الإسلام > القرآن > سور > سورة 44 الدخان > الآية ٣٢ من سورة الدخان
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 70 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٣٢ من سورة الدخان: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله : ( ولقد اخترناهم على علم على العالمين ) قال مجاهد : ( اخترناهم على علم على العالمين ) على من هم بين ظهريه .
وقال قتادة : اختيروا على أهل زمانهم ذلك .
وكان يقال : إن لكل زمان عالما .
وهذه كقوله تعالى : ( قال ياموسى إني اصطفيتك على الناس ) [ الأعراف : 144 ] أي : أهل زمانه ، وكقوله لمريم : ( واصطفاك على نساء العالمين ) [ آل عمران : 42 ] أي : في زمانها ; فإن خديجة أفضل منها ، وكذا آسية بنت مزاحم امرأة فرعون ، أو مساوية لها في الفضل ، وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام .
القول في تأويل قوله تعالى : وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (32) يقول تعالى ذكره: ولقد اخترنا بني إسرائيل على علم منا بهم على عالمي أهل زمانهم يومئذ, وذلك زمان موسى صلوات الله وسلامه عليه.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ ) : أي اختيروا على أهل زمانهم ذلك, ولكلّ زمان عالم.
حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة, في قوله ( وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ ) قال: عالم ذلك الزمان.
حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, في قوله ( وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ ) قال: على من هم بين ظَهْرَانِيهِ.
قوله تعالى : ولقد اخترناهم على علم على العالمين .قوله تعالى : ولقد اخترناهم يعني بني إسرائيل .
على علم أي على علم منا بهم لكثرة الأنبياء منهم .
على العالمين أي عالمي زمانهم ، بدليل قوله لهذه الأمة : كنتم خير أمة أخرجت للناس .
وهذا قول قتادة وغيره .
وقيل : على كل العالمين بما جعل فيهم من [ ص: 133 ] الأنبياء .
وهذا خاصة لهم وليس لغيرهم ، حكاه ابن عيسى والزمخشري وغيرهما .
ويكون قوله : كنتم خير أمة أي : بعد بني إسرائيل .
والله أعلم .
وقيل : يرجع هذا الاختيار إلى تخليصهم من الغرق وإيراثهم الأرض بعد فرعون .
{ وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ } أي: اصطفيناهم وانتقيناهم { عَلَى عِلْمٍ } منا بهم وباستحقاقهم لذلك الفضل { عَلَى الْعَالَمِينَ } أي: عالمي زمانهم ومن قبلهم وبعدهم حتى أتى الله بأمة محمد صلى الله عليه وسلم ففضلوا العالمين كلهم وجعلهم الله خير أمة أخرجت للناس وامتن عليهم بما لم يمتن به على غيرهم.
( ولقد اخترناهم ) يعني مؤمني بني إسرائيل ( على علم ) بهم ( على العالمين ) على عالمي زمانهم .
«ولقد اخترناهم» أي بني إسرائيل «على علم» منا بحالهم «على العالمين» أي عالمي زمانهم أي العقلاء.
ولقد اصطفينا بني إسرائيل على عِلْم منا بهم على عالمي زمانهم.
ثم بين - سبحانه - جانبا آخر من إكرامه لبنى اسرائيل فقال : ( وَلَقَدِ اخترناهم على عِلْمٍ عَلَى العالمين ) .والاختيار : الاصطفاء على سبيل التشريف والتكريم ، أى : ولقد اطصفينا بنى إسرائيل على عالمى زمانهم ، ونحن عالمون بذلك علما اقتضته حكمتنا ورحمتنا .فقوله ( على عِلْمٍ ) فى موضع الحال من الفاعل ، والمراد بالعالمين : أهل زمانهم المعاصرين لهم ، بدليل قوله - تعالى - فى الأمة الإِسلامية : ( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ .
.
.
) وهذا الاصطفاء والاختيار ، إنما مرده إلى من يعمل منهم عملا صالحا ، أما الذين لم يعلموا ذلك فلا مزية لهم ولا فضل ، ولذا نجد كثيرا من الآيات تذم من يستحق الذم منهم .ومن ذلك قوله - تعالى - : ( لُعِنَ الذين كَفَرُواْ مِن بني إِسْرَائِيلَ على لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابن مَرْيَمَ ذلك بِمَا عَصَوْا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ ).
اعلم أنه تعالى لما بيّن كيفية إهلاك فرعون وقومه بيّن كيفية إحسانه إلى موسى وقومه.
واعلم أن دفع الضرر مقدم على إيصال النفع فبدأ تعالى ببيان دفع الضرر عنهم فقال: ﴿ وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إسراءيل مِنَ العذاب المهين ﴾ يعني قتل الأبناء واستخدام النساء والإتعاب في الأعمال الشاقة.
ثم قال: ﴿ مِن فِرْعَوْنَ ﴾ وفيه وجهان: الأول: أن يكون التقدير من العذاب المهين الصادر من فرعون الثاني: أن يكون فرعون بدلاً من العذاب المهين كأنه في نفسه كان عذاباً مهيناً لإفراطه في تعذيبهم وإهانتهم.
قال صاحب الكشاف وقرئ ﴿ مِنْ عَذَابِ المهين ﴾ وعلى هذه القراءة (فالمهين) هو فرعون لأنه كان عظيم السعي في إهانة المحقين.
وفي قراءة ابن عباس ﴿ مِن فِرْعَوْنَ ﴾ وهو بمعنى الاستفهام وقوله: ﴿ إِنَّهُ كَانَ عَالِياً مِّنَ المسرفين ﴾ جوابه كأن التقدير أن يقال هل تعرفونه من هو في عتوه وشيطنته؟
ثم عرف حاله بقوله: ﴿ إِنَّهُ كَانَ عَالِياً مِّنَ المسرفين ﴾ أي كان عالي الدرجة في طبقة المفسرين، ويجوز أن يكون المراد ﴿ إِنَّهُ كَانَ عَالِياً ﴾ لقوله: ﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاَ فِي الأرض ﴾ وكان أيضاً مسرفاً ومن إسرافه أنه على حقارته وخسته ادعى الإلهية، ولما بيّن الله تعالى أنه كيف دفع الضرر عن بني إسرائيل وبيّن أنه كيف أوصل إليهم الخيرات فقال: ﴿ وَلَقَدِ اخترناهم على عِلْمٍ عَلَى العالمين ﴾ وفيه بحثان: البحث الأول: أن قوله: ﴿ على عِلْمٍ ﴾ في موضع الحال ثم فيه وجهان: أحدهما: أي عالمين بكونهم مستحقين لأن يختاروا ويرجحوا على غيرهم والثاني: أن يكون المعنى مع علمنا بأنهم قد يزيغون ويصدر عنهم الفرطات في بعض الأحوال.
البحث الثاني: ظاهر قوله: ﴿ وَلَقَدِ اخترناهم على عِلْمٍ عَلَى العالمين ﴾ يقتضي كونهم أفضل من كل العالمين فقيل المراد على عالمي زمانهم، وقيل هذا عام دخله التخصيص كقوله: ﴿ كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ﴾ .
ثم قال تعالى: ﴿ وءاتيناهم مِنَ الآيات ﴾ مثل فلق البحر، وتظليل الغمام، وإنزال المن والسلوى، وغيرها من الآيات القاهرة التي ما أظهر الله مثلها على أحد سواهم ﴿ بلاء مبين ﴾ أي نعمة ظاهرة، لأنه تعالى لما كان يبلو بالمحنة فقد يبلو أيضاً بالنعمة اختباراً ظاهراً ليتميز الصديق عن الزنديق، وهاهنا آخر الكلام في قصة موسى عليه السلام ثم رجع إلى ذكر كفار مكة، وذلك لأن الكلام فيهم حيث قال: ﴿ بَلْ هُمْ فِي شَكّ يَلْعَبُونَ ﴾ أي بل هم في شك من البعث والقيامة، ثم بيّن كيفية إصرارهم على كفرهم، ثم بيّن أن قوم فرعون كانوا في الإصرار على الكفر على هذه القصة، ثم بيّن كيف أهلكهم وكيف أنعم على بني إسرائيل، ثم رجع إلى الحديث الأول، وهو كون كفار مكة منكرين للبعث، فقال: ﴿ إِنَّ هَؤُلاَء لَيَقُولُونَ * إِنْ هِيَ إِلاَّ مَوْتَتُنَا الأولى وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ ﴾ فإن قيل القوم كانوا ينكرون الحياة الثانية فكان من حقهم أن يقولوا: إن هي إلا حياتنا الأولى وما نحن بمنشرين؟
قلنا إنه قيل لهم إنكم تموتون موتة تعقبها حياة، كما أنكم حال كونكم نطفاً كنتم أمواتاً وقد تعقبها حياة، وذلك قوله: ﴿ وَكُنتُمْ أمواتا فأحياكم ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ فَقَالُواْ إِنْ هِيَ إِلاَّ مَوْتَتُنَا الأولى ﴾ يريدون ما الموتة التي من شأنها أن تعقبها حياة إلا الموتة الأولى دون الموتة الثانية، وما هذه الصفة التي تصفون بها الموتة من تعقيب الحياة لها إلا الموتة الأولى خاصة، فلا فرق إذاً بين هذا الكلام وبين قوله: ﴿ إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدنيا ﴾ هذا ما ذكره صاحب الكشاف: ويمكن أن يذكر فيه وجه آخر، فيقال قوله: ﴿ إِنْ هِىَ إِلاَّ مَوْتَتُنَا الأولى ﴾ يعني أنه لا يأتينا شيء من الأحوال إلا الموتة الأولى، وهذا الكلام يدل على أنهم لا تأتيهم الحياة الثانية ألبتة، ثم صرحوا بهذا المرموز فقالوا: ﴿ وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ ﴾ فلا حاجة إلى التكلف الذي ذكره صاحب الكشاف.
ثم قال تعالى: ﴿ وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ ﴾ يقال نشر الله الموتى وأنشرهم إذا بعثهم، ثم إن الكفار احتجوا على نفي الحشر والنشر بأن قالوا: إن كان البعث والنشور ممكنً معقولاً فجعلوا لنا إحياء من مات من آبائنا بأن تسألوا ربكم ذلك، حتى يصير ذلك دليلاً عندنا على صدق دعواكم في النبوة والبعث في القيامة، قيل طلبوا من الرسول صلى الله عليه وسلم أن يدعو الله حتى ينشر قصي بن كلاب ليشاوروه في صحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وفي صحة البعث، ولما حكى الله عنهم ذلك قال: ﴿ أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ والذين مِن قَبْلِهِمْ أهلكناهم إِنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ ﴾ والمعنى أن كفار مكة لم يذكروا في نفي الحشر والنشر شبهة حتى يحتاج إلى الجواب عنها، ولكنهم أصروا على الجهل والتقليد في ذلك الإنكار، فلهذا السبب اقتصر الله تعالى على الوعيد، فقال إن سائر الكفار كانوا أقوى من هؤلاء، ثم إن الله تعالى أهلكهم فكذلك يهلك هؤلاء، فقوله تعالى: ﴿ أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ ﴾ استفهام على سبيل الإنكار، قال أبو عبيدة: ملوك اليمن كان كل واحد منهم يسمى تبعاً لأن أهل الدنيا كانوا يتبعونه، وموضع تبع في الجاهلية موضع الخليفة في الإسلام وهم الأعاظم من ملوك العرب قالت عائشة، كان تبع رجلاً صالحاً، وقال كعب: ذم الله قومه ولم يذمه، قال الكلبي هو أبو كرب أسعد، وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تسبوا تبعاً فإنه كان قد أسلم ما أدري أكان تبع نبياً أو غير نبي».
فإن قيل ما معنى قوله: ﴿ أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ ﴾ مع أنه لا خير في الفريقين؟
قلنا معناه أهم خير في القوة والشوكة، كقوله: ﴿ أكفاركم خَيْرٌ مّنْ أولئكم ﴾ بعد ذكر آل فرعون، ثم إنه تعالى ذكر الدليل القاطع على القول بالبعث والقيامة، فقال: ﴿ وَمَا خَلَقْنَا السموات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِينَ ﴾ ولو لم يحصل البعث لكان هذا الخلق لعباً وعبثاً، وقد مرّ تقرير هذه الطريقة بالاستقصاء في أول سورة يونس، وفي آخر سورة ﴿ قَدْ أَفْلَحَ المؤمنون ﴾ حيث قال: ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خلقناكم عَبَثاً ﴾ وفي سورة ص حيث قال: ﴿ وما خلقنا السماء والأرض وما بينهم باطلاً ﴾ .
ثم قال: ﴿ مَا خلقناهما إِلاَّ بالحق ولكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ والمراد أهل مكة، وأما استدلال المعتزلة بهذه الآية على أنه تعالى لا يخلق الكفر والفسق ولا يريدهما فهو مع جوابه معلوم، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
الضمير في ﴿ اخترناهم ﴾ لبني إسرائيل.
و ﴿ على عِلْمٍ ﴾ في موضع الحال، أي: عالمين بمكان الخيرة، وبأنهم أحقاء بأن يختاروا.
ويجوز أن يكون المعنى: مع علم منا بأنهم يزيغون ويفرط منهم الفرطات في بعض الأحوال ﴿ عَلَى العالمين ﴾ على عالمي زمانهم.
وقيل: على الناس جميعاً لكثرة الأنبياء منهم ﴿ مِنَ الأيات ﴾ من نحو فلق البحر وتظليل الغمام وإنزال المنّ والسلوى، وغير ذلك من الآيات العظام التي لم يظهر الله في غيرهم مثلها ﴿ بلاؤا مُّبِينٌ ﴾ نعمة ظاهرة؛ لأنّ الله تعالى يبلو بالنعمة كما يبلو بالمصيبة.
أو اختبار ظاهر لننظر كيف تعملون، كقوله تعالى: ﴿ وَفِى ذلكم بَلاء مِّن رَّبّكُمْ عَظِيمٌ ﴾ [البقرة: 49] .
