌ يَدْخُلُ مِنهُ كَلامُهُ وعَمَلُهُ، فَإذا ماتَ فَقَداهُ فَبَكَيا عَلَيْهِ ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ.
» وفي بُكاءِ السَّماءِ والأرْضِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ كالمَعْرُوفِ مِن بُكاءِ الحَيَوانِ ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ قَوْلُ مُجاهِدٍ.
الثّانِي: أنَّهُ حُمْرَةُ أطْرافِها، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وعَطاءٌ.
وَحَكى جَرِيرٌ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أبِي زِيادٍ قالَ: لَمّا قُتِلَ الحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما احْمَرَّ لَهُ آفاقُ السَّماءِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ، واحْمِرارُها بُكاؤُها.
الثّالِثُ: أنَّها أمارَةٌ تَظْهَرُ مِنها تَدُلُّ عَلى حُزْنٍ وأسِفٍ.
كَقَوْلِ الشّاعِرِ والشَّمْسُ طالِعَةٌ لَيْسَتْ بِكاسِفَةٍ ∗∗∗ تَبْكِي عَلَيْكَ نُجُومُ اللَّيْلِ والقَمَرا ﴿ وَما كانُوا مُنْظَرِينَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مُؤَخَّرِينَ بِالغَرَقِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
الثّانِي: لَمْ يُنْظَرُوا بَعْدَ الآياتِ التِّسْعِ حَتّى أُغْرِقُوا، قالَهُ مُقاتِلٌ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلَقَدِ اخْتَرْناهم عَلى عِلْمٍ ﴾ مَعْناهُ عَلى عَلْمٍ مِنّا بِهِمْ.
وَفي اخْتِيارِهِ لَهم ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: بِاصْطِفائِهِمْ لِرِسالَتِهِ، والدُّعاءِ إلى طاعَتِهِ.
الثّانِي: بِاخْتِيارِهِمْ لِدِينِهِ وتَصْدِيقِ رُسُلِهِ.
الثّالِثُ: بِإنْجائِهِمْ مِن فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ.
وَفِي قَوْلِهِ ﴿ عَلى العالَمِينَ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: عَلى عالَمِي زَمانِهِمْ، لِأنَّ لِكُلِّ زَمانٍ عالَمًا، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: عَلى كُلِّ العالَمِينَ بِما جَعَلَ فِيهِمْ مِنَ الأنْبِياءِ.
وَهَذا خاصَّةٌ لَهم ولَيْسَ لِغَيْرِهِمْ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَآتَيْناهم مِنَ الآياتِ ما فِيهِ بَلاءٌ مُبِينٌ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ أنْجاهم مِن عَدُوِّهِمْ وفَلَقَ البَحْرَ لَهم وظَلَّلَ عَلَيْهِمُ الغَمامَ وأنْزَلَ عَلَيْهِمُ المَنَّ والسَّلْوى، قالَهُ قَتادَةُ.
وَيَكُونُ هَذا الخِطابُ مُتَوَجِّهًا إلى بَنِي إسْرائِيلَ.
الثّانِي: أنَّها العَصا ويَدُهُ البَيْضاءُ، ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ قَوْلَ الفَرّاءِ.
وَيَكُونُ الخِطابَ مُتَوَجِّهًا إلى قَوْمِ فِرْعَوْنَ.
الثّالِثُ: أنَّهُ الشَّرُّ الَّذِي كَفَّهم عَنْهُ والخَيْرُ الَّذِي أمَرَهم بِهِ، قالَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ.
وَيَكُونُ الخِطابُ مُتَوَجِّهًا إلى الفَرِيقَيْنِ مَعًا مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ وبَنِي إسْرائِيلَ.
وَفِي قَوْلِهِ ﴿ ما فِيهِ بَلاءٌ مُبِينٌ ﴾ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: نِعْمَةٌ ظاهِرَةٌ، قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ كَما قالَ تَعالى ﴿ وَلِيُبْلِيَ المُؤْمِنِينَ مِنهُ بَلاءً حَسَنًا ﴾ وقالَ زُهَيْرٌ: فَأبْلاهُ خَيْرَ البَلاءِ الَّذِي يَبْلُو.
الثّانِي: عَذابٌ شَدِيدٌ، قالَهُ الفَرّاءُ.
الثّالِثُ: اخْتِيارٌ بَيِّنٌ يَتَمَيَّزُ بِهِ المُؤْمِنُ مِنَ الكافِرِ، قالَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ولقد فتنا ﴾ قال: بلونا.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولقد فتنا ﴾ قال: ابتلينا ﴿ قبلهم قوم فرعون وجاءهم رسول كريم ﴾ قال: هو موسى ﴿ أن أدوا إليَّ عباد الله ﴾ قال: يعني أرسلوا بني إسرائيل ﴿ وأن لا تعلوا على الله ﴾ قال: لا تعثوا ﴿ إني آتيكم بسلطان مبين ﴾ قال: بعذر مبين ﴿ وإني عذت بربي وربكم أن ترجمون ﴾ قال: بالحجارة ﴿ وإن لم تؤمنوا لي فاعتزلون ﴾ أي خلوا سبيلي.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ أن أدوا إليَّ عباد الله ﴾ قال: يقول اتبعوني إلى ما أدعوكم إليه من الحق، وفي قوله: ﴿ وأن لا تعلوا ﴾ قال: لا تفتروا، وفي قوله: ﴿ أن ترجمون ﴾ قال: تشتمون.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن عبد الحكم في فتوح مصر، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ رهواً ﴾ قال: سمتاً.
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق مجاهد، عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ واترك البحر رهواً ﴾ قال: كهيئته وامضه.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن عبدالله بن الحارث الهاشمي أن ابن عباس، سأل كعباً، عن قوله: ﴿ واترك البحر رهواً ﴾ قال: طريقاً.
وأخرج ابن الأنباري في كتاب الأضداد، عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ واترك البحر رهواً ﴾ قال: طريقاً يبساً.
وأخرج ابن الأنباري، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ واترك البحر رهواً ﴾ قال: ساكناً.
وأخرج ابن جرير، عن الربيع ﴿ واترك البحر رهواً ﴾ قال: سهلاً.
وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ واترك البحر رهواً ﴾ قال: الرهو أن يترك كما كان، فإنهم لن يخلصوا من ورائه.
وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس ﴿ واترك البحر رهواً ﴾ قال: دمثاً.
وأخرج ابن جرير، عن عكرمة رضي الله عنه ﴿ واترك البحر رهواً ﴾ قال: جدداً.
