الآية ٥٥ من سورة المائدة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 5 المائدة > الآية ٥٥ من سورة المائدة

إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَهُمْ رَٰكِعُونَ ٥٥

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 132 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٥٥ من سورة المائدة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٥٥ من سورة المائدة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا ) أي : ليس اليهود بأوليائكم ، بل ولايتكم راجعة إلى الله ورسوله والمؤمنين .

وقوله : ( الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة [ وهم راكعون ] ) أي : المؤمنون المتصفون بهذه الصفات ، من إقام الصلاة التي هي أكبر أركان الإسلام ، وهي له وحده لا شريك له ، وإيتاء الزكاة التي هي حق المخلوقين ومساعدة للمحتاجين من الضعفاء والمساكين .

وأما قوله ( وهم راكعون ) فقد توهم بعضهم أن هذه الجملة في موضع الحال من قوله : ( ويؤتون الزكاة ) أي : في حال ركوعهم ، ولو كان هذا كذلك ، لكان دفع الزكاة في حال الركوع أفضل من غيره ; لأنه ممدوح ، وليس الأمر كذلك عند أحد من العلماء ممن نعلمه من أئمة الفتوى ، وحتى إن بعضهم ذكر في هذا أثرا عن علي بن أبي طالب : أن هذه الآية نزلت فيه : [ ذلك ] أنه مر به سائل في حال ركوعه ، فأعطاه خاتمه .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا الربيع بن سليمان المرادي ، حدثنا أيوب بن سويد ، عن عتبة بن أبي حكيم في قوله : ( إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا ) قال : هم المؤمنون وعلي بن أبي طالب .

وحدثنا أبو سعيد الأشج ، حدثنا الفضل بن دكين أبو نعيم الأحول ، حدثنا موسى بن قيس الحضرمي عن سلمة بن كهيل قال : تصدق علي بخاتمه وهو راكع ، فنزلت : ( إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون ) .

وقال ابن جرير : حدثني الحارث ، حدثنا عبد العزيز ، حدثنا غالب بن عبيد الله سمعت مجاهدا يقول في قوله : ( إنما وليكم الله ورسوله ) الآية : نزلت في علي بن أبي طالب تصدق وهو راكع وقال عبد الرزاق : حدثنا عبد الوهاب بن مجاهد عن أبيه ، عن ابن عباس في قوله : ( إنما وليكم الله ورسوله ) الآية : نزلت في علي بن أبي طالب .

عبد الوهاب بن مجاهد لا يحتج به .

ورواه ابن مردويه من طريق سفيان الثوري ، عن أبي سنان ، عن الضحاك عن ابن عباس قال : كان علي بن أبي طالب قائما يصلي ، فمر سائل وهو راكع ، فأعطاه خاتمه ، فنزلت : ( إنما وليكم الله ورسوله ) الآية .

الضحاك لم يلق ابن عباس .

وروى ابن مردويه أيضا عن طريق محمد بن السائب الكلبي - وهو متروك - عن أبي صالح عن ابن عباس قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المسجد ، والناس يصلون ، بين راكع وساجد وقائم وقاعد ، وإذا مسكين يسأل ، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " أعطاك أحد شيئا؟

" قال : نعم .

قال : " من؟

" قال : ذلك الرجل القائم .

قال : " على أي حال أعطاكه؟

" قال : وهو راكع ، قال : " وذلك علي بن أبي طالب " .

قال : فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك ، وهو يقول : ( ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون ) وهذا إسناد لا يفرح به .

ثم رواه ابن مردويه من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه نفسه وعمار بن ياسر وأبي رافع .

وليس يصح شيء منها بالكلية ، لضعف أسانيدها وجهالة رجالها .

ثم روى بسنده ، عن ميمون بن مهران ، عن ابن عباس في قوله : ( إنما وليكم الله ورسوله ) نزلت في المؤمنين وعلي بن أبي طالب أولهم .

وقال ابن جرير : حدثنا هناد ، حدثنا عبدة ، عن عبد الملك ، عن أبي جعفر قال : سألته عن هذه [ الآية ] ( إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون ) قلنا : من الذين آمنوا؟

قال : الذين آمنوا!

قلنا : بلغنا أنها نزلت في علي بن أبي طالب !

قال : علي من الذين آمنوا .

وقال أسباط ، عن السدي : نزلت هذه الآية في جميع المؤمنين ، ولكن علي بن أبي طالب مر به سائل وهو راكع في المسجد فأعطاه خاتمه .

وقال علي بن أبي طلحة الوالبي عن ابن عباس : من أسلم فقد تولى الله ورسوله والذين آمنوا .

رواه ابن جرير .

وقد تقدم في الأحاديث التي أوردنا أن هذه الآيات كلها نزلت في عبادة بن الصامت رضي الله عنه ، حين تبرأ من حلف يهود ، ورضي بولاية الله ورسوله والمؤمنين ; ولهذا قال تعالى بعد هذا كله : ( ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون ) كما قال تعالى : ( كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون ) [ المجادلة : 21 ، 22 ] .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (55) قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: " إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا "، ليس لكم، أيها المؤمنون، ناصر إلا الله ورسوله، والمؤمنون الذين صفتهم ما ذكر تعالى ذكره.

(71) فأما اليهود والنصارى الذين أمركم الله أن تبرأوا من وَلايتهم، ونهاكم أن تتخذوا منهم أولياء، فليسوا لكم أولياء لا نُصرَاء، بل بعضهم أولياء بعض، ولا تتخذوا منهم وليًّا ولا نصيرًا.

* * * وقيل إن هذه الآية نـزلت في عبادة بن الصامت، في تبرُّئه من ولاية يهود بني قينقاع وحِلفهم، إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين.

ذكر من قال ذلك: 12207 - حدثنا هناد بن السري قال، حدثنا يونس بن بكير قال، حدثنا ابن إسحاق قال، حدثني والدي إسحاق بن يسار، عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت قال: لما حاربت بنو قينقاع رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، مشى عبادة بن الصامت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم= وكان أحد بني عوف بن الخزرج= فخلعهم إلى رسول الله، (72) وتبرأ إلى الله وإلى رسوله من حِلفهم، وقال: أتولى الله ورسوله والمؤمنين، وأبرأ من حِلف الكفار ووَلايتهم!

ففيه نـزلت: " إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون "= لقول عبادةَ: " أتولى الله ورسوله والذين آمنوا "، وتبرئه من بني قينقاع ووَلايتهم= إلى قوله: فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ .

(73) 12208 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس قال، سمعت أبي، عن عطية بن سعد قال: جاء عبادة بن الصامت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ذكر نحوه.

12209 - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: " إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا "، يعني: أنه من أسلم تولى الله ورسوله.

* * * وأما قوله: " والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون "، فإن أهل التأويل اختلفوا في المعنيِّ به.

فقال بعضهم: عُنِي به علي بن أبي طالب.

* * * وقال بعضهم: عني به جميع المؤمنين.

ذكر من قال ذلك: 12210 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: ثم أخبرهم بمن يتولاهم فقال: " إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون "، هؤلاء جميع المؤمنين، ولكن علي بن أبي طالب مرَّ به سائل وهو راكع في المسجد، فأعطاه خاتَمَه.

12211 - حدثنا هناد بن السري قال، حدثنا عبدة، عن عبد الملك، عن أبي جعفر قال: سألته عن هذه الآية: " إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون "، قلت: (74) من الذين آمنوا؟

قال: الذين آمنوا!

(75) قلنا: بلغنا أنها نـزلت في علي بن أبي طالب!

قال: عليٌّ من الذين آمنوا.

12212 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا المحاربي، عن عبد الملك قال: سألت أبا جعفر عن قول الله: " إنما وليكم الله ورسوله "، وذكر نحو حديث هنّاد، عن عبدة.

12213 - حدثنا إسماعيل بن إسرائيل الرملي قال، حدثنا أيوب بن سويد قال، حدثنا عتبة بن أبي حكيم في هذه الآية: " إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا "، قال: علي بن أبي طالب.

(76) 12214 - حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا غالب بن عبيد الله قال: سمعت مجاهدًا يقول في قوله: " إنما وليكم الله ورسوله "، الآية، قال: نـزلت في علي بن أبي طالب، تصدَّق وهو راكع.

(77) ------------------- الهوامش : (71) انظر تفسير"ولي" فيما سلف ص: 399 ، تعليق: 1 ، والمراجع هناك.

(72) في المخطوطة: "فجعلهم إلى رسول الله" ، والصواب ما في المطبوعة ، مطابقًا لما سلف ، ولما في سيرة ابن هشام.

(73) الأثر: 12207- سيرة ابن هشام 3: 52 ، 53 ، وهو مطول الأثر السالف رقم: 12158 ، وتابع الأثر رقم: 12167.

وكان في المطبوعة والمخطوطة هنا: "حدثني والدي إسحق بن يسار ، عن عبادة بن الصامت" ، أسقط ما أثبت من السيرة ، ومن إسناد الأثرين المذكورين آنفًا.

(74) في المطبوعة والمخطوطة: "قلنا" ، والصواب الجيد ما أثبت.

(75) هذا ليس تكرارًا ، بل هو تعجب من سؤاله عن شيء لا عن مثله.

(76) الأثر: 12213-"إسمعيل بن إسرائيل الرملي" ، مضى برقم: 10236.

و"أيوب بن سويد الرملي" ، مضى برقم: 5494.

و"عتبة بن أبي حكيم الهمداني ، ثم الشعباني" ، أبو العباس الأردني.

ضعفه ابن معين ، وكان أحمد يوهنه قليلا ، وذكره ابن حبان في الثقات.

مترجم في التهذيب.

(77) الأثر: 12214-"غالب بن عبيد الله العقيلي الجزري" ، منكر الحديث متروك.

مترجم في لسان الميزان ، والكبير للبخاري 4/1/101 ، وابن أبي حاتم 3/2/48.

هذا ، وأرجح أن أبا جعفر الطبري قد أغفل الكلام في قوله تعالى: "وهم راكعون" ، وفي بيان معناها في هذا الموضع ، مع الشبهة الواردة فيه ، لأنه كان يحب أن يعود إليه فيزيد فيه بيانًا ، ولكنه غفل عنه بعد.

وقد قال ابن كثير في تفسيره 3: 182 : "وأما قوله: "وهم راكعون" ، فقد توهم بعض الناس أن هذه الجملة في موضع الحال من قوله: "ويؤتون الزكاة" ، أي: في حال ركوعهم.

ولو كان هذا كذلك ، لكان دفع الزكاة في حال الركوع أفضل من غيره ، لأنه ممدوح.

وليس الأمر كذلك عند أحد من العلماء ، ممن نعلمه من أئمة الفتوى.

وحتى إن بعضهم ذكر في هذا أثرًا عن علي بن أبي طالب أن هذه الآية نزلت فيه..." ثم ، ساق الآثار السالفة وما في معناها من طرق مختلفة.

وهذه الآثار جميعًا لا تقوم بها حجة في الدين.

وقد تكلم الأئمة في موقع هذه الجملة ، وفي معناها.

والصواب من القول في ذلك أن قوله: "وهم راكعون" ، يعني به: وهم خاضعون لربهم ، متذللون له بالطاعة ، خاضعون له بالأنقياد لأمره في إقامة الصلاة بحدودها وفروضها من تمام الركوع والسجود ، والصلاة والخشوع ، ومطيعين لما أمرهم به من إيتاء الزكاة وصرفها في وجوهها التي أمرهم بصرفها فيها.

فهي بمعنى"الركوع" الذي هو في أصل اللغة ، بمعنى الخضوع = انظر تفسير"ركع" فيما سلف 1: 574.

وإذن فليس قوله: "وهم راكعون" حالا من"ويؤتون الزكاة".

وهذا هو الصواب المحض إن شاء الله.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعونفيه مسألتان :الأولى : قوله تعالى : إنما وليكم الله ورسوله قال جابر بن عبد الله قال عبد الله بن سلام للنبي صلى الله عليه وسلم : إن قومنا من قريظة والنضير قد هجرونا وأقسموا ألا يجالسونا ، ولا نستطيع مجالسة أصحابك لبعد المنازل ، فنزلت هذه الآية ، فقال : رضينا بالله وبرسوله وبالمؤمنين أولياء .

و ( الذين ) عام في جميع المؤمنين ، وقد سئل أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم عن معنى إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا هل هو علي بن أبي طالب ؟

فقال : علي من المؤمنين ; يذهب إلى أن هذا لجميع المؤمنين .

قال النحاس : وهذا قول بين ; لأن الذين لجماعة ، وقال ابن عباس : نزلت في أبي بكر رضي الله عنه ، وقال في رواية أخرى : نزلت في علي بن أبي طالب رضي الله عنه ; وقاله مجاهد والسدي ، وحملهم على ذلك قوله تعالى : الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون وهي :المسألة الثانية : وذلك أن سائلا سأل في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يعطه أحد شيئا ، وكان علي في الصلاة في الركوع وفي يمينه خاتم ، فأشار إلى السائل بيده حتى أخذه .

قال إلكيا الطبري : وهذا يدل على أن العمل القليل لا يبطل الصلاة ; فإن التصدق بالخاتم في الركوع عمل جاء به في الصلاة ولم تبطل به الصلاة ، وقوله : ويؤتون الزكاة وهم راكعون يدل على أن صدقة التطوع تسمى زكاة .

