الإسلام > القرآن > سور > سورة 5 المائدة > الآية ٢٦ من سورة المائدة
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 145 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٢٦ من سورة المائدة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله تعالى : ( [ قال ] فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض [ فلا تأس على القوم الفاسقين ] ) لما دعا عليهم موسى عليه السلام ، حين نكلوا عن الجهاد حكم الله عليهم بتحريم دخولها قدرا مدة أربعين سنة ، فوقعوا في التيه يسيرون دائما لا يهتدون للخروج منه ، وفيه كانت أمور عجيبة ، وخوارق كثيرة ، من تظليلهم بالغمام وإنزال المن والسلوى عليهم ، ومن إخراج الماء الجاري من صخرة صماء تحمل معهم على دابة ، فإذا ضربها موسى بعصاه انفجرت من ذلك الحجر اثنتا عشرة عينا تجري لكل شعب عين ، وغير ذلك من المعجزات التي أيد الله بها موسى بن عمران .
وهناك أنزلت التوراة ، وشرعت لهم الأحكام ، وعملت قبة العهد ، ويقال لها : قبة الزمان .
قال يزيد بن هارون عن أصبغ بن زيد عن القاسم بن أبي أيوب عن سعيد بن جبير : سألت ابن عباس عن قوله : ( فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض ) الآية .
قال : فتاهوا في الأرض أربعين سنة ، يصبحون كل يوم يسيرون ليس لهم قرار ، ثم ظلل عليهم الغمام في التيه وأنزل عليهم المن والسلوى وهذا قطعة من حديث " الفتون " ، ثم كانت وفاة هارون ، عليه السلام ، ثم بعده بمدة ثلاثة سنين مات موسى الكليم ، عليه السلام ، وأقام الله فيهم " يوشع بن نون " عليه السلام ، نبيا خليفة عن موسى بن عمران ، ومات أكثر بني إسرائيل هناك في تلك المدة ، ويقال : إنه لم يبق منهم أحد سوى " يوشع " و " كالب " ، ومن هاهنا قال بعض المفسرين في قوله : ( قال فإنها محرمة عليهم ) هذا وقف تام ، وقوله : ( أربعين سنة ) منصوب بقوله : ( يتيهون في الأرض ) فلما انقضت المدة خرج بهم " يوشع بن نون " عليه السلام ، أو بمن بقي منهم وبسائر بني إسرائيل من الجيل الثاني ، فقصد بهم بيت المقدس فحاصرها ، فكان فتحها يوم الجمعة بعد العصر ، فلما تضيفت الشمس للغروب ، وخشي دخول السبت عليهم قال " إنك مأمورة وأنا مأمور ، اللهم احبسها علي " ، فحبسها الله تعالى حتى فتحها ، وأمر الله " يوشع بن نون " أن يأمر بني إسرائيل حين يدخلون بيت المقدس أن يدخلوا بابها سجدا ، وهم يقولون : حطة ، أي : حط عنا ذنوبنا ، فبدلوا ما أمروا به ، فدخلوا يزحفون على أستاههم ، وهم يقولون : حبة في شعرة ، وقد تقدم هذا كله في سورة البقرة .
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا محمد بن أبي عمر العدني حدثنا سفيان عن أبي سعيد عن عكرمة عن ابن عباس قوله : ( فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض ) قال : فتاهوا أربعين سنة ، فهلك موسى وهارون في التيه وكل من جاوز الأربعين سنة ، فلما مضت الأربعون سنة ناهضهم " يوشع بن نون " ، وهو الذي قام بالأمر بعد موسى وهو الذي افتتحها ، وهو الذي قيل له : " اليوم يوم الجمعة " فهموا بافتتاحها ، ودنت الشمس للغروب ، فخشي إن دخلت ليلة السبت أن يسبتوا ، فنادى الشمس : " إني مأمور وإنك مأمورة " فوقفت حتى افتتحها ، فوجد فيها من الأموال ما لم ير مثله قط ، فقربوه إلى النار فلم تأت فقال : فيكم الغلول ، فدعا رءوس الأسباط وهم اثنا عشر رجلا فبايعهم ، والتصقت يد رجل منهم بيده ، فقال : الغلول عندك ، فأخرجه فأخرج رأس بقرة من ذهب ، لها عينان من ياقوت ، وأسنان من لؤلؤ ، فوضعه مع القربان ، فأتت النار فأكلتها .
وهذا السياق له شاهد في الصحيح .
وقد اختار ابن جرير أن قوله : ( فإنها محرمة عليهم ) هو العامل في " أربعين سنة " ، وأنهم مكثوا لا يدخلونها أربعين سنة ، وهم تائهون في البرية لا يهتدون لمقصد .
قال : ثم خرجوا مع موسى عليه السلام ، ففتح بهم بيت المقدس .
ثم احتج على ذلك قال : بإجماع علماء أخبار الأولين أن عوج بن عنق " قتله موسى عليه السلام ، قال : فلو كان قتله إياه قبل التيه لما رهبت بنو إسرائيل من العماليق فدل على أنه كان بعد التيه .
قال : وأجمعوا على أن " بلعام بن باعورا " أعان الجبارين بالدعاء على موسى قال : وما ذاك إلا بعد التيه لأنهم كانوا قبل التيه لا يخافون من موسى وقومه ، هذا استدلاله ، ثم قال : حدثنا أبو كريب حدثنا ابن عطية حدثنا قيس عن أبي إسحاق عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : كانت عصا موسى عشرة أذرع ، ووثبته عشرة أذرع ، وطوله عشرة أذرع ، فوثب فأصاب كعب " عوج " فقتله ، فكان جسرا لأهل النيل سنة .
وروي أيضا عن محمد بن بشار حدثنا مؤمل حدثنا سفيان عن أبي إسحاق عن نوف البكالي قال : كان سرير " عوج " ثمانمائة ذراع ، وكان طول موسى عشرة أذرع ، وعصاه عشرة أذرع ، ووثب في السماء عشرة أذرع ، فضرب " عوجا " فأصاب كعبه ، فسقط ميتا ، وكان جسرا للناس يمرون عليه .
وقوله تعالى : ( فلا تأس على القوم الفاسقين ) تسلية لموسى عليه السلام ، عنهم ، أي : لا تتأسف ولا تحزن عليهم فمهما حكمت عليهم به فإنهم يستحقون ذلك .
وهذه القصة تضمنت تقريع اليهود وبيان فضائحهم ، ومخالفتهم لله ولرسوله ونكولهم عن طاعتهما ، فيما أمرهم به من الجهاد ، فضعفت أنفسهم عن مصابرة الأعداء ومجالدتهم ، ومقاتلتهم ، مع أن بين أظهرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وكليمه وصفيه من خلقه في ذلك الزمان ، وهو يعدهم بالنصر والظفر بأعدائهم ، هذا وقد شاهدوا ما أحل الله بعدوهم فرعون من العذاب والنكال والغرق له ولجنوده في اليم ، وهم ينظرون لتقر به أعينهم وما بالعهد من قدم ، ثم ينكلون عن مقاتلة أهل بلد هي بالنسبة إلى ديار مصر لا توازي عشر المعشار في عدة أهلها وعددهم ، فظهرت قبائح صنيعهم للخاص والعام ، وافتضحوا فضيحة لا يغطيها الليل ، ولا يسترها الذيل ، هذا وهم في جهلهم يعمهون ، وفي غيهم يترددون ، وهم البغضاء إلى الله وأعداؤه ، ويقولون مع ذلك : ( نحن أبناء الله وأحباؤه ) [ المائدة : 18 ] فقبح الله وجوههم التي مسخ منها الخنازير والقرود ، وألزمهم لعنة تصحبهم إلى النار ذات الوقود ، ويقضي لهم فيها بتأبيد الخلود ، وقد فعل وله الحمد من جميع الوجود .
القول في تأويل قوله جل ثناؤه : قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في الناصب لِـ" الأربعين ".
فقال بعضهم: الناصب له قوله: " محرّمة "، وإنما حرم الله جل وعزّ على القوم الذين عصوه وخالفوا أمره من قوم موسى وأبوا حَرْب الجبارين (13) = دخولَ مدينتهم أربعين سنة، (14) ثم فتحها عليهم وأسكنهموها، (15) وأهلك الجبارين بعد حرب منهم لهم، بعد أن انقضت الأربعون سنة وخرجوا من التيه.
(16) 11690 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قال: لما قال لهم القوم ما قالوا، ودعا موسى عليهم، أوحى الله إلى موسى: " إنها محرمة عليهم أربعين سنًة يتيهون في الأرض فلا تأس على القوم الفاسقين "، وهم يومئذ، فيما ذكر، ستمائة ألف مقاتل.
فجعلهم " فاسقين " بما عصوا.
فلبثوا أربعين سنة في فراسخ ستّة، أو دون ذلك، يسيرون كل يوم جادِّين لكي يخرجوا منها، حتى سئموا ونـزلوا، (17) فإذا هم في الدار التي منها ارتحلوا= وإنهم اشتكوا إلى موسى ما فُعِل بهم، فأنـزل عليهم المنّ والسلوى، وأعطوا من الكسوة ما هي قائمة لهم، وينشأ الناشئ فتكون معه على هيئته.
(18) وسأل موسى ربه أن يسقيهم، فأتى بحجر الطور، وهو حجر أبيض، إذا ما نـزل القوم ضربه بعصاه، فيخرج منه اثنتا عشرة عينًا، لكل سبط منهم عَيْنٌ، قد علم كل أناس مشربهم.
حتى إذا خَلَت أربعون سنة، وكانت عذابًا بما اعتدوا وعصوا، أوحى إلى موسى: أنْ مُرْهم أن يسيروا إلى الأرض المقدسة، فإن الله قد كفاهم عدوَّهم، وقل لهم إذا أتوا المسجد: أن يأتوا الباب، ويسجدوا إذا دخلوا، ويقولوا: حِطَّةٌ = وإنما قولهم: حِطَّةٌ ، أن يحطَّ عنهم خطاياهم= فأبى عامة القوم وعصوا، وسجدوا على خدِّهم، وقالوا: " حنطة "، فقال الله جل ثناؤه: فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ إِلَى بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ [سورة البقرة: 59].
(19) * * * وقال آخرون: بل الناصب لِـ" الأربعين "،" يتيهون في الأرض ".
قالوا: ومعنى الكلام: قال، فإنَّها محرمة عليهم أبدًا، يتيهون في الأرض أربعين سنة.
قالوا: ولم يدخُل مدينة الجبَّارين أحد ممن قال: إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ ، وذلك أن الله عز ذكره حرَّمها عليهم.
قالوا: وإنما دخلها من أولئك القوم يُوشع وكلاب، اللذان قالا لهم: ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ ، وأولادُ الذين حرَّم الله عليهم دخولها، فتيَّههم الله فلم يدخلها منهم أحدٌ.
ذكر من قال ذلك: 11691 - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا سليمان بن حرب قال، حدثنا أبو هلال، عن قتادة في قول الله جل وعزّ: " إنها محرمة عليهم "، قال: أبدًا.
11692 - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا سليمان بن حرب قال، حدثنا أبو هلال، عن قتادة في قول الله: " يتيهون في الأرض "، قال: أربعين سنة.
11693 - حدثنا المثنى قال، حدثنا مسلم بن إبراهيم قال، حدثنا هارون &; 10-192 &; النحوي قال، حدثني الزبير بن الخرّيت، عن عكرمة في قوله: " فإنها محرّمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض "، قال: التحريم، التيهاءُ.
(20) 11694 - حدثنا موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: غضب موسى على قومه فدعا عليهم فقال: رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلا نَفْسِي وَأَخِي الآية، فقال الله جل وعز: " فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض ".
فلما ضُرِب عليهم التيه، ندم موسى.
وأتاه قومه الذين كانوا [معه] يطيعونه، (21) فقال له: ما صنعت بنا يا موسى!
فمكثوا في التيه.
فلما خرجوا من التيه، رُفع المنُّ والسلوى وأكلُوا من البقول.
والتقى موسى وعاج، (22) فنـزا موسى في السماء عشرة أذرع (23) = وكانت عصاه عشرة أذرع، وكان طوله عشرة أذرع= فأصاب كعب عاج فقتله.
(24) ولم يبق [أحد] ممن أبى أن يدخل قرية الجبَارين مع موسى، إلا مات ولم يشهد الفتح.
(25) ثم إن الله جل وعز لما انقضت الأربعون سنة، بعث يوشع بن النون نبيًا، (26) فأخبرهم أنه نبيّ، وأن الله قد أمره أن يقاتل الجبّارين، فبايعوه وصدَّقوه، فهزم الجبارين واقتحمُوا عليهم يقتُلونهم، (27) فكانت العصابة من بني إسرائيل يجتمعون على عُنُق الرجل يضربونها لا يقطعونها.
(28) 11695 - حدثني عبد الكريم بن الهيثم قال، حدثنا إبراهيم بن بشار قال، حدثنا سفيان قال، قال أبو سعيد، (29) عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال الله جل وعز: لما دعا موسى=" فإنها محرّمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض ".
(30) قال: فدخلوا التيه، فكلُّ من دخل التيه ممن جاوز العشرين سنًة مات في التيه.
(31) قال: فمات موسى في التيه، ومات هارون قبله.
قال: فلبثوا في تيههم أربعين سنة، فناهض يوشع بمن بقي معه مدينةَ الجبارين، فافتتح يوشع المدينة.
(32) 11696 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قال الله جل وعزّ: " إنها محرّمة عليهم أربعين سنة "، حرمت عليهم [القُرَى]، (33) فكانوا لا يهبطون قرية ولا يقدرون على ذلك، إنما يتبعون الأطواء أربعين سنة، (34) =وذكر لنا أن موسى صلى الله عليه وسلم مات في الأربعين سنة، وأنه لم يدخل بيت المقدس منهم إلا أبناؤهم والرجلان اللذان قالا ما قالا.
(35) 11697 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال، حدثني بعض أهل العلم بالكتاب الأوّل قال: لما فعلت بنو إسرائيل ما فعلت= من معصيتهم نبيّهم، وهّمهم بكالب ويوشع، إذْ أمرَاهم بدخول مدينة الجبارين، وقالا لهم ما قالا= ظهرت عظمة الله بالغمام على باب قُبّة الزُّمَرِ على كل بني إسرائيل، (36) فقال جل ثناؤه لموسى: إلى متى يعصيني هذا الشعب؟
وإلى متى لا يصدّقون بالآيات كلِّها التي وضَعتُ بينهم؟
أضربهم بالموت فأهلكهم، (37) وأجعل لك شعبًا أشد وأكبر منهم.
فقال موسى: يسمع أهلُ المصر الذين أخرجتَ هذا الشعب بقوّتك من بينهم، (38) ويقول ساكن هذه البلاد الذين قد سمعوا أنك أنت الله في هذا الشعب، (39) فلو أنك قتلت هذا الشعب كلهم كرجل واحد، لقالت الأمم الذين سمعوا باسمك: " إنما قتل هذا الشعب من أجل الذين لا يستطيع أن يدخلهم الأرض التي خلق لهم، فقتلهم في البّرية "، ولكن لترتفع أياديك ويعظم جزاؤك، يا رَبِّ، كما كنت تكلَّمت وقلتَ لهم، فإنه طويلٌ صبرك، كثيرة نعمك، وأنت تغفر الذنوب فلا توبق، (40) وإنك تحفظ [ذنب] الآباء على الأبناء وأبناء الأبناء إلى ثلاثة أحقاب وأربعة.
(41) فاغفر، أيْ ربِّ، آثام هذا الشعب بكثرة نعمك، وكما غفرت لهم منذ أخرجتهم من أرض مصر إلى الآن.
فقال الله جل ثناؤه لموسى صلى الله عليه: قد غفرت لهم بكَلمتك، ولكن حيٌّ أنا، (42) وقد ملأت الأرض محمدتي كلها، لا يرى القوم الذين قد رأوا محمدتي وآياتي التي فعلت في أرض مصر وفي القفار، (43) وابتلوني عشر مرات ولم يطيعوني، (44) لا يرون الأرض التي حلفت لآبائهم، (45) ولا يراها من أغضبني، فأما عبدي كالب الذي كان روحه معي واتبع هواي، (46) فإني مدخله الأرض التي دخلها، ويراها خَلَفه.
=وكان العماليق والكنْعانيون جلوسًا في الجبال، ثم غدوا فارتحلوا إلى القفار في طريق بحر سوف، (47) وكلم الله عز وجل موسى وهارون، وقال لهما: إلى متى توسوس عليّ هذه الجماعة جماعة السوء؟
قد سمعتُ وسوسة بني إسرائيل.
(48) وقال، لأفعلن بكم كما قلت لكم، (49) ولتلقينَّ جِيَفكم في هذه القفار، وكحسابكم، (50) من بني عشرين سنة فما فوق ذلك، من أجل أنكم وسوستم عليّ، (51) فلا تدخلوا الأرض التي رفعت [يدي] إليها، (52) ولا ينـزل فيها أحد منكم غير كالب بن يوفنا ويوشع بن نون، وتكون أثقالكم كما كنتم الغنيمة، وأما بنُوكم اليوم الذين لم يعلموا ما بين الخير والشر، فإنهم يدخلون الأرض، وإني بهم عارف، لهم الأرض التي أردت لهم، وتسقط جيفكم في هذه القفار، وتتيهون في هذه القفار على حساب الأيَّام التي حَسَستم الأرض أربعين يومًا، مكان كل يوم سنةً وتقتلون بخطاياكم أربعين سنة، وتعلمون أنكم وسوستم قُدَّامي.
إنى أنا الله فاعل بهذه الجماعة= جماعة بني إسرائيل الذين وعدوا قدامي= بأن يتيهوا في القفار، (53) فيها يموتون.
= فأما الرهط الذين كان موسى بعثهم ليتحسسوا الأرض، ثم حرَّشوا الجماعة، فأفشوا فيهم خبرَ الشرّ، فماتوا كلهم بغتًة، وعاش يوشع وكالب بن يوفنا من الرهط الذين انطلقوا يتحسسون الأرض.
=فلما قال موسى عليه السلام هذا الكلام كلَّه لبني إسرائيل، حزن الشعب حزنًا شديدًا، وغدوا فارتفعوا، إلى رأس الجبل، (54) وقالوا: نرتقي الأرض التي قال جل ثناؤه، من أجل أنا قد أخطأنا.
فقال لهم موسى: " لم تعتدون في كلام الله؟
من أجل ذلك لا يصلح لكم عمل، ولا تصعدوا من أجل أنَّ الله ليس معكم، فالآن تنكسرون من قدّام أعدائكم، من أجل العمالقة والكنعانيين أمامكم، فلا تقعوا في الحرب من أجل أنكم انقلبتم على الله، فلم يكن الله معكم ".
فأخذوا يَرْقَوْنَ في الجبل، ولم يبرح التابوت الذي فيه مواثيق الله جل ذكره وموسى من المحلة= يعني من الخيمة (55) = حتى هبط العماليق والكنعانيون في ذلك الحائط، فحرقوهم وطردوهم وقتلوهم.
(56) فتيّههم الله عز ذكره في التيه أربعين سنًة بالمعصية، حتى هلك من كان استوجب المعصية من الله في ذلك.
=قال: فلما شَبّ النواشئ من ذراريهم وهلك آباؤهم، وانقضت الأربعون سنة التي تُيِّهوا فيها، (57) وسار بهم موسى ومعه يوشع بن نون وكالب بن يوفنا، وكان -فيما يزعمون- على مريم ابنة عمران أخت موسى وهارون، وكان لهما صهرًا، (58) قدَّم يوشع بن نون إلى أريحا، في بني إسرائيل، فدخلها بهم، وقتل بها الجبابرة الذين كانوا فيها، ثم دخلها موسى ببني إسرائيل، فأقام فيها ما شاء الله أن يُقيم، ثم قبضه الله إليه، لا يعلم قبره أحد من الخلائق.
* * * قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب، قولُ من قال: إن " الأربعين " منصوبة بـ" التحريم "= وإنّ قوله: " محرمة عليهم أربعين سنة "، معنيٌّ به جميع قوم موسى، لا بعض دون بعض منهم.
لأن الله عز ذكره عمَّ بذلك القوم، ولم يخصص منهم بعضًا دون بعض.
وقد وفَى الله جل ثناؤه بما وعدهم به من العقوبة، فتيَّههم أربعين سنة، وحرَّم على جميعهم، في الأربعين سنة التي مكثوا فيها تائهين، دخولَ الأرض المقدَّسة، فلم يدخلها منهم أحد، لا صغير ولا كبير، ولا صالح ولا طالح، حتى انقضت السنون التي حرَّم الله عز وجَل عليهم فيها دخولها.
ثم أذن لمن بقي منهم وذراريهم بدخُولها مع نبي الله موسى والرجلين اللذين أنعمَ الله عليهما، وافتتح قرية الجبارين، إن شاء الله، نبيُّ الله موسى صلى الله عليه وسلم، وعلى مقدّمته يوشع، وذلك لإجماع أهل العلم بأخبار الأوَّلين أن عوج بن عناق قتلَه موسى صلى الله عليه وسلم.
(59) فلو كان قتلُه إياه قبل مصيره في التيه، وهو من أعظم الجبارين خلقًا، لم تكن بنو إسرائيل تجزَع من الجبارين الجزعَ الذي ظهر منها.
ولكن ذلك كان، إن شاء الله، بعد فناء الأمة التي جزعت وعصت ربها، وأبت الدخول على الجبارين مدينَتهم.
وبعدُ: فإن أهل العلم بأخبار الأوّلين مجمعون على أن بلعم بن باعور، (60) كان ممن أعان الجبارين بالدعاء على موسى.
ومحالٌ أن يكون ذلك كان وقوم موسى ممتنعون من حربهم وجهادهم، لأن المعونة إنما يحتاج إليها من كان مطلوبًا، فأما ولا طالب، فلا وجه للحاجة إليها.
11698 - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا مؤمل قال، حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن نوف قال: كان سرير عوج ثمانمائة ذراع، وكان طول موسى عشرة أذرع، وعصاه عشرة أذرع، ووثب في السماء عشرة أذرع، (61) فضرب عوجًا فأصاب كعبه، فسقط ميتًا، فكان جسرًا للناس يمرُّون عليه.
(62) 11699 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن عطية قال، حدثنا قيس، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: كانت عصا موسى عشرة أذرع، ووثبته عشرة أذرع، وطوله عشرة أذرع، (63) فوثب فأصاب كعب عوج فقتله، فكانَ جسرًا لأهل النيل سنة.
(64) * * * ومعنى: " يتيهون في الأرض "، يحارون فيها ويضلُّون= ومن ذلك قيل للرجل الضال عن سبيل الحق: " تائه ".
وكان تيههم ذلك: أنهم كانوا يصبحون أربعين سنة كل يوم جادِّين في قدر ستة فراسخ للخروج منه، فيمسون في الموضع الذي ابتدأوا السير منه.
11700 - حدثني بذلك المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع.
(65) 11701 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: تاهت بنو إسرائيل أربعين سنة، يصبحون حيث أمسوا، ويمسون حيث أصبحوا في تيههم.
* * * القول في تأويل قوله جل ثناؤه : فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (26) قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: " فلا تأس "، فلا تحزن.
يقال منه: " أسِيَ فلان على كذا يأسىَ أسًى "، و " قد أسيت من كذا "، أي حزنت، ومنه قول امرئ القيس: وُقُوفًـا بِهَـا صَحْـبي عَـلَيَّ مَطِيَّهُـمْ يَقُولُــونَ: لا تَهْلِـكْ أَسًـى وتَجَـمَّل (66) يعني: لا تهلك حزنًا.
* * * وبالذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك: 11702 - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: " فلا تأس " يقول: فلا تحزن.
11703 - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال حدثنا أسباط، عن السدي: " فلا تأس على القوم الفاسقين "، قال: لما ضُرب عليهم التّيه، ندم موسى صلى الله عليه وسلم، فلما نَدِم أوحى الله إليه: " فلا تأس على القوم الفاسقين "، لا تحزن على القوم الذين سمَّيتهم " فاسقين "، فلم يحزن.
(67) --------------------- الهوامش : (5) في المطبوعة والمخطوطة: "من قيلهم لهم" ، والسياق يقتضي"له" ، وسياق العبارة: "أنه قال عند ذلك..
داعيًا: يا رب..".
(6) انظر تفسير"ملك" فيما سلف قريبًا ص: 105.
(7) لعله: حبينة بن طريف العكلي.
وانظر التعليق التالي.
و"حبينة" بالباء ، والنون وأخطأ من ظن أنه بنونين.
(8) مجاز القرآن لأبي عبيدة 1: 160 ، وهكذا جاء هناك وهنا.
وفي المخطوطة: "يا رب فارق" ، وصححه في المطبوعة ، وجاء تصحيحه موافقًا لما في مجاز القرآن.
ولم أجد الرجز بهذا اللفظ ، وظني أنه رجز حبينة بن طريف العكلي ، له خبر طويل (انظر تهذيب إصلاح المنطق 1: 138) ، كان بينه وبين ليلى الأخيلية كلام ، فقال لها: "أما والله لو أن لي منك النصف ، لسببتك سبًا يدخل معك قبرك!!" ثم راجزها وفضحها ، فقال في رجزه ذلك: جَارِيَــةٌ مــنْ شِـعْب ذي رُعَيْـنِ حَيَّاكَـــةٌ تَمْشِـــي بِعُلْطَتَيْـــنِ وَذِي هِبَـــابٍ نَعِــظِ الْعَصْــرَيْنِ قَــدْ خَلَجَــتْ بحــاجِبٍ وعَيْــنِ يَــا قَــوْمِ خَــلُّوا بَيْنَهـا وَبَيْنِـي أَشَــدَّ مَــا خُــلِّي بَيْــنَ اثْنَيْـنَ لــم يُلْــقَ قَــطُّ مِثْلَنَــا سِـيَّيْنِ "حياكة" ، تحيك في مشيتها ، أي تتبختر.
و"وتتثط بالعلطتان" ، قلادتان أو ودعتان تكون في أعناق الصبيان ، "خجلت العين" واضطربت.
يصفها بالغمز للرجال."سيين": مثلين.
و"هب التيس هبابًا وهبيبًا" ، هاج ونب للسفاد.
وتجد هذا الشعر وخبره مفرقًا في المؤتلف والمختلف للآمدي: 97 ، وإصلاح المنطق: 89 ، وتهذيب إصلاح المنطق: 138 ، واللسان (خلج) (علط) (نعظ) (عرك) ، والمخصص 2: 47.
والشعر بهذه الرواية لا شاهد فيه.
(9) "عجلة" مصدر الواحدة من قولهم: "عجل" ، إذا أسرع.
(10) في المطبوعة: "كل هذا من قول الرجل" ، وأثبت ما في المخطوطة ، وكأنه صواب ، وكأنه يقول"افرق بينا" و"اقض بينا" ، و"افتتح بيننا" كل ذلك يقول الرجل بمعنى"اقض بيننا".