وأخرج عبد الرزاق والفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ واترك البحر رهواً ﴾ قال: طريقاً يابساً كهيئته يوم ضربه يقول: لا تأمره أن يرجع بل اتركه حتى يدخل آخرهم.
وأخرج ابن عبد الحكم، عن الحسن رضي الله عنه ﴿ رهواً ﴾ قال: سهلاً دمثاً.
وأخرج محمد بن كعب القرظي ﴿ رهواً ﴾ قال: طريقاً مفتوحاً.
وأخرج عبد بن حميد، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ رهواً ﴾ قال: طريقاً منفرجاً.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير، عن قتادة رضي الله عنه قال: لما قطع موسى البحر عطف ليضرب البحر بعصاه ليلتئم: وخاف أن يتبعه فرعون وجنوده، فقيل له ﴿ واترك البحر رهواً ﴾ يقول: كما هو طريقاً يابساً ﴿ إنهم جند مغرقون ﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ومقام كريم ﴾ قال: المنابر.
وأخرج ابن مردويه، عن جابر مثله.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر، عن قتادة في قوله: ﴿ ومقام كريم ﴾ قال: مقام حسن ﴿ ونعمة كانوا فيها فاكهين ﴾ قال: ناعمين أخرجه الله من جناته وعيونه وزروعه حتى أورطه في البحر كذلك ﴿ وأورثناها قوماً آخرين ﴾ يعني بني إسرائيل والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي ﴾ أي: لم تصدقوني ولم تؤمنوا بالله لأجل برهاني، ولما آتيتكم به من الحجة، فاللام في (لي) لام الأجل (١) ﴿ فَاعْتَزِلُونِ ﴾ قال الكلبي: فاتركوني لا معي ولا علي (٢) (٣) (٤) (١) كذا ذكر القرطبي في "الجامع" 16/ 135.
(٢) انظر: "تنوير المقباس" ص 497.
(٣) أخرج ذلك الطبري عن قتادة 13/ 120.
(٤) انظر: "تفسير البغوي" 7/ 231، فقد نسبه لابن عباس، وكذلك في "الوسيط" نسبه لابن عباس.
انظر: 4/ 88.
<div class="verse-tafsir"
﴿ رَسُولٌ كَرِيمٌ ﴾ يعني موسى عليه السلام ﴿ أَنْ أدوا إِلَيَّ عِبَادَ الله ﴾ أن هنا مفسرة نائب مناب القول، وأدّوا فعل أمر من الأداء وعباد الله مفعول به وهم بنو إسرائيل، والمعنى أرسلوا بني إسرائيل كما قال في طه: ﴿ أرسل معنا بني إسرائيل ﴾ وقيل: عباد الله منادى، والمعنى أدّوا إليّ الطاعة والإيمان يا عباد الله، والأول أظهر ﴿ وَأَن لاَّ تَعْلُواْ ﴾ أي لا تتكبروا ﴿ بِسُلْطَانٍ ﴾ أي حجة وبرهان ﴿ أَن تَرْجُمُونِ ﴾ اختلف هل معناه الرجم بالحجارة أو السب والأول أظهر ﴿ فاعتزلون ﴾ أي اتركون وخلوا سبيلي.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ رب السموات ﴾ بالجر على البدل ﴿ من ربك ﴾ : عاصم وحمزة وعلي وخلف.
الباقون: بالرفع ﴿ أني آتيكم ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو ﴿ ترجموني ﴾ ﴿ فاعتزلوني ﴾ بالياء في الحالين: يعقوب وافق ورش وسهل وعباس في الوصل ﴿ لي ﴾ بالفتح: ورش ﴿ فكهين ﴾ بغير الألف: يزيد ﴿ يغلي ﴾ على التذكير والضمير للطعام: ابن كثير وحفص والمفضل ورويس وابن مجاهد عن ابن ذكوان.
الباقون: بتاء التأنيث والضمير للشجرة ﴿ فاعتلوه ﴾ بضم التاء: ابن كثير ونافع وابن عامر وسهل ويعقوب.
الآخرون: بالكسر ﴿ ذق أنك ﴾ بفتح الهمزة على حذف لام التعليل.
﴿ في مقام ﴾ بضم الميم من الإقامة: أبو جعفر ونافع وابن عامر.
الوقوف: ﴿ حم ﴾ كوفي ه ﴿ المبين ﴾ ه لا ومن لم يقف على ﴿ حم ﴾ وقف على ﴿ المبين ﴾ ﴿ منذرين ﴾ ه ﴿ حكيم ﴾ ه ط بناء على أن التقدير أمرنا أمراً ﴿ من عندنا ﴾ ط ﴿ مرسلين ﴾ ه ج لاحتمال أن ﴿ رحمة ﴾ مفعول له أو به أو التقدير رحمنا رحمة ﴿ من ربك ﴾ ط ﴿ العليم ﴾ ه لا لمن خفض ﴿ رب ﴾ ﴿ بينهما ﴾ ط ﴿ موقنين ﴾ ه ﴿ ويميت ﴾ ط ﴿ الأولين ﴾ ه ﴿ يلعبون ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه ط ﴿ الناس ﴾ ط ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ مؤمنون ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه لا للعطف ﴿ مجنون ﴾ ه لئلا يوهم أن ما بعده من قول الكفار ﴿ عائدون ﴾ ه م لئلا يظن أن ما بعده ظرف للعود ﴿ الكبرى ﴾ ج لاحتمال التعليل ﴿ منتقمون ﴾ ه ﴿ كريم ﴾ ه لا ﴿ عباد الله ﴾ ط ﴿ أمين ﴾ ه ﴿ على الله ﴾ ج ﴿ مبين ﴾ ه ج ﴿ ترجمون ﴾ ه ﴿ فاعتزلون ﴾ ه ﴿ مجرمون ﴾ ه ﴿ متبعون ﴾ ه لا ﴿ رهوا ﴾ ط ﴿ مغرقون ﴾ ه ﴿ وعيون ﴾ ه لا ﴿ كريم ﴾ ه لا ﴿ فاكهين ﴾ ه لا لأن المعنى تركوها مهيأة كما كانت ﴿ آخرين ﴾ ه ﴿ منظرين ﴾ ه ﴿ المهين ﴾ ه لا ﴿ من فرعون ﴾ ط ﴿ المفسرين ﴾ ه ﴿ العالمين ﴾ ه ج ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ ليقولون ﴾ ه لا ﴿ بمنشرين ﴾ ه ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ تبع ﴾ لا للعطف ﴿ من قبلهم ﴾ ط لتناهي الاستفهام إلى ابتداء الأخبار ﴿ أهلكناهم ﴾ ج لأن التعليل أوضح ﴿ مجرمين ﴾ ه ﴿ لاعبين ﴾ ه ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ أجمعين ﴾ ه لا لأن ما بعده بدل ﴿ ولا هم ينصرون ﴾ ه لا ﴿ رحم الله ﴾ ط ﴿ الرحيم ﴾ ه ﴿ الأثيم ﴾ ه ج لاحتمال أن يكون ﴿ كالمهل ﴾ خبراً بعد خبر أو خبر مبتدأ محذوف ﴿ في البطون ﴾ لا ﴿ الحميم ﴾ ه ﴿ الجحيم ﴾ ه ﴿ الحميم ﴾ ه ط لأن التقدير قولوا أو يقال له ذق ﴿ الكريم ﴾ ه ﴿ تمترون ﴾ ه ﴿ أمين ﴾ ه لا ﴿ وعيون ﴾ ه ج لاحتمال ما بعده الاستئناف والحال ﴿ متقابلين ﴾ ه ج لاحتمال أن يراد كما ذكرنا من حالهم قبل أو يكون التقدير الأمر كذلك ﴿ عين ﴾ ه ج لئلا يوهم أن ما بعده صفة للحور ﴿ آمنين ﴾ ه لا لأن ما بعده صفة فإن الأمن لا يتم إلا به ﴿ الأولى ﴾ ج لأن ما بعده يصلح استئنافاً وحالاً بإضمار قد ﴿ الجحيم ﴾ ه لا لأن ﴿ فضلاً ﴾ مفعول به ﴿ من ربك ﴾ ط ﴿ العظيم ﴾ ه ﴿ يتذكرون ﴾ ه ﴿ مرتقبون ﴾ ه.
