الإسلام > القرآن > سور > سورة 5 المائدة > الآية ٢٥ من سورة المائدة
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 83 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٢٥ من سورة المائدة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله : ( قال رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين ) يعني : لما نكل بنو إسرائيل عن القتال غضب عليهم موسى عليه السلام ، وقال داعيا عليهم : ( رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي ) أي : ليس أحد يطيعني منهم فيمتثل أمر الله ، ويجيب إلى ما دعوت إليه إلا أنا وأخي هارون ( فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين ) قال العوفي عن ابن عباس : يعني اقض بيني وبينهم .
وكذا قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس .
وكذا قال الضحاك : اقض بيننا وبينهم ، وافتح بيننا وبينهم ، وقال غيره : افرق : افصل بيننا وبينهم ، كما قال الشاعر : يا رب فافرق بينه وبيني أشد ما فرقت بين اثنين
القول في تأويل قوله جل ثناؤه : قَالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (25) قال أبو جعفر: وهذا خبر من الله جل وعز عن قيل قوم موسى حين قال له قومه ما قالوا، من قولهم: إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ = أنه قال عندَ ذلك، وغضب من قيلهم له، (5) داعيا: يا رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي= يعني بذلك، لا أقدر على أحد أن أحمله على ما أحب وأريد من طاعتك واتّباع أمرك ونهيك، إلا على نفسي وعلى أخي.
* * * = من قول القائل: " ما أملك من الأمر شيئا إلا كذا وكذا "، بمعنى: لا أقدر على شيء غيره.
(6) * * * ويعني بقوله: " فافرق بيننَا وبين القوم الفاسقين "، افصل بيننا وبينهم بقضاء منك تقضيه فينا وفيهم فتبعِدُهم منّا.
* * * =من قول القائل: " فَرَقت بين هذين الشيئين "، بمعنى: فصلت بينهما، من قول الراجز: (7) يَــا رَبِّ فــافْرُقْ بَيْنَــهُ وَبَيْنِـي أَشَــدَّ مَــا فَــرَّقْتَ بَيْـنَ اثْنَيْـنَ (8) * * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: 11686 - حدثني محمد بن سعد قال حدثني أبي قال، حدثني عمي &; 10-189 &; قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: " فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين "، يقول: اقض بيني وبينهم.
11687 - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: " فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين "، يقول: اقض بيننا وبينهم.
11688 - حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي، قال: غضب موسى صلى الله عليه وسلم حين قال له القوم: " اذهب أنت وربك فقاتلا إنّا هاهنا قاعدون "، فدعا عليهم فقال: " رب إنّي لا أملك إلا نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين "، وكانت عَجْلَةً من موسى عِجلها.
(9) 11689 - حدثت عن الحسين قال، سمعت أبا معاذ قال، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: " فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين "، يقول: اقض بيننا وبينهم، وافتح بيننا وبينهم= كلّ هذا يقول الرجل: " اقض بيننا " (10) فقضاء الله جل ثناؤه بينه وبينهم: أن سماهم " فاسقين ".
(11) * * * وعنى بقوله: " الفاسقين " الخارجين عن الإيمان بالله وبه إلى الكفر بالله وبه.
* * * وقد دللنا على أن معنى " الفسق "، الخروج من شيء إلى شيء، فيما مضى، بما أغنى عن إعادته.
(12) * * *
[ ص: 86 ] قوله تعالى : قال رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي لأنه كان يطيعه ، وقيل المعنى : إني لا أملك إلا نفسي ، ثم ابتدأ فقال : وأخي .
أي : وأخي أيضا لا يملك إلا نفسه ; فأخي على القول الأول في موضع نصب عطفا على نفسي ، وعلى الثاني في موضع رفع ، وإن شئت عطفت على اسم إن وهي الياء ; أي : إني وأخي لا نملك إلا أنفسنا ، وإن شئت عطفت على المضمر في أملك كأنه قال : لا أملك أنا وأخي إلا أنفسنا .
فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين يقال : بأي وجه سأله الفرق بينه وبين هؤلاء القوم ؟
ففيه أجوبة ; الأول : بما يدل على بعدهم عن الحق ، وذهابهم عن الصواب فيما ارتكبوا من العصيان ; ولذلك ألقوا في التيه .
الثاني : بطلب التمييز أي : ميزنا عن جماعتهم وجملتهم ولا تلحقنا بهم في العقاب ، وقيل المعنى : فاقض بيننا وبينهم بعصمتك إيانا من العصيان الذي ابتليتهم به ; ومنه قوله تعالى : فيها يفرق كل أمر حكيم أي : يقضى .
وقد فعل لما أماتهم في التيه ، وقيل : إنما أراد في الآخرة ، أي اجعلنا في الجنة ولا تجعلنا معهم في النار ; والشاهد على الفرق الذي يدل على المباعدة في الأحوال قول الشاعر :يا رب فافرق بينه وبيني أشد ما فرقت بين اثنينوروى ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن عبيد بن عمير أنه قرأ : " فافرق " بكسر الراء .
فلما رأى موسى عليه السلام عتوهم عليه { قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي } أي: فلا يدان لنا بقتالهم، ولست بجبار على هؤلاء.
{ فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ } أي: احكم بيننا وبينهم، بأن تنزل فيهم من العقوبة ما اقتضته حكمتك، ودل ذلك على أن قولهم وفعلهم من الكبائر العظيمة الموجبة للفسق.
( قال رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي ) [ قيل : معناه وأخي لا يملك إلا نفسه ، وقيل : معناه لا يطيعني إلا نفسي وأخي ] ( فافرق ) فافصل ، ( بيننا ) قيل : فاقض بيننا ، ( وبين القوم الفاسقين ) العاصين .
«قال» موسى حينئذ «رب إني لا أملك إلا نفسي و» إلا «أخي» ولا أملك غيرهما فاجبرهم على الطاعة «فافرق» فافصل «بيننا وبين القوم الفاسقين».
توجَّه موسى إلى ربه داعيًا: إني لا أقدر إلا على نفسي وأخي، فاحكم بيننا وبين القوم الفاسقين.
ولم يذكروا أخه هارون ولا الرجلين اللذين قالا ، كأنهم لم يجزموا بذهابهم ، أو يعبأوا بقتالهم وأرادوا بالعقود عدم التقدم لا عدم التأخر ثم قصت علينا السورة الكريمة أن موسى - عليه السلام - بعد أن رأى من قومه ما رأى من عناد وجبن ، لجأ إلى ربه يشكو إليه منهم ، يلتمس منه أن يفرق بينه وبينهم ، فقال : ( رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي فافرق بَيْنَنَا وَبَيْنَ القوم الفاسقين ) .أي : قال موسى باثا شكواه وحزنه إلى الله ، ومعتذرا إليه من فسوق قومه وسفاهتهم وجبنهم : رب إنك تعلم أني لا أملك لنصرة دينك أمر أحد ألزمه بطاعتك سوى أمر نفسي ، وأمر أخي هارون ، ولا ثقة لي في غيرنا أن يطيعك في العسر واليسر والمنشط والمكره .ولم يذكر الرجلين اللذين قالا لقومهما فيما سبق ( ادخلوا عَلَيْهِمُ الباب ) لعدم ثقته الكاملة في دخولهما معه أرض الجبارين ، وفي وقوفهما بجانبه عند القتال إذا تخلى بقية القوم عنه فإن بعض الناس كثيرا ما يقدم على القتال مع الجيش الكبير ، ولكنه قد يحجم إذا رأى أن عدد المجاهدين قليل .ومن هنا لم يذكر أنه يملك أمر هذين الرجلين كما يملك أمر نفسه وامر أخيه .وصرح موسى - عليه السلام - بأنه يملك أمر أخيه هارون كما يملك أمر نفسه ، لمؤازرته التامة له في كفاحه ظلم فرعون ، ولوقوفه إلى جانبه بعزيمة صادقة في كل موطن من مواطن الشدة وليقينه بأنه مؤيد بروح من الله - تعالى .قال صاحب الكشاف : فإن قلت : أما كان معه الرجلان المذكوران؟
قلت كأنه لم يثق بهما كل الوثوق ، ولم يطمئن إلى ثباتهما لما ذاق على طول الزمان واتصال الصحية من أحوال قومه ، وتلونهم وقسوة قلوبهم فلم يذكر إلا النبي المعصوم الذي لا شبهة في أمره .
ويجوز أن يكون قال ذلك لفرط ضجره عندما سمع منهم تقليلا لمن يوافقه .
ويجوز أن يريد ومن يؤاخيني على ديني .هذا وقد ذكر النحويون وجوها من الإِعراب لقوله ( وأخي ) منها : أنه منصوب عطفا على قوله : ( نفسي ) أي : ولا أملك إلا أخي مع ملكي نفسي دون غيرهما .وقوله - تعالى - : ( فافرق بَيْنَنَا وَبَيْنَ القوم الفاسقين ) بيان لما يرجوه موسى من ربه - عز وجل - بعد أن خرج بنو إسرائيل عن طاعته .والفاء هنا لترتيب الفرق والدعاء به على ما قبله .
والفرق معناه الفصل بين شيئين .والمعنى : قال موسى مخاطباً ربه : لقد علمت يا إلهي أني لا أملك لنصرة دينك إلا أمر نفسي وأمر أخي ، أما قومي فقد خرجوا عن طاعتي وفسقوا عن أمرك وما دام هذا شأنهم فافصل بيننا وبينهم بقضائك العادل ، بأن تحكم لنا بما نستحق ، وتحكم عليهم بما يستحقون فإنك أنت الحكم العدل بين العباد .
ثم إنه تعالى حكى عن موسى عليه السلام أنه لما سمع منهم هذا الكلام ﴿ قَالَ رَبّ إِنّى لا أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِى وَأَخِى ﴾ ذكر الزجاج في إعراب قوله: ﴿ وَأَخِى ﴾ وجهين: الرفع والنصب، أما الرفع فمن وجهين: أحدهما: أن يكون نسقاً على موضع ﴿ إِنّى ﴾ والمعنى أنا لا أملك إلا نفسي، وأخي كذلك ومثله قوله: ﴿ أَنَّ الله بَرِئ مّنَ المشركين وَرَسُولُهُ ﴾ والثاني: أن يكون عطفاً على الضمير في ﴿ أَمْلِكُ ﴾ وهو أنا والمعنى: لا أملك أنا وأخي إلا أنفسنا، وأما النصب فمن وجهين: أحدهما أن يكون نسقاً على الياء، والتقدير: إني وأخي لا نملك إلا أنفسنا، والثاني: أن يكون ﴿ أَخِى ﴾ معطوفاً على ﴿ نَفْسِى ﴾ فيكون المعنى لا أملك إلا نفسي، ولا أملك إلا أخي، لأن أخاه إذا كان مطيعاً له فهو مالك طاعته.
فإن قيل: لم قال لا أملك إلا نفسي وأخي، وكان معه الرجلان المذكوران؟
قلنا: كأنه لم يثق بهما كل الوثوق لما رأى من إطباق الأكثرين على التمرد، وأيضاً لعلّه إنما قال ذلك تقليلاً لمن يوافقه، وأيضاً يجوز أن يكون المراد بالأخ من يواخيه في الدين، وعلى هذا التقدير فكانا داخلين في قوله: ﴿ وَأَخِى ﴾ .
ثم قال: ﴿ فافرق بَيْنَنَا وَبَيْنَ القوم الفاسقين ﴾ يعني فافصل بيننا وبينهم بأن تحكم لنا بما نستحق وتحكم عليهم بما يستحقون، وهو في معنى الدعاء عليهم، ويحتمل أن يكون المراد خلصنا من صحبتهم، وهو كقوله: ﴿ وَنَجّنِى مِنَ القوم الظالمين ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
لما عصوه وتمرّدوا عليه وخالفوه وقالوا ما قالوا من كلمة الكفر ولم يبق معه مطيع موافق يثق له إلا هارون ﴿ قَالَ رَبّ إِنّى لا أَمْلِكُ ﴾ لنصرة دينك ﴿ إِلاَّ نَفْسِى وَأَخِى ﴾ وهذا من البث والحزن والشكوى إلى الله والحسرة ورقة القلب التي بمثلها تستجلب الرحمة وتستنزل النصرة ونحوه قول يعقوب عليه السلام ﴿ إِنَّمَا أَشْكُو بَثّى وَحُزْنِى إِلَى الله ﴾ [يوسف: 86] .
وعن عليّ رضي الله عنه أنه كان يدعو الناس على منبر الكوفة إلى قتال البغاة، فما أجابه إلا رجلان فتنفس الصعداء.
ودعا لهما وقال: أين تقعان مما أريد؟
وذكر في إعراب (أخي) وجوه: أن يكون منصوباً عطفاً على نفسي أو على الضمير في (إني) بمعنى: ولا أملك إلا نفسي وإن أخي لا يملك إلا نفسه.
ومرفوعا عطفاً على محل إن واسمها.
كأنه قيل: أنا لا أملك إلا نفسي، وهارون كذلك لا يملك إلا نفسه أو على الضمير في لا أملك.
وجاز للفصل.
مجروراً عطفاً على الضمير في نفسي، وهو ضعيف لقبح العطف على ضمير المجرور إلا بتكرير الجار.
فإن قلت: أما كان معه الرجلان المذكوران؟
قلت: كأنه لم يثق بهما كل الوثوق ولم يطمئن إلى ثباتهما، لما ذاق على طول الزمان واتصال الصحبة من أحوال قومه وتلونهم وقسوة قلوبهم، فلم يذكر إلا النبي المعصوم الذي لا شبهة في أمره، ويجوز أن يقول ذلك لفرط ضجره عندما سمع منهم تقليلاً لمن يوافقه.
ويجوز أن يريد: ومن يؤاخيني على ديني ﴿ فافرق ﴾ فافصل ﴿ بَيْنِنَا ﴾ وبينهم بأن تحكم لنا بما نستحق، وتحكم عليهم بما يستحقون، وهو في معنى الدعاء عليهم.
ولذلك وصل به قوله: ﴿ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ ﴾ على وجه التسبيب، أو فباعد بيننا وبينهم وخلصنا من صحبتهم كقوله: ﴿ وَنَجّنِى مِنَ القوم الظالمين ﴾ [القصص: 21] ﴿ فَإِنَّهَا ﴾ فإن الأرض المقدسة ﴿ مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ ﴾ لا يدخلونها ولا يملكونها، فإن قلت: كيف يوفق بين هذا وبين قوله: ﴿ الَّتِى كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ ﴾ [المائدة: 21] ؟
قلت: فيه وجهان، أحدهما: أن يراد كتبها لكم بشرط أن تجاهدوا أهلها فلمَّا أبوا الجهاد قيل: فإنها محرّمة عليهم.
والثاني: أن يراد فإنها محرّمة عليهم أربعين سنة، فإذا مضت الأربعون كان من كتب، فقد روي أن موسى سار بمن بقي من بني إسرائيل وكان يوشع على مقدمته ففتح أريحاء وأقام فيها ما شاء الله ثم قبض صلوات الله عليه.
وقيل: لما مات موسى بعث يوشع نبياً، فأخبرهم بأنه نبيّ الله، وأن الله أمره بقتال الجبابرة، فصدقوه وبايعوه وسار بهم إلى أريحاء وقتل الجبارين وأخرجهم، وصار الشام كله لبني إسرائيل.
وقيل: لم يدخل الأرض المقدسة أحد ممن قال: ﴿ إِنَّا لَنْ نَّدْخُلَهَا ﴾ وهلكوا في التيه ونشأت نواشيء من ذرّياتهم فقاتلوا الجبارين ودخلوها والعامل في الظرف إما (محرمة) وإما (يتيهون) ومعنى ﴿ يَتِيهُونَ فِي الأرض ﴾ يسيرون فيها متحيرين لا يهتدون طريقاً.
