الإسلام > القرآن > سور > سورة 48 الفتح > الآية ١ من سورة الفتح
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 161 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١ من سورة الفتح: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
تفسير سورة الفتح وهي مكية تفسير سورة الفتح وهي مكية .
قال الإمام أحمد حدثنا وكيع ، حدثنا شعبة ، عن معاوية بن قرة قال : سمعت عبد الله بن مغفل يقول : قرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عام الفتح في مسيره سورة الفتح على راحلته فرجع فيها - قال معاوية : لولا أني أكره أن يجتمع الناس علينا لحكيت لكم قراءته ، أخرجاه من حديث شعبة به .
بسم الله الرحمن الرحيم ( إنا فتحنا لك فتحا مبينا ( 1 ) ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطا مستقيما ( 2 ) وينصرك الله نصرا عزيزا ( 3 ) ) .
نزلت هذه السورة الكريمة لما رجع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الحديبية في ذي القعدة من سنة ست من الهجرة ، حين صده المشركون عن الوصول إلى المسجد الحرام ليقضي عمرته فيه ، وحالوا بينه وبين ذلك ، ثم مالوا إلى المصالحة والمهادنة ، وأن يرجع عامه هذا ثم يأتي من قابل ، فأجابهم إلى ذلك على تكره من جماعة من الصحابة ، منهم عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - كما سيأتي تفصيله في موضعه من تفسير هذه السورة إن شاء الله .
فلما نحر هديه حيث أحصر ، ورجع ، أنزل الله عز وجل ، هذه السورة فيما كان من أمره وأمرهم ، وجعل ذلك الصلح فتحا باعتبار ما فيه من المصلحة ، وما آل الأمر إليه ، كما روي عن ابن مسعود - رضي الله عنه - وغيره أنه قال : إنكم تعدون الفتح فتح مكة ، ونحن نعد الفتح صلح الحديبية .
وقال الأعمش ، عن أبي سفيان ، عن جابر قال : ما كنا نعد الفتح إلا يوم الحديبية .
وقال البخاري : حدثنا عبيد الله بن موسى ، عن إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن البراء قال : تعدون أنتم الفتح فتح مكة ، وقد كان فتح مكة فتحا ، ونحن نعد الفتح بيعة الرضوان يوم الحديبية ، كنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أربع عشرة مائة ، والحديبية بئر .
فنزحناها فلم نترك فيها قطرة ، فبلغ ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأتاها فجلس على شفيرها ، ثم دعا بإناء من ماء فتوضأ ، ثم تمضمض ودعا ، ثم صبه فيها ، فتركناها غير بعيد ، ثم إنها أصدرتنا ما شئنا نحن وركائبنا .
وقال الإمام أحمد : حدثنا أبو نوح ، حدثنا مالك بن أنس ، عن زيد بن أسلم ، عن أبيه ، عن عمر بن الخطاب قال : كنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في سفر ، قال : فسألته عن شيء - ثلاث مرات - فلم يرد علي ، قال : فقلت لنفسي : ثكلتك أمك يابن الخطاب ، نزرت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثلاث مرات فلم يرد عليك ؟
قال : فركبت راحلتي فتقدمت مخافة أن يكون نزل في شيء ، قال : فإذا أنا بمناد ينادي : يا عمر ، أين عمر ؟
قال : فرجعت وأنا أظن أنه نزل في شيء ، قال : فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " نزلت علي الليلة سورة هي أحب إلي من الدنيا وما فيها : ( إنا فتحنا لك فتحا مبينا .
ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ) .
ورواه البخاري ، والترمذي ، والنسائي من طرق ، عن مالك ، رحمه الله ، وقال علي بن المديني : هذا إسناد مديني [ جيد ] لم نجده إلا عندهم .
وقال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق ، أخبرنا معمر ، عن قتادة ، عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال : نزلت على النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ) مرجعه من الحديبية ، قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " لقد أنزلت علي آية أحب إلي مما على الأرض " ، ثم قرأها عليهم النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالوا : هنيئا مريئا يا نبي الله ، لقد بين الله - عز وجل - ماذا يفعل بك ، فماذا يفعل بنا ؟
فنزلت عليه : ( ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات ) حتى بلغ : ( فوزا عظيما ) [ الفتح : 5 ] ، أخرجاه في الصحيحين من رواية قتادة به .
وقال الإمام أحمد : حدثنا إسحاق بن عيسى ، حدثنا مجمع بن يعقوب ، قال : سمعت أبي يحدث عن عمه عبد الرحمن بن أبي يزيد الأنصاري عن عمه مجمع بن جارية الأنصاري - وكان أحد القراء الذين قرءوا القرآن - قال : شهدنا الحديبية فلما انصرفنا عنها إذا الناس ينفرون الأباعر ، فقال الناس بعضهم لبعض : ما للناس ؟
قالوا : أوحي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فخرجنا مع الناس نوجف ، فإذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على راحلته عند كراع الغميم ، فاجتمع الناس عليه ، فقرأ عليهم : ( إنا فتحنا لك فتحا مبينا ) ، قال : فقال رجل من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أي رسول الله ، وفتح هو ؟
قال : " إي والذي نفس محمد بيده ، إنه لفتح " .
فقسمت خيبر على أهل الحديبية لم يدخل معهم فيها أحد إلا من شهد الحديبية ، فقسمها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ثمانية عشر سهما ، وكان الجيش ألفا وخمسمائة فارس ، فأعطى الفارس سهمين ، وأعطى الراجل سهما .
رواه أبو داود في الجهاد عن محمد بن عيسى ، عن مجمع بن يعقوب ، به .
وقال ابن جرير : حدثنا محمد بن عبد الله بن بزيع ، حدثنا أبو بحر ، حدثنا شعبة ، حدثنا جامع بن شداد ، عن عبد الرحمن بن أبي علقمة ، قال : سمعت عبد الله بن مسعود يقول : لما أقبلنا من الحديبية أعرسنا فنمنا ، فلم نستيقظ إلا بالشمس قد طلعت ، فاستيقظنا ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - نائم ، قال : فقلنا : " امضوا " .
فاستيقظ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : فقال : " افعلوا ما كنتم تفعلون وكذلك [ يفعل ] من نام أو نسي " .
قال : وفقدنا ناقة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فطلبناها ، فوجدناها قد تعلق خطامها بشجرة ، فأتيته بها فركبها ، فبينا نحن نسير إذ أتاه الوحي ، قال : وكان إذا أتاه [ الوحي ] اشتد عليه ، فلما سري عنه أخبرنا أنه أنزل عليه : ( إنا فتحنا لك فتحا مبينا ) .
وقد رواه أحمد وأبو داود ، والنسائي من غير وجه ، عن جامع بن شداد به .
وقال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرحمن ، حدثنا سفيان عن زياد بن علاقة ، قال : سمعت المغيرة بن شعبة يقول : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي حتى ترم قدماه ، فقيل له : أليس قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ؟
فقال : " أفلا أكون عبدا شكورا " .
أخرجاه وبقية الجماعة إلا أبا داود من حديث زياد به .
وقال الإمام أحمد : حدثنا هارون بن معروف ، حدثنا ابن وهب ، حدثني أبو صخر ، عن ابن قسيط ، عن عروة بن الزبير ، عن عائشة ، قالت : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا صلى قام حتى تتفطر رجلاه .
فقالت له عائشة : يا رسول الله ، أتصنع هذا وقد غفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ؟
فقال : " يا عائشة ، أفلا أكون عبدا شكورا ؟
" .
أخرجه مسلم في الصحيح من رواية عبد الله بن وهب ، به .
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا علي بن الحسين ، حدثنا عبد الله بن عون الخراز - وكان ثقة بمكة - حدثنا محمد بن بشر حدثنا مسعر ، عن قتادة ، عن أنس ، قال : قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى تورمت قدماه - أو قال ساقاه - فقيل له : أليس قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ؟
قال : " أفلا أكون عبدا شكورا ؟
" غريب من هذا الوجه .
فقوله : ( إنا فتحنا لك فتحا مبينا ) أي : بينا ظاهرا ، والمراد به صلح الحديبية فإنه حصل بسببه خير جزيل ، وآمن الناس واجتمع بعضهم ببعض ، وتكلم المؤمن مع الكافر ، وانتشر العلم النافع والإيمان .
القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (1) يعني بقوله تعالى ذكره لنبيه محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم ( إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا ) يقول: إنا حكمنا لك يا محمد حكما لمن سمعه أو بلغه على من خالفك وناصبك من كفار قومك, وقضينا لك عليهم بالنصر والظفر, لتشكر ربك, وتحمده على نعمته بقضائه لك عليهم, وفتحه ما فتح لك, ولتسبحه وتستغفره, فيغفر لك بفعالك ذلك ربك, ما تقدّم من ذنبك قبل فتحه لك ما فتح, وما تأخَّر بعد فتحه لك ذلك ما شكرته واستغفرته.
وإنما اخترنا هذا القول في تأويل هذه الآية لدلالة قول الله عزّ وجلّ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا على صحته, إذ أمره تعالى ذكره أن يسبح بحمد ربه إذا جاءه نصر الله وفتح مكة, وأن يستغفره, وأعلمه أنه توّاب على من فعل ذلك, ففي ذلك بيان واضح أن قوله تعالى ذكره .
سورة الفتح .مدنية بإجماع ، وهي تسع وعشرون آية .
ونزلت ليلا بين مكة والمدينة في شأن الحديبية .
روى محمد بن إسحاق عن الزهري عن عروة عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم ، قالا : نزلت سورة الفتح بين مكة والمدينة في شأن الحديبية من أولها إلى آخرها .
وفي الصحيحين عن زيد بن أسلم عن أبيه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يسير في بعض أسفاره وعمر بن الخطاب يسير معه ليلا فسأله عمر عن شيء فلم يجبه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ثم سأله فلم يجبه ، ثم سأله فلم يجبه ، فقال عمر بن الخطاب : ثكلت أم عمر ، نزرت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثلاث مرات كل ذلك لم يجبك ، فقال عمر : فحركت بعيري ثم تقدمت أمام الناس وخشيت أن ينزل في قرآن ، فما نشبت أن سمعت صارخا يصرخ بي ، فقلت : لقد خشيت أن يكون نزل في قرآن ، فجئت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسلمت عليه ، فقال : لقد أنزلت علي الليلة سورة لهي أحب إلي مما طلعت عليه الشمس - ثم قرأ - إنا فتحنا لك فتحا مبينا لفظ البخاري .
وقال الترمذي : حديث حسن غريب صحيح .
وفي صحيح مسلم عن قتادة أن أنس بن مالك حدثهم قال : لما نزلت : إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطا مستقيما - إلى قوله - فوزا عظيما مرجعه من الحديبية وهم يخالطهم الحزن والكآبة ، وقد نحر الهدي بالحديبية ، فقال : لقد أنزلت علي آية هي أحب إلي من الدنيا جميعا .
وقال عطاء عن ابن عباس : إن اليهود شتموا النبي - صلى الله عليه وسلم - [ ص: 238 ] والمسلمين لما نزل قوله تعالى : وما أدري ما يفعل بي ولا بكم قالوا : كيف نتبع رجلا لا يدري ما يفعل به فاشتد ذلك على النبي - صلى الله عليه وسلم - فأنزل الله تعالى : إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ونحوه قال مقاتل بن سليمان : لما نزل قوله تعالى : وما أدري ما يفعل بي ولا بكم فرح المشركون والمنافقون وقالوا : كيف نتبع رجلا لا يدري ما يفعل به ولا بأصحابه ، فنزلت بعدما رجع من الحديبية : إنا فتحنا لك فتحا مبينا أي : قضينا لك قضاء .
فنسخت هذه الآية تلك .
فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : [ لقد أنزلت علي سورة ما يسرني بها حمر النعم ] .
وقال المسعودي : بلغني أنه من قرأ سورة الفتح في أول ليلة من رمضان في صلاة التطوع حفظه الله ذلك العام .بسم الله الرحمن الرحيم .قوله تعالى : إنا فتحنا لك فتحا مبينا .اختلف في هذا الفتح ما هو ؟
ففي البخاري حدثني محمد بن بشار قال حدثنا غندر قال حدثنا شعبة قال سمعت قتادة عن أنس إنا فتحنا لك فتحا مبينا قال : الحديبية .
وقال جابر : ما كنا نعد فتح مكة إلا يوم الحديبية .
وقال الفراء : تعدون أنتم الفتح فتح مكة وقد كان فتح مكة فتحا ونحن نعد الفتح بيعة الرضوان يوم الحديبية ، كنا نعد مع النبي - صلى الله عليه وسلم - أربع عشرة مائة ، والحديبية بئر .
وقال الضحاك : إنا فتحنا لك فتحا مبينا بغير قتال .
وكان الصلح من الفتح .
وقال مجاهد : هو منحره بالحديبية وحلقه رأسه .
وقال : كان فتح الحديبية آية عظيمة ، نزح ماؤها فمج فيها فدرت بالماء حتى شرب جميع من كان معه .
وقال موسى بن عقبة : قال رجل عند منصرفهم من الحديبية : ما هذا بفتح ، لقد صدونا عن البيت .
فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : [ بل هو أعظم الفتوح قد رضي المشركون أن يدفعوكم عن بلادهم بالراح ويسألوكم القضية ويرغبوا إليكم في الأمان وقد رأوا منكم ما كرهوا ] .
وقال الشعبي في قوله تعالى : [ ص: 239 ] إنا فتحنا لك فتحا مبينا قال : هو فتح الحديبية ، لقد أصاب بها ما لم يصب في غزوة ، غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، وبويع بيعة الرضوان ، وأطعموا نخل خيبر ، وبلغ الهدي محله ، وظهرت الروم على فارس ، ففرح المؤمنون بظهور أهل الكتاب على المجوس .
وقال الزهري : لقد كان الحديبية أعظم الفتوح ، وذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جاء إليها في ألف وأربعمائة ، فلما وقع الصلح مشى الناس بعضهم في بعض وعلموا وسمعوا عن الله ، فما أراد أحد الإسلام إلا تمكن منه ، فما مضت تلك السنتان إلا والمسلمون قد جاءوا إلى مكة في عشرة آلاف .
وقال مجاهد أيضا والعوفي : هو فتح خيبر .
والأول أكثر ، وخيبر إنما كانت وعدا وعدوه ، على ما يأتي بيانه في قوله تعالى : سيقول المخلفون إذا انطلقتم وقوله : وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها فعجل لكم هذه .
وقال مجمع بن جارية - وكان أحد القراء الذين قرءوا القرآن - : شهدنا الحديبية مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فلما انصرفنا عنها إذا الناس يهزون الأباعر ، فقال بعض الناس لبعض : ما بال الناس ؟
قالوا : أوحى الله إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - .
قال : فخرجنا نوجف فوجدنا نبي الله - صلى الله عليه وسلم - عند كراع الغميم ، فلما اجتمع الناس قرأ النبي - صلى الله عليه وسلم - إنا فتحنا لك فتحا مبينا فقال عمر بن الخطاب : أوفتح هو يا رسول الله ؟
قال : [ نعم ، والذي نفسي بيده إنه لفتح ] .
فقسمت خيبر على أهل الحديبية ، لم يدخل أحد إلا من شهد الحديبية .وقيل : إن قوله تعالى : فتحا يدل على أن مكة فتحت عنوة ; لأن اسم الفتح لا يقع مطلقا إلا على ما فتح عنوة .
هذا هو حقيقة الاسم .
وقد يقال : فتح البلد صلحا ، فلا يفهم الصلح إلا بأن يقرن بالفتح ، فصار الفتح في الصلح مجازا .
والأخبار دالة على أنها فتحت عنوة ، وقد مضى القول فيها ، ويأتي .
هذا الفتح المذكور هو صلح الحديبية، حين صد المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم لما جاء معتمرا في قصة طويلة، صار آخر أمرها أن صالحهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على وضع الحرب بينه وبينهم عشر سنين، وعلى أن يعتمر من العام المقبل، وعلى أن من أراد أن يدخل في عهد قريش وحلفهم دخل، ومن أحب أن يدخل في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعقده فعل.وبسبب ذلك لما أمن الناس بعضهم بعضا، اتسعت دائرة الدعوة لدين الله عز وجل، وصار كل مؤمن بأي محل كان من تلك الأقطار، يتمكن من ذلك، وأمكن الحريص على الوقوف على حقيقة الإسلام، فدخل الناس في تلك المدة في دين الله أفواجا، فلذلك سماه الله فتحا، ووصفه بأنه فتح مبين أي: ظاهر جلي، وذلك لأن المقصود في فتح بلدان المشركين إعزاز دين الله، وانتصار المسلمين، وهذا حصل بذلك الفتح.
مدنية،خبرنا أبو الحسن محمد بن محمد السرخسي ، أخبرنا أبو علي زاهر بن أحمد السرخسي ، أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي ، أخبرنا أبو مصعب ، عن مالك ، عن زيد بن أسلم ، عن أبيه أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - كان يسير مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بعض أسفاره فسأله عمر عن شيء فلم يجبه ، ثم سأله فلم يجبه ، ثم سأله فلم يجبه ، فقال عمر : ثكلتك أمك يا عمر نزرت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثلاث مرات ، كل ذلك لا يجيبك ، قال عمر : فحركت بعيري ثم تقدمت أمام الناس ، وخشيت أن ينزل في قرآن ، فما لبثت أن سمعت صارخا يصرخ بي ، فجئت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسلمت عليه ، فقال : " لقد أنزلت علي الليلة سورة لهي أحب إلي مما طلعت عليه الشمس ، ثم قرأ : " إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر " .
أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي ، أخبرنا أبو عمر بكر بن محمد المزني ، حدثنا أبو بكر محمد بن عبد الله حفيد العباس بن حمزة ، حدثنا الحسين بن الفضل البجلي ، حدثنا عفان ، حدثنا همام ، حدثنا قتادة ، حدثنا أنس قال : نزلت على النبي - صلى الله عليه وسلم - : " إنا فتحنا لك فتحا مبينا " إلى آخر الآية ، مرجعه من الحديبية وأصحابه مخالطهم الحزن والكآبة ، فقال : " نزلت علي آية هي أحب إلي من الدنيا جميعا " ، فلما تلاها نبي الله - صلى الله عليه وسلم - قال رجل من القوم : هنيئا مريئا لك قد بين الله لك ما يفعل بك ، فماذا يفعل بنا ؟
فأنزل الله الآية التي بعدها : " ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار " ، حتى ختم الآية .
اختلفوا في هذا الفتح : روي عن أبي جعفر الرازي عن قتادة عن أنس : أنه فتح مكة ، وقال مجاهد : فتح خيبر .
والأكثرون على أنه صلح الحديبية .
ومعنى الفتح فتح المنغلق ، والصلح مع المشركين بالحديبية كان متعذرا حتى فتحه الله - عز وجل - .
ورواه شعبة عن قتادة عن أنس : " إنا فتحنا لك فتحا مبينا " ، قال : الحديبية .
أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أخبرنا محمد بن يوسف ، حدثنا محمد بن إسماعيل ، حدثنا عبيد الله بن موسى ، عن إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن البراء قال : تعدون أنتم الفتح فتح مكة ، وقد كان فتح مكة فتحا ، ونحن نعد الفتح بيعة الرضوان ، يوم الحديبية كنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - أربع عشرة مائة ، والحديبية بئر ، فنزحناها فلم نترك فيها قطرة ، فبلغ ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - فأتاها فجلس على شفيرها ، ثم دعا بإناء من ماء فتوضأ ثم تمضمض ودعا ثم صبه فيها فتركناها غير بعيد ، ثم إنها أصدرتنا ما شئنا نحن وركابنا .
وقال الشعبي في قوله : " إنا فتحنا لك فتحا مبينا " ، قال : فتح الحديبية ، غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، وأطعموا نخل خيبر ، وبلغ الهدي محله ، وظهرت الروم على فارس ، ففرح المؤمنون بظهور أهل الكتاب على المجوس .
قال الزهري : لم يكن فتح أعظم من صلح الحديبية ، وذلك أن المشركين اختلطوا بالمسلمين فسمعوا كلامهم فتمكن الإسلام في قلوبهم ، أسلم في ثلاث سنين خلق كثير ، وكثر بهم سواد الإسلام .
قوله - عز وجل - : " إنا فتحنا لك فتحا مبينا " ، أي قضينا لك قضاء بينا .
وقال الضحاك : إنا فتحنا لك فتحا مبينا بغير قتال ، وكان الصلح من الفتح .
«إنا فتحنا لك» قضينا بفتح مكة وغيرها في المستقبل عَنوة بجهادك «فتحا مبينا» بيِّنا ظاهرا.
إنا فتحنا لك -أيها الرسول- فتحًا مبينًا، يظهر الله فيه دينك، وينصرك على عدوك، وهو هدنة "الحديبية" التي أمن الناس بسببها بعضهم بعضًا، فاتسعت دائرة الدعوة لدين الله، وتمكن من يريد الوقوف على حقيقة الإسلام مِن معرفته، فدخل الناس تلك المدة في دين الله أفواجًا؛ ولذلك سمَّاه الله فتحًا مبينًا، أي ظاهرًا جليًّا.
افتتحت سورة " الفتح " بهذه البشارات السامية ، والمدائح العالية للنبى - صلى الله عليه وسلم - افتتحت بقوله - تعالى - : ( إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً ) .والفتح فى الأصل : إزالة الأغلاق عن الشئ .
.
وفتح البلد : المقصود به الظفر به ، ووقوعه تحت سيطرة الفاتح .والذى عليه المحققون من العلماء أن المراد بالفتح هنا : صلح الحديبية وما ترتب عليه من خيرات كثيرة ، ومنافع جمة للمسلمين .ويشهد لذلك أحاديث متعددة منها : ما أخرجه البخارى وأبو داود والنسائى عن ابن مسعود قال : أقبلنا من الحديبية مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وكان قد خرج إليها - صلى الله عليه وسلم - يوم الاثنين هلال ذى القعدة ، فأقام بها بضعة عشر يوما ، ثم قفل راجعا إلى المدينة ، فينما نحن نسير إلى المدينة إذ أتاه الوحى - وكان إذا أتاه اشتد عليه - فسرى عنه وبه من السرور ما شاء الله ، فأخبرنا أنه أنزل عليه : ( إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً ) .وروى الإِمام أحمد وأبو داود عن مجمع بن جارية الأوسى قال : شهدنا الحديبية ، فلما انصرفنا منها وجدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واقفا عند كراع الغميم - موضع بين مكة والمدينة - وقد جمع الناس وقرأ عليهم : ( إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً ) الآيات .فقال رجل : يا رسول الله ، أو فتح هو؟
فقال - صلى الله عليه وسلم - : أو والذى نفسى بيده إنه لفتح .ويرى بعضهم : أن المراد بالفتح هنا : فتح مكة ، والتعبير عنه بالماضى فى قوله : ( إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً ) لتحقق الوقوع ، فهو من قبيل قوله - تعالى - : ( أتى أَمْرُ الله فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ .
.
.
) ويبدو لنا أن المراد بالفتح هنا صلح الحديبية لوجود اللآثار الصحيحة التى تشهد لذلك ، ولأن هذا الصلح قد ترتب عليه من المنافع للدعوة الإِسلامية ما يجعله من أعظم الفتوح ، إن لم يكن أعظمها .لقد ترتب عليه أن انتشر الأمان بين المسلمين والمشركين ، فاستطاع المسلمون أن ينشروا دعوة الحق فى مكة وفى غيرها ، كما استطاعوا أن ينتقلوا من مكان إلى آخر للتبشير بدينهم ، فترتب على ذلك أن دخل فى الإِسلام عدد كبير من الناس .قال الزهرى : لم يكن فتح أعظم من صلح الحديبية ، وذلك أن المشركين اختلطوا بالمسلمين ، فسمعوا كلامهم ، وتمكن الإِسلام من قلوبهم ، وأسلم خلق كثير ، وكثر بهم سواد الإِسلام .قال ابن هشام : والدليل على صحة قول الزهرى ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خرج إلى الحديبية فى الف وأربعمائة من أصحابه ثم خرج إلى مكة فى عام الفتح - بعد ذلك بسنتين - فى عشرة آلاف من أصحابه .وقد أكد - سبحانه - هذا الفتح بثلاثة أنواع من المؤكدات ، وهى " إن " والمصدر " فتحا " والوصف " مبينا " وذلك للمسارعة إلى تبشير المؤمنين بتحقق هذا الفتح ، ولإِدخال السرور على قلوبهم ، بعد تلك الشروط التى اشتمل عليها الصلح ، والتى ظنها بعضهم أن فيها إجحافا بالمسلمين .وأسند - سبحانه - الفعل إلى نون العظمة ( فَتَحْنَا ) لتفخيم شأن المخبر - عز وجل - وعلو شأن المخبَر عنه وهو الفتح .وقدم - سبحانه - الجار والمجرور ( لَكَ ) على المفعول المطلق ( فَتْحاً ) للاهتمام وللإِشعار بأن ذلك الفتح كان من أجله - صلى الله عليه وسلم - وفى ذلك ما فيه من تعظيم أمره - صلى الله عليه وسلم - ومن وجوب طاعته ، والامتثال لأمره .
وفيه مسائل: المسألة الأولى: في الفتح وجوه: أحدها: فتح مكة وهو ظاهر.
وثانيها: فتح الروم وغيرها.
وثالثها: المراد من الفتح صلح الحديبية.
ورابعها: فتح الإسلام بالحجة والبرهان، والسيف والسنان.
وخامسها: المراد منه الحكم كقوله: ﴿ رَبَّنَا افتح بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بالحق ﴾ وقوله: ﴿ ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بالحق ﴾ والمختار من الكل وجوه: أحدها: فتح مكة، والثاني: فتح الحديبية، والثالث: فتح الإسلام بالآية والبيان والحجة والبرهان.
والأول مناسب لآخر ما قبلها من وجوه: أحدها: أنه تعالى لما قال: ﴿ هَاأَنتُمْ هَؤُلاَء تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُواْ فِي سَبِيلِ الله ﴾ .
إلى أن قال: ﴿ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ ﴾ بيّن تعالى أنه فتح لهم مكة وغنموا ديارهم وحصل لهم أضعاف ما أنفقوا ولو بخلوا لضاع عليهم ذلك فلا يكون بخلهم إلا على أنفسهم ثانيها: لما قال: ﴿ والله مَعَكُمْ ﴾ وقال: ﴿ وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ ﴾ بيّن برهانه بفتح مكة، فإنهم كانوا هم الأعلون ثالثها: لما قال تعالى: ﴿ فَلاَ تَهِنُواْ وَتَدْعُواْ إِلَى السلم ﴾ وكان معناه لا تسألوا الصلح من عندكم، بل اصبروا فإنهم يسألون الصلح ويجتهدون فيه كما كان يوم الحديبية وهو المراد بالفتح في أحد الوجوه، وكما كان فتح مكة حيث أتى صناديد قريش مستأمنين ومؤمنين ومسلمين، فإن قيل: إن كان المراد فتح مكة، فمكة لم تكن قد فتحت، فكيف قال تعالى: ﴿ فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً ﴾ بلفظ الماضي؟
نقول: الجواب عنه من وجهين: أحدهما: فتحنا في حكمنا وتقديرنا ثانيهما: ما قدره الله تعالى فهو كائن، فأخبر بصيغة الماضي إشارة إلى أنه أمر لا دافع له، واقع لا رافع له.
المسألة الثانية: قوله: ﴿ لّيَغْفِرَ لَكَ الله ﴾ ينبئ عن كون الفتح سبباً للمغفرة، والفتح لا يصلح سبباً للمغفرة، فما الجواب عنه؟
نقول: الجواب عنه من وجوه: الأول: ما قيل إن الفتح لم يجعله سبباً للمغفرة وحدها، بل هو سبب لاجتماع الأمور المذكورة وهي: المغفرة، وإتمام النعمة والهداية والنصرة، كأنه تعالى قال: ليغفر لك الله ويتم نعمته ويهديك وينصرك، ولا شك أن الاجتماع لم يثبت إلا بالفتح، فإن النعمة به تمت، والنصرة بعده قد عمت الثاني: هو أن فتح مكة كان سبباً لتطهير بيت الله تعالى من رجس الأوثان، وتطهير بيته صار سبباً لتطهير عبده الثالث: هو أن بالفتح يحصل الحج، ثم بالحج تحصل المغفرة، ألا ترى إلى دعاء النبي عليه الصلاة والسلام حيث قال في الحج: اللّهم اجعله حجاً مبروراً، وسعياً مشكوراً، وذنباً مغفوراً الرابع: المراد منه التعريف تقديره إنا فتحنا لك ليعرف أنك مغفور، معصوم، فإن الناس كانوا علموا بعد عام الفيل أن مكة لا يأخذها عدو الله المسخوط عليه، وإنما يدخلها ويأخذها حبيب الله المغفور له.
المسألة الثالثة: لم يكن للنبي صلى الله عليه وسلم ذنب، فماذا يغفر له؟
قلنا الجواب عنه قد تقدم مراراً من وجوه: أحدها: المراد ذنب المؤمنين ثانيها: المراد ترك الأفضل ثالثها: الصغائر فإنها جائزة على الأنبياء بالسهو والعمد، وهو يصونهم عن العجب رابعها: المراد العصمة، وقد بينا وجهه في سورة القتال.