; فإن عليا تصدق بخاتمه في الركوع ، وهو نظير قوله [ ص: 162 ] تعالى : وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون وقد انتظم الفرض والنفل ، فصار اسم الزكاة شاملا للفرض والنفل ، كاسم الصدقة وكاسم الصلاة ينتظم الأمرين .قلت : فالمراد على هذا بالزكاة التصدق بالخاتم ، وحمل لفظ الزكاة على التصدق بالخاتم فيه بعد ; لأن الزكاة لا تأتي إلا بلفظها المختص بها وهو الزكاة المفروضة على ما تقدم بيانه في أول سورة " البقرة " .

وأيضا فإن قبله يقيمون الصلاة ومعنى يقيمون الصلاة يأتون بها في أوقاتها بجميع حقوقها ، والمراد صلاة الفرض .

ثم قال : وهم راكعون أي النفل ، وقيل : أفرد الركوع بالذكر تشريفا ، وقيل : المؤمنون وقت نزول الآية كانوا بين متمم للصلاة وبين راكع ، وقال ابن خويز منداد قوله تعالى : ويؤتون الزكاة وهم راكعون تضمنت جواز العمل اليسير في الصلاة ; وذلك أن هذا خرج مخرج المدح ، وأقل ما في باب المدح أن يكون مباحا ; وقد روي أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أعطى السائل شيئا وهو في الصلاة ، وقد يجوز أن يكون هذه صلاة تطوع ، وذلك أنه مكروه في الفرض ، ويحتمل أن يكون المدح متوجها على اجتماع حالتين ; كأنه وصف من يعتقد وجوب الصلاة والزكاة ; فعبر عن الصلاة بالركوع ، وعن الاعتقاد للوجوب بالفعل ; كما تقول : المسلمون هم المصلون ، ولا تريد أنهم في تلك الحال مصلون ولا يوجه المدح حال الصلاة ; فإنما يريد من يفعل هذا الفعل ويعتقده .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

لما نهى عن ولاية الكفار من اليهود والنصارى وغيرهم، وذكر مآل توليهم أنه الخسران المبين، أخبر تعالى مَن يجب ويتعين توليه، وذكر فائدة ذلك ومصلحته فقال: { إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ْ} فولاية الله تدرك بالإيمان والتقوى.

فكل من كان مؤمنا تقيا كان لله وليا، ومن كان وليا لله فهو ولي لرسوله، ومن تولى الله ورسوله كان تمام ذلك تولي من تولاه، وهم المؤمنون الذين قاموا بالإيمان ظاهرا وباطنا، وأخلصوا للمعبود، بإقامتهم الصلاة بشروطها وفروضها ومكملاتها، وأحسنوا للخلق، وبذلوا الزكاة من أموالهم لمستحقيها منهم.

وقوله: { وَهُمْ رَاكِعُونَ ْ} أي: خاضعون لله ذليلون.

فأداة الحصر في قوله { إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا ْ} تدل على أنه يجب قصر الولاية على المذكورين، والتبري من ولاية غيرهم.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا ) [ روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنها نزلت في عبادة بن الصامت وعبد الله بن أبي بن سلول حين تبرأ عبادة من اليهود ، وقال : أتولى الله ورسوله والذين آمنوا ، فنزل فيهم من قوله : " ياأيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء " ، إلى قوله : " إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا " يعني عبادة بن الصامت وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وقال جابر بن عبد الله : جاء عبد الله بن سلام إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله إن قومنا قريظة والنضير قد هجرونا وفارقونا وأقسموا أن لا يجالسونا ، فنزلت هذه الآية ، فقرأها عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : " يا رسول الله رضينا بالله وبرسوله وبالمؤمنين أولياء " .

وعلى هذا التأويل أراد بقوله : ( وهم راكعون ) صلاة التطوع بالليل والنهار ، قاله ابن عباس رضي الله عنهما .

وقال السدي : قوله : " والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون " ، أراد به علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، مر به سائل وهو راكع في المسجد فأعطاه خاتمه .

وقال جويبر عن الضحاك في قوله : ( إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا ) قال : هم المؤمنون بعضهم أولياء بعض ، وقال أبو جعفر محمد بن علي الباقر : ( إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا ) نزلت في المؤمنين ، فقيل له : إن أناسا يقولون إنها نزلت في علي رضي الله عنه ، فقال : هو من المؤمنين .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«إنَّما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون» خاشعون أو يصلون صلاة التطوع.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

إنما ناصركم -أيُّها المؤمنون- الله ورسوله، والمؤمنون الذين يحافظون على الصلاة المفروضة، ويؤدون الزكاة عن رضا نفس، وهم خاضعون لله.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - من تجب موالاتهم ، بعد النهي عن تولي من تجب معاداتهم فقال : ( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ الله وَرَسُولُهُ والذين آمَنُواْ الذين يُقِيمُونَ الصلاة وَيُؤْتُونَ الزكاة وَهُمْ رَاكِعُونَ ) .أي : ( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ الله ) المفيض عليكم كل خير ، والمرجو وحده في الشدائد والكروب ( وَرَسُولُهُ ) الذي أخرجكم - بإذنه تعالى - من ظلمات الكف إلى نور التوحيد .

( والذين آمَنُواْ ) الذين هم منكم وأنتم منهم والذين ( يُقِيمُونَ الصلاة ) في مواقيتها بخشوع وإخلاص ( وَيُؤْتُونَ الزكاة ) لمستحقيها بسماحة وطيب نفس ( وَهُمْ رَاكِعُونَ ) أي : خاشعون متواضعون لله ، وليسوا مرائين أو منانين .وقوله : ( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ الله ) جملة من مبتدأ وخبر .

وقوله : ( وَرَسُولُهُ والذين آمَنُواْ ) معطوف على الخبر .قال صاحب الكشاف : ومعنى ( إنما ) وجوب اختصاصهم بالمولاة .

فإن قلت قد ذكرت - الآية - جماعة فهلا قيل إنما أولياؤكم؟

قلت : أصل الكلام إنما وليكم الله ، فجعلت الولاية لله على طريق الأصالة ، ثم نظم في سلك إثباتها له ، إثباتها لرسوله وللمؤمنين على سبيل التبع .

ولو قيل : إنما أولياؤكم الله ورسوله والذين آمنوا ، لم يكن في الكلام أصل وتبع .والمراد بالذين آمنوا عامة المؤمنين وليس فردا معينا منهم .قال - تعالى - : ( والمؤمنون والمؤمنات بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بالمعروف وَيَنْهَوْنَ عَنِ المنكر وَيُقِيمُونَ الصلاة وَيُؤْتُونَ الزكاة وَيُطِيعُونَ الله وَرَسُولَهُ أولئك سَيَرْحَمُهُمُ الله إِنَّ الله عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) وما ورد من آثار تفيد أن المراد بالذين آمنوا شخصا معينا وهو علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - لا يعتمد عليها ، لأنهما كما يقول ابن كثير - " لم يصح شيء منها بالكلية لضعف أسانيدها وجهالة رجالها " .وقد توسع الإِمام الرازي في الرد على الشيعة الذين وضعوا هذه الآثار فارجع إليه إن شئت .وقوله : ( الذين يُقِيمُونَ الصلاة وَيُؤْتُونَ الزكاة ) بدل من الذين آمنوا .وهما وصفان لهما ساقهما - سبحانه - على سبيل الثناء عليهم والمدح لهم .وقوله : ( وَهُمْ رَاكِعُونَ ) حال من فاعل الفعلين - يقيمون ويؤتون - .أي : يعملون ما ذكر من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وهم خاشعون خاضعون لله - تعالى - إذ الركوع قد يطلق بمعنى الخضوع لله - تعالى - :قال الراغب : الركوع : الانحناء وتارة يستعمل في الهيئة المخصوصة في الصلاة ، وتارة يستعمل في التذلل والتواضع إما في العبادة وإما في غيرها .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وجه النظم أنه تعالى لما نهى في الآيات المتقدمة عن موالاة الكفار أمر في هذه الآية بموالاة من يجب موالاته وقال: ﴿ إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ الله وَرَسُولُهُ والذين ءامَنُواْ ﴾ أي المؤمنون الموصوفون بالصفات المذكورة، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: في قوله: ﴿ والذين ءامَنُواْ ﴾ قولان: الأول: أن المراد عامة المؤمنين، وذلك لأن عبادة بن الصامت لما تبرأ من اليهود وقال: أنا بريء إلى الله من حلف قريظة والنضير، وأتولى الله ورسوله نزلت هذه الآية على وفق قوله.

وروي أيضاً أن عبدالله بن سلام قال: يا رسول الله إن قومنا قد هجرونا وأقسموا أن لا يجالسونا، ولا نستطيع مجالسة أصحابك لبعد المنازل، فنزلت هذه الآية، فقال رضينا بالله ورسوله وبالمؤمنين أولياء، فعلى هذا: الآية عامة في حق كل المؤمنين، فكل من كان مؤمناً فهو ولي كل المؤمنين، ونظيره قوله تعالى: ﴿ والمؤمنون والمؤمنات بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ  ﴾ وعلى هذا فقوله: ﴿ الذين يُقِيمُونَ الصلاة وَيُؤْتُونَ الزكواة ﴾ صفة لكل المؤمنين، والمراد بذكر هذه الصفات تمييز المؤمنين عن المنافقين لأنهم كانوا يدعون الإيمان، إلا أنهم ما كانوا مداومين على الصلوات والزكوات، قال تعالى في صفة صلاتهم ﴿ وَلاَ يَأْتُونَ الصلاة إِلاَّ وَهُمْ كسالى  ﴾ وقال: ﴿ يُرَاءونَ الناس وَلاَ يَذْكُرُونَ الله إِلاَّ قَلِيلاً  ﴾ وقال في صفة زكاتهم ﴿ أَشِحَّةً عَلَى الخير  ﴾ وأما قوله: ﴿ وَهُمْ رَاكِعُونَ ﴾ ففيه على هذا القول وجوه: الأول: قال أبو مسلم: المراد من الركوع الخضوع، يعني أنهم يصلون ويزكون وهم منقادون خاضعون لجميع أوامر الله ونواهيه والثاني: أن يكون المراد: من شأنهم إقامة الصلاة، وخص الركوع بالذكر تشريفاً له كما في قوله: ﴿ واركعوا مَعَ الراكعين  ﴾ والثالث: قال بعضهم: إن أصحابه كانوا عند نزول هذه الآية مختلفون في هذه الصفات، منهم من قد أتم الصلاة، ومنهم من دفع المال إلى الفقير، ومنهم من كان بعد في الصلاة وكان راكعاً، فلما كانوا مختلفين في هذه الصفات لا جرم ذكر الله تعالى كل هذه الصفات.

القول الثاني: أن المراد من هذه الآية شخص معين، وعلى هذا ففيه أقوال: روى عكرمة أن هذه الآية نزلت في أبي بكر رضي الله عنه.

والثاني: روى عطاء عن ابن عباس أنها نزلت في علي بن أبي طالب عليه السلام.

روي أن عبدالله بن سلام قال: لما نزلت هذه الآية قلت يا رسول أنا رأيت علياً تصدق بخاتمه على محتاج وهو راكع، فنحن نتولاه.

وروي عن أبي ذر رضي الله عنه أنه قال: صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً صلاة الظهر، فسأل سائل في المسجد فلم يعطه أحد، فرفع السائل يده إلى السماء وقال: الّلهم أشهد أني سألت في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم فما أعطاني أحد شيئاً، وعلي عليه السلام كان راكعاً، فأومأ إليه بخنصره اليمنى وكان فيها خاتم، فأقبل السائل حتى أخذ الخاتم بمرأى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «الّلهم إن أخي موسى سألك فقال: ﴿ رَبّ اشرح لِى صَدْرِى ﴾ إلى قوله: ﴿ قَالَ رَبِّ ٱشْرَحْ لِى صَدْرِى  وَيَسِّرْ لِىٓ أَمْرِى  وَٱحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِى  يَفْقَهُوا قَوْلِى  وَٱجْعَل لِّى وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِى  هَٰرُونَ أَخِى  ٱشْدُدْ بِهِۦٓ أَزْرِى  وَأَشْرِكْهُ فِىٓ أَمْرِى  ﴾ فأنزلت قرآناً ناطقاً ﴿ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سلطانا  ﴾ الّلهم وأنا محمد نبيّك وصفيك فاشرح لي صدري ويسر لي أمري واجعل لي وزيراً من أهلي علياً أشدد به ظهري».

قال أبو ذر: فوالله ما أتم رسول الله هذه الكلمة حتى نزل جبريل فقال: يا محمد اقرأ ﴿ إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ الله وَرَسُولُهُ ﴾ إلى أخرها، فهذا مجموع مع يتعلق بالروايات في هذه المسألة.

المسألة الثانية: قالت الشيعة: هذه الآية دالة على أن الإمام بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم هو علي بن ابي طالب، وتقريره، أن نقول: هذه الآية دالة على أن المراد بهذه الآية إمام، ومتى كان الأمر كذلك وجب أن يكون ذلك الإمام هو علي بن أبي طالب.

بيان المقام الأول: أن الولي في اللغة قد جاء بمعنى الناصر والمحب، كما في قوله: ﴿ والمؤمنون والمؤمنات بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ  ﴾ وجاء بمعنى المتصرف.

قال عليه الصلاة والسلام: «أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها» فنقول: هاهنا وجهان: الأول: أن لفظ الولي جاء بهذين المعنيين ولم يعين الله مراده، ولا منافاة بين المعنيين، فوجب حمله عليهما، فوجب دلالة الآية على أن المؤمنين المذكورين في الآية متصرفون في الأمة.

