الآية ٤١ من سورة المائدة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 5 المائدة > الآية ٤١ من سورة المائدة

۞ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ لَا يَحْزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَـٰرِعُونَ فِى ٱلْكُفْرِ مِنَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا بِأَفْوَٰهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ ۛ وَمِنَ ٱلَّذِينَ هَادُوا۟ ۛ سَمَّـٰعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّـٰعُونَ لِقَوْمٍ ءَاخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ ۖ يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ مِنۢ بَعْدِ مَوَاضِعِهِۦ ۖ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَـٰذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَٱحْذَرُوا۟ ۚ وَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ فِتْنَتَهُۥ فَلَن تَمْلِكَ لَهُۥ مِنَ ٱللَّهِ شَيْـًٔا ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَمْ يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ ۚ لَهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا خِزْىٌۭ ۖ وَلَهُمْ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌۭ ٤١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 235 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٤١ من سورة المائدة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٤١ من سورة المائدة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

نزلت هذه الآيات الكريمات في المسارعين في الكفر ، الخارجين عن طاعة الله ورسوله ، المقدمين آراءهم وأهواءهم على شرائع الله ، عز وجل ( من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ) أي : أظهروا الإيمان بألسنتهم ، وقلوبهم خراب خاوية منه ، وهؤلاء هم المنافقون .

( ومن الذين هادوا ) أعداء الإسلام وأهله .

وهؤلاء كلهم ( سماعون للكذب ) أي : يستجيبون له ، منفعلون عنه ( سماعون لقوم آخرين لم يأتوك ) أي : يستجيبون لأقوام آخرين لا يأتون مجلسك يا محمد .

وقيل : المراد أنهم يتسمعون الكلام ، وينهونه إلى أقوام آخرين ممن لا يحضر عندك ، من أعدائك ( يحرفون الكلم من بعد مواضعه ) أي : يتأولونه على غير تأويله ، ويبدلونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون ( يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا ) قيل : نزلت في أقوام من اليهود قتلوا قتيلا وقالوا : تعالوا حتى نتحاكم إلى محمد فإن أفتانا بالدية فخذوا ما قال ، وإن حكم بالقصاص فلا تسمعوا منه .

والصحيح أنها نزلت في اليهوديين اللذين زنيا ، وكانوا قد بدلوا كتاب الله الذي بأيديهم ، من الأمر برجم من أحصن منهم ، فحرفوا واصطلحوا فيما بينهم على الجلد مائة جلدة ، والتحميم والإركاب على حمار مقلوبين .

فلما وقعت تلك الكائنة بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم ، قالوا فيما بينهم : تعالوا حتى نتحاكم إليه ، فإن حكم بالجلد والتحميم فخذوا عنه ، واجعلوه حجة بينكم وبين الله ، ويكون نبي من أنبياء الله قد حكم بينكم بذلك ، وإن حكم بالرجم فلا تتبعوه في ذلك .

وقد وردت الأحاديث بذلك ، فقال مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر أنه قال : إن اليهود جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فذكروا له أن رجلا منهم وامرأة زنيا ، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما تجدون في التوراة في شأن الرجم؟

" فقالوا : نفضحهم ويجلدون .

قال عبد الله بن سلام : كذبتم ، إن فيها الرجم .

فأتوا بالتوراة فنشروها ، فوضع أحدهم يده على آية الرجم ، فقرأ ما قبلها وما بعدها ، فقال له عبد الله بن سلام : ارفع يدك .

فرفع يده فإذا فيها آية الرجم ، فقالوا صدق يا محمد ، فيها آية الرجم !

فأمر بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجما فرأيت الرجل يحني على المرأة يقيها الحجارة .

وأخرجاه وهذا لفظ البخاري .

وفي لفظ له : " فقال لليهود : ما تصنعون بهما؟

" قالوا : نسخم وجوههما ونخزيهما .

قال : ( فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين ) [ آل عمران : 93 ] فجاءوا ، فقالوا لرجل منهم ممن يرضون أعور : اقرأ ، فقرأ حتى انتهى إلى موضع منها فوضع يده عليه ، قال : ارفع يدك .

فرفع ، فإذا آية الرجم تلوح ، قال : يا محمد إن فيها آية الرجم ، ولكنا نتكاتمه بيننا .

فأمر بهما فرجما .

وعند مسلم : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتي بيهودي ويهودية قد زنيا ، فانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جاء يهود فقال : " ما تجدون في التوراة على من زنى؟

" قالوا : نسود وجوههما ونحملهما ، ونخالف بين وجوههما ويطاف بهما ، قال : ( فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين ) قال : فجاءوا بها ، فقرأوها ، حتى إذا مر بآية الرجم وضع الفتى الذي يقرأ يده على آية الرجم ، وقرأ ما بين يديها وما وراءها .

فقال له عبد الله بن سلام - وهو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم - : مره فليرفع يده .

فرفع يده ، فإذا تحتها آية الرجم .

فأمر بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجما .

قال عبد الله بن عمر : كنت فيمن رجمهما ، فلقد رأيته يقيها من الحجارة بنفسه .

وقال أبو داود : حدثنا أحمد بن سعيد الهمداني حدثنا ابن وهب حدثنا هشام بن سعد أن زيد بن أسلم حدثه ، عن ابن عمر قال : أتى نفر من اليهود فدعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى القف فأتاهم في بيت المدارس ، فقالوا : يا أبا القاسم إن رجلا منا زنى بامرأة ، فاحكم قال : ووضعوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وسادة ، فجلس عليها ، ثم قال : " ائتوني بالتوراة " .

فأتي بها ، فنزع الوسادة من تحته ، ووضع التوراة عليها ، وقال : " آمنت بك وبمن أنزلك " .

ثم قال : " ائتوني بأعلمكم " .

فأتي بفتى شاب ، ثم ذكر قصة الرجم نحو حديث مالك عن نافع .

وقال الزهري : سمعت رجلا من مزينة ممن يتبع العلم ويعيه ، ونحن عند ابن المسيب عن أبي هريرة قال : زنى رجل من اليهود بامرأة ، فقال بعضهم لبعض : اذهبوا إلى هذا النبي ، فإنه بعث بالتخفيف ، فإن أفتانا بفتيا دون الرجم قبلناها ، واحتججنا بها عند الله ، قلنا : فتيا نبي من أنبيائك ، قال : فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم وهو جالس في المسجد في أصحابه ، فقالوا : يا أبا القاسم ما تقول في رجل وامرأة منهم زنيا ؟

فلم يكلمهم كلمة حتى أتى بيت مدارسهم ، فقام على الباب فقال : " أنشدكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى ما تجدون في التوراة على من زنى إذا أحصن؟

قالوا : يحمم ، ويجبه ويجلد .

والتجبية : أن يحمل الزانيان على حمار ، وتقابل أقفيتهما ، ويطاف بهما .

قال : وسكت شاب منهم ، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم سكت ، ألظ به رسول الله صلى الله عليه وسلم النشدة ، فقال : اللهم إذ نشدتنا ، فإنا نجد في التوراة الرجم .

فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " فما أول ما ارتخصتم أمر الله؟

" قال : زنى ذو قرابة من ملك من ملوكنا ، فأخر عنه الرجم ، ثم زنى رجل في أثره من الناس ، فأراد رجمه ، فحال قومه دونه وقالوا : لا يرجم صاحبنا حتى تجيء بصاحبك فترجمه!

فاصطلحوا هذه العقوبة بينهم ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " فإني أحكم بما في التوراة " فأمر بهما فرجما .

قال الزهري : فبلغنا أن هذه الآية نزلت فيهم : ( إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا ) فكان النبي صلى الله عليه وسلم منهم .

رواه أحمد وأبو داود - وهذا لفظه - وابن جرير وقال الإمام أحمد : حدثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش عن عبد الله بن مرة عن البراء بن عازب قال : مر على رسول الله صلى الله عليه وسلم يهودي محمم مجلود ، فدعاهم فقال : " أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟

" فقالوا : نعم ، فدعا رجلا من علمائهم فقال : " أنشدك بالذي أنزل التوراة على موسى أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟

" فقال : لا والله ، ولولا أنك نشدتني بهذا لم أخبرك ، نجد حد الزاني في كتابنا الرجم ، ولكنه كثر في أشرافنا ، فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه ، وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد ، فقلنا : تعالوا حتى نجعل شيئا نقيمه على الشريف والوضيع ، فاجتمعنا على التحميم والجلد .

فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه " .

قال : فأمر به فرجم ، قال : فأنزل الله عز وجل : ( يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر ) إلى قوله : ( يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه ) يقولون : ائتوا محمدا ، فإن أفتاكم بالتحميم والجلد فخذوه ، وإن أفتاكم بالرجم فاحذروا ، إلى قوله : ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ) قال : في اليهود إلى قوله : ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون ) قال : في اليهود ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون ) قال : في الكفار كلها .

انفرد بإخراجه مسلم دون البخاري وأبو داود والنسائي وابن ماجه من غير وجه ، عن الأعمش به .

وقال الإمام أبو بكر عبد الله بن الزبير الحميدي في مسنده : حدثنا سفيان بن عيينة عن مجالد بن سعيد الهمداني عن الشعبي عن جابر بن عبد الله قال : زنى رجل من أهل فدك ، فكتب أهل فدك إلى ناس من اليهود بالمدينة أن سلوا محمدا عن ذلك ، فإن أمركم بالجلد فخذوه عنه ، وإن أمركم بالرجم فلا تأخذوه عنه ، تسألوه عن ذلك ، قال : " أرسلوا إلي أعلم رجلين فيكم " .

فجاءوا برجل أعور - يقال له : ابن صوريا - وآخر ، فقال لهما النبي صلى الله عليه وسلم : " أنتما أعلم من قبلكما؟

" .

فقالا قد دعانا قومنا لذلك ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لهما : " أليس عندكما التوراة فيها حكم الله؟

" قالا : بلى ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " فأنشدكم بالذي فلق البحر لبني إسرائيل وظلل عليكم الغمام ، وأنجاكم من آل فرعون وأنزل المن والسلوى على بني إسرائيل : ما تجدون في التوراة في شأن الرجم؟

" فقال أحدهما للآخر : ما نشدت بمثله قط .

قالا نجد ترداد النظر زنية والاعتناق زنية ، والقبل زنية ، فإذا شهد أربعة أنهم رأوه يبدئ ويعيد ، كما يدخل الميل في المكحلة ، فقد وجب الرجم .

فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " هو ذاك " .

فأمر به فرجم ، فنزلت : ( فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين ) ورواه أبو داود وابن ماجه من حديث مجالد به نحوه .

ولفظ أبي داود عن جابر قال : جاءت اليهود برجل وامرأة منهم زنيا ، فقال : " ائتوني بأعلم رجلين منكم " .

فأتوا بابني صوريا ، فنشدهما : " كيف تجدان أمر هذين في التوراة؟

" قالا نجد في التوراة إذا شهد أربعة أنهم رأوا ذكره في فرجها مثل الميل في المكحلة رجما ، قال : " فما يمنعكم أن ترجموهما؟

" قالا ذهب سلطاننا ، فكرهنا القتل .

فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشهود ، فجاءوا أربعة ، فشهدوا أنهم رأوا ذكره في فرجها مثل الميل في المكحلة ، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم برجمهما .

ثم رواه أبو داود عن الشعبي وإبراهيم النخعي مرسلا ولم يذكر فيه : " فدعا بالشهود فشهدوا " .

فهذه أحاديث دالة على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حكم بموافقة حكم التوراة ، وليس هذا من باب الإلزام لهم بما يعتقدون صحته ; لأنهم مأمورون باتباع الشرع المحمدي لا محالة ، ولكن هذا بوحي خاص من الله ، عز وجل إليه بذلك ، وسؤاله إياهم عن ذلك ليقررهم على ما بأيديهم ، مما تراضوا على كتمانه وجحده ، وعدم العمل به تلك الدهور الطويلة فلما اعترفوا به مع عملهم على خلافه ، بأن زيغهم وعنادهم وتكذيبهم لما يعتقدون صحته من الكتاب الذي بأيديهم ، وعدولهم إلى تحكيم الرسول صلى الله عليه وسلم إنما كان عن هوى منهم وشهوة لموافقة آرائهم ، لا لاعتقادهم صحة ما يحكم به ، لهذا قالوا ) إن ) أوتيتم هذا والتحميم ( فخذوه ) أي : اقبلوه ( وإن لم تؤتوه فاحذروا ) أي : من قبوله واتباعه .

قال الله تعالى : ( ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم سماعون للكذب ) أي : الباطل ( أكالون للسحت ) أي : الحرام ، وهو الرشوة كما قاله ابن مسعود وغير واحد أي : ومن كانت هذه صفته كيف يطهر الله قلبه؟

وأنى يستجيب له .

ثم قال لنبيه : ( فإن جاءوك ) أي : يتحاكمون إليك ( فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا ) أي : فلا عليك ألا تحكم بينهم ; لأنهم لا يقصدون بتحاكمهم إليك اتباع الحق ، بل ما وافق هواهم .

قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة والحسن وقتادة والسدي وزيد بن أسلم وعطاء الخراساني : هي منسوخة بقوله : ( وأن احكم بينهم بما أنزل الله ) [ المائدة : 49 ] ، ( وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط ) أي : بالحق والعدل وإن كانوا ظلمة خارجين عن طريق العدل ( إن الله يحب المقسطين ) ثم قال تعالى - منكرا عليهم في آرائهم الفاسدة ومقاصدهم الزائغة ، في تركهم ما يعتقدون صحته من الكتاب الذي بأيديهم ، الذي يزعمون أنهم مأمورون بالتمسك به أبدا ، ثم خرجوا عن حكمه وعدلوا إلى غيره ، مما يعتقدون في نفس الأمر بطلانه وعدم لزومه لهم - فقال : ( وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله ثم يتولون من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين ) ثم مدح التوراة التي أنزلها على عبده ورسوله موسى بن عمران فقال : ( إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا ) أي : لا يخرجون عن حكمها ولا يبدلونها ولا يحرفونها ( والربانيون والأحبار ) أي : وكذلك الربانيون منهم وهم العباد العلماء ، والأحبار وهم العلماء ( بما استحفظوا من كتاب الله ) أي : بما استودعوا من كتاب الله الذي أمروا أن يظهروه ويعملوا به ( وكانوا عليه شهداء فلا تخشوا الناس واخشون ) أي : لا تخافوا منهم وخافوني ( ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ) فيه قولان سيأتي بيانهما .

سبب آخر لنزول هذه الآيات الكريمة .

قال الإمام أحمد : حدثنا إبراهيم بن العباس حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه ، عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس قال : إن الله أنزل : ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ) و ( فأولئك هم الظالمون ) [ المائدة : 45 ] ( فأولئك هم الفاسقون ) [ المائدة : 47 ] قال : قال ابن عباس : أنزلها الله في الطائفتين من اليهود كانت إحداهما قد قهرت الأخرى في الجاهلية ، حتى ارتضوا أو اصطلحوا على أن كل قتيل قتلته العزيزة من الذليلة فديته خمسون وسقا ، وكل قتيل قتلته الذليلة من العزيزة فديته مائة وسق ، فكانوا على ذلك حتى قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة ، فذلت الطائفتان كلتاهما ، لمقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويومئذ لم يظهر ، ولم يوطئهما عليه ، وهو في الصلح ، فقتلت الذليلة من العزيزة قتيلا فأرسلت العزيزة إلى الذليلة : أن ابعثوا لنا بمائة وسق ، فقالت الذليلة : وهل كان هذا في حيين قط دينهما واحد ، ونسبهما واحد ، وبلدهما واحد : دية بعضهم نصف دية بعض .

إنما أعطيناكم هذا ضيما منكم لنا ، وفرقا منكم ، فأما إذ قدم محمد فلا نعطيكم ذلك ، فكادت الحرب تهيج بينهما ، ثم ارتضوا على أن يجعلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم ، ثم ذكرت العزيزة فقالت : والله ما محمد بمعطيكم منهم ضعف ما يعطيهم منكم ولقد صدقوا ، ما أعطونا هذا إلا ضيما منا وقهرا لهم ، فدسوا إلى محمد : من يخبر لكم رأيه ، إن أعطاكم ما تريدون حكمتموه وإن لم يعطكم حذرتم فلم تحكموه .

فدسوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ناسا من المنافقين ليخبروا لهم رأي رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما جاءوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بأمرهم كله ، وما أرادوا ، فأنزل الله تعالى : ( يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر ) إلى قوله : ( الفاسقون ) ففيهم - والله - أنزل ، وإياهم عنى الله عز وجل .

ورواه أبو داود من حديث ابن أبي الزناد عن أبيه ، بنحوه .

وقال أبو جعفر بن جرير : حدثنا هناد بن السري وأبو كريب قالا : حدثنا يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق حدثني داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس أن الآيات في " المائدة " ، قوله : ( فاحكم بينهم أو أعرض عنهم ) إلى ( المقسطين ) إنما أنزلت في الدية في بني النضير وبني قريظة وذلك أن قتلى بني النضير كان لهم شرف ، تؤدى الدية كاملة ، وأن قريظة كانوا يودون نصف الدية فتحاكموا في ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأنزل الله ذلك فيهم ، فحملهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على الحق في ذلك ، فجعل الدية في ذلك سواء - والله أعلم ؛ أي ذلك كان .

ورواه أحمد وأبو داود والنسائي من حديث ابن إسحاق .

ثم قال ابن جرير : حدثنا أبو كريب حدثنا عبيد الله بن موسى عن علي بن صالح عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس قال : كانت قريظة والنضير وكانت النضير أشرف من قريظة فكان إذا قتل رجل من قريظة رجلا من النضير قتل به ، وإذا قتل رجل من النضير رجلا من قريظة ودي مائة وسق تمر .

فلما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قتل رجل من النضير رجلا من قريظة فقالوا : ادفعوه إلينا فقالوا : بيننا وبينكم رسول الله صلى الله عليه وسلم .

فنزلت : ( وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط ) ورواه أبو داود والنسائي وابن حبان والحاكم في المستدرك ، من حديث عبيد الله بن موسى بنحوه .

وهكذا قال قتادة ومقاتل بن حيان وابن زيد وغير واحد .

وقد روى العوفي وعلي بن أبي طلحة الوالبي عن ابن عباس : أن هذه الآيات نزلت في اليهوديين اللذين زنيا ، كما تقدمت الأحاديث بذلك .

وقد يكون اجتمع هذان السببان في وقت واحد ، فنزلت هذه الآيات في ذلك كله ، والله أعلم .

ولهذا قال بعد ذلك : ( وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين ) إلى آخرها ، وهذا يقوي أن سبب النزول قضية القصاص ، والله سبحانه وتعالى أعلم .

وقوله : ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ) قال البراء بن عازب وحذيفة بن اليمان وابن عباس وأبو مجلز وأبو رجاء العطاردي وعكرمة وعبيد الله بن عبد الله والحسن البصري وغيرهم : نزلت في أهل الكتاب - زاد الحسن البصري : وهي علينا واجبة .

وقال عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن منصور عن إبراهيم قال : نزلت هذه الآيات في بني إسرائيل ورضي الله لهذه الأمة بها .

رواه ابن جرير .

وقال ابن جرير أيضا : حدثنا يعقوب حدثنا هشيم أخبرنا عبد الملك بن أبي سليمان عن سلمة بن كهيل عن علقمة ومسروق أنهما سألا ابن مسعود عن الرشوة فقال : من السحت : قال : فقالا وفي الحكم ؟

قال : ذاك الكفر !

ثم تلا ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ) وقال السدي : ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ) يقول : ومن لم يحكم بما أنزلت فتركه عمدا ، أو جار وهو يعلم ، فهو من الكافرين [ به ] وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله : ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ) قال : من جحد ما أنزل الله فقد كفر .

ومن أقر به ولم يحكم فهو ظالم فاسق .

رواه ابن جرير .

ثم اختار أن الآية المراد بها أهل الكتاب أو من جحد حكم الله المنزل في الكتاب .

وقال عبد الرزاق عن الثوري عن زكريا عن الشعبي : ( ومن لم يحكم بما أنزل الله ) قال : للمسلمين .

وقال ابن جرير : حدثنا ابن المثنى حدثنا عبد الصمد حدثنا شعبة عن ابن أبي السفر عن الشعبي : ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ) قال : هذا في المسلمين ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون ) قال : هذا في اليهود ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون ) قال : هذا في النصارى .

وكذا رواه هشيم والثوري عن زكريا بن أبي زائدة عن الشعبي .

وقال عبد الرزاق أيضا : أخبرنا معمر عن ابن طاوس عن أبيه قال : سئل ابن عباس عن قوله : ( ومن لم يحكم [ بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ] ) قال : هي به كفر - قال ابن طاوس : وليس كمن كفر بالله وملائكته وكتبه ورسله .

وقال الثوري عن ابن جريج عن عطاء أنه قال : كفر دون كفر ، وظلم دون ظلم ، وفسق دون فسق .

رواه ابن جرير .

وقال وكيع عن سفيان عن سعيد المكي عن طاوس : ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ) قال : ليس بكفر ينقل عن الملة .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقري حدثنا سفيان بن عيينة عن هشام بن حجير عن طاوس عن ابن عباس في قوله : ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ) قال : ليس بالكفر الذي يذهبون إليه .

ورواه الحاكم في مستدركه ، عن حديث سفيان بن عيينة وقال : صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله عز ذكره : يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل فيمن عني بهذه الآية.

فقال بعضهم: نـزلت في أبي لُبابة بن عبد المنذر، بقوله لبني قريظة حين حاصرهم النبيّ صلى الله عليه وسلم: " إنما هو الذَّبح، فلا تنـزلوا على حكم سعد ".

ذكر من قال ذلك: 11918 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم "، قال: نـزلت في رجل من الأنصار= زعموا أنه أبو لبابة= أشارت إليه بنو قريظة يوم الحصار، ما الأمر؟

وعلام ننـزل؟

فأشار إليهم أنه الذَّبح.

* * * وقال آخرون: بل نـزلت في رجل من اليهود سأل رجلا من المسلمين يسألُ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حُكمه في قتِيلٍ قتله.

ذكر من قال ذلك: 11919 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا محمد بن بشر، عن زكريا، عن عامر: " لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر "، قال: كان رجل من اليهود قتله رجل من أهل دينه، فقال القاتل لحلفائهم من المسلمين: سلوا ليِ محمدًا صلى الله عليه وسلم، فإن بُعِثَ بالدية اختصمنا إليه، (28) وإن كان يأمرنا بالقتل لم نأته.

11920 - حدثنا المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال، أخبرنا هشيم، عن زكريا، عن عامر، نحوه.

* * * &; 10-303 &; وقال آخرون: بل نـزلت في عبد الله بن صوريا، وذلك أنه ارتدّ بعد إسلامه.

ذكر من قال ذلك: 11921 - حدثنا هناد وأبو كريب قالا حدثنا يونس بن بكير، عن ابن إسحاق قال، حدثني الزهري قال: سمعت رجلا من مزينة يحدث، عن سعيد بن المسيب: أن أبا هريرة حدّثهم: أن أحبار يهود اجتمعوا في بيت المدراس حين قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، (29) وقد زنَى رجل منهم بعد إحصانه، بامرأة من يهود قد أحصنت، فقالوا، انطلقوا بهذا الرجل وبهذه المرأة إلى محمد =صلى الله عليه وسلم= فاسألوه كيف الحكم فيهما، وولُّوه الحكم عليهما، (30) فإن عمل فيهما بعملكم من التجبيه (31) = وهو الجلد بحبل من ليف مطليٍّ بقار، ثم تُسوَّد وجوههما، ثم يحملان على حمارين، وتحوَّل وجوههما من قبل دُبُر الحمار = فاتبعوه، فإنما هو ملكٌ.

وإن هو حكم فيهما بالرجم، فاحذروه على ما في أيديكم أن يسلبكموه.

(32) فأتوه فقالوا: يا محمد، هذا الرجل قد زنى بعد إحصانه بامرأة قد أحصنت، فاحكم فيهما، فقد وليناك الحكم فيهما.

فمشى رسول الله صلى الله عليه &; 10-304 &; وسلم حتى أتى أحبارهم إلى بيت المدراس، (33) فقال: " يا معشر اليهود، أخرجوا إليّ أعلمكم!" فأخرجوا إليه عبد الله بن صوريا الأعور= وقد روى بعض بني قريظة، (34) أنهم أخرجوا إليه يومئذ مع ابن صوريا، أبا ياسر بن أخطب، ووهب بن يهوذا، فقالوا: هؤلاء علماؤنا!

فسألهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى حصَّل أمرهم، إلى أن قالوا لابن صوريا: هذا أعلم من بقي بالتوراة (35) = فخلا به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان غلامًا شابًّا من أحدثهم سنًّا، فألظَّ به رسول الله صلى الله عليه وسلم المسألةَ، (36) يقول: يا ابن صوريا، أنشُدك الله واذكِّرك أياديه عند بني إسرائيل، هل تعلم أنّ الله حكم فيمن زنىَ بعد إحصانه بالرجم في التوراة؟

فقال: اللهم نعم!

أما والله يا أبا القاسم إنهم ليعلمون أنك نبيٌّ مرسلٌ، ولكنهم يحسدونك!

فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمر بهما فرجما عند باب مسجده، في بني غنم بن مالك بن النجار.

(37) ثم كفر بعد ذلك ابن صوريا، فأنـزل الله جل وعز: " يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ".

(38) 11922 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي= ح، وحدثنا هناد قال، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش= ح، وحدثنا هناد قال، حدثنا عبيدة بن حميد= عن الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن البراء بن عازب قال: مرَّ النبي صلى الله عليه وسلم بيهوديٍّ محمَّم مجلود، (39) فدعا النبي صلى الله عليه وسلم رجلا من علمائهم &; 10-305 &; فقال: أهكذا تجِدُون حدَّ الزاني فيكم؟

قال: نعم!

قال: فأنشدك بالذي أنـزل التوراة على موسى، أهكذا تجدون حدّ الزنى فيكم؟

قال: لا ولولا أنك نشدتني بهذا لم أحدِّثك، ولكن الرجم، ولكن كثرُ الزنا في أشرافنا، فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه، وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد، فقلنا: " تعالوا نجتمع فنضع شيئًا مكان الرجم، فيكون على الشريف والوضيع "، فوضعنا التحميم والجلد مكان الرجم!

فقال النبى صلى الله عليه وسلم: أنا أوّل من أحيي أمرك إذ أماتوه!

(40) فأمر به فرجم، فأنـزل الله: " لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر " الآية.

(41) 11923 - حدثني المثنى قال، حدثنا سويد بن نصر قال، أخبرنا ابن المبارك، عن معمر، عن الزهري قال: كنت جالسًا عند سعيد بن المسيب، وعند سعيد رجل يوقِّره، فإذا هو رجل من مزينة كان أبوه شَهِد الحديبية، وكان من أصحاب أبي هريرة قال: قال أبو هريرة: كنت جالسًا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم= 11924- ح، وحدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح كاتب الليث قال، حدثني الليث قال، حدثني عقيل، عن ابن شهاب قال: أخبرني رجل من مزينة ممن يَتَّبع العلمَ ويعيه، حدَّث عن سعيد بن المسيب، أن أبا هريرة قال: بينا نحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاءه رجل من اليهود، وكانوا قد تشاوروا في صاحب لهم زنى بعد ما أحصن، (42) فقال بعضهم لبعض: إن هذا النبي قد بعث، وقد علمتم أنْ قد فُرِض عليكم الرجْم في التوراة فكتمتموه، واصطلحتم بينكم على عقوبة دونه، فانطلقوا نسأل هذا النبي، (43) فإن أفتانا بما فرض علينا في التوراة من الرجم، تركنا ذلك، فقد تركنا ذلك في التوراة، فهي أحق أن تُطَاع وتصدَّق!

فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا أبا القاسم إنه زنى صاحبٌ لنا قد أحصن، فما ترى عليه من العقوبة؟

قال أبو هريرة: فلم يَرْجع إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قام وقمنا معه، فانطلق يؤمُّ مِدْراس اليهود، حتى أتاهم فوجدهم يتدارسون التوراة في بيت المدراس، فقال لهم: يا معشر اليهود، أنشُدكم بالله الذي أنـزل التوراة على موسى، ماذا تجدون في التوراة من العُقوبة على من زنى وقد أحصن؟

قالوا: إنا نجده يحمَّم ويُجْلَد!

وسكت حَبْرهم في جانب البيت، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم صَمته، ألظَّ يَنْشُدُه، فقال حبرهم: اللهم إذْ نَشَدتنا فإنا نجد عليهم الرجم!

فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: فماذا كان أوّلُ ما ترخَّصتم به أمرَ الله "؟

قال: زنى ابن عم ملك فلم يرجمه، ثم زنى رجل آخر في أسرة من الناس، فأراد ذلك الملك رجمه، فقام دونه قومُه فقالوا: والله لا ترجمه حتى ترجُم فلانًا ابن عم الملك!

فاصطلحوا بينهم عقوبة دون الرجم وتركوا الرجم.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فإني أقضي بما في التوراة!

فأنـزل الله في ذلك: " يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر " إلى قوله: وَمَنْ لَمْ &; 10-307 &; يَحْكُمْ بِمَا أَنْـزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ .

(44) * * * وقال آخرون: بل عُني بذلك المنافقون.

ذكر من قال ذلك: 11925 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن عبد الله بن كثير في قوله: " يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم "، قال: هم المنافقون.

11926 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: "آمنا بأفواههم " قال يقول: هم المنافقون= سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ ، قال: هم أيضًا سماعون لليهود.

(45) * * * قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال في ذلك عندي بالصواب، (46) أن يقال: عني بقوله: (47) " لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم "، قومٌ من المنافقين.

وجائزٌ أن يكون كان ممن دخل في هذه الآية ابنُ صوريا= وجائز أن يكون أبو لبابة= وجائز أن يكون غيرُهما، غير أن أثبت شيء روي في ذلك، ما ذكرناه من الرواية قبلُ عن أبي هريرة والبراء بن عازب، لأن ذلك عن رجلين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وإذا كان ذلك كذلك، كان الصحيحُ من القول فيه أن يقال: عُنِي به عبد الله بن صوريَا.

وإذا صحّ ذلك، كان تأويل الآية: يا أيُّها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في جحود نبوّتك، والتكذيبِ بأنك لي نبي، من الذين قالوا: " صدَّقنا بك يا محمد أنك لله رسول مبعوث، وعلمنا بذلك يقينًا، بوجودنا صِفَتك في كتابنا ".

(48) وذلك أن في حديث أبي هريرة الذي رواه ابن إسحاق عن الزهري: (49) أن ابن صُوريا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: " أما والله يا أبا القاسم، إنهم ليعلمون أنك نبى مُرسَل، ولكنهم يحسدونك ".

فذلك كان =على هذا الخبر= من ابن صوريا إيمانًا برسول الله صلى الله عليه وسلم بفيه، ولم يكن مصدِّقًا لذلك بقلبه.

فقال الله جل وعزّ لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم، مُطْلِعَه على ضمير ابن صوريا وأنه لم يؤمن بقلبه، يقول: ولم يصدِّق قلبه بأنك لله رسول مرسل.

(50) * * * القول في تأويل قوله عز وجلّ : وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: يا أيها الرسولُ لا يحزنك تسرُّع من تسرَّع من هؤلاء المنافقين= الذين يظهرون بألسنتهم تصديقَك، وهم معتقدون تكذيبك= إلى الكفر بك، ولا تسرُّعُ اليهود إلى جحود نبوّتك.

(51) ثم وصف جل وعزّ صفتهم، (52) ونعتهم له بنعوتهم الذَّميمة وأفعالهم الرديئة، وأخبره مُعزّيًا له على ما يناله من الحزن بتكذيبهم إياه، مع علمهم بصدقه، أنَّهم أهلُ استحلال الحرامِ والمآكل الرديئة والمطاعم الدنيئة من الرُّشَى والسُّحْت، (53) وأنهم أهل إفكٍ وكذبٍ على الله، وتحريف لكتابه.

(54) ثم أعلمه أنه مُحِلٌّ بهم خزيَه في عاجل الدنيا، وعقابه في آجل الآخرة.

فقال: هم " سماعون للكذب "، يعني هؤلاء المنافقين من اليهود، يقول: هم يسمعون الكذب، و " سمعهم الكذب "، سمعُهم قول أحبارهم: أنّ حكم الزاني المحصن في التوراة، التحميمُ والجلد=" سماعون لقوم آخرين لم يأتوك "، يقول: يسمعون لأهل الزاني الذين أرادوا الاحتكام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم القوم الآخرون الذين لم يكونوا أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانوا مصرِّين على أن يأتوه، كما قال مجاهد:- 11927 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج عن ابن جريج، قال مجاهد: " سماعون لقوم آخرين لم يأتوك "، مع من أتوك.

* * * واختلف أهل التأويل في" السماعين للكذب السماعين لقوم آخرين ".

(55) فقال بعضهم: " سماعون لقوم آخرين "، يهود فَدَك.

و " القوم الآخرون " الذين لم يأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، يهوُد المدينة.

(56) ذكر من قال ذلك: 11928 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن الزبير، عن ابن عيينة قال، حدثنا زكريا ومجالد، عن الشعبي، عن جابر في قوله: " ومن الذين هادوا سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين "، قال: يهود المدينة=" لم يأتوك يحرِّفون الكلم من بعد مواضعه "، قال: يهود فدك، يقولون ليهود المدينة: إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ .

* * * وقال آخرون: المعنيّ بذلك قوم من اليهود، كان أهل المرأة التي بَغَتْ، بعثوا بهم يسألون رسولَ الله صلى الله عليه وسلم عن الحكم فيها.

والباعثون بهم هم " القوم الآخرون "، وهم أهل المرأة الفاجرة، لم يكونوا أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ذكر من قال ذلك: 11929 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي قوله: " ومن الذين هادوا سمَّاعون للكذب سمَّاعون لقوم آخرين لم يأتوك يحرفون "، فإنّ بني إسرائيل أنـزل الله عليهم: (57) " إذا زنى منكم أحد فارجموه "، فلم يزالوا بذلك حتى زنى رجل من خيارهم، فلما اجتمعت بنو إسرائيل يرجمونه، قام الخيار والأشراف فمنعوه.

ثم زنى رجل من الضعفاء، &; 10-311 &; فاجتمعوا ليرجموه، فاجتمعت الضعفاء فقالوا: لا ترجموه حتى تأتُوا بصاحبكم فترجمونهما جميعًا!

فقالت بنو إسرائيل: إن هذا الأمر قد اشتد علينا، فتعالوا فلنصلحه!

فتركوا الرجم، وجعلوا مكانه أربعين جَلْدة بحبل مقيَّر، ويحملونه على حمار ووجهه إلى ذنبه، (58) ويسوِّدون وجهه، ويطوفون به.

فكانوا يفعلون ذلك حتى بعث النبي صلى الله عليه وسلم وقدم المدينة، فزنت امرأة من أشراف اليهود يقال لها: " بسرة "، فبعث أبوها ناسًا من أصحابه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: سلوه عن الزنا وما نـزل إليه فيه، فإنا نخاف أن يفضحنا ويُخْبرنا بما صنعنا، فإن أعطاكم الجلد فخذُوه، وإن أمركم بالرجم فاحذروه!

فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألوه، فقال: الرجم!

فأنـزل الله عز وجل: " ومن الذين هادوا سمَّاعون لقوم آخرين لم يأتوك يحرِّفون الكلم من بعد مواضعه "، حين حرَّفوا الرجم فجعلوه جلدًا.

* * * قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب، قولُ من قال: إن " السماعين للكذب "، هم " السماعون لقوم آخرين ".

(59) وقد يجوز أن يكون أولئك كانوا من يهود المدينة، والمسموعُ لهم من يَهُود فدك= ويجوز أن يكون كانوا من غيرهم.

غير أنه أيّ ذلك كان، فهو من صفة قوٍم من يهود، سَمِعوا الكذب على الله في حكم المرأة التي كانت بغت فيهم وهي محصنة، وأن حكمها في التوراة التحميم والجلد، وسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحكم اللازم لها، وسمعوا ما يقول فيها قوم المرأة الفاجرة قَبْل أن يأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم محتكمين إليه فيها.

وإنما سألوا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك &; 10-312 &; لهم، ليُعْلموا أهل المرأة الفاجرة ما يكون من جوابه لهم.

فإن لم يكن من حكمه الرجم رَضُوا به حَكَمًا فيهم.

وإن كان من حكمه الرّجم، حذِروه وتركوا الرضَى به وبحكمه.

* * * وبنحو الذي قلنا كان ابن زيد يقول.

11930 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين "، قال: لقوم آخرين لم يأتوه من أهل الكتاب، (60) هؤلاء سماعون لأولئك القوم الآخرين الذين لم يأتوه، يقولون لهم الكذب: " محمد كاذبٌ، وليس هذا في التوراة، فلا تؤمنوا به ".

(61) * * * القول في تأويل قوله عزّ وجلّ : يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: يحرف هؤلاء السمَّاعون للكذب، السماعون لقوم آخرين منهم لم يأتوك بعدُ من اليهود=" الكلم " (62) .

وكان تحريفُهم ذلك، تغييرَهم حكم الله تعالى ذكره= الذي أنـزله في التوراة في المحصَنات والمحصَنين من الزناة بالرجم= إلى الجلد والتحميم.

فقال تعالى ذكره: " يحرّفون الكلم "، يعني: هؤلاء اليهود، والمعنيُّ حكم الكَلِم، فاكتفى بذكر الخبر من " تحريف الكلم " عن ذكر " الحكم "، لمعرفة السامعين لمعناه.

وكذلك قوله: " من بعد مواضعه "، والمعنى: من بعد وضْع الله ذلك مواضعه، فاكتفى بالخبر من ذكر " مواضعه "، عن ذكر " وضع ذلك "، كما قال تعالى ذكره: وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ [سورة البقرة: 177]، والمعنى: ولكن البِرَّ برُّ من آمن بالله واليوم الآخر.

(63) * * * وقد يحتمل أن يكون معناه: يحرفون الكلم عن مواضعه= فتكون " بعد " وضعت موضع " عن "، كما يقال: " جئتك عن فراغي من الشغل "، يريد: بعد فراغي من الشُّغل.

* * * ويعني بقوله: " إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا "، يقول هؤلاء الباغُون السمَّاعون للكذب: إن أفتاكم محمد بالجلد والتحميم في صاحبنا=" فخذوه "، يقول: فاقبلوه منه، وإن لم يفتكم بذلك وأفتاكم بالرجم، فاحذروا.

* * * وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك: 11931 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا يونس بن بكير، عن ابن إسحاق قال، حدثني الزهري قال: سمعت رجلا من مزينة يحدِّث سعيد بن المسيب: أن أبا هريرة حدثهم= في قصة ذكرها= وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ ، قال: [أي الذين بعثوا منهم مَنْ] بعثوا وتخلفوا، (64) وأمروهم بما أمرُوهم به من تحريف الكلم عن مواضعه، فقال: " يحرِّفون الكلم من بعد مواضعه يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه "، للتجبيه (65) =" وإن لم تؤتوه فاحذروا "، أي الرجم.

(66) 11932 - حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: " إن أوتيتم هذا "، إن وافقكم هذا فخذوه.

يهودُ تقولُه للمنافقين.

11933 - حدثنا المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد،" إن أوتيتم هذا فخذوه "، إن وافقكم هذا فخذوه، وإن لم يوافقكم فاحذروه.

يهود تقوله للمنافقين.

11934 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " يحرفون الكلم من بعد مواضعه "، حين حرفوا الرجم فجعلوه جلدًا=" يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا ".

11935 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن الزبير، عن ابن عيينة قال، حدثنا زكريا ومجالد، عن الشعبي، عن جابر: " يحرفون الكلم من بعد مواضعه يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه "، يهود فدك، يقولون ليهود المدينة: إن أوتيتم هذا الجلد فخذوه، وإن لم تؤتوه فاحذروا الرَّجم.

(67) 11936 - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: " إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا "، هم اليهودُ، زنت منهم امرأة، وكان الله قد حكم في التوراة في الزّنا بالرجم، فنَفِسوا أن يرجموها، (68) وقالوا: انطلقوا إلى محمد، فعسى أن يكون عنده رُخْصة، فإن كانت عنده رخصة فاقبلوها!

فأتَوْه، فقالوا: يا أبا القاسم، إنّ امرأة منّا زنت، فما تقول فيها؟

فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: كيف حُكم الله في التوراة في الزاني؟

فقالوا: دعنا من التوراة، ولكن ما عندك في ذلك؟

فقال: ائتوني بأعلمكم بالتوراة التي أنـزلت على موسى!

فقال لهم: بالذي نجاكم من آل فرعون، وبالذي فَلَق لكم البحر فأنجاكم وأغرق آل فرعون، إلا أخبرتموني ما حُكْم الله في التوراة في الزاني؟!