والتيه: المفازة التي يتاه فيها.
روى أنهم لبثوا أربعين سنة في ستة فراسخ يسيرون كل يوم جادين، حتى إذا سئموا وأمسوا إذا هم بحيث ارتحلوا عنه، وكان الغمام يظللهم من حرّ الشمس، ويطلع لهم عمود من نور بالليل يضيء لهم، وينزل عليهم المنّ والسلوى، ولا تطول شعورهم، وإذا ولد لهم مولود كان عليه ثوب كالظفر يطول بطوله.
فإن قلت: فلم كان ينعم عليهم بتظليل الغمام وغيره، وهم معاقبون؟
قلت: كما ينزل بعض النوازل على العصاة عركاً لهم، وعليهم مع ذلك النعمة متظاهرة.
ومثل ذلك مثل الوالد المشفق يضرب ولده ويؤذيه ليتأدب ويتثقف ولا يقطع عنه معروفه وإحسانه.
فإن قلت: هل كان معهم في التيه موسى وهارون عليهما السَّلام؟
قلت: اختلف في ذلك، فقيل لم يكونا معهم لأنه كان عقاباً، وقد طلب موسى إلى ربه أن يفرق بينهما وبينهم.
وقيل: كانا معهم إلا أنه كان ذلك روحاً لهما وسلامة، ولا عقوبة، كالنار لإبراهيم، وملائكة العذاب.
وروي أن هارون مات في التيه.
ومات موسى بعده فيه بسنة.
ودخل يوشع أريحاء بعد موته بثلاثة أشهر.
ومات النقباء في التيه بغتة، إلا كالب ويوشع ﴿ فَلاَ تَأْسَ ﴾ فلا تحزن عليهم لأنه ندم على الدعاء عليهم، فقيل: إنهم أحقاء لفسقهم بالعذاب، فلا تحزن ولا تندم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قالُوا يا مُوسى إنّا لَنْ نَدْخُلَها أبَدًا ﴾ نَفَوْا دُخُولَهم عَلى التَّأْكِيدِ والتَّأْبِيدِ.
ما ﴿ دامُوا فِيها ﴾ بَدَلٌ مِن أبَدًا بَدَلُ البَعْضِ.
﴿ فاذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا إنّا ها هُنا قاعِدُونَ ﴾ قالُوا ذَلِكَ اسْتِهانَةً بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وعَدَمَ مُبالاةٍ بِهِما، وقِيلَ تَقْدِيرُهُ اذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ يُعِينُكَ.
﴿ قالَ رَبِّ إنِّي لا أمْلِكُ إلا نَفْسِي وأخِي ﴾ قالَهُ شَكْوى بَثِّهِ وحُزْنِهِ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى لِما خالَفَهُ قَوْمُهُ وأيِسَ مِنهُمْ، ولَمْ يَبْقَ مَعَهُ مُوافِقٌ يَثِقُ بِهِ غَيْرُ هارُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ، والرَّجُلانِ المَذْكُورانِ وإنْ كانا يُوافِقانِهِ لَمْ يَثِقْ عَلَيْهِما لِما كابَدَ مِن تَلَوُّنِ قَوْمِهِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِأخِي مَن يُواخِينِي في الدِّينِ فَيَدْخُلانِ فِيهِ، ويُحْتَمَلُ نَصْبُهُ عَطْفًا عَلى نَفْسِي، أوْ عَلى اسْمِ أنَّ ورَفْعُهُ عَطْفًا عَلى الضَّمِيرِ في لا أمْلِكُ، أوْ عَلى مَحَلِّ إنَّ واسْمِها، وجَرُّهُ عِنْدَ الكُوفِيِّينَ عَطْفًا عَلى الضَّمِيرِ في نَفْسِي.
﴿ فافْرُقْ بَيْنَنا وبَيْنَ القَوْمِ الفاسِقِينَ ﴾ بِأنْ تَحْكُمَ لَنا بِما نَسْتَحِقُّهُ وتَحْكُمَ عَلَيْهِمْ بِما يَسْتَحِقُّونَهُ، أوْ بِالتَّبْعِيدِ بَيْنَنا وبَيْنَهم وتَخْلِيصِنا مِن صُحْبَتِهِمْ.
<div class="verse-tafsir"
{قَالَ رَبّ إِنّى لا أَمْلِكُ} لنصرة دينك {إِلاَّ نَفْسِى وَأَخِى} وهو منصوب بالعطف على نفسي أو على اسم إن أي إني لا أملك إلا نفسي وإن أخي لا يملك إلا نفسه أو مرفوع بالعطف على محل ان واسمها أو على الضمير في لا أملك وجاز للفصل أي ولا يملك أخي إلا نفسه أو هو مبتدأ والخبر محذوف أي وأخي كذلك وهذا من البث والشكوى إلى الله ورقة القلب التي بمثلها تستجلب الرحمة وتستنزل النصرة وكأنه لم يثق بالرجلين المذكورين كل الوثوق فلم يذكر إلا النبي المعصوم أو أراد ومن يؤاخيني على ديني {فافرق بَيْنَنَا وَبَيْنَ القوم الفاسقين} فافصل بيننا وبينهم بأن تحكم لنا بما وعدتنا وتحكم عليهم بما هم أهله وهو في معنى الدعاء عليهم أو فباعد بيننا وبينهم وخلصنا من صحبتهم كفوله ونجنى من القوم الظالمين
﴿ قالَ ﴾ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا رَأى مِنهم ما رَأى مِنَ العِنادِ عَلى طَرِيقِ البَثِّ والحُزْنِ والشَّكْوى إلى اللَّهِ تَعالى مَعَ رِقَّةِ القَلْبِ الَّتِي بِمِثْلِها تُسْتَجْلَبُ الرَّحْمَةُ، وتُسْتَنْزَلُ النُّصْرَةُ، فَلَيْسَ القَصْدُ إلى الإخْبارِ، وكَذا كُلُّ خَبَرٍ يُخاطَبُ بِهِ عَلّامُ الغُيُوبِ يُقْصَدُ بِهِ مَعْنًى سِوى إفادَةِ الحُكْمِ أوْ لازِمِهِ، فَلَيْسَ قَوْلُهُ رَدًّا لِما أمَرَ اللَّهُ تَعالى بِهِ، ولا اعْتِذارًا عَنْ عَدَمِ الدُّخُولِ ﴿ رَبِّ إنِّي لا أمْلِكُ إلا نَفْسِي وأخِي ﴾ هارُونَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وهو عَطْفٌ عَلى ( نَفْسِي ) أيْ: لا يُجِيبُنِي إلى طاعَتِكَ، ويُوافِقُنِي عَلى تَنْفِيذِ أمْرِكَ سِوى نَفْسِي وأخِي، ولَمْ يَذْكُرِ الرَّجُلَيْنِ اللَّذَيْنِ أنْعَمَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِما - وإنْ كانا يُوافِقانِهِ إذا دَعا - لِما رَأى مِن تَلَوُّنِ القَوْمِ، وتَقَلُّبِ آرائِهِمْ، فَكَأنَّهُ يَثِقُ بِهِما، ولَمْ يَعْتَمِدْ عَلَيْهِما.
وقِيلَ: لَيْسَ القَصْدُ إلى القَصْرِ، بَلْ إلى بَيانِ قِلَّةِ مَن يُوافِقُهُ، تَشْبِيهًا لِحالِهِ بِحالِ مَن لا يَمْلِكُ إلّا نَفْسَهُ وأخاهُ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِأخِي مَن يُؤاخِينِي في الدِّينِ، فَيَدْخُلانِ فِيهِ، ولا يَتِمُّ إلّا بِالتَّأْوِيلِ بِكُلِّ مُؤاخٍ لَهُ في الدِّينِ أوْ بِجِنْسِ الأخِ، وفِيهِ بُعْدٌ.
ويَجُوزُ في ( أخِي ) وُجُوهٌ أُخَرُ مِنَ الإعْرابِ: الأوَّلُ أنَّهُ مَنصُوبٌ بِالعَطْفِ عَلى اسْمِ ( إنَّ ).
الثّانِي أنَّهُ مَرْفُوعٌ بِالعَطْفِ عَلى فاعِلِ ( أمْلِكُ ) لِلْفَصْلِ.
الثّالِثُ أنَّهُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ.
الرّابِعِ أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى مَحَلِّ اسْمِ ( إنَّ ) البَعِيدِ؛ لِأنَّهُ بَعْدَ اسْتِكْمالِ الخَبَرِ، والجُمْهُورُ عَلى جَوازِهِ حِينَئِذٍ.
الخامِسُ أنَّهُ مَجْرُورٌ بِالعَطْفِ عَلى الضَّمِيرِ المَجْرُورِ عَلى رَأْيِ الكُوفِيِّينَ.
ثُمَّ لا يَلْزَمُ عَلى بَعْضِ الوُجُوهِ الِاتِّحادُ في المَفْعُولِ، بَلْ يُقَدَّرُ لِلْمَعْطُوفِ مَفْعُولٌ آخَرُ، أيْ وأخِي إلّا نَفْسَهُ، فَلا يَرِدُ ما قِيلَ: إنَّهُ يَلْزَمُ مِن عَطْفِهِ عَلى اسْمِ ( إنَّ ) أوْ فاعِلِ ( أمْلِكُ ) أنَّ مُوسى وهارُونَ - عَلَيْهِما السَّلامُ - لا يَمْلِكانِ إلّا نَفْسَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَقَطْ، ولَيْسَ المَعْنى عَلى ذَلِكَ كَما لا يَخْفى، ولَيْسَ مِن عَطْفِ الجُمَلِ بِتَقْدِيرِ: ولا يَمْلِكُ أخِي إلّا نَفْسَهُ كَما تُوُهِّمَ، وتَحْقِيقُهُ أنَّ العَطْفَ عَلى مَعْمُولِ الفِعْلِ لا يَقْتَضِي إلّا المُشارَكَةَ في مَدْلُولِ ذَلِكَ ومَفْهُومِهِ الكُلِّيِّ لا الشَّخْصِيِّ المُعَيَّنِ بِمُتَعَلِّقاتِهِ المَخْصُوصَةِ، فَإنَّ ذَلِكَ إلى القَرائِنِ.
﴿ فافْرُقْ بَيْنَنا ﴾ يُرِيدُ نَفْسَهُ وأخاهُ - عَلَيْهِما الصَّلاةُ السَّلامُ - والفاءُ لِتَرْتِيبِ الفَرْقِ، والدُّعاءِ بِهِ عَلى ما قَبْلَهُ، وقُرِئَ ( فافْرِقْ ) بِكَسْرِ الرّاءِ.
﴿ وبَيْنَ القَوْمِ الفاسِقِينَ ﴾ أيِ الخارِجِينَ عَنْ طاعَتِكَ، بِأنْ تَحْكُمَ لَنا بِما نَسْتَحِقُّهُ، وعَلَيْهِمْ بِما يَسْتَحِقُّونَهُ، كَما هو المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والضَّحّاكِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم - وقالَ الجُبّائِيُّ: سَألَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - رَبَّهُ أنْ يَفْرُقَ بِالتَّبْعِيدِ في الآخِرَةِ بِأنْ يَجْعَلَهُ وأخاهُ في الجَنَّةِ ويَجْعَلَهم في النّارِ، وإلى الأوَّلِ ذَهَبَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ، ويُرَجِّحُهُ تَعْقِيبُ الدُّعاءَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قالَ فَإنَّها ﴾ فَإنَّ الفاءَ فِيهِ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها مِنَ الدُّعاءِ، فَكانَ ذَلِكَ إثْرَ الدُّعاءِ، ونَوْعٌ مِنَ المَدْعُوِّ بِهِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: إنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - غَضِبَ حِينَ قالَ لَهُ القَوْمُ ما قالُوا، فَدَعا، وكانَ ذَلِكَ عَجَلَةً مِنهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَجِلَها، فَلَمّا ضُرِبَ عَلَيْهِمُ التِّيهُ نَدِمَ فَأوْحى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ ﴿ فَلا تَأْسَ عَلى القَوْمِ الفاسِقِينَ ﴾ والضَّمِيرُ المَنصُوبُ عائِدٌ إلى الأرْضِ المُقَدَّسَةِ، أيْ فَإنَّها لِدُعائِكَ ﴿ مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ ﴾ لا يَدْخُلُونَها ولا يَمْلِكُونَها، والتَّحْرِيمُ تَحْرِيمُ مَنعٍ لا تَحْرِيمُ تَعَبُّدٍ، ومِثْلُهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ يَصِفُ فَرَسَهُ: جالَتْ لِتَصْرِعَنِي فَقُلْتُ لَها اقْصُرِي إنِّي امْرُؤٌ صَرْعِي عَلَيْكِ حَرامُ يُرِيدُ: إنِّي فارِسٌ لا يُمْكِنُكِ أنْ تَصْرِعِينِي.
وجَوَّزَ أبُو عَلِيٍّ الجُبّائِيُّ - وإلَيْهِ يُشِيرُ كَلامُ البَلْخِيِّ - أنْ يَكُونَ تَحْرِيمَ تَعَبُّدٍ، والأوَّلُ أظْهَرُ.
﴿ أرْبَعِينَ سَنَةً ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ( مُحَرَّمَةٌ ) فَيَكُونُ التَّحْرِيمُ مُؤَقَّتًا لا مُؤَبَّدًا، فَلا يَكُونُ مُخالِفًا لِظاهِرِ قَوْلِهِ تَعالى: ( كَتَبَ اللَّهُ لَكم ) والمُرادُ بِتَحْرِيمِها عَلَيْهِمْ أنَّهُ لا يَدْخُلُها أحَدٌ مِنهم هَذِهِ المُدَّةَ، لَكِنْ لا بِمَعْنى إنَّ كُلَّهم يَدْخُلُونَها بَعْدَها، بَلْ بَعْضُهم مِمَّنْ بَقِيَ حَسْبَما رُوِيَ أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - سارَ بِمَن بَقِيَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ إلى الأرْضِ المُقَدَّسَةِ، وكانَ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ عَلى مُقَدِّمَتِهِ فَفَتَحَها، وأقامَ بِها ما شاءَ اللَّهُ تَعالى ثُمَّ قُبِضَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ ومُجاهِدٍ، وقِيلَ: لَمْ يَدْخُلْها أحَدٌ مِمَّنْ قالَ: ( لَنْ نَدْخُلَها أبَدًا ) وإنَّما دَخَلَها مَعَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - النَّواشِئُ مِن ذُرِّيّاتِهِمْ، وعَلَيْهِ فالمُؤَقَّتُ بِالأرْبَعِينَ في الحَقِيقَةِ تَحْرِيمُها عَلى ذُرِّيّاتِهِمْ، وإنَّما جُعِلَ تَحْرِيمًا عَلَيْهِمْ لِما بَيْنَهُما مِنَ العَلاقَةِ التّامَّةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَتِيهُونَ في الأرْضِ ﴾ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ كَيْفِيَّةِ حِرْمانِهِمْ، وقِيلَ: حالٌ مِن ضَمِيرِ ( عَلَيْهِمْ ) والتِّيهُ: الحَيْرَةُ، ويُقالُ: تاهَ يَتِيهُ ويَتُوهُ، وهو أتْوَهُ وأتْيَهُ فَهو مِمّا تَداخَلَ فِيهِ الواوُ والياءُ، والمَعْنى يَسِيرُونَ مُتَحَيِّرِينَ، وحَيْرَتُهم عَدَمُ اهْتِدائِهِمْ لِلطَّرِيقِ.