التفسير: أقسم بالقرآن ﴿ إنا أنزلناه في ليلة مباركة ﴾ لأن من شأننا الإنذار والتخويف من العقاب وإنما أنزل في هذه الليلة خصوصاً لأن إنزال القرآن أشرف الأمور الحكمية، وهذه الليلة يفرق فيها كل أمر ذي حكمة فالجملتان - أعني قوله ﴿ إنا كنا منذرين فيها يفرق على أمر حكيم ﴾ كالتفسير لجواب القسم قال صاحب النظم: ليس من عادتهم أن يقسموا بنفس الشيء إذا أخبروا عنه فجواب القسم ﴿ إنا كنا منذرين ﴾ وقوله ﴿ إنا أنزلناه ﴾ اعتراض.
والجمهور على الأول ولا بأس لأن المعنى إنا أنزلنا القرآن على محمد ولم يتقوله، ويحتمل أن القسم وقع على إنزاله في ليلة مباركة.
وأكثر المفسرين على أنها ليلة القدر لقوله ﴿ إنا أنزلناه في ليلة القدر ﴾ وليلة القدر عند الأكثرين من رمضان.
ونقل محمد بن جرير الطبري في تفسيره عن قتادة أنه قال: نزلت صحف إبراهيم في أول ليلة من رمضان، والتوراة لست ليال منه، والزبور لاثنتي عشرة مضت، والإنجيل لثمان عشرة منه، والفرقان لأربع وعشرين مضت، والليلة المباركة هي ليلة القدر.
وزعم بعضهم كعكرمة وغيره أنها ليلة النصف من شعبان.
وما رأيت لهم دليلاً يعوَّل عليه.
قالوا: وتسمى ليلة البراءة أيضاً وليلة الصك لأن الله يكتب لعباده المؤمنين البراءة من النار في هذه الليلة.
وروي أن النبي قال: " من صلى في هذه الليلة مائة ركعة أرسل الله إليه مائة ملك ثلاثون يبشرونه بالجنة وثلاثون يؤمنونه من عذاب النار وثلاثون يدفعون عنه آفات الدنيا وعشراً يدفعون عنه مكايد الشيطان." " وقال " "إن الله يرحم أمتي في هذه الليلة بعدد شعر أغنام بني كلب" وقال: " إن الله يغفر لجميع المسلمين في تلك الليلة إلا لكاهن أو ساحر أو ساخر أو مدمن خمر أو عاق للوالدين أو مصر على الزنا" ومما أعطى فيها رسول الله تمام الشفاعة وذلك أنه سأل ليلة الثالث عشر من شعبان في أمته فأعطى الثلث منها، ثم سأل ليلة الرابع عشر منها فأعطى الثلثين، ثم سأل ليلة الخامس عشر فأعطى الجميع إلا من شرد على الله شراد البعير.
ومن عادة الله عز وجل في هذه الليلة أن يزيد فيها ماء زمزم زيادة ظاهرة.
وبعضهم أراد أن يجمع بين القولين فقال: ابتدىء بانتساخ القرآن من اللوح المحفوظ ليلة البراءة ووقع الفراغ في ليلة القدر.
والمباركة الكثيرة الخير ولو لم يوجد فيها إلا إنزال القرآن لكفى به بركة.
ومعنى ﴿ يفرق ﴾ يفصل ويكتب ﴿ كل أمر ﴾ هو ضد النهي أو كل أمر له شأن من أرزاق العباد وآجالهم وجميع أمورهم إلى العام القابل، فيدفع نسخة الأرزاق إلى ميكائيل، ونسخة الحروب والزلازل والصواعق والخسوف إلى جبرائيل، ونسخة الأعمال إلى إسماعيل صاحب سماء الدنيا، ونسخة المصائب إلى ملك الموت.
وقيل: يعطي كل عامل بركات أعماله فيلقى على ألسنة الخلق مدحه وعلى قلوبهم هيبته.
وفي انتصاب ﴿ أمراً ﴾ وجوه: إما أن يكون حالاً من ﴿ أمر حكيم ﴾ لأنه قريب من المعرفة أو من الهاء في ﴿ أنزلناه ﴾ أو من الفاعل أي آمرين، أو على المصدر لأمر، أو على الاختصاص لأن كونه من عند الله يوجبه مزيد شرف وفخامة، أو يكون مصدراً من غير لفظ الفعل وهو ﴿ يفرق ﴾ لأنه إذا حكم بالشيء وفصله وكتبه فقد أوجبه وأمر به قوله ﴿ إنا كنا مرسلين ﴾ يجوز أن يكون بدلاً من قوله ﴿ إنا كنا منذرين ﴾ أي أنزلنا القرآن لأن من شأننا إرسال الرسل وإنزال الكتب إلى عبادنا لأجل الرحمة، ويحتمل كونه تعليلاً ليفرق، أو لقوله ﴿ أمراً من عندنا ﴾ وقوله ﴿ من ربك ﴾ وضع للظاهر موضع الضمير إيذاناً بأن الربوبية تقتضي الرحمة.