قالوا: حكمه الرَّجْم!

فأمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجمت.

(69) 11937 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " لم يأتوك يحرفون الكلم من بعد مواضعه يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا "، ذكر لنا أن هذا كان في قتيلٍ من بني قريظة، قتلته النضير.

فكانت النضير إذا قتلت من بني قريظة لم يُقِيدوهم، إنما يعطونهم الدية لفضلهم عليهم.

وكانت قريظة إذا قتلت من النضير قتيلا لم يرضوا إلا بالقَوَد لفضلهم عليهم في أنفسهم تعزُّزًا.

فقدم نبيُّ الله صلى الله عليه وسلم المدينة على تَفِئَةِ قتيلهم هذا، (70) فأرادوا أن يرفعوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

&; 10-316 &; فقال لهم رجل من المنافقين: إن قتيلكم هذا قتيل عَمْدٍ، متى ما ترفعونه إلى محمد صلى الله عليه وسلم أخشى عليكم القَوَد، فإن قبل منكم الدية فخذوه، وإلا فكونوا منه على حَذَرٍ!

11938 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " يحرفون الكلم من بعد مواضعه "، يقول: يحرّف هؤلاء الذين لم يأتوك الكلم عن مواضعه، لا يضعونه على ما أنـزله الله.

قال: وهؤلاء كلهم يهود، بعضهم من بعضٍ.

11939 - حدثنا هناد قال، حدثنا أبو معاوية وعبيدة بن حميد، عن الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن البراء بن عازب: " يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا "، يقولون: ائتوا محمدًا، فإن أفتاكم بالتحميم والجلد فخذوه، وإن أفتاكم بالرجم فاحذروا.

(71) * * * القول في تأويل قوله جل وعز : وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا قال أبو جعفر: وهذا تسلية من الله تعالى ذكره نبيَّه محمدًا صلى الله عليه وسلم من حزنه على مسارعة الذين قصَّ قصتهم من اليهود والمنافقين في هذه الآية.

يقول له تعالى ذكره: لا يحزنك تسرُّعهم إلى جحود نبوَّتك، فإني قد حَتَمْتُ عليهم أنهم &; 10-317 &; لا يتوبون من ضلالتهم، (72) ولا يرجعون عن كفرهم، للسابق من غضبي عليهم.

وغير نافعهم حزنك على ما ترى من تسرُّعهم إلى ما جعلته سببًا لهلاكهم واستحقاقِهم وعيدي.

* * * ومعنى " الفتنة " في هذا الموضع: الضلالة عن قصد السبيل.

(73) * * * يقول تعالى ذكره: ومن يرد الله، يا محمد، مَرْجعه بضلالته عن سبيل الهدى، (74) فلن تملك له من الله استنقاذًا مما أراد الله به من الحيرة والضلالة.

(75) فلا تشعر نفسك الحزنَ على ما فاتك من اهتدائه للحق، كما:- 11940 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدى: " ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئًا ".

.............................................

(76) * * * القول في تأويل قوله جل وعز : أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (41) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: لا يحزُنك الذين يسارعون في الكفر من اليهودِ الذين وصفت لك صفتهم.

وإن مسارعتهم إلى ذلك، أنّ الله قد أراد فتنتهم، وطَبَع على قلوبهم، ولا يهتدون أبدًا=" أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم "، يقول: هؤلاء الذين لم يرد الله أن يطهِّر من دنس &; 10-318 &; الكفر ووَسخ الشرك قُلوبَهم، بطهارة الإسلام ونظافة الإيمان، (77) فيتوبوا، بل أراد بهم الخزي في الدنيا= وذلك الذلّ والهوان (78) = وفي الآخرة عذابُ جهنم خالدين فيها أبدًا.

(79) * * * وبنحو الذي قلنا في معنى " الخزي"، روي القول عن عكرمة.

11941 - حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا سفيان، عن علي بن الأقمر وغيره، عن عكرمة، " أولئك الذين لم يرد الله أن يطهِّر قلوبهم لهم في الدنيا خزي"، قال: مدينة في الروم تُفْتح فَيُسْبَوْن.

(80) * * * --------------- الهوامش : (28) في المطبوعة: "فإن كان يقضي بالدية" ، غير ما في المخطوطة ، وهو ما أثبته.

ويعني بقوله: "بعث بالدية" (بالبناء للمجهول): أنه قد أوتي في رسالته وبعثته أن يحكم في مثل ذلك بالدية دون القصاص.

(29) "بيت المدراس"، هو البيت الذي كان اليهود يدرسون فيه كتبهم.

(30) في المطبوعة والمخطوطة: "فولوه الحكم" بالفاء ، وأثبت أجودهما من سيرة ابن هشام.

(31) في المطبوعة: "بعملكم من التحميم ، وهو الجلد" ، لم يحسن قراءة المخطوطة ، وهي غير منقوطة.

وصواب قراءتها ما أثبت ، وهي كما أثبتها في سيرة ابن هشام.

(32) في سيرة ابن هشام: "وإن هو حكم فيهما بالرجم ، فإنه نبي ، فاحذروه ...".

(33) في المطبوعة: "في بيت المدراس" ، كما في سيرة ابن هشام ، وأثبت ما في المخطوطة ، فإنه صواب المعنى أيضا.

(34) في ابن هشام: "وقد حدثني بعض بني قريظة".

(35) قال ابن هشام في سيرته: من قوله: "وحدثني بعض بني قريظة" ، إلى"أعلم من بقى بالتوراة" ، من قول ابن إسحق.

وما بعده ، من الحديث الذي قبله= فلذلك وضعت ذلك كله بين خطين.

(36) "ألظ به المسألة": ألح في سؤاله."لظ بالشيء" و"ألظ به" ، لزمه وثابر عليه.

(37) في المطبوعة والمخطوطة: "في بني عثمان بن غالب بن النجار" ، وهو خطأ صرف ، صوابه ما أثبته من سيرة ابن هشام وغيرها.

وليس للنجار ولد يقال له"غالب" ، ولا لمالك بن النجار ولد يقال له"عثمان".

(38) الأثر: 11921- سيرة ابن هشام 2: 213 ، 214 ، وهو فيها تال للأثر السالف هنا رقم: 11616.

وهذا الخبر رواه أحمد مختصرا.

ورواه أبو داود في سننه 4: 216-218 ، رقم: 4450 ، 4451 ، بغير هذا اللفظ والبيهقي في السنن 8: 246 ، 247.

انظر تفسير ابن كثير 3: 156 ، وسيأتي برقم: 11923 ، 11924.

(39) في المطبوعة: "مر على النبي ..." ، بزيادة"على" كما في الروايات الأخرى ، وأثبت ما كان في المخطوطة.

و"المحمم": المسود الوجه"حمم الرجل تحميما": سخم وجهه بالحمم ، وهو الفحم.

(40) في المطبوعة: "اللهم إني أنا أول ..." ، وأثبت ما في المخطوطة ، وبمثله في الناسخ والمنسوخ: 130.

(41) الأثر: 11922- رواه أبو جعفر من ثلاث طرق ، عن الأعمش.

وسيرويه بعد برقم: 12034 ، 12036 من طريق القاسم ، عن الحسين ، عن أبي معاوية ، ومن طريق هناد عن أبي معاوية.

و"عبيدة بن حميد بن صهيب التيمي" ، مضى برقم: 2781 ، 2998 ، 8783 ، وكان في المطبوعة: "عبيدة بن عبيد" ، والصواب من المخطوطة.

و"عبد الله بن مرة الهمداني الخارفي" ، مضى برقم: 8208.

وهذا الخبر رواه مسلم في صحيحه 11: 209 ، 210 ، وأحمد في مسنده 4: 286 ، والبيهقي في السنن 8: 246 ، وأبو جعفر النحاس في الناسخ والمنسوخ: 130 وأبو داود في سننه 4: 215 ، رقم: 4448 ، وقال ابن كثير في تفسيره ، بعد أن ساق خبر أحمد: "انفرد بإخراجه مسلم دون البخاري ، وأبو داود والنسائي وابن ماجه ، من غير وجه عن الأعمش ، به".

وانظر تتمه هذا الأثر فيما سيأتي رقم: 11939 ، ورقم: 12022.

(42) في المطبوعة: "قد أشاروا في صاحب لهم" ، وفي المخطوطة: "شاوروا" ، وهي ضعيفة هنا ، ورأيت أن أقرأها"تشاوروا".

(43) في المطبوعة: "فانطلقوا ، فنسأل" وفي المخطوطة: "فسل" غير منقوطة ، فرأيت أن أقرأها كما أثبتها.

(44) الأثران: 11923 ، 11924- خبر الزهري هذا ، رواه أبو جعفر فيما سلف من طريق ابن إسحق عن الزهري برقم: 11921.

وستأتي روايته أيضا بغير هذا اللفظ ، برقم: 12008.

ورواه أبو داود في سننه 4: 4450 ، من طريق معمر عن الزهري ، وبرقم: 4451 ، من طريق ابن إسحق ، عن الزهري.

ورواه أحمد في مسنده مختصرا ، برقم 7747 ، من طريق عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الزهري ، عن رجل من مزينة ، وسيروي أبو جعفر هذا الخبر من طريق عبد الرازق فيما يلي برقم: 12008 ، فقال أخي السيد أحمد في شرحه: "إسناده منقطع ، لإبهام الرجل من مزينة الذي روى عن الزهري".

ثم أشار في تخريجه إلى رواية الطبري رقم: 11921 ، ولم يشر إلى هذين الخبرين رقم: 11923 ، 11924 ، ولا إلى الخبر الآتي رقم: 12008 ، ثم ساق رواية عبد الرزاق عن مصر بنصها.

ثم قال: "وهذا الرجل من مزينة ، المجهول ، وصفه الزهري ، في رواية أبي داود ، من طريق يونس ابن يزيد الأيلي عن الزهري: أنه ممن يتبع العلم ويعيه" ، كما في إسنادنا هذا رقم: 11924 ، وفاته ما في الإسناد رقم 11923: أنه رجل من مزينة"كان أبوه شهد الحديبية".

ومع كل ذلك ، فالرجل لا يزال مجهولا لم يعرف.

فائدة: راجع ما سلف في أخبار الرجم من رقم: 11609- 11611.

(45) الأثر: 11926- حذف في المطبوعة من أول قوله: "سماعون لقوم آخرين" ، إلى آخر الخبر ، وهو ثابت في المخطوطة كأنه استنكر ذكره هنا ، مع أنه آت في تتمة الآية ، ولم يذكر فيها قول مجاهد هناك.

وهذا عبث لا معنى له.

(46) في المطبوعة: "وأولى الأقوال" ، حذف"هذه" ، وهي ثابتة في المخطوطة.

(47) في المطبوعة والمخطوطة: "عني بذلك" ، والسياق يقتضي ما أثبت.

(48) قوله: "بوجودنا صفتك" ، أي: بأننا نجد صفتك ...

(49) في الأثر رقم: 11921.

(50) انظر تفسير"حزن" فيما سلف 7: 234 ، 418= وتفسير"سارع" فيما سلف 7: 130 ، 207 ، 418 = وانظر تفسير"من أفواههم" فيما سلف 7: 145- 147= وتفسير"يقولون بأفواههم" 7: 378 ، 379.

(51) انظر تفسير"هاد" فيما سلف 2: 143 ، 507/9: 391.

(52) في المطبوعة: "ثم وصف جل ذكره صفتهم" ، غير ما في المخطوطة لغير طائل.

(53) يعني ما سيأتي في الآية: 42.

(54) في المطبوعة: "وتحريف كتابه" ، وفي المخطوطة: "أهل الإفك ، وكذب على الله ، وتحريف كتابه" ، ورأيت السياق يقتضي أن تكون"وتحريف لكتابه" ، فأثبتها.

(55) في المطبوعة: "في السماعون للكذب السماعون لقوم آخرين" ، غير ما في المخطوطة بلا معنى ، بل بفساد.

(56) الظاهر أن في هذه الترجمة خطأ من أبي جعفر ، وكأن صوابها: "فقال بعضهم: "سماعون لقوم آخرين ، يهود المدينة.

والقوم الآخرون الذين لم يأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يهود فدك".

والخبر نفسه بعد ، دال على صحة ما ذهبت إليه.

(57) في المطبوعة: "كان بنو إسرائيل ..." ، وأثبت ما في المخطوطة.

(58) في المطبوعة: "ويحممونه ويحملونه على حمار" ، زاد"ويحممونه" ، ولا معنى لزيادتها ، فإنه سيأتي بعد ما هو بمعناها ، وهو قوله: "ويسودون وجهه".

وأثبت ما في المخطوطة ، وإن كان فيها"ويحملوه على حمار".

(59) في المطبوعة: "إن السماعون..." ، وأثبت ما في المخطوطة.

(60) في المطبوعة: "لم ياتوك" ، وأثبت ما في المخطوطة.

(61) عند هذا الموضع ، انتهى جزء من التقسيم القديم للمخطوطة التي نقلت عنها نسختنا.

وفي مخطوطتنا هنا ما نصه: "يتلوهُ إن شاء الله تعالى: القولُ في تاويل قوله: (يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ من بَعْد مَوَاضِعِهِ يَقُولُون إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإنْ لَمْ تُأْتَوْهُ فَاحْذَرُوا).

وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا".

ثم يبدأ بعده: "بِسمْ الله الرَّحمن الرحيمِ رَبِّ يَسِّرْ" (62) انظر تفسير"تحريف الكلم عن مواضعه" فيما سلف 2: 248/8: 430- 432/10: 129 (63) انظر ما سلف 3: 336- 339.

(64) هذه الزيادة بين القوسين من سيرة ابن هشام.

(65) في المطبوعة: "للتحميم" ، وأثبت ما في المخطوطة ، وانظر شرح ذلك فيما سلف في الأثر: 11921 ص: 303 ، تعليق: 3.

(66) الأثر: 11931- سيرة ابن هشام 2: 214 ، وهو تتمة الأثر السالف رقم: 11921.

(67) الأثر: 11935- انظر الأثر السالف رقم: 11928.

(68) "نفس عليه الشيء" و"نفس به عليه" (بكسر الفاء فيهما) : ضن به وبخل ، يعني أنهم رقوا لها وضنوا بها على الرجم والموت.

(69) قوله: "فأمر بها رسول الله" ، إلى آخر الجملة ، ليس في المخطوطة.

وكأنه زاده من نص الدر المنثور 2: 282.

(70) في المطبوعة: "على هيئة فعلهم هذا" ، ولا معنى لها.

وفي المخطوطة: "على نصه فصلهم هذا" ، غير منقوطة ، وهذا صواب قراءتها.

يقال: "أتيته على تفئة ذلك" ، أي: على حينه وزمانه.

وانظر مثل ذلك في الأثر رقم: 7941 ، ج 7: 253 ، تعليق: 1.

وأما "فعلهم هذا" ، كما في المطبوعة ، و"فصلهم هذا" كما في المخطوطة ، فصواب قراءته"قتيلهم هذا" ، كما هو واضح من السياق.

(71) الأثر: 11939- هذا تتمة الأثر السالف رقم: 11922 ، فانظر التعليق عليه هناك.

(72) "حتم عليه": قضى عليه وأوجب الحكم.

(73) انظر تفسير" الفتنة" فيما سلف 9: 123 ، تعليق: 1 ، والمراجع هناك.

(74) هكذا في المخطوطة والمطبوعة: "مرجعه بضلالته" ، كأنه يعني: انصرافه بضلالته عن سبيل الهدى ، وأخشى أن يكون اللفظ محرفًا.

(75) انظر تفسير"ملك" فيما سلف ص: 147 ، 187 (76) سقط بقية هذا الأثر من المخطوطة والمطبوعة ، فوضعت النقط تنبيهًا على هذا الخرم.

(77) انظر تفسير"طهر" فيما سلف 3: 38-40 ، 393 ، وفهارس اللغة.

(78) انظر تفسير"الخزي" فيما سلف ص: 276 تعليق: 3 ، والمراجع هناك.

(79) انظر تفسير سائر ألفاظ الآية فيما سلف من فهارس اللغة.

(80) الأثر: 11941-"علي بن الأقمر بن عمرو بن الحارث الهمداني" ، أبو الوازع الكوفي.

روى له الأئمة.

ثقة حجة.

مترجم في التهذيب.

و"سفيان" هو الثوري.

وكان في المطبوعة: "علي بن الأرقم" ، وهو خطأ محض ، صوابه في المخطوطة.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ومن الذين هادوا سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين لم يأتوك يحرفون الكلم من بعد مواضعه يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيمفيه ثمان مسائل : الأولى : قوله تعالى : يا أيها الرسول لا يحزنك الآية في سبب نزولها ثلاثة أقوال : قيل نزلت في بني قريظة والنضير ; قتل قرظي نضيريا وكان بنو النضير إذا قتلوا من بني قريظة لم يقيدوهم ، وإنما يعطونهم الدية على ما يأتي بيانه ، فتحاكموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فحكم بالتسوية بين القرظي والنضيري ، فساءهم ذلك ولم يقبلوا .

وقيل ; إنها نزلت في شأن أبي لبابة حين [ ص: 125 ] أرسله النبي صلى الله عليه وسلم إلى بني قريظة فخانه حين أشار إليهم أنه الذبح ، وقيل : إنها نزلت في زنى اليهوديين وقصة الرجم ; وهذا أصح الأقوال ; رواه الأئمة مالك والبخاري ومسلم والترمذي وأبو داود .

قال أبو داود عن جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم : ائتوني بأعلم رجلين منكم فجاءوا بابني صوريا فنشدهما الله تعالى كيف تجدان أمر هذين في التوراة ؟

قالا : نجد في التوراة إذا شهد أربعة أنهم رأوا ذكره في فرجها كالمرود في المكحلة رجما .

قال : فما يمنعكما أن ترجموهما ، قالا : ذهب سلطاننا فكرهنا القتل .

فدعا النبي صلى الله عليه وسلم بالشهود ، فجاءوا فشهدوا أنهم رأوا ذكره في فرجها مثل الميل في المكحلة ، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم برجمهما ، وفي غير الصحيحين عن الشعبي عن جابر بن عبد الله قال : زنى رجل من أهل فدك ، فكتب أهل فدك إلى ناس من اليهود بالمدينة أن سلوا محمدا عن ذلك ، فإن أمركم بالجلد فخذوه ، وإن أمركم بالرجم فلا تأخذوه ; فسألوه فدعا بابن صوريا وكان عالمهم وكان أعور ; فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنشدك الله كيف تجدون حد الزاني في كتابكم ، فقال ابن صوريا : فأما إذ ناشدتني الله فإنا نجد في التوراة أن النظر زنية ، والاعتناق زنية ، والقبلة زنية ، فإن شهد أربعة بأنهم رأوا ذكره في فرجها مثل الميل في المكحلة فقد وجب الرجم .

فقال النبي صلى الله عليه وسلم : هو ذاك ، وفي صحيح مسلم عن البراء بن عازب قال : مر على النبي صلى الله عليه وسلم بيهودي محمما مجلودا ، فدعاهم فقال : هكذا تجدون حد الزاني في كتابكم قالوا : نعم .

فدعا رجلا من علمائهم فقال : أنشدك بالله الذي أنزل التوراة على موسى أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم قال : لا - ولولا أنك نشدتني بهذا لم أخبرك - نجده الرجم ، ولكنه كثر في أشرافنا فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه ، وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد ، قلنا : تعالوا فلنجتمع على شيء نقيمه على الشريف والوضيع ، فجعلنا التحميم والجلد مكان الرجم ; فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه فأمر به فرجم ; فأنزل الله تعالى : يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر إلى قوله : إن أوتيتم هذا فخذوه يقول : ائتوا محمدا ، فإن أمركم بالتحميم والجلد فخذوه وإن أفتاكم بالرجم فاحذروا ، فأنزل الله عز وجل : ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ، ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون ، ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون في الكفار كلها .

هكذا في هذه الرواية ( مر على النبي صلى الله عليه وسلم ) ، وفي حديث ابن عمر : أتي بيهودي ويهودية [ ص: 126 ] قد زنيا فانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جاء يهود ، قال : ما تجدون في التوراة على من زنى الحديث ، وفي رواية ; أن اليهود جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم برجل وامرأة قد زنيا ، وفي كتاب أبي داود من حديث ابن عمر قال : أتى نفر من اليهود ، فدعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى القف فأتاهم في بيت المدراس فقالوا : يا أبا القاسم ، إن رجلا منا زنى بامرأة فاحكم بيننا ، ولا تعارض في شيء من هذا كله ، وهي كلها قصة واحدة ، وقد ساقها أبو داود من حديث أبي هريرة سياقة حسنة فقال : زنى رجل من اليهود وامرأة ، فقال بعضهم لبعض : اذهبوا بنا إلى هذا النبي ، فإنه نبي بعث بالتخفيفات ، فإن أفتى بفتيا دون الرجم قبلناها واحتججنا بها عند الله ، وقلنا فتيا نبي من أنبيائك ; قال : فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم وهو جالس في المسجد في أصحابه ; فقالوا : يا أبا القاسم ، ما ترى في رجل وامرأة منهم زنيا ؟

فلم يكلمهم النبي صلى الله عليه وسلم حتى أتى بيت مدراسهم ، فقام على الباب ، فقال : أنشدكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى ما تجدون في التوراة على من زنى إذا أحصن ، فقالوا : يحمم وجهه ويجبه ويجلد ، والتجبية أن يحمل الزانيان على حمار وتقابل أقفيتهما ويطاف بهما ; قال : وسكت شاب منهم ، فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم سكت ألظ به النشدة ; فقال : اللهم إذ نشدتنا فإنا نجد في التوراة الرجم .

وساق الحديث إلى أن قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : فإني أحكم بما في التوراة فأمر بهما فرجما .الثانية : والحاصل من هذه الروايات أن اليهود حكمت النبي صلى الله عليه وسلم ، فحكم عليهم بمقتضى ما في التوراة .

واستند في ذلك إلى قول ابني صوريا ، وأنه سمع شهادة اليهود وعمل بها ، وأن الإسلام ليس شرطا في الإحصان .

فهذه مسائل أربع .

فإذا ترافع أهل الذمة إلى الإمام ; فإن كان ما رفعوه ظلما كالقتل والعدوان والغصب حكم بينهم ، ومنعهم منه بلا خلاف ، وأما إذا لم يكن كذلك فالإمام مخير في الحكم بينهم وتركه عند مالك والشافعي ، غير أن مالكا رأى الإعراض عنهم أولى ، فإن حكم حكم بينهم بحكم الإسلام .

وقال الشافعي : لا يحكم بينهم في الحدود ، وقال أبو حنيفة : يحكم بينهم على كل حال ، وهو قول الزهري وعمر بن عبد العزيز والحكم ، وروي عن ابن عباس وهو أحد قولي الشافعي ; لقوله تعالى : وأن احكم بينهم بما أنزل الله على ما يأتي بيانه بعد ، احتج مالك بقوله تعالى : فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وهي نص في التخيير .

قال ابن القاسم : إذا جاء [ ص: 127 ] الأساقفة والزانيان فالحاكم مخير ; لأن إنفاذ الحكم حق للأساقفة والمخالف يقول : لا يلتفت إلى الأساقفة .

قال ابن العربي : وهو الأصح ; لأن المسلمين لو حكما بينهما رجلا لنفذ ، ولم يعتبر رضا الحاكم .

فالكتابيون بذلك أولى ، وقال عيسى عن ابن القاسم : لم يكونوا أهل ذمة إنما كانوا أهل حرب .

قال ابن العربي : وهذا الذي قاله عيسى عنه إنما نزع به لما رواه الطبري وغيره : أن الزانيين كانا من أهل خيبر أو فدك ، وكانوا حربا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، واسم المرأة الزانية بسرة ، وكانوا بعثوا إلى يهود المدينة يقولون لهم اسألوا محمدا عن هذا ، فإن أفتاكم بغير الرجم فخذوه منه واقبلوه ، وإن أفتاكم به فاحذروه ; الحديث .

قال ابن العربي : وهذا لو كان صحيحا لكان مجيئهم بالزانيين وسؤالهم عهدا وأمانا ; وإن لم يكن عهد وذمة ودار لما كان له حكم الكف عنهم والعدل فيهم ; فلا حجة لرواية عيسى في هذا ; وعنهم أخبر الله تعالى بقوله : سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين لم يأتوك ولما حكموا النبي صلى الله عليه وسلم نفذ الحكم عليهم ولم يكن لهم الرجوع ; فكل من حكم رجلا في الدين وهي :الثالثة : فأصله هذه الآية .

قال مالك : إذا حكم رجل رجلا فحكمه ماض وإن رفع إلى قاض أمضاه ، إلا أن يكون جورا بينا ، وقال سحنون : يمضيه إن رآه صوابا .

قال ابن العربي : وذلك في الأموال والحقوق التي تختص بالطالب ، فأما الحدود فلا يحكم فيها إلا السلطان ; والضابط أن كل حق اختص به الخصمان جاز التحكيم فيه ونفذ تحكيم المحكم فيه ، وتحقيقه أن التحكيم بين الناس إنما هو حقهم لا حق الحاكم بيد أن الاسترسال على التحكيم خرم لقاعدة الولاية ، ومؤد إلى تهارج الناس كتهارج الحمر ، فلا بد من فاصل ; فأمر الشرع بنصب الوالي ليحسم قاعدة الهرج ; وأذن في التحكيم تخفيفا عنه وعنهم في مشقة الترافع لتتم المصلحتان وتحصل الفائدة ، وقال الشافعي وغيره : التحكيم جائز وإنما هو فتوى .

وقال بعض العلماء : إنما كان حكم النبي صلى الله عليه وسلم علىاليهود بالرجم إقامة لحكم كتابهم ، لما حرفوه وأخفوه وتركوا العمل به ; ألا ترى أنه قال : اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه وأن ذلك كان حين قدم المدينة ، ولذلك استثبت ابني صوريا عن حكم التوراة واستحلفهما على ذلك ، وأقوال الكفار في الحدود وفي شهادتهم عليها غير مقبولة بالإجماع ، لكن فعل ذلك على طريق إلزامهم ما التزموه وعملوا به ، وقد يحتمل أن يكون حصول طريق العلم بذلك الوحي ، أو ما ألقى الله في روعه من تصديق ابني صوريا فيما قالاه من ذلك لا قولهما مجردا ; فبين له النبي صلى الله عليه وسلم ، وأخبر بمشروعية الرجم ، ومبدؤه ذلك الوقت ، فيكون أفاد بما فعله إقامة حكم التوراة ، وبين أن ذلك حكم شريعته ، وأن التوراة حكم الله سبحانه ; لقوله تعالى : إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا [ ص: 128 ] وهو من الأنبياء ، وقد قال عنه أبو هريرة : ( فإني أحكم بما في التوراة ) والله أعلم .الرابعة : والجمهور على رد شهادة الذمي ; لأنه ليس من أهلها فلا تقبل على مسلم ولا على كافر ، وقد قبل شهادتهم جماعة من التابعين وغيرهم إذ لم يوجد مسلم على ما يأتي بيانه آخر السورة فإن قيل : فقد حكم بشهادتهم ورجم الزانيين : فالجواب ; أنه إنما نفذ عليهم ما علم أنه حكم التوراة وألزمهم العمل به ، على نحو ما عملت به بنو إسرائيل إلزاما للحجة عليهم ، وإظهارا لتحريفهم وتغييرهم ، فكان منفذا لا حاكما ، وهذا على التأويل الأول ، وعلى ما ذكر من الاحتمال فيكون ذلك خاصا بتلك الواقعة ، إذ لم يسمع في الصدر الأول من قبل شهادتهم في مثل ذلك ، والله أعلم .الخامسة : قوله تعالى : " لا يحزنك " قرأ نافع بضم الياء وكسر الزاي ، والباقون بفتح الياء وضم الزاي ، والحزن والحزن خلاف السرور ، وحزن الرجل بالكسر فهو حزن وحزين ، وأحزنه غيره وحزنه أيضا مثل أسلكه وسلكه ، ومحزون بني عليه .

قال اليزيدي : حزنه لغة قريش ، وأحزنه لغة تميم ، وقد قرئ بهما ، واحتزن وتحزن بمعنى ، والمعنى في الآية تأنيس للنبي صلى الله عليه وسلم : أي : لا يحزنك مسارعتهم إلى الكفر ، فإن الله قد وعدك النصر عليهم .السادسة : قوله تعالى : من الذين قالوا آمنا بأفواههم وهم المنافقون ولم تؤمن قلوبهم أي : لم يضمروا في قلوبهم الإيمان كما نطقت به ألسنتهم ومن الذين هادوا يعني يهود المدينة ويكون هذا تمام الكلام ، ثم ابتدأ فقال : سماعون للكذب أي : هم سماعون ، ومثله طوافون عليكم ، وقيل الابتداء من قوله : ومن الذين هادوا ومن الذين هادوا قوم سماعون للكذب ، أي : قابلون لكذب رؤسائهم من تحريف التوراة ، وقيل : أي : يسمعون كلامك يا محمد ليكذبوا عليك ، فكان فيهم من يحضر النبي صلى الله عليه وسلم ثم يكذب عليه عند عامتهم ، ويقبح صورته في أعينهم ; وهو معنى قوله : سماعون لقوم آخرين لم يأتوك وكان في المنافقين من يفعل هذا .

قال الفراء ويجوز سماعين وطوافين ، كما قال : ملعونين أينما ثقفوا وكما قال : إن المتقين في جنات ونعيم .

ثم قال : فاكهين آخذين ، وقال سفيان بن عيينة : إن الله سبحانه ذكر الجاسوس في القرآن بقوله : سماعون لقوم آخرين لم يأتوك [ ص: 129 ] ولم يعرض النبي صلى الله عليه وسلم لهم مع علمه بهم ; لأنه لم يكن حينئذ تقررت الأحكام ولا تمكن الإسلام ، وسيأتي حكم الجاسوس في " الممتحنة " إن شاء الله تعالى .السابعة : قوله تعالى : يحرفون الكلم من بعد مواضعه أي : يتأولونه على غير تأويله بعد أن فهموه عنك وعرفوا مواضعه التي أرادها الله عز وجل ; وبين أحكامه ; فقالوا : شرعه ترك الرجم ; وجعلهم بدل رجم المحصن جلد أربعين تغييرا لحكم الله عز وجل .

ويحرفون في موضع الصفة لقوله سماعون وليس بحال من الضمير الذي في يأتوك لأنهم إذا لم يأتوا لم يسمعوا ، والتحريف إنما هو ممن يشهد ويسمع فيحرف ، والمحرفون من اليهود بعضهم لا كلهم ، ولذلك كان حمل المعنى على من الذين هادوا فريق سماعون أشبه ( يقولون ) في موضع الحال من المضمر في ( يحرفون ) .

إن أوتيتم هذا فخذوه أي : إن أتاكم محمد صلى الله عليه وسلم بالجلد فاقبلوا وإلا فلا .الثامنة : قوله تعالى : ومن يرد الله فتنته أي : ضلالته في الدنيا وعقوبته في الآخرة .

فلن تملك له من الله شيئا أي : فلن تنفعه أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم بيان منه عز وجل أنه قضى عليهم بالكفر ، ودلت الآية على أن الضلال بمشيئة الله تعالى ردا على من قال خلاف ذلك على ما تقدم ; أي : لم يرد الله أن يطهر قلوبهم من الطبع عليها والختم كما طهر قلوب المؤمنين ثوابا لهم .

لهم في الدنيا خزي قيل : هو فضيحتهم حين أنكروا الرجم ، ثم أحضرت التوراة فوجد فيها الرجم وقيل : خزيهم في الدنيا أخذ الجزية والذل ، والله أعلم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

كان الرسول صلى الله عليه وسلم من شدة حرصه على الخلق يشتد حزنه لمن يظهر الإيمان، ثم يرجع إلى الكفر، فأرشده الله تعالى، إلى أنه لا يأسى ولا يحزن على أمثال هؤلاء.

فإن هؤلاء لا في العير ولا في النفير.

إن حضروا لم ينفعوا، وإن غابوا لم يفقدوا، ولهذا قال مبينا للسبب الموجب لعدم الحزن عليهم - فقال: { مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ } فإن الذين يؤسى ويحزن عليهم، من كان معدودا من المؤمنين، وهم المؤمنون ظاهرا وباطنا, وحاشا لله أن يرجع هؤلاء عن دينهم ويرتدوا، فإن الإيمان -إذا خالطت بشاشته القلوب- لم يعدل به صاحبه غيره، ولم يبغ به بدلا.

{ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا } أي: اليهود { سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ } أي: مستجيبون ومقلدون لرؤسائهم، المبني أمرهم على الكذب والضلال والغي.

وهؤلاء الرؤساء المتبعون { لَمْ يَأْتُوكَ } بل أعرضوا عنك، وفرحوا بما عندهم من الباطل وهو تحريف الكلم عن مواضعه، أي: جلب معان للألفاظ ما أرادها الله ولا قصدها، لإضلال الخلق ولدفع الحق، فهؤلاء المنقادون للدعاة إلى الضلال، المتبعين للمحال، الذين يأتون بكل كذب، لا عقول لهم ولا همم.

فلا تبال أيضا إذا لم يتبعوك، لأنهم في غاية النقص، والناقص لا يؤبه له ولا يبالى به.

{ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا } أي: هذا قولهم عند محاكمتهم إليك، لا قصد لهم إلا اتباع الهوى.

يقول بعضهم لبعض: إن حكم لكم محمد بهذا الحكم الذي يوافق أهواءكم، فاقبلوا حكمه، وإن لم يحكم لكم به، فاحذروا أن تتابعوه على ذلك، وهذا فتنة واتباع ما تهوى الأنفس.

{ وَمَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا } كقوله تعالى: { إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ } { أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ } أي: فلذلك صدر منهم ما صدر.

فدل ذلك على أن من كان مقصوده بالتحاكم إلى الحكم الشرعي اتباع هواه، وأنه إن حكم له رضي، وإن لم يحكم له سخط، فإن ذلك من عدم طهارة قلبه، كما أن من حاكم وتحاكم إلى الشرع ورضي به، وافق هواه أو خالفه، فإنه من طهارة القلب، ودل على أن طهارة القلب، سبب لكل خير، وهو أكبر داع إلى كل قول رشيد وعمل سديد.

{ لَهُم فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ } أي: فضيحة وعار { وَلَهُم فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ } هو: النار وسخط الجبار.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر ) أي : في موالاة الكفار فإنهم لم يعجزوا الله ، ( من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ) وهم المنافقون ، ( ومن الذين هادوا ) يعني : اليهود ، ( سماعون ) أي : قوم سماعون ، ( للكذب ) أي : قائلون للكذب ، كقول المصلي : سمع الله لمن حمده ، أي : قبل الله ، وقيل : سماعون لأجل الكذب ، أي يسمعون منك ليكذبوا عليك ، وذلك أنهم كانوا يسمعون من الرسول صلى الله عليه وسلم ثم يخرجون ويقولون سمعنا منه كذا ولم يسمعوا ذلك منه ، ( سماعون لقوم آخرين لم يأتوك ) أي هم جواسيس ، يعني : بني قريظة لقوم آخرين ، وهم أهل خيبر .

وذلك أن رجلا وامرأة من أشراف أهل خيبر زنيا وكانا محصنين ، وكان حدهما الرجم في التوراة ، فكرهت اليهود رجمهما لشرفهما ، فقالوا : إن هذا الرجل الذي بيثرب ليس في كتابه الرجم ولكنه الضرب ، فأرسلوا إلى إخوانكم من بني قريظة فإنهم جيرانه وصلح له فليسألوه عن ذلك .

فبعثوا رهطا منهم مستخفين وقالوا لهم : سلوا محمدا عن الزانيين إذا أحصنا ما حدهما؟

فإن أمركم بالجلد فاقبلوا منه ، وإن أمركم بالرجم فاحذروه ولا تقبلوا منه ، وأرسلوا معهم الزانيين فقدم الرهط حتى نزلوا على بني قريظة والنضير فقالوا لهم : إنكم جيران هذا الرجل ومعه في بلده وقد حدث فينا حدث فلان وفلانة قد فجرا وقد أحصنا ، فنحب أن تسألوا لنا محمدا عن قضائه فيه ، فقالت لهم قريظة والنضير : إذا والله يأمركم بما تكرهون .

ثم انطلق قوم ، منهم كعب بن الأشرف وكعب بن أسد وسعية بن عمرو ومالك بن الصيف وكنانة بن أبي الحقيق وغيرهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالوا : يا محمد أخبرنا عن الزاني والزانية إذا أحصنا ما حدهما في كتابك؟

فقال صلى الله عليه وسلم : هل ترضون بقضائي؟

قالوا : نعم ، فنزل جبريل عليه السلام بالرجم فأخبرهم بذلك فأبوا أن يأخذوا به .

فقال له جبريل عليه السلام : اجعل بينك وبينهم ابن صوريا ، ووصفه له .

فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : " هل تعرفون شابا أمرد أعور يسكن فدك يقال له ابن صوريا؟

قالوا : نعم ، قال : فأي رجل هو فيكم؟

فقالوا : هو أعلم يهودي بقي على وجه الأرض بما أنزل الله سبحانه وتعالى على موسى عليه السلام في التوراة .

قال : فأرسلوا إليه ، ففعلوا فأتاهم ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : " أنت ابن صوريا " ؟

قال : نعم ، قال : وأنت أعلم اليهود؟

قال : كذلك يزعمون ، قال : أتجعلونه بيني وبينكم؟

قالوا : نعم .

فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : " أنشدك بالله الذي لا إله إلا هو ، الذي أنزل التوراة على موسى عليه السلام وأخرجكم من مصر ، وفلق لكم البحر وأنجاكم وأغرق آل فرعون ، والذي ظلل عليكم الغمام وأنزل عليكم المن والسلوى ، وأنزل عليكم كتابه وفيه حلاله وحرامه هل تجدون في كتابكم الرجم على من أحصن؟

" .

قال ابن صوريا : نعم والذي ذكرتني به لولا خشية أن تحرقني التوراة إن كذبت أو غيرت ما اعترفت لك ، ولكن كيف هي في كتابك يا محمد؟

قال : " إذا شهد أربعة رهط عدول أنه قد أدخله فيها كما يدخل الميل في المكحلة وجب عليه الرجم " ، فقال ابن صوريا : والذي أنزل التوراة على موسى هكذا أنزل الله عز وجل في التوراة على موسى عليه السلام ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : " فما كان أول ما ترخصتم به أمر الله؟

" ، قال : كنا إذا أخذنا الشريف تركناه وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد ، فكثر الزنا في أشرافنا حتى زنا ابن عم ملك لنا فلم نرجمه ، ثم زنى رجل آخر من الناس فأراد ذلك الملك رجمه فقام دونه قومه ، فقالوا : والله لا ترجمه حتى يرجم فلان - لابن عم الملك - فقلنا : تعالوا نجتمع فلنضع شيئا دون الرجم يكون على الوضيع والشريف ، فوضعنا الجلد والتحميم ، وهو أن يجلد أربعين جلدة بحبل مطلي بالقار ثم يسود وجوههما ، ثم يحملان على حمارين ووجوههما من قبل دبر الحمار ويطاف بهما ، فجعلوا هذا مكان الرجم ، فقالت اليهود لابن صوريا ما أسرع ما أخبرته به ، وما كنا لما أثنينا عليك بأهل ولكنك كنت غائبا فكرهنا أن نغتابك ، فقال لهم : إنه قد أنشدني بالتوراة ولولا خشية التوراة أن تهلكني لما أخبرته ، فأمر بهما النبي صلى الله عليه وسلم فرجما عند باب مسجده ، وقال : اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه ، فأنزل الله عز وجل ( يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر ) .

أخبرنا أبو الحسن السرخسي أنا زاهر بن أحمد أنا أبو إسحاق الهاشمي أنا أبو مصعب عن مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهم قال : إن اليهود جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكروا له أن رجلا منهم وامرأة زنيا ، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما تجدون في التوراة في شأن الرجم؟

" فقالوا : نفضحهم ويجلدون ، قال عبد الله بن سلام : كذبتم إن فيها لآية الرجم ، فأتوا بالتوراة فنشروها فوضع أحدهم يده على آية الرجم فقرأ ما قبلها وما بعدها ، فقال له عبد الله : ارفع يدك ، فرفع يده فإذا فيها آية الرجم ، قالوا : صدق يا محمد فيها آية الرجم ، فأمر بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجما ، فقال عبد الله بن عمر : فرأيت الرجل يحني على المرأة يقيها الحجارة .

وقيل : سبب نزول هذه الآية القصاص ، وذلك أن بني النضير كان لهم فضل على بني قريظة فقال بنو قريظة : يا محمد إخواننا بنو النضير وأبونا واحد وديننا واحد ونبينا واحد ، إذا قتلوا منا قتيلا واحدا لم يقيدونا وأعطونا ديته سبعين وسقا من تمر ، وإذا قتلنا منهم قتلوا القاتل وأخذوا منا الضعف مائة وأربعين وسقا من تمر ، وإن كان القتيل امرأة قتلوا بها الرجل منا وبالرجل منهم الرجلين منا ، وبالعبد الحر منا ، وجراحتنا على التضعيف من جراحاتهم ، فاقض بيننا وبينهم ، فأنزل الله تعالى هذه الآية .