وقِيلَ: الظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِـ( يَتِيهُونَ ) ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ قَتادَةَ، فَيَكُونُ التِّيهُ مُؤَقَّتًا، والتَّحْرِيمُ مُطْلَقًا يَحْتَمِلُ التَّأْبِيدَ وعَدَمَهُ، وكانَ مَسافَةُ الأرْضِ الَّتِي تاهُوا فِيها ثَلاثِينَ فَرْسَخًا في عَرْضِ تِسْعَةِ فَراسِخَ كَما قالَ مُقاتِلٌ، وقِيلَ: اثْنَيْ عَشَرَ فَرْسَخًا في عَرْضِ سِتَّةِ فَراسِخَ، وقِيلَ: سِتَّةٌ في عَرْضِ تِسْعَةٍ، وقِيلَ: كانَ طُولُها ثَلاثِينَ مِيلًا في عَرْضِ سِتَّةِ فَراسِخَ، وهي ما بَيْنَ مِصْرَ والشّامِ، وذُكِرَ أنَّهم كانُوا سِتَّمِائَةِ ألْفِ مُقاتِلٍ، وكانُوا يَسِيرُونَ فَيُصْبِحُونَ حَيْثُ يُمْسُونَ، ويُمْسُونَ حَيْثُ يُصْبِحُونَ، كَما قالَهُالحَسَنُ ومُجاهِدٌ.
قِيلَ: وحِكْمَةُ ابْتِلائِهِمْ بِالتِّيهِ أنَّهم لَمّا قالُوا: ﴿ إنّا ها هُنا قاعِدُونَ ﴾ عُوقِبُوا بِما يُشْبِهُ القُعُودَ، وكانَ أرْبَعِينَ سَنَةً؛ لِأنَّها غايَةُ زَمَنٍ يَرْعَوِي فِيهِ الجاهِلُ.
وقِيلَ: لِأنَّهم عَبَدُوا العِجْلَ أرْبَعِينَ يَوْمًا، فَجُعِلَ عِقابُ كُلِّ يَوْمٍ سَنَةً في التِّيهِ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وكانَ ذَلِكَ مِن خَوارِقِ العاداتِ، إذِ التَّحَيُّرُ في مِثْلِ تِلْكَ المَسافَةِ عَلى عُقَلاءَ كَثِيرِينَ هَذِهِ المُدَّةَ الطَّوِيلَةَ مِمّا تُحِيلُهُ العادَةُ، ولَعَلَّ ذَلِكَ كانَ بِمَحْوِ العَلاماتِ الَّتِي يُسْتَدَلُّ بِها، أوْ أُلْقِيَ شَبَهُ بَعْضِها عَلى بَعْضٍ.
وقالَ أبُو عَلِيٍّ الجُبّائِيُّ: إنَّهُ كانَ بِتَحَوُّلِ الأرْضِ الَّتِي هم عَلَيْها وقْتَ نَوْمِهِمْ، ويُغْنِي اللَّهُ تَعالى عَنْ قَبُولِهِ.
ورُوِيَ أنَّهُ كانَ الغَمامُ يُظِلُّهم مِن حَرِّ الشَّمْسِ، ويَنْزِلُ عَلَيْهِمُ المَنُّ والسَّلْوى، وجُعِلَ مَعَهم حَجَرُ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - يَتَفَجَّرُ مِنهُ الماءُ دَفْعًا لِعَطَشِهِمْ، قِيلَ: ويَطْلُعُ بِاللَّيْلِ عَمُودٌ مِن نُورٍ يُضِيءُ لَهُمْ، ولا يَطُولُ شَعَرُهُمْ، ولا تُبْلى ثِيابُهُمْ، كَما رُوِيَ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ، وكانَتْ تَشِبُّ مَعَهم إذا شَبُّوا كَما رُوِيَ عَنْ طاوُسٍ.
وذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ القُصّاصِ أنَّهم كانُوا إذا وُلِدَ لَهم مَوْلُودٌ كانَ عَلَيْهِ ثَوْبٌ كالظُّفْرِ يَطُولُ بِطُولِهِ، ولا يَبْلى، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا ذَكَرُوهُ.
والعادَةُ تُبْعِدُ كَثِيرًا مِنهُ، فَلا يُقْبَلُ إلّا ما صَحَّ عَنِ اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - ولَقَدْ سَألْتُ بَعْضَ أحْبارِ اليَهُودِ عَنْ لِباسِ بَنِي إسْرائِيلَ في التِّيهِ؟
فَقالَ: إنَّهم خَرَجُوا مِن مِصْرَ ومَعَهُمُ الكَثِيرُ مِن ثِيابِ القِبْطِ وأمْتِعَتِهِمْ، وحَفِظَها اللَّهُ تَعالى لِكِبارِهِمْ وصِغارِهِمْ، فَذَكَرْتُ لَهُ حَدِيثَ الظُّفْرِ فَقالَ: لَمْ نَظْفَرْ بِهِ، وأنْكَرَهُ، فَقُلْتُ لَهُ: هي فَضِيلَةٌ فَهَلّا أثْبَتَّها لِقَوْمِكَ؟
فَقالَ: لا أرْضى بِالكَذِبِ ثَوْبًا.
واسْتُشْكِلَ مُعامَلَتُهم بِهَذِهِ النِّعَمِ مَعَ مُعاقَبَتِهِمْ بِالحَيْرَةِ، وأُجِيبَ بِأنَّ تِلْكَ المُعاقَبَةَ مِن كَرَمِهِ تَعالى، وتَعْذِيبُهم إنَّما كانَ لِلتَّأْدِيبِ، كَما يَضْرِبُ الرَّجُلُ ولَدَهُ مَعَ مَحَبَّتِهِ لَهُ، ولا يَقْطَعُ عَنْهُ مَعْرُوفَةُ، ولَعَلَّهُمُ اسْتَغْفَرُوا مِنَ الكُفْرِ إذا كانَ قَدْ وقَعَ مِنهُمْ، وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ مُوسى وهارُونَ - عَلَيْهِما السَّلامُ - كانا مَعَهم في التِّيهِ، لَكِنْ لَمْ يَنَلْهُما مِنَ المَشَقَّةِ ما نالَهُمْ، وكانَ ذَلِكَ لَهُما رَوْحًا وسَلامَةً كالنّارِ لِإبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ولَعَلَّ الرَّجُلَيْنِ أيْضًا كانا كَذَلِكَ.
ورُوِيَ أنَّ هارُونَ ماتَ في التِّيهِ، واتُّهِمَ بِهِ مُوسى - عَلَيْهِما السَّلامُ - فَقالُوا: قَتَلَهُ لِحُبِّنا لَهُ، فَأحْياهُ اللَّهُ تَعالى بِتَضَرُّعِهِ فَبَرَّأهُ مِمّا يَقُولُونَ، وعادَ إلى مَضْجَعِهِ، وماتَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بَعْدَهُ بِسَنَةٍ، وقِيلَ: بِسِتَّةِ أشْهُرٍ ونِصْفٍ، وقِيلَ: بِثَمانِيَةِ أعْوامٍ، ودَخَلَ يُوشَعُ أرِيحاءَ بَعْدَهُ بِثَلاثَةِ أشْهُرٍ، وقالَ قَتادَةُ: بِشَهْرَيْنِ، وكانَ قَدْ نُبِّئَ قَبْلُ بِمَن بَقِيَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، ولَمْ يَبْقَ المُكَلَّفُونَ وقْتَ الأمْرِ مِنهُمْ، قِيلَ: ولا يُساعِدُهُ النَّظْمُ الكَرِيمُ؛ فَإنَّهُ بَعْدَما قَبِلَ دَعْوَتَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى بَنِي إسْرائِيلَ وعَذَّبَهم بِالتِّيهِ بَعِيدٌ أنْ يَنْجُوَ مَن نَجا، ويُقَدَّرَ وفاةُ النَّبِيَّيْنِ - عَلَيْهِما السَّلامُ - في مَحَلِّ العُقُوبَةِ ظاهِرًا، وإنْ كانَ ذَلِكَ لَهُما مَنزِلَ رَوْحٍ وراحَةٍ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الأخْبارَ بِمَوْتِهِما - عَلَيْهِما السَّلامُ - بِالتِّيهِ كَثِيرَةٌ، لا سِيَّما الأخْبارُ بِمَوْتِ هارُونَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ولا أرىَ لِلِاسْتِبْعادِ مَحَلًّا، ولَعَلَّ ذَلِكَ أنْكى لِبَنِي إسْرائِيلَ.
وقِيلَ: إنَّهُما - عَلَيْهِما السَّلامُ - لَمْ يَكُونا مَعَ بَنِي إسْرائِيلَ في التِّيهِ، وأنَّ الدُّعاءَ - وقَدْ أُجِيبَ - كانَ بِالفَرْقِ بِمَعْنى المُباعَدَةِ في المَكانِ بِالدُّنْيا، وأرى هَذا القَوْلَ مِمّا لا يَكادُ يَصِحُّ؛ فَإنَّ كَثِيرًا مِنَ الآياتِ كالنَّصِّ في وُجُودِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَعَهم فِيهِ كَما لا يَخْفى.
﴿ فَلا تَأْسَ ﴾ أيْ فَلا تَحْزَنْ لِمَوْتِهِمْ، أوْ لِما أصابَهم فِيهِ، مِنَ الأسى وهو الحُزْنُ.
﴿ عَلى القَوْمِ الفاسِقِينَ ﴾ الَّذِينَ اسْتُجِيبَ لَكَ في الدُّعاءِ عَلَيْهِمْ لِفِسْقِهِمْ، فالخِطابُ لِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - كَما هو الظّاهِرُ، وإلَيْهِ ذَهَبَ أجِلَّةُ المُفَسِّرِينَ.
وقالَ الزَّجّاجُ: إنَّهُ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - والمُرادُ بِالقَوْمِ الفاسِقِينَ مُعاصِرُوهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ السَّلامُ - مِن بَنِي إسْرائِيلَ، كَأنَّهُ قِيلَ: هَذِهِ أفْعالُ أسْلافِهِمْ فَلا تَحْزَنْ أنْتَ بِسَبَبِ أفْعالِهِمُ الخَبِيثَةِ مَعَكَ ورَدِّهِمْ عَلَيْكَ؛ فَإنَّهم ورِثُوا ذَلِكَ عَنْهم.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ يعني: احفظوا منة الله عليكم ونعمته إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ قال في رواية الكلبي: يعني السبعين سوى موسى وهارون عليهما السلام، وهم الذين اختارهم موسى فانطلقوا معه إلى الجبل.
ويقال: إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ يعني في بني إسرائيل، فكان فيهم أربعة آلاف نبي- عليهم السلام- ثم قال: وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً يعني: بعد العبودية لفرعون.
قال ابن عباس: إن الرجل إذا لم يدخل عليه أحد في بيته إلا بإذنه فهو ملك.
وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد أنه قال: وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً أي جعل لكم أزواجاً وخدماً وبيوتاً وبنين.
ويقال: من استغنى عن غيره فهو ملك.
وهذا كما قال النبي : «مَنْ أَصْبَحَ آمِناً فِي سِرْبِهِ مُعَافًى فِي بَدَنِهِ وَلَهُ قُوتُ يَوْمِهِ فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا» ثم قال: وَآتاكُمْ ما لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ يعني أعطاكم ما لم يعط أحداً من الخلق، وهو: المن والسلوى والغمام وغير ذلك.
ثم قال عز وجل: يا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ يعني المطهرة، والمقدسة في اللغة هو المكان الذي يتطهر فيه، فتأويله البيت الذي يتطهر فيه الإنسان من الذنوب.
ثم قال: الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ يعني التي أمركم الله أن تدخلوها.
ويقال: التي وعد لإبراهيم أن يكون ذلك له ولذريته، وذلك أن الله وعد لإبراهيم أن يكون له مقدار ما يمد بصره فصار ذلك ميراثاً منه حين خرج إبراهيم- - فقال له جبريل: انظر يا إبراهيم.
فنظر فقال: يعطي الله تعالى لك ولذريتك مقدار مد بصرك من الملك.
وهي أرض فلسطين وأردن وما حولهما.
فقال موسى لقومه: ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ يعني التي جعل لأبيكم إبراهيم- - ولكم ميراث منه وقال القتبي: أصل الكتاب ما كتب الله تعالى في اللوح المحفوظ، ثم يتفرع منه المعاني.
ويقال: كتب يعني قضى كما قال: قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنا [التوبة: 51] ويقال: كتب أي فرض كما قال: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ أي فرض ويقال: كُتِبَ عَلَيْكُمُ أي جعل كما قال: فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ ويقال: كتب أي أمر.
كما قال: ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ يعني أمر الله لكم بدخولها.
قال: ويقال كتب هاهنا بمعنى جعل.
ثم قال تعالى: وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ يعني لا ترجعوا عما أمرتم به من الدخول فَتَنْقَلِبُوا أي فتصيروا خاسِرِينَ بفوات الدرجات ووجوب الدركات، أي مغبونين في العقوبة، فبعث موسى- - اثني عشر رجلاً من كل سبط رجلاً يأتيهم بخبر الجبارين، فلما أتوهم لقيهم بعض أصحاب تلك المدينة جاءوا وأخذوا أصحاب موسى، فجعل كل رجل رجلين من أصحاب موسى- - في كمه، حتى جاءوا بهم إلى الملك.
ويقال: لقيهم رجل واحد اسمه «عوج» ، فاحتملهم في ثوبه وأتى بهم حتى ألقاهم بين يدي الملك فنظر إليهم وقال: هؤلاء يريدون أن يأخذوا مدينتنا.
فأراد قتلهم فقالت امرأته: أيش تصنع بقتل هؤلاء الضعفاء؟
ويكفيهم ما رأوا من أمر القوم وأمر هذه البلدة.
فأنعِم عليهم ودعهم حتى يرجعوا ويذهبوا إلى موسى وقومه بالخبر، فأرسلهم الملك وأعطاهم عنقوداً من العنب فحملوه على عمودين، فرجعوا إلى موسى- - وقالوا فيما بينهم: لا تخبروا قوم موسى بهذا الخبر، فإنهم يجبنون عن القتال، والله تعالى قد وعد لموسى بأن يفتح عليهم هذه البلدة، ولا تخبروا أحداً سوى موسى.
فلما رجعوا أخبروا بخبرهم إلا اثنين منهم وهما يوشع بن نون وكالب بن يوقنا.
فلما أمر موسى قومه بدخول البلدة قالُوا يَا مُوسى إِنَّ فِيها قَوْماً جَبَّارِينَ قال مقاتل: يعني طول كل رجل منهم ستة أذرع ونصف.
وقال الكلبي: طول كل رجل منهم ثمانون ذراعاً.
وقال الزجاج: الجبار من الآدميين العاتي، وهو الذي يجبر الناس على ما يريد.
ثم قال تعالى: وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَها حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْها يعني من تلك البلدة، وهي الأرض المقدسة واسمها إيلياء.
ويقال مدينة أخرى يقال لها أريحا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنَّا داخِلُونَ قالَ رَجُلانِ يعني يوشع بن نون وكالب مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ الله تعالى أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا بالإسلام، ويقال من الذين يخافون الجبارين أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا فلم يخافا وصدقا في مقالتهما ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبابَ وهي أريحا أو إيلياء فَإِذا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غالِبُونَ يعني أن القوم إذا رأوا كثرتكم انكسرت قلوبهم وانقطعت ظهورهم، فتكونوا غالبين وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا يعني فثقوا بأنه ناصركم إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ يعني: مصدقين بوعد الله تعالى، فقال لهم موسى: ادخلوا عليهم قالُوا يَا مُوسى أتصدق اثنين وتكذب العشرة إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَداً مَّا دامُوا فِيها فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا يعني: قل لربك أن ينصرك عليهم كما نصرك على فرعون.
وقال أبو عبيدة: يعني اذهب فقاتل وليقاتل معك ربك، وليتم أمرك كما أتم قبل ذلك فهو يعينك، فإنا لا نستطيع قتال الجبابرة.