(11) في المطبوعة والمخطوطة: "فقضى الله" ، وآثرت قراءتها كذلك لحسن سياقها ، وهو في المخطوطة يكثر أن يكتب"قضاء" هكذا"قضى" ، كما سلف مرارا.
(12) انظر تفسير"الفسق" فيما سلف 1: 409 ، 410/2: 118/ ثم 9: 515 ، تعليق: 2 ، والمراجع هناك.
(13) في المطبوعة والمخطوطة: "وإنما حرم الله جل وعز القوم.." ، والسياق يقتضي ما أثبت ، بزيادة"على".
(14) قوله"دخول" منصوب ، مفعول لقوله: "حرم".
وكان في المطبوعة: "ودخول مدينتهم" ، وهو خطأ لا شك فيه ، والكلام لا يستقيم.
(15) في المطبوعة: "وأسكنوها" ، غير ما في المخطوطة لغير علة.
(16) في المطبوعة: "بعد أن قضيت الأربعون سنة" ، غير ما في المخطوطة لغير علة.
(17) في المطبوعة: "حتى يمسوا وينزلوا" ، وأثبت ما في المخطوطة ، فهو صواب.
(18) قوله: "ما هي قائمة لهم" ، كأنه يعني أن ثيابهم كانت لا تبلي ، بل لا تزال قائمة.
وكان في المطبوعة والمخطوطة: "ينشأ" بغير واو ، فزدتها لاقتضاء السياق.
(19) الأثر: 11690- كأن هذا هو الأثر الذي ذكر أبو جعفر إسناده ولم يتمه فيما مضى رقم: 993.
فلا أدري أفعل ذلك اختصارا ، أم سقط الخبر من هناك.
(20) الأثر: 11693-"مسلم بن إبراهيم الأزدي الفراهيدي".
و"هرون النحوي" ، هو: "هرون بن موسى الأزدي" ، الأعور.
و"الزبير بن الحزيت".
ثقات مضوا جميعًا برقم: 4985.
وهذا الخبر ، رواه أبو جعفر في تاريخه 1: 225 ، 226.
وكان في المطبوعة هنا: "التحريم ، لا منتهى له" ، وهو تصرف معيب بالغ العيب.
وفي المخطوطة: "التحريم ، المنتهى" ، فآثرت قراءتها"التيهاء" يقال: "أرض تيه ، وتيهاء" ، ويقال ، "تيه" جمع"تيهاء" ، وهي المفازة يتاه فيها.
وفي تاريخ الطبري 1: 226"التحريم: التيه".
(21) هذه الزيادة بين القوسين مما مضى في 2: 98 ، رقم: 991.
(22) في المطبوعة: "عوج" في هذا المكان ، وكل ما سيأتي ، وأثبت ما في المخطوطة.
(23) في المطبوعة: "فوثب" ، ولم يحسن قراءة المخطوطة ، لأنها غير منقوطة.
و"نزا ينزو نزوا" ، وثب.
وهي كما أثبتها في تاريخ الطبري 2: 223.
(24) عند هذا الموضع انتهى ما رواه أبو جعفر في تاريخه 1: 223.
(25) زدت ما بين القوسين من تاريخ الطبري ، ولا يستقيم الكلام إلا بها.
(26) في المطبوعة: "بن نون".
(27) في المطبوعة: "يقاتلونهم" ، وأثبت ما في المخطوطة.
وفي تاريخ الطبري: "فقتلوهم".
(28) الأثر: 11694- هذا الأثر رواه أبو جعفر مفرقًا بين تاريخه وتفسيره ، كما مر عليك في التعليقات السالفة.
ومن عند ذلك الموضع الذي أشرت إليه في ص: 192 التعليق رقم: 5 ، إلى هذا الموضع رواه أبو جعفر في التاريخ 1: 225.
(29) في المخطوطة: "أبو سعد" ، وهو خطأ ، وانظر الأثر السالف رقم: 11668.
(30) في المطبوعة: "قال لما دعا موسى قال الله فإنها محرمة.." ، غير ما في المخطوطة ، مع أنه مطابق لما في تاريخ الطبري.
(31) في المخطوطة؛"جاز العشرين" ، وما في المطبوعة مطابق لما في التاريخ.
(32) الأثر: 11695- هذا الأثر ، رواه أبو جعفر في تاريخه 1: 225.
(33) الزيادة بين القوسين من تاريخ الطبري ، وهي زيادة لا بد منها.
وكان في المطبوعة والمخطوطة بعد"وكانوا" بالواو ، والصواب من التاريخ.
(34) "الأطواء" جمع"طوى" (بفتح الطاء ، وكسر الواو ، وتشديد الياء): وهو البئر المطوية بالحجارة ، وهو صفة على"فعيل" بمعنى"مفعول" انتقل إلى الأسماء ، فلذلك جمعوه على"أفعال" كما قالوا: "شريف" و"أشراف" ، و"يتيم" ، و"أيتام".
(35) الأثر: 11696- رواه أبو جعفر في التاريخ 1: 225 ، إلا قوله: "إنما يتتبعون الأطواء".
(36) كان في المطبوعة: "على نار فيه الرمز" ، وهو لا معنى له ، وفي المخطوطة"على فيه الرمز" كل ذلك غير منقوط ، وصواب قراءته كما أثبت ، فإني أشك في كلمة"نار" التي كانت في المطبوعة ، والتي في المخطوطة غير منقوطة ، فرجحت قراءتها"باب" ، لأنه يكثر في كتاب القوم: "باب خيمة الاجتماع" كما في سفر العدد ، الإصحاح العاشر مثلا.
و"خيمة الاجتماع" ، هي التي جاءت في خبر بن إسحق"قبة الزمر" ، و"الزمر" جمع"زمرة" وهي الجماعة.
ويقابل ما رواه ابن إسحق هنا في سفر العدد ، الإصحاح الرابع عشر ، "ثم ظهر مجد الرب في خيمة الاجتماع" ، فثبت بهذا أن"خيمة الاجتماع" هي"قبة الزمر".
و"القبة" عند العرب.
هي خيمة من أدم مستديرة.
هذا ، وخبر ابن إسحق هذا بطوله ، هو ترجمة أخرى للإصحاح الرابع عشر من سفر العدد.
فمن المفيد مراجعته ، كما أسلفت في ص: 183 ، تعليق 2.
وسأجتهد في بيان بعض خلاف الترجمة هنا.
(37) هكذا في المخطوطة والمطبوعة: "أضربهم بالموت" ، وفي كتاب القوم"بالوبأ" ، وغير بعيد أن يكون لفظ"الموت" مصحفا عن"الوبأ".
(38) في كتاب القوم: "فيسمع المصريون..".
(39) في المطبوعة: "ساكنو هذه البلاد" ، وأثبت ما في المخطوطة.
(40) من الحسن أن تقرأ هذا النص في كتاب القوم ، فإنه هناك: "فالآن لتعظم قدرة سيدي كما تكلمت قائلا.
الرب طويل الروح ، كثير الإحسان ، يغفر الذنب والسيئة".
(41) في المطبوعة: "إلى ثلاثة أجيال وأربعة" ، وأثبت ما في المخطوطة.
و"الأحقاب" جمع"حقب" (بضم فسكون ، أو بضمتين): وهي الدهر ، قيل: ثمانون سنة ، وقيل أكثر.
وأما ما بين القوسين فقد استظهرته من كتاب القوم ، فإن الكلام بغيره غير مستقيم.
وهو في كتابهم: "بل يجعل ذنب الآباء على الأبناء إلى الجيل الثالث والرابع".
(42) في المطبوعة: "ولكن قد أتى أني أنا الله" ، غير ما في المخطوطة ، إذ لم يحسن قراءته ، وهو كما أثبته ، وهو في كتاب القوم أيضًا: "ولكن حي أنا فتملأ كل الأرض من مجد الرب".
(43) في المطبوعة والمخطوطة: "ألا ترى القوم" ، والسياق يقتضي ما أثبت ، وهو بمعناه في كتاب القوم.
(44) في المطبوعة: "وسلوني عشر مرات" ، و"ابتلاه": اختبره ، وفي كتاب القوم: "وجربوني عشر مرات".
(45) في المطبوعة: "التي خلقت" ، وهو ليس صحيح المعنى ، بل هو باطل.
وهي في المخطوطة غير منقوطة ، وهي في كتاب القوم"حلفت" كما هي في رسم المخطوطة ، وكما أثبتها ، واتفقت على ذلك الترجمة القديمة ، وهذه الترجمة التي بين أيدينا.
والمعنى في ذلك: الأرض التي أقسمت لآبائهم بعزتي وجلالي أن أجعلها لأبنائهم.
(46) في ترجمة القوم: "وأما عبدي كالب ، فمن أجل أنه كانت معه روح أخرى.
وقد اتبعني تمامًا".
(47) في المطبوعة والمخطوطة: "في طريق يحرسون" ، وهو تصحيف وتحريف.
والصواب ما أثبته و"بحر سوف" هو المعروف باسم"البحر الأحمر" ، وكان العرب يعرفونه باسم"بحر القلزم" ، و"القلزم": مدينة قديمة كانت قرب أيلة والطور.
و"السوف" لعلها نطق قديم لقول العرب"السيف" (بكسر السين) ، وهو ساحل البحر ، ولعله قد سمى به موضع هناك ، فنسب إليه البحر.
(48) "وسوس عليه" ، و"الوسوسة" ، مضت في الأثر رقم: 11663 ، ولم أشرحها هناك.
وأصل"الوسوسة": الصوت من الريح ، أو صوت الحلي والقصب وغيرها.
و"الوسوسة" أيضا: كلام خفي مختلط لا يستبين."وسوس الرجل": إذا تكلم بكلام لم يبينه.
وهذه ترجمة بلا شك يراد بها الإكثار من الكلام الخفي المبهم ، يتناقله القوم بينهم متذمرين.
ويقابله في ترجمة القوم ، في الكتاب الذي بين أيدينا: "قد سمعت تذمر بني إسرائيل.." (49) في كتاب القوم هكذا: "لأفعلن بكم كما تكلمتم في أذني".
(50) في المطبوعة: "وحسابكم" ، وأثبت ما في المخطوطة ، يعني: مثل عددكم ، أي جميعا.
وفي كتاب القوم: "جميع المعدودين منكم حسب عددكم".
(51) انظر تفسير"الوسوسة" آنفا ص 195 ، رقم: 7.
(52) في المطبوعة والمخطوطة: "التي دفعت إليها" ، وليس له معنى ، فجعلتها"رفعت" وزدت"يدي" بين القوسين استظهارًا من نص كتاب القوم ، وفيه: "التي رفعت يدي لأسكننكم فيها".
(53) في المطبوعة: "قد أتى أني أنا الله.........
الذين وعدوا بأن يتيهوا........" ، وأثبتت ما في المخطوطة.
وفي كتاب القوم: "........فتعرفون ابتعادي.
أنا الرب قد تكلمت ، لأفعلن هذا بكل هذه الجماعة الشريرة المتفقة على.
في هذا القفر يفنون وفيه يموتون".
(54) في المطبوعة: "على رأس الجبل" ، وأثبت ما في المخطوطة.
(55) في المطبوعة: "يعني من الحكمة" ، والصواب ما أثبت ، لأن"التابوت" كان في خيمة.
واللفظة في المخطوطة غير بينة الكتابة.
وانظر صفة"الخيمة" التي كان فيها التابوت في قاموس كتابهم.
(56) إلى هذا الموضع انتهى الإصحاح الرابع عشر من سفر العدد.
وقد تبين أن ما رواه ابن إسحق ، هو ترجمة أخرى لهذا الإصحاح.
ولغة ترجمة ابن إسحق تخالف كل المخالفة ، عبارة ابن إسحق في سائر ما كتب من السير ، وفيها عبارات وجمل وألفاظ ، لا أشك في أنها من عمل مترجم قديم.
ومحمد بن إسحق مات في نحو سنة 150 من الهجرة ، فهذه الترجمة التي رواها عن بعض أهل العلم بالكتاب الأول ، قد تولاها بلا ريب رجال قبل هذا التاريخ ، أي في القرن الأول من الهجرة.
وهذا أمر مهم ، أرجو أن أتتبعه فيما بعد حتى أضع له تاريًخا يمكن أن يكشف عن أمر هذه الترجمة العتيقة.
(57) في المطبوعة: "التي تتيهوا" بتاءين ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو مطابق لما في تاريخ الطبري 1: 226.
(58) من أول قوله: "فلما شب النواشئ" ، إلى هذا الموضع ، مروي في تاريخ الطبري 1: 226.
(59) في المطبوعة: "عوج بن عنق" ، وأثبت ما في المخطوطة.
وانظر ما سلف أنه روى في اسمه"عاج" ص: 192 ، تعليق: 2.
(60) في المطبوعة: "باعوراء" ، وأثبت ما في المخطوطة.
(61) في المطبوعة"عشرة أذرع" في المواضع الثلاثة ، وأثبت ما في المخطوطة ، وكلاهما صواب فإن"الذراع" ، مؤنثة ، وقد تذكر.
(62) الأثر: 11698- رواه أبو جعفر في تاريخه 1: 223.
(63) في المطبوعة"عشرة أذرع" في المواضع الثلاثة ، وأثبت ما في المخطوطة ، وكلاهما صواب فإن"الذراع" ، مؤنثة ، وقد تذكر.
(64) الأثر: 11699- رواه أبو جعفر في تاريخه 1: 223.
هذا ، وكل ما رواه أبو جعفر من أخبار عوج ، وما شابهه مما مضى في ذكر ضخامة خلق هؤلاء الجبارين ، إنما هي مبالغات كانوا يتلقونها من أهل الكتاب الأول ، لا يرون بروايتها بأسًا.
وهي أخبار زيوف لا يعتمد عليها.
(65) الأثر: 11700- انظر الأثر السالف رقم: 11690.
(66) ديوانه: 125 ، من معلقته المشهورة.
(67) الأثر: 11703- هو بعض الأثر السالف قديمًا رقم: 991.
وأسقط ناشر المطبوعة الأولى: "فلم يحزن" ، لأنها كانت في المخطوطة: "فلا تحزن" ، فظنها تكرارًا فحذفها ، وهي ثابتة كما كتبتها في الأثر السالف: 991.
قوله تعالى : قال فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض استجاب الله دعاءه وعاقبهم في التيه أربعين سنة ، وأصل التيه في اللغة الحيرة ; يقال منه : تاه يتيه تيها وتوها إذا تحير .
وتيهته وتوهته بالياء والواو ، والياء أكثر ، والأرض التيهاء التي لا يهتدى فيها ; وأرض تيه وتيهاء ومنها قال : ( هو العجاج )تيه أتاويه على السقاطوقال آخر :بتيهاء قفر والمطي كأنها قطا الحزن قد كانت فراخا بيوضهافكانوا يسيرون في فراسخ قليلة - قيل : في قدر ستة فراسخ - يومهم وليلتهم فيصبحون حيث أمسوا ويمسون حيث أصبحوا ; فكانوا سيارة لا قرار لهم .
واختلف هل كان معهم موسى وهارون ؟
فقيل : لا ; لأن التيه عقوبة ، وكانت سنو التيه بعدد أيام العجل ، فقوبلوا على كل يوم [ ص: 87 ] سنة ; وقد قال : فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين ، وقيل : كانا معهم لكن سهل الله الأمر عليهما كما جعل النار بردا وسلاما على إبراهيم ، ومعنى ( محرمة ) أي : أنهم ممنوعون من دخولها ; كما يقال : حرم الله وجهك على النار ، وحرمت عليك دخول الدار ; فهو تحريم منع لا تحريم شرع ، عن أكثر أهل التفسير ; قال الشاعر :جالت لتصرعني فقلت لها اقصري إني امرؤ صرعي عليك حرامأي : أنا فارس فلا يمكنك صرعي ، وقال أبو علي : يجوز أن يكون تحريم تعبد ، ويقال : كيف يجوز على جماعة كثيرة من العقلاء أن يسيروا في فراسخ يسيرة فلا يهتدوا للخروج منها ؟
فالجواب : قال أبو علي : قد يكون ذلك بأن يحول الله الأرض التي هي عليها إذا ناموا فيردهم إلى المكان الذي ابتدءوا منه ، وقد يكون بغير ذلك من الاشتباه والأسباب المانعة من الخروج عنها على طريق المعجزة الخارجة عن العادة .
أربعين ظرف زمان للتيه ; في قول الحسن وقتادة ; قالا : ولم يدخلها أحد منهم ; فالوقف على هذا على عليهم ، وقال الربيع بن أنس وغيره : إن أربعين سنة ظرف للتحريم ، فالوقف على هذا على أربعين سنة ; فعلى الأول إنما دخلها أولادهم ; قاله ابن عباس .
ولم يبق منهم إلا يوشع وكالب ، فخرج منهم يوشع بذرياتهم إلى تلك المدينة وفتحوها ، وعلى الثاني : فمن بقي منهم بعد أربعين سنة دخلوها .
وروي عن ابن عباس أن موسى وهارون ماتا في التيه .
قال غيره : ونبأ الله يوشع وأمره بقتال الجبارين ، وفيها حبست عليه الشمس حتى دخل المدينة ، وفيها أحرق الذي وجد الغلول عنده ، وكانت تنزل من السماء - إذا غنموا - نار بيضاء فتأكل الغنائم ; وكان ذلك دليلا على قبولها ، فإن كان فيها غلول لم تأكله ، وجاءت السباع والوحوش فأكلته ; فنزلت النار فلم تأكل ما غنموا فقال : إن فيكم الغلول فلتبايعني كل قبيلة فبايعته ، فلصقت يد رجل منهم بيده فقال : فيكم الغلول فليبايعني كل رجل منكم فبايعوه رجلا رجلا حتى لصقت يد رجل منهم بيده فقال : عندك الغلول فأخرج مثل رأس البقرة من ذهب ، فنزلت النار فأكلت الغنائم ، وكانت نارا بيضاء مثل الفضة لها حفيف أي : صوت مثل صوت الشجر وجناح الطائر فيما يذكرون ; فذكروا أنه أحرق الغال ومتاعه بغور يقال له الآن عاجز ، عرف باسم الغال ; وكان اسمه عاجزا .قلت : ويستفاد من هذا عقوبة الغال قبلنا ، وقد تقدم حكمه في ملتنا ، وبيان ما انبهم من اسم النبي والغال في الحديث الصحيح عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : غزا نبي من الأنبياء الحديث أخرجه مسلم وفيه قال : فغزا فأدنى للقرية حين صلاة العصر أو قريبا من ذلك فقال للشمس أنت مأمورة وأنا مأمور اللهم احبسها علي شيئا فحبست عليه حتى فتح الله [ ص: 88 ] عليه - قال : فجمعوا ما غنموا فأقبلت النار لتأكله فأبت أن تطعمه فقال : فيكم غلول فليبايعني من كل قبيلة رجل فبايعوه - قال - فلصقت يده بيد رجلين أو ثلاثة فقال فيكم الغلول وذكر نحو ما تقدم .
قال علماؤنا : والحكمة في حبس الشمس على يوشع عند قتاله أهل أريحاء وإشرافه على فتحها عشي يوم الجمعة ، وإشفاقه من أن تغرب الشمس قبل الفتح أنه لو لم تحبس عليه حرم عليه القتال لأجل السبت ، ويعلم به عدوهم فيعمل فيهم السيف ويجتاحهم ; فكان ذلك آية له خص بها بعد أن كانت نبوته ثابتة بخبر موسى عليه الصلاة والسلام ، على ما يقال ، والله أعلم ، وفي هذا الحديث يقول عليه السلام : فلم تحل الغنائم لأحد من قبلنا ذلك بأن الله عز وجل رأى ضعفنا وعجزنا فطيبها لنا ، وهذا يرد قول من قال في تأويل قوله تعالى : وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين إنه تحليل الغنائم والانتفاع بها ، وممن قال إن موسى عليه الصلاة والسلام مات بالتيه عمرو بن ميمون الأودي ، وزاد : وهارون ; وكانا خرجا في التيه إلى بعض الكهوف فمات هارون فدفنه موسى وانصرف إلى بني إسرائيل ; فقالوا : ما فعل هارون ؟
فقال : مات ; قالوا : كذبت ولكنك قتلته لحبنا له ، وكان محبا في بني إسرائيل ; فأوحى الله تعالى إليه أن انطلق بهم إلى قبره فإني باعثه حتى يخبرهم أنه مات موتا ولم تقتله ; فانطلق بهم إلى قبره فنادى يا هارون فخرج من قبره ينفض رأسه فقال : أنا قاتلك ؟
قال : لا ; ولكني مت ; قال : فعد إلى مضجعك ; وانصرف ، وقال الحسن : إن موسى لم يمت بالتيه ، وقال غيره : إن موسى فتح أريحاء ، وكان يوشع على مقدمته فقاتل الجبابرة الذين كانوا بها ، ثم دخلها موسى ببني إسرائيل فأقام فيها ما شاء الله أن يقيم ، ثم قبضه الله تعالى إليه لا يعلم بقبره أحد من الخلائق .
قال الثعلبي : وهو أصح الأقاويل .قلت : قد روى مسلم عن أبي هريرة قال : أرسل ملك الموت إلى موسى عليه الصلاة والسلام فلما جاءه صكه ففقأ عينه فرجع إلى ربه فقال : " أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت " قال : فرد الله إليه عينه وقال : " ارجع إليه فقل له يضع يده على متن ثور فله بما غطت يده بكل شعرة سنة " قال : " أي : رب ثم مه " ، قال : " ثم الموت " قال : " فالآن " ; فسأل الله أن يدنيه من الأرض المقدسة رمية بحجر ; فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فلو كنت ثم لأريتكم قبره إلى جانب الطريق تحت الكثيب الأحمر فهذا نبينا صلى الله عليه وسلم قد علم قبره ووصف موضعه ، ورآه فيه قائما يصلي كما في حديث الإسراء ، إلا أنه يحتمل أن يكون أخفاه الله عن الخلق سواه ولم يجعله مشهورا عندهم ; ولعل ذلك لئلا يعبد ، والله أعلم ، ويعني بالطريق طريق بيت المقدس ، ووقع [ ص: 89 ] في بعض الروايات إلى جانب الطور مكان الطريق ، واختلف العلماء في تأويل لطم موسى عين ملك الموت وفقئها على أقوال ; منها : أنها كانت عينا متخيلة لا حقيقة ، وهذا باطل ، لأنه يؤدي إلى أن ما يراه الأنبياء من صور الملائكة لا حقيقة له .ومنها : أنها كانت عينا معنوية وإنما فقأها بالحجة ، وهذا مجاز لا حقيقة ، ومنها : أنه عليه السلام لم يعرف ملك الموت ، وأنه رأى رجلا دخل منزله بغير إذنه يريد نفسه فدافع عن نفسه فلطم عينه ففقأها ; وتجب المدافعة في هذا بكل ممكن ، وهذا وجه حسن ; لأنه حقيقة في العين والصك ; قاله الإمام أبو بكر بن خزيمة ، غير أنه اعترض عليه بما في الحديث ; وهو أن ملك الموت لما رجع إلى الله تعالى قال : " يا رب أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت " فلو لم يعرفه موسى لما صدق القول من ملك الموت ; وأيضا قوله في الرواية الأخرى : " أجب ربك " يدل على تعريفه بنفسه ، والله أعلم .ومنها : أن موسى عليه الصلاة والسلام كان سريع الغضب ، إذا غضب طلع الدخان من قلنسوته ورفع شعر بدنه جبته ; وسرعة غضبه كانت سببا لصكه ملك الموت .
قال ابن العربي : وهذا كما ترى ، فإن الأنبياء معصومون أن يقع منهم ابتداء مثل هذا في الرضا والغضب ، ومنها وهو الصحيح من هذه الأقوال : أن موسى عليه الصلاة والسلام عرف ملك الموت ، وأنه جاء ليقبض روحه لكنه جاء مجيء الجزم بأنه قد أمر بقبض روحه من غير تخيير ، وعند موسى ما قد نص عليه نبينا محمد صلى الله عليه وسلم من أن الله لا يقبض روح نبي حتى يخيره فلما جاءه على غير الوجه الذي أعلم بادر بشهامته وقوة نفسه إلى أدبه ، فلطمه ففقأ عينه امتحانا لملك الموت ; إذ لم يصرح له بالتخيير ، ومما يدل على صحة هذا ، أنه لما رجع إليه ملك الموت فخيره بين الحياة والموت اختار الموت واستسلم ، والله بغيبه أحكم وأعلم .
هذا أصح ما قيل في وفاة موسى عليه السلام ، وقد ذكر المفسرون في ذلك قصصا وأخبارا الله أعلم بصحتها ; وفي الصحيح غنية عنها .
وكان عمر موسى مائة وعشرين سنة ; فيروى أن يوشع رآه بعد موته في المنام فقال له : كيف وجدت الموت ؟
فقال : " كشاة تسلخ وهي حية " ، وهذا صحيح معنى ; قال : صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح : إن للموت سكرات على ما بيناه في كتاب " التذكرة " ، وقوله : فلا تأس على القوم الفاسقين أي : لا تحزن ، والأسى الحزن ; أسى يأسى أسى أي : حزن ، قال :يقولون لا تهلك أسى وتجمل
{ قَالَ } الله مجيبا لدعوة موسى: { فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ } أي: إن من عقوبتهم أن نحرم عليهم دخول هذه القرية التي كتبها الله لهم، مدة أربعين سنة، وتلك المدة أيضا يتيهون في الأرض، لا يهتدون إلى طريق ولا يبقون مطمئنين، وهذه عقوبة دنيوية، لعل الله تعالى كفر بها عنهم، ودفع عنهم عقوبة أعظم منها، وفي هذا دليل على أن العقوبة على الذنب قد تكون بزوال نعمة موجودة، أو دفع نقمة قد انعقد سبب وجودها أو تأخرها إلى وقت آخر.
ولعل الحكمة في هذه المدة أن يموت أكثر هؤلاء الذين قالوا هذه المقالة، الصادرة عن قلوب لا صبر فيها ولا ثبات، بل قد ألفت الاستعباد لعدوها، ولم تكن لها همم ترقيها إلى ما فيه ارتقاؤها وعلوها، ولتظهر ناشئة جديدة تتربى عقولهم على طلب قهر الأعداء، وعدم الاستعباد، والذل المانع من السعادة.
ولما علم الله تعالى أن عبده موسى في غاية الرحمة على الخلق، خصوصا قومه، وأنه ربما رق لهم، واحتملته الشفقة على الحزن عليهم في هذه العقوبة، أو الدعاء لهم بزوالها، مع أن الله قد حتمها، قال: { فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ } أي: لا تأسف عليهم ولا تحزن، فإنهم قد فسقوا، وفسقهم اقتضى وقوع ما نزل بهم لا ظلما منا.