والأول أصح لأن الآية في الرجم .

قوله : ( ومن الذين هادوا سماعون للكذب ) قيل : اللام بمعنى إلى ، وقيل : هي لام كي ، أي : يسمعون لكي يكذبوا عليك ، واللام في قوله : ( لقوم ) أي : لأجل قوم ( آخرين لم يأتوك ) وهم أهل خيبر ، ( يحرفون الكلم ) [ جمع كلمة ] ( من بعد مواضعه ) أي : من بعد وضعه مواضعه ، ذكر الكناية ردا على لفظ الكلم ، ( يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه ) أي : [ إن ] أفتاكم محمد صلى الله عليه وسلم بالجلد والتحميم فاقبلوا ، ( وإن لم تؤتوه فاحذروا ومن يرد الله فتنته ) كفره وضلالته ، قال الضحاك : هلاكه ، وقال قتادة : عذابه ، ( فلن تملك له من الله شيئا ) فلن تقدر على دفع أمر الله فيه ، ( أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم ) وفيه رد على من ينكر القدر ، ( لهم في الدنيا خزي ) أي : للمنافقين واليهود ، فخزي المنافقين الفضيحة وهتك الستر بإظهار نفاقهم ، وخزي اليهود الجزية والقتل والسبي والنفي ، ورؤيتهم من محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه فيهم ما يكرهون ، ( ولهم في الآخرة عذاب عظيم ) الخلود في النار .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«يا أيها الرسول لا يَحزنك» صنع «الذين يسارعون في الكفر» يقعون فيه بسرعة أي يظهرونه إذا وجدوا فرصة «من» للبيان «الذين قالوا آمنا بأفوههم» بألسنتهم متعلق بقالوا «ولم تؤمن قلوبهم» وهم المنافقون «ومن الذين هادوا» قوم «سماعون للكذب» الذي افترته أحبارهم سماع قبول «سماعون» منك «لقوم» لأجل قوم «آخرين» من اليهود «لم يأتوك» وهم أهل خيبر زنى فيهم محصنان فكرهوا رجمهما فبعثوا قريظة ليسألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن حكمهما «يحرفون الكلم» الذي في التوراة كآية الرجم «من بعد مواضعه» التي وضعه الله عليها أي يبدِّلونه «يقولون» لمن أرسلوهم «إن أُوتيتم هذا» الحكم المحرف أي الجلد الذي أفتاكم به محمد «فخذوه» فاقبلوه «وإن لم تؤتوه» بل أفتاكم بخلافه «فاحذروا» أن تقبلوه «ومن يرد الله فتنته» إضلاله «فلن تملك له من الله شيئا» في دفعها «أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم» من الكفر ولو أراده لكان «لهم في الدنيا خزي» ذل بالفضيحة والجزية «ولهم في الآخرة عذاب عظيم».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في جحود نبوتك من المنافقين الذين أظهروا الإسلام وقلوبهم خالية منه، فإني ناصرك عليهم.

ولا يحزنك تسرُّع اليهود إلى إنكار نبوتك، فإنهم قوم يستمعون للكذب، ويقبلون ما يَفْتَريه أحبارُهم، ويستجيبون لقوم آخرين لا يحضرون مجلسك، وهؤلاء الآخرون يُبَدِّلون كلام الله من بعد ما عَقَلوه، ويقولون: إن جاءكم من محمد ما يوافق الذي بدَّلناه وحرَّفناه من أحكام التوراة فاعملوا به، وإن جاءكم منه ما يخالفه فاحذروا قبوله، والعمل به.

ومن يشأ الله ضلالته فلن تستطيع -أيها الرسول- دَفْعَ ذلك عنه، ولا تقدر على هدايته.

وإنَّ هؤلاء المنافقين واليهود لم يُرِدِ الله أن يطهِّر قلوبهم من دنس الكفر، لهم الذلُّ والفضيحة في الدنيا، ولهم في الآخرة عذاب عظيم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وبعد أن بين - سبحانه - ما بين من تكاليف قويمة ، وشرائع حكيمة ، تهدي من اتبعها إلى السعادة في الدنيا والآخرة .

أتبع ذلك بالحديث عن بعض الوسائل الخبيثة التي ابتعها اليهود وأشباهم لكيد الدعوة الإِسلامية ، فذكر تلاعبهم بأحكامه - تعالى - ، ومحاولتهم فتنة الرسول صلى الله عليه وسلم عند تقاضيهم أمامه ، وحذر - سبحانه - رسوله من مكرهم وساق له ما يسليه ويشرح صدره ، فقال - تعالى - :( ياأيها الرسول .

.

.

)وردت أحاديث متعددة في سبب نزول هذه الآيات الكريمة ، ومن ذلك : ما أخرجه البخاري عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أن اليهود جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرواله أن رجلا منهم وامرأة قد زنيا .

فقال النبي صلى الله عليه وسلم ما تجدون في التوراة في شأن الرجم؟

فقالوا : نفضحهم ويجلدون .

فقال عبد الله بن سلام : كذبتم .

إن فيها الرجم فأتوا بالتوراة فنشروها .فوضع أحدهم يده على آية الرجم فقرأ ما قبلها وما بعدها .

فقال له عبدالله بن سلام : ارفع يدك .

فرفع يده فإذا آية الرجم ، فقالوا : صدق يا محمد؛ فيها آية الرجم .

فأمر بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجما .فقال عبد الله بن عمر : فرأيت الرجل يميل نحو المرأة يقيها الحجارة .وروى مسلم في صحيحه عن البراء بن عازب قال : مر على رسول الله صلى الله عليه وسلم بيهودي محمم مجلود - أي قد وضع الفحم الأسود على وجهه للتنكيل به - .فدعاهم فقال .

هكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟

فقالوا : نعم فدعا رجلا من علمائهم فقال : انشدك بالذي أنزل التوراة على موسى أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟

فقال : لا والله ولولا أنك نشدتني بهذا لم أخبرك ، تجد حد الزاني في كتابنا الرجم ، ولكنه كثر في أشرافنا ، فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه .

وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد .

فقلنا : تعالوا حتى نجعل شيئاً نقيمه على الشريف والوضيع .

فاجتمعنا على التحميم والجلد - مكان الرجم .فقال النبي صلى الله عليه وسلم اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه قال : فأمر به فرجم .

قال : فأنزل الله - تعالى : ( ياأيها الرسول لاَ يَحْزُنكَ ) .وأخرج الإِمام أحمد عن ابن عباس قال : إن الله أنزل : ( وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ الله فأولئك هُمُ الكافرون ) ( فأولئك هُمُ الظالمون ) ( فأولئك هُمُ الفاسقون ) قال ابن عباس : أنزلها الله في الطائفتين من اليهود .

وكانت إحداهما قد قهرت الأخرى في الجاهلية ، حتى ارتضوا واصطلحوا على أن كل قتيل قتلته العزيزة من الذليلة فديته خمسون وسقا .

وكل قتيل قتلته الذليلة من العزيزة فديته مائة وسق .

فكانوا على ذلك حتى قدم النبي صلى الله عليه وسلم فقتلت الذليلة من العزيزة قتيلا ، فأرسلت العزيزة إلى الذليلة أن ابعثوا لنا بمائة وسق فقالت الذليلة : وهل كان في حيين دينهما واحد ونسبهما واحد ، وبلدهما واحد ، دية بعضهم نصف دية بعض؟

إنما أعطيناكم هاذ خوفا منكم ، فأما إذ قدم محمد صلى الله عليه وسلم فلا نعطيكم ، فكادت الحرب تهيج بينهما .

ثم ارتضوا على أن يجعلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم حكما بينهم .ثم ذكرت العزيزة فقالت : والله ما محمد بمعطيكم منهم ضعف ما يعطيهم منكم .

ولقد صدقوا .

ما أعطونا هذا إلا خوفا منا .

فدسوا إلى محمد من يخبر لكم رأيه .

إن أعطاكم ما تريدون حكمتموه ، وإن لم يعطكم لا تحكموه .

فدسوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ناسا من المنافقين ليخبروا لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما جاءوه أخبر الله رسوله بأمرهم كله وما أرادوا .

فأنزل الله - تعالى - : ( ياأيها الرسول لاَ يَحْزُنكَ ) إلى قوله : ( وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ الله فأولئك هُمُ الفاسقون ) قال ابن كثير - بعد أن ساق هذه الأحاديث وغيرها - فهذه الأحاديث دالة على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حكم بما يوافق حكم التوراة .

وليس هذا من باب الإِكرام لهم بما يعتقدون صحته ، لأنهم مأمورون باتباع الشرع المحمدي لا محالة ، ولكن هذا بوحي خاص من الله - تعالى - إليه بذلك وسؤالهم إياه عن ذلك ليقررهم على ما بأيديهم مما تنواطأوا على كتمانه وجحوده وعدم العمل به تلك الدهور الطويلة .

فلما اعترفوا به مع علمهم على خلافه ، ظهر زيفهم وعنادهم وتكذيبهم لما يعتقدون صحته من الكتاب الذي بأيديهم ، وعدولهم إلى تحكيم الرسول صلى الله عليه وسلم إنما كان عن هوى منهم وشهوه لموافقة آرائهم لا لاعتقادهم صحة ما يحكم به ، ولهذا قالوا : ( إِنْ أُوتِيتُمْ هذا فَخُذُوهُ ) أي : إن حكم بالجلد والتحميم فاقبلوا حكمه ، ( وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فاحذروا ) أي : وإن لم يحكم بذلك فاحذروا من قبوله واتباعه .وبمطالعتنا لهذه الأحاديث التي وردت في سبب نزول الآيات ، نراها جميعها قد وردت بأسانيدها صحيحة وفي كتب السنة المعتمدة ، وأن بعها قد حكى أن الآيات نزلت في شأن القضية التي تحاكم فيها اليهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم وبعضها قد حكى أنها نزلت في قضية دماء .

ولا تعارض بين هذه الأحاديث ، فقد يكون هذان السببان قد حصلا في وقت واحد ، أو متقارب ، فنزلت هذه الآيات فيهما معا .

وقد قرر العلماء أنه لا مانع من تعدد أسباب النزول للآية الواحدة أو للطائفة من الآيات .هذا ، وقد افتتحت هذه الآيات الكريمة بنداء من الله - تعالى - لرسوله صلى الله عليه وسلم فقال - سبحانه - : ( ياأيها الرسول لاَ يَحْزُنكَ الذين يُسَارِعُونَ فِي الكفر مِنَ الذين قالوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الذين هَادُواْ ) .قال القرطبي : قوله - تعالى - ( لاَ يَحْزُنكَ ) قرأ نفاع بضم الياء وكسر الزاي وقرأ الباقون بفتح الياء وضم الزاي .

والحزن خلاف السرور .

ويقال : حزن الرجل - بالكسر - فهو حزن وحزين .والمعنى : يأيها الرسول الكريم إن ربك يقول لك : لا تهتم ولا تبال بهؤلاء المنافقين ، وبأولئك اليهود الذين يقعون في الكفر بسرعة ورغبة ، ويوقولن بأفواهم آمنا بك وصدقناك مع أن قلوبهم خالية من الإِيمان ، ومليئة بالنفاق والفسوق والعصيان ..

لا تهتم - أيها الرسول الكريم - بهؤلاء جميعا ، فإني ناصرك عليهم ، وكافيك شرهم .وفي ندائه صلى الله عليه وسلم بعنوان الرسالة ( ياأيها الرسول ) تشريف له وتكريم وإشعار بأن وظيفته كرسول أن يبلغ رسالة الله دون أن يصرفه عن ذلك عناد المعاندين ، أو كفر الكافرين ، فإن تكاليف الرسالة تحتم عليه الصبر على أذى أعدائه حتى يحكم الله بينه وبينهم .والنهي عن الحزن - وهو أمر نفسي لا اختيار للإِنسان فيه - المراد به هنا : النهي عن لوازمه ، كالإِكثار من محاولة تجديد شأن المصائب .

وتعظيم أمرها ، وبذلك تتجدد الآلام ، وتعز السلوى .وفي هذه الجملة الكريمة تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم وتأنيس لقلبه ، وإرشاد له إلى ما سيقع له من أعدائه من شرور حتى لا يتأثر بها عند وقوعها .وفي التعبير بقوله : ( يُسَارِعُونَ فِي الكفر ) ذم لهم على انحدارهم في دركات الكفر بسرعة من غير مواناة ولا تدبر ولا تفكر .

فهم يتنقلون بحركات سريعة في ثنايا الكفر ومداخلة دون أن يزعهم وازع من خلق أو دين .قال صاحب الكشاف : يقال : اسرع فيه الشيب ، وأسرع في الفساد بمعنى : وقع فيه سريعا .

فكذلك مسارعتهم في الكفر عبارة عن إلقائهم أنفسهم فيه على أسرع الوجوه ، بحيث إذا وجدوا فرصة لم يخطئوها .وقال أبو السعود : والمسارعة في الشيء : الوقوع فيه بسرعة ورغبة .

وإيثار كلمة ( في ) على كلمة إلى ، للإِيمان إلى أنهم مستقرون في الكفر لا يبرحونه .وإنما ينتقلون بالمسارعة عن بعض فنونه وأحكامه إلى بعض آخر منها ، كإظهار موالاة المشركين ، وإبراز آثار الكيد للإِسلام ونحو ذلك .وقوله : ( مِنَ الذين قالوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ ) بيان لأولئك المسارعين في الكفر .والمتنقلين في دركاته من دركة إلى دركة .وقوله ( بأفواههم ) متعلق بقوله : ( قالوا ) وقوله : ( وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ ) جملة حالية من ضمير ، قالوا .وقوله : ( وَمِنَ الذين هَادُواْ ) معطوف على قوله : ( مِنَ الذين قالوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِم ) وعليه فيكون الذين هادوا داخلين في الذين يسارعون في الكفر .أي أن المسارعين في الكفر فريقان : فريق المنافقين الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ، وفريق اليهود الذين تميزوا بهذا الإِسم واشتركوا مع المنافقين في نفاقهم والمعنى : لا تهتم يا محمد بأولئك الذين يسارعون في الكفر من المنافقين واليهود الذين من صفاتهم أنهم يظهرون الإِيمان على أطراف ألسنتهم والحال أن قلوبهم خالية منه .وعلى هذا المعنى يكون الكلام قد تم عند قوله - تعالى - ( وَمِنَ الذين هَادُواْ ) ويكون ما بعده وهو قوله : ( سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ ) .

إلخ .

من أوصاف الفريقين معا ، لأنهم مشتركون في المسارعة في الكفر .ومنهم من يرى أن قوله تعالى : ( وَمِنَ الذين هَادُواْ ) جملة مستأنفة لبيان أحوال فريق آخر من الناس وهم اليهود ، وأن قوله - تعالى - بعد ذلك ( سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ ) إلخ .من أوصاف هؤلاء اليهود ، وأن الكلام قد تم عند قوله - تعالى - ( وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ ) وأن البيان بقوله : ( مِنَ الذين قالوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ ) لفريق المنافقين .قال الفخر الرازي : قوله ( وَمِنَ الذين هَادُواْ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ ) ذكر الفراء والزجاج ها هنا وجهين :الأول : أن الكلام إنما يتم عند قوله : ( وَمِنَ الذين هَادُواْ ) ثم يبدأ الكلام من قوله ( سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ ) وتقدير الكلام لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من المنافقين ومن اليهود ثم بعد ذلك وصف الكل بكونهم سماعين للكذب .الثاني : أن الكلام تم عند قوله - تعالى - : ( وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ ) ثم ابتدأ من قوله : ( وَمِنَ الذين هَادُواْ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ ) وعلى هذا التقدير فقوله ( سماعون ) صفة لمحذوف .والتقدير : ومن الذين هادوا قوم سماعون .قال الجمل : الأولى والأحسن أن يكون قوله : و ( وَمِنَ الذين هَادُواْ ) معطوفا على البيان وهو قوله : ( مِنَ الذين قالوا آمَنَّا ) فيكون البيان بشيئين المنافقين واليهود .

أما على القول الثاني فيكون البيان بشيء واحد وهو المنافقون .وقوله : ( سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ ) صفتان أخريان لأولئك الذين يقعون في الكفر بسرعة ورغبة .وقوله : ( سماعون ) جمع سماع .

وهو صيغة مبالغة جيء بها لا فادة أنهم كثيروا السماع للكذب ، وأنهم لفساد نفوسهم يجدون لذة في الاستماع إليه من رؤسائهم وأحبارهم ، ومن هم على شاكلتهم في العناد والضلال .واللام في قوله : ( للكذب ) للتقوية أي : أنهم يسمعون الكذب كثيراً سماع قبول وتلذذ ، ويأخذونه ممن يقوله من أعداء الإِسلام على أنه حقائق ثابتة لا مجال للريب فيها .وقيل إن اللام للتعليل أي أنهم كثيرو السماع لكلام الرسول صلى الله عليه وسلم ولأخباره من أجل الكذب عليه ، عن طريق تغيير وتبديل ما سمعوه على حسب ما تهواه نفوسهم المريضة .وقوله : ( سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ ) بيان لمسلك آخر من مسالكهم الخبيثة بعد بيان احتفالهم بالأخبار الكاذبة ، وتقبلها بفرح وسرور .أي : أن هؤلاء المسارعين في الكفر من المنافقين واليهود من صفاتهم أنهم كثيروا السماع للأكاذيب التي يروجها أعداء الدعوة الإِسلامية ضدها كثيرو السماع والقبول والاستجابة لما يقوله عنها قوم آخرون من أعدائها لم يحضروا مجالس الرسول صلى الله عليه وسلم تكبرا وعتوا ويجوز أن يكون المعنى : أنهم كثيروا السماع للكذب عن محبة ورغبة ، وأنهم كثيروا السماع لما يقوله الرسول صلى الله عليه وسلم لينقلوه إلى قوم آخرين - من أشباههم في الكفر والعناد - ولم يحضروا مجالس الرسول صلى الله عليه وسلم أنفة وبغضاً فأنت ترى أن القرآن قد وصفهم بفساد بواطنهم حيث استحبوا الكذب على الصدق .كما وصفهم بضعف نفوسهم حيث صاروا مطايا لغيرهم يطيعون أمرهم ويبلغون أخبار المسلمين ، فهم عيون على المسلمين ليبلغوا أخبارهم إلى زعماء الكفر والنفاق .وإلى هذين المعنيين أشار صاحب الكشاف بقوله : ومعنى ( سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ ) : قابلون لما بفتريه الأحبار ويفتعلونه من الكذب على الله وتحريف كتابه ، من قولك : الملك يسمع كلام فلان ، ومنه سمع الله لمن حمده .وقوله : ( سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ ) يعني اليهود الذين لم يصلوا إلى مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وتجافوا عنه لما أفرد فيهم من شدة البغضاء .

وتبالغ من العداوة ، أي : قابلون من الأحبار ومن أولئك المفرطين في العداوة الذين لا يقدرون أن ينظروا إليك وقيل : سماعون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لأجل أن يكذبوا عليه ، بأن يمسخوا ما سمعوا منه بالزيادة والنقصان والتبديل والتغيير سماعون من رسول الله لأجل قوم آخرين من اليهود وجهودهم عيونا ليبلغوهم ما سمعوا منه .وقوله : ( يُحَرِّفُونَ الكلم مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ ) صفة أخرى للقوم الآخرين الذين لم يأتوا إلى مجالس الرسول صلى الله عليه وسلم أنفة وبغضاً .

أو للمسارعين في الكفر من الفريقين .وقوله : ( يُحَرِّفُونَ ) من التحريف وأصله من الحرف وهو طرف الشيء .ومعناه إمالة الكلام عن معناه ، وإخراجه عن أطرافه وحدوده .والكلم : اسم جنس جمعي للفظ كلمة ومعناه الكلام .أي أن هؤلاء القوم الآخرين الذين لم يحضروا مجلسك نفورا منك ، أو هم والمسارعون في الكفر من المنافقين واليهود من صفاتهم ودأبهم تحريف جنس الكلم عن مواضعه .

فهو يحرفون كلامك يا محمد ، ويحرفون التوراة ، ويحرفون معاني القرآن حسب أهوائهم وشهواتهم ويحرفون الحق الذي جئت به تارة تحريفاً لفظياً ، وتارة تحريفاً معنوياً ، وتارة بغير ذلك من وجوه التحريف والتبديل .وقوله : ( مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ ) أي : يحرفون الكلم من بعد استقرار مواضعه وبيان حلالها وحرامها .وعبر هنا " من بعد مواضعه " وفي مواطن أخرى بقوله ( عَن مَّوَاضِعِهِ ) لأن المقام هنا للحديث عن الأحكام المستقرة الثابتة التي حاول أولئك المسارعون في الكفر تغييرها وإحلال أحكام أخرى محلها تبعاً لأهوائهم كما حدث في قضية الزنا وفي غيرها من القضايا التي تحاكموا فيها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان من المناسب هنا التعبير بقوله : ( مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ ) أي : من بعد استقرار مواضعه وثبوتها لا يقبل التحريف أو التغيير أو الإِهمال .وقوله : ( يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هذا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فاحذروا ) بيان لما نطقت به أفواه أولئك الذين لم يحضروا مجالس رسول الله من مكر وخداع وضلال .أي : أن أولئك القوم الآخرين الذين لم يحضروا مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم عنادا وتكبرا لم يكتفوا بتحريف الكلم عن مواضعه هم وأشياعهم .بل كانوا إلى جانب ذلك يقولون لمطاياهم السامعين منهم أو السامعين من أجلهم : يقولن لهم عندما أرسلوهم إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ليحكم بينهم ( إِنْ أُوتِيتُمْ هذا فَخُذُوهُ ) أي : إن أفتاكم محمد صلى الله عليه وسلم يمثل هذا الذي نفتيكم به - كالجلد والتحميم بدل الرجم - فاقبلوا حكمه وخذوه واعملوا به ( وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فاحذروا ) أي : وإن أفتاكم بغير ما أفتيناكم به فاحذروا قبول حكمه ، وإياكم أن تستجيبوا له ، أو تميلوا إلى ما قاله لكم .واسم الإِشارة هذا في قوله : ( يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هذا ) يعود إلى القول المحرف الذي تواضع أحبار اليهود على الإِفتاء به تبعاً لأهوائهم .

كما حدث منهم في قضية الزنا حيث غيروا حكم الرجم بحكم آخر هو الجلد والتحميم .وفي ترتيب الأمر بالحذر على مجرد عدم إيتاء المحرف ، إشارة إلى تخوفهم الشديد من ميل أتباعهم إلى حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم فهم يحذرونهم بشدة من الاستماع إلى ما يقوله لهم مما يخالف ما تواضعوا عليه من أباطيل .وقوله : ( إِنْ أُوتِيتُمْ ) مفعول لقوله : ( يقولون ) واسم الإِشارة ( هذا ) مفعول ثان " لأوتيتم " والأول نائب الفاعل وقوله : ( فخذوه ) جواب الشرط ثم بين - سبحانه - سوء عاقبتهم فقال : ( وَمَن يُرِدِ الله فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ الله شَيْئاً أولئك الذين لَمْ يُرِدِ الله أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدنيا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخرة عَذَابٌ عَظِيمٌ ) .أي : ومن يقض الله بكفره وضلاله ، فلن تملك له - أيها الرسول الكريم - شيئا من الهداية لتدفع بها ضلالة وكفره ، أولئك الموصوفون بما ذكر من الصفات الذميمة لم يرد الله - تعالى - أن يطهر قلوبهم من النفاق والضلال؛ لأنهم استحبوا العمى على الهدى ، ( لَهُمْ فِي الدنيا خِزْيٌ ) أي : فضيحة وهوان بسبب ظهور كذبهم ، وفساد نفوسهم ، وانتشار تعاليم الإسلام التي يحاربونها ويشيعون الأباطيل حولها وحول من جاء بها صلى الله عليه وسلم .( وَلَهُمْ فِي الآخرة عَذَابٌ عَظِيمٌ ) وهو خلودهم في النار بسبب اجتراحهم السيئات ، ومحاربتهم لمن جاءهم بالحق والهدى والسعادة .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

قوله تعالى: ﴿ يأَيُّهَا الرسول لاَ يَحْزُنكَ الذين يُسَارِعُونَ فِي الكفر مِنَ الذين قَالُواْ ءامَنَّا بأفواههم وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ ﴾ .

أنه تعالى لما بيّن بعض التكاليف والشرائع، وكان قد علم من بعض الناس كونهم متسارعين إلى الكفر لا جرم صبر رسوله على تحمل ذلك، وأمره بأن لا يحزن لأجل ذلك، فقال: ﴿ يأَيُّهَا الرسول لاَ يَحْزُنكَ الذين يُسَارِعُونَ فِي الكفر ﴾ وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى خاطب محمداً صلى الله عليه وسلم بقوله: يا أيها النبي في مواضع كثيرة، وما خاطبه بقوله: يا أيها الرسول إلا في موضعين: أحدهما: هاهنا، والثاني: قوله: ﴿ يا أيها الرسول بَلّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبّكَ  ﴾ وهذا الخطاب لا شك أنه خطاب تشريف وتعظيم.

المسألة الثانية: قرئ ﴿ لاَ يَحْزُنكَ ﴾ بضم الياء، ويسرعون، والمعنى لا تهتم ولا تبال بمسارعة المنافقين في الكفر وذلك بسبب احتيالهم في استخراج وجوه الكيد والمكر في حق المسلمين وفي مبالغتهم في موالاة المشركين فإني ناصرك عليهم وكافيك شرهم.

يقال: أسرع فيه الشيب وأسرع فيه الفساد بمعنى وقع فيه سريعاً، فكذلك مسارعتهم في الكفر عبارة عن إلقائهم أنفسهم فيه على أسرع الوجوه متى وجدوا فيه فرصة، وقوله: ﴿ مِنَ الذين قَالُواْ ءامَنَّا بأفواههم وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ ﴾ فيه تقديم وتأخير، والتقدير: من الذين قالوا بأفواههم آمنا ولم تؤمن قلوبهم ولا شك أن هؤلاء هم المنافقون.

ثم قال تعالى: ﴿ وَمِنَ الذين هِادُواْ سماعون لِلْكَذِبِ سماعون لِقَوْمٍ ءاخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: ذكر الفرّاء والزجاج هاهنا وجهين: الأول: أن الكلام إنما يتم عند قوله: ﴿ وَمِنَ الذين هِادُواْ ﴾ ثم يبتدأ الكلام منقوله: ﴿ سماعون لِلْكَذِبِ سماعون لِقَوْمٍ ءاخَرِينَ ﴾ وتقدير الكلام: لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من المنافقين ومن اليهود، ثم بعد ذلك وصف الكل بكونهم سماعين لقوم آخرين.

الوجه الثاني: أن الكلام تمّ عند قوله: ﴿ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ ﴾ ثم ابتدأ من قوله: ﴿ وَمِنَ الذين هِادُواْ سماعون لِلْكَذِبِ ﴾ وعلى هذا التقدير فقوله: ﴿ سماعون ﴾ صفة محذوف، والتقدير: ومن الذين هادوا قوم سماعون.

وقيل: خبر مبتدأ محذوف، يعني هم سماعون.

المسألة الثانية: ذكر الزجاج في قوله: ﴿ سماعون لِلْكَذِبِ ﴾ وجهين: الأول: أن معناه قابلون للكذب، والسمع يستعمل ويراد منه القبول، كما يقال: لا تسمع من فلان أي لا تقبل منه، ومنه سمع الله لمن حمده، وذلك الكذب الذي يقبلونه هو ما يقوله رؤساؤهم من الأكاذيب في دين الله تعالى في تحريف التوراة، وفي الطعن في محمد صلى الله عليه وسلم.

والوجه الثاني: أن المراد من قوله: ﴿ سماعون لِلْكَذِبِ ﴾ نفس السماع، واللام في قوله: ﴿ لِلْكَذِبِ ﴾ لام كي، أي يسمعون منك لكي يكذبوا عليك.

وأما قوله: ﴿ سماعون لِقَوْمٍ ءاخَرِينَ لم يأتوك ﴾ فالمعنى أنهم أعين وجواسيس لقوم آخرين لم يأتوك ولم يحضروا عندك لينقلوا إليهم أخبارك، فعلى هذا التقدير قوله: ﴿ سماعون لِلْكَذِبِ ﴾ أي سماعون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لأجل أن يكذبوا عليه بأن يمزجوا ما سمعوا منه بالزيادة والنقصان والتبديل والتغيير، سماعون من رسول الله لأجل قوم آخرين من اليهود، وهم عيون ليبلغوهم ما سمعوا منه.

ثم إنه تعالى وصف هؤلاء اليهود بصفة أخرى فقال: ﴿ يُحَرّفُونَ الكلم مِن بَعْدِ مواضعه ﴾ أي من بعد أن وضعه الله مواضعه، أي فرض فروضه وأحل حلاله وحرّم حرامه.

قال المفسرون: إن رجلاً وامرأة من أشراف أهل خيبر زنيا، وكان حد الزنا في التوراة الرجم، فكرهت اليهود رجمهما لشرفهما، فأرسلوا قوماً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليسألوه عن حكمه في الزانيين إذا أحصنا، وقالوا: إن أمركم بالجلد فاقبلوا، وإن أمركم بالرجم فاحذروا ولا تقبلوا، فلما سألوا الرسول صلى الله عليه وسلم عن ذلك نزل جبريل بالرجم فأبوا أن يأخذوا به، فقال له جبريل عليه السلام: «اجعل بينك وبينهم ابن صوريا فقال الرسول: هل تعرفون شاباً أمرد أبيض أعور يسكن فدك يقال له: ابن صوريا؟

قالوا نعم وهو أعلم يهودي على وجه الأرض، فرضوا به حكماً، فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: أنشدك الله الذي لا إله إلا هو الذي فلق البحر لموسى ورفع فوقكم الطور وأنجاكم وأغرق آل فرعون والذي أنزل عليكم كتابه وحلاله وحرامه هل تجدون فيه الرجم على من أحصن قال ابن صوريا: نعم، فوثبت عليه سفلة اليهود، فقال: خفت إن كذبته أن ينزل علينا العذاب، ثم سأل رسول الله عن أشياء كان يعرفها من علاماته، فقال ابن صوريا: أشهد أن إله إلا الله وأنك رسول الله النبي الأمي العربي الذي بشّر به المرسلون»، ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالزانيين فرجما عند باب مسجده.

إذا عرفت القصة فنقول: قوله: ﴿ يُحَرّفُونَ الكلم مِن بَعْدِ مواضعه ﴾ أي وضعوا الجلد مكان الرجم.

وقوله تعالى: ﴿ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هذا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فاحذروا ﴾ أي إن أمركم محمد بالجلد فاقبلوا، وإن أمركم بالرجم فلا تقبلوا.

واعلم أن مذهب الشافعي رحمه الله أن الثيب الذمي يرجم.

قال: لأنه صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أمر برجمه، فإن كان الأمر برجم الثيب الذمي من دين الرسول فقد ثبت المقصود، وإن كان إنما أمر بذلك بناء على ما ثبت في شريعة موسى عليه السلام وجب أن يكون ذلك مشروعاً في ديننا، ويدل عليه وجهان: الأول: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أفتى على وفق شريعة التوراة في هذه المسألة كان الإقتداء به في ذلك واجباً، لقوله: ﴿ فاتبعوه  ﴾ والثاني: أن ما كان ثابتاً في شرع موسى عليه السلام فالأصل بقاؤه إلى طريان الناسخ، ولم يوجد في شرعنا ما يدل على نسخ هذا الحكم، فوجب أن يكون باقياً، وبهذا الطريق أجمع العلماء على أن قوله تعالى: ﴿ وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النفس بالنفس  ﴾ حكمه باق في شرعنا.

ولما شرح الله تعالى فضائح هؤلاء اليهود قال: ﴿ وَمَن يُرِدِ الله فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ الله شَيْئاً ﴾ .

واعلم أن لفظ الفتنة محتمل لجميع أنواع المفاسد، إلا أنه لما كان هذا اللفظ مذكوراً عقيب أنواع كفرهم التي شرحها الله تعالى وجب أن يكون المراد من هذه الفتنة تلك الكفريات التي تقدم ذكرها، وعلى هذا التقدير فالمراد: ومن يرد الله كفره وضلالته فلن يقدر أحد على دفع ذلك عنه.

ثم أكد تعالى هذا فقال: ﴿ أُوْلَئِكَ الذين لَمْ يُرِدِ الله أَن يُطَهّرَ قُلُوبَهُمْ ﴾ .

قال أصحابنا: دلّت هذه الآية على أن الله تعالى غير مريد إسلام الكافر، وأنه لم يطهر قلبه من الشك والشرك، ولو فعل ذلك لآمن، وهذه الآية من أشد الآيات على القدرية.

أما المعتزلة فإنهم ذكروا في تفسير الفتنة وجوهاً: أحدها: أن الفتنة هي العذاب، قال تعالى: ﴿ عَلَى النار يُفْتَنُونَ  ﴾ أي يعذبون، فالمراد هاهنا: أنه يريد عذابه لكفره ونفاقه.

وثانيها: الفتنة الفضيحة، يعني ومن يرد الله فضيحته.

الثالث: فتنته: إضلاله، والمراد من الاضلال الحكم بضلاله وتسميته ضالاً.

ورابعها: الفتنة الاختبار، يعني من يرد الله اختباره فيما يبتليه من التكاليف، ثم إنه يتركها ولا يقوم بأدائها فلن تملك له من الله ثواباً ولا نفعاً.

وأما قوله: ﴿ أُوْلَئِكَ الذين لَمْ يُرِدِ الله أَن يُطَهّرَ قُلُوبَهُمْ ﴾ فذكروا فيه وجوهاً: أحدها: لم يرد الله أن يمد قلوبهم بالألطاف، لأنه تعالى علم أنه لا فائدة في تلك الألطاف لأنها لا تنجع في قلوبهم.

وثانيها: لم يرد الله أن يطهر قلوبهم عن الحرج والغم والوحشة الدالة على كفرهم.

وثالثها: أن هذا استعارة عن سقوط وقعه عند الله تعالى، وأنه غير ملتفت إليه بسبب قبح أفعاله وسوء أعماله، والكلام عن هذه الوجوه قد تقدم مراراً.

ثم قال تعالى: ﴿ لَهُمْ فِي الدنيا خِزْىٌ ﴾ وخزي المنافقين هتك سترهم باطلاع الرسول صلى الله عليه وسلم على كذبهم وخوفهم من القتل، وخزي اليهود فضيحتهم بظهور كذبهم في كتمان نص الله تعالى في إيجاب الرجم وأخذ الجزية منهم.

﴿ وَلَهُمْ فِي الاخرة عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ وهو الخلود في النار.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

قرئ ﴿ لا يحزنك ﴾ بضم الياء.

ويسرعون.

والمعنى: لا تهتم ولا تبال بمسارعة المنافقين ﴿ فِى الكفر ﴾ أي في إظهاره بما يلوح منهم من آثار الكيد للإسلام ومن موالاة المشركين، فإني ناصرك عليهم وكافيك شرّهم.

يقال: أسرع فيه الشيب.

وأسرع فيه الفساد، بمعنى: وقع فيه سريعاً، فكذلك مسارعتهم في الكفر ووقوعهم وتهافتهم فيه، أسرع شيء إذا وجدوا فرصة لم يخطئوها.

و ﴿ ءَامَنَّا ﴾ مفعول قالوا.

و ﴿ بأفواههم ﴾ متعلق بقالوا لا بآمَنَّا ﴿ وَمِنَ الذين هِادُواْ ﴾ منقطع مما قبله خبر لسماعون، أي: ومن اليهود قوم سماعون.

ويجوز أن يعطف على ﴿ من الذين قالوا ﴾ ويرتفع سماعون على: هم سماعون.

والضمير للفريقين.

أو للذين هادوا.

ومعنى ﴿ سماعون لِلْكَذِبِ ﴾ قابلون لما يفتريه الأحبار ويفتعلونه من الكذب على الله وتحريف كتابه من قولك الملك يسمع كلام فلان.

ومنه (سمع الله لمن حمده) ﴿ سماعون لِقَوْمٍ ءاخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ ﴾ يعني اليهود الذين لم يصلوا إلى مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وتجافوا عنه لما أفرط فيهم من شدّة البغضاء وتبالغ من العداوة، أي قابلون من الأحبار ومن أولئك المفرطين في العداوة الذين لا يقدرون أن ينظروا إليك.

وقيل: سماعون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لأجل أن يكذبوا عليه بأن يمسخوا ما سمعوا منه بالزيادة والنقصان والتبديل والتغيير، سماعون من رسول الله لأجل قوم آخرين من اليهود وجهوهم عيوناً ليبلغوهم ما سمعوا منه.

وقيل: السَّمَّاعون: بنو قريظة.

والقوم الآخرون: يهود خيبر ﴿ يُحَرّفُونَ الكلم ﴾ يميلونه ويزيلونه ﴿ عَن مواضعه ﴾ التي وضعه الله تعالى فيها، فيهملونه بغير مواضع بعد أن كان ذا مواضع ﴿ إِنْ أُوتِيتُمْ هذا ﴾ المحرف المزال عن مواضعه ﴿ فَخُذُوهُ ﴾ واعلموا أنه الحق واعملوا به ﴿ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ ﴾ وأفتاكم محمد بخلافه ﴿ فاحذروا ﴾ وإياكم وإياه فهو الباطل والضلال.

وروي: أن شريفاً من خيبر زنى بشريفة وهما محصنان وحّدهما الرجم في التوراة، فكرهوا رجمهما لشرفهما فبعثوا رهطاً منهم إلى بني قريظة ليسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، وقالوا: إن أمركم محمد بالجلد والتحميم فاقبلوا وإن يأمركم بالرجم فلا تقبلوا، وأرسلوا الزانيين معهم، فأمرهم بالرجم فأبوا أن يأخذوا به فقال له جبريل: اجعل بينك وبينهم ابن صوريا، فقال: «هل تعرفون شاباً أمرد أبيض أعور يسكن فدك يقال له: ابن صوريا» ؟

قالوا: نعم وهو أعلم يهودي على وجه الأرض ورضوا به حكماً.

فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنشدك الله الذي لا إله إلا هو الذي فلق البحر لموسى ورفع فوقكم الطور وأنجاكم وأغرق آل فرعون والذي أنزل عليكم كتابه وحلاله وحرامه، هل تجدون فيه الرجم على من أحصن؟» قال: نعم، فوثب عليه سفلة اليهود، فقال: خفت إن كذبته أن ينزل علينا العذاب.

ثم سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أشياء كان يعرفها من أعلامه فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله النبي الأمي العربي الذي بشر به المرسلون، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالزانيين فرجما عند باب مسجده ﴿ وَمَن يُرِدِ الله فِتْنَتَهُ ﴾ تركه مفتوناً وخذلانه ﴿ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ الله شَيْئاً ﴾ فلن تستطيع له من لطف الله وتوفيقه شيئاً ﴿ أُوْلَئِكَ الذين لَمْ يُرِدِ الله ﴾ أن يمنحهم من ألطافه ما يطهر به قلوبهم؛ لأنهم ليسوا من أهلها، لعلمه أنها لا تنفع فيهم ولا تنجع ﴿ إِنَّ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بآيات الله لاَ يَهْدِيهِمُ الله ﴾ [النحل: 104] ، ﴿ كَيْفَ يَهْدِى الله قَوْمًا كَفَرُواْ بَعْدَ إيمانهم ﴾ [آل عمران: 86] .

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ يا أيُّها الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ في الكُفْرِ ﴾ أيْ صَنِيعُ الَّذِينَ يَقَعُونَ في الكُفْرِ سَرِيعًا أيْ في إظْهارِهِ إذا وجَدُوا مِنهُ فُرْصَةً.

﴿ مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنّا بِأفْواهِهِمْ ولَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ ﴾ أيْ مِنَ المُنافِقِينَ والباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِقالُوا لا بِآمَنّا والواوُ تَحْتَمِلُ الحالَ والعَطْفَ.

﴿ وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا ﴾ عُطِفَ عَلى مِنَ الَّذِينَ قالُوا، ﴿ سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ ﴾ خَبَرٌ لِمَحْذُوفٍ أيْ هم سَمّاعُونَ، والضَّمِيرُ لِلْفَرِيقَيْنِ، أوْ لِلَّذِينِ يُسارِعُونَ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً ومِنَ الَّذِينَ خَبَرُهُ أيْ ومِنَ اليَهُودِ قَوْمٌ سَمّاعُونَ واللّامُ في لِلْكَذِبِ، إمّا مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ أوْ لِتَضْمِينِ السَّماعِ مَعْنى القَبُولِ أيْ قابِلُونَ لِما تَفْتَرِيهِ الأحْبارُ، أوْ لِلْعِلَّةِ والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ أيْ: سَمّاعُونَ كَلامَكَ لِيَكْذِبُوا عَلَيْكَ فِيهِ.