ويقال: فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ يعني أنت وسيدك هارون، لأن هارون كان أكبر منه بسنتين أو بثلاث سنين فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ فغضب موسى- - مِنَ قولهم قالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي هارون.
وقال الزجاج: لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي يحتمل معنيين، أحدهما: لا أملك إلا نفسى، وأخي لا يملك إلا نفسه.
ويحتمل: لا أملك إلا نفسي وأخي، لأن أخاه كان مطيعاً له فهو يملك طاعته.
ثم قال: فَافْرُقْ بَيْنَنا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ يعني: اقضِ بيننا وبين القوم العاصين.
ثم قال الله تعالى: فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ يعني الأرض المقدسة، دخولها محرم عليهم أَرْبَعِينَ سَنَةً ثم قال: يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ ضلالاً يعني: يتحيرون فيها ولا يعرفون وجه الخروج منها ضلالاً في التيه.
ويقال: فإنها محرمة عليهم، وتم الكلام.
ثم قال أربعين سنة يتيهون في الأرض، فعمي عليهم السبيل، فحبسهم بالنهار وسيّرهم بالليل، يسهرون ليلتهم ويصبحون حيث أمسوا، وكان التيه بين فلسطين وأيلة ست فراسخ في اثني عشر فرسخاً، فمكثوا فيها أربعين سنة لم يقدروا على الخروج منها.
قال بعضهم: لم يكن موسى وهارون عليهما السلام في التيه، لأن الأنبياء لا يعذبون وقال بعضهم: كانا فيه وسهل الله تعالى عليهما كما سهل على إبراهيم- - النار، وجعلها برداً وسلاماً.
ويقال: إن موسى وهارون قد ماتا في التيه، وهلكت تلك العصابة ولم يبقَ منهم إلا يوشع وكالب، فخرج يوشع بذرياتهم إلى تلك المدينة، وفتحوها عند غروب الشمس.
وذكر في الخبر أن يوشع دعا بأن ترد الشمس فردت ثلاث ساعات حتى فتحوا البلدة، فاختلفت النجوم عن مجاريها من ذلك اليوم، فخفي على المنجمين، فلما بقوا في التيه ندم موسى على دعائه، فأوحى الله تعالى إليه فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ يعني لا تحزن على قوم سميتهم فاسقين.
وقال بعضهم: هذا الخطاب لمحمد لا تحزن على قومك إن لم يؤمنوا.
ويقال: أَرْبَعِينَ سَنَةً صار نصباً بمعنى يتيهون لأن في التفسير، إن دخلوها لم يكن محرم عليهم أبداً.
كذا قاله ابن عباس .
وإنما دخلها أولادهم.
وقال قوم: حرمت أربعين سنة فكانوا يتيهون أربعين سنة وفتحوا.
قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"
قال «١» الطبريُّ: ولا يختلف أنَّها بيْنَ الفُرَاتِ وعريشِ مِصْرَ.
قال ع «٢» : وتظاهرت الرواياتُ أنَّ «دِمَشْقَ» هي قاعدةُ الجَبَّارِينَ، ثم حذَّرهم موسى الارتداد على الأدبار، وذلك هو الرجوعُ القهقرى، والخاسرُ: الذي قد نقص حظُّه، ثم ذكر عز وجل أنهم تعنّتوا ونكصوا، فقالوا: إِنَّ فِيها قَوْماً جَبَّارِينَ، والجَبَّار: من الجَبْر كأنه لِقُدْرته وغَشْمه وبَطْشه يَجْبُرُ الناس على إرادته، والنَّخْلَةُ الجُبَارَةُ: العاليةُ التي لا تُنَالُ بيدٍ، وكان من خبر الجَبَّارين أنهم كانوا أهلَ قوَّة، فلما بعث موسى الإثْنَيْ عَشَرَ نقيباً مُطَّلِعِينَ من أمر الجبَّارين، وأحوالهم، رأَوْا لهم قوةٌ وبطْشاً وتخيَّلوا أن لا طاقة لهم بهم، فتعاقدوا بينهم على أنْ يُخْفُوا ذلك مِنْ بني إسرائيل، وأنْ يعلموا به موسى ليرى فيه أمر ربه، فلما انصرفوا إلى بني إسرائيل، خان منهم عَشَرة، فعرَّفوا قراباتِهِمْ، ومَنْ وثِقُوا به، ففشا الخَبَر حتى اعوجّ أمر بني إسرائيل، وقالوا: فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا [المائدة: ٢٤] ، ولم يفِ مِنَ النُّقَبَاء إلا يُوشَعُ بْنُ نُونٍ، وَكَالِبُ بْنُ يوفتّا/، ويقال فيه: «كالوث» (بثاء مثلّثة) .
وقوله تعالى: قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أي: يخافُونَ اللَّه سبحانَهُ قال أكْثر المفسِّرين: الرجُلاَن يُوشَعُ بنُ نُونٍ، وهو ابنُ أخْتِ موسى، وكَالِبُ بْنُ يُوفَتَّا، أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا بالإيمان الصحيحِ، ورَبْطِ الجَأْشِ، والثبوتِ، وقولهم: فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا ...
الآية: عبارةٌ تقتضي كفراً، وقيل: المعنى: فاذهب أنْتَ وربك يعينُكَ، وأنَّ الكلام معصية لا كُفْر، وذكر ابن إسحاق وغيره أنَّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم كلَّم النَّاسَ يَوْمَ بَدْرٍ، وَقَالَ لَهُمْ: «أَشِيرُوا عَلَيَّ، أَيُّهَا النَّاسُ، فَقَالَ لَهُ المِقْدَادُ بْنُ الأَسْوَدِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَسْنَا نَقُولُ كَمَا قَالَتْ بَنُو إسْرَائِيلَ: فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ، وَلَكِنْ نَقُولُ: اذهب أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاَ إنَّا مَعَكُمَا مُقَاتِلُونَ «٣» ، ثُمَّ تَكَلَّمَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ بنَحْوِ هذا المعنى» ، ولما
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا أمْلِكُ إلا نَفْسِي وأخِي ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: لا أمْلِكُ إلّا نَفْسِي، وأخِي لا يَمْلِكُ إلّا نَفْسَهُ.
والثّانِي: لا أمْلِكُ إلّا نَفْسِي وإلّا أخِي، أيْ: وأمْلِكُ طاعَةَ أخِي، لِأنَّ أخاهُ إذا أطاعَهُ فَهو كالمَلِكِ لَهُ، وهَذا عَلى وجْهِ المَجازِ، كَما رُوِيَ «عَنِ النَّبِيِّ أنَّهُ قالَ: "ما نَفَعَنِي [مالٌ] قَطُّ ما نَفَعَنِي مالُ أبِي بَكْرٍ" فَبَكى أبُو بَكْرٍ، وقالَ: هَلْ أنا ومالِي إلّا لَكَ يا رَسُولَ اللَّهِ.
يَعْنِي: أنِّي مُتَصَرِّفٌ حَيْثُ صَرَّفَتْنِي، وأمْرُكَ جائِزٌ في مالِي.» قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فافْرُقْ بَيْنَنا وبَيْنَ القَوْمِ الفاسِقِينَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: اقْضِ بَيْنَنا وبَيْنَهم.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: باعِدْ، وافْصِلْ، ومَيِّزْ.
وفي المُرادِ بِالفاسِقِينَ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: العاصُونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: الكاذِبُونَ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
والثّالِثُ: الكافِرُونَ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، قالَ السُّدِّيُّ: غَضِبَ مُوسى حِينَ قالُوا لَهُ: اذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ، فَدَعا عَلَيْهِمْ، وكانَتْ عَجَلَةٌ مِن مُوسى عَجِلَها.
<div class="verse-tafsir"
قالَ اللهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِما ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ البابَ فَإذا دَخَلْتُمُوهُ فَإنَّكم غالِبُونَ وعَلى اللهُ فَتَوَكَّلُوا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ قالُوا يا مُوسى إنّا لَنْ نَدْخُلَها أبَدًا ما دامُوا فِيها فاذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا إنّا ها هُنا قاعِدُونَ ﴾ ﴿ قالَ رَبِّ إنِّي لا أمْلِكُ إلا نَفْسِي وأخِي فافْرُقْ بَيْنَنا وبَيْنَ القَوْمِ الفاسِقِينَ ﴾ ﴿ قالَ فَإنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ في الأرْضِ فَلا تَأْسَ عَلى القَوْمِ الفاسِقِينَ ﴾ قَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ؛ ومُجاهِدٌ: "يُخافُونَ"؛ بِضَمِّ الياءِ؛ وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يَخافُونَ"؛ بِفَتْحِ الياءِ؛ وقالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: اَلرَّجُلانِ: يُوشَعُ بْنُ نُونٍ؛ وهو ابْنُ أُخْتِ مُوسى ؛ وكالِبُ بْنُ يُوقَنا؛ ويُقالُ فِيهِ: "كِلابٌ"؛ ويُقالُ: "كالُوثُ" بِثاءٍ مُثَلَّثَةٍ؛ ويُقالُ في اسْمِ أبِيهِ: "قافِيا"؛ وهو صِهْرُ مُوسى عَلى أُخْتِهِ؛ قالَ الطَبَرِيُّ: اِسْمُ زَوْجَتِهِ مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرانَ ؛ ومَعْنى "يَخافُونَ"؛ أيْ: اَللَّهَ؛ وأنْعَمَ عَلَيْهِما بِالإيمانِ الصَحِيحِ؛ ورَبْطِ الجَأْشِ؛ والثُبُوتِ في الحَقِّ؛ وقالَ قَوْمٌ: اَلْمَعْنى: يَخافُونَ العَدُوَّ؛ لَكِنْ أنْعَمَ اللهُ تَعالى عَلَيْهِما بِالإيمانِ؛ والثُبُوتِ؛ مَعَ خَوْفِهِما؛ ويُقَوِّي التَأْوِيلَ الأوَّلَ أنَّ في قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ اللهَ أنْعَمَ عَلَيْهِما"؛ وأمّا مَن قَرَأ بِضَمِّ الياءِ فَلِقِراءَتِهِ ثَلاثَةُ مَعانٍ؛ أحَدُها: ما رُوِيَ مِن أنَّ الرَجُلَيْنِ كانا مِنَ الجَبّارِينَ؛ آمَنا بِمُوسى واتَّبَعاهُ؛ فَكانا مِنَ القَوْمِ الَّذِينَ يُخافُونَ؛ لَكِنْ أنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِما بِالإيمانِ بِمُوسى؛ فَقالا: نَحْنُ أعْلَمُ بِقَوْمِنا؛ والمَعْنى الثانِي أنَّهُما يُوشَعُ؛ وكالُوثُ؛ لَكِنَّهُما مِنَ الَّذِينَ يُوَقَّرُونَ ويُسْمَعُ كَلامُهُمْ؛ ويُهابُونَ لِتَقْواهُمْ؛ وفَضْلِهِمْ؛ فَهم يُخافُونَ بِهَذا الوَجْهِ؛ والمَعْنى الثالِثُ أنْ يَكُونَ الفِعْلُ مِن "أخافَ"؛ والمَعْنى: مِنَ الَّذِينَ يُخافُونَ بِأوامِرِ اللهِ ونَواهِيهِ؛ ووَعِيدِهِ؛ وزَجْرِهِ؛ فَيَكُونَ ذَلِكَ مَدْحًا لَهم عَلى نَحْوِ المَدْحِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللهُ قُلُوبَهم لِلتَّقْوى ﴾ ؛ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِما ﴾ صِفَةٌ لِلرَّجُلَيْنِ.
والبابُ: هو بابُ مَدِينَةِ الجَبّارِينَ؛ فِيما ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ؛ والمَعْنى: "اِجْتَهِدُوا؛ وكافِحُوا؛ حَتّى تَدْخُلُوا البابَ"؛ وقَوْلُهُ: ﴿ فَإنَّكم غالِبُونَ ﴾ ؛ ظَنٌّ مِنهُما؛ ورَجاءٌ وقِياسٌ؛ أيْ: إنَّكم بِذَلِكَ تَفُتُّونَ في أعَضادِهِمْ؛ ويَقَعُ الرُعْبُ في قُلُوبِهِمْ؛ فَتَغْلِبُونَهُمْ؛ وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "عَلَيْهِما ويْلَكُمُ ادْخُلُوا"؛ وقَوْلُهُما: ﴿ وَعَلى اللهِ فَتَوَكَّلُوا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ ؛ يَقْتَضِي أنَّهُما اسْتَرابا بِإيمانِهِمْ حِينَ رَأياهم يَعْصُونَ الرَسُولَ؛ ويَجْبُنُونَ؛ مَعَ وعْدِ اللهِ تَعالى لَهم بِالنَصْرِ.
ثُمَّ إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ لَجُّوا في عِصْيانِهِمْ؛ وسَمِعُوا مِنَ العَشَرَةِ النُقَباءِ الجَواسِيسِ الَّذِينَ خَوَّفُوهم أمْرَ الجَبّارِينَ؛ ووَصَفُوا لَهم قُوَّةَ الجَبّارِينَ؛ وعِظَمَ خَلْقِهِمْ؛ فَصَمَّمُوا عَلى خِلافِ أمْرِ اللهِ تَعالى: ﴿ قالُوا يا مُوسى إنّا لَنْ نَدْخُلَها أبَدًا ما دامُوا فِيها فاذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا إنّا ها هُنا قاعِدُونَ ﴾ ؛ وهَذِهِ عِبارَةٌ تَقْتَضِي كُفْرًا؛ وذَهَبَ بَعْضُ الناسِ إلى أنَّ المَعْنى: "اِذْهَبْ أنْتَ؛ ورَبُّكَ يُعِينُكَ"؛ وأنَّ الكَلامَ مَعْصِيَةٌ؛ لا كُفْرٌ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وقَوْلُهُمْ: "فَقاتِلا"؛ يَقْطَعُ بِهَذا التَأْوِيلِ؛ وذَكَرَ النَقّاشُ عن بَعْضِ المُفَسِّرِينَ أنَّ المُرادَ بِالرَبِّ - هُنا - هارُونُ؛ لِأنَّهُ كانَ أسَنَّ مِن مُوسى؛ وكانَ مُعَظَّمًا في بَنِي إسْرائِيلَ؛ مُحَبَّبًا لِسَعَةِ خُلُقِهِ؛ ورَحْبِ صَدْرِهِ؛ فَكَأنَّهم قالُوا: "اِذْهَبْ أنْتَ وكَبِيرُكَ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا تَأْوِيلٌ بَعِيدٌ؛ وهارُونُ إنَّما كانَ وزِيرًا لِمُوسى؛ وتابِعًا لَهُ في مَعْنى الرِسالَةِ؛ ولَكِنَّهُ تَأْوِيلٌ يُخَلِّصُ بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ الكُفْرِ؛ وذَكَرَ الطَبَرِيُّ عن قَتادَةَ أنَّهُ قالَ: «بَلَغَنا أنَّ رَسُولَ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لَمّا عَزَمَ عَلى قِتالِ قُرَيْشٍ في عامِ الحُدَيْبِيَةِ جَمَعَ العَسْكَرَ؛ وكَلَّمَ الناسَ في ذَلِكَ؛ فَقالَ لَهُ المِقْدادُ بْنُ الأسْوَدِ: لَسْنا نَقُولُ لَكَ كَما قالَتْ بَنُو إسْرائِيلَ: ﴿ فاذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا إنّا ها هُنا قاعِدُونَ ﴾ ؛ لَكِنّا نَقُولُ: "اِذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا؛ إنّا مَعَكُما مُقاتِلُونَ"؛» وذَكَرَ النَقّاشُ أنَّ الأنْصارَ قالَتْ هَذِهِ المَقالَةَ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وجَمِيعُ هَذا وهْمٌ؛ غَلِطَ قَتادَةُ - رَحِمَهُ اللهُ - في وقْتِ النازِلَةِ؛ وغَلِطَ النَقّاشُ في قائِلِ المَقالَةِ؛ والكَلامُ إنَّما وقَعَ في غَزْوَةِ بَدْرٍ؛ حِينَ نَزَلَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: ذَفِرانَ؛ فَكَلَّمَ الناسَ وقالَ لَهُمْ: أشِيرُوا عَلَيَّ أيُّها الناسُ؛ فَقالَ لَهُ المِقْدادُ هَذِهِ المَقالَةَ في كَلامٍ طَوِيلٍ؛ ذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ إسْحاقَ وغَيْرُهُ؛ ثُمَّ تَكَلَّمَ مِنَ الأنْصارِ سَعْدُ بْنُ مُعاذٍ بِنَحْوِ هَذا المَعْنى؛ ولَكِنْ سَبْقَهُ المِقْدادُ إلى التَمْثِيلِ بِالآيَةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وتَمَثُّلُ المِقْدادِ بِها؛ وتَقْرِيرُ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لِذَلِكَ؛ يَقْتَضِي أنَّ الرَبَّ إنَّما أُرِيدَ بِهِ اللهُ تَعالى؛ ويُؤْنِسُ أيْضًا في إيمانِ بَنِي إسْرائِيلَ؛ لِأنَّ المِقْدادَ قَدْ قالَ: اِذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا؛ ولَيْسَ لِكَلامِهِ مَعْنًى إلّا أنَّ اللهَ تَعالى يُعِينُكَ؛ ويُقاتِلُ مَعَكَ مَلائِكَتُهُ ونَصْرُهُ؛ فَعَسى أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ أرادَتْ ذَلِكَ؛ أيْ: "اِذْهَبْ أنْتَ؛ ويُخْرِجُهُمُ اللهُ بِنَصْرِهِ وقُدْرَتِهِ مِنَ المَدِينَةِ؛ وحِينَئِذٍ نَدْخُلُها"؛ لَكِنْ قَبُحَتْ عِبارَتُهم لِاقْتِرانِ النُكُولِ بِها؛ وحَسُنَتْ عِبارَةُ المِقْدادِ لِاقْتِرانِ الطاعَةِ والإقْدامِ بِها.