ثم حقق ربوبيته بقوله ﴿ إنه هو السميع العليم ﴾ إلى قوله الأولين.
ومعنى الشرط في قوله ﴿ إن كنتم موقنين ﴾ نظير ما هو في أول الشعراء وذلك أنهم كانوا مقرين بأنه رب السموات والأرض.
قيل لهم: إن كنتم على بصيرة وإيقان من ذلك فلا تشكوا فيه، أو إن كنتم موقنين بشيء فأيقنوا بما أخبرتكم، أو إن كنتم تريدون اليقين فاعلموا ذلك.
وقيل: إن نافية ثم رد أن يكونوا موقنين بقوله ﴿ بل هم في شك يلعبون ﴾ في الدنيا أو يستهزؤون بنا فلا جرم أوعدهم بقوله ﴿ فارتقب ﴾ و ﴿ يوم ﴾ مفعول به أي انتظره.
والأكثرون على أن هذا الدخان من أمارات القيامة فإن الدنيا ستصير كبيت لاخصاص له مملوء دخاناً يدخل في أنوف الكفار وآذانهم فيكونون كالسكارى، ويصيب المؤمن فيه كالزكام فيبقى ذلك أربعين.
وعن حذيفة أن النبي قال "أول الآيات الدخان ونزول عيسى ابن مريم ونار تخرج من قعر عدن أبين تسوق الناس إلى المحشر" أبين بكسر الهمزة وفتحها اسم رجل بنى هذه البلدة ونزل بها.
وقيل: الدخان يكون في القيامة إذا خرجوا من قبورهم يحيط بالخلائق ويغشاهم.
وقيل: الدخان الشر والفتنة.
وعن ابن مسعود: خمس قد مضت الروم والدخان والقمر والبطشة واللزام.
وذلك أن قريشاً لما استصعبت على رسول الله عليهم فقال: اللهم اشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم سنين كسني ويوسف.
فأصابهم اللزام وهو القحط حتى أكلوا الجيف، وكان الرجل يرى بين السماء والأرض الدخان فيسمع كلام صاحبه ولا يراه من الدخان.
فمشى إليه أبو سفيان ونفر معه وناشدوه الله والرحم، وواعدوه إن دعا لهم وكشف عنهم أن يؤمنوا.
فلما كشف عنهم من الدخان رجعوا إلى شركهم وذلك قوله ﴿ هذا عذاب ﴾ أي قائلين هذا إلى آخره.
ثم استبعد منهم الاتعاظ بقوله ﴿ أنى لهم الذكرى وقد جاءهم ﴾ ما هو أعظم من كشف الدخان وهو القرآن المعجز وغيره فلم يتذكروا ﴿ وتولوا عنه ﴾ واتهموه بأنه إنما يعلمهن بشر ونسبوه إلى الجنون.
ومعنى "ثم" تبعيد الحالتين.
ثم بين أنهم يعودون إلى الكفر عقيب كشف العذاب عنهم زماناً قليلاً.
واعلم أن ارتدادهم إلى الكفر أمر ممكن سواء يجعل الدخان من أمارات القيامة أو يقال إنه قد مضى.
والبطشة الكبرى القيامة أو يوم بدر على التفسيرين.
و ﴿ يوم ﴾ ظرف لما دل عليه منتقمون فإن ما بعد " أن " لا يعمل فيما قبله.
وقيل: بدل من ﴿ يوم تأتي السماء ﴾ ثم سلى رسوله بقصة موسى.
ومعنى ﴿ فتنا ﴾ امتحنا وقد وصفه بالكرم لأنه كان حبيباً في قومه أو بكرم خلقه، أو المراد أنه لم يخاشنهم في التبليغ كما قال ﴿ فقولا له قولاً ليناً ﴾ "وأن" مفسرة لأن مجيء الرسول يتضمن القول، أو مخففة من الثقيلة، أو مصدرية والياء محذوف.
و ﴿ عباد الله ﴾ مفعول به لقوله { ﴿ أرسل معنا بني إسرائيل ﴾ أو منادى والمعنى أدوا إليَّ يا عباد الله ما هو واجب عليكم من الإيمان والطاعة.
والقصة مذكورة في "الشعراء" وغيرها و ﴿ وأن ترجمون ﴾ أن تقتلون أو تشتمون بالنسبة إلى الكذب والسحر ﴿ وإن لم تؤمنوا لي ﴾ أي لم تصدقوني ففارقوني وكونوا بمعزل عني لا عليّ ولا لي ﴿ فدعا ربه ﴾ شاكياً ﴿ أن هؤلاء قوم مجرمون ﴾ مصرون على الكفر ﴿ فأسر ﴾ أي فأجبنا دعاءه وقلنا له أسر وكان من دعائه اللهم عجل لهم ما يستحقونه بإجرامهم.
ويحتمل أن يكون الدعاء وهو ما في "يونس" ﴿ ربنا اطمس على أموالهم ﴾ وفي ﴿ رهواً ﴾ وجهان: أحدهما ساكناً أي لا تضربه.
ثانياً واتركه على هيئته من انتصاب الماء وكون الطريق يبساً.
وذلك أن موسى أراد أن يضربه ثانياً حتى ينطبق ويزول الانفلاق خوفاً من أن يدركهم قوم فرعون، والله أراد أن يدخل القبط البحر ثم يطبقه عليهم، وثانيهما أن الرهو الفجوة الواسعة أي اتركه مفتوحاً منفرجاً على حاله.
والنعمة بفتح النون التنعم والباقي مذكور في "الشعراء".
وقوله ﴿ فما بكت ﴾ كان إذا مات الرجل الخطير قالوا في تعظيم مصيبته بكت عليه السماء والأرض وأظلمت الدنيا، ومنه الحديث "وما من مؤمن مات في غربة غابت فيها بواكيه إلا بكت عليه السماء" وفيه تمثيل وتخييل وتهكم بهم أنهم كانوا يستعظمون أنفسهم ويعتقدون أنهم لو ماتوا لقال الناس فيهم ذلك، فأخبر ما كانوا في هذا الحد بل كانوا أنهم دون ذلك.