قال الله تعالى : ( فإنها محرمة عليهم ) قيل : هاهنا تم الكلام ، معناه تلك البلدة محرمة عليهم أبدا لم يرد به تحريم تعبد ، وإنما أراد تحريم منع ، فأوحى الله تعالى إلى موسى : [ بي حلفت ] لأحرمن عليهم دخول الأرض المقدسة غير عبدي يوشع وكالب ، ولأتيهنهم في هذه البرية ( أربعين سنة ) [ يتيهون ] مكان كل يوم من الأيام التي تحبسون فيها سنة ، ولألقين جيفهم في هذه القفار ، وأما بنوهم الذين لم يعملوا الشر فيدخلونها ، فذلك قوله تعالى : ( فإنها محرمة عليهم أربعين سنة ) ( يتيهون : ) يتحيرون ، ( في الأرض فلا تأس على القوم الفاسقين ) أي : لا تحزن على مثل هؤلاء القوم ، فلبثوا أربعين سنة في ستة فراسخ وهم ستمائة ألف مقاتل ، وكانوا يسيرون كل يوم جادين فإذا أمسوا كانوا في الموضع الذي ارتحلوا عنه .
وقيل : إن موسى وهارون عليهما السلام لم يكونا فيهم ، والأصح أنهما كانا فيهم ولم يكن لهما عقوبة إنما كانت العقوبة لأولئك القوم ، ومات في التيه كل من دخلها ممن جاوز عشرين سنة غير يوشع وكالب ، ولم يدخل أريحاء أحد ممن قالوا إنا لن ندخلها أبدا فلما هلكوا وانقضت الأربعون سنة ، ونشأت النواشئ من ذراريهم ساروا إلى حرب الجبارين .
واختلفوا فيمن تولى تلك الحرب وعلى يدي من كان الفتح ، فقال قوم : وإنما فتح موسى أريحاء وكان يوشع على مقدمته ، فسار موسى عليه السلام إليهم فيمن بقي من بني إسرائيل ، فدخلها يوشع فقاتل الجبابرة ثم دخلها موسى عليه السلام فأقام فيها ما شاء الله تعالى ، ثم قبضه الله تعالى إليه ، ولا يعلم قبره أحد ، وهذا أصح الأقاويل لاتفاق العلماء أن عوج بن عنق قتله موسى عليه السلام .
وقال الآخرون : إنما قاتل الجبارين يوشع ولم يسر إليهم إلا بعد موت موسى عليه السلام ، [ وقالوا : مات موسى ] وهارون جميعا في التيه .
قصة وفاة هارون قال السدي : أوحى الله عز وجل إلى موسى أني متوفي هارون فأت به جبل كذا وكذا ، فانطلق موسى وهارون عليهما السلام نحو ذلك الجبل فإذا هما بشجرة لم ير مثلها وإذا ببيت مبني وفيه سرير عليه فرش وإذا فيه ريح طيبة ، فلما نظر هارون إلى ذلك أعجبه ، فقال : يا موسى إني أحب أن أنام على هذا السرير قال : فنم عليه ، فقال : إني أخاف أن يأتي رب هذا البيت فيغضب علي ، قال له موسى : لا ترهب إني أكفيك أمر رب هذا البيت فنم ، قال : يا موسى نم أنت معي فإن جاء رب البيت غضب علي وعليك جميعا فلما ناما أخذ هارون الموت فلما وجد منيته قال : يا موسى خدعتني ، فلما قبض رفع البيت وذهبت تلك الشجرة ورفع السرير به إلى السماء ، فلما رجع موسى إلى بني إسرائيل وليس معه هارون قالوا : إن موسى قتل هارون وحسده لحب بني إسرائيل له ، فقال موسى عليه السلام : ويحكم كان أخي فكيف أقتله ، فلما أكثروا عليه قام فصلى ركعتين ثم دعا الله تعالى ونزل السرير حتى نظروا إليه بين السماء والأرض فصدقوه .
وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : صعد موسى وهارون عليهما السلام الجبل فمات هارون [ وبقي موسى ] فقالت بنو إسرائيل لموسى عليه السلام أنت قتلته فآذوه فأمر الله الملائكة فحملوه حتى مروا به على بني إسرائيل وتكلمت الملائكة بموته حتى عرف بنو إسرائيل أنه مات ، فبرأه الله تعالى مما قالوا ، ثم إن الملائكة حملوه ودفنوه فلم يطلع على موضع قبره أحد إلا الرخم فجعله الله أصم وأبكم .
وقال عمرو بن ميمون : مات هارون قبل موت موسى عليه السلام في التيه ، وكانا قد خرجا إلى بعض الكهوف فمات هارون ودفنه موسى وانصرف إلى بني إسرائيل ، فقالوا : قتلته لحبنا إياه ، وكان محببا في بني إسرائيل ، فتضرع موسى عليه السلام إلى ربه عز وجل فأوحى الله إليه أن انطلق بهم إلى قبره فإني باعثه ، فانطلق بهم إلى قبره [ فناداه موسى ] فخرج من قبره ينفض رأسه ، فقال : أنا قتلتك؟
قال : لا ولكني مت ، قال : فعد إلى مضجعك ، وانصرفوا .
وأما وفاة موسى عليه السلام ، قال ابن إسحاق : كان موسى عليه الصلاة والسلام قد كره الموت وأعظمه فأراد الله أن يحبب إليه الموت ، فنبأ يوشع بن نون فكان يغدو ويروح عليه ، قال : فيقول له موسى عليه السلام يا نبي الله ما أحدث الله إليك؟
[ فيقول له يوشع : يا نبي الله ألم أصحبك كذا وكذا سنة ، فهل كنت أسألك شيئا مما أحدث الله إليك ] حتى تكون أنت الذي تبتدئ به وتذكره؟
ولا يذكر له شيئا ، فلما رأى ذلك كره موسى الحياة وأحب الموت .
أخبرنا أبو علي حسان بن سعيد المنيعي أنا أبو طاهر محمد بن محمد بن محمش الزيادي أنا أبو بكر محمد بن الحسين القطان أنا أحمد بن يوسف السلمي أنا عبد الرزاق أنا معمر عن همام بن منبه قال : أخبرنا أبو هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " جاء ملك الموت إلى موسى بن عمران ، فقال له : أجب ربك ، قال : فلطم موسى عليه السلام عين ملك الموت ففقأها ، قال : فرجع ملك الموت إلى الله تعالى فقال : إنك أرسلتني إلى عبد لك لا يريد الموت وقد فقأ عيني قال فرد الله إليه عينه ، وقال : ارجع إلى عبدي فقل له : الحياة تريد؟
فإن كنت تريد الحياة فضع يدك على متن ثور ، فما وارت يدك من شعرة فإنك تعيش بها سنة ، قال : ثم مه؟
قال : ثم تموت ، قال : فالآن من قريب ، رب أدنني من الأرض المقدسة رمية بحجر ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " والله لو أني عنده لأريتكم قبره إلى جنب الطريق عند الكثيب الأحمر " .
وقال وهب : خرج موسى لبعض حاجته فمر برهط من الملائكة يحفرون قبرا لم ير شيئا قط أحسن منه ولا مثل ما فيه من الخضرة والنضرة والبهجة ، فقال لهم : يا ملائكة الله لم تحفرون هذا القبر؟
قالوا : لعبد كريم على ربه ، فقال : إن هذا العبد من الله لهو بمنزلة ، ما رأيت كاليوم مضجعا قط ، فقالت الملائكة : يا صفي الله تحب أن يكون لك؟
قال : وددت ، قالوا : فانزل واضطجع فيه وتوجه إلى ربك ، قال : فاضطجع فيه وتوجه إلى ربه ثم تنفس أسهل تنفس فقبض الله تبارك وتعالى روحه ، ثم سوت عليه الملائكة .
وقيل : إن ملك الموت أتاه بتفاحة من الجنة فشمها فقبض روحه .
وكان عمر موسى مائة وعشرين سنة فلما مات موسى عليه السلام وانقضت الأربعون سنة بعث الله يوشع نبيا فأخبرهم أن الله قد أمره بقتال الجبابرة ، فصدقوه وتابعوه فتوجه ببني إسرائيل إلى أريحاء ومعه تابوت الميثاق ، فأحاط بمدينة أريحاء ستة أشهر ، فلما كان السابع نفخوا في القران وضج الشعب ضجة واحدة فسقط سور المدينة ، ودخلوا فقاتلوا الجبارين وهزموهم وهجموا عليهم يقتلونهم ، وكانت العصابة من بني إسرائيل يجتمعون على عنق الرجل يضربونها حتى يقطعونها ، فكان القتال يوم الجمعة فبقيت منهم بقية وكادت الشمس تغرب وتدخل ليلة السبت ، فقال : اللهم اردد الشمس علي وقال للشمس : إنك في طاعة الله سبحانه وتعالى وأنا في طاعته فسأل الشمس أن تقف والقمر أن يقيم حتى ينتقم من أعداء الله تعالى قبل دخول السبت ، فردت عليه الشمس وزيدت في النهار ساعة حتى قتلهم أجمعين ، وتتبع ملوك الشام فاستباح منهم أحدا وثلاثين ملكا حتى غلب على جميع أرض الشام ، وصارت الشام كلها لبني إسرائيل وفرق عماله في نواحيها وجمع الغنائم ، فلم تنزل النار ، فأوحى الله إلى يوشع أن فيها غلولا فمرهم فليبايعوا فبايعوه فالتصقت يد رجل منهم بيده فقال : هلم ما عندك فأتاه برأس ثور من ذهب مكلل بالياقوت والجواهر كان قد غله ، فجعله في القربان وجعل الرجل معه فجاءت النار فأكلت الرجل والقربان ، ثم مات يوشع ودفن في جبل أفرائيم ، وكان عمره مائة وستا وعشرين سنة ، وتدبيره أمر بني إسرائيل من بعد موسى عليه السلام سبعا وعشرين سنة .
(قال) تعالى له (فإنها) أي الأرض المقدسة (محرمة عليهم) أن يدخلوها (أربعين سنة يتيهون) يتحيرون (في الأرض) وهي تسعة فراسخ قاله ابن عباس (فلا تأس) تحزن (على القوم الفاسقين) روي أنهم كانوا يسيرون الليل جادين فإذا أصبحوا إذا هم في الموضع الذي ابتدأوا منه ويسيرون النهار كذلك حتى انقرضوا كلهم إلا من لم يبلغ العشرين، قيل: وكانوا ستمائة ألف ومات هارون وموسى في التيه وكان رحمة لهما وعذابا لأولئك وسأل موسى ربه عند موته أن يدنيه من الأرض المقدسة رمية بحجر فأدناه كما في الحديث، ونبئ يوشع بعد الأربعين وأمر بقتال الجبارين فسار بمن بقي معه وقاتلهم وكان يوم الجمعة ووقفت له الشمس ساعة حتى فرغ من قتالهم، وروى أحمد في مسنده حديث "" إن الشمس لم تحبس على بشر إلا ليوشع ليالي سار إلى بيت المقدس "".
قال الله لنبيه موسى عليه السلام: إن الأرض المقدَّسة محرَّم على هؤلاء اليهود دخولها أربعين سنة، يتيهون في الأرض حائرين، فلا تأسف -يا موسى- على القوم الخارجين عن طاعتي.
وهذا الرجاء من موسى لربه في معنى الدعاء عليهم بسبب جبنهم وعصيانهم وقد أجاب الله - تعالى - دعاءه فيهم ، بأن أضلهم ظاهرا كما ضلوا باطنا وجاء الحكم الفاصل ممن يملكه فقال - تعالى - : ( قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأرض فَلاَ تَأْسَ عَلَى القوم الفاسقين ) .وقوله : ( يَتِيهُونَ ) من التيه وهو الحيرة .
يقال : تاه يتيه ويتوه إذا تحير وضل الطريق .
ووقع فلان في التيه أي : في مواضع الحيرة .وقوله : ( فَلاَ تَأْسَ ) أي : فلا تحزن عليهم من الأسى وهو الحزن .
يقال : أسى - كتعب - أي : حزن .
فهو أسين مثل حزين .
وأسا على مصيبته - من باب عدا - أي : حزن قال امرؤ القيس :وقوفا بها صحبي على مطيهم ...
يقولون لا تهلك أسى وتجملأي : يقولون لا تهلك نفسك حزنا وتجمل بالصبر .والمعنى : قال الله - تعالى - لنبيه موسى مجيبا لدعائه : يا موسى إن الأرض المقدسة محرمة على هؤلاء الجبناء العصاة مدة أربعين سنة ، يسيرون خلالها في الصحراء تائيهن حياري لا يستقيم لهم أمر ، ولا يستقر لهم قرار ، فلا تحزن عليهم بسبب هذه العقوبة؛ فإننا ما عاقبناهم بهذه العقوبة إلا بسبب خورجهم عن طاعتنا ، وتمردهم على أوامرنا ، وجبنهم عن قتال أعدائنا ، وسوء أدبهم مع أنبيائنا .قال الآلوسي : قوله : ( مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ ) أي : لا يدخلونها ولا يملكونها .
والتحريم تحريم منع لا تحريم تعبد ، وجوز أن يكون تحريم العبد والأول أظهر وقوله ( أَرْبَعِينَ سَنَةً ) متعلق بقوله : محرمة فيكون التحريم مؤقتا لا مؤبداً ، فلا يكون مخالفا لظاهر قوله - تعالى - ( ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ ) والمراد بتحريمها عليهم أنه لا يدخلها أحد منهم هذه المدة ، لكن لا بمعنى أن كلهم يدخلونها بعدها ، بل بعضهم ممن بقي - يجوز له دخولها - فقد روى أن موسى سار بمن بقي من بني إسرائيل - بعد انقضاء هذه المدة - إلى الأرض المقدسة .وقوله : ( يَتِيهُونَ فِي الأرض ) استئناف لبيان كيفية حرمانهم .
وقيل حال من ضمير ( عَلَيْهِمْ ) وقيل : الظرف متعلق بقوله : ( يَتِيهُونَ ) فيكون التيه مؤقتا والتحريم مطلقا يحتمل التأبيد وعدمه .وقال الفخري الرازي : اختلف الناس في أن موسى وهارون - عليهما السلام - هل بقيا في التيه أو لا؟
فقال قوم : إنهما ما كانا في التيه؛ لأن موسى دعا الله أن يفرق بينه وبين القوم الفاسقين ، ودعوات الأنبياء مجابة ، لأن التيه كان عذاباً والأنبياء لا يُعذبون .وقال آخرون : إنهما كانا مع القوم في ذلك التيه ، إلا أن الله - تعالى - سهل عليهما ذلك العذاب كما سهل النار على إبراهيم فجعلها بردا وسلاما .
وإنهما قد ماتا في التيه وبقي يوشع بن نون - وكان ابن أخت موسى ووصيه بعد موته - وهو الذي فتح الأرض المقدسة - بعد انقضاء مدة التيه .وقيل بل بقي موسى بعد ذلك وخرج من التيه وحارب الجبارين وقهرهم وأخذ الأرض المقدسة .هذا ونرى من المناسب في هذا المقام أن نتعرض بشيء من التفصيل للمسائل الآتية :أولا : الرد على اليهود في دعواهم أن الأرض المقدسة - فلسطين - ملك لهم مستندين إلى قوله - تعالى - : ( ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ ) .ثانيا : الحكمة في كون عقابهم أربعين سنة يتيهون في الأرض .ثالثاً : ما يؤخذ من هذه الآيات من العبر والعظات .وللإِجابة على المسألة الأولى نقول : للمفسرين أقوال في المراد من الكتابة في قوله - تعالى - ( ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ ) أشهرها قولان :أولهما : أن معنى ( كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ ) : أمركم بدخولها ، وفرضه عليكم كما أمركم بالصلاة والزكاة فالكتب هنا مثله في قوله - تعالى - ( كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصيام ) أي : فرض عليكم وهذا قول قتادة والسدى .والثاني : أن معنى ( كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ ) قدرها لكم وقضى أن تكون مساكن لكم دون الجبارين .
وهذا القضاء مشروط بالإِيمان ، وطاعة الأنبياء ، والجهاد في سبيل نصرة الحق ، فإذا لم يكونوا كذلك - وهم لم يكونوا كذلك فعلا - لم يتحقق لهم التمكين في الأرض المقدسة ، ولذا بعد أن أغراهم نبيهم موسى - عليه السلام - بدخولها ، حذرهم من الجبن والعصيان فقال لهم : ( وَلاَ تَرْتَدُّوا على أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ ) .قال الآلوسي : " وترتيب الخيبة والخسران على الارتداد يدل على اشتراط الكتب بالمجاهدة المترتبة على الإيمان .وقال ابن عباس : كانت هبة من الله لهم ثم حرمها - سبحانه - عليهم بشؤم تمردهم وعصيانهم .وقال الفخر الرازي : إن الوعد بقوله ( كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ ) مشروط بقيد الطاعة فلما لم يوجد الشرط لا جرم لم يوجد المشروط .والخلاصة أن الكتابة في قوله - تعالى - ( كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ ) : إما أن تكون تكليفية على معنى : أن الله - تعالى - كتب عليكم وفرض أن تدخلوها مجاهدين مطيعين لنبيكم فإذا خالفتم ذلك حقت عليكم العقوبة .وإما أن تكون كتابة قدرية .
أي : قضى وقدر - سبحانه - أن تكون لكم متى آمنتم وأطعتم .
وبنو إسرائيل ما آمنوا وما أطاعوا ، بل كفروا وعصوا فحرمها - سبحانه - عليهم .وبذلك ترى أن دعوى اليهود بأن الأرض المقدسة ملك لهم ، بدليل قوله - تعالى - ( كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ ) لا أساس لها من الصحة ولا يشهد لها عقل أو نقل .وللإِجابة على المسألة الثانية نقول : اقتضت حكمة الله - تعالى - أن يجعل عقوبته لقوم مناسبة لما اجترحوا من ذنوب وآثام وبنو إسرائيل لطول ما ألفوا من ذل واستعباد ، هانت عليهم نعمة الحرية .
وضعف عندهم الشعور بالعزة .
وأصبحت حياة الذلة مع العقود .
أحب إليهم من حياة العزة مع الجهاد ولهذا عندما أمرهم نبيهم موسى - عليه السلام - بدخول الأرض المقدسة اعتذروا بشتى المعاذير الواهية وأكدوا له عدم اقترابهم منها ما دام الجبارون فيها :وقالوا : ( إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ ) .فاقتضت حكمة الله - تعالى - أن يحرمهم منها جزاء جبنهم وعصيانهم وأن يعاقبهم بما يشبه القعود ، بأن يحكم عليهم بالتيهان في بقعة محدودة من الأرض ، يذهبون فيها ويجيئون وهم حيارى لا يعرفون لهم مقرا وأن يستمروا على تلك الحالة أربعين سنة حتى ينشأ من بينهم جيل آخر سوى ذلك الجيل الذي استمرأ الذل والهوان .قال ابن خلدون في مقدمته .
.
ويظهر من مساق قوله - تعالى - ( قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأرض ) ومن مفهومه : أن حكمة ذلك التيه مقصودة ، وهي فناء الجيل الذين خرجوا من قبضة الذل والقهر ، وأفسدوا من عصبيتهم ، حتى نشأ في ذلك التيه جيل آخر عزيز لا يعرف القهر ولا يسام بالمذلة .فنشأت لهم بذلك عصبية أخرى اقتدروا بها على المطالبة والتغلب ويظهر لك من ذلك أن الأربعين سنة أقل ما يأتي فيها فناء جيل ونشأة جيل آخر .فسبحان الحكيم العليم .هذا ولصاحب المنار كلام حسن في كمة هذه العقوبة ، نرى من المناسب إثباته هنا ، فقد قال - رحمه الله - في ختام تفسيره لهذه الآيات :" إن الشعوب التي تنشأ في مهد الاستبداد ، والإِحساس بالظلم والاضطهاد ، تفسد أخلاقها ، وتذل نفوسها .
وإذا طال عليها أمد الظلم تصير هذه الأخلاق موروثة ومكتسبة ، حتى تكون كالغرائز الفطرية .
والطبائع الخلقية ، وإذا أخرجت صاحبها من بيئتها ، ورفعت عن رقبته نيرها ، ألفيته ينزع بطبعه إليها ويتفلت منك ليقتحم فيها ، وهذا شأن البشر في كل ما يألفونه ، ويجرون عليه من خير وشر ، وإيمان وكفر .أفسد ظلم فرعون فطرة بني إسرائيل في مصر ، وطبع عليها بطابع المهانة والذل .
وقد أراهم الله - تعالى - من الآيات الدالة على وحدانيته وقدرته وصدق رسوله موسى - عليه السلام - وبين لهم أنه أخرجهم من مصر لينقذهم من الذل إلى الحرية .
ولكنهم كانوا مع هذا كله إذا أصابهم ضرر يتطيرون بموسى ، ويذكرون مصر ويحنون إليها .وكان الله - تعالى - يعلم أنهم لا تطاوعهم أنفسهم المهينة على دخول أرض الجبارين ، وأن وعده - تعالى - لأجدادهم إنما يتم على وفق سنته في طبيعة الاجتماع البشرى ، إذا هلك ذلك الجيل الذي نشأ في الوثنية والعبودية .
ونشأ بعده جيل جديد في حرية البداوة ، وعدل الشريعة ، ونور الآيات الإِلهية ، وما كان الله ليهلك قوما بذنوبهم ، حتى يبين لهم حجته عليهم ، ليعلموا أنه لم يظلمهم إنما يظلمون أنفسهم .وعلى هذه السنة العادلة أمر الله - تعالى - بني إسرائيل بدخول الأرض المقدسة ، فأبوا واستكبروا .
فأخذهم الله بذنوبهم وأنشأ من بعدهم قوماً آخرين .فعلينا أن نعتبر بهذه الأمثال التي ضربها الله لنا ، وأن نعلم أن إصلاح الأمم من بعد فسادها بالظلم والاستبداد إنما يكون بإنشاء جيل جديد جمع بين حرية البداوة واستقلالها وعزتها ، وبين معرفة الشريعة والفضائل والعمل بها .وللإِجابة على المسألة الثالثة - وهي ما يؤخذ من هذه الآيات من عظات وعبر - نقول : إن هذه الآيات الكريمة قد اشتملت على لون حكيم في أسلوب الدعوة إلى الله - تعالى - فقد بدأت بتذكير بني إسرائيل بأمجادهم وبعظم نعم الله عليهم ، لتغرس فيهم الشعور بالعزة؛ ولتغريهم بالاستجابة لما أمر به - سبحانه - .كما اشتملت على تحذيرهم من مغبة الجبن والمخالفة لأن ذلك يؤدي إلى الخسران .وفوق ذلك فقد صورت تصويرا معجزا طبيعة بني إسرائيل على حقيقتها وكشفت عن خور عزيمتهم ، وسقوط همتهم وسوء اختيارهم لأنفسهم .
.
بما جعلهم أهلا العقوبات الرادعة وفي كل ذلك تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم عما لحقه من اليهود المعاصرين له من أذى ، وتحذير لهم من السير على طريق آبائهم المعوجة ، حتى لا يعرضوا أنفسهم للعقوبات التي حلت بأسلافهم .قال الإِمام ابن جرير : عند تفسيره للآيات الكريمة : وهذا - أيضاً - من الله - تعالى تعريف - لنبيه صلى الله عليه وسلم يتمادى هؤلاء اليهود في الغي ، وبعدهم عن الحق ، وسوء اختيارهم لأنفسهم ، وشدة خلافهم لأنبيائهم وبطء إثابتهم إلى الرشاد ، مع كثرة نعم الله عندهم ، وتتابع آياته وآلائه عليهم ، مسليا بذلك نبيه صلى الله عليه وسلم عما ينزل به من مجادلاتهم في ذات الله ، يقول الله - له : لا تأس على ما أصابك منهم ، فإن الذهاب عن الله ، والبعد عن الحق ، وما فيه من الحظ لهم في الدنيا والآخرة ، من عاداتهم وعادات أسلافهم ، وأوائلهم ، وتعزّ بما لاقى منهم أخوك موسى - عليه السلام - .وقال الإِمام ابن كثير : وهذه القصة تضمنت تقريع اليهود ، وبيان فضائحهم ، ومخالفتهم لله ولرسوله ، ونكولهم عن طاعتهما فيما أمرهم به من الجهاد ، فضعفت أنفسهم عن مصابرة الأعداء ومجالدتهم ومقاتلتهم ، مع أن بين أظهرهم كليم الله وصفيه من خلقه في ذلك الزمان .
وهو يعدهم بالنصر والظفر بأعدائهم .
هذا مع ما شاهدوا من فعل الله بعدوهم فرعون من الغرق له ولجنوده في اليم وهم ينظرون .
لتقر به أعينهم - وما بالعهد من قدم - ثم ينكلون عن مقاتلة أهل بلد هي بالنسبة إلى ديار مصر لا توازن عشر المعشار في عدة أهلها وعددهم .
وظهرت قبائح صنيعهم للخاص والعام وافتضحوا فضيحة لا يغطيها الليل ، ولا يسترها الذيل .وقال - رحمه الله - قبل ذلك : وما أحسن ما أجاب به الصحابة - رضي الله عنهم - يوم بدر رسول الله صلى الله عليه وسلم حين استشارهم في قتال قريش .
فقد قالوا فأحسنوا .لقد قال المقداد : يا رسول الله ، إنا لا نقول كما قالت بنو إسرائيل لموسى؛ ( فاذهب أَنتَ وَرَبُّكَ فقاتلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ ) ولكن نقول لك : " إذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون " .كذلك يؤخذ من هذه القصة أن معصية الله ورسله تؤدي إلى الخسران ، فإن بني إسرائيل لما جبنوا عن دخول الأرض المقدسة ، وعصوا أمر نبيهم ، عاقبهم الله بالتيه مدة أربعين سنة ، صارت قصتهم عبرة للمعتبرين ، وموعظة للمتقين .
وفيه مسائل: المسألة الأولى: قوله: ﴿ فَإِنَّهَا ﴾ أي الأرض المقدسة محرمة عليهم، وفي قوله: ﴿ أَرْبَعِينَ سَنَةً ﴾ قولان: أحدهما: أنها منصوبة بالتحريم، أي الأرض المقدسة محرمة عليهم أربعين سنة، ثم فتح الله تعالى تلك الأرض لهم من غير محاربة، هكذا ذكره الربيع بن أنس.
والقول الثاني: أنها منصوبة بقوله: ﴿ يَتِيهُونَ فِي الأرض ﴾ أي بقوا في تلك الحالة أربعين سنة، وأما الحرمة فقد بقيت عليهم وماتوا، ثم إن أولادهم دخلوا تلك البلدة.
المسألة الثانية: يحتمل أن موسى عليه السلام لما قال في دعائه على القوم ﴿ فافرق بَيْنَنَا وَبَيْنَ القوم الفاسقين ﴾ لم يقصد بدعائه هذا الجنس من العذاب، بل أخف منه.