﴿ سَمّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ ﴾ أيْ لِجَمْعٍ آخَرِينَ مِنَ اليَهُودِ لَمْ يَحْضُرُوا مَجْلِسَكَ وتَجافَوْا عَنْكَ تَكَبُّرًا وإفْراطًا في البَغْضاءِ، والمَعْنى عَلى الوَجْهَيْنِ أيْ مُصْغُونَ لَهم قابِلُونَ كَلامَهُمْ، أوْ سَمّاعُونَ مِنكَ لِأجْلِهِمْ والإنْهاءُ إلَيْهِمْ، ويَجُوزُ أنْ تَتَعَلَّقَ اللّامُ بِالكَذِبِ لِأنَّ سَمّاعُونَ الثّانِي مُكَرَّرٌ لِلتَّأْكِيدِ أيْ: سَمّاعُونَ لِيَكْذِبُوا لِقَوْمٍ آخَرِينَ.

﴿ يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ مِن بَعْدِ مَواضِعِهِ ﴾ أيْ يُمِيلُونَهُ عَنْ مَواضِعِهِ الَّتِي وضَعَهُ اللَّهُ فِيها، إمّا لَفْظًا: بِإهْمالِهِ أوْ تَغْيِيرِ وضْعِهِ، وإمّا مَعْنًى: بِحَمْلِهِ عَلى غَيْرِ المُرادِ وإجْرائِهِ في غَيْرِ مَوْرِدِهِ، والجُمْلَةُ صِفَةٌ أُخْرى لِقَوْمٍ أوْ صِفَةٌ لِسَمّاعُونَ أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِيهِ أوِ اسْتِئْنافٌ لا مَوْضِعَ لَهُ، أوْ في مَوْضِعِ الرَّفْعِ خَبَرٌ لِمَحْذُوفٍ أيْ هم يُحَرِّفُونَ وكَذَلِكَ ﴿ يَقُولُونَ إنْ أُوتِيتُمْ هَذا فَخُذُوهُ ﴾ أيْ إنْ أُوتِيتُمْ هَذا المُحَرَّفَ فاقْبَلُوهُ واعْمَلُوا بِهِ.

﴿ وَإنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ ﴾ بَلْ أفْتاكم مُحَمَّدٌ بِخِلافِهِ ﴿ فاحْذَرُوا ﴾ أيِ احْذَرُوا قَبُولَ ما أفْتاكم بِهِ.

رُوِيَ « (أنَّ شَرِيفًا مِن خَيْبَرَ زَنى بِشَرِيفَةٍ وكانا مُحْصَنَيْنِ فَكَرِهُوا رَجْمَهُما، فَأرْسَلُوهُما مَعَ رَهْطٍ مِنهم إلى بَنِي قُرَيْظَةَ لِيَسْألُوا رَسُولَ اللَّهِ  عَنْهُ وقالُوا: إنْ أمَرَكم بِالجَلْدِ والتَّحْمِيمِ فاقْبَلُوا وإنْ أمَرَكم بِالرَّجْمِ فَلا، فَأمَرَهم بِالرَّجْمِ فَأبَوْا عَنْهُ، فَجُعِلَ ابْنُ صُورِيّا حَكَمًا بَيْنَهُ وبَيْنَهُمْ، وقالَ لَهُ: أنْشُدُكَ اللَّهَ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو الَّذِي فَلَقَ البَحْرَ لِمُوسى، ورَفَعَ فَوْقَكُمُ الطُّورَ، وأنْجاكم وأغْرَقَ آلَ فِرْعَوْنَ والَّذِي أنْزَلَ عَلَيْكم كِتابَهُ وحَلالَهُ وحَرامَهُ هَلْ تَجِدُونَ فِيهِ الرَّجْمَ عَلى مَن أحْصَنَ، قالَ: نَعَمْ.

فَوَثَبُوا عَلَيْهِ فَقالَ: خِفْتُ إنْ كَذَّبْتُهُ أنْ يَنْزِلَ عَلَيْنا العَذابُ، فَأمَرَ رَسُولُ اللَّهِ  بِالزّانِيَيْنِ فَرُجِما عِنْدَ بابِ المَسْجِدِ» .

﴿ وَمَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ ﴾ ضَلالَتَهُ أوْ فَضِيحَتَهُ ﴿ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ﴾ فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا في دَفْعِها.

﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ ﴾ مِنَ الكُفْرِ وهو كَما تَرى نَصٌّ عَلى فَسادِ قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ.

﴿ لَهم في الدُّنْيا خِزْيٌ ﴾ هو أنَّ بِالجِزْيَةِ والخَوْفِ مِنَ المُؤْمِنِينَ.

﴿ وَلَهم في الآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ ﴾ وهو الخُلُودُ في النّارِ، والضَّمِيرُ لِلَّذِينَ هادُوا إنِ اسْتَأْنَفَتْ بِقَوْلِهِ ومِنَ الَّذِينَ وإلّا فَلِلْفَرِيقَيْنِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{يا أيها الرسول لاَ يَحْزُنكَ الذين يُسَارِعُونَ فِى الكفر} أى لاتهتم ولا تبال بمسارعة المنافقين في الكفر أي في إظهاره بما يلوح منهم من آثار الكيد للإسلام ومن موالاة المشركين فإني ناصرك عليهم وكافيك شرهم يقال أسرع فيه الشيب أى وقع فيه سريعاً فكذلك مسارعتهم في الكفر وقوعهم فيه أسرع شى اذا وجدوا فرصة لم يخطئوها {مِنَ الذين قَالُواْ} تبيين لقوله الذين يسارعون فى الكفر {آمنا} مفعول قالوا {بأفواههم} متعلق بقالوا أي قالوا بأفواههم آمنا {وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ} في محل النصب على الحال {وَمِنَ الذين هَادُواْ} معطوف على من الذين قالوا أي من المنافقين واليهود ويرتفع {سماعون

لِلْكَذِبِ} على أنه خبر مبتدأ مضمر أي هم سماعون والضمير للفريقين أو سماعون مبتدأ وخبره من الذين هادوا وعلى هذا يوقف على قلوبهم وعلى الأول على هادوا ومعنى سماعون للكذب يسمعون منك ليكذبوا عليك بأن يمسخوا ما سمعوا منك بالزيادة والنقصان والتبديل والتغيير {سماعون لقوم آخرين لم يَأتُوك} أي سماعون منك لأجل قوم آخرين من اليهود وجّهوهم عيوناً ليبلغوهم ما سمعوا منك {يُحَرّفُونَ الكلم مِن بَعْدِ مواضعه} أى يزيلونه ويميلونه

المائدة (٤١ _ ٤٣)

عن مواضعه التي وضعه الله فيها فيهملونه بغير مواضع بعد أن كان ذا موضع يحرفون صفة لقوم كقوله لم يأتوك أو خبر لمبتدأ محذوف أي هم يحرفون والضمير مردود على لفظ الكلم {يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هذا} المحرف المزال عن مواضعه ويقولون مثل يحرفون وجاز أن يكون حالاً من الضمير في يحرفون {فَخُذُوهُ} واعلموا أنه الحق واعملوا به {وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ} وأفتاكم محمد بخلافه {فاحذروا} فإياكم وإياه فهو الباطل رُوي أن شريفاً زنى بشريفة بخيبر وهما محصنان وحدهما الرجم في التوراة فكرهوا رجمهما لشرفهما فبعثوا رهطا منهم ليسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك وقالوا إن أمركم بالجلد والتحميم فاقبلوا وإن أمركم بالرجم فلا تقبلوا فأمرهم بالرجم فأبوا أن يأخذوا به {وَمَن يُرِدِ الله فِتْنَتَهُ} ضلالته وهو حجة على من يقول يريد الله الإيمان ولا يريد الكفر {فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ الله شَيْئاً} قطع رجاء محمد صلى الله عليه وسلم عن إيمان هؤلاء {أُوْلَئِكَ الذين لَمْ يُرِدِ الله أَن يُطَهّرَ قُلُوبَهُمْ} عن الكفر لعلمه منهم اختيار الكفر وهو حجة لنا عليهم أيضاً {لَهُمْ فِى الدنيا

خِزْىٌ} للمنافقين فضيحة ولليهود جزية {وَلَهُمْ فِى الآخرة عَذَابٌ عَظِيمٌ} أي التخليد في النار

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ يا أيُّها الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ في الكُفْرِ ﴾ خُوطِبَ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِعُنْوانِ الرِّسالَةِ لِلتَّشْرِيفِ، والإشْعارِ بِما يُوجِبُ عَدَمَ الحُزْنِ، والمُرادُ بِالمُسارَعَةِ في الشَّيْءِ الوُقُوعُ فِيهِ بِسُرْعَةٍ ورَغْبَةٍ، وإيثارُ كَلِمَةِ ( في ) عَلى ( إلى ) لِلْإيذانِ بِأنَّهم مُسْتَقِرُّونَ في الكُفْرِ لا يَبْرَحُونَ، وإنَّما يَنْتَقِلُونَ بِالمُسارَعَةِ عَنْ بَعْضِ فُنُونِهِ وأحْكامِهِ إلى بَعْضٍ آخَرَ مِنها، كَإظْهارِ مُوالاةِ المُشْرِكِينَ، وإبْرازِ آثارِ الكَيْدِ لِلْإسْلامِ، ونَحْوِ ذَلِكَ.

والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِالمَوْصُولِ لِلْإشارَةِ بِما في حَيِّزِ صِلَتِهِ إلى مَدارِ الحُزْنِ، وهَذا وإنْ كانَ بِحَسَبِ الظّاهِرِ نَهْيًا لِلْكَفَرَةِ عَنْ أنْ يُحْزِنُوهُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِمُسارَعَتِهِمْ في الكُفْرِ، لَكِنَّهُ في الحَقِيقَةِ نَهْيٌ لَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - عَنِ التَّأثُّرِ مِن ذَلِكَ والمُبالاةِ، والغَرَضُ مِنهُ مُجَرَّدُ التَّسْلِيَةِ عَلى أبْلَغَ وجْهٍ وآكَدِهِ؛ فَإنَّ النَّهْيَ عَنْ أسْبابِ الشَّيْءِ ومَبادِيهِ المُؤَدِّيَةِ إلَيْهِ نَهْيٌ عَنْهُ بِالطَّرِيقِ البُرْهانِيِّ، وقَطْعٌ لَهُ مِن أصْلِهِ.

وقُرِئَ: ( يُحْزِنْكَ ) بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الزّايِ مِن ( أحْزَنَ ) وهي لُغَةٌ، وقُرِئَ: ( يُسْرِعُونَ ) يُقالُ: أسْرَعَ فِيهِ الشَّيْبُ أيْ: وقَعَ فِيهِ سَرِيعًا، أيْ لا تَحْزَنْ ولا تُبالِ بِتَهافُتِهِمْ في الكُفْرِ بِسُرْعَةٍ حَذَرًا - كَما قِيلَ - مِن شَرِّهِمْ ومُوالاتِهِمْ لِلْمُشْرِكِينَ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى ناصِرُكَ عَلَيْهِمْ، أوْ شَفَقَةً عَلَيْهِمْ، حَيْثُ لَمْ يُوَفَّقُوا لِلْهِدايَةِ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى يَهْدِي مَن يَشاءُ ويُضِلُّ مَن يَشاءُ ﴿ مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنّا بِأفْواهِهِمْ ﴾ بَيانٌ لِلْمُسارِعِينَ في الكُفْرِ، وقالَ أبُو البَقاءِ: إنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن فاعِلِ ( يُسارِعُونَ ) أوْ مِنَ المَوْصُولِ، أيْ: كائِنِينَ مِنَ الَّذِينَ إلَخْ، والباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ( قالُوا ) لا بِـ( آمَنّا ) لِظُهُورِ فَسادِهِ، وتَعَلُّقُها بِهِ عَلى مَعْنى: بِذِي أفَواهِهِمْ أيْ: يُؤْمِنُونَ بِما يَتَفَوَّهُونَ بِهِ، مِن غَيْرِ أنْ تَلْتَفَّ بِهِ قُلُوبُهم مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يَلْتَفِتَ إلَيْهِ مَن لَهُ أدْنى تَمْيِيزٍ.

﴿ ولَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ مِن ضَمِيرِ ( قالُوا ) وقِيلَ: عَطْفٌ عَلى ( قالُوا )، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ ومِنَ الَّذِينَ هادُوا ﴾ عَطْفٌ عَلى ( مِنَ الَّذِينَ قالُوا ) وبِهِ تَمَّ تَقْسِيمُ المُسارِعِينَ إلى قِسْمَيْنِ: مُنافِقِينَ ويَهُودَ، فَقَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى ﴿ سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ هم سَمّاعُونَ، والضَّمِيرُ لِلْفَرِيقَيْنِ، أوْ لِلَّذِينَ يُسارِعُونَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ لِلَّذِينَ هادُوا، واعْتُرِضَ بِأنَّهُ مُخِلٌّ بِعُمُومِ الوَعِيدِ الآتِي ومَبادِيهِ لِلْكُلِّ، كَما سَتَقِفُ عَلَيْهِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.

وكَذا جَعَلَ غَيْرُ واحِدٍ ( ومِنَ الَّذِينَ ) إلَخْ، خَبَرًا عَلى أنَّ ( سَمّاعُونَ ) صِفَةٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: ومِنهم قَوْمٌ سَمّاعُونَ لِأدائِهِ، إلى اخْتِصاصِ ما عُدِّدَ مِنَ القَبائِحِ وما يَتَرَتَّبُ عَلَيْها مِنَ الغَوائِلِ الدُّنْيَوِيَّةِ والأُخْرَوِيَّةِ بِهِمْ، عَلى أنَّهُ قَدْ قُرِئَ ( سَمّاعِينَ ) بِالنَّصْبِ عَلى الذَّمِّ، وهو ظاهِرٌ في أرْجَحِيَّةِ العَطْفِ، فالوَجْهُ ذَلِكَ، واللّامُ لِلتَّقْوِيَةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ ﴾ وقِيلَ: لِتَضْمِينِ السَّماعِ مَعْنى القَبُولِ، أيْ قابِلُونَ لِما يَفْتَرِيهِ الأحْبارُ مِنَ الكَذِبِ عَلى اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وتَحْرِيفِ كِتابِهِ، واعْتَرَضَهُ الشِّهابُ بِأنَّ هَذا يَقْتَضِي أنَّهُ إنَّما فُسِّرَ بِالقَبُولِ لِيُعَدِّيَهُ بِاللّامِ.

وقَدْ قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: لا تَسْمَعْ مِن فُلانٍ أيْ لا تَقْبَلْ، ومِنهُ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَن حَمِدَهُ، أيْ تَقَبَّلَ مِنهُ حَمْدَهُ، وكَلامُ الجَوْهَرِيِّ يُخالِفُهُ أيْضًا، ويَقْتَضِي أنَّهُ لَيْسَ مَبْنِيًّا عَلى التَّضْمِينِ، وقالَ عِصامُ المِلَّةِ: إنَّ القَبُولَ أيْضًا مُتَعَدٍّ بِنَفْسِهِ، فَفي القامُوسِ: قَبِلَهُ كَعَمِلَهُ وتَقَبَّلَهُ بِمَعْنى أخَذَهُ، نَعَمْ، يَتَعَدّى السَّماعُ - بِمَعْنى القَبُولِ - بِاللّامِ بِمَعْنى ( مِن ) كَما في سَمِعَ اللَّهُ لِمَن حَمِدَهُ، أيْ قَبِلَ اللَّهُ تَعالى مِمَّنْ حَمِدَهُ، لَكِنْ هَذِهِ اللّامُ تَدْخُلُ عَلى المَسْمُوعِ مِنهُ لا المَسْمُوعِ.

وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ اللّامُ لِلْعِلَّةِ، والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، أيْ سَمّاعُونَ كَلامَكَ لِيَكْذِبُوا عَلَيْكَ فِيهِ، بِأنْ يَمْسَخُوهُ بِالزِّيادَةِ والنُّقْصانِ والتَّبْدِيلِ والتَّغْيِيرِ، أوْ كَلامَ النّاسِ الدّائِرِ فِيما بَيْنَهم لِيَكْذِبُوا بِأنْ يَرْجُفُوا بِقَتْلِ المُؤْمِنِينَ وانْكِسارِ سَراياهُمْ، أوْ نَحْوُ ذَلِكَ مِمّا فِيهِ ضَرَرٌ بِهِمْ، وأيّا ما كانَ فالجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ جارِيَةٌ - عَلى ما قِيلَ - مَجْرى التَّعْلِيلِ لِلنَّهْيِ، أوْ مَسُوقَةٌ لِمُجَرَّدِ الذَّمِّ، كَما يَقْتَضِيهِ قِراءَةُ النَّصْبِ.

وقَوْلُهُ تَعالى شَأْنُهُ: ﴿ سَمّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ ﴾ خَبَرٌ ثانٍ لِلْمُبْتَدَأِ المُقَدَّرِ لِلْأوَّلِ، ومُبَيِّنُ لِما هو المُرادُ بِالكَذِبِ عَلى تَقْدِيرِ التَّقْوِيَةِ والتَّضْمِينِ، واللّامُ هُنا مِثْلُها في ( سَمِعَ اللَّهُ لِمَن حَمِدَهُ ) والمَعْنى: مُبالِغُونَ في قَبُولِ كَلامِ قَوْمٍ آخَرِينَ، واخْتارَهُ شَيْخُ الإسْلامِ.

وجُوِّزَ كَوْنُها لامَ التَّعْلِيلِ، أيْ سَمّاعُونَ كَلامَهُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - الصّادِرَ مِنهُ؛ لِيَكْذِبُوا عَلَيْهِ لِأجْلِ قَوْمٍ آخَرِينَ، والمُرادُ أنَّهم عُيُونٌ عَلَيْهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لِأُولَئِكَ القَوْمِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ، والزَّجّاجِ، واخْتارَهُ أبُو عَلِيٍّ الجُبّائِيُّ، ولَيْسَ في النَّظْمِ ما يَأْباهُ، ولا بُعْدَ فِيهِ.

نَعَمْ، ما قِيلَ مِن أنَّهُ يَجُوزُ أنْ تَتَعَلَّقَ اللّامُ بِالكَذِبِ عَلى أنَّ ( سَمّاعُونَ ) الثّانِيَ مُكَرَّرٌ لِلتَّأْكِيدِ بِمَعْنى: ( سَمّاعُونَ لِيَكْذِبُوا لِقَوْمٍ آخَرِينَ ) بَعِيدٌ، و( آخَرِينَ ) صِفَةٌ لِـ( قَوْمٍ ) وجُمْلَةُ ( لَمْ يَأْتُوكَ ) صِفَةٌ أُخْرى، والمَعْنى لَمْ يَحْضُرُوا عِنْدَكَ، وقِيلَ: هو كِنايَةٌ عَنْ أنَّهم لَمْ يَقْدِرُوا أنْ يَنْظُرُوا إلَيْكَ، وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى شِدَّةِ بُغْضِهِمْ لَهُ، وفَرْطِ عَدَواتِهِمْ، واحْتِمالُ كَوْنِها صِفَةَ ( سَمّاعُونَ ) أيْ ( سَمّاعُونَ ) لَمْ يَقْصِدُوكَ بِالإتْيانِ، بَلْ قَصَدُوا السَّماعَ لِلْإنْهاءِ إلى قَوْمٍ آخَرِينَ مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يُلْتَفَتَ إلَيْهِ.

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ مِن بَعْدِ مَواضِعِهِ ﴾ صِفَةٌ أُخْرى لِـ( قَوْمٍ ) وُصِفُوا أوَّلًا بِمُغايَرَتِهِمْ لِلسَّمّاعِينَ؛ تَنْبِيهًا عَلى اسْتِقْلالِهِمْ وأصالَتِهِمْ في الرَّأْيِ، ثُمَّ بِعَدَمِ حُضُورِهِمْ مَجْلِسَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - إيذانًا بِكَمالِ طُغْيانِهِمْ في الضَّلالِ، أوْ بِعَدَمِ قُدْرَتِهِمْ عَلى النَّظَرِ إلَيْهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - إيذانًا بِما تَقَدَّمَ، ثُمَّ بِاسْتِمْرارِهِمْ عَلى التَّحْرِيفِ؛ بَيانًا لِإفْراطِهِمْ في العُتُوِّ والمُكابَرَةِ والِاجْتِراءِ عَلى اللَّهِ تَعالى، وتَعْيِينًا لِلْكَذِبِ الَّذِي سَمِعَهُ السَّمّاعُونَ عَلى بَعْضِ الوُجُوهِ، كَما هو الظّاهِرُ.

وقِيلَ: الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ، ناعِيَةٌ عَلَيْهِمْ شَنائِعَهُمْ، وقِيلَ: خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ راجِعٍ إلى القَوْمِ، وقِيلَ: إلى الفَرِيقَيْنِ، والمَعْنى: يَمِيلُونَ ويُزِيلُونَ التَّوْراةَ أوْ كَلامَ الرَّسُولِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أوْ كِلَيْهِما، أوْ مُطْلَقَ الكَلِمِ - في قَوْلٍ - عَنِ المَواضِعِ الَّتِي وُضِعَ ذَلِكَ فِيها، إمّا لَفْظًا بِإهْمالِهِ أوْ تَغْيِيرِ وضْعِهِ، وإمّا مَعْنًى بِحَمْلِهِ عَلى غَيْرِ المُرادِ، وإجْرائِهِ في غَيْرِ مَوْرِدِهِ.

ومِن هُنا يُعْلَمُ تَوْجِيهُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مِن بَعْدِ مَواضِعِهِ ﴾ دُونَ ( عَنْ مَواضِعِهِ ).

وقالَ عِصامُ المِلَّةِ: إنَّ إدْراجَ لَفْظِ ( بَعْدِ ) لِلتَّنْبِيهِ عَلى تَنْزِيلِ الكَلِمِ مَنزِلَةً هي أدْنى مِمّا وُضِعَتْ فِيهِ؛ لِأنَّهُ إبْطالُ النّافِعِ بِالضّارِّ، لا بِالنّافِعِ أوِ الأنْفَعِ، فَكَأنَّ المُحَرِّفَ واقِفٌ في مَوْضِعٍ هو أدْنى مِن مَوْضِعِ الكَلِمَةِ يُحَرِّفُها إلى مَوْضِعِهِ، ولا يَخْفى بُعْدُهُ.

وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ ( مِن ) لِلِابْتِداءِ، ولَفْظَ ( بَعْدِ ) لِلْإشارَةِ إلى أنَّ التَّحْرِيفَ مِمّا بَعُدَ إلى مَوْضِعٍ أبْعَدَ، وفِيهِ مِنَ المُبالَغَةِ في التَّشْنِيعِ ما لا يَخْفى، وقَرَأ إبْراهِيمُ: ( يُحَرِّفُونَ الكَلامَ عَنْ مَواضِعِهِ ).

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ( يَقُولُونَ ) كالجُمْلَةِ السّابِقَةِ في الوُجُوهِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ حالًا مِن ضَمِيرِ ( يُحَرِّفُونَ ) وجُوِّزَ كَوْنُها كالَّتِي قَبْلَها صِفَةً لِـ( سَمّاعُونَ ) أوْ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ فِيهِ، وتَعَقَّبَهُ شَيْخُ الإسْلامِ بِأنَّهُ مِمّا لا سَبِيلَ إلَيْهِ أصْلًا، كَيْفَ لا وأنَّ مَقُولَ القَوْلِ ناطِقٌ بِأنَّ قائِلَهُ مِمَّنْ لا يَحْضُرُ مَجْلِسَ الرَّسُولِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - والمُخاطَبُ بِهِ مِمَّنْ يَحْضُرُهُ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ أنْ يَقُولَهُ السَّمّاعُونَ المُتَرَدِّدُونَ إلَيْهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لِمَن لا يَحُومُ حَوْلَ حَضْرَتِهِ قَطْعًا، وادِّعاءُ قَوْلِ السَّمّاعِينَ لِأعْقابِهِمُ المُخالِطِينَ لِلْمُسْلِمِينَ تَعَسُّفٌ ظاهِرٌ مُخِلٌّ بِجَزالَةِ النَّظْمِ الكَرِيمِ.

فالحَقُّ الَّذِي لا مَحِيدَ عَنْهُ وعَلَيْهِ دَرَجَ غالِبُ المُفَسِّرِينَ أنَّ المُحَرِّفِينَ والقائِلِينَ هُمُ القَوْمُ الآخَرُونَ، أيْ: يَقُولُونَ لِأتْباعِهِمُ السَّمّاعِينَ لَهم ﴿ إنْ أُوتِيتُمْ ﴾ مِن جِهَةِ الرَّسُولِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - كَما هو الظّاهِرُ ﴿ هَذا فَخُذُوهُ ﴾ واعْمَلُوا بِمُوجَبِهِ؛ فَإنَّهُ مُوافِقٌ لِلْحَقِّ ﴿ وإنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ ﴾ مِن جِهَتِهِ، بَلْ أُوتِيتُمْ غَيْرَهُ ﴿ فاحْذَرُوا ﴾ قَبُولَهُ، وإيّاكم وإيّاهُ، أوْ فاحْذَرُوا رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وفي تَرْتِيبِ الأمْرِ بِالحَذَرِ عَلى مُجَرَّدِ عَدَمِ إيتاءِ المُحَرَّفِ مِنَ المُبالَغَةِ والتَّحْذِيرِ ما لا يَخْفى.

أخْرَجَ أحْمَدُ، وأبُو داوُدَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وغَيْرُهُمْ، «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - أنَّهُ قالَ: «إنَّ طائِفَتَيْنِ مِنَ اليَهُودِ قَهَرَتْ إحْداهُما الأُخْرى في الجاهِلِيَّةِ، حَتّى ارْتَضَوْا واصْطَلَحُوا عَلى أنَّ كُلَّ قَتِيلٍ قَتَلَتْهُ العَزِيزَةُ مِنَ الذَّلِيلَةِ فَدِيَتُهُ خَمْسُونَ وسْقًا، وكُلَّ قَتِيلٍ قَتَلَتْهُ الذَّلِيلَةُ مِنَ العَزِيزَةِ فَدِيَتُهُ مِائَةُ وسْقٍ، فَكانُوا عَلى ذَلِكَ حَتّى قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - المَدِينَةَ، فَذَلَّتِ الطّائِفَتانِ كِلْتاهُما لِمَقْدَمِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - ورَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - يَوْمَئِذٍ لَمْ يَظْهَرْ عَلَيْهِمْ، فَقَتَلَتِ الذَّلِيلَةُ مِنَ العَزِيزَةِ قَتِيلًا، وأرْسَلَتِ العَزِيزَةُ إلى الذَّلِيلَةِ أنِ ابْعَثُوا إلَيْنا بِمِائَةِ وسْقٍ، فَقالَتِ الذَّلِيلَةُ: وهَلْ كانَ هَذا في حَيَّيْنِ قَطُّ، دِينُهُما واحِدٌ، ونَسَبُهُما واحِدٌ، وبَلَدُهُما واحِدٌ، ودِيَةُ بَعْضِهِمْ نِصْفُ دِيَةِ بَعْضٍ؟!

إنَّما أعْطَيْناكم هَذا ضَيْمًا مِنكم لَنا وقُوَّةً مِنكُمْ، فَأمّا إذْ قَدِمَ مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَلا نُعْطِيكم ذَلِكَ، فَكادَتِ الحَرْبُ تَهِيجُ بَيْنَهُما، ثُمَّ ارْتَضَوْا عَلى أنْ جَعَلُوا رَسُولَ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بَيْنَهُما، فَفَكَّرَتِ العَزِيزَةُ فَقالَتْ: واللَّهِ ما مُحَمَّدٌ بِمُعْطِيكم مِنهم ضَعْفَ ما يُعْطِيهِمْ مِنكُمْ، ولَقَدْ صَدَقُوا، ما أعْطُونا هَذا إلّا ضَيْمًا وقَهْرًا لَهُمْ، فَدُسُّوا إلى مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مَن يُخْبِرُ لَكم رَأْيَهُ، فَإنْ أعْطاكم ما تُرِيدُونَ حَكَّمْتُمُوهُ، وإنْ لَمْ يُعْطِكُمُوهُ حَذَرْتُمُوهُ فَلَمْ تُحُكِّمُوهُ، فَدَسُّوا إلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - ناسًا مِنَ المُنافِقِينَ لِيَخْتَبِرُوا لَهم رَأْيَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَلَمّا جاءُوا رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى رَسُولَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِأمْرِهِمْ كُلِّهِ وماذا أرادُوا، فَأنْزَلَ ( يا أيُّها الرَّسُولُ ) الآيَةَ»، وعَلى هَذا يَكُونُ أمْرُ التَّحْرِيفِ غَيْرُ ظاهِرِ الدُّخُولِ في القِصَّةِ.

وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - ««أنَّ أحْبارَ يَهُودَ اجْتَمَعُوا في بَيْتِ المِدْراسِ حِينَ قَدِمَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - المَدِينَةَ، وقَدْ زَنى رَجُلٌ بَعْدَ إحْصانِهِ بِامْرَأةٍ مِن يَهُودَ، وقَدْ أحْصَنَتْ، فَقالُوا: ابْعَثُوا بِهَذا الرَّجُلِ وبِهَذِهِ المَرْأةِ إلى مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فاسْألُوهُ كَيْفَ الحُكْمُ فِيهِما، ووَلُّوهُ الحُكْمَ فِيهِما، فَإنْ عَمِلَ فِيهِما عَمَلَكم مِنَ التَّجْبِيَةِ - وهي الجَلْدُ بِحَبْلٍ مِن لِيفٍ مَطْلِيٍّ بِقارٍ - ثُمَّ تُسَوَّدُ وُجُوهُهُما، ثُمَّ يُحْمَلانِ عَلى حِمارَيْنِ، وُجُوهُهُما مِن قِبَلِ دُبُرِ الحِمارِ فاتَّبِعُوهُ، فَإنَّما هو مَلِكٌ، سَيِّدُ قَوْمٍ، وإنَّ حَكَمَ فِيهِما بِغَيْرِهِ فَإنَّهُ نَبِيٌّ فاحْذَرُوهُ عَلى ما في أيْدِيكم أنْ يَسْلُبَكم إيّاهُ، فَأتَوْهُ فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ، هَذا رَجُلٌ قَدْ زَنى بَعْدَ إحْصانِهِ بِامْرَأةٍ قَدْ أحْصَنَتْ، فاحْكم فِيهِما فَقَدْ ولَّيْناكَ الحُكْمَ فِيهِما، فَمَشى رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - حَتّى أتى أحْبارَهم في بَيْتِ المِدْراسِ، فَقالَ: يا مَعْشَرَ يَهُودَ، أخْرِجُوا إلَيَّ عُلَماءَكُمْ، فَأخْرَجُوا إلَيْهِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ صُورِيا، وأبا ياسِرِ بْنَ أخْطَبَ، ووَهْبَ بْنَ يَهُوذا، فَقالُوا: هَؤُلاءِ عُلَماؤُنا، فَسَألَهم رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - ثُمَّ حَصَلَ أمْرُهم إلى أنْ قالُوا لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ صُورِيا: هَذا أعْلَمُ مَن بَقِيَ بِالتَّوْراةِ، فَخَلا بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وكانَ غُلامًا شابًّا مِن أحْدَثِهِمْ سِنًّا، فَألَظَّ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - المَسْألَةَ يَقُولُ: يا ابْنَ صُورِيا أنْشُدُكَ اللَّهَ تَعالى، وأُذَكِّرُكَ أيّامَهُ عِنْدَ بَنِي إسْرائِيلَ، هَلْ تَعْلَمُ أنَّ اللَّهَ تَعالى حَكَمَ فِيمَن زَنى بَعْدَ إحْصانِهِ بِالرَّجْمِ في التَّوْراةِ؟

فَقالَ: اللَّهُمَّ نَعَمْ، أما واللَّهِ يا أبا القاسِمِ إنَّهم لَيَعْرِفُونَ أنَّكَ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، ولَكِنَّهم يَحْسُدُونَكَ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَأمَرَ بِهِما فَرُجِما عِنْدَ بابِ مَسْجِدِهِ» ثُمَّ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ ابْنُ صُورِيا، وجَحَدَ نُبُوَّةَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ( يا أيُّها الرَّسُولُ ) إلَخْ».

وأخْرَجَ الحُمَيْدِيُّ في مُسْنَدِهِ، وأبُو داوُدَ، وابْنُ ماجَهْ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أنَّهُ قالَ: ««زَنى رَجُلٌ مِن أهْلِ فَدَكَ، فَكَتَبُوا إلى ناسٍ مِنَ اليَهُودِ بِالمَدِينَةِ أنْ سَلُوا مُحَمَّدًا - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - عَنْ ذَلِكَ، فَإنْ أمَرَكم بِالجَلْدِ فَخُذُوهُ عَنْهُ، وإنْ أمَرَكم بِالرَّجْمِ فَلا تَأْخُذُوهُ عَنْهُ، فَسَألُوهُ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: أرْسِلُوا إلى أعْلَمِ رَجُلَيْنِ مِنكُمْ، فَجاءُوا بِرَجُلٍ أعْوَرَ يُقالُ لَهُ: ابْنُ صُورِيا، وآخَرَ، فَقالَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لَهُما: ألَيْسَ عِنْدَكُما التَّوْراةُ فِيها حُكْمُ اللَّهِ تَعالى؟

قالا: بَلى، قالَ: فَأنْشُدُكم بِالَّذِي فَلَقَ البَحْرَ لَبَنِي إسْرائِيلَ، وظَلَّلَ عَلَيْكُمُ الغَمامَ، ونَجّاكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ، وأنْزَلَ التَّوْراةَ عَلى مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأنْزَلَ المَنَّ السَّلْوى عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، ما تَجِدُونَ في التَّوْراةِ في شَأْنِ الرَّجْمِ؟

فَقالَ أحَدُهُما لِلْآخَرِ: ما أُنْشِدْتُ بِمِثْلِهِ قَطُّ، قالا: نَجِدُ تَرْدادَ النَّظَرِ رِيبَةً، والِاعْتِناقَ رِيبَةً، والقُبُلَ رِيبَةً، فَإذا شَهِدَ أرْبَعَةٌ أنَّهم رَأوْهُ يُبْدِي ويُعِيدُ كَما يَدْخُلُ المِيلُ في المُكْحُلَةِ فَقَدْ وجَبَ الرَّجْمُ، فَقالَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَهو كَذَلِكَ، فَأمَرَ بِهِ فَرُجِمَ».

وفِي جَرَيانِ الإحْصانِ الشَّرْعِيِّ المُوجِبِ لِلرَّجْمِ في الكافِرِ ما هو مَذْكُورٌ في الفُرُوعِ، ولَعَلَّ هَذا عِنْدَ مَن يَشْتَرِطُ الإسْلامَ كالإمامِ أبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - كانَ عَلى اعْتِبارِ شَرِيعَةِ مُوسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ السَّلامُ - أوْ كانَ قَبْلَ نُزُولِ الجِزْيَةِ، فَلْيُتَدَبَّرْ.

﴿ ومَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ ﴾ أيْ عَذابَهُ، كَما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ وقَتادَةَ، واخْتارَهُ الجُبّائِيُّ وأبُو مُسْلِمٍ، أوْ إهْلاكَهُ، كَما رُوِيَ عَنِ السُّدِّيِّ والضَّحّاكِ، أوْ خِزْيَهُ وفَضِيحَتَهُ بِإظْهارِ ما يَنْطَوِي عَلَيْهِ، كَما نُقِلَ عَنِ الزَّجّاجِ، أوِ اخْتِيارَهُ بِما يَبْتَلِيهِ بِهِ مِنَ القِيامِ بِحُدُودِهِ، فَيَدْفَعُ ذَلِكَ ويُحَرِّفُهُ - كَما قِيلَ - ولَيْسَ بِشَيْءٍ.

والمُرادُ العُمُومُ، ويَنْدَرِجُ فِيهِ المَذْكُورُونَ انْدِراجًا أوَّلِيًّا، وعَدَمُ التَّصْرِيحِ بِكَوْنِهِمْ كَذَلِكَ لِلْإشْعارِ بِظُهُورِهِ، واسْتِغْنائِهِ عَنِ الذِّكْرِ ﴿ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ ﴾ فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ ﴿ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ﴾ في دَفْعِ تِلْكَ الفِتْنَةِ، والفاءُ جَوابِيَّةٌ و( مِنَ اللَّهِ ) مُتَعَلِّقٌ بِـ( تَمْلِكُ ) أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن ( شَيْئًا ) لِأنَّهُ صِفَتُهُ في الأصْلِ، أيْ شَيْئًا كائِنًا مِن لُطْفِ اللَّهِ تَعالى، أوْ بَدَلُ اللَّهِ - عَزَّ اسْمُهُ، و( شَيْئًا ) مَفْعُولٌ بِهِ لِـ( تَمْلِكُ ) وجَوَّزَ بَعْضُ المُعْرِبِينَ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا مُطْلَقًا، والجُمْلَةَ مُسْتَأْنَفَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها، أوْ مُبَيِّنَةٌ لِعَدَمِ انْفِكاكِ أُولَئِكَ عَنِ القَبائِحِ المَذْكُورَةِ أبَدًا.

﴿ أُولَئِكَ ﴾ أيِ المَذْكُورُونَ مِنَ المُنافِقِينَ واليَهُودِ، وما في اسْمِ الإشارَةِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِما مَرَّتِ الإشارَةُ إلَيْهِ مِرارًا، وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ ﴾ مِن رِجْسِ الكُفْرِ، وخُبْثِ الضَّلالَةِ، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافِيَّةٌ، مُبَيِّنَةٌ لِكَوْنِ إرادَتِهِ تَعالى لِفِتْنَتِهِمْ مَنُوطَةً بِسُوءِ اخْتِيارِهِمُ المُقْتَضِي لَها، لا واقِعَةً مِنهُ سُبْحانَهُ ابْتِداءً، وفِيها كالَّتِي قَبْلَها - عَلى أحَدِ التَّفاسِيرِ - دَلِيلٌ عَلى فَسادِ قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ: إنَّ الشُّرُورَ لَيْسَتْ بِإرادَةِ اللَّهِ تَعالى، وإنَّما هي مِنَ العِبادِ.

وقَوْلُ بَعْضِهِمْ: إنَّ المُرادَ لَمْ يُرِدْ تَطْهِيرَ قُلُوبِهِمْ مِنَ الغُمُومِ بِالذَّمِّ والِاسْتِخْفافِ والعِقابِ، أوْ لَمْ يُرِدْ أنْ يُطَهِّرَها مِنَ الكُفْرِ بِالحُكْمِ عَلَيْها بِأنَّها بَرِيئَةٌ مِنهُ مَمْدُوحَةٌ بِالإيمانِ - كَما قالَ البَلْخِيُّ - لا يَقْدَمُ عَلَيْهِ مَن لَهُ أدْنى ذَوْقٍ بِأسالِيبِ الكَلامِ.

ومِنَ العَجِيبِ أنَّ الزَّمَخْشَرِيَّ لَمّا رَأى ما ذُكِرَ خِلافَ مَذْهَبِهِ قالَ: مَعْنى ( مَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ ) مَن يُرِدْ تَرْكَهُ مَفْتُونًا وخِذْلانَهُ ( فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ) فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ مِن لُطِفِ اللَّهِ تَعالى وتَوْفِيقِهِ شَيْئًا، ومَعْنى ( لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهم ) لَمْ يُرِدْ أنْ يَمْنَحَهم مِن ألْطافِهِ ما يُطَهِّرُ بِهِ قُلُوبَهُمْ؛ لِأنَّهم لَيْسُوا مِن أهْلِها، لِعِلْمِهِ أنَّ ذَلِكَ لا يَنْجَعُ فِيهِمْ ولا يَنْفَعُ، انْتَهى.

وقَدْ تَعَقَّبَهُ ابْنُ المُنِيرِ بِقَوْلِهِ: كَمْ يَتَلَجْلَجُ والحَقُّ أبْلَجُ وهَذِهِ الآيَةُ - كَما تَراها - مُنْطَبِقَةٌ عَلى عَقِيدَةِ أهْلِ السُّنَّةِ في أنَّ اللَّهَ تَعالى أرادَ الفِتْنَةَ مِنَ المَفْتُونِينَ، ولَمْ يُرِدْ أنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهم مِن دَنَسِ الفِتْنَةِ، ووَضَرِ الكُفْرِ، لا كَما تَزْعُمُ المُعْتَزِلَةُ مِن أنَّ اللَّهَ تَعالى ما أرادَ الفِتْنَةَ مَن أحَدٍ، وأرادَ مِن كُلِّ أحَدٍ الإيمانَ وطَهارَةِ القَلْبِ، وأنَّ الواقِعَ مِنَ الفِتَنِ عَلى خِلافِ إرادَتِهِ سُبْحانَهُ، وأنَّ غَيْرَ الواقِعِ مِن طَهارَةِ قُلُوبِ الكُفّارِ مُرادٌ، ولَكِنْ لَمْ يَقَعْ، فَحَسْبُهم هَذِهِ الآيَةُ وأمْثالُها لَوْ أرادَ اللَّهُ تَعالى أنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهم مِن وضَرِ البِدَعِ ﴿ أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ أمْ عَلى قُلُوبٍ أقْفالُها ﴾ وما أشْنَعَ صَرْفَ الزَّمَخْشَرِيِّ هَذِهِ الآيَةَ عَنْ ظاهِرِها بِقَوْلِهِ: لَمْ يُرِدِ اللَّهُ تَعالى أنْ يَمْنَحَهم ألْطافَهُ لِعِلْمِهِ أنَّ ألْطافَهُ لا تَنْجَعُ، تَعالى اللَّهُ سُبْحانَهُ عَمّا يَقُولُ الظّالِمُونَ، وإذا لَمْ تَنْجَعْ ألْطافُ اللَّهِ تَعالى ولَمْ تَنْفَعْ فَلُطْفُ مَن يَنْفَعُ؟!

