الإسلام > القرآن > سور > سورة 44 الدخان > الآية ٥٤ من سورة الدخان
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 77 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٥٤ من سورة الدخان: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله : ( كذلك وزوجناهم بحور عين ) أي : هذا العطاء مع ما قد منحناهم من الزوجات الحور العين الحسان اللاتي ( لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان ) [ الرحمن : 56 ، 74 ] ( كأنهن الياقوت والمرجان ) [ الرحمن : 58 ] ( هل جزاء الإحسان إلا الإحسان ) [ الرحمن : 60 ] .
قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا نوح بن حبيب ، حدثنا نصر بن مزاحم العطار ، حدثنا عمر بن سعد ، عن رجل عن أنس - رفعه نوح - قال : لو أن حوراء بزقت في بحر لجي ، لعذب ذلك الماء لعذوبة ريقها .
القول في تأويل قوله تعالى : كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (54) يقول تعالى ذكره: كما أعطينا هؤلاء المتقين في الآخرة من الكرامة بإدخالناهم الجنات, وإلباسناهم فيها السندس والإستبرق, كذلك أكرمناهم بأن زوّجناهم أيضا فيها حورا من النساء, وهن النقيات البياض, واحدتهنّ: حَوْراء.
وكان مجاهد يقول في معنى الحُور, ما حدثني به محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله ( وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ ) قال: أنكحناهم حورا.
قال: والحُور: اللاتي يحار فيهنّ الطرف بادٍ مُخُّ سوقهنّ من وراء ثيابهنّ, ويرى الناظر وجهه في كبد إحداهنّ كالمرآة من رقة الجلد, وصفاء اللون.
وهذا الذي قاله مجاهد من أن الحور إنما معناها: أنه يحار فيها الطرف, قول لا معنى له في كلام العرب, لأن الحُور إنما هو جمع حوراء, كالحمر جمع حمراء, والسود: جمع سوداء, والحوراء إنما هي فعلاء من الحور وهو نقاء البياض, كما قيل للنقيّ البياض من الطعام الحُوَّارِيُّ.
وقد بينَّا معنى ذلك بشواهده فيما مضى قبل.
وبنحو الذي قلنا في معنى ذلك قال سائر أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال ثنا سعيد, عن قتادة, قوله ( كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ ) قال: بيضاء عيناء, قال: وفي قراءة ابن مسعود ( بعِيس عِين ) .
حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة, في قوله ( بِحُورٍ عِينٍ ) قال: بيض عين, قال: وفي حرف ابن مسعود ( بعِيس عِين ).
وقرأ ابن مسعود هذه, يعني أن معنى الحور غير الذي ذهب إليه مجاهد, لأن العيس عند العرب جمع عيساء, وهي البيضاء من الإبل, كما قال الأعشى: وَمَهْمَـهٍ نَـازِحٍ تَعْـوِي الذّئـابُ بِـهِ كَــلَّفْتُ أَعْيَسَ تَحْـتَ الرَّحْـلِ نَعَّابـا (5) يعني بالأعيس: جملا أبيض.
فأما العين فإنها جمع عيناء, وهي العظيمة العينين من النساء.
وقوله ( يَدْعُونَ فِيهَا )...
الآية, يقول: يدعو هؤلاء المتقون في الجنة بكلّ نوع من فواكه الجنة اشتهوه, آمنين فيها من انقطاع ذلك عنهم ونفاده وفنائه, ومن غائلة أذاه ومكروهه, يقول: ليست تلك الفاكهة هنالك كفاكهة الدنيا التي نأكلها, وهم يخافون مكروه عاقبتها, وغبّ أذاها مع نفادها من عندهم, وعدمها في بعض الأزمنة والأوقات.
وكان قتادة يوجه تأويل قوله: (آمِنِينَ) إلى ما حدثنا به بشر.
------------------------ الهوامش: (5) البيت : لأعشى بني قيس بن ثعلبة (ديوانه طبع القاهرة 1361 ) والرواية فيه :"قفر مساربه" في موضع"تعوي الذئاب به" والمهمه : الصحراء ، ونازح : بعيد .
وقفر : خال من النبات والإنس .
ومساربه مسالكه .
وأعيس : حمل أبيض يخالطه شقرة أو ظلمة .
والرحل : الخشب يشد على الجمل ليركب فوقه .
ونعاب : من نعبت الإبل : إذا مدت أعناقها في سيرها .
وقيل هو أن يحرك البعير رأسه إذا أسرع (اللسان: نعب) .
ومحل الشاهد في البيت عند المؤلف أن العيس عند العرب جمع أعيس ، وعيساء ، وهي الناقة البيضاء ، كما جاء في شعر الأعشى : الأعيس : الجمل الأبيض.
قوله تعالى : كذلك وزوجناهم بحور عين.قوله تعالى : كذلك أي الأمر كذلك الذي ذكرناه .
فيوقف على كذلك وقيل : أي : كما أدخلناهم الجنة وفعلنا بهم ما تقدم ذكره ، كذلك أكرمناهم بأن زوجناهم حورا عينا وقد مضى الكلام في العين في ( والصافات ) والحور : البيض ، في قول قتادة والعامة ، [ ص: 142 ] جمع حوراء .
والحوراء : البيضاء التي يرى ساقها من وراء ثيابها ، ويرى الناظر وجهه في كعبها ، كالمرآة من دقة الجلد وبضاضة البشرة وصفاء اللون .
ودليل هذا التأويل أنها في حرف ابن مسعود ( بعيس عين ) وذكر أبو بكر الأنباري أخبرنا أحمد بن الحسين قال حدثنا حسين قال حدثنا عمار بن محمد قال : صليت خلف منصور بن المعتمر فقرأ في ( حم ) الدخان ( بعيس عين .
لا يذوقون طعم الموت إلا الموتة الأولى ) والعيس : البيض ، ومنه قيل للإبل البيض : عيس ، واحدها بعير أعيس وناقة عيساء .
قال امرؤ القيس :يرعن إلى صوتي إذا ما سمعنه كما ترعوي عيط إلى صوت أعيسافمعنى الحور هنا : الحسان الثاقبات البياض بحسن .
وذكر ابن المبارك أخبرنا معمر عن أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون الأودي عن ابن مسعود قال : إن المرأة من الحور العين ليرى مخ ساقها من وراء اللحم والعظم ، ومن تحت سبعين حلة ، كما يرى الشراب الأحمر في الزجاجة البيضاء .
وقال مجاهد : إنما سميت الحور حورا لأنهن يحار الطرف في حسنهن وبياضهن وصفاء لونهن .
وقيل : إنما قيل لهن حور لحور أعينهن .
والحور : شدة بياض العين في شدة سوادها .
امرأة حوراء بينة الحور .
يقال : احورت عينه احورارا ، واحور الشيء ابيض .
قال الأصمعي : ما أدري ما الحور في العين ؟
وقال أبو عمرو : الحور أن تسود العين كلها مثل أعين الظباء والبقر .
قال : وليس في بني آدم حور ، وإنما قيل للنساء : حور العين لأنهن يشبهن بالظباء والبقر .
وقال العجاج : .بأعين محورات حوريعني الأعين النقيات البياض الشديدات سواد الحدق .
والعين جمع عيناء ، وهي الواسعة العظيمة العينين .
وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : مهور الحور [ ص: 143 ] العين قبضات التمر وفلق الخبز .
وعن أبي قرصافة سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول : ( إخراج القمامة من المسجد مهور الحور العين ) .
وعن أنس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( كنس المساجد مهور الحور العين ) ذكره الثعلبي رحمه الله .
وقد أفردنا لهذا المعنى بابا مفردا في ( كتاب التذكرة ) والحمد لله .واختلف أيما أفضل في الجنة ، نساء الآدميات أم الحور ؟
فذكر ابن المبارك قال : وأخبرنا رشدين عن ابن أنعم عن حبان بن أبي جبلة قال : إن نساء الآدميات من دخل منهن الجنة فضلن على الحور العين بما عملن في الدنيا .
وروي مرفوعا إن ( الآدميات أفضل من الحور العين بسبعين ألف ضعف ) .
وقيل : إن الحور العين أفضل ، لقوله - عليه السلام - في دعائه : ( وأبدله زوجا خيرا من زوجه ) .
والله أعلم .
وقرأ عكرمة ( بحور عين ) مضاف .
والإضافة والتنوين في ( بحور عين ) سواء .
{ كَذَلِكَ } النعيم التام والسرور الكامل { وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عين } أي: نساء جميلات من جمالهن وحسنهن أنه يحار الطرف في حسنهن وينبهر العقل بجمالهن وينخلب اللب لكمالهن { عَيْنٍ } أي: ضخام الأعين حسانها.
(كذلك وزوجناهم ) أي كما أكرمناهم بما وصفنا من الجنات والعيون واللباس كذلك أكرمناهم بأن زوجناهم ( بحور عين ) أي قرناهم بهن ، ليس من عقد التزويج ، لأنه لا يقال : زوجته بامرأة ، قال أبو عبيدة : جعلناهم أزواجا لهن كما يزوج البعل بالبعل ، أي جعلناهم اثنين اثنين ، و " الحور " : هن النساء النقيات البياض .
قال مجاهد : يحار فيهن الطرف من بياضهن وصفاء لونهن .
وقال أبو عبيدة : " الحور " : هن شديدات بياض الأعين الشديدات سوادها ، واحدها أحور ، والمرأة حوراء ، و " العين " جمع العيناء ، وهي عظيمة العينين .
«كذلك» يقدر قبله الأمر «وزوجناهم» من التزويج أو قرناهم «بحور عين» بنساء بيض واسعات الأعين حسانها.
كما أعطينا هؤلاء المتقين في الآخرة من الكرامة بإدخالهم الجنات وإلباسهم فيها السندس والإستبرق، كذلك أكرمناهم بأن زوَّجناهم بالحسان من النساء واسعات الأعين جميلاتها.
( كَذَلِكَ ) أى : الأمر كذلك .
من أن المتقين لهم كل هذا النعيم .( وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ ) أى : وزوجناهم بنساء يحار الطرف فيهم لجمالهن وحسنهن ، والحور : جمع حوراء .
.
وهى التى يحار الطرف فيها لفرط جمالها .
والعين : جمع عيناء .
وهى التى اتسعت عينها فى حسن وجمال .
اعلم أنه تعالى لما ذكر الوعيد في الآيات المتقدمة ذكر الوعد في هذه الآيات فقال: ﴿ إِنَّ المتقين ﴾ قال أصحابنا كل من اتقى الشرك فقد صدق عليه اسم المتقي فوجب أن يدخل الفاسق في هذا الوعد.
واعلم أنه تعالى ذكر من أسباب تنعمهم أربعة أشياء أولها: مساكنهم فقال: ﴿ فِى مَقَامٍ أَمِينٍ ﴾ .
واعلم أن المسكين إنما يطيب بشرطين أحدهما: أن يكون آمناً عن جميع ما يخاف ويحذر وهو المراد من قوله: ﴿ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ ﴾ قرأ الجمهور في مقام بفتح الميم، وقرأ نافع وابن عامر بضم الميم، قال صاحب الكشاف المقام بفتح الميم هو موضع القيام، والمراد المكان وهو من الخاص الذي جعل مستعملاً في المعنى العام وبالضم هو موضع الإقامة، والأمين من قولك أمن الرجل أمانة فهو أمين وهو ضد الخائن، فوصف به المكان استعارة لأن المكان المخيف كأنه يخون صاحبه والشرط الثاني: لطيب المكان أن يكون قد حصل فيه أسباب النزهة وهي الجنات والعيون، فلما ذكر تعالى هذين الشرطين في مساكن أهل الجنة فقد وصفها بما لا يقبل الزيادة.
والقسم الثاني: من تنعماتهم الملبوسات فقال: ﴿ يَلْبَسُونَ مِن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ ﴾ قيل السندس ما رقّ من الديباج، والإستبرق ما غلظ منه، وهو تعريب استبرك، فإن قالوا كيف جاز ورود الأعجمي في القرآن؟
قلنا لما عرب فقد صار عربياً.
والقسم الثالث: فهو جلوسهم على صفة التقابل والغرض منه استئناس البعض بالبعض، فإن قالوا الجلوس على هذا الوجه موحش لأنه يكون كل واحد منهم مطلعاً على ما يفعله الآخر، وأيضاً فالذي يقل ثوابه إذا اطلع على حال من يكثر ثوابه يتنغص عيشه، قلنا أحوال الآخرة بخلاف أحوال الدنيا.
والقسم الرابع: أزواجهم فقال: ﴿ كَذَلِكَ وزوجناهم بِحُورٍ عِينٍ ﴾ الكاف فيه وجهان أن تكون مرفوعة والتقدير الأمر كذلك أو منصوبة والتقدير آتيناهم مثل ذلك، قال أبو عبيدة: جعلناهم أزواجاً كما يزوج البعل بالبعل أي جلعناهم اثنين اثنين، واختلفوا في أن هذا اللفظ هل يدل على حصول عقد التزويج أم لا؟، قال يونس قوله: ﴿ وزوجناهم بِحُورٍ عِينٍ ﴾ أي قرناهم بهن فليس من عقد التزويج، والعرب لا تقول تزوجت بها وإنما تقول تزوجتها، قال الواحدي رحمه لله والتنزيل يدل على ما قال يونس وذلك قوله: ﴿ فَلَمَّا قضى زَيْدٌ مّنْهَا وَطَراً زوجناكها ﴾ ولو كان المراد تزوجت بها زوجناك بها وأيضاً فقول القائل زوجته به معناه أنه كان فرداً فزوجته بآخر كما يقال شفعته بآخر، وأما الحور، فقال الواحدي أصل الحور البياض والتحوير التبييض، وقد ذكرنا ذلك في تفسير الحواريين، وعين حوراء إذا اشتد بياض بياضها واشتد سواد سوادها، ولا تسمى المرأة حوراء حتى يكون حور عينيها بياضاً في لون الجسد، والدليل على أن المراد بالحور في هذه الآية البيض قراءة ابن مسعود بعيس عين والعيس البيض، وأما العين فجمع عيناء وهي التي تكون عظيمة العينين من النساء، فقال الجبائي رجل أعين إذا كان ضخم العين واسعها والأنثى عيناء والجمع عين، ثم اختلفوا في هؤلاء الحور العين، فقال الحسن هن عجائزكم الدرد ينشئهن الله خلقاً آخر، وقال أبو هريرة إنهن ليسوا من نساء الدنيا.
والنوع الخامس: من تنعمات أهل الجنة المأكول فقال: ﴿ يَدْعُونَ فِيهَا بِكلّ فاكهة ءامِنِينَ ﴾ قالوا إنهم يأكلون جميع أنواع الفاكهة لأجل أنهم آمنون من التخم والأمراض.