فلما أخبره الله تعالى بالتيه علم أنه يحزن بسبب ذلك فعزاه وهون أمرهم عليه، فقال: ﴿ فَلاَ تَأْسَ عَلَى القوم الفاسقين ﴾ قال مقاتل: إن موسى لما دعا عليهم أخبره الله تعالى بأحوال التيه، ثم إن موسى عليه السلام أخبر قومه بذلك، فقالوا له: لم دعوت علينا وندم موسى على ما عمل، فأوحى الله تعالى إليه ﴿ لا تَأْسَ عَلَى القوم الفاسقين ﴾ وجائز أن يكون ذلك خطاباً لمحمد صلى الله عليه وسلم، أي لا تحزن على قوم لم يزل شأنهم المعاصي ومخالفة الرسل والله أعلم.
المسألة الثالثة: اختلف الناس في أن موسى وهارون عليهما السلام هل بقيا في التيه أم لا؟
فقال قوم: إنهما ما كانا في التيه، قالوا: ويدل عليه وجوه: الأول: أنه عليه السلام دعا الله يفرق بينه وبين القوم الفاسقين، ودعوات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مجابة، وهذا يدل على أنه عليه السلام ما كان معهم في ذلك الموضع، والثاني: أن ذلك التيه كان عذاباً والأنبياء لا يعذبون، والثالث: أن القوم إنما عذبوا بسبب أنهم تمردوا وموسى وهارون ما كانا كذلك، فكيف يجوز أن يكونا مع أولئك الفاسقين في ذلك العذاب.
وقال آخرون: إنهما كانا مع القوم في ذلك التيه إلا أنه تعالى سهل عليهما ذلك العذاب كما سهل النار على إبراهيم فجعلها برداً وسلاماً، ثم القائلون بهذا القول اختلفوا في أنهما هل ماتا في التيه أو خرجا منه؟
فقال قوم: إن هارون مات في التيه ثم مات موسى بعده بسنة، وبقي يوشع بن نون وكان ابن أخت موسى ووصيه بعد موته، وهو الذي فتح الأرض المقدسة.
وقيل: إنه ملك الشأم بعد ذلك.
وقال آخرون: بل بقي موسى بعد ذلك وخرج من التيه وحارب الجبارين وقهرهم وأخذ الأرض المقدسة والله أعلم.
المسألة الرابعة: قوله: ﴿ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ ﴾ الأكثرون على أنه تحريم منع لا تحريم تعبد، وقيل: يجوز أيضاً أن يكون تحريم تعبد، فأمرهم بأن يمكثوا في تلك المفازة في الشدة والبلية عقاباً لهم على سوء صنيعهم.
المسألة الخامسة: اختلفوا في التيه فقال الربيع: مقدار ستة فراسخ، وقيل: تسعة فراسخ في ثلاثين فرسخاً.
وقيل: ستة في اثنى عشر فرسخاً، وقيل: كانوا ستمائة ألف فارس.
فإن قيل: كيف يعقل بقاء هذا الجمع العظيم في هذا القدر الصغير من المفازة أربعين سنة بحيث لا يتفق لأحد منهم أن يجد طريقاً إلى الخروج عنها، ولو أنهم وضعوا أعينهم على حركة الشمس أو الكواكب لخرجوا منها ولو كانوا في البحر العظيم، فكيف في المفازة الصغيرة؟
قلنا: فيه وجهان: الأول: أن انخراق العادات في زمان الأنبياء غير مستبعد، إذ لو فتحنا باب الاستبعاد لزم الطعن في جميع المعجزات، وإنه باطل.
الثاني: إذا فسرنا ذلك التحريم بتحريم التعبد فقد زال السؤال لاحتمال أن الله تعالى حرّم عليهم الرجوع إلى أوطانهم، بل أمرهم بالمكث في تلك المفازة أربعين سنة مع المشقة والمحنة جزاءً لهم على سوء صنيعهم، وعلى هذا التقدير فقد زال الاشكال.
المسألة السادسة: يقال: تاه يتيه تيهاً وتيهاً وتوها، والتيه أعمها، والتيهاء الأرض التي لا يهتدى فيها.
قال الحسن: كانوا يصبحون حيث أمسوا، ويمسون حيث أصبحوا، وكانت حركتهم في تلك المفازة على سبيل الاستدارة، وهذا مشكل فإنهم إذا وضعوا أعينهم على مسير الشمس ولم ينعطفوا ولم يرجعوا فإنهم لابد وأن يخرجوا عن المفازة، بل الأولى حمل الكلام على تحريم التعبد على ما قررناه، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
لما عصوه وتمرّدوا عليه وخالفوه وقالوا ما قالوا من كلمة الكفر ولم يبق معه مطيع موافق يثق له إلا هارون ﴿ قَالَ رَبّ إِنّى لا أَمْلِكُ ﴾ لنصرة دينك ﴿ إِلاَّ نَفْسِى وَأَخِى ﴾ وهذا من البث والحزن والشكوى إلى الله والحسرة ورقة القلب التي بمثلها تستجلب الرحمة وتستنزل النصرة ونحوه قول يعقوب عليه السلام ﴿ إِنَّمَا أَشْكُو بَثّى وَحُزْنِى إِلَى الله ﴾ [يوسف: 86] .
وعن عليّ رضي الله عنه أنه كان يدعو الناس على منبر الكوفة إلى قتال البغاة، فما أجابه إلا رجلان فتنفس الصعداء.
ودعا لهما وقال: أين تقعان مما أريد؟
وذكر في إعراب (أخي) وجوه: أن يكون منصوباً عطفاً على نفسي أو على الضمير في (إني) بمعنى: ولا أملك إلا نفسي وإن أخي لا يملك إلا نفسه.
ومرفوعا عطفاً على محل إن واسمها.
كأنه قيل: أنا لا أملك إلا نفسي، وهارون كذلك لا يملك إلا نفسه أو على الضمير في لا أملك.
وجاز للفصل.
مجروراً عطفاً على الضمير في نفسي، وهو ضعيف لقبح العطف على ضمير المجرور إلا بتكرير الجار.
فإن قلت: أما كان معه الرجلان المذكوران؟
قلت: كأنه لم يثق بهما كل الوثوق ولم يطمئن إلى ثباتهما، لما ذاق على طول الزمان واتصال الصحبة من أحوال قومه وتلونهم وقسوة قلوبهم، فلم يذكر إلا النبي المعصوم الذي لا شبهة في أمره، ويجوز أن يقول ذلك لفرط ضجره عندما سمع منهم تقليلاً لمن يوافقه.
ويجوز أن يريد: ومن يؤاخيني على ديني ﴿ فافرق ﴾ فافصل ﴿ بَيْنِنَا ﴾ وبينهم بأن تحكم لنا بما نستحق، وتحكم عليهم بما يستحقون، وهو في معنى الدعاء عليهم.
ولذلك وصل به قوله: ﴿ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ ﴾ على وجه التسبيب، أو فباعد بيننا وبينهم وخلصنا من صحبتهم كقوله: ﴿ وَنَجّنِى مِنَ القوم الظالمين ﴾ [القصص: 21] ﴿ فَإِنَّهَا ﴾ فإن الأرض المقدسة ﴿ مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ ﴾ لا يدخلونها ولا يملكونها، فإن قلت: كيف يوفق بين هذا وبين قوله: ﴿ الَّتِى كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ ﴾ [المائدة: 21] ؟
قلت: فيه وجهان، أحدهما: أن يراد كتبها لكم بشرط أن تجاهدوا أهلها فلمَّا أبوا الجهاد قيل: فإنها محرّمة عليهم.
والثاني: أن يراد فإنها محرّمة عليهم أربعين سنة، فإذا مضت الأربعون كان من كتب، فقد روي أن موسى سار بمن بقي من بني إسرائيل وكان يوشع على مقدمته ففتح أريحاء وأقام فيها ما شاء الله ثم قبض صلوات الله عليه.
وقيل: لما مات موسى بعث يوشع نبياً، فأخبرهم بأنه نبيّ الله، وأن الله أمره بقتال الجبابرة، فصدقوه وبايعوه وسار بهم إلى أريحاء وقتل الجبارين وأخرجهم، وصار الشام كله لبني إسرائيل.
وقيل: لم يدخل الأرض المقدسة أحد ممن قال: ﴿ إِنَّا لَنْ نَّدْخُلَهَا ﴾ وهلكوا في التيه ونشأت نواشيء من ذرّياتهم فقاتلوا الجبارين ودخلوها والعامل في الظرف إما (محرمة) وإما (يتيهون) ومعنى ﴿ يَتِيهُونَ فِي الأرض ﴾ يسيرون فيها متحيرين لا يهتدون طريقاً.
والتيه: المفازة التي يتاه فيها.
روى أنهم لبثوا أربعين سنة في ستة فراسخ يسيرون كل يوم جادين، حتى إذا سئموا وأمسوا إذا هم بحيث ارتحلوا عنه، وكان الغمام يظللهم من حرّ الشمس، ويطلع لهم عمود من نور بالليل يضيء لهم، وينزل عليهم المنّ والسلوى، ولا تطول شعورهم، وإذا ولد لهم مولود كان عليه ثوب كالظفر يطول بطوله.
فإن قلت: فلم كان ينعم عليهم بتظليل الغمام وغيره، وهم معاقبون؟
قلت: كما ينزل بعض النوازل على العصاة عركاً لهم، وعليهم مع ذلك النعمة متظاهرة.
ومثل ذلك مثل الوالد المشفق يضرب ولده ويؤذيه ليتأدب ويتثقف ولا يقطع عنه معروفه وإحسانه.
فإن قلت: هل كان معهم في التيه موسى وهارون عليهما السَّلام؟
قلت: اختلف في ذلك، فقيل لم يكونا معهم لأنه كان عقاباً، وقد طلب موسى إلى ربه أن يفرق بينهما وبينهم.
وقيل: كانا معهم إلا أنه كان ذلك روحاً لهما وسلامة، ولا عقوبة، كالنار لإبراهيم، وملائكة العذاب.
وروي أن هارون مات في التيه.
ومات موسى بعده فيه بسنة.
ودخل يوشع أريحاء بعد موته بثلاثة أشهر.
ومات النقباء في التيه بغتة، إلا كالب ويوشع ﴿ فَلاَ تَأْسَ ﴾ فلا تحزن عليهم لأنه ندم على الدعاء عليهم، فقيل: إنهم أحقاء لفسقهم بالعذاب، فلا تحزن ولا تندم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قالَ فَإنَّها ﴾ فَإنَّ الأرْضَ المُقَدَّسَةَ.
﴿ مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ ﴾ لا يَدْخُلُونَها ولا يَمْلِكُونَها بِسَبَبِ عِصْيانِهِمْ.
﴿ أرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ في الأرْضِ ﴾ عامِلُ الظَّرْفِ إمّا مُحَرَّمَةٌ فَيَكُونُ التَّحْرِيمُ مُوَقَّتًا غَيْرَ مُؤَبَّدٍ فَلا يُخالِفُ ظاهِرَ قَوْلِهِ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ ما رُوِيَ: أنَّ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ سارَ بَعْدَهُ بِمَن بَقِيَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ فَفَتَحَ أُرَيْحاءَ، وأقامَ بِها ما شاءَ اللَّهُ ثُمَّ قُبِضَ.
وَقِيلَ: إنَّهُ قُبِضَ في التِّيهِ ولَمّا احْتُضِرَ أخْبَرَهم بِأنَّ يُوشِعَ بَعْدَهُ نَبِيٌّ وأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى أمَرَهُ بِقِتالِ الجَبابِرَةِ، فَسارَ بِهِمْ يُوشِعُ وقَتَلَ الجَبابِرَةَ وصارَ الشّامُ كُلُّهُ لِبَنِي إسْرائِيلَ، وإمّا يَتِيهُونَ أيْ يَسِيرُونَ فِيها مُتَحَيِّرِينَ لا يَرَوْنَ طَرِيقًا فَيَكُونُ التَّحْرِيمُ مُطْلَقًا، وقَدْ قِيلَ لَمْ يَدْخُلِ الأرْضَ المُقَدَّسَةَ أحَدٌ مِمَّنْ قالَ إنّا لَنْ نَدْخُلَها بَلْ هَلَكُوا في التِّيهِ، وإنَّما قاتَلَ الجَبابِرَةَ أوْلادُهم.
رُوِيَ: أنَّهم لَبِثُوا أرْبَعِينَ سَنَةً في سِتَّةِ فَراسِخَ يَسِيرُونَ مِنَ الصَّباحِ إلى المَساءِ، فَإذا هم بِحَيْثُ ارْتَحَلُوا عَنْهُ، وكانَ الغَمامُ يُظِلُّهم مِنَ الشَّمْسِ وعَمُودٍ مِن نُورٍ يَطْلُعُ بِاللَّيْلِ فَيُضِيءُ لَهُمْ، وكانَ طَعامُهُمُ المَنَّ والسَّلْوى وماؤُهم مِنَ الحَجْرِ الَّذِي يَحْمِلُونَهُ، والأكْثَرُ عَلى أنَّ مُوسى وهارُونَ كانا مَعَهم في التِّيهِ إلّا أنَّهُ كانَ ذَلِكَ رَوْحًا لَهُما وزِيادَةً في دَرَجَتِهِما، وعُقُوبَةً لَهُمْ، وأنَّهُما ماتا فِيهِ ماتَ هارُونُ، ومُوسى بَعْدَهُ بِسَنَةٍ.
ثُمَّ دَخَلَ يُوشِعُ أُرَيْحاءَ بَعْدَ ثَلاثَةِ أشْهُرٍ وماتَ النُّقَباءُ فِيهِ بَغْتَةً غَيْرَ كالِبٍ ويُوشِعَ.
﴿ فَلا تَأْسَ عَلى القَوْمِ الفاسِقِينَ ﴾ خاطَبَ بِهِ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِما نَدِمَ عَلى الدُّعاءِ عَلَيْهِمْ وبَيَّنَ أنَّهم أحِقّاءُ بِذَلِكَ لِفِسْقِهِمْ.
<div class="verse-tafsir"
{قال فإنها} أى الأرض المقسدة {مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ} لا يدخلونها وهو تحريم منع لا تحريم تعبد كقوله وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ المراضع والمراد بقوله كتب الله لكم أي بشرط أن تجاهدوا أهلها فلما أبوا الجهاد قيل فإنها محرمة عليهم أو المراد فإنها محرمة عليهم {أَرْبَعِينَ سَنَةً} فإذا مضى الأربعون كان ما كتب فقد سار موسى عليه السلام بمن بقي من بني إسرائيل وكان يوشع على مقدمته ففتحها وأقام فيها ما شاء الله ثم قبض وأربعين ظرف التحريم والوقف على سنة أو ظرف {يَتِيهُونَ فِى الأرض} أي يسيرون فيها متحيرين لا يهتدون طريقاً أربعين سنة والوقف على عليهم وإنما عوقبوا بالحبس لاختيارهم
المكث فكانوا مع شدة سيرهم يصبحون حيث أمسوا ويمسون حيث أصبحوا في ستة فراسخ ولما ندم على الدعاء عليهم قيل له {فَلاَ تَأْسَ عَلَى القوم الفاسقين} فلا تحزن عليهم لأنهم فاسقون قيل لم يكن موسى وهرون معهم في التيه لأنه كان عقاباً وقد سأل موسى ربه أنه يفرق بينهما وبينهم وقيل كانا معهم إلا أنه كان ذلك روحا لهما وسلاما لا عقوبة ومات هرون في التيه وموسى فيه بعده بسنة ومات النقباء فى التيه إلا كالب ويوشع
﴿ قالَ ﴾ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا رَأى مِنهم ما رَأى مِنَ العِنادِ عَلى طَرِيقِ البَثِّ والحُزْنِ والشَّكْوى إلى اللَّهِ تَعالى مَعَ رِقَّةِ القَلْبِ الَّتِي بِمِثْلِها تُسْتَجْلَبُ الرَّحْمَةُ، وتُسْتَنْزَلُ النُّصْرَةُ، فَلَيْسَ القَصْدُ إلى الإخْبارِ، وكَذا كُلُّ خَبَرٍ يُخاطَبُ بِهِ عَلّامُ الغُيُوبِ يُقْصَدُ بِهِ مَعْنًى سِوى إفادَةِ الحُكْمِ أوْ لازِمِهِ، فَلَيْسَ قَوْلُهُ رَدًّا لِما أمَرَ اللَّهُ تَعالى بِهِ، ولا اعْتِذارًا عَنْ عَدَمِ الدُّخُولِ ﴿ رَبِّ إنِّي لا أمْلِكُ إلا نَفْسِي وأخِي ﴾ هارُونَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وهو عَطْفٌ عَلى ( نَفْسِي ) أيْ: لا يُجِيبُنِي إلى طاعَتِكَ، ويُوافِقُنِي عَلى تَنْفِيذِ أمْرِكَ سِوى نَفْسِي وأخِي، ولَمْ يَذْكُرِ الرَّجُلَيْنِ اللَّذَيْنِ أنْعَمَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِما - وإنْ كانا يُوافِقانِهِ إذا دَعا - لِما رَأى مِن تَلَوُّنِ القَوْمِ، وتَقَلُّبِ آرائِهِمْ، فَكَأنَّهُ يَثِقُ بِهِما، ولَمْ يَعْتَمِدْ عَلَيْهِما.
وقِيلَ: لَيْسَ القَصْدُ إلى القَصْرِ، بَلْ إلى بَيانِ قِلَّةِ مَن يُوافِقُهُ، تَشْبِيهًا لِحالِهِ بِحالِ مَن لا يَمْلِكُ إلّا نَفْسَهُ وأخاهُ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِأخِي مَن يُؤاخِينِي في الدِّينِ، فَيَدْخُلانِ فِيهِ، ولا يَتِمُّ إلّا بِالتَّأْوِيلِ بِكُلِّ مُؤاخٍ لَهُ في الدِّينِ أوْ بِجِنْسِ الأخِ، وفِيهِ بُعْدٌ.
ويَجُوزُ في ( أخِي ) وُجُوهٌ أُخَرُ مِنَ الإعْرابِ: الأوَّلُ أنَّهُ مَنصُوبٌ بِالعَطْفِ عَلى اسْمِ ( إنَّ ).
الثّانِي أنَّهُ مَرْفُوعٌ بِالعَطْفِ عَلى فاعِلِ ( أمْلِكُ ) لِلْفَصْلِ.
الثّالِثُ أنَّهُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ.
الرّابِعِ أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى مَحَلِّ اسْمِ ( إنَّ ) البَعِيدِ؛ لِأنَّهُ بَعْدَ اسْتِكْمالِ الخَبَرِ، والجُمْهُورُ عَلى جَوازِهِ حِينَئِذٍ.
الخامِسُ أنَّهُ مَجْرُورٌ بِالعَطْفِ عَلى الضَّمِيرِ المَجْرُورِ عَلى رَأْيِ الكُوفِيِّينَ.
ثُمَّ لا يَلْزَمُ عَلى بَعْضِ الوُجُوهِ الِاتِّحادُ في المَفْعُولِ، بَلْ يُقَدَّرُ لِلْمَعْطُوفِ مَفْعُولٌ آخَرُ، أيْ وأخِي إلّا نَفْسَهُ، فَلا يَرِدُ ما قِيلَ: إنَّهُ يَلْزَمُ مِن عَطْفِهِ عَلى اسْمِ ( إنَّ ) أوْ فاعِلِ ( أمْلِكُ ) أنَّ مُوسى وهارُونَ - عَلَيْهِما السَّلامُ - لا يَمْلِكانِ إلّا نَفْسَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَقَطْ، ولَيْسَ المَعْنى عَلى ذَلِكَ كَما لا يَخْفى، ولَيْسَ مِن عَطْفِ الجُمَلِ بِتَقْدِيرِ: ولا يَمْلِكُ أخِي إلّا نَفْسَهُ كَما تُوُهِّمَ، وتَحْقِيقُهُ أنَّ العَطْفَ عَلى مَعْمُولِ الفِعْلِ لا يَقْتَضِي إلّا المُشارَكَةَ في مَدْلُولِ ذَلِكَ ومَفْهُومِهِ الكُلِّيِّ لا الشَّخْصِيِّ المُعَيَّنِ بِمُتَعَلِّقاتِهِ المَخْصُوصَةِ، فَإنَّ ذَلِكَ إلى القَرائِنِ.
﴿ فافْرُقْ بَيْنَنا ﴾ يُرِيدُ نَفْسَهُ وأخاهُ - عَلَيْهِما الصَّلاةُ السَّلامُ - والفاءُ لِتَرْتِيبِ الفَرْقِ، والدُّعاءِ بِهِ عَلى ما قَبْلَهُ، وقُرِئَ ( فافْرِقْ ) بِكَسْرِ الرّاءِ.
﴿ وبَيْنَ القَوْمِ الفاسِقِينَ ﴾ أيِ الخارِجِينَ عَنْ طاعَتِكَ، بِأنْ تَحْكُمَ لَنا بِما نَسْتَحِقُّهُ، وعَلَيْهِمْ بِما يَسْتَحِقُّونَهُ، كَما هو المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والضَّحّاكِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم - وقالَ الجُبّائِيُّ: سَألَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - رَبَّهُ أنْ يَفْرُقَ بِالتَّبْعِيدِ في الآخِرَةِ بِأنْ يَجْعَلَهُ وأخاهُ في الجَنَّةِ ويَجْعَلَهم في النّارِ، وإلى الأوَّلِ ذَهَبَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ، ويُرَجِّحُهُ تَعْقِيبُ الدُّعاءَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قالَ فَإنَّها ﴾ فَإنَّ الفاءَ فِيهِ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها مِنَ الدُّعاءِ، فَكانَ ذَلِكَ إثْرَ الدُّعاءِ، ونَوْعٌ مِنَ المَدْعُوِّ بِهِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: إنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - غَضِبَ حِينَ قالَ لَهُ القَوْمُ ما قالُوا، فَدَعا، وكانَ ذَلِكَ عَجَلَةً مِنهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَجِلَها، فَلَمّا ضُرِبَ عَلَيْهِمُ التِّيهُ نَدِمَ فَأوْحى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ ﴿ فَلا تَأْسَ عَلى القَوْمِ الفاسِقِينَ ﴾ والضَّمِيرُ المَنصُوبُ عائِدٌ إلى الأرْضِ المُقَدَّسَةِ، أيْ فَإنَّها لِدُعائِكَ ﴿ مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ ﴾ لا يَدْخُلُونَها ولا يَمْلِكُونَها، والتَّحْرِيمُ تَحْرِيمُ مَنعٍ لا تَحْرِيمُ تَعَبُّدٍ، ومِثْلُهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ يَصِفُ فَرَسَهُ: جالَتْ لِتَصْرِعَنِي فَقُلْتُ لَها اقْصُرِي إنِّي امْرُؤٌ صَرْعِي عَلَيْكِ حَرامُ يُرِيدُ: إنِّي فارِسٌ لا يُمْكِنُكِ أنْ تَصْرِعِينِي.
وجَوَّزَ أبُو عَلِيٍّ الجُبّائِيُّ - وإلَيْهِ يُشِيرُ كَلامُ البَلْخِيِّ - أنْ يَكُونَ تَحْرِيمَ تَعَبُّدٍ، والأوَّلُ أظْهَرُ.
﴿ أرْبَعِينَ سَنَةً ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ( مُحَرَّمَةٌ ) فَيَكُونُ التَّحْرِيمُ مُؤَقَّتًا لا مُؤَبَّدًا، فَلا يَكُونُ مُخالِفًا لِظاهِرِ قَوْلِهِ تَعالى: ( كَتَبَ اللَّهُ لَكم ) والمُرادُ بِتَحْرِيمِها عَلَيْهِمْ أنَّهُ لا يَدْخُلُها أحَدٌ مِنهم هَذِهِ المُدَّةَ، لَكِنْ لا بِمَعْنى إنَّ كُلَّهم يَدْخُلُونَها بَعْدَها، بَلْ بَعْضُهم مِمَّنْ بَقِيَ حَسْبَما رُوِيَ أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - سارَ بِمَن بَقِيَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ إلى الأرْضِ المُقَدَّسَةِ، وكانَ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ عَلى مُقَدِّمَتِهِ فَفَتَحَها، وأقامَ بِها ما شاءَ اللَّهُ تَعالى ثُمَّ قُبِضَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ ومُجاهِدٍ، وقِيلَ: لَمْ يَدْخُلْها أحَدٌ مِمَّنْ قالَ: ( لَنْ نَدْخُلَها أبَدًا ) وإنَّما دَخَلَها مَعَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - النَّواشِئُ مِن ذُرِّيّاتِهِمْ، وعَلَيْهِ فالمُؤَقَّتُ بِالأرْبَعِينَ في الحَقِيقَةِ تَحْرِيمُها عَلى ذُرِّيّاتِهِمْ، وإنَّما جُعِلَ تَحْرِيمًا عَلَيْهِمْ لِما بَيْنَهُما مِنَ العَلاقَةِ التّامَّةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَتِيهُونَ في الأرْضِ ﴾ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ كَيْفِيَّةِ حِرْمانِهِمْ، وقِيلَ: حالٌ مِن ضَمِيرِ ( عَلَيْهِمْ ) والتِّيهُ: الحَيْرَةُ، ويُقالُ: تاهَ يَتِيهُ ويَتُوهُ، وهو أتْوَهُ وأتْيَهُ فَهو مِمّا تَداخَلَ فِيهِ الواوُ والياءُ، والمَعْنى يَسِيرُونَ مُتَحَيِّرِينَ، وحَيْرَتُهم عَدَمُ اهْتِدائِهِمْ لِلطَّرِيقِ.
وقِيلَ: الظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِـ( يَتِيهُونَ ) ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ قَتادَةَ، فَيَكُونُ التِّيهُ مُؤَقَّتًا، والتَّحْرِيمُ مُطْلَقًا يَحْتَمِلُ التَّأْبِيدَ وعَدَمَهُ، وكانَ مَسافَةُ الأرْضِ الَّتِي تاهُوا فِيها ثَلاثِينَ فَرْسَخًا في عَرْضِ تِسْعَةِ فَراسِخَ كَما قالَ مُقاتِلٌ، وقِيلَ: اثْنَيْ عَشَرَ فَرْسَخًا في عَرْضِ سِتَّةِ فَراسِخَ، وقِيلَ: سِتَّةٌ في عَرْضِ تِسْعَةٍ، وقِيلَ: كانَ طُولُها ثَلاثِينَ مِيلًا في عَرْضِ سِتَّةِ فَراسِخَ، وهي ما بَيْنَ مِصْرَ والشّامِ، وذُكِرَ أنَّهم كانُوا سِتَّمِائَةِ ألْفِ مُقاتِلٍ، وكانُوا يَسِيرُونَ فَيُصْبِحُونَ حَيْثُ يُمْسُونَ، ويُمْسُونَ حَيْثُ يُصْبِحُونَ، كَما قالَهُالحَسَنُ ومُجاهِدٌ.
قِيلَ: وحِكْمَةُ ابْتِلائِهِمْ بِالتِّيهِ أنَّهم لَمّا قالُوا: ﴿ إنّا ها هُنا قاعِدُونَ ﴾ عُوقِبُوا بِما يُشْبِهُ القُعُودَ، وكانَ أرْبَعِينَ سَنَةً؛ لِأنَّها غايَةُ زَمَنٍ يَرْعَوِي فِيهِ الجاهِلُ.
وقِيلَ: لِأنَّهم عَبَدُوا العِجْلَ أرْبَعِينَ يَوْمًا، فَجُعِلَ عِقابُ كُلِّ يَوْمٍ سَنَةً في التِّيهِ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وكانَ ذَلِكَ مِن خَوارِقِ العاداتِ، إذِ التَّحَيُّرُ في مِثْلِ تِلْكَ المَسافَةِ عَلى عُقَلاءَ كَثِيرِينَ هَذِهِ المُدَّةَ الطَّوِيلَةَ مِمّا تُحِيلُهُ العادَةُ، ولَعَلَّ ذَلِكَ كانَ بِمَحْوِ العَلاماتِ الَّتِي يُسْتَدَلُّ بِها، أوْ أُلْقِيَ شَبَهُ بَعْضِها عَلى بَعْضٍ.
وقالَ أبُو عَلِيٍّ الجُبّائِيُّ: إنَّهُ كانَ بِتَحَوُّلِ الأرْضِ الَّتِي هم عَلَيْها وقْتَ نَوْمِهِمْ، ويُغْنِي اللَّهُ تَعالى عَنْ قَبُولِهِ.
ورُوِيَ أنَّهُ كانَ الغَمامُ يُظِلُّهم مِن حَرِّ الشَّمْسِ، ويَنْزِلُ عَلَيْهِمُ المَنُّ والسَّلْوى، وجُعِلَ مَعَهم حَجَرُ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - يَتَفَجَّرُ مِنهُ الماءُ دَفْعًا لِعَطَشِهِمْ، قِيلَ: ويَطْلُعُ بِاللَّيْلِ عَمُودٌ مِن نُورٍ يُضِيءُ لَهُمْ، ولا يَطُولُ شَعَرُهُمْ، ولا تُبْلى ثِيابُهُمْ، كَما رُوِيَ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ، وكانَتْ تَشِبُّ مَعَهم إذا شَبُّوا كَما رُوِيَ عَنْ طاوُسٍ.
وذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ القُصّاصِ أنَّهم كانُوا إذا وُلِدَ لَهم مَوْلُودٌ كانَ عَلَيْهِ ثَوْبٌ كالظُّفْرِ يَطُولُ بِطُولِهِ، ولا يَبْلى، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا ذَكَرُوهُ.
والعادَةُ تُبْعِدُ كَثِيرًا مِنهُ، فَلا يُقْبَلُ إلّا ما صَحَّ عَنِ اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - ولَقَدْ سَألْتُ بَعْضَ أحْبارِ اليَهُودِ عَنْ لِباسِ بَنِي إسْرائِيلَ في التِّيهِ؟
فَقالَ: إنَّهم خَرَجُوا مِن مِصْرَ ومَعَهُمُ الكَثِيرُ مِن ثِيابِ القِبْطِ وأمْتِعَتِهِمْ، وحَفِظَها اللَّهُ تَعالى لِكِبارِهِمْ وصِغارِهِمْ، فَذَكَرْتُ لَهُ حَدِيثَ الظُّفْرِ فَقالَ: لَمْ نَظْفَرْ بِهِ، وأنْكَرَهُ، فَقُلْتُ لَهُ: هي فَضِيلَةٌ فَهَلّا أثْبَتَّها لِقَوْمِكَ؟
فَقالَ: لا أرْضى بِالكَذِبِ ثَوْبًا.
واسْتُشْكِلَ مُعامَلَتُهم بِهَذِهِ النِّعَمِ مَعَ مُعاقَبَتِهِمْ بِالحَيْرَةِ، وأُجِيبَ بِأنَّ تِلْكَ المُعاقَبَةَ مِن كَرَمِهِ تَعالى، وتَعْذِيبُهم إنَّما كانَ لِلتَّأْدِيبِ، كَما يَضْرِبُ الرَّجُلُ ولَدَهُ مَعَ مَحَبَّتِهِ لَهُ، ولا يَقْطَعُ عَنْهُ مَعْرُوفَةُ، ولَعَلَّهُمُ اسْتَغْفَرُوا مِنَ الكُفْرِ إذا كانَ قَدْ وقَعَ مِنهُمْ، وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ مُوسى وهارُونَ - عَلَيْهِما السَّلامُ - كانا مَعَهم في التِّيهِ، لَكِنْ لَمْ يَنَلْهُما مِنَ المَشَقَّةِ ما نالَهُمْ، وكانَ ذَلِكَ لَهُما رَوْحًا وسَلامَةً كالنّارِ لِإبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ولَعَلَّ الرَّجُلَيْنِ أيْضًا كانا كَذَلِكَ.
ورُوِيَ أنَّ هارُونَ ماتَ في التِّيهِ، واتُّهِمَ بِهِ مُوسى - عَلَيْهِما السَّلامُ - فَقالُوا: قَتَلَهُ لِحُبِّنا لَهُ، فَأحْياهُ اللَّهُ تَعالى بِتَضَرُّعِهِ فَبَرَّأهُ مِمّا يَقُولُونَ، وعادَ إلى مَضْجَعِهِ، وماتَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بَعْدَهُ بِسَنَةٍ، وقِيلَ: بِسِتَّةِ أشْهُرٍ ونِصْفٍ، وقِيلَ: بِثَمانِيَةِ أعْوامٍ، ودَخَلَ يُوشَعُ أرِيحاءَ بَعْدَهُ بِثَلاثَةِ أشْهُرٍ، وقالَ قَتادَةُ: بِشَهْرَيْنِ، وكانَ قَدْ نُبِّئَ قَبْلُ بِمَن بَقِيَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، ولَمْ يَبْقَ المُكَلَّفُونَ وقْتَ الأمْرِ مِنهُمْ، قِيلَ: ولا يُساعِدُهُ النَّظْمُ الكَرِيمُ؛ فَإنَّهُ بَعْدَما قَبِلَ دَعْوَتَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى بَنِي إسْرائِيلَ وعَذَّبَهم بِالتِّيهِ بَعِيدٌ أنْ يَنْجُوَ مَن نَجا، ويُقَدَّرَ وفاةُ النَّبِيَّيْنِ - عَلَيْهِما السَّلامُ - في مَحَلِّ العُقُوبَةِ ظاهِرًا، وإنْ كانَ ذَلِكَ لَهُما مَنزِلَ رَوْحٍ وراحَةٍ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الأخْبارَ بِمَوْتِهِما - عَلَيْهِما السَّلامُ - بِالتِّيهِ كَثِيرَةٌ، لا سِيَّما الأخْبارُ بِمَوْتِ هارُونَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ولا أرىَ لِلِاسْتِبْعادِ مَحَلًّا، ولَعَلَّ ذَلِكَ أنْكى لِبَنِي إسْرائِيلَ.
وقِيلَ: إنَّهُما - عَلَيْهِما السَّلامُ - لَمْ يَكُونا مَعَ بَنِي إسْرائِيلَ في التِّيهِ، وأنَّ الدُّعاءَ - وقَدْ أُجِيبَ - كانَ بِالفَرْقِ بِمَعْنى المُباعَدَةِ في المَكانِ بِالدُّنْيا، وأرى هَذا القَوْلَ مِمّا لا يَكادُ يَصِحُّ؛ فَإنَّ كَثِيرًا مِنَ الآياتِ كالنَّصِّ في وُجُودِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَعَهم فِيهِ كَما لا يَخْفى.
﴿ فَلا تَأْسَ ﴾ أيْ فَلا تَحْزَنْ لِمَوْتِهِمْ، أوْ لِما أصابَهم فِيهِ، مِنَ الأسى وهو الحُزْنُ.
﴿ عَلى القَوْمِ الفاسِقِينَ ﴾ الَّذِينَ اسْتُجِيبَ لَكَ في الدُّعاءِ عَلَيْهِمْ لِفِسْقِهِمْ، فالخِطابُ لِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - كَما هو الظّاهِرُ، وإلَيْهِ ذَهَبَ أجِلَّةُ المُفَسِّرِينَ.
وقالَ الزَّجّاجُ: إنَّهُ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - والمُرادُ بِالقَوْمِ الفاسِقِينَ مُعاصِرُوهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ السَّلامُ - مِن بَنِي إسْرائِيلَ، كَأنَّهُ قِيلَ: هَذِهِ أفْعالُ أسْلافِهِمْ فَلا تَحْزَنْ أنْتَ بِسَبَبِ أفْعالِهِمُ الخَبِيثَةِ مَعَكَ ورَدِّهِمْ عَلَيْكَ؛ فَإنَّهم ورِثُوا ذَلِكَ عَنْهم.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ يعني: احفظوا منة الله عليكم ونعمته إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ قال في رواية الكلبي: يعني السبعين سوى موسى وهارون عليهما السلام، وهم الذين اختارهم موسى فانطلقوا معه إلى الجبل.
ويقال: إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ يعني في بني إسرائيل، فكان فيهم أربعة آلاف نبي- عليهم السلام- ثم قال: وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً يعني: بعد العبودية لفرعون.
قال ابن عباس: إن الرجل إذا لم يدخل عليه أحد في بيته إلا بإذنه فهو ملك.
وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد أنه قال: وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً أي جعل لكم أزواجاً وخدماً وبيوتاً وبنين.
ويقال: من استغنى عن غيره فهو ملك.
وهذا كما قال النبي : «مَنْ أَصْبَحَ آمِناً فِي سِرْبِهِ مُعَافًى فِي بَدَنِهِ وَلَهُ قُوتُ يَوْمِهِ فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا» ثم قال: وَآتاكُمْ ما لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ يعني أعطاكم ما لم يعط أحداً من الخلق، وهو: المن والسلوى والغمام وغير ذلك.
ثم قال عز وجل: يا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ يعني المطهرة، والمقدسة في اللغة هو المكان الذي يتطهر فيه، فتأويله البيت الذي يتطهر فيه الإنسان من الذنوب.
ثم قال: الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ يعني التي أمركم الله أن تدخلوها.
ويقال: التي وعد لإبراهيم أن يكون ذلك له ولذريته، وذلك أن الله وعد لإبراهيم أن يكون له مقدار ما يمد بصره فصار ذلك ميراثاً منه حين خرج إبراهيم- - فقال له جبريل: انظر يا إبراهيم.
فنظر فقال: يعطي الله تعالى لك ولذريتك مقدار مد بصرك من الملك.
وهي أرض فلسطين وأردن وما حولهما.
فقال موسى لقومه: ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ يعني التي جعل لأبيكم إبراهيم- - ولكم ميراث منه وقال القتبي: أصل الكتاب ما كتب الله تعالى في اللوح المحفوظ، ثم يتفرع منه المعاني.
ويقال: كتب يعني قضى كما قال: قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنا [التوبة: 51] ويقال: كتب أي فرض كما قال: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ أي فرض ويقال: كُتِبَ عَلَيْكُمُ أي جعل كما قال: فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ ويقال: كتب أي أمر.
كما قال: ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ يعني أمر الله لكم بدخولها.
قال: ويقال كتب هاهنا بمعنى جعل.
ثم قال تعالى: وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ يعني لا ترجعوا عما أمرتم به من الدخول فَتَنْقَلِبُوا أي فتصيروا خاسِرِينَ بفوات الدرجات ووجوب الدركات، أي مغبونين في العقوبة، فبعث موسى- - اثني عشر رجلاً من كل سبط رجلاً يأتيهم بخبر الجبارين، فلما أتوهم لقيهم بعض أصحاب تلك المدينة جاءوا وأخذوا أصحاب موسى، فجعل كل رجل رجلين من أصحاب موسى- - في كمه، حتى جاءوا بهم إلى الملك.
ويقال: لقيهم رجل واحد اسمه «عوج» ، فاحتملهم في ثوبه وأتى بهم حتى ألقاهم بين يدي الملك فنظر إليهم وقال: هؤلاء يريدون أن يأخذوا مدينتنا.
فأراد قتلهم فقالت امرأته: أيش تصنع بقتل هؤلاء الضعفاء؟
ويكفيهم ما رأوا من أمر القوم وأمر هذه البلدة.
فأنعِم عليهم ودعهم حتى يرجعوا ويذهبوا إلى موسى وقومه بالخبر، فأرسلهم الملك وأعطاهم عنقوداً من العنب فحملوه على عمودين، فرجعوا إلى موسى- - وقالوا فيما بينهم: لا تخبروا قوم موسى بهذا الخبر، فإنهم يجبنون عن القتال، والله تعالى قد وعد لموسى بأن يفتح عليهم هذه البلدة، ولا تخبروا أحداً سوى موسى.
فلما رجعوا أخبروا بخبرهم إلا اثنين منهم وهما يوشع بن نون وكالب بن يوقنا.
فلما أمر موسى قومه بدخول البلدة قالُوا يَا مُوسى إِنَّ فِيها قَوْماً جَبَّارِينَ قال مقاتل: يعني طول كل رجل منهم ستة أذرع ونصف.
وقال الكلبي: طول كل رجل منهم ثمانون ذراعاً.
وقال الزجاج: الجبار من الآدميين العاتي، وهو الذي يجبر الناس على ما يريد.
ثم قال تعالى: وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَها حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْها يعني من تلك البلدة، وهي الأرض المقدسة واسمها إيلياء.
ويقال مدينة أخرى يقال لها أريحا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنَّا داخِلُونَ قالَ رَجُلانِ يعني يوشع بن نون وكالب مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ الله تعالى أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا بالإسلام، ويقال من الذين يخافون الجبارين أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا فلم يخافا وصدقا في مقالتهما ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبابَ وهي أريحا أو إيلياء فَإِذا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غالِبُونَ يعني أن القوم إذا رأوا كثرتكم انكسرت قلوبهم وانقطعت ظهورهم، فتكونوا غالبين وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا يعني فثقوا بأنه ناصركم إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ يعني: مصدقين بوعد الله تعالى، فقال لهم موسى: ادخلوا عليهم قالُوا يَا مُوسى أتصدق اثنين وتكذب العشرة إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَداً مَّا دامُوا فِيها فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا يعني: قل لربك أن ينصرك عليهم كما نصرك على فرعون.
وقال أبو عبيدة: يعني اذهب فقاتل وليقاتل معك ربك، وليتم أمرك كما أتم قبل ذلك فهو يعينك، فإنا لا نستطيع قتال الجبابرة.
ويقال: فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ يعني أنت وسيدك هارون، لأن هارون كان أكبر منه بسنتين أو بثلاث سنين فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ فغضب موسى- - مِنَ قولهم قالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي هارون.
وقال الزجاج: لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي يحتمل معنيين، أحدهما: لا أملك إلا نفسى، وأخي لا يملك إلا نفسه.
ويحتمل: لا أملك إلا نفسي وأخي، لأن أخاه كان مطيعاً له فهو يملك طاعته.
ثم قال: فَافْرُقْ بَيْنَنا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ يعني: اقضِ بيننا وبين القوم العاصين.
ثم قال الله تعالى: فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ يعني الأرض المقدسة، دخولها محرم عليهم أَرْبَعِينَ سَنَةً ثم قال: يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ ضلالاً يعني: يتحيرون فيها ولا يعرفون وجه الخروج منها ضلالاً في التيه.
ويقال: فإنها محرمة عليهم، وتم الكلام.
ثم قال أربعين سنة يتيهون في الأرض، فعمي عليهم السبيل، فحبسهم بالنهار وسيّرهم بالليل، يسهرون ليلتهم ويصبحون حيث أمسوا، وكان التيه بين فلسطين وأيلة ست فراسخ في اثني عشر فرسخاً، فمكثوا فيها أربعين سنة لم يقدروا على الخروج منها.
قال بعضهم: لم يكن موسى وهارون عليهما السلام في التيه، لأن الأنبياء لا يعذبون وقال بعضهم: كانا فيه وسهل الله تعالى عليهما كما سهل على إبراهيم- - النار، وجعلها برداً وسلاماً.
ويقال: إن موسى وهارون قد ماتا في التيه، وهلكت تلك العصابة ولم يبقَ منهم إلا يوشع وكالب، فخرج يوشع بذرياتهم إلى تلك المدينة، وفتحوها عند غروب الشمس.
وذكر في الخبر أن يوشع دعا بأن ترد الشمس فردت ثلاث ساعات حتى فتحوا البلدة، فاختلفت النجوم عن مجاريها من ذلك اليوم، فخفي على المنجمين، فلما بقوا في التيه ندم موسى على دعائه، فأوحى الله تعالى إليه فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ يعني لا تحزن على قوم سميتهم فاسقين.
وقال بعضهم: هذا الخطاب لمحمد لا تحزن على قومك إن لم يؤمنوا.
ويقال: أَرْبَعِينَ سَنَةً صار نصباً بمعنى يتيهون لأن في التفسير، إن دخلوها لم يكن محرم عليهم أبداً.
كذا قاله ابن عباس .
وإنما دخلها أولادهم.
وقال قوم: حرمت أربعين سنة فكانوا يتيهون أربعين سنة وفتحوا.
قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"
قال «١» الطبريُّ: ولا يختلف أنَّها بيْنَ الفُرَاتِ وعريشِ مِصْرَ.
قال ع «٢» : وتظاهرت الرواياتُ أنَّ «دِمَشْقَ» هي قاعدةُ الجَبَّارِينَ، ثم حذَّرهم موسى الارتداد على الأدبار، وذلك هو الرجوعُ القهقرى، والخاسرُ: الذي قد نقص حظُّه، ثم ذكر عز وجل أنهم تعنّتوا ونكصوا، فقالوا: إِنَّ فِيها قَوْماً جَبَّارِينَ، والجَبَّار: من الجَبْر كأنه لِقُدْرته وغَشْمه وبَطْشه يَجْبُرُ الناس على إرادته، والنَّخْلَةُ الجُبَارَةُ: العاليةُ التي لا تُنَالُ بيدٍ، وكان من خبر الجَبَّارين أنهم كانوا أهلَ قوَّة، فلما بعث موسى الإثْنَيْ عَشَرَ نقيباً مُطَّلِعِينَ من أمر الجبَّارين، وأحوالهم، رأَوْا لهم قوةٌ وبطْشاً وتخيَّلوا أن لا طاقة لهم بهم، فتعاقدوا بينهم على أنْ يُخْفُوا ذلك مِنْ بني إسرائيل، وأنْ يعلموا به موسى ليرى فيه أمر ربه، فلما انصرفوا إلى بني إسرائيل، خان منهم عَشَرة، فعرَّفوا قراباتِهِمْ، ومَنْ وثِقُوا به، ففشا الخَبَر حتى اعوجّ أمر بني إسرائيل، وقالوا: فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا [المائدة: ٢٤] ، ولم يفِ مِنَ النُّقَبَاء إلا يُوشَعُ بْنُ نُونٍ، وَكَالِبُ بْنُ يوفتّا/، ويقال فيه: «كالوث» (بثاء مثلّثة) .
وقوله تعالى: قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أي: يخافُونَ اللَّه سبحانَهُ قال أكْثر المفسِّرين: الرجُلاَن يُوشَعُ بنُ نُونٍ، وهو ابنُ أخْتِ موسى، وكَالِبُ بْنُ يُوفَتَّا، أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا بالإيمان الصحيحِ، ورَبْطِ الجَأْشِ، والثبوتِ، وقولهم: فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا ...
الآية: عبارةٌ تقتضي كفراً، وقيل: المعنى: فاذهب أنْتَ وربك يعينُكَ، وأنَّ الكلام معصية لا كُفْر، وذكر ابن إسحاق وغيره أنَّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم كلَّم النَّاسَ يَوْمَ بَدْرٍ، وَقَالَ لَهُمْ: «أَشِيرُوا عَلَيَّ، أَيُّهَا النَّاسُ، فَقَالَ لَهُ المِقْدَادُ بْنُ الأَسْوَدِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَسْنَا نَقُولُ كَمَا قَالَتْ بَنُو إسْرَائِيلَ: فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ، وَلَكِنْ نَقُولُ: اذهب أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاَ إنَّا مَعَكُمَا مُقَاتِلُونَ «٣» ، ثُمَّ تَكَلَّمَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ بنَحْوِ هذا المعنى» ، ولما
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ ﴾ الإشارَةُ إلى الأرْضِ المُقَدَّسَةِ.
ومَعْنى تَحْرِيمِها عَلَيْهِمْ: مَنعُهم مِنها.
فَأمّا نَصْبُ "الأرْبَعِينَ" فَقالَ الفَرّاءُ: هو مَنصُوبٌ بِالتَّحْرِيمِ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِـ "يَتِيهُونَ" .
وقالَ الزَّجّاجُ: لا يَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ بِالتَّحْرِيمِ، لِأنَّ التَّفْسِيرَ جاءَ أنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أبَدًا.
قُلْتُ: وقَدِ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في ذَلِكَ، فَذَهَبَ الأكْثَرُونَ، مِنهم عِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ، إلى ما قالَ الزَّجّاجُ، وأنَّها حُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ أبَدًا.
قالَ عِكْرِمَةُ: فَإنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أبَدًا يَتِيهُونَ في الأرْضِ أرْبَعِينَ سَنَةً، وذَهَبَ قَوْمٌ، مِنهُمُ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ، إلى أنَّها حُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ أرْبَعِينَ سَنَةً، ثُمَّ أُمِرُوا بِالسَّيْرِ إلَيْها، وهَذا اخْتِيارُ ابْنِ جَرِيرٍ.
قالَ: إنَّما نُصِبَتْ بِالتَّحْرِيمِ، والتَّحْرِيمُ كانَ عامًّا في حَقِّ الكُلِّ، ولَمْ يُدْخُلْها في هَذِهِ المُدَّةِ مِنهم أحَدٌ، فَلَمّا انْقَضَتْ، أُذِنَ لِمَن بَقِيَ مِنهم بِالدُّخُولِ مَعَ ذَرارِيهِمْ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ومَعْنى: يَتِيهُونَ: يَحُورُونَ ويَضِلُّونَ.
الإشارَةُ إلى قِصَّتِهِمْ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: حَرَّمَ اللَّهُ عَلى الَّذِينَ عَصَوْا دُخُولَ بَيْتِ المَقْدِسِ، فَلَبِثُوا في تِيهِهِمْ أرْبَعِينَ سَنَةً، وماتُوا في التِّيهِ، وماتَ مُوسى وهارُونُ، ولَمْ يَدْخُلْ بَيْتَ المَقْدِسِ إلّا يُوشَعُ وكالِبٌ بِأبْناءِ القَوْمِ، وناهَضَ يُوشَعُ بِمَن بَقِيَ مَعَهُ مَدِينَةَ الجَبّارِينَ فافْتَتَحَها.
وقالَ مُجاهِدٌ: تاهُوا أرْبَعِينَ سَنَةً يُصْبِحُونَ حَيْثُ أمْسَوْا، ويُمْسُونَ حَيْثُ أصْبَحُوا، وقالَ السُّدِّيُّ: لَمّا ضَرَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ التِّيهَ، نَدِمَ مُوسى عَلى دُعائِهِ عَلَيْهِمْ، وقالُوا لَهُ: ما صَنَعْتَ بِنا، أيْنَ الطَّعامُ؟
فَأنْزَلَ اللَّهُ المَنَّ.
قالُوا: فَأيْنَ الشَّرابُ؟
فَأُمِرَ مُوسى أنْ يَضْرِبَ بِعَصاهُ الحَجَرَ.
قالُوا: فَأيْنَ الظِّلُّ؟
فَظَلَّلَ عَلَيْهِمُ الغَمامَ.
قالُوا: فَأيْنَ اللِّباسُ؟
وكانَتْ ثِيابُهم تَطُولُ مَعَهم كَما تَطُولُ الصِّبْيانُ، ولا يَتَخَرَّقُ لَهم ثَوْبٌ، وقُبِضَ مُوسى ولَمْ يَبْقَ أحَدٌ مِمَّنْ أبى دُخُولَ قَرْيَةِ الجَبّارِينَ إلّا ماتَ، ولَمْ يَشْهَدِ الفَتْحَ.
وفِيهِ قَوْلٌ آخَرُ أنَّهُ لَمّا مَضَتِ الأرْبَعُونَ خَرَجَ مُوسى بِبَنِي إسْرائِيلَ مِنَ التِّيهِ، وقالَ لَهُمُ: ( ادْخُلُوا هَذِهِ القَرْيَةَ، فَكُلُوا مِنها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغْدًا، وادْخُلُوا البابَ سُجَّدًا، وقُولُوا حِطَّةٌ.
.
.
)إلى آخِرِ القِصَّةِ.
وهَذا قَوْلُ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ، وعَبْدِالرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ، وأبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: وهَذا الصَّحِيحُ، وأنَّ مُوسى هو الَّذِي فَتَحَ مَدِينَةَ الجَبّارِينَ مَعَ الصّالِحِينَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، لِأنَّ أهْلَ السِّيرَةِ أجْمَعُوا عَلى أنَّ مُوسى هو قاتِلُ عَوْجٍ، وكانَ عَوْجٌ مَلِكَهم، وكانَ بُلْعُمُ ابْنُ باعُوراءَ فِيمَن سَباهُ مُوسى وقَتَلَهُ، ولَمْ يَدْخُلْ مَعَ مُوسى مِن قُدَمائِهِمْ غَيْرُ يُوشَعُ وكالِبٌ، وإنَّما حُرِّمَتْ عَلى الَّذِينَ لَمْ يُطِيعُوا.
وفي مَسافَةِ أرْضِ التِّيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: تِسْعَةُ فَراسِخَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
قالَ مُقاتِلٌ: هَذا عَرْضُها، وطُولُها ثَلاثُونَ فَرْسَخًا.
والثّانِي: سِتَّةُ فَراسِخَ في طُولِ اثْنَيْ عَشَرَ فَرْسَخًا، حَكاهُ مُقاتِلٌ أيْضًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا تَأْسَ عَلى القَوْمِ الفاسِقِينَ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: لا تَحْزَنْ عَلى قَوْمٍ شَأْنُهُمُ المَعاصِي، ومُخالَفَةُ الرُّسُلِ.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ أسِيتُ عَلى كَذا، أيْ: حَزِنْتُ، فَأنا آسِي أسًى.
<div class="verse-tafsir"
قالَ اللهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِما ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ البابَ فَإذا دَخَلْتُمُوهُ فَإنَّكم غالِبُونَ وعَلى اللهُ فَتَوَكَّلُوا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ قالُوا يا مُوسى إنّا لَنْ نَدْخُلَها أبَدًا ما دامُوا فِيها فاذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا إنّا ها هُنا قاعِدُونَ ﴾ ﴿ قالَ رَبِّ إنِّي لا أمْلِكُ إلا نَفْسِي وأخِي فافْرُقْ بَيْنَنا وبَيْنَ القَوْمِ الفاسِقِينَ ﴾ ﴿ قالَ فَإنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ في الأرْضِ فَلا تَأْسَ عَلى القَوْمِ الفاسِقِينَ ﴾ قَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ؛ ومُجاهِدٌ: "يُخافُونَ"؛ بِضَمِّ الياءِ؛ وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يَخافُونَ"؛ بِفَتْحِ الياءِ؛ وقالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: اَلرَّجُلانِ: يُوشَعُ بْنُ نُونٍ؛ وهو ابْنُ أُخْتِ مُوسى ؛ وكالِبُ بْنُ يُوقَنا؛ ويُقالُ فِيهِ: "كِلابٌ"؛ ويُقالُ: "كالُوثُ" بِثاءٍ مُثَلَّثَةٍ؛ ويُقالُ في اسْمِ أبِيهِ: "قافِيا"؛ وهو صِهْرُ مُوسى عَلى أُخْتِهِ؛ قالَ الطَبَرِيُّ: اِسْمُ زَوْجَتِهِ مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرانَ ؛ ومَعْنى "يَخافُونَ"؛ أيْ: اَللَّهَ؛ وأنْعَمَ عَلَيْهِما بِالإيمانِ الصَحِيحِ؛ ورَبْطِ الجَأْشِ؛ والثُبُوتِ في الحَقِّ؛ وقالَ قَوْمٌ: اَلْمَعْنى: يَخافُونَ العَدُوَّ؛ لَكِنْ أنْعَمَ اللهُ تَعالى عَلَيْهِما بِالإيمانِ؛ والثُبُوتِ؛ مَعَ خَوْفِهِما؛ ويُقَوِّي التَأْوِيلَ الأوَّلَ أنَّ في قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ اللهَ أنْعَمَ عَلَيْهِما"؛ وأمّا مَن قَرَأ بِضَمِّ الياءِ فَلِقِراءَتِهِ ثَلاثَةُ مَعانٍ؛ أحَدُها: ما رُوِيَ مِن أنَّ الرَجُلَيْنِ كانا مِنَ الجَبّارِينَ؛ آمَنا بِمُوسى واتَّبَعاهُ؛ فَكانا مِنَ القَوْمِ الَّذِينَ يُخافُونَ؛ لَكِنْ أنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِما بِالإيمانِ بِمُوسى؛ فَقالا: نَحْنُ أعْلَمُ بِقَوْمِنا؛ والمَعْنى الثانِي أنَّهُما يُوشَعُ؛ وكالُوثُ؛ لَكِنَّهُما مِنَ الَّذِينَ يُوَقَّرُونَ ويُسْمَعُ كَلامُهُمْ؛ ويُهابُونَ لِتَقْواهُمْ؛ وفَضْلِهِمْ؛ فَهم يُخافُونَ بِهَذا الوَجْهِ؛ والمَعْنى الثالِثُ أنْ يَكُونَ الفِعْلُ مِن "أخافَ"؛ والمَعْنى: مِنَ الَّذِينَ يُخافُونَ بِأوامِرِ اللهِ ونَواهِيهِ؛ ووَعِيدِهِ؛ وزَجْرِهِ؛ فَيَكُونَ ذَلِكَ مَدْحًا لَهم عَلى نَحْوِ المَدْحِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللهُ قُلُوبَهم لِلتَّقْوى ﴾ ؛ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِما ﴾ صِفَةٌ لِلرَّجُلَيْنِ.
والبابُ: هو بابُ مَدِينَةِ الجَبّارِينَ؛ فِيما ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ؛ والمَعْنى: "اِجْتَهِدُوا؛ وكافِحُوا؛ حَتّى تَدْخُلُوا البابَ"؛ وقَوْلُهُ: ﴿ فَإنَّكم غالِبُونَ ﴾ ؛ ظَنٌّ مِنهُما؛ ورَجاءٌ وقِياسٌ؛ أيْ: إنَّكم بِذَلِكَ تَفُتُّونَ في أعَضادِهِمْ؛ ويَقَعُ الرُعْبُ في قُلُوبِهِمْ؛ فَتَغْلِبُونَهُمْ؛ وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "عَلَيْهِما ويْلَكُمُ ادْخُلُوا"؛ وقَوْلُهُما: ﴿ وَعَلى اللهِ فَتَوَكَّلُوا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ ؛ يَقْتَضِي أنَّهُما اسْتَرابا بِإيمانِهِمْ حِينَ رَأياهم يَعْصُونَ الرَسُولَ؛ ويَجْبُنُونَ؛ مَعَ وعْدِ اللهِ تَعالى لَهم بِالنَصْرِ.
ثُمَّ إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ لَجُّوا في عِصْيانِهِمْ؛ وسَمِعُوا مِنَ العَشَرَةِ النُقَباءِ الجَواسِيسِ الَّذِينَ خَوَّفُوهم أمْرَ الجَبّارِينَ؛ ووَصَفُوا لَهم قُوَّةَ الجَبّارِينَ؛ وعِظَمَ خَلْقِهِمْ؛ فَصَمَّمُوا عَلى خِلافِ أمْرِ اللهِ تَعالى: ﴿ قالُوا يا مُوسى إنّا لَنْ نَدْخُلَها أبَدًا ما دامُوا فِيها فاذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا إنّا ها هُنا قاعِدُونَ ﴾ ؛ وهَذِهِ عِبارَةٌ تَقْتَضِي كُفْرًا؛ وذَهَبَ بَعْضُ الناسِ إلى أنَّ المَعْنى: "اِذْهَبْ أنْتَ؛ ورَبُّكَ يُعِينُكَ"؛ وأنَّ الكَلامَ مَعْصِيَةٌ؛ لا كُفْرٌ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وقَوْلُهُمْ: "فَقاتِلا"؛ يَقْطَعُ بِهَذا التَأْوِيلِ؛ وذَكَرَ النَقّاشُ عن بَعْضِ المُفَسِّرِينَ أنَّ المُرادَ بِالرَبِّ - هُنا - هارُونُ؛ لِأنَّهُ كانَ أسَنَّ مِن مُوسى؛ وكانَ مُعَظَّمًا في بَنِي إسْرائِيلَ؛ مُحَبَّبًا لِسَعَةِ خُلُقِهِ؛ ورَحْبِ صَدْرِهِ؛ فَكَأنَّهم قالُوا: "اِذْهَبْ أنْتَ وكَبِيرُكَ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا تَأْوِيلٌ بَعِيدٌ؛ وهارُونُ إنَّما كانَ وزِيرًا لِمُوسى؛ وتابِعًا لَهُ في مَعْنى الرِسالَةِ؛ ولَكِنَّهُ تَأْوِيلٌ يُخَلِّصُ بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ الكُفْرِ؛ وذَكَرَ الطَبَرِيُّ عن قَتادَةَ أنَّهُ قالَ: «بَلَغَنا أنَّ رَسُولَ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لَمّا عَزَمَ عَلى قِتالِ قُرَيْشٍ في عامِ الحُدَيْبِيَةِ جَمَعَ العَسْكَرَ؛ وكَلَّمَ الناسَ في ذَلِكَ؛ فَقالَ لَهُ المِقْدادُ بْنُ الأسْوَدِ: لَسْنا نَقُولُ لَكَ كَما قالَتْ بَنُو إسْرائِيلَ: ﴿ فاذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا إنّا ها هُنا قاعِدُونَ ﴾ ؛ لَكِنّا نَقُولُ: "اِذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا؛ إنّا مَعَكُما مُقاتِلُونَ"؛» وذَكَرَ النَقّاشُ أنَّ الأنْصارَ قالَتْ هَذِهِ المَقالَةَ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وجَمِيعُ هَذا وهْمٌ؛ غَلِطَ قَتادَةُ - رَحِمَهُ اللهُ - في وقْتِ النازِلَةِ؛ وغَلِطَ النَقّاشُ في قائِلِ المَقالَةِ؛ والكَلامُ إنَّما وقَعَ في غَزْوَةِ بَدْرٍ؛ حِينَ نَزَلَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: ذَفِرانَ؛ فَكَلَّمَ الناسَ وقالَ لَهُمْ: أشِيرُوا عَلَيَّ أيُّها الناسُ؛ فَقالَ لَهُ المِقْدادُ هَذِهِ المَقالَةَ في كَلامٍ طَوِيلٍ؛ ذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ إسْحاقَ وغَيْرُهُ؛ ثُمَّ تَكَلَّمَ مِنَ الأنْصارِ سَعْدُ بْنُ مُعاذٍ بِنَحْوِ هَذا المَعْنى؛ ولَكِنْ سَبْقَهُ المِقْدادُ إلى التَمْثِيلِ بِالآيَةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وتَمَثُّلُ المِقْدادِ بِها؛ وتَقْرِيرُ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لِذَلِكَ؛ يَقْتَضِي أنَّ الرَبَّ إنَّما أُرِيدَ بِهِ اللهُ تَعالى؛ ويُؤْنِسُ أيْضًا في إيمانِ بَنِي إسْرائِيلَ؛ لِأنَّ المِقْدادَ قَدْ قالَ: اِذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا؛ ولَيْسَ لِكَلامِهِ مَعْنًى إلّا أنَّ اللهَ تَعالى يُعِينُكَ؛ ويُقاتِلُ مَعَكَ مَلائِكَتُهُ ونَصْرُهُ؛ فَعَسى أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ أرادَتْ ذَلِكَ؛ أيْ: "اِذْهَبْ أنْتَ؛ ويُخْرِجُهُمُ اللهُ بِنَصْرِهِ وقُدْرَتِهِ مِنَ المَدِينَةِ؛ وحِينَئِذٍ نَدْخُلُها"؛ لَكِنْ قَبُحَتْ عِبارَتُهم لِاقْتِرانِ النُكُولِ بِها؛ وحَسُنَتْ عِبارَةُ المِقْدادِ لِاقْتِرانِ الطاعَةِ والإقْدامِ بِها.
ولَمّا سَمِعَ مُوسى - عَلَيْهِ السَلامُ - قَوْلَهُمْ؛ ورَأى عِصْيانَهُمْ؛ تَبَرَّأ إلى اللهِ تَعالى مِنهُمْ؛ وقالَ داعِيًا عَلَيْهِمْ: ﴿ رَبِّ إنِّي لا أمْلِكُ إلا نَفْسِي وأخِي ﴾ ؛ يَعْنِي هارُونَ؛ وقَوْلُهُ: "وَأخِي"؛ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إعْرابُهُ رَفْعًا؛ إمّا عَلى الِابْتِداءِ؛ والتَقْدِيرُ: وأخِي لا يَمْلِكُ إلّا نَفْسَهُ؛ وإمّا عَلى العَطْفِ عَلى الضَمِيرِ الَّذِي في "أمْلِكُ"؛ تَقْدِيرُهُ: "لا أمْلِكُ أنا"؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إعْرابُهُ نَصْبًا؛ عَلى العَطْفِ عَلى "نَفْسِي"؛ وذَلِكَ لِأنَّ هارُونَ كانَ يُطِيعُ مُوسى؛ فَلِذَلِكَ أخْبَرَ أنَّهُ يَمْلِكُهُ؛ وقَرَأ الحَسَنُ: "إلّا نَفْسِيَ وأخِيَ"؛ بِفَتْحِ الياءِ فِيهِما؛ وقَوْلُهُ: "فافْرُقْ بَيْنَنا"؛ دُعاءُ حَرَجٍ؛ قالَ السُدِّيُّ: هي عَجَلَةٌ عَجِلَها مُوسى - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ والضَحّاكُ ؛ وغَيْرُهُما: اَلْمَعْنى: "اِفْصِلْ بَيْنَنا وبَيْنَهم بِحُكْمٍ؛ وافْتَحْ"؛ فالمَعْنى: "اُحْكم بِحُكْمٍ يُفَرِّقُ هَذا الِاخْتِلافَ؛ ويَلُمُّ الشَعَثَ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وعَلى هَذا التَأْوِيلِ فَلَيْسَ في الدُعاءِ عَجَلَةٌ؛ وقالَ قَوْمٌ: اَلْمَعْنى: "فافْرُقْ بَيْنَنا وبَيْنَهم في الآخِرَةِ؛ حَتّى تَكُونَ مَنزِلَةُ المُطِيعِ مُفارِقَةً لِمَنزِلَةِ العاصِي الفاسِقِ"؛ ويَحْتَمِلُ الدُعاءُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: "فُرِّقَ بَيْنَنا وبَيْنَهُمْ"؛ بِمَعْنى أنْ يَقُولَ: "فَقَدْنا وُجُوهَهُمْ؛ وفُرِّقَ بَيْنَنا وبَيْنَهم حَتّى لا نَشْقى بِفِسْقِهِمْ"؛ وبِهَذا الوَجْهِ تَجِيءُ العَجَلَةُ في الدُعاءِ؛ وقَرَأ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: "فافْرِقْ" بِكَسْرِ الراءِ.
﴿ قالَ فَإنَّها مُحَرَّمَةٌ ﴾ ؛ اَلْمَعْنى: "قالَ اللهُ "؛ وأُضْمِرَ الفاعِلُ في هَذِهِ الأفْعالِ كُلِّها إيجازًا؛ لِدَلالَةِ مَعْنى الكَلامِ عَلى المُرادِ؛ وحَرَّمَ اللهُ تَعالى عَلى جَمِيعِ بَنِي إسْرائِيلَ دُخُولَ تِلْكَ المَدِينَةِ أرْبَعِينَ سَنَةً؛ وتَرَكَهم خِلالَها يَتِيهُونَ في الأرْضِ؛ أيْ: في أرْضِ تِلْكَ النازِلَةِ؛ وهو فَحْصُ التِيهِ؛ وهو - عَلى ما يُحْكى - طُولَ ثَمانِينَ مِيلًا؛ في عَرْضِ سِتَّةِ فَراسِخَ؛ وهو ما بَيْنَ مِصْرَ والشامِ؛ ويُرْوى أنَّهُ اتَّفَقَ أنَّهُ ماتَ كُلُّ مَن كانَ قالَ: ﴿ إنّا لَنْ نَدْخُلَها أبَدًا ﴾ ؛ ولَمْ يَدْخُلِ المَدِينَةَ أحَدٌ مِن ذَلِكَ الجِيلِ إلّا يُوشَعُ؛ وكالُوثُ؛ ويُرْوى أنَّ هارُونَ - عَلَيْهِ السَلامُ - ماتَ في فَحْصِ التِيهِ؛ في خِلالِ هَذِهِ المُدَّةِ؛ ولَمْ يُخْتَلَفْ في هَذا؛ ورُوِيَ أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَلامُ - ماتَ فِيهِ بَعْدَ هارُونَ بِثَمانِيَةِ أعْوامٍ؛ وقِيلَ: بِسِتَّةِ أشْهُرٍ ونَصْفٍ؛ وأنَّ يُوشَعَ نُبِّئَ بَعْدَ كَمالِ الأرْبَعِينَ سَنَةً؛ وخَرَجَ بِبَنِي إسْرائِيلَ؛ وقاتَلَ الجَبّارِينَ؛ وفَتَحَ المَدِينَةَ؛ وفي تِلْكَ الحَرْبِ وقَفَتْ لَهُ الشَمْسُ ساعَةً حَتّى اسْتَمَرَّ هَزْمُ الجَبّارِينَ؛ ورُوِيَ أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَلامُ - عاشَ حَتّى كَمُلَتِ الأرْبَعُونَ؛ وخَرَجَ بِالناسِ؛ وحارَبَ الجَبّارِينَ؛ ويُوشَعُ وكالَبُ عَلى مُقَدِّمَتِهِ؛ وأنَّهُ فَتَحَ المَدِينَةَ؛ وقَتَلَ بِيَدِهِ عُوجَ بْنَ عِناقٍ؛ يُقالُ: كانَ في طُولِ مُوسى عَشَرَةَ أذْرُعٍ؛ وفي طُولِ عَصاهُ عَشَرَةَ أذْرُعٍ؛ وتَرامى مِنَ الأرْضِ في السَماءِ عَشَرَةَ أذْرُعٍ؛ وحِينَئِذٍ لَحِقَ كَعْبَ عُوجٍ فَضَرَبَهُ بِعَصاهُ في كَعْبِهِ فَخَرَّ صَرِيعًا؛ ويُرْوى أنَّ عُوجًا اقْتَلَعَ صَخْرَةً لِيَطْرَحَها عَلى عَسْكَرِ بَنِي إسْرائِيلَ؛ فَبَعَثَ اللهُ هُدْهُدًا بِحَجَرِ الماسِ؛ فَأدارَهُ عَلى الصَخْرَةِ فَتَقَوَّرَتْ؛ ودَخَلَتْ في عُنُقِ عُوجٍ؛ وضَرَبَهُ مُوسى؛ فَماتَ؛ وحَكى الطَبَرِيُّ أنَّ طُولَ عُوجٍ ثَمانِمِائَةِ ذِراعٍ؛ وحُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - أنَّهُ قالَ: لَمّا خَرَّ كانَ جِسْرًا عَلى النِيلِ سَنَةً.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والنِيلُ لَيْسَ في تِلْكَ الأقْطارِ؛ وهَذا كُلُّهُ ضَعِيفٌ؛ واللهُ أعْلَمُ؛ وحَكى الزَجّاجُ عن قَوْمٍ أنَّ مُوسى وهارُونَ لَمْ يَكُونا في التِيهِ؛ والعامِلُ في "أرْبَعِينَ"؛ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "مُحَرَّمَةٌ"؛ أيْ: "حُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ أرْبَعِينَ سَنَةً؛ ويَتِيهُونَ في الأرْضِ هَذِهِ المُدَّةَ ثُمَّ تُفْتَحُ عَلَيْهِمْ؛ أدْرَكَ ذَلِكَ مَن أدْرَكَهُ؛ وماتَ قَبْلَهُ مَن ماتَ"؛ وخَطَّأ أبُو إسْحاقَ أنْ يَكُونَ العامِلُ "مُحَرَّمَةٌ"؛ وذَلِكَ مِنهُ تَحامُلٌ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ العامِلُ "يَتِيهُونَ"؛ مُضْمَرًا؛ يَدُلُّ عَلَيْهِ "يَتِيهُونَ"؛ اَلْمُتَأخِّرُ؛ ويَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿ فَإنَّها مُحَرَّمَةٌ ﴾ ؛ إخْبارٌ مُسْتَمِرٌّ؛ تَلَقَّوْا مِنهُ أنَّ المُخاطَبِينَ لا يَدْخُلُونَها أبَدًا؛ وأنَّهم - مَعَ ذَلِكَ - يَتِيهُونَ في الأرْضِ أرْبَعِينَ سَنَةً؛ يَمُوتُ فِيها مَن ماتَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والخِطابُ عَلى هَذا التَأْوِيلِ أصْعَبُ مَوْقِفًا؛ وأحْضَرُ يَأْسًا؛ ورُوِيَ أنَّ مَن كانَ قَدْ جاوَزَ عِشْرِينَ سَنَةً لَمْ يَعِشْ إلى الخُرُوجِ مِنَ التِيهِ؛ وأنَّ مَن كانَ دُونَ العِشْرِينَ عاشُوا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: كَأنَّهُ لَمْ يَعِشِ المُكَلَّفُونَ؛ أشارَ إلى ذَلِكَ الزَجّاجُ.
والتِيهُ: اَلذَّهابُ في الأرْضِ إلى غَيْرِ مَقْصِدٍ مَعْلُومٍ؛ ويُرْوى أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ كانُوا يَرْحَلُونَ بِاللَيْلِ ويَسِيرُونَ لَيْلَهم أجْمَعَ في تَحْلِيقٍ؛ ونَحْوِهِ؛ مِنَ التَرَدُّدِ؛ وقِلَّةِ اسْتِقامَةِ السَيْرِ؛ حَتّى إذا أصْبَحُوا وجَدُوا جُمْلَتَهم في المَوْضِعِ الَّذِي كانُوا فِيهِ أوَّلَ اللَيْلِ؛ قالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: كانُوا يَسِيرُونَ النَهارَ أحْيانًا؛ واللَيْلَ أحْيانًا؛ فَيُمْسُونَ حَيْثُ أصْبَحُوا؛ ويُصْبِحُونَ حَيْثُ أمْسَوْا؛ وذَلِكَ في مِقْدارِ سِتَّةِ فَراسِخَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ تِيهُهم بِافْتِراقِ الكَلِمَةِ؛ وقِلَّةِ اجْتِماعِ الرَأْيِ؛ وأنَّ اللهَ تَعالى رَماهم بِالِاخْتِلافِ؛ وعَلِمُوا أنَّها قَدْ حُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ أرْبَعِينَ سَنَةً؛ فَتَفَرَّقَتْ مَنازِلُهم في ذَلِكَ الفَحْصِ؛ وأقامُوا يَنْتَقِلُونَ مِن مَوْضِعٍ إلى مَوْضِعٍ؛ عَلى غَيْرِ نِظامٍ واجْتِماعٍ؛ حَتّى كَمُلَتْ هَذِهِ المُدَّةُ؛ وأذِنَ اللهُ بِخُرُوجِهِمْ؛ وهَذا تِيهٌ مُمْكِنٌ؛ مُحْتَمَلٌ؛ عَلى عُرْفِ البَشَرِ؛ والآخَرُ الَّذِي ذَكَرَ مُجاهِدٌ إنَّما هو خَرْقُ عادَةٍ؛ وعَجَبٌ مِن قُدْرَةِ اللهِ تَعالى.
وفِي ذَلِكَ التِيهِ ظُلِّلَ عَلَيْهِمُ الغَمامُ؛ ورُزِقُوا المَنَّ والسَلْوى؛ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا رُوِيَ مِن مَلابِسِهِمْ؛ وقَدْ مَضى ذَلِكَ في سُورَةِ "اَلْبَقَرَةِ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا تَأْسَ عَلى القَوْمِ الفاسِقِينَ ﴾ ؛ مَعْناهُ: فَلا تَحْزَنْ؛ يُقالُ: "أسِيَ الرَجُلُ؛ يَأْسى؛ أسًى"؛ إذا حَزِنَ؛ ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: وُقُوفًا بِها صَحْبِي عَلَيَّ مَطِيِّهِمْ ∗∗∗ يَقُولُونَ لا تَهْلِكْ أسًى وتَجَمَّلِ وَمِنهُ قَوْلُ مُتَمِّمِ بْنِ نُوَيْرَةَ: فَقُلْتُ لَهم إنَّ الأسى يَبْعَثُ الأسى ∗∗∗ ∗∗∗ دَعُونِي فَهَذا كُلُّهُ قَبْرُ مالِكِ والخِطابُ بِهَذِهِ الآيَةِ لِمُوسى - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - نَدِمَ مُوسى عَلى دُعائِهِ عَلى قَوْمِهِ؛ وحَزِنَ عَلَيْهِمْ؛ فَقالَ لَهُ اللهُ - تَبارَكَ وتَعالى-: ﴿ فَلا تَأْسَ عَلى القَوْمِ الفاسِقِينَ ﴾ ؛ وقالَ قَوْمٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: اَلْخِطابُ بِهَذِهِ الألْفاظِ لِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ ويُرادُ بِالفاسِقِينَ مُعاصِرُوهُ؛ أيْ: هَذِهِ أفْعالُ أسْلافِهِمْ؛ فَلا تَحْزَنْ أنْتَ بِسَبَبِ أفْعالِهِمُ الخَبِيثَةِ مَعَكَ؛ ورَدِّهِمْ عَلَيْكَ؛ فَإنَّها سَجِيَّةٌ خَبِيثَةٌ مَوْرُوثَةٌ عِنْدَهم.
<div class="verse-tafsir"
فُصلت هذه الجمل الأربع جرياً على طريقة المحاورة كما بيّنّاه سالفاً في سورة البقرة.
والرجلان هما يوشع وكالب.
ووُصف الرجلان بأنّهم ﴿ من الّذين يخافون ﴾ فيجوز أن يكون المراد بالخوف في قوله: ﴿ يخافون ﴾ الخوفُ من العدوّ؛ فيكون المراد باسم الموصول بني إسرائيل.
جعل تعريفهم بالموصولية للتعريض بهم بمذمّة الخوف وعدم الشجاعة، فيكون «مِن» في قوله: ﴿ من الذين يخافون ﴾ اتّصالية وهي الّتي في نحو قولهم: لستُ منك ولستَ منّي، أي ينتسبون إلى الذين يخافون.
وليس المعنى أنّهم متّصفون بالخوف بقرينة أنّهم حرّضوا قومهم على غزو العدوّ، وعليه يكون قوله: ﴿ أنعم الله عليهما ﴾ أنّ الله أنعم عليهما بالشجاعة، فحذف متعلّق فعل «أنعم» اكتفاء بدلالة السياق عليه.
ويجوز أن يكون المراد بالخوف الخوفَ من الله تعالى، أي كان قولهما لقومها «ادخلوا عليهم الباب» ناشئاً عن خوفهما الله تعالى، فيكون تعريضاً بأنّ الذين عصوهما لا يخافون الله تعالى، ويكون قوله: ﴿ أنعم الله عليهما ﴾ استئنافاً بيانياً لبيان منشأ خوفهما الله تعالى، أي الخوف من الله نعمة منه عليهما.
وهذا يقتضي أنّ الشجاعة في نصر الدّين نعمة من الله على صاحبها.
ومعنى ﴿ أنعم الله عليهما ﴾ أنعم عليهما بسلب الخوف من نفوسهم وبمعرفة الحقيقة.
و ﴿ الباب ﴾ يجوز أن يراد به مدخل الأرض المقدّسة، أي المسالك الّتي يسلك منها إلى أرض كنعان، وهو الثغر والمضيق الذي يسلك منه إلى منزل القبيلة يكون بين جبلين وعْرَيْن، إذ ليس في الأرض المأمورين بدخولها مدينة بل أرض لقوله: ﴿ ادخلوا الأرض المقدّسة ﴾ ، فأرادَا: فإذا اجتزتم الثغر ووطئتم أرض الأعداء غلبتموهم في قتالهم في ديارهم.
وقد يسمّى الثغر البحري باباً أيضاً، مثل باب المندب، وسمّوا موضعاً بجهة بخاري الباب.
وحمل المفسّرون الباب على المشهور المتعارف، وهو باب البلد الذي في سوره، فقالوا: أرادا باب قريتهم، أي لأنّ فتح مدينة الأرض يعدّ ملكاً لجميع تلك الأرض.
والظاهر أن هذه القرية هي (أريحا) أو (قادش) حاضرة العمالقة يومئذٍ، وهي المذكورة في سورة البقرة.
والباب بهذا المعنى هو دفّة عظيمة متّخذة من ألواح تُوصل بجزأيّ جدار أو سور بكيفية تسمح لأن يكون ذلك اللوح سادّاً لتلك الفرجة متى أريد سدّها وبأن تفتح عند إرادة فتحها؛ فيسمّى السَّد به غلقاً وإزالة السدّ فتحاً.
وبعد أن أمرا القوم باتّخاذ الأسباب والوسائل أمراهم بالتوكّل على الله والاعتماد على وعده ونصره وخبر رسوله، ولذلك ذيّلا بقولهما: ﴿ إن كنتم مؤمنين ﴾ ، لأنّ الشكّ في صدق الرسول مبطل للإيمان.
وإنّما خاطبوا موسى عقبَ موعظة الرجلين لهم، رجوعاً إلى إبايتِهم الأولى الّتي شافهوا بها موسى إذ قالوا: ﴿ إنّ فيها قوماً جبّارين ﴾ ، أو لقلّة اكتراثهم بكلام الرجلين وأكّدوا الامتناع الثّاني من الدخول بعد المحاورة أشدّ توكيد دلّ على شدّته في العربيّة بثلاث مؤكدات: (إنّ)، و(لن)، وكلمة (أبداً).
ومعنى قولهم: ﴿ فاذهب أنت وربّك فقاتلا ﴾ إن كان خطاباً لموسى أنّهم طلبوا منه معجزة كما تعوّدوا من النصر فطلبوا أن يهلك الله الجبّارين بدعوة موسى.
وقيل: أرادوا بهذا الكلام الاستخفاف بموسى، وهذا بعيد، لأنّهم ما كانوا يشكّون في رسالته، ولو أرادوا الاستخفاف لكفروا وليس في كلام موسى الواقع جواباً عن مقالتهم هذه إلاّ وصفهم بالفاسقين.
والفسق يطلق على المعصية الكبيرة، فإنّ عصيان أمر الله في الجهاد كبيرة، ولذلك قال تعالى فلا تأس على القوم الفاسقين، وعن عبد الله بن مسعود قال: أتى المقدادُ بن الأسود النبيءَ وهو يدعو على المشركين يوم بدر فقال: «يا رسول الله لا نقول كما قالت بنو إسرائيل» ﴿ فاذْهب أنت وربّك فقاتلا إنّا ههنا قاعدون ﴾ الحديث.
فَلا تَظُنَّنّ من ذلك أنّ هذه الآية كانت مقروءة بينهم يوم بدر، لأنّ سورة المائدة من آخر ما نزل، وإنّما تكلّم المقداد بخبر كانوا يسمعونه من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يُحدّثهم به عن بني إسرائيل، ثم نزلت في هذه الآية بذلك اللّفظ.
«قال» أي موسى، مناجياً ربّه أو بمسمع منهم ليوقفهم على عدم امتثالهم أمرَ ربّهم ﴿ ربّ إنّي لا أملك إلاّ نفسي وأخي ﴾ ، يجوز أن يكون المعنى لا أقدر إلاّ على نفسي وأخي، وإنّما لم يعُدّ الرجلين الذين قالا ﴿ ادخلوا عليهم الباب ﴾ ، لأنّه خشي أن يستهويهما قومهما.
والذي في كتب اليهود أنّ هارون كان قد توفّي قبل هذه الحادثة.
ويجوز أن يريد بأخيه يوشَع بنَ نون لأنّه كان ملازِمَه في شؤونه، وسمّاه الله فتاه في قوله: ﴿ وإذ قال موسى لفتاه ﴾ [الكهف: 60] الآية.
وعطفه هنا على نفسه لأنّه كان محرّضاً للقوم على دخول القرية.
ومعنى ﴿ افرق بيننا وبين القوم الفاسقين ﴾ أن لا تؤاخذنا بجرمهم، لأنّه خشي أن يصيبهم عذاب في الدنيا فيهلك الجميع فطلب النّجاة، ولا يصحّ أن يريد الفرق بينهم في الآخرة؛ لأنّه معلوم أنّ الله لا يؤاخذ البريء بذنب المجرم، ولأنّ براءة موسى وأخيه من الرضا بما فعله قومهم أمر يعلمه الله، ويجوز أن يراد بالفرق بينهم الحكم بينهم وإيقاف الضّالين على غلطهم.
وقوله الله تعالى له: ﴿ فإنّها محرّمة عليهم أربعين سنة ﴾ الخ جواب عن قول موسى ﴿ فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين ﴾ ، وهو جواب جامع لجميع ما تضمّنه كلام موسى، لأنّ الله أعلم موسى بالعقاب الذي يصيب به الّذين عصوا أمره، فسكن هاجس خوفه أن يصيبهم عذاب يعمّ الجميع، وحصل العقاب لهم على العصيان انتصاراً لموسى.
فإن قلت: هذا العقاب قد نال موسى منه ما نال قومَه، فإنّه بقي معهم في التِيه حتّى توفّي.
قلت: كان ذلك هَيِّناً على موسى لأنّ بقاءه معهم لإرشادهم وصلاحهم وهو خصّيصة رسالته، فالتعب في ذلك يزيده رفع درجة، أمَّا هم فكانوا في مشقّة.
﴿ يتيهون ﴾ يضلّون، ومصدره التَّيْه بفتح التّاء وسكون الياء والتيه بكسر التّاء وسكون التحتية.
وسمّيت المفازة تيهاء وسمّيت تِيهاً.
وقد بقي بنو إسرائيل مقيمين في جهات ضيّقة ويسيرون الهوينا على طريق غير منتظم حتّى بلغوا جبل (نيبُو) على مقربَة من نهر (الأردن)، فهنالك توفّي موسى عليه السلام وهنالك دُفن.
ولا يُعرف موضع قبره كما في نصّ كتاب اليهود.
وما دَخلوا الأرض المقدسة حتّى عَبَروا الأرْدُن بقيادة يوشع بن نون خليفة موسى.
وقد استثناه الله تعالى هو وكالب بن يفنَّة، لأنّهما لم يقولا: لن ندخلها.
وأمّا بَقية الرّوّاد الذين أرسلهم موسى لاختبار الأرض فوافقوا قومهم في الامتناع من دخولها.
وقوله: ﴿ فلا تأس على القوم الفاسقين ﴾ تفريع على الإخبار بهذا العقاب، لأنّه علم أنّ موسى يحزنه ذلك، فنهاه عن الحزن لأنّهم لا يستأهلون الحزن لأجلهم لفسقهم.
والأسى: الحزن، يقال أسِي كفرح إذا حَزن.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ جَعَلَ فِيكم أنْبِياءَ ﴾ فِيهِمْ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُمُ الأنْبِياءُ الَّذِينَ جاءُوا بَعْدَ مُوسى.
والثّانِي: أنَّهُمُ السَّبْعُونَ الَّذِينَ اخْتارَهم مُوسى.
﴿ وَجَعَلَكم مُلُوكًا ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: لِأنَّهم مَلَكُوا أنْفُسَهم بِأنْ خَلَّصَهم مِنِ اسْتِعْبادِ القِبْطِ لَهم، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ.
والثّانِي: لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مَلَكَ نَفْسَهُ وأهْلَهُ ومالَهُ، وهَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ.
والثّالِثُ: لِأنَّهم كانُوا أوَّلَ مَن مَلَكَ الخَدَمَ مِن بَنِي آدَمَ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ.
والرّابِعُ: أنَّهم جُعِلُوا مُلُوكًا بِالمَنِّ والسَّلْوى والحَجَرِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.
والخامِسُ: أنَّ كُلَّ مَن مَلَكَ دارًا وزَوْجَةً وخادِمًا، فَهو مَلِكٌ مِن سائِرِ النّاسِ، وهَذا قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ، والحَسَنِ، وزَيْدِ بْنِ أسْلَمَ.
وَقَدْ رَوى زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ : «مَن كانَ لَهُ بَيْتٌ [يَأْوِي إلَيْهِ وزَوْجَةٌ] وخادِمٌ، فَهو مَلِكٌ» .
﴿ وَآتاكم ما لَمْ يُؤْتِ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: المَنُّ والسَّلْوى والغَمامُ والحَجَرُ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ.
الثّانِي: كَثْرَةُ الأنْبِياءِ فِيهِمْ والآياتِ الَّتِي جاءَتْهم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا قَوْمِ ادْخُلُوا الأرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ ﴾ فِيها ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أرْضُ بَيْتِ المَقْدِسِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والسُّدِّيِّ.
والثّانِي: دِمَشْقُ وفِلَسْطِينُ وبَعْضُ الأُرْدُنِّ، وهَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ.
والثّالِثُ: هي الشّامُ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ، ومَعْنى المُقَدَّسَةِ: المُطَهَّرَةُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ ﴾ وإنْ قالَ: ﴿ فَإنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ ﴾ لِأنَّها كانَتْ هِبَةً مِنَ اللَّهِ تَعالى لَهم ثُمَّ حَرَّمَها عَلَيْهِمْ بَعْدَ مَعْصِيَتِهِمْ.
﴿ وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أدْبارِكُمْ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: لا تَرْجِعُوا عَنْ طاعَةِ اللَّهِ إلى مَعْصِيَتِهِ.
والثّانِي: لا تَرْجِعُوا عَنِ الأرْضِ الَّتِي أُمِرْتُمْ بِدُخُولِها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالُوا يا مُوسى إنَّ فِيها قَوْمًا جَبّارِينَ ﴾ والجَبّارُ: هو الَّذِي يَجْبُرُ النّاسَ عَلى ما يُرِيدُ إكْراهَهم عَلَيْهِ، ومِنهُ جَبْرُ العَظْمِ، لِأنَّهُ كالإكْراهِ عَلى الصَّلاحِ، ويُقالُ [لِلْأعْوادِ الَّتِي] تَحْمِلُهُ جُبارَةٌ، إذا قامَتِ اليَدُ طُولًا، لِأنَّها امْتَنَعَتْ كامْتِناعِ الجَبّارِ مِنَ النّاسِ.
وَقِيلَ بَلَغَ مِن جَبَرُوتِ هَؤُلاءِ القَوْمِ، أنَّ واحِدًا مِنهم، أخَذَ الِاثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا، الَّذِينَ بَعَثَهم مُوسى، لِيُخْبِرُوهُ بِحَرْبِهِمْ، فَحَمَلَهم مَعَ فاكِهَةٍ حَمَلَها مِن بُسْتانِهِ، وجاءَ فَنَشَرَهم بَيْنَ يَدَيِ المَلِكِ، وقالَ: هَؤُلاءِ يُرِيدُونَ أنْ يُقاتِلُونا، فَقالَ المَلِكُ: ارْجِعُوا إلى صاحِبِكم فَأخْبِرُوهُ خَبَرَنا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُمْ: يَخافُونَ اللَّهَ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ.
الثّانِي: يَخافُونَ الجَبّارِينَ، ولَمْ يَمْنَعْهم خَوْفُهم مِن قَوْلِ الحَقِّ.
﴿ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِما ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: بِالتَّوْفِيقِ لِلطّاعَةِ.
والثّانِي: بِالإسْلامِ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ.
وَفي هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُما مِنَ النُّقَباءِ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ، وكالِبُ بْنُ يُوقِنا، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، والسُّدِّيِّ.
والثّانِي: أنَّهُما رَجُلانِ، كانا في مَدِينَةِ الجَبّارِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِما بِالإسْلامِ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
﴿ ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ البابَ فَإذا دَخَلْتُمُوهُ فَإنَّكم غالِبُونَ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: إنَّما قالُوهُ لِعِلْمِهِمْ بِأنَّ اللَّهَ كَتَبَها لَهم.
والثّانِي: لِعِلْمِهِمْ بِأنَّ اللَّهَ يَنْصُرُهم عَلى أعْدائِهِ، ولَمْ يَمْنَعْهم خَوْفُهم مِنَ القَوْلِ الحَقِّ، وقَدْ قالَ النَّبِيُّ : «لا يَمْنَعَنَّ أحَدَكم مَخافَةُ النّاسِ أنْ يَقُولَ الحَقَّ إذا رَآهُ أوْ عَلِمَهُ فَإنَّهُ لا يُبْعِدُ مِن رِزْقٍ ولا يُدْنِي مِن أجَلٍ» .
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ فإنها محرمة عليهم ﴾ قال: أبداً.
وفي قوله: ﴿ يتيهون في الأرض ﴾ قال: أربعين سنة.
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة قال: ذكر لنا أنهم بعثوا اثني عشر رجلاً، من كل سبط رجلاً عيوناً ليأتوهم بأمر القوم، فأما عشرة فجبنوا قومهم وكرهوا إليهم الدخول، وأما يوشع بن نون وصاحبه فأمرا بالدخول واستقاما على أمر الله ورغبا قومهم في ذلك، وأخبراهم في ذلك أنهم غالبون حتى بلغ ﴿ ههنا قاعدون ﴾ .
قال: لما جبن القوم عن عدوّهم وتركوا أمر ربهم قال الله: ﴿ فإنها محرمة عليهم أربعين سنة ﴾ إنما يشربون ماء الاطواء، لا يهبطون قرية ولا مصراً، ولا يهتدون لها ولا يقدرون على ذلك.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن قتادة قال: حرمت عليهم القرى، فكانوا لا يهبطون قرية ولا يقدرون على ذلك، إنما يتبعون الاطواء أربعين سنة، والاطواء الركايا، وذكر لنا أن موسى توفي في الأربعين سنة، وأنه لم يدخل بيت المقدس منهم إلا أبناؤهم والرجلان اللذان قالا.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: تاهوا أربعين سنة، فهلك موسى وهرون في التيه، وكل من جاوز الأربعين سنة، فلما مضت الأربعون سنة ناهضهم يوشع بن نون، وهو الذي قام بالأمر بعد موسى، وهو الذي قيل له اليوم يوم الجمعة فهموا بافتتاحها، فدنت الشمس للغروب، فخشي إن دخلت ليلة السبت أن يسبتوا، فنادى الشمس: إني مأمور وإنك مأمورة.
فوقفت حتى افتتحها، فوجد فيها من الأموال ما لم ير مثله قط، فقربوه إلى النار فلم تأتِ فقال: فيكم الغلول، فدعا رؤوس الاسباط وهم اثنا عشر رجلاً فبايعهم، فالتصقت يد رجل منهم بيده فقال: الغلول عندك، فأخرجه فأخرج رأس بقرة من ذهب، لها عينان من ياقوت، وأسنان من لؤلؤ، فوضعا مع القربان، فأتت النار فأكلتها.
وأخرج ابن جرير عن مجاهد قال: تاهت بنو إسرائيل أربعين سنة، يصبحون حيث أمسوا ويمسون حيث أصبحوا في تيههم.
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ في العظمة عن وهب بن منبه قال: إن بني إسرائيل لما حرم الله عليهم أن يدخلوا الأرض المقدسة أربعين سنة يتيهون في الأرض، شكوا إلى موسى فقالوا: ما نأكل؟
فقال: إن الله سيأتكم بما تأكلون.
قالوا: من أين؟
قال: إن الله سينزل عليكم خبزاً مخبوزاً.
فكان ينزل عليهم المنّ وهو خبز الرقاق ومثل الذرة.
قالوا: وما نَأْتَدِمُ، وهل بُدِّلْنَا من لحم؟
قال: فإن الله يأتيكم به.
قالوا: من أين؟
فكانت الريح تأتيهم بالسلوى، وهو طير سمين مثل الحمام.
فقالوا: فما نلبس؟
قال: لا يخلق لأحدكم ثوب أربعين سنة.
قالوا: فما نحتذي؟
قال: لا ينقطع لأحدكم شسع أربعين سنة.
قالوا: فإنه يولد فينا أولاد صغار فما نكسوهم؟
قال: الثوب الصغير يشب معه.
قالوا: فمن أين لنا الماء؟
قال: يأتيكم به الله.
فأمر الله موسى أن يضرب بعصاه الحجر قالوا: فما نبصر تغشانا الظلمة، فضرب له عموداً من نور في وسط عسكره أضاء عسكره كله.
قالوا: فبم نستظل؟
الشمس علينا شديدة، قال: يظلكم الله تعالى بالغمام.
وأخرج ابن جرير عن الربيع بن أنس قال: ظلل عليهم الغمام في التيه قدر خمسة فراسخ أو ستة، كلما أصبحوا ساروا غادين، فإذا امسوا إذا هم في مكانهم الذي ارتحلوا منه، فكانوا كذلك أربعين سنة، وهم في ذلك ينزل عليهم المن والسلوى ولا تبلى ثيابهم، ومعهم حجر من حجارة الطور يحملونه معهم، فإذا نزلوا ضربه موسى بعصاه، فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: خلق لهم في التيه ثياب لا تخلق ولا تذوب.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن طاوس قال: كانت بنو إسرائيل إذا كانوا في تيهم تشب معهم ثيابهم إذا شبوا.
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن قال: لما استسقى موسى لقومه أوحى الله إليه: أن اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا، فقال لهم موسى: ردوا معشر الحمير.
فأوحى الله إليه: قلت لعبادي معشر الحمير، وإني قد حرمت عليكم الأرض المقدسة؟.
قال: يا رب فاجعل قبري منها قذفة حجر.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو رأيتم قبر موسى لرأيتموه من الأرض المقدسة قذفة بحجر» .
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد قال: لما استسقى لقومه فسقوا قال: اشربوا يا حمير.
فنهاه عن ذلك، وقال: لا تدعُ عبادي يا حمير.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله: ﴿ فلا تأس ﴾ قال: لا تحزن.
وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس ان نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله عز وجل ﴿ فلا تَأْسَ ﴾ قال: لا تحزن.
قال: وهل تعرف العرب ذلك؟
قال: نعم، أما سمعت امرؤ القيس وهو يقول: وقوفاً بها صحبي عليّ مطيهم ** يقولون لا تهلك أسى وتجمَّل وأخرج عبد الرزاق في المصنف والحاكم وصححه عن أبي هريرة: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن نبياً من الأنبياء قاتل أهل مدينة، حتى إذا كاد أن يفتحها خشي أن تغرب الشمس فقال: أيتها الشمس إنك مأمورة وأنا مأمور، بحرمتي عليك إلا وقفت ساعة من النهار.
قال: فحبسها الله تعالى حتى افتتح المدينة، وكانوا إذا أصابوا الغنائم قربوها في القربان فجاءت النار فأكلتها، فلما أصابوا وضعوا القربان فلم تجئ النار تأكله.
فقالوا: يا نبي الله، ما لنا لا يقبل قرباننا؟!
قال: فيكم غلول.
قالوا: وكيف لنا أن نعلم من عنده الغلول؟
قال: وهم اثنا عشر سبطاً قال: يبايعني رأس كل سبط منكم، فبايعه رأس كل سبط، فلزقت كفه بكف رجل منهم فقالوا له: عندك الغلول.
فقال: كيف لي أن أعلم؟
قال تدعو سبطك فتبايعهم رجلاً رجلاً، ففعل، فلزقت كفه بكف رجل منهم قال: عندك الغلول.
قال: نعم، عندي الغلول.
قال: وماهو؟
قال: رأس ثور من ذهب أعجبني فغللته، فجاء به فوضعه في الغنائم، فجاءت النار فأكلته» ، فقال كعب: صدق الله ورسوله هكذا، والله في كتاب الله يعني في التوراة، ثم قال: يا أبا هريرة، أحدثكم النبي صلى الله عليه وسلم أي نبي كان؟
قال: هو يوشع بن نون.
قال: فحدثكم أي قرية؟
قال: هي مدينة أريحاء، وفي رواية عبد الرزاق، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لم تحل الغنيمة لأحد قبلنا، وذلك أن الله رأى ضعفنا فطيبها لنا، وزعموا أن الشمس لم تحبس لأحد قبله ولا بعده» .
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ ﴾ الآية.
قال عطاء عن ابن عباس: حرم الله على الذين عصوا دخول بيت المقدس فماتوا في التِيه أجمعون، ولم يدخل بيت المقدس ممن خرج من مصر أحد، لا موسى ولا هارون ولا أحد منهم، إلا الرجلان اللذان قالا: ﴿ ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ ﴾ يوشع وكالب، دخلا بأبناء الذين خرجوا من مصر بعدما تاهوا أربعين سنة (١) قال الكلبي: قيل لموسى: أما إذ سميتهم فاسقين فإنها محرمة عليهم، فكانوا في التيه أربعين سنة في ستة فراسخ، وقُبِضَ هارون وموسى في التِّيه (٢) وقال الحسن: لم يمت موسى في التِّيه (٣) واختلفوا: أيضًا هل دخل مدينة الجبارين أم لا؟، فقال قوم: كان الفتح على يديه.
وقال قوم إنما قاتل الجبارين يوشع، ولم يَسِر إليهم إلا بعد موت موسى (٤) فإن قيل: كيف قال: ﴿ قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ ﴾ وقد قال: ﴿ يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ ﴾ ؟
قيل: قوله: ﴿ كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ ﴾ المراد به من دخلها من أولادهم وذراريهم، فأما من مات في التيه ولم يدخلها فإنها لم تكتب لهم.
والمراد: بهذا التحريم تحريم منع لا تحريم تعبد، كما تقول: حرام عليك دخول داري، أي أني أمنعك ذلك فلا تدخل، ليس أنه يحرم عليه بالشرع.
وقوله تعالى: ﴿ أَرْبَعِينَ سَنَةً ﴾ .
قال الفراء: هي منصوبة بالتحريم، ولو نصبتها بـ (يتيهون) كان صوابًا (٥) قال الزجاج: أما نصبه بـ (محرمة) فخطأ؛ لأن التفسير جاء بأنها حرمة عليهم أبدًا (٦) (٧) وقوله تعالى: ﴿ يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ ﴾ .
يقال: تاه يتيه تَوْهًا وتِيها، والتِّيه أعمهما، ويقال: توهّتُه، وتيّهتُه، والواو أعم، والتَّيهاء: الأرض التي لا يُهتدى فيها، يقال: أرض تِيهٌ وتيهًا ومتيهة، يتيه فيها الإنسان (٨) قال مجاهد والحسن: كانوا يصبحون حيث أمسوا، ويمسون حيث أصبحوا (٩) قال الزجاج: عذبهم الله عز وجل بأن مكثوا في التيه أربعين سنة سيارة، لا يقرّ بهم القرار، إلى أن مات البالغون الذين عصوا الله ونشأ الصغار.
فإن قيل: التيه عذاب، والأنبياء لا يعذبون، فكيف عذب موسى وهارون بالتيه؟
قيل: إن الله عز وجل سهّل عليهما ذلك كما سهل على إبراهيم النار فجعلها بردًا وسلامًا وشأنها الإحراق (١٠) وقوله تعالى: ﴿ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ ﴾ قال ابن عباس: يريد لا تحزن على القوم الذين عصوك وعصوني (١١) وقال مقاتل: إنهم قالوا لموسى: ما صنعت بنا؟
وندم موسى على ما دعا عليهم، فأوحى الله إليه: ﴿ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ ﴾ (١٢) يقال: أسي يأسى أسًى، أي: حزن (١٣) وقال الزجاج: وجائز أن يكون خطابًا لمحمد أي لا تحزن على قومٍ لم يزل شأنهم المعاصي ومخالفة الرسل (١٤) (١) أخرجه بمعناه الطبري في "تفسيره" 6/ 183 لكن من طريق عكرمة عن ابن عباس، وانظر: "زاد المسير" 2/ 330، والقرطبي في "تفسيره" 6/ 130، وابن كثير في "تفسيره" 2/ 44.
وهذا قول، وسيأتي أن الراجح أن موسى : هو الذي فتح مدينة الجبارين.
(٢) انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 112.
(٣) لم أقف عليه.
(٤) رجح الطبري في "تفسيره" وغيره القول الأول وأن موسى هو الذي فتح مدينة الجبارين.
انظر: "جامع البيان" 6/ 182، والبغوي في "تفسيره" 3/ 38، و"زاد المسير" 2/ 330، والقرطبي في "تفسيره" 6/ 131.
(٥) "معاني القرآن" 1/ 305، وانظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 184، و"مشكل إعراب القرآن" 1/ 223.
(٦) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 165، وانظر: "مشكل إعراب القرآن" 1/ 233.
وقد فصل مكي في "الإعراب" بما فيه جمع بين القولين.
(٧) لم أجده عن ابن عباس، وأخرجه الطبري في "تفسيره" عن قتادة 6/ 184.
ونحوه عن غيره.
انظر: "جامع البيان" 6/ 181 - 182.
(٨) "تهذيب اللغة" 1/ 423 (تيه)، وانظر القرطبي في "تفسيره" 6/ 129.
(٩) أخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 185 عن مجاهد، وانظر: "تفسير الهواري" 1/ 462.
(١٠) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 165، 166 بتصرف يسير.
(١١) "تفسيره" ص 176، وأخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 186 بلفظ: لا تحزن لا غير.
(١٢) بنحوه في "تفسيره" 1/ 467، 468.
(١٣) انظر: "غريب القرآن" لابن قتيبة ص 139، والطبري في "تفسيره" 6/ 185.
(١٤) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 166، وانظر: "زاد المسير" 2/ 231.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً ﴾ الضمير في قال لله تعالى، وحرم الله على جميع بني إسرائيل دخول تلك المدينة أربعين سنة وتركهم في هذه المدة يتيهون في الأرض أي في أرض التيه وهو ما بين مصر والشام حتى مات كل من قال.
إن لن ندخلها.
ولم يدخلها أحد من ذلك الجيل إلا يوشع وكالب ومات هارون في التيه، ومات موسى بعده في التيه أيضاً.
وقيل: إن موسى وهارون لم يكونا في التيه، لقوله فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين، وخرج يوشع ببني إسرائيل بعد الأربعين سنة، وقاتل الجبارين، وفتح المدينة، والعامل في أربعين: محرمة على الأصل، فيجب وصله معه وقيل: العامل فيه يتيهون فعلى هذا يجوز الوقف على قوله محرمة عليهم، وهذا ضعيف لأنه لا حامل على تقديم المعمول هنا مع أن القول الأوّل أكمل معنى لأنه بيان لمدة التحريم واليته ﴿ يَتِيهُونَ ﴾ أي يتحيرون، وروي أنهم كانوا يسيرون الليل كله، فإذا أصبحوا وجدوا أنفسهم في الموضع الذي كانوا فيه ﴿ فَلاَ تَأْسَ ﴾ أي لا تحزن والخطاب لموسى، وقيل: لمحمد صلى الله عليه وسلم، ويراد بالفاسقين: من كان في عصره من اليهود.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ جبارين ﴾ بالإمالة: قتيبة ونصير وأبو عمرو حيث كان ﴿ فلا تاس ﴾ بغير همزة حيث وقعت: أبو عمرو ويزيد والأعشى وورش وحمزة في الوقف.
الوقوف: ﴿ ملوكاً ﴾ ز ﴿ جبارين ﴾ ق قد قيل لشبهة الابتداء بأن ولكن كسر ألف "إن" بمجيئه بعد القول معطوفاً على الأول.
﴿ حتى يخرجوا منها ﴾ ج لابتداء الشرط مع فاء التعقيب.
﴿ داخلون ﴾ ه ﴿ الباب ﴾ ج لذلك.
﴿ غالبون ﴾ ه ﴿ مؤمنين ﴾ ه ﴿ قاعدون ﴾ ه ﴿ الفاسقين ﴾ ه ﴿ سنة ﴾ ج لأنها تصلح ظرفاً للتيه بعده والتحريم قبله ﴿ الفاسقين ﴾ ه.
التفسير: وجه النظم أنه كأنه قال: أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وذكرهم موسى نعم الله وأمرهم بمحاربة الجبارين فخالفوا في الكل.
منّ الله عليهم بأمور ثلاثة: أوّلها قوله: ﴿ إذ جعل فيكم أنبياء ﴾ وذلك أنه لم يبعث في أمة ما بعث في بني إسرائيل من الأنبياء.
وثانيها قوله: ﴿ وجعلكم ملوكاً ﴾ قال السدي: أي جعلكم أحراراً تملكون أنفسكم بعد ما استعبدكم القبط.
وقال الضحاك: كانت منازلهم واسعة وفيها مياه جارية وكان لهم أموال كثيرة وخدم يقومون بأمرهم ومن كان كذلك كان ملكاً.
وقال الزجاج: الملك من لا يدخل عليه أحد إلاّ بإذنه.
وقيل: الملك هو الصحة والإسلام والأمن والفوز وقهر النفس.
وقيل: من كان مستقلاً بأمر نفسه ومعيشته ولم يكن محتاجاً في مصالحه إلى أحد فهو ملك.
وقيل: كان في أسلافهم وأخلافهم ملوك وعظماء، وقد يقال لمن حصل فيهم ملوك إنهم ملوك مجازاً.
وقيل: كل نبي ملك لأنه يملك أمر أمته ينفذ فيهم حكمه.
وثالثها: ﴿ وآتاكم ما لم يؤت أحداً من العالمين ﴾ من فلق البحر وإغراق العدوّ وتظليل الغمام وإنزال المن والسلوى وغير ذلك من الخوارق والعظائم.
وقيل: أراد عالمي زمانهم.
روي أن إبراهيم لما صعد جبل لبنان قال الله له: انظر فما أدرك بصرك فهو مقدّس وميراث لذريتك.
وقيل: لما خرج قوم موسى من مصر وعدهم الله إسكان أرض الشام، فكان بنو إسرائيل يسمون أرض الشام أرض المواعيد.
ثم بعث موسى اثني عشر نقيباً من الأمناء ليتجسسوا لهم عن أحوال تلك الأراضي.
فلما دخلوا تلك البلاد رأوا أجساماً عظيمة هائلة.
قال المفسرون: لما بعث موسى النقباء لأجل التجسس رآهم واحد من أولئك الجبارين فأخذهم وجعلهم في كمه مع فاكهة كان قد حملها من بستانه وأتى بهم الملك فنثرهم بين يديه وقال متعجباً للملك: هؤلاء يريدون قتالنا.
فقال الملك: ارجعوا إلى صاحبكم/ وأخبروه بما شاهدتم.
فانصرف النقباء إلى موسى وأخبروه بالواقعة فأمرهم أن يكتموا ما شاهدوه فلم يقبلوا قوله إلاّ رجلان - هما كالب بن يوفنا من سبط يهودا، ويوشع بن نون من سبط افراييم بن يوسف - فإنهما قالا هي بلاد طيبة كثيرة النعم وأجسامهم عظيمة إلاّ أن قلوبهم ضعيفة، وأما العشرة الباقية فإنهم أوقعوا الجبن في قلوب الناس حتى أظهروا الامتناع من غزوهم.
والأرض المقدسة هي المطهرة من الآفات، وقيل من الشرك.
وزيف بأنها لم تكن وقت الجبارين كذلك.
وأجيب بأنها كانت كذلك فيما قبل لأنها كانت مسكن الأنبياء.
ثم إنها ما هي؟
فعن عكرمة والسدي وابن زيد هي أريحاء.
وقال الكلبي: دمشق وفلسطين وبعض الأردن.
وقيل: الطور وما حوله.
وقيل: بيت المقدس.
وقيل: الشام ومعنى ﴿ كتب الله لكم ﴾ وهبها لكم أو خط في اللوح المحفوظ أنها لكم أو أمركم بدخولها.
قال ابن عباس: كانت هبة ثم حرمها عليهم بشؤم تمردهم وعصيانهم.
وقيل: المراد خاص أي مكتوب لبعضهم وحرام على بعضهم.
وقيل: إن الوعد كان مشروطاً بالطاعة فلما لم يوجد الشرط لم يوجد المشروط.
وقيل: حرمها عليهم أربعين سنة فلما مضى الأربعون حصل ما كتب.
وفي قوله: ﴿ كتب الله لكم ﴾ تقوية القلوب وأنّ الله سينصرهم مع ضعفهم على الجبارين مع قوّتهم.
﴿ ولا ترتدوا على أدباركم ﴾ لا ترجعوا عن الدين الصحيح إلى الشك في نبوّة موسى وإخباره بهذه النصرة، أو لا ترجعوا عن الأرض التي أمرتم بدخولها إلى التي خرجتم عنها.
فقد روي أن القوم كانوا قد عزموا على الرجوع إلى مصر ﴿ فتنقلبوا خاسرين ﴾ في الآخرة يفوت الثواب ولحوق العقاب، أو فترجعوا إلى الذل أو تموتوا في التيه غير واصلين إلى شيء من مطالب الدنيا ومنافع الآخرة.
والجبار "فعال" من جبره على الأمر بمعنى أجبره عليه وهو العاتي الذي يجبر الناس على ما يريد وهو اختيار الفراء والزجاج.
قال الفراء: لم أسمع "فعالاً" من "أفعل" إلاّ في حرفين: جبار من أجبر، ودراك من أدرك.
ويقال: نخلة جبارة إذا كانت طويلة مرتفعة لا تصل الأيدي إليها.
والقوم الاستبعاد ﴿ إنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون ﴾ كقوله : ﴿ ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط ﴾ ﴿ قال رجلان ﴾ هما يوشع وكالب ﴿ من الذين يخافون الله أنعم الله عليهما ﴾ أي بالهداية والثقة بقوله والاعتماد على نصره ومحل ﴿ أنعم الله ﴾ مرفوع صفة لرجلان.
ويحتمل أن يكون جملة معترضة.
قال القفال: يجوز أن يكون الضمير في ﴿ يخافون ﴾ لبني إسرائيل والعائد إلى الموصول محذوف تقديره من الذين يخافهم بنو إسرائيل وهم الجبارون فعلى هذا الرجلان من الجبارين/ ﴿ ادخلوا عليهم الباب ﴾ مبالغة في الوعد بالنصر والظفر كأنه قال: متى دخلتم باب بلدهم لم يبق منهم نافخ نار ولا ساكن دار ﴿ فإذا دخلتموه فإنكم غالبون ﴾ علموه ظناً أو يقيناً من عادة الله في نصرة رسله عامة ومن صنعه لموسى في قهر أعدائه خاصة ﴿ وعلى الله فتوكّلوا ﴾ الفاء للإيذان بتلازم ما قبلها وما بعدها.
والمعنى لما وعدكم الله النصر فلا ينبغي أن تصيروا خائفين من عظم أجسامهم بل توكلوا على الله ﴿ إن كنتم مؤمنين ﴾ مقرين بوجود الإله القدير، موقنين بصحة نبوّة موسى ﴿ قالوا إنّا لن ندخلها ﴾ نفوا دخولهم في المستقبل على وجه التأكيد المؤيس وزادوا في التأكيد بقولهم: ﴿ أبداً ما داموا فيها فاذهب أنت وربك ﴾ قال العلماء: لعلهم كانوا مجسمة يجوّزون الذهاب والمجيء على الله أو أنهم لم يقصدوا حقيقة الذهاب كقولك: "كلمته فذهب يجيبني" يريد القصد والإرادة.
وقيل: المراد بالرب أخوه هارون وسموه رباً لأنه أكبر من موسى.
وقيل: التقدير اذهب وربك معين لك بزعمك ولكن لا يجاوبه.
قوله ﴿ فقاتلا ﴾ ولا يبقى لقوله أنت فائدة واضحة.
ولا يخفى أنّ هذا القول منهم كفر أو فسق فلهذا قال موسى على سبيل الشكوى والبث ﴿ ربي إني لا أملك إلاّ نفسي وأخي ﴾ قال الزجاج: في إعرابه وجهان: الرفع على موضع إني والمعنى أنا لا أملك إلاّ نفسي وأخي كذلك، أو نسقاً على الضمير في ﴿ أملك ﴾ أي لا أملك أنا وأخي إلاّ أنفسنا.
والنصب على أنه نسق على الياء أي إني وأخي لا نملك إلاّ أنفسنا، أو على نفسي أي لا أملك إلاّ نفسي ولا أملك إلاّ أخي، لأنّ أخاه إذا كان مطيعاً له فهو مالك طاعته، وكأنه لم يثق بالرجلين كل الوثوق فلهذا لم يذكرهما، أو لعله قال ذلك تقليلاً لمن يوافقه، أو أراد من يؤاخيه في الدين.
﴿ فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين ﴾ فباعد بيننا وبينهم وخلصنا من صحبتهم كقوله: ﴿ ونجني من القوم الظالمين ﴾ أو المراد فافصل بيننا وبينهم بأن تحكم لكل منا بما يستحق وهو في معنى الدعاء عليهم بدليل فاء التسبيب في قوله: ﴿ فإنها ﴾ أي الأرض المقدسة ﴿ محرمة عليهم أربعين سنة ﴾ ثم يفتحها الله لهم من غير محاربة.
أو المراد أنهم يتيهون أربعين سنة ومعنى يتيهون يسيرون متحيرين.
عن مقاتل أن موسى لما دعا عليهم فأخبره الله بأنهم يتيهون قالوا له: لم دعوت علينا وندم على ما عمل فأوحى الله إليه: ﴿ فلا تأس ﴾ أي لا تحزن ولا تندم ﴿ على القوم الفاسقين ﴾ فإنهم أحقاء بالعذاب لفسقهم.
وجوّز بعضهم أن يكون ذلك خطاباً لمحمد أي لا تحزن على قوم لم تزل مخالفة الرسل هجيراهم.
واعلم أن المفسرين اختلفوا في أنّ موسى وهارون هل بقيا في التيه أم لا؟
فقال قوم: إنهما ما كانا في التيه لأنه دعا أن يفرق بينه وبينهم وكل نبي مجاب، ولأن التيه عذاب/ والأنبياء لا يعذبون، ولأنّ سبب ذلك العذاب التمرد وهما لم يتمرّدا.
وقال آخرون: إنهما كانا مع القوم إلاّ أنّ الله سهل عليهم ذلك العذاب كما أن النار كانت على إبراهيم برداً وسلاماً.
ثم من هؤلاء من قال: إنّ هارون مات في التيه ومات موسى بعده فيه بسنة، ودخل يوشع أريحاء بعد موته بثلاثة أشهر وكان ابن أخت موسى ووصيه بعد موته، ومات النقباء في التيه بغتة بعقوبات غليظة إلاّ كالب ويوشع.
ومنهم من قال: بل بقي موسى بعد ذلك وخرج من التيه وحارب الجبارين وقهرهم وأخذ الأرض المقدسة والله أعلم.
واختلفوا أيضاً في التيه وهي المفازة التي تاهوا فيها فقال الربيع: مقدار ستة فراسخ.
وقيل: تسعة فراسخ في ثلاثين فرسخاً.
وقيل: ستة في اثني عشر.
وقيل: كانوا ستمائة ألف فارس.
ثم الأكثرون على أنّ قوله: ﴿ فإنها محرمة ﴾ تحريم منع كانوا يسيرون كل يوم على الاستدارة جادّين حتى إذا سئموا وأمسوا إذا هم بحيث ارتحلوا عنه، وكان مع ذلك نعمة الله عليهم من تظليل الغمام وإنزال المن والسلوى وغير ذلك متظاهرة كالوالد الشفيق يضرب ولده ويؤذيه ليتأدب ويتثقف ولكن لا يقطع عنه معروفه وإحسانه.
ويشكل هذا القول بأنه كيف يعقل بقاء هذا الجمع العظيم في ذلك القدر الصغير من المفازة سنين متطاولة بحيث لا يتفق لأحد منهم أن يهتدي طريقاً للتيه ولو بأمارات حركات النجوم؟
والجواب أنّ هذا من الخوارق التي يجب التصديق بها كسائر المعجزات التي يستبعد وقوعها.
وقال بعضهم: إنّ هذا التحريم تعبّد وإنه أمرهم بالمكث في تلك المفازة أربعين سنة عقاباً لهم على سوء صنيعهم وعلى هذا فلا إشكال.
التأويل: أشار موسى الروح إلى القوى البدنية ادخلوا أرض القلب المقدسة التي كتبها الله للإنسان المستعد في الفطرة، فهابوا تحمل أعباء المجاهدات ولزوم المخالفات والرياضات فقال لهم رجلان - النفسان اللوّامة والمطمئنة - إنكم غالبون إذا دخلتم باب الجدّ والطلب تستبدل الراحة بالتعب، فلم يعتدّوا بقولهما فحرّم الله ذلك عليهم أربعين سنة هي مدة استيفاء حظوظ النفس الأمارة وانكسار سورة قواها في الأغلب كقوله: ﴿ حتى إذا بلغ اشدّه وبلغ أربعين سنة ﴾ وفي الآية نكتة هي أنّ موسى لما ظن أنه يملك نفسه ونفس أخيه ابتلاه الله في الحال بالدعاء على أمته لأنّ المرء إنما يملك نفسه إذا ملكها عند الغضب فشتان بينه وبين من قال حين شج رأسه وكسرت رباعيته "اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون" اللهم صلّ عليه وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وآل كل بفضلك ورحمتك يا أرحم الراحمين.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ...
﴾ الآية.
يحتمل قوله: ﴿ ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ ﴾ : ما ذكر من بعث الرسل والأنبياء - عليهم السلام - على فترة منهم، ويحتمل: ما ذكر على أثره، وهو قوله: ﴿ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَآءَ وَجَعَلَكُمْ مُّلُوكاً وَآتَاكُمْ مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِّن ٱلْعَٱلَمِينَ ﴾ ؛ كأنه يقول: اشكروا نعمتي التي أنعمت عليكم من جعل الأنبياء فيكم، ولم يكن ذلك لأمة من الخلق، وجعلكم ملوكاً تستنصرون من الأعداء؛ لأن الملوك في بني إسرائيل هم الذين كانوا يتولون القتال وأمر الحرب مع الأعداء؛ كقوله: ﴿ ٱبْعَثْ لَنَا مَلِكاً نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ﴾ ، فأخبر أنه جعل فيهم الأنبياء يعلمونهم أمور الدنيا والآخرة، ويحتاج غيرهم إلى معرفة ذلك، وإنما يعرفون ذلك بهم، وجعل فيهم ملوكاً يستنصرون من الأعداء ويقهرونهم؛ فيعزون ويشرفون في الدنيا والآخرة.
وقوله: ﴿ وَآتَاكُمْ مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِّن ٱلْعَٱلَمِينَ ﴾ .
يحتمل: ما ذكر من جعل الأنبياء والملوك فيهم، ويحتمل: ما رزقهم في التيه من المنِّ والسلوى وغيره من النعم.
وقيل في قوله: ﴿ وَجَعَلَكُمْ مُّلُوكاً ﴾ ، أي: جعلكم بحيث تملكون أنفسكم، وكنتم قبل ذلك يستعبدكم فرعون، ويتخذكم خولاً لنفسه، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يَٰقَوْمِ ٱدْخُلُوا ٱلأَرْضَ ٱلمُقَدَّسَةَ ٱلَّتِي كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ ﴾ .
قيل: قوله: ﴿ كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ ﴾ ، أي: كتب الله عليكم قتال أهل تلك الأرض؛ ليسلموا، وهو كقوله: ﴿ وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ ﴾ ، يعني: الكفر؛ فعلى ذلك قوله - : ﴿ ٱدْخُلُوا ٱلأَرْضَ ٱلمُقَدَّسَةَ ٱلَّتِي كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ ﴾ قتال أهلها؛ ليسلموا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لَكُمْ ﴾ ، أي: عليكم، وهذا جائز في اللغة؛ كقوله: ﴿ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا ﴾ ، أي: فعليها.
وقيل: قوله: ﴿ ٱدْخُلُوا ٱلأَرْضَ ٱلمُقَدَّسَةَ ٱلَّتِي كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ ﴾ فَتْحَهَا، إن أطعتم أمر الله فيما أمركم به، وانتهيتم عما نهاكم عنه، وأجبتم رسوله إلى ما دعاكم إليه، أي: إذا فعلتم ذلك يفتح الله تلك الأرض، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلأَرْضَ ٱلمُقَدَّسَةَ ﴾ ، قيل: هي الشام، وقيل: غيرها، ثم سماها مرة مقدسة، ومرة: مباركة، وهو كقوله: ﴿ إِلَىٰ ٱلْمَسْجِدِ ٱلأَقْصَا ٱلَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ ﴾ ، ثم يحتمل قوله: ﴿ بَارَكْنَا حَوْلَهُ ﴾ بكثرة الثمار والفواكة، وسعة عيشها، وكثرة ريعها.
ويحتمل: أن سماها مباركة؛ لما كانت معدن العباد والزهاد ومنزهة عن الشرك وجميع الفواحش والمناكير، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَارِكُمْ ﴾ .
هذا - والله أعلم - كناية عن الرجوع عن الدين؛ وهو كقوله - -: ﴿ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ ٱللَّهَ شَيْئاً ﴾ ، وإنما صار ذلك كناية عن الرجوع عن الدين - والله أعلم - لما ذكرنا في أحد التأويلين: أنه كتب عليهم قتال أهل تلك الأرض، فتركوا أمر الله وطاعته.
ويحتمل: أن وعد الله لهم فتح تلك الأرض، فلم يصدقوا رسوله فيما أخبر عن الله من الفتح لهم؛ فكفروا بذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَتَنْقَلِبُوا خَٰسِرِينَ ﴾ .
يحتمل: أن يكون ذلك لهم في الآخرة، ويحتمل: في الدنيا منهزمين.
ويحتمل قوله - -: ﴿ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَارِكُمْ ﴾ .
أي: لا ترجعوا وراءكم، ولكن ادخلوها.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالُوا يَامُوسَىٰ إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىٰ يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ ﴾ .
يحتمل: أن يكون هذا - والله أعلم - لما رأوا فرعون مع قربه وكثرة جنوده، مع ادعاء ما ادعى من الربوبية لنفسه - لعنة الله عليه وعلى آله - لم يقدر على فتح تلك الأرض، وعجز عن غلبة أهلها وقهرهم وجعلهم تحت يديه - فرأي هؤلاء ألا يقدرون على ذلك مع ضعفهم في أنفسهم، وقلة عددهم؛ وقصور أسبابهم؛ لذلك امتنعوا عن الدخول فيها إلا بعد خروج من فيها من الجبارين عنها؛ خوفاً منهم على أنفسهم، لكن موسى - - كان وعد لهم الفتح والنصرة مع ضعفهم وقلة عددهم، إذا دخلوا فيها.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمَا ٱدْخُلُواْ عَلَيْهِمُ ٱلْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ ﴾ اختلف في الرجلين اللذين قالا ذلك لهم: قال قائلون: كان ذانك الرجلان من أولئك الذين بعثهم موسى - على نبينا وعليه الصلاة والسلام - إلى أهل تلك الأرض، وأمرهم بالدخول فيها، وهما ممن قد أنعم الله عليهما من تصديق ما وعد لهم موسى من الفتح والنصرة، فقال: ﴿ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ ﴾ صدقوا موسى بما وعد لهم من الفتح.
وقال قائلون: كان ذانك الرجلان اللذان قالا ذلك لهم هما من أهل تلك الأرض؛ لأنهم إذ سمعوا أن موسى قصد نحوهم خافوا من ذلك؛ فذلك معنى قوله: ﴿ مِنَ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمَا ﴾ بالإسلام؛ فقالا: ﴿ ٱدْخُلُواْ عَلَيْهِمُ ٱلْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ ﴾ ؛ لما علموا من خوف أهلها من موسى ومن معه وفزعهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَعَلَى ٱللَّهِ فَتَوَكَّلُوۤاْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴾ .
أي: مصدقين بوعد موسى بالفتح لكم والنصر.
ويحتمل: وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مسلمين؛ فإن كل من توكل على الله ووثق به، نصره الله، وجعله غالباً على عدوه، والله أعلم.
وقوله: ﴿ ٱدْخُلُواْ عَلَيْهِمُ ٱلْبَابَ ﴾ : كأن المراد من الباب ليس نفس الباب؛ ولكن جهة من الجهات التي يكون الدخول عليهم من تلك الجهة أرفق وأهون؛ كأنه قال: ادخلوا عليهم جهة كذا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يَامُوسَىۤ إِنَّا لَنْ نَّدْخُلَهَآ أَبَداً مَّا دَامُواْ فِيهَا ﴾ .
من تعرض لرسول من الرسل بمثل ما تعرض هؤلاء لموسى: ﴿ يَامُوسَىۤ إِنَّا لَنْ نَّدْخُلَهَآ أَبَداً مَّا دَامُواْ فِيهَا ﴾ - يكفر؛ لأن موسى - - قد وعد لهم النصر والفتح إذا دخلوها، فقالوا: ﴿ لَنْ نَّدْخُلَهَآ أَبَداً ﴾ لم يصدقوا موسى - - فيما وعد لهم من الفتح والنصر، ومن كذَّب رسولاً من الرسل بشيء مخبر؛ فهو كافر.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاۤ...
﴾ الآية: دل - قوله - -: ﴿ فَٱذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاۤ ﴾ على أن الأمر بالدخول فيها أمر بالقتال مع الأعداء، حين قال: ﴿ ٱدْخُلُوا ٱلأَرْضَ ٱلمُقَدَّسَةَ ٱلَّتِي كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ ﴾ ، وأن المكتوب عليهم القتال معهم؛ لأنهم قالوا: ﴿ فَٱذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاۤ ﴾ ، والله أعلم.
ثم قيل في قوله - -: ﴿ فَٱذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاۤ ﴾ بوجهين: قيل: اذهب أنت وربك فقاتل وحدك، وليعينك ربك وينصرك؛ لأنك تقول: إن الله قد وعدك فتحها والنصر عليهم، فالواحد والجماعة فيه سواء، إذا كان الله ناصرك ومعينك.
والثاني: اذهب أنت وأخوك بربك فقاتلا؛ لأنهما كانا جميعاً مأمورين بتبليغ الرسالة؛ لأنهما إذا قاتلا إنما قاتلا بربهما، وتجوز الإضافة إليه والنسبة لما كان يفعل به؛ كقوله: ﴿ فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ قَتَلَهُمْ ﴾ ، وقوله - -: ﴿ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ ﴾ هم المباشرون للقتل والرمي في الحقيقة، لكنه أضيف إليه؛ لما بنصره ومعونته قتلوا ورموا؛ فعلى ذلك الأول - والله أعلم - أضيف إليه؛ لما بمعونته ونصره يقاتلون.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ ﴾ .
أي: ليس يريد به القعود نفسه، ولكن - والله أعلم - إنا هاهنا منتظرون.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ رَبِّ إِنِّي لاۤ أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي...
﴾ \[الآية\] يحتمل وجهين: يحتمل: أني لا أملك في الإجابة والطاعة لك إلا نفسي [وأخي - أيضاً -] لما عرفت بالعصمة التي أعطيت له أن يجيبني ويطيعني في ذلك، وأما هؤلاء: فإني لا أملك إجابتهم ولا طاعتهم، ﴿ فَٱفْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ ٱلْقَوْمِ ٱلْفَاسِقِينَ ﴾ .
ويحتمل: ﴿ إِنِّي لاۤ أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي ﴾ لا يملك - أيضاً - إلا نفسه؛ على الإضمار؛ لأنهما كانا جميعاً رسولين مأمورين بتبليغ الرسالة بقوله - -: ﴿ فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً...
﴾ الآية [طه: 44].
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱفْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ ٱلْقَوْمِ ٱلْفَاسِقِينَ ﴾ .
قال قائلون: إنما طلب موسى - - الفرقة بينه وبين الذين أبوا الدخول فيها، وقالوا: ﴿ لَنْ نَّدْخُلَهَآ أَبَداً ﴾ .
وقال قائلون: إنما طلب [موسى] الفرقة بينهم وبين الجبابرة الذين كانوا في الأرض، التي أمروا بالدخول فيها والقتال معهم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً...
﴾ الآية.
قوله : ﴿ مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ ﴾ : من الحرمان والمنع، هو - والله أعلم - ليس على التحريم؛ كقوله - -: ﴿ وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ ٱلْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ ﴾ ليس هو من التحريم الذي هو تحريم حكم، ولكن من المنع والحرمان؛ فعلى ذلك الأول، والله أعلم.
وقال قائلون: محرمة عليهم أبداً لم يدخلوها حتى ماتوا، لكن ولد لهم أولاد؛ فلما ماتوا هم دخل أولادهم؛ لأنهم قالوا: ﴿ لَنْ نَّدْخُلَهَآ أَبَداً ﴾ .
وقال قائلون: قوله : ﴿ مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ ﴾ : أي: التوبة محرمة عليهم، لن يتوبوا أبداً، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ : فالمدة هاهنا للتيه - والله أعلم - لا لقوله : ﴿ مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ ﴾ .
ثم اختلف في التيه: قال قائلون: لم يكن موسى وهارون - عليهما السلام - معهم في التيه؛ لأن ذلك لهم من الله كان عقوبة، ولا يحتمل أن يكون الله - عز وجل - يعذب رسوله بذنب قومه؛ لأنه لم يعذب قوماً بتكذيب الرسول قط إلا من بعد ما أخرج الرسول من بين أظهرهم؛ فعلى ذلك لا يحتمل أن يكون موسى يعذب بعصيان قومه، والله أعلم.
وقال آخرون: كان موسى معهم في تلك الأرض مقيماً فيها، ولكن الحيرة والتيه كانت لقومه، قيل: كانوا يرتحلون ثم ينزلون من حيث أصبحوا أربعين سنة، وكان ماؤهم في الحجر الذي كان مع موسى - - فكان إذا نزل [ضربه] موسى بعصاه، ﴿ فَٱنفَجَرَتْ مِنْهُ ٱثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً ﴾ ، لكل سبط عين، ولم يكن حل بموسى مما كان حل بقومه قليل ولا كثير؛ إنما أمر بالمقام فيها؛ فأقام من غير أن كان به حيرة.
<div class="verse-tafsir"
قال الله لنبيه موسى - -: إن الله حرَّم دخول الأرض المقدسة على بني إسرائيل مدة أربعين سنة، يضلون هذه المدة في الصحراء حيارى لا يهتدون، فلا تأسف -يا موسى- على القوم الخارجين عن طاعة الله، فإن ما يصيبهم من عقاب هو بسبب معاصيهم وذنوبهم.
<div class="verse-tafsir" id="91.VRn2Q"