وإرادَةُ مَن تَنْجَعُ؟!

ولَيْسَ وراءَ اللَّهِ لِلْعَبْدِ مَطْمَعُ انْتَهى، وتَفَصِّيهِمْ عَنْ ذَلِكَ عَسِيرٌ.

﴿ لَهم في الدُّنْيا خِزْيٌ ﴾ أمّا المُنافِقُونَ فَخِزْيُهم فَضِيحَتُهُمْ، وهَتْكُ سِتْرِهِمْ بِظُهُورِ نِفاقِهِمْ بَيْنَ المُسْلِمِينَ، وازْدِيادُ غَمِّهِمْ بِمَزِيدِ انْتِشارِ الإسْلامِ، وقُوَّةِ شَوْكَتِهِ، وعُلُوِّ كَلِمَتِهِ.

وأمّا خِزْيُ اليَهُودِ فالذُّلُّ، والجِزْيَةُ، والِافْتِضاحُ بِظُهُورِ كَذِبِهِمْ في كِتْمانِ نَصِّ التَّوْراةِ، وإجْلاءُ بَنِي النَّضِيرِ مِن دِيارِهِمْ.

وتَنْكِيرُ ( خِزْيٌ ) لِلتَّفْخِيمِ، وهو مُبْتَدَأٌ و( لَهم ) خَبَرُهُ و( في الدُّنْيا ) مُتَعَلِّقٌ بِما تَعَلَّقَ بِهِ الخَبَرُ مِنَ الِاسْتِقْرارِ، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِن أحْوالِهِمُ المُوجِبَةِ لِلْعِقابِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَما لَهم عَلى ذَلِكَ مِنَ العُقُوبَةِ؟

فَقِيلَ: ( لَهم في الدُّنْيا خِزْيٌ ) وكَذا الحالُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولَهم في الآخِرَةِ ﴾ أيْ مَعَ الخِزْيِ الدُّنْيَوِيِّ ﴿ عَذابٌ عَظِيمٌ ﴾ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ، وهو الخُلُودُ في النّارِ، مَعَ ما أُعِدَّ لَهم فِيها، وضَمِيرُ ( لَهم ) في الجُمْلَتَيْنِ لِـ( أُولَئِكَ ) مِنَ المُنافِقِينَ واليَهُودِ جَمِيعًا، وقِيلَ: لِلْيَهُودِ خاصَّةً، وقِيلَ: لَهم إنِ اسْتَأْنَفْتَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( ومِنَ الَّذِينَ هادُوا ) وإلّا فَلِلْفَرِيقَيْنِ.

والتَّكْرِيرُ مَعَ اتِّحادِ المَرْجِعِ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ والتَّأْكِيدِ، ولِذَلِكَ كُرِّرَ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يعني: خزائن السموات والارض، يعني: خزائن السموات المطر، وخزائن الأرض النبات.

ويقال: لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يحكم فيها ما يشاء، يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ إذا أصرّ على ذنوبه، وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ إذا تاب ورجع، ومعناه: أن السارق إذا تاب، ورد المال لا يقطع ويتجاوز عنه، وإن لم يتب قطعت يده.

ألا ترى أن الله تعالى قال: لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ إذا لم يتب ويتجاوز إذا تاب، فافعلوا أنتم مثل ذلك، لأن الله تعالى مع قدرته يتجاوز عن عباده، وهو قوله: وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ من المغفرة والعذاب.

قوله تعالى: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ لاَ يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ نزلت في شأن «أبي لبابة بن عبد المنذر» ، وذلك أن النبيّ  لما حاصر بني قريظة فأشار إليهم أبو لبابة، وكان حليفاً لهم، إنكم إن نزلتم من حصونكم قتلكم فلا تنزلوا، فنزلت هذه الآية: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ لاَ يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ أي يبادرون ويقعون في الكفر، مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنَّا بِأَفْواهِهِمْ يعني ذلك بألسنتهم وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ في السر.

وقال الضحاك: نزلت الآية في شأن المنافقين، كانت علانيتهم تصديقاً، وسرائرهم تكذيباً.

قوله تعالى: وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ يعني: قوالون للكذب، وقال القتبي: تفسير سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أي: قابلون للكذب، لأن الرجل يسمع الحق والباطل، ولكن يقال: لا تسمع من فلان قولاً، أي: لا تقبله، ومعنى آخر إنهم يسمعون منك ليكذبوا عليك، لأنهم إنما جالسوه لكي يقولوا: سمعنا منه كذا وكذا، وإنما صار سَمَّاعُونَ رفعاً لأن معناه: هم سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ من سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ يعني: أهل خيبر لم يأتوك، وذلك أن رجلاً وامرأة من أهل خيبر زنيا فكرهوا رجمهما، فكتبوا إلى يهود بني قريظة أن يذهبوا بهما إلى رسول الله  : فإن حكم بالجلد رضوا عنه بحكمه وإن حكم بالرجم لم يقبلوا.

وروى نافع عن ابن عمر أن اليهود جاءوا إلى رسول الله  ، وذكروا له أن رجلاً وامرأة زنيا.

فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ الله  : «ما تجدون في التوراة فِي شَأْنِ الرَّجْمِ؟» .

فقالوا: يحممان ويجلدان، يعني: تُسَوَّدُ وجوههما.

فقال عبد الله بن سلام: كذبتم إن فيها آية الرجم، فأتوا بالتوراة.

فأتوا بها فنشروها فوضع أحدهم يده على آية الرجم، فقرأ ما قبلها وما بعدها، وقال له عبد الله بن سلام: ارفع يدك، فرفع يده، فإذا فيها آية الرجم.

فقالوا: صدق عبد الله بن سلام، يا محمد فيها آية الرجم، فأمر بهما رسول الله  فرجما.

قال ابن عمر: فرأيت الرجل يحنو على المرأة يقيها الحجارة.

وروى الشعبي عن جابر بن عبد الله أنه قال: زنى رجل من أهل فَدَك، فكتب أهل فدك إلى ناس من اليهود بالمدينة أن يسألوا محمداً  عن ذلك، فإن أمركم بالحد فحدوه، وإن أمركم بالرجم فلا تأخذوه، فسألوه، فدعا ابن صوريا وكان عالمهم، وكان أعور، فقال له رسول الله  : «أنشُدُكَ الله كَيفَ تَجِدُونَ حَدَّ الزَّانِي فِي كِتَابِكُم» ؟.

فقال ابن صوريا: فأما إذ ناشدتني بالله، فإنا نجد في التوراة أن النظر زنية، والاعتناق زنية والقبلة زنية، فإن شهد أربعة بأنهم رأوه كالميل في المكحلة فقد وجب الرجم.

فقال النبيّ  : «هُوَ ذلك» .

وروي عن أبي هريرة قال: بينما نحن عند رسول الله  ، إذ جاء رجال من اليهود، وقد تشاوروا في صاحب لهم زنى بعد ما أُحْصن، قالوا: فانطلقوا فلنسأل هذا النبيّ  ، فإن أفتانا بفتوى فيها تخفيف، فاحتججنا عند الله تعالى بها، وإن أفتانا بما فرض الله علينا في التوراة من الرجم تركنا ذلك.

فقد تركنا ذلك في التوراة وهي أحق أن تطاع، فقالوا: يا أبا القاسم إنه زنى صاحبٌ لنا قد أحصن، فما ترى عليه من العقوبة؟.

فقام رسول الله  ، وقمنا معه، حتى أتى بيت مدراس اليهود، فوجدهم يتدارسون التوراة فقال لهم «يا مَعْشَرَ اليَهُودِ، أَنْشُدُكُمْ بالله الذي أَنْزَلَ التَّورَاة على موسى-  - ما تجدون في التوراة مِنَ العُقُوبَةِ عَلَى مَنْ زَنَى وَقَد أَحْصَنَ» ؟.

فقالوا: إنا نجد أن يجلد ويحمم، وسكت حبرهم وهو في جانب البيت فأقبل النبيّ  ينشده، فقال له حبرهم: إذا ناشدتنا فإنا نجد عليه الرجم، فقال رسول الله  : «كَانَ أَوَّلَ مَا تَرَخَّصْتُمْ به أمر الله تَعَالَى» ؟، قال: إنه قد زنى رجل قد أحصن، وهو ذو قرابة لملك من ملوكنا فسجنه، وأخر عنه الحد، وزنى رجل آخر، فأراد الملك رجمه، فجاء قومه وقالوا: لا ترجمه حتى ترجم فلاناً، فاصطلحوا بينهم على عقوبة دون الرجم، وتركوا الرجم.

فقال النبيّ  : «فَإنِّي أَقْضِي بَيْنَكُمْ بِمَا في التوراة» ، فنزل قوله تعالى: وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ.

قال الزجاج: يعني: من بعد أن وضعه الله تعالى مواضعه، وأحل حلاله وحرم حرامه.

يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هذا فَخُذُوهُ يعني: إن أمركم بالجلد فاقبلوه واعملوا به، وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا يقولون: إن لم يوافقكم على ما تطلبون، ويأمركم بالرجم فلا تقبلوا منه.

قال الله تعالى: وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ يعني: كفره، وشركه، ويقال: فضيحته، ويقال: اختباره، فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً يقول: لن تقدر أن تمنعه من عذاب الله شيئا.

ثم قال: أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ من الكفر، ولم يرد أن يدخل حلاوة الإيمان في قلوبهم، وخذلهم مجازاة لكفرهم، لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ يعني: القتل، والسبي، والجزية، وهو قتل بني قريظة، وإجلاء بني النضير، وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ أعظم مما كان في الدنيا.

ثم قال تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

جمهورُ العلماءِ على أَنَّ توبة السارق لا تُسْقِطُ عنه القَطْعَ، وقال الشافعيُّ: إذا تاب السارق قبل أنْ يتلبَّس الحُكَّام بأخْذه، فتوبته تَدْفَعُ عنه حُكْمَ القطع قياساً على توبة المُحَارِبِ.

وقوله سبحانه: أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ أي: فلا معقِّب لحكمه سبحانه، ولا معتَرِضَ عليه، يفعلُ ما يَشَاء لا إله إلا هو.

يا أَيُّهَا الرَّسُولُ لاَ يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنَّا بِأَفْواهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هذا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ (٤١) سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٤٢) وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ فِيها حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (٤٣)

وقوله تعالى: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ لاَ يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ ...

الآية: تسليةٌ لنبيِّه- عليه السلام- وتقويةٌ لنفسه بسبب ما كان يلقى من طوائف المنافقين واليهود، والمعنى: قد وعَدْناك النصْرَ والظهورَ عليهم، فلا يحزنْكَ ما يقعُ منهم، ومعنى المسارعة في الكُفْرِ: البِدَارُ إلى نَصْره، والسعْيُ في كيد الإسلام، وإطفاءِ نوره، قال مجاهدٌ وغيره:

قوله تعالى: مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنَّا بِأَفْواهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ يراد به المنافقون «١» /.

وقوله: سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ: يراد به اليهودُ، ويحتمل أن يراد به اليهود مع المنافقين لأن جميعهم يَسْمَعُ الكذبَ، بعضَهُم مِنْ بعض، ويقبلونه ولذلك جاءَتْ عبارة سَمَاعهم في صيغَةِ المبالغة إذِ المرادُ أنهم يُقْبِلُونَ ويستزيدون من ذلك.

وقوله سبحانه: سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ: يحتمل أنْ يريد: يَسْمَعُون منهم، وذكر الطبريُّ «٢» عن جابر أن المراد بالقوم الآخرينَ يَهُودُ فَدَكَ «٣» ، وقيل: يهود خَيْبَر، ويحتمل أنْ يكون معنى سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ بمعنى: جواسيسَ مُسْتَرِقِينَ الكلامَ لينقلوه لقوم آخرينَ، وهذا مما يمكن أن يتصف به المنافقُونَ ويهودُ المدينة، قلْتُ: وهذا هو الذي نَصَّ عليه ابنُ إسحاق في السِّيَرِ «٤» .

قال ع «٥» : وقيل لسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ: هل جرى للجاسُوسِ ذكْرٌ في كتاب اللَّه عزَّ وجلَّ؟

فقال: نعم، وتلا هذه الآية: سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ.

وقوله سبحانه: يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ: هذه صفةُ اليهود في معنى ما حرَّفوه من التوراةِ، وفيما يحرِّفونه من الأقوال عند كذبهم مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ، أي: من بعد أن وضع مواضعه، وقصدت به وجهه القويمة، يقولون إن أوتيتم هذا، فخذوه، روي أنَّ يهود فَدَك قالوا ليهودِ المدينةِ: استفتوا محمَّداً، فإن أفتاكم بما نَحْنُ عليه من الجَلْد والتَّجْبِيَةِ، فخذوه، وإن أفتاكم بالرَّجْم، فاحذروا الرجْمَ قاله الشعبيُّ وغيره «٦» وقيل غير هذا من وقائعهم، فالإشارة ب هذا إلى التحميمِ والجَلْدِ في الزنا، على قولٍ، ثم قال

تعالى لنبيِّه- عليه السلام- على جهة قَطْع الرجاء منهم: وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ أي: محنَتَهُ بالكفر، فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً، ثم أخبر تعالى عنهم أنهم الذين سَبَقَ لهم في علْمه ألاَّ يطهِّر قلوبَهُم، وأنْ يكونوا مُدَنَّسِينَ بالكُفْر، لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ بالذِّلَّة والمَسْكَنة الَّتي ضُرِبَتْ عليهم في أقطار الأرْضِ، وفي كلِّ أُمَّة.

قال ص: سَمَّاعُونَ، أي: هم سمَّاعون، ومثله أكَّالون.

انتهى.

وقوله سبحانه: أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ: فعَّالون بناءُ مبالغة، أي: يتكرَّر أَكْلُهم، ويَكْثُر، والسُّحْت: كل ما لا يَحِلُّ كسبه من المال.

وقوله تعالى: فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ: تخييرٌ للنبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، ولحكَّامِ أُمَّتِهِ بعده، وقال ابنُ عباس وغيره: هذا التخْييرُ منسوخٌ بقوله سبحانه: وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ «١» [المائدة: ٤٩] ، وقال كثيرٌ من العلماء: هي مُحْكَمَة، وهذا هو الأظهر إن شاء اللَّه، وفِقْهُ هذه الآية أنَّ الأَمَّة مُجْمِعَة فيما علمتُ على أنَّ حاكم المسلمين يحْكُمُ بيْنَ أهْل الذمَّة في تظالمهم، وأمَّا نوازل الأحْكَام التي لا تَظَالُمَ فيها، فالحاكمُ مخيَّر، وإذا رضي به الخَصْمان، فلا بد من رضا أساقِفَتِهِمْ أو أحبارهم قاله ابن القاسِمِ في «العتبية» ، قلت: وعبارة الداوديُّ قال مالك: ولا يَحْكُمُ بينهم، إذا اختار الحكم إلا في المظالم، فيحكم بينهم بما أنزل اللَّه، ولا يحكم فيهم في الزنا إلا أنْ يعلنوه، فيعاقَبُونَ بسبب إعلانه، ثم يردُّون إلى أساقفتهم، قال مالك: وإنما رجم النبيّ صلّى الله عليه وسلّم اليهودِيَّيْنِ قبل أنْ تكون لهم ذمَّة.

انتهى.

وقال ابنُ العربيِّ في «أحكامه» : إنما أَنْفَذَ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم الحُكْمَ بينهم ليحقِّق تحريفَهُم، وتبديلَهم، وكَذِبَهم، وكَتْمَهم ما في التوراة، / ومنه صفته صلّى الله عليه وسلّم فيها، والرجْمُ على زناتهم، وعنه أخبر اللَّه تعالى بقوله: يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ [المائدة: ١٥] فيكون ذلك من آياته الباهرةِ، وحُجَجِهِ البيِّنة، وبراهينِهِ القاطعةِ الدَّامغة للأَمَّة المُخْزية اليهودية.

انتهى.

وقوله تعالى: وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً: أمَّنَ اللَّه سبحانَهُ نبيَّه من ضررهم، إذا أعْرَضَ عنهم، وحقَّر في ذلك شأنهم، وَإِنْ حَكَمْتَ، أي: اخترت الحكْمَ في نازلةٍ مَّا، فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ، أيْ: بالعدل، ثم قال سبحانه:

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ في الكُفْرِ ﴾ اخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ عَلى خَمْسَةِ أقْوالٍ.

أحَدُها: «أنَّ النَّبِيَّ  مَرَّ بِيَهُودِيٍّ وقَدْ حَمَّمُوهُ وجَلَدُوهُ، فَقالَ: أهَكَذا تَجِدُونَ حَدَّ الزّانِي في كِتابِكُمْ؟

قالُوا: نَعَمَ، فَدَعا رَجُلًا مِن عُلَمائِهِمْ، فَقالَ: أُنْشِدُكَ اللَّهَ الَّذِي أنْزَلَ التَّوْراةَ عَلى مُوسى، هَكَذا تَجِدُونَ حَدَّ الزّانِي في كِتابِكُمْ؟

قالَ: لا، ولَكِنَّهُ كَثُرَ في أشْرافِنا، فَكُنّا نَتْرُكُ الشَّرِيفَ، ونُقِيمُهُ عَلى الوَضِيعِ، فَقُلْنا: تَعالَوْا نُجْمِعْ عَلى شَيْءٍ نُقِيمُهُ عَلى الشَّرِيفِ والوَضِيعِ، فاجْتَمَعْنا عَلى التَّحْمِيمِ والجَلْدِ.

فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ  : "اللَّهُمَّ إنِّي أوَّلُ مَن أحْيا أمْرَكَ إذْ أماتُوهُ" فَأمَرَ بِهِ فَرُجِمَ، ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ،» رَواهُ البَراءُ بْنُ عازِبٍ.

والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في ابْنِ صُورِيّا آمَنَ ثُمَّ كَفَرَ، وهَذا المَعْنى مَرْوِيٌّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ.

والثّالِثُ: أنَّها نَزَلَتْ في يَهُودِيٍّ قَتَلَ يَهُودِيًّا، ثُمَّ قالَ: سَلُوا مُحَمَّدًا فَإنْ كانَ بُعِثَ بِالدِّيَةِ، اخْتَصَمْنا إلَيْهِ، وإنْ كانَ بُعِثَ بِالقَتْلِ، لَمْ نَأْتِهِ، قالَهُ الشَّعْبِيُّ.

والرّابِعُ: أنَّها نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ.

والخامِسُ: أنَّ رَجُلًا مِنَ الأنْصارِ أشارَتْ إلَيْهِ قُرَيْظَةُ يَوْمَ حِصارِهِمْ عَلى ماذا نَنْزِلُ؟

فَأشارَ إلَيْهِمْ: أنَّهُ الذَّبْحُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

قالَ مُقاتِلٌ: هو أبُو لُبابَةَ بْنُ عَبْدِ المُنْذِرِ، قالَتْ لَهُ قُرَيْظَةُ: أتَنْزِلُ عَلى حُكْمِ سَعْدٍ، فَأشارَ بِيَدِهِ: أنَّهُ الذَّبْحُ، وكانَ حَلِيفًا لَهم.

قالَ أبُو لُبابَةَ: فَعَلِمْتُ أنِّي قَدْ خُنْتُ اللَّهَ ورَسُولَهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

ومَعْنى الكَلامِ: لا يَحْزُنْكَ مُسارَعَةُ الَّذِينَ يُسارِعُونَ في الكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنّا بِأفْواهِهِمْ وهُمُ المُنافِقُونَ، ومِنَ الَّذِينَ هادُوا وهُمُ اليَهُودُ.

﴿ سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ ﴾ قالَ سِيبَوَيْهِ: هو مَرْفُوعٌ بِالِابْتِداءِ.

قالَ أبُو الحَسَنِ الأخْفَشُ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ رَفْعُهُ عَلى مَعْنى: ومِنِ الَّذِينَ هادُوا سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ.

وفي مَعْناهُ: أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: سَمّاعُونَ مِنكَ لِيَكْذِبُوا عَلَيْكَ.

والثّانِي: سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ، أيْ: قائِلُونَ لَهُ.

والثّالِثُ: سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ الَّذِي بَدَّلُوهُ في تَوْراتِهِمْ.

والرّابِعُ: سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ، أيْ: قابِلُونَ لَهُ، ومِنهُ: "سَمِعَ اللَّهُ لِمَن حَمِدَهُ" أيْ: قَبِلَ.

وَفِي قَوْلِهِ ﴿ سَمّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: يَسْمَعُونَ لِأُولَئِكَ، فَهم عُيُونٌ لَهم.

والثّانِي: سَمّاعُونَ مِن قَوْمٍ آخَرِينَ، وهم رُؤَساؤُهُمُ المُبَدِّلُونَ التَّوْراةَ.

وَفِي السَّمّاعِينَ لِلْكَذِبِ، ولِلْقَوْمِ الآخَرِينَ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّ "السَّمّاعِينَ لِلْكَذِبِ" يَهُودُ المَدِينَةِ، والقَوْمُ الآخَرُونَ [الَّذِينَ لَمْ يَأْتُوا رَسُولَ اللَّهِ  ] يَهُودُ فَدَكٍ.

والثّانِي: بِالعَكْسِ مِن هَذا.

وَفِي تَحْرِيفِهِمُ الكَلِمَ خَمْسَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ تَغْيِيرُ حُدُودِ اللَّهِ في التَّوْراةِ، وذَلِكَ أنَّهم غَيَّرُوا الرَّجْمَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والجُمْهُورُ.

والثّانِي: تَغْيِيرُ ما يَسْمَعُونَهُ مِنَ النَّبِيِّ  بِالكَذِبِ عَلَيْهِ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّالِثُ: إخْفاءُ صِفَةِ النَّبِيِّ  .

والرّابِعُ: إسْقاطُ القَوَدِ بَعْدَ اسْتِحْقاقِهِ.

والخامِسُ: سُوءُ التَّأْوِيلِ، وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: المَعْنى يُحَرِّفُونَ حُكْمَ الكَلِمِ، فَحَذَفَ ذِكْرَ الحُكْمِ لِمَعْرِفَةِ السّامِعِينَ بِذَلِكَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن بَعْدِ مَواضِعِهِ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: مِن بَعْدِ أنْ وضَعَهُ اللَّهُ مَواضِعَهُ، فَأحَلَّ حَلالَهُ، وحَرَّمَ حَرامَهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَقُولُونَ إنْ أُوتِيتُمْ هَذا فَخُذُوهُ ﴾ في القائِلِينَ لِهَذا قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُمُ اليَهُودُ، وذَلِكَ أنَّ رَجُلًا وامْرَأةً مِن أشْرافِهِمْ زَنَيا، فَكانَ حَدَّهُما الرَّجْمُ، فَكَرِهَتِ اليَهُودُ رَجْمَهُما، فَبَعَثُوا إلى النَّبِيِّ  يَسْألُونَهُ عَنْ قَضائِهِ في الزّانِيَيْنِ إذا أُحْصِنا، وقالُوا: إنْ أفْتاكم بِالجْلَدِ فَخُذُوهُ، وإنْ أفْتاكم بِالرَّجْمِ فَلا تَعْمَلُوا بِهِ، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ.

والثّانِي: أنَّهُمُ المُنافِقُونَ.

قالَ قَتادَةُ: وذَلِكَ «أنَّ بَنِي النَّضِيرِ كانُوا لا يُعْطُونَ قُرَيْظَةَ القَوَدَ إذا قَتَلُوا مِنهم، وإنَّما يُعْطُونَهُمُ الدِّيَةَ، فَإذا قَتَلَتْ قُرَيْظَةُ مِنَ النَّضِيرِ لَمْ يَرْضَوْا إلّا بِالقَوَدِ تَعَزُّزًا عَلَيْهِمْ، فَقَتَلَ بَنُو النَّضِيرِ رَجُلًا مِن قُرَيْظَةَ عَمْدًا، فَأرادُوا رَفْعَ ذَلِكَ إلى النَّبِيِّ  ، فَقالَ رَجُلٌ مِنَ المُنافِقِينَ: إنَّ قَتِيلَكم قَتِيلُ عَمْدٍ، ومَتى تَرْفَعُوا ذَلِكَ إلى مُحَمَّدٍ خَشِيتُ عَلَيْكُمُ القَوَدَ، فَإنْ قَبِلَتْ مِنكُمُ الدِّيَةَ فَأعْطُوا، وإلّا فَكُونُوا مِنهُ عَلى حَذَرٍ.» وفي مَعْنى "فاحْذَرُوا" ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: فاحْذَرُوا أنْ تَعْمَلُوا بِقَوْلِهِ الشَّدِيدِ.

والثّانِي: فاحْذَرُوا أنْ تُطْلِعُوهُ عَلى ما في التَّوْراةِ فَيَأْخُذَكم بِالعَمَلِ بِهِ.

والثّالِثُ: فاحْذَرُوا أنْ تَسْألُوهُ بَعْدَها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ ﴾ في "الفِتْنَةِ" ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها بِمَعْنى: الضَّلالَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ.

والثّانِي: العَذابُ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ.

والثّالِثُ: الفَضِيحَةُ، ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ﴾ أيْ: لا تُغْنِي عَنْهُ، ولا تَقْدِرُ عَلى اسْتِنْقاذِهِ.

وفي هَذا تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيِّ  مِن حُزْنِهِ عَلى مُسارَعَتِهِمْ في الكُفْرِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ ﴾ قالَ السُّدِّيُّ: يَعْنِي المُنافِقِينَ واليَهُودَ، لَمْ يُرِدْ أنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهم مِن دَنَسِ الكُفْرِ، ووَسَخِ الشِّرْكِ بِطِهارَةِ الإيمانِ والإسْلامِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَهم في الدُّنْيا خِزْيٌ ﴾ أمّا خِزْيُ المُنافِقِينَ، فَبِهَتْكِ سِتْرِهِمْ وإطْلاعِ النَّبِيِّ عَلى كُفْرِهِمْ، وخِزْيُ اليَهُودِ بِفَضِيحَتِهِمْ في إظْهارِ كَذِبِهِمْ إذْ كَتَمُوا الرَّجْمَ، وبِأخْذِ الجِزْيَةِ مِنهم.

قالَ مُقاتِلٌ: وخْزِيُ قُرَيْظَةَ بِقَتْلِهِمْ وسَبْيِهِمْ، وخْزِيُ النَّضِيرِ بِإجْلائِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ فَمَن تابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وأصْلَحَ فَإنَّ اللهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ ﴿ ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَماواتِ والأرْضِ يُعَذِّبُ مَن يَشاءُ ويَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ واللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ ﴿ يا أيُّها الرَسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ في الكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنّا بِأفْواهِهِمْ ولَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهم ومِنَ الَّذِينَ هادُوا سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ ﴾ اَلْمَعْنى عِنْدَ جُمْهُورِ أهْلِ العِلْمِ أنَّ مَن تابَ مِنَ السَرِقَةِ فَنَدِمَ عَلى ما مَضى؛ وأقْلَعَ في المُسْتَأْنَفِ؛ وأصْلَحَ - بِرَدِّ الظُلامَةِ إنْ أمْكَنَهُ ذَلِكَ؛ وإلّا فَبِإنْفاقِها في سَبِيلِ اللهِ - وأصْلَحَ أيْضًا في سائِرِ أعْمالِهِ؛ وارْتَفَعَ إلى فَوْقَ؛ فَإنَّ اللهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ؛ ويُذْهِبُ عنهُ حُكْمَ السَرِقَةِ فِيما بَيْنَهُ وبَيْنَ اللهِ تَعالى؛ وهو في المَشِيئَةِ مَرْجُوٌّ لَهُ الوَعْدُ؛ ولَيْسَ تُسْقِطُ عنهُ التَوْبَةُ حُكْمَ الدُنْيا مِنَ القَطْعِ؛ إنِ اعْتَرَفَ؛ أو شُهِدَ عَلَيْهِ؛ وقالَ مُجاهِدٌ: اَلتَّوْبَةُ والإصْلاحُ هي أنْ يُقامَ عَلَيْهِ الحَدُّ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا تَشْدِيدٌ؛ وقَدْ جَعَلَ اللهُ لِلْخُرُوجِ مِنَ الذُنُوبِ بابَيْنِ؛ أحَدُهُما الحَدُّ؛ والآخَرُ التَوْبَةُ؛ وقالَ الشافِعِيُّ: إذا تابَ السارِقُ؛ وقَبْلَ أنْ يَتَلَبَّسَ الحاكِمُ بِأخْذِهِ؛ فَتَوْبَتُهُ تَرْفَعُ عنهُ حُكْمَ القَطْعِ قِياسًا عَلى تَوْبَةِ المُحارِبِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ ألَمْ تَعْلَمْ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ تَوْقِيفٌ وتَنْبِيهٌ عَلى العِلَّةِ المُوجِبَةِ لِإنْفاذٍ هَذِهِ الأوامِرِ في المُحارِبِينَ؛ والسَرِقَةِ؛ والإخْبارِ بِهَذا التَعْذِيبِ لِقَوْمٍ والتَوْبَةِ عَلى آخَرِينَ؛ وهي مِلْكُهُ تَعالى لِجَمِيعِ الأشْياءِ؛ فَهو بِحَقِّ المِلْكِ؛ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ؛ ولا مُعْتَرِضَ عَلَيْهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الرَسُولُ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وتَقْوِيَةٌ لِنَفْسِهِ بِسَبَبِ ما كانَ يَلْقى مِن طَوائِفِ المُنافِقِينَ؛ وبَنِي إسْرائِيلَ؛ والمَعْنى: قَدْ وعَدْناكَ النَصْرَ والظُهُورَ عَلَيْهِمْ؛ فَلا يَحْزُنْكَ ما يَقَعُ مِنهم خِلالَ بَقائِهِمْ.

وقَرَأ بَعْضُ القُرّاءِ: "يَحْزُنْكَ"؛ بِفَتْحِ الياءِ؛ وضَمِّ الزايِ؛ تَقُولُ العَرَبُ: "حَزِنَ الرَجُلُ"؛ بِكَسْرِ الزايِ؛ و"حَزَنْتُهُ"؛ بِفَتْحِها؛ وقَرَأ بَعْضُ القُرّاءِ: "يُحْزِنْكَ"؛ بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الزايِ؛ لِأنَّ مِنَ العَرَبِ مَن يَقُولُ: "أحْزَنْتُ الرَجُلَ"؛ بِمَعْنى: "حَزَنْتُهُ"؛ وجَعَلْتُهُ ذا حُزْنٍ؛ وقَرَأ الناسُ: "يُسارِعُونَ"؛ وقَرَأ الحُرُّ النَحْوِيُّ: "يُسْرِعُونَ"؛ دُونَ ألِفٍ؛ ومَعْنى المُسارَعَةِ في الكُفْرِ: اَلْبِدارُ إلى نَصْرِهِ؛ وإقامَةِ حُجَجِهِ؛ والسَعْيِ في إطْفاءِ الإسْلامِ بِهِ.

واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في تَرْتِيبِ مَعْنى الآيَةِ؛ وفِيمَنِ المُرادُ بِقَوْلِهِ: "بِأفْواهِهِمْ"؛ وفي سَبَبِ نُزُولِ الآيَةِ؛ فَأمّا سَبَبُها فَرُوِيَ عن أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -؛ وابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -؛ وجَماعَةٍ أنَّهم قالُوا: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِسَبَبِ الرَجْمِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وذَلِكَ أنَّ يَهُودِيًّا زَنى بِيَهُودِيَّةٍ؛ وكانَ في التَوْراةِ رَجْمُ الزُناةِ؛ وكانَ بَنُو إسْرائِيلَ قَدْ غَيَّرُوا ذَلِكَ؛ ورَدُّوهُ جَلْدًا؛ وتَحْمِيمَ وُجُوهٍ؛ لِأنَّهم لَمْ يُقِيمُوا الرَجْمَ عَلى أشْرافِهِمْ؛ وأقامُوهُ عَلى صِغارِهِمْ في القَدْرِ؛ فاسْتَقْبَحُوا ذَلِكَ؛ وأحْدَثُوا حُكْمًا سَوَّوْا فِيهِ بَيْنَ الشَرِيفِ والمَشْرُوفِ؛ فَلَمّا هاجَرَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - إلىالمَدِينَةِ زَنى رَجُلٌ مِنَ اليَهُودِ بِامْرَأةٍ؛ فَرُوِيَ «أنَّ ذَلِكَ كانَ بِالمَدِينَةِ؛ ورُوِيَ أنَّهُ كانَ في غَيْرِ المَدِينَةِ في يَهُودِ الحِجازِ؛ وبَعَثُوا إلى يَهُودِ المَدِينَةِ؛ وإلى حُلَفائِهِمْ مِنَ المُنافِقِينَ أنْ يَسْألُوا رَسُولَ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: عَنِ النازِلَةِ؛ وطَمِعُوا بِذَلِكَ أنْ يُوافِقَهم عَلى الجَلْدِ والتَحْمِيمِ؛ فَيَشْتَدَّ أمْرُهم بِذَلِكَ؛ فَلَمّا سُئِلَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: عن ذَلِكَ نَهَضَ في جُمْلَةٍ مِن أصْحابِهِ إلى بَيْتِ المِدْراسِ؛ فَجَمَعَ الأحْبارَ هُنالِكَ؛ وسَألَهم عَمّا في التَوْراةِ؛ فَقالُوا: إنّا لا نُجِدُّ فِيها الرَجْمَ؛ فَقالَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: "إنَّ فِيها الرَجْمَ؛ فانْشُرُوها"؛ فَنُشِرَتْ؛ ووَضَعَ أحَدُهم يَدَهُ عَلى آيَةِ الرَجْمِ؛ فَقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلامٍ: اِرْفَعْ يَدَكَ؛ فَرَفَعَ يَدَهُ فَإذا آيَةُ الرَجْمِ؛ فَحَكَمَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فِيها بِالرَجْمِ؛ وأنْفَذَهُ.» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وفي هَذا الحَدِيثِ اخْتِلافُ ألْفاظٍ؛ ورِواياتٍ كَثِيرَةٍ؛ مِنها أنَّهُ رُوِيَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مَرَّ عَلَيْهِ يَهُودِيٌّ ويَهُودِيَّةٌ زَنَيا؛ وقَدْ جُلِدا وحُمِّما؛ فَقالَ: "هَكَذا شَرْعُكم يا مَعْشَرَ يَهُودٍ؟"؛ فَقالُوا: نَعَمْ؛ فَقالَ: "لا"؛ ثُمَّ مَشى إلى بَيْتِ المِدْراسِ؛ وفَضَحَهُمْ؛ وحَكَمَ في ذَيْنِكَ بِالرَجْمِ؛ وقالَ: "لَأكُونَنَّ أوَّلَ مَن أحْيا حُكْمَ التَوْراةِ حِينَ أماتُوهُ".» ورُوِيَ أنَّ الزانِيَيْنِ لَمْ يَكُونا بِالمَدِينَةِ؛ وأنَّ يَهُودَ فَدَكَ هُمُ الَّذِينَ قالُوا لِيَهُودِ المَدِينَةِ: اِسْتَفْتُوا مُحَمَّدًا؛ فَإنْ أفْتاكم بِما نَحْنُ عَلَيْهِ مِنَ الجَلْدِ والتَجْبِيَةِ؛ فَخُذُوهُ؛ وإنْ أفْتاكم بِالرَجْمِ فاحْذَرُوا الرَجْمَ؛ قالَهُ الشَعْبِيُّ وغَيْرُهُ؛ وقالَ قَتادَةُ بْنُ دِعامَةَ؛ وغَيْرُهُ: سَبَبُ الآيَةِ: ذَكَرَ اليَهُودُ أنَّ بَنِي النَضِيرِ كانُوا قَدْ غَزَوْا بَنِي قُرَيْظَةَ؛ فَكانَ النَضْرِيُّ إذا قَتَلَهُ قُرَظِيٌّ قُتِلَ بِهِ؛ وإذا قَتَلَ نَضْرِيٌّ قُرَظِيًّا أُعْطِيَ الدِيَةَ.

وقِيلَ: كانَتْ دِيَةُ القُرَظِيِّ عَلى نِصْفِ دِيَةِ النَضْرِيِّ؛ فَلَمّا جاءَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - المَدِينَةَ طَلَبَتْ قُرَيْظَةُ الِاسْتِواءَ؛ إذْ هم أبْناءُ عَمٍّ؛ يَرْجِعانِ إلى جَدٍّ؛ وطَلَبَتِ الحُكُومَةَ إلى رَسُولِ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ فَقالَتِ النَضِيرُ بَعْضُها لِبَعْضٍ: إنْ حَكَمَ بِما كُنّا عَلَيْهِ فَخُذُوهُ؛ وإلّا فاحْذَرُوا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذِهِ النَوازِلُ كُلُّها وقَعَتْ؛ ووَقَعَ غَيْرُها؛ مِمّا يُضارِعُها؛ ويَحْسُنُ أنْ يَكُونَ سَبَبُها لِفَضِيحَةِ اليَهُودِ في تَحْرِيفِهِمُ الكَلِمَ؛ وتَحَرُّشِهِمْ بِالدِينِ؛ والرِواياتُ في هَذا كَثِيرَةٌ ومُخْتَلِفَةٌ.

وقَدْ وقَعَ في بَعْضِ الطُرُقِ في حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّهُ قالَ - في قِصَّةِ الرَجْمِ -: فَقامَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - إلى بَيْتِ مِدْراسِهِمْ؛ وقُمْنا مَعَهُ"؛ وهَذا يَقْتَضِي أنَّ الأمْرَ كانَ في آخِرِ مُدَّةِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ لِأنَّ أبا هُرَيْرَةَ أسْلَمَ عامَ خَيْبَرَ؛ في آخِرِ سَنَةِ سِتٍّ مِنَ الهِجْرَةِ؛ وقَدْ كانَتِ النَضِيرُ أُجْلِيَتْ؛ وقُرَيْظَةُ وقُرَيْشٌ قُتِلَتْ؛ واليَهُودُ بِالمَدِينَةِ لا شَيْءَ؛ فَكَيْفَ كانَ لَهم بَيْتُ مِدْراسٍ في ذَلِكَ الوَقْتِ؟

أو إنْ كانَ لَهم بَيْتٌ عَلى حالِ ذِلَّةٍ؛ فَهَلْ كانَ النَبِيُّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - يَحْتاجُ - مَعَ ظُهُورِ دِينِهِ - إلى مُحاجَّتِهِمْ تِلْكَ المُحاجَّةَ؟

وظاهِرُ حَدِيثِ بَيْتِ المِدْراسِ أنَّهُ كانَ في صَدْرِ الهِجْرَةِ؛ اللهُمَّ إلّا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنَ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مَعَ عِزَّةِ كَلِمَتِهِ؛ مِن حَيْثُ أرادَ أنْ يُخْرِجَ حُكْمَهم مِن أيْدِي أحْبارِهِمْ بِالحُجَّةِ عَلَيْهِمْ مِن كِتابِهِمْ؛ فَلِذَلِكَ مَشى إلى بَيْتِ مِدْراسِهِمْ؛ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِمْ؛ وهَذا عِنْدِي يَبْعُدُ؛ لِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا ذَلِكَ الوَقْتَ يُحْزِنُونَهُ؛ ولا كانَ لَهم حالٌ يُسَلّى عنها - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ.