ولَمّا سَمِعَ مُوسى - عَلَيْهِ السَلامُ - قَوْلَهُمْ؛ ورَأى عِصْيانَهُمْ؛ تَبَرَّأ إلى اللهِ تَعالى مِنهُمْ؛ وقالَ داعِيًا عَلَيْهِمْ: ﴿ رَبِّ إنِّي لا أمْلِكُ إلا نَفْسِي وأخِي ﴾ ؛ يَعْنِي هارُونَ؛ وقَوْلُهُ: "وَأخِي"؛ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إعْرابُهُ رَفْعًا؛ إمّا عَلى الِابْتِداءِ؛ والتَقْدِيرُ: وأخِي لا يَمْلِكُ إلّا نَفْسَهُ؛ وإمّا عَلى العَطْفِ عَلى الضَمِيرِ الَّذِي في "أمْلِكُ"؛ تَقْدِيرُهُ: "لا أمْلِكُ أنا"؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إعْرابُهُ نَصْبًا؛ عَلى العَطْفِ عَلى "نَفْسِي"؛ وذَلِكَ لِأنَّ هارُونَ كانَ يُطِيعُ مُوسى؛ فَلِذَلِكَ أخْبَرَ أنَّهُ يَمْلِكُهُ؛ وقَرَأ الحَسَنُ: "إلّا نَفْسِيَ وأخِيَ"؛ بِفَتْحِ الياءِ فِيهِما؛ وقَوْلُهُ: "فافْرُقْ بَيْنَنا"؛ دُعاءُ حَرَجٍ؛ قالَ السُدِّيُّ: هي عَجَلَةٌ عَجِلَها مُوسى - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ والضَحّاكُ ؛ وغَيْرُهُما: اَلْمَعْنى: "اِفْصِلْ بَيْنَنا وبَيْنَهم بِحُكْمٍ؛ وافْتَحْ"؛ فالمَعْنى: "اُحْكم بِحُكْمٍ يُفَرِّقُ هَذا الِاخْتِلافَ؛ ويَلُمُّ الشَعَثَ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وعَلى هَذا التَأْوِيلِ فَلَيْسَ في الدُعاءِ عَجَلَةٌ؛ وقالَ قَوْمٌ: اَلْمَعْنى: "فافْرُقْ بَيْنَنا وبَيْنَهم في الآخِرَةِ؛ حَتّى تَكُونَ مَنزِلَةُ المُطِيعِ مُفارِقَةً لِمَنزِلَةِ العاصِي الفاسِقِ"؛ ويَحْتَمِلُ الدُعاءُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: "فُرِّقَ بَيْنَنا وبَيْنَهُمْ"؛ بِمَعْنى أنْ يَقُولَ: "فَقَدْنا وُجُوهَهُمْ؛ وفُرِّقَ بَيْنَنا وبَيْنَهم حَتّى لا نَشْقى بِفِسْقِهِمْ"؛ وبِهَذا الوَجْهِ تَجِيءُ العَجَلَةُ في الدُعاءِ؛ وقَرَأ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: "فافْرِقْ" بِكَسْرِ الراءِ.
﴿ قالَ فَإنَّها مُحَرَّمَةٌ ﴾ ؛ اَلْمَعْنى: "قالَ اللهُ "؛ وأُضْمِرَ الفاعِلُ في هَذِهِ الأفْعالِ كُلِّها إيجازًا؛ لِدَلالَةِ مَعْنى الكَلامِ عَلى المُرادِ؛ وحَرَّمَ اللهُ تَعالى عَلى جَمِيعِ بَنِي إسْرائِيلَ دُخُولَ تِلْكَ المَدِينَةِ أرْبَعِينَ سَنَةً؛ وتَرَكَهم خِلالَها يَتِيهُونَ في الأرْضِ؛ أيْ: في أرْضِ تِلْكَ النازِلَةِ؛ وهو فَحْصُ التِيهِ؛ وهو - عَلى ما يُحْكى - طُولَ ثَمانِينَ مِيلًا؛ في عَرْضِ سِتَّةِ فَراسِخَ؛ وهو ما بَيْنَ مِصْرَ والشامِ؛ ويُرْوى أنَّهُ اتَّفَقَ أنَّهُ ماتَ كُلُّ مَن كانَ قالَ: ﴿ إنّا لَنْ نَدْخُلَها أبَدًا ﴾ ؛ ولَمْ يَدْخُلِ المَدِينَةَ أحَدٌ مِن ذَلِكَ الجِيلِ إلّا يُوشَعُ؛ وكالُوثُ؛ ويُرْوى أنَّ هارُونَ - عَلَيْهِ السَلامُ - ماتَ في فَحْصِ التِيهِ؛ في خِلالِ هَذِهِ المُدَّةِ؛ ولَمْ يُخْتَلَفْ في هَذا؛ ورُوِيَ أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَلامُ - ماتَ فِيهِ بَعْدَ هارُونَ بِثَمانِيَةِ أعْوامٍ؛ وقِيلَ: بِسِتَّةِ أشْهُرٍ ونَصْفٍ؛ وأنَّ يُوشَعَ نُبِّئَ بَعْدَ كَمالِ الأرْبَعِينَ سَنَةً؛ وخَرَجَ بِبَنِي إسْرائِيلَ؛ وقاتَلَ الجَبّارِينَ؛ وفَتَحَ المَدِينَةَ؛ وفي تِلْكَ الحَرْبِ وقَفَتْ لَهُ الشَمْسُ ساعَةً حَتّى اسْتَمَرَّ هَزْمُ الجَبّارِينَ؛ ورُوِيَ أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَلامُ - عاشَ حَتّى كَمُلَتِ الأرْبَعُونَ؛ وخَرَجَ بِالناسِ؛ وحارَبَ الجَبّارِينَ؛ ويُوشَعُ وكالَبُ عَلى مُقَدِّمَتِهِ؛ وأنَّهُ فَتَحَ المَدِينَةَ؛ وقَتَلَ بِيَدِهِ عُوجَ بْنَ عِناقٍ؛ يُقالُ: كانَ في طُولِ مُوسى عَشَرَةَ أذْرُعٍ؛ وفي طُولِ عَصاهُ عَشَرَةَ أذْرُعٍ؛ وتَرامى مِنَ الأرْضِ في السَماءِ عَشَرَةَ أذْرُعٍ؛ وحِينَئِذٍ لَحِقَ كَعْبَ عُوجٍ فَضَرَبَهُ بِعَصاهُ في كَعْبِهِ فَخَرَّ صَرِيعًا؛ ويُرْوى أنَّ عُوجًا اقْتَلَعَ صَخْرَةً لِيَطْرَحَها عَلى عَسْكَرِ بَنِي إسْرائِيلَ؛ فَبَعَثَ اللهُ هُدْهُدًا بِحَجَرِ الماسِ؛ فَأدارَهُ عَلى الصَخْرَةِ فَتَقَوَّرَتْ؛ ودَخَلَتْ في عُنُقِ عُوجٍ؛ وضَرَبَهُ مُوسى؛ فَماتَ؛ وحَكى الطَبَرِيُّ أنَّ طُولَ عُوجٍ ثَمانِمِائَةِ ذِراعٍ؛ وحُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - أنَّهُ قالَ: لَمّا خَرَّ كانَ جِسْرًا عَلى النِيلِ سَنَةً.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والنِيلُ لَيْسَ في تِلْكَ الأقْطارِ؛ وهَذا كُلُّهُ ضَعِيفٌ؛ واللهُ أعْلَمُ؛ وحَكى الزَجّاجُ عن قَوْمٍ أنَّ مُوسى وهارُونَ لَمْ يَكُونا في التِيهِ؛ والعامِلُ في "أرْبَعِينَ"؛ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "مُحَرَّمَةٌ"؛ أيْ: "حُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ أرْبَعِينَ سَنَةً؛ ويَتِيهُونَ في الأرْضِ هَذِهِ المُدَّةَ ثُمَّ تُفْتَحُ عَلَيْهِمْ؛ أدْرَكَ ذَلِكَ مَن أدْرَكَهُ؛ وماتَ قَبْلَهُ مَن ماتَ"؛ وخَطَّأ أبُو إسْحاقَ أنْ يَكُونَ العامِلُ "مُحَرَّمَةٌ"؛ وذَلِكَ مِنهُ تَحامُلٌ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ العامِلُ "يَتِيهُونَ"؛ مُضْمَرًا؛ يَدُلُّ عَلَيْهِ "يَتِيهُونَ"؛ اَلْمُتَأخِّرُ؛ ويَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿ فَإنَّها مُحَرَّمَةٌ ﴾ ؛ إخْبارٌ مُسْتَمِرٌّ؛ تَلَقَّوْا مِنهُ أنَّ المُخاطَبِينَ لا يَدْخُلُونَها أبَدًا؛ وأنَّهم - مَعَ ذَلِكَ - يَتِيهُونَ في الأرْضِ أرْبَعِينَ سَنَةً؛ يَمُوتُ فِيها مَن ماتَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والخِطابُ عَلى هَذا التَأْوِيلِ أصْعَبُ مَوْقِفًا؛ وأحْضَرُ يَأْسًا؛ ورُوِيَ أنَّ مَن كانَ قَدْ جاوَزَ عِشْرِينَ سَنَةً لَمْ يَعِشْ إلى الخُرُوجِ مِنَ التِيهِ؛ وأنَّ مَن كانَ دُونَ العِشْرِينَ عاشُوا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: كَأنَّهُ لَمْ يَعِشِ المُكَلَّفُونَ؛ أشارَ إلى ذَلِكَ الزَجّاجُ.
والتِيهُ: اَلذَّهابُ في الأرْضِ إلى غَيْرِ مَقْصِدٍ مَعْلُومٍ؛ ويُرْوى أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ كانُوا يَرْحَلُونَ بِاللَيْلِ ويَسِيرُونَ لَيْلَهم أجْمَعَ في تَحْلِيقٍ؛ ونَحْوِهِ؛ مِنَ التَرَدُّدِ؛ وقِلَّةِ اسْتِقامَةِ السَيْرِ؛ حَتّى إذا أصْبَحُوا وجَدُوا جُمْلَتَهم في المَوْضِعِ الَّذِي كانُوا فِيهِ أوَّلَ اللَيْلِ؛ قالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: كانُوا يَسِيرُونَ النَهارَ أحْيانًا؛ واللَيْلَ أحْيانًا؛ فَيُمْسُونَ حَيْثُ أصْبَحُوا؛ ويُصْبِحُونَ حَيْثُ أمْسَوْا؛ وذَلِكَ في مِقْدارِ سِتَّةِ فَراسِخَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ تِيهُهم بِافْتِراقِ الكَلِمَةِ؛ وقِلَّةِ اجْتِماعِ الرَأْيِ؛ وأنَّ اللهَ تَعالى رَماهم بِالِاخْتِلافِ؛ وعَلِمُوا أنَّها قَدْ حُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ أرْبَعِينَ سَنَةً؛ فَتَفَرَّقَتْ مَنازِلُهم في ذَلِكَ الفَحْصِ؛ وأقامُوا يَنْتَقِلُونَ مِن مَوْضِعٍ إلى مَوْضِعٍ؛ عَلى غَيْرِ نِظامٍ واجْتِماعٍ؛ حَتّى كَمُلَتْ هَذِهِ المُدَّةُ؛ وأذِنَ اللهُ بِخُرُوجِهِمْ؛ وهَذا تِيهٌ مُمْكِنٌ؛ مُحْتَمَلٌ؛ عَلى عُرْفِ البَشَرِ؛ والآخَرُ الَّذِي ذَكَرَ مُجاهِدٌ إنَّما هو خَرْقُ عادَةٍ؛ وعَجَبٌ مِن قُدْرَةِ اللهِ تَعالى.
وفِي ذَلِكَ التِيهِ ظُلِّلَ عَلَيْهِمُ الغَمامُ؛ ورُزِقُوا المَنَّ والسَلْوى؛ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا رُوِيَ مِن مَلابِسِهِمْ؛ وقَدْ مَضى ذَلِكَ في سُورَةِ "اَلْبَقَرَةِ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا تَأْسَ عَلى القَوْمِ الفاسِقِينَ ﴾ ؛ مَعْناهُ: فَلا تَحْزَنْ؛ يُقالُ: "أسِيَ الرَجُلُ؛ يَأْسى؛ أسًى"؛ إذا حَزِنَ؛ ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: وُقُوفًا بِها صَحْبِي عَلَيَّ مَطِيِّهِمْ ∗∗∗ يَقُولُونَ لا تَهْلِكْ أسًى وتَجَمَّلِ وَمِنهُ قَوْلُ مُتَمِّمِ بْنِ نُوَيْرَةَ: فَقُلْتُ لَهم إنَّ الأسى يَبْعَثُ الأسى ∗∗∗ ∗∗∗ دَعُونِي فَهَذا كُلُّهُ قَبْرُ مالِكِ والخِطابُ بِهَذِهِ الآيَةِ لِمُوسى - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - نَدِمَ مُوسى عَلى دُعائِهِ عَلى قَوْمِهِ؛ وحَزِنَ عَلَيْهِمْ؛ فَقالَ لَهُ اللهُ - تَبارَكَ وتَعالى-: ﴿ فَلا تَأْسَ عَلى القَوْمِ الفاسِقِينَ ﴾ ؛ وقالَ قَوْمٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: اَلْخِطابُ بِهَذِهِ الألْفاظِ لِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ ويُرادُ بِالفاسِقِينَ مُعاصِرُوهُ؛ أيْ: هَذِهِ أفْعالُ أسْلافِهِمْ؛ فَلا تَحْزَنْ أنْتَ بِسَبَبِ أفْعالِهِمُ الخَبِيثَةِ مَعَكَ؛ ورَدِّهِمْ عَلَيْكَ؛ فَإنَّها سَجِيَّةٌ خَبِيثَةٌ مَوْرُوثَةٌ عِنْدَهم.