ولما وصف الله تعالى أنواع ما هم فيه من الخيرات والراحات، بين أن حياتهم دائمة، فقال: ﴿ لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا الموت إِلاَّ الموتة الأولى ﴾ وفيه سؤالان: السؤال الأول: أنهم ما ذاقوا الموتة الأولى في الجنة فكيف حسن هذا الاستثناء؟
وأجيب عنه من وجوه: الأول: قال صاحب الكشاف أريد أن يقال: لا يذوقون فيها الموت ألبتة فوضع قوله: ﴿ إِلاَّ الموتة الأولى ﴾ موضع ذلك لأن الموتة الماضية محال في المستقبل، فهو من باب التعليق بالمحال، كأنه قيل إن كانت الموتة الأولى يمكن ذوقها في المستقبل فإنهم يذوقونها الثاني: أن إلا بمعنى لكن والتقدير لا يذوقون فيها الموت لكن الموتة الأولى قد ذاقوها والثالث: أن الجنة حقيقتها ابتهاج النفس وفرحها بمعرفة الله تعالى وبطاعته ومحبته، وإذا كان الأمر كذلك فإن الإنسان الذي فاز بهذه السعادة فهو في الدنيا في الجنة وفي الآخرة أيضاً في الجنة، وإذا كان الأمر كذلك فقد وقعت الموتة الأولى حين كان الإنسان في الجنة الحقيقية التي هي جنة المعرفة بالله والمحبة، فذكر هذا الاستثناء كالتنبيه على قولنا إن الجنة الحقيقية هي حصول هذه الحالة لا الدار التي هي دار الأكل والشرب، ولهذا السبب قال عليه السلام: «أنبياء الله لا يموتون ولكن ينقلون من دار إلى دار» والرابع: أن من جرب شيئاً ووقف عليه صح أن يقال إنه ذاقه، وإذا صح أن يسمى العلم بالذوق صح أن يسمى تذكره أيضاً بالذوق فقوله: ﴿ لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا الموت إِلاَّ الموتة الأولى ﴾ يعني إلا الذوق الحاصل بسبب تذكر الموتة الأولى.
السؤال الثاني: أليس أن أهل النار أيضاً لا يموتون فلم بشر أهل الجنة بهذا مع أهل النار يشاركونهم فيه؟
والجواب: أن البشارة ما وقعت بدوام الحياة مع سابقة حصول تلك الخيرات والسعادات فظهر الفرق.
ثم قال تعالى: ﴿ ووقاهم عَذَابَ الجحيم ﴾ قرئ ووقاهم بالتشديد، فإن قالوا مقتضى الدليل أن يكون ذكر الوقاية عن عذاب الجحيم متقدماً على ذكر الفوز بالجنة لأن الذي وقى عن عذاب الجحيم قد يفوز وقد لا يفوز، فإذا ذكر بعده أنه فاز بالجنة حصلت الفائدة، أما الذي فاز بخيرات الجنة فقد تخلص عن عقاب الله لا محالة فلم يكن ذكر الفوز عن عذاب جهنم بعد الفوز بثواب الجنة مفيداً، قلنا التقدير كأنه تعالى قال: ووقاهم في أول الأمر عن عذاب الجحيم.
ثم قال: ﴿ فَضْلاً مّن رَّبّكَ ﴾ يعني كل ما وصل إليه المتقون من الخلاص عن النار والفوز بالجنة فإنما يحصل بتفضل الله، واحتج أصحابنا بهذه الآية على أن الثواب يحصل تفضلاً من الله تعالى لا بطريق الاستحقاق لأنه تعالى لما عدد أقسام ثواب المتقين بين أنها بأسرها إنما حصلت على سبيل الفضل والإحسان من الله تعالى، قال القاضي أكثر هذه الأشياء وإن كانوا قد استحقوه بعملهم فهو بفضل الله لأنه تعالى تفضل بالتكليف، وغرضه منه أن يصيرهم إلى هذه المنزلة فهو كمن أعطى غيره مالاً ليصل به إلى ملك ضيعة، فإنه يقال في تلك الضيعة إنها من فضله، قلنا مذهبك أن هذا الثواب حق لازم على الله، وإنه تعالى لو أخل به لصار سفيهاً ولخرج به عن الإلهية فكيف يمكن وصف مثل هذا الشيء بأنه فضل من الله تعالى؟
ثم قال تعالى: ﴿ ذلك هُوَ الفوز العظيم ﴾ واحتج أصحابنا بهذه الآية على أن التفضيل أعلى درجة من الثواب المستحق، فإنه تعالى وصفه بكونه فضلاً من الله ثم وصف الفضل من الله بكونه فوزاً عظيماً، ويدل عليه أيضاً أن الملك العظيم إذا أعطى الأجير أجرته ثم خلع على إنسان آخر فإن تلك الخلعة أعلى حالاً من إعطاء تلك الأجرة، ولما بين الله تعالى الدلائل وشرح الوعد والوعيد قال: ﴿ فَإِنَّمَا يسرناه بِلَسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ﴾ والمعنى أنه تعالى وصف القرآن في أول هذه السورة بكونه كتاباً مبيناً أي كثير البيان والفائدة وذكر في خاتمتها ما يؤكد ذلك فقال: إن ذلك الكتاب المبين، الكثير الفائدة إنما يسرناه بلسانك، أي إنما أنزلنا عربياً بلغتك، لعلّهم يتذكرون، قال القاضي وهذا يدل على أنه أراد من الكل الإيمان والمعرفة وأنه ما أراد من أحد الكفر وأجاب أصحابنا أن الضمير في قوله: ﴿ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ﴾ عائد إلى أقوام مخصوصين فنحن نحمل ذلك على المؤمنين.
ثم قال: ﴿ فارتقب ﴾ أي فانتظر ما يحل بهم ﴿ إِنَّهُمْ مُّرْتَقِبُونَ ﴾ ما يحل بك، متربصون بك الدوائر، والله أعلم.
قال المصنف رحمه الله تعالى: تم تفسير هذه السورة ليلة الثلاثاء في نصف الليل الثاني عشر من ذي الحجة سنة ثلاث وستمائة، يا دائم المعروف، يا قديم الإحسان، شهد لك إشراق العرش، وضوء الكرسي، ومعارج السموات، وأنوار الثوابت والسيارات، على منابرها، المتوغلة في العلو الأعلى، ومعارجها المقدسة عن غبار عالم الكون والفساد، بأن الأول الحق الأزلي، لا يناسبه شيء من علائق العقول، وشوائب الخواطر، ومناسبات المحدثات، فالقمر بسبب محوه مقر النقصان، والشمس بشهادة المعارج بتغيراتها، معترفة بالحاجة إلى تدبير الرحمن، والطبائع مقهورة تحت القدرة القاهرة، فالله في غيبيات المعارج العالية، والمتغيرات شاهدة بعدم تغيره، والمتعاقبات ناطقة بدوام سرمديته، وكل ما نوجه عليه أنه مضى وسيأتي فهو خالقه وأعلى منه، فبجوده الوجود وإيجاد، وبإعدامه الفناء والفساد، وكل ما سواه فهو تائه في جبروته، نائر عند طلوع نور ملكوته، وليس عند عقول الخلق إلا أنه بخلاف كل الخلق، له العز والجلال، والقدرة والكمال، والجود والإفضال، ربنا ورب مبادينا إياك نروم، ولك نصلي ونصوم، وعليك المعول، وأنت المبدأ الأول، سبحانك سبحانك.
قرئ: ﴿ في مقام ﴾ بالفتح: وهو موضع القيام، والمراد المكان، وهو من الخاص الذي وقع مستعملاً في معنى العموم.
وبالضم: وهو موضع الإقامة.
و ﴿ الأمين ﴾ من قولك: أمن الرجل أمانة فهو أمين.
وهو ضد الخائن، فوصف به المكان استعارة؛ لأنّ المكان المخيف كأنما يخون صاحبه بما يلقى فيه من المكاره.
قيل: السندس: ما رق من الديباج.
والإستبرق: ما غلظ منه وهو تعريب استبر.
فإن قلت: كيف ساغ أن يقع في القرآن العربي المبين لفظ أعجمي؟
قلت: إذا عرب خرج من أن يكون عجمياً؛ لأن معنى التعريب أن يجعل عربياً بالتصرف فيه، وتغييره عن منهاجه، وإجرائه على أوجه الإعراب ﴿ كذلك ﴾ الكاف مرفوع على الأمر كذلك.
أو منصوب على: مثل ذلك أثبناهم ﴿ وزوجناهم ﴾ وقرأ عكرمة ﴿ بحور عين ﴾ على الإضافة: والمعنى: بالحور من العين؛ لأن العين إما أن تكون حوراً أو غير حور، فهؤلاء من الحور العين لا من شهلهن مثلاً.
وفي قراءة عبد الله: ﴿ بعيس عين ﴾ والعيساء: البيضاء تعلوها حمرة وقرأ عبيد بن عمير ﴿ لا يذاقون فيها الموت ﴾ وقرأ عبد الله ﴿ لا يذوقون فيها طعم الموت ﴾ ، فإن قلت: كيف استثنيت الموتة الأولى- المذوقة قبل دخول الجنة- من الموت المنفي ذوقه فيها؟
قلت: أريد أن يقال: لا يذوقون فيها الموت البتة، فوضع قوله: ﴿ إِلاَّ الموتة الأولى ﴾ موضع ذلك؛ لأن الموتة الماضية محال ذوقها في المستقبل، فهو من باب التعليق بالمحال، كأنه قيل: إن كانت الموتة الأولى يستقيم ذوقها في المستقبل فإنهم يذوقونها.
وقرئ: ﴿ ووقاهم ﴾ بالتشديد ﴿ فَضْلاً مّن رَّبِّكَ ﴾ عطاء من ربك وثواباً، يعني: كل ما أعطى المتقين من نعيم الجنة والنجاة من النار.
وقرئ: ﴿ فضل ﴾ أي: ذلك فضل.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إنَّ المُتَّقِينَ في مَقامٍ ﴾ في مَوْضِعِ إقامَةٍ، وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ بِضَمِّ المِيمِ ﴿ أمِينٍ ﴾ يَأْمَنُ صاحِبُهُ عَنِ الآفَةِ والِانْتِقالِ.
﴿ فِي جَنّاتٍ وعُيُونٍ ﴾ بَدَلٌ مِن مَقامٍ جِيءَ بِهِ لِلدَّلالَةِ عَلى نَزاهَتِهِ، واشْتِمالِهِ عَلى ما يُسْتَلَذُّ بِهِ مِنَ المَآكِلِ والمَشارِبِ.
﴿ يَلْبَسُونَ مِن سُنْدُسٍ وإسْتَبْرَقٍ ﴾ خَبَرٌ ثانٍ أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في الجارِّ أوِ اسْتِئْنافٌ، والسُّنْدُسُ ما رَقَّ مِنَ الحَرِيرِ والإسْتَبْرَقُ ما غَلُظَ مِنهُ مُعَرَّبُ إسْتَبْرَهٌ، أوْ مُشْتَقٌّ مِنَ البَراقَةِ.
﴿ مُتَقابِلِينَ ﴾ في مَجالِسِهِمْ لِيَسْتَأْنِسَ بَعْضُهم بِبَعْضٍ.
﴿ كَذَلِكَ ﴾ الأمْرُ كَذَلِكَ أوْ آتَيْناهم مِثْلَ ذَلِكَ.
﴿ وَزَوَّجْناهم بِحُورٍ عِينٍ ﴾ قَرَنّاهم بِهِنَّ ولِذَلِكَ عُدِّيَ بِالباءِ، والحَوْراءُ البَيْضاءُ والعَيْناءُ عَظِيمَةُ العَيْنَيْنِ، واخْتُلِفَ في أنَّهُنَّ نِساءُ الدُّنْيا أوْ غَيْرِها.
﴿ يَدْعُونَ فِيها بِكُلِّ فاكِهَةٍ ﴾ يَطْلُبُونَ ويَأْمُرُونَ بِإحْضارِ ما يَشْتَهُونَ مِنَ الفَواكِهِ لا يَتَخَصَّصُ شَيْءٌ مِنها بِمَكانٍ ولا بِزَمانٍ.
﴿ آمِنِينَ ﴾ مِنَ الضَّرَرِ.
﴿ لا يَذُوقُونَ فِيها المَوْتَ إلا المَوْتَةَ الأُولى ﴾ بَلْ يَحْيَوْنَ فِيها دائِمًا، والِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ أوْ مُتَّصِلٌ والضَّمِيرُ لِلْآخِرَةِ والمَوْتَ أوَّلُ أحْوالِها، أوِ الجَنَّةُ والمُؤْمِنُ يُشارِفُها بِالمَوْتِ ويُشاهِدُها عِنْدَهُ فَكَأنَّهُ فِيها، أوِ الِاسْتِثْناءُ لِلْمُبالَغَةِ في تَعْمِيمِ النَّفْيِ وامْتِناعِ المَوْتَ فَكَأنَّهُ قالَ: لا يَذُوقُونَ فِيها المَوْتَ إلّا إذا أمْكَنَ ذَوْقَ المَوْتَةِ الأُولى في المُسْتَقْبَلِ.
﴿ وَوَقاهم عَذابَ الجَحِيمِ ﴾ وقُرِئَ «وَوَقّاهُمْ» عَلى المُبالَغَةِ.
﴿ فَضْلا مِن رَبِّكَ ﴾ أيْ أُعْطُوا كُلَّ ذَلِكَ عَطاءً وتَفَضُّلًا مِنهُ.
وقُرِئَ بِالرَّفْعِ أيْ ذَلِكَ فَضْلٌ.
﴿ ذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ ﴾ لِأنَّهُ خَلاصٌ عَنِ المَكارِهِ وفَوْزٌ بِالمَطالِبِ.
<div class="verse-tafsir"
{كذلك} الكاف مرفوعة أي الأمر كذلك {وزوجناهم} وقرناهم ولهذا عدي بالباء {بِحُورٍ} جمع حوراء وهى الشديده سواد العين والشدة بياضها {عِينٍ} جمع عيناء وهي الواسعة العين
﴿ كَذَلِكَ ﴾ أيِ اَلْأمْرُ كَذَلِكَ فالكافُ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى اَلْخَبَرِيَّةِ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والمُرادُ تَقْرِيرُ ما مَرَّ وتَحْقِيقُهُ.
ونُقِلَ عَنْ جارِ اَللَّهِ أنَّهُ قالَ: والمَعْنى فِيهِ أنَّهُ لَمْ يَسْتَوْفِ اَلْوَصْفَ وأنَّهُ بِمَثابَةِ ما لا يُحِيطُ بِهِ اَلْوَصْفُ فَكَأنَّهُ قِيلَ: اَلْأمْرُ نَحْوَ ذَلِكَ وما أشْبَهَهُ.