وأمّا اخْتِلافُ الناسِ فِيمَنِ المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ الَّذِينَ يُسارِعُونَ في الكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنّا بِأفْواهِهِمْ ولَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ ﴾ ؛ فَقالَ السُدِّيُّ: نَزَلَتْ في رَجُلٍ مِنَ الأنْصارِ؛ زَعَمُوا أنَّهُ أبُو لُبابَةَ بْنُ عَبْدِ المُنْذِرِ؛ أشارَتْ إلَيْهِ قُرَيْظَةُ يَوْمَ حَصْرِهِمْ: ما الأمْرُ؟

وعَلامَ نَنْزِلُ مِنَ الحُكْمِ؟

فَأشارَ إلى حَلْقِهِ أنَّهُ بِمَعْنى الذَبْحِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا ضَعِيفٌ؛ وأبُو لُبابَةَ مِن فُضَلاءِ الصَحابَةِ؛ وهو وإنْ كانَ أشارَ بِتِلْكَ الإشارَةِ فَإنَّهُ قالَ: "فَواللهِ ما زالَتْ قَدَمايَ حَتّى عَلِمْتُ أنِّي خُنْتُ اللهَ ورَسُولَهُ"؛ ثُمَّ جاءَ إلى مَسْجِدِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ فَرَبَطَ نَفْسَهُ بِسارِيَةٍ مِن سَوارِي المَسْجِدِ؛ وأقْسَمَ ألّا يَبْرَحَ كَذَلِكَ حَتّى يَتُوبَ اللهُ تَعالى عَلَيْهِ؛ ويَرْضى رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - عنهُ؛ فَإنَّما كانَتْ تِلْكَ الإشارَةُ مِنهُ زَلَّةً؛ حَمَلَهُ عَلَيْها إشْفاقٌ ما عَلى قَوْمٍ كانَتْ بَيْنَهُ وبَيْنَهم مَوَدَّةٌ ومُشارَكَةٌ قَدِيمَةٌ؛ - رَضِيَ اللهُ عنهُ؛ وعن جَمِيعِ الصَحابَةِ.

وقالَ الشَعْبِيُّ وغَيْرُهُ: نَزَلَتِ الآيَةُ في قَوْمٍ مِنَ اليَهُودِ؛ أرادُوا سُؤالَ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - في أمْرِ رَجُلٍ مِنهم قَتَلَ آخَرَ؛ فَكَلَّفُوا السُؤالَ رَجُلًا مِنَ المُسْلِمِينَ؛ وقالُوا: إنْ أفْتى بِالدِيَةِ قَبِلْنا قَوْلَهُ؛ وإنْ أفْتى بِالقَتْلِ لَمْ نَقْبَلْ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا نَحْوُ ما تَقَدَّمَ عن قَتادَةَ في أمْرِ قَتْلِ النَضِيرِ؛ وقُرَيْظَةَ.

وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ كَثِيرٍ ؛ ومُجاهِدٌ ؛ وغَيْرُهُما: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنّا بِأفْواهِهِمْ ولَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ ﴾ ؛ يُرادُ بِهِ المُنافِقُونَ؛ وقَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿ سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ ﴾ ؛ يُرادُ بِهِ اليَهُودُ.

وأمّا تَرْتِيبُ مَعْنى الآيَةِ بِحَسَبِ هَذِهِ الأقْوالِ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: "يا أيُّها الرَسُولُ لا يَحْزُنْكَ المُسارِعُونَ في الكُفْرِ مِنَ المُنافِقِينَ؛ ومِنَ اليَهُودِ"؛ ويَكُونَ قَوْلُهُ: "سَمّاعُونَ"؛ خَبَرُ ابْتِداءٍ مُضْمَرٍ.

ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: "لا يَحْزُنْكَ المُسارِعُونَ في الكُفْرِ مِنَ اليَهُودِ"؛ ووَصَفَهم بِأنَّهم قالُوا: آمَنّا بِأفْواهِهِمْ؛ ولَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ؛ إلْزامًا مِنهُ لَهُمْ؛ مِن حَيْثُ حَرَّفُوا تَوْراتَهُمْ؛ وبَدَّلُوا أحْكامَها؛ فَهم يَقُولُونَ بِأفْواهِهِمْ: نَحْنُ مُؤْمِنُونَ بِالتَوْراةِ؛ وبِمُوسى؛ وقُلُوبُهم غَيْرُ مُؤْمِنَةٍ؛ مِن حَيْثُ بَدَّلُوها؛ وجَحَدُوا ما فِيها مِن نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وغَيْرُ ذَلِكَ؛ مِمّا هو كُفْرٌ مِنهُمْ؛ ويُؤَيِّدُ هَذا التَأْوِيلَ قَوْلُهُ بَعْدَ هَذا: ﴿ وَما أُولَئِكَ بِالمُؤْمِنِينَ  ﴾ ؛ ويَجِيءُ - عَلى هَذا التَأْوِيلِ - قَوْلُهُ: ﴿ وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا ﴾ ؛ كَأنَّهُ قالَ: "وَمِنهُمْ"؛ لَكِنْ صَرَّحَ بِذِكْرِ اليَهُودِ؛ مِن حَيْثُ الطائِفَةُ السَمّاعَةُ غَيْرُ الطائِفَةِ الَّتِي تُبَدِّلُ التَوْراةَ عَلى عِلْمٍ مِنها.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "سَمّاعُونَ"؛ وقَرَأ النَحّاسُ: "سَمّاعِينَ"؛ ووَجْهُها عِنْدِي: نُصِبَ عَلى الذَمِّ؛ عَلى تَرْتِيبِ مَن يَقُولُ: "لا يَحْزُنْكَ المُسارِعُونَ مِن هَؤُلاءِ؛ سَمّاعِينَ"؛ وأمّا المَعْنى في قَوْلِهِ: ﴿ سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ ﴾ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِلْمُنافِقِينَ؛ ولِبَنِي إسْرائِيلَ؛ لِأنَّ جَمِيعَهم يَسْمَعُ الكَذِبَ؛ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ؛ ويَقْبَلُونَهُ؛ وَلِذَلِكَ جاءَتْ عِبارَةُ سَماعِهِمْ في صِيغَةِ المُبالَغَةِ؛ إذِ المُرادُ أنَّهم يَقْبَلُونَ ويَسْتَزِيدُونَ مِن ذَلِكَ المَسْمُوعِ؛ وقَوْلُهُ تَعالى: "لِلْكَذِبِ"؛ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: "سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ"؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: "سَمّاعُونَ مِنكَ أقْوالَكَ مِن أجْلِ أنْ يَكُونُوا عَلَيْكَ؛ ويَنْقُلُوا حَدِيثَكَ؛ ويَزِيدُوا مَعَ الكَلِمَةِ أضْعافَها كَذِبًا"؛ وقَرَأ الحَسَنُ؛ وعِيسى بْنُ عُمَرَ: "لِلْكِذْبِ"؛ بِكَسْرِ الكافِ؛ وسُكُونِ الذالِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سَمّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ ﴾ ؛ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: يَسْمَعُونَ مِنهُمْ؛ وذَكَرَ الطَبَرِيُّ عن جابِرٍ أنَّ المُرادَ بِالقَوْمِ الآخَرِينَ يَهُودُ فَدَكَ؛ وقِيلَ: يَهُودُ خَيْبَرَ؛ وقِيلَ: أهْلُ الزانِيَيْنِ؛ وقِيلَ: أهْلُ الخِصامِ في القَتْلِ؛ والدِيَةِ؛ وهَؤُلاءِ القَوْمُ الآخَرُونَ هُمُ المَوْصُوفُونَ بِأنَّهم لَمْ يَأْتُوا النَبِيَّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى: "سَمّاعُونَ لِقَوْمٍ"؛ بِمَعْنى: جَواسِيسَ مُسْتَرِقِينَ لِلْكَلامِ؛ لِيَنْقُلُوهُ لِقَوْمٍ آخَرِينَ؛ وهَذا مِمّا يُمْكِنُ أنْ يَتَّصِفَ بِهِ المُنافِقُونَ ويَهُودُ المَدِينَةِ.

وقِيلَ لِسُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ: هَلْ جَرى لِلْجاسُوسِ ذِكْرٌ في كِتابِ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ -؟

فَقالَ: نَعَمْ؛ وتَلا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿ سَمّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

استئناف ابتدائي لتهوين تألّب المنافقين واليهود على الكذب والاضطراب في معاملة الرّسول صلى الله عليه وسلم وسوء طواياهم معه، بشرح صدر النبي صلى الله عليه وسلم ممَّا عسى أن يحزنه من طيش اليهود واستخفافهم ونفاق المنافقين.

وافتتح الخطاب بأشرف الصّفات وهي صفة الرّسالة عن الله.

وسبب نزول هذه الآيات حدَث أثناء مدّة نزول هذه السّورة فعقّبت الآيات النّازلة قبلها بها.

وسبب نزول هذه الآية وما أشارت إليه هو ما رواه أبو داوود، والواحدي في «أسباب النّزول»، والطبري في «تفسيره» ما محصّله: أنّ اليهود اختلفوا في حدّ الزاني (حين زنى فيهم رجل بامرأة من أهل خيبر أو أهل فَدَك)، بَين أن يُرجم وبين أن يجلد ويحمَّم اختلافاً ألجأهم إلى أن أرسلوا إلى يهود المدينة أن يحكِّموا رسول الله في شأن ذلك، وقالوا: إنْ حكم بالتّحميم قبِلْنا حكمَه وإن حكم بالرجم فلا تقبلوه، وأنّ رسول الله قال لأحبارهم بالمدينة: " ما تجدون في التّوراة على من زنى إذا أحْصن "، قالوا: يحمّم ويُجلد ويطاف به، وأنّ النّبيء صلى الله عليه وسلم كذّبهم وأعلمهم بأنّ حكم التّوراة هو الرّجم على من أحصَن، فأنكروا، فأمر بالتّوراة أن تنشر (أي تفتَح طيّاتها وكانوا يلفّونها على عود بشكل اصطواني) وجعَل بعضُهم يقرأها ويضع يده على آية الرجم (أي يقرؤها للّذين يفهمونها) فقال له رسول الله: ارفع يدك فرفع يده فإذا تحتها آية الرّجم، فقال رسول الله: " لأكونَن أوّل من أحيَى حُكم التّوراة " فحكم بأنّ يُرجم الرجل والمرأةُ.

وفي روايات أبي داوود أنّ قوله تعالى: ﴿ يأيّها الرّسول لا يحزنك الّذين يسارعون في الكفر ﴾ نزل في شأن ذلك، وكذلك روى الواحدي والطبري.

ولم يذكروا شيئاً يدلّ على سبب الإشارة إلى ذكر المنافقين في صدر هذه الآية بقوله: ﴿ من الّذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ﴾ .

ولعلّ المنافقين ممّن يبطنون اليهوديّة كانوا مشاركين لليهود في هذه القضية، أو كانوا ينتظرون أن لا يوجد في التّوراة حكم رجم الزّاني فيتّخذوا ذلك عذراً لإظهار ما أبطنوه من الكفر بعلّة تكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم وأحسب أنّ التجاء اليهود إلى تحكيم الرسول صلى الله عليه وسلم في ذلك ليس لأنّهم يصدّقون برسالته ولا لأنّهم يعُدّون حكمهُ ترجيحاً في اختلافهم ولكن لأنّهم يَعدّونه ولي الأمر في تلك الجهة وما يتبعها.

ولهم في قواعد أعمالهم وتقادير أحْبارهم أن يطيعوا ولاة الحكم عَليهم من غير أهل ملّتهم.

فلمّا اختلفوا في حكم دينهم جعلوا الحكم لغير المختلفين لأنّ حكم وليّ الأمر مطاع عندهم.

فحكَم رسول الله حكماً جمع بين إلزامهم بموجب تحكيمهم وبين إظهار خَطَئهم في العدول عن حكم كتابهم، ولذلك سمّاه الله تعالى القسط في قوله: ﴿ وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط ﴾ .

ويحتمل أن يكون ناشئاً عن رأي من يثبت منهم رسالة محمّد صلى الله عليه وسلم ويقول: إنّه رسول للأميّين خاصّة.

وهؤلاء هم اليهود العيسوية، فيكون حكمه مؤيّداً لهم، لأنّه يعدّ كالإخبار عن التّوراة، ويؤيّده ما رواه أبو داوود عن أبي هريرة أنّ يهودياً زنى بيهوديّة فقال بعضهم لبعض: اذهبُوا بنا إلى محمّد فإنّه بُعث بالتّخفيف، فإن أفتى بالجلد دون الرجم قِبلنا واحتججنا بها عند الله وقلنا فُتْيَا نبيء من أنبيائك، وإمّا أن يكون ذلك من نوع الاعتضاد بموافقة شريعة الإسلام فيكون ترجيح أحد التأويلين بموافقته لشرع آخر.

ويؤيّده ما رواه أبو داوود والترمذي أنّهم قالوا: ذهب سلطاننا فكرهنا القتل؛ وإمّا أن يكونوا قد عدلوا عن حكم شريعتهم توقّفاً عند التّعارض فمالوا إلى التّحكيم.

ولعلّ ذلك مباح في شرعهم، ويؤيّده أنّه ورد في حديث البخاري وغيره أنّهم لمّا استفتوا النّبيء صلى الله عليه وسلم انطلق مع أصحابه حتّى جَاء المدارس وهو بيت تعليم اليهود وحاجَّهُم في حكم الرّجم، وأجابه حَبران منهم يُدعيان بابْنَي صوريا بالاعتراف بثبوت حكم الرجم، في التّوراة؛ وإمّا أن يكونوا حكّموا النّبيء صلى الله عليه وسلم قصداً لاختباره فيما يدّعي من العلم بالوحي، وكان حكم الرجم عندهم مكتوماً لا يعلمه إلاّ خاصّة أحبارهم، ومنسياً لا يذكر بين علمائهم، فلمّا حَكم عليهم به بهتوا، ويؤيّد ذلك ما ظهر من مرادهم في إنكارهم وجود حكم الرّجم.

ففي «صحيح البخاري» أنّهم أنكروا أن يكون حكم الرجم في التّوراة وأنّ النّبيء صلى الله عليه وسلم جاء المدراس فأمر بالتّوراة فنشرت فجعل قارئهم يقرأ ويضع يده على آية الرجم وأنّ النّبيء صلى الله عليه وسلم أطلعه الله على ذلك فأمره أن يرفع يده وقرئت آية الرجم واعترف ابنَا صوريا بها.

وأيّامّا كان فهذه الحادثة مؤذنة باختلال نظام الشّريعة بين اليهود يومئذٍ وضعف ثقتهم بعلومهم.

ومعنى ﴿ لا يحزنك الّذين يسارعون ﴾ نهيه عن أن يحصل له إحزانٌ مسند إلى الّذين يسارعون في الكفر.

والإحزاننِ فِعل الّذين يسارعون في الكفر، والنّهي عن فعل الغير إنّما هو نهي عن أسبابه، أي لا تجعلْهم يحْزنونك، أي لا تهتمّ بما يفعلون ممّا شأنه أن يُدخِل الحزن على نفسك.

وهذا استعمال شائع وهو من استعمال المركّب في معناه الكِنائي.

ونظيره قولهم: لا أعرفَنَّك تفعل كذا، أي لا تفعل حتّى أعرفَه.

وقولهم: لا أُلفينّك هَهنا، ولاَ أرَيَنّك هنا.

وإسناد الإحزان إلى الّذين يسارعون في الكفر مجاز عقلي ليست له حقيقة لأنّ الّذين يسارعون سبب في الإحزان، وأمّا مثير الحزن في نفس المحزون فهو غير معروف في العرف؛ ولذلك فهو من المجاز الّذي ليست له حقيقة.

وأمّا كون الله هو موجد الأشياء كُلّها فذلك ليس ممّا تترتّب عليه حقيقة ومجاز؛ إذ لو كان كذلك لكان غالب الإسناد مجازاً عقلياً، وليس كذلك، وهذا ممّا يغلط فيه كثير من النّاظرين في تعيين حقيقة عقليّة لبعض موارد المجاز العقلي.

ولقد أجاد الشيخ عبد القاهر إذ قال في «دلائل الإعجاز» «اعلم أنّه ليس بواجب في هذا أن يكون للفعل فاعل في التّقدير إذا أنتَ نقلت الفعل إليه صار حقيقة فإنّك لا تجد في قولك: أقدمَني بَلَدَك حقّ لي على فلان، فاعلاً سوى الحقّ»، وكذلك في قوله: وصَيّرني هَوَاككِ وبِي *** لِحَيْني يُضرب المثَل و يزيدك وجهه حُسناً.

أنْ تزعم أن له فاعلاً قد نُقل عنه الفعل فجُعل للهوى وللوجه» اه.

ولقد وَهِمَ الإمام الرازي في تبيين كلام عبد القاهر فطفق يجلب الشّواهد الدّالة على أنّ أفعالاً قد أسندت لفاعل مجازي مع أنّ فاعلها الحقيقي هو الله تعالى، فإنّ الشّيخ لا يعزب عنه ذلك ولكنّه يبحث عن الفاعل الّذي يسند إليه الفعل حقيقة في عرف النّاس من مؤمنين وكافرين.

ويدلّ لذلك قوله: «إذا أنتَ نقلت الفعل إليه» أي أسندتَه إليه.

ومعنى المسارعة في الكفر إظهار آثاره عند أدنى مناسبة وفي كلّ فرصة، فشبّه إظهاره المتكرّرُ بإسراع الماشي إلى الشيء، كما يقال: أسرع إليه الشيب، وقوله: إذا نهي السفيه جرى إليه.

وعدّي بفي الدالّة على الظرفية للدلالة على أنّ الإسراع مجاز بمعنى التوغّل، فيكون (في) قرينة المجاز، كقولهم: أسْرع الفساد في الشيء، وأسْرع الشيب في رأس فلان.

فجعل الكفر بمنزلة الظّرف وجعل تخبّطهم فيه وشدّة ملابستهم إيّاه بمنزلة جولان الشّيء في الظرف جولاناً بنشاط وسرعة.

ونظيره قوله ﴿ يسارعون في الإثم ﴾ [المائدة: 62]، وقوله: ﴿ نسارع لهم في الخيرات ﴾ المؤمنون: 56)، ﴿ أولئك يسارعون في الخيرات ﴾ [المؤمنون: 61].

فهي استعارة متكرّرة في القرآن وكلام العرب.

وسيجيء ما هو أقوى منها وهو قوله: ﴿ يسارعون فيهم ﴾ [المائدة: 52].

وقوله: ﴿ من الّذين قالوا آمنّا بأفواههم ﴾ إلخ بيان للّذين يسارعون في الكفر.

والّذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم هم المنافقون.

وقوله: ﴿ ومن الّذين هادوا ﴾ معطوف على قوله: ﴿ من الّذين قالوا آمنّا ﴾ والوقفُ على قوله: ﴿ ومن الّذين هادوا ﴾ .

وقوله: ﴿ سمّاعون للكذب ﴾ خبر مبتدأ محذوف، تقديره: هم سمّاعون للكذب.

والظاهر أنّ الضّمير المقدّر عائد على الفريقين: المنافقين واليهودِ، بقرينة الحديث عن الفريقين.

وحذفُ المسند إليه في مثل هذا المقام حذف اتّبع فيه الاستعمال، وذلك بعد أن يذكروا متحدّثاً عنه أو بعدَ أن يصدر عن شيء أمر عجيب يأتون بأخبار عنه بجملة محذوففٍ المبتدأ منها، كقولهم للّذي يصيب بدون قصد «رَمْيَة من غير رَام»، وقول أبي الرقَيش: سريع إلى ابن العمّ يلطُمُ وجهه *** وليس إلى داعي الندى بسريع وقول بعض شعراء الحماسة: فتى غير محجوب الغنى عن صديقه *** ولا مظهر الشكوى إذا النّعل زلّت عقب قوله: سأشكر عَمْراً إن تراختْ منيّتي *** أياديَ لم تُمنَنْ وإن هي جَلَّت والسمَّاع: الكثيرُ السمع، أي الاستماععِ لما يقال له.

والسَّمع مستعمل في حقيقته، أي أنّهم يُصغون إلى الكلام الكذب وهم يعرفونه كَذِبا، أي أنّهم يحفلون بذلك ويتطلّبونه فيكثر سماعهم إيّاه.

وفي هذا كناية عن تفشّي الكذب في جماعتهم بين سامع ومختلق، لأنّ كثرة السمع تستلزم كثرة القول.

والمراد بالكذب كذب أحبارهم الزاعمين أنّ حكم الزّنى في التّوراة التّحميمُ.

وجملة ﴿ سمّاعون لقوم آخرين لم يأتوك ﴾ خبر ثان عن المبتدأ المحذوف.

والمعنى أنّهم يقبلون ما يأمرهم به قوم آخرون من كَتم غرضهم عن النّبيء صلى الله عليه وسلم حتّى إن حكم بما يهوَون اتّبعوه وإن حكم بما يخالف هواهم عصَوه، أي هم أتباع لقوم متستّرين هم القوم الآخرون، وهم أهل خيبر وأهل فَدَك الّذين بعثوا بالمسألة ولم يأت أحد منهم النّبيء صلى الله عليه وسلم واللام في ﴿ لِقوم ﴾ للتقوية لضعف اسم الفاعل عن العمل في المفعول.

وجملة ﴿ يحرّفون الكلم ﴾ صفة ثانية ﴿ لقوم آخرين ﴾ أو حال، ولك أن تجعلها حالاً ﴿ من الّذين يسارعون في الكفر ﴾ .

وتقدّم الكلام في تحريف الكلم عند قوله تعالى: ﴿ من الّذين هادوا يحرّفون الكلم عن مواضعه ﴾ في سورة النّساء (46)، وأنّ التّحريف الميل إلى حرف، أي جانب، أي نقله من موضعه إلى طرف آخر.

وقال هنا مِن بعد مواضعه، وفي سورة النساء (46) عَن مواضعه، لأنّ آية سورة النّساء في وصف اليهود كلّهم وتحريفهم في التّوراة.

فهو تغيير كلام التّوراة بكلام آخر عن جهل أو قصد أو خطأ في تأويل معاني التّوراة أو في ألفاظها.

فكان إبعاداً للكلام عن مواضعه، أي إزالة للكلام الأصلي سواء عوّض بغيره أو لم يعوّض.

وأمّا هاته الآية ففي ذكر طائفة معيّنة أبطلوا العمل بكلام ثابتتٍ في التّوراة إذْ ألغوا حكم الرّجم الثّابت فيها دون تعويضه بغيره من الكلام، فهذا أشدّ جرأة من التّحريف الآخر، فكان قوله: من بعد مواضعه} أبلغَ في تحريف الكلام، لأنّ لفظ (بعد) يقتضي أنّ مواضع الكلم مستقرّة وأنّه أبطل العمل بها مع بقائها قائمة في كتاب التّوراة.

والإشارة الّتي في قوله: ﴿ إن أوتيتم هذا ﴾ إلى الكلم المحرّف.

والإيتاء هنا: الإفادة كقوله: ﴿ وآتاه الله المُلك والحكمة ﴾ [البقرة: 251].

والأخذ: القبول، أي إن أُجبتم بمثل ما تهوَون فاقبلوه وإن لم تجَابوه فاحذروا قبوله.

وإنّما قالوا: فاحذروا، لأنّه يفتح عليهم الطعن في أحكامهم الّتي مَضَوْا عليها وفي حكّامهم الحاكمين بها.

وإرادة الله فتنة المفتون قضاؤها له في الأزل، وعلامة ذلك التّقدير عدم إجداء الموعظة والإرشاد فيه.

فذلك معنى قوله: ﴿ فلَن تملك له من الله شيئاً ﴾ ، أي لا تبلغ إلى هديه بما أمرك الله به من الدّعوة للنّاس كافّة.

وهذا التّركيب يدلّ على كلام العرب على انتفاء الحيلة في تحصيل أمر مّا.

ومدلول مفرداته أنّك لا تملك، أي لا تقدر على أقلّ شيء من الله، أي لا تستطيع نيل شيء من تيسير الله لإزالة ضلالة هذا المفتون، لأنّ مادّة المِلك تدلّ على تمام القدرة، قال قَيْس بن الخطيم: مَلكتُ بها كَفِّي فأنْهَر فَتْقَهَا *** أي شددت بالطعنة كفّي، أي ملكتها بكفّي، وقال النّبيء صلى الله عليه وسلم لعُيَينة بن حِصْن " أوَ أمْلِكُ لك أن نزع الله من قلبك الرّحمة " وفي حديث دعوة الرّسول صلى الله عليه وسلم عشيرته " فإنّي لا أغني عنكم من الله شيئاً " و ﴿ شيئاً ﴾ منصوب على المفعولية.

وتنكير ﴿ شيئاً ﴾ للتقليل والتّحقير، لأنّ الاستفهام لمّا كان بمعنى النّفي كان انتفاء ملك شيء قليللٍ مقتضياً انتفاءَ ملك الشيء الكثير بطريق الأولى.

والقول في قوله: ﴿ أولئك الّذين لم يرد الله أن يطهّر قلوبهم ﴾ كالقول في قوله: ﴿ ومن يرد الله فتنته ﴾ .

والمراد بالتطهير التهيئة لقبول الإيمان والهدَى أو أراد بالتطهير نفس قبول الإيمان.

والخزي تقدّم عند قوله تعالى: ﴿ إلاّ خزي ﴾ في سورة البقرة (85)، وقوله: ﴿ ربنا إنّك من تدخل النار فقد أخزيته ﴾ في سورة آل عمران (192).

وأعاد سَمَّاعون للكذب } للتّأكيد وليرتّب عليه قوله ﴿ أكّالون للسحت ﴾ .

ومعنى ﴿ أكَّالون للسحت ﴾ أخَّاذون له، لأنّ الأكل استعارة لتمام الانتفاع.

والسحت بضمّ السين وسكون الحاء الشيء المسحوت، أي المستأصل.

يقال: سحته إذا استأصَله وأتلفه.

سمّي به الحرام لأنّه لا يُبارك فيه لصاحبه، فهو مسحوت وممحوق، أي مقدّر له ذلك، كقوله ﴿ يمحق الله الرّبا ﴾ [البقرة: 276]، قال الفرزدق: وعَضُّ زماننٍ يابنَ مروانَ لم يَدع *** من المال إلاّ مُسْحَت أو مجَنَّف والسحت يشمل جميع المال الحرام، كالربا والرّشوة وأكل مال اليتيم والمغصوب.

وقرأ نافع، وابن عامر، وعاصم، وحمزة، وأبو جعفر، وخلف «سحْت» بسكون الحاء وقرأه الباقون بضمّ الحاء إتْباعاً لضمّ السّين.

تفريع على ما تضمّنه قوله تعالى: ﴿ سمّاعون لقوم آخرين لم يأتوك ﴾ وقوله: ﴿ يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه ﴾ ، فإنّ ذلك دلّ على حِوار وقع بينهم في إيفاد نفر منهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم للتحكيم في شأن من شئونهم مالت أهواؤهم إلى تغيير حكم التّوراة فيه بالتّأويل أو الكتمان، وأنكر عليهم منكرون أو طالبوهم بالاستظهار على تأويلهم فطمعوا أن يجدوا في تحكيم النّبيء صلى الله عليه وسلم ما يعتضدون به.

وظاهر الشرط يقتضي أنّ الله أعلم رسوله باختلافهم في حكم حدّ الزّنا، وبعزمهم على تحكيمه قبل أن يصل إليه المستفتون.

وقد قال بذلك بعض المفسّرين فتكون هذه الآية من دلائل النّبوءة.

ويحتمل أنّ المراد: فإن جاؤوك مرّة أخرى فاحكم بينهم أو أعرض عنهم.

وقد خيّر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم في الحكم بينهم والإعراض عنهم.

ووجه التخيير تعارض السببين؛ فسبب إقامة العدل يقتضي الحكمَ بينهم، وسبب معاملتهم بنقيض قصدهم من الاختبار أو محاولة مصادفة الحكم لهواهم يقتضي الإعراض عنهم لئلاّ يعرّض الحكم النبوي للاستخفاف.

وكان ابتداء التخيير في لفظ الآية بالشقّ المقتضي أنّه يحكم بينهم إشارة إلى أنّ الحكم بينهم أولى.

ويؤيّده قوله بعد ﴿ وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إنّ الله يحبّ المقسطين ﴾ أي بالحقّ، وهو حكم الإسلام بالحدّ.

وأمّا قوله: ﴿ وإن تُعرض عنهم فلن يضرّوك شيئاً ﴾ فذلك تطمين للنّبيء صلى الله عليه وسلم لئلاّ يقول في نفسه: كيف أعرض عنهم، فيتّخذوا ذلك حجّة علينا.

يقولون: ركنّا إليكم ورضينا بحكمكم فأعرضتم عنّا فلا نسمع دعوتكم من بعد.

وهذا ممّا يهتمّ به النّبيء صلى الله عليه وسلم لأنّه يؤول إلى تنفير رؤسائِهم دهماءَهم من دعوة الإسلام فطمّنه الله تعالى بأنّه إنْ فعل ذلك لا تنشأ عنه مضرّة.

ولعلّ في هذا التطمين إشعاراً بأنّهم لا طمع في إيمانهم في كلّ حال.

وليس المراد بالضرّ ضرّ العداوة أو الأذى لأنّ ذلك لا يهتمّ به النّبيء صلى الله عليه وسلم ولا يخشاه منهم، خلافاً لما فسّر به المفسّرون هنا.

وتنكير ﴿ شيئاً ﴾ للتحقير كما هو في أمثاله، مثل ﴿ فلَن تملك له من الله شيئاً ﴾ وهو منصوب على المفعوليّة المطلقة لأنّه في نية الإضافة إلى مصدر، أي شيئاً من الضرّ، فهو نائب عن المصدر.

وقد تقدّم القول في موقع كلمة شيء عند قوله تعالى: ﴿ ولنبلونَّكم بشيء من الخوف والجوع ﴾ في سورة البقرة (155).

والآية تقتضي تخيير حكّام المسلمين في الحكم بين أهل الكتاب إذا حكّموهم؛ لأنّ إباحة ذلك التخيير لغير الرسول من الحكّام مساو إباحته للرسول.

واختلف العلماء في هذه المسألة وفي مسألة حكم حكّام المسلمين في خصومات غير المسلمين.

وقد دلّ الاستقراء على أنّ الأصل في الحكم بين غير المسلمين إذا تنازع بعضهم مع بعض أن يحكم بينهم حكّام ملّتهم، فإذا تحاكموا إلى حكّام المسلمين فإن كان ما حدث من قبيل الظلم كالقتل والغصب وكلّ ما ينتشر منه فساد فلا خلاف أنّه يجب الحكم بينهم (وعلى هذا فالتخيير الذي في الآية مخصوص بالإجماع).

وإن لم يكن كذلك كالنزاع في الطلاق والمعاملات.

فمن العلماء من قال: حكم هذا التخيير مُحْكم غير منسوخ، وقالوا: الآية نزلت في قصّة الرجم (الّتي رواها مالك في الموطأ} والبخاري ومن بعده) وذلك أنّ يهودياً زنى بامرأة يهوديّة، فقال جميعهم: لنسأل محمّداً عن ذلك.

فتحاكموا إليه، فخيّره الله تعالى.

واختلف أصحاب هذا القول فقال فريق منهم: كان اليهود بالمدينة يومئذٍ أهل موادعة ولم يكونوا أهل ذمّة، فالتّخيير باق مع أمثالهم ممّن ليس داخلاً تحت ذمّة الإسلام، بخلاف الّذين دخلوا في ذمّة الإسلام، فهؤلاء إذا تحاكموا إلى المسلمين وجب الحكم بينهم.

وهو قول ابن القاسم في رواية عيسى بن دينار، لأنّ اليهوديين كانا من أهل خيبر أو فَدَك وهما يومئذٍ من دار الحرب في موادعة.

وقال الجمهور: هذا التخيير عام في أهل الذمّة أيضاً.

وهذا قول مالك ورواية عن الشافعي.

قال مالك: الأعراض أولى.

وقيل: لا يحكم بينهم في الحدود، وهذا أحد قولي الشافعي.

وقيل: التّخيير منسوخ بقوله تعالى بعد ﴿ وأن احكم بينهم بما أنزل الله ﴾ [المائدة: 49]، وهو قول أبي حنيفة، وقاله ابن عبّاس، ومجاهد، وعكرمة، والسديّ، وعمر بن عبد العزيز، والنخَعي، وعطاء، الخراساني، ويبعده أنّ سياق الآيات يقتضي أنّها نزلت في نسق واحد فيبعد أن يكون آخرها نسخاً لأوّلها.

وقوله: ﴿ وإنْ حكمتَ فاحكم بينهم بالقسط ﴾ أي بالعدل.

والعدل: الحكم الموافق لشريعة الإسلام.

وهذا يحتمل أنّ الله نهى رسوله عن أن يحكم بينهم بما في التّوراة لأنّها شريعة منسوخة بالإسلام.

وهذا الّذي رواه مالك.

وعلى هذا فالقصّة الّتي حكّموا فيها رسول الله لم يحكم فيها الرسول على الزانيين ولكنّه قَصَر حكمه على أن بيّن لليهود حقيقة شرعهم في التّوراة، فاتّضح بطلان ما كانوا يحكمون به لعدم موافقته شرعهم ولا شرْع الإسلام؛ فهو حُكم على اليهود بأنّهم كتموا.

ويكون مَا وقع في حديث «الموطأ» والبخاري: أنّ الرجل والمرأة رُجما، إنّما هو بحكم أحبارهم.

ويحتمل أنّ الله أمره أن يحكُم بينهم بما في التّوراة لأنّه يوافق حكم الإسلام؛ فقد حكم فيه بالرجم قبل حدوث هذه الحادثة أو بعدها.

ويحتمل أنّ الله رخّص له أن يحكم بينهم بشرعهم حين حكَّموه.

وبهذا قال بعض العلماء فيما حكاه القرطبي.

وقائل هذا يقول: هذا نُسخ بقوله تعالى: ﴿ وأن احكم بينهم بما أنزل الله ﴾ [المائدة: 49]، وهو قول جماعة من التّابعين.

ولا داعي إلى دعوى النسخ، ولعلّهم أرادوا به ما يشمل البيان، كما سنذكره عند قوله: ﴿ فاحكم بينهم بما أنزل الله ﴾ [المائدة: 48].

والّذي يستخلص من الفقه في مسألة الحكم بين غير المسلمين دون تحكيم: أنّ الأمّة أجمعت على أنّ أهل الذمّة داخلون تحت سلطان الإسلام، وأنّ عهود الذمّة قضت بإبقائهم على ما تقتضيه مللهم في الشؤون الجارية بين بعضهم مع بعض بما حددتْ لهم شرائعهم.

ولذلك فالأمور الّتي يأتونها تنقسم إلى أربعة أقسام: القسم الأوّل: ما هو خاصّ بذات الذمّيّ من عبادته كصلاته وذبحه وغيرها ممّا هو من الحلال والحرام.

وهذا لا اختلاف بين العلماء في أنّ أيمّة المسلمين لا يتعرّضون لهم بتعطيله إلاّ إذا كان فيه فساد عامّ كقتل النّفس.

القسم الثّاني: ما يجري بينهم من المعاملات الراجعة إلى الحلال والحرام في الإسلام، كأنواع من الأنكحة والطلاق وشرب الخمر والأعمال الّتي يستحلّونها ويحرّمها الإسلام.

وهذه أيضاً يقرّون عليها، قال مالك: لا يقام حَدّ الزنا على الذميّين، فإن زنى مسلم بكتابية يحدّ المسلم ولا تحدّ الكتابية.

قال ابن خُويز منداد: ولا يُرسل الإمام إليهم رسولاً ولا يُحضِر الخصمَ مجلسه.

القسم الثّالث: ما يتجاوزهم إلى غيرهم من المفاسد كالسرقة والاعتداء على النفوس والأعراض.

وقد أجمع علماء الأمّة على أنّ هذا القسم يجري على أحكام الإسلام، لأنّا لم نعاهدهم على الفسادِ، وقد قال تعالى: ﴿ والله لا يحبّ الفساد ﴾ [البقرة: 205]، ولذلك نمنعهم من بيع الخمر للمسلمين ومن التظاهر بالمحرّمات.

القسم الرّابع: ما يجري بينهم من المعاملات الّتي فيها اعتداء بعضهم على بعض: كالجنايات، والديون، وتخاصم الزوجين.

فهذا القسم إذا تراضوا فيه بينهم لا نتعرّض لهم، فإن استعدى أحدهم على الآخر بحاكم المسلمين.

فقال مالك: يقضي الحاكم المسلم بينهم فيه وجوباً، لأنّ في الاعتداء ضرباً من الظلم والفساد، وكذلك قال الشافعي، وأبو يوسف، ومحمّد، وزفر.

وقال أبو حنيفة: لا يَحكم بينهم حتّى يتراضى الخصمان معاً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ في الكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنّا بِأفْواهِهِمْ ولَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ ﴾ يَعْنِي بِهِ المُنافِقِينَ المُظْهِرِينَ لِلْإيمانِ المُبْطِنِينَ لِلْكُفْرِ.

﴿ وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا ﴾ يَعْنِي اليَهُودَ.

﴿ سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ ﴾ لِيَكْذِبُوا عَلَيْكَ عِنْدَهم إذا أتَوْا مِن بَعْدِهِمْ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ، والزَّجّاجِ.

والثّانِي: أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ ﴾ أيْ قائِلُونَ لِلْكَذِبِ عَلَيْكَ.

وَ ﴿ سَمّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ ﴾ يَعْنِي في قِصَّةِ الزّانِي المُحْصَنِ مِنَ اليَهُودِ الَّذِي حَكَمَ رَسُولُ اللَّهِ  فَأنْكَرُوهُ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

﴿ يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ مِن بَعْدِ مَواضِعِهِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم إذا سَمِعُوا كَلامَ النَّبِيِّ  غَيَّرُوهُ بِالكَذِبِ عَلَيْهِ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ.

والثّانِي: هو تَغْيِيرُ حُكْمِ اللَّهِ تَعالى في جَلْدِ الزّانِي بَدَلًا مِن رَجْمِهِ، وقِيلَ في إسْقاطِ القَوْدِ عِنْدَ اسْتِحْقاقِهِ.

﴿ يَقُولُونَ إنْ أُوتِيتُمْ هَذا فَخُذُوهُ وإنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فاحْذَرُوا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: «أنَّهُ يُرِيدُ بِذَلِكَ حِينَ زَنى رَجُلٌ مِنهم بِامْرَأةٍ فَأنْفَذُوهُ إلى النَّبِيِّ  لِيَحْكُمَ بَيْنَهم وقالُوا: إنْ حَكَمَ عَلَيْكم بِالجَلْدِ فاقْبَلُوهُ وإنْ حَكَمَ عَلَيْكم بِالرَّجْمِ فَلا تَقْبَلُوهُ، فَقامَ النَّبِيُّ  إلى مَدارِسِ تَوْراتِهِمْ وفِيها أحْبارُهم يَتْلُونَ التَّوْراةَ، فَأتى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صُورِيّا، وكانَ أعْوَرَ، وهو مِن أعْلَمِهِمْ فَقالَ لَهُ أسْألُكَ بِالَّذِي أنْزَلَ التَّوْراةَ بِطُورِ سَيْناءَ عَلى مُوسى بْنِ عِمْرانَ هَلْ في التَّوْراةِ الرَّجْمُ؟

فَأمْسَكَ، فَلَمْ يَزَلْ بِهِ حَتّى اعْتَرَفَ، فَأمَرَ بِهِما النَّبِيُّ  فَرُجِما، قالَ عَبْدُ اللَّهِ: وكُنْتُ فِيمَن رَجَمَهُ وأنَّهُ لَيَقِيها الأحْجارَ بِنَفْسِهِ حَتّى ماتَتْ»، ثُمَّ إنَّ ابْنَ صُورِيّا أنْكَرَ وفِيهِ أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وجابِرٍ، وسَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، والسُّدِّيِّ، وابْنِ زَيْدٍ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ ذَلِكَ في قَتِيلٍ مِنهم، قالَ الكَلْبِيُّ: قَتَلَتْ بَنُو النَّضِيرِ رَجُلًا مِن بَنِي قُرَيْظَةَ وكانُوا يَمْتَنِعُونَ بِالِاسْتِطالَةِ عَلَيْهِمْ مِنَ القَوْدِ بِالدِّيَةِ، وإذا قَتَلَتْ بَنُو قُرَيْظَةَ مِنهم رَجُلًا لَمْ يَقْنَعُوا إلّا بِالقَوْدِ دُونَ الدِّيَةِ، قالُوا: إنْ أفْتاكم بِالدِّيَةِ فاقْبَلُوهُ وإنْ أفْتاكم بِالقَوْدِ فَرُدُّوهُ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ.

﴿ وَمَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ ﴾ فِيهِ ثَلاثُ تَأْوِيلاتٍ.

أحَدُها: عَذابُهُ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ.

والثّانِي: إضْلالُهُ، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ.

والثّالِثُ: فَضِيحَتُهُ، وهو قَوْلُ الزَّجّاجِ.

﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: لَمْ يُطَهِّرْها مِنَ الضِّيقِ والحَرَجِ عُقُوبَةً لَهم.

والثّانِي: لَمْ يُطَهِّرْها مِنَ الكُفْرِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ أكّالُونَ لِلسُّحْتِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ.

أحَدُهُما: أنَّ السُّحْتَ الرِّشْوَةُ، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ النَّبِيِّ  .

والثّانِي: أنَّهُ الرِّشْوَةُ في الحُكْمِ، وهو قَوْلُ عَلِيٍّ.

والثّالِثُ: هو الِاسْتِعْجالُ في القَضِيَّةِ، وهو قَوْلُ أبِي هُرَيْرَةَ.