وجوز كثير من المفسرين أن يكون البكاء حقيقة وجعلوا الخسوف والكسوف والحمرة التي تحدث في السماء وهبوب الرياح العاصفة من ذلك.
قال الواحدى في البسيط: روي أنس بن مالك أن النبي قال: " ما من عبد إلا له في السماء بابان باب يخرج منه رزقه وباب يدخل فيه عمله، فإذا مات فقداه وبكيا عليه وتلا هذه الآية " .
ثم إن هؤلاء الكفار لم يكن لهم عمل صالح يصعد إلى السماء فلا جرم لم تبك عليهم.
وعن الحسن: أراد أهل السماء والأرض أي ما بكت عليهم الملائكة والمؤمنون بل كانوا بهلاكهم مسرورين ﴿ وما كانوا إذا منظرين ﴾ أي لما جاء وقت هلاكهم لم يمهلوا إلى الآخرة بل عجل لهم في الدنيا.
قوله ﴿ من فرعون ﴾ بدل من العذاب بل جعل في نفسه عذاباً مهيناً لشدة شكيمته وفرط عتوه.
وقيل: المضاف محذوف أي من عذابه.
وقيل: تقديره المهين الصادر من فرعون، وفي قراءة ابن عباس ﴿ من فرعون ﴾ على الاستفهام أي ما ظنكم بعذاب من تعرفونه أنه عال قاهر عات مجاوز حد الاعتدال.
ثم ثنى على بني إسرائيل بقوله ﴿ ولقد اخترناهم ﴾ بإيتاء الملك والنبوة ﴿ على علم ﴾ منا باستحقاقهم ذلك وقيامهم بالشكر عليه على عالمي زمانهم.
ولا ريب أن هذا قبل التحريف.
وقيل: أي على علم منا بأنه يبدو منهم بوادر وتفريطات والبلاء النعمة أو المحنة، والآيات هي التسع وغيرها.
ثم عاد إلى ما انجر الكلام فيه وهو قوله ﴿ بل هم في شك يلعبون ﴾ فقال ﴿ إن هؤلاء ﴾ يعني كفار قريش ﴿ ليقولون إن هي إلا موتتنا الأولى ﴾ قال المفسرون: يؤل إلى ما حكى عنهم في موضع آخر ﴿ إن هي إلا حياتنا الدنيا ﴾ \[المؤمنون: 37\] وذلك أن النزاع إنما وقع في موتة تعقبها حياة فأنكروا أن تكون موتة بهذا الوصف إلا الموتة الأولى وهو حال كونهم نطفاً.
ويحتمل أن يراد إن هي أي الصفة أو النهاية أو الحالة أو العاقبة إلا الموتة الأولى، وليست إثباتاً لموتة ثانية إنما هو كقولك: حج فلان الحجة الأولى، ومات ﴿ وما نحن بمنشرين ﴾ أنشر الله الموتى أحياهم ﴿ فأتوا ﴾ أيها النبي والذين آمنوا معه ﴿ بآبائنا إن كنتم صادقين ﴾ يروى أنهم طلبوا من النبي أن يجعل الله لهم إحياء الموتى فينشر كبيرهم قصي بن كلاب ليشاوروه في صحة نبوة محمد وصحة البعث، فلم يجبهم الله تعالى إلى ذلك ولكنه أوعدهم بقوله ﴿ أهم خير أم قوم تبع ﴾ أي ليسوا بخير منهم في العدد والعز والمنعة.
ابن عباس: تبع نبي.
أبو هريرة عن النبي " لا أدري تبع نبياً كان أم غير نبي" رواه الثعلبي عن عائشة كان رجلاً صالحاً ذم الله قومه ولم يذمه.
وإنما خصهم بالذكر لقربهم من العرب زماناً ومكاناً.
وعن سعيد بن جبير كسا البيت.
وقال قتادة: كان من حمير سار فبنى الحيرة وسمرقند.
وقال أبو عبيدة: هم ملوك اليمن يسمى كل واحد منهم تبعاً لكثرة تبعه، أو لأنه يتبع صاحبه وهو بمنزلة الخليفة للمسلمين، وكسرى للفرس، وقيصر للروم، وجمعه تبابعة، وكان يكتب إذا كتب بسم الذي ملك براً وبحراً.
ثم برهن على صحة البعث بقوله ﴿ وما خلقنا ﴾ إلى آخره، وقد مر في "الأنبياء" وفي "ص" نظيره.
وإنما جمع السموات ههنا لموافقة قوله في أول السورة ﴿ رب السموات ﴾ وسمى يوم القيامة يوم الفصل لأنه يفصل بين عباده في الحكم والقضاء، أو يفصل بين أهل الجنة وأهل النار، أو يفصل بين المؤمنين وبين ما يكرهون وللكافرين بينهم وبين وما يشتهونه فيفصل بين الوالد وولده والرجل وزوجته والمرء وخليله.
والمولى في الآية يحتمل الولي والناصر والمعين وابن العم، والمراد أن أحداً منهم بأي معنى فرض لا يتوقع منه النصرة.
والضمير في ﴿ لا ينصرون ﴾ للمولى الثاني لأنه جمع في المعنى لعمومه وشياعه.
وقوله ﴿ إلا من رحم الله ﴾ في محل الرفع على البدل أو في محل النصب على الاستثناء ﴿ إنه هو العزيز ﴾ الغالب على من عصى ﴿ الرحيم ﴾ لمن أطاع.
ثم أراد أن يختم السورة بوعيد الفجار ووعد الأبرار فقال ﴿ إن شجرت الزقوم ﴾ وقد مر تفسيرها في الصافات.
و ﴿ الأثيم ﴾ مبالغة الآثم ولهذا يمكن أن يقال: إنه مخصوص بالكافر.
والمهل دردي الزيت وقد مر في "الكهف".
ولعل وجه التشبيه هو بشاعة الطعم كما أن الوجه في قوله ﴿ طلعها كأنه رؤوس الشياطين ﴾ هو كراهة المنظر ثم وصفه بشدة الحرارة قائلاً ﴿ يغلي ﴾ إلى آخره.
ثم أخبر أنه يقول للزبانية ﴿ خذوه ﴾ أي خذوا الأثيم ﴿ فاعتلوه ﴾ جروه بعنف وغلظة كأن يؤخذ بتلبيبه فيجر إلى وسط النار.
ومنه العتل للجافي الغليظ.
وقوله ﴿ من عذاب الحميم ﴾ دون أن يقول "من الحميم" تهويل سلوك لطريق الاستعارة لأنه إذا صب عليه الحميم فقد صب عليه عذابه وشدته.
يروي أن أبا جهل قال لرسول الله : ما بين جبليها أعز ولا أمنع مني فوالله ما تستطيع أنت ولا ربك أن تفعلا بي " شيئاً " فنزلت الآية.
أي يقال له ذق لأنك أنت العزيز الكريم عند نفسك وفيه من التهكم ما فيه ﴿ إن هذا ﴾ العذاب ﴿ ما كنتم به تمترون ﴾ تشكون.
ثم شرع في وعد الأبرار والمقام الأمين ذو الأمن، أو أصله من الأمانة لأن المكان المخيف كأنما يخوف صاحبه بما يلقى فيه من المكاره.
وقوله ﴿ وزوجناهم ﴾ اختلفوا في أن هذا اللفظ هل يدل على حصول عقد التزوج أم لا.
والأكثرون على نفيه، وأن المراد قرناهم بهن.
وقيل: زوجته امرأة وزوجته بامرأة لغتان.
وهكذا اختلفوا في الحور.
فعن الحسن: هن عجائزكم ينشئهن الله خلقاً آخر.
وقال أبو هريرة: لسن من نساء الدنيا.
﴿ يدعون ﴾ أي يحكمون ويأمرون في الجنة بإحضار ما يشتهون من الفواكه في أي وقت ومكان ﴿ آمنين ﴾ من التخم والتبعات، ثم أخبر عن خلودهم بقوله ﴿ لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى ﴾ قال جار الله: هو من باب التعليق بالمحال كأنه قيل: إن كانت الموتة الأولى يستقيم ذوقها في المستقبل فإنهم يذوقونها.
وقيل: الاستثناء منقطع أي لكن الموتة الأولى قد ذاقوها.
وقال أهل التحقيق: إن الجنة حقيقتها ابتهاج النفس وفرحها بمعرفة الله وبمحبته.
فالإنسان الكامل هو في الدنيا في الجنة.
وفي الآخرة أيضاً في الجنة فقد صح أنه لم يذق في الجنة إلا الموتة الأولى.
ثم ختم الكلام بفذلكته والمعنى ذكرناهم بالكتاب المبين فأسهلناه حيث أنزلناه بلغتك إرادة تذكرهم فانتظر ما يحل فإنهم يتربصون بك الدوائر.
قوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ ﴾ يقول - والله أعلم -: ولقد فتنا قوم فرعون بموسى قبل قومك كما فتنا قومك بك.
أو يحتمل أن يقول: ولقد فتنا قوم فرعون بمثل الذي فتنا قومك.
ثم افتتان قوم فرعون بمثل الذي فتن قومه [يخرج على] وجوه: أحدها: أن موسى - - قد أتاهم بالبينات المعجزات ما لم يقدر فرعون [وقومه] على مقابلة تلك الآيات، وعجزوا عن الإتيان بمثلها، فمهما أتاهم بذلك وعرفوا أنها آيات الله - - كذبوها وردوها ونسبوا موسى إلى السحر والكذب والافتراء على الله - - فعلى ذلك عمل أهل مكة برسول الله وعاملوه بالذي عامل أولئك موسى من النسبة إلى السحر والجنون والكذب والافتراء على الله - - والله أعلم.
وقال بعضهم: إن فرعون وقومه ازدروا موسى وحقروه؛ لأنه ولد فيهم كما ازدرى أهل مكة محمداً فقالوا: أنت أصغرنا وأفقرنا وأقلنا حيلة، كما قال فرعون لموسى: ﴿ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً...
﴾ الآية [الشعراء: 18].
ويحتمل أن يكون أهل مكة سألوا اليهود من الأنباء التي يجدونها في كتبهم؛ ليحاجوا بها رسول الله يطلبون بذلك ظهور الكذب من رسول الله فيما كان يخبرهم من الأنباء المتقدمة، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَجَآءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ ﴾ كان جميع رسل الله - عليهم الصلاة والسلام - كراماً؛ لأن الله - - كان بعثهم إلى قوم جهال سفهاء، كان لهم الركون إلى الدنيا، والميل إليها والرغبة فيها، فبعث إليهم كرام الخلق؛ ليداروا أولئك الأقوام، ويتهيأ لهم المعاملة لهم والتحمل منهم؛ لسوء ما كانوا يعاملونهم، والله أعلم بذلك؛ ولذلك وصف رسول الله بالخلق العظيم؛ حيث قال: ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَنْ أَدُّوۤاْ إِلَيَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ﴾ يقول: أن أرسلوا معي بني إسرائيل، وخلوا عنهم، ولا تحبسوهم، ولا تستعبدوهم، فإنهم أحرار.
ويحتمل أن يقول: أرسلوا معي بني إسرائيل فإنهم يرغبون في إجابتي إلى ما أدعوهم إليه، ويطمعون في اتباعي فيما آمرهم به.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ ﴾ أي: إني لكم رسول أمين على الوحي والرسالة.
ويحتمل أن يقول: إني كنت آميناً فيما بينكم، ولا يظهر لكم مني خيانة؛ ولا اطلعتم على كذب قط، فلماذا تكذبونني وتنسبونني إلى السحر؟!
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَن لاَّ تَعْلُواْ عَلَى ٱللَّهِ ﴾ قال بعضهم: أي: وألا تتكبروا، ولا تتعظموا على الله.
لكن عندنا معناه: وألا تتكبروا وتتعظموا على رسول الله، ولا تتعظموا على عبادة الله وعلى دينه؛ إذ لا أحد يقصد قصد التكبر على الله - - وأن ينسب إليه، فهو على إرادة أوليائه أو دينه؛ كقوله: ﴿ إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ يَنصُرْكُمْ ﴾ ونحوه، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنِّيۤ آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ ﴾ أي: آتيكم بحجة بينة أنها من الله، وأني رسول الله، وهو ما آتاهم من الآيات المعجزات أو الحجج والبراهين، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَن تَرْجُمُونِ ﴾ لا يحتمل أن يكون هذا الكلام من موسى - - على ابتداء بلا سبب كان من فرعون، ولا أمر سبق، فكأن سببه ونازلته - والله أعلم - هو ما ذكر في سورة أخرى؛ حيث قال: ﴿ ذَرُونِيۤ أَقْتُلْ مُوسَىٰ وَلْيَدْعُ رَبَّهُ ﴾ الآية [غافر: 26]، لما قال فرعون ذلك وهم أن يقتل موسى قال له موسى عند ذلك: ﴿ وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَن تَرْجُمُونِ ﴾ وفي ذلك دلالة آية من آيات الله لرسالته؛ لأنه قال فرعون: ﴿ ذَرُونِيۤ أَقْتُلْ مُوسَىٰ وَلْيَدْعُ رَبَّهُ ﴾ ليمنعني عن قتله، فقال ﴿ وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ...
﴾ الآية دل هذا القول على أنه علم قول فرعون، وقصده بقتله، وتعبيره بالدعاء إلى الله - - ليمنعه عن ذلك، وعلم أن الله - - يعصمه عن شره وكيده حتى قال ذلك.
وقوله: ﴿ وَإِن لَّمْ تُؤْمِنُواْ لِي فَٱعْتَزِلُونِ ﴾ يقول: فإن لم تصدقوني فيما أدعوكم إليك وآمركم به فاتركوني فأصدق وأومن به، ولا يضركم تصديقي وإيماني.
وقال بعضهم: أي: دعوني خفافا جانباً، لا علي ولا لي.
وقال بعضهم: ﴿ وإن لم يؤمنوا لي فاعتزلون ﴾ ولا تقتلون.
وقوله: ﴿ فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَـٰؤُلاَءِ قَوْمٌ مُّجْرِمُونَ ﴾ ، وهو كقوله حيث قال: ﴿ وَقِيلِهِ يٰرَبِّ إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ قَوْمٌ لاَّ يُؤْمِنُونَ ﴾ وكقول نوح - -: ﴿ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَاراً فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَآئِيۤ إِلاَّ فِرَاراً ﴾ ، ونحو ذلك يقولون: يا ربنا إنا قد عاملناهم المعاملة التي أمرتنا أن نعاملهم، واحتلنا الحيل التي علمتنا أن نحتال معهم، فلم ينجع ذلك فيهم ولا تبعونا، ولا أجابونا إلى ذلك، فهل من حيلة سوى ذلك أو معاملة غير ذلك نعاملهم بها، لعلهم يتبعوننا [و] يجيبوننا، هذا الدعاء وهذا القول منهم يكون بعد ما أجهدوا أنفسهم في دعائهم إلى الحق زماناً طويلا ليس يحتمل في ابتداء الأمر.
وقوله: ﴿ فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلاً إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ ﴾ كان في إخراج موسى - - وبني إسرائيل من بين أظهر أعدائهم ليلا من غير أن شعر علم أحد من أعدائهم بذلك، وهم العدد الذي ذكر في القصة أنهم زهاء ستمائة ألف - آية عظيمة عجيبة لموسى - - على رسالته؛ إذ خروج عدد ستين من بين أظهرهم عسير صعب، فكيف خروج العدد الذي ذكر في القصة، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ ﴾ هذا يخرج على وجهين: أحدهما: أي: قوم فرعون يتبعونهم؛ ليردوهم إلى الأمر الذي كانوا يستعملونهم من قبل، من نحو الاستخدام والاستعباد، والله أعلم.
والثاني: أن يتبعوهم للعناد والحرب؛ لأنه ذكر في القصة أنهم أخذوا أموالهم من الحلي واللباس فخرجوا بها، فجائز أن يكون اتباعهم إياهم ليقاتلوهم كما يقاتل الأعداء.
وقوله: ﴿ وَٱتْرُكِ ٱلْبَحْرَ رَهْواً ﴾ يحتمل قوله: ﴿ وَٱتْرُكِ ٱلْبَحْرَ ﴾ كأن موسى - - كان يضرب البحر بعصا، ليصل الماء بعضه ببعض؛ لئلا يعبر فرعون وقومه، فقال له: اتركه كما هو ﴿ إِنَّهُمْ جُندٌ مُّغْرَقُونَ ﴾ .
ثم اختلف في قوله: ﴿ رَهْواً ﴾ : قال بعضهم: هي فارسية عربت؛ أي: اترك البحر "راه".
وقال بعض أهل اللسان: ﴿ رَهْواً ﴾ أي: ساكناً.
وقال بعضهم: ﴿ رَهْواً ﴾ أي: متصلا، وهو قول أبو عوسجة.
وقال أهل التأويل: ﴿ رَهْواً ﴾ أي: ياسباً، وهو كقوله: ﴿ فَٱضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي ٱلْبَحْرِ يَبَساً ﴾ .
وقوله - -: ﴿ إِنَّهُمْ جُندٌ مُّغْرَقُونَ ﴾ قد وعدهم - جل وعلا - أن يغرق فرعون وقومه ففعل.
وقوله: ﴿ كَمْ تَرَكُواْ مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * وَنَعْمَةٍ كَانُواْ فِيهَا فَاكِهِينَ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْماً آخَرِينَ ﴾ أي: ناعمين.
وقيل: معجزين.
من الناس من قال: إن هذه الآية مخالفة للآية الأخرى في ظاهر المخرج، وهو قوله - عز وجل - ﴿ رَبَّنَا ٱطْمِسْ عَلَىٰ أَمْوَالِهِمْ وَٱشْدُدْ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ...
﴾ الآية [يونس: 88] ثم قال الله - - ﴿ قَدْ أُجِيبَتْ دَّعْوَتُكُمَا ﴾ فإذا كانت قد أجيبت دعوتهما في طمس أموالهم فطمست لا محالة فكيف ذكر ﴿ كَمْ تَرَكُواْ مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ...
﴾ الآية، وما معنى قوله: ﴿ كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْماً آخَرِينَ ﴾ .
لكن عندنا أنه لا مخالفة بين الآيتين؛ إذ جائز أن يكون طمس أموالهم التي كانت لهم من الحلي وغير ذلك من الصامت ونحوه خاصة، فأما الأموال التي كانت لهم بالشركة من نحو البستان والزروع وأمثالها فتلك لم يطمسها، ولكنه تركها على ما هي عليه لبني إسرائيل، وهو قوله - عز وجل -: ﴿ كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْماً آخَرِينَ ﴾ أي: مثل ذلك أورثناها قوماً آخرين، وهو كما ذكر في آية أخرى حيث قال: ﴿ وَأَوْرَثْنَا ٱلْقَوْمَ ٱلَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ ٱلأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا ﴾ فيه أن بني إسرائيل قد عادوا إلى مصر، ونزلوا أوطانهم ومنازلهم وبساتينهم.
وقوله: ﴿ فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ ٱلسَّمَآءُ وَٱلأَرْضُ ﴾ قال بعضهم: أي: فما بكى عليهم أهل السماء وأهل الأرض؛ بل سروا بذلك واستبشروا بهلاكهم؛ فيكون ذكر نفي البكاء لإثبات ضده وهو السرور والفرح، لا لعينه، وذلك جائز في اللغة أن يذكر نفي الشيء ويراد به إثبات ضده، لا عين النفي، كقوله - -: ﴿ فَمَا رَبِحَتْ تِّجَارَتُهُمْ ﴾ ليس المراد إثبات نفي الربح؛ أي: لم يربح فحسب؛ بل المراد إثبات الخسران والوضيعة، أي: خسرت ووضعت؛ فعلى ذلك قوله - -: ﴿ فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ ٱلسَّمَآءُ وَٱلأَرْضُ ﴾ أي: ضحكت وسرت واستبشرت بهلاكهم؛ لأنهم جميعاً أبغضوهم وعادوهم لادعائهم ما ادعوا من الألوهية لفرعون.
وقال بعضهم: ﴿ فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ ٱلسَّمَآءُ وَٱلأَرْضُ ﴾ يحتمل أن المراد به ما روي في الخبر عن النبي أنه قال: "ما من مؤمن إلا وله باب في السماء يصعد إليه عمله الصالح، وفي الأرض مصلى يصلى فيه، فإذا مات بكى ذلك عليه كذا كذا يوماً" و[هم] ليس لهم ذلك فلا يبكى عليهم.
وجائز أن يكون - أيضاً - قوله - -: ﴿ فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ ٱلسَّمَآءُ وَٱلأَرْضُ ﴾ أي: لم يبق لهم أحد يبكي عليهم من الأولاد وغيرهم؛ لأنهم استؤصلوا جميعاً من الأولاد وغيرهم، فلم يبك عليهم أحد، فأمّا سائر الموتى قد يبقى لهم من يبكي عليهم؛ لذلك كان ما ذكر، والله أعلم.
ويحتمل أن يذكر بكاء السماء إذا عظم الأمر على التمثيل، من نحو موت الملوك والقادة ومن عظم قدره عندهم فيخبر الله - عز وجل - أن موت فرعون وأتباعه لم يعظم على أهل السماء والأرض؛ لما [لا] قدر لهم عندهم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ مِنَ ٱلْعَذَابِ ٱلْمُهِينِ ﴾ .
قال بعضهم: ﴿ نَجَّيْنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ مِنَ ٱلْعَذَابِ ﴾ الذي نزل بفرعون وقومه، وهو الغرق في البحر، أغرق أولئك ونجى هؤلاء.
ويحتمل أن يكون المراد: أنه نجاهم من العذاب الذي كانوا يعذبون؛ من نحو القتل والاستخدام والاستعباد وأنواع العذاب الذي كانوا يعذبون هم ما داموا بين أظهرهم وفي أيديهم، فنجاهم من ذلك؛ حيث أخرجهم من بين أيديهم - والله أعلم - وهو أشبه؛ لما قال: ﴿ وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ مِنَ ٱلْعَذَابِ ٱلْمُهِينِ * مِن فِرْعَوْنَ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّهُ كَانَ عَالِياً مِّنَ ٱلْمُسْرِفِينَ ﴾ .
قوله: ﴿ عَالِياً ﴾ أي: غالباً عليهم، قاهراً لهم بأنواع القهر الذي كان يقهرهم، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَلَقَدِ ٱخْتَرْنَاهُمْ عَلَىٰ عِلْمٍ عَلَى ٱلْعَالَمِينَ ﴾ أي: اخترنا بني إسرائيل.
وقوله: ﴿ عَلَىٰ عِلْمٍ ﴾ يخرج هذا على وجوه: أحدها: أي: ﴿ ٱخْتَرْنَاهُمْ عَلَىٰ عِلْمٍ ﴾ أي: بسبب علم آتيناهم ذلك، لم يؤت ذلك غيرهم؛ لتظهر فضيلة العلم على العالمين وشرفه، والله أعلم.
والثاني: يحتمل: ﴿ ٱخْتَرْنَاهُمْ عَلَىٰ عِلْمٍ ﴾ منا بأسباب فيهم وأشياء لم تعلم تلك الأسباب والمعاني في غيرهم، بها استوجبوا الاختيار على العالمين.
والثالث: أي: ﴿ ٱخْتَرْنَاهُمْ عَلَىٰ عِلْمٍ ﴾ أي: بسبب علم أحوجنا غيرهم إليهم، فصاروا مختارين مفضلين بسبب تعليمهم إياهم ما احتاجوا إليه؛ فيكون لهم فضل الأستاذ على التلميذ، وهذا كما يقال: إن العرب أفضل من الموالي؛ لأن الموالي احتاجوا إلى العرب في معرفة لسانهم، ومعرفة أشياء احتاجوا إليها، فاستوجبوا الفضيلة؛ لحاجتهم إليهم؛ ولذلك فضلت قريش على سائر العرب؛ لما احتاجت سائر العرب إلى قريش في معرفة أشياء لا يصلون إلى ذلك إلا أنهم فضلوا على غيرهم لذلك؛ فعلى ذلك يحتمل أنه أحوج إلى بني إسرائيل غيرهم في معرفة أشياء، فاستوجبوا بذلك الاختيار والفضيلة على غيرهم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَآتَيْنَاهُم مِّنَ ٱلآيَاتِ مَا فِيهِ بَلاَءٌ مُّبِينٌ ﴾ من وجهين: أحدهما: أي: محنة بينة، وهي أنواع ما امتحنهم من البلايا والشدائد، والله أعلم.
والثاني: يحتمل أن يكون قوله: ﴿ بَلاَءٌ مُّبِينٌ ﴾ أي: نعم عظيمة، وهو ما آتاهم من أنواع النعم من المن، والسلوى، وتظليل الغمام عليهم، وخروج العيون من الحجر، ومجاوزتهم من البحر، وإهلاك عدوهم، وغيرهم من النعم التي آتاهم مما لا يحصى، وهو ما ذكر في سورة البقرة، وهو قوله - -: ﴿ وَفِي ذَٰلِكُمْ بَلاۤءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ ﴾ أي: نعمة عظيمة من ربكم، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
وإن لم تصدقوا بما جئت به فاعتزلوني، ولا تقربوني بسوء.
<div class="verse-tafsir" id="91.Eq8Yx"