المسألة الرابعة: ما معنى قوله: ﴿ وَمَا تَأَخَّرَ ﴾ ؟
نقول فيه وجوه: أحدها: أنه وعد النبي عليه السلام بأنه لا يذنب بعد النبوة ثانيها: ما تقدم على الفتح، وما تأخر عن الفتح ثالثها: العموم يقال اضرب من لقيت ومن لا تلقاه، مع أن من لا يلقى لا يمكن ضربه إشارة إلى العموم رابعها: من قبل النبوة ومن بعدها، وعلى هذا فما قبل النبوة بالعفو وما بعدها بالعصمة، وفيه وجوه أُخر ساقطة، منها قول بعضهم: ما تقدم من أمر مارية، وما تأخر من أمر زينب، وهو أبعد الوجوه وأسقطها لعدم التئام الكلام، وقوله تعالى: ﴿ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ ﴾ يحتمل وجوهاً: أحدها: هو أن التكاليف عند الفتح تمت حيث وجب الحج، وهو آخر التكاليف، والتكاليف نعم ثانيها: يتم نعمته عليك بإخلاء الأرض لك عن معانديك، فإن يوم الفتح لم يبق للنبي عليه الصلاة والسلام عدو ذو اعتبار، فإن بعضهم كانوا أهلكوا يوم بدر والباقون آمنوا واستأمنوا يوم الفتح ثالثها: ويتم نعمته عليك في الدنيا باستجابة دعائك في طلب الفتح، وفي الآخرة بقول شفاعتك في الذنوب ولو كانت في غاية القبح، وقوله تعالى: ﴿ وَيَهْدِيَكَ صراطا مُّسْتَقِيماً ﴾ يحتمل وجوهاً أظهرها: يديمك على الصراط المستقيم حتى لا يبقى من يلتفت إلى قوله من المضلين، أو ممن يقدر على الإكراه على الكفر، وهذا يوافق قوله تعالى: ﴿ وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسلام دِيناً ﴾ حيث أهلكت المجادلين فيه، وحملتهم على الإيمان.
وثانيها: أن يقال جعل الفتح سبباً للهداية إلى الصراط المستقيم، لأنه سهل على المؤمنين الجهاد لعلمهم بالفوائد العاجلة بالفتح والآجلة بالوعد، والجهاد سلوك سبيل الله، ولهذا يقال للغازي في سبيل الله مجاهد.
وثالثها: ما ذكرنا أن المراد التعريف، أي ليعرف أنك على صراط مستقيم، من حيث إن الفتح لا يكون إلا على يد من يكون على صراط الله بدليل حكاية الفيل، وقوله: ﴿ وَيَنصُرَكَ الله نَصْراً عَزِيزاً ﴾ ظاهر، لأن بالفتح ظهر النصر واشتهر الأمر، وفيه مسألتان إحداهما لفظية والأخرى معنوية: أما المسألة اللفظية: فهي أن الله وصف النصر بكونه عزيزاً، والعزيز من له النصر والجواب: من وجهين: أحدهما: ما قاله الزمخشري أنه يحتمل وجوهاً ثلاثة الأول: معناه نصر إذ عز، كقوله: ﴿ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ ﴾ أي ذات رضى الثاني: وصف النصر بما يوصف به المنصور إسناداً مجازياً يقال له كلام صادق، كما يقال له متكلم صادق الثالث: المراد نصراً عزيزاً صاحبه الوجه الثاني من الجواب أن نقول: إنما يلزمنا ما ذكره الزمخشري من التقديرات إذا قلنا: العزة من الغلبة، والعزيز الغالب وأما إذا قلنا: العزيز هو النفيس القليل النظير، أو المحتاج إليه القليل الوجود، يقال عز الشيء إذا قل وجوده مع أنه محتاج إليه، فالنصر كان محتاجاً إليه ومثله لم يوجد وهو أخذ بيت الله من الكفار المتمكنين فيه من غير عدد.
أما المسألة المعنوية: وهي أن الله تعالى لما قال: ﴿ لّيَغْفِرَ لَكَ الله مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ ﴾ أبرز الفاعل وهو الله، ثم عطف عليه بقوله: ﴿ وَيُتِمَّ ﴾ وبقوله: ﴿ وَيَهْدِيَكَ ﴾ ولم يذكر لفظ الله على الوجه الحسن في الكلام، وهو أن الأفعال الكثيرة إذا صدرت من فاعل يظهر اسمه في الفعل الأول، ولا يظهر فيما بعده تقول: جاء زيد وتكلم، وقام وراح، ولا تقول: جاء زيد، وقعد زيد اختصاراً للكلام بالاقتصار على الأول، وهاهنا لم يقل وينصرك نصراً، بل أعاد لفظ الله، فنقول هذا إرشاد إلى طريق النصر، ولهذا قلما ذكر الله النصر من غير إضافة، فقال تعالى: ﴿ بِنَصْرِ الله يَنصُرُ ﴾ ولم يقل بالنصر ينصر، وقال: ﴿ هُوَ الذي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ ﴾ ولم يقل بالنصر، وقال: ﴿ إِذَا جَاءَ نَصْرُ الله والفتح ﴾ وقال: ﴿ نَصْرٌ مّن الله وَفَتْحٌ قَرِيبٌ ﴾ ولم يقل نصر وفتح، وقال: ﴿ وَمَا النصر إِلاَّ مِنْ عِندِ الله ﴾ وهذا أدل الآيات على مطلوبنا، وتحقيقه هو أن النصر بالصبر، والصبر بالله، قال تعالى: ﴿ واصبر وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بالله ﴾ وذلك لأن الصبر سكون القلب واطمئنانه، وذلك بذكر الله، كما قال تعالى: ﴿ أَلاَ بِذِكْرِ الله تَطْمَئِنُّ القلوب ﴾ فلما قال هاهنا وينصرك الله، أظهر لفظ الله ذكراً للتعليم أن بذكر الله يحصل اطمئنان القلوب، وبه يحصل الصبر، وبه يتحقق النصر، وهاهنا مسألة أخرى وهو أن الله تعالى قال: ﴿ إِنَّا فَتَحْنَا ﴾ ثم قال: ﴿ لّيَغْفِرَ لَكَ الله ﴾ ولم يقل إنا فتحنا لنغفر لك تعظيماً لأمر الفتح، وذلك لأن المغفرة وإن كانت عظيمة لكنها عامة لقوله تعالى: ﴿ إِنَّ الله يَغْفِرُ الذنوب جَمِيعاً ﴾ وقال: ﴿ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء ﴾ ولئن قلنا بأن المراد من المغفرة في حق النبي عليه السلام العصمة، فذلك لم يختص بنبينا، بل غيره من الرسل كان معصوماً، وإتمام النعمة كذلك، قال الله تعالى: ﴿ اليوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي ﴾ وقال: ﴿ يابني إسراءيل اذكروا نِعْمَتِيَ التي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ ﴾ وكذلك الهداية قال الله تعالى: ﴿ يَهْدِي مَن يَشَاء ﴾ فعمم، وكذلك النصر قال الله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ ﴾ وأما الفتح فلم يكن لأحد غير النبي صلى الله عليه وسلم، فعظمه بقوله تعالى: ﴿ إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً ﴾ وفيه التعظيم من وجهين: أحدهما: إنا وثانيهما: لك أي لأجلك على وجه المنة.
<div class="verse-tafsir"
هو فتح مكة، وقد نزلت مرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مكة عام الحديبية عدة له بالفتح، وجيء به على لفظ الماضي على عادة ربّ العزة سبحانه في أخباره؛ لأنها في تحققها وتيقنها بمنزلة الكائنة الموجودة، وفي ذلك من الفخامة والدلالة على علو شأن المخْبِر ما لا يخفى.
فإن قلت: كيف جعل فتح مكة علة للمغفرة؟
قلت: لم يجعل علة للمغفرة، ولكن لاجتماع ما عدّد من الأمور الأربعة: وهي المغفرة وإتمام النعمة وهداية الصراط المستقيم والنصر العزيز، كأنه قيل: يسرنا لك فتح مكة، ونصرناك على عدوّك، لنجمع لك بين عز الدارين وأغراض العاجل والآجل.
ويجوز أن يكون فتح مكة- من حيث إنه جهاد للعدوّ- سبباً للغفران والثواب والفتح والظفر بالبلد عنوة أو صلحاً بحرب أو بغير حرب، لأنه منغلق ما لم يظفر به، فإذا ظفر به وحصل في اليد فقد فتح.
وقيل: هو فتح الحديبية، ولم يكن فيه قتال شديد، ولكن ترام بين القوم بسهام وحجارة.
وعن ابن عباس رضي الله عنه: رموا المشركين حتى أدخلوهم ديارهم.
وعن الكلبي: ظهروا عليهم حتى سألوا الصلح.
فإن قلت: كيف يكون فتحاً وقد أحصروا فنحروا وحلقوا بالحديبية؟
قلت: كان ذلك قبل الهدنة، فلما طلبوها وتمت كان فتحاً مبيناً.
وعن موسى بن عقبة: أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحديبية راجعاً، فقال رجل من أصحابه: ما هذا بفتح، لقد صدّونا عن البيت وصد هدينا، فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «بئس الكلام هذا، بل هو أعظم الفتوح، وقد رضى المشركون أن يدفعوكم عن بلادهم بالراح، ويسألوكم القضية، ويرغبوا إليكم في الأمان، وقد رأوا منكم ما كرهوا» ، وعن الشعبي: نزلت بالحديبية وأصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلك الغزوة ما لم يصب في غزوة أصاب: أن بويع بيعة الرضوان، وغفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخر، وظهرت الروم على فارس؛ وبلغ الهدى محله، وأطعموا نخل خيبر، وكان في فتح الحديبية آية عظيمة.
وذلك أنه نزح ماؤها حتى لم يبق فيها قطرة، فتمضمض رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم مجه فيها، فدرت بالماء حتى شرب جميع من كان معه.
وقيل: فجاش الماء حتى امتلأت ولم ينفد ماؤها بعد- وقيل: هو فتح خيبر، وقيل: فتح الروم.
وقيل: فتح الله له بالإسلام والنبوّة والدعوة بالحجة والسيف، ولا فتح أبين منه وأعظم، وهو رأس الفتوح كلها، إذ لا فتح من فتوح الإسلام إلا وهو تحته ومتشعب منه.
وقيل: معناه قضينا لك قضاء بيناً على أهل مكة أن تدخلها أنت وأصحابك من قابل؛ لتطوفوا بالبيت: من الفتاحة وهي الحكومة، وكذا عن قتادة ﴿ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ ﴾ يريد: جميع ما فرط منك.
وعن مقاتل: ما تقدم في الجاهلية وما بعدها.
وقيل: ما تقدم من حديث مارية وما تأخر من امرأة زيد ﴿ نَصْراً عَزِيزاً ﴾ فيه عز ومنعة- أو وصف بصفة المنصور إسناداً مجازياً أو عزيزاً صاحبه.
<div class="verse-tafsir"
سُورَةُ الفَتْحِ مَدَنِيَّةٌ نَزَلَتْ في مَرْجِعِ رَسُولِ اللَّهِ مِنَ الحُدَيْبِيَةِ وآيُها تِسْعٌ وعِشْرُونَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا ﴾ وعْدٌ بِفَتْحِ مَكَّةَ، والتَّعْبِيرُ عَنْهُ بِالماضِي لِتَحَقُّقِهِ أوْ بِما اتُّفِقَ لَهُ في تِلْكَ السَّنَةِ كَفَتْحِ خَيْبَرَ وفُدُكَ، أوْ إخْبارٌ عَنْ صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ وإنَّما سَمّاهُ فَتْحًا لِأنَّهُ كانَ بَعْدَ ظُهُورِهِ عَلى المُشْرِكِينَ حَتّى سَألُوا الصُّلْحَ وتَسَبَّبَ لِفَتْحِ مَكَّةَ، وفَرَغَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ لِسائِرِ العَرَبِ فَغَزاهم وفَتَحَ مَواضِعَ وأدْخَلَ في الإسْلامِ خَلْقًا عَظِيمًا، وظَهَرَ لَهُ في الحُدَيْبِيَةِ آيَةٌ عَظِيمَةٌ وهي أنَّهُ نُزِحَ ماؤُها بِالكُلِّيَّةِ فَتَمَضْمَضَ ثُمَّ مَجَّهُ فِيها فَدَرَّتْ بِالماءِ حَتّى شَرِبَ جَمِيعُ مَن كانَ مَعَهُ، أوْ فَتْحُ الرُّومِ فَإنَّهم غَلَبُوا الفُرْسَ في تِلْكَ السَّنَةِ.
وقَدْ عَرَفْتَ كَوْنَهُ فَتْحًا لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في سُورَةِ «الرُّومِ».
وقِيلَ: الفَتْحُ بِمَعْنى القَضاءِ أيْ قَضَيْنا لَكَ أنْ تَدْخُلَ مَكَّةَ مِن قابِلٍ.
<div class="verse-tafsir"
{لِّيَغْفِرَ لَكَ الله} قيل الفتح ليس بسبب المغفرة والتقدير إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً فاستغفر لك الله ومثله إِذَا جَاء نَصْرُ الله والفتح
إلى قوله فَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ واستغفره ويجوز أن يكون فتح مكة من حيث إنه جهاد للعدو سبباً للغفران وقيل الفتح لم يكن ليغفر له بل لإتمام النعمة وهداية الصراط المستقيم والنصر العزيز ولكنه لما عدد عليه هذه النعم وصلها بما هو أعظم النعم كأنه قيل يسرّنا لك فتح مكة أو كذا لنجمع لك بين عز الدارين وأغراض العاجل والآجل {مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} يريد جميع ما فرط منك أو ما تقدم من حديث مارية وما تأخر من امرأة زيد {وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ} بإعلاء دينك وفتح البلاد على يدك {ويهديك صراطا مستقيما} يثبتك على الدين المرضي
سُورَةُ الفَتْحِ نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ، والأخْبارُ تَدُلُّ عَلى أنَّها نَزَلَتْ في السَّفَرِ لا في المَدِينَةِ نَفْسِها وهو الصَّحِيحُ.
أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ والبُخارِيُّ في تارِيخِهِ وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ وجَماعَةٌ «عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: (أقْبَلْنا مِنَ الحُدَيْبِيَةِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ أيْ عامَ سِتٍّ بَعْدَ الهِجْرَةِ وكانَ قَدْ خَرَجَ إلَيْها عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ هِلالَ ذِي القَعْدَةِ فَأقامَ بِها بِضْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وقِيلَ: عِشْرِينَ يَوْمًا ثُمَّ قَفَلَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَبَيْنَما نَحْنُ نَسِيرُ إذْ أتاهُ الوَحْيُ وكانَ إذا أتاهُ اشْتَدَّ عَلَيْهِ فَسُرِّيَ عَنْهُ وبِهِ مِنَ السُّرُورِ ما شاءَ اللَّهُ تَعالى فَأخْبَرَنا أنَّهُ أُنْزِلَ عَلَيْهِ ﴿ إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا ﴾ » وأخْرَجَ أحْمَدُ والبُخارِيُّ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ وابْنُ حِبّانَ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ «عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ: (كُنّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ في سَفَرٍ فَسَألْتُهُ عَنْ شَيْءٍ ثَلاثَ مَرّاتٍ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ فَحَرَّكْتُ بَعِيرِي ثُمَّ تَقَدَّمْتُ أمامَ النّاسِ وخَشِيتُ أنْ يَنْزِلَ فِيَّ القُرْآنُ فَما نَشِبْتُ إذْ سَمِعْتُ صارِخًا يَصْرُخُ بِي فَوَجَفْتُ وأنا أظُنُّ أنَّهُ نَزَلَ فِيَّ شَيْءٌ فَقالَ النَّبِيُّ : لَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيَّ اللَّيْلَةَ سُورَةٌ أحَبُّ إلَيَّ مِنَ الدُّنْيا وما فِيها ﴿ إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا ﴾ ﴿ لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ ﴾ » وفي حَدِيثٍ صَحِيحٍ أخْرَجَهُ أحْمَدُ وأبُو داوُدَ وغَيْرُهُما عَنْ مَجْمَعِ بْنِ جارِيَةَ الأنْصارِيِّ ما يَدُلُّ عَلى أنَّها نَزَلَتْ بَعْدَ مُنْصَرَفِهِ مِنَ الحُدَيْبِيَةِ أيْضًا وأنَّ ذَلِكَ عِنْدَ كُراعِ الغَمِيمِ فَقَرَأها عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى النّاسِ وهو عَلى راحِلَتِهِ، وفي رِوايَةِ ابْنِ سَعْدٍ عَنْهُ ما يَدُلُّ عَلى أنَّها بِضَجْنانَ، ونُقِلَ ذَلِكَ عَنِ البُقاعِيِّ، وضَجْنانُ بِضادٍ مُعْجَمَةٍ وجِيمٍ ونُونَيْنِ بَيْنَهُما ألِفٌ بِزِنَةِ سَكْرانَ كَما في القامُوسِ جَبَلٌ قُرْبَ مَكَّةَ، وهَذا ونَحْوُهُ قَوْلٌ بِنُزُولِها بَيْنَ مَكَّةَ والمَدِينَةِ، ومِثْلُ ذَلِكَ يُعَدُّ مَدَنِيًّا عَلى المَشْهُورِ وهو أنَّ المَدَنِيَّ ما نَزَلَ بَعْدَ الهِجْرَةِ سَواءٌ نَزَلَ بِالمَدِينَةِ أمْ بِمَكَّةَ أمْ بِسَفَرٍ مِنَ الأسْفارِ، والمَكِّيُّ ما نَزَلَ قَبْلَ الهِجْرَةِ، وأمّا عَلى القَوْلِ بِأنَّ المَكِّيَّ ما نَزَلَ ولَوْ بَعْدَ الهِجْرَةِ بِمَكَّةَ ويَدْخُلُ فِيها كَما قالَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ نَواحِيها كَمِنى وعَرَفاتٍ والحُدَيْبِيَةِ بَلْ بَعْضُها عَلى ما في الهِدايَةِ وأكْثَرُها عَلى ما قالَ المُحِبُّ الطَّبَرِيُّ مِن حَرَمِ مَكَّةَ والمَدَنِيُّ ما نَزَلَ بِالمَدِينَةِ ويَدْخُلُ فِيها كَما قالَ أيْضًا نَواحِيَها كَأُحُدٍ وبَدْرٍ وسَلْعٍ فَلا بَلْ يُعَدُّ عَلى القَوْلِ بِأنَّهُ نَزَلَ قُرْبَ مَكَّةَ مَكِّيًّا، فالقَوْلُ بِأنَّ السُّورَةَ مَدَنِيَّةٌ بِلا خِلافٍ فِيهِ نَظَرٌ ظاهِرٌ، وهي تِسْعٌ وعِشْرُونَ آيَةً بِالإجْماعِ، ولا يَخْفى حُسْنُ وضْعِها هُنا لِأنَّ الفَتْحَ بِمَعْنى النَّصْرِ مُرَتَّبٌ عَلى القِتالِ، وفي كُلٍّ مِن ذِكْرِ المُؤْمِنِينَ المُخْلِصِينَ والمُنافِقِينَ والمُشْرِكِينَ ما فِيهِ، وقَدْ ذُكِرَ أيْضًا في الأوَّلِ الأمْرُ بِالِاسْتِغْفارِ وذُكِرَ هُنا وُقُوعُ المَغْفِرَةِ، وذُكِرَتِ الكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ هُناكَ بِلَفْظِها الشَّرِيفِ وكُنِّيَ عَنْها بِكَلِمَةِ التَّقْوى بِناءً عَلى أشْهَرِ الأقْوالِ فِيها، وسَتَعْرِفُها إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى إلى غَيْرِ ذَلِكَ.
وفي البَحْرِ وجْهُ مُناسَبَتِها لِما قَبْلَها أنَّهُ لَمّا تَقَدَّمَ ﴿ وإنْ تَتَوَلَّوْا ﴾ الآيَةَ وهو خِطابٌ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ أخْبَرَ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ بِالفَتْحِ العَظِيمِ وأنَّهُ بِهَذا الفَتْحِ حَصَلَ الِاسْتِبْدالُ وأمِنَ كُلُّ مَن كانَ بِمَكَّةَ وصارَتْ دارَ إيمانٍ وفِيهِ ما لا يَخْفى.
وفي الأخْبارِ السّابِقَةِ ما يَدُلُّ عَلى جَلالَةِ قَدْرِها.
وفِي حَدِيثِ مَجْمَعِ بْنِ جارِيَةَ الَّذِي أخْرَجَهُ عَنْهُ ابْنُ سَعْدٍ «لَمّا نَزَلَ بِها جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: نُهَنِّيكَ يا رَسُولَ اللَّهِ فَلَمّا هَنّاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ هَنّاهُ المُسْلِمُونَ،» ويُحْكى أنَّهُ مَن قَرَأها أوَّلَ لَيْلَةٍ مِن رَمَضانَ حُفِظَ ذَلِكَ العامِ ولَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ في خَبَرٍ صَحِيحٍ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ إنّا فَتَحْنا لَكَ ﴾ إخْبارٌ عَنْ صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ عِنْدَ الجُمْهُورِ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وأنَسٍ والشَّعْبِيِّ والزُّهْرِيِّ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهو الصَّحِيحُ، وأصْلُ الفَتْحِ إزالَةُ الإغْلاقِ، وفَتْحُ البَلَدِ كَما في الكَشّافِ الظَّفَرُ بِهِ عَنْوَةً أوْ صُلْحًا بِحَرْبٍ أوْ بِغَيْرِهِ لِأنَّهُ مُنْغَلِقٌ ما لَمْ يَظْفَرْ بِهِ فَإذا ظَفِرَ بِهِ وحَصَلَ في اليَدِ فَقَدْ فُتِحَ، وسُمِّيَ ذَلِكَ الصُّلْحُ فَتْحًا لِاشْتِراكِهِما في الظُّهُورِ والغَلَبَةِ عَلى المُشْرِكِينَ فَإنَّهم كَما قالَ الكَلْبِيُّ ما سَألُوا الصُّلْحَ إلّا بَعْدَ أنْ ظَهَرَ المُسْلِمُونَ عَلَيْهِمْ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ المُسْلِمِينَ رَمَوْهم أيْ بِسِهامٍ وحِجارَةٍ كَما قِيلَ حَتّى أدْخَلُوهم دِيارَهم أوْ لِأنَّ ذَلِكَ الصُّلْحَ صارَ سَبَبًا لِفَتْحِ مَكَّةَ، قالَ الزَّهْرِيُّ: لَمْ يَكُنْ فَتْحٌ أعْظَمَ مِن صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ اخْتَلَطَ المُشْرِكُونَ بِالمُسْلِمِينَ وسَمِعُوا كَلامَهم وتَمَكَّنَ الإسْلامُ مِن قُلُوبِهِمْ وأسْلَمَ في ثَلاثِ سِنِينَ خَلْقٌ كَثِيرٌ وكَثُرَ بِهِمْ سَوادُ الإسْلامِ، قالَ القُرْطُبِيُّ: فَما مَضَتْ تِلْكَ السُّنُونَ إلّا والمُسْلِمُونَ قَدْ جاؤُوا إلى مَكَّةَ في عَشَرَةِ آلافٍ فَفَتَحُوها، والتَّسْمِيَةُ عَلى الأوَّلِ مِن بابِ الِاسْتِعارَةِ التَّبَعِيَّةِ كَيْفَما قَرَّرْتُ، وعَلى الثّانِي مِن بابِ المَجازِ المُرْسَلِ سَواءٌ قُلْنا إنَّهُ في مِثْلِ ما ذُكِرَ تَبَعِيٌّ أمْ لا حَيْثُ سُمِّيَ السَّبَبُ باسِمِ المُسَبِّبِ، ولا مانِعَ مِن أنْ يَكُونَ بَيْنَ شَيْئَيْنِ نَوْعانِ مِنَ العَلاقَةِ فَيَكُونُ اسْتِعْمالُ أحَدِهِما في الآخَرِ بِاعْتِبارِ كُلٍّ نَوْعًا مِنَ المَجازِ كَما في المِشْفَرِ والشَّفَةِ الغَلِيظَةِ لِإنْسانٍ، وإسْنادُ الفَتْحِ المُرادُ بِهِ الصُّلْحُ الَّذِي هو فِعْلُ رَسُولِ اللَّهِ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ مَجازٌ مِن إسْنادِ ما لِلْقابِلِ لِلْفاعِلِ المُوجِدِ، وفي ذَلِكَ مِن تَعْظِيمِ شَأْنِ الصُّلْحِ والرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ما فِيهِ لا يُقالُ: قَدْ تُقَرِّرُ في الكَلامِ أنَّ الأفْعالَ كُلَّها مَخْلُوقَةٌ لَهُ تَعالى فَنِسْبَةُ الصُّلْحِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ إسْنادٌ إلى ما هو لَهُ فَلا مَجازَ لِأنّا نَقُولُ: ما هو لَهُ عِبارَةٌ عَمّا كانَ الفِعْلُ حَقَّهُ أنْ يُسْنَدَ إلَيْهِ في العُرْفِ سَواءٌ كانَ مَخْلُوقًا لَهُ تَعالى أوْ لِغَيْرِهِ عَزَّ وجَلَّ كَما صَرَّحَ بِهِ السَّعْدُ في المُطَوَّلِ وكَيْفَ لا ولَوْ كانَ كَذَلِكَ لَكانَ إسْنادُ جَمِيعِ الأفْعالِ إلى غَيْرِهِ تَعالى مَجازًا وإلَيْهِ تَعالى حَقِيقَةً كالصَّلاةِ والصِّيامِ وغَيْرِهِما.
وقالَ المُحَقِّقُ مِيرْزاجانَ: يُمْكِنُ تَوْجِيهُ ما في الآيَةِ الكَرِيمَةِ عَلى أنَّهُ اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ أوْ عَلى أنْ يُرادَ خَلْقُ الصُّلْحِ وإيجادُهُ أوْ عَلى أنْ يَكُونَ المَجازُ في الهَيْئَةِ التَّرْكِيبِيَّةِ المَوْضُوعَةِ لِلْإسْنادِ إلى ما هو لَهُ فاسْتُعْمِلَتْ في الإسْنادِ إلى غَيْرِهِ أوْ عَلى أنْ يَكُونَ مِن قَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ التَّمْثِيلِيَّةِ، والأوْجُهُ الأرْبَعَةُ جارِيَةٌ في كُلِّ ما كانَ مِن قَبِيلِ المَجازِ العَقْلِيِّ كَأنْبَتَ الرَّبِيعُ البَقْلَ، وقَدْ صَرَّحَ القَوْمُ بِالثَّلاثَةِ الأُوَلِ مِنها، وزَعَمَ بَعْضٌ أنَّ الصُّلْحَ مِمّا يُسْنَدُ إلَيْهِ تَعالى حَقِيقَةً فَلا يَحْتاجُ إلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ وفِيهِ ما فِيهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ إخْبارًا عَنْ جَعْلِ المُشْرِكِينَ في الحُدَيْبِيَةِ مَغْلُوبِينَ خائِفِينَ طالِبِينَ لِلصُّلْحِ ويَكُونُ الفَتْحُ مَجازًا عَنْ ذَلِكَ وإسْنادُهُ إلَيْهِ تَعالى حَقِيقَةً، وقَدْ خَفِيَ كَوْنُ ما كانَ في الحُدَيْبِيَةِ فَتْحًا عَلى بَعْضِ الصَّحابَةِ حَتّى بَيَّنَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
أخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ عُرْوَةَ قالَ: «(أقْبَلَ رَسُولَ اللَّهِ مِنَ الحُدَيْبِيَةِ راجِعًا فَقالَ رَجُلٌ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: واللَّهِ ما هَذا بِفَتْحٍ لَقَدْ صُدِدْنا عَنِ البَيْتِ وصُدَّ هَدْيُنا وعَكَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِالحُدَيْبِيَةِ ورُدَّ رَجُلَيْنِ مِنَ المُسْلِمِينَ خَرَجا فَبَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ذَلِكَ فَقالَ: بِئْسَ الكَلامُ هَذا بَلْ هو أعْظَمُ الفَتْحِ لَقَدْ رَضِيَ المُشْرِكُونَ أنْ يَدْفَعُوكم بِالرّاحِ عَنْ بِلادِهِمْ ويَسْألُونَكُمُ القَضِيَّةَ ويَرْغَبُونَ إلَيْكم في الأمانِ وقَدْ كَرِهُوا مِنكم ما كَرِهُوا، وقَدْ أظْفَرَكُمُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ورَدَّكم سالِمِينَ غانِمِينَ مَأْجُورِينَ فَهَذا أعْظَمُ الفَتْحِ، أنَسِيتُمْ يَوْمَ أُحُدٍ إذْ تُصْعِدُونَ ولا تَلْوُنَ عَلى أحَدٍ وأنا أدْعُوكم في أُخْراكُمْ؟
أنَسِيتُمْ يَوْمَ الأحْزابِ إذْ جاؤُوكم مِن فَوْقِكم ومِن أسْفَلَ مِنكم وإذْ زاغَتِ الأبْصارُ وبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ وتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَ؟
قالَ المُسْلِمُونَ: صَدَقَ اللَّهُ ورَسُولُهُ هو أعْظَمُ الفُتُوحِ واللَّهِ يا نَبِيَّ اللَّهِ ما فَكَّرْنا فِيما ذَكَرْتَ ولَأنْتَ أعْلَمُ بِاللَّهِ وبِالأُمُورِ مِنّا».
وفائِدَةُ الخَبَرِ بِالفَتْحِ عَلى الوَجْهَيْنِ بِالنِّسْبَةِ إلى غَيْرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِأنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَعْلَمُ ذَلِكَ وكَذا يَعْلَمُ لازِمَ الفائِدَةِ كَذا قِيلَ.
وحَمْلُ الغَيْرِ عَلى مَن لَمْ يَحْضُرِ الفَتْحَ مِنَ الصَّحابَةِ وغَيْرِهِمْ لِأنَّ الحاضِرِينَ عَلِمُوا ذَلِكَ قَبْلَ النُّزُولِ، وقِيلَ: الحاضِرُ إنَّما عَلِمَ وُقُوعَ الصُّلْحِ أوْ كَوْنَ المُشْرِكِينَ بِحَيْثُ طَلَبُوهُ ولَمْ يَعْلَمْ كَوْنَهُ فَتْحًا كَما يُشْعِرُ بِهِ الخَبَرُ، وإنْ سُلِّمَ أنَّهُ عَلِمَ ذَلِكَ لَكِنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ عِظَمَ شَأْنِهِ عَلى ما يُشْعِرُ بِهِ إسْنادُهُ إلى نُونِ العَظَمَةِ والإخْبارُ بِهِ بِذَلِكَ الِاعْتِبارِ.
وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: لَعَلَّ المَقْصُودَ بِالإفادَةِ كَوْنُ ذَلِكَ لِلْمَغْفِرَةِ وما عُطِفَ عَلَيْها فَيَجُوزُ أنْ تَكُونَ الفائِدَةُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أيْضًا، وأقُولُ: قَدْ صَرَّحُوا بِأنَّهُ كَثِيرًا ما تُورَدُ الجُمْلَةُ الخَبَرِيَّةُ لِأغْراضٍ أُخَرَ سِوى إفادَةِ الحُكْمِ أوْ لازِمِهِ نَحْوَ ﴿ رَبِّ إنِّي وضَعْتُها أُنْثى ﴾ ﴿ رَبِّ إنِّي وهَنَ العَظْمُ مِنِّي ﴾ ﴿ لا يَسْتَوِي القاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ ﴾ الآيَةَ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا يُحْصى فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ الغَرَضُ مِن إيرادِها هاهُنا الِامْتِنانَ دُونَ إفادَةِ الحُكْمِ أوْ لازِمِهِ ولا مَجازَ في ذَلِكَ ونَحْوِهِ عَلى ما أشارَ إلَيْهِ العَلّامَةُ عَبْدُ الحَكِيمِ السّالَكُوتِيُّ في حَواشِيهِ عَلى المُطَوَّلِ.
وصَرَّحَ في الرِّسالَةِ الجُنْدِيَّةِ بِأنَّ الهَيْئَةَ التَّرْكِيبِيَّةَ الخَبَرِيَّةَ في نَحْوِ ذَلِكَ مَنقُولَةٌ إلى الإنْشائِيَّةِ وأنَّ المَجازَ في الهَيْئَةِ فَقَطْ لا في الأطْرافِ ولا في المَجْمُوعِ وهو مَجازٌ مُفْرَدٌ عِنْدَ صاحِبِ الرِّسالَةِ، والكَلِمَةُ أعْظَمُ مِنَ اللَّفْظِ الحَقِيقِيِّ والحُكْمِيِّ، وبَعْضُهم يَقُولُ: هو مَجازٌ مُرَكَّبٌ ولا يَنْحَصِرُ في التَّمْثِيلِيَّةِ، وتَحْقِيقُهُ في مَوْضِعِهِ.
والتَّأْكِيدُ بِأنَّ لِلِاعْتِناءِ لا لِرَدِّ الإنْكارِ وقِيلَ لِأنَّ الحُكْمَ لِعَظَمِ شَأْنِهِ مَظِنَّةٌ لِلْإنْكارِ.
وقِيلَ: لِأنَّ بَعْضَ السّامِعِينَ مُنْكِرٌ كَوْنَ ما وقَعَ فَتْحًا، ويُقالُ في تَكْرِيرِ الحُكْمِ نَحْوَ ذَلِكَ، وقالَ مُجاهِدٌ: المُرادُ بِالفَتْحِ فَتْحُ خَيْبَرَ وهي مَدِينَةٌ كَبِيرَةٌ ذاتَ حُصُونِ ومَزارِعَ عَلى ثَمانِيَةِ بَرْدٍ مِنَ المَدِينَةِ إلى جِهَةِ الشّامِ، وكانَ خُرُوجُ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كَما قالَ ابْنُ إسْحاقَ ورَجَّحَهُ الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ في بَقِيَّةِ المُحَرَّمِ سَنَةَ سَبْعٍ وأقامَ يُحاصِرُها بِضْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً إلى أنْ فَتَحَها.
ونُقِلَ عَنْ مالِكٍ وجَزَمَ بِهِ ابْنُ حَزْمٍ أنَّهُ كانَ في آخِرِ سَنَةِ سِتٍّ، وجَمَعَ بِأنَّ مَن أطْلَقَ سَنَةَ سِتٍّ بَناهُ عَلى أنَّ ابْتِداءَ السَّنَةِ مِن شَهْرِ الهِجْرَةِ الحَقِيقِيِّ وهو شَهْرُ رَبِيعٍ الأوَّلِ، وقَوْلُ الشَّيْخِ أبِي حامِدٍ في التَّعْلِيقَةِ: إنَّ غَزْوَةَ خَيْبَرَ كانَتْ سَنَةَ خَمْسٍ وهْمٌ، وقَوْلُ ابْنِ سَعْدٍ وابْنِ أبِي شَيْبَةَ رِوايَةً عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، أنَّها كانَتْ لِثَمانِ عَشْرَةَ مِن رَمَضانَ خَطَأٌ، ولَعَلَّ الأصْلَ كانَتْ حُنَيْنٌ فَحُرِّفَ ومَعَ هَذا يَحْتاجُ إلى تَوْجِيهٍ.
وقَدْ فُتِحَتْ عَلى أيْدِي أهْلِ الحُدَيْبِيَةِ لَمْ يُشْرِكْهم أحَدٌ مِنَ المُتَخَلِّفِينَ عَنْها فالفَتْحُ عَلى حَقِيقَةٍ وإسْنادُهُ إلَيْهِ تَعالى عَلى حَدِّ ما سَمِعْتَ فِيما تَقَدَّمَ، والتَّأْكِيدُ بِأنَّ وتَكْرِيرِ الحُكْمِ لِلِاعْتِناءِ، والتَّعْبِيرُ عَنْ ذَلِكَ بِالماضِي مَعَ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ واقِعًا يَوْمَ النُّزُولِ بِناءً عَلى ما رُوِيَ عَنِ المِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ مِن أنَّ السُّورَةَ نَزَلَتْ مِن أوَّلِها إلى آخِرِها بَيْنَ مَكَّةَ والمَدِينَةِ مِن بابِ مَجازِ المُشارَفَةِ نَحْوَ مَن قَتَلَ قَتِيلًا عَلى المَشْهُورِ أوِ الأوَّلِ نَحْوَ ﴿ إنِّي أرانِي أعْصِرُ خَمْرًا ﴾ ولا يَضُرُّ اخْتِلافُهُما في الفِعْلِيَّةِ والِاسْمِيَّةِ وفِيهِ وجْهٌ آخَرُ يُعْلَمُ مِمّا سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.
وذَهَبَ جَماعَةٌ إلى أنَّهُ فَتْحُ مَكَّةَ وهو كَما في زادِ المَعادِ الفَتْحُ الأعْظَمُ الَّذِي أعَزَّ اللَّهُ تَعالى بِهِ دِينَهُ واسْتَنْقَذَ بِهِ بَلَدَهُ وطَهَّرَ حَرَمَهُ واسْتَبْشَرَ بِهِ أهْلُ السَّماءِ وضُرِبَتْ أطْنابُ عِزِّهِ عَلى مَناكِبِ الجَوْزاءِ ودَخَلَ النّاسُ بَعْدَهُ في دِينِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ أفْواجًا وأشْرَقَ وجْهُ الدَّهْرِ ضِياءً وابْتِهاجًا، وكانَ سَنَةَ ثَمانٍ وفي رِوايَةٍ ونِصْفٍ، وقَدْ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى ما أخْرَجَهُ أحْمَدُ بِإسْنادٍ صَحِيحٍ عَنْ أبِي سَعِيدٍ لِلَيْلَتَيْنِ خَلَتا مِن شَهْرِ رَمَضانَ، وفَتْحُ مَكَّةَ لِثَلاثِ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنهُ عَلى ما رُوِيَ عَنِ الزُّهْرِيِّ، ورُوِيَ عَنْ جَماعَةٍ أنَّهُ كانَ الفَتْحُ في عَشْرٍ بَقِيَتْ مِن شَهْرِ رَمَضانَ وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وكانَ مَعَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِنَ المُسْلِمِينَ عَشَرَةُ آلافٍ وقِيلَ: اثْنا عَشَرَ ألْفًا، والجَمْعُ مُمْكِنٌ، وكانَ الفَتْحُ عِنْدَ الشّافِعِيِّ صُلْحًا وهي رِوايَةٌ عَنْ أحْمَدَ لِلتَّأْمِينِ في مَمَرِّ الظَّهْرانِ بِمَن دَخَلَ دارَ أبِي سُفْيانَ فَهو آمِنٌ ومَن دَخَلَ المَسْجِدَ فَهو آمِنٌ، ولِعَدَمِ قِسْمَةِ الدُّورِ بَيْنَ الغانِمِينَ، وذَهَبَ الأكْثَرُونَ إلى أنَّهُ عَنْوَةٌ لِلتَّصْرِيحِ بِالأمْرِ بِالقِتالِ ووُقُوعِهِ مِن خالِدِ بْنِ الوَلِيدِ، وقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «(أُحِلَّتْ لِي ساعَةٌ مِن نَهارٍ)».
ولا يُسَمّى ذَلِكَ التَّأْمِينُ صُلْحًا إلّا إذا التَزَمَ مَن أُشِيرَ إلَيْهِ بِهِ الكَفَّ عَنِ القِتالِ، والأخْبارُ الصَّحِيحَةُ ظاهِرَةٌ في أنَّ قُرَيْشًا لَمْ يَلْتَزِمُوا، وتَرْكُ القِسْمَةِ لا يَسْتَلْزِمُ عِدَّةَ العَنْوَةِ فَقَدْ تُفْتَحُ البَلْدَةُ عَنْوَةً ويُمَنُّ عَلى أهْلِها وتُتْرَكُ لَهم دُورُهم.
وأقامَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَعْدَ الفَتْحِ خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً في رِوايَةِ البُخارِيِّ وسَبْعَ عَشْرَةَ في رِوايَةِ أبِي داوُدَ وثَمانِ عَشْرَةَ في رِوايَةِ التِّرْمِذِيِّ، وتِسْعَ عَشْرَةَ في رِوايَةِ بَعْضٍ، وتَمامُ الكَلامِ في كُتُبِ السِّيَرِ، واسْتَظْهَرَ هَذا القَوْلَ أبُو حَيّانَ وذَكَرَ أنَّهُ المُناسِبُ لِآخِرِ السُّورَةِ الَّتِي قَبْلَ لَمّا قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ تُدْعَوْنَ ﴾ الآيَةَ فَبَيَّنَ جَلَّ وعَلا أنَّهُ فَتَحَ لَهم مَكَّةَ وغَنِمُوا وحَصَلَ لَهم أضْعافُ ما أنْفَقُوا ولَوْ بَخِلُوا لَضاعَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ فَلا يَكُونُ بُخْلُهم إلّا عَلى أنْفُسِهِمْ، وأيْضًا لَمّا قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ واللَّهُ مَعَكُمْ ﴾ بَيَّنَ تَعالى بُرْهانَهُ بِفَتْحِ مَكَّةَ فَإنَّهم كانُوا هُمُ الأعْلَيْنَ، وأيْضًا لَمّا قالَ تَعالى: ﴿ فَلا تَهِنُوا وتَدْعُوا إلى السَّلْمِ ﴾ كانَ ذَلِكَ في فَتْحِ مَكَّةَ ظاهِرًا حَيْثُ لَمْ يَلْحَقْهم وهَنٌ ولا دَعَوْا إلى الصُّلْحِ بَلْ أتى صَنادِيدُ قُرَيْشٍ مُسْتَأْمِنِينَ مُسْتَسْلِمِينَ وهَذا ظاهِرٌ بِالنِّسْبَةِ إلى القَوْلِ بِأنَّ المُرادَ بِهِ فَتْحُ الحُدَيْبِيَةِ، وأمّا عَلى القَوْلِ بِأنَّ المُرادَ بِهِ فَتْحُ خَيْبَرَ فَلَيْسَ كَذَلِكَ، ورَجَّحَ بَعْضُهُمُ القَوْلَ بِأنَّهُ صُلْحُ الحُدَيْبِيَةِ عَلى القَوْلِ بِأنَّهُ فَتْحُ مَكَّةَ بِأنَّ وعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ يَجِيءُ صَرِيحًا في هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ إنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ ﴾ الآيَةَ فَلَوْ حُمِلَ هَذا الفَتْحُ عَلَيْهِ لَكانَ تَأْكِيدًا بِخِلافِ ما إذا حُمِلَ عَلى صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ فَإنَّهُ يَكُونُ تَأْسِيسًا والتَّأْسِيسُ خَيْرٌ مِنَ التَّأْكِيدِ، ورَجَّحَهُ بَعْضٌ عَلى القَوْلِ بِأنَّهُ فَتْحُ خَيْبَرَ بِمِثْلِ هَذا لِأنَّ فَتْحَ خَيْبَرَ مَذْكُورٌ فِيما بَعْدُ أيْضًا، ولِلْبَحْثِ في ذَلِكَ مَجالٌ، وإنَّ التَّكْرِيرَ لِما تَقَدَّمَ، وكَذا الإسْنادُ إلى ضَمِيرِ العَظَمَةِ بَلْ هَذا الفَتْحُ أوْلى بِالِاعْتِناءِ وتَعْظِيمِ الشَّأْنِ حَتّى قِيلَ: إنَّ إسْنادَهُ إلَيْهِ تَعالى لِكَوْنِهِ مِنَ الأُمُورِ الغَرِيبَةِ العَجِيبَةِ الَّتِي يَخْلُقُها اللَّهُ تَعالى عَلى يَدِ أنْبِيائِهِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ كالرَّمْيِ بِالحَصى المُشارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ رَمى ﴾ وهَذا خِلافٌ ظاهِرٌ، والمَشْهُورُ أنَّ في الكَلامِ مَجازًا عَقْلِيًّا وفِيهِ الِاحْتِمالاتُ السّابِقَةُ.
وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: لَعَلَّ الإرادَةَ هاهُنا مُعْتَبَرَةٌ إمّا عَلى سَبِيلِ الحَذْفِ أوْ عَلى المَجازِ المُرْسَلِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ ﴾ الآيَةَ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ﴾ عِنْدَ أكْثَرِ الأئِمَّةِ، ومِثْلُ هَذا التَّأْوِيلِ قِيلَ: مُطَّرِدٌ في الأفْعالِ الِاخْتِيارِيَّةِ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ الفَتْحَ مَجازٌ عَنْ تَيْسِيرِهِ، وذَكَرَ بَعْضُ الصُّدُورِ في تَوْجِيهِ التَّأْكِيدِ بِأنَّ هاهُنا أنَّهُ قَدْ يُجْعَلُ غَيْرُ السّائِلِ بِمَنزِلَةِ السّائِلِ إذا قُدِّمَ إلَيْهِ ما يُلَوِّحُ لَهُ بِالخَبَرِ، وصَرَّحُوا بِأنَّ المُلَوَّحَ لا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ كَلامًا، وقَدْ ذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ وغَيْرِهِمْ أنَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ رَأى في المَنامِ أنَّهُ وأصْحابُهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم دَخَلُوا مَكَّةَ آمِنِينَ فَصارَ المَقامُ مَقامَ أنْ يَتَرَدَّدَ في الفَتْحِ فَأُلْقِيَ إلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الكَلامُ مُؤَكَّدًا كَما يُلْقى إلى السّائِلِ كَذَلِكَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ لِرَدِّ الإنْكارِ بِناءً عَلى تَحَقُّقِهِ مِنَ المُشْرِكِينَ فَإنَّهم كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ تَعالى وسَلَّمَ لا يَسْتَوْلِي عَلى مَكَّةَ كَما لَمْ يَسْتَوْلِ عَلَيْها مَن أرادَ الِاسْتِيلاءَ عَلَيْها قَبْلَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وهو كَما تَرى، وذَكَرَ بَعْضُ أجِلَّةِ القائِلِينَ بِأنَّ المُرادَ بِهِ فَتْحُ مَكَّةَ أنَّ الكَلامَ وعْدٌ بِفَتْحِها فَقِيلَ: إنَّ الجُمْلَةَ حِينَئِذٍ إخْبارٌ، وقِيلَ: إنَّها إنْشاءٌ، واسْتُشْكِلَ بِما صَرَّحَ بِهِ الرَّضِيُّ مِن أنَّ الجُمَلَ الإنْشائِيَّةَ مُنْحَصِرَةٌ بِالِاسْتِقْراءِ في الطَّلَبِيَّةِ والإيقاعِيَّةِ والوَعْدُ لَيْسَ شَيْئًا مِنهُما، أمّا الأوَّلُ فَظاهِرٌ، وأمّا الثّانِي فَلِأنَّ مُجَرَّدَ قَوْلِكَ لَأُكْرِمَنَّكَ مَثَلًا لا يَقَعُ بِهِ الإكْرامُ، وقالَ بَعْضُ الصُّدُورِ: إنَّ كَلامَهم مُضْطَرِبٌ في كَوْنِ الوَعْدِ إنْشاءً أوْ إخْبارًا، ويُمْكِنُ التَّوْفِيقُ بِأنْ يُقالَ: أصْلُ الوَعْدِ إنْشاءٌ لِأنَّهُ إظْهارُ أمْرٍ في النَّفْسِ يُوجِبُ سُرُورَ المُخاطَبِ وما يَتَعَلَّقُ بِهِ الوَعْدُ وهو المَوْعُودُ إخْبارُ نَظِيرُهُ قَوْلُ النُّحاةِ كَأنَّ لِإنْشاءِ التَّشْبِيهِ مَعَ أنَّ مَدْخُولَها جُمْلَةٌ خَبَرِيَّةٌ.
وقالَ الخَفاجِيُّ: هَذا ناشِئٌ مِن عَدَمِ فَهْمِ المُرادِ مِنهُ.
فَإنْ قِيلَ: المُرادُ مِن لَأُكْرِمَنَّكَ مَثَلًا إكْرامٌ في المُسْتَقْبَلِ فَهو خَبَرٌ بِلا مِرْيَةٍ، وإنْ قِيلَ: مَعْناهُ العَزْمُ عَلى إكْرامِهِ وتَعْجِيلُ المَسَرَّةِ لَهُ بِإعْلامِهِ فَهو إنْشاءٌ، وأقُولُ لا يَخْفى أنَّ الإخْبارَ أصْلٌ لِلْإنْشاءِ، وقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ العَلّامَةِ التَّفْتازانِيُّ في المُطَوَّلِ ولَيْسَتْ هَيْئَةُ المُرَكَّبِ دالَّةٌ عَلى أنَّهُ إنْشاءٌ ولَيْسَ فِيهِ ما يَدُلُّ بِمادَّتِهِ عَلى ذَلِكَ فَيُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ إخْبارٌ قُصِدَ بِهِ تَعْجِيلُ المَسَرَّةِ وإنَّ ذَلِكَ لا يُخْرِجُهُ عَنِ الإخْبارِ نَظِيرَ ما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ رَبِّ إنِّي وضَعْتُها أُنْثى ﴾ ونَحْوَهُ فَتَدَبَّرْ، والتَّعْبِيرُ عَنْ ذَلِكَ بِالماضِي لِتَحَقُّقِهِ، وفِيهِ مِن تَسْلِيَةِ قُلُوبِ الأصْحابِ وتَسْلِيَتِهِمْ حَيْثُ صارُوا مَحْزُونِينَ غايَةَ الحُزْنِ مِن تَأْخِيرِ الفَتْحِ ما فِيهِ، وهَذا التَّعْبِيرُ مِن قَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ التَّبَعِيَّةِ عَلى ما حَقَّقَهُ السَّيِّدُ السَّنَدُ في حَواشِي المُطَوَّلِ حَيْثُ قالَ: اعْلَمْ أنَّ التَّعْبِيرَ عَنِ المُضارِعِ بِالماضِي وعَكْسَهُ يُعَدُّ مِن بابِ الِاسْتِعارَةِ بِأنْ يُشَبَّهَ غَيْرُ الحاصِلِ بِالحاصِلِ في تَحَقُّقِ الوُقُوعِ ويُشَبَّهُ الماضِي بِالحاضِرِ في كَوْنِهِ نُصْبَ العَيْنِ واجِبَ المُشاهِدَةِ ثُمَّ يُسْتَعارُ لَفْظُ أحَدِهِما لِلْآخَرِ فَعَلى هَذا تَكُونُ اسْتِعارَةُ الفِعْلِ عَلى قِسْمَيْنِ: أحَدُهُما أنْ يُشَبَّهَ الضَّرْبُ الشَّدِيدُ مَثَلًا بِالقَتْلِ ويُسْتَعارَ لَهُ اسْمُهُ ثُمَّ يُشْتَقُّ مِنهُ قُتِلَ بِمَعْنى ضُرِبَ ضَرْبًا شَدِيدًا.
والثّانِي أنْ يُشَبَّهَ الضَّرْبُ المُسْتَقْبَلُ بِالضَّرْبِ في الماضِي مَثَلًا في تَحَقُّقِ الوُقُوعِ فَيُسْتَعْمَلُ فِيهِ ضُرِبَ فَيَكُونُ المَعْنى المَصْدَرِيِّ أعْنِي الضَّرْبَ مَوْجُودًا في كُلِّ واحِدٍ مِنَ المُشَبَّهِ والمُشَبَّهِ بِهِ لَكِنَّهُ قُيِّدَ في كُلٍّ مِنهُما بِقَيْدٍ يُغايِرُ الآخَرَ فَصَحَّ التَّشْبِيهُ لِذَلِكَ.
وقالَ المُحَقِّقُ مِيرْزاجانَ: يُمْكِنُ تَوْجِيهُ الِاسْتِعارَةِ هاهُنا بِوَجْهٍ آخَرَ وهو أنْ يُشَبَّهَ الزَّمانُ المُسْتَقْبَلُ بِالزَّمانِ الماضِي ووَجْهُ الشَّبَهِ أنَّهُ كَما أنَّ الثّانِي ظَرْفُ أمْرٍ مُحَقَّقِ الوُقُوعِ كَذَلِكَ الزَّمانُ الأوَّلُ واللَّفْظُ الدّالُّ عَلى الزَّمانِ الثّانِي وهو لَفْظُ الفِعْلِ الماضِي مِن جِهَةِ الصِّيغَةِ جُعِلَ دالًّا عَلى الزَّمانِ المُسْتَقْبَلِ مُسْتَعْمَلًا فِيهِ، ومِنَ البَيِّنِ أنَّ المَصْدَرَ عَلى حالِهِ لَمْ يَتَغَيَّرْ مَعْناهُ فَكانَتِ الِاسْتِعارَةُ في الصِّيغَةِ والهَيْئَةِ أوْلى لِأنَّها الدّالَّةُ عَلى الزَّمانِ الماضِي وبِواسِطَتِها كانَتِ الِاسْتِعارَةُ في الفِعْلِ كَما كانَتِ الِاسْتِعارَةُ في الفِعْلِ بِواسِطَةِ المَصْدَرِ، والفَرْقُ أنَّ هَذِهِ الِاسْتِعارَةَ في الفِعْلِ بِواسِطَةِ جَوْهَرِهِ ومادَّتِهِ وفِيما نَحْنُ فِيهِ بِواسِطَةِ صُورَتِهِ، لا يُقالُ: الدّالُّ عَلى الزَّمانِ هو نَفْسُ اللَّفْظِ المُشْتَقِّ لا جُزْؤُهُ لِأنّا نَقُولُ: يَجْرِي هَذا الِاحْتِمالُ في الِاسْتِعارَةِ التَّبَعِيَّةِ المَشْهُورَةِ بِأنْ يُقالَ: الدّالُّ عَلى المَعْنى الحَدَثِيِّ هو نَفْسُ اللَّفْظِ المُشْتَقِّ لا جُزْؤُهُ لِأنَّ المَصْدَرَ بِصِيغَتِهِ غَيْرُ مُتَحَقِّقٍ في المُشْتَقِّ فَإنَّ الضَّرْبَ غَيْرُ مَوْجُودٍ في ضارَبَ وضَرَبَ.
فَإنْ قُلْتَ: المَصْدَرُ لَفْظٌ مُسْتَقِلٌّ يُمْكِنُ التَّعْبِيرُ بِهِ عَنْ مَعْناهُ بِخِلافِ الهَيْئَةِ قُلْتُ: لَفْظُ الزَّمانِ الماضِي أيْضًا، كَذَلِكَ فَلا فَرْقَ في كُلٍّ مِنهُما: نَسْتَعِيرُ المَعْنى المُطابَقِيِّ لِلَّفْظِ الفِعْلِ بِواسِطَةِ المَعْنى التَّضَمُّنِيِّ لَهُ، ولا يَبْعُدُ أنَّ يُسَمّى مِثْلُ هَذا اسْتِعارَةً تَبَعِيَّةً، والأمْرُ في التَّسْمِيَةِ هَيِّنٌ لا اعْتِدادَ بِشَأْنِهِ، ولَعَلَّهم إنَّما جَعَلُوا الِاسْتِعارَةَ في مِثْلِ ذَلِكَ بِواسِطَةِ المَصْدَرِ واعْتَبَرُوا التَّغايُرَ الِاعْتِبارِيَّ ولَمْ يَعْتَبِرُوا ما اعْتَبَرْنا مِن تَشْبِيهِ نَفْسِ الزَّمانِ بِالزَّمانِ حَتّى تَصِيرَ الِاسْتِعارَةُ في الفِعْلِ تَبَعِيَّةً بِلا تَكَلُّفٍ رِعايَةً لِطَيِّ النَّشْرِ بِقَدْرِ الإمْكانِ وأيْضًا في كَوْنِ الصِّيغَةِ والهَيْئَةِ جُزْءًا لِلَفْظٍ تَأمَّلْ، وأيْضًا الهَيْئَةُ لَيْسَتْ جُزْءًا مُسْتَقِلًّا كالمَصْدَرِ، وأيْضًا الهَيْئَةُ لَيْسَتْ لَفْظًا والِاسْتِعارَةٌ قِسْمٌ لِلَّفْظِ، ولَعَلَّ القَوْمَ لِهَذِهِ كُلِّها أوْ بَعْضِها لَمْ يَلْتَفِتُوا إلَيْهِ انْتَهى، وفِيهِ بَحْثٌ، ولِلْفاضِلِ مِيرِ صَدْرِ الدِّينِ رِسالَةٌ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ تَعَرَّضَ فِيها لِلْمُحَقَّقِ في هَذا المَقامِ، وتَعَقَّبَها الفاضِلُ يُوسُفُ القَرْباغِيُّ بِرِسالَةٍ أطالَ الكَلامَ فِيها وجَرَّحَ وعَدَّلَ وذَكَرَ عِدَّةَ احْتِمالاتٍ في الِاسْتِعارَةِ التَّبَعِيَّةِ، ومالَ إلى أنَّ الهَيْئَةَ لَفْظٌ مُحْتَجًّا بِما نَقَلَهُ مِن شَرْحِ المُخْتَصَرِ العَضُدِيِّ ومِن شَرْحِ الشَّرْحِ لِلْعَلّامَةِ التَّفْتازانِيِّ وأيَّدَهُ بِنُقُولٍ أُخَرَ فَلْيُراجَعْ ذَلِكَ فَإنَّهُ وإنْ كانَ في بَعْضِهِ نَظَرٌ لا يَخْلُو عَنْ فائِدَةٍ.
والَّذِي يَتَرَجَّحُ عِنْدِي أنَّ الهَيْئَةَ لَيْسَتْ بِلَفْظٍ ولَكِنَّها في حُكْمِهِ وأنَّهُ قَدْ يُتَصَرَّفُ فِيها بِالتَّجَوُّزِ كَما في الخَبَرِ إذا اسْتُعْمِلَ في الإنْشاءِ وإنَّ المَجازَ المُرْسَلَ يَكُونُ تَبَعِيًّا بِناءً عَلى ما ذَكَرُوهُ في وجْهِ التَّبَعِيَّةِ في الِاسْتِعارَةِ، وقَوْلُ الصَّدْرِ في الفَرْقِ: إنَّ العَلاقَةَ في الِاسْتِعارَةِ مَلْحُوظَةٌ حِينَ الإطْلاقِ فَإنَّهم صَرَّحُوا بِأنَّ اسْمَ المُشَبَّهُ بِهِ لا يُطْلَقُ عَلى المُشَبَّهِ إلّا بَعْدَ دُخُولِهِ في جِنْسِ المُشَبَّهِ بِهِ بِخِلافِ المُرْسَلِ فَإنَّ العَلاقَةَ باعِثَةٌ لِلِانْتِقالِ ولَيْسَتْ مَلْحُوظَةً حِينَ الِاسْتِعْمالِ فَلا ضَرُورَةَ في القَوْلِ بِالتَّبَعِيَّةِ فِيهِ إنْ تَمَّ لا يُجْدِي نَفْعًا فافْهَمْ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ التَّعْبِيرَ بِالماضِي هاهُنا عَلى حَقِيقَتِهِ بِناءً عَلى أنَّ الفَتْحَ مَجازٌ عَنْ تَيْسِيرِهِ وتَسْهِيلِهِ وهو مِمّا لا يَتَوَقَّفُ عَلى حُصُولِ الفَتْحِ ووُقُوعِهِ لِيَكُونَ مُسْتَقْبَلًا بِالنِّسْبَةِ إلى زَمَنِ النُّزُولِ مِثْلِهِ ألا تَرى أنَّ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ سَألَ رَبَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿ ويَسِّرْ لِي أمْرِي ﴾ أنْ يُسَهِّلَ أمْرَهُ وهو خِلافَتُهُ في أرْضِهِ وما يَصْحَبُها، وأُجِيبَ إلَيْهِ في مَوْقِفِ السُّؤالِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى ﴾ ولَمْ يُباشِرْ بَعْدُ شَيْئًا، وحَمْلُهُ عَلى الوَعْدِ بِإيتاءِ السُّؤالِ خِلافُ الظّاهِرِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ ما ذَهَبَ إلَيْهِ الجُمْهُورُ أظْهَرُ وأبْلَغُ، وفي مَجِيءِ المُسْتَقْبَلِ بِصِيغَةِ الماضِي لِتَنْزِيلِهِ مَنزِلَةَ المُحَقِّقِ مِنَ الفَخامَةِ والدَّلالَةِ عَلى عُلُوِّ شَأْنِ المُخْبَرِ ما لا يَخْفى كَما في الكَشّافِ، وذَلِكَ عَلى ما قِيلَ لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ الأزْمِنَةَ كُلَّها عِنْدَهُ تَعالى عَلى السَّواءِ وأنَّ مُنْتَظِرَهُ كَمُحَقِّقِ غَيْرِهِ وأنَّهُ سُبْحانَهُ إذا أرادَ أمْرًا تَحَقَّقَ لا مَحالَةَ وأنَّهُ لِجَلالَةِ شَأْنِهِ إذا أخْبَرَ عَنْ حادِثٍ فَهو كالكائِنِ لِما عِنْدَهُ مِن أسْبابِهِ القَرِيبَةِ والبَعِيدَةِ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.
واسْتُشْكِلَ أمْرُ المُضِيِّ في كَلامِهِ تَعالى بِناءً عَلى ثُبُوتِ الكَلامِ النَّفْسِيِّ الأزَلِيِّ لِلُزُومِ الكَذِبِ لِأنَّ صِدْقَ الكَلامِ يَسْتَدْعِي سَبْقَ وُقُوعِ النِّسْبَةِ ولا يُتَصَوَّرُ السَّبْقُ عَلى الأزَلِ، وأُجِيبَ بِأنَّ كَلامَهُ تَعالى النَّفْسِيَّ الأزَلِيَّ لا يَتَّصِفُ بِالماضِي وغَيْرِهِ لِعَدَمِ الزَّمانِ.
وتُعِقِّبَ بِأنَّ تَحَقُّقَ هَذا مَعَ القَوْلِ بِأنَّ الأزَلِيَّ مَدْلُولُ اللَّفْظِيِّ عَسِيرٌ جِدًّا، وكَذا القَوْلُ بِأنَّ المُتَّصِفَ بِالمُضِيِّ وغَيْرِهِ إنَّما هو اللَّفْظُ الحادِثُ دُونَ المَعْنى القَدِيمِ.
وأجابَ بَعْضُهم بِأنَّ العُسْرَ لَوْ كانَ دَلالَةُ اللَّفْظِيِّ عَلَيْهِ دَلالَةَ المَوْضُوعِ عَلى المَوْضُوعِ لَهُ ولَيْسَ كَذَلِكَ عِنْدَهم بَلْ هي دَلالَةُ الأثَرِ عَلى المُؤَثِّرِ، ولا يَلْزَمُ مِنِ اعْتِبارِ شَيْءٍ في الأثَرِ اعْتِبارُهُ في المُؤَثِّرِ، ولا يَخْفى أنَّ كَوْنَ الدَّلالَةِ دَلالَةَ الأثَرِ عَلى المُؤَثِّرِ خِلافُ الظّاهِرِ، وقالَ ابْنُ الصَّدْرِ في ذَلِكَ: إنَّ اشْتِمالَ الكَلامِ اللَّفْظِيِّ عَلى المُضِيِّ والحُضُورِ والِاسْتِقْبالِ إنَّما هو بِالنَّظَرِ إلى زَمانِ المُخاطَبِ لا إلى زَمانِ المُتَكَلِّمِ كَما إذا أرْسَلْتَ زَيْدًا إلى عَمْرٍو تَكْتُبُ في مَكْتُوبِكَ إلَيْهِ إنِّي أرْسَلْتُ إلَيْكَ زَيْدًا مَعَ أنَّهُ حِينَ ما تَكْتُبُهُ لَمْ يَتَحَقَّقِ الإرْسالُ فَتُلاحِظُ حالَ المُخاطَبِ، وكَما تُقَدِّرُ في نَفْسِكَ مُخاطِبًا وتَقُولُ: لَمْ تَفْعَلِ الآنَ كَذا وكانَ قَبْلَ ذَلِكَ كَذا، ولا شَكَّ أنَّ هَذا المُضِيَّ والحُضُورَ والِاسْتِقْبالَ بِالنِّسْبَةِ إلى زَمانِ الوُجُودِ المُقَدَّرِ لِهَذا المُخاطَبِ لا بِالنِّسْبَةِ إلى زَمانِ المُتَكَلِّمِ بِالكَلامِ النَّفْسِيِّ لِكَوْنِهِ مُتَوَجِّهًا لِمُخاطَبٍ مُقَدَّرٍ لا يُلاحَظُ فِيهِ إلّا أزْمِنَةُ المُخاطَبِينَ المُقَدَّرِينَ، وما اعْتَبَرَهُ أئِمَّةُ العَرَبِيَّةِ مِن حِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ واعْتِبارِ المُضِيِّ والحُضُورِ والِاسْتِقْبالِ في الجُمْلَةِ الحالِيَّةِ بِالقِياسِ إلى زَمانِ الفِعْلِ لا زَمانِ التَّكَلُّمِ قَرِيبٌ مِنهُ جِدًّا انْتَهى، ولِلْمُحَقِّقِ مِيرْزاجانَ كَلامٌ في هَذا المَقامِ يُطْلَبُ مِن حَواشِيهِ عَلى الشَّرْحِ العَضُدِيِّ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالفَتْحِ فَتْحُ الرُّومِ عَلى إضافَةِ المَصْدَرِ إلى الفِعْلِ فَإنَّهم غُلِبُوا عَلى الفُرْسِ في عامِ النُّزُولِ، وكَوْنُهُ فَتْحًا لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِأنَّهُ أخْبَرَ عَنِ الغَيْبِ فَتَحَقَّقَ ما أخْبَرَ بِهِ في ذَلِكَ العامِ ولِأنَّهُ تَفاءَلَ بِهِ لِغَلَبَةِ أهْلِ الكِتابِ المُؤْمِنِينَ، وفي ذَلِكَ مِن ظُهُورِ أمْرِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ما هو بِمَنزِلَةِ الفَتْحِ، قِيلَ: فَفي الفَتْحِ اسْتِعارَةٌ لِتَشْبِيهِ ظُهُورِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِالفَتْحِ، وقِيلَ: لا تَجُوزُ فِيهِ وإنَّما التَّجَوُّزُ في تَعَلُّقِهِ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقِيلَ: لا تَجُوزُ أصْلًا والمَعْنى فَتَحْنا عَلى الرُّومِ لِأجْلِكَ.
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ حَمْلَ الفَتْحِ عَلى ما ذَكَرَهُ في نَفْسِهِ بَعِيدٌ جِدًّا.
وأوْرَدَ عَلَيْهِ أنَّ فَتْحَ الرُّومِ لَمْ يَكُنْ مُسَبَّبًا عَلى الجِهادِ ونَحْوِهِ فَلا يَصِحُّ ما ذَكَرُوهُ في تَوْجِيهِ التَّعْلِيلِ الآتِي، وعَنْ قَتادَةَ أنَّ ( فَتَحْنا ) مِنَ الفُتاحَةِ بِالضَّمِّ وهي الحُكُومَةُ أيْ إنّا قَضَيْنا لَكَ عَلى أهْلِ مَكَّةَ أنْ تَدْخُلَها أنْتَ وأصْحابُكَ مِن قابِلٍ لِتَطُوفُوا بِالبَيْتِ وهو بَعِيدٌ أيْضًا، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ فَتَحَ اللَّهُ تَعالى لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِالإسْلامِ والنُّبُوَّةِ والدَّعْوَةِ بِالحُجَّةِ والسَّيْفِ وقَرِيبٌ مِنهُ ما نَقَلَهُ الرّاغِبُ مِن أنَّهُ فَتَحَهُ عَزَّ وجَلَّ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالعُلُومِ والهِداياتِ الَّتِي هي ذَرِيعَةٌ إلى الثَّوابِ والمَقاماتِ المَحْمُودَةِ، وأمْرُهُ في البُعْدِ كَما سَبَقَ، وأيًّا ما كانَ فَحَذْفُ المَفْعُولِ لِلْقَصْدِ إلى نَفْسِ الفِعْلِ والإيذانِ بِأنَّ مَناطَ التَّبْشِيرِ نَفْسُ الفَتْحِ الصّادِرِ عَنْهُ سُبْحانَهُ لا خُصُوصِيَّةُ المَفْتُوحِ، وتَقْدِيمُ ( لَكَ ) عَلى المَفْعُولِ المُطْلَقِ أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ فَتْحًا مُبِينًا ﴾ مَعَ أنَّ الأصْلَ تَقْدِيمُهُ عَلى سائِرِ المَفاعِيلِ كَما صَرَّحَ بِهِ العَلّامَةُ التَّفْتازانِيُّ لِلِاهْتِمامِ بِكَوْنِ ذَلِكَ لِنَفْعِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقِيلَ: لِأنَّهُ مَدارُ الفائِدَةِ، و(مُبِينٌ) مِن أبانَ بِمَعْنى بانَ اللّازِمِ أيْ فَتْحًا بَيِّنًا ظاهِرَ الأمْرِ مَكْشُوفَ الحالِ أوْ فارِقًا بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ.
<div class="verse-tafsir"
وهي عشرون وتسع آيات مدنية قوله تبارك وتعالى: إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً يعني: قضينا لك قضاء بيناً.
أكرمناك بالإسلام، والنبوة، وأمرناك بأن تدعو الخلق إليه.
قال مقاتل: وذلك أنه لما نزل بمكة وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ وكان المشركون يقولون: لم تتبعون رجلاً لا يدري ما يفعل به، ولا بمن تابعه.
فلما قدم المدينة، عيّرهم بذلك المنافقون أيضاً.
فعلم الله تعالى ما في قلوب المؤمنين من الحزم، وما في قلوب الكافرين من الفرح.
فنزل إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً يعني: قضينا لك قضاء بيناً لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ فقال المؤمنون: هذا لك!
فما لنا؟
فنزل لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ [الفتح: 5] الآية.
فقال المنافقون فما لنا؟
فنزل وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ [الفتح: 6] الآية.
وقال الزجاج: إِنَّا فَتَحْنا لَكَ يعني: فتح الحديبية، والحديبية بئر سمي المكان بها.
والفتح هو الظفر بالمكان، كان بحرب أو بغير حرب.
قال: ومعنى الفتح الهداية إلى الإسلام.
وكان في فتح الحديبية، معجزة من معجزات النبيّ ، وذلك أنها بئر فاستسقى جميع ما فيها من الماء، ولم يبق فيها شيء، فمضمض رسول الله ثم مجه فيها، فدرّت البئر بالماء.
ثم قال: لِيَغْفِرَ لَكَ قال بعضهم: هذه لام كي.
فكأنه قال: لكي يغفر لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ يعني: ذنب آدم وَما تَأَخَّرَ يعني: ذنب أمتك.
وقال القتبي: هذه لام القسم فكأَنه قال: لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ ويقال: ما كان قبل نزول الوحي، وما كان بعده.
قوله تعالى: وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ بالنبوة، وبإظهار الدين وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً يعني: يثبتك على الهدى، وهو طريق الأنبياء وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ يعني: لكي ينصرك الله على عدوك نَصْراً عَزِيزاً بإظهار الإسلام.
<div class="verse-tafsir"
سهمه، وثاب الماء حتى كَفَى الجيش، واتَّفَقَتْ بيعةُ الرضوان، وهي الفتح الأعظم قاله جابر بن عبد اللَّه والبَرَاءُ بن عازب «١» ، وبلغ هَدْيُهُ مَحِلَّهُ قاله الشَّعْبِيُّ «٢» ، واستقبل فتح خيبر، وامتلأت أيدي المؤمنين، وظهرت في ذلك الوقت الروم على فارس، فكانت من جملة الفتح فسرّ بها صلّى الله عليه وسلّم هو والمؤمنون لظهور أهل الكتاب على المجوس، وشَرَّفَه اللَّه بأنْ أخبره أَنَّه قد غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تأخر، أي: وإِنْ لم يكن ذنب.
ت: قال الثعلبيُّ: قوله: لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ قال أبو حاتم: هذه لام القسم، لما حُذِفَتِ النون من فعله كُسِرَتْ، ونُصِبَ فعلها تشبيهاً بلام «كي» ، انتهى.
قال عياض: ومقصد الآية أَنَّك مغفور لك، غيرَ مؤاخذ بذنب، إنْ لو كان، انتهى.
قال أبو حيان «٣» : لِيَغْفِرَ اللام لِلْعِلَّةِ، وقال ع: هي لام الصيرورة، وقيل:
هي لام القسم، ورُدَّ بأنَّ لام القسم لا تُكْسَرُ وَلا يُنْصَبُ بها، وأُجِيبَ بأَنَّ الكَسْرَ قد عُلِّلَ بالحمل على «لام كي» وأَمَّا الحركة فليست نصباً بل هي الفتحة الموجودة مع النون، بَقِيَتْ بعد حذفها دَالَّةً على المحذوف، ورُدَّ باَّنَّهُ لم يُحْفَظْ من كلامهم: واللَّهِ ليقوم ولا باللَّه ليخرج زيد، انتهى.
وفي «صحيح البخاريِّ» عن أنس بن مالك: «إنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحَاً مُبِيناً» : الحديبية «٤» ، انتهى.
وقوله سبحانه: وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ أي: / بإظهارك وتغليبك على عَدُوِّك، والرُّضْوَانُ في الآخرة والسَّكِينَةُ فعيلة من السكون، وهو تسكين قلوبهم لتلك الهُدْنَةِ مع قريش حتَّى اطمأَنَّتْ، وعلموا أنّ وعد الله حق.
سُورَةُ الفَتْحِ وَهِيَ مَدَنِيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا.
.
.
﴾ \[الآيَةُ\] سَبَبُ نُزُولِها أنَّهُ «لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿ وَما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكُمْ ﴾ قالَ اليَهُودُ: كَيْفَ نَتَّبِعُ رَجُلًا لا يَدْرِي ما يُفْعَلُ بِهِ؟!
فاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ،» رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وَفِي المُرادِ بِالفَتْحِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ كانَ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ، قالَهُ الأكْثَرُونَ.
قالَ البَراءُ بْنُ عازِبٍ: نَحْنُ نَعُدُّ الفَتْحَ بَيْعَةَ الرِّضْوانِ.
وقالَ الشَّعْبِيُّ: هو فَتْحُ الحُدَيْبِيَةِ، غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ وما تَأخَّرَ، وأُطْعِمُوا نَخْلَ خَيْبَرَ، وبَلَغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ، وظَهَرَتِ الرُّومُ عَلى فارِسَ، فَفَرِحَ المُؤْمِنُونَ بِظُهُورِ أهْلِ الكِتابِ عَلى المَجُوسِ.
قالَ الزُّهْرِيُّ: لَمْ يَكُنْ فَتْحٌ أعْظَمَ مِن صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ، وذَلِكَ أنَّ المُشْرِكِينَ اخْتَلَطُوا بِالمُسْلِمِينَ فَسَمِعُوا كَلامَهم فَتَمَكَّنَ الإسْلامُ في قُلُوبِهِمْ، وأسْلَمَ في ثَلاثِ سِنِينَ خَلْقٌ كَثِيرٌ وكَثُرَ بِهِمْ سَوادُ الإسْلامِ.
قالَ مُجاهِدٌ: يَعْنِي بِالفَتْحِ ما قَضى اللَّهُ لَهُ مِن نَحْرِ الهَدْيِ بِالحُدَيْبِيَةِ وحَلْقِ رَأْسِهِ، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ﴿ إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا ﴾ أيْ: قَضَيْنا لَكَ قَضاءً عَظِيمًا، ويُقالُ لِلْقاضِي: الفَتّاحُ.
قالَ الفَرّاءُ: والفَتْحُ قَدْ يَكُونُ صُلْحًا، ويَكُونُ أخْذَ الشَّيْءِ عَنْوَةً، ويَكُونُ بِالقِتالِ.
وقالَ غَيْرُهُ: مَعْنى الفَتْحِ في اللُّغَةِ: فَتْحُ المُنْغَلِقِ، والصُّلْحُ الَّذِي جُعِلَ مَعَ المُشْرِكِينَ بِالحُدَيْبِيَةِ كانَ مَسْدُودًا مُتَعَذِّرًا حَتّى فَتَحَهُ اللَّهُ تَعالى.
الإشارَةُ إلى قِصَّةِ الحُدَيْبِيَةِ رَوَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ رَأى في النَّوْمِ كَأنَّ قائِلًا يَقُولُ [لَهُ]: لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ إنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ، فَأصْبَحَ فَحَدَّثَ النّاسَ بِرُؤْياهُ، وأمَرَهم بِالخُرُوجِ لِلْعُمْرَةِ؛ فَذَكَرَ أهْلُ العِلْمِ بِالسِّيَرِ أنَّهُ خَرَجَ واسْتَنْفَرَ أصْحابَهُ لِلْعُمْرَةِ، وذَلِكَ في سَنَةِ سِتٍّ، ولَمْ يَخْرُجْ بِسِلاحٍ إلّا السُّيُوفَ في القُرُبِ.
وساقَ هو وأصْحابُهُ البُدْنَ.
فَصَلّى الظُّهْرَ بِـ "ذِي الحُلَيْفَةِ"، ثُمَّ دَعا بِالبُدْنِ فَجُلِّلَتْ، ثُمَّ أشْعَرَها وقَلَّدَها، وفَعَلَ ذَلِكَ أصْحابُهُ، وأحْرَمَ ولَبّى، فَبَلَغَ المُشْرِكِينَ خُرُوجُهُ، فَأجْمَعَ رَأْيُهم عَلى صَدِّهِ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ، وَخَرَجُوا حَتّى عَسْكَرُوا بِـ "بَلْدَحٍ"، وقَدَّمُوا مِائَتَيْ فارِسٍ إلى كُراعِ الغَمِيمِ، وسارَ رَسُولُ اللَّهِ حَتّى دَنا مِنَ الحُدَيْبِيَةِ؛ قالَ الزَّجّاجُ: وهي بِئْرٌ، فَسُمِّيَ المَكانُ بِاسْمِ البِئْرِ؛ قالُوا: وبَيْنَها وبَيْنَ مَكَّةَ تِسْعَةُ أمْيالٍ، فَوَقَفَتْ يَدا راحِلَتِهِ، فَقالَ المُسْلِمُونَ: حَلْ حَلْ يَزْجُرُونَها، فَأبَتْ، فَقالُوا: خَلَأتِ القَصْواءُ -والخِلاءُ في النّاقَةِ مِثْلُ الحِرانِ في الفَرَسِ- فَقالَ: "ما خَلَأتْ، ولَكِنْ حَبَسَها حابِسُ الفِيلِ، أما واللَّهِ لا يَسْألُونِي خُطَّةً فِيها تَعْظِيمُ حُرْمَةِ اللَّهِ إلّا أعْطَيْتُهم إيّاها"، ثُمَّ جَرَّها فَقامَتْ، فَوَلّى راجِعًا عَوْدُهُ عَلى بَدْئِهِ حَتّى نَزَلَ عَلى ثَمَدٍ مِن أثْمادِ الحُدَيْبِيَةِ قَلِيلِ الماءِ، فانْتَزَعَ سَهْمًا مِن كِنانَتِهِ فَغَرَزَهُ فِيها، فَجاشَتْ لَهم بِالرَّواءِ، وجاءَهُ بَدِيلُ بْنُ ورْقاءَ في رَكْبٍ فَسَلَّمُوا وقالُوا: جِئْناكَ مِن عِنْدَ قَوْمِكَ وقَدِ اسْتَنْفَرُوا لَكَ الأحابِيشَ ومَن أطاعَهُمْ، يُقْسِمُونَ، لا يُخَلُّونَ بَيْنَكَ وبَيْنَ البَيْتِ حَتّى تُبِيدَ خَضْراءَهُمْ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ : "لَمْ نَأْتِ لِقِتالِ أحَدٍ إنَّما جِئْنا لِنَطُوفَ بِهَذا البَيْتِ، فَمَن صَدَّنا عَنْهُ قاتَلْناهُ"، فَرَجَعَ [بَدِيلٌ] فَأخْبَرَ قُرَيْشًا، فَبَعَثُوا عُرْوَةَ بْنَ مَسْعُودٍ، فَكَلَّمَهُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، فَأخْبَرَ قُرَيْشًا، فَقالُوا: نَرُدُّهُ مِن عامِنا هَذا، ويَرْجِعُ مِن قابِلٍ فَيَدْخُلُ مَكَّةَ ويَطُوفُ بِالبَيْتِ، فَأرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ عُثْمانَ بْنَ عَفّانَ، قالَ: "اذْهَبْ إلى قُرَيْشٍ فَأخْبِرْهم أنّا لَمْ نَأْتِ لِقِتالِ أحَدٍ، وإنَّما جِئْنا زُوّارًا لِهَذا البَيْتِ، مَعَنا الهَدْيُ نَنْحَرُهُ ونَنْصَرِفُ، فَأتاهم فَأخْبَرَهُمْ، فَقالُوا: لا كانَ هَذا أبَدًا، ولا يَدْخُلُها العامَ، وبَلَغَ رَسُولُ اللَّهِ أنَّ عُثْمانَ قَدْ قُتِلَ، فَقالَ: "لا نَبْرَحُ حَتّى نُناجِزَهُمْ"، فَذاكَ حِينَ دَعا المُسْلِمِينَ إلى بَيْعَةِ الرِّضْوانِ، فَبايَعَهم تَحْتَ الشَّجَرَةِ.» وَفِي عَدَدِهِمْ يَوْمَئِذٍ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: ألْفٌ وأرْبَعُمِائَةٍ، قالَهُ البَراءُ، وسَلَمَةُ بْنُ الأكْوَعِ، وجابِرٌ، ومَعْقِلُ بْنُ يَسارٍ.
والثّانِي: ألْفٌ وخَمْسُمِائَةٍ، رُوِيَ عَنْ جابِرٍ أيْضًا، وبِهِ قالَ قَتادَةُ.
والثّالِثُ: ألْفٌ وخَمْسُمِائَةٍ وخَمْسٌ وعِشْرُونَ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والرّابِعُ: ألْفٌ وثَلاثُمِائَةٍ، قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي أوْفى، قالَ: «وَضَرَبَ يَوْمَئِذٍ رَسُولُ اللَّهِ بِشِمالِهِ عَلى يَمِينِهِ لِعُثْمانَ، وقالَ: إنَّهُ ذَهَبَ في حاجَةِ اللَّهِ ورَسُولِهِ،» وَجَعَلَتِ الرُّسُلُ تَخْتَلِفُ بَيْنَهُمْ، فَأجْمَعُوا عَلى الصُّلْحِ، فَبَعَثُوا سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو في عِدَّةِ رِجالٍ، فَصالَحَهُ كَما ذَكَرْنا في [بَراءَةٍ: ٧]، فَأقامَ بِالحُدَيْبِيَةِ بِضْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا، ويُقالُ: عِشْرِينَ لَيْلَةً، ثُمَّ انْصَرَفَ، فَلَمّا كانَ بِـ "ضَجْنانَ" نَزَلَ عَلَيْهِ: ﴿ إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا ﴾ ، فَقالَ جِبْرِيلُ: يُهَنِّيكَ يا رَسُولَ اللَّهِ، وهَنَّأهُ المُسْلِمُونَ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ هَذا الفَتْحَ فَتْحُ مَكَّةَ، رَواهُ مَسْرُوقٌ عَنْ عائِشَةَ، وبِهِ قالَ السُّدِّيُّ.
وقالَ بَعْضُ مَن ذَهَبَ إلى هَذا: إنَّما وُعِدَ بِفَتْحِ مَكَّةَ بِهَذِهِ الآيَةِ.
والثّالِثُ: أنَّهُ فَتْحُ خَيْبَرَ، قالَهُ مُجاهِدٌ، والعَوْفِيُّ وعَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ كالقَوْلَيْنِ.
والرّابِعُ: أنَّهُ القَضاءُ لَهُ بِالإسْلامِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
وقالَ غَيْرُهُ: حُكْمُنا لَكَ بِإظْهارِ دِينِكِ والنُّصْرَةِ عَلى عَدُوِّكَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ﴾ قالَ ثَعْلَبٌ: اللّامُ لامُ "كَيْ"، والمَعْنى: لِكَيْ يَجْتَمِعَ لَكَ [مَعَ] المَغْفِرَةِ تَمامَ النِّعْمَةِ في الفَتْحِ، فَلَمّا انْضَمَّ إلى المَغْفِرَةِ شَيْءٌ حادِثٌ، حَسُنَ مَعْنى "كَيْ"، وغَلَطَ مَن قالَ: لَيْسَ الفَتْحُ سَبَبَ المَغْفِرَةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: والمَعْنى: "ما تَقَدَّمَ" في الجاهِلِيَّةِ، و "ما تَأخَّرَ" ما لَمْ تَعْلَمْهُ، وهَذا عَلى سَبِيلِ التَّأْكِيدِ، كَما تَقُولُ: فُلانٌ يَضْرِبُ مَن يَلْقاهُ ومَن لا يَلْقاهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّ ذَلِكَ في الجَنَّةِ.
والثّانِي: أنَّهُ بِالنُّبُوَّةِ والمَغْفِرَةِ، رُوِيا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: بِفَتْحِ مَكَّةَ والطّائِفِ وخَيْبَرَ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.
والرّابِعُ: بِإظْهارِ دِينِكَ عَلى سائِرِ الأدْيانِ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَهْدِيَكَ صِراطًا مُسْتَقِيمًا ﴾ أيْ: ويُثَبِّتَكَ عَلَيْهِ؛ وقِيلَ: وَيَهْدِي بِكَ، ﴿ وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ ﴾ عَلى عَدُوِّكَ ﴿ نَصْرًا عَزِيزًا ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: نَصَرًا ذا عِزٍّ لا يَقَعُ مَعَهُ ذُلٌّ.
<div class="verse-tafsir"
بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةُ الفَتْحِ هَذِهِ السُورَةُ نَزَلَتْ عَلى رَسُولِ اللهِ مُنْصَرَفُهُ مِنَ الحُدَيْبِيَةَ، وفي ذَلِكَ أحادِيثٌ كَثِيرَةٌ عن أنَسٍ وابْنِ مَسْعُودٍ وغَيْرِهِما تَقْتَضِي صِحَّتُهُ، وهي بِهَذا في حُكْمِ المَدَنِيِّ، وقالَ الزَهْراوِيُّ عن مُجاهِدٍ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: إنَّها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ، والأوَّلُ أصَحُّ، ويُشْبِهُ أنَّ مِنها بَعْضًا نَزَلَ بِالمَدِينَةِ، وأمّا صَدْرُ السُورَةِ ومُعْظَمُها فَكَما قُلْنا، ويَقْضِي بِذَلِكَ قَوْلُ النَبِيِّ لِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ وهُما في تِلْكَ السُفْرَةِ: « "لَقَدْ نَزَلَتْ عَلَيَّ اللَيْلَةَ سُورَةٌ هي أحَبُّ إلَيَّ مِنَ الدُنْيا وما فِيهِا"،» ذَكَرَ مَكِّيٌّ هُنا أنَّ المَعْنى: بِشَرْطِ أنْ تَبْقى الدُنْيا ولا تَفْنى، وفي هَذا نَظَرٌ، وكانَ رَسُولُ اللهِ خَرَجَ في تِلْكَ الوُجْهَةِ لِيَعْتَمِرَ بِمَكَّةَ، فَصَدَّهُ المُشْرِكُونَ - القِصَّةُ المَشْهُورَةُ - سَنَةَ سِتٍّ مِنَ الهِجْرَةِ.
قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا ﴾ ﴿ لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ ويُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ ويَهْدِيَكَ صِراطًا مُسْتَقِيمًا ﴾ ﴿ وَيَنْصُرَكَ اللهُ نَصْرًا عَزِيزًا ﴾ ﴿ هُوَ الَّذِي أنْزَلَ السَكِينَةَ في قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ لِيَزْدادُوا إيمانًا مَعَ إيمانِهِمْ ولِلَّهِ جُنُودُ السَماواتِ والأرْضِ وكانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴾ قالَ قَوْمٌ - فِيما حَكى الزَهْراوِيُّ -: ﴿ فَتَحْنا لَكَ ﴾ يُرِيدُ بِهِ فَتْحَ مَكَّةَ، وحَكاهُ الثَعْلَبِيُّ أيْضًا، ونَسَبَهُ النِقاشُ إلى الكَلْبِيِّ، وأخْبَرَهُ تَعالى بِهِ عَلى مَعْنى: قَضَيْنا بِهِ، و"الفَتّاحُ": القاضِي بِلُغَةِ اليَمَنِ، وقِيلَ: المُرادُ إنّا فَتَحْنا لَكَ بِأنْ هَدَيْناكَ إلى الإسْلامِ لِيَغْفِرَ، وقالَ جُمْهُورُ الناسِ - والصَحِيحُ الَّذِي تُعَضِّدُهُ قِصَّةُ الحُدَيْبِيَةِ -: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ إنّا فَتَحْنا لَكَ ﴾ إنَّما مَعْناهُ: إنَّ ما يُسِرُّ اللهُ لَكَ في تِلْكَ الخَرْجَةِ فَتْحٌ مُبِينٌ تَسْتَقْبِلُهُ، ونَزَلَتِ السُورَةُ مُؤْنِسَةً لِلْمُؤْمِنِينَ لِأنَّهم كانُوا اسْتَوْحَشُوا مَن رَدِّ قُرَيْشٍ لَهُمْ، ومِن تِلْكَ المُهادَنَةِ الَّتِي هادَنَهُمُ النَبِيُّ ، فَنَزَلَتِ السُورَةُ مُؤْنِسَةً لَهم في صَدِّهِمْ عَنِ البَيْتِ، ومُذْهِبَةٌ ما كانَ في قُلُوبِهِمْ، ومِنهُ حَدِيثُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ الشَهِيرُ، وما قالَهُ لِلنَّبِيِّ ولِأبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، واسْتَقْبَلَ رَسُولُ اللهِ في تِلْكَ السُفْرَةِ أنَّهُ هادَنَ عَدْوَهُ رَيْثَما يَتَقَوّى هُوَ، وظَهَرَتْ عَلى يَدَيْهِ آيَةُ الماءِ في بِئْرِ الحُدَيْبِيَةِ، حَيْثُ وضَعَ فِيهِ سَهْمَهُ وثابَ الماءَ حَتّى كَفى الجَيْشُ، واتَّفَقَتْ بَيْعَةُ الرِضْوانِ، وهي الفَتْحُ الأعْظَمُ، قالَهُ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، والبَراءُ بْنُ عازِبٍ، وبَلَغَ هَدْيُهُ مَحَلَّهُ، قالَهُ الشَعْبِيُّ، واسْتَقْبَلَ فَتْحَ خَيْبَرَ، وامْتَلَأتْ أيْدِي المُؤْمِنِينَ خَيْرًا، ولَمْ يَفْتَحْها إلّا أهْلُ الحُدَيْبِيَةِ، ولَمْ يُشْرِكْهم فِيها أحَدٌ، وفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأنَّ أصْحابَ السَفِينَةِ مَعَ جَعْفَرِ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ شارَكُوهم في القِسْمِ، فَيَنْبَغِي أنْ يُقالَ: لَمْ يُشْرِكْهم أحَدٌ مِنَ المُتَخَلِّفِينَ عَنِ الحُدَيْبِيَةِ، واتَّفَقَتْ في ذَلِكَ الوَقْتِ مَلْحَمَةٌ عَظِيمَةٌ بَيْنَ الرُومِ وفارِسٍ ظَهَرَتْ فِيها الرُومُ، فَكانَتْ مِن جُمْلَةِ الفَتْحِ عَلى رَسُولِ اللهِ ، وسُرَّ بِها هو والمُؤْمِنُونَ لِظُهُورِ أهْلِ الكِتابِ عَلى المَجُوسِ وانْخِضادِ الشَوْكَةِ العُظْمى مِنَ الكُفْرِ.