وأرادَ عَلى ما قالَ اَلْمُدَقِّقُ أنَّ اَلْكافَ مُقْحَمٌ لِلْمُبالَغَةِ وذَلِكَ مُطَّرِدٌ في عُرْفَيِ اَلْعَرَبِ والعَجَمِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى مَعْنى أثَبْناهم مِثْلَ ذَلِكَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وزَوَّجْناهُمْ ﴾ عَلى هَذا عَطْفٌ عَلى اَلْفِعْلِ اَلْمُقَدَّرِ وعَلى ما قَبْلُ عَلى (يَلْبَسُونَ) والمُرادُ عَلى ما قالَ غَيْرُ واحِدٍ وقَرَنّاهم ﴿ بِحُورٍ عِينٍ ﴾ وفُسِّرَ بِذَلِكَ قِيلَ لِأنَّ اَلْجَنَّةَ لَيْسَ فِيها تَكْلِيفٌ فَلا عَقْدَ ولا تَزْوِيجَ بِالمَعْنى اَلْمَشْهُورِ، وقِيلَ: لِمَكانِ اَلْباءِ، وزَوَّجَهُ اَلْمَرْأةَ بِمَعْنى أنْكَحَهُ إيّاها مُتَعَدٍّ بِنَفْسِهِ، وفِيهِ بَحْثٌ فَإنَّ اَلْأخْفَشَ جَوَّزَ اَلْباءَ فِيهِ فَيُقالُ: زَوَّجْتُهُ بِاِمْرَأةٍ فَتَزَوَّجَ بِها، وأزْدُ شَنُوءَةَ يَعُدُّونَهُ بِالباءِ أيْضًا، وفي اَلْقامُوسِ زَوَّجْتُهُ اِمْرَأةً وتَزَوَّجْتُ اِمْرَأةً وبِها أوْ هي قَلِيلَةٌ، ويُعْلَمُ مِمّا ذُكِرَ أنَّ قَوْلَ بَعْضِ اَلْفُقَهاءِ زَوَّجْتُهُ بِها خَطَأٌ لا وجْهَ لَهُ، ويَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنْ ذَلِكَ اَلتَّفْسِيرُ لِأنَّ اَلْحُورَ اَلْعَيْنَ في اَلْجَنَّةِ مِلْكُ يَمِينٍ كالسِّرارِيِّ في اَلدُّنْيا فَلا يَحْتاجُ اَلْأمْرُ إلى اَلْعَقْدِ عَلَيْهِنَّ، عَلى أنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ في اَلْجَنَّةِ عَقْدٌ وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيها تَكْلِيفٌ.
وقَدْ أخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ.
وغَيْرُهُ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: زَوَّجْناهم أنَكَحْناهم.
ومِنَ اَلنّاسِ مَن قالَ بِالتَّكْلِيفِ فِيها بِمَعْنى اَلْأمْرِ والنَّهْيِ لَكِنْ لا يَجِدُونَ في اَلْفِعْلِ والتَّرْكِ كُلْفَةً، نَعَمِ اَلْمَشْهُورُ أنْ لا تَكْلِيفَ فِيها، وبَعْضُ ما حُرِّمَ في اَلدُّنْيا كَنِكاحِ اِمْرَأةِ اَلْغَيْرِ ونِكاحِ اَلْمَحارِمِ لا يَفْعَلُونَهُ لِعَدَمِ خُطُورِهِ لَهم بِبالٍ أصْلًا، والحُورُ جَمْعُ حَوْراءَ وهي اَلْبَيْضاءُ كَما رُوِيَ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ والضَّحّاكِ وغَيْرِهِما، وقِيلَ: اَلشَّدِيدَةُ سَوادِ اَلْعَيْنِ وبَياضِها، وقِيلَ: اَلْحَوْراءُ ذاتُ اَلْحَوَرِ وهو سَوادُ اَلْمُقْلَةِ كُلِّها كَما في اَلظِّباءِ فَلا يَكُونُ في اَلْإنْسانِ إلّا مَجازًا.
وأخْرَجَ اِبْنُ اَلْمُنْذِرِ.
وغَيْرُهُ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّ اَلْحَوْراءَ اَلَّتِي يَحارُ فِيها اَلطَّرْفُ.
والعِينُ جَمْعُ عَيْناءَ وهي عَظِيمَةُ اَلْعَيْنَيْنِ وأكْثَرُ اَلْأخْبارِ تَدُلُّ عَلى أنَّهُنَّ لَسْنَ نِساءَ اَلدُّنْيا، أخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ.
والطَّبَرانِيُّ عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: (قالَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ «خُلِقَ اَلْحُورُ اَلْعِينُ مِن زَعْفَرانَ)» وأخْرَجَ اِبْنُ مَرْدُوَيْهِ.
والخَطِيبُ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ اِبْنُ اَلْمُبارَكِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ قالَ: «إنَّ اَللَّهَ تَعالى لَمْ يَخْلُقِ اَلْحُورَ اَلْعِينَ مِن تُرابٍ إنَّما خَلَقَهُنَّ مِن مِسْكٍ وكافُورٍ وزَعْفَرانَ».
وأخْرَجَ اِبْنُ مَرْدُوَيْهِ.
والدَّيْلَمِيُّ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: (قالَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ «حُورُ اَلْعِينِ خَلَقَهُنَّ مِن تَسْبِيحِ اَلْمَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ اَلسَّلامُ)» وهَذا إنْ صَحَّ لا يُعارِضُ ما قَبْلَهُ إذْ لا بُدَّ عَلَيْهِ مِن أنْ يُقالَ بِتَجَسُّدِ اَلْمَعانِي فَيَجُوزُ تَجَسُّدُ اَلتَّسْبِيحِ وجَعْلُهُ جُزْءًا مِمّا خُلِقْنَ مِنهُ، وقِيلَ: اَلْمُرادُ بِهِنَّ هُنا نِساءُ اَلدُّنْيا وهُنَّ في اَلْجَنَّةِ حُورٌ عِينٌ بِالمَعْنى اَلَّذِي سَمِعْتَ بَلْ هُنَّ أجْمَلُ مِنَ اَلْحُورِ اَلْعِينِ أعْنِي اَلنِّساءَ اَلْمَخْلُوقاتِ في اَلْجَنَّةِ مِن زَعْفَرانَ أوْ غَيْرِهِ ويُعْطى اَلرَّجُلُ هُناكَ ما كانَ لَهُ في اَلدُّنْيا مِنَ اَلزَّوْجاتِ، وقَدْ يَضُمُّ إلى ذَلِكَ ما شاءَ اَللَّهُ تَعالى مِن نِساءٍ مُتْنَ ولَمْ يَتَزَوَّجْنَ، ومَن تَزَوَّجَتْ بِأكْثَرَ مِن واحِدٍ فَهي لِآخِرِ أزْواجِها أوْ لِأوَّلِهِمْ إنْ لَمْ يَكُنْ طَلَّقَها في اَلدُّنْيا أوْ تُخَيَّرَ فَتَخْتارُ مَن كانَ أحْسَنَهم خُلُقًا مَعَها، أقْوالٌ صَحَّحَ جَمْعٌ مِنها اَلْأوَّلَ، وتُعْطى زَوْجَةُ كافِرٍ دَخَلَتِ اَلْجَنَّةَ لِمَن شاءَ اَللَّهُ تَعالى.
وقَدْ ورَدَ أنَّ آسِيَةَ اِمْرَأةَ فِرْعَوْنَ تَكُونُ زَوْجَةَ نَبِيِّنا صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ.
وقَرَأ عِكْرِمَةُ (بِحُورِ عِينٍ) بِالإضافَةِ وهي عَلى مَعْنى مِن أيْ بِالحُورِ مِنَ اَلْعِينِ، وفي قِراءَةِ عَبْدِ اَللَّهِ (بِعِيسٍ عِينٍ) والعَيْساءُ اَلْبَيْضاءُ تَعْلُوها حُمْرَةٌ <div class="verse-tafsir"
فقال تعالى إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقامٍ أَمِينٍ يعني: في منازل حسنة، آمنين من العذاب.
قرأ نافع، وابن عامر فِي مُقَامٍ، بضم الميم.
والباقون بالنصب، فمن قرأ بالنصب يعني: المكان والموضع، ومن قرأ بالضم يعني: الإقامةي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ يعني: في بساتين، وأنهار جارية يَلْبَسُونَ مِنْ سُندُسٍ يعني: ما لطف من الديباج وَإِسْتَبْرَقٍ يعني: ما ثخن منه مُتَقابِلِينَ يعني: متواجهين كما قال في آية أخرى إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ (47) [الحجر: 47] ثُم قال: كَذلِكَ يعني: هكذا، كما ذكرت لهم في الجنة.
ثم قال عز وجل: وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ يعني: بيض الوجوه حسان الأعين يَدْعُونَ فِيها بِكُلِّ فاكِهَةٍ آمِنِينَ يعني: ما يتمنون من الفواكه، آمنين من الموت ومن زوال المملكة.
ويقال: آمِنِينَ مما يلقى أهل النار لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ يعني: في الجنة إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولى يعني: سوى ما قضى عليهم من الموتة الأولى في الدنيا وَوَقاهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ يعني: يصرف عنهم عذاب النار قوله تعالى: فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ يعني: هذا الثواب، عطاء من ربك للمؤمنين المخلصين ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ يعني: النجاة الوافرة فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ يعني: هونا قراءة القرآن على لسانك، لكي تقرأه وتخبرهم بذلك لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ يعني: يتعظون بالقرآن فَارْتَقِبْ يعني: انتظر بهلاكهم إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ يعني: منتظرون بهلاكك.
روى يعلى بن عبيد، عن إسماعيل، عن عبد الله بن عيسى قال: أخبرت أنه: من قرأ ليلة الجمعة سورة الدخان إيماناً، واحتساباً وتصديقاً، أصبح مغفوراً له، والله أعلم.
وصلى الله وسلم على سيدنا محمد النبي الأمي، وآله وأزواجه الطيبين الطاهرين، وسلم تسليما دائما.
المشار إليه أَبُو جَهْلٍ، ثم هي بالمعنى تتنَاوَلُ كُلَّ أثيمٍ، وهو كُلُّ فاجر، رُوِيَ أَنَّهَا لَمَّا نَزَلَتْ، جَمَعَ أبو جَهْلٍ عَجْوَةً وَزُبْداً، وقال لأصحابه: تَزَقَّمُوا، فهذا هو الزَّقُّومُ، وهو طَعَامِي الذي حَدَّثَ به محمَّدٌ، قال ع «١» : وإنَّما قصد بذلك ضَرْباً من المغالطة والتلبيس عَلَى الجَهَلَةِ.
وقوله سبحانه: كَالْمُهْلِ قال ابن عباس، وابن عمر «٢» : «المُهْلُ» : دُرْدِيُّ الزَّيْتِ وعَكَرُهُ، وقال ابن مَسْعُودٍ وغيره «٣» : «المُهْلُ» : ما ذاب مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ، والمعنى: أَنَّ هذه الشجَرَةَ إذا طَعِمَهَا الكافِرُ في جَهَنَّمَ، صارَتْ في جوفه تَفْعَلُ كما يفعل المُهْلُ المذاب من الإحراق والإفساد،، والْحَمِيمِ: الماءُ السُّخْنُ الذي يتطايَرُ من غليانه.
وقوله: خُذُوهُ ...
الآية، أي: يقال يومئذ للملائكة: خذوه، يعني الأثيم فَاعْتِلُوهُ و «العَتْلُ» : السَّوْقُ بعُنْفٍ وإهانةٍ، ودَفْعٌ قَوِيٌّ مُتَّصِلٌ، كما يُسَاقُ أبداً مرتكبُ الجرائمِ، و «السَّوَاء» : الوَسَط، وقيل: المُعْظمُ، وذلك متلازِمٌ.
وقوله تعالى: ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ مخاطبة على معنى التّقريع.
وقوله سبحانه: إِنَّ هذا مَا كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ: عبارة عن قولٍ يُقَالُ للكَفَرَةِ، ثم ذكر تعالى حالة المُتَّقِينَ، فقال: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقامٍ أَمِينٍ أي: مأمون، «والسُّنْدُسُ» : رقيقُ الحَرِيرِ، و «الإسْتَبْرَقُ» : خَشِنُهُ.
وقوله: مُتَقابِلِينَ: وَصْفٌ لمجالسِ أهل الجَنَّةِ، لأَنَّ بعضهم لا يستدبر بعضاً في المجالس، وقرأ الجمهور: وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ وقرأ ابن مسعود: «بعِيسٍ عِينٍ» ، وهو جمع «عَيْسَاءَ» ، وهي البيضاء «٤» وكذلك هي من النوق، وروى أبو قرصافة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أَنَّه قال: «إخْرَاجُ القُمَامَةِ مِنَ المَسْجِدِ مُهُورُ الحُورِ العِينِ» قال الثعلبيُّ: قال مجاهد: يَحَارُ
﴿ إنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ ﴾ قَدْ ذَكَرْناها في [الصّافّاتِ: ٦٢] .
و "الأثِيمُ": الفاجِرُ؛ وقالَ مُقاتِلٌ: هو أبُو جَهْلٍ.
وقَدْ ذَكَرْنا مَعْنى "المُهْلِ" في [الكَهْفِ: ٢٩] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَغْلِي في البُطُونِ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: "يَغْلِي" بِالياءِ؛ والباقُونَ: بِالتّاءِ.
فَمَن قَرَأ ["تَغْلِي"] بِالتّاءِ، فَلِتَأْنِيثِ الشَّجَرَةِ؛ ومَن قَرَأ بِالياءِ، حَمَلَهُ عَلى الطَّعامِ قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: ولا يَجُوزُ أنْ يُحْمَلَ الغَلْيُ عَلى المُهْلِ.
لِأنَّ المُهْلَ ذُكِرَ لِلتَّشْبِيهِ في الذَّوْبِ، وإنَّما يَغْلِي ما شُبِّهَ بِهِ ﴿ كَغَلْيِ الحَمِيمِ ﴾ وهو الماءُ الحارُّ إذا اشْتَدَّ غَلَيانُهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ خُذُوهُ ﴾ أيْ: يُقالُ لِلزَّبانِيَةِ: خُذُوهُ ﴿ فاعْتِلُوهُ ﴾ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، ويَعْقُوبُ: بِضَمِّ التّاءِ؛ وكَسَرَها الباقُونَ؛ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ومَعْناهُ: قُودُوهُ بِالعُنْفِ، يُقالُ: جِيءَ بِفُلانٍ يَعْتَلِ إلى السُّلْطانِ، و "سَواءُ الجَحِيمِ": وسَطُ النّارِ.