والرّابِعُ: ما فِيهِ الغارُّ مِنَ الأثْمانِ المُحَرَّمَةِ: كَثَمَنِ الكَلْبِ، والخِنْزِيرِ، والخَمْرِ وعَسَبِ الفَحْلِ، وحُلْوانِ الكاهِنِ.

وَأصْلُ السُّحْتِ الِاسْتِئْصالُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَيُسْحِتَكم بِعَذابٍ ﴾ أيْ يَسْتَأْصِلُكم، وقالَ الفَرَزْدَقُ وعَضُّ زَمانٍ يا ابْنَ مَرْوانَ لَمْ يَدَعْ مِنَ المالِ إلّا مُسْحِتًا أوْ مُجْلِفْ فَسُمِّيَ سُحْتًا لِأنَّهُ يَسْحَتُ الدِّينَ والمُرُوءَةَ.

﴿ فَإنْ جاءُوكَ فاحْكم بَيْنَهم أوْ أعْرِضْ عَنْهُمْ ﴾ فِيمَن أُرِيدَ بِذَلِكَ قَوْلانِ: أحَدُهُما: اليَهُودِيّانِ اللَّذانِ زَنَيا خُيِّرَ رَسُولُ اللَّهِ  أنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُما بِالرَّجْمِ أوْ يَدَعَ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ، ومُجاهِدٍ، والزُّهْرِيِّ.

والثّانِي: أنَّها في نَفْسَيْنِ مِن بَنِي قُرَيْظَةَ وبَنِي النَّضِيرِ قَتَلَ أحَدُهُما صاحِبَهُ فَخُيِّرَ رَسُولُ اللَّهِ  عِنْدَ احْتِكامِهِما إلَيْهِ بَيْنَ أنْ يَحْكُمَ بِالقَوْدِ أوْ يَدَعَ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ.

واخْتَلَفُوا في التَّخْيِيرِ في الحُكْمِ بَيْنَهم، هَلْ هو ثابِتٌ أوْ مَنسُوخٌ؟

عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ ثابِتٌ وأنَّ كُلَّ حاكِمٍ مِن حُكّامِ المُسْلِمِينَ مُخَيَّرٌ في الحُكْمِ بَيْنَ أهْلِ الذِّمَّةِ بَيْنَ أنْ يَحْكُمَ أوْ يَدَعَ، وهَذا قَوْلُ الشَّعْبِيِّ، وقَتادَةَ، وعَطاءٍ، وإبْراهِيمَ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ ذَلِكَ مَنسُوخٌ، وأنَّ الحُكْمَ بَيْنَهم واجِبٌ عَلى مَن تَحاكَمُوا إلَيْهِ مِن حُكّامِ المُسْلِمِينَ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، ومُجاهِدٍ، وعُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ، وعِكْرِمَةَ، وقَدْ نَسَخَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأنِ احْكم بَيْنَهم بِما أنْزَلَ اللَّهُ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ فِيها حُكْمُ اللَّهِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: حُكْمُ اللَّهِ بِالرَّجْمِ.

والثّانِي: حُكْمُ اللَّهِ بِالقَوْدِ.

﴿ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: بَعْدَ حُكْمِ اللَّهِ في التَّوْراةِ.

والثّانِي: بَعْدَ تَحْكِيمِكَ.

﴿ وَما أُولَئِكَ بِالمُؤْمِنِينَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أيْ في تَحْكِيمِكَ أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ مَعَ جُحُودِهِمْ نُبُوَّتَكَ.

والثّانِي: يَعْنِي في تَوَلِّيهِمْ عَنْ حُكْمِ اللَّهِ غَيْرَ راضِينَ بِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنّا أنْزَلْنا التَّوْراةَ فِيها هُدًى ونُورٌ ﴾ يَعْنِي بِالهُدى الدَّلِيلُ.

وَبِالنُّورِ البَيانُ.

﴿ يَحْكُمُ بِها النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أسْلَمُوا ﴾ فِيهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم جَماعَةُ أنْبِياءَ مِنهم مُحَمَّدٌ  .

والثّانِي: المُرادُ نَبِيُّنا مُحَمَّدٌ  وحْدَهُ وإنْ ذُكِرَ بِلَفْظِ الجَمْعِ.

وَفِي الَّذِي يَحْكُمُ بِهِ مِنَ التَّوْراةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ أرادَ رَجْمَ الزّانِي المُحْصَنِ، والقَوَدَ مِنَ القاتِلِ العامِدِ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ الحُكْمُ بِجَمِيعِ ما فِيها مِن غَيْرِ تَخْصِيصٍ ما لَمْ يَرِدْ بِهِ نَسْخٌ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ لِلَّذِينَ هادُوا ﴾ يَعْنِي عَلى الَّذِينَ هادُوا، وهُمُ اليَهُودُ، وفي جَوازِ الحُكْمِ بِها عَلى غَيْرِ اليَهُودِ وجْهانِ: عَلى اخْتِلافِهِمْ في التِزامِنا شَرائِعَ مَن قَبْلَنا إذا لَمْ يَرِدْ بِهِ نَصٌّ يَنْسَخُ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ والرَّبّانِيُّونَ والأحْبارُ ﴾ واحِدُ الأحْبارِ حَبْرٌ بِالفَتْحِ، قالَ الفَرّاءُ، أكْثَرُ ما سَمِعْتُ حِبْرٌ بِالكَسْرِ، وهو العالِمُ، سُمِّيَ بِذَلِكَ اشْتِقاقًا مِنَ التَّحْبِيرِ، وهو التَّحْسِينُ لِأنَّ العالِمَ يُحَسِّنُ الحَسَنَ ويُقَبِّحُ القَبِيحَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِأنَّ العِلْمَ في نَفْسِهِ حَسَنٌ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ بِما اسْتُحْفِظُوا مِن كِتابِ اللَّهِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ يَحْكُمُونَ بِما اسْتُحْفِظُوا مِن كِتابِ اللَّهِ.

والثّانِي: مَعْناهُ والعُلَماءُ بِما اسْتُحْفِظُوا مِن كِتابِ اللَّهِ.

وَفي ﴿ اسْتُحْفِظُوا ﴾ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: اسْتُودِعُوا، وهو قَوْلُ الأخْفَشِ.

والثّانِي: العِلْمُ بِما حَفِظُوا، وهو قَوْلُ الكَلْبِيِّ.

﴿ وَكانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ ﴾ يَعْنِي عَلى حُكْمِ النَّبِيِّ  أنَّهُ في التَّوْراةِ.

﴿ فَلا تَخْشَوُا النّاسَ واخْشَوْنِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: فَلا تَخْشَوْهم في كِتْمانِ ما أنْزَلَتْ، وهَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ.

والثّانِي: في الحُكْمِ بِما أنْزَلَتْ.

﴿ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَنًا قَلِيلا ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ لا تَأْخُذُوا عَلى كِتْمانِها أجْرًا.

والثّانِي: مَعْناهُ لا تَأْخُذُوا عَلى تَعْلِيمِها أجْرًا.

﴿ وَمَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ ﴾ ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ ﴾ ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ ﴾ وفي اخْتِلافِ هَذِهِ الآيِ الثَّلاثِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها وارِدَةٌ في اليَهُودِ دُونَ المُسْلِمِينَ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وحُذَيْفَةَ، والبَراءِ، وعِكْرِمَةَ.

الثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في أهْلِ الكِتابِ، وحُكْمُها عامٌّ في جَمِيعِ النّاسِ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ، وإبْراهِيمَ.

والثّالِثُ: أنَّهُ أرادَ بِالكافِرِينَ أهْلَ الإسْلامِ، وبِالظّالِمِينَ اليَهُودَ، وبِالفاسِقِينَ النَّصارى، وهَذا قَوْلُ الشَّعْبِيِّ.

والرّابِعُ: أنَّ مَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ جاحِدًا بِهِ، فَهو كافِرٌ، ومَن لَمْ يَحْكم مُقِرًّا بِهِ فَهو ظالِمٌ فاسِقٌ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر ﴾ قال: هم اليهود ﴿ من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ﴾ قال: هم المنافقون.

وأخرج أحمد وأبو داود وابن جرير وابن المنذر والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس قال: إن الله أنزل ﴿ ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ﴾ [ المائدة: 44] الظالمون، الفاسقون، أنزلها الله في طائفتين من اليهود قهرت إحداهما الأخرى في الجاهلية حتى ارتضوا واصطلحوا، على أن كل قتيل قتلته الغريزة من الذليلة فديته خمسون وسقاً، وكل قتيل قتلته الذليلة من الغريزة فديته مائة وسق، فكانوا على ذلك حتى قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، فنزلت الطائفتان كلتاهما لمقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ لم يظهر عليهم، فقامت الذليلة فقالت: وهل كان هذا في حيين قط دينهما واحد، ونسبهما واحد، وبلدهما واحد، ودية بعضهم نصف دية بعض، إنما أعطيناكم هذا ضيماً منكم لنا وفرقاً منكم، فاما إذ قدم محمد صلى الله عليه وسلم فلا نعطيكم ذلك، فكادت الحرب تهيج بينهم، ثم ارتضوا على أن يجعلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم، ففكرت الغريزة فقالت: والله ما محمد بمعطيكم منهم ضعف ما يعطيهم منكم، ولقد صدقوا، ما أعطونا هذا إلا ضيماً وقهراً لهم، فدسوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاخبر الله رسوله بأمرهم كله وماذا أرادوا، فأنزل الله: ﴿ يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر ﴾ إلى قوله: ﴿ ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون ﴾ ، ثم قال: «فيهم- والله- أنزلت» .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن عامر الشعبي في قوله: ﴿ لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر ﴾ قال: رجل من اليهود قتل رجلاً من أهل دينه، فقالوا لحلفائهم من المسلمين: سلوا محمداً صلى الله عليه وسلم فإن كان يقضي بالدية اختصمنا إليه، وإن كان يقضي بالقتل لم نأته.

وأخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في سننه عن أبي هريرة أن أحبار اليهود اجتمعوا في بيت المدراس حين قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، وقد زنى رجل بعد احصانه بامرأة من اليهود وقد أحصنت، فقالوا: ابعثوا هذا الرجل وهذه المرأة إلى محمد فاسألوه كيف الحكم فيهما وولوه الحكم فيهما، فإن حكم بعملكم من التجبية، والجلد بحبل من ليف مطلي بقار، ثم يسود وجوههما، ثم يحملان على حمارين وجوههما من قبل أدبار الحمار، فاتبعوه فإنما هو ملك سيد القوم، وإن حكم فيهما بالنفي فإنه نبي فاحذروه على ما في أيديكم أن يسلبكم.

فأتوه فقالوا: يا محمد.

هذا رجل قد زنى بعد إحصانه بامرأة قد أحصنت، فاحكم فيهما فقد وليناك الحكم فيهما، فمشى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى أحبارهم في بيت المدراس فقال: «يا معشر يهود، أخرجوا إليَّ علماءكم، فأخرجوا إليه عبد الله بن صوريا، وياسر بن أخطب، ووهب بن يهودا» ، فقالوا: هؤلاء علماؤنا.

فسألهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم حصل أمرهم إلى أن قالوا لعبد الله بن صوريا: هذا أعلم من بقي بالتوراة، فخلا رسول الله صلى الله عليه وسلم به وشدد المسألة وقال: «يا ابن صوريا، أنشدك الله وأذكرك أيامه عند بني إسرائيل، هل تعلم أن الله حكم فيمن زنى بعد إحصانه بالرجم في التوراة؟» فقال: اللهم نعم، أما والله يا أبا القاسم، إنهم ليعرفون أنك مرسل ولكنهم يحسدونك، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمر بهما فرجما عند باب المسجد، ثم كفر بعد ذلك ابن صوريا وجحد نبوّة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله: ﴿ يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر ﴾ الآية.

وأخرج عبد الرزاق وأحمد وعبد بن حميد وأبو داود وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل عن أبي هريرة قال أول مرجوم رجمه رسول الله صلى الله عليه وسلم من اليهود، زنى رجل منهم وامرأة، فقال بعضهم لبعض: اذهبوا بنا إلى هذا النبي فإنه نبي بعث بتخفيف، فإن أفتانا بفتيا دون الرجم قبلناها واحتججنا بها عند الله، وقلنا: فتيا نبي من أنبيائك.

قال: فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم وهو جالس في المسجد وأصحابه، فقالوا: يا أبا القاسم ما ترى في رجل وامرأة منهم زنيا؟

فلم يكلمه كلمة حتى أتى مدراسهم، فقام على الباب فقال: «أنشدك الله الذي أنزل التوراة على موسى، ما تجدون في التوراة على من زنى إذا أحصن؟» قالوا يحمم ويجبه ويجلد، والتجبية أن يحمل الزانيان على حمار، ويقابل أقفيتهما، ويطاف بهما، وسكت شاب، فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم سكت، ألظ النشدة فقال: اللهم نشدتنا فإنا نجد في التوراة الرجم، ثم زنى رجل في أسرة من الناس، فأراد رجمه فحال قومه دونه، وقالوا: والله ما نرجم صاحبنا حتى تجيء بصاحبك فترجمه، فاصطلحوا بهذه العقوبة بينهم.

قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فإني أحكم بما في التوراة، فأمر بهما فرجما» .

قال الزهري: فبلغنا أن هذه الآية نزلت فيهم ﴿ إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا ﴾ [ المائدة: 44] فكان النبي صلى الله عليه وسلم منهم.

وأخرج أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي والنحاس في ناسخه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن البراء بن عازب قال: مر على النبي صلى الله عليه وسلم يهودي محمم مجلود، فدعاهم فقال: «أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟

قالوا: نعم، فدعا رجلاً من علمائهم فقال: أنشدك بالله الذي أنزل التوراة على موسى: أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟

قال: اللهم لا، ولولا أنك نشدتني بهذا لم أخبرك، نجد حد الزاني في كتابنا الرجم، ولكنه كثر في أشرافنا، فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه، وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد، فقلنا: تعالوا نجعل شيئاً نقيمه على الشريف والوضيع، فاجتمعنا على التحميم والجلد، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه» ، وأمر به فرجم، فأنزل الله: ﴿ يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر ﴾ إلى قوله: ﴿ إن أوتيتم هذا فخذوه ﴾ وإن أفتاكم بالرجم ﴿ فاحذروا ﴾ إلى قوله: ﴿ ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ﴾ قال في اليهود ﴿ ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون ﴾ [ المائدة: 45] قال: في النصارى إلى قوله: ﴿ ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون ﴾ [ المائدة: 47] قال: في الكفار كلها.

وأخرج البخاري ومسلم عن ابن عمر قال: «إن اليهود جاؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكروا له رجلاً منهم وامرأة زنيا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:» ما تجدون في التوراة؟

قالوا: نفضحهم ويجلدون.

قال عبد الله بن سلام: كذبتم ان فيها آية الرجم، فأتوا بالتوراة فنشروها، فوضع أحدهم يده على آية الرجم، فقال ما قبلها وما بعدها، فقال عبد الله بن سلام: ارفع يدك، فرفع يده فإذا آية الرجم.

قالوا: «صدق، فأمر بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجما» .

وأخرج ابن جرير والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا ﴾ قال «هم اليهود، زنت منهم امرأة وقد كان حكم الله في التوراة في الزنا الرجم، فنفسوا أن يرجموها وقالوا: انطلقوا إلى محمد فعسى أن تكون عنده رخصة، فإن كانت عنده رخصة فاقبلوها، فأتوه فقالوا: يا أبا القاسم إن امرأة منا زنت، فما تقول فيها؟

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فكيف حكم الله في التوراة في الزاني؟

قالوا: دعنا مما في التوراة، ولكن ما عندك في ذلك؟

فقال: ائتوني بأعلمكم بالتوراة التي أنزلت على موسى.

فقال لهم: بالذي نجاكم من آل فرعون، وبالذي فلق لكم البحر فانجاكم وأغرق آل فرعون، إلا أخبرتموني ما حكم الله في التوراة في الزاني؟

قالوا: حكمه الرجم، فأمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجمت» .

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن المنذر وأبو الشيخ عن جابر بن عبد الله في قوله: ﴿ من الذين هادوا سماعون للكذب ﴾ قال: يهود المدينة ﴿ سماعون لقوم آخرين لم يأتوك ﴾ قال: يهود فدك ﴿ يحرفون الكلم ﴾ قال: يهود فدك ﴿ يقولون ﴾ ليهود المدينة ﴿ إن أوتيتم هذا ﴾ الجلد ﴿ فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا ﴾ الرجم.

وأخرج الحميدي في مسنده وأبو داود وابن ماجة وابن المنذر وابن مردويه عن جابر بن عبد الله قال: زنى رجل من أهل فدك، فكتب أهل فدك إلى ناس من اليهود بالمدينة اسألوا محمداً عن ذلك، فإن أمركم بالجلد فخذوه عنه، وإن أمركم بالرجم فلا تأخذوه عنه، فسألوه عن ذلك فقال: أرسلوا إليَّ أعلم رجلين منكم، فجاؤوا برجل أعور يقال له ابن صوريا وآخر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لهما «أليس عندكما التوراة فيها حكم الله؟

قالا: بلى.

قال: فانشدك بالذي فلق البحر لبني إسرائيل، وظلل عليكم الغمام، ونجاكم من آل فرعون، وأنزل التوراة على موسى، وأنزل المن والسلوى على بني إسرائيل، ما تجدون في التوراة في شأن الرجم؟

فقال أحدهما للآخر: ما نشدت بمثله قط: قالا: نجد ترداد النظر زنية، والاعتناق زنية، والقبل زنية، فإذا شهد أربعة أنهم رأوه يبدئ ويعيد كما يدخل الميل في المكحلة فقد وجب الرجم.

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: فهو كذلك، فأمر به فرجم، فنزلت ﴿ فإن جاؤوك فاحكم بينهم ﴾ إلى قوله: ﴿ يحب المقسطين ﴾ [ المائدة: 42] » .

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله: ﴿ لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر ﴾ قال: نزلت في رجل من الأنصار، زعموا أنه أبو لباتة أشارت اليه بنو قريظة يوم الحصار ما الأمر على ما ننزل، فأشار إليهم أنه الذبح.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ ومن الذين هادوا سماعون للكذب ﴾ قال: هم أبو يسرة وأصحابه.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل في قوله: ﴿ سماعون لقوم آخرين ﴾ قال: يهود خيبر.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ سمَّاعون لقوم آخرين ﴾ قال: هم أيضاً سماعون ليهود.

وأخرج أبو الشيخ عن إبراهيم النخعي في قوله: ﴿ يحرِّفون الكلم عن مواضعه ﴾ [ المائدة: 13] قال: كان يقول بني إسرائيل: يا بني أحباري، فحرفوا ذلك فجعلوه يا بني أبكاري، فذلك قوله: ﴿ يحرفون الكلم عن مواضعه ﴾ وكان إبراهيم يقرأها ﴿ يحرفون الكلم من مواضعه ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن قتادة في قوله: ﴿ يحرفون الكلم من بعد مواضعه..

﴾ الآية.

قال: ذكر لنا أن هذا كان في قتيل بني قريظة والنضير، إذ قتل رجل من قريظة قتله النضير، وكانت النضير إذا قتلت من بني قريظة لم يقيدوهم، إنما يعطونهم الدية لفضلهم عليهم في أنفسهم تعوذاً، فقدم نبي الله صلى الله عليه وسلم المدينة فسألهم، فأرادوا ان يرفعوا ذلك إلى نبي الله صلى الله عليه وسلم ليحكم بينهم، فقال لهم رجل من المنافقين: إن قتيلكم هذا قتيل عمد، وإنكم متى ترفعون أمره إلى محمد أخشى عليكم القود، فإن قبل منكم الدية فخذوه وإلا فكونوا منهم على حذر.

وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: ﴿ يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه ﴾ قال: إن وافقكم وإن لم يوافقكم ﴿ فاحذروه ﴾ يهود تقول: للمنافقين.

وأخرج ابن أبي حاتم وابن المنذر والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس في قوله: ﴿ يحرفون الكلم ﴾ يعني حدود الله في التوراة.

وفي قوله: ﴿ يقولون إن أوتيتم هذا ﴾ قال: يقولون إن أمركم محمد بما أنتم عليه فاقبلوه وإن خالفكم فاحذروه.

وفي قوله: ﴿ ومن يرد الله فتنته ﴾ قال: ضلالته ﴿ فلن تملك له من الله شيئاً ﴾ يقول: لن تغني عنه شيئاً.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ لهم في الدنيا خزي ﴾ قال: أما خزيهم في الدنيا، فإنه إذا قام الهدى فتح القسطنطينية فقتلهم فذلك الخزي.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن عكرمة في قوله: ﴿ لهم في الدنيا خزي ﴾ مدينة تفتح بالروم فيسبون.

وأخرج عبد الرزاق عن قتادة في قوله: ﴿ لهم في الدنيا خزي ﴾ قال: يعطون الجزية عن يد وهم صاغرون.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ ﴾ (قال أبو إسحاق: أي لا يحزنك مسارعتهم في الكفر) (١) (٢) وقوله تعالى: ﴿ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ ﴾ .

قال ابن عباس: هم المنافقون (٣) وقوله تعالى: ﴿ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا ﴾ .

قال ابن عباس: يريد بني قينقاع (٤) وقال مقاتل: يعني: يهود المدينة (٥) وقوله تعالى: ﴿ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ ﴾ : لو شئت جعلت تمام الكلام عند قوله: ﴿ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا ﴾ ثم ابتدأت فقلت: ﴿ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ ﴾ ، أي: هم سماعون للكذب أي: المنافقون واليهود سماعون للكذب.

وإن شئت كان رفع ﴿ سَمَّاعُونَ ﴾ على معنى: ومن الذين هادوا سماعون، فيكون المعنى: أن السماعين منهم، ويرتفع (منهم) كمال تقول: من قومك عقلاء.

والوجهان ذكرهما الفراء (٦) (٧) (٨) ﴿ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ ﴾ وجهين: أحدهما: وهو قول أهل التفسير (٩) والوجه الثاني: وهو اختيار أبي علي (١٠) (١١) وهذا قول الحسن (١٢) (١٣) وقوله تعالى: ﴿ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ ﴾ قال ابن عباس وجابر وسعيد بن المسيب والسدي وابن زيد: إن رجلاً وامرأة من أشراف أهل خيبر (١٤)  عن قضائه في الزانيين إذا أحصنا ما حدهما؟

وقالوا: إن أمرَكم بالجلد فاقبلوا منه، وإن أمركم بالرجم فاحذروه ولا تقبلوا منه، فأقبل نفر من قريظة والنضير إلى رسول الله  يسألونه، فنزل جبريل بالرجم، فأخبرهم به، فأبوا أن يأخذوا به، فذلك قوله: ﴿ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ ﴾ (١٥) والمراد بالقوم الآخرين: أهل خيبر.

وقوله تعالى: ﴿ لَمْ يَأْتُوكَ ﴾ من صفة قوله: ﴿ لِقَوْمٍ آخَرِينَ ﴾ .

قال الزجاج: هم عيون لأولئك الغُيَّب (١٦) وقوله تعالى: ﴿ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ ﴾ .

أي: من بعد أن وضعه الله مواضعه، أي: فرض فروضه، وأحل حلاله وحرم حرامه.

قال المفسرون: وذلك أن رسول الله  لما أفتى بالرجم لم يقبلوا ذلك وأنكروه وأبوا أن يأخذوا به، فقال جبريل للنبي  : اجعل بينك وبينهم ابن صُوريا (١٧)  ، فقال: "أسألك بالذي أنزل التوراة على موسى، هل في التوراة أن يرجم المحصنان إذا زنيا؟

" قال: نعم (١٨) (١٩) وقال أهل المعاني: يعني: تحريف كلام النبي  بعد سماعهم منه، يحرفونه للكذب عليه (٢٠) قال أبو علي: قوله: ﴿ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ ﴾ من صفة قوله (٢١) ﴿ سَمَّاعُونَ ﴾ (٢٢) فيكون موضعه رفعًا على قول أهل التفسير، ويجوز على قول أهل المعاني: أن يكون ﴿ يُحَرِّفُونَ ﴾ حالًا من الضمير في اسم الفاعل؛ كأنه: سماعون محرفين للكلم، أي: مقدرين تحريفه، يعني: أنهم يسمعون كلام النبي  ويقدرون مع (٢٣) ﴿ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ  ﴾ (٢٤) وقوله تعالى: ﴿ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ ﴾ .

من باب حذف المضاف؛ لأن التقدير: من بعد وضعه مواضعه، أي: وضع الله، على قول أهل التفسير (٢٥) وعلى قول أهل المعاني (٢٦) وقوله تعالى: ﴿ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا ﴾ .

يقول ذلك يهود خيبر ليهود المدينة: إن أمركم محمد بالجلد فاقبلوه، ﴿ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ ﴾ يعني: الجلد فاحذروه (٢٧) قال الزجاج: أي إن أُفتِيتم بهذا الحكم المحرف فخذوه، وإن أفتاكم النبي  بغير ما حددنا لكم فاحذروا أنه تعملوا به (٢٨) قال المفسرون: وذلك أنهم كانوا بعثوا الزانيين إلى يهود المدينة ليسألوا النبي  عن حدهما، وقالوا: إن أفتاكم بالجلد فخذوه (٢٩)  بالزانيين فرجما عند باب مسجده، وقال: "أنا أول من أحيا أمرك إذ أماتوه" (٣٠) وقوله تعالى: ﴿ وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ ﴾ .

قال ابن عباس ومجاهد: ضلالته (٣١) وقال الحسن وقتادة: عذابه (٣٢) (٣٣) وقال الزجاج: قيل فضيحته، وقيل كفره، قال: ويجوز أن يكون اختباره بما يظهر به أمره (٣٤) وقوله تعالى: ﴿ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ﴾ .

ذكرنا معناه عند قوله تعالى: ﴿ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ ﴾ الآية [المائدة: 17].

وقوله تعالى: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ ﴾ .

قال ابن عباس: أن يخلص نياتهم (٣٥) (٣٦) قال أهل العلم: قد دلت هذه الآية على أن الله تعالى غير مريد إسلام الكافر، وأنه لم يطهر قلبه من الشك والشرك، ولو فعل ذلك لآمن.

وهذه الآية من أشد الآيات على القدرية (٣٧) وقوله تعالى: ﴿ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ ﴾ .

قالوا: خزي المنافقين هتك سترهم بإطلاع النبي  على كفرهم وخوفهم القتل، وخزي اليهود فضيحتهم بظهور كذبهم في كتمان الرجم وأخذ الجزية منهم (٣٨) ﴿ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ  ﴾ .

وهو الخلود في النار (٣٩) (١) ما بين القوسين ساقط من (ش).

(٢) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 174.

(٣) ذكره المؤلف في "الوسيط" 3/ 879، وابن الجوزي 2/ 357، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 2/ 498، وعزاه إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.

(٤) لم أقف عليه، وفي "الوسيط": يعني يهود المدينة، كقول مقاتل الآتي.

(٥) انظر: "تفسير مقاتل" 1/ 474.

(٦) انظر: "معاني القرآن" 1/ 308، 309.

(٧) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 175.

(٨) "الحجة" 2/ 36.

(٩) جملة اعتراضية من الواحدي.

وانظر في ذلك: الطبري في "تفسيره" 6/ 235.

(١٠) انظر: "الحجة" 2/ 36.

(١١) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 174 بتصرف، وانظر: "معاني النحاس" 2/ 306، 307، "تهذيب اللغة" 2/ 1756 (سمع)، والبغوي في "تفسيره" 3/ 55، "زاد المسير" 2/ 357.

(١٢) انظر: "النكت والعيون" 2/ 38.

(١٣) لم أقف عليه.

(١٤) خيبر: موضع بالحجاز يقع شمال المدينة على مسافة ثمانية برد، فيها سبعة حصون ومزارع ونخل كثير، فتحها النبي  سنة 7 هـ، وقيل سنة 8 هـ.

انظر: "الصحاح" 2/ 642 (خبر)، "معجم البلدان" 2/ 409.

(١٥) أخرجه بمعناه عن السدي: الطبري في "تفسيره" 6/ 235، وذكره المؤلف في "الوسيط" 3/ 880، والبغوي في "تفسيره" 3/ 55، واختاره ابن كثير في "تفسيره" سببًا لنزول الآية.

انظر: "تفسيره" 2/ 66.

(١٦) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 175.

(١٧) هو عبد الله بن صوريا، ويقال: ابن صور، الإسرائيلي، وإن من أحبار اليهود، ويقال إنه أسلم، لكنه ارتد بعد ذلك.

انظر: "الإصابة" 2/ 326.

(١٨) أخرجه بنحوه من حديث جابر بن عبد الله -  -، أبو داود (4452) كتاب الحدود، باب: في رجم اليهوديين، وابن ماجه (2374) كتاب الأحكام، باب (33): شهادة أهل الكتاب بعضهم على بعض مختصرا والحميدي في "مسنده" 2/ 541، 542.

قال في "الزوائد": في إسناده مجالد بن سعيد، وهو ضعيف.

وقد أورده الماوردي في "النكت والعيون" 2/ 39، والبغوي في "تفسيره" 3/ 55، 56، وابن كثير في "تفسيره" 2/ 66، والسيوطي في "الدر المنثور" 2/ 500.

(١٩) هو: أن يجلد أربعين جلدة بحبل مطلي بالقار ثم يسود وجوههما، ثم يحملان على حمارين، ويطاف بهما.

البغوي في "تفسيره" 3/ 56، وانظر: "بحر العلوم" 1/ 436 فالتحميم: تسويد الوجه.

(٢٠) نسب هذا القول للحسن: الماوردي في "النكت والعيون" 2/ 39، وانظر: "الحجة" لأبي علي 2/ 36.

(٢١) في "الحجة" 2/ 36: لقوله.

(٢٢) "الحجة" 2/ 36.

(٢٣) لعل الصواب: في.

(٢٤) "الحجة" 2/ 36.

(٢٥) تقدم هذا القول قريبًا.

(٢٦) تقدم قريبًا.

(٢٧) انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 236 - 237، "بحر العلوم" 1/ 437.

(٢٨) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 175.

(٢٩) في (ش): (فخذوا).

(٣٠) بمعناه في "تفسير ابن عباس" ص 178، وأخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 232، وأورده بنحو لفظ المؤلف البغوي في "تفسيره" 3/ 56، 57، وانظر: "زاد المسير" 2/ 358.

(٣١) أورده عن ابن عباس السيوطي في "الدر المنثور" وعزاه إلى ابن أبي حاتم وابن المنذر والبيهقي في "الأسماء والصفات".

وانظر: "زاد المسير" 2/ 359.

(٣٢) انظر: "النكت والعيون" 2/ 39، والبغوي في "تفسيره" 3/ 58، "زاد المسير" 2/ 359.

(٣٣) انظر البغوي في "تفسيره" 3/ 58.

(٣٤) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 176، وانظر: "النكت والعيون" 2/ 40، "زاد المسير" 2/ 359.

(٣٥) أورده المؤلف في "الوسيط" 3/ 882، وانظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 113.

(٣٦) في "معاني الزجاج" 2/ 176: أي أن يهينهم.

(٣٧) انظر البغوي في "تفسيره" 3/ 58.

(٣٨) انظر: "معاني النحاس" 2/ 308، والبغوي في "تفسيره" 3/ 58، و"زاد المسير" 2/ 359.

(٣٩) انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 238، والبغوي في "تفسيره" 3/ 58.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ ياأيها الرسول ﴾ الآية: خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم على وجه التسلية ﴿ مِنَ الذين قالوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ ﴾ هم المنافقون ﴿ وَمِنَ الذين هَادُواْ ﴾ يحتمل أن يكون عطفا على الذين قالوا آمنا، ثم يكون سماعون استئناف إخبار عن الصنفين المنافقين واليهود، ويحتمل أن يكون من الذين هادوا: استئنافاً منقطعاً مما قبله، وسماعون راجع إليهم خاصة ﴿ سماعون لِقَوْمٍ آخَرِينَ ﴾ أي سماعون كلام قوم آخرين من اليهود الذين لا يأتون النبي صلى الله عليه وسلم؛ لإفراط البغضة والمجاهرة بالعداوة، فقوله: لم يأتوك صفة لقوم آخرين، والمراد بالقوم الآخرين يهود خيبر، والسماعون للكذب بنو قريظة ﴿ يُحَرِّفُونَ الكلم عَن مَّوَاضِعِهِ ﴾ [النساء: 46] أي يبدلونه من بعد أن يوضع في موضعه، وقصدت به وجوهه القويمة، وذلك من صفة اليهود ﴿ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هذا فَخُذُوهُ ﴾ نزلت بسبب أن يهودياً زنى بيهودية؛ فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم اليهود على حد الزاني عندهم فقالوا: نجلدهما ونحمم وجوههما.

فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إن في التوراة الرجم، فأنكروا ذلك، فأمرهم أن يأتوا بالتوراة فقرأوها، فجعل أحدهم يده على آية الرجم، فقال له عبد الله بن سلام ارفع يدك فرفع، فإذا آية الرجم فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم باليهودي واليهودية فرجما، فمعنى قولهم إن أوتيم هذا فخذوه: إن أوتيتم هذا الذي ذكرتم من الجَلْد والتحميم تسويد الوجه بالقار فخذوه واعملوا به، وإن لم تؤتوه أفتاكم محمد صلى الله عليه وسلم بغيره فاحذروا ﴿ فِتْنَتَهُ ﴾ أي ضلالته في الدنيا أو عذابه في الآخرة ﴿ فِي الدنيا خِزْيٌ ﴾ الذلة والمسكنة والجزية.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ السحت ﴾ بضمتين: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب ويزيد وعلي.

الباقون بسكون العين.

﴿ واخشوني ﴾ بالياء في الحالين: سهل ويعقوب وابن شنبوذ عن قنبل وافق أبو عمرو ويزيد وإسماعيل في الوصل ﴿ والعين ﴾ وما بعده بالرفع علي وافق أبو عمرو وابن كثير وابن عامر ويزيد في ﴿ والجروح ﴾ بالرفع.

﴿ والأذن ﴾ وبابه بسكون العين: نافع.

﴿ وليحكم ﴾ بالنصب: حمزة.

الباقون بالجزم.

الوقوف: ﴿ قلوبهم ﴾ ج أي ومن الذين هادوا قوم سماعون، وإن شئت عطفت ﴿ ومن الذين هادوا ﴾ على ﴿ من الذين قالوا آمنا ﴾ ووقفت على ﴿ هادوا ﴾ واستأنفت بقوله ﴿ سماعون ﴾ راجعاً إلى الفئتين، والأول أجود لأن التحريف محكي عنهم وهو مختص باليهود ﴿ آخرين ﴾ لا لأن ما بعده صفة لهم.

﴿ لم يأتوك ﴾ ط ﴿ مواضعه ﴾ ج لاحتمال ما بعده الحال والاسئناف ﴿ فاحذروا ﴾ ط ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ قلوبهم ﴾ ط ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ للسحت ﴾ ط لأن المشروط غير مخصوص بما يليه ﴿ أعرض عنهم ﴾ ج ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ بالقسط ﴾ ط ﴿ المقسطين ﴾ ه ﴿ ذلك ﴾ ط لتناهي الاستفهام ﴿ بالمؤمنين ﴾ ه ﴿ ونور ﴾ ج لاحتمال ما بعده/ الحال والاستئناف ﴿ شهداء ﴾ ط لاختلاف النظم مع فاء التعقيب ﴿ قليلاً ﴾ ط ﴿ الكافرون ﴾ ه ﴿ بالنفس ﴾ ط لمن قرأ ﴿ والعين ﴾ وما بعده بالرفع ﴿ بالسن ﴾ ط لمن قرأ ﴿ والجروح ﴾ بالرفع ﴿ قصاص ﴾ ط لابتداء الشرط ﴿ كفارة له ﴾ ط ﴿ الظالمون ﴾ ه ﴿ من التوراة ﴾ الأولى ص لطول الكلام ﴿ ونور ﴾ ط لأن الحال بعده معطوف على محل الجملة قبله الواقعة حالاً.

﴿ للمتقين ﴾ ط لمن قرأ ﴿ وليحكم ﴾ بالنصب ﴿ فيه ﴾ ط ﴿ الفاسقون ﴾ ه.

التفسير: خاطب محمداً  بقوله: ﴿ يا أيها النبي ﴾ في مواضع ولم يخاطبه بقوله: ﴿ يا أيها الرسول ﴾ إلا ههنا وفي قوله: ﴿ يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك  ﴾ ولا شك أنه خطاب تشريف وتعظيم شرف به في هذه السورة التي هي آخر السورة نزولاً حيث تحققت رسالته في الواقع.

أما وجه النظم فهو أنه  لما بين بعض التكاليف والشرائع وكان قد علم مسارعة بعض الناس إلى الكفر فلا جرم صبر رسول الله  على تحمل ذلك ووعده أن ينصره عليهم ويكفيه شرهم.

والمراد بمسارعتهم في الكفر تهافتهم فيه وحرصهم عليه حتى إذا وجدوا فرصة لم يخطؤها.

﴿ آمنا بأفواههم ﴾ فيه تقديم وتأخير أي قالوا بأفواههم آمنا ﴿ سماعون للكذب ﴾ قابلون لما يفتعله أحبارهم من الكذب على الله وتحريف كتابه والطعن في نبوة محمد  من قولك: الملك يسمع كلام فلان أي يقبله ﴿ سماعون لقوم آخرين لم يأتوك ﴾ أي قابلون من الأحبار ومن الذين لم يصلوا إلى مجلسك من شدة البغضاء وإفراط العداوة، ويحتمل أن يراد نفس السماع.

واللام في ﴿ للكذب ﴾ لام التعليل أي يسمعون كلامك لكي يكذبوا عليك ﴿ يحرّفون الكلم ﴾ مبدلين ومغيرين سماعون لأجل قوم آخرين وجوههم عيوناً وجواسيس ﴿ من بعد مواضعه ﴾ أي التي وضعها الله فيها من أمكنة الحل والحظر والفرض والندب وغير ذلك، أو من وجوه الترتيب والنظم فيهملوها بغير مواضع بعد أن كانت ذات موضع ﴿ إن أوتيتم هذا ﴾ المحرّف المزال عن موضعه ﴿ فخذوه ﴾ واعلموا أنه الحق واعملوا به ﴿ وإن لم تؤتوه ﴾ وأفتاكم محمد  بخلافه ﴿ فاحذروا ﴾ فهو الباطل.

عن البراء بن عازب قال: مُرّ على النبي  بيهودي محمم مجلود فقال: "هكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟

قالوا: نعم.

فدعا رجلاً من علمائهم فقال  : أنشدك بالله الذي أنزل التوراة على موسى، هكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟

قال: لا، ولولا أنك نشدتني لم أخبرك.

نجد حد الزاني في كتابنا الرجم ولكنه كثر في أشرافنا فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه وإذا أخذنا الوضيع أقمنا عليه الحد فقلنا: تعالوا نجتمع على شيء نقيمه على الشريف والوضيع فاجتمعنا على التحميم والجلد مكان الرجم.

فقال رسول الله  : اللهم إني أول من أحيا أمرك إذا أماتوه به فرجم" فأنزل الله الآية إلى قوله: ﴿ إن أوتيتم هذا ﴾ / يقولون ائتوا محمداً  فإن أفتاكم بالتحميم والجلد فخذوا به، إن أفتاكم بالرجم فاحذروا.

وفي رواية أخرى "أن شريفاً من خيبر زنى بشريفة وهما محصنان وحدهما الرجم في التوراة، فكرهوا رجمهما لشرفهما فبعثوا رهطاً منهم إلى بني قريظة ليسألوا رسول الله  عن ذلك وقالوا: إن أمركم محمد  بالجلد والتحميم فاقبلوا، وإن أمركم بالرجم فلا تقبلوا وأرسلوا الزانيين معهم، فأمرهم بالرجم فأبوا أن يأخذوا به فقال له جبريل  : اجعل بينك وبينهم ابن صوريا فقال: هل تعرفون شاباً أمرد أبيض أعور يسكن فدك يقال له ابن صوريا؟

قالوا.

نعم وهو أعلم يهودي على وجه الأرض ورضوا به حكماً.

فقال له رسول الله  : أنشدك الله الذي لا إله إلاّ هو الذي فلق البحر لموسى ورفع فوقكم الطور وأنجاكم وأغرق آل فرعون.

والذي أنزل عليكم كتابه وحلاله وحرامه، هل تجدون فيه الرجم على من أحصن؟

قال: نعم.

فوثب عليه سفلة اليهود فقال: خفت إن كذبته أن ينزل علينا العذاب.

ثم سأل رسول الله  عن أشياء كان يعرفها من أعلامه فقال: أشهد أن لا إله إلاّ الله وأشهد أنك رسول الله النبي الأمي العربي الذي بشر به المرسلون.

وأمر رسول الله  بالزانيين فرجما عند باب مسجده" .