الثاني: أن نقول: الولي في هذه الآية لا يجوز أن يكون بمعنى الناصر، فوجب أن يكون بمعنى المتصرف، وإنما قلنا: إنه لا يجوز أن يكون بمعنى الناصر، لأن الولاية المذكورة في هذه الآية غير عامة في كل المؤمنين، بدليل أنه تعالى ذكر بكلمة ﴿ إِنَّمَا ﴾ وكلمة إنما للحصر، كقوله: ﴿ إِنَّمَا الله إله واحد  ﴾ والولاية بمعنى النصرة عامة لقوله: ﴿ والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض ﴾ وهذا يوجب القطع بأن الولاية المذكورة في هذه الآية ليست بمعنى النصرة، وإذا لم تكن بمعنى النصرة كانت بمعنى التصرف، لأنه ليس للولي معنى سوى هذين، فصار تقدير الآية: إنما المتصرف فيكم أيها المؤمنون هو الله ورسوله والمؤمنون الموصوفون بالصفة الفلانية، وهذا يقتضي أن المؤمنين الموصوفين بالصفات المذكورة في هذه لآية متصرفون في جميع الأمة، ولا معنى للإمام إلا الإنسان الذي يكون متصرفاً في كل الأمة، فثبت بما ذكرنا دلالة هذه الآية على أن الشخص المذكور فيها يجب أن يكون إمام الأمة.

أما بيان المقام الثاني: وهو أنه لما ثبت ما ذكرنا وجب أن يكون ذلك الإنسان هو علي بن ابي طالب، وبيانه من وجوه: الأول: أن كل من أثبت بهذه الآية إمامة شخص قال: إن ذلك الشخص هو علي، وقد ثبت بما قدمنا دلالة هذه الآية على إمامة شخص، فوجب أن يكون ذلك الشخص هو علي، ضرورة أنه لا قائل بالفرق.

الثاني: تظاهرت الروايات على أن هذه الآية نزلت في حق علي، ولا يمكن المصير إلى قول من يقول: إنها نزلت في أبي بكر رضي الله عنه، لأنها لو نزلت في حقه لدلت على إمامته، وأجمعت الأمة على أن هذه الآية لا تدل على إمامته، فبطل هذا القول، والثالث: أن قوله: ﴿ وَهُمْ رَاكِعُونَ ﴾ لا يجوز جعله عطفاً على ما تقدم، لأن الصلاة قد تقدمت، والصلاة مشتملة على الركوع، فكانت إعادة ذكر الركوع تكراراً، فوجب جعله حالاً أي يؤتون الزكاة حال كونهم راكعين، وأجمعوا على أن إيتاء الزكاة حال الركوع لم يكن إلا في حق علي، فكانت الآية مخصوصة به ودالة على إمامته من الوجه الذي قررناه، وهذا حاصل استدلال القوم بهذه الآية على إمامة علي عليه السلام.

والجواب: أما حمل لفظ الولي على الناصر وعلى المتصرف معاً فغير جائز، لما ثبت في أصول الفقه أنه لا يجوز حمل اللفظ المشترك على مفهوميه معاً.

أما الوجه الثاني: فنقول: لم لا يجوز أن يكون المراد من لفظ الولي في هذه الآية الناصر والمحب، ونحن نقيم الدلالة على أن حمل لفظ الولي على هذا المعنى أولى من حمله على معنى المتصرف.

ثم نجيب عما قالوه فنقول: الذي يدل على أن حمله على الناصر أولى وجوه: الأول: أن اللائق بما قبل هذه الآية وبما بعدها ليس إلا هذا المعنى، أما ما قبل هذه لآية فلأنه تعالى قال: ﴿ يا أيها الذين ءامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ اليهود والنصارى أَوْلِيَاء  ﴾ وليس المراد لا تتخذوا اليهود والنصارى أئمة متصرفين في أرواحكم وأموالكم لأن بطلان هذا كالمعلوم بالضرورة، بل المراد لا تتخذوا اليهود والنصارى أحباباً وأنصاراً، ولا تخالطوهم ولا تعاضدوهم، ثم لما بالغ في النهي عن ذلك قال: إنما وليكم الله ورسوله والمؤمنون والموصوفون، والظاهر أن الولاية المأمور بها هاهنا هي المنهي عنها فيما قبل، ولما كانت الولاية المنهي عنها فيما قبل هي الولاية بمعنى النصرة كانت الولاية المأمور بها هي الولاية بمعنى النصرة، وأما ما بعد هذه الآية فهي قوله: ﴿ يا أيها الذين ءامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الذين اتخذوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مّنَ الذين أُوتُواْ الكتاب مِن قَبْلِكُمْ والكفار أَوْلِيَاء واتقوا الله إِن كُنتُم مؤمنين  ﴾ فأعاد النهي عن اتخاذ اليهود والنصارى والكفار أولياء، ولا شك أن الولاية المنهي عنها هي الولاية بمعنى النصرة، فكذلك الولاية في قوله: ﴿ إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ الله ﴾ يجب أن تكون هي بمعنى النصرة، وكل من أنصف وترك التعصب وتأمل في مقدمة الآية وفي مؤخرها قطع بأن الولي في قوله: ﴿ إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ الله ﴾ ليس إلا بمعنى الناصر والمحب، ولا يمكن أن يكون بمعنى الإمام، لأن ذلك يكون إلقاء كلام أجنبي فيما بين كلامين مسوقين لغرض واحد، وذلك يكون في غاية الركاكة والسقوط، ويجب تنزيه كلام الله تعالى عنه.

الحجة الثانية: أنا لو حملنا الولاية على التصرف والإمامة لما كان المؤمنون المذكورين في الآية موصوفين بالولاية حال نزول الآية، لأن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ما كان نافذ التصرف حال حياة الرسول، والآية تقتضي كون هؤلاء المؤمنون موصوفين بالولاية في الحال، أما لو حملنا الولاية على المحبة والنصرة كانت الولاية حاصلة في الحال، فثبت أن حمل الولاية على المحبة أولى من حملها على التصرف، والذي يؤكد ما قلناه أنه تعالى منع المؤمنين من اتخاذ اليهود والنصارى أولياء، ثم أمرهم بموالاة هؤلاء المؤمنين، فلابد وأن تكون موالاة هؤلاء المؤمنين حاصلة في الحال حتى يكون النفي والإثبات متواردين على شيء واحد، ولما كانت الولاية بمعنى التصرف غير حاصلة في الحال امتنع حمل الآية عليها.

الحجة الثالثة: أنه تعالى ذكر المؤمنين الموصوفين في هذه الآية بصيغة الجمع في سبعة مواضع وهي قوله: ﴿ والذين ءامَنُواْ الذين يُقِيمُونَ الصلاة وَيُؤْتُونَ الزكواة وَهُمْ رَاكِعُونَ ﴾ وحمل ألفاظ الجمع وإن جاز على الواحد على سبيل التعظم لكنه مجاز لا حقيقة، والأصل حمل الكلام على الحقيقة.

الحجة الرابعة: أنا قد بينا بالبرهان البين أن الآية المتقدمة وهي قوله: ﴿ يأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ  ﴾ إلى آخر الآية من أقوى الدلائل على صحة إمامة أبي بكر، فلو دلّت هذه الآية على صحة إمامة علي بعد الرسول لزم التناقض بين الآيتين، وذلك باطل، فوجب القطع بأن هذه الآية لا دلالة فيها على أن علياً هو الإمام بعد الرسول.

الحجة الخامسة: أن علي بن أبي طالب كان أعرف بتفسير القرآن من هؤلاء الروافض، فلو كانت هذه الآية دالة على إمامته لاحتج بها في محفل من المحافل، وليس للقوم أن يقولوا: إنه تركه للتقية فإنهم ينقلون عنه أنه تمسك يوم الشورى بخبر الغدير، وخبر المباهلة، وجميع فضائله ومناقبه، ولم يتمسك ألبتة بهذه الآية في إثبات امامته، وذلك يوجب القطع بسقوط قول هؤلاء الروافض لعنهم الله.

الحجة السادسة: هب أنها دالة على إمامة علي، لكنا توافقنا على أنها عند نزولها ما دلت على حصول الإمامة في الحال: لأن علياً ما كان نافذ التصرف في الأمة حال حياة الرسول عليه الصلاة والسلام، فلم يبق إلا أن تحمل الآية على أنها تدل على أن علياً سيصير إماماً بعد ذلك، ومتى قالوا ذلك فنحن نقول بموجبه ونحمله على إمامته بعد أبي بكر وعمر وعثمان، إذ ليس في الآية ما يدل على تعيين الوقت، فإن قالوا: الأمة في هذه الآية على قولين: منهم من قال: إنها لا تدل على إمامة علي، ومنهم من قال: إنها تدل على إمامته، وكل من قال بذلك قال: إنها تدل على إمامته بعد الرسول من غير فصل، فالقول بدلالة الآية على إمامة علي لا على هذا الوجه، قول ثالث، وهو باطل لأنا نجيب عنه فنقول: ومن الذي أخبركم أنه ما كان أحد في الأمة قال هذا القول، فإن من المحتمل، بل من الظاهر أنه منذ استدل مستدل بهذه الآية على إمامة علي، فإن السائل يورد على ذلك الاستدلال هذا السؤال، فكان ذكر هذا الاحتمال وهذا السؤال مقروناً بذكر هذا الاستدلال.

الحجة السابعة: أن قوله: ﴿ إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ الله وَرَسُولُهُ ﴾ لا شك أنه خطاب مع الأمة، وهم كانوا قاطعين بأن المتصرف فيهم هو الله ورسوله، وإنما ذكر الله تعالى هذا الكلام تطييباً لقلوب المؤمنين وتعريفاً لهم بأنه لا حاجة بهم إلى اتخاذ الأحباب والأنصار من الكفار، وذلك لأن من كان الله ورسوله ناصراً له ومعيناً له فأي حاجة به إلى طلب النصرة والمحبة من اليهود والنصارى وإذا كان كذلك كان المراد بقوله: ﴿ إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ الله وَرَسُولُهُ ﴾ هو الولاية بمعنى النصرة والمحبة، ولا شك أن لفظ الولي مذكور مرة واحدة، فلما أريد به هاهنا معنى النصرة امتنع أن يراد به معنى التصرف لما ثبت أنه لا يجوز استعمال اللفظ المشترك في مفهوميه معاً.

الحجة الثامنة: أنه تعالى مدح المؤمنين في الآية المتقدمة بقوله: ﴿ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى المؤمنين أَعِزَّةٍ عَلَى الكافرين  ﴾ فإذا حملنا قوله: ﴿ إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ الله وَرَسُولُهُ ﴾ على معنى المحبة والنصرة كان قوله: ﴿ إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ الله وَرَسُولُهُ ﴾ يفيد فائدة قوله: ﴿ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى المؤمنين أَعِزَّةٍ عَلَى الكافرين ﴾ وقوله: ﴿ يجاهدون فِي سَبِيلِ الله  ﴾ يفيد فائدة قوله: ﴿ يُقِيمُونَ الصلاة وَيُؤْتُونَ الزكواة وَهُمْ رَاكِعُونَ ﴾ فكانت هذه الآية مطابقة لما قبلها مؤكدة لمعناها فكان ذلك أولى، فثبت بهذه الوجوه أن الولاية المذكورة في هذه الآية يجب أن تكون بمعنى النصرة لا بمعنى التصرف.

أما الوجه الذي عولوا عليه وهو أن الولاية المذكورة في الآية غير عامة، والولاية بمعنى النصرة عامة، فجوابه من وجهين: الأول: لا نسلم أن الولاية المذكورة في الآية غير عامة، ولا نسلم أن كلمة ﴿ إِنَّمَا ﴾ للحصر، والدليل عليه قوله: ﴿ إِنَّمَا مَثَلُ الحياة الدنيا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السماء  ﴾ ولا شك أن الحياة الدنيا لها أمثال أخرى سوى هذا المثل، وقال: ﴿ إِنَّمَا الحياة الدنيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ  ﴾ ولا شك أن اللعب واللهو قد يحصل في غيرها.

الثاني: لا نسلم أن الولاية بمعنى النصرة عامة في كل المؤمنين، وبيانه أنه تعالى قسم المؤمنين قسمين: أحدهما: الذين جعلهم مولياً عليهم وهم المخاطبون بقوله: ﴿ إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ الله ﴾ والثاني: الأولياء، وهم المؤمنون الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون، فإذا فسرنا الولاية هاهنا بمعنى النصرة كان المعنى أنه تعالى جعل أحد القسمين أنصاراً للقسم الثاني.

ونصرة القسم الثاني غير حاصلة لجميع المؤمنين، ولو كان كذلك لزم في القسم الذي هم المنصورون أن يكونوا ناصرين لأنفسهم، وذلك محال، فثبت أن نصرة أحد قسمي الأمة غير ثابتة لكل الأمة، بل مخصوصة بالقسم الثاني من الأمة، فلم يلزم من كون الولاية المذكورة في هذه الآية خاصة أن لا تكون بمعنى النصرة، وهذا جواب حسن دقيق لابد من التأمل فيه.

وأما استدلالهم بأن الآية نزلت في حق علي فهو ممنوع، فقد بينا أن أكثر المفسرين زعموا أنه في حق الأمة، والمراد أن الله تعالى أمر المسلم أن لا يتخذ الحبيب والناصر إلا من المسلمين، ومنهم من يقول: إنها نزلت في حق أبي بكر.

وأما استدلالهم بأن الآية مختصة بمن أدى الزكاة في الركوع حال كونه في الركوع، وذلك هو علي بن أبي طالب فنقول: هذا أيضاً ضعيف من وجوه: الأول: أن الزكاة اسم للواجب لا للمندوب بدليل قوله تعالى: ﴿ وآتوا الزكاة  ﴾ فلو أنه أدى الزكاة الواجبة في حال كونه في الركوع لكان قد أخر أداء الزكاة الواجب عن أول أوقات الوجوب، وذلك عند أكثر العلماء معصية، وأنه لا يجوز إسناده إلى علي عليه السلام، وحمل الزكاة على الصدقة النافلة خلاف الأصل لما بينا أن قوله: ﴿ وآتوا الزكاة ﴾ ظاهرة يدل على أن كل ما كان زكاة فهو واجب.

الثاني: وهو أن اللائق بعلي عليه السلام أن يكون مستغرق القلب بذكر الله حال ما يكون في الصلاة، والظاهر أن من كان كذلك فإنه لا يتفرغ لاستماع كلام الغير ولفهمه، ولهذا قال تعالى: ﴿ الذين يَذْكُرُونَ الله قياما وَقُعُوداً وعلى جُنُوبِهِمْ ويتفكرون في خَلَقَ الله السموات والارض  ﴾ ومن كان قلبه مستغرقاً في الفكر كيف يتفرغ لاستماع كلام الغير.

الثالث: أن دفع الخاتم في الصلاة للفقيرعمل كثير، واللائق بحال علي عليه السلام أن لا يفعل ذلك.

الرابع: أن المشهور أنه عليه السلام كان فقيراً ولم يكن له مال تجب الزكاة فيه، ولذلك فإنهم يقولون: إنه لما أعطى ثلاثة أقراص نزل فيه سورة ﴿ هل أتى  ﴾ وذلك لا يمكن إلا إذا كان فقيراً، فأما من كان له مال تجب فيه الزكاة يمتنع أن يستحق المدح العظيم المذكور في تلك السورة على إعطاء ثلاثة أقراص، وإذا لم يكن له مال تجب فيه الزكاة امتنع حمل قوله: ﴿ وَيُؤْتُونَ الزكواة وَهُمْ رَاكِعُونَ ﴾ عليه.

الوجه الخامس: هب أن المراد بهذه الآية هو علي بن أبي طالب لكنه لم يتم الاستدلال بالآية إلا إذا تم أن المراد بالولي هو المتصرف لا الناصر والمحب، وقد سبق الكلام فيه.

المسألة الثالثة: اعلم أن الذين يقولون: المراد من قوله: ﴿ وَيُؤْتُونَ الزكواة وَهُمْ رَاكِعُونَ ﴾ هو أنهم يؤتون الزكاة حال كونهم راكعين احتجوا بالآية على أن العمل القليل لا يقطع الصلاة، فإنه دفع الزكاة إلى السائل وهو في الصلاة، ولا شك أنه نوى إيتاء الزكاة وهو في الصلاة، فدل ذلك على أن هذه الأعمال لا تقطع الصلاة، وبقي في الآية سؤالان.

السؤال الأول: المذكور في الآية هو الله تعالى ورسوله والمؤمنون، فلم لم يقل: إنما أولياؤكم؟

والجواب: أصل الكلام إنما وليكم الله، فجعلت الولاية لله على طريق الأصالة، ثم نظم في سلك إثباتها له إثباتها لرسول الله والمؤمنين على سبيل التبع، ولو قيل: إنما أولياؤكم الله ورسوله والذين آمنوا لم يكن في الكلام أصل وتبع، وفي قراءة عبد الله: إنما مولاكم الله.

السؤال الثاني: ﴿ الذين يُقِيمُونَ ﴾ ما محله؟

الجواب: الرفع على البدل من ﴿ الذين آمنوا ﴾ أو يقال: التقدير: هم الذين يقيمون، أو النصب على المدح، والغرض من ذكره تمييز المؤمن المخلص عمن يدعي الإيمان ويكون منافقاً، لأن ذلك الإخلاص إنما يعرف بكونه مواظباً على الصلاة في حال الركوع، أي في حال الخضوع والخشوع والإخبات لله تعالى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

عقب النهي عن موالاة من تجب معاداتهم ذكر من تجب موالاتهم بقوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ الله وَرَسُولُهُ والذين ءامَنُواْ ﴾ ومعنى (إنما) وجوب اختصاصهم بالموالاة.

فإن قلت: قد ذكرت جماعة فهلا قيل: إنما أولياؤكم؟

قلت: أصل الكلام: إنما وليكم الله، فجعلت الولاية لله على طريق الأصالة، ثم نظم في سلك إثباتها له إثباتها لرسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين على سبيل التبع، ولو قيل: إنما أولياؤكم الله ورسوله والذين آمنوا، لم يكن في الكلام أصل وتبع وفي قراءة عبد الله: ﴿ إنما مولاكم ﴾ .

فإن قلت: ﴿ الذين يُقِيمُونَ ﴾ ما محله؟

قلت: الرفع على البدل من الذين آمنوا، أو على: هم الذين يقيمون.

أو النصب على المدح.

وفيه تمييز للخلص من الذين آمنوا نفاقاً، أو واطأت قلوبهم ألسنتهم إلا أنهم مفرطون في العمل ﴿ وَهُمْ رَاكِعُونَ ﴾ الواو فيه للحال، أي يعملون ذلك في حال الركوع وهو الخشوع والإخبات والتواضع لله إذا صلوا وإذا زكوا.

وقيل: هو حال من يؤتون الزكاة، بمعنى يؤتونها في حال ركوعهم في الصلاة، وأنها نزلت في عليٍّ كرم الله وجهه حين سأله سائل وهو راكع في صلاته فطرح له خاتمه.

كأنه كان مرجاً في خنصره، فلم يتكلف لخلعه كثير عما تفسد بمثله صلاته، فإن قلت: كيف صحّ أن يكون لعليّ رضي الله عنه واللفظ لفظ جماعة؟

قلت: جيء به على لفظ الجمع وإن كان السبب فيه رجلا واحداً، ليرغب الناس في مثل فعله فينالوا مثل ثوابه، ولينبه على أن سجية المؤمنين يجب أن تكون على هذه الغاية من الحرص على البرّ والإحسان وتفقد الفقراء، حتى إن لزهم أمر لا يقبل التأخير وهم في الصلاة، لم يؤخروه إلى الفراغ منها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ إنَّما ولِيُّكُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ والَّذِينَ آمَنُوا ﴾ لِما نَهى عَنْ مُوالاةِ الكَفَرَةِ ذَكَرَ عَقِيبَهُ مَن هو حَقِيقٌ بِها، وإنَّما قالَ ولِيُّكُمُ اللَّهُ ولَمْ يَقُلْ أوْلِياؤُكم لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ الوِلايَةَ لِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلى الأصالَةِ ولِرَسُولِهِ  ولِلْمُؤْمِنِينَ عَلى التَّبَعِ.

﴿ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ ﴾ صِفَةٌ لِلَّذِينِ آمَنُوا فَإنَّهُ جَرى مَجْرى الِاسْمِ، أوْ بَدَلٌ مِنهُ ويَجُوزُ نَصْبُهُ ورَفْعُهُ عَلى المَدْحِ.

﴿ وَهم راكِعُونَ ﴾ مُتَخَشِّعُونَ في صَلاتِهِمْ وزَكاتِهِمْ، وقِيلَ هو حالٌ مَخْصُوصَةٌ بِيُؤْتُونَ، أيْ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ في حالِ رُكُوعِهِمْ في الصَّلاةِ حِرْصًا عَلى الإحْسانِ ومُسارَعَةً إلَيْهِ، وإنَّها نَزَلَتْ في عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حِينَ سَألَهُ سائِلٌ وهو راكِعٌ في صَلاتِهِ، فَطَرَحَ لَهُ خاتَمَهُ.

واسْتَدَلَّ بِها الشِّيعَةُ عَلى إمامَتِهِ زاعِمِينَ أنَّ المُرادَ بِالوَلِيِّ المُتَوَلِّي لِلْأُمُورِ والمُسْتَحِقُّ لِلتَّصَرُّفِ فِيها، والظّاهِرُ ما ذَكَرْناهُ مَعَ أنَّ حَمْلَ الجَمْعِ عَلى الواحِدِ أيْضًا خِلافَ الظّاهِرِ وإنْ صَحَّ أنَّهُ نَزَلَ فِيهِ فَلَعَلَّهُ جِيءَ بِلَفْظِ الجَمْعِ لِتَرْغِيبِ النّاسِ في مِثْلِ فِعْلِهِ فَيَنْدَرِجُوا فِيهِ، وعَلى هَذا يَكُونُ دَلِيلًا عَلى أنَّ الفِعْلَ القَلِيلَ في الصَّلاةِ لا يُبْطِلُها وأنَّ صَدَقَةَ التَّطَوُّعِ تُسَمّى زَكاةً.

﴿ وَمَن يَتَوَلَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ والَّذِينَ آمَنُوا ﴾ ومَن يَتَّخِذُهم أوْلِياءَ.

﴿ فَإنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الغالِبُونَ ﴾ أيْ فَإنَّهم هُمُ الغالِبُونَ، ولَكِنَّ وضْعَ الظّاهِرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ تَنْبِيهًا عَلى البُرْهانِ عَلَيْهِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ومَن يَتَوَلَّ هَؤُلاءِ فَهم حِزْبُ اللَّهِ وحِزْبُ اللَّهِ هُمُ الغالِبُونَ وتَنْوِيهًا بِذِكْرِهِمْ وتَعْظِيمًا لِشَأْنِهِمْ وتَشْرِيفًا لَهم بِهَذا الِاسْمِ، وتَعْرِيضًا لِمَن يُوالِي غَيْرَ هَؤُلاءِ بِأنَّهُ حِزْبُ الشَّيْطانِ.

وأصْلُ الحِزْبِ القَوْمُ يَجْتَمِعُونَ لِأمْرٍ حَزَبَهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (٥٥)

عقب النهي عن موالاة من تجب معاداتهم ذكر من تحب موالاتهم بقوله {إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا} وإنما يفيد اختصاصهم بالموالاة ولم يجمع الولي وإن كان المذكور جماعة تنبيهاً على أن

المائدة (٥٥ _ ٥٩)

الولاية لله أصل ولغيره تبع ولو قيل إنما أولياؤكم الله ورسوله والذين آمنوا لم يكن في الكلام أصل وتبع ومحل {الذين يُقِيمُونَ الصلاة} الرفع على البدل من الذين آمنوا أو على هم الذين أو النصب على المدح {ويؤتون الزكاة} والواو في {وَهُمْ راكعون} للحال أي يؤتونها في حال ركوعهم في الصلاة قيل إنها نزلت فى على رضى الله عنه حين سأله سائل وهو راكع في صلاته فطرح له خاتمه كأنه كان مرجاً في خنصره فلم يتكلف لخلعه كثير عمل يفسد صلاته وورد بلفظ الجمع وإن كلان السبب فيه واحداً ترغيباً للناس في مثل فعله لينالوا مثل ثوباه والآية تدل على جواز الصدقة في الصلاة وعلى أن الفعل القليل لا يفسد الصلاة

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا قالَ: ( ﴿ لا تَتَّخِذُوا اليَهُودَ والنَّصارى أوْلِياءَ ﴾ ) وعَلَّلَهُ بِما عَلَّلَهُ ذَكَرَ عَقِبَ ذَلِكَ مَن هو حَقِيقٌ بِالمُوالاةِ بِطَرِيقِ القَصْرِ فَقالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ( ﴿ إنَّما ولِيُّكُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ والَّذِينَ آمَنُوا ﴾ ) فَكَأنَّهُ قِيلَ: لا تَتَّخِذُوا أُولَئِكَ أوْلِياءَ؛ لِأنَّ بَعْضَهم أوْلِياءُ بَعْضٍ، ولَيْسُوا بِأوْلِيائِكُمْ، إنَّما أوْلِياؤُكُمُ اللَّهُ تَعالى ورَسُولُهُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - والمُؤْمِنُونَ، فاخْتَصُّوهم بِالمُوالاةِ، ولا تَتَخَطَّوْهم إلى الغَيْرِ، وأفْرَدَ الوَلِيَّ مَعَ تَعَدُّدِهِ لِيُفِيدَ - كَما قِيلَ - أنَّ الوِلايَةَ لِلَّهِ تَعالى بِالأصالَةِ، ولِلرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - والمُؤْمِنِينَ بِالتَّبَعِ، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: إنَّما ولِيُّكُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وكَذَلِكَ رَسُولُهُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - والَّذِينَ آمَنُوا، فَيَكُونُ في الكَلامِ أصْلٌ وتَبَعٌ، لا أنَّ ( ﴿ ولِيُّكُمُ ﴾ ) مُفْرَدٌ اسْتُعْمِلَ اسْتِعْمالَ الجَمْعِ كَما ظَنَّ صاحِبُ الفَرائِدِ، فاعْتَرَضَ بِأنَّ ما ذُكِرَ بَعِيدٌ عَنْ قاعِدَةِ الكَلامِ لِما فِيهِ مِن جَعْلِ ما لا يَسْتَوِي الواحِدُ والجَمْعُ جَمْعًا، ثُمَّ قالَ: ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: التَّقْدِيرُ: ( ﴿ إنَّما ولِيُّكُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ والَّذِينَ آمَنُوا ﴾ ) أوْلِياؤُكُمْ، فَحُذِفَ الخَبَرُ لِدَلالَةِ السّابِقِ عَلَيْهِ، وفائِدَةُ الفَصْلِ في الخَبَرِ هي التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ كَوْنَهم أوْلِياءَ بَعْدَ كَوْنِهِ سُبْحانَهُ ولِيًّا، ثُمَّ بِجَعْلِهِ إيّاهم أوْلِياءَ، فَفي الحَقِيقَةِ هو الوَلِيُّ، انْتَهى.

ولا يَخْفى عَلى المُتَأمِّلِ أنَّ المَآلَ مُتَّحِدٌ والمَوْرِدَ واحِدٌ، ومِمّا تَقَرَّرَ يُعْلَمُ أنَّ قَوْلَ الحَلَبِيِّ يَحْتَمِلُ وجْهًا آخَرَ، وهو أنَّ ولِيًّا زِنَةُ فَعِيلٍ، وقَدْ نَصَّ أهْلُ اللِّسانِ أنَّهُ يَقَعُ لِلْواحِدِ والِاثْنَيْنِ والجَمْعِ تَذْكِيرًا وتَأْنِيثًا بِلَفْظٍ واحِدٍ ( كَصَدِيقٍ ) غَيْرَ واقِعٍ مَوْقِعَهُ؛ لِأنَّ الكَلامَ في سِرٍّ بَيانِيٍّ، وهو نُكْتَةُ العُدُولِ مِن لَفْظٍ إلى لَفْظٍ، ولا يَرِدُ عَلى ما قَدَّمْناهُ أنَّهُ لَوْ كانَ التَّقْدِيرُ كَذَلِكَ لَنافى حَصْرُ الوِلايَةِ في اللَّهِ تَعالى ثُمَّ إثْباتُها لِلرَّسُولِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ولِلْمُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّ الحَصْرَ بِاعْتِبارِ أنَّهُ سُبْحانَهُ الوَلِيُّ أصالَةً وحَقِيقَةً، ووِلايَةُ غَيْرِهِ إنَّما هي بِالإسْنادِ إلَيْهِ عَزَّ شَأْنُهُ.

﴿ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ ﴾ بَدَلٌ مِنَ المَوْصُولِ الأوَّلِ، أوْ صِفَةٌ لَهُ بِاعْتِبارِ إجْرائِهِ مَجْرى الأسْماءِ؛ لِأنَّ المَوْصُولَ وصْلَةٌ إلى وصْفِ المَعارِفِ بِالجُمَلِ، والوَصْفُ لا يُوصَفُ إلّا بِتَأْوِيلٍ، ويَجُوزُ أنْ يُعْتَبَرَ مَنصُوبًا عَلى المَدْحِ ومَرْفُوعًا عَلَيْهِ أيْضًا، وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ ( والَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ) بِالواوِ.

﴿ وهم راكِعُونَ ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ الفِعْلَيْنِ، أيْ يَعْمَلُونَ ما ذُكِرَ مِن إقامَةِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ وهم خاشِعُونَ ومُتَواضِعُونَ لِلَّهِ تَعالى.

وقِيلَ: هو حالٌ مَخْصُوصَةٌ بِإيتاءِ الزَّكاةِ، والرُّكُوعُ رُكُوعُ الصَّلاةِ، والمُرادُ بَيانُ كَمالِ رَغْبَتِهِمْ في الإحْسانِ، ومُسارَعَتِهِمْ إلَيْهِ، وغالِبُ الإخْبارِيِّينَ عَلى أنَّها نَزَلَتْ في عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - فَقَدْ أخْرَجَ الحاكِمُ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، وغَيْرُهُما، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - بِإسْنادٍ مُتَّصِلٍ قالَ: ««أقْبَلَ ابْنَ سَلامٍ ونَفَرٌ مِن قَوْمِهِ آمَنُوا بِالنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ مَنازِلَنا بَعِيدَةٌ، ولَيْسَ لَنا مَجْلِسٌ ولا مُتَحَدَّثٌ دُونَ هَذا المَجْلِسِ، وإنَّ قَوْمَنا لَمّا رَأوْنا آمَنّا بِاللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وصَدَّقْناهُ رَفَضُونا، وآلُوا عَلى نُفُوسِهِمْ أنْ لا يُجالِسُونا ولا يُناكِحُونا ولا يُكَلِّمُونا، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْنا، فَقالَ لَهُمُ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: ( إنَّما ولِيُّكُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ ) ثُمَّ إنَّهُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - خَرَجَ إلى المَسْجِدِ والنّاسُ بَيْنَ قائِمٍ وراكِعٍ، فَبُصِّرَ بِسائِلٍ، فَقالَ: هَلْ أعْطاكَ أحَدٌ شَيْئًا؟

فَقالَ: نَعَمْ، خاتَمٌ مِن فِضَّةٍ، فَقالَ: مَن أعْطاكَهُ؟

فَقالَ: ذَلِكَ القائِمُ، وأوْمَأ إلى عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - فَقالَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - عَلى أيِّ حالٍ أعْطاكَ؟

فَقالَ: وهو راكِعٌ، فَكَبَّرَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ» فَأنْشَأ حَسّانُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - يَقُولُ: أبا حَسَنٍ تَفْدِيكَ نَفْسِي ومُهْجَتِي وكُلُّ بَطِيءٍ في الهُدى ومُسارِعِ أيَذْهَبُ مَدِيحُكَ المُحَبَّرُ ضائِعًا ∗∗∗ وما المَدْحُ في جَنْبِ الإلَهِ بِضائِعِ فَأنْتَ الَّذِي أعْطَيْتَ إذْ كُنْتَ راكِعًا ∗∗∗ زَكاةً فَدَتْكَ النَّفْسُ يا خَيْرَ راكِعِ فَأنْزَلَ فِيكَ اللَّهُ خَيْرَ وِلايَةٍ ∗∗∗ وأثْبَتَها أثْنا كِتابِ الشَّرائِعِ » واسْتَدَلَّ الشِّيعَةُ بِها عَلى إمامَتِهِ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - ووَجْهُ الِاسْتِدْلالِ بِها عِنْدَهم أنَّها بِالإجْماعِ أنَّها نَزَلَتْ فِيهِ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - وكَلِمَةُ ( إنَّما ) تُفِيدُ الحَصْرَ، ولَفْظُ الوَلِيِّ بِمَعْنى المُتَوَلِّي لِلْأُمُورِ، والمُسْتَحِقِّ لِلتَّصَرُّفِ فِيها، وظاهِرٌ أنَّ المُرادَ هُنا التَّصَرُّفُ العامُّ المُساوِي لِلْإمامَةِ بِقَرِينَةِ ضَمِّ وِلايَتِهِ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - بِوِلايَةِ اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَثَبَتَ إمامَتُهُ وانْتَفَتْ إمامَةُ غَيْرِهِ، وإلّا لَبَطَلَ الحَصْرُ ولا إشْكالَ في التَّعْبِيرِ عَنِ الواحِدِ بِالجَمْعِ، فَقَدْ جاءَ في غَيْرِما مَوْضِعٍ، وذَكَرَ عُلَماءُ العَرَبِيَّةِ أنَّهُ يَكُونُ لِفائِدَتَيْنِ: تَعْظِيمُ الفاعِلِ، وأنَّ مَن أتى بِذَلِكَ الفِعْلِ عَظِيمُ الشَّأْنِ بِمَنزِلَةِ جَماعَةٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ إبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً ﴾ لِيُرَغِّبَ النّاسَ في الإتْيانِ بِمِثْلِ فِعْلِهِ.

وتَعْظِيمُ الفِعْلِ أيْضًا، حَتّى إنَّ فِعْلَهُ سَجِيَّةٌ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ، وهَذِهِ نُكْتَةٌ سَرِيعَةٌ، تُعْتَبَرُ في كُلِّ مَكانٍ بِما يَلِيقُ بِهِ.

وقَدْ أجابَ أهْلُ السُّنَّةِ عَنْ ذَلِكَ بِوُجُوهٍ: الأوَّلُ: النَّقْضُ بِأنَّ هَذا الدَّلِيلَ كَما يَدُلُّ بِزَعْمِهِمْ عَلى نَفْيِ إمامَةِ الأئِمَّةِ المُتَقَدِّمِينَ، كَذَلِكَ يَدُلُّ عَلى سَلْبِ الإمامَةِ عَنِ الأئِمَّةِ المُتَأخِّرِينَ، كالسِّبْطَيْنِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - وباقِي الاثْنَيْ عَشَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أجْمَعِينَ - بِعَيْنٍ ذَلِكَ التَّقْرِيرِ، فالدَّلِيلُ يَضُرُّ الشِّيعَةَ أكْثَرَ مِمّا يَضُرُّ أهْلَ السُّنَّةِ كَما لا يَخْفى، ولا يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: الحَصْرُ إضافِيٌّ بِالنِّسْبَةِ إلى مَن تَقَدَّمُهُ؛ لِأنّا نَقُولُ: إنَّ حَصْرَ وِلايَةِ مَنِ اسْتَجْمَعَ تِلْكَ الصِّفاتِ لا يُفِيدُ إلّا إذا كانَ حَقِيقِيًّا، بَلْ لا يَصِحُّ لِعَدَمِ اسْتِجْماعِها فِيمَن تَأخَّرَ عَنْهُ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - وإنْ أجابُوا عَنِ النَّقْضِ بِأنَّ المُرادَ حَصْرُ الوِلايَةِ في الأمِيرِ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - في بَعْضِ الأوْقاتِ، أعْنِي وقْتَ إمامَتِهِ لا وقْتَ إمامَةِ السِّبْطَيْنِ ومَن بَعْدَهم - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم - قُلْنا: فَمَرْحَبًا بِالوِفاقِ؛ إذْ مَذْهَبُنا أيْضًا أنَّ الوِلايَةَ العامَّةَ كانَتْ لَهُ وقْتَ كَوْنِهِ إمامًا لا قَبْلَهُ، وهو زَمانُ خِلافَةِ الثَّلاثَةِ ولا بَعْدَهُ وهو زَمانُ خِلافَةِ مَن ذُكِرَ.

فَإنْ قالُوا: إنَّ الأمِيرَ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - لَوْ لَمْ يَكُنْ صاحِبَ وِلايَةٍ عامَّةٍ في عَهْدِ الخُلَفاءِ يَلْزَمُهُ نَقْصٌ، بِخِلافِ وقْتِ خِلافَةِ أشْبالِهِ الكِرامِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم - فَإنَّهُ لَمّا لَمْ يَكُنْ حَيًّا لَمْ تَصِرْ إمامَةُ غَيْرِهِ مُوجِبَةً لِنَقْصِ شَرَفِهِ الكامِلِ؛ لِأنَّ المَوْتَ رافِعٌ لِجَمِيعِ الأحْكامِ الدُّنْيَوِيَّةِ، يُقالُ: هَذا فِرارٌ وانْتِقالٌ إلى اسْتِدْلالٍ آخَرَ، لَيْسَ مَفْهُومًا مِنَ الآيَةِ، إذْ مَبْناهُ عَلى مُقَدِّمَتَيْنِ: الأُولى أنَّ كَوْنَ صاحِبِ الوِلايَةِ العامَّةِ في وِلايَةِ الآخَرِ - ولَوْ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ - غَيْرَ مُسْتَقِلٍّ بِالوِلايَةِ نَقْصٌ لَهُ.

والثّانِيَةُ أنَّ صاحِبَ الوِلايَةِ العامَّةِ لا يَلْحَقُهُ نَقْصٌ ما بِأيِّ وجْهٍ، وأيِّ وقْتٍ كانَ، وكِلْتاهُما لا يُفْهَمانِ مِنَ الآيَةِ أصْلًا، كَما لا يَخْفى عَلى ذِي فَهْمٍ، عَلى أنَّ هَذا الِاسْتِدْلالَ مَنقُوضٌ بِالسِّبْطَيْنِ زَمَنَ وِلايَةِ الأمِيرِ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - بَلْ وبِالأمِيرِ أيْضًا في عَهْدِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ.

والثّانِي أنّا لا نُسَلِّمُ الإجْماعَ عَلى نُزُولِها في الأمِيرِ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - فَقَدِ اخْتَلَفَ عُلَماءُ التَّفْسِيرِ في ذَلِكَ، فَرَوى أبُو بَكْرٍ النَّقّاشُ صاحِبُ التَّفْسِيرِ المَشْهُورِ، عَنْ مُحَمَّدٍ الباقِرِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - أنَّها نَزَلَتْ في المُهاجِرِينَ والأنْصارِ، وقالَ قائِلٌ: نَحْنُ سَمِعْنا أنَّها نَزَلَتْ في عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - فَقالَ: هو مِنهُمْ، يَعْنِي أنَّهُ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - داخِلٌ أيْضًا في المُهاجِرِينَ والأنْصارِ، ومِن جُمْلَتِهِمْ.

وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ، عَنِ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ أبِي سُلَيْمانَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الباقِرِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - أيْضًا نَحْوَ ذَلِكَ، وهَذِهِ الرِّوايَةُ أوْفَقُ بِصِيَغِ الجَمْعِ في الآيَةِ.

ورَوى جَمْعٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ عَنْ عِكْرِمَةَ أنَّها نَزَلَتْ في شَأْنِ أبِي بَكْرٍ، رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ.

والثّالِثُ أنّا لا نُسَلِّمُ أنَّ المُرادَ بِالوَلِيِّ المُتَوَلِّي لِلْأُمُورِ والمُسْتَحِقُّ لِلتَّصَرُّفِ فِيها تَصَرُّفًا عامًّا، بَلِ المُرادُ بِهِ النّاصِرُ؛ لِأنَّ الكَلامَ في تَقْوِيَةِ قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ وتَسَلِّيها، وإزالَةِ الخَوْفِ عَنْها مِنَ المُرْتَدِّينَ، وهو أقْوى قَرِينَةً عَلى ما ذَكَرَهُ، ولا يَأْباهُ الضَّمُّ، كَما لا يَخْفى عَلى مَن فَتَحَ اللَّهُ تَعالى عَيْنَ بَصِيرَتِهِ.

ومَن أنْصَفَ نَفْسَهُ عَلِمَ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى فِيما بَعْدُ: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكم هُزُوًا ولَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِنَ قَبْلِكم والكُفّارَ أوْلِياءَ ﴾ آبٍ عَنْ حَمْلِ الوَلِيِّ عَلى ما يُساوِي الإمامَ الأعْظَمَ؛ لِأنَّ أحَدًا لَمْ يَتَّخِذِ اليَهُودَ والنَّصارى والكُفّارَ أئِمَّةً لِنَفْسِهِ، وهم أيْضًا لَمْ يَتَّخِذْ بَعْضُهم بَعْضًا إمامًا، وإنَّما اتَّخَذُوا أنْصارًا وأحْبابًا، وكَلِمَةُ ( إنَّما ) المُفِيدَةُ لِلْحَصْرِ تَقْتَضِي ذَلِكَ المَعْنى أيْضًا؛ لِأنَّ الحَصْرَ يَكُونُ فِيما يَحْتَمِلُ اعْتِقادَ الشَّرِكَةِ والتَّرَدُّدِ والنِّزاعِ، ولَمْ يَكُنْ - بِالإجْماعِ - وقْتَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ تَرَدُّدٌ ونِزاعٌ في الإمامَةِ ووِلايَةِ التَّصَرُّفِ، بَلْ كانَ في النُّصْرَةِ والمَحَبَّةِ.

والرّابِعُ أنَّهُ لَوْ سُلِّمَ أنَّ المُرادَ ما ذَكَرُوهُ، فَلَفْظُ الجَمْعِ عامٌّ أوْ مُساوٍ - كَما ذَكَرَهُ المُرْتَضى في الذَّرِيعَةِ وابْنُ المُطَهَّرِ في النِّهايَةِ - والعِبْرَةُ لِعُمُومِ اللَّفْظِ لا لِخُصُوصِ السَّبَبِ، كَما اتَّفَقَ عَلَيْهِ الفَرِيقانِ.

فَمُفادُ الآيَةِ حِينَئِذٍ حَصْرُ الوِلايَةِ العامَّةِ لِرِجالٍ مُتَعَدِّدِينَ، يَدْخُلُ فِيهِمُ الأمِيرُ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - وحَمْلُ العامِّ عَلى الخاصِّ خِلافُ الأصْلِ، لا يَصِحُّ ارْتِكابُهُ بِغَيْرِ ضَرُورَةٍ، ولا ضَرُورَةَ.

فَإنْ قالُوا: الضَّرُورَةُ مُتَحَقِّقَةٌ ها هُنا، إذِ التَّصَدُّقُ عَلى السّائِلِ في حالِ الرُّكُوعِ لَمْ يَقَعْ مِن أحَدٍ غَيْرِ الأمِيرِ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - قُلْنا: لَيْسَتِ الآيَةُ نَصًّا في كَوْنِ التَّصَدُّقِ واقِعًا حالَ رُكُوعِ الصَّلاةِ، لِجَوازِ أنْ يَكُونَ الرُّكُوعُ بِمَعْنى التَّخَشُّعِ والتَّذَلُّلِ لا بِالمَعْنى المَعْرُوفِ في عُرْفِ أهْلِ الشَّرْعِ، كَما في قَوْلِهِ: لا تُهِينُ الفَقِيرَ عَلَّكَ أنْ ∗∗∗ تَرْكَعَ يَوْمًا والدَّهْرُ قَدْ رَفَعَهُ وقَدِ اسْتُعْمِلَ بِهَذا المَعْنى في القُرْآنِ أيْضًا، كَما قِيلَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وارْكَعِي مَعَ الرّاكِعِينَ ﴾ إذْ لَيْسَ في صَلاةِ مَن قَبْلَنا مِن أهْلِ الشَّرائِعِ رُكُوعٌ هو أحَدُ الأرْكانِ بِالإجْماعِ، وكَذا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وخَرَّ راكِعًا ﴾ وقَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ ﴾ عَلى ما بَيَّنَهُ بَعْضُ الفُضَلاءِ، ولَيْسَ حَمْلُ الرُّكُوعِ في الآيَةِ عَلى غَيْرِ مَعْناهُ الشَّرْعِي بِأبْعَدَ مِن حَمْلِ الزَّكاةِ المَقْرُونَةِ بِالصَّلاةِ عَلى مِثْلِ ذَلِكَ التَّصَدُّقِ، وهو لازِمٌ عَلى مُدَّعِي الإمامِيَّةِ قَطْعًا.

وقالَ بَعْضٌ مِنّا أهْلَ السُّنَّةِ: إنَّ حَمْلَ الرُّكُوعِ عَلى مَعْناهُ الشَّرْعِيِّ وجَعْلَ الجُمْلَةِ حالًا مِن فاعِلِ ( يَأْتُونَ ) يُوجِبُ قُصُورًا بَيِّنًا في مَفْهُومِ ( يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ) إذِ المَدْحُ والفَضِيلَةُ في الصَّلاةِ كَوْنُها خالِيَةً عَمّا لا يَتَعَلَّقُ بِها مِنَ الحَرَكاتِ، سَواءٌ كانَتْ كَثِيرَةً أوْ قَلِيلَةً، غايَةُ الأمْرِ أنَّ الكَثِيرَةَ مُفْسِدَةٌ لِلصَّلاةِ دُونَ القَلِيلَةِ، ولَكِنْ لا تُؤَثِّرُ قُصُورًا في مَعْنى إقامَةِ الصَّلاةِ البَتَّةَ، فَلا يَنْبَغِي حَمْلُ كَلامِ اللَّهِ تَعالى الجَلِيلِ عَلى ذَلِكَ، انْتَهى.

وبَلَغَنِي أنَّهُ قِيلَ لِابْنِ الجَوْزِي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى -: كَيْفَ تَصَدَّقَ عَلِيٌّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - بِالخاتَمِ وهو في الصَّلاةِ والظَّنُّ فِيهِ - بَلِ العِلْمُ الجازِمُ - أنَّ لَهُ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - شُغُلًا شاغِلًا فِيها عَنِ الِالتِفاتِ إلى ما لا يَتَعَلَّقُ بِها، وقَدْ حُكِيَ مِمّا يُؤَيِّدُ ذَلِكَ كَثِيرٌ؟!

فَأنْشَأ يَقُولُ: يُسْقِي ويَشْرَبُ لا تُلْهِيهِ سَكْرَتُهُ ∗∗∗ عَنِ النَّدِيمِ ولا يَلْهُو عَنِ النّاسِ أطاعَهُ سُكْرُهُ حَتّى تَمَكَّنَ مِن ∗∗∗ فِعْلِ الصُّحاةِ فَهَذا واحِدُ النّاسِ وأجابَ الشَّيْخُ إبْراهِيمُ الكُرْدِيُّ - قُدِّسَ سِرُّهُ - عَنْ أصْلِ الِاسْتِدْلالِ بِأنَّ الدَّلِيلَ قائِمٌ في غَيْرِ مَحَلِّ النِّزاعِ، وهو كَوْنُ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - إمامًا بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مِن غَيْرِ فَصْلٍ؛ لِأنَّ وِلايَةَ الَّذِينَ آمَنُوا - عَلى زَعْمِ الإمامِيَّةِ - غَيْرُ مُرادَةٍ في زَمانِ الخِطابِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ عَهْدُ النُّبُوَّةِ، والإمامِيَّةُ نِيابَةٌ، فَلا تُتَصَوَّرُ إلّا بَعْدَ انْتِقالِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وإذا لَمْ يَكُنْ زَمانُ الخِطابِ مُرادًا تَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ المُرادُ الزَّمانَ المُتَأخِّرَ عَنْ زَمَنِ الِانْتِقالِ، ولا حَدَّ لِلتَّأْخِيرِ، فَلْيَكُنْ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلى الأمِيرِ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - بَعْدَ مُضِيِّ زَمانِ الأئِمَّةِ الثَّلاثَةِ، فَلَمْ يَحْصُلْ مُدَّعى الإمامِيَّةِ.

ومِنَ العَجائِبِ أنَّ صاحِبَ إظْهارِ الحَقِّ قَدْ بَلَغَ سَعْيُهُ الغايَةَ القُصْوى في تَصْحِيحِ الِاسْتِدْلالِ بِزَعْمِهِ، ولَمْ يَأْتِ بِأكْثَرَ مِمّا يُضْحِكُ الثَّكْلى، وتَفْزَعُ مِن سَماعِهِ المَوْتى، فَقالَ: إنَّ الأمْرَ بِمَحَبَّةِ اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - يَكُونُ بِطَرِيقِ الوُجُوبِ لا مَحالَةَ، فالأمْرُ بِمَحَبَّةِ المُؤْمِنِينَ المُتَّصِفِينَ بِما ذُكِرَ مِنَ الصِّفاتِ ووِلايَتِهِمْ أيْضًا كَذَلِكَ، إذِ الحُكْمُ في كَلامٍ واحِدٍ يَكُونُ مَوْضِعُهُ مُتَّحِدًا أوْ مُتَعَدِّدًا أوْ مُتَعاطِفًا لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ بَعْضُهُ واجِبًا وبَعْضُهُ مَندُوبًا، وإلّا لَزِمَ اسْتِعْمالُ اللَّفْظِ بِمَعْنَيَيْنِ، فَإذا كانَتْ مَحَبَّةُ أُولَئِكَ المُؤْمِنِينَ ووِلايَتُهم واجِبَةً وُجُوبَ مَحَبَّةِ اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - امْتَنَعَ أنْ يُرادَ مِنهم كافَّةُ المُسْلِمِينَ وكُلُّ الأُمَّةِ بِاعْتِبارِ أنَّ مِن شَأْنِهِمُ الِاتِّصافُ بِتِلْكَ الصِّفاتِ؛ لِأنَّ مَعْرِفَةَ كُلٍّ مِنهم لِيُحِبَّ ويُوالِيَ مِمّا لا يُمْكِنُ لِأحَدٍ مِنَ المُكَلَّفِينَ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، وأيْضًا قَدْ تَكُونُ مُعاداةُ المُؤْمِنِينَ لِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ مُباحَةٌ بَلْ واجِبَةٌ، فَتَعَيَّنَ أنْ يُرادَ مِنهُمُ البَعْضُ، وهو عَلِيٌّ المُرْتَضى - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - انْتَهى.

ويُرَدُّ عَلَيْهِ: أنَّهُ مَعَ تَسْلِيمِ المُقَدِّماتِ، أيْنَ اللُّزُومُ بَيْنَ الدَّلِيلِ والمُدَّعى؟

وكَيْفَ اسْتِنْتاجُ المُتَعَيَّنِ مِنَ المُطْلَقِ؟

وأيْضًا لا يَخْفى عَلى مَن لَهُ أدْنى تَأمُّلٍ أنَّ مُوالاةَ المُؤْمِنِينَ مِن جِهَةِ الإيمانِ أمْرٌ عامٌّ بِلا قَيْدٍ ولا جِهَةٍ، وتَرْجِعُ إلى مُوالاةِ إيمانِهِمْ في الحَقِيقَةِ، والبُغْضِ لِسَبَبٍ غَيْرِ ضارٍّ فِيها، وأيْضًا ماذا يَقُولُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ والمُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ ﴾ ؟

وأيْضًا ماذا يُجابُ عَنْ مُعاداتِ الكُفّارِ وكَيْفَ الأمْرُ فِيها وهم أضْعافُ المُؤْمِنِينَ؟

ومَتى كَفَتِ المُلاحَظَةُ الإجْمالِيَّةُ هُناكَ فَلْتَكْفِ هُنا.

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ مُلاحَظَةَ الكَثْرَةِ بِعُنْوانِ الوَحْدَةِ مِمّا لا شَكَّ في وُقُوعِها فَضْلًا عَنْ إمْكانِها، والرُّجُوعُ إلى عِلْمِ الوَضْعِ يَهْدِي لِذَلِكَ، والمَحْذُورُ كَوْنُ المُوالاةِ الثَّلاثَةِ في مَرْتَبَةٍ واحِدَةٍ، ولَيْسَ فَلَيْسَ؛ إذِ الأُولى أصْلٌ، والثّانِيَةُ تَبَعٌ، والثّالِثَةٌ تَبَعُ التَّبَعِ، فالمَحْمُولُ مُخْتَلِفٌ، ومِثْلُهُ المَوْضُوعُ، إذِ المُوالاةُ مِنَ الأُمُورِ العامَّةِ وكالعَوارِضِ المُشَكِّكَةِ، والعَطْفُ مُوجِبٌ لِلتَّشْرِيكِ في الحُكْمِ لا في جِهَتِهِ، فالمَوْجُودُ في الخارِجِ الواجِبُ والجَوْهَرُ والعَرَضُ، مَعَ أنَّ نِسْبَةَ الوُجُودِ إلى كُلٍّ غَيْرُ نِسْبَتِهِ إلى الآخَرِ، والجِهَةُ مُخْتَلِفَةٌ بِلا رَيْبٍ، وهَذا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أدْعُو إلى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أنا ومَنِ اتَّبَعَنِي ﴾ مَعَ أنَّ الدَّعْوَةَ واجِبَةٌ عَلى الرَّسُولِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مَندُوبَةٌ في غَيْرِهِ، ولِهَذا قالَ الأُصُولِيُّونَ: القِرانُ في النَّظْمِ لا يُوجِبُ القِرانَ في الحُكْمِ، وعَدُّوا هَذا النَّوْعَ مِنَ الِاسْتِدْلالِ مِنَ المَسالِكِ المَرْدُودَةِ، ثُمَّ إنَّهُ أجابَ عَنْ حَدِيثِ عَدَمِ وُقُوعِ التَّرَدُّدِ مَعَ اقْتِضاءِ ( إنَّما ) لَهُ بِأنَّهُ يَظْهَرُ مِن بَعْضِ أحادِيثِ أهْلِ السُّنَّةِ أنَّ بَعْضَ الصَّحابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمُ - التَمَسُوا مِن حَضْرَةِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - الِاسْتِخْلافَ.

فَقَدْ رَوى التِّرْمِذِيُّ، عَنْ حُذَيْفَةَ أنَّهم قالُوا: ««يا رَسُولَ اللَّهِ لَوِ اسْتَخْلَفْتَ؟

قالَ: لَوِ اسْتَخْلَفْتُ عَلَيْكم فَعَصَيْتُمُوهُ عُذِّبْتُمْ، ولَكِنْ ما حَدَّثَكم حُذَيْفَةُ فَصَدِّقُوهُ، وما أقْرَأكم عَبْدُ اللَّهِ فاقْرَءُوهُ»».

وأيْضًا اسْتَفْسَرُوا مِنهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - عَمَّنْ يَكُونُ إمامًا بَعْدَهُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - قالَ: ««قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، مَن نُؤَمِّرُ بَعْدَكَ؟

قالَ: إنْ تُؤَمِّرُوا أبا بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - تَجِدُوهُ أمِينًا، زاهِدًا في الدُّنْيا، راغِبًا في الآخِرَةِ، وإنْ تُؤَمِّرُوا عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - تَجِدُوهُ قَوِيًّا، أمِينًا، لا يَخافُ في اللَّهِ لَوْمَةَ لائِمٍ، وإنْ تُؤَمِّرُوا عَلِيًّا - ولا أراكم فاعِلِينَ - تَجِدُوهُ هادِيًا مَهْدِيًّا، يَأْخُذُ بِكُمُ الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ»» وهَذا الِالتِماسُ والِاسْتِفْسارُ يَقْتَضِي كُلٌّ مِنهُما وُقُوعَ التَّرَدُّدِ في حُضُورِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - عِنْدَ نُزُولِ الآيَةِ، فَلَمْ يَبْطُلْ مَدْلُولُ ( إنَّما ) انْتَهى.

وفِيهِ أنَّ مَحْضَ السُّؤالِ والِاسْتِفْسارِ لا يَقْتَضِي وُقُوعَ التَّرَدُّدِ، نَعَمْ، لَوْ كانُوا شاوَرُوا في هَذا الأمْرِ ونازَعَ بَعْضُهم بَعْضًا بَعْدَما سَمِعُوا مِنَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - جَوابَ ما سَألُوهُ لَتَحَقَّقَ المَدْلُولُ، ولَيْسَ فَلَيْسَ، ومُجَرَّدُ السُّؤالِ والِاسْتِفْسارِ غَيْرُ مُقْتَضٍ لِـ( إنَّما ) ولا مِن مَقاماتِهِ، بَلْ هو مِن مَقاماتِ ( إنَّ ) والفَرْقُ مِثْلُ الصُّبْحِ ظاهِرٌ.

وأيْضًا لَوْ سَلَّمْنا التَّرَدُّدَ، ولَكِنْ كَيْفَ العِلْمُ بِأنَّهُ بَعْدَ الآيَةِ أوْ قَبْلَها؟

مُنْفَصِلًا أوْ مُتَّصِلًا؟

سَبَبًا لِلنُّزُولِ أوِ اتِّفاقِيًّا؟

ولا بُدَّ مِن إثْباتِ القَبْلِيَّةِ والِاتِّصالِ والسَّبَبِيَّةِ، وأيْنَ ذَلِكَ؟

والِاحْتِمالُ غَيْرُ مَسْمُوعٍ ولا كافٍ في الِاسْتِدْلالِ.

وبَعْدَ هَذا كُلِّهِ الحَدِيثُ الثّانِي يُنافِي الحَصْرَ صَرِيحًا؛ لِأنَّهُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - في مَقامِ السُّؤالِ عَنِ المُسْتَحِقِّ لِلْخِلافَةِ ذَكَرَ الشَّيْخَيْنِ، فَإنْ كانَتِ الآيَةُ مُتَقَدِّمَةً لَزِمَ مُخالَفَةُ الرَّسُولِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - القُرْآنَ، أوْ بِالعَكْسِ لَزِمَ التَّكْذِيبُ، والنَّسْخُ لا يُعْقَلُ في الأخْبارِ عَلى ما قُرِّرَ، ومَعَ ذا تَقَدُّمُ كُلٍّ عَلى الآخَرِ مَجْهُولٌ، فَسَقَطَ العَمَلُ.

فَإنْ قالُوا: الحَدِيثُ خَبَرُ الواحِدِ، وهو غَيْرُ مَقْبُولٍ في بابِ الإمامَةِ، قُلْنا: وكَذَلِكَ لا يُقْبَلُ في إثْباتِ التَّرَدُّدِ والنِّزاعِ المَوْقُوفِ عَلَيْهِ التَّمَسُّكُ بِالآيَةِ، والحَدِيثُ الأوَّلُ يُفِيدُ أنَّ تَرْكَ الِاسْتِخْلافِ أصْلَحُ، فَتَرْكُهُ - كَما تُفْهِمُهُ الآيَةُ بِزَعْمِهِمْ - تَرْكُهُ، وهم لا يُجَوِّزُونَهُ، فَتَأمَّلْ.

وذَكَرَ الطَّبَرْسِيُّ في مَجْمَعِ البَيانِ وجْهًا آخَرَ - غَيْرَ ما ذَكَرَهُ صاحِبُ إظْهارِ الحَقِّ - في أنَّ الوِلايَةَ مُخْتَصَّةٌ، وهو أنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ: ﴿ إنَّما ولِيُّكُمُ اللَّهُ ﴾ فَخاطَبَ جَمِيعَ المُؤْمِنِينَ، ودَخَلَ في الخِطابِ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وغَيْرُهُ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ ورَسُولُهُ ﴾ فَأخْرَجَ نَبِيَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مِن جُمْلَتِهِمْ؛ لِكَوْنِهِمْ مُضافِينَ إلى وِلايَتِهِ، ثُمَّ قالَ جَلَّ وعَلا: ﴿ والَّذِينَ آمَنُوا ﴾ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الَّذِي خُوطِبَ بِالآيَةِ غَيْرَ الَّذِي جُعِلَتْ لَهُ الوِلايَةُ، وإلّا لَزِمَ أنْ يَكُونَ المُضافُ هو المُضافُ إلَيْهِ بِعَيْنِهِ، وأنْ يَكُونَ كُلُّ واحِدٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ ولِيَّ نَفْسِهِ، وذَلِكَ مُحالٌ، انْتَهى.

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ المُرادَ وِلايَةُ بَعْضِ المُؤْمِنِينَ بَعْضًا، لا أنْ يَكُونَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم ولِيَّ نَفْسِهِ، وكَيْفَ يُتَوَهَّمُ مِن قَوْلِكَ مَثَلًا: أيُّها النّاسُ لا تَغْتابُوا النّاسَ إنَّهُ نَهْيٌ لِكُلِّ واحِدٍ مِنَ النّاسِ أنْ يَغْتابَ نَفْسَهُ، وفي الخَبَرُ أيْضًا: ««صُومُوا يَوْمَ يَصُومُ النّاسُ»» ولا يَخْتَلِجُ في القَلْبِ أنَّهُ أمْرٌ لِكُلِّ أحَدٍ أنْ يَصُومَ يَوْمَ يَصُومُ النّاسُ، ومِثْلُ ذَلِكَ كَثِيرٌ في كَلامِهِمْ، وما قَدَّمْناهُ في سَبَبِ النُّزُولِ ظاهِرٌ في أنَّ المُخاطَبَ بِذَلِكَ ابْنُ سَلامٍ وأصْحابُهُ، وعَلَيْهِ لا إشْكالَ، إلّا أنَّ ذَلِكَ لا يُعْتَبَرُ مُخَصِّصًا كَما لا يَخْفى، فالآيَةُ عَلى كُلِّ حالٍ لا تَدُلُّ عَلى خِلافَةِ الأمِيرِ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - عَلى الوَجْهِ الَّذِي تَزْعُمُهُ الإمامِيَّةُ، وهو ظاهِرٌ لِمَن تَوَلّى اللَّهُ تَعالى حِفْظَ ذِهْنِهِ عَنْ غُبارِ العَصَبِيَّةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وذلك أن عبد الله بن سلام وأصحابه قالوا للنبي  : إن اليهود أظهروا لنا العداوة، وحلفوا أن لا يخالطونا في شيء، ومنازلنا فيهم، بعيدة من المسجد، ولا نجد محدثاً دون هذا المسجد، فنزلت هذه الآية إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ يقول: حافظكم وناصركم الله ورسوله وَالَّذِينَ آمَنُوا فقال: يا رسول الله رضينا بالله ورسوله، وبالمؤمنين.

وقال الضحاك: إن النبي  لما هاجر إلى المدينة، أتاه بنو أسد بن خزيمة، وهم سبعمائة رجالهم ونساؤهم.

فلما قدموا المدينة.

فقالوا: يا رسول الله اغتربنا وانقطعنا عن قبائلنا، وعشيرتنا فمن ينصرنا؟

فنزل إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا.

ثم قال: الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ قال ابن عباس: وذلك أن بلالاً لما أذّن، وخرج رسول الله  ، والناس في المسجد يصلون بين قائم وراكع وساجد، فإذا هو بمسكين يسأل الناس، فدعاه رسول الله  وقال: «هَلْ أَعْطَاكَ أَحَدٌ شيئا؟» قال: نعم.

قال: «مَاذَا» ؟

قال: خاتم فضة.

قال: «وَمَنْ أَعْطَاكَ» ؟.

قال: ذلك المصلي.

قال: «فِي أيِّ حَالٍ أعْطَاكَ» ؟

قال: أعطاني وهو راكع.

فنظر، فإذا هو علي بن أبي طالب  .

فقرأ رسول الله  على «عبد الله بن سلام» الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ يعني: يتصدقون في حال ركوعهم حيث أشار بخاتمه إلى المسكين حتى نزع من أصبعه، وهو في ركوعه.

ويقال: يراد به جميع المسلمين أنهم يصلون ويؤدون الزكاة.

ثم قال: وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا يعني: يجعل الله ناصره ويجالس النبيّ  وأصحابه فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ يعني: جند الله هُمُ الْغالِبُونَ.

قال محمد بن إسحاق: نزلت هذه الآية في «عبادة بن الصامت» ، حين تبرأ من ولاية اليهود يعني: يهود بني فينقاع، وتولى الله ورسوله، فأخبر الله تعالى أن العاقبة لمن يتولى الله ورسوله، فإن الله ينصر أولياءه، ويبطل كيد الكافرين، فذلك قوله تعالى: فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغالِبُونَ يعني: هم الظاهرون على أعدائه والعاقبة لهم وقوله تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

يقول المؤمنون: أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا ...

الآية.

وتحتمل الآيةُ أنْ تكون حكايةً لقولِ المؤمنين في وقْتِ قولِ الذين في قلوبهم مرضٌ:

نَخْشى أَنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ: إذ فُهِمَ منهم أنَّ تمسُّكهم باليهودِ إنما هو إرصاد لِلَّهِ ولرسولِهِ، فمَقَتَهم النبيُّ- عليه السلام- والمؤمنون، وترك لهم النبيُّ- عليه السلام- بني قَيْنُقَاعٍ رغْبةً في المصلحة والأُلْفة، وأما قراءة أَبي عَمْرٍو: «وَيَقُولَ» - بالنصب-، فلا يتجه معها أَنْ يكون قولَ المؤمنين إلاَّ عند الفَتْح، وظُهورِ ندامة المنافقينَ، وفَضيحَتِهِمْ.

وقوله تعالى: جَهْدَ أَيْمانِهِمْ: نصْبُ «جَهْدَ» على المصدر المؤكِّد، والمعنى:

أهؤلاء هم المُقْسِمُون باجتهاد منهم في الأيمانِ إنهم لَمَعَكُمْ، قد ظهر الآنَ منهم مِنْ موالاة اليهودِ، وخَذْلِ الشريعةِ- ما يُكَذِّبُ أيمانهم.

وقوله: حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ: يحتملُ أنْ يكون/ إخباراً من اللَّه سبحانه، ويحتملُ أنْ يكون مِنْ قول المؤمنين، ويحتمل أنْ يكون قوله: حَبِطَتْ دعاءً، أي: بطلت أعمالهم.

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (٥٤) إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ (٥٥) وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغالِبُونَ (٥٦) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِياءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٥٧) وَإِذا نادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوها هُزُواً وَلَعِباً ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ (٥٨)

وقوله سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ ...

الآية: خطابٌ للمؤمنين إلى يوم القيامة، ومعنى الآية أَنَّ اللَّه عزَّ وجلَّ وعَدَ هذه الأمة أنَّ من ارتدَّ منها، فإنه يجيءُ سبحانه بقومٍ ينصُرُونَ الدِّين، ويُغْنُونَ عن المرتدِّين.

قال الفَخْر «١» : وقدَّم اللَّه تعالى محبَّته لهم على محبَّتهم له إذ لولا حُبُّه لهم، لما وفَّقهم أنْ صاروا محبِّين له.