قالَ مُقاتِلٌ: الآياتُ في أبِي جَهْلٍ يَضْرِبُهُ المَلَكُ مِن خُزّانِ جَهَنَّمَ عَلى رَأْسِهِ بِمِقْمَعَةٍ مِن حَدِيدٍ فَتَنْقُبُ عَنْ دِماغِهِ، فَيَجْرِي دِماغُهُ عَلى جَسَدِهِ، ثُمَّ يَصُبُّ المَلَكُ في النَّقْبِ ماءً حَمِيمًا قَدِ انْتَهى حَرُّهُ، فَيَقَعُ في بَطْنِهِ، ثُمَّ يَقُولُ [لَهُ] المَلَكُ: ﴿ ذُقْ ﴾ العَذابَ ﴿ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ ﴾ هَذا تَوْبِيخٌ لَهُ بِذَلِكَ؛ وكانَ أبُو جَهْلٍ يَقُولُ: أنا أعَزُّ قُرَيْشٍ وأكْرَمُها.
وقَرَأ الكِسائِيُّ: "ذُقْ أنَّكَ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ؛ والباقُونَ: بِكَسْرِها.
قالَ أبُو عَلِيٍّ: مَن كَسَرَها، فالمَعْنى: أنْتَ العَزِيزُ في زَعْمِكَ، ومِن فَتَحَ، فالمَعْنى: بِأنَّكَ.
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ سُمِّيَ بِالعَزِيزِ ولَيْسَ بِهِ؟!
فالجَوابُ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ.
أحَدُها: أنَّهُ قِيلَ ذَلِكَ اسْتِهْزاءً بِهِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُقاتِلٌ.
والثّانِي: أنْتَ العَزِيزُ [الكَرِيمُ] عِنْدَ نَفْسِكَ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّالِثُ: أنْتَ العَزِيزُ في قَوْمِكَ، الكَرِيمُ عَلى أهْلِكَ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.
وَيَقُولُ الخُزّانَ لِأهْلِ النّارِ: ﴿ إنَّ هَذا ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ ﴾ أيْ: تَشُكُّونَ في كَوْنِهِ.
ثُمَّ ذَكَرَ مُسْتَقَرَّ المُتَّقِينَ فَقالَ: ﴿ إنَّ المُتَّقِينَ في مَقامٍ أمِينٍ ﴾ قَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: "فِي مُقامٍ" بِضَمِّ المِيمِ؛ والباقُونَ: بِفَتْحِها.
قالَ الفَرّاءُ: المَقامُ، بِفَتْحِ المِيمِ: المَكانُ، وبِضَمِّها: الإقامَةُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمِينٍ ﴾ أيْ: أمِنُوا فِيهِ الغَيْرَ والحَوادِثَ.
وقَدْ ذَكَرْنا "الجَنّاتِ" في [البَقَرَةِ: ٢٥] و[ذَكَرْنا] مَعْنى "العُيُونِ" ومَعْنى "مُتَقابِلِينَ" في [الحْجِرِ: ٤٥، ٤٧] وذَكَرْنا "السُّنْدُسَ والإسْتَبْرَقَ" في [الكَهْفِ: ٣١] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَذَلِكَ ﴾ أيِ: الأمْرُ كَما وصَفْنا ﴿ وَزَوَّجْناهم بِحُورٍ عِينٍ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: المَعْنى: قَرَنّاهم بِهِنَّ، ولَيْسَ مِن عَقْدِ التَّزْوِيجِ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: المَعْنى: جَعَلْنا ذُكُورَ أهْلِ الجَنَّةِ أزْواجًا ﴿ بِحُورٍ عِينٍ ﴾ مِنَ النِّساءِ، تَقُولُ لِلرَّجُلِ: زَوِّجَ هَذِهِ النَّعْلَ الفَرْدَ بِالنَّعْلِ الفَرْدِ، أيِ: اجْعَلْهُما زَوْجًا، والمَعْنى: جَعَلْناهُمُ اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ.
وقالَ يُونُسُ: العَرَبُ لا تَقُولُ: تَزَوَّجَ بِها، إنَّما يَقُولُونَ: تَزَوَّجَها.
ومَعْنى ﴿ وَزَوَّجْناهم بِحُورٍ عِينٍ ﴾ : قَرَنّاهم.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: زَوَّجْتُهُ امْرَأةً، وزَوَّجْتُهُ بِامْرَأةٍ.
وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: والتَّنْزِيلُ عَلى ما قالَ يُونُسُ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ زَوَّجْناكَها ﴾ ، وما قالَ: زَوَّجْناكَ بِها.
فَأمّا الحُورُ، فَقالَ مُجاهِدٌ: الحُورُ: النِّساءُ النَّقِيّاتُ البَياضِ.
وقالَ الفَرّاءُ: الحَوْراءُ: البَيْضاءُ مِنَ الإبِلِ؛ قالَ: وفي "الحُورِ العِينِ" لُغَتانِ: حُورٌ عِينٌ، وحِيرٌ عِينٌ، وأنْشَدَ: أزْمانَ عَيْناءُ سُرُورُ المُسَيَّرِ وحَوْراءُ عَيْناءُ مِنَ العِينِ الحِيرِ وَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الحَوْراءُ: الشَّدِيدَةُ بَياضِ بَياضِ العَيْنِ، الشَّدِيدَةُ سَوادِ سَوادِها.
وقَدْ بَيَّنّا مَعْنى "العِينِ" في [الصّافّاتِ: ٤٨] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَدْعُونَ فِيها بِكُلِّ فاكِهَةٍ آمِنِينَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: آمَنِينَ مِنَ انْقِطاعِها في بَعْضِ الأزْمِنَةِ.
والثّانِي: آمِنِينَ مِنَ التُّخَمِ والأسْقامِ والآفاتِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا المَوْتَةَ الأُولى ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها بِمَعْنى "سِوى"، فَتَقْدِيرُ الكَلامِ: لا يَذُوقُونَ في الجَنَّةِ المَوْتَ سِوى المَوْتَةِ الَّتِي ذاقُوها في الدُّنْيا؛ ومِثْلُهُ: ﴿ وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكم مِنَ النِّساءِ إلا ما قَدْ سَلَفَ ﴾ ، وقَوْلُهُ: ﴿ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلا ما شاءَ رَبُّكَ ﴾ أيْ: سِوى ما شاءَ لَهم رَبُّكَ مِنَ الزِّيادَةِ عَلى مِقْدارِ الدُّنْيا، هَذا قَوْلُ الفَرّاءِ، والزَّجّاجِ.
والثّانِي: أنَّ السُّعَداءَ حِينَ يَمُوتُونَ يَصِيرُونَ إلى الرَّوْحِ والرَّيْحانِ وأسْبابٍ مِنَ الجَنَّةِ يَرَوْنَ مَنازِلَهم مِنها، وإذا ماتُوا في الدُّنْيا، فَكَأنَّهم ماتُوا في الجَنَّةِ، لِاتِّصالِهِمْ بِأسْبابِها، ومُشاهَدَتِهِمْ إيّاها، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
والثّالِثُ: أنْ "إلّا" بِمَعْنى "بَعْدَ"، كَما ذَكَرْنا في أحَدِ الوُجُوهِ في قَوْلِهِ: ﴿ إلا ما قَدْ سَلَفَ ﴾ ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ جَرِيرٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَضْلا مِن رَبِّكَ ﴾ أيْ: فَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ بِهِمْ فَضْلًا مِنهُ.
﴿ فَإنَّما يَسَّرْناهُ ﴾ أيْ: سَهَّلْناهُ، والكِنايَةُ عَنِ القُرْآنِ ﴿ بِلِسانِكَ ﴾ أيْ: بِلُغَةِ العَرَبِ ﴿ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ ﴾ أيْ: لِكَيْ يَتَّعِظُوا فَيُؤْمِنُوا، ﴿ فارْتَقِبْ ﴾ أيِ: انْتَظِرْ بِهِمُ العَذابَ ﴿ إنَّهم مُرْتَقِبُونَ ﴾ هَلاكَكَ؛ وهَذِهِ عِنْدَ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ، ولَيْسَ بِصَحِيحٍ.
قوله عزّ وجلّ: ﴿ كالمُهْلِ يَغْلِي في البُطُونِ ﴾ ﴿ كَغَلْيِ الحَمِيمِ ﴾ ﴿ خُذُوهُ فاعْتِلُوهُ إلى سَواءِ الجَحِيمِ ﴾ ﴿ ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِن عَذابِ الحَمِيمِ ﴾ ﴿ ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ ﴾ ﴿ إنَّ هَذا ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ ﴾ ﴿ إنَّ المُتَّقِينَ في مَقامٍ أمِينٍ ﴾ ﴿ فِي جَنّاتٍ وعُيُونٍ ﴾ ﴿ يَلْبَسُونَ مِن سُنْدُسٍ وإسْتَبْرَقٍ مُتَقابِلِينَ ﴾ ﴿ كَذَلِكَ وزَوَّجْناهم بِحُورٍ عِينٍ ﴾ ﴿ يَدْعُونَ فِيها بِكُلِّ فاكِهَةٍ آمِنِينَ ﴾ ﴿ لا يَذُوقُونَ فِيها المَوْتَ إلا المَوْتَةَ الأُولى ووَقاهم عَذابَ الجَحِيمِ ﴾ ﴿ فَضْلا مِن رَبِّكَ ذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ ﴾ ﴿ فَإنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ ﴾ ﴿ فارْتَقِبْ إنَّهم مُرْتَقِبُونَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُمُ: "المُهْلِ": دُرْدِيُّ الزَيْتِ وعَكِرُهُ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا رَضِيَ اللهُ عنهُمُ: "المَهْلِ": ما ذابَ مِن ذَهَبٍ أو فِضَّةٍ أو حَدِيدٍ أو رَصاصٍ ونَحْوِهِ، قالَ الحَسَنُ: كانَ ابْنُ مَسْعُودٍ عَلى بَيْتِ المالِ لِعُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ بِالكُوفَةِ، فَأذابَ يَوْمًا فِضَّةً مُكَسَّرَةً، فَلَمّا انْماعَتْ، قالَ: يَدْخُلُ مَن بِالبابِ، فَدَخَلُوا، فَقالَ لَهُمْ: هَذا أشْبَهُ ما رَأيْنا في الدُنْيا بِالمُهْلِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والمَعْنى: أنَّ هَذِهِ الشَجَرَةَ إذا طَعِمَها الكافِرُ في جَهَنَّمَ صارَتْ في جَوْفِهِ تَفْعَلُ كَما يَفْعَلُ المُهْلُ السُخْنُ مِنَ الإحْراقِ والإفْسادِ، وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وعاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ: "تَغْلِي" بِالتاءِ، أيِ: الشَجَرَةُ، وهي قِراءَةُ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، وأبِي رُزَيْنٍ، والحَسَنِ، والأعْرَجِ، وأبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ، وابْنِ مُحَيْصِنٍ، وطَلْحَةَ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ: ﴿ "يَغْلِي" ﴾ بِالياءِ عَلى مَعْنى الطَعامِ، وهي قِراءَةُ مُجاهِدٍ، والحَسَنِ -بِخِلافٍ عنهُ- و ﴿ "الحَمِيمِ": ﴾ الماءُ السُخْنُ الَّذِي يَتَطايَرُ مِن غَلَيانِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ خُذُوهُ فاعْتِلُوهُ ﴾ الآيَةُ، مَعْناهُ: يُقالُ يَوْمَئِذٍ لِلْمَلائِكَةِ عن هَذا الأثِيمِ: خُذُوهُ فاعْتِلُوهُ، و"العُتُلُّ": السُوقُ بِعُنْفٍ وإهانَةٍ ودَفْعِ قَوِيٍّ مُتَّصِلٍ، كَما يُساقُ أبَدًا مُرْتَكِبُ الجَرائِمِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: "فاعْتِلُوهُ" بِضَمِّ التاءِ، والباقُونَ بِكَسْرِها، وقَدْ رُوِيَ الضَمُّ عن أبِي عَمْرٍو، وكَذَلِكَ رُوِيَ الوَجْهانِ عَنِ الحَسَنِ، وقَتادَةَ، والأعْرَجِ، و"السَواءِ": الوَسَطُ، وقِيلَ: المُعَظَّمُ، وذَلِكَ مُتَلازِمٌ، المُعَظَّمُ أبَدًا مِن مِثْلِ هَذا إنَّما هو في الوَسَطِ، وفي الآيَةِ ما يَقْتَضِي أنَّ الكافِرَ يَصُبُّ عَلى رَأْسِهِ مِن حَمِيمِ جَهَنَّمَ، وهو ما يَغْلِي فِيها مَن ذَوْبٍ، وهَذا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الحَمِيمُ ﴾ ، وإلى هَذا نَظَرَ بَعْضُ وُلاةِ المَدِينَةِ، فَإنَّهُ كانَ يَصُبُّ الخَمْرَ عَلى رَأْسِ الَّذِي شَرِبَها أو تُوجَدُ عِنْدَهُ عُقُوبَةً لَهُ وأدَبًا، ذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ حَبِيبٍ في الواضِحَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذُقْ، إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ ﴾ مُخاطَبَةٌ عَلى مَعْنى هَذا التَقْرِيعِ، ويُرْوى عن قَتادَةَ أنَّ أبا جَهْلٍ لَمّا قالَ نَزَلَتْ: ﴿ إنَّ شَجَرَتَ الزَقُّومِ ﴾ ﴿ طَعامُ الأثِيمِ ﴾ : أيَتَهَدَّدُنِي مُحَمَّدٌ -عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ- وأنا ما بَيْنَ جَبَلَيْها أعَزُّ مِنِّي وأكْرَمُ؟
فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآياتُ، وفي آخِرِها: ﴿ ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ ﴾ أيْ: عَلى قَوْلِكَ، وهَذا كَما قالَ جَرِيرٌ: ألَمْ يَكُنْ -فِي وُسُومٍ قَدْ وُسِمَتْ بِها...
مَن حانَ- مَوْعِظَةً يا زَهْرَةَ اليَمَنِ؟
يَقُولُها لِلشّاعِرِ الَّذِي سَمّى نَفْسَهُ بِهِ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: أبْلِغْ كُلَيْبًا وأبْلِغْ عنكَ شاعِرَها...
أنِّي الأعَزُّ وأنِّي زَهْرَةُ اليَمَنِ فَجاءَ بَيْتُ جَرِيرٍ عَلى هَذا الهُزْءِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "إنَّكَ" بِكَسْرِ الألِفِ، وقَرَأ الكِسائِيُّ وحْدَهُ: "أنَّكَ" بِفَتْحِ الألِفِ، والمَعْنى واحِدٌ في المَقْصِدِ وإنِ اخْتَلَفَ المَأْخَذُ إلَيْهِ، وبِفَتْحِ الألِفِ قَرَأها عَلى المِنبَرِ الحُسَيْنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رِضِيَ اللهُ عنهُما أسْنَدَها إلَيْهِ الكِسائِيُّ وأتْبَعَهُ فِيها.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ هَذا ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ ﴾ عِبارَةٌ عن قَوْلٍ يُقالُ لِلْكَفَرَةِ عِنْدَ عَذابِهِمْ، أيْ: هَذِهِ الآخِرَةُ وجَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تَشُكُّونَ فِيها.
ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى حالَةَ المُتَّقِينَ بِعِقِبِ ذِكْرِ حالَةِ الكافِرِ لِيُبَيِّنَ الفَرْقَ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: "فِي مُقامٍ أمِينٍ" بِضَمِّ المِيمِ، وهي قِراءَةُ أبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ، وقَتادَةَ، وعَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ، والحَسَنِ، والأعْرَجِ، وقَرَأ الباقُونَ: ﴿ "فِي مَقامٍ أمِينٍ" ﴾ بِفَتْحِ المِيمِ، وهي قِراءَةُ أبِي رَجاءٍ، وعِيسى، ويَحْيى، والأعْمَشِ، و"أمِينٍ": مَعْناهُ: تُؤْمَنُ فِيهِ الغِيَرُ، فَكَأنَّهُ فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، أيْ: مَأْمُونٌ فِيهِ.
وكَسَرَ عاصِمٌ العَيْنَ مِن "عِيُونٍ"، قالَ أبُو حاتِمٍ: وذَلِكَ مَرْدُودٌ عِنْدَ العُلَماءِ، ومِثْلُهُ شُيُوخٌ وبُيُوتٌ، بِكَسْرِ الشِينِ والباءِ، والسُنْدُسِ: رَقِيقُ الحَرِيرِ، و"الإسْتَبْرَقُ": خَشِنُهُ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "وَإسْتَبْرَقٍ" بِالوَصْلِ وفَتْحِ القافِ، وقَوْلُهُ: ﴿ "مُتَقابِلِينَ" ﴾ وصْفٌ لِمَجالِسِ أهْلِ الجَنَّةِ، لِأنَّ بَعْضَهم لا يَسْتَدْبِرُ بَعْضًا في المَجالِسِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَذَلِكَ وزَوَّجْناهُمْ ﴾ تَقْدِيرُهُ: والأمْرُ كَذَلِكَ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "عِينٍ" وهو جَمْعُ عَيْناءَ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "بِعِيسٍ عِينٍ"، وهو جَمْعُ عَيْساءَ، أيِ: البَيْضاءُ، وكَذَلِكَ هي مِنَ النُوقِ، وقَرَأ عِكْرِمَةُ: "بِحُورِ عِينٍ" بِغَيْرِ تَنْوِينٍ في "حُورٍ"، وأضافَها إلى "عِينٍ"، قالَ أبُو الفَتْحِ: الإضافَةُ هُنا تُفِيدُ ما تُفِيدُ الصِفَةُ، ورَوى أبُو قُرْصافَةَ عَنِ النَبِيِّ أنَّهُ قالَ: « "إخْراجُ القُمامَةِ مِنَ المَسْجِدِ مِن مُهُورِ الحُورِ العِينِ".» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَدْعُونَ فِيها ﴾ مَعْناهُ: يَدْعُونَ الخِدْمَةَ والمُتَصَرِّفِينَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا المَوْتَةَ الأُولى ﴾ قَدَّرَ قَوْمٌ "إلّا" بِـ"سِوى"، وضَعَّفَ ذَلِكَ الطَبَرِيُّ، وقَدَّرَها بِـ"بَعْدُ"، ولَيْسَ تَضْعِيفُهُ بِصَحِيحٍ، بَلْ يَصِحُّ المَعْنى بِسِوى ويَتَّسِقُ، وَأمّا مَعْنى الآيَةِ: فَبَيِّنٌ أنَّهُ تَعالى نَفى عنهم ذَوْقَ المَوْتِ، وأنَّهُ لا يَنالُهم مِن ذَلِكَ غَيْرُ ما تَقَدَّمَ في الدُنْيا.
والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "يَسَّرْناهُ" ﴾ عائِدٌ عَلى القُرْآنِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ "بِلِسانِكَ" ﴾ مَعْناهُ: بِلُغَةِ العَرَبِ، ولَمْ يُرِدِ الجارِحَةَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فارْتَقِبْ إنَّهم مُرْتَقِبُونَ ﴾ مَعْناهُ: فارْتَقِبْ نَصْرَنا لَكَ، إنَّهم مُرْتَقِبُونَ -فِيما يَظُنُّونَ- الدَوائِرَ عَلَيْكَ، وفي هَذِهِ الآيَةِ وعْدٌ لَهُ ، ووَعِيدٌ لَهُمْ، وفِيها مُتارَكَةٌ، وهَذا وما جَرى مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَيْفِ.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ الدُخانِ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.
﴿ متقابلين ﴾ .
اعتراض وقد تقدم بيان معناه عن قوله تعالى: ﴿ كذلك وقد أحطنا بما لديه خُبْراً ﴾ في سورة الكهف (91).
وتقدم نظيره آنفاً في هذه السورة.
﴿ كَذَلِكَ وزوجناهم بِحُورٍ ﴾ ﴿ عِينٍ * يَدْعُونَ فِيهَا بِكلِّ فاكهة ءَامِنِينَ * لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا الموت ﴾ .
معنى ﴿ زوجناهم ﴾ جعلناهم أزواجاً جمع زوج ضد الفرد، أي جعلنا كل فرد من المتقين زوجاً بسبب نساءٍ حور العيون.
والزوج هنا كناية عن القرين، أي قرنَّا بكل واحد نساءً حوراً عيناً، وليس فعل ﴿ زوجناهم ﴾ هنا مشتقاً من الزوج الشائععِ إطلاقُه على امرأة الرجل وعلى رجل المرأة لأن ذلك الفعل يتعدى بنفسه يقال: زوجه ابنتَه وتزوج بنت فلان، قال تعالى: ﴿ زوَّجناكها ﴾ [الأحزاب: 37]، وليس ذلك بمراد هنا إذ لا طائل تحته، إذ ليس في الجنة عقود نكاح، وإنما المراد أنهم مأنوسون بصحبة حبائب من النساء كما أنسوا بصحبة الأصحاب والأحبة من الرجال استكمالاً لمتعارف الأنس بين الناس.
وفي كلا الأنسين نعيم نفساني منجرّ للنفس من النعيم الجثماني، وَهذا معنًى ساممٍ من معاني الانبساط الروحي وإنما أفسد بعضه في الدّنيا ما يخالط بعضه من أحوال تجرّ إلى فساد منهي عنه مثل ارتكاب المحرم شرعاً ومثل الاعتداء على المرأة قسراً، ومن مصطلحات متكلفة، وقد سمى الله سكوناً فقال: ﴿ ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنُوا إليها وجعل بينكم مودةً ورحمةً ﴾ [الروم: 21].
والحور: جمع الحوراء، وهي البيضاء، أي بنساء بضيضات الجلد.
والعِين: جمع العيناء، وهي واسعة العين، وتقدم في سورة الصافات.
وشمل الحور العين النساء الّلاءِ كُنَّ أزواجهن في الدنيا، ونساءً يخلقهن الله لأجل الجنة قال تعالى: ﴿ إنا أنشأناهن إنشاءً ﴾ [الواقعة: 35] وقال تعالى: ﴿ هم وأزواجهم في ظلالٍ ﴾ [يس: 56].
ومعنى ﴿ يدعون فيها بكل فاكهة ﴾ أي هم يأمرون بأن تحضر لهم الفاكهة، أي فيجابون.
والدعاء نوع من الأمر أي يأذنون بكل فاكهة، أي بإحضار كل فاكهة.
و ﴿ كل ﴾ هنا مستعملة في الكثرة الشديدة لكل واحد منهم ويجوز أن تكون بمعنى الإحاطة، أي بكل صنف من أصناف الفاكهة.
والفاكهة: ما يتفكه به، أي يتلذذ بطعمه من الثمار ونحوها.
وجملة ﴿ يدعون ﴾ حال من ﴿ المتقين ﴾ [الدخان: 51]، و ﴿ آمنين ﴾ حال من ضمير ﴿ يدعون ﴾ .
والمراد هنا أمن خاص غير الذي في قوله: ﴿ في مقاممٍ أمينٍ ﴾ [الدخان: 51] وهو الأمن من الغوائل والآلام من تلك الفواكه على خلاف حال الإكثار من الطعام في الدنيا كقوله في خمر الجنة ﴿ لا فيها غوْلُ ولا هم عنها ينزفون ﴾ [الصافات: 47]، أو آمنين من نفاد ذلك وانقطاعه.
وجملة ﴿ لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى ﴾ حال أخرى.
وهذه بشارة بخلود النعمة لأن الموت يقطع ما كان في الحياة من النعيم لأصحاب النعيم كما كان الإعلام بأن أهل الشرك لا يموتون نذارة بدوام العذاب.
والاستثناء في قوله: ﴿ إلا الموتة الأولى ﴾ من تأكيد الشيء بما يشبه ضده لزيادة تحقيق انتفاء ذوق الموت عن أجل الجنة فكأنه قيل لا يذوقون الموت البتة وقرينة ذلك وصفها ب ﴿ الأولى ﴾ .
والمراد ب ﴿ الأولى ﴾ السالفة، كما تقدم آنفاً في قوله: ﴿ إن هي إلا موتتنا الأولى ﴾ [الدخان: 35].
﴿ الاولى ووقاهم عَذَابَ ﴾ ﴿ الجحيم * فَضْلاً مِّن رَّبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الفوز العظيم ﴾ .
عطف على ﴿ وزوجناهم بحور عين ﴾ وهذا تذكير بنعمة السلامة مما ارتبك فيه غيرهم.
وذلك مما يحمد الله عليه كما ورد أن من آداب من يرى غيره في شدة أو بأس أن يقول: الحمد لله الذي عافاني مما هو فيه.
وضمير ﴿ وقاهم ﴾ عائد إلى ضمير المتكلم في ﴿ وزوجناهم ﴾ على طريقة الالتفات.
و ﴿ فضلاً ﴾ حال من المذكورات.
والخطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم وذكر الرب إظهار في مقام الإضمار ومقتضى الظاهر أن يقال: فضلاً منه أو منا.
ونكتة هذا الإظهار تشريف مقام النبي صلى الله عليه وسلم والإيماء إلى أن ذلك إكرام له لإيمانهم به.
وجملة ﴿ ذلك هو الفوز العظيم ﴾ تذييل، والإشارة في ﴿ ذلك هو الفوز العظيم ﴾ لتعظيم الفضل ببعد المرتبة.
وأتي بضمير الفصل لتخصيص الفوز بالفضل المشار إليه وهو قصر لإفادة معنى الكمال كأنه لا فوز غيره.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنَّ المُتَّقِينَ في مَقامٍ أمِينٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أمِينٌ مِنَ الشَّيْطانِ والأحْزانِ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: أمِينٌ مِنَ العَذابِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
الثّالِثُ: مِنَ المَوْتِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ يَلْبَسُونَ مِن سُنْدُسٍ وإسْتَبْرَقٍ ﴾ فِيهِما ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ السُّنْدُسَ الحَرِيرُ الرَّقِيقُ، والإسْتَبْرَقَ الدِّيباجُ الغَلِيظُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
الثّانِي: السُّنْدُسُ يُعْمَلُ بِسُوقِ العِراقِ وهو أفْخَرُ الرَّقْمِ، قالَهُ يَحْيى، والإسْتَبْرَقُ الدِّيباجُ سُمِّيَ إسْتَبْرَقًا لِشِدَّةِ بَرِيقِهِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
الثّالِثُ: أنَّ السُّنْدُسَ ما يَلْبَسُونَهُ، والإسْتَبْرَقَ ما يَفْتَرِشُونَهُ.
وَفِي ﴿ مُتَقابِلِينَ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: مُتَقابِلِينَ بِالمَحَبَّةِ لا مُتَدابِرِينَ بِالبِغْضَةِ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسى.
الثّانِي: مُتَقابِلِينَ في المَجالِسِ لا يَنْظُرُ بَعْضُهم قَفا بَعْضٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَإنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ، وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ جَعَلْناهُ بِلِسانِكَ عَرَبِيًّا.
الثّانِي: أطْلَقْنا بِهِ لِسانَكَ تَيْسِيرًا.
﴿ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: يَرْجِعُونَ.
الثّانِي: يَعْتَبِرُونَ.
﴿ فارْتَقِبْ إنَّهم مُرْتَقِبُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: فانْتَظِرْ ما وعَدْتُكَ مِنَ النَّصْرِ عَلَيْهِمْ.
إنَّهم مُنْتَظِرُونَ بِكَ المَوْتَ، حَكاهُ النَّقّاشُ.
الثّانِي: وانْتَظِرْ ما وعَدْتُكَ مِنَ الثَّوابِ فَإنَّهم مِنَ المُنْتَظِرِينَ لِما وعَدْتَهم مِنَ العِقابِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
أخرج سعيد بن منصور عن أبي مالك قال: إن أبا جهل كان يأتي بالتمر والزبد فيقول تزقموا بهذا الزقوم الذي يعدكم به محمد، فنزلت ﴿ إن شجرة الزقوم طعام الأثيم ﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم والخطيب في تاريخه عن سعيد بن جبير في الآية قال: ﴿ الأثيم ﴾ أبو جهل.
وأخرج أبو عبيد في فضائله وابن الأنباري وابن المنذر عن عون بن عبدالله أن ابن مسعود أقرأ رجلاً ﴿ إن شجرة الزقوم طعام الأثيم ﴾ فقال الرجل: طعام اليتيم فرددها عليه فلم يستقم بها لسانه، فقال: أتستطيع أن تقول: طعام الفاجر؟
قال: نعم.
قال: فافعل.
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه عن همام بن الحارث قال: كان أبو الدرداء يقرئ رجلاً ﴿ إن شجرة الزقوم طعام الأثيم ﴾ فجعل الرجل يقول: طعام اليتيم.
فلما رأى أبو الدرداء أنه لا يفهم قال: إن شجرة الزقوم طعام الفاجر.
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ خذوه فاعتلوه ﴾ قال: ادفعوه.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ ذق إنك أنت العزيز الكريم ﴾ يقول: لست بعزيز ولا كريم.
وأخرج الأموي في مغازيه عن عكرمة قال: «لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا جهل، فقال: إن الله أمرني أن أقول لك ﴿ أولى لك فأولى، ثم أولى لك فأولى ﴾ [ القيامة: 34-35] قال: فنزع يده من يده، وقال: ما تستطيع لي أنت ولا صاحبك من شيء لقد علمت أني أمنع أهل بطحاء وأنا العزيز الكريم، فقتله الله يوم بدر وأذله وعيره بكلمته ﴿ ذق إنك أنت العزيز الكريم ﴾ » .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة قال: قال أبو جهل: أيوعدني محمد وأنا أعز من مشى بين جبليها فنزلت ﴿ ذق إنك أنت العزيز الكريم ﴾ .
وأخرج ابن المنذر عن قال: أخبرت أن أبا جهل قال: يا معشر قريش أخبروني ما اسمي؟
فذكرت له ثلاثة أسماء عمرو والجلاس وأبو الحكم، قال: ما أصبتم اسمي ألا أخبركم؟
قالوا: بلى.
قال: اسمي العزيز الكريم.
فنزلت ﴿ إن شجرة الزقوم ﴾ الآيات.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة قال لما نزلت ﴿ خذوه فاعتلوه إلى سواء الجحيم ﴾ قال أبو جهل: ما بين جبليها رجل أعز ولا أكرم مني فقال الله: ﴿ ذق إنك أنت العزيز الكريم ﴾ .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ إن شجرة الزقوم طعام الأثيم ﴾ قال: أبو جهل.
وأخرج ابن مردويه عن أبيّ بن كعب «أنه كان يقرئ رجلاً فارسياً فكان إذا قرأ عليه ﴿ إن شجرة الزقوم طعام الأثيم ﴾ قال: طعام اليتيم فمر به النبي صلى الله عليه وسلم فقال: قل له طعام الظالم فقالها ففصح بها لسانه» .
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن وعمرو بن ميمون إنهما قرآ ﴿ كالمهل تغلي في البطون ﴾ بالتاء.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد ﴿ خذوه فاعتلوه ﴾ فاقصفوه كما يقصف الحطب.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن الضحاك ﴿ خذوه فاعتلوه إلى سواء الجحيم ﴾ قال: خذوه فادفعوه في وسط الجحيم.
وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير ﴿ إلى سواء الجحيم ﴾ قال: وسط الجحيم.
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ ذق إنك أنت العزيز الكريم ﴾ قال: هو يومئذ ذليل ولكنه يستهزأ به كما كنت تعزز في الدنيا وتكرم بغير كرم الله وعزه.
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ إن المتقين في مقام أمين ﴾ قال: أمنوا الموت والعذاب.
وأخرج ابن أبي شيبة عن الضحاك في قوله: ﴿ في مقام أمين ﴾ قال: أمنوا الموت أن يموتوا، وأمنوا الهرم أن يهرموا ولا يجوعوا ولا يعروا.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ إن المتقين في مقام أمين ﴾ قال أمين من الشيطان والأوصاب والأحزان وفي قوله: ﴿ وزوجناهم بحور عين ﴾ قال: بيض عين.
قال: وفي قراءة ابن مسعود بعيس عين وفي قوله: ﴿ يدعون فيها بكل فاكهة آمنين ﴾ قال: أمنوا من الموت والأوصاب والشيطان.
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ وزوجناهم بحور عين ﴾ قال: أنكحناهم حوراً والحور التي يحار فيها الطرف بادياً يرى مخ سوقهن من وراء ثيابهن ويرى الناظر وجهه في كبد إحداهن كالمرآة من رقة الجلد وصفاء اللون.
وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله: ﴿ حور عين ﴾ قال الحوراء البيضاء الممتعة.
قال: وهل تعرف العرب ذلك قال: نعم أما سمعت الأعشى الشاعر وهو يقول: وحور كأمثال الدمى ومناصف ** وماء وريحان وراح يصفق وأخرج البيهقي في البعث عن عطاء في قوله: ﴿ بحور عين ﴾ قال: سوداء الحدقة عظيمة العين.
وأخرج هناد بن السري وعبد بن حميد عن الضحاك في قوله: ﴿ بحور عين ﴾ قال الحور البيض والعين العظام الأعين.
وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خلق الحور العين من الزعفران» .
وأخرج ابن مردويه والخطيب عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الحور العين خلقن من زعفران» .
وأخرج ابن جرير عن ليث بن أبي سليم قال: بلغني أن الحور العين خلقن من الزعفران.
وأخرج ابن جرير عن مجاهد قال: خلق الحور العين من الزعفران.
وأخرج ابن المبارك عن زيد بن أسلم قال: إن الله لم يخلق الحور العين من تراب إنما خلقهن من مسك وكافور وزعفران.
وأخرج ابن أبي الدنيا في صفة الجنة وابن أبي حاتم عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو أن حوراء بزقت في بحر لجي لعذب ذلك البحر من عذوبة ريقها» .
وأخرج ابن أبي الدنيا عن ابن عمرو قال: لشفر المرأة أطول من جناح النسر.
وأخرج ابن أبي الدنيا عن ابن عباس قال: لو أن حوراء أخرجت كفها بين السماء والأرض لافتتن الخلائق بحسنها، ولو أخرجت نصيفها لكانت الشمس عند حسنه مثل الفتيلة في الشمس لا ضوء لها، ولو أخرجت وجهها لأضاء حسنها ما بين السماء والأرض.
وأخرج ابن مردويه والديلمي عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حور العين خلقهن من تسبيح الملائكة» .
وأخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد رضي الله عنه أنه قال: ليوجد ريح المرأة من الحور العين من مسيرة خمسمائة سنة.
وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة رضي الله عنه في قوله: ﴿ وزوّجناهم بحور عين ﴾ قال: هي لغة يمانية، وذلك أن أهل اليمن يقولون: زوجنا فلاناً بفلانة.
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه قال: في قراءة ابن مسعود «لا يذقون فيها طعم الموت» .
وأخرج ابن مردويه عن أنس رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يجاء بالموت يوم القيامة في صورة كبش أملح، فيوقف بين الجنة والنار، فيعرفه هؤلاء، ويعرفه هؤلاء، فيقول أهل النار: اللهم سلطه علينا، ويقول أهل الجنة: اللهم إنك قضيت أن لا نذوق فيها الموت إلا الموتة الأولى، فيذبح بينهما، فييأس أهل النار من الموت، ويأمن أهل الجنة من الموت» .
وأخرج البزار والطبراني في الأوسط وابن مردويه والبيهقي في البعث بسند صحيح عن جابر رضي الله عنه قال: «قيل يا رسول الله أينام أهل الجنة؟
قال: لا، النوم أخو الموت، وأهل الجنة لا يموتون ولا ينامون» .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ فإنما يسرناه بلسانك ﴾ يعني القرآن، وفي قوله: ﴿ فارتقب إنهم مرتقبون ﴾ فانتظر إنهم منتظرون.
قوله: ﴿ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ ﴾ قال أبو عبيدة: جعلناهم أزواجاً كلما يزوج النعل بالنعل، جعلناهم اثنين اثنين (١) (٢) ﴿ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا ﴾ ولو كان على تزوجت بها، لكان زوجناك بها، قال ابن سلام وقال أبو البيداء تميم (٣) (٤) وقال الفراء: هي لغة في أزد شنوءة (٥) ﴿ وَزَوَّجْنَاهُمْ ﴾ من التزويج الذي هو بمعنى: جعل الشيء زوجًا، لا بمعنى عقد النكاح، ومن هذا يجوز أن يقال: كان فردًا وزوجته بآخر، كما يقال شفعته بآخر، فإنما يمتنع الباء عند من يمتنع إذا كان بمعنى التزويج، ونحو هذا قال الأخفش في هذه الآية: جعلناهم أزواجًا بالحور (٦) وقال مجاهد: أنكحناهم الحور العين التي يحار فيها الطرف، باديًا مخ سوقهن من وراء ثيابهن، ويرى الناظر وجهه في كبد إحداهن كالمِرْآة، من رقة الجلد وصفاء اللون (٧) (٨) وقال ابن عباس: الحور في لغة العرب: البيض (٩) وقال مقاتل: الحور: البيض الوجوه، العين: الحسان الأعين (١٠) وأصل الحور البياض والتحوير التبييض، وذكرنا ذلك في تفسير الحوريين، وعين حوراء، إذا اشتد بياضُها، واشتد سوادُ سوادها، ولا تسمى المرأة [حمراء] (١١) (١٢) وقال أبو عبيد: الحوراء: الشديدة بياض العين الشديدة سوادها (١٣) (١٤) (١٥) قال الحسن: الحور العين، عجائزكم ينشئهن الله خلقًا آخر (١٦) (١٧) (١) انظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 209.
(٢) انظر: "الصحاح" (زوج) 1/ 320.
(٣) لم أهتد إلى ترجمته.
(٤) انظر: "تهذيب اللغة" (زاج)) 1/ 152 بلفظ: تقول العرب زوجته، و"اللسان" (زوج) 2/ 293.
(٥) انظر: قول الفراء في "تهذيب اللغة" (زاج) 11/ 152، ولم أقف عليه في معاني الفراء.
(٦) انظر: "معاني القرآن" للأخفش 2/ 691.
(٧) أخرج ذلك الطبري عن مجاهد 13/ 136، وانظر: "تفسير مجاهد" ص 598، ونسبه ابن حجر في "تغليق التعليق" لمجاهد، انظر: 4/ 310.
(٨) ذكره الطبري بلفظ: (بيض عين)، ونسبه لقتادة، انظر.
"تفسير الطبري" 13/ 136، وقال القرطبي: الحور: البيض في قول قتادة والعامة، انظر: "الجامع" 16/ 152.
(٩) ذكر ذلك الألوسي ونسبه لابن عباس والضحاك وغيرهما، انظر: "روح المعاني" 25/ 135، ونسبه القرطبي لقتادة والعامة، انظر: "الجامع" 16/ 152.
(١٠) انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 826.
(١١) كذا في الأصل وهو تصحيف والصحيح (حوراء).
(١٢) انظر: "تهذيب اللغة" (حار) 5/ 229.
(١٣) انظر: اللسان (حور) 4/ 218، وغريب الحديث لأبي عبيد (حور) 1/ 217.
(١٤) كذا في الأصل وفي "تهذيب اللغة": (والجميع منها عين).
انظر: قول اللحياني في "تهذيب اللغة" (عان) 3/ 206.
(١٥) انظر: "تفسير الطبري" 13/ 136، و"معاني القرآن" للزجاج 6/ 416، و"معاني القرآن" للفراء 3/ 44، و"المحتسب" لابن جني 2/ 261، و"الجامع لأحكام القرآن" 16/ 152.
(١٦) لم أقف عليه.
(١٧) لم أقف عليه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ مِن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ ﴾ السندس الرقيق من الديباج والاستبرق الغليظ منه ﴿ كَذَلِكَ ﴾ في موضع رفع أي الأمر كذلك، أو في موضع نصب أي مثل ذلك زوّجناهم ﴿ يَدْعُونَ فِيهَا ﴾ أي يدعون خدامهم ﴿ إِلاَّ الموتة الأولى ﴾ استثناء منقطع، والمعنى لا يذوقون فيها الموت: قد ذاقوا الموتة الأولى خاصة قبل ذلك، ولولا قوله: ﴿ فِيهَا ﴾ لكان متصلاً لعموم لفظ الموت، وقيل: إلا هنا بمعنى بعد وذلك ضعيف.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ رب السموات ﴾ بالجر على البدل ﴿ من ربك ﴾ : عاصم وحمزة وعلي وخلف.
الباقون: بالرفع ﴿ أني آتيكم ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو ﴿ ترجموني ﴾ ﴿ فاعتزلوني ﴾ بالياء في الحالين: يعقوب وافق ورش وسهل وعباس في الوصل ﴿ لي ﴾ بالفتح: ورش ﴿ فكهين ﴾ بغير الألف: يزيد ﴿ يغلي ﴾ على التذكير والضمير للطعام: ابن كثير وحفص والمفضل ورويس وابن مجاهد عن ابن ذكوان.
الباقون: بتاء التأنيث والضمير للشجرة ﴿ فاعتلوه ﴾ بضم التاء: ابن كثير ونافع وابن عامر وسهل ويعقوب.
الآخرون: بالكسر ﴿ ذق أنك ﴾ بفتح الهمزة على حذف لام التعليل.
﴿ في مقام ﴾ بضم الميم من الإقامة: أبو جعفر ونافع وابن عامر.
الوقوف: ﴿ حم ﴾ كوفي ه ﴿ المبين ﴾ ه لا ومن لم يقف على ﴿ حم ﴾ وقف على ﴿ المبين ﴾ ﴿ منذرين ﴾ ه ﴿ حكيم ﴾ ه ط بناء على أن التقدير أمرنا أمراً ﴿ من عندنا ﴾ ط ﴿ مرسلين ﴾ ه ج لاحتمال أن ﴿ رحمة ﴾ مفعول له أو به أو التقدير رحمنا رحمة ﴿ من ربك ﴾ ط ﴿ العليم ﴾ ه لا لمن خفض ﴿ رب ﴾ ﴿ بينهما ﴾ ط ﴿ موقنين ﴾ ه ﴿ ويميت ﴾ ط ﴿ الأولين ﴾ ه ﴿ يلعبون ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه ط ﴿ الناس ﴾ ط ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ مؤمنون ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه لا للعطف ﴿ مجنون ﴾ ه لئلا يوهم أن ما بعده من قول الكفار ﴿ عائدون ﴾ ه م لئلا يظن أن ما بعده ظرف للعود ﴿ الكبرى ﴾ ج لاحتمال التعليل ﴿ منتقمون ﴾ ه ﴿ كريم ﴾ ه لا ﴿ عباد الله ﴾ ط ﴿ أمين ﴾ ه ﴿ على الله ﴾ ج ﴿ مبين ﴾ ه ج ﴿ ترجمون ﴾ ه ﴿ فاعتزلون ﴾ ه ﴿ مجرمون ﴾ ه ﴿ متبعون ﴾ ه لا ﴿ رهوا ﴾ ط ﴿ مغرقون ﴾ ه ﴿ وعيون ﴾ ه لا ﴿ كريم ﴾ ه لا ﴿ فاكهين ﴾ ه لا لأن المعنى تركوها مهيأة كما كانت ﴿ آخرين ﴾ ه ﴿ منظرين ﴾ ه ﴿ المهين ﴾ ه لا ﴿ من فرعون ﴾ ط ﴿ المفسرين ﴾ ه ﴿ العالمين ﴾ ه ج ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ ليقولون ﴾ ه لا ﴿ بمنشرين ﴾ ه ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ تبع ﴾ لا للعطف ﴿ من قبلهم ﴾ ط لتناهي الاستفهام إلى ابتداء الأخبار ﴿ أهلكناهم ﴾ ج لأن التعليل أوضح ﴿ مجرمين ﴾ ه ﴿ لاعبين ﴾ ه ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ أجمعين ﴾ ه لا لأن ما بعده بدل ﴿ ولا هم ينصرون ﴾ ه لا ﴿ رحم الله ﴾ ط ﴿ الرحيم ﴾ ه ﴿ الأثيم ﴾ ه ج لاحتمال أن يكون ﴿ كالمهل ﴾ خبراً بعد خبر أو خبر مبتدأ محذوف ﴿ في البطون ﴾ لا ﴿ الحميم ﴾ ه ﴿ الجحيم ﴾ ه ﴿ الحميم ﴾ ه ط لأن التقدير قولوا أو يقال له ذق ﴿ الكريم ﴾ ه ﴿ تمترون ﴾ ه ﴿ أمين ﴾ ه لا ﴿ وعيون ﴾ ه ج لاحتمال ما بعده الاستئناف والحال ﴿ متقابلين ﴾ ه ج لاحتمال أن يراد كما ذكرنا من حالهم قبل أو يكون التقدير الأمر كذلك ﴿ عين ﴾ ه ج لئلا يوهم أن ما بعده صفة للحور ﴿ آمنين ﴾ ه لا لأن ما بعده صفة فإن الأمن لا يتم إلا به ﴿ الأولى ﴾ ج لأن ما بعده يصلح استئنافاً وحالاً بإضمار قد ﴿ الجحيم ﴾ ه لا لأن ﴿ فضلاً ﴾ مفعول به ﴿ من ربك ﴾ ط ﴿ العظيم ﴾ ه ﴿ يتذكرون ﴾ ه ﴿ مرتقبون ﴾ ه.
التفسير: أقسم بالقرآن ﴿ إنا أنزلناه في ليلة مباركة ﴾ لأن من شأننا الإنذار والتخويف من العقاب وإنما أنزل في هذه الليلة خصوصاً لأن إنزال القرآن أشرف الأمور الحكمية، وهذه الليلة يفرق فيها كل أمر ذي حكمة فالجملتان - أعني قوله ﴿ إنا كنا منذرين فيها يفرق على أمر حكيم ﴾ كالتفسير لجواب القسم قال صاحب النظم: ليس من عادتهم أن يقسموا بنفس الشيء إذا أخبروا عنه فجواب القسم ﴿ إنا كنا منذرين ﴾ وقوله ﴿ إنا أنزلناه ﴾ اعتراض.
والجمهور على الأول ولا بأس لأن المعنى إنا أنزلنا القرآن على محمد ولم يتقوله، ويحتمل أن القسم وقع على إنزاله في ليلة مباركة.
وأكثر المفسرين على أنها ليلة القدر لقوله ﴿ إنا أنزلناه في ليلة القدر ﴾ وليلة القدر عند الأكثرين من رمضان.
ونقل محمد بن جرير الطبري في تفسيره عن قتادة أنه قال: نزلت صحف إبراهيم في أول ليلة من رمضان، والتوراة لست ليال منه، والزبور لاثنتي عشرة مضت، والإنجيل لثمان عشرة منه، والفرقان لأربع وعشرين مضت، والليلة المباركة هي ليلة القدر.
وزعم بعضهم كعكرمة وغيره أنها ليلة النصف من شعبان.
وما رأيت لهم دليلاً يعوَّل عليه.
قالوا: وتسمى ليلة البراءة أيضاً وليلة الصك لأن الله يكتب لعباده المؤمنين البراءة من النار في هذه الليلة.
وروي أن النبي قال: " من صلى في هذه الليلة مائة ركعة أرسل الله إليه مائة ملك ثلاثون يبشرونه بالجنة وثلاثون يؤمنونه من عذاب النار وثلاثون يدفعون عنه آفات الدنيا وعشراً يدفعون عنه مكايد الشيطان." " وقال " "إن الله يرحم أمتي في هذه الليلة بعدد شعر أغنام بني كلب" وقال: " إن الله يغفر لجميع المسلمين في تلك الليلة إلا لكاهن أو ساحر أو ساخر أو مدمن خمر أو عاق للوالدين أو مصر على الزنا" ومما أعطى فيها رسول الله تمام الشفاعة وذلك أنه سأل ليلة الثالث عشر من شعبان في أمته فأعطى الثلث منها، ثم سأل ليلة الرابع عشر منها فأعطى الثلثين، ثم سأل ليلة الخامس عشر فأعطى الجميع إلا من شرد على الله شراد البعير.
ومن عادة الله عز وجل في هذه الليلة أن يزيد فيها ماء زمزم زيادة ظاهرة.
وبعضهم أراد أن يجمع بين القولين فقال: ابتدىء بانتساخ القرآن من اللوح المحفوظ ليلة البراءة ووقع الفراغ في ليلة القدر.
والمباركة الكثيرة الخير ولو لم يوجد فيها إلا إنزال القرآن لكفى به بركة.
ومعنى ﴿ يفرق ﴾ يفصل ويكتب ﴿ كل أمر ﴾ هو ضد النهي أو كل أمر له شأن من أرزاق العباد وآجالهم وجميع أمورهم إلى العام القابل، فيدفع نسخة الأرزاق إلى ميكائيل، ونسخة الحروب والزلازل والصواعق والخسوف إلى جبرائيل، ونسخة الأعمال إلى إسماعيل صاحب سماء الدنيا، ونسخة المصائب إلى ملك الموت.
وقيل: يعطي كل عامل بركات أعماله فيلقى على ألسنة الخلق مدحه وعلى قلوبهم هيبته.
وفي انتصاب ﴿ أمراً ﴾ وجوه: إما أن يكون حالاً من ﴿ أمر حكيم ﴾ لأنه قريب من المعرفة أو من الهاء في ﴿ أنزلناه ﴾ أو من الفاعل أي آمرين، أو على المصدر لأمر، أو على الاختصاص لأن كونه من عند الله يوجبه مزيد شرف وفخامة، أو يكون مصدراً من غير لفظ الفعل وهو ﴿ يفرق ﴾ لأنه إذا حكم بالشيء وفصله وكتبه فقد أوجبه وأمر به قوله ﴿ إنا كنا مرسلين ﴾ يجوز أن يكون بدلاً من قوله ﴿ إنا كنا منذرين ﴾ أي أنزلنا القرآن لأن من شأننا إرسال الرسل وإنزال الكتب إلى عبادنا لأجل الرحمة، ويحتمل كونه تعليلاً ليفرق، أو لقوله ﴿ أمراً من عندنا ﴾ وقوله ﴿ من ربك ﴾ وضع للظاهر موضع الضمير إيذاناً بأن الربوبية تقتضي الرحمة.
ثم حقق ربوبيته بقوله ﴿ إنه هو السميع العليم ﴾ إلى قوله الأولين.
ومعنى الشرط في قوله ﴿ إن كنتم موقنين ﴾ نظير ما هو في أول الشعراء وذلك أنهم كانوا مقرين بأنه رب السموات والأرض.
قيل لهم: إن كنتم على بصيرة وإيقان من ذلك فلا تشكوا فيه، أو إن كنتم موقنين بشيء فأيقنوا بما أخبرتكم، أو إن كنتم تريدون اليقين فاعلموا ذلك.
وقيل: إن نافية ثم رد أن يكونوا موقنين بقوله ﴿ بل هم في شك يلعبون ﴾ في الدنيا أو يستهزؤون بنا فلا جرم أوعدهم بقوله ﴿ فارتقب ﴾ و ﴿ يوم ﴾ مفعول به أي انتظره.
والأكثرون على أن هذا الدخان من أمارات القيامة فإن الدنيا ستصير كبيت لاخصاص له مملوء دخاناً يدخل في أنوف الكفار وآذانهم فيكونون كالسكارى، ويصيب المؤمن فيه كالزكام فيبقى ذلك أربعين.
وعن حذيفة أن النبي قال "أول الآيات الدخان ونزول عيسى ابن مريم ونار تخرج من قعر عدن أبين تسوق الناس إلى المحشر" أبين بكسر الهمزة وفتحها اسم رجل بنى هذه البلدة ونزل بها.
وقيل: الدخان يكون في القيامة إذا خرجوا من قبورهم يحيط بالخلائق ويغشاهم.
وقيل: الدخان الشر والفتنة.
وعن ابن مسعود: خمس قد مضت الروم والدخان والقمر والبطشة واللزام.
وذلك أن قريشاً لما استصعبت على رسول الله عليهم فقال: اللهم اشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم سنين كسني ويوسف.
فأصابهم اللزام وهو القحط حتى أكلوا الجيف، وكان الرجل يرى بين السماء والأرض الدخان فيسمع كلام صاحبه ولا يراه من الدخان.
فمشى إليه أبو سفيان ونفر معه وناشدوه الله والرحم، وواعدوه إن دعا لهم وكشف عنهم أن يؤمنوا.
فلما كشف عنهم من الدخان رجعوا إلى شركهم وذلك قوله ﴿ هذا عذاب ﴾ أي قائلين هذا إلى آخره.
ثم استبعد منهم الاتعاظ بقوله ﴿ أنى لهم الذكرى وقد جاءهم ﴾ ما هو أعظم من كشف الدخان وهو القرآن المعجز وغيره فلم يتذكروا ﴿ وتولوا عنه ﴾ واتهموه بأنه إنما يعلمهن بشر ونسبوه إلى الجنون.
ومعنى "ثم" تبعيد الحالتين.
ثم بين أنهم يعودون إلى الكفر عقيب كشف العذاب عنهم زماناً قليلاً.
واعلم أن ارتدادهم إلى الكفر أمر ممكن سواء يجعل الدخان من أمارات القيامة أو يقال إنه قد مضى.
والبطشة الكبرى القيامة أو يوم بدر على التفسيرين.
و ﴿ يوم ﴾ ظرف لما دل عليه منتقمون فإن ما بعد " أن " لا يعمل فيما قبله.
وقيل: بدل من ﴿ يوم تأتي السماء ﴾ ثم سلى رسوله بقصة موسى.
ومعنى ﴿ فتنا ﴾ امتحنا وقد وصفه بالكرم لأنه كان حبيباً في قومه أو بكرم خلقه، أو المراد أنه لم يخاشنهم في التبليغ كما قال ﴿ فقولا له قولاً ليناً ﴾ "وأن" مفسرة لأن مجيء الرسول يتضمن القول، أو مخففة من الثقيلة، أو مصدرية والياء محذوف.
و ﴿ عباد الله ﴾ مفعول به لقوله { ﴿ أرسل معنا بني إسرائيل ﴾ أو منادى والمعنى أدوا إليَّ يا عباد الله ما هو واجب عليكم من الإيمان والطاعة.
والقصة مذكورة في "الشعراء" وغيرها و ﴿ وأن ترجمون ﴾ أن تقتلون أو تشتمون بالنسبة إلى الكذب والسحر ﴿ وإن لم تؤمنوا لي ﴾ أي لم تصدقوني ففارقوني وكونوا بمعزل عني لا عليّ ولا لي ﴿ فدعا ربه ﴾ شاكياً ﴿ أن هؤلاء قوم مجرمون ﴾ مصرون على الكفر ﴿ فأسر ﴾ أي فأجبنا دعاءه وقلنا له أسر وكان من دعائه اللهم عجل لهم ما يستحقونه بإجرامهم.
ويحتمل أن يكون الدعاء وهو ما في "يونس" ﴿ ربنا اطمس على أموالهم ﴾ وفي ﴿ رهواً ﴾ وجهان: أحدهما ساكناً أي لا تضربه.
ثانياً واتركه على هيئته من انتصاب الماء وكون الطريق يبساً.
وذلك أن موسى أراد أن يضربه ثانياً حتى ينطبق ويزول الانفلاق خوفاً من أن يدركهم قوم فرعون، والله أراد أن يدخل القبط البحر ثم يطبقه عليهم، وثانيهما أن الرهو الفجوة الواسعة أي اتركه مفتوحاً منفرجاً على حاله.
والنعمة بفتح النون التنعم والباقي مذكور في "الشعراء".
وقوله ﴿ فما بكت ﴾ كان إذا مات الرجل الخطير قالوا في تعظيم مصيبته بكت عليه السماء والأرض وأظلمت الدنيا، ومنه الحديث "وما من مؤمن مات في غربة غابت فيها بواكيه إلا بكت عليه السماء" وفيه تمثيل وتخييل وتهكم بهم أنهم كانوا يستعظمون أنفسهم ويعتقدون أنهم لو ماتوا لقال الناس فيهم ذلك، فأخبر ما كانوا في هذا الحد بل كانوا أنهم دون ذلك.
وجوز كثير من المفسرين أن يكون البكاء حقيقة وجعلوا الخسوف والكسوف والحمرة التي تحدث في السماء وهبوب الرياح العاصفة من ذلك.
قال الواحدى في البسيط: روي أنس بن مالك أن النبي قال: " ما من عبد إلا له في السماء بابان باب يخرج منه رزقه وباب يدخل فيه عمله، فإذا مات فقداه وبكيا عليه وتلا هذه الآية " .
ثم إن هؤلاء الكفار لم يكن لهم عمل صالح يصعد إلى السماء فلا جرم لم تبك عليهم.
وعن الحسن: أراد أهل السماء والأرض أي ما بكت عليهم الملائكة والمؤمنون بل كانوا بهلاكهم مسرورين ﴿ وما كانوا إذا منظرين ﴾ أي لما جاء وقت هلاكهم لم يمهلوا إلى الآخرة بل عجل لهم في الدنيا.
قوله ﴿ من فرعون ﴾ بدل من العذاب بل جعل في نفسه عذاباً مهيناً لشدة شكيمته وفرط عتوه.
وقيل: المضاف محذوف أي من عذابه.
وقيل: تقديره المهين الصادر من فرعون، وفي قراءة ابن عباس ﴿ من فرعون ﴾ على الاستفهام أي ما ظنكم بعذاب من تعرفونه أنه عال قاهر عات مجاوز حد الاعتدال.
ثم ثنى على بني إسرائيل بقوله ﴿ ولقد اخترناهم ﴾ بإيتاء الملك والنبوة ﴿ على علم ﴾ منا باستحقاقهم ذلك وقيامهم بالشكر عليه على عالمي زمانهم.
ولا ريب أن هذا قبل التحريف.
وقيل: أي على علم منا بأنه يبدو منهم بوادر وتفريطات والبلاء النعمة أو المحنة، والآيات هي التسع وغيرها.
ثم عاد إلى ما انجر الكلام فيه وهو قوله ﴿ بل هم في شك يلعبون ﴾ فقال ﴿ إن هؤلاء ﴾ يعني كفار قريش ﴿ ليقولون إن هي إلا موتتنا الأولى ﴾ قال المفسرون: يؤل إلى ما حكى عنهم في موضع آخر ﴿ إن هي إلا حياتنا الدنيا ﴾ \[المؤمنون: 37\] وذلك أن النزاع إنما وقع في موتة تعقبها حياة فأنكروا أن تكون موتة بهذا الوصف إلا الموتة الأولى وهو حال كونهم نطفاً.
ويحتمل أن يراد إن هي أي الصفة أو النهاية أو الحالة أو العاقبة إلا الموتة الأولى، وليست إثباتاً لموتة ثانية إنما هو كقولك: حج فلان الحجة الأولى، ومات ﴿ وما نحن بمنشرين ﴾ أنشر الله الموتى أحياهم ﴿ فأتوا ﴾ أيها النبي والذين آمنوا معه ﴿ بآبائنا إن كنتم صادقين ﴾ يروى أنهم طلبوا من النبي أن يجعل الله لهم إحياء الموتى فينشر كبيرهم قصي بن كلاب ليشاوروه في صحة نبوة محمد وصحة البعث، فلم يجبهم الله تعالى إلى ذلك ولكنه أوعدهم بقوله ﴿ أهم خير أم قوم تبع ﴾ أي ليسوا بخير منهم في العدد والعز والمنعة.
ابن عباس: تبع نبي.
أبو هريرة عن النبي " لا أدري تبع نبياً كان أم غير نبي" رواه الثعلبي عن عائشة كان رجلاً صالحاً ذم الله قومه ولم يذمه.
وإنما خصهم بالذكر لقربهم من العرب زماناً ومكاناً.
وعن سعيد بن جبير كسا البيت.
وقال قتادة: كان من حمير سار فبنى الحيرة وسمرقند.
وقال أبو عبيدة: هم ملوك اليمن يسمى كل واحد منهم تبعاً لكثرة تبعه، أو لأنه يتبع صاحبه وهو بمنزلة الخليفة للمسلمين، وكسرى للفرس، وقيصر للروم، وجمعه تبابعة، وكان يكتب إذا كتب بسم الذي ملك براً وبحراً.
ثم برهن على صحة البعث بقوله ﴿ وما خلقنا ﴾ إلى آخره، وقد مر في "الأنبياء" وفي "ص" نظيره.
وإنما جمع السموات ههنا لموافقة قوله في أول السورة ﴿ رب السموات ﴾ وسمى يوم القيامة يوم الفصل لأنه يفصل بين عباده في الحكم والقضاء، أو يفصل بين أهل الجنة وأهل النار، أو يفصل بين المؤمنين وبين ما يكرهون وللكافرين بينهم وبين وما يشتهونه فيفصل بين الوالد وولده والرجل وزوجته والمرء وخليله.
والمولى في الآية يحتمل الولي والناصر والمعين وابن العم، والمراد أن أحداً منهم بأي معنى فرض لا يتوقع منه النصرة.
والضمير في ﴿ لا ينصرون ﴾ للمولى الثاني لأنه جمع في المعنى لعمومه وشياعه.
وقوله ﴿ إلا من رحم الله ﴾ في محل الرفع على البدل أو في محل النصب على الاستثناء ﴿ إنه هو العزيز ﴾ الغالب على من عصى ﴿ الرحيم ﴾ لمن أطاع.
ثم أراد أن يختم السورة بوعيد الفجار ووعد الأبرار فقال ﴿ إن شجرت الزقوم ﴾ وقد مر تفسيرها في الصافات.
و ﴿ الأثيم ﴾ مبالغة الآثم ولهذا يمكن أن يقال: إنه مخصوص بالكافر.
والمهل دردي الزيت وقد مر في "الكهف".
ولعل وجه التشبيه هو بشاعة الطعم كما أن الوجه في قوله ﴿ طلعها كأنه رؤوس الشياطين ﴾ هو كراهة المنظر ثم وصفه بشدة الحرارة قائلاً ﴿ يغلي ﴾ إلى آخره.
ثم أخبر أنه يقول للزبانية ﴿ خذوه ﴾ أي خذوا الأثيم ﴿ فاعتلوه ﴾ جروه بعنف وغلظة كأن يؤخذ بتلبيبه فيجر إلى وسط النار.
ومنه العتل للجافي الغليظ.
وقوله ﴿ من عذاب الحميم ﴾ دون أن يقول "من الحميم" تهويل سلوك لطريق الاستعارة لأنه إذا صب عليه الحميم فقد صب عليه عذابه وشدته.
يروي أن أبا جهل قال لرسول الله : ما بين جبليها أعز ولا أمنع مني فوالله ما تستطيع أنت ولا ربك أن تفعلا بي " شيئاً " فنزلت الآية.
أي يقال له ذق لأنك أنت العزيز الكريم عند نفسك وفيه من التهكم ما فيه ﴿ إن هذا ﴾ العذاب ﴿ ما كنتم به تمترون ﴾ تشكون.
ثم شرع في وعد الأبرار والمقام الأمين ذو الأمن، أو أصله من الأمانة لأن المكان المخيف كأنما يخوف صاحبه بما يلقى فيه من المكاره.
وقوله ﴿ وزوجناهم ﴾ اختلفوا في أن هذا اللفظ هل يدل على حصول عقد التزوج أم لا.
والأكثرون على نفيه، وأن المراد قرناهم بهن.
وقيل: زوجته امرأة وزوجته بامرأة لغتان.
وهكذا اختلفوا في الحور.
فعن الحسن: هن عجائزكم ينشئهن الله خلقاً آخر.
وقال أبو هريرة: لسن من نساء الدنيا.
﴿ يدعون ﴾ أي يحكمون ويأمرون في الجنة بإحضار ما يشتهون من الفواكه في أي وقت ومكان ﴿ آمنين ﴾ من التخم والتبعات، ثم أخبر عن خلودهم بقوله ﴿ لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى ﴾ قال جار الله: هو من باب التعليق بالمحال كأنه قيل: إن كانت الموتة الأولى يستقيم ذوقها في المستقبل فإنهم يذوقونها.
وقيل: الاستثناء منقطع أي لكن الموتة الأولى قد ذاقوها.
وقال أهل التحقيق: إن الجنة حقيقتها ابتهاج النفس وفرحها بمعرفة الله وبمحبته.
فالإنسان الكامل هو في الدنيا في الجنة.
وفي الآخرة أيضاً في الجنة فقد صح أنه لم يذق في الجنة إلا الموتة الأولى.
ثم ختم الكلام بفذلكته والمعنى ذكرناهم بالكتاب المبين فأسهلناه حيث أنزلناه بلغتك إرادة تذكرهم فانتظر ما يحل فإنهم يتربصون بك الدوائر.
قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ ﴾ فيه لغتان: ﴿ مَقَامٍ ﴾ بالرفع، و ﴿ مَقَامٍ ﴾ بالنصب: فمن قرأ بالنصب فهو موضع المقام، وهو المنزل والمسكن؛ معناه: في مسكن أمين؛ أي: آمنوا فيها من الآفات والأوصاب والأسقام.
ومن قرأ برفع الميم فهو المصدر؛ يعني: الإقامة؛ أي: يقيمون فيها، آمنين عن الخروج عنها والزوال، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * يَلْبَسُونَ مِن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُّتَقَابِلِينَ ﴾ ، قالوا: السندس: ما رق من الديباج، والإستبرق: ما غلظ منه.
ثم يحتمل أن يكون ما ذكر من اللبس لما رق منه، فأما ما غلظ منه فإنه يبسط، وإن كان ذكر اللبس فيهما - في الظاهر - يتناول ما رق منه وما غلظ، فالمراد من ذكر اللبس يرجع إلى ما يلبس، وهو الذي يرق منه ويدق.
وجائز في اللغة أن يذكر الشيئان باسم أحدهما إذا كان بينهما ازدواج في الجملة عادة أو حقيقة، والله أعلم.
ويحتمل أنه إنما ذكرهما جميعاً؛ لما يكون من رغبة الناس إليهما جميعاً في الدنيا، فرغبهم في الآخرة، ووعد لهم أن يكون لهم ذلك، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مُّتَقَابِلِينَ ﴾ يخبر أن مجلسهم في الجنة نحو مجلسهم في الدنيا مقابل بعضهم بعضا، حيث قال: ﴿ كَذَلِكَ ﴾ على إثر ذلك، يكونون في الجنة كما كانوا في الدنيا من مقابلة بعض بعضاً، واجتماعهم في المجلس في الشراب وغيره، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ ﴾ .
قال بعضهم: ﴿ بِحُورٍ ﴾ أي: ببيض الوجوه، و ﴿ عِينٍ ﴾ ، أي: حسان الأعين.
وقال بعض أهل الأدب: الحور في العين هو شدة سواد سوادها وبياض بياضها، ويقال: امرأة حوراء، ونسوة حور، ورجل أحور، وقوم حور، والعيناء: الحسنة العينين؛ يقال: رجل أعين، ورجال عين، وامرأة عيناء، ونسوة عين، فالجماعة على هيئة واحدة في هذا الباب في المذكر والمؤنث، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يَدْعُونَ فِيهَا بِكلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ ﴾ .
تأويله - والله أعلم - أي: ثمار الجنة وفواكهها، لس لها فساد ولا انقطاع، ولا نقصان، ولا زوال ﴿ يَدْعُونَ ﴾ يسألون أن أحضروها، لا يسألون كما يسألون في الدنيا هل بقي شيء، أو هل عندكم شيء من الفواكه؟
ونحو ذلك؛ لما ذكرنا أن لثمار الدنيا انقطاع وفناء، وليس لثمار الجنة وفواكهها كذلك، لذلك ما ذكرنا، والله أعلم.
وقوله: ﴿ آمِنِينَ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: ﴿ آمِنِينَ ﴾ عن انقطاع فواكهها وثمارها وما ذكر.
ويحتمل ﴿ آمِنِينَ ﴾ فيها في الجنة ليس لهم خوف الخروج عنها والزوال، وآمنون عن جميع الآفات التي تكون في الدنيا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا ٱلْمَوْتَ إِلاَّ ٱلْمَوْتَةَ ٱلأُولَىٰ ﴾ والإشكال: أنه نفى الموت في الجنة واستثنى الموتة الأولى، وليس في الجنة موت أصلا، كيف يستثني الموتة الأولى وأن ظاهر الاستثناء أن يكون [من] جنس المستثنى منه، فيوهم أن يكون في الجنة موت؟!
قال بعضهم: إن "لا" بمعنى غير وسوى، وفيه إضمار، كأنه [قال]: لا يذوقون فيها - أي: في الجنة - الموت سوى الموتة الأولى [التي] ذاقوا في الدنيا؛ لأن الموتة التي ذاقوا وهي الموتة الأولى لا يتصور ذوقها ثانياً، [و]لو كان يكون مثلها، ولأن الجنة ليست محل الموت، فكأن المراد ما قلنا، أي: لا يذوقون في الجنة الموت سوى الموت الذي ذاقوا في الدنيا، وهو كقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ ءَابَآؤُكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ...
﴾ الآية [النساء: 22]؛ أي: سوى ما قد سلف، ﴿ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً ﴾ في ذلك الوقت؛ على أحد التأويلين، والله أعلم.
وعندنا يخرج تأويله على وجهين: أحدهما: لا يذوقون فيها الموت إلا ما ذاقوا من الموتة الأولى؛ لأنه ذكر في الخبر أنه: "يؤتى بالموت يوم القيامة على صورة كبش أملح - أو كذا - فيذبح بين أيديهم، فعند ذلك يأمنون الموت هنالك" والله أعلم.
والثاني: لا يذوقون فيها الموت ولا يرونه إلا الموتة الأولى التي رأوها في الدنيا، تلك يعرفونها ويذكرونها، فأما سواها فلا، والذوق سبب المعرفة، فاستعير للمعرفة مجازاً، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَوَقَاهُمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ ﴾ ليس هو تخصيص وقاية عذاب الجحيم فحسب؛ بل المراد نفيهم العذاب كله، لكن الجحيم معظم النار، فذكره كناية عن الكل، فضلا منه، ليس باستحقاق منهم بالأعمال، على ما تقدم ذكره في غير موضع.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ذَلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ ﴾ الفوز بأحد شيئين: إما الظفر بما يأمل ويرجو، فإذا ظفر بذلك يقال: فاز، وإما النجاة مما يحذر ويخاف إذا حذر أمراً وخافه فيخلص من ذلك [و] يقال: فأيهما كان فهو فوز، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلْعَظِيمُ ﴾ جميع أمور الآخرة وحالها سمي: عظيماً، من العذاب والنعيم؛ قال الله - - ﴿ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ و ﴿ عَذَابٌ عظِيمٌ ﴾ و ﴿ فَوْزاً عَظِيماً ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ ﴾ هذا يخرج على وجهين: أحدهما: كأنه يقول: فإنما أنزلنا القرآن بلسانك ويسرناه للذكر؛ ليلزمهم التذكر؛ لأنه أنزله بلسانه ويسره لقومه؛ لأنه لو كان منزلا بغير لسانه، لم يكن ميسراً لهم للذكر، وهو ما ذكر في آية أخرى: ﴿ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا ٱلْقُرْآنَ ﴾ أخبر أنه يسره للذكر؛ لأنه يسره باللسان، ولكن معناه ما ذكرنا: أنه أنزله بلسانه ويسره للذكر، والله أعلم.
والثاني: فإنما يسرناه على لسانك كي تذكره وتحفظه بلا كتابة ولا نظر في كتاب؛ لأنه ذكر أنه كان - -: يحفظ سورة طويلة إذا تلا عليه جبريل - صلوات الله عليه - وقد آمنه الله - وتعالى - عن النسيان بقوله - -: ﴿ سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَىٰ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ﴾ هو يخرج على وجوه: أحدها: لكي يلزمهم التذكر.
ويحتمل: لكي يتذكروا ما قد نسوا من حق الله الذي عليهم.
أو ليتعظوا بمواعظ الله .
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱرْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُّرْتَقِبُونَ ﴾ على وجهين: أحدهما: ارتقب ما وعد الله أن ينزل بهم من العذاب فإنهم مرتقبون هلاكك وانقطاعك ونحوه.
أو يقول: ارتقب، ولا تكافئهم، ولا تدع عليهم بالهلاك، فإنهم مرتقبون بما ألقى الشيطان في أمنيتهم بأن ملكك يزول، وأنه يعود إليهم، والله أعلم.
وفي حرف ابن مسعود - -: ﴿ فارتقبهم إنهم مرتقبون ﴾ والارتقاب: الانتظار، والله أعلم.
كما أكرمناهم بذلك المذكور زوجناهم في الجنة بالحسان من النساء واسعات الأعين مع شدّة بياض بياضها وشدّة سواد سوادها.
<div class="verse-tafsir" id="91.KYp6z"