<div class="verse-tafsir"
فُصلت هذه الجمل الأربع جرياً على طريقة المحاورة كما بيّنّاه سالفاً في سورة البقرة.
والرجلان هما يوشع وكالب.
ووُصف الرجلان بأنّهم ﴿ من الّذين يخافون ﴾ فيجوز أن يكون المراد بالخوف في قوله: ﴿ يخافون ﴾ الخوفُ من العدوّ؛ فيكون المراد باسم الموصول بني إسرائيل.
جعل تعريفهم بالموصولية للتعريض بهم بمذمّة الخوف وعدم الشجاعة، فيكون «مِن» في قوله: ﴿ من الذين يخافون ﴾ اتّصالية وهي الّتي في نحو قولهم: لستُ منك ولستَ منّي، أي ينتسبون إلى الذين يخافون.
وليس المعنى أنّهم متّصفون بالخوف بقرينة أنّهم حرّضوا قومهم على غزو العدوّ، وعليه يكون قوله: ﴿ أنعم الله عليهما ﴾ أنّ الله أنعم عليهما بالشجاعة، فحذف متعلّق فعل «أنعم» اكتفاء بدلالة السياق عليه.
ويجوز أن يكون المراد بالخوف الخوفَ من الله تعالى، أي كان قولهما لقومها «ادخلوا عليهم الباب» ناشئاً عن خوفهما الله تعالى، فيكون تعريضاً بأنّ الذين عصوهما لا يخافون الله تعالى، ويكون قوله: ﴿ أنعم الله عليهما ﴾ استئنافاً بيانياً لبيان منشأ خوفهما الله تعالى، أي الخوف من الله نعمة منه عليهما.
وهذا يقتضي أنّ الشجاعة في نصر الدّين نعمة من الله على صاحبها.
ومعنى ﴿ أنعم الله عليهما ﴾ أنعم عليهما بسلب الخوف من نفوسهم وبمعرفة الحقيقة.
و ﴿ الباب ﴾ يجوز أن يراد به مدخل الأرض المقدّسة، أي المسالك الّتي يسلك منها إلى أرض كنعان، وهو الثغر والمضيق الذي يسلك منه إلى منزل القبيلة يكون بين جبلين وعْرَيْن، إذ ليس في الأرض المأمورين بدخولها مدينة بل أرض لقوله: ﴿ ادخلوا الأرض المقدّسة ﴾ ، فأرادَا: فإذا اجتزتم الثغر ووطئتم أرض الأعداء غلبتموهم في قتالهم في ديارهم.
وقد يسمّى الثغر البحري باباً أيضاً، مثل باب المندب، وسمّوا موضعاً بجهة بخاري الباب.
وحمل المفسّرون الباب على المشهور المتعارف، وهو باب البلد الذي في سوره، فقالوا: أرادا باب قريتهم، أي لأنّ فتح مدينة الأرض يعدّ ملكاً لجميع تلك الأرض.
والظاهر أن هذه القرية هي (أريحا) أو (قادش) حاضرة العمالقة يومئذٍ، وهي المذكورة في سورة البقرة.
والباب بهذا المعنى هو دفّة عظيمة متّخذة من ألواح تُوصل بجزأيّ جدار أو سور بكيفية تسمح لأن يكون ذلك اللوح سادّاً لتلك الفرجة متى أريد سدّها وبأن تفتح عند إرادة فتحها؛ فيسمّى السَّد به غلقاً وإزالة السدّ فتحاً.
وبعد أن أمرا القوم باتّخاذ الأسباب والوسائل أمراهم بالتوكّل على الله والاعتماد على وعده ونصره وخبر رسوله، ولذلك ذيّلا بقولهما: ﴿ إن كنتم مؤمنين ﴾ ، لأنّ الشكّ في صدق الرسول مبطل للإيمان.
وإنّما خاطبوا موسى عقبَ موعظة الرجلين لهم، رجوعاً إلى إبايتِهم الأولى الّتي شافهوا بها موسى إذ قالوا: ﴿ إنّ فيها قوماً جبّارين ﴾ ، أو لقلّة اكتراثهم بكلام الرجلين وأكّدوا الامتناع الثّاني من الدخول بعد المحاورة أشدّ توكيد دلّ على شدّته في العربيّة بثلاث مؤكدات: (إنّ)، و(لن)، وكلمة (أبداً).
ومعنى قولهم: ﴿ فاذهب أنت وربّك فقاتلا ﴾ إن كان خطاباً لموسى أنّهم طلبوا منه معجزة كما تعوّدوا من النصر فطلبوا أن يهلك الله الجبّارين بدعوة موسى.
وقيل: أرادوا بهذا الكلام الاستخفاف بموسى، وهذا بعيد، لأنّهم ما كانوا يشكّون في رسالته، ولو أرادوا الاستخفاف لكفروا وليس في كلام موسى الواقع جواباً عن مقالتهم هذه إلاّ وصفهم بالفاسقين.
والفسق يطلق على المعصية الكبيرة، فإنّ عصيان أمر الله في الجهاد كبيرة، ولذلك قال تعالى فلا تأس على القوم الفاسقين، وعن عبد الله بن مسعود قال: أتى المقدادُ بن الأسود النبيءَ وهو يدعو على المشركين يوم بدر فقال: «يا رسول الله لا نقول كما قالت بنو إسرائيل» ﴿ فاذْهب أنت وربّك فقاتلا إنّا ههنا قاعدون ﴾ الحديث.
فَلا تَظُنَّنّ من ذلك أنّ هذه الآية كانت مقروءة بينهم يوم بدر، لأنّ سورة المائدة من آخر ما نزل، وإنّما تكلّم المقداد بخبر كانوا يسمعونه من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يُحدّثهم به عن بني إسرائيل، ثم نزلت في هذه الآية بذلك اللّفظ.
«قال» أي موسى، مناجياً ربّه أو بمسمع منهم ليوقفهم على عدم امتثالهم أمرَ ربّهم ﴿ ربّ إنّي لا أملك إلاّ نفسي وأخي ﴾ ، يجوز أن يكون المعنى لا أقدر إلاّ على نفسي وأخي، وإنّما لم يعُدّ الرجلين الذين قالا ﴿ ادخلوا عليهم الباب ﴾ ، لأنّه خشي أن يستهويهما قومهما.
والذي في كتب اليهود أنّ هارون كان قد توفّي قبل هذه الحادثة.
ويجوز أن يريد بأخيه يوشَع بنَ نون لأنّه كان ملازِمَه في شؤونه، وسمّاه الله فتاه في قوله: ﴿ وإذ قال موسى لفتاه ﴾ [الكهف: 60] الآية.
وعطفه هنا على نفسه لأنّه كان محرّضاً للقوم على دخول القرية.
ومعنى ﴿ افرق بيننا وبين القوم الفاسقين ﴾ أن لا تؤاخذنا بجرمهم، لأنّه خشي أن يصيبهم عذاب في الدنيا فيهلك الجميع فطلب النّجاة، ولا يصحّ أن يريد الفرق بينهم في الآخرة؛ لأنّه معلوم أنّ الله لا يؤاخذ البريء بذنب المجرم، ولأنّ براءة موسى وأخيه من الرضا بما فعله قومهم أمر يعلمه الله، ويجوز أن يراد بالفرق بينهم الحكم بينهم وإيقاف الضّالين على غلطهم.
وقوله الله تعالى له: ﴿ فإنّها محرّمة عليهم أربعين سنة ﴾ الخ جواب عن قول موسى ﴿ فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين ﴾ ، وهو جواب جامع لجميع ما تضمّنه كلام موسى، لأنّ الله أعلم موسى بالعقاب الذي يصيب به الّذين عصوا أمره، فسكن هاجس خوفه أن يصيبهم عذاب يعمّ الجميع، وحصل العقاب لهم على العصيان انتصاراً لموسى.
فإن قلت: هذا العقاب قد نال موسى منه ما نال قومَه، فإنّه بقي معهم في التِيه حتّى توفّي.
قلت: كان ذلك هَيِّناً على موسى لأنّ بقاءه معهم لإرشادهم وصلاحهم وهو خصّيصة رسالته، فالتعب في ذلك يزيده رفع درجة، أمَّا هم فكانوا في مشقّة.
﴿ يتيهون ﴾ يضلّون، ومصدره التَّيْه بفتح التّاء وسكون الياء والتيه بكسر التّاء وسكون التحتية.
وسمّيت المفازة تيهاء وسمّيت تِيهاً.
وقد بقي بنو إسرائيل مقيمين في جهات ضيّقة ويسيرون الهوينا على طريق غير منتظم حتّى بلغوا جبل (نيبُو) على مقربَة من نهر (الأردن)، فهنالك توفّي موسى عليه السلام وهنالك دُفن.
ولا يُعرف موضع قبره كما في نصّ كتاب اليهود.
وما دَخلوا الأرض المقدسة حتّى عَبَروا الأرْدُن بقيادة يوشع بن نون خليفة موسى.
وقد استثناه الله تعالى هو وكالب بن يفنَّة، لأنّهما لم يقولا: لن ندخلها.
وأمّا بَقية الرّوّاد الذين أرسلهم موسى لاختبار الأرض فوافقوا قومهم في الامتناع من دخولها.
وقوله: ﴿ فلا تأس على القوم الفاسقين ﴾ تفريع على الإخبار بهذا العقاب، لأنّه علم أنّ موسى يحزنه ذلك، فنهاه عن الحزن لأنّهم لا يستأهلون الحزن لأجلهم لفسقهم.
والأسى: الحزن، يقال أسِي كفرح إذا حَزن.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ جَعَلَ فِيكم أنْبِياءَ ﴾ فِيهِمْ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُمُ الأنْبِياءُ الَّذِينَ جاءُوا بَعْدَ مُوسى.
والثّانِي: أنَّهُمُ السَّبْعُونَ الَّذِينَ اخْتارَهم مُوسى.
﴿ وَجَعَلَكم مُلُوكًا ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: لِأنَّهم مَلَكُوا أنْفُسَهم بِأنْ خَلَّصَهم مِنِ اسْتِعْبادِ القِبْطِ لَهم، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ.
والثّانِي: لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مَلَكَ نَفْسَهُ وأهْلَهُ ومالَهُ، وهَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ.
والثّالِثُ: لِأنَّهم كانُوا أوَّلَ مَن مَلَكَ الخَدَمَ مِن بَنِي آدَمَ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ.
والرّابِعُ: أنَّهم جُعِلُوا مُلُوكًا بِالمَنِّ والسَّلْوى والحَجَرِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.
والخامِسُ: أنَّ كُلَّ مَن مَلَكَ دارًا وزَوْجَةً وخادِمًا، فَهو مَلِكٌ مِن سائِرِ النّاسِ، وهَذا قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ، والحَسَنِ، وزَيْدِ بْنِ أسْلَمَ.
وَقَدْ رَوى زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ : «مَن كانَ لَهُ بَيْتٌ [يَأْوِي إلَيْهِ وزَوْجَةٌ] وخادِمٌ، فَهو مَلِكٌ» .
﴿ وَآتاكم ما لَمْ يُؤْتِ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: المَنُّ والسَّلْوى والغَمامُ والحَجَرُ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ.
الثّانِي: كَثْرَةُ الأنْبِياءِ فِيهِمْ والآياتِ الَّتِي جاءَتْهم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا قَوْمِ ادْخُلُوا الأرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ ﴾ فِيها ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أرْضُ بَيْتِ المَقْدِسِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والسُّدِّيِّ.
والثّانِي: دِمَشْقُ وفِلَسْطِينُ وبَعْضُ الأُرْدُنِّ، وهَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ.
والثّالِثُ: هي الشّامُ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ، ومَعْنى المُقَدَّسَةِ: المُطَهَّرَةُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ ﴾ وإنْ قالَ: ﴿ فَإنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ ﴾ لِأنَّها كانَتْ هِبَةً مِنَ اللَّهِ تَعالى لَهم ثُمَّ حَرَّمَها عَلَيْهِمْ بَعْدَ مَعْصِيَتِهِمْ.
﴿ وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أدْبارِكُمْ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: لا تَرْجِعُوا عَنْ طاعَةِ اللَّهِ إلى مَعْصِيَتِهِ.
والثّانِي: لا تَرْجِعُوا عَنِ الأرْضِ الَّتِي أُمِرْتُمْ بِدُخُولِها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالُوا يا مُوسى إنَّ فِيها قَوْمًا جَبّارِينَ ﴾ والجَبّارُ: هو الَّذِي يَجْبُرُ النّاسَ عَلى ما يُرِيدُ إكْراهَهم عَلَيْهِ، ومِنهُ جَبْرُ العَظْمِ، لِأنَّهُ كالإكْراهِ عَلى الصَّلاحِ، ويُقالُ [لِلْأعْوادِ الَّتِي] تَحْمِلُهُ جُبارَةٌ، إذا قامَتِ اليَدُ طُولًا، لِأنَّها امْتَنَعَتْ كامْتِناعِ الجَبّارِ مِنَ النّاسِ.
وَقِيلَ بَلَغَ مِن جَبَرُوتِ هَؤُلاءِ القَوْمِ، أنَّ واحِدًا مِنهم، أخَذَ الِاثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا، الَّذِينَ بَعَثَهم مُوسى، لِيُخْبِرُوهُ بِحَرْبِهِمْ، فَحَمَلَهم مَعَ فاكِهَةٍ حَمَلَها مِن بُسْتانِهِ، وجاءَ فَنَشَرَهم بَيْنَ يَدَيِ المَلِكِ، وقالَ: هَؤُلاءِ يُرِيدُونَ أنْ يُقاتِلُونا، فَقالَ المَلِكُ: ارْجِعُوا إلى صاحِبِكم فَأخْبِرُوهُ خَبَرَنا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُمْ: يَخافُونَ اللَّهَ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ.
الثّانِي: يَخافُونَ الجَبّارِينَ، ولَمْ يَمْنَعْهم خَوْفُهم مِن قَوْلِ الحَقِّ.
﴿ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِما ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: بِالتَّوْفِيقِ لِلطّاعَةِ.
والثّانِي: بِالإسْلامِ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ.
وَفي هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُما مِنَ النُّقَباءِ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ، وكالِبُ بْنُ يُوقِنا، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، والسُّدِّيِّ.
والثّانِي: أنَّهُما رَجُلانِ، كانا في مَدِينَةِ الجَبّارِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِما بِالإسْلامِ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
﴿ ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ البابَ فَإذا دَخَلْتُمُوهُ فَإنَّكم غالِبُونَ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: إنَّما قالُوهُ لِعِلْمِهِمْ بِأنَّ اللَّهَ كَتَبَها لَهم.
والثّانِي: لِعِلْمِهِمْ بِأنَّ اللَّهَ يَنْصُرُهم عَلى أعْدائِهِ، ولَمْ يَمْنَعْهم خَوْفُهم مِنَ القَوْلِ الحَقِّ، وقَدْ قالَ النَّبِيُّ : «لا يَمْنَعَنَّ أحَدَكم مَخافَةُ النّاسِ أنْ يَقُولَ الحَقَّ إذا رَآهُ أوْ عَلِمَهُ فَإنَّهُ لا يُبْعِدُ مِن رِزْقٍ ولا يُدْنِي مِن أجَلٍ» .
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير عن السدي قال: غضب موسى عليه السلام حين قال له القوم: ﴿ اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون ﴾ فدعا عليهم فقال: ﴿ رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين ﴾ وكان عجلة من موسى عجلها، فلما ضرب عليهم التيه ندم موسى، فلما ندم أوحى الله إليه ﴿ فلا تأس على القوم الفاسقين ﴾ [ المائدة: 26] لا تحزن على القوم الذين سميتهم فاسقين.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس في قوله: ﴿ فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين ﴾ يقول: افصل بيننا وبينهم.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي ﴾ .
يقول: لم يطعني منهم إلا نفسي وأخي.
قال أهل المعاني: تأويله أنه لا يملك إلا تصريف نفسه في طاعة الله؛ لأن نفسه (لا تكون (١) (٢) وذكر أبو إسحاق في إعراب قوله: ﴿ وَأَخِي ﴾ وجهين: أحدهما: أن يكون رفعًا من جهتين: الأولى: أن يكون نَسَقًا على موضع (إني)، المعنى: أنا لا أملك إلا نفسي وأخي كذلك، ومثله قوله تعالى: ﴿ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ ﴾ ، والثانية: أن يكون عطفًا على الضمير في (أملك) وهو: أنا، والمعنى: لا أملك أنا وأخي إلا أنفسنا.
والوجه الثاني: أن يكون (أخي) في موضع نصب من جهتين: إحدهما: أن يكون نسقًا على الياء، المعنى: إني وأخي لا نملك إلا أنفسنا، وجائز (٣) (٤) وقوله تعالى: ﴿ فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ ﴾ قال الكلبي: فاقض بيننا وبين القوم العاصين (٥) (١) لعل الصواب: تكون بدون لا، مع أن لا غير واضحة في (ج).
(٢) انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 180.
(٣) لعل هذا الجائز هو الجهة الثانية من الوجه الثاني.
(٤) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 164، 165، وانظر: "مشكل إعراب القرآن" 1/ 223، والقرطبي في "تفسيره" 6/ 128.
(٥) "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 112.
ونسبه ابن الجوزي إلى ابن عباس، انظر: "زاد المسير" 2/ 329.
<div class="verse-tafsir"
﴿ الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ ﴾ أرض بيت المقدس، وقيل: الطور، وقيل: دمشق ﴿ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ ﴾ أي قضى أن تكون لكم ﴿ وَلاَ تَرْتَدُّوا على أَدْبَارِكُمْ ﴾ يحتمل أن يريد الارتداد عن الدين والطاعة، والرجوع إلى الطريق الذي جاءوا منه؛ فإنه رُوي أنه لما أمرهم موسى عليه السلام بدخول الأرض المقدسة خافوا من الجبارين الذين فيها، وهموا أن يقدموا على أنفسهم رئيساً ويرجعوا إلى مصر ﴿ قَوْماً جَبَّارِينَ ﴾ هم العمالقة ﴿ قَالَ رَجُلاَنِ ﴾ هما يوشع وكالب ﴿ يَخَافُونَ ﴾ أي يخافون الله، وقيل: يخافون الجبارين، ولكن الله أنعم عليهم بالصبر والثبوت لصدق إيمانهما ﴿ ادخلوا عَلَيْهِمُ الباب ﴾ أي باب المدينة ﴿ فاذهب أَنتَ وَرَبُّكَ ﴾ إفراط في العصيان وسوء الأدب بعبارة تقتضي الكفر والاستهانة بالله ورسوله، وأين هؤلاء من الذين قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: لسنا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى ولكن نقول لكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون ﴿ لا أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي ﴾ قاله موسى عليه السلام؛ ليتبرأ إلى الله من قول بني إسرائيل، ويبذل جهده في طاعة الله ويعتذر إلى الله.
وإعراب أخي عطف على نفسي لأنه أخاه هارون كان يطيعه، وقيل: عطف على الضمير في لا أملك: أي لا أملك أنا إلا نفسي ولا يملك أخي إلا نفسه، وقيل: مبتدأ، وخبره محذوف أي أخي لا يملك إلا نفسه ﴿ فافرق بَيْنَنَا ﴾ أي فارق بيننا وبينهم فهو من الفرقة، وقيل: افصل بيننا وبينهم بحكم.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ جبارين ﴾ بالإمالة: قتيبة ونصير وأبو عمرو حيث كان ﴿ فلا تاس ﴾ بغير همزة حيث وقعت: أبو عمرو ويزيد والأعشى وورش وحمزة في الوقف.
الوقوف: ﴿ ملوكاً ﴾ ز ﴿ جبارين ﴾ ق قد قيل لشبهة الابتداء بأن ولكن كسر ألف "إن" بمجيئه بعد القول معطوفاً على الأول.
﴿ حتى يخرجوا منها ﴾ ج لابتداء الشرط مع فاء التعقيب.
﴿ داخلون ﴾ ه ﴿ الباب ﴾ ج لذلك.
﴿ غالبون ﴾ ه ﴿ مؤمنين ﴾ ه ﴿ قاعدون ﴾ ه ﴿ الفاسقين ﴾ ه ﴿ سنة ﴾ ج لأنها تصلح ظرفاً للتيه بعده والتحريم قبله ﴿ الفاسقين ﴾ ه.
التفسير: وجه النظم أنه كأنه قال: أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وذكرهم موسى نعم الله وأمرهم بمحاربة الجبارين فخالفوا في الكل.
منّ الله عليهم بأمور ثلاثة: أوّلها قوله: ﴿ إذ جعل فيكم أنبياء ﴾ وذلك أنه لم يبعث في أمة ما بعث في بني إسرائيل من الأنبياء.
وثانيها قوله: ﴿ وجعلكم ملوكاً ﴾ قال السدي: أي جعلكم أحراراً تملكون أنفسكم بعد ما استعبدكم القبط.
وقال الضحاك: كانت منازلهم واسعة وفيها مياه جارية وكان لهم أموال كثيرة وخدم يقومون بأمرهم ومن كان كذلك كان ملكاً.
وقال الزجاج: الملك من لا يدخل عليه أحد إلاّ بإذنه.
وقيل: الملك هو الصحة والإسلام والأمن والفوز وقهر النفس.
وقيل: من كان مستقلاً بأمر نفسه ومعيشته ولم يكن محتاجاً في مصالحه إلى أحد فهو ملك.
وقيل: كان في أسلافهم وأخلافهم ملوك وعظماء، وقد يقال لمن حصل فيهم ملوك إنهم ملوك مجازاً.
وقيل: كل نبي ملك لأنه يملك أمر أمته ينفذ فيهم حكمه.
وثالثها: ﴿ وآتاكم ما لم يؤت أحداً من العالمين ﴾ من فلق البحر وإغراق العدوّ وتظليل الغمام وإنزال المن والسلوى وغير ذلك من الخوارق والعظائم.
وقيل: أراد عالمي زمانهم.
روي أن إبراهيم لما صعد جبل لبنان قال الله له: انظر فما أدرك بصرك فهو مقدّس وميراث لذريتك.
وقيل: لما خرج قوم موسى من مصر وعدهم الله إسكان أرض الشام، فكان بنو إسرائيل يسمون أرض الشام أرض المواعيد.
ثم بعث موسى اثني عشر نقيباً من الأمناء ليتجسسوا لهم عن أحوال تلك الأراضي.
فلما دخلوا تلك البلاد رأوا أجساماً عظيمة هائلة.
قال المفسرون: لما بعث موسى النقباء لأجل التجسس رآهم واحد من أولئك الجبارين فأخذهم وجعلهم في كمه مع فاكهة كان قد حملها من بستانه وأتى بهم الملك فنثرهم بين يديه وقال متعجباً للملك: هؤلاء يريدون قتالنا.
فقال الملك: ارجعوا إلى صاحبكم/ وأخبروه بما شاهدتم.
فانصرف النقباء إلى موسى وأخبروه بالواقعة فأمرهم أن يكتموا ما شاهدوه فلم يقبلوا قوله إلاّ رجلان - هما كالب بن يوفنا من سبط يهودا، ويوشع بن نون من سبط افراييم بن يوسف - فإنهما قالا هي بلاد طيبة كثيرة النعم وأجسامهم عظيمة إلاّ أن قلوبهم ضعيفة، وأما العشرة الباقية فإنهم أوقعوا الجبن في قلوب الناس حتى أظهروا الامتناع من غزوهم.
والأرض المقدسة هي المطهرة من الآفات، وقيل من الشرك.
وزيف بأنها لم تكن وقت الجبارين كذلك.
وأجيب بأنها كانت كذلك فيما قبل لأنها كانت مسكن الأنبياء.
ثم إنها ما هي؟
فعن عكرمة والسدي وابن زيد هي أريحاء.
وقال الكلبي: دمشق وفلسطين وبعض الأردن.
وقيل: الطور وما حوله.
وقيل: بيت المقدس.
وقيل: الشام ومعنى ﴿ كتب الله لكم ﴾ وهبها لكم أو خط في اللوح المحفوظ أنها لكم أو أمركم بدخولها.
قال ابن عباس: كانت هبة ثم حرمها عليهم بشؤم تمردهم وعصيانهم.
وقيل: المراد خاص أي مكتوب لبعضهم وحرام على بعضهم.
وقيل: إن الوعد كان مشروطاً بالطاعة فلما لم يوجد الشرط لم يوجد المشروط.
وقيل: حرمها عليهم أربعين سنة فلما مضى الأربعون حصل ما كتب.
وفي قوله: ﴿ كتب الله لكم ﴾ تقوية القلوب وأنّ الله سينصرهم مع ضعفهم على الجبارين مع قوّتهم.
﴿ ولا ترتدوا على أدباركم ﴾ لا ترجعوا عن الدين الصحيح إلى الشك في نبوّة موسى وإخباره بهذه النصرة، أو لا ترجعوا عن الأرض التي أمرتم بدخولها إلى التي خرجتم عنها.
فقد روي أن القوم كانوا قد عزموا على الرجوع إلى مصر ﴿ فتنقلبوا خاسرين ﴾ في الآخرة يفوت الثواب ولحوق العقاب، أو فترجعوا إلى الذل أو تموتوا في التيه غير واصلين إلى شيء من مطالب الدنيا ومنافع الآخرة.
والجبار "فعال" من جبره على الأمر بمعنى أجبره عليه وهو العاتي الذي يجبر الناس على ما يريد وهو اختيار الفراء والزجاج.
قال الفراء: لم أسمع "فعالاً" من "أفعل" إلاّ في حرفين: جبار من أجبر، ودراك من أدرك.
ويقال: نخلة جبارة إذا كانت طويلة مرتفعة لا تصل الأيدي إليها.
والقوم الاستبعاد ﴿ إنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون ﴾ كقوله : ﴿ ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط ﴾ ﴿ قال رجلان ﴾ هما يوشع وكالب ﴿ من الذين يخافون الله أنعم الله عليهما ﴾ أي بالهداية والثقة بقوله والاعتماد على نصره ومحل ﴿ أنعم الله ﴾ مرفوع صفة لرجلان.
ويحتمل أن يكون جملة معترضة.
قال القفال: يجوز أن يكون الضمير في ﴿ يخافون ﴾ لبني إسرائيل والعائد إلى الموصول محذوف تقديره من الذين يخافهم بنو إسرائيل وهم الجبارون فعلى هذا الرجلان من الجبارين/ ﴿ ادخلوا عليهم الباب ﴾ مبالغة في الوعد بالنصر والظفر كأنه قال: متى دخلتم باب بلدهم لم يبق منهم نافخ نار ولا ساكن دار ﴿ فإذا دخلتموه فإنكم غالبون ﴾ علموه ظناً أو يقيناً من عادة الله في نصرة رسله عامة ومن صنعه لموسى في قهر أعدائه خاصة ﴿ وعلى الله فتوكّلوا ﴾ الفاء للإيذان بتلازم ما قبلها وما بعدها.
والمعنى لما وعدكم الله النصر فلا ينبغي أن تصيروا خائفين من عظم أجسامهم بل توكلوا على الله ﴿ إن كنتم مؤمنين ﴾ مقرين بوجود الإله القدير، موقنين بصحة نبوّة موسى ﴿ قالوا إنّا لن ندخلها ﴾ نفوا دخولهم في المستقبل على وجه التأكيد المؤيس وزادوا في التأكيد بقولهم: ﴿ أبداً ما داموا فيها فاذهب أنت وربك ﴾ قال العلماء: لعلهم كانوا مجسمة يجوّزون الذهاب والمجيء على الله أو أنهم لم يقصدوا حقيقة الذهاب كقولك: "كلمته فذهب يجيبني" يريد القصد والإرادة.
وقيل: المراد بالرب أخوه هارون وسموه رباً لأنه أكبر من موسى.
وقيل: التقدير اذهب وربك معين لك بزعمك ولكن لا يجاوبه.
قوله ﴿ فقاتلا ﴾ ولا يبقى لقوله أنت فائدة واضحة.
ولا يخفى أنّ هذا القول منهم كفر أو فسق فلهذا قال موسى على سبيل الشكوى والبث ﴿ ربي إني لا أملك إلاّ نفسي وأخي ﴾ قال الزجاج: في إعرابه وجهان: الرفع على موضع إني والمعنى أنا لا أملك إلاّ نفسي وأخي كذلك، أو نسقاً على الضمير في ﴿ أملك ﴾ أي لا أملك أنا وأخي إلاّ أنفسنا.
والنصب على أنه نسق على الياء أي إني وأخي لا نملك إلاّ أنفسنا، أو على نفسي أي لا أملك إلاّ نفسي ولا أملك إلاّ أخي، لأنّ أخاه إذا كان مطيعاً له فهو مالك طاعته، وكأنه لم يثق بالرجلين كل الوثوق فلهذا لم يذكرهما، أو لعله قال ذلك تقليلاً لمن يوافقه، أو أراد من يؤاخيه في الدين.
﴿ فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين ﴾ فباعد بيننا وبينهم وخلصنا من صحبتهم كقوله: ﴿ ونجني من القوم الظالمين ﴾ أو المراد فافصل بيننا وبينهم بأن تحكم لكل منا بما يستحق وهو في معنى الدعاء عليهم بدليل فاء التسبيب في قوله: ﴿ فإنها ﴾ أي الأرض المقدسة ﴿ محرمة عليهم أربعين سنة ﴾ ثم يفتحها الله لهم من غير محاربة.
أو المراد أنهم يتيهون أربعين سنة ومعنى يتيهون يسيرون متحيرين.
عن مقاتل أن موسى لما دعا عليهم فأخبره الله بأنهم يتيهون قالوا له: لم دعوت علينا وندم على ما عمل فأوحى الله إليه: ﴿ فلا تأس ﴾ أي لا تحزن ولا تندم ﴿ على القوم الفاسقين ﴾ فإنهم أحقاء بالعذاب لفسقهم.
وجوّز بعضهم أن يكون ذلك خطاباً لمحمد أي لا تحزن على قوم لم تزل مخالفة الرسل هجيراهم.
واعلم أن المفسرين اختلفوا في أنّ موسى وهارون هل بقيا في التيه أم لا؟
فقال قوم: إنهما ما كانا في التيه لأنه دعا أن يفرق بينه وبينهم وكل نبي مجاب، ولأن التيه عذاب/ والأنبياء لا يعذبون، ولأنّ سبب ذلك العذاب التمرد وهما لم يتمرّدا.
وقال آخرون: إنهما كانا مع القوم إلاّ أنّ الله سهل عليهم ذلك العذاب كما أن النار كانت على إبراهيم برداً وسلاماً.
ثم من هؤلاء من قال: إنّ هارون مات في التيه ومات موسى بعده فيه بسنة، ودخل يوشع أريحاء بعد موته بثلاثة أشهر وكان ابن أخت موسى ووصيه بعد موته، ومات النقباء في التيه بغتة بعقوبات غليظة إلاّ كالب ويوشع.
ومنهم من قال: بل بقي موسى بعد ذلك وخرج من التيه وحارب الجبارين وقهرهم وأخذ الأرض المقدسة والله أعلم.
واختلفوا أيضاً في التيه وهي المفازة التي تاهوا فيها فقال الربيع: مقدار ستة فراسخ.
وقيل: تسعة فراسخ في ثلاثين فرسخاً.
وقيل: ستة في اثني عشر.
وقيل: كانوا ستمائة ألف فارس.
ثم الأكثرون على أنّ قوله: ﴿ فإنها محرمة ﴾ تحريم منع كانوا يسيرون كل يوم على الاستدارة جادّين حتى إذا سئموا وأمسوا إذا هم بحيث ارتحلوا عنه، وكان مع ذلك نعمة الله عليهم من تظليل الغمام وإنزال المن والسلوى وغير ذلك متظاهرة كالوالد الشفيق يضرب ولده ويؤذيه ليتأدب ويتثقف ولكن لا يقطع عنه معروفه وإحسانه.
ويشكل هذا القول بأنه كيف يعقل بقاء هذا الجمع العظيم في ذلك القدر الصغير من المفازة سنين متطاولة بحيث لا يتفق لأحد منهم أن يهتدي طريقاً للتيه ولو بأمارات حركات النجوم؟
والجواب أنّ هذا من الخوارق التي يجب التصديق بها كسائر المعجزات التي يستبعد وقوعها.
وقال بعضهم: إنّ هذا التحريم تعبّد وإنه أمرهم بالمكث في تلك المفازة أربعين سنة عقاباً لهم على سوء صنيعهم وعلى هذا فلا إشكال.
التأويل: أشار موسى الروح إلى القوى البدنية ادخلوا أرض القلب المقدسة التي كتبها الله للإنسان المستعد في الفطرة، فهابوا تحمل أعباء المجاهدات ولزوم المخالفات والرياضات فقال لهم رجلان - النفسان اللوّامة والمطمئنة - إنكم غالبون إذا دخلتم باب الجدّ والطلب تستبدل الراحة بالتعب، فلم يعتدّوا بقولهما فحرّم الله ذلك عليهم أربعين سنة هي مدة استيفاء حظوظ النفس الأمارة وانكسار سورة قواها في الأغلب كقوله: ﴿ حتى إذا بلغ اشدّه وبلغ أربعين سنة ﴾ وفي الآية نكتة هي أنّ موسى لما ظن أنه يملك نفسه ونفس أخيه ابتلاه الله في الحال بالدعاء على أمته لأنّ المرء إنما يملك نفسه إذا ملكها عند الغضب فشتان بينه وبين من قال حين شج رأسه وكسرت رباعيته "اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون" اللهم صلّ عليه وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وآل كل بفضلك ورحمتك يا أرحم الراحمين.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ...
﴾ الآية.
يحتمل قوله: ﴿ ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ ﴾ : ما ذكر من بعث الرسل والأنبياء - عليهم السلام - على فترة منهم، ويحتمل: ما ذكر على أثره، وهو قوله: ﴿ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَآءَ وَجَعَلَكُمْ مُّلُوكاً وَآتَاكُمْ مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِّن ٱلْعَٱلَمِينَ ﴾ ؛ كأنه يقول: اشكروا نعمتي التي أنعمت عليكم من جعل الأنبياء فيكم، ولم يكن ذلك لأمة من الخلق، وجعلكم ملوكاً تستنصرون من الأعداء؛ لأن الملوك في بني إسرائيل هم الذين كانوا يتولون القتال وأمر الحرب مع الأعداء؛ كقوله: ﴿ ٱبْعَثْ لَنَا مَلِكاً نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ﴾ ، فأخبر أنه جعل فيهم الأنبياء يعلمونهم أمور الدنيا والآخرة، ويحتاج غيرهم إلى معرفة ذلك، وإنما يعرفون ذلك بهم، وجعل فيهم ملوكاً يستنصرون من الأعداء ويقهرونهم؛ فيعزون ويشرفون في الدنيا والآخرة.
وقوله: ﴿ وَآتَاكُمْ مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِّن ٱلْعَٱلَمِينَ ﴾ .
يحتمل: ما ذكر من جعل الأنبياء والملوك فيهم، ويحتمل: ما رزقهم في التيه من المنِّ والسلوى وغيره من النعم.
وقيل في قوله: ﴿ وَجَعَلَكُمْ مُّلُوكاً ﴾ ، أي: جعلكم بحيث تملكون أنفسكم، وكنتم قبل ذلك يستعبدكم فرعون، ويتخذكم خولاً لنفسه، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يَٰقَوْمِ ٱدْخُلُوا ٱلأَرْضَ ٱلمُقَدَّسَةَ ٱلَّتِي كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ ﴾ .
قيل: قوله: ﴿ كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ ﴾ ، أي: كتب الله عليكم قتال أهل تلك الأرض؛ ليسلموا، وهو كقوله: ﴿ وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ ﴾ ، يعني: الكفر؛ فعلى ذلك قوله - : ﴿ ٱدْخُلُوا ٱلأَرْضَ ٱلمُقَدَّسَةَ ٱلَّتِي كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ ﴾ قتال أهلها؛ ليسلموا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لَكُمْ ﴾ ، أي: عليكم، وهذا جائز في اللغة؛ كقوله: ﴿ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا ﴾ ، أي: فعليها.
وقيل: قوله: ﴿ ٱدْخُلُوا ٱلأَرْضَ ٱلمُقَدَّسَةَ ٱلَّتِي كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ ﴾ فَتْحَهَا، إن أطعتم أمر الله فيما أمركم به، وانتهيتم عما نهاكم عنه، وأجبتم رسوله إلى ما دعاكم إليه، أي: إذا فعلتم ذلك يفتح الله تلك الأرض، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلأَرْضَ ٱلمُقَدَّسَةَ ﴾ ، قيل: هي الشام، وقيل: غيرها، ثم سماها مرة مقدسة، ومرة: مباركة، وهو كقوله: ﴿ إِلَىٰ ٱلْمَسْجِدِ ٱلأَقْصَا ٱلَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ ﴾ ، ثم يحتمل قوله: ﴿ بَارَكْنَا حَوْلَهُ ﴾ بكثرة الثمار والفواكة، وسعة عيشها، وكثرة ريعها.
ويحتمل: أن سماها مباركة؛ لما كانت معدن العباد والزهاد ومنزهة عن الشرك وجميع الفواحش والمناكير، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَارِكُمْ ﴾ .
هذا - والله أعلم - كناية عن الرجوع عن الدين؛ وهو كقوله - -: ﴿ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ ٱللَّهَ شَيْئاً ﴾ ، وإنما صار ذلك كناية عن الرجوع عن الدين - والله أعلم - لما ذكرنا في أحد التأويلين: أنه كتب عليهم قتال أهل تلك الأرض، فتركوا أمر الله وطاعته.
ويحتمل: أن وعد الله لهم فتح تلك الأرض، فلم يصدقوا رسوله فيما أخبر عن الله من الفتح لهم؛ فكفروا بذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَتَنْقَلِبُوا خَٰسِرِينَ ﴾ .
يحتمل: أن يكون ذلك لهم في الآخرة، ويحتمل: في الدنيا منهزمين.
ويحتمل قوله - -: ﴿ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَارِكُمْ ﴾ .
أي: لا ترجعوا وراءكم، ولكن ادخلوها.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالُوا يَامُوسَىٰ إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىٰ يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ ﴾ .
يحتمل: أن يكون هذا - والله أعلم - لما رأوا فرعون مع قربه وكثرة جنوده، مع ادعاء ما ادعى من الربوبية لنفسه - لعنة الله عليه وعلى آله - لم يقدر على فتح تلك الأرض، وعجز عن غلبة أهلها وقهرهم وجعلهم تحت يديه - فرأي هؤلاء ألا يقدرون على ذلك مع ضعفهم في أنفسهم، وقلة عددهم؛ وقصور أسبابهم؛ لذلك امتنعوا عن الدخول فيها إلا بعد خروج من فيها من الجبارين عنها؛ خوفاً منهم على أنفسهم، لكن موسى - - كان وعد لهم الفتح والنصرة مع ضعفهم وقلة عددهم، إذا دخلوا فيها.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمَا ٱدْخُلُواْ عَلَيْهِمُ ٱلْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ ﴾ اختلف في الرجلين اللذين قالا ذلك لهم: قال قائلون: كان ذانك الرجلان من أولئك الذين بعثهم موسى - على نبينا وعليه الصلاة والسلام - إلى أهل تلك الأرض، وأمرهم بالدخول فيها، وهما ممن قد أنعم الله عليهما من تصديق ما وعد لهم موسى من الفتح والنصرة، فقال: ﴿ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ ﴾ صدقوا موسى بما وعد لهم من الفتح.
وقال قائلون: كان ذانك الرجلان اللذان قالا ذلك لهم هما من أهل تلك الأرض؛ لأنهم إذ سمعوا أن موسى قصد نحوهم خافوا من ذلك؛ فذلك معنى قوله: ﴿ مِنَ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمَا ﴾ بالإسلام؛ فقالا: ﴿ ٱدْخُلُواْ عَلَيْهِمُ ٱلْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ ﴾ ؛ لما علموا من خوف أهلها من موسى ومن معه وفزعهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَعَلَى ٱللَّهِ فَتَوَكَّلُوۤاْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴾ .
أي: مصدقين بوعد موسى بالفتح لكم والنصر.
ويحتمل: وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مسلمين؛ فإن كل من توكل على الله ووثق به، نصره الله، وجعله غالباً على عدوه، والله أعلم.
وقوله: ﴿ ٱدْخُلُواْ عَلَيْهِمُ ٱلْبَابَ ﴾ : كأن المراد من الباب ليس نفس الباب؛ ولكن جهة من الجهات التي يكون الدخول عليهم من تلك الجهة أرفق وأهون؛ كأنه قال: ادخلوا عليهم جهة كذا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يَامُوسَىۤ إِنَّا لَنْ نَّدْخُلَهَآ أَبَداً مَّا دَامُواْ فِيهَا ﴾ .
من تعرض لرسول من الرسل بمثل ما تعرض هؤلاء لموسى: ﴿ يَامُوسَىۤ إِنَّا لَنْ نَّدْخُلَهَآ أَبَداً مَّا دَامُواْ فِيهَا ﴾ - يكفر؛ لأن موسى - - قد وعد لهم النصر والفتح إذا دخلوها، فقالوا: ﴿ لَنْ نَّدْخُلَهَآ أَبَداً ﴾ لم يصدقوا موسى - - فيما وعد لهم من الفتح والنصر، ومن كذَّب رسولاً من الرسل بشيء مخبر؛ فهو كافر.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاۤ...
﴾ الآية: دل - قوله - -: ﴿ فَٱذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاۤ ﴾ على أن الأمر بالدخول فيها أمر بالقتال مع الأعداء، حين قال: ﴿ ٱدْخُلُوا ٱلأَرْضَ ٱلمُقَدَّسَةَ ٱلَّتِي كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ ﴾ ، وأن المكتوب عليهم القتال معهم؛ لأنهم قالوا: ﴿ فَٱذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاۤ ﴾ ، والله أعلم.
ثم قيل في قوله - -: ﴿ فَٱذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاۤ ﴾ بوجهين: قيل: اذهب أنت وربك فقاتل وحدك، وليعينك ربك وينصرك؛ لأنك تقول: إن الله قد وعدك فتحها والنصر عليهم، فالواحد والجماعة فيه سواء، إذا كان الله ناصرك ومعينك.
والثاني: اذهب أنت وأخوك بربك فقاتلا؛ لأنهما كانا جميعاً مأمورين بتبليغ الرسالة؛ لأنهما إذا قاتلا إنما قاتلا بربهما، وتجوز الإضافة إليه والنسبة لما كان يفعل به؛ كقوله: ﴿ فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ قَتَلَهُمْ ﴾ ، وقوله - -: ﴿ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ ﴾ هم المباشرون للقتل والرمي في الحقيقة، لكنه أضيف إليه؛ لما بنصره ومعونته قتلوا ورموا؛ فعلى ذلك الأول - والله أعلم - أضيف إليه؛ لما بمعونته ونصره يقاتلون.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ ﴾ .
أي: ليس يريد به القعود نفسه، ولكن - والله أعلم - إنا هاهنا منتظرون.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ رَبِّ إِنِّي لاۤ أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي...
﴾ \[الآية\] يحتمل وجهين: يحتمل: أني لا أملك في الإجابة والطاعة لك إلا نفسي [وأخي - أيضاً -] لما عرفت بالعصمة التي أعطيت له أن يجيبني ويطيعني في ذلك، وأما هؤلاء: فإني لا أملك إجابتهم ولا طاعتهم، ﴿ فَٱفْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ ٱلْقَوْمِ ٱلْفَاسِقِينَ ﴾ .
ويحتمل: ﴿ إِنِّي لاۤ أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي ﴾ لا يملك - أيضاً - إلا نفسه؛ على الإضمار؛ لأنهما كانا جميعاً رسولين مأمورين بتبليغ الرسالة بقوله - -: ﴿ فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً...
﴾ الآية [طه: 44].
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱفْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ ٱلْقَوْمِ ٱلْفَاسِقِينَ ﴾ .
قال قائلون: إنما طلب موسى - - الفرقة بينه وبين الذين أبوا الدخول فيها، وقالوا: ﴿ لَنْ نَّدْخُلَهَآ أَبَداً ﴾ .
وقال قائلون: إنما طلب [موسى] الفرقة بينهم وبين الجبابرة الذين كانوا في الأرض، التي أمروا بالدخول فيها والقتال معهم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً...
﴾ الآية.
قوله : ﴿ مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ ﴾ : من الحرمان والمنع، هو - والله أعلم - ليس على التحريم؛ كقوله - -: ﴿ وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ ٱلْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ ﴾ ليس هو من التحريم الذي هو تحريم حكم، ولكن من المنع والحرمان؛ فعلى ذلك الأول، والله أعلم.
وقال قائلون: محرمة عليهم أبداً لم يدخلوها حتى ماتوا، لكن ولد لهم أولاد؛ فلما ماتوا هم دخل أولادهم؛ لأنهم قالوا: ﴿ لَنْ نَّدْخُلَهَآ أَبَداً ﴾ .
وقال قائلون: قوله : ﴿ مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ ﴾ : أي: التوبة محرمة عليهم، لن يتوبوا أبداً، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ : فالمدة هاهنا للتيه - والله أعلم - لا لقوله : ﴿ مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ ﴾ .
ثم اختلف في التيه: قال قائلون: لم يكن موسى وهارون - عليهما السلام - معهم في التيه؛ لأن ذلك لهم من الله كان عقوبة، ولا يحتمل أن يكون الله - عز وجل - يعذب رسوله بذنب قومه؛ لأنه لم يعذب قوماً بتكذيب الرسول قط إلا من بعد ما أخرج الرسول من بين أظهرهم؛ فعلى ذلك لا يحتمل أن يكون موسى يعذب بعصيان قومه، والله أعلم.
وقال آخرون: كان موسى معهم في تلك الأرض مقيماً فيها، ولكن الحيرة والتيه كانت لقومه، قيل: كانوا يرتحلون ثم ينزلون من حيث أصبحوا أربعين سنة، وكان ماؤهم في الحجر الذي كان مع موسى - - فكان إذا نزل [ضربه] موسى بعصاه، ﴿ فَٱنفَجَرَتْ مِنْهُ ٱثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً ﴾ ، لكل سبط عين، ولم يكن حل بموسى مما كان حل بقومه قليل ولا كثير؛ إنما أمر بالمقام فيها؛ فأقام من غير أن كان به حيرة.
<div class="verse-tafsir"
قال موسى لربه: يا رب لا سلطان لي على أحد إلا على نفسي وأخي هارون، فافصل بيننا وبين القوم الخارجين عن طاعتك وطاعة رسولك.
<div class="verse-tafsir" id="91.VnYwv"