قال العلماء القائلون برجم الثيب الذمي ومنهم الشافعي: إن كان الأمر برجم الثيب الذمي من دين الرسول  فهو المقصود، وإن كان مما ثبت في شريعة موسى  فالأصل بقاؤه إلى طريان الناسخ، ولم يوجد في شرعنا ما يدل على نسخه، وبهذا الطريق أجمع العلماء على أن قوله  : ﴿ وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس ﴾ حكمه باق في شرعنا ﴿ ومن يرد الله فتنته ﴾ ظاهر الآية أن المراد بالفتنة أنواع الكفر التي حكاها عن اليهود وغيرهم.

والمعنى ومن يرد الله كفره وضلالته فلن يقدر أحد على دفع ذلك.

ثم أكد هذا بقوله: ﴿ أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم ﴾ وفيه دليل على أنه تعالى لا يريد إسلام الكافر وأنه لم يطهر قلبه من الشك والشرك ولو فعل لآمن.

والمعتزلة فسروا الفتنة بالعذاب كقوله: ﴿ يوم هم على النار يفتنون  ﴾ أو بالفضيحة أو بالإضلال أي تسميته ضالاً، أو المراد ومن يرد الله اختباره فيما يبتليه من التكاليف ثم إنه يتركها ولا يقوم بأدائها ﴿ فلن تملك له من الله ﴾ ثواباً ولا نفعاً.

ثم قال: ﴿ أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم ﴾ بالألطاف لأنه  علم أنه لا فائدة في تلك الألطاف لأنها لا تنجع في قولهم، أو يطهر قلوبهم من الحرج والغم والوحشة الحالة على كفره، أو هو استعارة عن سقوط وقعه عند الله  وأنه غير ملتفت إليه بسبب قبح أفعاله وسوء أعماله.

ثم وصف اليهود بقوله: ﴿ سماعون للكذب أكالون للسحت ﴾ وهو الحرام وكل ما لا يحل كسبه من سحته وأسحته أي استأصله لأنه مسحوت البركة، ومال مسحوت أي مذهب.

قال/ الليث: السحت حرام يحصل منه العار وذلك أنه يسحت فضيلة الإنسان ويستأصلها.

ورجل مسحوت المعدة إذا كان أكولاً لا يلفى إلاّ جائعاً أبداً كأنه يستأصل كل ما يصل إليه من الطعام.

والسحت الرشوة في الحكم ومهر البغي وعسب الفحل وكسب الحجام وثمن الكلب وثمن الخمر وثمن الميتة وحلوان الكاهن والاستكساب في المعصية روي ذلك عن علي  وعمر عثمان وابن عباس وأبي هريرة ومجاهد، وزاد بعضهم ونقص بعضهم وكل ذلك يرجع إلى الحرام الخسيس الذي لا يكون فيه بركة ويكون فيه عار بحيث يخفيه صاحبه لا محالة.

قال الحسن: كان الحاكم في بني إسرائيل إذا أتاه من كان مبطلاً في دعواه برشوة سمع كلامه ولا يلتفت إلى خصمه فكان يسمع الكذب ويأكل السحت.

وقيل: كان فقراؤهم يأخذون من أغنيائهم مالاً ليقيموا على ما هم عليه من اليهودية فكانوا يسمعون أكاذيب الأغنياء ويأكلون السحت.

وقيل: سماعون للأكاذيب التي كانوا ينسبونها إلى التوراة، أكالون للربا لقوله  : ﴿ وأخذهم الربا  ﴾ ﴿ فإن جاؤك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم ﴾ خيره الله  بين الحكم والإعراض.

فقيل: إن هذا الخبر مختص بالمعاهدين الذين لا ذمة لهم.

وقيل: إنه في أمر خاص وهو رجم المحصن قاله ابن عباس والحسن ومجاهد والزهري: وقيل: في قتيل قتل من اليهود في بني قريظة والنضير وكان في بني النضير شرف وكانت ديتهم كاملة وفي قريظة نصف دية، فتحاكموا إلى النبي  فجعل الدية سواء.

وعن النخعي والشعبي وقتادة وعطاء وأبي بكر الأصم وأبي مسلم أن الآية عامة في كل ما جاء من الكفار، وأن الحكم ثابت في سائر الأحكام غير منسوخ.

وعن ابن عباس والحسن ومجاهد وعكرمة وهو مذهب الشافعي أن هذا التخيير منسوخ في في حق غير المعاهدين بقوله  : ﴿ وأن احكم بينهم بما أنزل الله  ﴾ فيجب على حاكم المسلمين أن يحكم بين أهل الذمة إذا تحاكموا إليه لأن في إمضاء حكم الإسلام عليهم صغاراً لهم.

وأهل الحجاز بعضهم لا يرون إقامة الحدود عليهم يذهبون إلى أنهم قد صولحوا على شركهم وهو أعظم من الحدود ويقولون: إن النبي  رجم اليهوديين قبل نزول الجزية، ثم إنهم كانوا لا يتحاكمون إليه إلاّ لطلب الأسهل والأخف كالجلد مكان الرجم، فإذا أعرض  عنهم وأبى الحكومة بينهم شق عليهم وعادوا فآمنه الله بقوله: ﴿ وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئاً وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط ﴾ بالعدل والاحتياط كما حكمت في الرجم ﴿ وكيف يحكمونك ﴾ تعجيب من الله لرسوله  من تحكيمهم لوجوه منها: عدولهم عن حكم كتابهم، ومنها رجوعهم إلى حكم من كانوا يعتقدونه مبطلاً، ومنها إعراضهم عن حكمه بعد أن حكموه وهذا غاية الجهالة ونهاية العناد.

والواو/ في قوله: ﴿ وعندهم ﴾ للحال من التحكيم والعامل ما في الاستفهام من التعجيب.

أما قوله: ﴿ فيها حكم الله ﴾ فإما أن ينتصب حالاً من التوراة على ضعف وهي مبتدأ خبره ﴿ عندهم ﴾ وإما أن يرتفع خبراً عنها والتقدير وعندهم التوراة ناطقة بحكم الله فيكون ﴿ عندهم ﴾ متعلق بالخبر، وإما أن لا يكون له محل ويكون جملة مبينة لأن عندهم ما يغنيهم عن التحكيم كقولك: عندك زيد ينصحك ويشير عليك بالصواب فما تصنع بغيره.

وأنثت التوراة لما فيها من صورة تاء التأنيث.

﴿ ثم يتولون ﴾ عطف على ﴿ يحكمونك ﴾ و "ثم" لتراخي الرتبة أي ثم يعرضون من بعد تحكيمك عن حكمك الموافق لما في كتابهم ﴿ وما أولئك بالمؤمنين ﴾ إخبار بأنهم لا يؤمنون أبداً، أو المراد أنهم غير مؤمنين بكتابهم كما يدعون، أو المراد أنهم غير كاملين في الإيمان على سبيل التهكم بهم.

ثم رغب اليهود في أن يكونوا كمتقدميهم من أنبيائهم ومسلمي أحبارهم فقال: ﴿ إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ﴾ ونور العطف يقتضي التغاير فقيل: الهدى بيان الأحكام والشرائع والنور بيان التوحيد والنبوة والمعاد.

وقال الزجاج: الهدى بيان الحكم الذي جاؤوا يستفتون فيه، والنور بيان أن أمر النبي  حق.

وقيل: فيها هدى يهدي للحق والعدل، ونور يبين ما استبهم من الأحكام، فهما عبارتان عن معبر واحد، وقد يستدل بالآية على أن شرع من قبلنا يلزمنا لأن الهدى والنور لا بد أن يكون أحدهما يتعلق بالفروع والآخر بالأصول وإلا كان تكراراً.

وأيضاً إنها نزلت في الرجم ومورد الآية لا بد أن يكون داخلاً فيها سواء قلنا إن غيره داخل أو خارج.

ويمكن أن يجاب بأن التكرار بعبارتين غير محذور أو بأن في الكلام تقديماً وتأخيراً والمراد فيها هدى ونور للذين هادوا يحكم بها النبيون.

أما قوله: ﴿ الذين أسلموا ﴾ فأورد عليه أن كل نبي مسلم فما الفائدة في هذا الوصف؟

وأجيب بأنها صفة جارية على سبيل المدح لا التوضيح والكشف، وفيه تعريض باليهود أنهم بعداء عن ملة الإسلام التي هي دين الأنبياء قديماً وحديثاً لأن غرض الأنبياء الانقياد لتكاليف الله وغرضكم من ادعاء الحكم بالتوارة أخذ الرشا من العوام، فالفريقان متباينان ولهذا أردفه بقوله: ﴿ للذين هادوا ﴾ أي يحكمون لأجلهم.

قال في الكشاف: قوله  : ﴿ الذين أسلموا للذين هادوا ﴾ مناد على أن اليهود بمعزل عن الإسلام.

قلت: هذا بناء على أن صفة الحاكمين يلزم أن تكون مغايرة لصفة المحكومين.

ولقائل أن يقول: بعد تسليم ذلك إنه لم لا يكفي مغايرة العام للخاص؟

وقال الحسن والزهري وعكرمة وقتادة والسدي: المراد بالنبيين هو محمد  كقوله: ﴿ إن إبراهيم كان أمة  ﴾ لأنه اجتمع فيه من الخصال ما كانت مفرقة في الأنبياء: وقيل: أسلموا أي انقادوا لحكم التوراة.

فمن الأنبياء من لم تكن/ شريعتهم شريعة موسى.

والربانيون قد مر تفسيره في آل عمران.

والأحبار عن ابن عباس هم الفقهاء، الواحد حبر بالفتح من قولهم: فلان حسن الحبر والسبر إذا كان جميلاً حسن الهيئة، أو حبر بالكسر من ذلك أيضاً لقولهم: حسن الحبر بالكسر أيضاً.

وفي الحديث: " "يخرج رجل من النار قد ذهب حبره وسبره" أي جماله وبهاؤه، وتحبير الخط والشعر تحسينه أو من هذا الحبر الذي يكتب به لكون العالم صاحب كتب.

قاله الفراء والكسائي وأبو عبيدة.

ثم إن ذكر الربانيين بعد النبيين يدل على أنهم أعلى حالاً من الأحبار فيشبه أن يكون الربانيون كالمجتهدين والأحبار كآحاد العلماء.

وقوله: ﴿ بما استحفظوا ﴾ إما أن يكون من صلة ﴿ يحكم ﴾ أي يحكم بها الربانيون والأحبار بسبب ما استحفظوا، أو يكون من صلة الأحبار أي العلماء بما استحفظوا بما سألهم أنبياؤهم حفظه.

و"من" في ﴿ من كتاب الله ﴾ للتبيين.

وقد أخذ الله  على العلماء أن يحفظوا كتابه من وجهين: أحدهما أن يحفظوه في صدورهم ويدرسوه بألسنتهم، والثاني أن لا يضيعوا أحكامه ولا يهملوا شرائعه, وكانوا أي هؤلاء النبيون والربانيون والأحبار عليه على أن كل ما جاء في التوراة حق من عند الله شهداء رقباء لئلا يبدل، ويحتمل أن يعود ضمير ﴿ استحفظوا ﴾ إلى النبيين وغيرهم جميعاً والاستحفاظ من الله أي كلفهم الله حفظه وأن يكونوا عليه شهداء.

ثم نهى اليهود المعاصرين عن التحريف لرهبة فقال: ﴿ فلا تخشوا الناس واخشوني ﴾ وعن التغيير لرغبة فقال: ﴿ ولا تشتروا بآياتي ثمناً قليلاً ﴾ وهو الرشوة وابتغاء الجاه.

ثم عمم الحكم فقال: ﴿ ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ﴾ احتجت الخوارج بالآية على أن كل من عصى الله فهو كافر.

وللمفسرين في جوابهم وجوه: الأول انها مختصة باليهود وردّ بأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب, ولا ريب أن لفظ "من" في معرض الشرط للعموم فلا وجه لتقدير ومن لم يحكم من هؤلاء المذكورين الذين هم اليهود لأنه زيادة في النص.

وقال عطاء: هو كفر دون كفر.

وقال طاوس: ليس بكفر الملة ولا كمن يكفر بالله واليوم الآخر.

فلعلهما أرادا كفران النعمة، وضعف بأن الكافر إذا أطلق يراد به الكافر في الدين.

وقال ابن الأنباري: المراد أنه يضاهي الكافر لأنه فعل فعلاً مثل فعل الكافر وزيف بأنه عدول عن الظاهر.

وقال عبد العزيز بن يحيى الكناني: معناه من أتى بضد حكم الله  في كل ما أنزل فيخرج الفاسق لأنه في الاعتقاد والإقرار موافق وإن كان في العمل مخالفاً.

واعترض بأن سبب النزول يخرج حينئذ لأنه نزل في مخالفة اليهود في الرجم فقط، ويمكن أن يقال: المحرّف داخل في الكل.

وقال عكرمة: إنما تتناول الآية من أنكر بقلبه وجحد بلسانه، أما العارف المقر إذا أخل بالعمل فهو حاكم بما أنزل الله  ولكنه تارك فلا تتناوله الآية.

ثم إنه  لما بيّن أن حكم الزاني المحصن في التوراة هو الرجم واليهود غيروه/ أراد ان يبين أن نص التوراة هو قتل النفس بالنفس وأنهم بدّلوه حيث فضلوا بني النضير على بني قريظة فقال: ﴿ وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين ﴾ من قرأ المعطوفات كلها بالنصب فظاهر، ومن قرأ ما سوى الأوّل بالرفع فللعطف على محل النفس إذ المعنى وكتبنا عليهم في التوراة النفس بالنفس إما لإجراء ﴿ كتبنا ﴾ مجرى "قلنا" وإما بطريق الحكاية كقولك: كتبت الحمد لله وقرأت سورة "إن أنزلناه" وإما على سبيل الاستئناف والمعنى على جميع التقادير.

فرضنا عليهم فيها أن النفس مقتولة بالنفس إذا قتلتها بغير حق، والعين مفقوأة بالعين، والأنف مجدوع بالأنف، والأذن مصلومة بالأذن، والسن مقلوعة بالسن، والجروح ذات قصاص أي مقاصة.

وهذا تعميم للحكم بعد ذكر بعض التفاصيل والمراد منه كل ما يمكن المساواة فيه من الأطراف كالذكر والأنثيين والإليتين والقدمين واليدين، ومن الجراحات المضبوطة كالموضحة مثلاً وهي التي توضح العظم وتبدي وضحة وهو الضوء والبياض، وكذا منافع الأعضاء والأطراف كالسمع والبصر والبطش.

فأما الذي لا يمكن القصاص فيه كرض في لحم أو كسر في عظم أو خدش وإدماء في جلد ففي ذلك أرش أو حكومة وتفاصيلها فيكتب الفقه.

﴿ فمن تصدق به فهو كفارة له ﴾ الضمير في ﴿ به ﴾ يعود إلى القصاص وفي ﴿ هو ﴾ إلى التصدق الدال عليه الفعل.

وفي ﴿ له ﴾ وجهان: أحدهما أنه يعود إلى العافي المتصدق لما روى عبادة بن الصامت ان رسول الله  قال: " "من تصدق من جسده بشيء كفر الله  عنه بقدره من ذنوبه" وعن عبد الله بن عمرو: " "يهدم عنه من ذنوبه بقدر ما تصدق به" والثاني أنه يعود إلى الجاني المعفو عنه أي لا يؤاخذه الله  بعد ذلك العفو، وأما العافي فأجره على الله  ﴿ وقفينا على آثارهم ﴾ أي على آثار النبيين ﴿ بعيسى ابن مريم ﴾ أي عقبناهم به، فتعديته إلى المفعول الثاني بالباء.

وقوله: ﴿ على آثارهم ﴾ يسدّ مسد الأول لأنه إذا قفي به على أثره فقد قفي به إياه ﴿ مصدّقاً لما بين يديه ﴾ أي مقراً بأن التوراة كتاب منزل من عند الله  وأنه كان حقاً واجب العمل به قبل ورود ناسخه وهو الإنجيل المصدق أيضاً لكونه مبشراً بمبعث محمد  كالتوراة.

وأما النور فبيان الأحكام الشرعية وتفاصيل التكاليف، والهدى الأول أصول الديانات كالتوحيد والنبوات والمعاد، والهدى الثاني اشتماله على البشارة بمجيء محمد  لأن ذلك سبب اهتداء الناس إلى نبوته، واشتمال الإنجيل على المواعظ والنصائح والزواجر ظاهر وخص الجميع بالمتقين لأنهم هم المنتفعون بذلك.

ومن قرأ ﴿ وليحكم ﴾ بالجزم فإما إخبار عما قيل لهم في ذلك الوقت من الحكم بما تضمنه الإنجيل أي قلنا لهم ليحكموا بما فيه، وإما أمر مستأنف للنصارى بالحكم/ بما فيه كتابهم من الدلائل الدالة على نبوة محمد  ، أو مما لم يصر منسوخاً بالقرآن.

ومن قرأ بالنصب فلأنه علة فعل محذوف يدل عليه ما تقدمه أي ولأجل حكمهم بما فيه آتيناهم كتابهم، وعلى هذا يجوز أن يكون هدى وموعظة أيضاً غرضين معطوفين للحكم والله أعلم.

أما قوله: ﴿ الكافرون ﴾ ﴿ الظالمون ﴾ ﴿ الفاسقون ﴾ فللمفسرين فيه خلاف.

قال القفال: هو كقولك من أطاع الله فهو المؤمن من أطاع الله فهو المتقي، لأن كل ذلك أوصاف مختلفة حاصلة لموصوف واحد، فهذه كلها نزلت في الكفار.

وقال آخرون: الأول من الجاحد، والثاني والثالث في المقر التارك.

وقال الأصم: الأول والثاني في اليهود، والثالث في النصارى.

التأويل: سماعون لكذبات الشيطان في وساوسه والنفس في هواجسها ﴿ سماعون لقوم آخرين ﴾ يسنون السنة السيئة لغيرهم ﴿ يحرفون ﴾ يغيرون قوانين الشريعة بتمويهات الطبيعة وهذه حال مؤوّلي القرآن والأحاديث على وفق أهوائهم ﴿ سماعون للكذب أكالون للسحت ﴾ لأن الأخلاق الردية أورثتهم الأعمال الدنية.

فالأخلاق نتائج الأعمال والأعمال نتائج الأخلاق وكلها من نتائج الاستعداد الفطري ﴿ فإن جاؤك فاحكم بينهم ﴾ مداوياً لدائهم إن رأيت التداوي سبباً لشفائهم أو أعرض عنهم إن تيقنت إعواز الشفاء لشقائهم ﴿ وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط ﴾ داوهم على ما يستحقون من دائهم ﴿ بما استحفظوا من كتاب الله ﴾ الفرق بين بني إسرائيل وبين هذه الأمة أنهم استحفظوا التوراة فضيعوها وحرفوها، وقال في حقنا: ﴿ إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون  ﴾ ﴿ وكتبنا عليهم ﴾ كما أن في إهلاك النفس هلاك نفس المهلك ففي إحياء نفس الطالب بحياة الدين حياة نفس محييها، وفي معالجة عين قلبه وأنف قلبه وأذن قلبه وسن قلبه معالجة هذه الأعضاء بمزيد الإدراك.

﴿ فمن تصدق ﴾ بهذا الإحياء ﴿ فهو كفارة له ﴾ فيما فرط من إحياء نفسه ومعالجة قلبه طرفة عين.

﴿ ومن لم يحكم ﴾ على نفسه ﴿ بما أنزل الله ﴾ في تزكيتها وتحليتها فأولئك الذين ظلموا أنفسهم بوضع الحظوظ مقام الحقوق والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي ٱلْكُفْرِ...

﴾ الآية.

يحتمل وجوهاً: أحدها: ألا يحزنك كفر من كفر منهم.

ليس على النهي عن ذلك؛ ولكن ألا يحمل على نفسه بكفرهم ما يمنعه عن القيام بأمره، كقوله: ﴿ فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ  ﴾ ، وكقوله: ﴿ لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ  ﴾ ، ونحو ذلك من الآيات مما يشتد به الحزن بكفرهم؛ لشدة رغبته في إسلامهم.

ويحتمل قوله -  -: ﴿ لاَ يَحْزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي ٱلْكُفْرِ ﴾ ، أي: لا يحزنك تمرد هؤلاء وتكذيبهم إياك؛ فإن الله ناصرك ومظفرك ويظفر لك عليهم.

ويحتمل: لا يحزنك صنيع هؤلاء الكفرة وسوء عملهم؛ فإنك لا تؤاخذ بصنيعهم؛ كقوله: ﴿ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَّا حُمِّلْتُمْ  ﴾ ، [وكقوله -  -:] ﴿ لاَ يَضُرُّكُمْ مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهْتَدَيْتُمْ  ﴾ .

وفي قوله  : ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ ﴾ دلالة تفضيل رسول الله  على غيره من الأنبياء والرسل؛ لأنه - عز وجل - في جميع ما خاطب رسول الله  قال: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ ﴾ ، و ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ ﴾ ولم يُخَاطَبْ باسمه، وسائر الأنبياء - عليهم السلام - إنما خاطبهم بأسمائهم: ﴿ يٰمُوسَىٰ  ﴾ ، و ﴿ يَٰإِبْرَٰهِيمُ  ﴾ ، و ﴿ يٰنُوحُ  ﴾ ، وجميع من خاطب منهم أو ذكر إنما ذُكِرَ بأسمائهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مِنَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ ﴾ .

قال: قالوا: ﴿ آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ ﴾ ، ولم يقل: آمنوا بأفواههم؛ ليعلم أن القول به ليس هو من شرط الإيمان؛ إنما الإيمان هو تصديق القلب، لكن يعبر به اللسان عن قلبه؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ ﴾ ، والإيمان: هو التصديق في اللغة؛ لأن ضده التكذيب؛ فيجب أن يكون ضد التكذيب: التصديق.

والتصديق يكون بالقلب؛ حيث قال - عز وجل -: ﴿ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ ﴾ ، لكن اللسان يعبر عن ضميره، فهو ترجمان القلب فيما بين الخلق؛ فهذا يدل أيضاً على أن الإيمان ليس هو المعرفة؛ لأن الإيمان لو كان معرفة لكان يجب أن يكون ضده جهلاً؛ فلما كان ضدُّ الإيمان تكذيباً وجب أن يكون ضد التكذيب: التصديق، والتصديق والإيمان في اللغة سواء؛ ولأن المعرفة قد تقع في القلب على غير اكتساب فعل وإنما والتصديق لا يكون إلا باكتساب ترك مضادته وهو التكذيب؛ لذلك قلنا: إن الإيمان ليس هو المعرفة، ولكنه تصديق.

ثم اختلف في هؤلاء: قال بعضهم: هم المنافقون الذين كانوا يظهرون الإيمان باللسان، وقلوبهم كافرة.

وقال آخرون: هم اليهود والمنافقون ﴿ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ ﴾ ، وهو قول ابن عباس،  .

﴿ وَمِنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ ﴾ .

هذا يدل أن قوله -  -: ﴿ مِنَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ ﴾ في المنافقين.

وقوله - عز وجل -: ﴿ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ ﴾ .

يحتمل: سماعون إلى النبي صلى الله عليه وسلم خبره، ﴿ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ ﴾ خبره بالكذب، ومعناه - والله أعلم -: أنهم كانوا يستمعون إلى رسول الله  خبره، وما يقول لهم، ثم يأتون الذين لم يأتوا رسول الله  فيخبرونهم خلاف خبره وغير ما سمعوا منه.

وقيل: إن رسول الله  كان يقول: "إن في التوراة كذا من الأحكام والشرائع؛ فإذا سمع هؤلاء منه ذلك أتوا أولئك الذين لم يأتوا رسول الله  فيقولون: إنه كاذب، وليس في التوراة ما يقول هو، ونحو ذا" .

وقيل: إنهم كانوا طلائع الكفرة وعيوناً لهم، فإذا أتى لهم منهم خبر يخبرون ضعفة أصحاب رسول الله  خلاف ما أتاهم؛ نحو قولهم: ﴿ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَٱخْشَوْهُمْ  ﴾ ، كانوا يخشونهم؛ لئلا يغزوهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ ﴾ .

يحتمل التحريف وجهين: يحتمل: تبديل الكتابة من الأصل؛ كقوله -  -: ﴿ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ ٱلْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَـٰذَا مِنْ عِنْدِ ٱللَّهِ  ﴾ ويحتمل تغيير المعنى في العبارة على غير تدبيل الكتاب، يغيرون على السفلة، والذين لا يعرفون غير ما فهموا منه.

وقوله: ﴿ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَـٰذَا ﴾ .

يعنون بـ"هذا": ما حرفوه وغيروه.

﴿ فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَٱحْذَرُواْ ﴾ .

عن ابن عباس -  - قال: نزلت الآية في رجل وامرأة من اليهود زنيا، وكان حكم الله في التوراة في الزنا: الرجم، وكانوا يرجمون الوضيع منهم إذا زنا، ولا يرجمون الشريف - وكانا في شرف وموضع، وكانا قد أحصنا، فكرهت اليهود رجمهما، وفي كتابهم الرجم، وكانوا أرادوا أن يرتفع الرجم من بينهم، وأن يكون حدهم الجلد؛ فذلك قوله -  -: ﴿ إِنْ أُوتِيتُمْ هَـٰذَا ﴾ - يعنون: الجلد - ﴿ فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَٱحْذَرُواْ ﴾ ، فكتبوا بذلك إلى رسول الله  وسألوا عن ذلك، فقالوا: "يا محمد، أخبرنا عن الزاني والزانية إذا أحصنا: ما حَدُّهُمَا؟

وهل تجد فيهما الرجم فيما أنزل الله -  - عليك؟

فقال لهم رسول الله  : وَهَلْ تَرْضَوْنَ بِقَضَائِي فِي ذَلِكَ؟

قالوا: نعم؛ فنزل جبريل -  - بالرجم، وقال له: إن أبوا أن يأخذوا به، فاسألهم عن رجل منهم يقال له: ابن صوريا - وصفه له - فاجعله بينك وبينهم، فقال لهم رسول الله  : نَعَمْ، أَجِدُ فِيمَا أَنْزلَ اللهُ عَلَيَّ: أَنَّ الزَّانِيَةَ وَالزَّانِي إِذَا أُحْصِنَا وَفَجَرَا؛ فَإِنَّ عَلَيْهِمَا الرَّجْمَ، فنفروا عن ذلك؛ فقال لهم رسول الله  : أَتَعْرِفُونَ رَجُلاً شَابّاً صِفَتُهُ كَذَا، يُقَالُ لَهُ: ابنُ صُوريا؟

قالوا: نعم، قال: فَأَيُّ رَجُلٍ هُوَ فِيكُمْ؟

قالوا: هو أعلم يهودي على وجه الأرض بما أنزل الله على موسى، قال: فَأَرْسِلُوا إِلَيْهِ ففعلوا؛ فأتاهم ابن صوريا، فقال له رسول الله  : أَنْتَ ابْنُ صُوريا؟

قال: نعم، قال: [وَأَنْتَ أَعْلَمُ اليَهُودِ؟]، قال: كذلك يزعمون، قال: اجْعَلُوهُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ قالوا: نعم، رضينا به إذا رضيت، قال: فقال رسول الله  : فَإِنِّي أَنْشُدُكَ باللهِ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى: هَلْ تَجِدُونَ فِي كِتَابِكُمُ الَّذِي أَتَاكُمْ بِهِ مُوسَى [فِي التَّوْرَاةِ]: الرَّجْمَ عَلَى مَنْ أُحْصِنَ؟

قال ابن صوريا: نعم والذي ذكرتني، ولولا خشية أن تحرقني النار إن كذبت أو غيرت ما اعترفت لك" .

ففي هذا وجوه من الدلائل: أحدها: أنه سألهم عما كتموا من الأحكام والحقوق التي بينهم وبين الله  ؛ ليظهر خيانتهم وكذبهم فيما كتموا من نعت رسول الله  وصفته؛ ليعلموا أنه إنما عرف ذلك بالله، وفيه إثبات رسالته.

والثاني: أنهم طلبوا منه الرخصة والتخفيف في الحد؛ لأنهم عرفوا أنه [رسول الله  ]، لكنهم كابروا في الإنكار بعدما عرفوا أنه رسول الله حقّاً.

وفيه دلالة جواز شهادة بعضهم على بعض؛ لأنه قبل شهادة ابن صوريا عليهم حيث شهد بالرجم.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَـٰذَا فَخُذُوهُ...

﴾ الآية: إنها نزلت في قتيل قتل عمداً بين قبيلتين: بني قريظة، والنضير، وكان القتيل من بني قريظة، وكان بنو النضير إذا قتلوا من بني قريظة لم يعطوهم القود، ولكن يعطونهم الدية، [وإذا] قتل بنو قريظة من بني النظير لم يرضوا إلا بالقود؛ يتعززون عليهم، فقدم رسول الله  المدينة فأرادوا أن يرفعوا أمرهم إلى رسول الله  ؛ ليحكم بينهم، فقال رجل من المنافقين: إن قتيلكم قتل عمداً، وأنا أخشى عليكم القود، فإن كان محمد أمركم بالدية وقبل منكم فأعطوه، وإلا فكونوا على حذر، فأخبر الله - عز وجل - نبيه  بما قالوا؛ فقال: ﴿ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَـٰذَا فَخُذُوهُ ﴾ \[يعني: الدية\]، ﴿ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَٱحْذَرُواْ ﴾ .

فلا ندري فيم كانت القصّة، وفيه من الدلائل ما ذكرنا من إثبات الرسالة والنبوة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ فِتْنَتَهُ ﴾ .

قيل: من يرد الله عذابه وإهلاكه؛ فلن يملك أحد دفع ذلك العذاب عنه.

وقيل: الفتنة: المحنة، أي: من يرد الله أن يمتحن بالرجم أو القتل؛ فلن يملك له أحد دفع ذلك عنه.

وقوله [- عز وجل -:] ﴿ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ لَمْ يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ ﴾ قالت المعتزلة: قوله: ﴿ لَمْ يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ ﴾ تأويله يحتمل وجهين: يحتمل: ﴿ لَمْ يُرِدِ ٱللَّهُ ﴾ .

أي: لم يطهر الله قلوبهم.

والثاني: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ لَمْ يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ ﴾ بالشرك والكفر، وذلك بعيد؛ لأنه كيف يطهر بالكفر، وبالكفر يتنجس؟!.

لكن الوجه عندنا في قوله -  -: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ لَمْ يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ ﴾ أي: لم يرد الله أن يطهر قلوبهم؛ إذ علم منهم أنهم يختارون ما اختاروا، ويريدون ما أرادوا، فإنما أراد ما كان علم منهم أنهم يريدون ويختارون؛ وكذلك قوله -  -: ﴿ وَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ فِتْنَتَهُ ﴾ يريد فتنة من علم أنه يريدها ويختارها، فإنما يريد ما أراد هو ويختار.

وظاهر الآية على المعتزلة؛ لأنه قال: ﴿ لَمْ يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ ﴾ ، وهم يقولون: أراد أن يطهر قلوبهم.

وذلك ظاهر الخلاف بَيِّنٌ، وبالله العصمة.

[وقوله - عز وجل -:] ﴿ لَهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا خِزْيٌ ﴾ .

الخزي في الدنيا يحتمل: القتل، ويحتمل: العذاب والجزية ﴿ وَلَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ ﴾ .

يحتمل وجهين: يحتمل: ﴿ سَمَّاعُونَ ﴾ ، أي: مستمعون إلى رسول الله  ؛ ليعرفوا به فيكذبوا عليه.

ويحتمل قوله: ﴿ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ ﴾ ، أي: قابلون لما ألقى إليهم من الكذب: كانوا يقبلون لما ألقى إليهم من الكذب، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ ﴾ .

قال بعضهم: كل حرام هو سحت، فإن كان السحت اسم كل حرام، فذلك يعم جميع الكفرة أو أكثرهم.

وقال آخرون: السحت: هو الرشوة في الحكم، فإن كان السحت هذا فذلك يرجع إلى رؤسائهم الذين يحكمون فيما بينهم، ويأخذون على ذلك رشوة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِن جَآءُوكَ فَٱحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ ﴾ .

اختلف فيه.

قال بعضهم: هو على التخيير إذا رفعوا إلى الإمام: إن شاء حكم بينهم، وإن شاء أعرض ولم يحكم، لكنه منسوخ بقوله  : ﴿ وَأَنِ ٱحْكُم بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ  ﴾ ، أمر بالحكم بينهم إذا جاءوا، ونهى أن يتبع أهواءهم، وفي ترك الحكم بينهم اتباع هواهم، وقال: ﴿ وَأَنِ ٱحْكُم بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ وَٱحْذَرْهُمْ  ﴾ .

قالوا: هو منسوخ بهذه الآية، وأمكن الجميع بينهما، وهو أن قوله -  -: ﴿ فَٱحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ ﴾ في قوم من أهل الحرب دخلوا دار الإسلام بأمان، فرفعوا إلى الإمام أمرهم؛ فالإمام بالخيار: إن شاء ردهم إلى مأمنهم، أو نقض عليهم أمانهم، ولم يحكم بينهم، وإن شاء تركهم وحكم بينهم؛ فذلك معنى التخيير، والله أعلم.

وأما قوله: ﴿ وَأَنِ ٱحْكُم بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ وَٱحْذَرْهُمْ  ﴾ : فذلك في أهل الذمة الراضين بحكمنا، إذا رفعوا إلى الحاكم يجب أن يحكم بينهم، ولا يرد عليهم ما طلبوا منه من إجراء الحكم عليهم؛ [لأنه] ليس له فسخ ما أعطى لهم من العهود والمواثيق، وهم قد رضوا بحكمنا؛ لذلك لزم الحكم بينهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْئاً ﴾ .

يحتمل هذا وجهين: يحتمل: أن يقع الإعراض عنهم موقع الجفاء، ويعدون ذلك جفاء؛ فأمن - عز وجل - نبيه -  - عن أن يلحقه ضرر منهم.

ويحتمل قوله: ﴿ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْئاً ﴾ أي: ليس عليك من ضرر ما هم فيه؛ فإنما ضرر ذلك عليهم؛ وهو كقوله: ﴿ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَّا حُمِّلْتُمْ  ﴾ وكقوله -  -: ﴿ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِّن شَيْءٍ...

﴾ الآية [الأنعام: 52].

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنْ حَكَمْتَ فَٱحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِٱلْقِسْطِ ﴾ .

أي: بالعدل؛ كقوله -  -: ﴿ كُونُواْ قَوَّٰمِينَ بِٱلْقِسْطِ شُهَدَآءَ للَّهِ  ﴾ وكقوله -  -: ﴿ وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِٱلْعَدْلِ...

﴾ الآية [النساء: 58].

﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ ﴾ .

أي: العادلين في الحكم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ ٱلتَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ ٱللَّهِ ﴾ .

يُعَجِّبُ نبيه  شدة سفههم وتعنتهم بتركهم الحكم بالذي صدقوا، وطلب الحكم بما كذبوا؛ لأنهم صدقوا التوراة وما فيها من الحكم، وكذبوا ما أنزل على محمد  ، يقول - والله أعلم -: إنهم إذا لم يعملوا بالذي صدقوا، كيف يعملون بالذي كذبوا؟!

وذلك تعجيب منه إياه شدة السفه والتعنت.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فِيهَا حُكْمُ ٱللَّهِ ﴾ ، أي: حكم الله الذي تنازعوا فيه وتشاجروا: رجماً [كان] أو قصاصاً أو ما كان، والله أعلم.

وقوله: ﴿ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِن بَعْدِ ذٰلِكَ ﴾ .

يحتمل وجهين: يحتمل: يتولون من بعد ما تحكم بينهم عما حكمت.

ويحتمل: يتولون من بعد ما عرفوا من الحكم عليهم بما في التوراة.

وقوله: ﴿ وَمَآ أُوْلَـٰئِكَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ .

أخبرهم أنهم ليسوا بمؤمنين، ثم سماهم كافرين في آخر الآية، بقوله: ﴿ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَافِرُونَ ﴾ لم يجعل درجة ثالثة؛ فهذا ينقض قول من يجعل درجة ثالثة بين الإيمان والكفر، وهو قول المعتزلة.

وقوله: ﴿ إِنَّآ أَنزَلْنَا ٱلتَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ ﴾ .

هدى من الضلالة، ونور من العمى، هدى لمن استهدى به، ونور لمن استنار به من العمى.

وقوله: ﴿ يَحْكُمُ بِهَا ٱلنَّبِيُّونَ ٱلَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ ﴾ .

اختلف فيه: قال بعضهم: الآية على التقديم والتأخير: يقول: يحكم بها النبيون الربانيون والأحبار الذين أسلموا، أو من الأحبار من قد أسلم.

أخبر أن النبيين والأحبار الذين أسلموا يحكمون بما في التوراة ﴿ لِلَّذِينَ هَادُواْ ﴾ ، أي: على الذين هادوا؛ ﴿ لِلَّذِينَ ﴾ بمعنى: على الذين؛ وهذا جائز في اللغة؛ كقوله: ﴿ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا  ﴾ ، أي: فعليها.

وقيل: ﴿ يَحْكُمُ بِهَا ٱلنَّبِيُّونَ ٱلَّذِينَ أَسْلَمُواْ ﴾ ، أي: أسلموا أمرهم وأنفسهم لله، وخضعوا له، حكموا بما فيها، وإن خافوا على أنفسهم الهلاك ﴿ لِلَّذِينَ هَادُواْ ﴾ إن أطاعوا الله، وقبلوا ما فيها من الحكم؛ فعند ذلك يحكم لهم.

وقوله: ﴿ بِمَا ٱسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ ٱللَّهِ ﴾ .

هو طلب الحفظ، أي: بما جعل إليهم الحفظ.

﴿ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَآءَ ﴾ .

أي: شهداء على ما في التوراة من الحكم.

ويحتمل: شهداء على حكم رسول الله الذي حكم عليهم، أنه كذلك في التوراة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلاَ تَخْشَوُاْ ٱلنَّاسَ ﴾ فيما تحكم عليهم، ﴿ وَٱخْشَوْنِ ﴾ .

أمن رسوله  شرهم ونكبتهم، وأمر أن يخشوه؛ يكفيه شرهم وأذاهم.

ثم اختلف في الأحبار والربانيين: قال بعضهم: "الرَّبَّانِيُّون": علماء اليهود، "والأحبار": علماء النصارى.

وهما واحد سموا باسمين مختلفين.

وقيل: قوله: ﴿ فَلاَ تَخْشَوُاْ ٱلنَّاسَ وَٱخْشَوْنِ ﴾ إنما خاطب علماءهم، أي: لا [تخشوا الناس] أن تخبروهم بالحكم الذي في التوراة واخشون.

﴿ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً ﴾ .

لهم خرج الخطاب بهذا التأويل الثاني.

﴿ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَافِرُونَ ﴾ .

هكذا من جحد الحكم بما أنزل الله ولم يره حقّاً فهو كافر.

ذكر في القصَّة أن الآية نزلت في قتيل كان بين بني قريظة وبني النضير: أن بني النضير إذا قتلوا من بني قريظة لم يرضوا إلا بالقود، والأخرى إذا قتلت أحداً منهم كانوا لم يعطوهم القود، ولكن يعطوهم الدية، فنزل: ﴿ وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَآ أَنَّ ٱلنَّفْسَ بِٱلنَّفْسِ...

﴾ الآية.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

يا أيها الرسول، لا يحزنك الذين يسارعون في إظهار أعمال الكفر ليغيظوك من المنافقين الذين يُظْهِرُونَ الإيمان، ويبطنون الكفر.

ولا يحزنك اليهود الذين يُصْغُون لكذب كبارهم ويقبلونه، مقلِّدين لزعمائهم الذين لم يأتوك إعراضًا منهم عنك، يُبَدِّلُونَ كلام الله في التوراة بما يوافق أهواءهم، يقولون لأتباعهم: إن وافق حكم محمد أهواءكم فاتبعوه، وإن خالفها فاحذروا منه، ومن يرد الله إضلاله من الناس فلن تجد -أيها الرسول- من يدفع عنه الضلال ويهديه إلى سبيل الحق، أولئك المتصفون بهذه الصفات من اليهود والمنافقين هم الذين لم يرد الله تطهير قلوبهم من الكفر، لهم في الدنيا خزي وعار ولهم في الآخرة عذاب عظيم، وهو عذاب النار.

من فوائد الآيات حكمة مشروعية حد السرقة: لردع السارق عن التعدي على أموال الناس، وتخويف من عداه من الوقوع في مثل ما وقع فيه.

قَبول توبة السارق ما لم يبلغ السلطان وعليه إعادة ما سرق، فإذا بلغ السلطان وجب الحكم، ولا يسقط بالتوبة.

يحسن بالداعية إلى الله ألَّا يحمل همًّا وغمًا بسبب ما يحصل من بعض الناس مِن كُفر ومكر وتآمر؛ لأن الله تعالى يبطل كيد هؤلاء.

حِرص المنافقين على إغاظة المؤمنين بإظهار أعمال الكفر مع ادعائهم الإسلام.

<div class="verse-tafsir" id="91.9Pb5p"

مزيد من التفاسير لسورة المائدة

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.6 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل