الآية ١٢ من سورة المائدة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 5 المائدة > الآية ١٢ من سورة المائدة

۞ وَلَقَدْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَـٰقَ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ ٱثْنَىْ عَشَرَ نَقِيبًۭا ۖ وَقَالَ ٱللَّهُ إِنِّى مَعَكُمْ ۖ لَئِنْ أَقَمْتُمُ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَيْتُمُ ٱلزَّكَوٰةَ وَءَامَنتُم بِرُسُلِى وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ ٱللَّهَ قَرْضًا حَسَنًۭا لَّأُكَفِّرَنَّ عَنكُمْ سَيِّـَٔاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّـٰتٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ ۚ فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ ١٢

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 145 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٢ من سورة المائدة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٢ من سورة المائدة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

لما أمر [ الله ] تعالى عباده المؤمنين بالوفاء بعهده وميثاقه ، الذي أخذه عليهم على لسان عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم ، وأمرهم بالقيام بالحق والشهادة بالعدل ، وذكرهم نعمه عليهم الظاهرة والباطنة ، فيما هداهم له من الحق والهدى ، شرع يبين لهم كيف أخذ العهود والمواثيق على من كان قبلهم من أهل الكتابين : اليهود والنصارى فلما نقضوا عهوده ومواثيقه أعقبهم ذلك لعنا منه لهم ، وطردا عن بابه وجنابه ، وحجابا لقلوبهم عن الوصول إلى الهدى ودين الحق ، وهو العلم النافع والعمل الصالح ، فقال تعالى : ( ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا ) يعني : عرفاء على قبائلهم بالمبايعة والسمع ، والطاعة لله ولرسوله ولكتابه .

وقد ذكر ابن عباس ومحمد بن إسحاق وغير واحد أن هذا كان لما توجه موسى عليه السلام ، لقتال الجبابرة ، فأمر بأن يقيم النقباء من كل سبط نقيب - قال محمد بن إسحاق : فكان من سبط روبيل " شامون بن زكور ، ومن سبط شمعون : " شافاط بن حري " ، ومن سبط يهوذا : " كالب بن يوفنا " ، ومن سبط أبين : " فيخائيل بن يوسف " ، ومن سبط يوسف وهو سبط أفرايم : " يوشع بن نون " ، ومن سبط بنيامين : " فلطمى بن رفون " ، ومن سبط زبلون جدي بن سودى " ، ومن سبط يوسف وهو منشا بن يوسف : " جدي بن سوسى " ، ومن سبط دان : " حملائيل بن جمل " ، ومن سبط أسير : " ساطور بن ملكيل " ، ومن سبط نفتالي نحى بن وفسى " ، ومن سبط جاد : " جولايل بن ميكي " .

وقد رأيت في السفر الرابع من التوراة تعداد النقباء على أسباط بني إسرائيل وأسماء مخالفة لما ذكره ابن إسحاق ، والله أعلم ، قال فيها : فعلى بني روبيل : " الصوني بن سادون " ، وعلى بني شمعون : " شموال بن صورشكي " ، وعلى بني يهوذا : " يحشون بن عمبياذاب وعلى بني يساخر : " شال بن صاعون " ، وعلى بني زبلون : " الياب بن حالوب ، وعلى بني يوسف إفرايم : " منشا بن عمنهود " ، وعلى بني منشا : " حمليائيل بن يرصون " ، وعلى بني بنيامين : " أبيدن بن جدعون " ، وعلى بني دان : " جعيذر بن عميشذي " ، وعلى بني أسير : " نحايل بن عجران " ، وعلى بني حاز : " السيف بن دعواييل " ، وعلى بني نفتالي : " أجزع بن عمينان " .

وهكذا لما بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم الأنصار ليلة العقبة ، كان فيهم اثنا عشر نقيبا ، ثلاثة من الأوس وهم : أسيد بن الحضير وسعد بن خيثمة ورفاعة بن عبد المنذر - ويقال بدله : أبو الهيثم بن التيهان - رضي الله عنهم ، وتسعة من الخزرج وهم : أبو أمامة أسعد بن زرارة وسعد بن الربيع وعبد الله بن رواحة ورافع بن مالك بن العجلان والبراء بن معرور وعبادة بن الصامت وسعد بن عبادة وعبد الله بن عمرو بن حرام والمنذر بن عمرو بن خنيس ، رضي الله عنهم .

وقد ذكرهم كعب بن مالك في شعر له ، كما أورده ابن إسحاق ، رحمه الله .

والمقصود أن هؤلاء كانوا عرفاء على قومهم ليلتئذ عن أمر النبي صلى الله عليه وسلم لهم بذلك ، وهم الذين ولوا المبايعة والمعاقدة عن قومهم للنبي صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة .

وقال الإمام أحمد : حدثنا حسن بن موسى حدثنا حماد بن زيد عن مجالد عن الشعبي عن مسروق قال : كنا جلوسا عند عبد الله بن مسعود وهو يقرئنا القرآن ، فقال له رجل : يا أبا عبد الرحمن هل سألتم رسول الله صلى الله عليه وسلم : كم يملك هذه الأمة من خليفة ؟

فقال عبد الله : ما سألني عنها أحد منذ قدمت العراق قبلك ، ثم قال : نعم ، ولقد سألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " اثنا عشر كعدة نقباء بني إسرائيل " .

هذا حديث غريب من هذا الوجه وأصل هذا الحديث ثابت في الصحيحين من حديث جابر بن سمرة قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : " لا يزال أمر الناس ماضيا ما وليهم اثنا عشر رجلا " .

ثم تكلم النبي صلى الله عليه وسلم بكلمة خفيت علي ، فسألت أبي : ماذا قال النبي صلى الله عليه وسلم؟

قال : " كلهم من قريش " .

وهذا لفظ مسلم ومعنى هذا الحديث البشارة بوجود اثني عشر خليفة صالحا يقيم الحق ويعدل فيهم ، ولا يلزم من هذا تواليهم وتتابع أيامهم ، بل قد وجد منهم أربعة على نسق ، وهم الخلفاء الأربعة : أبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم ، ومنهم عمر بن عبد العزيز بلا شك عند الأئمة ، وبعض بني العباس .

ولا تقوم الساعة حتى تكون ولايتهم لا محالة ، والظاهر أن منهم المهدي المبشر به في الأحاديث الواردة بذكره : أنه يواطئ اسمه اسم النبي صلى الله عليه وسلم ، واسم أبيه اسم أبيه ، فيملأ الأرض عدلا وقسطا ، كما ملئت جورا وظلما ، وليس هذا بالمنتظر الذي يتوهم الرافضة وجوده ثم ظهوره من سرداب " سامراء " .

فإن ذلك ليس له حقيقة ولا وجود بالكلية ، بل هو من هوس العقول السخيفة ، وتوهم الخيالات الضعيفة ، وليس المراد بهؤلاء الخلفاء الاثني عشر الأئمة [ الاثني عشر ] الذين يعتقد فيهم الاثنا عشرية من الروافض لجهلهم وقلة عقلهم .

وفي التوراة البشارة بإسماعيل عليه السلام ، وأن الله يقيم من صلبه اثني عشر عظيما ، وهم هؤلاء الخلفاء الاثنا عشر المذكورون في حديثابن مسعود وجابر بن سمرة وبعض الجهلة ممن أسلم من اليهود إذا اقترن بهم بعض الشيعة يوهمونهم أنهم الأئمة الاثنا عشر ، فيتشيع كثير منهم جهلا وسفها ، لقلة علمهم وعلم من لقنهم ذلك بالسنن الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم .

وقوله تعالى : ( وقال الله إني معكم ) أي : بحفظي وكلاءتي ونصري ( لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي ) أي : صدقتموهم فيما يجيئونكم به من الوحي ( وعزرتموهم ) أي : نصرتموهم وآزرتموهم على الحق ( وأقرضتم الله قرضا حسنا ) وهو : الإنفاق في سبيله وابتغاء مرضاته ( لأكفرن عنكم سيئاتكم ) أي : ذنوبكم أمحوها وأسترها ، ولا أؤاخذكم بها ( ولأدخلنكم جنات تجري من تحتها الأنهار ) أي : أدفع عنكم المحذور ، وأحصل لكم المقصود .

وقوله : ( فمن كفر بعد ذلك منكم فقد ضل سواء السبيل ) أي : فمن خالف هذا الميثاق بعد عقده وتوكيده وشده ، وجحده وعامله معاملة من لا يعرفه ، فقد أخطأ الطريق الحق ، وعدل عن الهدى إلى الضلال .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله عز ذكره : وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا قال أبو جعفر: وهذه الآية أنـزلتْ إعلامًا من الله جلّ ثناؤه نبيَّه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين به، أخلاقَ الذين همُّوا ببسط أيديهم إليهم من اليهود.

كالذي:- 11567 - حدثنا الحارث بن محمد قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا مبارك، عن الحسن في قوله: " ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل " قال: اليهود من أهل الكتاب.

* * * = (29) وأن الذي هموا به من الغدر ونقض العهد الذي بينهم وبينه، من صفاتهم وصفات أوائلهم وأخلاقِهم وأخلاقِ أسلافهم قديما= (30) واحتجاجا لنبيه صلى الله عليه وسلم على اليهود، بإطلاعه إيَّاه على ما كان علمه عندَهم دون العرب من خفيّ أمورهم ومكنون علومهم= وتوبيخا لليهود في تمادِيهم في الغيّ، وإصرارهم على الكفر، مع علمهم بخطأ ما هم عليه مقيمون.

يقول الله لنبيه صلى الله عليه وسلم: لا تستعظموا أمرَ الذين همُّوا ببسط أيديهم إليكم من هؤلاء اليهود بما همُّوا به لكم، ولا أمرَ الغدر الذي حاولوه وأرادوه بكم، فإن ذلك من أخلاق أوائلهم وأسْلافهم، لا يَعْدُون أن يكونوا على منهاج أوَّلهم وطريق سَلَفِهم.

ثم ابتدأ الخبر عز ذكره عن بعضِ غَدَراتهم وخياناتهم وجراءَتهم على ربهم ونقضهم ميثاقَهم الذي واثقَهم عليه بَارِئُهم، (31) مع نعمه التي خصَّهم بها، &; 10-110 &; وكراماته التي طوّقهم شكرها، فقال، ولقد أخذ الله ميثاق سَلَف من همّ ببسط يده إليكم من يهود بني إسرائيل، يا معشر المؤمنين بالوفاء له بعهوده وطاعته فيما أمرهم ونهاهم، (32) كما:- 11568 - حدثني المثنى قال، حدثنا آدم العسقلاني قال، حدثنا أبو جعفر الرازي، عن الربيع، عن أبي العالية في قوله: " ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل " قال: أخذ الله مواثيقهم أن يخلصوا له، ولا يعبدُوا غيره.

* * * =" وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا " يعني بذلك: وبعثنا منهم اثني عشر كفيلا كفلوا عليهم بالوفاء لله بما واثقوه عليه من العهود فيما أمرهم به وفيما نهاهم عنه.

و " النقيب " في كلام العرب، كالعَرِيف على القوم، غير أنه فوق " العريف ".

يقال منه: " نَقَب فلان على بني فلان فهو ينقُبُ نَقْبًا (33) فإذا أريد أنه لم يكن نقيبا فصار نقيبا "، قيل: " قد نَقُبَ فهو ينقُب نَقَابة " = ومن " العريف ": " عَرُف عليهم يَعْرُف عِرَافَةً".

فأما " المناكب " فإنهم كالأعوان يكونون مع العُرفاء، واحدهم " مَنْكِب ".

وكان بعض أهل العلم بالعربية يقول: هو الأمين الضامن على القوم.

(34) * * * فأما أهل التأويل فإنهم قد اختلفوا بينهم في تأويله.

فقال بعضهم: هو الشاهد على قومه.

ذكر من قال ذلك: 11569 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا "، من كل سِبْط رجل شاهد على قومه.

* * * وقال آخرون: " النقيب "، الأمين.

ذكر من قال ذلك: 11570 - حدثت عن عمار بن الحسن قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قال: " النقباء " الأمناء.

11571 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، مثله.

* * * وإنما كان الله عز ذكره أمر موسى نبيّه صلى الله عليه وسلم ببعثة النقباء الاثني عشر من قومه بني إسرائيل إلى أرض الجبابرة بالشأم، ليتحسَّسوا لموسى أخبارَهم (35) إذْ أراد هلاكهم، وأن يورِّث أرضَهم وديارَهم موسى وقومَه، وأن يجعلها مساكن لبني إسرائيل بعد ما أنجاهم من فرعون وقومه، وأخرجهم من أرض مصر، فبعث مُوسى الذين أمَره الله ببعثهم إليها من النقباء، كما: 11572 - حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: أمر الله بني إسرائيل بالسير إلى أرْيَحَا، وهى أرض بيت المقدس، فساروا حتى إذا كانوا قريبا منهم بعث موسى اثني عشر نقيبا من جميع أسباط بني إسرائيل.

فساروا يريدون أن يأتوه بخبر الجبابرة، فلقيهم رجل من الجبَّارين يقال له " عاج "، فأخذ الاثني عشر، فجعلهم في حُجْزَته (36) وعلى رأسه حَمْلَةُ حطب.

(37) فانطلق بهم إلى امرأته فقال: انظري إلى هؤلاء القوم الذين يزعمون أنهم يريدون أن يقاتلونا!!

فطرَحَهم بين يديها، فقال، ألا أطْحَنُهم برجلي!

فقالت امرأته: بل خلّ عنهم حتى يخبروا قومَهم بما رأوا.

ففعل ذلك.

فلما خرج القومُ، قال بعضهم لبعض: يا قوم إنكم إن أخبرتم بني إسرائيل خبرَ القوم، ارتدُّوا عن نبيِّ الله عليه السلام، ولكن اكتموه وأخبروا نَبِيَّ الله، فيكونان هما يَرَيان رأيهما!

(38) فأخذ بعضهم على بعض الميثاق بذلك ليكتموه، ثم رجعوا فانطلق عشرة منهم فنكثوا العهدَ، فجعل الرجل يخبر أخاه وأباه بما رأى من [أمر]" عاج " (39) وكتم رجلان منهم، فأتوا موسى وهارون، فأخبروهما الخبرَ، فذلك حين يقول الله (40) " ولقد أخذ الله ميثاقَ بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا ".

(41) 11573 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: " اثني عشر نقيبا " من كل سبط من بني إسرائيل رجل، أرسلهم موسى إلى الجبارين، فوجدوهم يدخل في كُمِّ أحدهم اثنان منهم يُلقونهم إلقاءً (42) ولا يحمل عنقود عنبهم إلا خمسة أنفس &; 10-113 &; منهم في خشبة (43) ويدخل في شطر الرمانة إذا نـزع حبُّها خمسة أنفس أو أربع.

فرجع النقباء كلٌّ منهم يَنْهى سِبْطه عن قتالهم إلا يوشع بن نون وكلاب بن يافنة، (44) يأمران الأسباط بقتال الجبابرة وبجهادهم، فعصوا هذين وأطاعُوا الآخرين.

11574 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد بنحوه= إلا أنه قال: من بني إسرائيل رجالٌ= وقال أيضا: يلقونهما.

(45) 11575 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال: أمر موسى أن يسير ببني إسرائيل إلى الأرض المقدّسة، وقال: إني قد كتبتها لكم دارا وقرارا ومنـزلا فاخرج إليها، وجاهد من فيها من العدوّ، فإني ناصركم عليهم، وخُذ من قومك اثني عشر نقيبًا من كل سبط نقيبا يكون على قومه بالوفاء منهم على ما أمروا به، وقل لهم: إن الله يقول لكم: إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ ...

إلى قوله: فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ وأخذ موسى منهم اثني عشر نقيبا اختارهم من الأسباط كفلاء على قومهم بما هم فيه، على الوفاء بعهده وميثاقه.

وأخذ من كل سبط منهم خيرَهم وأوفاهم رجلا.

يقول الله عز وجل: " ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبًا " فسار بهم موسى إلى الأرض المقدّسة بأمر الله، حتى إذا نـزل التيه بين مصر والشام= وهي بلاد ليس فيها خَمَرٌ &; 10-114 &; ولا ظلّ (46) = دعا موسى ربه حين آذاهم الحرّ، فظلَّل عليهم بالغمام، ودعا لهم بالرزق، فأنـزل الله عليهم المنَّ والسلوى.

(47) وأمر الله موسى فقال: أَرْسل رجالا يتحسسّون إلى أرض كنعان التي وهبت لبني إسرائيل (48) من كل سبط رجلا.

فأرسل موسى الرءوس كلهم الذين فيهم، [فبعث الله جل وعزّ من برّية فاران بكلام الله، وهم روءس بني إسرائيل].

(49) وهذه أسماء الرَّهط الذين بعث الله جل ثناؤه من بني إسرائيل إلى أرض الشام، فيما يذكر أهل التوراة ليجوسوها لبني إسرائيل (50) من سبط روبيل: " شامون بن زكوّن " (51) = ومن سبط شمعون: " شافاط بن حُرّي" (52) ومن سبط يهوذا: " كالب بن يوفنّا (53) ومن سبط &; 10-115 &; أتين: " يجائل بن يوسف " (54) =ومن سبط يوسف: وهو سبط أفرائيم: " يوشع بن نون " (55) ومن سبط بنيامين " فلط بن رفون " (56) =ومن سبط زبالون: " جدي بن سودي (57) =ومن سبط منشا بن يوسف: " جدي بن سوسا (58) =ومن سبط دان: " حملائل بن جمل " (59) =ومن سبط أشر: ساتور بن ملكيل " (60) = ومن سبط نفتالي: " نحى بن وفسي" (61) =ومن سبط جاد: " جولايل بن ميكي".

(62) =فهذه أسماء الذين بعثهم موسى يتحسّسون له الأرض= (63) ويومئذ سمى " هوشع بن نون ": " يوشع بن نون " (64) =فأرسلهم وقال لهم: ارتفعوا قِبَل الشمس، فارقوا الجبل، وانظروا ما في الأرض، وما الشعب الذي يسكنون، أقوياء هم أم ضعفاء، أقليل هم أم كثير؟

وانظروا أرضهم التي يسكنون: أسمينة هي [أم هزيلة]؟

أذات شجر أم لا؟

اجتازوا، واحملوا إلينا من ثمرة تلك الأرض.

وكان ذلك في أول ما أشجن بكر ثمرة العنب.

(65) 11576 - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: " وبعثنا منهم اثني عشر نقيبًا " فهم من بني إسرائيل، بعَثهم موسى لينظُروا له إلى المدينة.

فانطلقوا فنظروا إلى المدينة، فجاءوا بحبّة من فاكهتهم وِقْرَ رجلٍ، (66) فقالوا: اقدُروا قوة قوم وبأسهم هذه فاكهتهم!

فعند ذلك فُتِنوا فقالوا: لا نستطيع القتال، فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ [سورة المائدة: 24].

11577 - حدثت عن الحسين بن الفرج المروزي قال: سمعت أبا مُعاذ الفضلَ بن خالد يقول في قوله: " وبعثنا منهم اثني عشر نقيبًا " أمر الله بني إسرائيل أن يسيروا إلى الأرض المقدّسة مع نبيهم موسى صلى الله عليه وسلم، فلما كانوا قريبًا من المدينة قال لهم موسى: ادخلوها !

فأبوا وجَبُنوا، وبعثُوا اثني عشر نقيبًا لينظروا إليهم، فانطلقوا فنظروا، فجاءوا بحبة من فاكهتهم بوِقْرِ الرجل، فقالوا: اقدورا قوة قوم وبأسهم، (67) هذه فاكهتهم!!

فعند ذلك قالوا لموسى: (اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَا هُنَا قَاعِدُونَ ).

* * * القول في تأويل قوله عز ذكره : وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وقال الله لبني إسرائيل: " إني معكم "، يقول: إني ناصركم على عدوّكم وعدوِّي الذين أمرتكم بقتالهم، (68) إن قاتلتموهم ووفيتم بعهدي وميثاقي الذي أخذته عليكم.

* * * وفي الكلام محذوف، استغنى بما ظهر من الكلام عما حذف منه.

وذلك أن معنى الكلام: وقال الله لَهُم إني معكم= فترك ذكر " لهم "، استغناء بقوله: وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، إذ كان مُتقدّم الخبر عن قوم مسمَّين بأعيانهم، فكان معلومًا أن ما في سياق الكلام من الخبر عنهم، (69) إذ لم يكن الكلام مصروفًا عنهم إلى غيرهم.

* * * ثم ابتدأ ربُّنا جل ثناؤه القسمَ فقال: قسمًا لئن أقمتم، معشر بني إسرائيل، الصلاة =" وآتيتم الزكاة "، أي: أعطيتموها من أمرتكم بإعطائها (70) =" وآمنتم برسلي" يقول: وصدّقتم بما آتاكم به رسلي من شرائع ديني.

وكان الربيع بن أنس يقول: هذا خطاب من الله للنقباء الاثني عشر.

11578 - حدثت عن عمار بن الحسن قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس: أنّ موسى صلى الله عليه وسلم قال للنقباء الاثني عشر: سيروا إليهم= يعني: إلى الجبارين= فحدثوني حديثهم، وما أمْرهم، ولا تخافوا إن الله معكم ما أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي وعزّرتموهم وأقرضتم الله قرضا حسنًا.

* * * قال أبو جعفر: وليس الذي قاله الربيع في ذلك ببعيد من الصواب، غيرَ أن من قضاءِ الله في جميع خلقه أنه ناصرٌ من أطاعه، ووليّ من اتّبع أمره وتجنّب معصيتَه وتحامَى ذنوبه.

(71) فإذ كان ذلك كذلك، وكان من طاعته إقام الصلاة وإيتاء الزكاة، والإيمان بالرسل، وسائر ما ندب القوم إليه= كان معلوما أن تكفير السيئات بذلك وإدخال الجنات به.

لم يخصص به النقباء دون سائر بني إسرائيل غيرهم.

فكان ذلك بأن يكون ندبًا للقوم جميعا، وحضًّا لهم على ما حضَّهم عليه، أحق وأولى من أن يكون ندبًا لبعضٍ وحضًّا لخاصّ دون عامّ.

* * * واختلف أهل التأويل في تأويل قوله: " وعزرتموهم ".

فقال بعضهم: تأويل ذلك: ونصرتموهم.

ذكر من قال ذلك: 11579 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: " وعزرتموهم " قال: نصرتموهم.

11580 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

11581 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي قوله: " وعزرتموهم " قال: نصرتموهم بالسيف.

* * * وقال آخرون: هو الطاعة والنصرة.

ذكر من قال ذلك: 11582 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، سمعت عبد الرحمن بن زيد يقول في قوله: " وعزرتموهم " قال: " التعزيز " و " التوقير "، الطاعة والنصرة.

* * * واختلف أهل العربية في تأويله.

فذكر عن يونس [الحرمري] أنه كان يقول (72) تأويل ذلك: أثنيتم عليهم.

11583 - حدثت بذلك عن أبي عبيدة معمر بن المثنى عنه (73) .

* * * وكان أبو عبيدة يقول: معنى ذلك نصرتموهم وأعنتموهم ووقّرتموهم وعظمتوهم وأيَّدتموهم، وأنشد في ذلك: (74) وَكَــمْ مِــنْ مَــاجِدٍ لَهُـمُ كَـرِيمٍ وَمِــنْ لَيْــثٍ يُعَـزَّرُ فـي النَّـدِيِّ (75) وكان الفراء يقول: " العَزْر " الردُّ" عَزَرته "، رددته: إذا رأيته يظلم فقلت: " اتق الله " أو نهيته، فذلك " العزر ".

* * * قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال عندي في ذلك بالصواب، قول من قال: " معنى ذلك: نصرتموهم ".

وذلك أن الله جل ثناؤه قال في" سورة الفتح ": إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ [سورة الفتح: 8، 9] فـ" التوقير " هو التعظيم.

وإذْ كان ذلك كذلك كان القول في ذلك إنما هو بعضُ ما ذكرنا من الأقوال التي حكيناها عمن حكينا عنه.

وإذا فسد أن يكون معناه: التعظيم= وكان النصر قد يكون باليد واللسان، فأما باليد فالذبُّ بها عنه بالسيف وغيِره، وأما باللسان فحُسْن الثناء، والذبّ عن العرض= صحَّ أنه النصر، إذ كان النصر يحوي معنى كلِّ قائلٍ قال فيه قولا مما حكينا عنه.

* * * وأما قوله: " وأقرضتم الله قرضا حسنًا " فإنه يقول: وأنفقتم في سبيل الله، وذلك في جهاد عدوه وعدوكم=" قرضا حسنًا " يقول: وأنفقتم ما أنفقتم في سبيله، فأصبتم الحق في إنفاقكم ما أنفقتم في ذلك، ولم تتعدوا فيه حدودَ الله وما ندبكم إليه وحثَّكم عليه إلى غيره.

(76) * * * فإن قال لنا قائل: وكيف قال: " وأقرضتم الله قرضا حسنا " ولم يقل: " إقراضا حسنًا "، وقد علمت أن مصدر " أقرضت "" الإقراض "؟

قيل: لو قيل ذلك كان صوابا، ولكن قوله: " قرضًا حسنًا " أخرج &; 10-122 &; مصدرًا من معناه لا من لفظه.

وذلك أن في قوله: " أقرض " معنى " قرض "، كما في معنى " أعطى "" أخذ ".

فكان معنى الكلام: وقَرَضْتم الله قرضًا حسنًا، ونظير ذلك: وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الأَرْضِ نَبَاتًا [سورة نوح: 17]إذ كان في" أنبتكم " معنى: " فنبتم "، وكما قال امرؤالقيس: وَرُضْتُ فَذَلَّتْ صَعْبَةً أيَّ إِذْلالِ (77) إذ كان في" رضت " معنى " أذللت "، فخرج " الإذلال " مصدرا من معناه لا من لفظه.

(78) * * * القول في تأويل قوله عز ذكره : لأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بذلك بني إسرائيل، يقول لهم جل ثناؤه: لئن أقمتم الصلاة، أيها القوم الذين أعطوني ميثاقَهم بالوفاء بطاعتي واتباع أمري، وآتيتم الزكاة، وفعلتم سائرَ ما وعدتكم عليه جنّتي=" لأكفرن عنكم سيئاتكم "، يقول: لأغطين بعفوي عنكم- وصفحي عن عقوبتكم، على سالف أجرامكم التي أجرمتموها فيما بيني وبينكم (79) - على ذنوبكم التي سلفت منكم من عبادة العجل وغيرها من موبقات ذنوبكم (80) =" ولأدخلنكم " مع تغطيتي على ذلك منكم بفضلي يوم القيامة=" جنات تجري من تحتها الأنهار ".

* * * فـ" الجنات " البساتين.

(81) * * * وإنما قلت معنى قوله: " لأكفرّن " لأغطين، لأن " الكفر " معناه الجحود، والتغطية، والستر، كما قال لبيد: فِي لَيْلَةٍ كَفَرَ النُّجُومَ غَمَامُهَا (82) يعني: " غطاها "، فـ" التكفير "" التفعيل " من " الكَفْر ".

* * * واختلف أهل العربية في معنى " اللام " التي في قوله: " لأكفرن ".

فقال بعض نحويي البصرة: " اللام " الأولى على معنى القسم= يعني" اللام " التي في قوله: لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ قال: والثانية معنى قسمٍ آخر.

* * * وقال بعض نحويي الكوفة: بل " اللام " الأولى وقعت موقع اليمين، فاكتفى بها عن اليمين= يعني بـ" اللام الأولى ": لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ .

قال، و " اللام " الثانية= يعني قوله: " لأكفرنّ عنكم سيئاتكم "= جواب لها، يعني" اللام " التي في قوله: لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ واعتلّ لقيله ذلك بأن قوله: لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ غير تام ولا مستغنٍ عن قوله: " لأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ".

وإذ كان ذلك كذلك، فغير جائز أن يكون قوله: " لأكفرنّ عنكم سيئاتكم " قسما مبتدأ، بل الواجب أن يكون جوابًا لليمين إذْ كانت غير مستغنية عنه.

* * * وقوله: (تجري من تحتها الأنهار) يقول: تجري من تحت أشجار هذه البساتين التي أدخلكموها الأنهار.

* * * القول في تأويل قوله عز ذكره : فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (12) قال أبو جعفر: يقول عز ذكره: فمن جحد منكم، يا معشر بني إسرائيل، شيئا مما أمرته به فتركه، أو ركب ما نهيته عنه فعمله بعد أخذي الميثاق عليه بالوفاء لي بطاعتي واجتناب معصيتي=" فقد ضلَّ سواء السبيل " يقول: فقد أخطأ قصدَ الطريق الواضح، وزلَّ عن منهج السبيل القاصد.

* * * " والضلال "، الركوب على غير هدى، وقد بينا ذلك بشواهده في غير هذا الموضع.

(83) * * * وقوله " سواء " يعني به: وسط=: و " السبيل "، الطريق.

* * * وقد بيَّنا تأويل ذلك كله في غير هذا الموضع، فأغنى عن إعادته في هذا الموضع.

(84) -------------- الهوامش : (29) قوله: "وأن الذي هموا به.." معطوف على قوله: "إعلاما منه نبيه..

أخلاق الذين هموا...

وأن الذي هموا به.." ، هذا سياق الجملة.

(30) قوله"واحتجاجا.." ، معطوف على قوله آنفا: "وهذه الآية أنزلت إعلاما..".

(31) في المطبوعة: "الذي واثقتهم عليه بأدائهم" ، لم يحسن قراءة المخطوطة إذ كانت غير معجمة ، فحرفها تحريفا أفضى إلى هلاك العبارة كلها.

(32) انظر تفسير"أخذ الميثاق" فيما سلف ص: 91 ، تعليق: 2 ، والمراجع هناك.

(33) هكذا جاء في المخطوطة والمطبوعة: "نقبا" ، وهذا مصدر غريب جدا ، ولم تذكره العربية ، وهو جائز على ضعف شديد ، وأنا أخشى أن يكون ذلك خطأ من النساخ ، وأن الصواب هو الذي أجمعت عليه كتب اللغة"نقابة" (بكسر النون) في مصدر هذا الفعل.

أما مصدر الفعل الذي يليه فهو بفتح النون.

وقال سيبويه: "النقابة بالكسر الاسم ، وبالفتح المصدر ، مثل الولاية والولاية".

(34) انظر مجاز القرآن لأبي عبيدة 1: 156.

(35) في المطبوعة: "ليتجسسوا" بالجيم ، و"التحسس" بالحاء: تطلب الخبر وتبحثه.

وفي التنزيل: "يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه".

(36) "الحجزة" (بضم فسكون): موضع شد الإزار.

وسبحان الله!!

كيف كان يبالغ هؤلاء الرواة من أصحاب الإسرائيليات!!

(37) في المطبوعة: "حزمة حطب" ، لم يحسن قراءة المخطوطة مع وضوحها.

وأثبتها لما طابقت المخطوطة تاريخ الطبري.

وما سيأتي برقم: 11656.

و"الحملة" (بفتح الحاء): هي مقدار ما يحمله الحامل ، كما يقال: "قبضة" ، لمقدار ما تقبض عليه الكف.

وهذا حرف لم أجد النص عليه في كتاب.

(38) "نبي الله" ، يعني موسى وهرون عليهما السلام.

وكان في المطبوعة: "فيما يريان" ، والصواب من المخطوطة والتاريخ.

(39) هذه الزيادة بين القوسين ، من تاريخ الطبري.

(40) انظر ما كتبته في ص: 92 ، تعليق: 1 ، في أمر"حيث" و"حين".

(41) الأثر: 11572- هو من بقية الأثر الذي رواه أبو جعفر قديما برقم: 991 ، وهو في تاريخ الطبري 1: 221 ، 22.

وسيأتي صدره برقم: 11656.

(42) في المخطوطة: "يلفونهم الفا" غير واضحة ولا منقوطة ، وفي المطبوعة هنا"يلفونهم لفا" ، وسيأتي برقم: 11660 ، كما أثبتها ، في المخطوطة والمطبوعة معا.

وانظر الأثر التالي: 11574 ، والتعليق عليه.

(43) في المخطوطة: "خمسة أنفاس بينهم في خشبة" ، وفي المطبوعة: "خمسة أنفس بينهم في خشبة" ، وأثبت ما في تفسير البغوي (هامش ابن كثير 3: 104) ، فهو أقرب إلى هذا السياق.

وانظر ما سيأتي ، الأثر رقم: 11573.

(44) في المطبوعة: "وكالب بن يوفنا" ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو فيها هنا" " غير منقوطة ، ولكنه سيأتي في المخطوطة ، في رقم: 11666 ، كما أثبته هنا.

وانظر ما مضى 5: 272.

وفي التاريخ 1: 222: "كالوب بن يوفنة ، وقيل: كلاب بن يوفنة ختن موسى".

وسيأتي بعض هذا الأثر مختصرا برقم: 11660.

(45) في المطبوعة: "يلففونها" ، مع أنها في المخطوطة كما أثبتها واضحة منقوطة ، وانظر التعليق على الأثر السالف ص: 112 ، تعليق: 7 ، وانظر الأثر التالي: 11660.

(46) في المطبوعة: "شجر ولا ظل" ، وفي المخطوطة: "حعر" ، والصواب ما أثبته ، كما مضى في الأثر: 992 ، و"الخمر" (بفتحتين): كل ما سترك من شجر أو بناء أو غيره.

(47) إلى هذا الموضع مضى قديما في الأثر رقم: 992.

(48) في المخطوطة: "وهب" ، والصواب ما في المطبوعة.

وفي المطبوعة: "يتجسسون" بالجيم ، وانظر ص: 111 ، تعليق: 1.

(49) هذه الجملة التي بين القوسين ، من المخطوطة ، وحذفها ناشر المطبوعة.

وهي عبارة غير مفهومة ، ولم أستطع أن أهتدي إلى صوابها ، ولا استطعت أن أصل الكلام بعضه ببعض.

والذي في كتاب القوم ، في العهد القديم ، في سفر العدد ، في الإصحاح الثالث عشر: "فأرسلهم موسى من برية فاران حسب قول الرب".

وكل وجه من التصحيف ، أو التحريف ، أو النقص في العبارة ، أردت أن أحمل عليه هذه الجملة ، حتى تستقيم ، خرج معي وجها ضعيف التركيب ، فتركت ذلك لمن يحسن أن يقيمه ، أو لمن يهتدي إلى صوابه من مرجع آخر ، غير المراجع التي بين يدي.

(50) هذه الأسماء مذكورة في كتاب القوم ، في سفر العدد ، في الإصحاح الثالث عشر.

ونقلها عن هذا الموضع من الطبري ، ابن كثير في تفسيره 3: 103.

وذكرها ابن حبيب في"المحبر" ص: 464 ، ونقلها عنه القرطبي في تفسيره 6: 113 ، فسأذكر بعد ، ما اختلف فيه من الأسماء ، عن هذه المراجع ، ونصها في كتاب القوم.

(51) في كتاب القوم: "من سبط رَأو بين: شمع بن زكُّور" ، كما في المحبر.

وفي المطبوعة وابن كثير"بن ركون" ، وفي القرطبي"ركوب".

وفي المخطوطة ، تقرأ كما كتبتها.

(52) في كتاب القوم: "..

بن حوري".

وفي المحبر: "شرفوط بن حوري" ، وفي القرطبي: "شوقوط بن حوري".

(53) في كتاب القوم: "..

بن يُفَنّة" ، وفي المحبر: "كولب.." ، وفي القرطبي: "يوقنا".

(54) في كتاب القوم: "ومن سبط يسَّاكرَ: يجال بن يوسف" ، وكان في المطبوعة هنا"ومن سبط كاذ: ميخائيل بن يوسف" ، ولا أدري من أين جاء به ناشر المطبوعة.

وفي ابن كثير: "ومن سبط أتين: ميخائيل بن يوسف" ، ولم أجد في الأسباط"أتين" ، ولكن هكذا كتب في مخطوطة التفسير كما كتبته غير منقوط ، وفيها أيضا"محامل" غير منقوطة ، والذي أثبته هو صواب قراءتها.

أما في المحبر فهو: "ومن سبط إساخر: يغوول بن يوسف" ، وفي القرطبي: "ومن سبط الساحر: يوغول بن يوسف".

وهذا السبط ، ذكره الطبري عن محمد بن إسحق فيما سلف رقم: 2107: "يشجر" ، وهو"يساكر" ، فالذي لا شك فيه أن"أبين" التي في مخطوطة التفسير ، هي"يشجر" ، أو "أشجر" ، ولكني تركتها كما هي في المخطوطة.

(55) في كتاب القوم: "من سبط أفرايم: هو شع بن نون" ، ولكن كتب في مخطوطة التفسير"يوشع" هنا ، وكان الأجود أن يكتب هنا"هوشع" ، لأنه سيأتي في آخر الخبر أنه يومئذ سمى"هوشع" ، "يوشع".

(56) في كتاب القوم: "من سبط بنيامين فَلطي بن رافو" وفي المخطوطة: "بن دفون" ، وفي المطبوعة: "بن ذنون" ، وفي ابن كثير: "فلطم بن دفون" ، وفي المحبر: "يلطى بن ردفوا" ، وفي القرطبي: "يلظى بن روقو".

(57) في كتاب القوم: "من سبط زبولون: جَدّ يئيل بن سودى" ، وفي المخطوطة"جدي بن سوشي" ، ولكن ابن كثير نقله في تفسيره عن الطبري: "جدي بن شورى" ، فتبين أن"سوشي" تحريف"سودي".

وكان في المطبوعة"كرابيل بن سودي" ، وفي المحبر"كداييل بن شوذي" ، وفي القرطبي: "كرابيل بن سورا".

(58) في كتاب القوم: "من سبط يوسف ، من سبط منسي: جدّي بن سوسي" ، وفي ابن كثير: "بن موسى" ، خطأ.

وفي المحبر: "كدي بن سوسي" ، وفي القرطبي والمطبوعة: "سوشا".

(59) في كتاب القوم: "..

عميئيل بن جملّى" وفي ابن كثير: "خملائيل بن حمل" ، وفي المحبر: "عماييل بن كملى" ، وفي القرطبي: "عمائيل بن كسل".

(60) في كتاب القوم: "من سبط أشير: ستور بن ميخائيل" ، وفي المطبوعة: "أشار: سابور" ، فأثبت ما في المخطوطة ، وهي غير منقوطة.

وفي ابن كثير: "أشار: ساطور بن ملكيل".

وفي المحبر"ومن سبط أوشير: شتور بن ميخائيل" ، "شير: ستور".

(61) في كتاب القوم"من سبط نفتالي: نحيى بن وفسى" ، وفي المطبوعة: "محر بن وقسى" ، وفي المخطوطة: "ومن سبط ثفثا أبي بحر بن وفسى" ، وصواب قراءتها ما أثبت.

وفي ابن كثير: "بحر بن وقسي".

وفي المحبر: "يحيى بن وقسي: وفي القرطبي: "يوحنا بن وقوشا".

(62) في كتاب القوم: "من سبط جاد: جأوئيل بن ماكي" وفي المخطوطة: "ومن سبط دار: جولائل بن منكد" ، وفي المطبوعة: "ومن سبط يساخر: حولايل بن منكد" ، وفي تفسير ابن كثير: "ومن سبط يساخر: لايل بن مكيد" وفي المحبر: "ومن سبط جاذ: كوآءل بن موخى".

وفي القرطبي: "ومن سبط كاذ: كوال بن موخى".

فأثتب"جاد" مكان"دار" في المخطوطة ، من أسماء الأسباط في رواية ابن إسحق فيما سلف في الأثر رقم: 2107.

وقرأت"منكد""ميكي" ، لأنها أقرب إلى"ماكي" و"موخي".

هذا ، وقد نقل ابن كثير في تفسيره 3: 103 أسماء هؤلاء النقباء ، وقال: "وقد رأيت في السفر الرابع من التوراة ، تعداد النقباء على أسباط بني إسرائيل ، وأسماء مخالفة لما ذكره ابن إسحق ، والله أعلم".

ولكن اتضح من المراجعة أن الذي ذكره ابن إسحق ، هو الموجود في النسخة التي بين أيدينا من التوراة.

أما الذي نقله ابن كثير فهو مخالف كل المخالفة لما في رواية ابن إسحق ، ولما جاء في كتاب القوم.

فلا ريب أن التوراة التي كانت في يد ابن كثير ، هي غير التي في أيدينا من كتاب القوم.

(63) في المطبوعة: "يتجسسون" بالجيم ، وانظر ما سلف ص: 111 ، تعليق: 1 ، و ص: 114 ، تعليق: 3.

(64) في المطبوعة والمخطوطة في هذا الاسم الأول"يوشع" ، ولكن المخطوطة غير متقوطة ، والصواب أن تكون"هوشع" كما أثبتها.

انظر ص: 115 ، تعليق: 2.

(65) في المطبوعة: "..

أشمسة هي أم ذات شجر ، واحملوا إلينا من ثمرة تلك الأرض" ، رأى ما في المخطوطة لا يقرأ ، فحذفه.

وكان في المخطوطة: "أسمسه هي أم ذات شجر أم لا احباروا واحملوا إلينا..".

ورأيت أن أقرأها كذلك ، استظهارا مما جاء في كتاب القوم ، في سفر العدد ، في الإصحاح الثالث عشر: "وكيف هي الأرض: أسمينة أم هزيلة؟

أفيها شجر أم لا؟

وتشددوا فخذوا من ثمر الأرض".

يقال ، "أرض سمينة"؛ جيدة الترب ، قليلة الحجارة ، قوية على ترشيح النبت.

ويقال ، "أرض مهزولة" ، رقيقة.

و"المهازل": الجدوب ، فلذلك آثرت وضع"هزيلة" كما جاءت في كتاب القوم بهذا المعنى ، وإن أغفلتها كتب اللغة ، أو أغفلت النص عليها.

وكان في المطبوعة: "وكان في أول ما سمى لهم من ذلك ثمرة العنب" ، وهو تصرف رديء مستهجن.

فإن الذي في المخطوطة هو: "وكان ذلك في أول ما سمى بكر ثمرة العنب" لم يحسن قراءة"سمن" ، فتصرف بلا ورع.

والذي في كتاب القوم ما نصه: "وأما الأيام فكانت أيام باكورات العنب".

فاستظهرت منها صواب ما في المخطوطة ، وقرأت: "أول ما سمن": "أول ما أشجن بكر ثمرة العنب".

و"الشجنة" (بكسر فسكون): الشعبة من عنقود العنب تدرك كلها.

يقال منها"أشجن الكرم" ، أدركت عناقيده وطابت.

وقوله"بكر العنب" ، فإن"بكر كل شيء" ، أوله.

وهو صحيح في العربية ، وإن كانوا قد خصوا الثمار التي أدركت في أول إدراكها بقولهم: "باكورة الثمرة".

(66) "الوقر" (بكسر الواو وسكون القاف): الحمل.

وفي حديث عمر بن الخطاب والمجوس: "فألقوا وقر بغل أو بغلين" ، أي: حمل بغل أو بغلين.

(67) في المطبوعة في الموضعين: "قدروا" ، والجيد من المخطوطة.

(68) انظر تفسير"مع" فيما سلف 3: 213-214/5: 353.

(69) في المطبوعة: "كان معلوما" ، والسياق يقتضي"فكان" بالفاء.

(70) انظر فهارس اللغة فيما سلف في تفسير"إقامة الصلاة" ، و"إيتاء الزكاة".

(71) في المطبوعة: "وجافى ذنوبه" ، وفي المخطوطة: "وعامى ذنوبه" فرأيت أن أقرأها "تحامى" ، فهي عندي أجود وأبين في معنى اتقاء الذنوب والتباعد عنها.

(72) قوله: "يونس [الحرمري]" ، هكذا جاء في المخطوطة والمطبوعة ، وهو مشكل ، فإنه إما أن يكون نسبة نسب إليها ، ونسبة"يونس بن حبيب" ، هي"النحوي" ونسبته في ولائه"الضبي" ، وهو مولى"بلال بن هرمي من بني ضبيعة بن بجالة" (النقائص: 323) ، ولا أظنه محرفا عن شيء من ذلك = وإما أن يكون نسبة إلى مكان ، ويونس من أهل جبل (بفتح الجيم وتشديد الباء مضمومة) (انظر طبقات النحويين للزبيدي: 48).

وليس تحريفا لهذا أيضا.

ولعل باحثًا يهتدي إلى صوابه ، فتركته كما هو.

هذا مع أن أبا عبيدة في مجاز القرآن ، لم يذكر غير اسمه ، والطبري يروي هذا عن أبي عبيدة.

(73) انظر مجاز القرآن لأبي عبيدة 1: 157.

(74) لم أعرف قائله.

(75) مجاز القرآن لأبي عبيدة 1: 157.

و"الندى": مجلس القوم ، ما داموا مجتمعين فيه ، فإذا تفرقوا عنه فليس بندي.

ومثله"النادي".

ومن العجب العاجب شرح من شرح هذا البيت فقال!

"واللهم ، بكسر اللام وسكون الهاء ، الثور المسن..

ولعل الكلمة محرفة عن كلمة شهم".

وهذا خلط لا يعلى عليه ، فتجنب مثله.

(76) انظر تفسير"القرض" ، و"القرض الحسن" فيما سلف 5: 282 ، 283 ، = وقوله: "إلى غيره" متعلق بقوله"ولم تتعدوا فيه...".

(77) ديوانه: 141 ، وغيره ، وقبل البيت ، يقول لصاحبته بعد ما سما إليها سمو حباب الماء: حَــلَفْتُ لَهَــا بِاللـهِ حَلْفَـةَ فَـاجِرٍ لَنَـامُوا، فَمَـا إنْ من حَدِيثٍ ولا صَالِي فَلَمَّـا تَنَازَعْنَـا الْحَـدِيثَ وأَسْـمَحَتْ، هَصَـرَتْ بُغِصْـنٍ ذِي شَـمَارِيخَ مَيَّالِ وَصِرْنَـا إِلَـى الحُسْـنَى، وَرَقَّ كَلامُنَا ورُضْـتُ، فَـذَلَّتْ صَعْبَـةً أيَّ إِذْلالِ!!

و"راض الدابة أو غيرها يروضها": وطأها وذللها وعلمها السير.

(78) انظر ما سلف 5: 533 ، 534.

هذا وقد سلف في 5: 282 ، 283 ، "يقرض الله قرضا حسنا" ، فلم يستوف الكلام هناك.

وهذا باب من أبواب اختصار أبي جعفر تفسيره.

(79) سياق الجملة: "لأغطين بعفوي عنكم..

على ذنوبكم.." (80) انظر تفسير"التكفير" و"السيئات" فيما سلف من فهارس اللغة ، مادة (كفر) و (سوأ).

(81) انظر تفسير"الجنات" فيما سلف من فهارس اللغة (جنن).

(82) سلف البيت وتمامه وتخريجه في 1: 255.

(83) انظر تفسير"الضلال" فيما سلف 2: 495 ، 496/6: 66 ، 584 ، ومواضع غيرها ، التمسها في فهارس اللغة.

(84) انظر تفسير"سواء السبيل" فيما سلف 2: 496 ، 497 ، وفهارس اللغة في (سوى) و (سبل).

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا وقال الله إني معكم لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي وعزرتموهم وأقرضتم الله قرضا حسنا لأكفرن عنكم سيئاتكم ولأدخلنكم جنات تجري من تحتها الأنهار فمن كفر بعد ذلك منكم فقد ضل سواء السبيلقوله تعالى : ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا فيه ثلاث مسائل :الأولى : قال ابن عطية : هذه الآيات المتضمنة الخبر عن نقضهم مواثيق الله تعالى تقوي أن الآية المتقدمة في كف الأيدي إنما كانت في بني النضير ، واختلف أهل التأويل في كيفية بعث هؤلاء النقباء بعد الإجماع على أن النقيب كبير القوم ، القائم بأمورهم الذي ينقب عنها [ ص: 73 ] وعن مصالحهم فيها ، والنقاب : الرجل العظيم الذي هو في الناس على هذه الطريقة ; ومنه قيل في عمر رضي الله عنه : إنه كان لنقابا .

فالنقباء الضمان ، واحدهم نقيب ، وهو شاهد القوم وضمينهم ; يقال : نقب عليهم ، وهو حسن النقيبة أي : حسن الخليقة ، والنقب والنقب الطريق في الجبل ، وإنما قيل : نقيب لأنه يعلم دخيلة أمر القوم ، ويعرف مناقبهم وهو الطريق إلى معرفة أمورهم ، وقال قوم : النقباء الأمناء على قومهم ; وهذا كله قريب بعضه من بعض ، والنقيب أكبر مكانة من العريف .

قال عطاء بن يسار : حملة القرآن عرفاء أهل الجنة ; ذكره الدارمي في مسنده .

قال قتادة - رحمه الله - وغيره : هؤلاء النقباء قوم كبار من كل سبط ، تكفل كل واحد بسبطه بأن يؤمنوا ويتقوا الله ; ونحو هذا كان النقباء ليلة العقبة ; بايع فيها سبعون رجلا وامرأتان .

فاختار رسول الله صلى الله عليه وسلم من السبعين اثني عشر رجلا ، وسماهم النقباء اقتداء بموسى صلى الله عليه وسلم ، وقال الربيع والسدي وغيرهما : إنما بعث النقباء من بني إسرائيل أمناء على الاطلاع على الجبارين والسبر لقوتهم ومنعتهم ; فساروا ليختبروا حال من بها ، ويعلموه بما اطلعوا عليه فيها حتى ينظر في الغزو إليهم ; فاطلعوا من الجبارين على قوة عظيمة - على ما يأتي - وظنوا أنهم لا قبل لهم بها ; فتعاقدوا بينهم على أن يخفوا ذلك عن بني إسرائيل ، وأن يعلموا به موسى عليه السلام ، فلما انصرفوا إلى بني إسرائيل خان منهم عشرة فعرفوا قراباتهم ، ومن وثقوه على سرهم ; ففشا الخبر حتى اعوج أمر بني إسرائيل فقالوا : فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون .الثانية : ففي الآية دليل على قبول خبر الواحد فيما يفتقر إليه المرء ، ويحتاج إلى اطلاعه من حاجاته الدينية والدنيوية ; فتركب عليه الأحكام ، ويرتبط به الحلال والحرام ; وقد جاء أيضا مثله في الإسلام ; قال صلى الله عليه وسلم لهوازن : ارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم .

أخرجه البخاري .الثالثة : وفيها أيضا دليل على اتخاذ الجاسوس ، والتجسس : التبحث ، وقد بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبسة عينا ; أخرجه مسلم ، وسيأتي حكم الجاسوس في " الممتحنة " إن شاء الله تعالى ، وأما أسماء نقباء بني إسرائيل فقد ذكر أسماءهم محمد بن حبيب في " المحبر " فقال : من سبط روبيل شموع بن ركوب ، ومن سبط شمعون شوقوط بن حوري ، ومن سبط يهوذا كالب بن يوقنا ، ومن سبط الساحر يوغول بن يوسف ، ومن سبط أفراثيم بن يوسف يوشع بن النون ، ومن سبط بنيامين يلظى بن روقو ، ومن سبط ربالون كرابيل بن سودا ومن سبط [ ص: 74 ] منشا بن يوسف كدي بن سوشا ، ومن سبط دان عمائيل بن كسل ، ومن سبط شير ستور بن ميخائيل ، ومن سبط نفتال يوحنا بن وقوشا ، ومن سبط كاذاكوال بن موخي ; فالمؤمنون منهم يوشع وكالب ، ودعا موسى عليه السلام على الآخرين فهلكوا مسخوطا عليهم ; قاله الماوردي ، وأما نقباء ليلة العقبة فمذكورون في سيرة ابن إسحاق فلينظروا هناك .قوله تعالى : وقال الله إني معكم لئن أقمتم الصلاة قال الربيع بن أنس : قال ذلك للنقباء ، وقال غيره : قال ذلك لجميع بني إسرائيل ، وكسرت " إن " لأنها مبتدأة .

معكم لأنه ظرف ، أي : بالنصر والعون .

ثم ابتدأ فقال : لئن أقمتم الصلاة إلى أن قال لأكفرن عنكم سيئاتكم أي : إن فعلتم ذلك ولأدخلنكم جنات واللام في لئن لام توكيد ومعناها القسم ; وكذا لأكفرن عنكم ، ولأدخلنكم ، وقيل : المعنى لئن أقمتم الصلاة لأكفرن عنكم سيئاتكم ، وتضمن شرطا آخر لقوله : لأكفرن أي : إن فعلتم ذلك لأكفرن ، وقيل : قوله لئن أقمتم الصلاة جزاء لقوله : إني معكم وشرط لقوله : لأكفرن والتعزير : التعظيم والتوقير ; وأنشد أبو عبيدة :وكم من ماجد لهم كريم ومن ليث يعزر في النديأي : يعظم ويوقر ، والتعزير : الضرب دون الحد ، والرد ; تقول : عزرت فلانا إذا أدبته ورددته عن القبيح .

فقوله : عزرتموهم أي : رددتم عنهم أعداءهم .

أي : رددتم عنهم أعداءهم .

وأقرضتم الله قرضا حسنا يعني الصدقات ; ولم يقل إقراضا ، وهذا مما جاء من المصدر بخلاف المصدر كقوله : والله أنبتكم من الأرض نباتا ، فتقبلها ربها بقبول حسن وقد تقدم .

ثم قيل : حسنا أي : طيبة بها نفوسكم ، وقيل : يبتغون بها وجه الله ، وقيل : حلالا ، وقيل : قرضا اسم لا مصدر .

فمن كفر بعد ذلك منكم أي : بعد الميثاق .

فقد ضل سواء السبيل أي : أخطأ قصد الطريق ، والله أعلم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يخبر تعالى أنه أخذ على بني إسرائيل الميثاق الثقيل المؤكد، وذكر صفة الميثاق وأجرهم إن قاموا به، وإثمهم إن لم يقوموا به، ثم ذكر أنهم ما قاموا به، وذكر ما عاقبهم به، فقال: { وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ ْ} أي: عهدهم المؤكد الغليظ، { وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا ْ} أي: رئيسا وعريفا على من تحته، ليكون ناظرا عليهم، حاثا لهم على القيام بما أُمِرُوا به، مطالبا يدعوهم.

{ وَقَالَ اللَّهُ ْ} للنقباء الذين تحملوا من الأعباء ما تحملوا: { إِنِّي مَعَكُمْ ْ} أي: بالعون والنصر، فإن المعونة بقدر المؤنة.

ثم ذكر ما واثقهم عليه فقال: { لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ ْ} ظاهرا وباطنا، بالإتيان بما يلزم وينبغي فيها، والمداومة على ذلك { وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ ْ} لمستحقيها { وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي ْ} جميعهم، الذين أفضلهم وأكملهم محمد صلى الله عليه وسلم، { وَعَزَّرْتُمُوهُمْ ْ} أي: عظمتموهم، وأديتم ما يجب لهم من الاحترام والطاعة { وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا ْ} وهو الصدقة والإحسان، الصادر عن الصدق والإخلاص وطيب المكسب، فإذا قمتم بذلك { لَأُكَفِّرَنَّ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ْ} فجمع لهم بين حصول المحبوب بالجنة وما فيها من النعيم، واندفاع المكروه بتكفير السيئات، ودفع ما يترتب عليها من العقوبات.

{ فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ ْ} العهد والميثاق المؤكد بالأيمان والالتزامات، المقرون بالترغيب بذكر ثوابه.

{ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ ْ} أي: عن عمد وعلم، فيستحق ما يستحقه الضالون من حرمان الثواب، وحصول العقاب.

فكأنه قيل: ليت شعري ماذا فعلوا؟

وهل وفوا بما عاهدوا الله عليه أم نكثوا؟

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله عز وجل : ( ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا ) وذلك أن الله عز وجل وعد موسى عليه السلام أن يورثه وقومه الأرض المقدسة وهي الشام ، وكان يسكنها الكنعانيون الجبارون ، فلما استقرت لبني إسرائيل الدار بمصر أمرهم الله تعالى بالسير إلى أريحاء من أرض الشام وهي الأرض المقدسة ، وكانت لها ألف قرية في كل قرية ألف بستان ، وقال : يا موسى إني كتبتها لكم دارا وقرارا فاخرج إليها وجاهد من فيها من العدو فإني ناصرك عليهم ، وخذ من قومك اثني عشر نقيبا من كل سبط نقيبا يكون كفيلا على قومه بالوفاء منهم على ما أمروا به ، فاختار موسى النقباء وسار موسى ببني إسرائيل حتى قربوا من أريحاء فبعث هؤلاء النقباء يتجسسون له الأخبار ويعلمون علمها ، فلقيهم رجل من الجبابرة يقال له عوج ابن عنق ، وكان طوله ثلاثة آلاف وثلاثمائة وثلاثا وثلاثين ذراعا وثلث ذراع ، وكان يحتجر بالسحاب ويشرب منه ويتناول الحوت من قرار البحر فيشويه بعين الشمس يرفعه إليها ثم يأكله ، ويروى أن الماء طبق ما على الأرض من جبل وما جاوز ركبتي عوج وعاش ثلاثة آلاف سنة حتى أهلكه الله على يدي موسى عليه السلام ، وذلك أنه جاء وقلع صخرة من الجبل على قدر عسكر موسى عليه السلام ، وكان فرسخا في فرسخ ، وحملها ليطبقها عليهم فبعث الله الهدهد فقور الصخرة بمنقاره فوقعت في عنقه فصرعته ، فأقبل موسى عليه السلام وهو مصروع فقتله ، وكانت أمه عنق إحدى بنات آدم وكان مجلسها جريبا من الأرض ، فلما لقي عوج النقباء وعلى رأسه حزمة حطب أخذ الاثني عشر وجعلهم في حجزته وانطلق بهم إلى امرأته ، وقال انظري إلى هؤلاء الذين يزعمون أنهم يريدون قتالنا ، وطرحهم بين يديها وقال : ألا أطحنهم برجلي؟

فقالت امرأته : لا بل خل عنهم حتى يخبروا قومهم بما رأوا ، ففعل ذلك .

وروي أنه جعلهم في كمه وأتى بهم إلى الملك فطرحهم بين يديه ، فقال الملك : ارجعوا فأخبروهم بما رأيتم ، وكان لا يحمل عنقودا من عنبهم إلا خمسة أنفس منهم في خشبة ، ويدخل في شطر الرمانة إذا نزع منها حبها خمسة أنفس ، فرجع النقباء وجعلوا يتعرفون أحوالهم ، وقال بعضهم لبعض يا قوم : إنكم إن أخبرتم بني إسرائيل خبر القوم ارتدوا عن نبي الله ولكن اكتموا ، وأخبروا موسى وهارون فيريان رأيهما وأخذ بعضهم على بعضهم الميثاق بذلك ، ثم إنهم نكثوا العهد وجعل كل واحد منهم ينهى سبطه عن قتالهم ويخبرهم بما رأى : إلا رجلان فذلك قوله تعالى : " ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا ( وقال الله إني معكم ) ناصركم على عدوكم ، ثم ابتدأ الكلام فقال : ( لئن أقمتم الصلاة ) يا معشر بني إسرائيل ، ( وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي وعزرتموهم ) نصرتموهم ، وقيل : ووقرتموهم وعظمتموهم؛ ( وأقرضتم الله قرضا حسنا ) قيل : هو إخراج الزكاة ، وقيل : هو النفقة على الأهل ، ( لأكفرن عنكم سيئاتكم ) لأمحون عنكم سيئاتكم ، ( ولأدخلنكم جنات تجري من تحتها الأنهار فمن كفر بعد ذلك منكم فقد ضل سواء السبيل ) أي : أخطأ قصد السبيل ، يريد طريق [ الحق ] وسواء كل شيء : وسطه .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل» بما يذكر بعد «وبعثنا» فيه التفات عن الغيبة أقمنا «منهم اثني عشر نقيبا» من كل سبط نقيب يكون كفيلا على قومه بالوفاء بالعهد توثقة عليهم «وقال» لهم «الله إنِّي معكم» بالعون والنصرة «لئن» لام قسم «أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي وعزَّرتموهم» نصرتموهم «وأقرضتم الله قرضا حسنا» بالإنفاق في سبيله «لأكفرنَّ عنكم سيئآتكم ولأدخلنكم جنات تجري من تحتها الأنهار فمن كفر بعد ذلك» الميثاق «منكم فقد ضل سواء السبيل» أخطأ طريق الحق.

والسواء في الأصل الوسط فنقضوا الميثاق قال تعالى.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ولقد أخذ الله العهد المؤكَّد على بني إسرائيل أن يخلصوا له العبادة وحده، وأمر الله موسى أن يجعل عليهم اثني عشر عريفًا بعدد فروعهم، يأخذون عليهم العهد بالسمع والطاعة لله ولرسوله ولكتابه، وقال الله لبني إسرائيل: إني معكم بحفظي ونصري، لئن أقمتم الصلاة، وأعطيتم الزكاة المفروضة مستحقيها، وصدَّقتم برسلي فيما أخبروكم به ونصرتموهم، وأنفقتم في سبيلي، لأكفِّرنَّ عنكم سيئاتكم، ولأدْخِلَنَّكُم جناتٍ تجري من تحت قصورها الأنهار، فمن جحد هذا الميثاق منكم فقد عدل عن طريق الحق إلى طريق الضلال.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

( وَلَقَدْ أَخَذَ الله مِيثَاقَ بني إِسْرَآئِيلَ .

.

.

)قال الفخر الرازي : قوله - تعالى - ( وَلَقَدْ أَخَذَ الله مِيثَاقَ بني إِسْرَآئِيلَ وَبَعَثْنَا مِنهُمُ اثني عَشَرَ نَقِيباً وَقَالَ الله إِنِّي مَعَكُمْ ) اعلم أن في اتصال هذه الآية بما قبلها وجوه :الأول : أنه - تعالى - خاطب المؤمنين فيما تقدم فقال : ( واذكروا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الذي وَاثَقَكُم بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ) ثم ذكر الآن أنه أخذ الميثاق من بني إسرائيل لكنهم نقضوه وتركوا الوفاء به ، فلا تكونوا - أيها المؤمنون - مثلهم في هذا الخلق الذميم .الثاني : أنه لما ذكر قوله : ( اذكروا نِعْمَتَ الله عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ ) وقد ذكرت بعض الروايات أنها نزلت في اليهود ، وأنهم أرادوا إيقاع الشر بالمؤمنين .

فلما ذكر - سبحانه - ذلك أتبعه بذكر فضائحهم ، وبيان أنهم كانوا أبدا مواظبين على نقض العهود والمواثيق .الثالث : أن الغرض من الآيات المتقدمة ترغيب المكلفين في قبول التكاليف وترك التمرد والعصيان .

فذكر - سبحانه - أنه كلف من كان قبل المسلمين كما كلفهم ليعلموا أن عادة الله في التكليف والالزام غير مخصوصة بهم ، بل هي عادة جارية له مع جميع عباده .والميثاق : العهد الموثق المؤكد ، مأخذو من لفظ وثق المتضمن معنى الشد والربط على الشيء بقوة وإحكام .والمراد به : ما أخذه الله على بني إسرائيل لكي يؤدوا ما أوجب عليهم من تكاليف ولكي يعملوا بما تضمنته التوراة من أحكام وتشريعات وغير ذلك مما جاء فيها .والنقيب : كبير القوم .

والكفيل عليهم والمنقب عن أحوالهم وأسرارهم فيكون شاهدهم وضمينهم وعريفهم ، وأصله من النقب وهو الثقب الواسع .قال الآلوسي : والنقيب : قيل فعيل بمعنى فاعل مشتق من النقب بمعنى التفتيش ومنه ( فَنَقَّبُواْ فِي البلاد ) وسمي بذلك لتفتيشه عن أحوال القوم وأمرهم .قال الزجاج : وأصله من النقيب وهو الثقب الواسع والطريق في الجبل :ويقول : فلان حسن النقيبة .

أي : جميل الخليقة ، ويقال : فلان نقاب؛ للعالم بالأشياء ، الذكي القلب ، الكثير البحث عن الأمور .والمعنى : ولقد أخذ الله العهود المؤكدة على بني إسرائيل .

لكي يعملوا بما كلفهم من تكاليف ، وأمر نبيه موسى - عليه السلام - أن يختار متهم اثني عشر نقيبا .

وأن يرسل هؤلاء النقباء إلى الأرض المقدسة لكي يطلعوا على أحوال ساكنيها ، ثم يخبروا نبيهم موسى - عليه السلام - بعد ذلك بما شاهدوه من أحوالهم .وسنفصل القول في شأن بعث هؤلاء النقباء عند تفسيرنا لقوله - تعالى - بعد ذلك ( وَإِذْ قَالَ موسى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ اذكروا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَآءَ وَجَعَلَكُمْ مُّلُوكاً ) وأكد - سبحانه - ما أخذه على بني إسرائيل من عهود بقد وباللام ، للاهتمام بشأن هذا الخبر ، ولترغيب المؤمنين في الوفاء بعهودهم مع الله - تعالى - حتى لا يصيبهم ما أصاب بني إسرائيل من عقوبات بسبب نقضهم لمواثيقهم .وأسند - سبحانه - الأخذ إليه ، لأنه هو الذي أمر به موسى - عليه السلام - ولأن في إسناد أخذ الميثاق إليه - سبحانه - ما أخذه على بني إسرائيل من عهود بقد وباللام ، للاهتمام بشأن هذا الخبر ، ولترغيب المؤمنين في الوفاء بعهودهم مع الله - تعالى - حتى لا يصيبهم ما أصاب بني إسرائيل من عقوبات بسبب نقضهم لمواثيقهم .وأسند - سبحانه - الأخذ إلأيه ، لأنه هو الذي أمر به موسى - عليه السلام - ولأن في إسناد أخذ الميثاق إليه - سبحانه - زيادة في توثيقه ، وتعظيم توكيده وأي عهد يكون أقوى وأوثق من عهد يكون بين العبد والرب؟وفي قوله : ( وَبَعَثْنَا ) التفات إلى المتلكم العظيم - سبحانه - لتهويل شأن هذا الابتعاث ، لأن الله - تعالى - هو الذي أمر به .وإنما اختار موسى - عليه السلام - اثني عشر نقيبا من بني إسرائيل لأنهم كانوا اثني عشر سبطا ، كما قال - تعالى - ( وَقَطَّعْنَاهُمُ اثنتي عَشْرَةَ أَسْبَاطاً أُمَماً ) ولأن كل نقيب كان بمنزلة الرقيب على القبيلة التي هو منها يذكرها بالفضائل ويرغبها في اتباع موسى - عليه السلام - وينهاها عن معصيته .والمعية في قوله - تعالى - ( وَقَالَ الله إِنِّي مَعَكُمْ ) معية مجازية بمعنى الحفظ والرعاية والنصرة .أي : أخذ الله على بني إسرائيل العهود الموثقة ، وأمر نبيه موسى أن يرسل منهم اثني عشر نقيبا لمعرفة أحوال الجبارين الذين يسكنون الأرض المقدسة وقال الله - تعالى - لهؤلاء النقباء ، أو لبني إسرائيل جميعا : إني معكم لا تخفى علىَّ خافية من أحوالكم .

وسأؤيدكم برعايتي ونصري متى وفيتم بعهدي ، واتبعتم رسلي .

فالجملة الكريمة تحذير لهم من معصية الله؛ لأنه لا تخفى عليه خافية ، ووعد لهم بالنصر متى أطاعوه .ثم بين - سبحانه - بعض التكاليف التي كلفهم بها ، وأخذ عليهم العهد بالمحافظة عليها فقال : ( لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصلاة وَآتَيْتُمُ الزكاة وَآمَنتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ الله قَرْضاً حَسَناً لأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار ) .واللام في قوله ( لئن ) موطئة للقسم المحذوف ، و " إن " شرطية ، وقوله : ( لأكفرن ) جواب القسم وجواب الشرط محذوف لدلالة جواب القسم عليه .وقوله : ( وَعَزَّرْتُمُوهُمْ ) من التعزيز بمعنى النصر والإِعانة مع التعظيم والتفخيم يقال : عزر فلان فلانا إذا نصره وقواه ، وأصل معناه : المنع والذب؛ لأن من نصر إنسانا منع عنه أعداءه .والمعنى : لئن داومتم على إقامة الصلاة ، وعلى أدائها على الوجه الأكمل بخضوع وخشوع ، وأعطيتم الزكاة لمستحقيها ( وَآمَنتُمْ بِرُسُلِي ) إيمانا كاملا ، ونصرتموهم مع تعظيمهم وطاعتهم ( وَأَقْرَضْتُمُ الله قَرْضاً حَسَناً ) بأن أنفقتم جانبا من أموالكم في وجوه الخير والبر ، لئن فعلتم ذلك ( لأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ ) بأن أغفرها لكم ، ولأدخلنكم في الآخرة جنات تجري من تحت أشجارها وبساتينها الأنهار .فأنت ترى أن الله - تعالى - قد كلف بني إسرائيل بخمسة أمور نافعة ووعدهم على أدائها بتكفير سيئاتهم في الدنيا ، وبإدخالهم جناته في الآخرة .قال الإِمام الرازي : وأخر - سبحانه - الإِيمان بالرسل عن إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة مع أنه مقدم عليها؛ لأن اليهود كانوا مقربين بأنه لا بد من حصول النجاة من الصلاة وإيتاء الزكاة إلا أنهم كانوا مصرين على تكذيب بعض الرسل .

فذكر بعد إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة أنه لا بد من الإِيمان بجميع الرسل حتى يحصل المقصود .

وإلا لم يكن لإِقامة الصلاة وإيتاء الزكاة تأثير في حصول النجاة بدون الإِيمان بجميع الرسل .والمراد بالزكاة في قوله ( وَآتَيْتُمُ الزكاة ) الزكاة المفروضة .والمراد بالقرض الحسن في قوله ( وَأَقْرَضْتُمُ الله قَرْضاً حَسَناً ) الصدقات غير المفروضة التي يبذلها القادرون عليها في وجوه الخير المتنوعة بدون رياء أو أذى وفي التعبير بقوله : ( وَأَقْرَضْتُمُ الله قَرْضاً حَسَناً ) تأنيس للقلوب وترغيب للنفوس في البذل والعطاء ، حيث شبه - سبحانه - ما يعطي للمحتاج رغبة في الثواب بالقرض الذي سيكافئ الله - تعالى - صاحبه عليه بأضعافه من الخير والنعم .وأضاف - سبحانه - الرسل إليه في قوله ( وَآمَنتُمْ بِرُسُلِي ) لتشريفهم وتكريمهم وتعظيم شأن رسالاتهم وللإِشارة إلى أن الإِيمان بهم جميعا واجب ، فمن أطاعهم قد أطاع الله ، ومن كفر بواحد منهم كفر بالله - تعالى - .ثم بعد أن فتح الله - تعالى - لهم باب كرمه إن أدوا ما أمرهم به حذرهم من المخالفة والعصيان فقال : ( فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذلك مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ السبيل ) أي : فمن جحد منكم شيئاً مما أمرته به فتركه ، أو أعرض عن التكاليف التي كلفته بها بعد أن عرفها فقد بعد عن السبيل المستوية ، أخطأ الطريق الواضح المستقيم ، وسار في متاهات الضلال التي لا هداية فيها ولا خير معها .فالجملة الكريمة تهديد شديد لمن ترك الدين الحق واتجه إلى الأديان الباطلة .قال صاحب الكشاف : فإن قلت : من كفر قبل ذلك أيضاً فقد ضل سواء السبيل ، فلم قال : ( فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذلك ) قلت : أجل من كفر قبل ذلك أيضاً فقد ضل .

ولكن الضلال بعده أظهر وأعظم : لأن الكفر إنما عظم قبحه لعظم النعم المكفورة ، فإذا زادت النعمة زاد قبح الكفر وبلغ النهاية العظمى .وبذلك نرى الآية الكريمة قد بينت أن الله - تعالى - قد أخذ الميثاق على بني إسرائيل بأن يقوموا بالتكليفات التي كلفهم بها ، وحذرهم من النقض والخيانة والكفر ، ورغبهم في الطاعة والإِيمان فماذا كان موقفهم من عهود الله - تعالى -؟

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ أَخَذَ الله ميثاق بَنِى إسراءيل وَبَعَثْنَا مِنهُمُ اثنى عَشَرَ نَقِيباً ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن في اتصال هذه الآية بما قبلها وجوهاً: الأول: أنه تعالى خاطب المؤمنين فيما تقدم فقال: ﴿ واذكروا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ وميثاقه الذي وَاثَقَكُم بِهِ إِذْ قُلْتُمْ الله وَأَطَعْنَا  ﴾ ثم ذكر الآن أنه أخذ الميثاق من بني إسرائيل لكنهم نقضوه وتركوا الوفاء به، فلا تكونوا أيها المؤمنون مثل أولئك اليهود في هذا الخلق الذميم لئلا تصيروا مثلهم فيما نزل بهم من اللعن والذلة والمسكنة، والثاني: أنه لما ذكر قوله: ﴿ اذكروا نِعْمَتَ الله عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَن يَبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ  ﴾ وقد ذكرنا في بعض الروايات أن هذه الآية نزلت في اليهود، وأنهم أرادوا إيقاع الشر برسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما ذكر الله تعالى ذلك أتبعه بذكر فضائحهم وبيان أنهم أبداً كانوا مواظبين على نقض العهود والمواثيق.

الثالث: أن الغرض من الآيات المتقدمة ترغيب المكلفين في قبول التكاليف وترك التمرد والعصيان، فذكر تعالى أنه كلف من كان قبل المسلمين كما كلفهم ليعلموا أن عادة الله في التكليف والالزام غير مخصوصة بهم، بل هي عادة جارية له مع جميع عباده.

المسألة الثانية: قال الزجاج: النقيب فعيل أصله من النقب وهو الثقب الواسع، يقال فلان نقيب القوم لأنه ينقب عن أحوالهم كما ينقب عن الأسرار ومنه المناقب وهي الفضائل لأنها لا تظهر إلا بالتنقيب عنها، ونقبت الحائط أي بلغت في النقب إلى آخره، ومنه النقبة من الحرب لأنه داء شديد الدخول، وذلك لأنه يطلي البعير بالهناء فيعجد طعم القطران في لحمه، والنقبة السراويل بغير رجلين لأنه قد بولغ في فتحها ونقبها، ويقال: كلب نقيب، وهو أن ينقب حنجرته لئلا يرتفع صوت نباحه، وإنما يفعل ذلك البخلاء من العرب لئلا يطرقهم ضيف.

إذا عرفت هذا فنقول: النقيب فعيل، والفعيل يحتمل الفاعل والمفعول، فإن كان بمعنى الفاعل فهو الناقب عن أحوال القوم المفتش عنها، وقال أبو مسلم: النقيب هاهنا فعيل بمعنى مفعول يعني اختارهم على علم بهم، ونظيره أنه يقال للمضروب: ضريب، وللمقتول قتيل.

وقال الأصم: هم المنظور إليهم والمسند إليهم أمور القوم وتدبير مصالحهم.

المسألة الثالثة: أن بني إسرائيل كانوا اثنى عشر سبطاً، فاختار الله تعالى من كل سبط رجلاً يكون نقيباً لهم وحاكماً فيهم.

وقال مجاهد والكلبي والسدي: أن النقباء بعثوا إلى مدينة الجبارين الذين أمر موسى عليه السلام بالقتال معهم ليقفوا على أحوالهم ويرجعوا بذلك إلى نبيهم موسى عليه السلام أن يحدثوهم، فنكثوا الميثاق إلا كالب بن يوفنا من سبط يهوذا، ويوشع بن نون من سبط إفراثيم ابن يوسف، وهما اللذان قال الله تعالى فيهما: ﴿ قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ الذين يَخَافُونَ  ﴾ الآية.

قوله تعالى: ﴿ وَقَالَ الله إِنّى مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصلاة وَءاتَيْتُمْ الزكاة وآمنتم برسلي وعزرتموهم وأقرضتم الله قرضاً حسناً لأكفرن عنكم سيئاتكم ولأدخلنكم جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: في الآية حذف، والتقدير: وقال الله لهم إني معكم، إلا أنه حذف ذلك لاتصال الكلام بذكرهم.

المسألة الثانية: قوله: ﴿ إِنّى مَعَكُمْ ﴾ خطاب لمن؟

فيه قولان: الأول: أنه خطاب للنقباء، أي وقال الله للنقباء إني معكم.

والثاني: أنه خطاب لكل بني إسرائيل، وكلاهما محتمل إلا أن الأول أولى.

لأن الضمير يكون عائداً إلى أقرب المذكورات، وأقرب المذكور هنا النقباء والله أعلم.

المسألة الثالثة: أن الكلام قد تم عند قوله: ﴿ وَقَالَ الله إِنّى مَعَكُمْ ﴾ والمعنى إني معكم بالعلم والقدرة فأسمع كلامكم وأرى أفعالكم وأعلم ضمائركم وأقدر على إيصال الجزاء إليكم، فقوله: ﴿ إِنّى مَعَكُمْ ﴾ مقدمة معتبرة جداً في الترغيب والترهيب، ثم لما وضع الله تعالى هذه المقدمة الكلية ذكر بعدها جملة شرطية، والشرط فيها مركب من أمور خمسة، وهي قوله: ﴿ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصلاة وَءاتَيْتُمْ الزكواة وَءامَنتُمْ بِرُسُلِى وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ الله قَرْضاً حَسَناً ﴾ والجزاء هو قوله: ﴿ لأُكَفّرَنَّ عَنْكُمْ سيئاتكم ﴾ وذلك إشارة إلى إزالة العقاب.

وقوله: ﴿ ولأُدخلنكم جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الانهار ﴾ وهو إشارة إلى إيصال الثواب، وفي الآية سؤالات: السؤال الأول: لم أخر الإيمان بالرسل عن إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة مع أنه مقدم عليها؟

والجواب: أن اليهود كانوا مقرين بأنه لابد في حصول النجاة من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة إلا أنهم كانوا مصرين على تكذيب بعض الرسل، فذكر بعد إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة أنه لابد من الإيمان بجميع الرسل حتى يحصل المقصود، وإلا لم يكن لإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة تأثير في حصول النجاة بدون الإيمان بجميع الرسل.

والسؤال الثاني: ما معنى التعزيز؟

الجواب: قال الزجاج: العزر في اللغة الرد، وتأويل عزرت فلاناً، أي فعلت به ما يرده عن القبيح ويزجره عنه، ولهذا قال الأكثرون: معنى قوله: ﴿ وَعَزَّرْتُمُوهُمْ ﴾ أي نصرتموهم، وذلك لأن من نصر إنساناً فقد رد عنه أعداءه.

قال: ولو كان التعزير هو التوقير لكان قوله: ﴿ وَتُعَزّرُوهُ وَتُوَقّرُوهُ  ﴾ تكراراً.

والسؤال الثالث: قوله: ﴿ وَأَقْرَضْتُمُ الله قَرْضاً حَسَناً ﴾ دخل تحت إيتاء الزكاة، فما الفائدة في الإعادة؟

والجواب: المراد بإيتاء الزكاة الواجبات.

وبهذا الاقراض الصدقات المندوبة، وخصها بالذكر تنبيهاً على شرفها وعلو مرتبتها.

قال الفرّاء: ولو قال: وأقرضتم الله إقراضاً حسناً لكان صواباً أيضاً إلا أنه قد يقام الإسم مقام المصدر، ومثله قوله: ﴿ فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ  ﴾ ولم يقل يتقبل، وقوله: ﴿ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا ﴾ ولم يقل إنباتاً.

ثم قال تعالى: ﴿ فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذلك مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السبيل ﴾ أي أخطأ الطريق المستقيم الذي هو الدين الذي شرعه الله تعالى لهم.

فإن قيل: من كفر قبل ذلك أيضاً فقد ضل سواء السبيل.

قلنا: أجل، ولكن الضلال بعده أظهر وأعظم لأن الكفر إنما عظم قبحه لعظم النعمة المكفورة، فإذا زادت النعمة زاد قبح الكفر وبلغ النهاية القصوى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

لما استقر بنو إسرائيل بمصر بعد هلاك فرعون أمرهم الله بالمسير إلى أريحاء أرض الشام وكان يسكنها الكنعانيون الجبابرة، وقال لهم: إني كتبتها لكم داراً قراراً، فاخرجوا إليها وجاهدوا من فيها، وإني ناصركم، وأمر موسى عليه السلام بأن يأخذ من كل سبط نقيباً يكون كفيلاً على قومه بالوفاء بما أمروا به توثقة عليهم، فاختار النقباء وأخذ الميثاق على بني إسرائيل، وتكفل لهم به النقباء وسار بهم، فلما دنا من أرض كنعان بعث النقباء يتجسسون، فرأوا أجراماً عظيمة وقوّة وشوكة فهابوا ورجعوا وحدّثوا قومهم وقد نهاهم موسى عليه السلام أن يحدثوهم، فنكثوا الميثاق، إلا كالب بن يوفنا من سبط يهوذا، ويوشع بن نون من سبط أفراثيم بن يوسف، وكانا من النقباء.

والنقيب: الذي ينقب عن أحوال القوم ويفتش عنها، كما قيل له: عريف، لأنه يتعرفها ﴿ إِنّى مَعَكُمْ ﴾ أي ناصركم ومعينكم ﴿ وعزرتموهم ﴾ نصرتموهم من أيدي العدوّ.

ومنه التعزير، وهو التنكيل والمنع من معاودة الفساد.

وقرئ بالتخفيف يقال: عزرت الرجل إذا حطته وكنفته.

والتعزير والتأزير من واد واحد.

ومنه: لأنصرنك نصراً مؤزراً، أي قوياً.

وقيل معناه: ولقد أخذنا ميثاقهم بالإيمان والتوحيد وبعثنا منهم اثني عشر ملكاً يقيمون فيهم العدل ويأمرونهم بالمعروف وينهونهم عن المنكر.

واللام في ﴿ لَئِنْ أَقَمْتُمُ ﴾ موطئة للقسم وفي ﴿ لأَكَفِّرَنَّ ﴾ جواب له، وهذا الجواب سادّ مسدّ جواب القسم والشرط جميعاً ﴿ بَعْدَ ذَلِكَ ﴾ بعد ذلك الشرط المؤكد المعلق بالوعد العظيم.

فإن قلت: من كفر قبل ذلك أيضاً فقد ضلّ سواء السبيل.

قلت: أجل، ولكن الضلال بعده أظهر وأعظم، لأنّ الكفر إنما عظم قبحه لعظم النعمة المكفورة، فإذازادت النعمة زاد قبح الكفر وتمادى ﴿ لعناهم ﴾ طردناهم وأخرجناهم من رحمتنا.

وقيل: مسخناهم.

وقيل: ضربنا عليهم الجزية ﴿ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قاسية ﴾ خذلناهم ومنعناهم الألطاف حتى قست قلوبهم.

أو أملينا لهم ولم نعاجلهم بالعقوبة حتى قست.

وقرأ عبد الله: ﴿ قسيَّة ﴾ ، أي ردية مغشوشة، من قولهم: درهم قسيّ وهو من القسوة؛ لأن الذهب والفضة الخالصين فيهما لين والمغشوش فيه يبس وصلابة، والقاسي والقاسح- بالحاء- أخوان في الدلالة على اليبس والصلابة وقرئ: ﴿ قسية ﴾ ، بكسر القاف للإتباع ﴿ يُحَرّفُونَ الكلم ﴾ بيان لقسوة قلوبهم، لأنه لا قسوة أشدّ من الافتراء على الله وتغيير وحيه ﴿ وَنَسُواْ حَظَّا ﴾ وتركوا نصيباً جزيلاً وقسطاً وافياً ﴿ مّمَّا ذُكِرُواْ بِهِ ﴾ من التوراة، يعني أن تركهم وإعراضهم عن التوراة إغفال حظ عظيم، أو قست قلوبهم وفسدت فحرّفوا التوراة وزالت أشياء منها عن حفظهم.

وعن ابن مسعود رضي الله عنه: قد ينسى المرء بعض العلم بالمعصية.

وتلا هذه الآية.

وقيل: تركوا نصيب أنفسهم مما أمروا به من الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وبيان نعته ﴿ وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ ﴾ أي هذه عادتهم وهجيراهم وكان عليها أسلافهم كانوا يخونون الرسل وهؤلاء يخونونك ينكثون عهودك ويظاهرون المشركين على حربك ويهمون بالفتك بك وأن يسموك ﴿ على خَائِنَةٍ ﴾ على خيانة، أو على فعلة ذات خيانة، أو على نفس، أو فرقة خائنة.

ويقال: رجل خائنة، كقولهم: رجل راوية للشعر للمبالغة.

قال: حَدَّثْتَ نَفْسَكَ بِالْوَفَاءِ وَلَمْ تَكُن ** لِلْغَدْرِ خَائِنَةً مَضَلَّ الأُصْبُعِ وقرئ على خيانة ﴿ مّنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مّنْهُمُ ﴾ وهم الذين آمنوا منهم ﴿ فاعف عَنْهُمْ ﴾ بعث على مخالفتهم.

وقيل هو منسوخ بآية السيف.

وقيل: فاعف عن مؤمنيهم ولا تؤاخذهم بما سلف منهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَلَقَدْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ وبَعَثْنا مِنهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا ﴾ شاهِدًا مِن كُلِّ سِبْطٍ يُنَقِّبُ عَنْ أحْوالِ قَوْمِهِ ويُفَتِّشُ عَنْها، أوْ كَفِيلًا يَكْفُلُ عَلَيْهِمْ بِالوَفاءِ بِما أُمِرُوا بِهِ.

رُوِيَ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ لَمّا فَرَغُوا مِن فِرْعَوْنَ واسْتَقَرُّوا بِمِصْرَ، أمَرَهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بِالمَسِيرِ إلى أُرَيْحاءَ مِن أرْضِ الشّامِ، وكانَ يَسْكُنُها الجَبابِرَةُ الكَنْعانِيُّونَ وقالَ: إنِّي كَتَبْتُها لَكم دارًا وقَرارًا فاخْرُجُوا إلَيْها وجاهِدُوا مَن فِيها فَإنِّي ناصِرُكُمْ، وأمَرَ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنْ يَأْخُذَ مِن كُلِّ سِبْطٍ كَفِيلًا عَلَيْهِمْ بِالوَفاءِ بِما أُمِرُوا بِهِ، فَأخَذَ عَلَيْهِمُ المِيثاقَ واخْتارَ مِنهُمُ النُّقَباءَ وسارَ بِهِمْ، فَلَمّا دَنا مِن أرْضِ كَنْعانَ بَعَثَ النُّقَباءَ يَتَجَسَّسُونَ الأخْبارَ، ونَهاهم أنْ يُحَدِّثُوا قَوْمَهُمْ، فَرَأوْا أجْرامًا عَظِيمَةً وبَأْسًا شَدِيدًا فَهابُوا ورَجَعُوا وحَدَّثُوا قَوْمَهم ونَكَثُوا المِيثاقَ إلّا كالِبَ بْنَ يُوفِنا مِن سِبْطِ يَهُوذا، ويُوشِعَ بْنَ نُونٍ مِن سِبْطِ أفْرائِيمَ بْنَ يُوسُفَ.

﴿ وَقالَ اللَّهُ إنِّي مَعَكُمْ ﴾ بِالنُّصْرَةِ ﴿ لَئِنْ أقَمْتُمُ الصَّلاةَ وآتَيْتُمُ الزَّكاةَ وآمَنتُمْ بِرُسُلِي وعَزَّرْتُمُوهُمْ ﴾ أيْ نَصَرْتُمُوهم وقَوَّيْتُمُوهم وأصْلُهُ الذَّبُّ ومِنهُ التَّعْزِيزُ.

﴿ وَأقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا ﴾ بِالإنْفاقِ في سَبِيلِ الخَيْرِ وقَرْضًا يَحْتَمِلُ المَصْدَرَ والمَفْعُولَ.

﴿ لأُكَفِّرَنَّ عَنْكم سَيِّئاتِكُمْ ﴾ جَوابٌ لِلْقَسَمِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِاللّامِ في لَئِنْ سادٌّ مَسَدَّ جَوابِ الشَّرْطِ.

﴿ وَلأُدْخِلَنَّكم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ ﴾ بَعْدَ ذَلِكَ الشَّرْطِ المُؤَكَّدِ المُعَلَّقِ بِهِ الوَعْدُ العَظِيمُ.

﴿ مِنكم فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ ﴾ ضَلالًا لا شُبْهَةَ فِيهِ ولا عُذْرَ مَعَهُ بِخِلافِ مَن كَفَرَ قَبْلَ ذَلِكَ، إذْ قَدْ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ لَهُ شُبْهَةٌ ويَتَوَهَّمُ لَهُ مَعْذِرَةً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (١٢)

{ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وَبَعَثْنَا مِنهُمُ اثني عَشَرَ نَقِيباً} هو الذي ينقب عن أحوال القوم ويفتش عنها ولما استقر بنوا إسرائيل بمصر بعد هلاك فرعون أمرهم الله بالمسير إلى اريحاء أرض الشام وكان يسكنها الكنعانيون الجبابرة وقا لهم إني كتبتها لكم داراً وقراراً فاخرجوا إليها وجاهدوا من فيها وإني ناصركم وأمر الله موسى عليه السلام أن يأخذ من كل سبط نقيباً يكون كفيلاً على قومه بالوفاء بما أمروا به توثقة عليهم فاختار النقباء وأخذ الميثاق على بني إسرائيل وتكفل لهم النقباء وسار بهم فلما دنا من أرض كنعان بعث النقباء يتجسسوا فرأو أجراماً عظيمة وقوة وشوكة فهابوا ورجعوا فحدثوا قومهم وقد نهاهم أن يحدثوهم فنكثوا الميثاق إلا كالب بن يوقنا ويوشع بن نون وكانا من النقباء {وَقَالَ الله إِنّى مَعَكُمْ} أى ناصركم ومعينكم وتقف هنا

لا بتدائك بالشرط الداخل عليه اللام الموطئة للقسم وهو {لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة} وكانتا فريضتين عليهم {وَآمَنتُم بِرُسُلِي} من غير تفريق

المائدة (١٢ _ ١٤)

بين أحد منهم {وعزرتموهم} وعطمتوهم أو نصرتموهم بأن تردوا عنهم اعدائهم والعزر في اللغة الردّ ويقال عزرت فلاناً أي أدّبته يعني فعلت به ما يردعه عن القبيح كذا قاله الزجاج {وَأَقْرَضْتُمُ الله قَرْضاً حَسَناً} بلا مَنٍّ وقيل هو كل خير واللام في {لأُِّّكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سيئاتكم} جواب للقسم وهذا الجواب سادّ مسد جواب القسم والشرط جميعاً {وَلأُدْخِلَنَّكُمْ جنات تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذلك مِنْكُمْ} أي بعد ذلك الشرط المؤكد المتعلق بالوعد العظيم {فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ السبيل} أخطأ طريق الحق نعم من كفر قبل ذلك فقد ضل سواء السبيل أيضاً ولكن الضلال بعده أظهر وأعظم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ولَقَدْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مُشْتَمِلٌ عَلى بَيانِ بَعْضِ ما صَدَرَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، مَسُوقٌ لِتَقْرِيرِ المُؤْمِنِينَ عَلى ذِكْرِ نِعْمَةِ اللَّهِ تَعالى ومُراعاةِ حَقِّ المِيثاقِ، وتَحْذِيرِهِمْ مَن نَقْضِهِ أوْ، لِتَقْرِيرِ ما ذُكِرَ مِنَ الهَمِّ بِالبَطْشِ، وتَحْقِيقُهُ بِناءً عَلى أنَّهُ كانَ صادِرًا مِن أسْلافِهِمْ بِبَيانِ أنَّ الغَدْرَ والخِيانَةَ فِيهِمْ شِنْشِنَةٌ أخْزَمِيَّةٌ، وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ هُنا لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ، وتَفْخِيمِ المِيثاقِ، وتَهْوِيلِ الخَطْبِ في نَقْضِهِ، مَعَ ما فِيهِ مِن رِعايَةِ حَقِّ الِاسْتِئْنافِ المُسْتَدْعِي لِلِانْقِطاعِ عَمّا قَبْلَهُ.

والِالتِفاتُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وبَعَثْنا مِنهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا ﴾ لِلْجَرْيِ عَلى سُنَنِ الكِبْرِياءِ، وتَقْدِيمُ المَفْعُولِ الغَيْرِ الصَّرِيحِ عَلى الصَّرِيحِ لِما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ مِنَ الِاهْتِمامِ والتَّشْوِيقِ، والنَّقِيبُ قِيلَ: فَعِيلٌ بِمَعْنى فاعِلٍ مُشْتَقًّا مِنَ النَّقْبِ بِمَعْنى التَّفْتِيشِ، ومِنهُ ﴿ فَنَقَّبُوا في البِلادِ ﴾ وسُمِّيَ بِذَلِكَ لِتَفْتِيشِهِ عَنْ أحْوالِ القَوْمِ وأسْرارِهِمْ، وقِيلَ: بِمَعْنى مَفْعُولٍ، كَأنَّ القَوْمَ اخْتارُوهُ عَلى عِلْمٍ مِنهُمْ، وتَفْتِيشًا عَلى أحْوالِهِمْ.

قالَ الزَّجّاجُ: وأصْلُهُ مِنَ النَّقْبِ، وهو الثُّقْبُ الواسِعُ، والطَّرِيقُ في الجَبَلِ، ويُقالُ: فُلانٌ حَسَنُ النَّقِيبَةِ، أيْ: جَمِيلُ الخَلِيقَةِ، ونَقّابٌ: لِلْعالِمِ بِالأشْياءِ، الذَّكِيِّ القَلْبِ، الكَثِيرِ البَحْثِ عَنِ الأُمُورِ، وهَذا البابُ كُلُّهُ مَعْناهُ التَّأْثِيرُ في الشَّيْءِ الَّذِي لَهُ عُمْقٌ، ومِن ذَلِكَ: نَقَبْتُ الحائِطَ، أيْ: بَلَغْتُ في النَّقْبِ آخِرَهُ.

رُوِيَ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ لَمّا فَرَغُوا مِن أمْرِ فِرْعَوْنَ أمَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِالمَسِيرِ إلى أرِيحاءِ أرْضِ الشّامِ، وكانَ يَسْكُنُها الجَبابِرَةُ الكَنْعانِيُّونَ، وقالَ سُبْحانَهُ لَهُمْ: إنِّي كَتَبْتُها لَكم دارًا وقَرارًا، فاخْرُجُوا إلَيْها، وجاهِدُوا مَن فِيها، فَإنِّي ناصِرُكُمْ، وأمَرَ جَلَّ شَأْنُهُ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنْ يَأْخُذَ مِن كُلِّ سِبْطٍ كَفِيلًا عَلَيْهِمْ بِالوَفاءِ فِيما أُمِرُوا بِهِ، فَأخَذَ عَلَيْهِمُ المِيثاقَ، واخْتارَ مِنهُمُ النُّقَباءَ، وسارَ بِهِمْ، فَلَمّا دَنا مِن أرْضِ كَنْعانَ بَعَثَ النُّقَباءَ يَتَجَسَّسُونَ الأخْبارَ، ونَهاهم أنْ يُحَدِّثُوا قَوْمَهُمْ، فَرَأوْا أجْرامًا عِظامًا وبَأْسًا شَدِيدًا فَهابُوا، فَرَجَعُوا وحَدَّثُوا قَوْمَهم إلّا كالِبَ بْنَ يُوقَنّا مِن سِبْطِ يَهُوذا، ويُوشَعَ بْنَ نُونٍ مِن سِبْطِ إفْرائِيمَ بْنِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وعِنْدَ ذَلِكَ قالَ بَنُو إسْرائِيلَ لِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ( اذْهَبْ أنْتَ ورَبُّك فَقاتَلا إنّا ها هُنا قاعِدُونَ ) .

وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُجاهِدٍ، أنَّ النُّقَباءَ لَمّا دَخَلُوا عَلى الجَبّارِينَ وجَدُوهم يَدْخُلُ في كُمِّ أحَدِهِمُ اثْنانِ مِنهُمْ، ولا يَحْمِلُ عُنْقُودَ عِنَبِهِمْ إلّا خَمْسُ أنْفُسٍ بَيْنَهم في خَشَبَةٍ، ويَدْخُلُ في شَطْرِ الرُّمانَةِ إذا نُزِعَ حُبُّها خَمْسُ أنْفُسٍ أوْ أرْبَعٌ.

وذَكَرَ البَغَوِيُّ أنَّهُ لَقِيَهم رَجُلٌ مِن أُولَئِكَ يُقالُ لَهُ: عُوجُ ابْنُ عُنُقَ، وكانَ طُولُهُ ثَلاثَةَ آلافِ وثَلاثَمِائَةٍ وثَلاثَةً وثَلاثِينَ ذِراعًا وثُلُثَ ذِراعٍ، وكانَ يَحْتَجِزُ بِالسَّحابِ، ويَشْرَبُ مِنهُ، ويَتَناوَلُ الحُوتَ مِن قَرارِ البَحْرِ فَيَشْوِيهِ بِعَيْنِ الشَّمْسِ، يَرْفَعُهُ إلَيْها ثُمَّ يَأْكُلُهُ، ويُرْوى أنَّ الماءَ طَبَقَ ما عَلى الأرْضِ مِن جَبَلٍ وما جاوَزَ رُكْبَتَيْ عُوجٍ، وعاشَ ثَلاثَةَ آلافِ سَنَةٍ، حَتّى أهْلَكَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى يَدِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وذَلِكَ أنَّهُ جاءَ وقَوَّرَ صَخْرَةً مِنَ الجَبَلِ عَلى قَدْرِ عَسْكَرِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وكانَ فَرْسَخًا في فَرْسَخٍ، وحَمَلَها عَلَيْهِمْ، فَبَعَثَ اللَّهُ تَعالى الهُدْهُدَ فَقَوَّرَ الصَّخْرَةَ بِمِنقارِهِ فَوَقَعَتْ في عُنُقِهِ فَصَرَعَتْهُ، فَأقْبَلَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وهو مَصْرُوعٌ فَقَتَلَهُ، وكانَتْ أُمُّهُ عُنُقُ إحْدى بَناتِ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وكانَ مَجْلِسُها جَرِيبًا مِنَ الأرْضِ، فَلَمّا لَقُوا عُوجًا وعَلى رَأْسِهِ حُزْمَةُ حَطَبٍ أخَذَهم جَمِيعًا وجَعَلَهم في حُزْمَتِهِ، وانْطَلَقَ بِهِمْ إلى امْرَأتِهِ وقالَ: انْظُرِي إلى هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّهم يُرِيدُونَ قِتالَنا، وطَرَحَهم بَيْنَ يَدَيْها، وقالَ: ألا أطْحَنُهم بِرِجْلِي؟

فَقالَتِ امْرَأتُهُ: لا، بَلْ خَلِّ عَنْهم حَتّى يُخْبِرُوا قَوْمَهم بِما رَأوْا، فَفَعَلَ، انْتَهى.

وأقُولُ: قَدْ شاعَ أمْرُ عُوجٍ عِنْدَ العامَّةِ، ونَقَلُوا فِيهِ حِكاياتٍ شَنِيعَةً، وفي فَتاوى العَلّامَةِ ابْنِ حَجَرٍ قالَ الحافِظُ العِمادُ ابْنُ كَثِيرٍ: قِصَّةُ عُوجٍ وجَمِيعُ ما يَحْكُونَ عَنْهُ هَذَيانٌ لا أصْلَ لَهُ، وهو مِن مُخْتَلَقاتِ أهْلِ الكِتابِ، ولَمْ يَكُنْ قَطُّ عَلى عَهْدِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ولَمْ يُسْلِمْ مِنَ الكُفّارِ أحَدٌ.

وقالَ ابْنُ القَيِّمِ: مِنَ الأُمُورِ الَّتِي يُعْرَفُ بِها كَوْنُ الحَدِيثِ مَوْضُوعًا أنْ يَكُونَ مِمّا تَقُومُ الشَّواهِدُ الصَّحِيحَةُ عَلى بُطْلانِهِ، كَحَدِيثِ عُوجٍ الطَّوِيلِ، ولَيْسَ العَجَبُ مِن جُرْأةِ مَن وضَعَ هَذا الحَدِيثَ وكَذَبَ عَلى اللَّهِ تَعالى إنَّما العَجَبُ مِمَّنْ يُدْخِلُ هَذا الحَدِيثَ في كُتُبِ العِلْمِ مِنَ التَّفْسِيرِ وغَيْرِهِ، ولا يُبَيِّنُ أمْرَهُ، ثُمَّ قالَ: ولا رَيْبَ في أنَّ هَذا وأمْثالَهُ مِن وضْعِ زَنادِقَةِ أهْلِ الكِتابِ الَّذِينَ قَصَدُوا الِاسْتِهْزاءَ والسُّخْرِيَةَ بِالرُّسُلِ الكِرامِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وأتْباعِهِمُ، انْتَهى.

وأوْرَدَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ مِن قِصَّتِهِ شَيْئًا عَجِيبًا، وتَعَقَّبَهُ بَعْضُ المُصَنِّفِينَ بِأنَّ هَذا مِمّا يَسْتَحِي الشَّخْصُ مِن نِسْبَتِهِ إلى ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - ومَشى صاحِبُ القامُوسِ عَلى أنَّ أخْبارَهُ مَوْضُوعَةٌ.

وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ حِبّانَ في كِتابِ العَظَمَةِ فِيهِ آثارًا، قالَ الحُفّاظُ في أطْوَلِها المُشْتَمِلِ عَلى غَرائِبَ مِن أحْوالِهِ: إنَّهُ باطِلٌ كَذِبٌ، وقالَ الحافِظُ السُّيُوطِيُّ: والأقْرَبُ في خَبَرِ عُوجٍ أنَّهُ مِن بَقِيَّةِ عادٍ، وأنَّهُ كانَ لَهُ طُولٌ في الجُمْلَةِ مِائَةُ ذِراعٍ، أوْ شِبْهُ ذَلِكَ، وأنَّ مُوسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - قَتَلَهُ بِعَصاهُ، وهَذا هو القَدْرُ الَّذِي يُحْتَمَلُ قَبُولُهُ، انْتَهى.

ونِعْمَ ما قالَ، فَإنَّ بَقاءَهُ في الطُّوفانِ مَعَ كُفْرِهِ الظّاهِرِ - إذْ لَمْ يَنْقُلْ إيمانُهُ - ودَعْوَةِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - الَّتِي عَمَّتِ الأرْضَ مِمّا لا يَكادُ يَقْبَلُهُ المُنْصِفُ، وكَذا بَقاؤُهُ بَعْدَ الطُّوفانِ مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الباقِينَ ﴾ مِمّا لا يَسُوغُهُ العارِفُ، وشَيُّهُ الحُوتَ بِعَيْنِ الشَّمْسِ مِمّا لا يَكادُ يَعْقَلُ، عَلى ما ذَكَرَهُ الحُكَماءُ، فَقَدْ ذَكَرَ الخَلْخالِيُّ أنَّهم ذَهَبُوا إلى أنَّ الشَّمْسَ لَيْسَتْ حارًّةً، وإلّا لَكانَ قُلَلُ الجِبال أحَرَّ مِنَ الوِهادِ لِقُرْبِ القُلَلِ إلى الشَّمْسِ وبُعْدِ الوِهادِ عَنْها، بَلِ الحَرارَةُ تَحْدُثُ مِن وُصُولِ شُعاعِ الشَّمْسِ إلى وجْهِ الأرْضِ وانْعِكاسِهِ عَنْهُ، ولِذَلِكَ يُرى الوِهادُ أحَرَّ لِتَراكُمِ الأشِعَّةِ المُنْعَكِسَةِ فِيها، فَما وصَلَ إلَيْهِ الشُّعاعُ مِن وجْهِ الأرْضِ يَصِيرُ حارًّا وإلّا فَلا، وذَكَرَ نَحْوَ ذَلِكَ شارِحُ حِكْمَةِ العَيْنِ، ولا يَرِدُ عَلى هَذا أنَّ بَعْضَ النّاسِ رَوى أنَّ كَذا مَلائِكَةً تَرْمِي الشَّمْسَ بِالثَّلْجِ إذا طَلَعَتْ، ولَوْلا ذَلِكَ لَأحْرَقَتِ الأرْضَ؛ لِأنَّ ذَلِكَ مِمّا لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَ الحُفّاظِ، وهو إلى الوَضْعِ أقْرَبُ مِنهُ إلى الصِّحَّةِ، ثُمَّ كانَ القائِلُ بِوُجُودِ عُوجٍ هَذا مِنَ النّاسِ لا يَقُولُ بِالطَّبَقَةِ الزَّمْهَرِيرِيَّةِ الَّتِي هي الطَّبَقَةُ الثّالِثَةُ مِن طَبَقاتِ العَناصِرِ السَّبْعِ وبِما فَوْقَها، وإلّا فَكَيْفَ يَكُونُ الِاحْتِجازُ بِالسَّحابِ وهو كالرَّعْدِ والبَرْقِ والصّاعِقَةِ إنَّما يَنْشَأُ مِن تِلْكَ الطَّبَقَةِ البارِدَةِ الَّتِي لا يَصِلُ إلَيْها أثَرُ شُعاعِ الشَّمْسِ بِالِانْعِكاسِ مِن وجْهِ الأرْضِ.

وقَدْ ذَكَرُوا أيْضًا أنَّ فَوْقَها طَبَقَتَيْنِ: الأُولى ما يَمْتَزِجُ مَعَ النّارِ، وهي الَّتِي يَتَلاشى فِيها الأدْخِنَةُ المُرْتَفِعَةُ عَنِ السُّفْلِ، ويَتَكَوَّنُ فِيها الكَواكِبُ ذَواتُ الأذْنابِ والنَّيازِكِ.

والثّانِيَةُ ما يَقْرُبُ مِنَ الخُلُوصِ إذْ لا يَصِلُ إلَيْهِ حَرارَةُ ما فَوْقَهُ ولا بُرُودَةُ ما تَحْتَهُ مِنَ الأرْضِ والماءِ، وهي الَّتِي يَحْدُثُ فِيها الشُّهُبُ، فَإذا احْتَجَزَ هَذا الرَّجُلُ بِالسَّحابِ وصَلَ رَأْسُهُ - عَلى زَعْمِهِمْ - إلى إحْدى تِينِكَ الطَّبَقَتَيْنِ، فَكَيْفَ يَكُونُ حالُهُ مَعَ ذَلِكَ البَرْدِ والحَرِّ؟!

ولا أظُنُّ بَشَرًا - كَيْفَ كانَ - يَقْوى عَلى ذَلِكَ، عَلى أنَّ أصْلَ الِاحْتِجازِ مِمّا لا يُمْكِنُ بِناءً عَلى كَلامِ الحُكَماءِ؛ إذْ قَدْ عَلِمْتَ أنَّ مَنشَأ السُّحُبِ الطَّبَقَةُ الزَّمْهَرِيرِيَّةُ.

وفِي كِتابِ ( نُزْهَةُ القُلُوبِ ) نَقْلًا عَنِ الحَكِيمِ أبِي نَصْرٍ أنَّ غايَةَ ارْتِفاعِها اثْنا عَشَرَ فَرْسَخًا وسِتُّمِائَةِ ذِراعٍ، وعَنِ المُتَقَدِّمِينَ أنَّها ثَمانِيَةَ عَشَرَ فَرْسَخًا، والفَرْسَخُ ثَلاثَةُ أمْيالِ، والمِيلِ ثَلاثَةُ آلافٍ وخَمْسُمِائَةِ ذِراعٍ، انْتَهى.

واخْتَلَفُوا أيْضًا في غايَةِ انْحِطاطِها، ولَمْ يَذْكُرْ أحَدٌ مِنهم أنَّها تَنْحَطُّ إلى ما يُتَصَوَّرُ مَعَهُ احْتِجازُ الرَّجُلِ الَّذِي ذَكَرُوا مَن طُولِهِ ما ذَكَرُوا بِالسَّحابِ، اللَّهُمَّ إلّا أنْ يُرادَ بِهِ سَحابٌ لَمْ يَبْلُغْ هَذا الِارْتِفاعَ، ومَعَ هَذا كُلِّهِ قَدِ أخْطَئُوا في قَوْلِهِمُ: ابْنُ عُنُقَ، وإنَّما هو ابْنُ عُوقٍ كَنُوحٍ، كَما نُصَّ عَلى ذَلِكَ في القامُوسِ، وهو أيْضًا اسْمُ والِدِهِ لا والِدَتِهِ كَما ذُكِرَ هُناكَ أيْضًا، فَلْيُحْفَظْ.

وأخْرَجَ ابْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أبِي العالِيَةِ، أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: «أخَذَ اللَّهُ تَعالى مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ أنْ يُخْلِصُوا لَهُ ولا يَعْبُدُوا غَيْرَهُ، وبَعَثَ مِنهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ كَفِيلًا، كَفَلُوا عَلَيْهِمْ بِالوَفاءِ لِلَّهِ تَعالى بِما واثَقُوهُ عَلَيْهِ مِنَ العُهُودِ فِيما أمَرَهم بِهِ ونَهاهم عَنْهُ، واخْتارَهُ الجُبّائِيُّ، والنُّقَباءُ حِينَئِذٍ يَجُوزُ أنْ يَكُونُوا رُسُلًا، وأنْ يَكُونُوا قادَةً كَما قالَ البَلْخِيُّ، واخْتارَ أبُو مُسْلِمٍ أنَّهم بُعِثُوا أنْبِياءَ لِيُقِيمُوا الدِّينَ، ويُعَلِّمُوا الأسْباطَ التَّوْراةَ، ويَأْمُرُوهم بِما فَرَضَهُ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ.

وأخْرَجَ الطِّيبِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - أنَّهم كانُوا وُزَراءَ، وصارُوا أنْبِياءَ بَعْدَ ذَلِكَ.

﴿ وقالَ اللَّهُ ﴾ أيْ لِلنُّقَباءِ عِنْدَ الرَّبِيعِ، ورَجَّحَهُ السَّمِينُ لِلْقُرْبِ، وعِنْدَ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ لِبَنِي إسْرائِيلَ، ورَجَّحَهُ أبُو حَيّانَ؛ إذْ هُمُ المُحْتاجُونَ إلى ما ذُكِرَ مِنَ التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ الِالتِفاتُ مَعَ ما فِيهِ مَن تَرْبِيَةِ المَهابَةِ، وتَأْكِيدِ ما يَتَضَمَّنُهُ الكَلامُ مِنَ الوَعْدِ ﴿ إنِّي مَعَكُمْ ﴾ أسْمَعُ كَلامَكُمْ، وأرى أعْمالَكُمْ، وأعْلَمُ ضَمائِرَكُمْ، فَأُجازِيكم بِذَلِكَ، وقِيلَ: ( مَعَكم ) بِالنُّصْرَةِ، وقِيلَ: بِالعِلْمِ، والتَّعْمِيمُ أوْلى.

﴿ لَئِنْ أقَمْتُمُ الصَّلاةَ وآتَيْتُمُ الزَّكاةَ وآمَنتُمْ بِرُسُلِي ﴾ أيْ: بِجَمِيعِهِمْ، واللّامُ مُوَطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ المَحْذُوفِ، وتَأْخِيرُ الإيمانِ عَنْ إقامَةِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ مَعَ كَوْنِهِما مِنَ الفُرُوعِ المُتَرَتِّبَةِ عَلَيْهِ لِما أنَّهم - كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ - كانُوا مُعْتَرِفِينَ بِوُجُوبِهِما حَسْبَما يُرادُ مِنهُمْ، مَعَ ارْتِكابِهِمْ تَكْذِيبَ بَعْضِ الرُّسُلِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ولِمُراعاةِ المُقارَنَةِ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وعَزَّرْتُمُوهُمْ ﴾ .

وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ جُمْلَةَ ( وآمَنتُمْ بِرُسُلِي ) إلى آخِرِهِ كِنايَةٌ إيمائِيَّةٌ عَنِ المُجاهَدَةِ ونُصْرَةِ دِينِ اللَّهِ تَعالى ورُسُلِهِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - والإنْفاقِ في سَبِيلِهِ، كَأنَّهُ قِيلَ: لَئِنْ أقَمْتُمُ الصَّلاةَ، وآتَيْتُمُ الزَّكاةَ، وجاهَدْتُمْ في سَبِيلِ اللَّهِ، يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ولا تَرْتَدُّوا عَلى أدْبارِكم فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ ﴾ فَإنَّ المَعْنى: لا تَرْتَدُّوا عَلى أدْبارِكم في دِينِكم لِمُخالَفَتِكم أمْرَ رَبِّكم وعِصْيانِكم نَبِيَّكم - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وإنَّما وقَعَ الِاهْتِمامُ بِشَأْنِ هَذِهِ القَرِينَةِ دُونَ الأوَّلَيْنِ، وأُبْرِزَتْ في مَعْرِضِ الكِنايَةِ؛ لِأنَّ القَوْمَ كانُوا يَتَقاعَدُونَ عَنِ القِتالِ، ويَقُولُونَ لِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ( اذْهَبْ أنت ورَبِّك فَقاتَلا إنّا ها هُنا قاعِدُونَ ) انْتَهى، ولا يَخْلُو عَنْ نَظَرٍ.

وقِيلَ: إنَّما قَدَّمَ إقامَةَ الصَّلاةِ وإيتاءَ الزَّكاةِ؛ لِأنَّها الظّاهِرُ مِن أحْوالِهِمُ، الدّالَّةُ عَلى إيمانِهِمْ، والتَّعْزِيزُ أصْلُ مَعْناهُ المَنعُ والذَّبُّ، وقِيلَ: التَّقْوِيَةُ مِنَ العَزْرِ، وهو والأزْرُ مِن وادٍ واحِدٍ، ولا يَخْفى أنَّ في التَّقْوِيَةِ مَنعًا لِمَن قَوَّيْتَهُ عَنْ غَيْرِهِ فَهُما مُتَقارِبانِ، ثُمَّ تُجُوِّزَ فِيهِ عَنِ النُّصْرَةِ لِما فِيها مِن ذَلِكَ، وعَنِ التَّأْدِيبِ وهو في الشَّرْعِ ما كانَ دُونَ الحَدِّ؛ لِأنَّهُ رادِعٌ ومانِعٌ عَنِ ارْتِكابِ القَبِيحِ، ولِذا سُمِّيَ في الحَدِيثِ نُصْرَةً، فَقَدْ صَحَّ عَنْهُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: ««انْصُرْ أخاكَ ظالِمًا أوْ مَظْلُومًا، فَقالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ أنْصُرُهُ إذا كانَ مَظْلُومًا، أفَرَأيْتَ إنْ كانَ ظالِمًا كَيْفَ أنْصُرُهُ؟!

فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: تَحْجِزُهُ أوْ تَمْنَعُهُ عَنِ الظُّلْمِ؛ فَإنَّ ذَلِكَ نَصْرُهُ»».

وقالَ الرّاغِبُ: التَّعْزِيزُ النُّصْرَةُ مَعَ التَّعْظِيمِ، وبِالنُّصْرَةِ فَقَطْ فَسَّرَهُ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ، وبِالتَّعْظِيمِ فَقَطْ فَسَّرَهُ ابْنُ زَيْدٍ وأبُو عُبَيْدَةَ، وقُرِئَ: ( عَزَرْتُمُوهم ) بِالتَّخْفِيفِ ﴿ وأقْرَضْتُمُ اللَّهَ ﴾ أيْ: بِالإنْفاقِ في سَبِيلِ الخَيْرِ، وقِيلَ: بِالصِّدْقِ بِالصَّدَقاتِ المَندُوبَةِ، وأيّا ما كانَ فَهو اسْتِعارَةٌ؛ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا وعَدَ بِجَزائِهِ والثَّوابِ عَلَيْهِ شُبِّهَ بِالقَرْضِ الَّذِي يُقْضى بِمِثْلِهِ، وفي كَلامَ العَرَبِ قَدِيمًا ( الصّالِحاتُ قُرُوضٌ ﴿ قَرْضًا حَسَنًا ﴾ وهو ما كانَ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ - عَلى ما قالَ الأخْفَشُ - وقِيلَ ما لا يَتْبَعُهُ مَنٌّ ولا أذًى، وقِيلَ: ما كانَ مِن حَلالٍ.

وذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّ ( قَرْضًا ) يَحْتَمِلُ المَصْدَرَ والمَفْعُولَ بِهِ ﴿ لأُكَفِّرَنَّ عَنْكم سَيِّئاتِكُمْ ﴾ دالٌّ عَلى جَوابِ الشَّرْطِ المَحْذُوفِ، وسادَّ مَسَدَّهُ مَعْنًى، ولَيْسَ هو الجَوابَ لَهُ خِلافًا لِأبِي البَقاءِ، بَلْ هو جَوابُ القَسَمِ، فَقَدْ تَقَرَّرَ أنَّهُ إذا اجْتَمَعَ شَرْطٌ وقَسَمٌ أُجِيبَ السّابِقُ مِنهُما، إلّا أنْ يَتَقَدَّمَهُ ذُو خَبَرٍ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ هَذا جَوابًا لِما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ولَقَدْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ ﴾ مِنَ القَسَمِ، وقِيلَ: إنَّ جَوابَهُ: ( لَئِنْ أقَمْتُمُ ) فَلا تَكُونُ اللّامُ مُوَطِّئَةً، أوْ تَكُونُ ذاتَ وجْهَيْنِ، وهو غَرِيبٌ، وجُمْلَةُ القَسَمِ المَشْرُوطِ وجَوابُهُ مُفَسِّرَةٌ لِذَلِكَ المِيثاقِ المُتَقَدِّمِ.

﴿ ولأُدْخِلَنَّكم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ﴾ عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَهُ، داخِلٌ مَعَهُ في حُكْمِهِ، مُتَأخِّرٌ عَنْهُ في الحُصُولِ ضَرُورَةَ تَقَدُّمِ التَّخْلِيَةِ عَلى التَّحْلِيَةِ ﴿ فَمَن كَفَرَ ﴾ أيْ: بِرُسُلِي أوْ بِشَيْءٍ مِمّا عُدِّدَ في حَيِّزِ الشَّرْطِ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ بَيانِ حُكْمِ مَن كَفَرَ عَلى بَيانِ حُكْمِ مَن آمَنَ؛ تَقْوِيَةً لِلتَّرْغِيبِ بِالتَّرْهِيبِ ﴿ بَعْدَ ذَلِكَ ﴾ الشَّرْطِ المُؤَكَّدِ المُعَلَّقِ بِهِ الوَعْدُ العَظِيمُ، أعْنِي ( لَأُكَفِّرَنَّ ) وقِيلَ: بَعْدَ الشَّرْطِ المُؤَكَّدِ المُعَلَّقِ بِالوَعْدِ العَظِيمِ أعْنِي ( أنِّي مَعَكم ) بِناءً عَلى حَمْلِ المَعِيَّةِ عَلى المَعِيَّةِ بِالنُّصْرَةِ والإعانَةِ، أوِ التَّوْفِيقِ لِلْخَيْرِ، فَإنَّ الشَّرْطَ مُعَلَّقٌ بِهِ مِن حَيْثُ المَعْنى، نَحْوُ: أنا مُعْتَنٍ بِشَأْنِكَ إنْ خَدَمْتَنِي رَفَعْتُ مَحَلَّكَ، وقِيلَ: المُرادُ بَعْدَما شَرَطْتُ هَذا الشَّرْطَ، ووَعَدْتُ هَذا الوَعْدَ، وأنْعَمْتُ هَذا الإنْعامَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ( مِنكم ) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن فاعِلِ ( كَفَرَ ) ولَعَلَّ تَغْيِيرَ السَّبْكِ حَيْثُ لَمْ يَقُلْ ( وإنْ كَفَرْتُمْ ) عَطْفًا عَلى الشَّرْطِيَّةِ السّابِقَةِ - كَما قالَ شَيْخُ الإسْلامِ - لِإخْراجِ كُفْرِ الكُلِّ عَنْ حَيِّزِ الِاحْتِمالِ، وإسْقاطِ ( مَن كَفَرَ ) عَنْ رُتْبَةِ الخِطابِ، ثُمَّ لَيْسَ المُرادُ بِالكُفْرِ إحْداثُهُ بَعْدَ الإيمانِ، بَلْ ما يَعُمُّ الِاسْتِمْرارَ عَلَيْهِ أيْضًا، كَأنَّهُ قِيلَ: فَمَنِ اتَّصَفَ بِالكُفْرِ بَعْدَ ذَلِكَ، إلّا أنَّهُ قَصَدَ بِإيرادِ ما يَدُلُّ عَلى الحُدُوثِ بَيانَ تَرَقِّيهِمْ في مَراتِبِ الكُفْرِ؛ فَإنَّ الِاتِّصافَ بِشَيْءٍ بَعْدَ وُرُودِ ما يُوجِبُ الإقْلاعَ عَنْهُ - وإنْ كانَ اسْتِمْرارًا عَلَيْهِ لَكِنْ بِحَسَبِ العُنْوانِ - فِعْلٌ جَدِيدٌ وصُنْعٌ حادِثٌ.

﴿ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ ﴾ أيْ: وسَطَ الطَّرِيقِ، وحاقَّهُ، ضَلالًا لا شُبْهَةَ فِيهِ، ولا عُذْرَ مَعَهُ، بِخِلافِ مَن كَفَرَ قَبْلَ ذَلِكَ، إذْ رُبَّما يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ لَهُ شُبْهَةٌ، ويُتَوَهَّمُ عُذْرٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ يعني في التوراة من الإيمان بالله تعالى وبأنبيائه وأن يعملوا بما في التوراة، ثم قال: وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً قال مقاتل: يعني شهداء على قومهم، بعث الله تعالى من كل سِبْطٍ منهم رجلاً ليأخذ كل رجل منهم على سبطه الميثاق، يكونوا شهداء على قومهم.

وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً قال: من كل سبط من بني إسرائيل رجلاً، أرسلهم موسى-  - إلى الجبارين، فوجدوهم يدخل في كُمِّ أحدهم اثنان منهم، ولا يحمل عنقود عنبهم إلا خمسة منهم في خشبة، ويدخل في شطر الرمانة إذا نزع حبة منه خمسة أنفس أو أربعة، فرجع النقباء كلهم ينهون سبطهم عن القتال إلا يوشع بن نون، وكالب بن يافن، ويقال كالوب بن يوقنا، أمرا قومهما بالقتال.

وقال القتبي: النقيب الكفيل على القوم، والنقابة والنكابة شبه العرافة.

ويقال: نقيباً يعني أميناً.

وقال ابن عباس: نقيباً يعني ملكاً، حين بعثهم موسى إلى بيت المقدس جعل موسى-  - عليهم اثني عشر ملكاً، على كل سبط منهم ملك قالَ اللَّهُ تعالى للنقباء: إِنِّي مَعَكُمْ ويقال: قال الله لبني إسرائيل حين أخذ عليهم الميثاق في التوراة: إِنِّي مَعَكُمْ أي معينكم وحافظكم وناصركم لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ يعني: ما دمتم أقمتم الصّلاة وَآتَيْتُمُ الزَّكاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي يعني: صدقتم برسلي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ يعني: أعنتموهم.

وقال القتبي: أي عظمتموهم والتعزير التعظيم.

وقال السدي: يعني نصرتموهم بالسيف.

وقال الأخفش: يعني وقَّرْتموهم وقَوَّيتموهم.

وقال الضحاك: شرفتموهم بالنبوة كما شرفهم الله تعالى.

ويقال: آمنتم برسلي أي أمرتم قومكم، حتى يؤمنوا برسلي ونصرتموهم وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً أي تأمرون قومكم بذلك.

ثم بيّن جزاءهم وثوابهم إن فعلوا ذلك فقال: لَأُكَفِّرَنَّ أي لأمحونَّ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ يعني ذنوبكم وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ثم قال: فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ العهد والميثاق مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ يعني أخطأ قصد الطريق.

ثم قال عز وجل: فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ يعني لما أخذ عليهم الميثاق نقضوا الميثاق، فبنقضهم ميثاقهم لَعَنَّاهُمْ أي لعنهم الله، يعني طردهم من رحمته.

ويقال: لَعَنَّاهُمْ يعني عذبناهم بالمسخ.

ويقال: بالجزية.

ثم قال: وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً يعني يابسة، ويقال: خالية عن حلاوة الإيمان.

قرأ حمزة والكسائي قاسِيَةً بغير ألف، وقرأ الباقون قاسِيَةً ومعناهما واحد ويقال: قست فهي قاسية وقسية.

ثم قال: يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ والكلم جمع كلمة، يعني يغيرون صفة محمد  عَنْ مَواضِعِهِ يعني في كتابهم مما وافق القرآن، يعني عن صفة رسول الله  في كتابهم، ويقال: استحلوا ما حرم الله تعالى عليهم ولم يعملوا به، فكان ذلك تغيير الكلم عن مواضعه.

ثم قال: وَنَسُوا حَظًّا يعني تركوا نصيباً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ يعني مما أمروا به في كتابهم وَلا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنْهُمْ يعني لا يزال يظهر لك منهم الخيانة ونقض العهد.

وقال القتبي عن أبي عبيدة: إن العرب تضع لفظ الفاعل في موضع المصدر، كقولهم للخوان مائدة، وإنما يميد بهم ما في الخوان فيجوز أن يكون الهاء صفة للخائن، كما يقال رجل طاغية وراوية للحديث.

ثم قال: إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ يعني: مؤمنيهم لم ينقضوا العهد فَاعْفُ عَنْهُمْ يعني اتركهم ولا تعاقبهم وَاصْفَحْ عَنْهُمْ يعني: أعرض عنهم إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ الذين يعفون عن الناس، وهذا قبل الأمر بقتال أهل الكتابين.

قوله تعالى: وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى وذلك أن الله تعالى لما ذكر حال اليهود ونقضهم الميثاق، فقال على أثر ذلك إن النصارى لم يكونوا أحسن معاملة من اليهود، ثم بيّن معاملتهم فقال: وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى أَخَذْنا مِيثاقَهُمْ في الإنجيل، بأن يتبعوا قول محمد  فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ يعني تركوا نصيباً مما أمروا به في الإنجيل من اتباع قول محمد  ، ويقال: نقضوا العهد كما نقض اليهود، ويقال إنما سموا أنفسهم النصارى لأنهم نزلوا قرية يقال لها «ناصرة» ، نزل فيها عيسى-  - فنزلوا هناك وتواثقوا بينهم، ويقال: إنما سموا النصارى لقول عيسى: مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ [آل عمران: 52، والصف: 14] .

ثم قال: فَأَغْرَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ يعني ألقينا بينهم العداوة وَالْبَغْضاءَ ويقال: الإغراء في أصل اللغة الإلصاق، يقال: أغريت الرجل إغراءً إذا ألصقت به.

ويقال: إن أصل العداوة التي كانت بينهم ألقاها إنسان يقال له «بولس» ، كان بينه وبين النصارى قتال، وكان يهودياً فقتل منهم خلقاً كثيراً، فأراد أن يحتال بحيلة يلقي بينهم القتال ليقتل بعضهم بعضاً، فجاء إلى النصارى، وجعل نفسه، أعور وقال لهم: أتعرفوني؟

فقالوا: أنت الذي قتلت منا وفعلت ما فعلت، فقال: قد فعلت ذلك كله وأنا تائب، لأني رأيت عيسى ابن مريم في المنام نزل من السماء، فلطم وجهي لطمة وفقأ عيني.

فقال: أي شيء تريد من قومي؟

فتبت على يده، وإنما جئتكم لأكون بين ظهرانيكم، وأعلمكم شرائع دينكم، كما علمني عيسى في المنام فاتخذوا له غرفة، فصعد تلك الغرفة وفتح كوة إلى الناس في الحائط، وكان يتعبد في الغرفة، وربما كانوا يجتمعون إليه ويسألونه ويجيبهم من تلك الكوة، وربما يأمرهم حتى يجتمعوا ويناديهم من تلك الكوة، ويقول لهم بقول كان في الظاهر منكراً وينكرون عليه، فكان يفسر ذلك القول بتفسير يعجبهم ذلك، فانقادوا كلهم له وكانوا يقبلون قوله بما يأمرهم به.

فقال لهم يوماً من الأيام: اجتمعوا قد حضرني علم، فاجتمعوا، فقال لهم: أليس قد خلق الله تعالى هذه الأشياء في الدنيا كلها لمنفعة بني آدم؟

قالوا: نعم، فقال لم تحرمون على أنفسكم هذه الأشياء؟

يعني الخمر والخنزير وقد خلق لكم مَّا فِى الارض جميعاً، فأخذوا بقوله واستحلوا الخمر والخنزير، فلما مضى على ذلك أيام دعاهم وقال: حضرني علم.

فاجتمعوا وقال لهم: من أي ناحية تطلع الشمس؟

فقالوا: من قبل المشرق.

فقال: ومن أي ناحية يطلع القمر والنجوم؟

فقالوا: من قبل المشرق.

فقال: ومن يرسلهم من قبل المشرق؟

قالوا: الله تعالى: فقال: فاعلموا أنه من قبل المشرق فإن صليتم له فصلوا إليه، فحول صلاتهم إلى المشرق، فلما مضى على ذلك أيام دعا طائفةً منهم وأمرهم بأن يدخلوا عليه في الغرفة.

وقال لهم: إني أريد أن أجعل نفسي الليلة قرباناً لأجل عيسى، وقد حضرني علم وأريد أن أخبركم في السر لتحفظوا عني وتدعوا الناس إلى ذلك.

ويقال أيضاً إنه أصبح يوماً وفتح عينه الأخرى ثم دعاهم وقال لهم: جاءني عيسى الليلة، وقال: قد رضيت عنك، فمسح يده على عيني فبرئت، فالآن أريد أن أجعل نفسي قرباناً.

ثم قال لهم: هل يستطيع أحد أن يحيي الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص إلا الله تعالى؟

فقالوا: لا.

فقال: إن عيسى قد فعل هذه الأشياء، فاعلموا بأنه هو الله.

فخرجوا من عنده.

ثم دعا طائفة أخرى فأخبرهم بذلك أيضاً، وقال: إنه كان ابنه ثم دعا بطائفة ثالثة وأخبرهم بأنه ثالث ثلاثة، وأخبرهم بأنه يريد أن يجعل نفسه الليلة قرباناً، فلما كان في بعض الليل خرج من بين ظهرانيهم، فأصبحوا وجعلوا كل فريق منهم يقول: قد علمني كذا وكذا.

وقال الفريق الآخر: أنت كاذب بل علمني كذا وكذا، فوقع بينهم القتال فاقتتلوا وقتلوا خلقاً كثيراً وبقيت العداوة بينهم إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ وَهُمْ ثلاث فرق، فرقة بينهم النسطورية قالوا المسيح ابن الله.

وصنف منهم يقال: لهم المار يعقوبية قالوا: إن الله هو المسيح.

وصنف يقال لهم: الملكانية، قالوا: إن الله ثالث ثلاثة المسيح وأمه والله.

فأغرى بَيْنَهُمُ العداوة والبغضآء إلى يوم القيامة.

ويقال: ألقى بينهم العداوة بالجدال والخصومات في الدين، وذلك يحبط الأعمال.

وقال معاوية بن قرة: إياكم وهذه الخصومات في الدين، فإنها تحبط الأعمال.

ثم قال: وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ يعني: ينبئهم في الآخرة الذي هو على الحق.

ثم قال عز وجل: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

خطاب للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وأمته، والجمهورُ أنَّ سبب هذه الآية أنَّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، لمَّا استعان بيَهُودَ في ديةِ الرَّجُلَيْنِ اللذَيْن قَتَلَهُما عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ، وصاحِبُه، قالوا: نَعَمْ، يَا أَبَا القَاسِمِ، انزل حتى نَصْنَعَ لَكَ طَعَامَاً، وَنَنْظُرَ فِي مَعُونَتِكَ، فَنَزَلَ رَسُولُ الله صلّى الله عليه وسلّم فِي ظِلِّ جِدَارٍ وَكَانَ مَعَهُ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعَلِيٌّ، فَتَآمَرَتْ يَهُودُ فِي قَتْلِهِ، وَقَالُوا: مَنْ رَجْلٌ يَظْهَرُ عَلَى الحَائِطِ، فَيَصُبُّ عَلَيْهِ حجرا يشدخه، فجاء جبريل، فأخبر النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم الخبر، فقام صلّى الله عليه وسلّم مِنَ المَكَانِ، وَتَوَجَّهَ إلَى المَدِينَةِ، ونزلَتِ الآيةُ في ذلِكَ ويترجَّح هذا القولُ بما يأتِي بَعْدُ من الآياتِ في وَصْفِ غَدْر يهودَ، ونقضهم المواثيق.

وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً وَقالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ (١٢) فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣)

وقوله سبحانه: وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً: هذه الآيةُ المتضمِّنة للخَبَرِ عن نَقْضِهِمْ مواثيقَ اللَّه تعالى- تُقَوِّي أنَّ الآية المتقدِّمة في كَفِّ الأَيْدِي، إنَّما كانَتْ في/ أمر بني النَّضِيرِ، والإجماعُ على أنَّ النقيب كَبِيرُ القَوْمِ، القائمُ بأمورهم، قال قتادة وغيره: هؤلاءِ النُّقَبَاءُ قوْمٌ كبارٌ مِنْ كُلِّ سبْطٍ، تكَفَّل بكلِّ واحدٍ سِبْطُهُ، بأنْ يؤمنوا ويلتزموا التقوى «١» .

قال ع «٢» : ونحو هذا كانَتِ النقباءُ ليلَةَ بَيْعَةِ العَقَبَةِ، مع النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، والضميرُ في مَعَكُمْ، لبني إسرائيل، أيْ: معكم بنَصْري، وحِيَاطَتِي، وتأييدي، واللام في قوله:

لَئِنْ: هي المُؤْذِنَةُ بمجيء القَسَمِ، ولامُ القَسمِ هي قوله: لَأُكَفِّرَنَّ والدليل على أنَّ هذه اللام إنما هي مؤذنةٌ: أنَّهَا قد يستغنى عنها أحياناً، ويتمُّ الكلامُ دونها، ولو كانَتْ لاَمَ قَسَمٍ، لم يترتَّب ذلك، وإقامةُ الصلاةِ: توفيةُ شروطها، والزكاةُ هنا: شَيْءٌ من المالِ كان مفروضاً عليهم فيما قال بعضُ المفسِّرين، وَعَزَّرْتُمُوهُمْ: معناه: وقّرتموهم، وعظّمتموهم،

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ ﴾ قالَ أبُو العالِيَةِ: أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَهم أنْ يُخْلِصُوا لَهُ العِبادَةَ، ولا يَعْبُدُوا غَيْرَهُ.

وقالَ مُقاتِلٌ: أنْ يَعْمَلُوا بِما في التَّوْراةِ.

وفي مَعْنى النَّقِيبِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ الضَّمِينُ، قالَهُ الحَسَنُ، ومَعْناهُ: أنَّهُ ضَمِينٌ لِيَعْرِفَ أحْوالَ مَن تَحْتَ يَدِهِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَمِينًا عَنْهم بِالوَفاءِ، لِأنَّ ذَلِكَ لا يَصِحُّ ضَمانُهُ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هو الكَفِيلُ عَلى القَوْمِ.

والنِّقابَةُ شَبِيهَةٌ بِالعَرافَةِ.

والثّانِي: أنَّهُ الشّاهِدُ، قالَهُ قَتادَةُ.

وقالَ ابْنُ فارِسٍ: النَّقِيبُ: شاهِدُ القَوْمِ وضَمِينُهم.

والثّالِثُ: الأمِينُ، قالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ، واليَزِيدِيُّ، وهَذِهِ الأقْوالُ تَتَقارَبُ.

قالَ الزَّجّاجُ: النَّقِيبُ في اللُّغَةِ، كالأمِينِ والكَفِيلِ، يُقالُ: نَقَبَ الرَّجُلُ عَلى القَوْمِ يَنْقُبُ: إذا صارَ نَقِيبًا عَلَيْهِمْ، وصِناعَتُهُ النِّقابَةُ، وكَذَلِكَ عَرُفَ عَلَيْهِمْ: إذا صارَ عَرِيفًا، ويُقالُ لِأوَّلِ ما يَبْدُو مِنَ الجَرَبِ: النُّقْبَةُ، ويَجْمَعُ النُّقَبَ والنُّقْبَ.

قالَ الشّاعِرُ: مُتَبَذِّلًا تَبْدُو مَحاسِنُهُ يَضَعُ الهَناءَ مَواضِعَ النُّقْبِ وَيُقالُ: في فُلانٍ مَناقِبُ جَمِيلَةٌ، وكُلُّ البابِ مَعْناهُ: التَّأْثِيرُ الَّذِي لَهُ عُمْقٌ ودُخُولٌ، ومِن ذَلِكَ نَقَبْتُ الحائِطَ، أيْ: بَلَغْتُ في النَّقْبِ آخِرَهُ، والنُّقْبَةُ مِنَ الجَرَبِ: داءٌ شَدِيدُ الدُّخُولِ.

وإنَّما قِيلَ: نَقِيبٌ، لِأنَّهُ يَعْلَمُ دَخِيلَةَ أمْرِ القَوْمِ، ويَعْرِفُ مَناقِبَهم، وهو الطَّرِيقُ إلى مَعْرِفَةِ أُمُورِهِمْ.

ونُقِلَ أنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ مُوسى وقَوْمَهُ بِالسَّيْرِ إلى الأرْضِ المُقَدَّسَةِ، وكانَ يَسْكُنُها الجَبّارُونَ، فَقالَ تَعالى يا مُوسى اخْرُجْ إلَيْها وَجاهِدْ مَن فِيها مِنَ العَدُوِّ، وخُذْ مِن قَوْمِكَ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا، مِن كُلِّ سِبْطٍ نَقِيبًا يَكُونُ كَفِيلًا عَلى قَوْمِهِ بِالوَفاءِ بِما أُمِرُوا بِهِ، فاخْتارُوا النُّقَباءَ.

وَفِيما بُعِثُوا لَهُ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّ مُوسى بَعَثَهم إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، لِيَأْتُوهُ بِخَبَرِ الجَبّارِينَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ.

والثّانِي: أنَّهم بُعِثُوا ضُمَناءَ عَلى قَوْمِهِمْ بِالوَفاءِ بِمِيثاقِهِمْ، قالَهُ الحَسَنُ، وابْنُ إسْحاقَ.

وفي نُبُوَّتِهِمْ قَوْلانِ.

أصَحُّهُما: أنَّهم لَيْسُوا بِأنْبِياءَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالَ اللَّهُ ﴾ في الكَلامِ مَحْذُوفٌ.

تَقْدِيرُهُ: وقالَ اللَّهُ لَهم.

وَفِي المَقُولِ لَهم قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهم بَنُو إسْرائِيلَ، قالَهُ الجُمْهُورُ.

والثّانِي: أنَّهُمُ النُّقَباءُ، قالَهُ الرَّبِيعُ، ومُقاتِلٌ.

ومَعْنى: "إنِّي مَعَكُمْ" أيْ: بِالعَوْنِ والنُّصْرَةِ.

وفي مَعْنى: "وَعَزَّرْتُمُوهُمْ" قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ الإعانَةُ والنَّصْرُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحُسْنُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ.

والثّانِي: أنَّهُ التَّعْظِيمُ والتَّوْقِيرُ، قالَهُ عَطاءٌ، واليَزِيدِيُّ، وأبُو عُبَيْدَةَ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا ﴾ في هَذا الإقْراضِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ الزَّكاةُ الواجِبَةُ.

والثّانِي: صَدَقَةُ التَّطَوُّعِ.

وقَدْ شَرَحْنا في (البَقَرَةِ) مَعْنى القَرْضِ الحَسَنِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنكُمْ ﴾ يُشِيرُ إلى: المِيثاقِ ﴿ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ ﴾ أيْ: أخْطَأ قَصْدَ الطَّرِيقِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَلَقَدْ أخَذَ اللهُ مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ وبَعَثْنا مِنهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وقالَ اللهُ إنِّي مَعَكم لَئِنْ أقَمْتُمُ الصَلاةَ وآتَيْتُمُ الزَكاةَ وآمَنتُمْ بِرُسُلِي وعَزَّرْتُمُوهم وأقْرَضْتُمُ اللهُ قَرْضًا حَسَنًا لأُكَفِّرَنَّ عنكم سَيِّئاتِكم ولأُدْخِلَنَّكم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنكم فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَبِيلِ ﴾ هَذِهِ الآياتُ المُتَضَمِّنَةُ الخَبَرَ عن نَقْضِهِمْ مَواثِيقَ اللهِ تَعالى تُقَوِّي أنَّ الآيَةَ المُتَقَدِّمَةَ في كَفِّ الأيْدِي إنَّما كانَتْ في أمْرِ بَنِي النَضِيرِ؛ واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في كَيْفِيَّةِ بِعْثَةِ هَؤُلاءِ النُقَباءِ؛ بَعْدَ الإجْماعِ عَلى أنَّ النَقِيبَ كَبِيرُ القَوْمِ؛ القائِمُ بِأُمُورِهِمْ؛ الَّذِي يُنَقِّبُ عنها؛ وعن مَصالِحِهِمْ فِيها؛ و"اَلنَّقّابُ": الرَجُلُ العَظِيمُ الَّذِي هو في الناسِ كُلِّهِمْ عَلى هَذِهِ الطَرِيقَةِ؛ وَمِنهُ قِيلَ في عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -: إنَّهُ كانَ لَنَقّابًا؛ فالنُقَباءُ: اَلضُّمّانُ؛ واحِدُهُمْ: نَقِيبٌ؛ وهو شاهِدُ القَوْمِ وضَمِينُهُمْ؛ وقالَ قَوْمٌ: اَلنُّقَباءُ: اَلْأُمَناءُ عَلى قَوْمِهِمْ؛ وهَذا كُلُّهُ قَرِيبٌ بَعْضُهُ مِن بَعْضٍ؛ والنَقِيبُ أكْبَرُ مَكانًا مِنَ العَرِّيفِ؛ قالَ قَتادَةُ - رَحِمَهُ اللهُ -؛ وغَيْرُهُ: هَؤُلاءِ النُقَباءُ قَوْمٌ كِبارٌ مِن كُلِّ سِبْطٍ؛ تَكَفَّلَ كُلُّ واحِدٍ بِسِبْطِهِ بِأنْ يُؤْمِنُوا ويَتَّقُوا اللهَ تَعالى.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ونَحْوَ هَذا كانَ النُقَباءُ لَيْلَةَ بَيْعَةِ العَقَبَةِ مَعَ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وهي العَقَبَةُ الثالِثَةُ؛ بايَعَ فِيها سَبْعُونَ رَجُلًا وامْرَأتانِ؛ فاخْتارَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مِنَ السَبْعِينَ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا؛ وسَمّاهُمُ النُقَباءَ؛ وقالَ الرَبِيعُ؛ والسُدِّيُّ ؛ وغَيْرُهُما: إنَّما بُعِثَ النُقَباءُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ أُمَناءَ عَلى الِاطِّلاعِ عَلى الجَبّارِينَ؛ والسَبْرِ لِقُوَّتِهِمْ؛ ومَنعَتِهِمْ؛ فَسارُوا حَتّى لَقِيَهم رَجُلٌ مِنَ الجَبّارِينَ؛ فَأخَذَهم جَمِيعًا فَجَعَلَهم في حُجُزَتِهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: في قَصَصٍ طَوِيلٍ ضَعِيفٍ؛ مُقْتَضاهُ أنَّهُمُ اطَّلَعُوا مِنَ الجَبّارِينَ عَلى قُوَّةٍ عَظِيمَةٍ؛ وظَنُّوا أنَّهم لا قِبَلَ لَهم بِهِمْ؛ فَتَعاقَدُوا بَيْنَهم عَلى أنْ يُخْفُوا ذَلِكَ عن بَنِي إسْرائِيلَ؛ وأنْ يُعْلِمُوا بِهِ مُوسى - عَلَيْهِ السَلامُ - لِيَرى فِيهِ أمْرَ رَبِّهِ؛ فَلَمّا انْصَرَفُوا إلى بَنِي إسْرائِيلَ خانَ مِنهم عَشَرَةٌ؛ فَعَرَّفُوا قَراباتِهِمْ؛ ومَن وثَّقُوهُ عَلى سِرِّهِمْ؛ فَفَشا الخَبَرُ حَتّى اعْوَجَّ أمْرُ بَنِي إسْرائِيلَ؛ وقالُوا: اذْهَبْ أنتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا إنّا هَهُنا قاعِدُونَ.

وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - قالَ: اَلنُّقَباءُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ؛ بَعَثَهم مُوسى - عَلَيْهِ السَلامُ - لِيَنْظُرُوا إلى مَدِينَةِ الجَبّارِينَ؛ فَذَهَبُوا؛ ونَظَرُوا؛ فَجاؤُوا بِحَبَّةٍ مِن فاكِهَتِهِمْ وِقْرَ رَجُلٍ؛ فَقالُوا: اُقْدُرُوا قَدْرَ قُوَّةِ قَوْمٍ هَذِهِ فاكِهَتُهُمْ؛ فَكانَ ذَلِكَ سَبَبَ فِتْنَةِ بَنِي إسْرائِيلَ ونُكُولِهِمْ.

وذَكَرَ النَقّاشُ أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَبَعَثْنا مِنهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا ﴾ ؛ أيْ مَلِكًا؛ وأنَّ الآيَةَ تَعْدِيدُ نِعْمَةِ اللهِ عَلَيْهِمْ في أنْ بَعَثَ لِإصْلاحِهِمْ هَذا العَدَدَ مِنَ المُلُوكِ؛ قالَ: فَما وفى مِنهم إلّا خَمْسَةٌ: داوُدُ - عَلَيْهِ السَلامُ - وابْنُهُ سُلَيْمانُ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ وطالُوتُ؛ وحِزْقِيا؛ وابْنُهُ؛ وكَفَرَ السَبْعَةُ؛ وبَدَّلُوا؛ وقَتَلُوا الأنْبِياءَ؛ وخَرَجَ خِلالَ الِاثْنَيْ عَشَرَ اثْنانِ وثَلاثُونَ جَبّارًا؛ كُلُّهم يَأْخُذُ المُلْكَ بِالسَيْفِ؛ ويَعِيثُ فِيهِمْ؛ والضَمِيرُ فِي: "مَعَكُمْ"؛ لِبَنِي إسْرائِيلَ جَمِيعًا؛ ولَهم كانَتْ هَذِهِ المَقالَةُ؛ وقالَ الرَبِيعُ: بَلِ الضَمِيرُ لِلِاثْنَيْ عَشَرَ؛ ولَهم كانَتْ هَذِهِ المَقالَةُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والقَوْلُ الأوَّلُ أرْجَحُ؛ و"مَعَكُمْ"؛ مَعْناهُ: بِنَصْرِي وحِياطَتِي؛ وتَأْيِيدِي؛ واللامُ في قَوْلِهِ: "لَئِنْ"؛ هي المُؤْذِنَةُ بِمَجِيءِ لامِ القَسَمِ؛ ولامُ القَسَمِ هي قَوْلُهُ: "لَأُكَفِّرَنَّ"؛ والدَلِيلُ عَلى أنَّ هَذِهِ اللامَ إنَّما هي مُؤْذِنَةٌ أنَّها قَدْ يُسْتَغْنى عنها أحْيانًا؛ ويَتِمُّ الكَلامُ دُونَها؛ ولَوْ كانَتْ لامَ القَسَمِ فَلَنْ يَتَرَتَّبَ ذَلِكَ.

وإقامَةُ الصَلاةِ: تَوْفِيَةُ شُرُوطِها؛ والزَكاةَ هُنا: شَيْءٌ مِنَ المالِ كانَ مَفْرُوضًا فِيما قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: "وَأعْطَيْتُمْ مِن أنْفُسِكم كُلَّ ما فِيهِ زَكاةٌ لَكُمْ؛ حَسْبَما نُدِبْتُمْ إلَيْهِ"؛ وقَدَّمَ هَذِهِ عَلى الإيمانِ تَشْرِيفًا لِلصَّلاةِ؛ والزَكاةِ؛ وإذْ قَدْ عُلِمَ وتَقَرَّرَ أنَّهُ لا يَنْفَعُ عَمَلٌ إلّا بِإيمانٍ؛ وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "بِرُسْلِي"؛ ساكِنَةَ السِينِ؛ في كُلِّ القُرْآنِ.

"وَعَزَّرْتُمُوهُمْ"؛ مَعْناهُ: وقَّرْتُمُوهُمْ؛ وعَظَّمْتُمُوهُمْ؛ ونَصَرْتُمُوهُمْ؛ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: وكَمْ مِن ماجِدٍ لَهُمُ كَرِيمٌ ∗∗∗ ومِن لَيْثٍ يُعَزَّرُ في النَدِيِّ وقَرَأ عاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: "وَعَزَرْتُمُوهُمْ"؛ خَفِيفَةَ الزايِ حَيْثُ وقَعَ؛ وقَرَأ في سُورَةِ "اَلْفَتْحِ": "وَتَعْزُرُوهُ"؛ بِفَتْحِ التاءِ؛ وسُكُونِ العَيْنِ؛ وضَمِّ الزايِ؛ وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ "اَلْبَقَرَةِ" تَفْسِيرُ الإقْراضِ.

وتَكْفِيرُ السَيِّئاتِ: تَغْطِيَتُها بِالمَحْوِ والإذْهابِ؛ فَهي اسْتِعارَةٌ؛ و"سَواءَ السَبِيلِ": وسَطُهُ؛ ومِنهُ: "سَواءُ الجَحِيمِ"؛ ومِنهُ قَوْلُ الأعْرابِيِّ: "قَدِ انْقَطَعَ سِوائِي"؛ وأوساطُ الطُرُقِ هي المُعَظَّمُ اللاحِبُ مِنها؛ وسائِرُ ما في الآيَةِ بَيِّنٌ؛ واللهُ المُسْتَعانُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

ناسب ذكرُ ميثاق بني إسرائيل عقب ذكر ميثاق المسلمين من قوله: ﴿ وميثاقه الّذي واثقكم به ﴾ [المائدة: 7] تحذيراً من أن يكون ميثاقنا كميثاقهم.

ومحلّ الموعظة هو قوله: ﴿ فمن كفر بعد ذلك منكم فقد ضل سواء السبيل ﴾ .

وهكذا شأن القرآن في التفنّن ومجيء الإرشاد في قالب القصص، والتنقّل من أسلوب إلى إسلوب.

وتأكيد الخبر الفعلي بقَد وباللام للاهتمام به، كما يجيء التأكيد بإنّ للاهتمام وليس ثَمّ متردّد ولا مُنزّل منزلتَه.

وذكر مواثيق بني إسرائيل تقدّم في سورة البقرة.

والبعث أصله التوجيه والإرسال، ويطلق مجازاً على الإقامة والإنهاض كقوله: ﴿ مَنْ بعثنا من مرقَدنا ﴾ [يس: 52]، وقوله: ﴿ فهذا يوم البعث ﴾ [الروم: 56].

ثم شاع هذا المجاز حتّى بني عليه مجاز آخر بإطلاقه على الإقامة المجازية ﴿ إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم ﴾ [آل عمران: 164]، ثُمّ أطلق على إثارة الأشياء وإنشاء الخواطر في النفس.

قال مُتمم بن نويرة: فقلت لهم إنّ الأسى يَبْعَثُ الأسى *** أي أنّ الحزن يثير حزناً آخر.

وهو هنا يحتمل المعنى الأول والمعنى الثّالث.

والعدولُ عن طريق الغيبة من قوله: ﴿ ولقد أخذ الله ﴾ إلى طريق التكلّم في قوله: ﴿ وبعثَنا ﴾ التفات.

والنقيب فَعيل بمعنى فاعل: إمّا من نَقَب إذا حفر مجازاً، أو من نقَّب إذا بعث ﴿ فنقَّبُوا في البلاد ﴾ [ق: 36]، وعلى الأخير يكون صوغ فعيل منه على خلاف القياس، وهو وارد كما صيغ سميع من أسمعَ في قول عمرو بن معد يكرب: أمِن ريحانةَ الداعي السمِيع *** أي المُسْمع.

ووصفه تعالى بالحكيم بمعنى المُحكم للأمور.

فالنقيب الموكول إليه تدبير القوم، لأنّ ذلك يجعله باحثاً عن أحوالهم؛ فيطلق على الرّئيس وعلى قائد الجيش وعلى الرائد، ومنه ما في حديث بيعة العقبة أنّ نقباء الأنصار يومئذٍ كانوا اثني عشر رجلاً.

والمراد بنقباء بني إسرائيل هنا يجوز أن يكونوا رؤساء جيوش، ويجوز أن يكونوا رُواداً وجواسيس، وكلاهما واقع في حوادث بني إسرائيل.

فأمّا الأوّل فيناسب أن يكون البعث معه بمعنى الإقامة، وقد أقام موسى عليْه السّلام من بني إسرائيل اثني عشر رئيساً على جيش بني إسرائيل على عدد الأسباط المجنّدين، فجعل لكلّ سبط نقيباً، وجعل لسبط يوسف نقيبين، ولم يجعل لسبط لاوي نقيباً، لأنّ اللاويين كانوا غير معدودين في الجيش إذ هم حفظة الشريعة، فقد جاء في أوّل سفر العَدد: كلّم الله موسى: أحصوا كلّ جماعة إسرائيل بعشائرهم بعدد الأسماء من ابن عشرين فصاعداً كلّ خارج للحرب في إسرائيل حسب أجنادهم، تحسبهم أنت وهارون، ويكون معكما رجل لكلّ سبط رؤوس ألوف إسرائيل «وكلّم الربّ موسى قائلاً: أمّا سبط لاوي فلا تعدّه بل وكِّلْ اللاويين على مسكن الشهادة وعلى جميع أمتعته».

وكان ذلك في الشهر الثّاني من السنة الثّانية من خروجهم من مصر في برية سينا.

وأمّا الثّاني فيناسب أن يكون البعث فيه بمعناه الأصلي، فقد بعث موسى اثني عشر رجلاً من أسباط إسرائيل لاختبار أحوال الأمم الَّتي حولهم في أرض كنعان، وهم غير الاثني عشر نقيباً الذين جعلهم رؤساء على قبائلهم.

ومن هؤلاء يوشع بن نون من سبط أفرايم، وكالب بن يفنة من سبط يهوذا، وهما الوارد ذكرهما في قوله تعالى: ﴿ قال رجلان من الّذين يخافون أنعم الله عليهما ادخلوا عليهم الباب ﴾ [المائدة: 23]، كما سيأتي في هذه السورة.

وقد ذُكرت أسماؤهم في الفصل الثالث عشر من سفر العدد.

والظاهر أنّ المراد هنا النقباء الّذين أقيموا لجند إسرائيل.

والمعيّة في قوله: ﴿ إنّي معكم ﴾ معيّة مجازية، تمثيل للعناية والحفظ والنصر، قال تعالى: ﴿ إذ يوحي ربّك إلى الملائكة أنِّي معكم ﴾ [الأنفال: 12]، وقال: ﴿ إنَّنِي مَعَكُمَا أسمع وأرى ﴾ [طه: 46] وقال: ﴿ وهو معكم أينما كنتم والله بما تعملون بصير ﴾ [الحديد: 4].

والظاهر أنّ هذا القول وقع وعداً بالجزاء على الوفاء بالميثاق.

وجملة ﴿ لئن أقمتم الصلاة ﴾ الآية.

واستئناف محْض ليس منها شيء يتعلّق ببعض ألفاظ الجملة الّتي قبلها وإنَّما جمعهما العامل، وهو فعل القول، فكلتاهما مقول، ولذلك يحسن الوقف على قوله: ﴿ إنّي معكم ﴾ ، ثم يُستأنف قوله: ﴿ لئن أقمتم الصّلاة ﴾ إلى آخره.

ولام ﴿ لئن أقمتم ﴾ موطّئة للقسم، ولام ﴿ لأكَفِّرَنَّ ﴾ لام جواب القسم، ولعلّ هذا بعض ما تضمّنه الميثاق، كما أنّ قوله: ﴿ لأكفرنّ عنكم سيّئاتكم ﴾ بعض ما شمله قوله: ﴿ إنِّي معكم ﴾ .

والمراد بالزكاة ما كان مفروضاً على بني إسرائيل: من إعطائهم عشر محصولات ثمارهم وزرعهم، ممّا جاء في الفصل الثامن عشر من سفر العدد، والفصل الرابع عشر والفصل التاسع عشر من سفر التثنية.

وقد مضى القول فيه عند قوله تعالى: ﴿ وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين ﴾ في سورة البقرة (43).

والتعزيرُ: النصر.

يقال: عزَره مخفّفاً، وعزّره مشدّداً، وهو مبالغة في عزَرَهُ عزراً إذا نصره، وأصله المنع، لأنّ النّاصر يمنع المعتدي على منصوره.

ومعنى وأقرضتم الله قرضاً حسناً} الصدقات غير الواجبة.

وتكفير السيّئات: مغفرة ما فرط منهم من التعاصي للرسول فجعل الطاعة والتوبة مُكفّرتين عن المعاصي.

وقوله: ﴿ فقد ضلّ سواء السبيل ﴾ أي فقد حاد عن الطريق المستقيم، وذلك لا عذر للسائر فيه حين يضلّه، لأنّ الطريق السوي لا يحوج السائر فيه إلى الروغان في ثنيّاتتٍ قد تختلط عليه وتفضي به إلى التيه في الضلال.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَعَزَّرْتُمُوهُمْ ﴾ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي نَصَرْتُمُوهم، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ، ومُجاهِدٍ.

الثّانِي: عَظَّمْتُمُوهم، وهَذا قَوْلُ أبِي عُبَيْدَةَ.

وَأصْلُهُ المَنعُ، قالَ الفَرّاءُ: عَزَّرْتُهُ عُزْرًا إذا رَدَدْتَهُ عَنِ الظُّلْمِ، ومِنهُ التَّعْزِيرُ لِأنَّهُ يَمْنَعُ مِن مُعاوَدَةِ القُبْحِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهم لَعَنّاهُمْ ﴾ وتَقْدِيرُهُ: فَبِنَقْضِهِمْ مِيثاقَهم لَعَنّاهم، و (ما) صِلَةٌ زائِدَةٌ.

﴿ وَجَعَلْنا قُلُوبَهم قاسِيَةً ﴾ مِنَ القَسْوَةِ وهي الصَّلابَةُ.

وَقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( قَسِيَّةً ) وفِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّها أبْلَغُ مِن قاسِيَةٍ.

والثّانِي: أنَّها بِمَعْنى قاسِيَةٍ.

﴿ يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ ﴾ يَعْنِي بِالتَّغْيِيرِ والتَّبْدِيلِ، وسُوءِ التَّأْوِيلِ.

﴿ وَنَسُوا حَظًّا مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ ﴾ يَعْنِي نَصِيبَهم مِنَ المِيثاقِ المَأْخُوذِ عَلَيْهِمْ.

﴿ وَلا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنهُمْ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ.

أحَدُهُما: يَعْنِي خِيانَةً مِنهم.

والثّانِي: يَعْنِي فِرْقَةً خائِنَةً.

﴿ إلا قَلِيلا مِنهم فاعْفُ عَنْهم واصْفَحْ ﴾ فِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ حُكْمَها ثابِتٌ في الصَّفْحِ والعَفْوِ إذا رَآهُ.

والثّانِي: أنَّهُ مَنسُوخٌ، وفي الَّذِي نَسَخَهُ قَوْلانِ: أحَدُهُما: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ  ﴾ وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ.

والثّانِي: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإمّا تَخافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيانَةً فانْبِذْ إلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ  ﴾ <div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير عن أبي العالية في قوله: ﴿ ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل ﴾ قال: أخذ الله مواثيقهم أن يخلصوا له ولا يعبدوا غيره ﴿ وبعثنا منهم اثني عشر نقيباً ﴾ يعني بذلك وبعثنا منهم اثني عشر كفيلاً، فكفلوا عليهم بالوفاء لله بما وثقوا عليه من العهود فيما أمرهم عنه.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ اثني عشر نقيباً ﴾ قال: من كل سبط من بني إسرائيل رجال، أرسلهم موسى إلى الجبارين، فوجدوهم يدخل في كم أحدهم اثنان، ولا يحمل عنقود عنبهم إلا خمسة أنفس بينهم في خشبة، ويدخل في شطر الرمانة إذا نزع حبها خمسة أنفس وأربعة، فرجع النقباء كل منهم ينهى سبطه عن قتالهم إلا يوشع بن نون وكالب بن باقية.

أمرا الأسباط بقتال الجبارين ومجاهدتهم، فعصوهما وأطاعوا الآخرين، فهما الرجلان اللذان أنعم الله عليهما، فتاهت بنو إسرائيل أربعين سنة يصبحون حيث أمسوا ويمسون حيث أصبحوا في تيههم ذلك، فضرب موسى الحجر لكل سبط عيناً حجر لهم يحملونه معهم، فقال لهم موسى: اشربوا يا حمير.

فنهاه الله عن سبهم، وقال: هم خلقي فلا تجعلهم حميراً.

والسبط كل بطن بني فلان.

وأخرج ابن جرير عن السدي قال: أمر الله بني إسرائيل بالسير إلى أريحاء- وهي أرض بيت المقدس- فساروا حتى إذا كانوا قريباً منه، أرسل موسى اثني عشر نقيباً من جميع أسباط بني إسرائيل، فساروا يريدون أن يأتوه بخبر الجبابرة، فلقيهم رجل من الجبارين يقال له عاج، فأخذ اثني عشر فجعلهم في حجزته وعلى رأسه حزمة حطب، فانطلق بهم إلى امرأته فقال: انظري إلى هؤلاء القوم الذين يزعمون أنهم يريدون أن يقاتلونا، فطرحهم بين يديها فقال: ألا أطحنهم برجلي؟

فقالت امرأته: بل خل عنهم حتى يخبروا قومهم بما رأوا.

ففعل ذلك، فلما خرج القوم قال بعضهم لبعض: يا قوم، إنكم ان أخبرتم بني إسرائيل خبر القوم ارتدوا عن نبي الله، لكن اكتموه، ثم رجعوا فانطلق عشرة منهم فنكثوا العهد، فجعل كل منهم يخبر أخاه وأباه بما رأى من عاج، وكتم رجلان منهم، فأتوا موسى وهارون فأخبروهما، فذلك حين يقول الله: ﴿ ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيباً ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ وبعثنا منهم اثني عشر نقيباً ﴾ قال: شهيداً من كل سبط رجل شاهد على قومه.

وأخرج ابن جرير عن الربيع قال: النقباء، الأمناء.

وأخرج الطستي عن ابن عباس.

أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله عز وجل ﴿ اثني عشر نقيباً ﴾ .

قال: اثني عشر وزيراً وصاروا أنبياء بعد ذلك.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت الشاعر يقول: وإني بحق قائل لسراتها ** مقالة نصح لا يضيع نقيبها وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله عز وجل ﴿ اثني عشر نقيباً ﴾ قال: هم من بني إسرائيل بعثهم موسى لينظروا إلى المدينة، فجاؤوا بحبة من فاكهتهم، فعند ذلك فتنوا، فقالوا: لا نستطيع القتال فاذهب أنت وربك فقاتلا.

وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو صدقني وآمن بي واتبعني عشرة من اليهود لأسلم كل يهودي» كان قال كعب اثني عشر، وتصديق ذلك في المائدة ﴿ وبعثنا منهم اثني عشر نقيباً ﴾ .

وأخرج أحمد والحاكم عن ابن مسعود.

أنه سئل كم يملك هذه الأمة من خليفة؟

فقال: سألنا عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «اثنا عشر كعدة بني إسرائيل» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس.

أن موسى عليه السلام قال للنقباء الاثني عشر: سيروا اليوم فحدثوني حديثهم وما أمرهم، ولا تخافوا إن الله ﴿ معكم لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي وعزرتموهم وأقرضتم الله قرضاً حسناً ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ وعزرتموهم ﴾ قال: أعنتموهم.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ وعزرتموهم ﴾ قال: نصرتموهم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد قال: التعزيز والتوقير.

النصرة والطاعة.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ ﴾ قال ابن عباس: ثم أخبر الله عن نقض إسرائيل عهد الله كما نقضت هذه الطبقة فقال: ﴿ وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ ﴾ (١) قال الكلبي ومقاتل: أخذ الله ميثاقهم على أن يعملوا بما في التوراة (٢) وقوله تعالى: ﴿ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا ﴾ .

اختلفت عبارات المفسرين في تفسير النقيب: فقال ابن عباس والحسن: الضمين (٣) وقال قتادة: الشهيد على قومه (٤) وقال الكلبي: ﴿ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا ﴾ يعني ملكًا (٥) وقال مقاتل: يعني شاهدًا على قومهم (٦) وقال أبو عبيدة: النقيب: الأمين الكفيل (٧) وقال الأخفش: النقباء: الكفلاء على قومهم (٨) وقال المؤرج: النقباء: الأمناء (٩) وقال أبو إسحاق: النقيب في اللغة كالأمين (١٠) (١١) (١٢) وهذا الباب كله أصله التأثير الذي له عمق ودخول، فمن ذلك: نقبت الحائط، أي بلغت في النقب آخره، ومن ذلك: النقبة من الجَرب؛ لأنه داء شديد الدخول، وذلك أنه يطلى البعير بالهناء فيوجد طعم القطران في لحمه، والنُّقْبة السراويل بغير رجلين، لما قد بولغ في فتحها ونقبها، ويقال: كلب نقِيب، وهو أن تنقب حنجرته لئلا يرتفع صوت نباحه، وإنما يفعل ذلك البخلاء من العرب لئلا يطرقهم ضيف (١٣) واختلفوا في معنى بعث النقباء: فقال الحسن: أخذ من كل سبط منهم نقيب ضامن بما عقد عليهم بالميثاق في أمور دينهم (١٤) ونحو هذا قال ابن عباس في رواية عطاء، فقال في قوله: ﴿ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا ﴾ : يريد ضامنين عن قومهم لله الميثاق وأن يؤمنوا بمحمد (١٥)  ويصدقوه وينصروه (١٦) ومعنى البعث في هذا القول إقامتهم بذلك الأمر كبعث الرسل، فقوله تعالى: ﴿ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا ﴾ كقوله لو قال: بعثنا منهم اثنى عشر نبيا.

وقال مجاهد والكلبي والسدي: إن النقباء بعثوا إلى مدينة الجبارين الذين أمر موسى بالقتال معهم؛ ليقفوا على أحوالهم ويرجعوا بذلك إلى نبيهم موسى  ، فرجعوا ينهون قومهم عن قتالهم، وكانوا قد تواثقوا فيما بينهم أن لا يفعلوا، فنكثوا العهد، وجعل كل واحد منهم ينهى سِبطه عن قتالهم إلا رجلين منهم: كالِب، ويوشَع، وهما اللذان قال الله تعالى: (فيهما) (١٧) ﴿ قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ ﴾ الآية [المائدة: 23] (١٨) وقوله تعالى: ﴿ وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ ﴾ .

أي: قال الله لهم، فحذف ذلك لاتصال الكلام بذكرهم.

واختلفوا في المعنيّ بهذا القول، فقال الربيع: ﴿ وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ ﴾ أي: للنقباء (١٩) وعلى هذا دل كلام ابن عباس، فقال في قوله: ﴿ إِنِّي مَعَكُمْ ﴾ أي مع النقباء، ومن أوفى بميثاق الله وعهده (٢٠) وقال غيرهما: ﴿ وَقَالَ اللَّهُ ﴾ لبني إسرائيل ﴿ إِنِّي مَعَكُمْ ﴾ (٢١) ومعنى ﴿ إِنِّي مَعَكُمْ ﴾ أي: بالعون والنصر والدفع عنكم.

قال الكلبي (٢٢) وقوله تعالى: ﴿ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ ﴾ .

ذكر أبو علي الجرجاني في تقدير الآية ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون قوله: ﴿ إِنِّي مَعَكُمْ ﴾ جزاء مقدمًا على شرط، والشرط قوله: ﴿ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ ﴾ وما انعطف عليه، وما انعطف عليه، ويكون قوله: ﴿ لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ ﴾ جوابا لقوله: ﴿ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ ﴾ (٢٣) ﴿ لَئِنْ أَقَمْتُمُ ﴾ وجعل جوابه ﴿ لَأُكَفِّرَنَّ ﴾ ، فيحصل من هذا أن يكون قوله: ﴿ لَئِنْ أَقَمْتُمُ ﴾ جزاءً لقوله: ﴿ إِنِّي مَعَكُمْ ﴾ ويكون مبتدأ وشرطًا لقوله: ﴿ لَأُكَفِّرَنَّ ﴾ .

فمرة من وجه يكون جزاء، ومرة من وجه آخر يكون مبتدأ وشرطًا، وصار قوله: ﴿ لَئِنْ أَقَمْتُمُ ﴾ مرة جزاء للشرط الأول، (ومرة شرطًا للجزاء الآخر) (٢٤) (٢٥) والوجه الآخر: أن تجعل قوله: ﴿ إِنِّي مَعَكُمْ ﴾ جزاء تقدم شرطًا، ثم جاء الشرط بعده وهو قوله: ﴿ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ ﴾ إلى ما اتصل به، ثم تضمر شرطًا لقوله: ﴿ لَأُكَفِّرَنَّ ﴾ على تقدير: إن فعلتم ذلك لأكفرن، كما قال في سورة الصف ﴿ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ  ﴾ ثم بين تلك التجارة ما هي فقال: ﴿ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ﴾ إلى آخر الآية، ثم ابتدأ شرطًا آخر مضمرا وأظهر جزاءه، فدل الجزاء الظاهر على الشرط المضمر (٢٦) ﴿ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ﴾ على تأويل: إن تفعلوا ذلك يغفر لكم، وهذا كقوله عز وجل: ﴿ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ  ﴾ وهذه الكاف تدل على مبتدأ قبله ولم يجر له ذكر، وإنما جرى ذكر الجنة وصفتها، وكأنه قيل: أفمن هو في هذه الجنة كمن هو خالد في النار، فدل الجواب على الإبتداء.

الوجه الثالث: أن الكلام قد تم عند قوله: ﴿ إِنِّي مَعَكُمْ ﴾ ثم ابتدأ فصلًا آخر بقوله: ﴿ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ ﴾ فجعله شرطًا، ثم أتى بجزائه في قوله: ﴿ لَأُكَفِّرَنَّ ﴾ فيكون هذا الشرط والجزاء بما يتضمنان من القصة ترجمة لقوله: ﴿ إِنِّي مَعَكُمْ ﴾ لأن قوله: ﴿ إِنِّي مَعَكُمْ ﴾ كلمة جامعة مجملة فصار ما بعده كالتفسير له.

وقوله تعالى: ﴿ وَعَزَّرْتُمُوهُمْ ﴾ .

قال أبو إسحاق: العَزْر في اللغة الردّ، وتأويل عزَّرت فلانًا أي أدَّبته، إنما تأويله: فعلت به ما يرده عن القبيح ويردعه، كما أن نكلتُ به: فعلت به ما يجب أن ينكل معه عن المعاودة.

فتأويل ﴿ وَعَزَّرْتُمُوهُمْ ﴾ نصرتموهم بأن تردوا عنهم أعداءهم، ولو كان التعزيز هو التوقير لكان الأجود في اللغة الاستغناء عن التوقير في قوله: ﴿ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ  ﴾ ، والنصرة إذا وجدت فالتعظيم داخل فيها؛ لأن نصرة الأنبياء هي المدافعة عنهم والذب عن دينهم وتعظيمهم (٢٧) أبو العباس عن ابن الأعرابي: العزر: النصر بالسيف، والعزر: المنع، وقال أيضًا: التعزير: التوقير، والتعزير: النصر باللسان والسيف (٢٨) وقال عطاء عن ابن عباس: ﴿ وَعَزَّرْتُمُوهُمْ ﴾ يريد وقّرتموهم (٢٩) وقال السدي: نصرتموهم بالسيف (٣٠) وقال مقاتل والكلبي: أعنتموهم (٣١) وقوله تعالى: ﴿ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا ﴾ .

قال ابن عباس: يريد الصدقات للفقراء والمساكين وابن السبيل (٣٢) وقال مقاتل: ﴿ قَرْضًا حَسَنًا ﴾ محتسبة، طيبة بها أنفسكم (٣٣) وقال الضحاك: تبتغون به وجه الله (٣٤) وقال ابن المبارك (٣٥) (٣٦) قال الفراء: القرض مصدر، ولو قيل: إقراضًا كان صوابًا، وربما أخرج المصدر على بنية الفعل الأول قبل أن يزاد فيه، وهذا من ذاك؛ لأن أصل الإقراض: قرضت، ومثله قوله تعالى: ﴿ فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ  ﴾ ولم يقل: بتقبل، وقوله: ﴿ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا  ﴾ ولم يقل: إنباتا (٣٧) وقوله تعالى: ﴿ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ ﴾ .

أي: بعد العهد والميثاق (٣٨) ﴿ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ  ﴾ .

أخطأ قصد الطريق، يعني الهدى والدين الذي شرعه لهم (¬4).

(١) لم أقف عليه.

(٢) انظر: "تفسير مقاتل" 1/ 461، و"تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 109.

(٣) لم أقف عليه عن ابن عباس، وقد نسبه ابن الجوزي للحسن، وقال: ومعناه: أنه ضمين ليعرف أحوال من تحت يده.

"زاد المسير" 2/ 310، ونحو هذا "تفسير أبي عبيدة" النقيب بالضامن.

انظر: "مجاز القرآن" 1/ 156ن والطبري في "تفسيره" 6/ 148.

هذا، وقد أخرج الطستي ضمن "مسائل ابن الأزرق" أن ابن عباس فسر النقيب بالوزير، انظر: "الدر المنثور" 2/ 472.

(٤) أخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 148 بلفظ: من كل سبطٍ رجل شاهد على قومه.

وانظر: "زاد المسير" 2/ 310.

(٥) "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 109.

(٦) "تفسيره" 1/ 460، وانظر: "بحر العلوم" 1/ 421.

(٧) "مجاز القرآن" 1/ 156، وعبارته: أي ضمانًا ينقب عليهم، وهو الأمين والكفيل على القوم.

(٨) ليس في "معاني القرآن".

(٩) لم أقف عليه.

(١٠) في "معاني الزجاج": كالأمير.

(١١) "معاني الزجاج" 2/ 157.

(١٢) في "معاني الزجاج" 2/ 158: حسن الخليقة.

(١٣) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 157 - 159 بتصرف.

(١٤) انظر: "تفسير الهواري" 1/ 456، و"زاد المسير" 2/ 310.

(١٥) في (ش): (لمحمد).

(١٦) لم أقف عليه.

(١٧) ساقط من (ج).

(١٨) انظر: "تفسير مجاهد" 1/ 188، 189، والطبري في "تفسيره" 6/ 149 - 150 ، و"تفسير الهواري" 1/ 456، و"بحر العلوم" 1/ 422، والبغوي في "تفسيره" 2/ 28 - 30.

(١٩) أخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 150 مطولًا، وانظر: "زاد المسير" 2/ 312، و"الدر المنثور" 2/ 473.

(٢٠) لم أقف عليه.

(٢١) انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 150، و"بحر العلوم" 1/ 422، و"زاد المسير" 2/ 312، وقد نسبه ابن الجوزي للجمهور.

(٢٢) انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 109.

وهذا القول لجمهور المفسرين.

انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 150، و"بحر العلوم" 1/ 422، والبغوي في "تفسيره" 3/ 31، و"زاد المسير" 2/ 312.

(٢٣) انظر: "الكشاف" 1/ 328، و"البحر المحيط" 3/ 445، و"الدر المصون" 4/ 220.

(٢٤) في (ج): (ومرة جزاء للشرط الآخر).

(٢٥) في (ج): (فاشترط).

(٢٦) انظر: "البحر المحيط" 3/ 445.

(٢٧) "معاني الزجاج" 2/ 159، وانظر: "تهذيب اللغة" 3/ 2419.

وقول الزجاج: ولو كان التعزير هو التوقير، فيه رد على أبي عبيدة قال: ﴿ وَعَزَّرْتُمُوهُمْ ﴾ : نصرتموهم وأعنتموهم ووقرتموهم "مجاز القرآن" 1/ 156.

وقد ذكر الزجاج معنى قوله.

وما ذهب إليه الزجاج قد اختاره الطبري في "تفسيره" 6/ 151.

(٢٨) "تهذيب اللغة" 3/ 2419، وانظر: "اللسان" 5/ 2924 (عزر).

(٢٩) لم أقف عليه عن ابن عباس، وقد نسب لعطاء، انظر: "زاد المسير" 2/ 312، وقد تقدم استبعاد الزجاج لمثل هذا القول قريبًا.

ثم إنه ورد عن ابن عباس أن المراد الإعانة والنصر.

انظر: "زاد المسير" 2/ 312، و"الدر المنثور" 2/ 473.

(٣٠) أخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 151، وانظر: "بحر العلوم" 1/ 422.

(٣١) "تفسير مقاتل" 1/ 461، و"تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 109.

(٣٢) لم أقف عليه، وانظر القرطبي في "تفسيره" 6/ 114 (٣٣) "تفسيره" 1/ 461.

(٣٤) انظر القرطبي في "تفسيره" 6/ 114.

(٣٥) هو أبو عبد الرحمن عبد الله بن المبارك بن واضح الحنظلي المروزي، إمام عالم مجاهد، جواد فقيه، محدث شهير، توفي رحمه الله سنة 181 هـ.

انظر: " الجرح والتعديل" 5/ 179، و"تذكرة الحفاظ" 1/ 274، و"تهذيب الكمال" 5/ 16 (¬3520).

(٣٦) ذكره المؤلف في "الوسيط" 3/ 832 ولم أقف عليه.

(٣٧) لم أقف عليه عن الفراء، وانظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 152، والقرطبي في "تفسيره" 6/ 114.

(٣٨) انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 153، و"بحر العلوم" 1/ 422.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ اثني عَشَرَ نَقِيباً ﴾ النقيب هو كبير القوم القائم بأمورهم ﴿ إِنِّي مَعَكُمْ ﴾ أي بنصري، والخطاب لبني إسرائيل، وقيل: للنقباء ﴿ يُحَرِّفُونَ الكلم ﴾ اختلف هل أريد تحريف الألفاظ أو المعاني؟

﴿ وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ على خَآئِنَةٍ مِّنْهُمْ ﴾ أي على خيانة فهو مصدر كالعاقبة، وقيل: على طائفة خائنة، وهو إخبار بأمر مستقبل ﴿ فاعف عَنْهُمْ ﴾ منسوخ بالسيف والجزية.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ قسية ﴾ حمزة وعلي والمفضل.

الباقون ﴿ قاسية ﴾ .

الوقوف: ﴿ بني إسرائيل ﴾ ج للعدول عن الإخبار إلى الحكاية مع اتحاد القصة.

﴿ نقيباً ﴾ ج للعدول عن الحكاية إلى الإخبار.

﴿ معكم ﴾ ط لأن ما بعده ابتداء قسم محذوف جوابه ﴿ لأكفرن ﴾ .

﴿ الأنهار ﴾ ج ﴿ السبيل ﴾ ه ﴿ قاسية ﴾ ج لاحتمال الاستئناف والحال أي لعناهم محرفين ﴿ مواضعه ﴾ ط لأنا ما يتلوه حال أي وقد نسوا ﴿ ذكروا به ﴾ ج للعدول عن الماضي إلى المستقبل مع الواو.

﴿ واصفح ﴾ ط ﴿ المحسنين ﴾ ه ﴿ ذكروا به ﴾ ص لعطف المتفقتين ﴿ يوم القيامة ﴾ ط ﴿ يصعنون ﴾ ه ﴿ عن كثير ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه لا لأن قوله: ﴿ يهدي ﴾ وصف الكتاب إلى آخر الآية.

﴿ مستقيم ﴾ ه ﴿ المسيح ابن مريم ﴾ الأول ط ﴿ جميعاً ﴾ ط ﴿ وما بينهما ﴾ ط ﴿ ما يشاء ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ وأحباؤه ﴾ ط ﴿ بذنوبكم ﴾ ط لتناهي الاستفهام إلى الأخبار ﴿ ممن خلق ﴾ ط ﴿ من يشاء ﴾ ط ﴿ وما بينهما ﴾ ز للفصل بين ذكر الحال والمال.

﴿ المصير ﴾ ه ﴿ ولا نذير ﴾ ر للعطف مع وقوع العارض.

﴿ ونذير ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه.

التفسير: إنه  لما خاطب المؤمنين بذكر نعمته وميثاقه أردفه ذكر ميثاق بني إسرائيل ونقضهم إياه ثم لعنهم بسبب ذلك تحذيراً لهذه الأمة من مثل ما فعلوا وفعل بهم.

وبوجه آخر لما ذكر غدر اليهود وأنهم أرادوا إيقاع الشر بالنبي  لولا دفع الله  ، أردفه بذكر سائر فضائحهم ليعلم أن ذلك لم يزل هجيراهم.

والنقيب العريف "فعيل" بمعنى "فاعل" لأنه ينقب عن أحوال القوم فيكون شاهدهم وضمينهم.

وقال أبو مسلم: بمعنى "مفعول" يعني اختارهم على علم بهم.

وأصل النقب الطريق في الجبل.

ونقب البيطار سرة الدابة ليخرج منها ماء أصفر.

والمناقب الفضائل لأنها لا تظهر إلاّ بالنقب عنها.

ويقال: كلب نقيب وهو أن ينقب حنجرته لئلا يرفع صوت نباحه، وإنما يفعل ذلك البخلاء من العرب لئلا يطرقهم ضيف.

قال مجاهد والكلبي والسدي: إن الله  اختار من كل سبط من أسباط بني إسرائيل رجلاً يكون نقيباً لهم وحاكماً فيهم.

ثم إنهم بعثوا إلى مدينة الجبارين لينقبوا عن أحوالهم فرأوا أجراماً عظيمة فهابوا ورجعوا وحدثوا قومهم وقد نهاهم موسى  أن يحدثوهم فنكثوا الميثاق إلاّ رجلين منهم.

ومعنى ﴿ إني معكم ﴾ إني ناصركم ومعينكم والتقدير: وقال الله لهم.

فحذف الرابط للعلم به.

والخطاب للنقباء أو لكل بني إسرائيل.

والحاصل إني معكم بالعلم والقدرة فأسمع كلامكم وأرى أفعالكم وأعلم ضمائركم وأقدر على إيصال الجزاء إليكم.

فهذه مقدمة معتبرة جداً في الترغيب والترهيب ثم ذكر بعدها جملة شرطية مقدمها مركب من خمسة أمور والجزاء هو قوله: ﴿ لأكفرن ﴾ وهو إشارة إلى إزالة العقاب.

وقوله: ﴿ ولأدخلنكم ﴾ وهو إشارة إلى إيصال الثواب.

واللام في ﴿ لئن أقمتم ﴾ موطئة للقسم وفي ﴿ لأكفرن ﴾ جواب له ولكنه سد مسد جواب الشرط أيضاً.

والعزر في اللغة الرد ومنه التعزير التأديب لأنه يرده عن القبيح ولهذا قال الأكثرون: معنى ﴿ عزرتموهم ﴾ نصرتموهم لأن نصر الإنسان رد أعدائه عنه.

ولو كان التعزير هو التوقير لكان قوله: ﴿ وتعزروه وتوقروه  ﴾ تكراراً.

وههنا أسئلة: لم أخر الإيمان بالرسل عن إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة مع أن الإيمان مقدم على الأعمال؟

وأجيب بعد تسليم أن الواو للترتيب بأن اليهود كانوا معترفين بأن النجاة مربوطة بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة إلاّ أنهم كانوا مصرين على تكذيب بعض الرسل فذكر أنه لا بد بعد الصلاة والزكاة من الإيمان بجميع الرسل وإلاّ لم يكن لتلك الأعمال أثر.

قلت: يحتمل أن يكون التقدير وقد آمنتم أو أخر الإيمان عن العمل تنبيهاً على أن الإيمان إنما يقع معتداً به إذا اقترن به العمل كقوله ﴿ وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحاً ثم اهتدى  ﴾ أو هو من القلب الذي يشجع عليه أمن الإلباس، أو لعل اليهود كانوا مقصرين في الصلاة والزكاة فكان ذكرهما أهم.

سؤال آخر ما الفائدة في قوله: ﴿ وأقرضتم ﴾ بعد قوله: ﴿ وآتيتم الزكاة ﴾ ؟

وأجيب بأن الإقراض أريد به الصدقات المندوبة.

قال الفراء: ولو قال وأقرضتم الله إقراضاً حسناً لكان صواباً أيضاً إلاّ أنه أقيم الاسم مقام المصدر مثل ﴿ وأنبتها نباتاً حسناً  ﴾ آخر لم قال: ﴿ فمن كفر بعد ذلك منكم فقد ضل سواء السبيل ﴾ فإن من كفر قبل ذلك أيضاً فقد أخطأ الطريق المستقيم الذي شرعه الله لهم؟

والجواب أجل، ولكن الضلال بعد الشرط المؤكد المعلق به الوعيد العظيم أشنع فلهذا خص بالذكر.

﴿ فبما نقضهم ميثاقهم ﴾ بتكذيب الرسل وقتلهم أو بكتمانهم صفة محمد  أو بإخلال جملة الشروط المذكورة ﴿ لعناهم ﴾ قال عطاء: أخرجناهم من رحمتنا.

وقال الحسن ومقاتل: مسخناهم حتى صاروا قردة وخنازير.

قال ابن عباس: ضربنا الجزية عليهم ﴿ وجعلنا قلوبهم قاسية ﴾ من قرأ ﴿ قسية ﴾ / فبمعنى القاسية أيضاً إلا أنها أبلغ كعليم وعالم ومنه قولهم "درهم قسي" أي رديء مغشوش لما فيه من اليبس والصلابة بخلاف الدرهم الخالص فإن فيه ليناً وانقياداً.

قالت المعتزلة: معنى الجعل ههنا أنه أخبر عنها بأنها صارت قاسية كما يقال جعلت فلاناً فاسقاً أو عدلاً ﴿ يحرّفون الكلم ﴾ بيان لقسوة قلوبهم لأنه لا قسوة أشد من الافتراء على الله وتغيير كلامه ﴿ ونسوا حظاً ﴾ تركوا نصيباً وافراً أو قسطاً وافياً ﴿ مما ذكروا به ﴾ من التوراة يريد أن تركهم التوراة وإعراضهم عن العمل بها إغفال حظ عظيم، أن فسدت نياتهم فحرفوا التوراة وزالت علوم منها عن حفظهم كما روي عن ابن مسعود: قد ينسى المرء بعض العلم بالمعصية.

وقال ابن عباس: تركوا نصيباً مما أمروا به في كتابهم وهو الإيمان بمحمد  ثم بيّن أن نكث العهود والغدر لم يزل عادتهم خلفاً عن سلف فقال: ﴿ ولا تزال تطلع على خائنة ﴾ أي خيانة كالعافية والحادثة أو صفة لمحذوف مؤنث أي على فعلة ذات خيانة أو على نفس أو فرقة خائنة أو التاء للمبالغة مثل "رجل راوية للشعر" ﴿ إلا قليلاً منهم ﴾ وهم الذين آمنوا منهم كعبد الله بن سلام وأمثاله، أو هم الذين بقوا على الكفر من غير غدر ونقض لعهودهم ﴿ فاعف عنهم واصفح ﴾ بعث على حسن العشرة معهم.

فقيل منسوخ بآية الجهاد ﴿ يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم  ﴾ وقيل: المراد فاعف عن مؤمنهم ولا تؤاخذهم بما سلف منهم.

وقيل: بناء على أن القليل هم الباقون على العهد منهم أن المراد لا تؤاخذهم بالصغائر ما داموا باقين على العهد وهذا قول أبي مسلم ﴿ إن الله يحب المحسنين ﴾ قال ابن عباس: معناه إذا عفوت فأنت محسن، وإذا كنت محسناً فقد أحبك الله.

وعلى قول أبي مسلم فالمراد بهؤلاء المحسنين هم القليلون الذين ما نقضوا عهد الله وفي هذا التفسير بعد والله أعلم.

ثم قال: ﴿ ومن الذين قالوا إنا نصارى ﴾ ولم يقل ومن النصارى لأنهم إنما سموا أنفسهم بهذا الاسم ادعاء لنصرة الله، وهم الذين قالوا لعيسى  نحن أنصار الله وكانوا بالحقيقة أنصار الشيطان حيث اختلفوا وخالفوا الحق ﴿ أخذنا ميثاقهم ﴾ إن كان الضمير عائداً إلى الذين قالوا فالمعنى ظاهر، وإن عاد إلى اليهود فالمعنى أخذنا منهم مثل ميثاق اليهود في أفعال الخير والإيمان بالرسل ﴿ فأغرينا ﴾ ألصقنا وألزمنا ومنه الغراء الذي يلصق به وغرى بالشيء لزمه ولصق به ﴿ بينهم ﴾ بين فرق النصارى أو بينهم وبين اليهود.

ثم دعا اليهود والنصارى إلى الإيمان بمحمد  فقال: ﴿ يا أهل الكتاب ﴾ ووحد الكتاب لأنه أخرج مخرج الجنس ﴿ مما كنتم تخفون من الكتاب ﴾ كصفة رسول الله  وكصفة الرجم/ وهذا معجز لأنه لم يقرأ كتاباً وقد أخبرهم بأسرار كتابهم ﴿ ويعفو عن كثير ﴾ مما تخفونه فلا يبينه مما لا تمس إليه حاجة في هذا الدين.

وعن الحسن: ويعفو عن كثير منكم لا يؤاخذه بجرمه ﴿ قد جاءكم من الله نور ﴾ محمد أو الإسلام ﴿ وكتاب مبين ﴾ هو القرآن لإبانته ما كان خافياً على الناس من الحق، أو لأنه ظاهر الإعجاز، ويحتمل أن يكون النور والكتاب هو القرآن والمغايرة اللفظية كافية بين المعطوفين.

ولا شك أن القرآن نور معنوي تتقوى به البصيرة على إدراك الحقائق والمعقولات ﴿ يهدي به الله ﴾ أي بالكتاب ﴿ من اتبع رضوانه ﴾ من كان مطلوبه اتباع الدين الذي يرتضيه الله لا الذي ألفه بحسب هواه ﴿ سبل السلام ﴾ طرق السلامة أو طرق دار السلام أو سبيل دين الله ﴿ إن الله هو المسيح ابن مريم ﴾ بناء على جواز الحلول ﴿ فمن يملك من الله شيئاً ﴾ من الذي يقدر على دفع شيء من أفعاله الله ومنع شيء من مراده.

وقوله: ﴿ إن أراد ﴾ شرط جزاء آخر محذوف يدل عليه ما تقدمه والمعنى إن أراد ﴿ أن يهلك المسيح ﴾ المدعو إلها وغيره فمن الذي يقدر على أن يدفعه عن مراده ومقدوره؟

والمراد بعطف من في الأرض على المسيح وأمه أنهما من جنسهم وشكلهم في الصورةوالخلقة والجسمية والتركيب وسائر الأعراض.

فلما سلمتم كونه  خالقاً لغيرهما وجب أن يكون خالقاً لهما ومتصرفاً فيهما.

وإنما قال: ﴿ وما بينهما ﴾ بعد ذكر السموات والأرض ولم يقل "بينهن" لأنه أراد الصنفين أو النوعين.

وفي قوله: ﴿ يخلق ما يشاء ﴾ وجهان: أحدهما يخلق تارة من ذكر وأنثى، وتارة من أنثى فقط كما في حق عيسى، وتارة من غير ذكر وأنثى كآدم  .

وثانيهما أن عيسى إذا قدر صورة الطير من الطين فإن الله  يخلق فيها اللحمية والحياة معجزة لعيسى، وكذا إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص ﴿ نحن أبناء الله وأحباؤه ﴾ قيل: عليه أن اليهود لا يقولون ذلك فكيف يجوز نقل ذلك عنهم؟

وأما النصارى فلا يقولون ذلك في حق أنفسهم.

وأجيب بأن المضاف محذوف أي نحن أبناء رسل الله أو أريد إن عناية الله  بحالهم أكمل وأشد من اعتناء الأب بالابن، أو اليهود زعموا أن عزيراً ابن الله، والنصارى أن المسيح ابن الله.

وقد يقول أقارب الملوك وحشمه نحن الملوك وغرضهم كونهم مختصين بذلك الشخص الذي هو الملك.

عن ابن عباس أن النبي  دعا جماعة من اليهود إلى دين الإسلام وخوفهم بعقاب الله فقالوا: كيف تخوفنا بعقاب الله ونحن أبناء الله أحباؤه؟

ومما يتلو النصارى في الإنجيل الذي لهم أن المسيح قال لهم: إني ذاهب إلى أبي وأبيكم.

ثم إنه  أبطل عليهم دعواهم بقوله: ﴿ قل فلم يعذبكم بذنوبكم ﴾ فسئل أن موضع الإلزام هو عذاب الدنيا فحينئذ تمكن المعارضة بوقعة أحد وبقتل أحباء الله كالحسن والحسين عليهما السلام أو عذاب الآخرة.

فالقوم ينكرون/ ذلك ولو كان مجرد إخبار محمد  كافياً لكان مجرد إخباره بأنهم كذبوا في ادّعاء أنهم أحباء الله كافياً ويصير الاستدلال ضائعاً.

وأجيب بأن محل الإلزام عذاب عاجل، والمعارضة بيوم أحد ساقطة لأنهم وإن ادعوا أنهم الأحباء لكنهم لم يدعوا أنهم الأبناء.

أو عذاب آجل واليهود والنصارى يعترفون بذلك وأنهم تمسهم النار أياماً معدودة.

ويمكن أن يقال: المراد مسخهم قردة وخنازير بل هذا الجواب أولى ليكون الاحتجاج عليهم بشيء قد دخل في الوجوه فلا يمكنهم الإنكار.

﴿ بل أنتم بشر من ﴾ جملة ﴿ من خلق يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ﴾ ليس لأحد عليه حق يوجب أن يغفر له ولا قدرة تمنعه من أن يعذبه، وباقي الآية تأكيد لهذا المعنى ﴿ يبيّن لكم ﴾ في محل النصب على الحال وفيه وجهان: أن يقدر المبين وهو الدين والشرائع وحسن حذفه لأن كل أحد يعلم أن الرسول إنما أرسل لبيان الشرائع، أو هو ما كنتم تخفون وحسن حذفه لتقدم ذكره وأن لا يقدر المبين.

والمعنى يبذل لكم البيان وحذف المفعول أعم فائدة.

وقوله: ﴿ على فترة ﴾ متعلق بـ ﴿ جاءكم ﴾ أو حال آخر.

قال ابن عباس: أي على حين فتور من إرسال الرسل وفي زمان انقطاع الوحي.

وسميت المدّة بين الرسولين من رسل الله فترة لفتور الدواعي في العمل بتلك الشرائع.

وكان بين عيسى  ومحمد  خمسمائة وستون أو ستمائة سنة.

وعن الكلبي: كان بين موسى وعيسى ألف وسبعمائة سنة وألف نبي، وبين عيسى  ومحمد  أربعة أنبياء، ثلاثة من بني إسرائيل وواحد من العرب خالد بن سنان العبسي.

وأما العنسي بالنون فهو المتنبىء الكاذب.

والمقصود أن الرسول بعث إليهم حين انطمست آثار الوحي وتطرق التحريف والتغير إلى الشرائع المتقدمة وكان ذلك عذراً ظاهراً في إعراض الخلق عن العبادات، لأن لهم أن يقولوا إلهنا عرفنا أنه لا بد من عبادات ولكنا ما عرفنا كيف نعبدك، فمن الله  عليهم بإزاحة هذه العلة وذلك قوله: ﴿ أن تقولوا ﴾ أي كراهة أن تقولوا: ﴿ ما جاءنا من بشير ولا نذير فقد جاءكم ﴾ أي لا تعتذورا فقد جاءكم.

والحاصل أن الفترة توجب الاحتياج إلى بعثة الرسل والله قادر على ذلك لأنه قادر على كل شيء، فكان يجب في حكمته ورحمته إرسال الرسل في الفترات إلزاماً للحجج وإقامة للبينات.

التأويل: جعل في أمة موسى  اثني عشر نقيباً، وجعل في هذه الأمة من النجباء البدلاء أربعين رجلاً كما قال  : "يكون في هذه الأمة أربعون على خلق إبراهيم وسبعة على خلق موسى وثلاثة على خلق عيسى  وواحد على خلق محمد  " وقال أبو عثمان المغربي: البدلاء أربعون, والأمناء سبعة، الخلفاء ثلاثة، والواحد هو القطب، والقطب عارف بهم جميعاً ويشرف عليهم ولا يعرفه أحد ولا يشرف عليه وهو إمام/ الأولياء، وهكذا حال الثلاثة مع السبعة والسبعة مع الأربعين، فإذا نقص من الأربعين واحد بدل مكانه واحد من غيرهم، وإذا نقص من السبعة واحد جعل مكانه واحد من الأربعين، وإذا نقص من الثلاثة واحد جعل مكانه واحد من السبعة، وإذا مضى القطب الذي به قوام أعداد الخلق جعل بدله واحد من الثلاثة هكذا إلى أن يأذن الله  في قيام الساعة ﴿ لئن أقمتم الصلاة ﴾ بأن تجعلها معراجك إلى الحق في درجات القيام والركوع والسجود والتشهد.

فبالقيام تتخلص عن حجب أوصاف الإنسانية وأعظمها الكبر وهو من خاصية النار، وبالركوع تتخلص عن حجب صفات الحيوانية وأعظمها الشهوة وهو من خاصية الهواء، وبالسجود تتخلص عن حجب طبيعة النبات وأعظمها الحرص على الجذب للنشؤ والنماء وهو من خاصية الماء، وبالتشهد تتخلص عن حجب طبع الجماد وأعظمها الجمود وهو خاصية التراب، فإذا تخلصت من هذه الحجب فقد أقمت الصلاة مناجياً ربك مشاهداً له كما قال  : " اعبد الله كأنك تراه" " ﴿ وآتيتم الزكاة ﴾ بأن تصرف ما زاد من روحانيتك بتعلق القالب في سبيل الله ﴿ وآمنتم برسلي ﴾ استسلمتم بالكلية لتصرفات النبوّة والرسالة ﴿ وأقرضتم الله ﴾ بالوجود كله ﴿ قرضاً حسناً ﴾ وهو أن يأخذ منكم وجوداً مجازياً فانياً ويعطيكم وجوداً حقيقاً باقياً كما يقول.

﴿ لأكفرن ﴾ لأسترن بالوجود الحقيقي ﴿ عنكم سيّآتكم ﴾ الوجود المجازي ﴿ ولأدخلنكم جنات ﴾ الوصلة ﴿ تجري من تحتها ﴾ أنهار العناية ﴿ ولا تزال تطلع على خائنة منهم ﴾ لأنّ العصيان يجر إلى العصيان ﴿ فأغرينا بينهم العداوة ﴾ حيث نسوا حظ الميثاق وأبطلوا الاستعداد الفطري صاروا كالسباع يتهارشون ويتجاذبون ﴿ يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ﴾ يجعل أقوماً مظهر لطفه وفضله وآخرين مظهر قهره وعدله وهو أعلم بعباده.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ بَنِيۤ إِسْرَآئِيلَ وَبَعَثْنَا مِنهُمُ ٱثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً ﴾ .

هذا - والله أعلم - تعليم من الله -  - هذه الأمة وإنباء من أنه قد أخذ العهود والمواثيق على الأمم السالفة، كما أخذ منكم؛ لأنه ذكر أنه: قد أخذ من هؤلاء الميثاق بقوله: ﴿ وَٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ ٱلَّذِي وَاثَقَكُم بِهِ...

﴾ الآية.

ثم أعلمهم بما وعد لهم من الثواب إن وفوا بتلك العهود والمواثيق التي أخذت عليهم، وبما أوعد لهم من العقاب إن نقضوا العهود التي أخذ عليهم؛ ليكونوا على حذر من نقضها، وليقيموا على وفائها.

أو أن يقال: إنه إنما ذكر ما أخذ على أولئك من العهود والمواثيق؛ ليكون ذلك آية من آيات رسالة نبينا محمد  ؛ لأنه إخبار عن الأمم السالفة، وهو لم يشهدها ولا حضرها؛ ليعلموا أنه إنما علم ذلك بالله.

ثم تحتمل تلك العهود والمواثيق التي أخذت عليهم: ما ذكر على أثرها وسياقها، وهو قوله -  -: ﴿ وَقَالَ ٱللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ ٱلصَّلاَةَ...

﴾ إلى آخر ما ذكر.

ويحتمل ما قال ابن عباس: ﴿ وَلَقَدْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ بَنِيۤ إِسْرَآئِيلَ ﴾ في التوراة: ألاَّ تشركوا به شيئا، وبالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله، وإحلال ما أحل الله، وتحريم ما حرم الله، وحسن مؤازرتهم.

﴿ وَبَعَثْنَا مِنهُمُ ٱثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً ﴾ ، يعني: ملكاً، وهم الذين بعثهم موسى إلى بيت المقدس؛ ليعلموا له علمها.

ويحتمل: أن يكونوا اختاروا من بينهم أولئك، فسألوا موسى أن يجعلهم عليهم قدوة يقتدون بهم ويعلمونهم الدين والأحكام، ويأخذ عليهم المواثيق والعهود؛ فيكون ما أخذ على أولئك من المواثيق والعهود عليهم، والله أعلم.

ثم اختلف في النقيب: قال بعضهم: النقيب: هو الملك، وهو قول ابن عباس.

وقال أبو عوسجة: النقيب: هو المنظور إليه، والمصدور عن رأيه، وهو من وجوه القوم، وجمعه: النقباء، مثل العرفاء.

وقال أبو عبيد: النقيب: الأمير والضامن على القوم.

وقال الكسائي والفراء يقال منه: نقبت عليه، أنقب، نقابة، وهو فرق العريف؛ يقال من العريف: عرفت عليهم عرافة، وهم النقباء والعرفاء.

والمناكب، واحدهم: منكب، وهم كالعون يكون مع العريف.

وقال القتبي: النقيب: الكفيل على القوم، والنقابة والنكابة: شبيهة بالعرافة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالَ ٱللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ ﴾ ، قال بعضهم: قال للنقباء: إني معكم في النصر والدفع عنكم، ﴿ لَئِنْ أَقَمْتُمُ ٱلصَّلاَةَ وَآتَيْتُمُ ٱلزَّكَاةَ...ِ ﴾ إلى آخر ما ذكر، وهو قول ابن عباس،  .

ويحتمل أن يكون هذا الوعد لكل من قام بوفاء ذلك: النقباء وغير النقباء، وما ذكر من الوعيد في الآية التي هي على أثر هذه على كل من نقض [ذلك] العهد: النقيب وغير النقيب.

ثم قوله: ﴿ لَئِنْ أَقَمْتُمُ ٱلصَّلاَةَ وَآتَيْتُمُ ٱلزَّكَاةَ ﴾ يحتمل وجهين: يحتمل: أنه أراد بالصلاة: الخضوع والثناء له، وبالزكاة: تزكية النفس وطهارتها، وذلك في العقل على كل أحد القيام به في كل وقت.

ويحتمل: أن يكون أراد بالصلاة والزكاة: الصلاة المعروفة المعهودة، والزكاة المعروفة؛ ففيه دليل وجوب الصلاة والزكاة على الأمم السالفة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَآمَنتُمْ بِرُسُلِي ﴾ .

يحتمل: أن تؤمنوا برسلي جميعاً، ولا تفرقوا بينهم: أن تكفروا ببعض وتؤمنوا ببعض؛ كقولهم: ﴿ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ  ﴾ .

﴿ وَعَزَّرْتُمُوهُمْ ﴾ .

قال القتبي وأبو عوسجة: وعزرتموهم، قالا: وعظمتموهم، والتعزير: التعظيم.

وقال بعضهم: نصرتموهم.

وعن ابن عباس -  - قال: "وعزرتموهم: أعنتموهم"، يعني: الأنبياء، عليهم السلام.

[{وَأَقْرَضْتُمُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً.

أي: صادقا من كل أنفسكم، ابتغى به وجه الله.

وقال بعضهم]: ﴿ وَأَقْرَضْتُمُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً ﴾ أي: محتسباً طيبة بها نفسه.

ويحتمل قوله: ﴿ وَأَقْرَضْتُمُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً ﴾ ، أي اجعلوا عند الله لأنفسكم أيادي محاسنَ؛ تستوجبون بذلك الثواب الجزيل، ثم قال: ﴿ لأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ ﴾ .

وعد لهم تكفير ما ارتكبوا من المآثم إذا قاموا بوفاء ما أخذ الله عليهم من المواثيق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذٰلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيل ﴾ .

قال بعضهم: فمن كفر بعد ذلك، أي: بعد المواثيق والعهود التي أخذ عليهم.

ويحتمل قوله: ﴿ فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذٰلِكَ ﴾ ، أي: من كفر، ﴿ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيل ﴾ ، أي: أخطأ قصد السبيل.

وقوله -  -: ﴿ فَبِمَا نَقْضِهِم ﴾ .

أي: فبنقضهم، قيل: ما زائدة، فبنقضهم ميثاقهم.

﴿ لَعنَّاهُمْ ﴾ .

يحتمل: ﴿ لَعنَّاهُمْ ﴾ ، أي: طردناهم، والملعون: هو المطرود عن كل خير.

ويحتمل: ﴿ لَعنَّاهُمْ ﴾ ، أي: دعونا عليهم باللعن.

﴿ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً ﴾ .

بما نزع منها الرحمة والرأفة؛ إذا نقضوا العهود وتركوا أمر الله؛ لأن الله -  - أخبر أنه جعل في قلوب الذين اتبعوا أمر الله وأطاعوا رسوله الرحمة والرأفة بقوله -  -: ﴿ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً  ﴾ ؛ فإذا نزعت الرحمة من قلوبهم صارت قاسية يابسة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ ﴾ .

يحتمل أن يكونوا يغيرون تأويله ويقولون: هذا من عند الله.

ويحتمل التحريف: تحريف النظم والمتلو، ومحوه، ويكتبون غيره.

﴿ وَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِرُواْ بِهِ ﴾ .

قيل: ضيعوا كتاب الله بين أظهرهم، ونقضوا عهده الذي عهد إليهم، وتركوا أمره.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مِّمَّا ذُكِرُواْ بِهِ ﴾ ، أي: وعظوا به، وقيل: تركوا نصيباً مما أمروا به في كتابهم من اتباع محمد  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىٰ خَآئِنَةٍ مِّنْهُمْ ﴾ .

إخبار عن تمردهم في المعاندة، وكونهم في الخيانة، وإياس عن إيمانهم، ثم استثنى فقال: ﴿ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمُ ﴾ .

وهم الذين أسلموا منهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱعْفُ عَنْهُمْ وَٱصْفَحْ ﴾ .

ولا تكافئهم لما آذوك.

ثم قال بعضهم: هو منسوخ بآية القتال في سورة براءة، وهو قوله -  -: ﴿ قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ...

﴾ الآية [التوبة: 29].

ويحتمل ﴿ فَٱعْفُ عَنْهُمْ وَٱصْفَحْ ﴾ إلى أن تؤمر بالقتال، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمِنَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَارَىٰ ﴾ .

عن الحسن قال: قال للنصارى: ﴿ كُونُوۤاْ أَنصَارَ ٱللَّهِ  ﴾ ؛ فقالوا: بل نكون نصارى؛ فذلك قوله: ﴿ إِنَّا نَصَارَىٰ أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُواْ حَظّاً مِّمَّا ذُكِرُواْ بِهِ ﴾ : ما من أحد يعقل إلا وقد أخذ الله - عز وجل - عليه العهد والميثاق، وقد أخذ الميثاق على المؤمنين بقوله -  -: ﴿ وَٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ ٱلَّذِي وَاثَقَكُم بِهِ...

﴾ الآية، وأخذ الميثاق على اليهود بقوله: ﴿ وَلَقَدْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ بَنِيۤ إِسْرَآئِيلَ...

﴾ الآية، وأخبر - أيضاً - أنه قد أخذ الميثاق على النصارى في هذه الآية بقوله -  -: ﴿ وَمِنَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَارَىٰ أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ ﴾ ، وقد تقدم ذكر الميثاق ومعناه في غير موضع.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَنَسُواْ حَظّاً مِّمَّا ذُكِرُواْ بِهِ ﴾ .

يحتمل هذا وجهين: يحتمل: أي تركوا حظهم مما أمروا به من التوحيد بالله، والإيمان بالرسل كلهم، والتمسك بكتاب الله -  وتعالى - والوفاء بالعهود التي عهد إليهم، فتركوا ذلك كله وضيعوا.

ويحتمل: ﴿ فَنَسُواْ حَظّاً مِّمَّا ذُكِرُواْ بِهِ ﴾ ، أي: لم يحفظوا ما وعظوا به.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ ﴾ .

قيل: ﴿ فَأَغْرَيْنَا ﴾ : ألقينا بينهم العداوة والبغضاء، قال الحسن: من حكم الله -  - أن يلقى بينهم العداوة والبغضاء، وأن يجعل قلوبهم قاسية، ومن حكمه أن يكون بين المسلمين رأفة ورحمة.

وقال بعض المعتزلة: قوله -  -: ﴿ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ ﴾ ، أي: خذلناهم، وتركناهم.

لكن هذا كله منهم احتيال، وفرار عما يلزمهم من سوء القول وقبحه؛ فيقال لهم: إن شئتم جعلتم خذلاناً، وإن شئتم تركاً، اجعلوا ما شئتم، ولكن هل كان من الله في ذلك صنع، أو أضاف ذلك [إلى نفسه] ولا صنع له في ذلك، وذلك الحرف على غير إثبات الفعل فيه أو شيء، حرف ذم لا يجوز أن يضيف ذلك إلى نفسه ولا فعل له في ذلك، ولا صنع؛ فدل أن له فيه صنعاً، وهو ما ذكرنا أن خلق ذلك منهم؛ وكذلك فيما أضاف إلى نفسه من جعل الرأفة والرحمة في قلوب المؤمنين؛ فلو لم يكن له في ذلك صنع لكان لا يضيف ذلك إلى نفسه، وذلك الحرف حرف الحمد والمدح؛ فدل أن له صنعاً، وهو أن خلق الرأفة والرحمة في قلوب المؤمنين، وخلق القساوة والعداوة في قلوب أولئك الكفرة، وبالله التوفيق.

وفي الآية دلالة إثبات رسالة نبينا محمد  ؛ لأنه أخبر أنه ألقى بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة، وأخبر ألا تزال تطلع على خائنة منهم، وكان كما قال، على علم منهم أنه لا يطلع على [ما في] قلوبهم من الخيانة والقساوة، وغير ذلك من الأمور؛ فدل أنه علم بالله ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ ٱللَّهُ ﴾ .

في الآخرة.

﴿ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ ﴾ في الدنيا، وهو قول ابن عباس.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ولقد أخذ الله العهد المؤكد على بني إسرائيل بما سيأتي ذكره قريبًا، وأقام عليهم اثني عشر رئيسًا، كل رئيس يكون ناظرًا على من تحته، وقال الله لبني إسرائيل: إني معكم بالنصر والتأييد إذا أديتم الصلاة على الوجه الأكمل، وأعطيتم زكاة أموالكم، وصَدَّقْتم برسلي جميعًا دون تفريق بينهم، وعظمتموهم، ونصرتموهم، وأنفقتم في وجوه الخير، فإذا قمتم بذلك كله لأكفرن عنكم السيئات التي ارتكبتموها، ولأدخلنكم يوم القيامة جنات تجري الأنهار من تحت قصورها، فمن كفر بعد أخذ هذا العهد الموثق عليه فقد تنكّب طريق الحق عالمًا عامدًا.

<div class="verse-tafsir" id="91.pyOq7"

مزيد من التفاسير لسورة المائدة

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
أستغفر الله