ثُمَّ عَظَّمَ اللهُ تَعالى أمْرَ نَبِيِّهِ وشَرَّفَهُ بِأنْ نَبَّأهُ أنَّهُ غَفَرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ وما تَأخَّرَ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "لِيَغْفِرَ" ﴾ هي لامُ "كَيْ"، لَكِنَّها تُخالِفُها في المَعْنى، والمُرادُ هُنا أنَّ اللهَ فَتَحَ لَكَ لِكَيْ يَجْعَلَ ذَلِكَ أمارَةً وعَلامَةً لِغُفْرانِهِ لَكَ، فَكَأنَّها لامُ صَيْرُورَةٍ، ولِهَذا قالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "لَقَدْ أُنْزَلِتْ عَلَيَّ اللَيْلَةَ سُورَةٌ هي أحَبُّ إلَيَّ مِنَ الدُنْيا"،» وقالَ الطَبَرِيُّ وابْنُ كَيْسانَ: المَعْنى: إنّا فَتَحْنا لَكَ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ واسْتَغْفِرْهُ لِيَغْفِرَ لَكَ، وبَنَيا هَذِهِ الآيَةَ مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إذا جاءَ نَصْرُ اللهِ والفَتْحُ ﴾ السُورَةُ، وهَذا ضَعِيفٌ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما أنَّ سُورَةَ ﴿ إذا جاءَ نَصْرُ اللهِ ﴾ إنَّما نَزَلَتْ مِن آخِرِ مُدَّةِ النَبِيِّ ناعِيَةً لَهُ نَفْسَهُ حَسَبَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، عِنْدَما سَألَ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ عن ذَلِكَ، والآخِرُ أنَّ تَخْصِيصَ النَبِيِّ بِالتَشْرِيفِ كانَ يَذْهَبُ، لِأنَّ كُلَّ أحَدٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ مُخاطَبٌ بِهَذا الَّذِي قالَ الطَبَرِيُّ، أيْ: سَبِّحْ واسْتَغْفِرْ لِكَيْ يَغْفِرَ اللهُ لَكَ، ولا يَقْتَضِي هَذا أنَّ الغُفْرانَ قَدْ وقَعَ، وما قَدَّمْناهُ أوَّلًا يَقْتَضِي وُقُوعُ الغُفْرانِ لِلنَّبِيِّ ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُ الصَحابَةِ رَضِيَ اللهُ عنهم لَهُ حِينَ قامَ حَتّى تَوَرَّمَتْ قَدَماهُ: أتُفْعَلُ هَذا يا رَسُولَ اللهِ وقَدْ غَفَرَ اللهُ لَكَ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ؟
قالَ: « "أفَلا أكُونُ عَبْدًا شَكُورًا"؟» فَهَذا نَصٌّ في أنَّ الغُفْرانَ قَدْ وقَعَ، وقالَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ: المَعْنى: مُجاهَدَتُكَ بِاللهِ تَعالى المُقْتَرِنَةِ بِالفَتْحِ هي لِيَغْفِرَ، وحَكى الثَعْلَبِيُّ عَنِ الحُسَيْنِ بْنِ الفَضْلِ أنَّ المَعْنى: إنّا فَتَحْنا لَكَ فاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ولِلْمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ......
الآيَةُ، وهَذا نَحْوُ قَوْلِالطَبَرِيِّ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ ﴾ قالَ سُفْيانُ الثَوْرِيُّ: ﴿ ما تَقَدَّمَ ﴾ يُرِيدُ بِهِ قَبْلَ النُبُوَّةِ و"ما تَأخَّرَ" كُلُّ شَيْءٍ لَمْ يَعْلَمْهُ، وهَذا ضَعِيفٌ، وإنَّما المَعْنى التَشْرِيفُ بِهَذا الحُكْمِ ولَوْ لَمْ تَكُنْ لَهُ ذُنُوبٌ البَتَّةَ، وأجْمَعَ العُلَماءُ عَلى عِصْمَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَلاةُ والسَلامُ مِنَ الكَبائِرِ ومِنَ الصَغائِرِ الَّتِي هي رَذائِلُ، [وَجَوَّزَ بَعْضُهُمُ الصَغائِرَ الَّتِي لَيْسَتْ بِرَذائِلَ]، واخْتَلَفُوا هَلْ وقَعَ ذَلِكَ مِن مُحَمَّدٍ أو لَمْ يَقَعْ؟
وحَكى الثَعْلَبِيُّ عن عَطاءٍ الخُراسانِيِّ أنَّهُ قالَ: ﴿ ما تَقَدَّمَ ﴾ هو ذَنْبُ آدَمَ وحَوّاءَ عَلَيْهِما السَلامُ، أيْ بِبَرَكَتِكَ، و"ما تَأخَّرَ" هي ذُنُوبُ أُمَّتِكَ، بِدُعائِكَ، قالَ الثَعْلَبِيُّ: الإمامِيَّةُ لا تَجُوزُ الصَغائِرُ عَلى النَبِيِّ ولا عَلى الإمامِ، والآيَةِ تَرُدُّ عَلَيْهِمْ، وقالَ بَعْضُهُمْ: "وَما تَقَدَّمَ" هو قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ يَوْمَ بَدْرٍ: « "اللهُمَّ، إنَّ تَهْلَكْ هَذِهِ العِصابَةُ لَنْ تَعْبُدَ"،» و"ما تَأخَّرَ" هو قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ يَوْمَ حُنَيْنٍ: « "لَنْ نُغْلَبَ اليَوْمَ مِن قِلَّةٍ".» هَذا كُلُّهُ مُعْتَرِضٌ.
و"إتْمامُ النِعْمَةِ عَلَيْهِ" هو إظْهارُهُ وتَغَلُّبُهُ عَلى عَدُوِّهِ والرِضْوانِ في الآخِرَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَهْدِيَكَ صِراطًا مُسْتَقِيمًا ﴾ مَعْناهُ: إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ، فَحَذَفَ الجارُّ فَتَعَدّى الفِعْلُ، وقَدْ يَتَعَدّى هَذا بِغَيْرِ حَرْفِ جَرٍّ.
و"النَصْرُ العَزِيزُ" هو الَّذِي مَعَهُ غَلَبَةُ العَدُوِّ والظُهُورِ عَلَيْهِ، والنَصْرُ غَيْرُ العَزِيزِ هو الَّذِي مُضَمِّنُهُ الحِمايَةُ ودَفْعُ العَدُوِّ فَقَطْ.
و"إنْزالُ السِكِّينَةِ في قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ" - وهي فِعْلِيَّةٌ مِنَ السُكُونِ - هو تَسْكِينُها لِتِلْكَ الهُدْنَةِ مَعَ قُرَيْشٍ حَتّى اطْمَأنَّتْ، وعَلِمُوا أنَّ وعْدَ اللهِ تَعالى عَلى لِسانِ رَسُولِهِ حَقٌّ، فازْدادُوا بِذَلِكَ إيمانًا إلى إيمانِهِمُ الأوَّلِ وكَثُرَ تَصْدِيقُهُمْ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: لَمّا آمَنُوا بِالتَوْحِيدِ زادَهُمُ العِباداتُ شَيْئًا شَيْئًا، فَكانُوا يَزِيدُونَ إيمانًا حَتّى قالَ لَهُمْ: ﴿ اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكُمْ ﴾ فَمَنَحَهم أكْمَلَ إيمانَ أهْلِ السَماواتِ والأرْضِ، لا إلَهَ إلّا اللهُ، وفَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما السَكِينَةَ بِالرَحْمَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَماواتِ والأرْضِ ﴾ إشارَةٌ إلى تَسْكِينِ النُفُوسِ أيْضًا، وأنْ تَكُونَ مُسْلِمَةً، لِأنَّهُ يَنْصُرُ مَتى شاءَ وعَلى أيِّ صُورَةٍ شاءَ، مِمّا لا يُدَبِّرُهُ البَشَرُ، ومِن جُنْدِهِ: السَكِينَةُ الَّتِي أنْزَلَها في قُلُوبِ أصْحابِ مُحَمَّدٍ فَثَبَّتَ بَصائِرَهُمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكانَ اللهُ ﴾ أيْ: ويَكُونُ: فَهي دالَّةٌ عَلى الوُجُودِ بِهَذِهِ الصِفَةِ لا مُعَيَّنَةً وقْتًا ماضِيًا، و"العِلْمُ" و"الإحْكامُ" صِفَتانِ مُقْتَضِيَتانِ عِزَّةَ النَصْرِ لِمَن أرادَ المَوْصُوفُ بِهِما نَصْرَهُ.
<div class="verse-tafsir"
افتتاح الكلام بحرف (إنّ) ناشئ على ما أحلّ للمسلمين من الكآبة على أن أجيب المشركون إلى سؤالهم الهدنة كما سيأتي من حديث عمر بن الخطاب وما تقدم من حديث عبد الله بن مغفل فالتأكيد مصروف للسامعين على طريقة التعريض، وأما النبيء صلى الله عليه وسلم فقد كان واثقاً بذلك، وسيأتي تبيين هذا التأكيد قريباً.
والفتح: إزالة غلق الباببِ أو الخزانة قال تعالى: ﴿ لا تُفتَّح لهم أبواب السماء ﴾ [الأعراف: 40] ويطلق على النصر وعلى دخول الغازي بلاد عدوّه لأن أرض كل قوم وبلادهم مواقع عنها فاقتحام الغازي إياها بعد الحرب يشبه إزالة الغلق عن البيت أو الخزانة، ولذلك كثر إطلاق الفتح على النصر المقترن بدخول أرض المغلوب أو بلده ولم يطلق على انتصار كانت نهايته غنيمة وأسر دون اقتحام أرض فيقال: فتح خيبر وفتح مكة ولا يقال: فتح بَدر.
وفتح أُحد.
فمن أطلق الفتح على مطلق النصر فقد تسامح، وكيف وقد عطف النصر على الفتح في قوله: ﴿ نصر من الله وفتح قريب ﴾ في سورة الصف (13).
ولعلّ الذي حداهم على عدّ النصر من معاني مادة الفتح أن فتح البلاد هو أعظم النصر لأن النصر يتحقق بالغلبة وبالغنيمة فإذا كان مع اقتحام أرض العدّو فذلك نصر عظيم لأنه لا يتم إلا مع انهزام العدّو أشنع هزيمة وعجزه عن الدفاع عن أرضه.
وأطلق الفتح على الحكم قال تعالى: ﴿ ويقولون متى هذا الفتح إن كنتم صادقين ﴾ الآية سورة ألم السجدة (28).
ولمراعاة هذا المعنى قال جمع من المفسّرين: المراد بالفتح هنا فتح مكة وأن محمله على الوعد بالفتح.
والمعنى: سنفتح.
وإنما جيء في الإخبار بلفظ الماضي لتحققه وتيقنه، شُبه الزمن المستقبل بالزمن الماضي فاستعملت له الصيغة الموضوعة للمضي.
أو نقول استعمل فتحنا } بمعنى: قدّرنا لك الفتح، ويكون هذا الاستعمال من مصطلحات القرآن لأنه كلام من له التصرف في الأشياء لا يحجزه عن التصرف فيها مانع.
وقد جرى على عادة إخبار الله تعالى لأنه لا خلاف في إخباره، وذلك أيضاً كناية عن علو شأن المخبر مثل ﴿ أتى أمر الله فلا تستعجلوه ﴾ [النحل: 1].
وما يندرج في هذا التفسير أن يكون المراد بالفتح صلح الحديبية تشبيهاً له بفتح مكة لأنه توطئة له فعن جابر بن عبد الله: ما كنّا نعدّ فتح مكة إلا يوم الحديبية، يريد أنهم أيقنوا بوقوع فتح مكة بهذا الوعد، وعن البراء بن عازب «تعدون أنتم الفتح فتح مكة وقد كان فتح مكة فتحاً، ونحن نعد الفتح بيعة الرضوان يوم الحديبية»، يريد أنكم تحملون الفتح في قوله: ﴿ إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً ﴾ على فتح مكة ولكنه فتح بيعة الرضوان وإن كان فتح مكة هو الغالب عليه اسم الفتح.
ويؤيد هذا المحمل حديث عبد الله بن مغفَّل «قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة سورةَ الفتح»، وفي رواية «دخل مكة وهو يقرأ سورة الفتح على راحلته».
على أن قرائن كثيرة تُرجح أن يكون المراد بالفتح المذكور في سورة الفتح: أُولاها أنّه جعله مُبيناً.
الثّانية: أنه جعل علّته (النصر العزيز) الثانية، ولا يكون الشيء علّة لنفسه.
الثالثة: قوله ﴿ وأثابهم فتحاً قريباً ﴾ [الفتح: 18].
الرّابعة: قوله: ﴿ ومغانم كثيرة يأخذونها ﴾ [الفتح: 19].
الخامسة: قوله: ﴿ فجعل من دون ذلك فتحاً قريباً ﴾ [الفتح: 27].
والجمهور على أن المراد في سورة الفتح هو صلح الحديبية، وجعلوا إطلاق اسم الفتح عليه مجازاً مرسلاً باعتبار أنه آل إلى فتح خيبر وفتِح مكة، أو كان سبباً فيهما فعن الزهري «لقد كان يوم الحديبية أعظم الفتوح ذلك أن النبيء صلى الله عليه وسلم جاء إليها في ألف وأربعمائة فلما وقع صلح مشي الناس بعضهم في بعض، أي تفرقوا في البلاد فدخل بعضهم أرض بعض من أجْل الأمن بينهم، وعلموا وسمِعوا عن الله فما أراد أحد الإسلام إلا تمكن منه، فما مضت تلك السنتاننِ إلا والمسلمون قد جاؤوا إلى مكّة في عشرة آلاف» اه، وفي رواية «فلما كانت الهدنة أمن الناس بعضُهم بعضاً فالتقوا وتفاوضوا الحديث والمناظرة فلم يكلَّم أحد يعقل بالإسلام إلا دخل فيه».
وعلى هذا فالمجاز في إطلاق مادة الفتح على سببه ومآله لا في صورة الفعل، أي التعبير عن المستقبل بلفظ الماضي لأنه بهذا الاعتبار المجازي قد وقع فيما مضي فيكون اسم الفتح استعمل استعمال المشترك في معنييه، وصيغةُ الماضي استعملت في معنييها فيظهر وجه الإعجاز في إيثار هذا التركيب.
وقيل: هو فتح خيبر الواقع عند الرجوع من الحديبية كما يجئ في قوله: ﴿ إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها ﴾ [الفتح: 15].
وعلى هذه المحامل فتأكيد الكلام ب (إن) لما في حصول ذلك من تردد بعض المسلمين أو تساؤلهم، فعن عمر أنه لما نزلت ﴿ إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً ﴾ قال: «أوَ فتح هو يا رسول الله؟
قال: " نعم والذي نفسي بيده إنه لفتح ".
وروى البيهقي عن عروة بن الزبير قال: أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحديبية راجعاً فقال رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والله ما هذا بفتح صُددنا عن البيت وصُدّ هدينا.
فبلغ ذلك رسول الله فقال: بئس الكلام هذا بل هو أعظم الفتح لقد رضي المشركون أن يدفعوكم بالراح عن بلادهم ويسألوكم القضية ويرغبون إليكم الأمان وقد كرهوا منكم ما كرهوا ولقد أظفركم الله عليهم وردكم سالمين غانمين مأجورين، فهذا أعظم الفتح أنسيتم يوم أحد إذ تصعدون ولا تلوون على أحد وأنا أدعوكم في أخراكم، أنسيتم يوم الأحزاب إذ جاؤوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنون.
فقال المسلمون: صدق الله ورسوله وهو أعظم الفتوح والله يا رسول الله ما فكرنا فيما ذكرت، ولأنت أعلم بالله وبالأمور منا».
وحذف مفعول ﴿ فتحنا ﴾ لأن المقصود الإعلام بجنس الفتح لا بالمفتوح الخاص.
واللام في قوله: ﴿ فتحنا لك ﴾ لام العلة، أي فتحنا لأجلك فتحاً عظيماً مثل التي في قوله تعالى: ﴿ ألم نشرح لك صدرك ﴾ [الشرح: 1].
وتقديم المجرور قبل المفعول المطلق خلافاً للأصل في ترتيب متعلقات الفعل لقصد الاهتمام والاعتناء بهذه العلة.
وقوله: ﴿ ليغفر لك الله ﴾ بدل اشتمال من ضمير ﴿ لك ﴾ .
والتقدير: إنا فتحنا فتحاً مبيناً لأجلك لغفران الله لك وإتمام نعمته عليك، وهدايتك صراطاً مستقيماً ونصرك نصراً عزيزاً...
وجُعلت مغفرة الله للنبيء صلى الله عليه وسلم علة للفتح لأنها من جملة ما أراد الله حصوله بسبب الفتح، وليست لام التعليل مُقتضية حَصْرَ الغرض من الفعل المعلل في تلك العلة، فإن كثيراً من الأشياء تكون لها أسباب كثيرة فيذكر بعضها ممّا يقتضيه المقام وإذ قد كان الفتح لكرامة النبيء صلى الله عليه وسلم على ربه تعالى كان من علته أن يغفر الله لنبيئه صلى الله عليه وسلم مغفرة عامة إتماماً للكرامة فهذه مغفرة خاصة بالنبيء صلى الله عليه وسلم هي غير المغفرة الحاصلة للمجاهدين بسبب الجهاد والفتح.
فالمعنى: أن الله جعل عند حصول هذا الفتح غفران جميع ما قد يؤاخذ الله على مثله رسلَه حتى لا يبقى لرسوله صلى الله عليه وسلم ما يقصر به عن بلوغ نهاية الفضل بين المخلوقات.
فجعل هذه المغفرة جزاء له على إتمام أعماله التي أرسل لأجلها من التبليغ والجهاد والنَصب والرغبة إلى الله.
فلما كان الفتح حاصلاً بسعيه وتسببه بتيسير الله له ذلك جعل الله جزاءه غفران ذنوبه بعظم أثر ذلك الفتح بإزاحة الشرك وعلوّ كلمة الله تعالى وتكميل النفوس وتزكيتها بالإيمان وصالح الأعمال حتى ينتشر الخير بانتشار الدين ويصير الصلاح خُلقاً للناس يقتدي فيه بعضُهم ببعض وكل هذا إنما يناسب فتح مكة وهذا هو ما تضمنته سورة ﴿ إذا جاء نصر الله ﴾ من قوله: ﴿ إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا ﴾ [النصر: 1 3] أي إنه حينئذٍ قد غفر لك أعظم مغفرة وهي المغفرة التي تليق بأعظممِ من تَابَ على تائب، وليست إلا مغفرة جميع الذنوب سابقها وما عسى أن يأتي منها مِما يعده النبيء صلى الله عليه وسلم ذنباً لشدة الخشية من أقل التقصير كما يقال: حسنات الأبرار سيئات المقربين، وإن كان النبيء صلى الله عليه وسلم معصوماً من أن يأتي بعدها بما يؤاخَذ عليه.
وقال ابن عطية: وإنما المعنى التشريف بهذا الحكم ولو لم تكن له ذنوب، ولهذا المعنى اللَّطيف الجليل كانت سورة ﴿ إذا جاء نصر الله ﴾ مؤذنة باقتراب أجل النبيء صلى الله عليه وسلم فيما فهم عمر بن الخطاب وابن عباس، وقد روي ذلك عن النبيء صلى الله عليه وسلم والتقدم والتأخر من الأحوال النسبية للموجودات الحقيقية أو الاعتبارية يقال: تقدم السائر في سيره على الركب، ويقال: تقدم نزول سورة كذا على سورة كذا ولذلك يكثر الاحتياج إلى بيان ما كان بينهما تقدم وتأخر بذكر متعلق بفعل تقدم وتأخّر.
وقد يترك ذلك اعتماداً على القرينة، وقد يقطع النظر على اعتبار متعلِّق فيُنزَّل الفعل منزلة الأفعال غير النسبية لقصد التعميم في المتعلقات وأكثر ذلك إذا جمع بين الفعلين كقوله هنا ﴿ ما تقدم من ذنبك وما تأخر ﴾ [الفتح: 2].
والمراد ب ﴿ ما تقدم ﴾ : تعميم المغفرة للذنب كقوله: ﴿ يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ﴾ [البقرة: 255]، فلا يقتضي ذلك أنه فرط منه ذنب أو أنه سيقع منه ذنب وإنما المقصود أنه تعالى رَفَعَ قَدره رفعَة عدم المؤاخذة بذنب لو قُدر صدوره منه وقد مضى شيء من بيان معنى الذنب عند قوله تعالى: ﴿ واستغفر لذنبك ﴾ في سورة القتال (55).
وإنما أسند فعل ليغفر } إلى اسم الجلالة العلَم وكان مقتضى الظاهر أن يسند إلى الضمير المستتر قصداً للتنويه بهذه المغفرة لأن الاسم الظاهر أنفذ في السمع وأجلب للتنبيه وذلك للاهتمام بالمسند وبمتعلقه لأن هذا الخبر أُنف لم يكن للرسول صلى الله عليه وسلم علم به ولذلك لم يبرز الفاعل في ﴿ ويُتمّ نعمته عليك ويهديك ﴾ لأن إنعام الله عليه معلوم وهدايته معلومة وإنما أخبر بازديادهما.
وإتمام النعمة: إعطاء ما لم يكن أعطاه إياه من أنواع النعمة مثل إسلام قريش وخلاص بلاد الحجاز كلّها للدخول تحت حكمه، وخضوع من عانده وحاربه، وهذا ينظر إلى قوله تعالى: ﴿ اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ﴾ [المائدة: 3] فذلك ما وعد به الرسول صلى الله عليه وسلم في هذه الآية وحصل بعد سنين.
ومعنى ﴿ ويهديك صراطاً مستقيماً ﴾ : يزيدك هديا لم يسبق وذلك بالتوسيع في بيان الشريعة والتعريف بما لم يسبق تعريفه به منها، فالهداية إلى الصراط المستقيم ثابتة للنبيء صلى الله عليه وسلم من وقت بعثته ولكنها تزداد بزيادة بيان الشريعة وبسعة بلاد الإسلام وكثرة المسلمين مما يدعو إلى سلوك طرائق كثيرة في إرشادهم وسياستهم وحماية أوطانهم ودفع أعدائهم، فهذه الهداية متجمعة من الثبات على ما سبق هديُه إليه، ومن الهداية إلى ما لم يسبق إليه وكل ذلك من الهداية.
والصراط المستقيم: مستعار للدين الحق كما تقدم في سورة الفاتحة.
وتنوين ﴿ صراطاً ﴾ للتعظيم.
وانتصب ﴿ صراطاً ﴾ على أنه مفعول ثان ل ﴿ يهدي ﴾ بتضمين معنى الإعطاء، أو بنزع الخافض كما تقدّم في الفاتحة.
والنصر العزيز: غير نصر الفتح المذكور لأنه جعل علة الفتح فهو ما كان من فتح مكة وما عقبه من دخول قبائل العرب في الإسلام بدون قتال.
وبعثهم الوفود إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليتلقوا أحكام الإسلام ويُعلموا أقوامهم إذا رجعوا إليهم.
ووصف النصر بالعزيز مجاز عقلي وإنما العزيز هو النبي صلى الله عليه وسلم المنصور، أو أريد بالعزيز المعز كالسميع في قول عمرو بن معد يكرب: آمِنْ ريحانة الداعي السميع *** أي المسمع، وكالحكيم على أحد تأويلين.
والعزة: المنعة.
وإنما أظهر اسم الجلالة في قوله: ﴿ وينصرك الله ﴾ ولم يكتف بالضمير اهتماماً بهذا النصر وتشريعاً له بإسناده إلى الاسم الظاهر لصراحة الظاهر والصراحة أدعى إلى السمع، والكلام مع الإظهار أعلق بالذهن كما تقدم في ﴿ ليغفر لك الله ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
سُورَةُ الفَتْحِ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: إنّا أعْلَمْناكَ عِلْمًا مُبِينًا فِيما أنْزَلْناهُ عَلَيْكَ مِنَ القُرْآنِ وأمَرْناكَ بِهِ مِنَ الدِّينِ.
وَقَدْ يُعَبَّرُ عَنِ العِلْمِ بِالفَتْحِ كَقَوْلِهِ ﴿ وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ ﴾ أيْ عِلْمُ الغَيْبِ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.
وَكَقَوْلِهِ ﴿ إنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الفَتْحُ ﴾ أيْ إنْ أرَدْتُمُ العِلْمَ فَقَدْ جاءَكُمُ العِلْمُ.
الثّانِي: إنّا قَضَيْنا لَكَ قَضاءً بَيِّنًا فِيما فَتَحْناهُ عَلَيْكَ مِنَ البِلادِ.
وَفي المُرادِ بِهَذا الفَتْحِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: فَتْحُ مَكَّةَ، وعَدَهُ اللَّهُ عامَ الحُدَيْبِيَةِ عِنْدَ انْكِفائِهِ مِنها.
الثّانِي: هو ما كانَ مِن أمْرِهِ بِالحُدَيْبِيَةِ.
قالَ الشَّعْبِيُّ: نَزَلَتْ ﴿ إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا ﴾ في وقْتِ الحُدَيْبِيَةِ أصابَ فِيها ما لَمْ يُصِبْ في غَيْرِها.
بُويِعَ بَيْعَةَ الرِّضْوانِ، وأُطْعِمُوا نَخْلَ خَيْبَرَ، وظَهَرَتِ الرُّومُ عَلى فارِسَ تَصْدِيقًا لِخَبَرِهِ، وبَلَغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ، فَعَلى هَذا في الَّذِي أرادَهُ بِالفَتْحِ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ، قالَ جابِرٌ: ما كُنّا نَعُدُّ فَتْحَ مَكَّةَ إلّا يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ.
الثّانِي: أنَّهُ بَيْعَةُ الرِّضْوانِ.
قالَ البَراءُ بْنُ عازِبٍ: أنْتُمْ تَعُدُّونَ الفَتْحَ فَتْحَ مَكَّةَ ونَحْنُ نَعُدُّ الفَتْحَ بَيْعَةَ الرِّضْوانِ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ.
الثّالِثُ: أنَّهُ نَحْرُهُ وحَلْقُهُ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ حَتّى بَلَغَ الهَدْيُ مَحِلَّهَ بِالنَّحْرِ.
والحُدَيْبِيَةُ بِئْرٌ، وفِيها تَمَضْمَضَ رَسُولُ اللَّهِ ، وقَدْ غارَتْ فَجاشَتْ بِالرِّواءِ.
﴿ لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ اسْتِكْمالًا لِنِعَمِهِ عِنْدَكَ.
الثّانِي: يُصَبِّرُكَ عَلى أذى قَوْمِكَ.
وَفِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: ما تَقَدَّمَ قَبْلَ الفَتْحِ وما تَأخَّرَ بَعْدَ الفَتْحِ.
الثّانِي: ما تَقَدَّمَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ وما تَأخَّرَ بَعْدَ النُّبُوَّةِ.
الثّالِثُ: ما وقَعَ وما لَمْ يَقَعْ عَلى طَرِيقِ الوَعْدِ بِأنَّهُ مَغْفُورٌ إذا كانَ.
وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: ما تَقَدَّمَ قَبْلَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ وما تَأخَّرَ بَعْدَها.
﴿ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: بِفَتْحِ مَكَّةَ والطّائِفِ وخَيْبَرَ.
الثّانِي: بِخُضُوعِ مَنِ اسْتَكْبَرَ.
وَطاعَةِ مَن تَجَبَّرَ.
﴿ وَيَهْدِيَكَ صِراطًا مُسْتَقِيمًا ﴾ ﴿ وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الأسْرُ والغَنِيمَةُ كَما كانَ يَوْمَ بَدْرٍ.
الثّانِي: أنَّهُ الظَّفَرُ والإسْلامُ وفَتْحُ مَكَّةَ.
وَسَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، ما حَكاهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّهُ لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿ وَما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكُمْ ﴾ قالَ أهْلُ مَكَّةَ: يا مُحَمَّدُ كَيْفَ نَدْخُلُ في دِينِكَ وأنْتَ لا تَدْرِي ما يُفْعَلُ بِكَ ولا بِمَنِ اتَّبَعَكَ فَهَلّا أخْبَرَكَ بِما يُفْعَلُ بِكَ وبِمَنِ اتَّبَعَكَ كَما أخْبَرَ عِيسى بْنُ مَرْيَمَ؟
فاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلى النَّبِيِّ وعَلى أصْحابِهِ حَتّى قَدِمَ المَدِينَةَ، فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيِّ بْنِ سَلُولَ - رَأْسُ المُنافِقِينَ - لِلْأنْصارِ: كَيْفَ تَدْخُلُونَ في دِينِ رَجُلٍ لا يَدْرِي ما يُفْعَلُ بِهِ ولا بِمَنِ اتَّبَعَهُ؟
هَذا واللَّهِ الضَّلالُ المُبِينُ.
فَقالَ أبُو بَكْرٍ وعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، يا رَسُولَ اللَّهِ ألا تَسْألُ رَبَّكَ يُخْبِرُكَ بِما يُفْعَلُ بِكَ وبِمَنِ اتَّبَعَكَ؟
فَقالَ: إنَّ لَهُ أجَلًا فَأبْشِرا بِما يَقِرُّ اللَّهُ بِهِ أعْيُنُكُما.
إلى أنْ نَزَلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيُ وهو في دارِ أبِي الدَّحْداحِ عَلى طَعامٍ مَعَ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ فَخَرَجَ وقَرَأها عَلى أصْحابِهِ، قالَ قائِلٌ مِنهُمْ: هَنِيئًا مَرِيئًا يا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ بَيَّنَ اللَّهُ لَنا ما يُفْعَلُ بِكَ، فَماذا يُفْعَلُ بِنا؟
فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ لِيُدْخِلَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها ويُكَفِّرَ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ ﴾ الآيَةَ.
» <div class="verse-tafsir"
أخرج أحمد والبخاري والترمذي والنسائي وابن حبان وابن مردويه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فسألته عن شيء ثلاث مرات فلم يرد عليَّ فقلت في نفسي: ثكلتك أمك يا ابن الخطاب نزرت رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات فلم يردّ عليك، فحركت بعيري ثم تقدمت أمام الناس، وخشيت أن ينزل فيَّ القرآن، فما نشبت أن سمعت صارخاً يصرخ بي، فرجعت، وأنا أظن أنه نزل فيَّ شيء، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لقد أنزلت عليَّ سورة أحب إليَّ من الدنيا وما فيها ﴿ إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ﴾ » .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود وابن المنذر والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن مجمع ابن جارية الأنصاري قال: شهدنا الحديبية فلما انصرفنا عنها إلى كراع الغميم إذا الناس يوجفون الأباعر فقال الناس بعضهم لبعض: ما للناس؟
قالوا: أوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرجنا مع الناس نوجف، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم على راحلته على كراع الغميم فاجتمع الناس عليه، فقرأ عليهم: ﴿ إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً ﴾ فقال رجل: يا رسول الله: أو فتح هو؟
قال: «والذي نفس محمد بيده إنه لفتح» فقسمت خيبر على أهل الحديبية لم يدخل معهم فيها أحد إلا من شهد الحديبية، فقسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمانية عشر سهماً، وكان الجيش ألفاً وخمسمائة منهم ثلثمائة فارس، فأعطى الفارس سهمين وأعطى الراجل سهماً.
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والبخاري في تاريخه وأبو داود والنسائي وابن جرير والطبراني وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: أقبلنا من الحديبية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فبينا نحن نسير إذ أتاه الوحي، وكان إذا أتاه اشتد عليه فسرّي عنه وبه من السرور ما شاء الله، فأخبرنا أنه أنزل عليه ﴿ إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً ﴾ .
وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري وابن مردويه والبيهقي عن أنس رضي الله عنه في قوله: ﴿ إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً ﴾ قال: الحديبية.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر والحاكم وابن مردويه عن أنس رضي الله عنه في قوله: ﴿ إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً ﴾ قال: فتح خيبر.
وأخرج البخاري وابن جرير وابن مردويه عن البراء رضي الله عنه قال: تعدون أنتم الفتح فتح مكة، وقد كان فتح مكة فتحاً ونحن نعد الفتح بيعة الرضوان يوم الحديبية.
كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع عشرة مائة، والحديبية بئر، فنزحناها، فلم نترك فيها قطرة، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتاها فجلس على شفيرها ثم دعا بإناء من ماء فتوضأ ثم تمضمض، ودعا ثم صبه فيها تركناها غير بعيد ثم إنها أصدرتنا ما شئنا نحن وركابنا.
وأخرج البيهقي عن عروة رضي الله عنه قال: أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحديبية راجعاً، فقال رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: والله ما هذا بفتح، لقد صددنا عن البيت وصدَّ هدينا، وعكف رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحديبية ورد رجلين من المسلمين خرجا، فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم قول رجال من أصحابه: إنّ هذا ليس بفتح، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بئس الكلام، هذا أعظم الفتح، لقد رضي المشركون أن يدفعوكم بالراح عن بلادهم ويسألوكم القضية ويرغبون إليكم في الإِياب، وقد كرهوا منكم ما كرهوا، وقد أظفركم الله عليهم، وردكم سالمين غانمين مأجورين، فهذا أعظم الفتح.
أنسيتم يوم أحد إذ تصعدون ولا تلوون على أحد، وأنا أدعوكم في أخراكم، أنسيتم يوم الأحزاب إذ جاؤوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا؟» قال المسلمون: صدق الله ورسوله هو أعظم الفتوح والله يا نبي الله ما فكرنا فيما فكرت فيه ولأنت أعلم بالله وبالأمور منا.
فأنزل الله سورة الفتح.
وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في البعث في قوله: ﴿ إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً ﴾ قال: نزلت في الحديبية، وأصاب في تلك الغزوة ما لم يصب في غزوة، أصاب أن بويع بيعة الرضوان فتح الحديبية، وغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وبايعوا بيعة الرضوان، وأطعموا نخيل خيبر، وبلغ الهدي محله، وظهرت الروم على فارس، وفرح المؤمنون بتصديق كتاب الله وظهور أهل الكتاب على المجوس.
وأخرج البيهقي عن المسور ومروان في قصة الحديبية قالا: ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعاً فلما كان بين مكة والمدينة نزلت سورة الفتح من أولها إلى آخرها، فلما أمن الناس وتفاوضوا لم يكلم أحداً بالإِسلام إلا دخل فيه، فلقد دخل في تلك السنين في الإِسلام أكثر مما كان فيه قبل ذلك، فكان صلح الحديبية فتحاً عظيماً.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً ﴾ قال: إنا قضينا لك قضاء بيناً، نزلت عام الحديبية للنحر الذي بالحديبية وحلقة رأسه.
وأخرج عبد بن حميد وعبد الرزاق وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه ﴿ إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً ﴾ قال: قضينا لك قضاء بيناً.
وأخرج عبد بن حميد عن عامر الشعبي رضي الله عنه «أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية: أفتح هذا؟
قال: وأنزلت عليه ﴿ إنا فتحا لك فتحاً مبيناً ﴾ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: نعم عظيم» ، قال: وكان فصل ما بين الهجرتين فتح الحديبية قال: ﴿ لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل ﴾ [ الحديد: 10] الآية.
وأخرج ابن مردويه عن عائشة رضي الله عنها قالت: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ إنا فتحا لك فتحاً مبيناً ﴾ قال: فتح مكة» .
وأخرج ابن عساكر من طريق أبي خالد الواسطي عن زيد بن علي بن الحسين عن أبيه عن جده عن علي رضي الله عنه قال: صلّى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الفجر ذات يوم بغلس وكان يغلس ويسفر ويقول: ما بين هذين وقت لكيلا يختلف المؤمنون فصلّى بنا ذات يوم بغلس فلما قضى الصلاة التفت إلينا كأن وجهه ورقة مصحف، فقال: «أفيكم من رأى الليلة شيئاً؟» قلنا: لا يا رسول الله.
قال: «لكني رأيت ملكين أتياني الليلة فأخذا بضبعي فانطلقا بي إلى السماء الدنيا فمررت بملك وأمامه آدمي وبيده صخرة فيضرب بهامة الآدمي فيقع دماغه جانباً وتقع الصخرة جانباً.
قلت: ما هذا؟
قالا لي: أمضه.
فمضيت فإذا أنا بملك وأمامه آدمي وبيد الملك كلوب من حديد فيضعه في شدقه الأيمن فيشقه حتى ينتهي إلى أذنه ثم يأخذ في الأيسر فيلتئم الأيمن قلت: ما هذا؟
قالا: أمضه.
فمضيت فإذا أنا بنهر من دم يمور كمور المرجل على فيه قوم عراة على حافة النهر ملائكة بأيديهم مدرتان كلما طلع طالع قذفوه بمدرة فيقع في فيه ويسيل إلى أسفل ذلك النهر، قلت: ما هذا؟
قالا: أمضه فمضيت فإذا أنا ببيت أسفله أضيق من أعلاه فيه قوم عراة توقد من تحتهم النار أمسكت على أنفي من نتن ما أجد من ريحهم، قلت: من هؤلاء؟
قالا: أمضه.
فمضيت فإذا أنا بتل أسود عليه قوم مخبلون تنفخ النار في أدبارهم فتخرج من أفواههم ومناخرهم وآذانهم وأعينهم قلت: ما هذا؟
قالا: أمضه، فمضيت فإذا أنا بنار مطبقة موكل بها ملك لا يخرج منها شيء إلا أتبعه حتى يعيده فيها، قلت: ما هذا؟
قالا لي: أمضه، فمضيت فإذا أنا بروضة وإذا فيها شيخ جميل لا أجمل منه وإذا حوله الولدان وإذا شجرة ورقها كآذان الفيلة فصعدت ما شاء الله من تلك الشجرة وإذا أنا بمنازل لا أحسن منها من زمردة جوفاء وزبرجدة خضراء وياقوته حمراء.
قلت: ما هذا؟
قالا: أمضه.
فمضيت، فإذا أنا بنهر عليه جسران من ذهب وفضة على حافتي النهر منازل لا منازل أحسن منها من درة جوفاء وياقوته حمراء وفيه قدحان وأباريق تطرد قلت: ما هذا؟
قالا لي: أنزل فنزلت فضربت بيدي إلى إناء منها فغرفت ثم شربت فإذا أحلى من عسل، وأشد بياضاً من اللبن وألين من الزبد، فقالا لي: أما صاحب الصخرة التي رأيت يضرب بها هامته فيقع دماغه جانباً وتقع الصخرة جانباً، فأولئك الذين كانوا ينامون عن صلاة العشاء الآخرة ويصلون الصلاة لغير مواقيتها يضربون بها حتى يصيروا إلى النار، وأما صاحب الكلوب الذي رأيت ملكاً موكلاً بيده كلوب من حديد يشق شدقه الأيمن حتى ينتهي إلى أذنه ثم يأخذ في الأيسر فيلتئم الأيمن فأولئك الذين كانوا يمشون بين المؤمنين بالنميمة فيفسدون بينهم فهم يعذبون بها حتى يصيروا إلى النار، وأما ملائكة بأيديهم مدرتان من النار كلما طلع طالع قذفوه بمدرة فتقع في فيه فينفتل إلى أسفل ذلك النهر فأولئك أكلة الربا يعذبون حتى يصيروا إلى النار، وأما البيت الذي رأيت أسفله أضيق من أعلاه فيه قوم عراة تتوقد من تحتهم النار أمسكت على أنفك من نتن ما وجدت من ريحهم، فأولئك الزناة وذلك نتن فروجهم يعذبون حتى يصيروا إلى النار، وأما التل الأسود الذي رأيت عليه قوماً مخبلين تنفخ النار في أدبارهم فتخرج من أفواههم ومناخرهم وأعينهم وآذانهم فأولئك الذين يعملون عمل قوم لوط الفاعل والمفعول به، فهم يعذبون حتى يصيروا إلى النار وأما النار المطبقة التي رأيت ملكاً موكلاً بها كلما خرج منها شيء أتبعه حتى يعيده فيها، فتلك جهنم تفرق بين أهل الجنة وأهل النار، وأما الروضة التي رأيت فتلك جنة المأوى، وأما الشيخ الذي رأيت ومن حوله من الولدان فهو إبراهيم وهم بنوه.
وأما الشجرة التي رأيت فطلعت إليها فيها منازل لا منازل أحسن منها من زمردة جوفاء وزبرجدة خضراء وياقوته حمراء فتلك منازل أهل عليين من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً.
وأما النهر فهو نهرك الذي أعطاك الله الكوثر، وهذه منازلك وأهل بيتك.
قال: فنوديت من فوقي يا محمد سل تُعْطه، فارتعدت فرائصي ورجف فؤادي واضطرب كل عضو مني ولم أستطع أن أجيب شيئاً فأخذ أحد الملكين بيده اليمنى، فوضعها في يدي والآخر يده اليمنى فوضعها بين كتفي فسكن ذلك مني ثم نوديت من فوقي: يا محمد سل تعط.
قال: قلت: اللهم إني أسألك أن تثبت شفاعتي وأن تلحق بي أهل بيتي وأن ألقاك ولا ذنب لي قال: ثم ولي بي» ونزلت عليه هذه الآية ﴿ إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطاً مستقيماً ﴾ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فكما أعطيت هذه كذلك أعطانيها إن شاء الله تعالى» .
وأخرج السلفي في الطيوريات من طريق يزيد بن هارون رضي الله عنه قال: سمعت المسعودي رضي الله عنه يقول: بلغني أن من قرأ أول ليلة من رمضان ﴿ إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً ﴾ في التطوع حفظ ذلك العام.
قوله تعالى: ﴿ ليغفر لك الله ما تقدم ﴾ الآية.
وأخرج ابن المنذر عن عامر وأبي جعفر رضي الله عنه في قوله: ﴿ ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك ﴾ قال: في الجاهلية ﴿ وما تأخر ﴾ قال: في الإِسلام.
وأخرج عبد بن حميد عن سفيان رضي الله عنه قال: بلغنا في قول الله: ﴿ ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ﴾ قال: ما تقدم ما كان في الجاهلية، وما تأخر: ما كان في الإِسلام ما لم يفعله بعد.
وأخرج ابن سعد عن مجمع بن جارية رضي الله عنه قال: لما كنا بضجنان رأيت الناس يركضون، وإذا هم يقولون: أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فركضت مع الناس حتى توافينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا هو يقرأ ﴿ إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً ﴾ فلما نزل بها جبريل عليه السلام قال: ليهنك يا رسول الله، فلما هنأه جبريل عليه السلام هنأه المسلمون.
وأخرج ابن المنذر وابن مردويه وابن عساكر عن عائشة رضي الله عنها قالت: لما أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً ﴾ الآية، اجتهد في العبادة فقيل يا رسول الله: ما هذا الإِجتهاد؟
وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر قال: «أفلا أكون عبداً شكوراً؟» .
وأخرج ابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات وابن عساكر عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم لما نزلت ﴿ إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ﴾ صام وصلّى حتى انتفخت قدماه، وتعبد حتى صار كالشن البالي، فقيل له: أتفعل هذا بنفسك وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟
قال: «أفلا أكون عبداً شكوراً؟» .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد عن الحسن رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم تأخذه العبادة حتى يخرج على الناس كالشن البالي فقيل له: يا رسول الله أليس قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟
قال: «أفلا أكون عبداً شكوراً؟» .
وأخرج ابن عساكر عن أبي جحيفة رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقوم حتى تفطر قدماه فقيل له: أليس قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟
قال: «أفلا أكون عبداً شكوراً؟» .
وأخرج أبو يعلى وابن عساكر عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قام يصلي حتى تورمت قدماه فقيل له: أليس قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟
قال: «أفلا أكون عبداً شكوراً؟» .
وأخرج ابن عساكر عن النعمان بن بشير رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي حتى ترم قدماه.
وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان وابن عساكر عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي حتى ترم قدماه، فقيل له: أتفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟
قال: «أفلا أكون عبداً شكوراً؟» .
وأخرج الحسن بن سفيان وابن عساكر عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي حتى ترم قدماه، قلت يا رسول الله: أتفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟
قال: «أفلا أكون عبداً شكوراً؟» .
وأخرج ابن عساكر عن أحمد بن إسحاق بن إبراهيم بن نبيط بن شريط الأشجعي رضي الله عنه قال: حدثني أبي عن أبيه عن جده رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم صلّى حتى تورمت قدماه، فقيل له يا رسول الله: أتفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟
قال: «أفلا أكون عبداً شكوراً؟» .
وأخرج ابن عدي وابن عساكر عن أنس رضي الله عنه قال: تعبد رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى صار كالشن البالي، فقالوا: يا رسول الله، ما يحملك على هذا الإِجتهاد كله وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟
قال: «أفلا أكون عبداً شكوراً؟» .
وأخرج أبو نعيم في الحلية عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي في الليل أربع ركعات ثم يتروح، فطال حتى رحمته، فقلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، قال: «أفلا أكون عبداً شكوراً؟» .
أما قوله تعالى: ﴿ وينصرك الله نصراً عزيزاً ﴾ .
أخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله: ﴿ وينصرك الله نصراً عزيزاً ﴾ قال: يريد بذلك فتح مكة وخيبر والطائف.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا ﴾ اختلفوا في سبب نزول هذه الآية، ومعنى هذا الفتح، فذهب الأكثرون إلى أن الآية نزلت في صلح الحديبية، والمراد بالفتح ذلك الصلح، وهو قول جابر والبراء وأنس [[أخرج ذلك البخاري عن أنس، انظر: "صحيح البخاري" كتاب: التفسير باب [1] ﴿ إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا ﴾ 6/ 43، وأخرجه الثعلبي عن جابر وعن البراء، انظر: "تفسيره" 10/ 132 ب، وانظر: "تفسير ابن عطية" 15/ 86، "تفسير البغوي" 7/ 296، "البحر المحيط" 8/ 89.]] في رواية قتادة.
وروي ذلك مرفوعًا وهو أن النبي - - لما انصرف من الحديبية وأنزلت عليه هذه السورة قرأها على أصحابه فقال عمر: أوَفتحٌ هو يا رسول الله؟
فقال: "نعم، والذي نفسي بيده إنه لفتح" (١) وروي عن مسور بن مخرمة أنه قال: نزلت بين مكة والمدينة في شأن الحديبية من أولها إلى آخرها (٢) (٣) (٤) (٥) (٦) - في ذلك الوجه ما لم يصب في وجه، بويع بيعة الرضوان، وغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وظهرت الروم على فارس، وفرح المؤمنون بظهور أهل الكتاب على المجوس (٧) وقال الزهري: ما كان في الإسلام فتح أعظم من صلح الحديبية، وذلك أن المشركين اختلطوا بالمسلمين فسمعوا كلامهم فتمكن الإسلام في قلوبهم، وأسلم في ثلاث سنين خلق كثير وكثر بهم سواد الإسلام (٨) وقال الضحاك: فتحنا لك فتحاً بغير قتال، وكان الصلح من الفتح (٩) وقال ابن عباس في رواية عطاء: اليهود شمتوا بالنبي - - والمسلمين لما نزل قوله: ﴿ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ ﴾ وقالوا: كيف نتبع من لا يدري ما يفعل به ولا بمن آمن به وصدَّقه، واشتد ذلك على النبي - - فأنزل الله تعالى: ﴿ إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا ﴾ قال: يريد: قضينا لك قضاء واجباً (١٠) (١١) وقال أهل التفسير: قضينا لك قضاء مبيناً، يعني: الإسلام، وهو قول قتادة، واختاره الزجاج، وقال معناه: حكمنا لك بإظهار دين الإسلام والنصرة على عدوك (١٢) (١) أخرج ذلك الطبري 13/ 70 عن أبي وائل، وانظر: "تفسير الوسيط" 4/ 133.
(٢) أخرج ذلك الحاكم وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، انظر: "المستدرك" 2/ 459، و"لباب النقول" للسيوطي ص 193.
(٣) انظر: "تفسير الطبري" 13/ 71، الماوردي 5/ 309، البغوي 7/ 296، "زاد المسير" 7/ 419، "تنوير المقباس" ص 511، "المغازي" للواقدي 2/ 617.
(٤) انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 64.
(٥) انظر: "تهذيب اللغة" (فتح) 4/ 455، "اللسان" (فتح) 2/ 539.
(٦) أخرج ذلك الطبري 13/ 70 عن جابر، ونسبه القرطبي 16/ 260 لجابر، ونسبه في "الوسيط" 4/ 133 لجابر.
(٧) ذكر ذلك الطبري في "تفسيره" 13/ 71، الماوردي 5/ 309، البغوي 7/ 296، وابن الجوزي في "زاد المسير" 7/ 418، والقرطبي في "الجامع" 16/ 260.
(٨) ذكر ذلك البغوي في "تفسيره" 7/ 296، وابن الجوزي في "زاد المسير" 7/ 419 ، والقرطبي في "الجامع" 16/ 261، والمؤلف في "الوسيط" 4/ 133.
(٩) ذكر ذلك البغوي في "تفسيره" 7/ 296 عن الضحاك، وكذلك ذكره القرطبي عن الضحاك 16/ 260.
(١٠) ذكر ذلك الثعلبي ونسبه لمقاتل بن سليمان، انظر: "تفسيره" 10/ 133 أ، ونسبه القرطبي 16/ 259 للضحاك عن ابن عباس، وانظر: "تفسير مقاتل" 4/ 65، وذكره المؤلف في "أسباب النزول" ص 403 عن عطاء عن ابن عباس.
(١١) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 65.
(١٢) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 19.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً ﴾ يحتمل هذا الفتح في اللغة أن يكون بمعنى الحكم، أي حكمنا لك على أعدائك، أو من الفتح بمعنى العطاء كقوله: ﴿ مَّا يَفْتَحِ الله لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ ﴾ [فاطر: 2] أو من فتح البلاد، واختلف في المراد بهذا الفتح على أربعة أقوال: الأول أنه فتح مكة وعده الله به قبل أن يكون، وذِكرُه بلفظ الماضي لتحققه، وهو على هذا بمعنى فتح البلاد، الثاني أنه ما جرى في الحديبية من بيعة الرضوان، ومن الصلح الذي عقده رسول الله صلى الله عليه وسلم مع قريش، وهو على هذا بمعنى الحكم، أو بمعنى العطاء، ويدل على صحة هذا القول: أنه لما وقع صلح الحديبية، شق ذلك على بعض المسلمين لشروط كانت فيه، حتى أنزل الله هذه السورة، ويتبين أن ذلك الصلح له عاقبة محمود، وهذا هو الأصح؛ لأنه رُوي أنها لما نزلت قال بعض الناس: «ما هذا الفتح وقد صدنا المشركون عن البيت؟
فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: بل هو أعظم الفتوح، وقد رضي المشركون أن يدفعوكم عن بلادهم بالروح، ورغبوا إليكم في الأمان» ، الثالث أنه ما أصاب المسلمون بعد الحديبية من الفتوح كفتح خيبر وغيرها، الرابع أنه الهداية إلى الإسلام ودليل هذا القول قوله: ﴿ لِّيَغْفِرَ لَكَ الله ﴾ فجعل الفتح علة للمغفرة، ولا حجة في ذلك إذ يتصور في الجهاد وغيره أن يكون علة للمغفرة أيضاً، أو تكون اللام، للصيرورة والعاقبة لا للتعليل؛ فيكون المعنى: ﴿ إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً ﴾ فكان عاقبة أمرك أن جمع الله لك بين سعادة الدنيا والآخرة؛ بأن غفر لك، وأتم نعمته عليك، وهداك ونصرك.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ ليؤمنوا ﴾ ﴿ ويعزروه ويوقروه ويسبحوه ﴾ بياءات الغيبة: ابن كثير وأبو عمرو.
و ﴿ عليه الله ﴾ بضم الهاء: حفص ﴿ فسنؤتيه ﴾ بالنون: أبو جعفر ونافع وابن كثير وابن عامر.
الآخرون: بالياء التحتانية والضمير لله ﴿ شغلتنا ﴾ بالتشديد: قتيبة ﴿ ضراً ﴾ بالضم ﴿ كلم الله ﴾ على الجمع: حمزة وعلي وخلف ﴿ بل ظننتم ﴾ بالإدغام: علي وهشام ﴿ بل تحسدوننا ﴾ مدغماً: حمزة وعلي وهشام.
﴿ ندخله ﴾ ﴿ ونعذبه ﴾ بالنون فيهما: أبو جعفر ونافع وإبن عامر ﴿ بما يعملون بصيراً ﴾ بياء الغيبة: أبو عمرو ﴿ الرؤيا ﴾ بالإمالة: ابن عامر وعلي وهشام ﴿ شطأه ﴾ بفتح الطاء من غير مد: ابن ذكوان والبزي والقواس.
الباقون: ساكنة الطاء.
الوقوف: ﴿ مبيناً ﴾ ه لا ﴿ مستقيماً ﴾ ه لا على احتمال الجواز ههنا لتكرار إسم الله بالتصريح ﴿ عزيزاً ﴾ ه ﴿ إيمانهم ﴾ ط ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ حكيماً ﴾ ه لا لتعلق اللام ﴿ سيئاتهم ﴾ ط ﴿ عظيماً ﴾ ه لا للعطف ﴿ ظن السوء ﴾ ط ﴿ دائرة السوء ﴾ ج لعطف الجملتين المختلفين ﴿ جهنم ﴾ ط ﴿ مصيراً ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ حكيماً ﴾ ه ﴿ ونذيراً ﴾ ه لا ﴿ وتوقروه ﴾ ط للفصل بين ضمير اسم الله وضمير الرسول في المعطوفين فيمن لم يجعل الضمائر كلها لله ﴿ وأصيلاً ﴾ ه ﴿ يبايعون الله ﴾ ط ﴿ أيديهم ﴾ ج ط للشرط مع الفاء ﴿ على نفسه ﴾ ج للعطف مع الشرط ﴿ عظيماً ﴾ ه ﴿ فاستغفر لنا ﴾ ج لاحتمال ما بعده الاستئناف والحال ﴿ قلوبهم ﴾ ط ﴿ نفعاً ﴾ ط ﴿ خبيراً ﴾ ه ﴿ بوراً ﴾ ه ﴿ سعيراً ﴾ ه ﴿ الأرض ﴾ ط ﴿ من يشاء ﴾ ط ﴿ رحيماً ﴾ ه ﴿ نتبعكم ﴾ ج لأن ما بعده حال عامله ﴿ سيقول ﴾ أو مستأنف ﴿ كلام الله ﴾ ط ﴿ من قبل ﴾ ج للسين مع الفاء ﴿ تحسدوننا ﴾ ط ﴿ قليلاً ﴾ ه ﴿ يسلمون ﴾ ه ﴿ حسناً ﴾ ج ﴿ أليماً ﴾ ه ﴿ المريض حرج ﴾ ط لأن الواو للاستئناف ﴿ الأنهار ﴾ ج ﴿ اليماً ﴾ ه ﴿ قريباً ﴾ ه لا ﴿ يأخذونها ﴾ ط ﴿ حكيماً ﴾ ه ﴿ عنكم ﴾ ج لأن الواو مقحمة أو المعلل محذوف والواو داخلة في الكلام المعترض، أو عاطفة على تقدير ليستيقنوا ولتكون ﴿ مستقيماً ﴾ ه لا للعطف ﴿ بها ﴾ ج ﴿ قديراً ﴾ ه ﴿ نصيراً ﴾ ه ﴿ تبديلاً ﴾ ه ﴿ عليهم ﴾ ط ﴿ بصيراً ﴾ ه ﴿ محله ﴾ ط ﴿ بغير علم ﴾ ج لحق المحذوف أي قدر ذلك ليدخل ﴿ من يشاء ﴾ ج لاحتمال أن جواب " لولا" محذوف وأن يكون هذه مع جوابها جواباً للأولى ﴿ أليماً ﴾ ه ﴿ وأهلها ﴾ ط ﴿ عليماً ﴾ ه ﴿ بالحق ﴾ ج لحق حذف القسم ﴿ آمنين ﴾ لا ﴿ مقصرين ﴾ لا لأنها أحوال متابعة ﴿ لا تخافون ﴾ ط لأن قوله ﴿ فعلم ﴾ بيان حكم الصدق كالأعذار فلا ينعطف على قوله ﴿ صدق الله ﴾ ﴿ قريباً ﴾ ه ﴿ كله ﴾ ط ﴿ شهيداً ﴾ ه ﴿ رسول الله ﴾ ج لأن ما بعده مستأنف ﴿ ورضواناً ﴾ ز لأن ﴿ سيماهم ﴾ مبتدأ غير أن الجملة من حد الأولى في كون الكل خبر والذين ﴿ السجود ﴾ ط ﴿ الإنجيل ﴾ ج لاحتمال أن التقدير هم كزرع ﴿ الكفار ﴾ ط ﴿ عظيماً ﴾ ه.
التفسير: الفتح في باب الجهاد هو الظفر بالبلد بصلح أو حرب لأنه منغلق ما لم يظفر به.
والجمهور على أن المراد به ما جرى يوم الحديبية.
عن أنس قال: لما رجعنا عن الحديبية وقد حيل بيننا وبين نسكنا فنحن بين الحزن والكآبة، أنزل الله ﴿ إنا فتحنا ﴾ فقال : "لقد أنزل عليّ آية هي أحب إليّ من الدنيا كلها" .
والحديبية بئر سمي المكان بها وكان قد غاض ماؤها فتمضمض فيها النبي فجاء بالماء حتى عمهم.
وعن ابن شهاب: لم يكن في الإسلام فتح أعظم من فتح الحديبية وضعت الحرب وأمن الناس.
وقال الشعبي: أصاب النبي في تلك الغزوة ما لم يصب في غيرها، بويع فيها بيعة الرضوان تحت الشجرة، وغفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخر، وظهرت الروم على فارس، وكان رسول الله وعد به فصح صدقه وأطعم نخل خيبر.
وذلك أن رسول الله بعد هجرته إلى المدينة أحب أن يزور بيت الله الحرام بمكة فخرج قاصداً نحوه في سنة ست من الهجرة، وخرج معه أولو البصيرة وتخلف من كان في قلبه مرض ظناً منه أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبداً.
واستصحب سبعين بدنة لينحرها بمكة، ولما كان بذي الحليفة قلد الهدي وأحرم بالعمرة لتعلم قريش أنه لم يأت لقتال وكانوا ألفاً وثلثمائة أو أربعمائة أو خمسمائة فبايعوه إلا جد بن قيس فإنه اختبأ تحت إبطي ناقته، فجاءه عروة بن مسعود لإيقاع صلح.
فلما رأى أصحاب النبي فقال: أي محمد أرأيت إن استأصلت قومك هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أصله على أني أرى وجوهاً وأسراباً خليقاً أن يفروا ويدعوك؟
فشتمه أبو بكر فلما عاد إلى قريش قال: لقد وفدت على كسرى وقيصر والنجاشي وغيرهم من الملوك وما رأيت ملكاً يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمداً.
والله إن تنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلموا عنده خفضوا أصواتهم، وما يحدّون النظر إليه تفخيماً، وإنه قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها منه.
فلما اتفقوا على الصلح جاء سهيل بن عمرو المخزومي وتصالحوا على أن لا يدخل النبي مكة سنته بل يعود في القابل ويقيم ثلاثة أيام ثم ينصرف، فلما كتب علي بن أبي طالب "بسم الله الرحمن الرحيم".
قال سهيل: ما نعرف "الرحمن الرحيم" اكتب في قضيتنا ما نعرف "باسمك اللهم".
ولما كتب "هذا ما صالح محمد رسول الله ".
قال: لو علمنا أنك رسول الله ما قاتلناك، اكتب محمد بن عبد الله.
فتنازع المسلمون وقريش في ذلك وكادوا يتواثبون، فمنعهم رسول الله وأمرهم بالإجابة فكتب "هذا ما صالح محمد بن عبد الله قريشاً على أنه من قدم مكة من أصحاب محمد حاجاً أو معتمراً أو يبتغي من فضل الله فهو آمن على دمه وماله، ومن قدم المدينة مجتازاً إلى مصر والشام أو يبتغي من فضل الله فهو على دمه وأهله آمن، وعلى أنه من جاء محمداً من قريش فهو إليهم ردّ، ومن جاءهم من أصحاب محمد فهو لهم" فاشتدّ ذلك على المسلمين فقال النبي صلى الله عيله وسلم: من جاءهم منا فأبعده الله، ومن جاءنا منهم رددناه إليهم، فإن علم الله منه الإسلام جعل له مخرجاً.
فلما فرغوا من الهدنة نحر النبي وحلق وفعل أصحابه ذلك فنزل عليه في طريقه في هذا الشأن ﴿ إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً ﴾ يريد ما كان من أمر الحديبية والفتح قد يكون بالصلح.
وقيل: كان ذلك بلفظ الماضي على عادة إخبار الله.
وقال ابن عيسى: الفتح الفرج المزيل للهم ومنه فتح المسألة إذا انفرجت عن بيان يؤدّي إلى الثقة.
وقيل وهو قول قتادة: الفتح القضاء والحكم، والفتاح القاضي، والفتاحة الحكومة أي حكما لك بهذه المهادنة وأرشدناك إلى الإسلام ليغفر لك الله.
قال أهل النظم: لأوّل هذه السورة مناسبة تامة مع آخر السورة المتقدّمة وذلك أنه قال ﴿ ها أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا ﴾ إلى آخره فبين بعد ذلك أنه فتح لهم مكة وغنموا ديارهم وحصل لهم أضعاف ما أنفقوا ولو بخلوا لضاعت عنهم هذه الفوائد.
وأيضاً لما قال ﴿ وأنتم الأعلون ﴾ بين برهانه بصلح الحديبية أو بفتح مكة وكان في قوله ﴿ وتدعوا إلى السلم ﴾ إشارة إلى ما جرى يوم الحديبية من أن المسلمين صبروا إلى أن طلب المشركون الصلح.
سؤال: ما المناسبة بين الفتح والمغفرة حتى جعلت غاية له؟
الجواب الغاية هي مجموع المغفرة وما ينعطف عليها كأنه قيل: يسرنا لك فتح مكة وغيره من الفتوح ليجمع لك بين عز الدارين وأغراض العاجل والآجل.
ويجوز أن تكون الفتوح من حيث إنها جهاد للعدّو سبباً للغفران والثواب.
قال جار الله: وقيل: تقدير الكلام إنا فتحنا لك فاستغفره ليغفر لك كقوله ﴿ إذا جاء نصر الله والفتح ﴾ إلى قوله ﴿ واستغفره ﴾ وقيل: إن فتح مكة كان سبباً لتطهير البيت من رجس الأوثان، وتطهير بيته سبب لتطهير عبده.
وأيضاً بالفتح يحصل الحج وبالحج تحصل المغفرة كما ورد في الأخبار " "خرج كيوم ولدته أمه" وأيضاً إن الناس قد علموا عام الفيل أن مكة لا يتسلط عليها عدواً لله، فلما فتحت للرسول عرف أنه حبيب الله المغفور له.
أما الذنب فقيل: أراد به ذنب المؤمنين من أمته، أو أريد به ترك الأفضل والصغائر سهواً أو عمداً.
ومعنى ﴿ ما تأخر ﴾ أي عن الفتح أو ما تقدم عن النبوّة وتأخر عنها.
وقيل ﴿ ما تقدم ﴾ ذنب أبويه آدم وحواء ﴿ وما تأخر ﴾ ذنب أمته.
وقيل: أراد جميع الذنوب فحدّ أوّلها وآخرها، أو هو على وجه المبالغة كما تقول: أعطى من رأى ومن لم يره.
وقيل: ما تقدم من أمر مارية وما تأخر من أمر زينب وهو قول سخيف لعدم التئام الكلام ظاهراً.
والأولى أن يقال: ما تقدم النبوّة بالعفو وما تأخر عنها بالعصمة ﴿ ويتم نعمته عليك ﴾ بإعلاء دينك وفتح البلاد على يدك لقوله ﴿ اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ﴾ ومن إتمام النعمة تكليف الحج وقد تم يومئذ ولم يبق للنبي عدوّ من قريش، فإن كثيراً منهم وقد أهلكوا يوم بدر، والباقين آمنوا واستأمنوا يوم الفتح.
وقيل: إمام النعمة في الدنيا باستجابة الدعاء في طلب الفتح وفي الآخرة بقبول الشفاعة ﴿ ويهديك صراطاً مستقيماً ﴾ أي يثبتك ويهديك عليه فإن الفتح لا يكون إلا لمن هو على صراط الله، ولعل المراد بهذا الخطاب هو أمته.
والنصر العزيز ذو العزة وهو الذي لا ذل بعده، أو هو بمعنى المعز أو الممتنع على الغير وهو النفيس الذي لا يناله كل أحد.
وفي الآية تفخيم شأن الفتح والنصر من وجوه: أحدها لفظ (إنا) الدال على التعظيم.
وثانيها لفظ (لك) الدال على الاختصاص.
ثالثها إعادة اسم الله في الموضعين أوّلاً وآخراً.
ثم بين سبب النصر بقوله ﴿ هو الذي أنزل السكينة ﴾ وهي السكون والوقار والطمأنينة والثقة بوعد الله كما مر في "البقرة" وفي "التوبة" ﴿ ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم ﴾ أي يقيناً مع يقينهم أو إيماناً بالشرائع مع إيمانهم بالله.
وعن ابن عباس أو أول ما أتاهم به النبي التوحيد، فلما آمنوا بالله وحده أنزل الصلاة ثم الزكاة ثم الجاد ثم الحج، أو ازدادوا إيماناًَ استدلالياً مع إيمانهم الفطري.
وعلى هذا ففائدة قوله ﴿ مع إيمانهم ﴾ أن الفطرة تشهد بالإيمان، فلما عرفوا صحة الإيمان بالنظر والاستدلال انضم هذا الثاني إلى الأول.
وجنود السموات والأرض ملائكتهما، ويمكن أن يراد بمن في الأرض الثقلان والحيوان غير الإنسان.
ويحتمل أن يراد بالجنود معنى أعم وهو الأسباب الأرضية والسماوية فيدخل فيهما الصيحة والرجفة.
وظن السوء هو ظنهم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم، أو أن الله لا ينصرهم على أعدائهم، أو أن لله شريكاً، أو أنه لا يقدر على إحياء الموتى.
ومعنى دائرة السوء أن ضرر ظنهم يعود إليهم ويدور عليهم وقد مر في سورة التوبة.
قال بعض العلماء: ضم المؤمنات ههنا إلى المؤمنين بخلاف قوله ﴿ قد أفلح المؤمنون ﴾ \[المؤمنون: 1\] ﴿ وبشر المؤمنين ﴾ ونحو ذلك.
والسر فيه أن كل موضع يوهم اختصاص الرجال به مع كون النساء مشاركات لهم ذكرهن صريحاً نفياً لهذا التوهم، وكل موضع لا يوهم ذلك اكتفى فيه بذكر الرجال لأنهم الأصل في أكثر الأحكام والتكاليف.
مثلاً من المعلوم أن البشارة والنذارة عامة للناس قاطبة فلم يحتج فيهما إلى ذكر النساء بخلاف هذه الآية فإن إدخال الجنة يوهم أنه لأجل الجهاد مع العدوّ والفتح على أيديهم والمرأة لا جهاد عليها، فكان يظن أنهن لا يدخلن الجنات فنفى الله هذا الوهم، وكذا الكلام في تعذيب المنافقات والمشركات.
نكتة الجنود المذكورة أوّلاً هي جنود الرحمة فكانوا سبباً لإدخال المؤمنين الجنة بالإكرام والتعظيم ثم إلباسهم خلع الكرامة لقوله ﴿ ويكفر عنهم سيئاتهم ﴾ ثم تشريفهم بالفوز العظيم من الله كما قال ﴿ وكان ذلك عند الله فوزاً عظيماً ﴾ وأما الكافر فعكس منه الترتيب: أخبر بتعذيبهم أوّلاً على الإطلاق، ثم فصل بأنه يغضب عليهم أوّلاً ثم يوبقهم في خبر اللعن والبعد عن الرحمة، ثم يسلط عليهم ملائكة العذاب الذين هم جنوده كما قال ﴿ عليها ملائكة غلاظ شداد ﴾ ولا ريب أن كل ذلك على قانون الحكمة إلا أنه قرن العلم في الأول إلى الحكمة تنبيهاً على أن إنزال السكينة وازدياد إيمان المؤمنين وترتيب الفتح على ذلك كانت كلها ثابتة في علم الله، جارية على وفق الحكمة.
وقرن العز بالحكمة ثانياً لأن العذاب والغضب وسلب الأموال والغنائم يناسب ذكر العزة والغلبة والقهر زادنا الله إطلاعاً على أسرار قرآنه الكريم وفرقانه العظيم.
ثم مدح رسول صلى الله عيله وسلم وذكر فائدة بعثته ليرتب عليه ذكر البيعة فقال ﴿ إنا أرسلناك شاهداً ﴾ على أمتك ﴿ ومبشراً ونذيراً ﴾ وقد مر في سورة الأحزاب مثله إلا أن قوله ﴿ لتؤمنوا بالله ورسوله ﴾ قائم مقام قوله هناك ﴿ وداعياً إلى الله بإذنه ﴾ من قرأ على الغيبة فظاهر، وأما من قرأ على الخطاب فلتنزيل خطاب النبي منزلة خطاب المؤمنين.
وقوله ﴿ وتعزروه وتوقروه ﴾ كلاهما بمعنى التعظيم من العز والوقار ينوب منابه.
قوله هناك ﴿ وسراجاً منيراً ﴾ وذلك أن النور متبع والتبجيل والتعظيم دليل المتبوعية.
وقال جار الله: الضمائر كلها لله عز وجل وتعظيم الله تعظيم دينه ورسوله.
وقوله ﴿ وتسبحوه ﴾ من التسبيح أو من السبحة وهي صلاة التطوع.
و ﴿ بكرة وأصيلاً ﴾ للدوام أو المراد صلاة الفجر والعصر وحدها أو مع الظهر قاله ابن عباس.
﴿ إن الذين يبايعونك ﴾ هي بيعة الرضوان تحت الشجرة كما يجيء في السورة.
وقيل: ليلة العقبة وفيه بعد.
وسماها مبايعة تشبيهاً بعقد البيع نظيره ﴿ إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم ﴾ ﴿ إنما يبايعون الله ﴾ لأن طاعة الرسول هي طاعة الله في الحقيقة.
ثم أكد هذا المعنى بقوله ﴿ يد الله فوق أيديهم ﴾ قال أهل المعاني: هذا تمثيل وتخييل ولا جارحة هناك.
وقيل: اليد النعمة أي نعمة الله عليهم بالهداية فوق إحسانهم إلى الله بإجابة البيعة كما قال ﴿ يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا عليّ إسلامكم بل الله يمنّ عليكم أن هداكم ﴾ قال القفال: هو من قوله : "اليد العليا خير من اليد السفلى" يريد بالعليا المعطية أي الله يعطيهم ما يكون له به الفضل عليهم.
وقيل: اليد القوة أي نصرته إياهم فوق نصرتهم لرسوله.
وقيل: يد الله بمعنى الحفظ فإن المتوسط بين المتبايعين يضع يده فوق يدهما فلا يترك أن تتفارق أيديهما حتى يتم البيع، والمراد أن الله يحفظهم على بيعتهم.
ثم زجرهم من نقض العهد وحثهم على الوفاء بقوله ﴿ فمن نكث ﴾ إلى آخره.
والنكث والنقض أخوان.
وقوله ﴿ فإنما ينكث على نفسه ﴾ أي لا يعود ضرر نكثه إلا عليه.
قال جابر بن عبد الله: بايعنا رسول الله تحت الشجرة على الموت وعلى أن لا نفر، فما نكث أحد منا البيعة إلا جد بن قيس، وكان منافقاً اختبأ تحت إبط ناقته ولم يثر مع القوم.
ثم بين ما يعلم منه إعجاز القرآن لأنه أخبر عن الغيب وقد وقع مطابقاً وله في السورة نظائر فقال ﴿ سيقول لك المخلفون ﴾ هم أسلم ومزينة وجهينة وغفار.
وقيل: سموا مخلفين لأن التوفيق خلفهم ولم يعتدّ بهم.
والظاهر أنهم سموا بذلك لأنه حين أراد المسير إلى مكة عام الحديبية معتمراً استنفر الأعراب وأهل البوادي حذراً من قريش أن يصدّوه عن البيت، فتثاقل كثير من الأعراب وقالوا: يذهب إلى قوم قصدوه في داره بالمدينة وظنوا أنه يهلك فلا ينقلب إلى المدينة فاعتلوا.
فلما رجع رسول الله اعتذروا وقالوا ﴿ شغلتنا أموالنا وأهلونا فاستغفر لنا ﴾ سل الله أن يغفر لنا تخلفنا عنك وإن كان من عذر فكذبهم الله بقوله ﴿ يقولون بألسنتهم ﴾ وقوله شيئاً من الضر كقتل وهزيمة ولا يوصل إليهم نفعاً إلا ما شاء الله.
وإنما قال ههنا بزيادة لفظة ﴿ لكم ﴾ لأنه في قوم بأعيانهم بخلاف "المائدة" فإنه عام لقوله ﴿ أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعاً ﴾ ثم ردّ قولهم اللساني فقال ﴿ بل كان الله بما تعملون خبيراً ﴾ ثم ردّ اعتذارهم الواهي بقوله ﴿ بل ظننتم ﴾ الآية.
والبور جمع بائر أي هالك والباقي واضح إلى قوله ﴿ رحيماً ﴾ وفيه بيان كمال قدرته على تعذيب الكافرين مع أن مغفرته ذاتيه ورحمته سابقة.
وقوله ﴿ سيقول المخلفون ﴾ إنما لم يقل هنا لك لأن المخاطبين هم المؤمنون كلهم لا النبي وحده.
وجمهور المفسرين على أن هؤلاء هم المخلفون المذكورون فيما تقدم.
وقوله ﴿ إلى مغانم ﴾ هي مغانم خيبر، وذلك أن رسول الله وعد أهل الحديبية أن غنائم أهل خيبر لهم خصوصاً من غاب منهم ومن حضر بدل تعب السفر في العمرة التي صدّهم المشركون عنها.
وزاد الزهري فقال: وإن حضرها من غيرهم من الناس.
قالوا: ولم يغب منهم عنها أحد إلا جابر ابن عبد الله، فقسم له رسول الله كسهم من حضر.
وكان انصراف النبي في ذي الحجة فأقام بالمدينة بقية ذي الحجة وبعض المحرم، ثم خرج إلى خيبر وخرج معه من شهد الحديبية ففتحها وغنم أموالاً كثيرة وجعلها لهم خاصة، وكان قبل ذلك وعد النبي أصحابه غنائم خيبر فسمع المنافقون ذلك فقالوا للمؤمنين ﴿ ذرونا نتبعكم ﴾ فمنعهم النبي لأن أمره أن لا يخرج إلى خيبر إلا أهل الحديبية وذلك قوله ﴿ يريدون أن يبدّلوا كلام الله ﴾ فقال الله لنبيه ﴿ قل لنا تتبعونا ﴾ أي في خيبر.
وقيل: عامّ في غزواته ﴿ كذلكم قال الله من قبل ﴾ أي قبل انصرافهم إلى المدينة ﴿ فسيقولون ﴾ ردّاً على النبي والمؤمنين إن الله لم يأمركم به ﴿ بل تحسدوننا ﴾ أن نشارككم في الغنيمة فرد الله عليهم ردّهم بقوله ﴿ بل كانوا لا يفقهون إلا ﴾ فهماً ﴿ قليلاً ﴾ وهو فطنتهم لأمور الدنيا دون أمور الدين، أو هو فهمهم من قوله ﴿ قل لن تتبعونا ﴾ مجرد النهي فحملوه على الحسد ولم يعلموا أن المراد هو أن هذا الاتباع لا يقع أصلاً لأن الصادق قد أخبر بنفيه.
وذهب جماعة من المفسرين منهم الزجاج إلى أن كلام الله ههنا هو قوله في سورة براءة ﴿ لن تخرجوا معي أبداً ﴾ واعترض بأن هذا في قصة تبوك التي كانت بعد الحديبية بسنتين بإجماع من أهل المغازي.
وأجاب بعضهم بأن هذ الآية أعني ﴿ سيقول المخلفون ﴾ نزلت في غزوة تبوك أيضاً.
وعندي أن الاعتراض غير وارد ولا حاجة إلى الجواب المذكور.
ثم إن الله أخبر عن مخلفي الحديبية بأنهم سيدعون إلى قوم أولي قوة ونجدة في الحروب.
وقيل: هم هوازن وغطفان.
وقيل: هم الروم، غزاهم رسول الله في تبوك.
والأكثرون على أن القوم أولي البأس الشديد هم بنو حنيفة قوم مسيلمة وأهل الردة الذين حاربهم أبو بكر الصدّيق لأنه قال ﴿ تقاتلونهم أو يسلمون ﴾ ومشركو العرب والمرتدون هم الذين لا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف، ومن عداهم من مشركي العجم وأهل الكتاب والمجوس تقبل منهم الجزية.
هذا عند أبي حنيفة، وأما الشافعي فعنده لا تقبل الجزية إلا من أهل الكتاب، والمجوس دون مشركي العجم والعرب.
وقد يستدل بهذا على إمامة أبي بكر فإنهم لم يدعوا إلى حرب في أيام رسول الله ، ولكن بعد وفاته ولا سيما فيمن يزعم أنه نزل فيهم ﴿ لن تخرجوا معي أبداً ﴾ اللهم إلا أن يقال: المراد لن تخرجوا معي ما دمتم على حالكم من مرض القلوب والاضطراب في الدين، أو أنهم لا يتبعون الرسول إلا متطوّعين لا نصيب لهم في المغنم قاله مجاهد.
وقوله ﴿ أو يسلمون ﴾ رفع على الاستئناف يعني أو هم يسلمون.
ويجوز أن يراد إلى أن يسلموا، فحين حذف "أن" رفع الفعل.
وقيل: الإسلام ههنا الانقياد فيشمل إعطاء الجزية أيضاً.
والأجر الحسن في الدنيا الغنيمة، وفي الآخرة الجنة.
وقيل: الغنيمة فقط بناء على أن الآية في المنافقين، وعلى هذا لا يتم الاستدلال على إمامة الخلفاء.
وقوله ﴿ من قبل ﴾ أي في الحديبية.
قال ابن عباس: إن أهل الزمانة قالوا: يا رسول الله كيف بنا؟
فأنزل الله ﴿ ليس على الأعمى حرج ﴾ أي إثم في التخلف لأنه كالطائر الذي قص جناحه لا يمتنع على من قصده.
وقدم الأعمى لأن عذره مستمر ولو حضر القتال، والأعرج قد يمكنه الركوب والرمي وغير ذلك.
نعم يتعسر عليه الحرب ماشياً وكذا جودة الكر والفر راكباً.
وقد يقاس الأقطع على الأعرج، ويمكن أن لا يكون الأقطع معذوراً لأنه نادر الوجود.
والأعذار المانعة من الجهاد أكثر من هذا وقد ضبطها الفقهاء بأن المانع إما عجز حسي أو عجز حكمي.
فمن الأول الصغر والجنون والأنوثة والمرض المانع من الركوب للقتال لا كالصداع ووجع السن، ومنه العرج البين وإن قدر على الركوب لأن الدابة قد تهلك.
وعند أبي حنيفة لا أثر للعرج في رجل واحدة، ومنه فقد البصر ولا يلحق به العور والعشي، ومنه عدم وجدان السلاح وآلات القتال.
ومن الثاني الرق والدين الحالّ بلا إذن رب الدين ومن أحد أبويه في الحياة ليس له الجهاد لا بإذنه إلا إذا كان كافراً.
والباقي واضح إلى قوله ﴿ لقد رضى الله ﴾ .
وبه سميت بيعة الرضوان ويبايعونك حكاية الحال الماضية والشجرة كانت سمرة.
وقيل: سدرة روي أنها عميت عليهم من قابل فلم يدروا أين ذهبت.
وعن جابر بن عبد الله: لو كنت أبصر لأريتكم مكانها ﴿ فعلم ما في قلوبهم ﴾ من خلوص النية ﴿ فأنزل السكينة ﴾ الطمأنينة والأمن عليهم ﴿ وأثابهم ﴾ جازاهم عن الإخلاص في البيعة ﴿ فتحاً قريباً ﴾ هو فتح خيبر غب انصرافه من الحديبية كما ذكرناه.
وقيل: هو فتح مكة ﴿ ومغانم كثيرة يأخذونها ﴾ هي مغانم خيبر وكانت أرضاً ذات عقار وأموال فقسمها عليهم ﴿ وعدكم الله مغانم كثيرة ﴾ هي التي أصابوها مع النبي أو بعده إلى يوم ﴿ فعجل لكم هذه ﴾ يعني غنيمة خيبر ﴿ وكف أيدي الناس عنكم ﴾ يعني أيدي أهل خيبر وحلفائهم من أسد وغطفان جاؤا لنصرتهم فقذف الله الرعب في قلوبهم وقيل: أيدي أهل مكة بالصلح، وقيل: أيدي اليهود حين خرجتم وخلفتم عيالكم بالمدينة وهمت اليهود بهم فمنعهم الله قوله ﴿ ولتكون آية ﴾ أي لتكون هذه الغنيمة المعجلة دلالة على ما وعدهم الله من الغنائم، أو دلالة على صحة النبوة من حيث إنه أخبر بالفتح القريب وقد وقع مطابقاً.
وقيل: الضمير للكف والتأنيث لأجل التأنيث الخبر، أو بتقدير الكفة ويهديكم ويثبتكم ويزيدكم بصيرة.
قوله ﴿ وأخرى ﴾ أي وعدكم الله مغانم أخرى.
عن ابن عباس: هي فتوح فارس والروم.
أو يقال: مغانم هوازن في غزوة حنين لم يظنوا أن يقدروا عليها لما فيها من الهزيمة، ثم الرجوع مرة بعد أخرى قد أحاط الله بها علماً أنها ستصير لكم.
قال جار الله: يجوز في ﴿ أخرى ﴾ النصب بفعل مضمر يفسره ﴿ قد أحاط ﴾ أي وقضى الله أخرى قد أحاط بها.
ويجوز فيها الرفع على الابتداء لكونها موصوفة بالجملة و ﴿ قد أحاط ﴾ خبره.
وجوز الجر بإضمار "رب".
ثم بين أن نصر الله إياهم في صلح الحديبية أو في فتح خيبر لم يكن اتفاقياً بل كان إلهياً سماوياً فقال ﴿ ولو قاتلكم ﴾ إلى آخره.
والسر فيه أن الله كتب وأوجب غلبة حزبه ونصر رسله كما قال ﴿ سنة الله ﴾ إلى آخره.
عن أنس أن ثمانين رجلاً من أهل مكة هبطوا على النبي من جبل التنعيم متسلحين يريدون غرة النبي وأصحابه، فأخذهم واستحياهم فأنزل الله ﴿ وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة ﴾ وهو الحديبية لأنها من أرض الحرم.
وقيل: هو التنعيم.
وقيل: إظفاره دخوله بلادهم بغير إذنهم.
وعن عبد الله بن مغفل المزني قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم بالحديبية في أصل الشجرة التي ذكرها الله في القرآن، فبينا نحن كذلك إذ خرج علينا ثلاثون شاباً عليهم السلاح فثاروا في وجوهنا فدعا عليهم رسول الله فأخذ الله بأبصارهم فقمنا إليهم فأخذناهم فقال لهم : هل كنتم في عهد أحد وهل جعل لكم أحد أماناً فقالوا: اللهم لا، فخلى سبيلهم فأنزل الله الآية.
وإنما قدم كف أيدي الكفار عن المؤمنين لأنهم أهم.
وقيل: كف أيديكم بأن أمركم أن لا تحاربوا، وكف أيديهم بإلقاء الرعب أو بالصلح وقيل: إن عكرمة بن أبي جهل خرج في خمسمائة رجل فقال النبي لخالد بن الوليد: هذا ابن عمك قد أتاك في الخيل.
فقال خالد: أنا سيف الله وسيف رسوله ارم بي حيث شئت.
فبعثه على خيل فلقي عكرمة في الشعب فهزمه حتى أدخله حيطان مكة، ثم عاد فهزمه حتى أدخله جوف مكة.
فأنزلت الآية.
وسمي خالد يومئذ سيف الله.
وروي أن كفار مكة خرجوا يوم الحديبية يرمون المسلمين فرماهم المسلمون بالحجارة حتى أدخولهم بيوت مكة.
ثم ذم قريشاً بقوله ﴿ هم الذين كفروا وصدّوكم ﴾ يعني يوم الحديبية ﴿ عن المسجد الحرام ﴾ أن تطوفوا به للعمرة ﴿ و ﴾ صدّوا ﴿ الهدى ﴾ أو صدّوكم مع الهدي حال كونه ﴿ معكوفاً ﴾ أي محبوساً ممنوعاً موقوفاً عن ﴿ أن يبلغ محله ﴾ المعهود وهو مِنى وقد مر تفسير الهدي ومحله والبحث عنه في "البقرة".
ثم بين حكمة المصالحة بقوله ﴿ ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات ﴾ وقوله ﴿ لم تعلموهم ﴾ سفة الرجال والنساء جميعاً على جهة التغليب.
و ﴿ أن تطؤهم ﴾ بدل الاشتمال منهم أو من الضمير المنصوب في ﴿ تعلموهم ﴾ والوطء كالدّوس عبارة عن الإيقاع والإهلاك.
وقوله ﴿ فتصيبكم ﴾ جواب النفي أو عطف على ﴿ أن تطؤهم ﴾ والمعرة "مفعلة" ممن العرالعيب كالجرب ونحوه.
وقوله ﴿ بغير علم ﴾ متقدم في النية متعلق بـ ﴿ أن تطؤهم ﴾ والفحوى أنه كان بمكة ناس من المسلمين فقال : ولولا كراهة أن تهلكوا ناساً من المؤمنين فيما بين المشركين وأنتم غير عالمين بحالهم فتصيبكم بإهلاكهم تبعة في الدين لوجوب الدية والكفارة أو عيب بسوء قالة أهل الشرك، إنهم فعلوا بأهل دينهم مثل ما فعلوا بنا، أو أثم إذا جرى دينهم منكم بعض التقصير لما كف أيديكم عنهم، والكلام يدل على هذا الجواب وفي حذفه فخامة وذهاب للوهم كل مذهب، ويعلم منه أنه يفعل بهم إذ ذاك ما لا يدخل تحت الوصف.
وجوّزوا أن يكون ﴿ لو تزيلوا ﴾ كالتكرير لقوله ﴿ ولولا رجال ﴾ لرجعهما إلى معنى واحد.
والتنزيل التميز والتفرق ويكون ﴿ لعذبنا ﴾ هو الجواب.
وقوله ﴿ ليدخل ﴾ تعليل لما دلت عليه الآية من كف الأيدي عن قريش صوناً لأهل الإيمان المختلطين بهم كأنه قيل: كان الكف ومنع التعذيب ليدخل الله مؤمنيهم في حيز توفيق الخير والطاعة، أو ليدخل في الإسلام من رغب فيه من المشركين.
وحكى القفال أن اللام متصل بالمؤمنين والمؤمنات أي آمنوا لكذا.
وقوله ﴿ إذ جعل ﴾ يجوز أن ينتصب بإضمار "اذكر" أو يكون ظرفاً ﴿ لعذبنا ﴾ أو لـ ﴿ ـصدّوكم ﴾ وفاعل ﴿ جعل ﴾ يجوز أن يكون ﴿ الله ﴾ وقوله ﴿ في قلوبهم ﴾ بيان لمكان الجعل كما مر في قوله { ﴿ وأشربوا في قلوبهم العجل ﴾ ويجوز أن يكون ﴿ الذين كفروا ﴾ ومفعولاه الحمية والظرف فيكون جعلهم في قلبهم بإزاء أنزل الله.