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلَقَدِ اخْتَرْناهُمْ ﴾ اخْتَرْنا بَنِي إسْرائِيلَ.
﴿ عَلى عِلْمٍ ﴾ عالِمِينَ بِأنَّهم أحِقّاءُ بِذَلِكَ، أوْ مَعَ عِلْمٍ مِنّا بِأنَّهم يَزِيغُونَ في بَعْضِ الأحْوالِ.
﴿ عَلى العالَمِينَ ﴾ لِكَثْرَةِ الأنْبِياءِ فِيهِمْ أوْ عَلى عالَمِي زَمانِهِمْ.
﴿ وَآتَيْناهم مِنَ الآياتِ ﴾ كَفَلْقِ البَحْرِ وتَظْلِيلِ الغَمامِ وإنْزالِ المَنِّ والسَّلْوى.
﴿ ما فِيهِ بَلاءٌ مُبِينٌ ﴾ نِعْمَةٌ جَلِيَّةٌ أوِ اخْتِبارٌ ظاهِرٌ.
<div class="verse-tafsir"
{وَلَقَدِ اخترناهم} أي بني إسرائيل {على عِلْمٍ} حال من ضمير الفاعل أي عالمين بمكان الخيرة وبأنهم أحقاء بأن يختاروا {عَلَى العالمين} على عالمي زمانهم
﴿ ولَقَدِ اخْتَرْناهُمْ ﴾ أيِ اِصْطَفَيْنا بَنِي إسْرائِيلَ وشَرَّفْناهم ﴿ عَلى عِلْمٍ ﴾ أيْ عالِمِينَ بِاسْتِحْقاقِهِمْ ذَلِكَ أوْ مَعَ عِلْمٍ مِنّا بِما يَفْرُطُ مِنهم في بَعْضِ اَلْأحْوالِ، وقِيلَ: عالِمِينَ بِما يَصْدُرُ مِنهم مِنَ اَلْعَدْلِ والإحْسانِ والعِلْمِ والإيمانِ، ويَرْجِعُ هَذا إلى ما قِيلَ أوَّلًا فَإنَّ اَلْعَدْلَ وما مَعَهُ مِن أسْبابِ اَلِاسْتِحْقاقِ، وقِيلَ: لِأجْلِ عِلْمٍ فِيهِمْ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ رَكِيكٌ لِأنَّ تَنْكِيرَ اَلْعِلْمِ لا يُصادَقُ مِحَزُّهُ.
وأُجِيبَ بِأنَّهُ لِلتَّعْظِيمِ ويَحْسُنُ اِعْتِبارُهُ عِلَّةً لِلِاخْتِيارِ ﴿ عَلى العالَمِينَ ﴾ أيْ عالَمِي زَمانِهِمْ كَما قالَ مُجاهِدٌ.
وقَتادَةُ فالتَّعْرِيفُ لِلْعَهْدِ أوِ اَلِاسْتِغْراقِ اَلْعُرْفِيِّ فَلا يَلْزَمُ تَفْضِيلُهم عَلى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ اَلَّذِينَ هم خَيْرُ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ عَلى اَلْإطْلاقِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ لِلِاسْتِغْراقِ اَلْحَقِيقِيِّ والتَّفْضِيلِ بِاعْتِبارِ كَثْرَةِ اَلْأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ اَلسَّلامُ فِيهِمْ لا مِن كُلِّ اَلْوُجُوهِ حَتّى يَلْزَمَ تَفْضِيلُهم عَلى هَذِهِ اَلْأُمَّةِ اَلْمُحَمَّدِيَّةِ، وقِيلَ: اَلْمُرادُ اِخْتَرْناهم لِلْإيحاءِ عَلى اَلْوَجْهِ اَلَّذِي وقَعَ وخَصَصْناهم بِهِ دُونَ اَلْعالَمِينَ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ، ومِمّا ذَكَرْنا يُعْلَمُ أنَّهُ لَيْسَ في اَلْآيَةِ تَعَلُّقُ حَرْفَيْ جَرٍّ بِمَعْنًى بِمُتَعَلِّقٍ واحِدٍ لِأنَّ اَلْأوَّلَ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا والثّانِيَ مُتَعَلِّقٌ بِالفِعْلِ كَقَوْلِهِ: ويَوْمًا عَلى ظَهْرِ اَلْكَثِيبِ تَعَذَّرَتْ عَلَيَّ وآلَتْ حَلْفَةٌ لَمْ تُحَلَّلِ وقِيلَ: لِأنَّ كُلَّ حَرْفٍ بِمَعْنًى <div class="verse-tafsir"
وَلَقَدْ نَجَّيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مِنَ الْعَذابِ الْمُهِينِ يعني: من العذاب الشديد.
ويقال: المهين يعني: الهوان.
وهو قتل الأبناء، واستخدام البنات مِنْ فِرْعَوْنَ يعني: من عذاب فرعون إِنَّهُ كانَ عالِياً مِنَ الْمُسْرِفِينَ يعني: كان عاصياً، عاتياً، مستكبراً، متعظماً وكان من المسرفين.
يعني: من المشركين وَلَقَدِ اخْتَرْناهُمْ يعني: اصطفينا بني إسرائيل عَلى عِلْمٍ يعني: على علم من الله تعالى، أنهم أهل لذلك.
ويقال: عَلى عِلْمٍ الله فيهم من صبرهم عَلَى الْعالَمِينَ يعني: على عالمي زمانهم وَآتَيْناهُمْ مِنَ الْآياتِ يعني: أعطيناهم من العلامات مَا فِيهِ بَلؤُا مُبِينٌ يعني: ابتلاء بيناً، مثل انفلاق البحر، وأشباه ذلك.
ثم ذِكْرِ كُفَّار مَكَّةَ فقال: إِنَّ هؤُلاءِ لَيَقُولُونَ إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولى يعني: ما هي إلا موتتنا الأولى وَما نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ بعدها فَأْتُوا بِآبائِنا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ أنا نبعث بعد الموت، يعني: قالوا ذلك للنبي .
قال الله تعالى: أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ يعني: قومك خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ، وإنما ذكر قوم تبع، لأنهم كانوا أقرب إلى أهل مكة في الهلاك من غيرهم.
قال الكلبي: وكانوا أشراف حمير وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْناهُمْ فكيف لا نهلك قومك إذا كذبوك قال: وكان تبع اسم ملك منهم، مثل فرعون.
ويقال: إنما سمي تبع، لكثرة أتباعه، فأسلم فخالفوه فأهلكهم الله تعالى، وكان اسمه سعد بن ملكي كرب.
وروى عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، أن عائشة- ا- قالت: إن تبع كان رجلاً صالحاً.
وكان كعب الأحبار يقول: ذم الله قومه، ولم يذمه.
وقال سعيد بن جبير: أن تبعاً كسا البيت، يعني: الكعبة.
وقال القتبي: هم ملوك اليمن، كل واحد منهم يسعى تبعاً، لأنه يتبع صاحبه، وكذلك الظل يسمى: تبعاً لأنه يتبع الشمس، وموضع التبع في الجاهلية، موضع الخليفة في الإسلام، وهم ملوك العرب.
ثم قال: وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ يعني: من قبل تبع أَهْلَكْناهُمْ يعني: عذبناهم عند التكذيب إِنَّهُمْ كانُوا مُجْرِمِينَ يعني: مشركين.
<div class="verse-tafsir"
وقوله: فَدَعا رَبَّهُ قبله محذوفٌ، تقديرُهُ: فما أجابوه لِمَا طُلِبَ منهم.
وقوله: فَأَسْرِ قبله محذوفٌ، أي: قَالَ اللَّهُ له فَأَسْرِ بِعبادِي، قال ابن العربيِّ في «أحكامه» «١» : السرى: سَيْرُ الليل، و «الإدْلاَجُ» سَيْرُ السَّحَرِ، و «التَّأْوِيبُ» : سير النهار، ويقال: سرى وأسرى، انتهى.
واخْتُلِفَ في قوله تعالى: وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْواً متى قالها لموسى؟
فقالت فرقة: هو كلامٌ مُتَّصِلٌ بما قبله، وقال قتادَةُ وغيره: خُوطِبَ به بعد ما جاز البحر «٢» ، وذلك أَنَّهُ هَمَّ أَنْ يضرب البَحْر ليلتئم خَشْيَةَ أن يدخل فرعون وجنوده وراءه، ورَهْواً معناه: ساكناً كما جُزْتَهُ، قاله ابن عباس «٣» ، وهذا القول هو الذي تؤيِّده اللغَةُ ومنه قول القُطَامِيِّ:
[البسيط]
يَمْشِينَ رَهْواً فَلاَ الأَعْجَازُ خَاذِلَة ...
وَلاَ الصُّدُورُ عَلَى الأَعْجَازِ تَتَّكِلُ «٤»
ومنه: [البسيط]
وَأُمَّةٌ خَرَجَتْ رَهْواً إلى عِيد ...
......
أي: خرجوا في سكون وتمهّل.
فقيل لموسى ع: اترك البَحْرَ سَاكِناً على حاله من الانفراق ليقضي الله أمرا كان مفعولا.
وقوله تعالى: كَمْ تَرَكُوا «كم» للتكثير، أي: كَمْ تَرَكَ هؤلاءِ المُغْتَرُّونَ من كثرة الجنَّات والعيونِ، فَرُوِيَ أَنَّ الجناتِ كَانَتْ مُتَّصِلَةً/ ضِفَّتَيِ النيلِ جميعاً من رشيد إلى أُسْوَانَ، وأَمَّا العيونُ فيحتملُ أَنَّه أراد الخُلْجَانَ، فشبهها بالعيون، ويحتمل أَنَّها كانت ونَضِبَتْ، ذكر الطُّرْطُوشِيُّ في «سِرَاجِ الملوك» له، قال: قال أبو عبد اللَّه بن حَمْدُونَ: كنت مع المُتَوَكِّلِ لما خرج إلى دمشقَ، فركِبَ يوماً إلى رُصَافَةِ هشام بن عبد الملك، فنظر إلى قُصُورِها، ثم خرج، فنظر إلى دَيْرٍ هناك قديمٍ حَسَنِ البناءِ بين مزارعَ وأشجارٍ، فدخله، فبينما هو يطوفُ به إذ بَصُرَ برُقْعَةٍ قد أُلْصِقَتْ في صدره فأمر بقلعها، فإذا فيها مكتوبٌ هذه الأبياتُ: [الطويل]
أَيَا مَنْزِلاً بالدَّيْرِ أَصْبَحَ خَالِياً ...
تَلاَعَبُ فِيهِ شَمْأَلٌ وَدَبُورُ
كَأَنَّكَ لَمْ يَسْكُنْكَ بِيضٌ أَوانِسٌ ...
وَلَمْ تَتَبَخْتَرْ في قِبَابِكَ حُورُ
وَأَبْنَاءُ أَمْلاَكٍ غَوَاشِمُ سَادَةٌ ...
صَغِيرُهُمُو عِنْدَ الأَنَامِ كَبِيرُ
إذَا لَبِسُوا أَدْرَاعَهُمْ فَعَوَابِس ...
وَإنْ لَبِسُوا تِيجَانَهُمْ فَبُدُورُ
على أَنَّهُمْ يَوْمَ اللِّقَاءِ ضَرَاغِمٌ ...
وَأَنَّهُمُو يَوْمَ النَّوَالِ بُحُورُ
لَيَالِي هِشَامٌ بالرُّصَافَةِ قَاطِنٌ ...
وَفِيكَ ابنه يَا دَيْرُ وَهْوَ أَمِيرُ
إذِ الْعَيْشُ غَضٌّ وَالخِلاَفَةُ لَذَّةٌ ...
وَأَنْتَ طَرُوبٌ وَالزَّمَانُ غَرِيرُ
وَرَوْضُكَ مُرْتَادٌ وَنَوْرُكَ مُزْهِرٌ ...
وَعَيْشُ بَنِي مَرْوَانَ فِيكَ نَضِيرُ
بلى فَسَقَاكَ الْغَيْثُ صَوْبَ سَحَائِب ...
عَلَيْكَ لَهَا بَعْدَ الرَّوَاحِ بُكُورُ
تَذَكَّرْتُ قَوْمِي فِيكُمَا فَبَكَيْتُهُمْ ...
بِشَجْوٍ وَمِثْلِي بِالْبُكَاءِ جَدِيرُ
فَعَزَّيْتُ نَفْسِي وَهْيَ نَفْسٌ إذَا جرى ...
لَهَا ذِكْرُ قَوْمِي- أَنَّةٌ وَزَفِيرُ
لعلّ زمانا جار يوما عليهم و ...
لَهُمْ بِالَّذِي تَهْوَى النُّفُوسُ- يَدُورُ
فَيَفْرَحَ مَحْزُونٌ وَيَنْعَمَ بَائِسٌ ...
وَيُطْلَقَ مِنْ ضِيقِ الوَثَاقِ أَسِيرُ
رُوَيْدَكَ إنَّ/ الدَّهْرَ يَتْبَعُهُ غَدٌ ...
وَإنَّ صُرُوفَ الدَّائِرَاتِ تَدُورُ
فلما قرأها المتوكِّل، ارتاع، ثم دعا صاحب الدَّيْرِ، فسأله عَمَّن كتبها، فقال: لا عِلْمَ لي به، وانصرف، انتهى، وفي هذا وشبهه عِبْرَة لأولِي البصائر المستَيْقِظِينَ، اللهم، لا تجعلْنَا مِمَّنْ اغتر بزَخَارِفِ هذه الدارِ!!.
[من الطويل]
أَلاَ إنَّما الدُّنْيَا كَأَحْلاَمِ نَائِم ...
وَمَا خَيْرُ عَيْشٍ لاَ يَكُونُ بِدَائِمِ
وقرأ جمهور الناس: «ومَقَامٍ» - بفتح الميم- «١» قال ابن عباس وغيره: أراد المنابر «٢» .