والحمية في مقابلة السكينة، والحمية الأنفة والاستكبار الذي كان عليها أهل الجاهلية، ومن ذلك عدم إقرارهم بمحمد ومنه ما جرى في قصة الحديبية من إبائهم أن يكتب في كتاب العهد "بسم الله الرحمن الرحيم" وأن يكتب "محمد رسول الله" يقال: حميت أنفي حمية كأنها "فعلية" بمعنى "مفعول" من الحماية اسم أقيم مقام المصدر كالسكينة بمعنى السكون فأنزل الله على رسوله السكينة والوقار حتى أعطاهم ما أرادوا.
وكلمة التقوى التسمية والتوحيد والاعتراف برسالة محمد ، اختارها الله للمؤمنين.
ومعنى الإضافة إنها سبب التقوى وأساسها، أو المراد كلمة أهل التقوى الذين يتقون بها غضب الله.
﴿ وكانوا أحق بها وأهلها ﴾ لأنهم خيار الأمم.
وقيل: أراد وكانوا يعني أهل مكة أحق بهذه الكلمة لتقدّم إنذارهم إلا أن بعضهم سلبوا التوفيق.
وحكى المبرد أن الذين كانوا قبلنا لم يكن لأحد أن يقول "لا إله إلا الله" في اليوم والليلة إلا مرة واحدة لا يستطيع أن يقول أكثر من ذلك.
وكان قائلها يمدّ بها صوته إلى أن ينقطع نفسه تبركاً بذكر الله، وقد جعل الله لهذه الأمة أن يقولوها متى شاؤا وهو قوله ﴿ وألزمهم كلمة التقوى ﴾ أي ندبهم إلى ذكرها ما استطاعوا.
ثم قص رؤيا نبيه بياناً لإعجازه فإن الرؤيا الصادقة جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة.
وقصته أنه رأى في المنام أن ملكاً قال له ﴿ لتدخلن ﴾ إلى قوله ﴿ لا تخافون ﴾ فأخبر أصحابه بها ففرحوا وجزموا بأنهم داخلوها في عامهم، فلما صدّوا عن البيت واستقر الأمر على الصلح قال بعض الضعفة: أليس كان يعدنا النبي أن نأتي البيت فنطوف به؟
فقال لهم أهل البصيرة: هل أخبركم أنكم تأتونه العام؟
فقالوا: لا.
قال: فإنكم تأتونه وتطوفون بالبيت فأنزل الله تصديقه.
ومعنى ﴿ صدق الله رسوله الرؤيا ﴾ صدقه في رؤياه ولم يكذبه.
وقوله ﴿ بالحق ﴾ إما أن يكون متعلقاً بـ ﴿ صدق ﴾ أي صدقه فيما رأى صدقاً متلبساً بالحق وهو أن يكون ما أراه كما أراه، وإما أن يكون حالاً من الرؤيا أي متلبسة بالحق يعني بالغرض الصحيح وهو الإبتلاء، وتميز المؤمن المخلص من المنافق المرائي.
وجوّز أن يكون ﴿ بالحق ﴾ قسماً لأنه إسم من أسماء الله ، أو لأن المراد الحق الذي هو نقيض الباطل فتكون اللام في ﴿ لتدخلنّ ﴾ جواب القسم لا للابتداء فيحسن الوقف على ﴿ الرؤيا ﴾ .
والبحث عن الحلق والتقصير وسائر أركان الحج والعمرة وشرائطهما استوفيناها في سورة البقرة فليتذكر.
وفي ورود ﴿ إن شاء الله ﴾ في خبر الله عز وجل أقوال أحدها: أنه حكاية قول الملك كما روينا.
والثاني أن ذلك خارج على عادة القرآن من ذكر المشيئة كقوله ﴿ يغفر لمن يشاء ﴾ ﴿ ويعذب المنافقين إن شاء ﴾ والمعنى إن الله يفعل بالعباد ما هو الصلاح فيكون استثناء تحقيق لا تعليق.
والثالث أنه أراد لتدخلن جميعاً إن شاء ولم يمت أحد أو لم يغب.
والرابع أنه تأديب وإرشاد إلى استعمال الاستثناء في كل موضع لقوله وقد دخل البقيع " "وأنا إن شاء الله بكم لاحقون" وليس في فروع الموت استثناء.
الخامس أنه راجع إلى حالة الأمن وعدم الخوف.
ثم رتب على الصدق وعلى سوء ظن القوم قوله ﴿ فعلم ما لم تعلموا ﴾ من الحكمة في تأخير الفتح إلى العام القابل ﴿ فجعل من دون ذلك ﴾ الفتح ﴿ فتحاً قريباً ﴾ وهو فتح خيبر.
ثم أكد صدق الرؤيا بل صدق الرسول في كل شيء بقوله ﴿ هو الذي أرسل ﴾ الآية.
وذلك أنه كذب رسوله كان مضلاً ولم يكن إرساله سبباً لظهور دينه وقوة ملته.
وقد مر نظير الآية في سورة التوبة.
ومن استعلاء هذا الدين أنه لا ترى أهل ملة إلا والمسلم غالب عليه إلا أن يشاء الله.
وقد يقال: إن كمال العز والغلبة عند نزول عيسى فلا يبقى على الأرض كافر ﴿ وكفى بالله شهيداً ﴾ على أن هذا الدين يعلو ولا يعلى.
ثم أكد الشهادة وأرغم أنف قريش الذين لم يرضوا بهذا التعريف في كتاب العهد فقال ﴿ محمد رسول الله ﴾ فهو مبتدأ وخبر.
وجوز أهل الإعراب أن يكون المبتدأ محذوفاً لتقدم ذكره في قوله ﴿ أرسل رسوله ﴾ أي هو محمد فيكون ﴿ رسول الله ﴾ صفة أو عطف بيان، وجوزوا أن يكون ﴿ محمد ﴾ مبتدأ و ﴿ رسول الله ﴾ صفته أو بياناً.
وقوله ﴿ والذين معه ﴾ وهم الصحابة عطفاً على ﴿ محمد ﴾ وخبر الجميع ﴿ أشداء على الكفار ﴾ جمع شديد كما قال ﴿ واغلظ عليهم ﴾ ﴿ أعزة على الكافرين ﴾ عن الحسن: بلغ من تشدّدهم على الكفار أنهم كانوا يتحرزون من ثيابهم أن تلزق بثيابهم فكيف بأبدانهم، وبلغ من ترحمهم فيما بينهم أنه كان لا يرى مؤمن مؤمناً إلا صافحه وعانقه.
والمصافحة جائزة بالاتفاق، وأما المعانقة والتقبيل فقد كرههما أبو حنيفة وإن كان التقبيل على اليد.
ومن حق المؤمنين أن يراعوا هذه السنة أبداً فيتشدّدوا على مخالفيهم ويرحموا أهل دينهم ﴿ تراهم ﴾ يا محمد أو يا من له أهلية الخطاب ﴿ ركعاً سجداً ﴾ راكعين ساجدين ﴿ يبتغون فضلاً من الله ﴾ بالعفو عن تقصيرهم ﴿ ورضواناً ﴾ منه عن أعمالهم الصالحة بأن يتقبلها الله منهم ﴿ سيماهم ﴾ علامتهم ﴿ في وجوههم من أثر السجود ﴾ فيجوز أن تكون العلامة أمراً محسوساً وأن السجود بمعنى حقيقة وضع الجبهة على ألأرض، وكان كل من عليّ بن الحسين زين العابدين وعليّ بن عبد الله بن عباس أبي الأملاك يقال له ذو الثفنات، لأن كثرة سجودهما أحدثت في مواضع السجود منهما أشباه ثفنات البعير.
والذي جاء في الحديث "لا تعلبوا صوركم" أي لا تخدشوها.
وعن ابن عمر أنه رأى رجلاً أثر في وجهه السجود فقال: إن صورة وجهك أنفك فلا تعلب وجهك ولا تشن صورتك محمول على التعمد رياء وسمعة.
وعن سعيد بن المسيب هي ندى الطهور وتراب الأرض.
ويجوز أن يكون أمراً معنوياً من البهاء والنور.
وعن عطاء: استنارت وجوههم من التهجد كما قيل "من كثر صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار" وإن الذي يبيت شارباً يتميزعند أراب البصيرة من الذي يبيت مصلياً وفيه قال بعضهم: عيناك قد حكتا مبيـ *** ـتك كيف كنت وكيف كانا ولرب عين قد أرتـ *** ـك مبيت صاحبها عياناً قال المحققون: إن من توجه إلى شمس الدنيا لا بد من أن يقع شعاعها على وجهه، فالذي أقبل على شمس عالم الوجود وهو الله كيف لا يستنير ظاهره وباطنه ولا سيما يوم تبلى السرائر ويكشف الغطاء ﴿ ذلك مثلهم ﴾ أي ذلك الوصف وصفهم العجيب الشأن في الكتابين: ويجوز أن يكون ذلك إشارة مبهمة أوضحت بقوله ﴿ كزرع ﴾ إلى آخره.
كقوله ﴿ وقضينا إليه ذلك الأمر أن دابر هؤلاء مقطوع ﴾ وقد يقال: تم الكلام عند قوله ﴿ ذلك مثلهم في التوراة ﴾ ثم ابتدأ ﴿ مثلهم في الإنجيل كزرع ﴾ لما روى أنه مكتوب في الإنجيل: سيخرج قوم ينبتون نبات الزرع يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر عرفوا إلى بني إسرائيل بهذا الوصف ليعرفوهم إذا أبصروهم.
والشطء بالتسكين والتحريك فراخ الزرع التي تنبت إلى جانب الأصل، ومنه شاطىء النهر.
﴿ فآزره ﴾ من المؤازره المعاونة.
ويجوز أن يكون أفعل من الأزر القوة أي أعان الزرع الشطء أو بالعكس.
﴿ فاستغلظ ﴾ الزرع أو الشطء أي صار من الرقة إلى الغلظ ﴿ فاستوى على سوقه ﴾ فاستقام على قصبته أي تناهى وصار كالأصل بحيث يعجب الزارعين.
والسوق جمع ساق وقد يخص الساق بالشجر فيكون ساق الزرع مجازاً مستعاراً.
ووجه التشبيه أن النبي خرج وحده ثم أتبعه من ههنا قليل ومن ههنا حتى كثروا وقوي أمرهم.
وقوله ﴿ ليغيظ بهم الكفار ﴾ تعليل لوجه التشبيه أو للتشبيه أي ضرب الله ذلك المثل وقضى وحكم بذلك ليغيظ بمحمد وأصحابه كفار مكة والعجم.
وقيل: هذا الزرع يغيظ بكثرته الكفار أي سائر الزرّاع الذين ليس لهم مثل زرعهم وفيه بعد، ولكن الكلام لا يخلو عن فصاحة لفظية من قبل المناسبة بين الزراع والكفار لاشتراكهما بالجملة في معنى من المعاني وإن لم يكن مقصوداً ههنا.
وذهب بعض المفسرين إلى أن قوله ﴿ والذين معه ﴾ أبو بكر ﴿ أشداء على الكفار ﴾ عمر ﴿ رحماء بينهم ﴾ عثمان ﴿ نراهم ركعاً سجداً ﴾ علي ﴿ يبتغون فضلاً من الله ورضواناً ﴾ طلحة والزبير ﴿ سيماهم في وجوههم ﴾ سعد وسعيد وعبد الرحمن بن عوف وأبو عبيدة ابن الجراح.
وعن عكرمة: أخرج شطأة بأبي بكر فآزره بعمر فاستغلظ بعثمان فاستوى على سوقه بعليّ.
وقوله ﴿ منهم ﴾ لبيان الجنس.
ويجوز أن يكون قوله ﴿ ليغيظ ﴾ تعليلاً للوعد لان الكفار إذا سمعوا بما أعدّ لهم في الآخرة مع ما حصل لهم في الدنيا من الغلبة والاستعلاء غاظهم ذلك والله أعلم.
قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً ﴾ قال بعضهم: هو فتح مكة.
وقال بعضهم: هو صلح الحديبية الذي بين رسول الله وبين أهل مكة حين صدوهم عن دخولهم مكة، وحالوا بينه وبين زيارة البيت، وكان له فيها - أعني: في قصة الحديبية - أمران وآيتان ظاهرتان عظيمتان: أحدهما: أنه أصابه ومن معه من أصحابه عطش، فأتى بإناء ماء، فنبع من ذلك الإناء من الماء مقدار ما شرب منه زهاء ألف وخمسمائة، حتى رووا جميعاً؛ فذلك آية عظيمة حسّية على رسالته.
والثاني: أخبر بغلبة الروم فارس، وذلك علم غيب، وكان كما ذكر وأخبر؛ فدل أنه إنما علم ذلك بالله .
وقصة الحديبية: روي عن رجل يقال له: مجمع بن حارثة قال: "شهدت الحديبية مع رسول الله فلما انصرفنا عنها إذ الناس يوجفون الأباعر، فقال بعض الناس لبعض: ما للناس؟
قال: أوحي إلى رسول الله قال: فخرجنا نوجف مع الناس حتى وجدنا رسول الله واقفاً عند كراح الغميم - اسم موضع - فلما اجتمع إليه بعض ما يريد من الناس قرأ عليهم: ﴿ إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً ﴾ قال: قال رجل من أصحاب رسول الله: أو فتح هو يا رسول الله؟
قال: إي والذي نفسي بيده إنه بفتح قال: ثم قسمت الحديبية على ثمانية عشر سهماً، وكان الجيش ألفاً وخمسمائة" .
وفي بعض الأخبار: "أنه الصلح الذي كان بين رسول الله وبين المشركين، ولم نر قتالا، ولو نرى لقاتلنا، قال: فنزلت سورة الفتح، فأرسل رسول الله إلى عمر - - فأقرأها إياه، فقال: يا رسول الله، فتح هو؟
قال: نعم" وعن عامر "أن النبي كان بالحديبية، فأنزل الله - -: ﴿ إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً ﴾ فقال رجل: إنه فتح هو؟
قال: نعم" وعن جابر أنه قال: ما كنا نعد الفتح إلا يوم الحديبية.
وكذلك روي عن عبد الله بن مسعود - - أنه قال: نزلت هذه الآية: ﴿ إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً ﴾ بالحديبية.
وعن ابن عباس - - أنه قال: لم يكن في الإسلام فتح أعظم من صلح الحديبية، وضعت الحرب أوزارها، وأمن الناس كلهم، ودخل في الإسلام في السنتين أكثر مما كان دخل قبيل ذلك، فلما رجع رسول الله إلى المدينة من الحديبية...
وفي الحديث طول تركنا ذكره، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً ﴾ يخرج على وجوه ثلاثة: أحدها: أي: إنا قضينا ذلك قضاء بيناً بالحجج والبراهين على رسالتك ونبوتك؛ ليعلم أنك محق على ما تدعي، صادق في قولك؛ ﴿ لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ ﴾ بما أكرمك، وعظم أمرك بالرسالة والنبوة؛ أي: أعطاك ذلك وأكرمك به؛ ليغفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر.
والثاني: ﴿ إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً ﴾ ما لم يطمع أحد من الخلائق أنه يفتح عليك أمثال ذلك الفتح ﴿ لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ ﴾ .
والثالث: إنا فتحنا لك جميع أبواب الحكمة والعلوم وجميع أبواب الخيرات والحسنات ﴿ لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ ﴾ بما أكرمك من أبواب الحكمة والخيرات.
يخرج على هذه الوجوه الثلاثة، والله أعلم.
ثم قوله - عز وجل : ﴿ لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ ﴾ يخرج على وجهين: أحدهما: يرجع إلى ذنبه؛ أخبر أنه غفر له.
ثم لا يجوز لنا أن نبحث عن ذنبه ونتكلف أنه ما كان ذنبه؟
وأيش كانت زلته؟
لأن البحث عن زلته مما يوجب التنقص فيه، فمن تكلف البحث عن ذلك يخاف عليه الكفر، لكن ذنبه وذنب سائر الأنبياء - عليهم السلام - ليس نظير ذنبنا؛ إذ ذنبهم بمنزلة فعل مباح منا، لكنهم نهوا عن ذلك، والله أعلم.
وجائز أن يكون قوله - عز وجل -: ﴿ لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ ﴾ أي: يغفر ذنبه ابتداء غفران؛ أي: عصمة عن ذلك، وذلك جائز في اللغة، والله أعلم.
والوجه الثاني يرجع إلى ذنوب أمته؛ أي: ليغفر لك الله ذنوب أمتك، وهو ما يشفع لأمته، فيغفر له؛ أي: لشفاعته، وهو كما روى في الخبر: "يغفر للمؤذن مدّ صوته" أي: يجعل له الشفاعة، فعلى ذلك جائز أن يكون قوله: ﴿ لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ ﴾ أي: يغفر لأمته بشفاعته، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ ﴾ يحتمل إتمام نعمته عليه هو ما ذكرنا من الرسالة والنبوة، وفتح ما ذكر من أبواب الخيرات والحكمة في الدنيا والآخرة، والشفاعة له في الآخرة، أو إظهار دينه على الأديان كلها، وإياس أولئك الكفرة عن عوده إلى دينهم؛ كقوله: ﴿ ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ...
﴾ الآية [المائدة: 3]، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَنصُرَكَ ٱللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً ﴾ ، يحتمل: أي: ينصرك نصراً عزيزاً بالغلبة عليهم، والقهر، والظفر، لا صلحاً، ولا موادعة، وعلى ذلك يخرج قول أهل التأويل: نصراً عزيزاً لا يستذل ولا يسترذل، وظاهر الآية ليس على ذلك؛ لأنه قال على إثره: ﴿ لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ ﴾ ؛ لأن الخيرات والحسنات تكون سبباً للمغفرة؛ فجائز أن يكون ما ذكر من الفتح له والمغفرة هذا، لا ما ذكره [أهل التأويل] إلا أن يقال: إن النبي كان يسأل منه الفتح لما أقدم على أسباب الفتح، وهو القتال مع الكفرة، ونحو ذلك، وذلك من الخيرات التي تكون سبب المغفرة، إلا أن الله أضاف الفتح إلى نفسه، والقتال منهم، والله أعلم.
ويحتمل أن يكون ما ذكر من الفتح له ليغفر له هو أن الله جعل رسوله بحيث لا يخط بيده خطّاً، ولا يكتب كتاباً، ولا يفهم كتابه، وهو ما وصفه الله - جل وعلا - بقوله: ﴿ وَمَا كُنتَ تَتْلُواْ مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ ﴾ لدفع ارتياب المبطلين فيه على ما ذكر، ثم مع أنه جعله هكذا أحوج جميع حكماء الخلق إليه، وأحوج - أيضاً - جميع أهل الكتب السالفة إليه في معرفة ما ضمن كتابه المنزل عليه، وجعله رسولا إليهم؛ فيكون كأنه قال: إنا فتحنا لك النبوة، والحكمة، وأنواع العلوم، والخيرات، والحسنات؛ ﴿ لِّيَغْفِرَ لَكَ ﴾ ؛ أي: إنما فتح لك ما ذكر ليغفر لك ويتم نعمته عليك من النبوة، والحكمة، وإظهار دينه على الأديان كلها، ويهديه صراطاً مستقيماً، وينصره نصراً عزيزاً، أعطاه ما ذكرنا، وذلك كله النصر العزيز، والله أعلم.
وجائز أن يكون قوله: ﴿ لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ ﴾ أي: من ذنب أمتك وما تأخر من ذنبهم؛ على ما قال بعض أهل التأويل، ويتم نعمته عليهم من أنواع الخيرات، والأمن لهم، والإياس لأولئك الكفرة عنهم، ويهديهم صراطاً مستقيماً، وينصرهم نصراً عزيزاً، أي: فتحنا لك ما ذكر؛ ليكون لأمتك ما ذكرنا من المغفرة لهم، وإتمام النعمة والهداية لهم: الصراط المستقيم، والنصر لهم: النصر العزيز، أي: نصراً يعزون به في حياتهم وبعد وفاتهم في الدنيا والآخرة، والله أعلم.
ومن الناس من يقول: إن الله - جل وعلا - امتحن رسوله - عليه الصلاة والسلام - في الابتداء بالخوف حين قال: ﴿ وَمَآ أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلاَ بِكُمْ ﴾ ، وجد النبي لذلك وجداً شديداً، ونزل بعده ﴿ إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً * لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ...
﴾ إلى آخره، قال رسول الله عند ذلك: "نزلت علي آية أحب إلي مما على الأرض" ، ثم قرأها النبي ، فقالوا: هنيئاً مريئاً يا نبي الله، قد بين لك ماذا يفعل بك، ولم يبين ماذا يفعل بنا؛ فنزل قوله - -: ﴿ لِّيُدْخِلَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ...
﴾ الآية، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ هُوَ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ .
قال بعضهم: السكينة: هي كهيئة الريح لها جناحان، ولها رأس كرأس الهرّ؛ لكن هذا ليس بشيء، فإنه - عز وجل - قال: ﴿ أَنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ بحقيقة الدين، وهو تفسير العلم، وهذا يدل على أن خالق العلم الاستدلالي ومنزله ومنشئه هو الله - - وهم يقولون: إن خالقه هو المستدل؛ فيكون حجة عليهم.
قال بعض المعتزلة: إضافة إنزال السكينة إلى نفسه على سبيل المجاز، ليس على التحقيق، كما يقال: فلان أنزل فلاناً في منزله أو مسكنه وإن لم يكن منه حقيقة إنزاله إياه في المنزل، لكن أضيف إليه ذلك؛ لأنه وجد منه سبب به يصل ذلك إلى نزوله في منزله ومسكنه، فعلى ذلك أضاف إنزال السكينة في قلوب المؤمنين؛ ليزدادوا إيماناً؛ فلا يقال في مثله لأمر كان منه أو بسبب جعل له ذلك؛ وهو كقوله - -: ﴿ إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ ﴾ وإنما يقال ذلك لتحقيق إنزال ذلك؛ ليكون ما ذكر على ما أخبر أنه فتح؛ ليغفر له ما ذكر، والله أعلم.
ثم قوله - عز وجل -: ﴿ لِيَزْدَادُوۤاْ إِيمَٰناً مَّعَ إِيمَٰنِهِمْ ﴾ يخرج على وجوه: أحدها: ما قال أبو حنيفة - رحمه الله -: ليزدادوا إيماناً بالتفسير على إيمانهم بالجملة.
والثاني: ليزدادوا إيماناً بمحمد وبكتابه مع إيمانهم بسائر الرسل والكتب التي كانوا آمنوا بها وصدقوها، وهذا في أهل الكتاب خاصة.
والثالث: ليزدادوا إيماناً في حادث الوقت مع إيمانهم فيما مضى من الأوقات، فإذا وصل هذا بالأول فيكون بحكم الزيادة، وإن شئت جعلته بحكم الابتداء؛ إذ للإيمان حق التجدد والحدوث في كل وقت، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلِلَّهِ جُنُودُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ فإن كان نزوله على إثر قول ذلك المنافق على ما ذكر بعض أهل التأويل؛ حيث قال لأصحابه: يزعم محمد أن الله قد غفر له، وأن له على عدوه ظفراً، ويهديه صراطاً مستقيماً، وينصره نصراً عزيزاً، هيهات هيهات، لقد بقي له من العدو أكثر وأكثر، فأين أهل فارس والروم؟!
هم أكثر عدداً، فعند ذلك نزل: ﴿ وَلِلَّهِ جُنُودُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ فمعناه: أي: لله تدبير جنود السماوات والأرض، ينصر من يشاء على من يشاء، ويجعل الأمر لمن يشاء على ما يشاء، ليس لهم التدبير وإنفاذ الأمر على من شاءوا، ولكن ذلك إلى الله - - وهو كقوله: ﴿ فَلِلَّهِ ٱلْمَكْرُ جَمِيعاً ﴾ أي: لله تدبير مكرهم، لا ينفذ مكرهم إلا بالله - - فعلى ذلك هذا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً ﴾ أي: عن علم بما يكون منهم من إيثارهم عداوة الله على ولايته، واختيار الخلاف له - أنشأهم لا عن جهل، ليعلم أنه لم ينشئهم ولم يأمرهم بما أمرهم وامتحنهم بما امتحن؛ لحاجة نفسه، أو لمنافع ترجع إليه، ولكن لحاجة أولئك ولمنافعهم؛ ولذلك قال: ﴿ حَكِيماً ﴾ ؛ لأن الحكيم هو الذي لا يلحقه الخطأ في التدبير، فإذا كان إنشاؤه إياهم وما أمرهم به، ونهاهم عنه، لا لحاجة له في نفسه ولا منفعة، ولكن لحاجتهم ومنفعتهم - كان حكيماً في إنشائه إياهم على علم منه بما يكون منهم من إيثار العداوة له على ولايته، واختيار الخلاف له والمعصية، والله الموفق.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لِّيُدْخِلَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا...
﴾ الآية.
كأن هذا صلة قوله - -: ﴿ هُوَ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ ٱلْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوۤاْ إِيمَٰناً مَّعَ إِيمَٰنِهِمْ ﴾ ، ﴿ لِّيُدْخِلَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ...
﴾ الآية، أنزل السكينة في قلوبهم؛ أي: أنزل ما تسكن به قلوبهم؛ ليزدادوا إيماناً، وأنزل السكينة - أيضاً - ليدخلهم فيما ذكر، كما ذكر في رسول الله : ﴿ إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً * لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ ﴾ فتح له ليغفر له، فعلى ذلك أنزل السكينة في قلوبهم؛ ليزداد لهم الإيمان، وليدخلهم الجنات التي وصف، ثم أخبر أن ذلك لهم عند الله فوز عظيم لا هلاك بعده، ولا تبعة، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيُعَذِّبَ ٱلْمُنَافِقِينَ وَٱلْمُنَافِقَاتِ وَٱلْمُشْرِكِينَ وَٱلْمُشْرِكَاتِ ﴾ ذكر للمنافقين والمشركين من العذاب مقابل ما ذكر للمؤمنين من إنزال السكينة عليهم، وإدخالهم الجنة، حرم هؤلاء السكينة التي ذكر أن قلوب المؤمنين بها تسكن؛ لما علم أنهم يختارون عداوته، ويؤثرون عداوة أوليائه على ولايتهم، وعلم من المؤمنين أنهم يؤثرون ولايته على عداوته، وولاية أوليائه على عداوتهم فأنزل السكينة في قلوبهم ولم ينزل على أولئك هذا؛ ليعلم أن من بلغ في الإيمان الحدّ الذي ذكر إنما بلغ ذلك بالله - - وبفضله، وبرحمته، ولا قوة إلا بالله.
وقوله: ﴿ ٱلظَّآنِّينَ بِٱللَّهِ ظَنَّ ٱلسَّوْءِ ﴾ جائز أن يكون قوله - عز وجل -: ﴿ ٱلظَّآنِّينَ بِٱللَّهِ ظَنَّ ٱلسَّوْءِ ﴾ المنافقون الذين ذكرهم في آية أخرى؛ حيث قال: ﴿ بَلْ ظَنَنْتُمْ أَن لَّن يَنقَلِبَ ٱلرَّسُولُ وَٱلْمُؤْمِنُونَ إِلَىٰ أَهْلِيهِمْ أَبَداً وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنتُمْ ظَنَّ ٱلسَّوْءِ ﴾ ظنوا أن رسول الله لا يرجع إلى أهله، وكذلك المؤمنون لا يرجعون إلى أهليهم أبداً، ثم أخبر أن ذلك الظن منهم ظن السوء، فيحتمل ما ذكر - هاهنا - ﴿ ٱلظَّآنِّينَ بِٱللَّهِ ظَنَّ ٱلسَّوْءِ ﴾ هذا ما ذكرنا، والله أعلم.
وجائز أن يكون قوله: ﴿ ٱلظَّآنِّينَ بِٱللَّهِ ظَنَّ ٱلسَّوْءِ ﴾ : هم المشركون.
ثم إن كانوا من المنافقين فيكون ظنهم بالله ظن السوء: ألا يرجع هو وأصحابه إلى أهليهم أبداً وإن كانوا من مكذبي الرسول فيكون ظنهم بالله ظن السوء ألا يكرم محمداً بالرسالة؛ ولا يعظمه بالنبوة، لا يختاره ولا يؤثره، على غيره من الناس الذين يختارونهم؛ كقولهم: ﴿ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ﴾ فيكون ظنهم بالله ظن السوء على هذا: ألا يكرم الله - - محمداً ولا يختاره لرسالته ونبوته، والله أعلم.
وإن كان ذلك من مكذبي البعث ومنكريه، فيكون ظنهم بالله ظن السوء هو ألا يقدر على البعث والإحياء بعد الموت.
ثم أخبر أن عليهم دائرة السوء الذي ظنوا ألا يرجع إلى رسول الله فصار عليهم ما ظنوا برسول الله حيث تفرقوا من أوطانهم، وهتك أستارهم، ونحو ذلك.
وإن كانوا من مكذبي الرسول أنه لا يرسله، فظنهم كان ما ظنوا؛ لأنه بعث هو رسولا ولم يبعث من اختاروا هم.
وإن كانوا منكري البعث فعليهم كان عذاب اليوم، وفيه هلاكهم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَغَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَآءَتْ مَصِيراً ﴾ أخبر - عز وجل - أنهم استوجبوا غضب الله ولعنه بالذي كان منهم من سوء ظنهم بالله ورسوله، وأعد لهم جهنم بذلك، وساءت مصيراً لهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلِلَّهِ جُنُودُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً ﴾ ذكر على إثر ما ذكر ﴿ عَزِيزاً حَكِيماً ﴾ ؛ ليعلم أن عزه ليس بما ذكر من الجنود الذين له في السماوات والأرض، ولكنه عزيز بذاته، له العز الذاتي الأزلي، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
إنا فتحنا لك -أيها الرسول- فتحًا مبينًا بصلح الحديبية.
<div class="verse-tafsir" id="91.qJdG2"