وعلى قراءة ضم الميم «٣» قال قتادة: أراد: المواضِعَ الحِسَانَ من المساكِنِ وغيرِهَا «٤» ، والقولُ بالمنابرِ بعيدٌ جدًّا، و «النَّعْمَةُ» - بفتح النون-: غَضَارَةُ العيشِ ولَذَاذَةُ الحياة، «والنِّعْمَةُ» - بكسر النون-: أَعَمُّ من هذا كُلُّه، وقد تكون الأمراضُ والمصائبُ نِعَماً، ولا يقال فيها: «نَعْمَةٌ» - بالفتح-، وقرأ الجمهور: «فاكهين» «٥» ومعناه: فَرِحينَ مسرورين كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها قَوْماً آخَرِينَ أي: بعد القِبْطِ، وقال قتادة: هم بنو إسرائيل «٦» ، وفيه ضعف، وقد ذكر الثعلبيُّ عن الحَسَنِ أَنَّ بني إسرائيل رَجَعُوا إلى مِصْرَ بعد هلاك فِرْعَوْنَ «٧» ، واختلف المتأوِّلُون في معنى قوله تعالى: فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ، فقال ابن عباس وغيره: وذلك أَنَّ الرجُلَ المؤمنَ إذا مَاتَ، بكى عليه من الأرض موضِعُ عباداتِهِ أربعين صَبَاحاً، وبكى عليه من السماءِ مَوْضِعُ صُعُودِ عمله، قالوا: ولم يكن في قوم فرعونَ مَنْ هذه حَالُهُ، فَتَبْكِي عليهم السماء والأرض «٨» ، قال- عليه السلام «٩» -: والمعنى الجَيِّدُ في الآية: أَنَّها استعارةٌ فصيحةٌ تَتَضمَّن تحقير أمرهم، وأَنَّه لم يتغير لأجل هلاكهم شيء، ومثله قوله صلّى الله عليه وسلّم: «لاَ يَنْتَطِحُ فِيهَا عَنْزَانِ» ، وفي الحديثِ عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم/ أنّه قال: «ما مات
مُؤْمِنٌ في غُرْبَةٍ غَابَتْ عَنْهُ فِيهَا بَوَاكِيهِ، إلاَّ بَكَتْ عَلَيْهِ السَّمَاءُ والأَرْضُ، ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الآية، وَقَالَ: إنَّهُمَا لاَ يَبْكِيَانِ على كافر» «١» قال الداوديّ.
وعن مجاهد: ما مات مؤمنٌ إلاَّ بكَتْ عليه السماءُ والأرضُ، وقال: أفي هذا عجبٌ؟!
وما للأرضِ لا تَبْكِي على عبدٍ كانَ يَعْمُرُها بالرُّكُوعِ والسجودِ، وما للسماء لا تَبْكِي على عبدٍ كان لتسبيحِهِ وتكبيرِهِ فيها دَوِيٌّ كَدَوِيِّ النَّحْلِ؟!
«٢» انتهى.
وروى ابنُ المبارك في «رقائقه» قال: أخبرنا الأوْزاعيُّ قال: حدَّثني عطاءٌ الخُرَاسَانِيُّ، قال: مَا مِنْ عَبْدٍ يسجد للَّهِ سَجْدَةً في بُقْعَةٍ من بِقَاعِ الأرضِ، إلاَّ شَهِدَتْ له يَوْمَ القيامةِ، وبَكَتْ عليه يَوْمَ يَمُوتُ، انتهى، وروى ابن المبارك أَيْضاً عن أبي عُبَيْدٍ صاحبِ سليمانَ «أَنَّ العبد المؤمن إذا مات تنادَتْ بِقَاعُ الأرضِ: عَبْدُ اللَّهِ المُؤْمِنُ مَاتَ قَالَ: فَتَبْكِي عَلَيْهِ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ، فيقولُ الرحمن تبارَكَ وتعالى: مَا يُبْكِيكُمَا على عَبْدِي؟
فَيَقُولاَنِ: يَا رَبَّنَا، لَمْ يَمْشِ على نَاحِيَةٍ مِنَّا قَطُّ إلاَّ وَهُوَ يَذْكُرُكَ» .
اهـ.
ومُنْظَرِينَ أي: مؤخّرين والْعَذابِ الْمُهِينِ: هو ذبح الأبناءِ، والتَّسْخِيرُ، وغيْرُ ذلك.
وقوله: عَلى عِلْمٍ أي: على شَيْءٍ قد سَبَقَ عندنا فِيهِمْ، وثَبَتَ في علمنا أَنَّه سَيَنْفُذُ، ويحتملُ أنْ يكون معناه: على علمٍ لهم وفضائلَ فيهم على العالمين، أي: عَالِمِي زمانهم بدليل أَنَّ أُمَّةَ محمد خير أُمَّةٍ أخرجت للناس وَآتَيْناهُمْ مِنَ الْآياتِ: لفظ جامع لما أجرى اللَّه من الآيات على يدي موسى، ولما أنعم به على بني إسرائيل، والبلاء في هذا الموضع: الاختبارُ والاِمتحانُ كما قال تعالى: وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً [الأنبياء: ٣٥] الآية، ومُبِينٌ بمعنى: بَيِّنٌ ثم ذَكَرَ تعالى قريشاً على جهة الإنكار لقولهم وإنكارهم للبَعْثِ، فقال: إِنَّ هؤُلاءِ لَيَقُولُونَ إِنْ هِيَ أي: ما هي إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولى وَما نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ أي: بمبعوثين، وقول قريش: فَأْتُوا بِآبائِنا مخاطبة للنّبيّ صلّى الله عليه وسلّم طلبوا منه أَنْ يُحْيَي اللَّهُ لَهُمْ بَعْضَ آبائِهِمْ، وَسَمَّوْا له قُصَيًّا وغيره، كي يسألوهم عمّا رأوا في آخرتهم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِنَ العَذابِ المُهِينِ ﴾ يَعْنِي قَتْلَ الأبْناءِ واسْتِخْدامَ النِّساءِ والتَّعَبَ في أعْمالِ فِرْعَوْنَ، ﴿ إنَّهُ كانَ عالِيًا ﴾ أيْ: جَبّارًا.
﴿ وَلَقَدِ اخْتَرْناهُمْ ﴾ يَعْنِي بَنِي إسْرائِيلَ ﴿ عَلى عِلْمٍ ﴾ عَلِمَهُ اللَّهُ فِيهِمْ عَلى عالَمِي زَمانِهِمْ، ﴿ وَآتَيْناهم مِنَ الآياتِ ﴾ كانْفِراقِ البَحْرِ، وتَظْلِيلِ الغَمامِ، وإنْزالِ المَنِّ والسَّلْوى، إلى غَيْرِ ذَلِكَ ﴿ ما فِيهِ بَلاءٌ مُبِينٌ ﴾ أيْ: نِعْمَةٌ ظاهِرَةٌ.
ثُمَّ رَجَعَ إلى ذِكْرِ كُفّارٍ مَكَّةَ، فَقالَ: ﴿ إنَّ هَؤُلاءِ لَيَقُولُونَ ﴾ ﴿ إنْ هي إلا مَوْتَتُنا الأُولى ﴾ يَعْنُونَ الَّتِي تَكُونُ في الدُّنْيا ﴿ وَما نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ ﴾ أيْ: بِمَبْعُوثِينَ، ﴿ فَأْتُوا بِآبائِنا ﴾ أيِ: ابْعَثُوهم لَنا ﴿ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ﴾ في البَعْثِ.
وهَذا جَهْلٌ مِنهم مَن وجْهَيْنِ.
أحَدُهُما: أنَّهم قَدْ رَأوْا مِنَ الآياتِ ما يَكْفِي في الدَّلالَةِ؛ فَلَيْسَ لَهم أنْ يَتَنَطَّعُوا.
والثّانِي: أنَّ الإعادَةَ لِلْجَزاءِ؛ وذَلِكَ في الآخِرَةِ، لا في الدُّنْيا.
ثُمَّ خَوَّفَهم عَذابَ الأُمَمِ قَبْلَهُمْ، فَقالَ: ﴿ أهم خَيْرٌ ﴾ أيْ: أشَدُّ وأقْوى ﴿ أمْ قَوْمُ تُبَّعٍ ﴾ ؟!
أيْ: لَيْسُوا خَيْرًا مِنهم.
رَوى أبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ أنَّهُ قالَ: « "ما أدْرِي تُبَّعًا، نَبِيٌّ، أوْ غَيْرُ نَبِيٍّ.» وقالَتْ عائِشَةُ: لا تَسُبُّوا تُبَّعًا فَإنَّهُ كانَ رَجُلًا صالِحًا، ألا تَرى أنَّ اللَّهَ تَعالى ذَمَّ قَوْمَهُ ولَمْ يَذُمَّهُ.
وقالَ وهْبٌ: أسْلَمَ تُبَّعٌ ولَمْ يُسْلِمْ قَوْمُهُ، فَلِذَلِكَ ذُكِرَ قَوْمُهُ ولَمْ يُذْكَرْ.
وذَكَرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أنَّهُ كانَ يَعْبُدُ النّارَ، فَأسْلَمَ ودَعا قَوْمَهُ -وَهم حِمْيَرٌ- إلى الإسْلامِ، فَكَذَّبُوهُ.
فَأمّا تَسْمِيَتُهُ بِـ "تُبَّعٍ" فَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: كُلُّ مَلِكٍ مِن مُلُوكِ اليَمَنِ كانَ يُسَمّى: تُبَّعًا، لِأنَّهُ يَتْبَعُ صاحِبَهُ، فَمَوْضِعُ "تُبَّعٍ" في الجاهِلِيَّةِ مَوْضِعُ الخَلِيفَةِ في الإسْلامِ.
وقالَ مُقاتِلٌ: إنَّما سُمِّيَ تُبَّعًا لِكَثْرَةِ أتْباعِهِ، واسْمُهُ مَلْكَيَكْرِبُ.
وإنَّما ذَكَرَ قَوْمَ تُبَّعٍ، لِأنَّهم كانُوا أقْرَبَ في الهَلاكِ إلى كُفّارِ مَكَّةَ مِن غَيْرِهِمْ.
وما بَعْدَ هَذا قَدْ تَقَدَّمَ [الأنْبِياءِ: ١٦، الحِجْرِ: ٨٥] إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ يَوْمَ الفَصْلِ ﴾ وهو يَوْمٌ يَفْصِلُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ بَيْنَ العِبادِ ﴿ مِيقاتُهُمْ ﴾ أيْ: مِيعادُهم ﴿ أجْمَعِينَ ﴾ يَأْتِيهِ الأوَّلُونَ والآخِرُونَ.
﴿ يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: لا يَنْفَعُ قَرِيبٌ قَرِيبًا، قالَهُ مُقاتِلٌ.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لا يُغْنِي ولِيٌّ عَنْ ولِيِّهِ بِالقَرابَةِ أوْ غَيْرِها.
والثّانِي: لا يَنْفَعُ ابْنُ عَمٍّ ابْنَ عَمِّهِ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.
﴿ وَلا هم يُنْصَرُونَ ﴾ أيْ: لا يُمْنَعُونَ مِن عَذابِ اللَّهِ، ﴿ إلا مَن رَحِمَ اللَّهُ ﴾ وهُمُ المُؤْمِنُونَ، فَإنَّهُ يُشَفَّعُ بَعْضُهم في بَعْضٍ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَماءُ والأرْضُ وما كانُوا مُنْظَرِينَ ﴾ ﴿ وَلَقَدْ نَجَّيْنا بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ العَذابِ المُهِينِ ﴾ ﴿ مِن فِرْعَوْنَ إنَّهُ كانَ عالِيًا مِن المُسْرِفِينَ ﴾ ﴿ وَلَقَدِ اخْتَرْناهم عَلى عِلْمٍ عَلى العالَمِينَ ﴾ ﴿ وَآتَيْناهم مِنَ الآياتِ ما فِيهِ بَلاءٌ مُبِينٌ ﴾ ﴿ إنَّ هَؤُلاءِ لَيَقُولُونَ ﴾ ﴿ إنْ هي إلا مَوْتَتُنا الأُولى وما نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ ﴾ ﴿ فَأْتُوا بِآبائِنا إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ﴾ نَفَتْ هَذِهِ الآيَةُ أنْ تَكُونَ السَماءُ والأرْضُ بَكَتْ عَلى قَوْمِ فِرْعَوْنَ، فاقْتَضى اللَفْظُ أنَّ لِلسَّماءِ والأرْضِ بُكاءٌ، واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَعْنى ذَلِكَ؛ فَقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ: إنَّ الرَجُلَ المُؤْمِنَ إذا ماتَ بَكى عَلَيْهِ مِنَ الأرْضِ مَوْضِعَ عِبادَتِهِ أرْبَعِينَ صَباحًا، وبَكى عَلَيْهِ مِنَ السَماءِ مَوْضِعَ صُعُودِ عَمَلِهِ، قالُوا: فَلَمْ يَكُنْ في قَوْمِ فِرْعَوْنَ مَن هَذِهِ حالُهُ، فَهَذا مَعْنى الآيَةِ.
وقالَ السُدِّيُّ وعَطاءٌ: بُكاءُ السَماءِ: حُمْرَةُ أطْرافِها.
وقالُوا: إنَّ السَماءَ احْمَرَّتْ يَوْمَ قُتِلَ الحُسَيْنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وكانَ ذَلِكَ بُكاءً عَلَيْهِ، وهَذا هو مَعْنى الآيَةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والمَعْنى الجَيِّدُ في الآيَةِ أنَّها اسْتِعارَةٌ باهِيَةٌ فَصِيحَةٌ تَتَضَمَّنُ تَحْقِيرَ أمْرِهِمْ، وأنَّهم لَمْ يَتَغَيَّرْ عن هَلاكِهِمْ شَيْءٌ، وهَذا نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَإنْ كانَ مَكْرُهم لِتَزُولَ مِنهُ الجِبالُ ﴾ عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ: "لِتَزُولَ" بِكَسْرِ اللامِ ونَصْبِ الفِعْلِ وجَعْلِ "إنْ" نافِيَةً، ومِثْلُ هَذا المَعْنى قَوْلُ النَبِيِّ : « "لا يَنْتَطِحُ فِيها عنزانِ"» فَإنَّهُ يَتَضَمَّنُ التَحْقِيرَ، لَكِنَّ هَذِهِ الألْفاظَ هي بِحَسْبَ ما قِيلَتْ فِيهِ، وهو قَتْلُ المَرْأةِ الكافِرَةِ الَّتِي كانَتْ تُؤْذِي النَبِيَّ ، وعِظَمُ قِصَّةِ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ يَجِيءُ بِحَسَبِها جَمالُ الوَصْفِ وبَهاءُ العِبارَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَماءُ والأرْضُ ﴾ ، ومِن نَحْوِ هَذا أنْ يَعْكِسَ قَوْلُ جَرِيرٍ: لَمّا أتى خَبَرُ الزُبَيْرِ تَواضَعَتْ ∗∗∗ سُورُ المَدِينَةِ والجِبالُ الخُشَّعُ فَيُقالُ في التَحْقِيرِ: "ماتَ فُلانٌ فَما خَشَعَتِ الجِبالُ"، ونَحْوُ هَذا، وفي الحَدِيثِ عَنِ النَبِيِّ أنَّهُ قالَ: « "ما ماتَ مُؤْمِنٌ في غُرْبَةٍ غابَتْ عنهُ فِيها بَواكِيهِ إلّا بَكَتْ عَلَيْهِ السَماءُ والأرْضُ"، ثُمَّ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ،» وقالَ: « "إنَّهُما لا يَبْكِيانِ عَلى كافِرٍ"»، ومِنَ التَفْخِيمِ بِبُكاءِ المَخْلُوقاتِ العِظامِ قَوْلُ يَزِيدَ بْنِ مُفَرَّغٍ: الرِيحُ تَبْكِي شَجْوَها ∗∗∗ ∗∗∗ والبَرْقُ يَلْمَعُ في الغَمامَهْ وقَوْلُ الفَرَزْدَقِ: فالشَمْسُ طالِعَةٌ لَيْسَتْ بِكاسِفَةٍ ∗∗∗ ∗∗∗ تَبْكِي عَلَيْكَ نُجُومُ اللَيْلِ والقَمَرا و"مُنْظَرِينَ": مَعْناهُ: مُؤَخَّرِينَ ومُمْهَلِينَ.
ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى نِعْمَتَهُ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ في إنْجائِهِمْ مِن فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ، والعَذابُ المُهِينُ: هو ذَبْحُ الأبْناءِ والتَسْخِيرُ في المِهَنِ كالبُنْيانِ والحُفَرِ وغَيْرِهِ، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "مِن عَذابِ المُهِينِ" بِسُقُوطِ التَعْرِيفِ بِالألِفِ واللامِ مِنَ "العَذابِ"، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن فِرْعَوْنَ ﴾ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مِنَ العَذابِ ﴾ ، و"مِن" بِكَسْرِ المِيمِ هي قِراءَةُ الجُمْهُورِ، ورَوى قَتادَةُ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما كانَ يَقْرَؤُها "مَن" بِفَتْحِ المِيمِ "فِرْعَوْنُ" بِرَفْعِ النُونِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَلى عِلْمٍ ﴾ أيْ: عَلى شَيْءٍ سَبَقَ عِنْدَنا فِيهِمْ وثَبَتَ في عِلْمِنا أنَّهُ سَيُنَفَّذُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَلى العالَمِينَ ﴾ يُرِيدُ: عَلى جَمِيعِ الناسِ، هَذا عَلى التَأْوِيلِ المُتَقَدِّمِ في العِلْمِ، والمَعْنى: لَقَدِ اخْتَرْناها لِهَذا الإنْجاءِ وهَذِهِ النِعَمِ عَلى سابِقِ عِلْمٍ لَنا فِيهِمْ، وخَصَّصْناهم بِذَلِكَ دُونَ العالَمِ، ويُحْتَمَلُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَلى عِلْمٍ ﴾ أنْ يَكُونَ: عَلى عِلْمٍ لَهم وفَضائِلَ فِيهِمْ، والمَعْنى: اخْتَرْناهم للنُّبُوءاتِ والرِسالاتِ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَلى العالَمِينَ ﴾ -فِي هَذا التَأْوِيلِ- مَعْناهُ: عَلى عالَمِ زَمانِهِمْ، وذَلِكَ بِدَلِيلِ فَضْلِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ لَهم وعَلَيْهِمْ، وأنَّ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ هي خَيْرُ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَآتَيْناهم مِنَ الآياتِ ﴾ لَفْظٌ جامِعٌ لِمُعْجِزاتِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، ولِلْعِبَرِ الَّتِي ظَهَرَتْ في قَوْمِ فِرْعَوْنَ مِنَ الجَرادِ والقَمْلِ والضَفادِعِ وغَيْرِ ذَلِكَ، ولِما أنْعَمَ بِهِ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ مِن تَظْلِيلِ الغَمامِ والمَنِّ والسَلْوى وغَيْرِ ذَلِكَ، فَإنَّ لَفْظَ الآياتِ يَعُمُّ جَمِيعَ هَذا، و"البَلاءُ" -فِي هَذا المَوْضِعِ-: الِاخْتِبارُ والِامْتِحانُ، وهَذا كَما قالَ تَعالى: ﴿ وَنَبْلُوكم بِالشَرِّ والخَيْرِ فِتْنَةً ﴾ ، و ﴿ "مُبِينٌ" ﴾ هُنا بِمَعْنى: بَيِّنٌ.
ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى قُرَيْشًا وحَكى عنهم -عَلى جِهَةِ الإنْكارِ لِقَوْلِهِمْ حِينَ أنْكَرُوا فِيهِ ما هو جائِزٌ في العَقْلِ- فَقالَ تَعالى: ﴿ إنَّ هَؤُلاءِ لَيَقُولُونَ ﴾ ﴿ إنْ هي إلا مَوْتَتُنا الأُولى ﴾ أيْ: ما آخِرُ أمْرِنا ومُنْتَهى وجُودِنا إلّا عِنْدَ مَوْتِنا، ﴿ وَما نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ ﴾ أيْ: بِمَبْعُوثِينَ، يُقالُ: أنْشَرَ اللهُ المَيِّتَ فَنُشِرَ هُوَ، وقَوْلُ قُرَيْشٍ: ﴿ فَأْتُوا بِآبائِنا ﴾ مُخاطَبَةً لِلنَّبِيِّ ، إلّا أنَّهُ مِن حَيْثُ كانَ النَبِيُّ مُسْنَدًا في أقْوالِهِ وأفْعالِهِ إلى اللهِ تَعالى وبِواسِطَةِ مَلَكٍ خاطَبُوهُ كَما تُخاطِبُ الجَماعَةَ، وهم يُرِيدُونَهُ ورَبَّهُ تَعالى ومَلائِكَتَهُ.
واسْتَدْعى الكُفّارُ في هَذِهِ الآيَةِ أنْ يُحْيِيَ لَهم بَعْضَ آبائِهِمْ -وَسُمُّوا قَصِيًّا- لِكَيْ يَسْألُوهم عَمّا رَأوا في آخِرَتِهِمْ، ولَمْ يَسْتَقْصِ في هَذِهِ الآيَةِ الرَدُّ عَلَيْهِمْ لِبَيانِهِ، وإثْباتِهِ في غَيْرِ ما آيَةٍ مِن كِتابِ اللهِ تَعالى، فَإنَّ اللهَ تَعالى قَدْ جَزَمَ البَعْثَ مِنَ القُبُورِ في أجَلٍ مُسَمّى لا يَتَعَدّاهُ أحَدٌ، وقَدْ بَيَّنَتِ الأمْثِلَةُ مِنَ الأرْضِ المَيْتَةِ وحالُ النَباتِ أمْرُ البَعْثِ مِنَ القُبُورِ.
<div class="verse-tafsir"
إشارة إلى أن الله تعالى قد اختار الذين آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم على أمم عصرهم كما اختار الذين آمنوا بموسى عليه السلام على أمم عصرهم وأنه عالم بأن أمثالهم أهل لأن يختارهم الله.
والمقصود: التنويه بالمؤمنين بالرسل وأن ذلك يقتضي أن ينصرهم الله على أعدائهم ولأجل هذه الإشارة أكد الخبر باللام و(قد)، كما أكد في قوله آنِفاً ﴿ ولقد نجينا بني إسرائيل ﴾ [الدخان: 30]، و ﴿ على ﴾ في قوله: ﴿ على علم ﴾ بمعنى (مع)، كقول الأحوص: إني على ما قد علمتتِ محسَّد *** أنمي على البغضاء والشنآن وموضع المجرور بها موضع الحال.
والمراد ب ﴿ العالمين ﴾ الأمم المعاصرة لهم.
ثم بدلوا بعد ذلك فضربت عليهم الذلة، وقد اختار الله أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم على الأمم فقال: ﴿ كنتم خير أمة أخرجت للناس ﴾ [آل عمران: 110] أي أخرجها الله للناس.
واختار المسلمين بعدهم اختياراً نسبياً على حسب استقامتهم واستقامة غيرهم من الأمم على أن التوحيد لا يعدله شيء.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَجاءَهم رَسُولٌ كَرِيمٌ ﴾ وهو مُوسى بْنُ عِمْرانَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
وَفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: كَرِيمٌ عَلى رَبِّهِ، قالَهُ الفَرّاءُ.
الثّانِي: كَرِيمٌ في قَوْمِهِ.
الثّالِثُ: كَرِيمُ الأخْلاقِ بِالتَّجاوُزِ والصَّفْحِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ أنْ أدُّوا إلَيَّ عِبادَ اللَّهِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أيْ أرْسِلُوا مَعِي بَنِي إسْرائِيلَ ولا تَسْتَعْبِدُوهم، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: أجِيبُوا عِبادَ اللَّهِ خَيْرًا، قالَهُ أبُو صالِحٍ.
الثّالِثُ: أدُّوا إلَيَّ يا عِبادَ اللَّهِ ما وجَبَ عَلَيْكم مِن حُقُوقِ اللَّهِ، وهَذا مُحْتَمَلٌ.
﴿ إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أمِينٌ عَلى أنْ أُؤَدِّيهِ لَكم فَلا أتَزَيَّدُ فِيهِ.
الثّانِي: أمِينٌ عَلى ما أسْتَأْدِيهِ مِنكم فَلا أخُونَ فِيهِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَأنْ لا تَعْلُوا عَلى اللَّهِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: لا تَبْغُوا عَلى اللَّهِ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: لا تَفْتَرُوا عَلى اللَّهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والفَرْقُ بَيْنَ البَغْيِ والِافْتِراءِ أنَّ البَغْيَ بِالفِعْلِ، والِافْتِراءَ بِالقَوْلِ.
الثّالِثُ: لا تُعَظِّمُوا عَلى اللَّهِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.
الرّابِعُ: لا تَسْتَكْبِرُوا عَلى عِبادِ اللَّهِ، قالَهُ يَحْيى.
والفَرْقُ بَيْنَ التَّعْظِيمِ والِاسْتِكْبارِ أنَّ التَّعْظِيمَ تَطاوُلُ المُقْتَدِرِ، والِاسْتِكْبارَ تَرَفُّعُ المُحْتَقِرِ.
﴿ إنِّي آتِيكم بِسُلْطانٍ مُبِينٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: بِعُذْرٍ مُبِينٍ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: بِحُجَّةٍ بَيِّنَةٍ، قالَهُ يَحْيى.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَإنِّي عُذْتُ بِرَبِّي ورَبِّكُمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لَجَأْتُ إلى رَبِّي ورَبِّكم.
الثّانِي: اسْتَغَثْتُ.
والفَرْقُ بَيْنَهُما أنَّ المُلْتَجِئَ مُسْتَدْفِعٌ والمُسْتَغِيثَ مُسْتَنْصِرٌ.
قَوْلُهُ ﴿ بِرَبِّي ورَبِّكُمْ ﴾ أيْ رَبِّي الَّذِي هو رَبُّكم.
﴿ أنْ تَرْجُمُونِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: بِالحِجارَةِ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: أنْ تَقْتُلُونِي، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّالِثُ: أنْ تَشْتِمُونِي بِأنْ تَقُولُوا ساحِرٌ أوْ كاهِنٌ أوْ شاعِرٌ، قالَهُ أبُو صالِحٍ.
﴿ وَإنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فاعْتَزِلُونِ ﴾ أيْ إنْ لَمْ تُؤْمِنُوا بِي وتُصَدِّقُوا قَوْلِي فَخَلُّوا سَبِيلِي وكُفُّوا عَنْ أذايَ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ واتْرُكِ البَحْرَ رَهْوًا ﴾ فِيهِ سَبْعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: سَمْتًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: يابِسًا، قالَهُ ابْنُ أبِي نَجِيحٍ.
الثّالِثُ: سَهْلًا، قالَهُ الرَّبِيعُ.
الرّابِعُ: طَرِيقًا، قالَهُ كَعْبٌ والحَسَنُ.
الخامِسُ: مُنْفَرِجًا، قالَهُ مُجاهِدٌ.
السّادِسُ: غَرَقًا، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
السّابِعُ: ساكِنًا، قالَهُ الكَلْبِيُّ والأخْفَشُ وقُطْرُبٌ.
قالَ القَطامِيُّ يَمْشِينَ رَهْوًا فَلا الأعْجازُ خاذِلَةٌ ولا الصُّدُورُ عَلى الأعْجازِ تَتَّكِلُ قالَ قَتادَةُ: لَمّا نَجا بَنُو إسْرائِيلَ مِنَ البَحْرِ وأرادَ آلُ فِرْعَوْنَ أنْ يَدْخُلُوهُ خَشِيَ نَبِيُّ اللَّهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يُدْرِكُوهُ فَأرادَ أنْ يَضْرِبَ البَحْرَ حَتّى يَعُودَ كَما كانَ فَقالَ اللَّهُ تَعالى ﴿ واتْرُكِ البَحْرَ رَهْوًا ﴾ أيْ طَرِيقًا يابِسًا حَتّى يَدْخُلُوهُ.
﴿ إنَّهم جُنْدٌ مُغْرَقُونَ ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: هو النِّيلُ، وكانَ عَرْضُهُ يَوْمَئِذٍ فَرْسَخَيْنِ، قالَ الضَّحّاكُ: كانَ غَرَقُهم بِالقَلْزَمِ وهو بَلَدٌ بَيْنَ مِصْرَ والحِجازِ.
فَإنْ قِيلَ فَلَيْسَتْ هَذِهِ الأحْوالُ في البَحْرِ مِن فِعْلِ مُوسى ولا إلَيْهِ.
قِيلَ يُشْبِهُ أنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعالى قَدْ أعْلَمَهُ أنَّهُ إنْ ضَرَبَ البَحْرَ بِعَصاهُ ثانِيَةً تَغَيَّرَتْ أحْوالُهُ، فَأمَرَهُ أنْ يَكُفَّ عَنْ ضَرْبِهِ حَتّى يُنْفِذَ اللَّهُ قَضاءَهُ في فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ.
وَتَأْوِيلُ سَهْلِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﴿ واتْرُكِ البَحْرَ ﴾ أيِ اجْعَلِ القَلْبَ ساكِنًا في تَدْبِيرِي ﴿ إنَّهم جُنْدٌ مُغْرَقُونَ ﴾ أيْ إنَّ المُخالِفِينَ قَدْ غَرَقُوا في التَّدْبِيرِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ كَمْ تَرَكُوا مِن جَنّاتٍ وعُيُونٍ ﴾ الجَنّاتُ البَساتِينُ.
وَفي العُيُونِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: عُيُونُ الماءِ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ.
الثّانِي: عُيُونُ الذَّهَبِ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.
﴿ وَزُرُوعٍ ﴾ قِيلَ إنَّهم كانُوا يَزْرَعُونَ ما بَيْنَ الجَبَلَيْنِ مِن أوَّلِ مِصْرَ إلى آخِرِها، وكانَتْ مِصْرُ كُلُّها تُرْوى مِن سِتَّةَ عَشَرَ ذِراعًا لِما دَبَّرُوهُ وقَدَّرُوهُ مِن قَناطِرَ وجُسُورٍ.
﴿ وَمَقامٍ كَرِيمٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها المَنابِرُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ ومُجاهِدٌ.
الثّانِي: المَساكِنُ، قالَهُ أبُو عَمْرٍو والسُّدِّيُّ، لِمُقامِ أهْلِها فِيها.
الثّالِثُ: مَجالِسُ المُلُوكِ لِقِيامِ النّاسِ فِيها.
وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: أنَّهُ مَرابِطُ الخَيْلِ لِأنَّها أكْرَمُ مَذْخُورٍ لِعِدَّةٍ وزِينَةٍ.
وَفِي الكَرِيمِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: هو الحَسَنُ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
الثّانِي: هو المُعْطِي لِدَيْهِ كَما يُعْطِي الرَّجُلُ الكَرِيمُ صِلَتَهُ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.
الثّالِثُ: أنَّهُ كَرِيمٌ لِكَرَمِ مَن فِيهِ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَنَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ ﴾ في النِّعْمَةِ هُنا أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: نِيلُ مِصْرَ، قالَهُ ابْنُ عُمَرَ.
الثّانِي: الفَيُّومُ، قالَهُ ابْنُ لَهِيعَةَ.
الثّالِثُ: أرْضُ مِصْرَ لِكَثْرَةِ خَيْرِها، قالَهُ ابْنُ زِيادٍ.
الرّابِعُ: ما كاُنُوا فِيهِ مِنَ السَّعَةِ والدَّعَةِ.
وَقَدْ يُقالُ نِعْمَةٌ ونَعْمَةٌ بِفَتْحِ النُّونِ وكَسْرِها، وفي الفَرْقِ بَيْنَهُما وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّها بِكَسْرِ النُّونِ في المُلْكِ، وبِفَتْحِها في البَدَنِ والدِّينِ; قالَهُ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ.
الثّانِي: أنَّها بِالكَسْرِ مِنَ المِنَّةِ وهو الإفْضالُ والعَطِيَّةُ، وبِالفَتْحِ مِنَ التَّنَعُّمِ وهو سَعَةُ العَيْشِ والرّاحَةُ، قالَهُ ابْنُ زِيادٍ.
وَفي ﴿ فاكِهِينَ ﴾ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: فَرِحِينَ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: ناعِمِينَ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّالِثُ: أنَّ الفاكِهَ هو المُتَمَتِّعُ بِأنْواعِ اللَّذْةِ كَما يَتَمَتَّعُ الآكِلُ بِأنْواعِ الفاكِهَةِ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.
وَقَرَأ يَزِيدُ بْنُ القَعْقاعِ ﴿ فَكِهِينَ ﴾ ومَعْناهُ مُعْجَبِينَ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿ كَذَلِكَ وأوْرَثْناها قَوْمًا آخَرِينَ ﴾ يَعْنِي بَنِي إسْرائِيلَ مَلَّكَهُمُ اللَّهُ أرْضَ مِصْرَ بَعْدَ أنْ كانُوا فِيها مُسْتَعْبَدِينَ، فَصَرُوا لَها وارِثِينَ لِوُصُولِ ذَلِكَ إلَيْهِمْ كَوُصُولِ المِيراثِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ والأرْضُ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَعْنِي أهْلَ السَّماءِ وأهْلَ الأرْضِ، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّانِي: أنَّ السَّماءَ والأرْضَ تَبْكِيانِ عَلى المُؤْمِنِ أرْبَعِينَ صَباحًا; قالَهُ مُجاهِدٌ.
قالَ أبُو يَحْيى: فَعَجِبْتُ مِن قَوْلِهِ، فَقالَ أتَعْجَبُ؟
وما لِلْأرْضِ لا تَبْكِي عَلى عَبْدٍ كانَ يَعْمُرُها بِالرُّكُوعِ والسُّجُودِ؟
وما لِلسَّماءِ لا تَبْكِي عَلى عَبْدٍ كانَ لِتَكْبِيرِهِ وتَسْبِيحِهِ فِيها دَوِيٌّ كَدَوِيِّ النَّحْلِ؟
الثّالِثُ: أنَّهُ يَبْكِي عَلَيْهِ مُصَلّاهُ مِنَ الأرْضِ ومَصْعَدُ عَمَلِهِ مِنَ السَّماءِ، قالَهُ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ.
وَتَقْدِيرُهُ فَما بَكَتْ عَلَيْهِمْ مَصاعِدُ عَمَلِهِمْ مِنَ السَّماءِ ولا مَواضِعَ عِبادَتِهِمْ مِنَ الأرْضِ.
وَهو مَعْنى قَوْلِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ.
الرّابِعُ: ما رَواهُ يَزِيدُ الرَّقاشِيُّ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ.
قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ : « (ما مِن مُؤْمِنٍ إلّا ولَهُ في السَّماءِ بابانِ، بابٌ يَنْزِلُ مِنهُ رِزْقُهُ، وبابٌ يَدْخُلُ مِنهُ كَلامُهُ وعَمَلُهُ، فَإذا ماتَ فَقَداهُ فَبَكَيا عَلَيْهِ ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ.
» وفي بُكاءِ السَّماءِ والأرْضِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ كالمَعْرُوفِ مِن بُكاءِ الحَيَوانِ ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ قَوْلُ مُجاهِدٍ.
الثّانِي: أنَّهُ حُمْرَةُ أطْرافِها، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وعَطاءٌ.
وَحَكى جَرِيرٌ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أبِي زِيادٍ قالَ: لَمّا قُتِلَ الحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما احْمَرَّ لَهُ آفاقُ السَّماءِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ، واحْمِرارُها بُكاؤُها.
الثّالِثُ: أنَّها أمارَةٌ تَظْهَرُ مِنها تَدُلُّ عَلى حُزْنٍ وأسِفٍ.
كَقَوْلِ الشّاعِرِ والشَّمْسُ طالِعَةٌ لَيْسَتْ بِكاسِفَةٍ ∗∗∗ تَبْكِي عَلَيْكَ نُجُومُ اللَّيْلِ والقَمَرا ﴿ وَما كانُوا مُنْظَرِينَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مُؤَخَّرِينَ بِالغَرَقِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
الثّانِي: لَمْ يُنْظَرُوا بَعْدَ الآياتِ التِّسْعِ حَتّى أُغْرِقُوا، قالَهُ مُقاتِلٌ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلَقَدِ اخْتَرْناهم عَلى عِلْمٍ ﴾ مَعْناهُ عَلى عَلْمٍ مِنّا بِهِمْ.
وَفي اخْتِيارِهِ لَهم ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: بِاصْطِفائِهِمْ لِرِسالَتِهِ، والدُّعاءِ إلى طاعَتِهِ.
الثّانِي: بِاخْتِيارِهِمْ لِدِينِهِ وتَصْدِيقِ رُسُلِهِ.
الثّالِثُ: بِإنْجائِهِمْ مِن فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ.
وَفِي قَوْلِهِ ﴿ عَلى العالَمِينَ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: عَلى عالَمِي زَمانِهِمْ، لِأنَّ لِكُلِّ زَمانٍ عالَمًا، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: عَلى كُلِّ العالَمِينَ بِما جَعَلَ فِيهِمْ مِنَ الأنْبِياءِ.
وَهَذا خاصَّةٌ لَهم ولَيْسَ لِغَيْرِهِمْ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَآتَيْناهم مِنَ الآياتِ ما فِيهِ بَلاءٌ مُبِينٌ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ أنْجاهم مِن عَدُوِّهِمْ وفَلَقَ البَحْرَ لَهم وظَلَّلَ عَلَيْهِمُ الغَمامَ وأنْزَلَ عَلَيْهِمُ المَنَّ والسَّلْوى، قالَهُ قَتادَةُ.
وَيَكُونُ هَذا الخِطابُ مُتَوَجِّهًا إلى بَنِي إسْرائِيلَ.
الثّانِي: أنَّها العَصا ويَدُهُ البَيْضاءُ، ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ قَوْلَ الفَرّاءِ.
وَيَكُونُ الخِطابَ مُتَوَجِّهًا إلى قَوْمِ فِرْعَوْنَ.
الثّالِثُ: أنَّهُ الشَّرُّ الَّذِي كَفَّهم عَنْهُ والخَيْرُ الَّذِي أمَرَهم بِهِ، قالَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ.
وَيَكُونُ الخِطابُ مُتَوَجِّهًا إلى الفَرِيقَيْنِ مَعًا مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ وبَنِي إسْرائِيلَ.
وَفِي قَوْلِهِ ﴿ ما فِيهِ بَلاءٌ مُبِينٌ ﴾ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: نِعْمَةٌ ظاهِرَةٌ، قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ كَما قالَ تَعالى ﴿ وَلِيُبْلِيَ المُؤْمِنِينَ مِنهُ بَلاءً حَسَنًا ﴾ وقالَ زُهَيْرٌ: فَأبْلاهُ خَيْرَ البَلاءِ الَّذِي يَبْلُو.
الثّانِي: عَذابٌ شَدِيدٌ، قالَهُ الفَرّاءُ.
الثّالِثُ: اخْتِيارٌ بَيِّنٌ يَتَمَيَّزُ بِهِ المُؤْمِنُ مِنَ الكافِرِ، قالَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج الفريابي وابن جرير وابن المنذر، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولقد اخترناهم على علم على العالمين ﴾ قال: فضلناهم على من بين أظهرهم.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر، عن قتادة رضي الله عنه في الآية قال: اخترناهم على خير، علمه الله فيهم على العالمين.
قال: العالم الذي كانوا فيه، ولكل زمان عالم ﴿ وآتيناهم من الآيات ما فيه بلاء مبين ﴾ قال: أنجاهم من عدوهم وأقطعهم البحر وظلل عليهم الغمام وأنزل عليهم المن والسلوى ﴿ إن هؤلاء ليقولون إن هي إلا موتتنا الأولى ﴾ قال: قد قال مشركو العرب ﴿ وما نحن بمنشرين ﴾ قال: بمبعوثين.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ ﴾ يعني: بني إسرائيل على علم علمه الله فيهم (عَلَى الْعَالَمِينَ) على عالمي زمانهم، قاله ابن عباس والكلبي ومقاتل (١) (٢) قال أهل المعاني: ويدل على هذا التخصيص قوله تعالى: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ ﴾ الآية [آل عمران: 110] هذا مقتضى أنه ما اختارهم على من هو خير منهم، وإنما أختارهم على من في وقتهم من العالمين (٣) (١) انظر: قول مقاتل في تفسيره 3/ 822، وانظر: "تنوير المقباس" ص 497، == و"الجامع لأحكام القرآن" 16/ 142.
(٢) أخرج الطبري قولي قتادة ومجاهد في "تفسيره" 13/ 127، وذكره ابن كثير في "تفسيره" 6/ 255.
(٣) هذا قول ابن جرير الطبري، انظر: "تفسيره" 13/ 127، وابن كثير في "تفسيره" 6/ 255 والزجاج في "معاني القرآن" 4/ 427، والنحاس في "إعراب القرآن" 4/ 132.
<div class="verse-tafsir"
﴿ اخترناهم على عِلْمٍ ﴾ أي كنا عالمين بأنهم مستحقون لذلك ﴿ عَلَى العالمين ﴾ أي على أهل زمانهم ﴿ بَلاَءٌ مُّبِينٌ ﴾ أي اختبار.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ رب السموات ﴾ بالجر على البدل ﴿ من ربك ﴾ : عاصم وحمزة وعلي وخلف.
الباقون: بالرفع ﴿ أني آتيكم ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو ﴿ ترجموني ﴾ ﴿ فاعتزلوني ﴾ بالياء في الحالين: يعقوب وافق ورش وسهل وعباس في الوصل ﴿ لي ﴾ بالفتح: ورش ﴿ فكهين ﴾ بغير الألف: يزيد ﴿ يغلي ﴾ على التذكير والضمير للطعام: ابن كثير وحفص والمفضل ورويس وابن مجاهد عن ابن ذكوان.
الباقون: بتاء التأنيث والضمير للشجرة ﴿ فاعتلوه ﴾ بضم التاء: ابن كثير ونافع وابن عامر وسهل ويعقوب.
الآخرون: بالكسر ﴿ ذق أنك ﴾ بفتح الهمزة على حذف لام التعليل.
﴿ في مقام ﴾ بضم الميم من الإقامة: أبو جعفر ونافع وابن عامر.
الوقوف: ﴿ حم ﴾ كوفي ه ﴿ المبين ﴾ ه لا ومن لم يقف على ﴿ حم ﴾ وقف على ﴿ المبين ﴾ ﴿ منذرين ﴾ ه ﴿ حكيم ﴾ ه ط بناء على أن التقدير أمرنا أمراً ﴿ من عندنا ﴾ ط ﴿ مرسلين ﴾ ه ج لاحتمال أن ﴿ رحمة ﴾ مفعول له أو به أو التقدير رحمنا رحمة ﴿ من ربك ﴾ ط ﴿ العليم ﴾ ه لا لمن خفض ﴿ رب ﴾ ﴿ بينهما ﴾ ط ﴿ موقنين ﴾ ه ﴿ ويميت ﴾ ط ﴿ الأولين ﴾ ه ﴿ يلعبون ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه ط ﴿ الناس ﴾ ط ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ مؤمنون ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه لا للعطف ﴿ مجنون ﴾ ه لئلا يوهم أن ما بعده من قول الكفار ﴿ عائدون ﴾ ه م لئلا يظن أن ما بعده ظرف للعود ﴿ الكبرى ﴾ ج لاحتمال التعليل ﴿ منتقمون ﴾ ه ﴿ كريم ﴾ ه لا ﴿ عباد الله ﴾ ط ﴿ أمين ﴾ ه ﴿ على الله ﴾ ج ﴿ مبين ﴾ ه ج ﴿ ترجمون ﴾ ه ﴿ فاعتزلون ﴾ ه ﴿ مجرمون ﴾ ه ﴿ متبعون ﴾ ه لا ﴿ رهوا ﴾ ط ﴿ مغرقون ﴾ ه ﴿ وعيون ﴾ ه لا ﴿ كريم ﴾ ه لا ﴿ فاكهين ﴾ ه لا لأن المعنى تركوها مهيأة كما كانت ﴿ آخرين ﴾ ه ﴿ منظرين ﴾ ه ﴿ المهين ﴾ ه لا ﴿ من فرعون ﴾ ط ﴿ المفسرين ﴾ ه ﴿ العالمين ﴾ ه ج ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ ليقولون ﴾ ه لا ﴿ بمنشرين ﴾ ه ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ تبع ﴾ لا للعطف ﴿ من قبلهم ﴾ ط لتناهي الاستفهام إلى ابتداء الأخبار ﴿ أهلكناهم ﴾ ج لأن التعليل أوضح ﴿ مجرمين ﴾ ه ﴿ لاعبين ﴾ ه ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ أجمعين ﴾ ه لا لأن ما بعده بدل ﴿ ولا هم ينصرون ﴾ ه لا ﴿ رحم الله ﴾ ط ﴿ الرحيم ﴾ ه ﴿ الأثيم ﴾ ه ج لاحتمال أن يكون ﴿ كالمهل ﴾ خبراً بعد خبر أو خبر مبتدأ محذوف ﴿ في البطون ﴾ لا ﴿ الحميم ﴾ ه ﴿ الجحيم ﴾ ه ﴿ الحميم ﴾ ه ط لأن التقدير قولوا أو يقال له ذق ﴿ الكريم ﴾ ه ﴿ تمترون ﴾ ه ﴿ أمين ﴾ ه لا ﴿ وعيون ﴾ ه ج لاحتمال ما بعده الاستئناف والحال ﴿ متقابلين ﴾ ه ج لاحتمال أن يراد كما ذكرنا من حالهم قبل أو يكون التقدير الأمر كذلك ﴿ عين ﴾ ه ج لئلا يوهم أن ما بعده صفة للحور ﴿ آمنين ﴾ ه لا لأن ما بعده صفة فإن الأمن لا يتم إلا به ﴿ الأولى ﴾ ج لأن ما بعده يصلح استئنافاً وحالاً بإضمار قد ﴿ الجحيم ﴾ ه لا لأن ﴿ فضلاً ﴾ مفعول به ﴿ من ربك ﴾ ط ﴿ العظيم ﴾ ه ﴿ يتذكرون ﴾ ه ﴿ مرتقبون ﴾ ه.
التفسير: أقسم بالقرآن ﴿ إنا أنزلناه في ليلة مباركة ﴾ لأن من شأننا الإنذار والتخويف من العقاب وإنما أنزل في هذه الليلة خصوصاً لأن إنزال القرآن أشرف الأمور الحكمية، وهذه الليلة يفرق فيها كل أمر ذي حكمة فالجملتان - أعني قوله ﴿ إنا كنا منذرين فيها يفرق على أمر حكيم ﴾ كالتفسير لجواب القسم قال صاحب النظم: ليس من عادتهم أن يقسموا بنفس الشيء إذا أخبروا عنه فجواب القسم ﴿ إنا كنا منذرين ﴾ وقوله ﴿ إنا أنزلناه ﴾ اعتراض.
والجمهور على الأول ولا بأس لأن المعنى إنا أنزلنا القرآن على محمد ولم يتقوله، ويحتمل أن القسم وقع على إنزاله في ليلة مباركة.
وأكثر المفسرين على أنها ليلة القدر لقوله ﴿ إنا أنزلناه في ليلة القدر ﴾ وليلة القدر عند الأكثرين من رمضان.
ونقل محمد بن جرير الطبري في تفسيره عن قتادة أنه قال: نزلت صحف إبراهيم في أول ليلة من رمضان، والتوراة لست ليال منه، والزبور لاثنتي عشرة مضت، والإنجيل لثمان عشرة منه، والفرقان لأربع وعشرين مضت، والليلة المباركة هي ليلة القدر.
وزعم بعضهم كعكرمة وغيره أنها ليلة النصف من شعبان.
وما رأيت لهم دليلاً يعوَّل عليه.
قالوا: وتسمى ليلة البراءة أيضاً وليلة الصك لأن الله يكتب لعباده المؤمنين البراءة من النار في هذه الليلة.
وروي أن النبي قال: " من صلى في هذه الليلة مائة ركعة أرسل الله إليه مائة ملك ثلاثون يبشرونه بالجنة وثلاثون يؤمنونه من عذاب النار وثلاثون يدفعون عنه آفات الدنيا وعشراً يدفعون عنه مكايد الشيطان." " وقال " "إن الله يرحم أمتي في هذه الليلة بعدد شعر أغنام بني كلب" وقال: " إن الله يغفر لجميع المسلمين في تلك الليلة إلا لكاهن أو ساحر أو ساخر أو مدمن خمر أو عاق للوالدين أو مصر على الزنا" ومما أعطى فيها رسول الله تمام الشفاعة وذلك أنه سأل ليلة الثالث عشر من شعبان في أمته فأعطى الثلث منها، ثم سأل ليلة الرابع عشر منها فأعطى الثلثين، ثم سأل ليلة الخامس عشر فأعطى الجميع إلا من شرد على الله شراد البعير.
ومن عادة الله عز وجل في هذه الليلة أن يزيد فيها ماء زمزم زيادة ظاهرة.
وبعضهم أراد أن يجمع بين القولين فقال: ابتدىء بانتساخ القرآن من اللوح المحفوظ ليلة البراءة ووقع الفراغ في ليلة القدر.
والمباركة الكثيرة الخير ولو لم يوجد فيها إلا إنزال القرآن لكفى به بركة.
ومعنى ﴿ يفرق ﴾ يفصل ويكتب ﴿ كل أمر ﴾ هو ضد النهي أو كل أمر له شأن من أرزاق العباد وآجالهم وجميع أمورهم إلى العام القابل، فيدفع نسخة الأرزاق إلى ميكائيل، ونسخة الحروب والزلازل والصواعق والخسوف إلى جبرائيل، ونسخة الأعمال إلى إسماعيل صاحب سماء الدنيا، ونسخة المصائب إلى ملك الموت.
وقيل: يعطي كل عامل بركات أعماله فيلقى على ألسنة الخلق مدحه وعلى قلوبهم هيبته.
وفي انتصاب ﴿ أمراً ﴾ وجوه: إما أن يكون حالاً من ﴿ أمر حكيم ﴾ لأنه قريب من المعرفة أو من الهاء في ﴿ أنزلناه ﴾ أو من الفاعل أي آمرين، أو على المصدر لأمر، أو على الاختصاص لأن كونه من عند الله يوجبه مزيد شرف وفخامة، أو يكون مصدراً من غير لفظ الفعل وهو ﴿ يفرق ﴾ لأنه إذا حكم بالشيء وفصله وكتبه فقد أوجبه وأمر به قوله ﴿ إنا كنا مرسلين ﴾ يجوز أن يكون بدلاً من قوله ﴿ إنا كنا منذرين ﴾ أي أنزلنا القرآن لأن من شأننا إرسال الرسل وإنزال الكتب إلى عبادنا لأجل الرحمة، ويحتمل كونه تعليلاً ليفرق، أو لقوله ﴿ أمراً من عندنا ﴾ وقوله ﴿ من ربك ﴾ وضع للظاهر موضع الضمير إيذاناً بأن الربوبية تقتضي الرحمة.
ثم حقق ربوبيته بقوله ﴿ إنه هو السميع العليم ﴾ إلى قوله الأولين.
ومعنى الشرط في قوله ﴿ إن كنتم موقنين ﴾ نظير ما هو في أول الشعراء وذلك أنهم كانوا مقرين بأنه رب السموات والأرض.
قيل لهم: إن كنتم على بصيرة وإيقان من ذلك فلا تشكوا فيه، أو إن كنتم موقنين بشيء فأيقنوا بما أخبرتكم، أو إن كنتم تريدون اليقين فاعلموا ذلك.
وقيل: إن نافية ثم رد أن يكونوا موقنين بقوله ﴿ بل هم في شك يلعبون ﴾ في الدنيا أو يستهزؤون بنا فلا جرم أوعدهم بقوله ﴿ فارتقب ﴾ و ﴿ يوم ﴾ مفعول به أي انتظره.
والأكثرون على أن هذا الدخان من أمارات القيامة فإن الدنيا ستصير كبيت لاخصاص له مملوء دخاناً يدخل في أنوف الكفار وآذانهم فيكونون كالسكارى، ويصيب المؤمن فيه كالزكام فيبقى ذلك أربعين.
وعن حذيفة أن النبي قال "أول الآيات الدخان ونزول عيسى ابن مريم ونار تخرج من قعر عدن أبين تسوق الناس إلى المحشر" أبين بكسر الهمزة وفتحها اسم رجل بنى هذه البلدة ونزل بها.
وقيل: الدخان يكون في القيامة إذا خرجوا من قبورهم يحيط بالخلائق ويغشاهم.
وقيل: الدخان الشر والفتنة.
وعن ابن مسعود: خمس قد مضت الروم والدخان والقمر والبطشة واللزام.
وذلك أن قريشاً لما استصعبت على رسول الله عليهم فقال: اللهم اشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم سنين كسني ويوسف.
فأصابهم اللزام وهو القحط حتى أكلوا الجيف، وكان الرجل يرى بين السماء والأرض الدخان فيسمع كلام صاحبه ولا يراه من الدخان.
فمشى إليه أبو سفيان ونفر معه وناشدوه الله والرحم، وواعدوه إن دعا لهم وكشف عنهم أن يؤمنوا.
فلما كشف عنهم من الدخان رجعوا إلى شركهم وذلك قوله ﴿ هذا عذاب ﴾ أي قائلين هذا إلى آخره.
ثم استبعد منهم الاتعاظ بقوله ﴿ أنى لهم الذكرى وقد جاءهم ﴾ ما هو أعظم من كشف الدخان وهو القرآن المعجز وغيره فلم يتذكروا ﴿ وتولوا عنه ﴾ واتهموه بأنه إنما يعلمهن بشر ونسبوه إلى الجنون.
ومعنى "ثم" تبعيد الحالتين.
ثم بين أنهم يعودون إلى الكفر عقيب كشف العذاب عنهم زماناً قليلاً.
واعلم أن ارتدادهم إلى الكفر أمر ممكن سواء يجعل الدخان من أمارات القيامة أو يقال إنه قد مضى.
والبطشة الكبرى القيامة أو يوم بدر على التفسيرين.
و ﴿ يوم ﴾ ظرف لما دل عليه منتقمون فإن ما بعد " أن " لا يعمل فيما قبله.
وقيل: بدل من ﴿ يوم تأتي السماء ﴾ ثم سلى رسوله بقصة موسى.
ومعنى ﴿ فتنا ﴾ امتحنا وقد وصفه بالكرم لأنه كان حبيباً في قومه أو بكرم خلقه، أو المراد أنه لم يخاشنهم في التبليغ كما قال ﴿ فقولا له قولاً ليناً ﴾ "وأن" مفسرة لأن مجيء الرسول يتضمن القول، أو مخففة من الثقيلة، أو مصدرية والياء محذوف.
و ﴿ عباد الله ﴾ مفعول به لقوله { ﴿ أرسل معنا بني إسرائيل ﴾ أو منادى والمعنى أدوا إليَّ يا عباد الله ما هو واجب عليكم من الإيمان والطاعة.
والقصة مذكورة في "الشعراء" وغيرها و ﴿ وأن ترجمون ﴾ أن تقتلون أو تشتمون بالنسبة إلى الكذب والسحر ﴿ وإن لم تؤمنوا لي ﴾ أي لم تصدقوني ففارقوني وكونوا بمعزل عني لا عليّ ولا لي ﴿ فدعا ربه ﴾ شاكياً ﴿ أن هؤلاء قوم مجرمون ﴾ مصرون على الكفر ﴿ فأسر ﴾ أي فأجبنا دعاءه وقلنا له أسر وكان من دعائه اللهم عجل لهم ما يستحقونه بإجرامهم.
ويحتمل أن يكون الدعاء وهو ما في "يونس" ﴿ ربنا اطمس على أموالهم ﴾ وفي ﴿ رهواً ﴾ وجهان: أحدهما ساكناً أي لا تضربه.
ثانياً واتركه على هيئته من انتصاب الماء وكون الطريق يبساً.
وذلك أن موسى أراد أن يضربه ثانياً حتى ينطبق ويزول الانفلاق خوفاً من أن يدركهم قوم فرعون، والله أراد أن يدخل القبط البحر ثم يطبقه عليهم، وثانيهما أن الرهو الفجوة الواسعة أي اتركه مفتوحاً منفرجاً على حاله.
والنعمة بفتح النون التنعم والباقي مذكور في "الشعراء".
وقوله ﴿ فما بكت ﴾ كان إذا مات الرجل الخطير قالوا في تعظيم مصيبته بكت عليه السماء والأرض وأظلمت الدنيا، ومنه الحديث "وما من مؤمن مات في غربة غابت فيها بواكيه إلا بكت عليه السماء" وفيه تمثيل وتخييل وتهكم بهم أنهم كانوا يستعظمون أنفسهم ويعتقدون أنهم لو ماتوا لقال الناس فيهم ذلك، فأخبر ما كانوا في هذا الحد بل كانوا أنهم دون ذلك.
وجوز كثير من المفسرين أن يكون البكاء حقيقة وجعلوا الخسوف والكسوف والحمرة التي تحدث في السماء وهبوب الرياح العاصفة من ذلك.
قال الواحدى في البسيط: روي أنس بن مالك أن النبي قال: " ما من عبد إلا له في السماء بابان باب يخرج منه رزقه وباب يدخل فيه عمله، فإذا مات فقداه وبكيا عليه وتلا هذه الآية " .
ثم إن هؤلاء الكفار لم يكن لهم عمل صالح يصعد إلى السماء فلا جرم لم تبك عليهم.
وعن الحسن: أراد أهل السماء والأرض أي ما بكت عليهم الملائكة والمؤمنون بل كانوا بهلاكهم مسرورين ﴿ وما كانوا إذا منظرين ﴾ أي لما جاء وقت هلاكهم لم يمهلوا إلى الآخرة بل عجل لهم في الدنيا.
قوله ﴿ من فرعون ﴾ بدل من العذاب بل جعل في نفسه عذاباً مهيناً لشدة شكيمته وفرط عتوه.
وقيل: المضاف محذوف أي من عذابه.
وقيل: تقديره المهين الصادر من فرعون، وفي قراءة ابن عباس ﴿ من فرعون ﴾ على الاستفهام أي ما ظنكم بعذاب من تعرفونه أنه عال قاهر عات مجاوز حد الاعتدال.
ثم ثنى على بني إسرائيل بقوله ﴿ ولقد اخترناهم ﴾ بإيتاء الملك والنبوة ﴿ على علم ﴾ منا باستحقاقهم ذلك وقيامهم بالشكر عليه على عالمي زمانهم.
ولا ريب أن هذا قبل التحريف.
وقيل: أي على علم منا بأنه يبدو منهم بوادر وتفريطات والبلاء النعمة أو المحنة، والآيات هي التسع وغيرها.
ثم عاد إلى ما انجر الكلام فيه وهو قوله ﴿ بل هم في شك يلعبون ﴾ فقال ﴿ إن هؤلاء ﴾ يعني كفار قريش ﴿ ليقولون إن هي إلا موتتنا الأولى ﴾ قال المفسرون: يؤل إلى ما حكى عنهم في موضع آخر ﴿ إن هي إلا حياتنا الدنيا ﴾ \[المؤمنون: 37\] وذلك أن النزاع إنما وقع في موتة تعقبها حياة فأنكروا أن تكون موتة بهذا الوصف إلا الموتة الأولى وهو حال كونهم نطفاً.
ويحتمل أن يراد إن هي أي الصفة أو النهاية أو الحالة أو العاقبة إلا الموتة الأولى، وليست إثباتاً لموتة ثانية إنما هو كقولك: حج فلان الحجة الأولى، ومات ﴿ وما نحن بمنشرين ﴾ أنشر الله الموتى أحياهم ﴿ فأتوا ﴾ أيها النبي والذين آمنوا معه ﴿ بآبائنا إن كنتم صادقين ﴾ يروى أنهم طلبوا من النبي أن يجعل الله لهم إحياء الموتى فينشر كبيرهم قصي بن كلاب ليشاوروه في صحة نبوة محمد وصحة البعث، فلم يجبهم الله تعالى إلى ذلك ولكنه أوعدهم بقوله ﴿ أهم خير أم قوم تبع ﴾ أي ليسوا بخير منهم في العدد والعز والمنعة.
ابن عباس: تبع نبي.
أبو هريرة عن النبي " لا أدري تبع نبياً كان أم غير نبي" رواه الثعلبي عن عائشة كان رجلاً صالحاً ذم الله قومه ولم يذمه.
وإنما خصهم بالذكر لقربهم من العرب زماناً ومكاناً.
وعن سعيد بن جبير كسا البيت.
وقال قتادة: كان من حمير سار فبنى الحيرة وسمرقند.
وقال أبو عبيدة: هم ملوك اليمن يسمى كل واحد منهم تبعاً لكثرة تبعه، أو لأنه يتبع صاحبه وهو بمنزلة الخليفة للمسلمين، وكسرى للفرس، وقيصر للروم، وجمعه تبابعة، وكان يكتب إذا كتب بسم الذي ملك براً وبحراً.
ثم برهن على صحة البعث بقوله ﴿ وما خلقنا ﴾ إلى آخره، وقد مر في "الأنبياء" وفي "ص" نظيره.
وإنما جمع السموات ههنا لموافقة قوله في أول السورة ﴿ رب السموات ﴾ وسمى يوم القيامة يوم الفصل لأنه يفصل بين عباده في الحكم والقضاء، أو يفصل بين أهل الجنة وأهل النار، أو يفصل بين المؤمنين وبين ما يكرهون وللكافرين بينهم وبين وما يشتهونه فيفصل بين الوالد وولده والرجل وزوجته والمرء وخليله.
والمولى في الآية يحتمل الولي والناصر والمعين وابن العم، والمراد أن أحداً منهم بأي معنى فرض لا يتوقع منه النصرة.
والضمير في ﴿ لا ينصرون ﴾ للمولى الثاني لأنه جمع في المعنى لعمومه وشياعه.
وقوله ﴿ إلا من رحم الله ﴾ في محل الرفع على البدل أو في محل النصب على الاستثناء ﴿ إنه هو العزيز ﴾ الغالب على من عصى ﴿ الرحيم ﴾ لمن أطاع.
ثم أراد أن يختم السورة بوعيد الفجار ووعد الأبرار فقال ﴿ إن شجرت الزقوم ﴾ وقد مر تفسيرها في الصافات.
و ﴿ الأثيم ﴾ مبالغة الآثم ولهذا يمكن أن يقال: إنه مخصوص بالكافر.
والمهل دردي الزيت وقد مر في "الكهف".
ولعل وجه التشبيه هو بشاعة الطعم كما أن الوجه في قوله ﴿ طلعها كأنه رؤوس الشياطين ﴾ هو كراهة المنظر ثم وصفه بشدة الحرارة قائلاً ﴿ يغلي ﴾ إلى آخره.
ثم أخبر أنه يقول للزبانية ﴿ خذوه ﴾ أي خذوا الأثيم ﴿ فاعتلوه ﴾ جروه بعنف وغلظة كأن يؤخذ بتلبيبه فيجر إلى وسط النار.
ومنه العتل للجافي الغليظ.
وقوله ﴿ من عذاب الحميم ﴾ دون أن يقول "من الحميم" تهويل سلوك لطريق الاستعارة لأنه إذا صب عليه الحميم فقد صب عليه عذابه وشدته.
يروي أن أبا جهل قال لرسول الله : ما بين جبليها أعز ولا أمنع مني فوالله ما تستطيع أنت ولا ربك أن تفعلا بي " شيئاً " فنزلت الآية.
أي يقال له ذق لأنك أنت العزيز الكريم عند نفسك وفيه من التهكم ما فيه ﴿ إن هذا ﴾ العذاب ﴿ ما كنتم به تمترون ﴾ تشكون.
ثم شرع في وعد الأبرار والمقام الأمين ذو الأمن، أو أصله من الأمانة لأن المكان المخيف كأنما يخوف صاحبه بما يلقى فيه من المكاره.
وقوله ﴿ وزوجناهم ﴾ اختلفوا في أن هذا اللفظ هل يدل على حصول عقد التزوج أم لا.
والأكثرون على نفيه، وأن المراد قرناهم بهن.
وقيل: زوجته امرأة وزوجته بامرأة لغتان.
وهكذا اختلفوا في الحور.
فعن الحسن: هن عجائزكم ينشئهن الله خلقاً آخر.
وقال أبو هريرة: لسن من نساء الدنيا.
﴿ يدعون ﴾ أي يحكمون ويأمرون في الجنة بإحضار ما يشتهون من الفواكه في أي وقت ومكان ﴿ آمنين ﴾ من التخم والتبعات، ثم أخبر عن خلودهم بقوله ﴿ لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى ﴾ قال جار الله: هو من باب التعليق بالمحال كأنه قيل: إن كانت الموتة الأولى يستقيم ذوقها في المستقبل فإنهم يذوقونها.
وقيل: الاستثناء منقطع أي لكن الموتة الأولى قد ذاقوها.
وقال أهل التحقيق: إن الجنة حقيقتها ابتهاج النفس وفرحها بمعرفة الله وبمحبته.
فالإنسان الكامل هو في الدنيا في الجنة.
وفي الآخرة أيضاً في الجنة فقد صح أنه لم يذق في الجنة إلا الموتة الأولى.
ثم ختم الكلام بفذلكته والمعنى ذكرناهم بالكتاب المبين فأسهلناه حيث أنزلناه بلغتك إرادة تذكرهم فانتظر ما يحل فإنهم يتربصون بك الدوائر.
قوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ ﴾ يقول - والله أعلم -: ولقد فتنا قوم فرعون بموسى قبل قومك كما فتنا قومك بك.
أو يحتمل أن يقول: ولقد فتنا قوم فرعون بمثل الذي فتنا قومك.
ثم افتتان قوم فرعون بمثل الذي فتن قومه [يخرج على] وجوه: أحدها: أن موسى - - قد أتاهم بالبينات المعجزات ما لم يقدر فرعون [وقومه] على مقابلة تلك الآيات، وعجزوا عن الإتيان بمثلها، فمهما أتاهم بذلك وعرفوا أنها آيات الله - - كذبوها وردوها ونسبوا موسى إلى السحر والكذب والافتراء على الله - - فعلى ذلك عمل أهل مكة برسول الله وعاملوه بالذي عامل أولئك موسى من النسبة إلى السحر والجنون والكذب والافتراء على الله - - والله أعلم.
وقال بعضهم: إن فرعون وقومه ازدروا موسى وحقروه؛ لأنه ولد فيهم كما ازدرى أهل مكة محمداً فقالوا: أنت أصغرنا وأفقرنا وأقلنا حيلة، كما قال فرعون لموسى: ﴿ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً...
﴾ الآية [الشعراء: 18].
ويحتمل أن يكون أهل مكة سألوا اليهود من الأنباء التي يجدونها في كتبهم؛ ليحاجوا بها رسول الله يطلبون بذلك ظهور الكذب من رسول الله فيما كان يخبرهم من الأنباء المتقدمة، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَجَآءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ ﴾ كان جميع رسل الله - عليهم الصلاة والسلام - كراماً؛ لأن الله - - كان بعثهم إلى قوم جهال سفهاء، كان لهم الركون إلى الدنيا، والميل إليها والرغبة فيها، فبعث إليهم كرام الخلق؛ ليداروا أولئك الأقوام، ويتهيأ لهم المعاملة لهم والتحمل منهم؛ لسوء ما كانوا يعاملونهم، والله أعلم بذلك؛ ولذلك وصف رسول الله بالخلق العظيم؛ حيث قال: ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَنْ أَدُّوۤاْ إِلَيَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ﴾ يقول: أن أرسلوا معي بني إسرائيل، وخلوا عنهم، ولا تحبسوهم، ولا تستعبدوهم، فإنهم أحرار.
ويحتمل أن يقول: أرسلوا معي بني إسرائيل فإنهم يرغبون في إجابتي إلى ما أدعوهم إليه، ويطمعون في اتباعي فيما آمرهم به.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ ﴾ أي: إني لكم رسول أمين على الوحي والرسالة.
ويحتمل أن يقول: إني كنت آميناً فيما بينكم، ولا يظهر لكم مني خيانة؛ ولا اطلعتم على كذب قط، فلماذا تكذبونني وتنسبونني إلى السحر؟!
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَن لاَّ تَعْلُواْ عَلَى ٱللَّهِ ﴾ قال بعضهم: أي: وألا تتكبروا، ولا تتعظموا على الله.
لكن عندنا معناه: وألا تتكبروا وتتعظموا على رسول الله، ولا تتعظموا على عبادة الله وعلى دينه؛ إذ لا أحد يقصد قصد التكبر على الله - - وأن ينسب إليه، فهو على إرادة أوليائه أو دينه؛ كقوله: ﴿ إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ يَنصُرْكُمْ ﴾ ونحوه، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنِّيۤ آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ ﴾ أي: آتيكم بحجة بينة أنها من الله، وأني رسول الله، وهو ما آتاهم من الآيات المعجزات أو الحجج والبراهين، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَن تَرْجُمُونِ ﴾ لا يحتمل أن يكون هذا الكلام من موسى - - على ابتداء بلا سبب كان من فرعون، ولا أمر سبق، فكأن سببه ونازلته - والله أعلم - هو ما ذكر في سورة أخرى؛ حيث قال: ﴿ ذَرُونِيۤ أَقْتُلْ مُوسَىٰ وَلْيَدْعُ رَبَّهُ ﴾ الآية [غافر: 26]، لما قال فرعون ذلك وهم أن يقتل موسى قال له موسى عند ذلك: ﴿ وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَن تَرْجُمُونِ ﴾ وفي ذلك دلالة آية من آيات الله لرسالته؛ لأنه قال فرعون: ﴿ ذَرُونِيۤ أَقْتُلْ مُوسَىٰ وَلْيَدْعُ رَبَّهُ ﴾ ليمنعني عن قتله، فقال ﴿ وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ...
﴾ الآية دل هذا القول على أنه علم قول فرعون، وقصده بقتله، وتعبيره بالدعاء إلى الله - - ليمنعه عن ذلك، وعلم أن الله - - يعصمه عن شره وكيده حتى قال ذلك.
وقوله: ﴿ وَإِن لَّمْ تُؤْمِنُواْ لِي فَٱعْتَزِلُونِ ﴾ يقول: فإن لم تصدقوني فيما أدعوكم إليك وآمركم به فاتركوني فأصدق وأومن به، ولا يضركم تصديقي وإيماني.
وقال بعضهم: أي: دعوني خفافا جانباً، لا علي ولا لي.
وقال بعضهم: ﴿ وإن لم يؤمنوا لي فاعتزلون ﴾ ولا تقتلون.
وقوله: ﴿ فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَـٰؤُلاَءِ قَوْمٌ مُّجْرِمُونَ ﴾ ، وهو كقوله حيث قال: ﴿ وَقِيلِهِ يٰرَبِّ إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ قَوْمٌ لاَّ يُؤْمِنُونَ ﴾ وكقول نوح - -: ﴿ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَاراً فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَآئِيۤ إِلاَّ فِرَاراً ﴾ ، ونحو ذلك يقولون: يا ربنا إنا قد عاملناهم المعاملة التي أمرتنا أن نعاملهم، واحتلنا الحيل التي علمتنا أن نحتال معهم، فلم ينجع ذلك فيهم ولا تبعونا، ولا أجابونا إلى ذلك، فهل من حيلة سوى ذلك أو معاملة غير ذلك نعاملهم بها، لعلهم يتبعوننا [و] يجيبوننا، هذا الدعاء وهذا القول منهم يكون بعد ما أجهدوا أنفسهم في دعائهم إلى الحق زماناً طويلا ليس يحتمل في ابتداء الأمر.
وقوله: ﴿ فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلاً إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ ﴾ كان في إخراج موسى - - وبني إسرائيل من بين أظهر أعدائهم ليلا من غير أن شعر علم أحد من أعدائهم بذلك، وهم العدد الذي ذكر في القصة أنهم زهاء ستمائة ألف - آية عظيمة عجيبة لموسى - - على رسالته؛ إذ خروج عدد ستين من بين أظهرهم عسير صعب، فكيف خروج العدد الذي ذكر في القصة، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ ﴾ هذا يخرج على وجهين: أحدهما: أي: قوم فرعون يتبعونهم؛ ليردوهم إلى الأمر الذي كانوا يستعملونهم من قبل، من نحو الاستخدام والاستعباد، والله أعلم.
والثاني: أن يتبعوهم للعناد والحرب؛ لأنه ذكر في القصة أنهم أخذوا أموالهم من الحلي واللباس فخرجوا بها، فجائز أن يكون اتباعهم إياهم ليقاتلوهم كما يقاتل الأعداء.
وقوله: ﴿ وَٱتْرُكِ ٱلْبَحْرَ رَهْواً ﴾ يحتمل قوله: ﴿ وَٱتْرُكِ ٱلْبَحْرَ ﴾ كأن موسى - - كان يضرب البحر بعصا، ليصل الماء بعضه ببعض؛ لئلا يعبر فرعون وقومه، فقال له: اتركه كما هو ﴿ إِنَّهُمْ جُندٌ مُّغْرَقُونَ ﴾ .
ثم اختلف في قوله: ﴿ رَهْواً ﴾ : قال بعضهم: هي فارسية عربت؛ أي: اترك البحر "راه".
وقال بعض أهل اللسان: ﴿ رَهْواً ﴾ أي: ساكناً.
وقال بعضهم: ﴿ رَهْواً ﴾ أي: متصلا، وهو قول أبو عوسجة.
وقال أهل التأويل: ﴿ رَهْواً ﴾ أي: ياسباً، وهو كقوله: ﴿ فَٱضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي ٱلْبَحْرِ يَبَساً ﴾ .
وقوله - -: ﴿ إِنَّهُمْ جُندٌ مُّغْرَقُونَ ﴾ قد وعدهم - جل وعلا - أن يغرق فرعون وقومه ففعل.
وقوله: ﴿ كَمْ تَرَكُواْ مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * وَنَعْمَةٍ كَانُواْ فِيهَا فَاكِهِينَ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْماً آخَرِينَ ﴾ أي: ناعمين.
وقيل: معجزين.
من الناس من قال: إن هذه الآية مخالفة للآية الأخرى في ظاهر المخرج، وهو قوله - عز وجل - ﴿ رَبَّنَا ٱطْمِسْ عَلَىٰ أَمْوَالِهِمْ وَٱشْدُدْ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ...
﴾ الآية [يونس: 88] ثم قال الله - - ﴿ قَدْ أُجِيبَتْ دَّعْوَتُكُمَا ﴾ فإذا كانت قد أجيبت دعوتهما في طمس أموالهم فطمست لا محالة فكيف ذكر ﴿ كَمْ تَرَكُواْ مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ...
﴾ الآية، وما معنى قوله: ﴿ كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْماً آخَرِينَ ﴾ .
لكن عندنا أنه لا مخالفة بين الآيتين؛ إذ جائز أن يكون طمس أموالهم التي كانت لهم من الحلي وغير ذلك من الصامت ونحوه خاصة، فأما الأموال التي كانت لهم بالشركة من نحو البستان والزروع وأمثالها فتلك لم يطمسها، ولكنه تركها على ما هي عليه لبني إسرائيل، وهو قوله - عز وجل -: ﴿ كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْماً آخَرِينَ ﴾ أي: مثل ذلك أورثناها قوماً آخرين، وهو كما ذكر في آية أخرى حيث قال: ﴿ وَأَوْرَثْنَا ٱلْقَوْمَ ٱلَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ ٱلأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا ﴾ فيه أن بني إسرائيل قد عادوا إلى مصر، ونزلوا أوطانهم ومنازلهم وبساتينهم.
وقوله: ﴿ فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ ٱلسَّمَآءُ وَٱلأَرْضُ ﴾ قال بعضهم: أي: فما بكى عليهم أهل السماء وأهل الأرض؛ بل سروا بذلك واستبشروا بهلاكهم؛ فيكون ذكر نفي البكاء لإثبات ضده وهو السرور والفرح، لا لعينه، وذلك جائز في اللغة أن يذكر نفي الشيء ويراد به إثبات ضده، لا عين النفي، كقوله - -: ﴿ فَمَا رَبِحَتْ تِّجَارَتُهُمْ ﴾ ليس المراد إثبات نفي الربح؛ أي: لم يربح فحسب؛ بل المراد إثبات الخسران والوضيعة، أي: خسرت ووضعت؛ فعلى ذلك قوله - -: ﴿ فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ ٱلسَّمَآءُ وَٱلأَرْضُ ﴾ أي: ضحكت وسرت واستبشرت بهلاكهم؛ لأنهم جميعاً أبغضوهم وعادوهم لادعائهم ما ادعوا من الألوهية لفرعون.
وقال بعضهم: ﴿ فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ ٱلسَّمَآءُ وَٱلأَرْضُ ﴾ يحتمل أن المراد به ما روي في الخبر عن النبي أنه قال: "ما من مؤمن إلا وله باب في السماء يصعد إليه عمله الصالح، وفي الأرض مصلى يصلى فيه، فإذا مات بكى ذلك عليه كذا كذا يوماً" و[هم] ليس لهم ذلك فلا يبكى عليهم.
وجائز أن يكون - أيضاً - قوله - -: ﴿ فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ ٱلسَّمَآءُ وَٱلأَرْضُ ﴾ أي: لم يبق لهم أحد يبكي عليهم من الأولاد وغيرهم؛ لأنهم استؤصلوا جميعاً من الأولاد وغيرهم، فلم يبك عليهم أحد، فأمّا سائر الموتى قد يبقى لهم من يبكي عليهم؛ لذلك كان ما ذكر، والله أعلم.
ويحتمل أن يذكر بكاء السماء إذا عظم الأمر على التمثيل، من نحو موت الملوك والقادة ومن عظم قدره عندهم فيخبر الله - عز وجل - أن موت فرعون وأتباعه لم يعظم على أهل السماء والأرض؛ لما [لا] قدر لهم عندهم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ مِنَ ٱلْعَذَابِ ٱلْمُهِينِ ﴾ .
قال بعضهم: ﴿ نَجَّيْنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ مِنَ ٱلْعَذَابِ ﴾ الذي نزل بفرعون وقومه، وهو الغرق في البحر، أغرق أولئك ونجى هؤلاء.
ويحتمل أن يكون المراد: أنه نجاهم من العذاب الذي كانوا يعذبون؛ من نحو القتل والاستخدام والاستعباد وأنواع العذاب الذي كانوا يعذبون هم ما داموا بين أظهرهم وفي أيديهم، فنجاهم من ذلك؛ حيث أخرجهم من بين أيديهم - والله أعلم - وهو أشبه؛ لما قال: ﴿ وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ مِنَ ٱلْعَذَابِ ٱلْمُهِينِ * مِن فِرْعَوْنَ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّهُ كَانَ عَالِياً مِّنَ ٱلْمُسْرِفِينَ ﴾ .
قوله: ﴿ عَالِياً ﴾ أي: غالباً عليهم، قاهراً لهم بأنواع القهر الذي كان يقهرهم، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَلَقَدِ ٱخْتَرْنَاهُمْ عَلَىٰ عِلْمٍ عَلَى ٱلْعَالَمِينَ ﴾ أي: اخترنا بني إسرائيل.
وقوله: ﴿ عَلَىٰ عِلْمٍ ﴾ يخرج هذا على وجوه: أحدها: أي: ﴿ ٱخْتَرْنَاهُمْ عَلَىٰ عِلْمٍ ﴾ أي: بسبب علم آتيناهم ذلك، لم يؤت ذلك غيرهم؛ لتظهر فضيلة العلم على العالمين وشرفه، والله أعلم.
والثاني: يحتمل: ﴿ ٱخْتَرْنَاهُمْ عَلَىٰ عِلْمٍ ﴾ منا بأسباب فيهم وأشياء لم تعلم تلك الأسباب والمعاني في غيرهم، بها استوجبوا الاختيار على العالمين.
والثالث: أي: ﴿ ٱخْتَرْنَاهُمْ عَلَىٰ عِلْمٍ ﴾ أي: بسبب علم أحوجنا غيرهم إليهم، فصاروا مختارين مفضلين بسبب تعليمهم إياهم ما احتاجوا إليه؛ فيكون لهم فضل الأستاذ على التلميذ، وهذا كما يقال: إن العرب أفضل من الموالي؛ لأن الموالي احتاجوا إلى العرب في معرفة لسانهم، ومعرفة أشياء احتاجوا إليها، فاستوجبوا الفضيلة؛ لحاجتهم إليهم؛ ولذلك فضلت قريش على سائر العرب؛ لما احتاجت سائر العرب إلى قريش في معرفة أشياء لا يصلون إلى ذلك إلا أنهم فضلوا على غيرهم لذلك؛ فعلى ذلك يحتمل أنه أحوج إلى بني إسرائيل غيرهم في معرفة أشياء، فاستوجبوا بذلك الاختيار والفضيلة على غيرهم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَآتَيْنَاهُم مِّنَ ٱلآيَاتِ مَا فِيهِ بَلاَءٌ مُّبِينٌ ﴾ من وجهين: أحدهما: أي: محنة بينة، وهي أنواع ما امتحنهم من البلايا والشدائد، والله أعلم.
والثاني: يحتمل أن يكون قوله: ﴿ بَلاَءٌ مُّبِينٌ ﴾ أي: نعم عظيمة، وهو ما آتاهم من أنواع النعم من المن، والسلوى، وتظليل الغمام عليهم، وخروج العيون من الحجر، ومجاوزتهم من البحر، وإهلاك عدوهم، وغيرهم من النعم التي آتاهم مما لا يحصى، وهو ما ذكر في سورة البقرة، وهو قوله - -: ﴿ وَفِي ذَٰلِكُمْ بَلاۤءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ ﴾ أي: نعمة عظيمة من ربكم، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
ولقد اخترنا بني إسرائيل على علم منا على عالمي زمانهم لكثرة أنبيائهم.
<div class="verse-tafsir" id="91.7NaA5"