انتهى، وفي كتاب «القصد إلى اللَّه سبحانه» للمُحَاسِبِيِّ، قُلْتُ للشيخ: فَهَلْ يَلْحَقُ المحبِّينَ للَّه عزَّ وجلَّ خَوْفٌ؟

قال: نَعَمِ، الخَوْفُ لازمٌ لهم كما لزمهم الإيمَانُ لا يزولُ إلاَّ بزَوَاله، وهذا هو خَوْفُ عذابِ التَّقْصيرِ في بدايتهم حتى إذا صاروا

إلى خَوْفِ الفَوْت، صاروا إلى الخوف الذي يكُونُ في أعلى حالٍ، فكان الخوف الأوَّلُ يطرقهم خطراتٍ، وصارِ خوْفُ الفَوْتِ وطنات، قلْتُ: فما الحالَةُ التي تَكْشِفُ عن قلوبهم شَدِيدَ الخَوْف والحُزْن؟

قال: الرجاءُ بحُسْن الظَّنِّ لمعرفتهم بسعة فَضْل اللَّه عزَّ وجلَّ، وأَمَلُهُمْ منه أنْ يظفروا بمرادهم، إذا وَرَدُوا عليه، ولولا حُسْن ظنِّهم بربِّهم، لَتَقطَّعت أنفسهم حسراتٍ، وماتوا كَمَداً، قلْتُ: أيُّ شيءٍ أكثَرُ شُغْلِهِمْ، وما الغالبُ على قلوبِهِمْ في جميعِ أحوالهم؟

قال: كثرةُ الذِّكْر لمحبوبهم على طريق الدوامِ والاستقامةِ، لا يَمَلُّونَ، ولا يَفْتُرُون، وقد أجمع الحكماءُ أنَّ من أحَبَّ شيئاً، أكْثَرَ مِنْ ذكره، ثم قال: قال ذُو النُّونِ: مَا أُولِعَ أحَدٌ بذكْرِ اللَّه إلا أفاد منْهُ حُبَّ اللَّهِ تعالَى.

انتهى.

وفي الآية إنحاءٌ على المنافِقِينَ، وعلى من ارتد في مدة النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم.

قال الفَخْر «١» : وهذه الآيةُ إخبارٌ بغَيْبٍ، وقد وقع الخَبَر على وَفْقِهِ فيكون معجزاً، وقد ارتدَّتِ العربُ وغيرهم أيام أبِي بَكْر، فنَصَر اللَّه الدِّين، وأتى بخَيْرٍ منهم.

انتهى.

وقوله سبحانه: أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، معناه: متذلِّلين مِنْ قِبَلِ أنفسهم، غَيْرَ متكبِّرين، وهذا كقوله عزَّ وجلَّ: أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ [الفتح: ٢٩] وكقوله- عليه السلام-: «المُؤْمِنُ هَيِّنٌ لَيِّنٌ» ، وفي قراءة «٢» ابن مسعودٍ: «أَذِلَّةٍ عَلَى المُؤْمِنِينَ غُلَظَاءَ عَلَى الكَافِرِينَ» .

وقوله تعالى: وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ: إشارةٌ إلى الرَّدِّ على المنافقين في أَنَّهم يعتَذِرُونَ بممالأَة الأحْلاَفِ والمعارِفِ مِنَ الكفَّار، ويراعُونَ أمرهم، قُلْتُ: وخرَّج أبو بكرِ بْنُ الخطيبِ بسنده على أبي ذِر، قال: «أَوْصَانِي النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بِسَبْعٍ: أوْصَانِي أَنْ أَنْظُرَ إلى مَنْ هُوَ دُونِي وَلاَ أَنْظُرَ إلى مَنْ هُوَ فَوْقِي- يعني: فِي شَأْنِ الدُّنْيَا-، وأوْصَانِي بِحُبِّ المَسَاكِينِ وَالدُّنُوِّ مِنْهُمْ، وَأَوْصَانِي أَنْ أَقُولَ الحَقَّ وَإنْ كَانَ مُرًّا، وَأَوْصَانِي أَنْ أَصِلَ رَحِمِي وَإنْ أَدْبَرَتْ، وَأَوْصَانِي أَلاَّ أَخَافَ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لاَئِمٍ، وَأَوْصَانِي ألاَّ أَسْأَلَ النَّاسَ شَيْئاً، وَأَوْصَانِي أَنْ أسْتَكْثِرَ مِنْ: لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إلاَّ بِاللَّهِ» «٣» .

انتهى.

وقوله سبحانه: ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ: الإشارةُ ب «ذلك» إلى كون القومِ يحبّون الله

عزّ وجلّ ويحبّهم، وواسع: ذو سَعَةٍ فيما يملكُ ويُعْطِي وينعم به سبحانه.

وقوله تعالى: إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ...

الآية: «إنما» في هذه الآية حاصرةٌ، وقرأ ابن مسعود «١» : «إنَّمَا/ مَوْلاَكُمُ اللَّهُ» ، والزكاةُ هنا: لفظٌ عامٌّ للزكاةِ المفروضةِ، والتطوُّعِ بالصدَقَةِ، ولكلِّ أفعالِ البِرِّ، إذ هي مُنَمِّيَةٌ للحسنات، مطَهِّرة للمَرْءِ مِنْ دَنَسِ السيِّئات، ثم وصفهم سبحانه بتَكْثير الركُوعِ، وخُصَّ بالذكْر لكونه مِنْ أعظم أركان الصلاة، وهي هيئَةُ تواضعٍ، فعبَّر عن جميعِ الصلاَةِ كما قال سبحانه: وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ [الحج: ٢٦] هذا هو الصحيحُ.، وهو تأويل الجمهورِ، ولكن اتفق مع ذلك أنَّ عليَّ بْنَ أبي طالِبٍ (رضي اللَّه عنه) أعطى خاتَمَهُ، وهو راكعٌ «٢» .

قال السُّدِّيُّ: وإن اتفَقَ ذلك لعليٍّ، فالآية عامَّة في جميعِ المؤمنين «٣» .

ثم أخبر تعالى: أنَّ مَنْ يتولَّى اللَّه ورسولَهُ والمؤمنين، فإنه غالبٌ كُلَّ مَنْ ناوأه، وجاءَتِ العبارةُ عامَّة في أنَّ حِزْبَ اللَّه هم الغالِبُون، ثم نهى سبحانه المؤمنينَ عنِ اتخاذ الَّذينَ اتخذوا دينَنَا هُزُواً ولعباً، وقد ثبت استهزاء الكُفَّار في قوله سبحانه: إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ [الحجر: ٩٥] وثبت استهزاء أهْل الكتاب في لفظ هذه الآية، وثبت استهزاءُ المُنَافِقِينَ في قولهم لشياطينهم: إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ [البقرة: ١٤] .

ثم أمر سبحانه بتَقْواه، ونبَّه النفوسَ بقوله: إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ.

وقوله سبحانه: وَإِذا نادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوها هُزُواً وَلَعِباً ...

الآية: إنحاءٌ على اليَهُودِ، وتبيينٌ لسوء فعلهم.

وقوله: وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسِقُونَ: معنى المحاورةِ: هَلْ تَنْقِمُونَ منا إلا مجموعَ هذه الحالِ مِنْ أنا مؤمنون، وأنتم فاسقون كما تقول لمن تخاصمه: هل تَنْقِمُ مني إلاَّ أَنْ صَدَقْتُ أَنَا، وَكَذَبْتَ أَنْتَ، وقال بعضُ المتأوِّلين: وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ: معطوفٌ علَى ما كأَنَّه قال: إِلاَّ أَنْ آمنَّا باللَّهِ وبكُتُبِهِ، وبأنَّ أكثركم فاسقُونَ، وهذا مستقيم المعنى، وقال:

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّما ولِيُّكُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ ﴾ اخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ عَلى أرْبَعَةِ أقْوالٍ.

أحَدُها: «أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلامٍ وأصْحابَهُ جاؤُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ  وقالُوا: إنَّ قَوْمًا قَدْ أظْهَرُوا لَنا العَداوَةَ، ولا نَسْتَطِيعُ أنْ نُجالِسَ أصْحابَكَ لِبُعْدِ المَنازِلِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، فَقالُوا: رَضِينا بِاللَّهِ وبِرَسُولِهِ وبِالمُؤْمِنِينَ، وأذَّنَ بِلالٌ بِالصَّلاةِ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ  فَإذا مِسْكِينٌ يَسْألُ النّاسَ، فَقالَ: رَسُولُ اللَّهِ  : "هَلْ أعْطاكَ أحَدٌ شَيْئًا"؟

قالَ: نَعَمْ.

قالَ: "ماذا"؟

قالَ: خاتَمَ فِضَّةٍ.

قالَ: "مَن أعْطاكَهُ"؟

قالَ: ذاكَ القائِمُ، فَإذا هو عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، أعْطانِيهِ وهو راكِعٌ، فَقَرَأ رَسُولُ اللَّهِ  هَذِهِ الآيَةَ،» رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُقاتِلٌ.

وَقالَ مُجاهِدٌ: نَزَلَتْ في عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، تَصَدَّقَ وهو راكِعٌ.

والثّانِي: أنَّ عُبادَةَ بْنَ الصّامِتِ لَمّا تَبَرَّأ مِن حُلَفائِهِ اليَهُودِ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في حَقِّهِ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّها نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

والرّابِعُ: أنَّها نَزَلَتْ فِيمَن مَضى مِنَ المُسْلِمِينَ ومَن بَقِيَ مِنهم، قالَهُ الحَسَنُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وهم راكِعُونَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهم فَعَلُوا ذَلِكَ في رُكُوعِهِمْ، وهو تَصَدُّقُ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ بِخاتَمِهِ في رُكُوعِهِ.

والثّانِي: أنَّ مِن شَأْنِهِمْ إيتاءَ الزَّكاةِ وفِعْلَ الرُّكُوعِ.

وَفِي المُرادِ بِالرُّكُوعِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ نَفْسُ الرُّكُوعِ عَلى ما رَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وقِيلَ: إنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ وهم في الرُّكُوعِ.

والثّانِي: أنَّهُ صَلاةُ التَّطَوُّعِ بِاللَّيْلِ والنَّهارِ، وإنَّما أفْرَدَ الرُّكُوعَ بِالذِّكْرِ تَشْرِيفًا لَهُ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.

والثّالِثُ: أنَّهُ الخُضُوعُ والخُشُوعُ، وأنْشَدُوا: لا تُذِلَّ الفَقِيرَ عَلَّكَ أنْ تَرَ كَعَ يَوْمًا والدَّهْرُ قَدْ رَفَعَهْ ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

فَأمّا "حِزْبُ اللَّهِ" فَقالَ الحَسَنُ: هم جُنْدُ اللَّهِ.

وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أنْصارُ اللَّهِ.

ثُمَّ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُمُ المُهاجِرُونَ والأنْصارُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: الأنْصارُ، ذَكَرَهُ أبُو سُلَيْمانَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ إنَّما ولِيُّكُمُ اللهُ ورَسُولُهُ والَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَلاةَ ويُؤْتُونَ الزَكاةَ وهم راكِعُونَ ﴾ ﴿ وَمَن يَتَوَلَّ اللهَ ورَسُولَهُ والَّذِينَ آمَنُوا فَإنَّ حِزْبَ اللهَ هُمُ الغالِبُونَ ﴾ ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكم هُزُوًا ولَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِنَ قَبْلِكم والكُفّارَ أولِياءَ واتَّقُوا اللهَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ الخِطابُ بِقَوْلِهِ: ﴿ إنَّما ولِيُّكُمُ اللهُ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ لِلْقَوْمِ الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ: ﴿ لا تَتَّخِذُوا اليَهُودَ والنَصارى أولِياءَ  ﴾ ؛ و"إنَّما"؛ في هَذِهِ الآيَةِ؛ حاصِرَةٌ؛ يُعْطِي ذَلِكَ المَعْنى؛ و"وَلِيٌّ"؛ اِسْمُ جِنْسٍ؛ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "إنَّما مَوْلاكُمُ اللهُ"؛ وقَوْلُهُ: ﴿ والَّذِينَ آمَنُوا ﴾ ؛ أيْ: ومَن آمَنَ مِنَ الناسِ حَقِيقَةً لا نِفاقًا؛ وهُمُ الَّذِينَ ﴿ يُقِيمُونَ الصَلاةَ ﴾ ؛ اَلْمَفْرُوضَةَ بِجَمِيعِ شُرُوطِها؛ ﴿ وَيُؤْتُونَ الزَكاةَ ﴾ ؛ وهي هُنا لَفَظٌ عامٌّ لِلزَّكاةِ المَفْرُوضَةِ؛ ولِلتَّطَوُّعِ بِالصَدَقَةِ؛ ولِكُلِّ أفْعالِ البِرِّ؛ إذْ هي تَنْمِيَةٌ لِلْحَسَناتِ؛ مَطْهَرَةٌ لِلْمَرْءِ مِن دَنَسِ الذُنُوبِ؛ فالمُؤْمِنُونَ يُؤْتُونَ مِن ذَلِكَ؛ كُلٌّ بِقَدْرِ اسْتِطاعَتِهِ؛ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "آمَنُوا والَّذِينَ يُقِيمُونَ"؛ بِواوٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهم راكِعُونَ ﴾ ؛ جُمْلَةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةٍ؛ ومَعْناها وصْفُهم بِتَكْثِيرِ الصَلاةِ؛ وخَصَّ الرُكُوعُ بِالذِكْرِ لِكَوْنِهِ مِن أعْظَمِ أرْكانِ الصَلاةِ؛ وهو هَيْئَةُ تَواضُعٍ؛ فَعَبَّرَ بِهِ عن جَمِيعِ الصَلاةِ؛ كَما قالَ: ﴿ والرُكَّعِ السُجُودِ  ﴾ ؛ وهي عِبارَةٌ عَنِ المُصَلِّينَ؛ وهَذا قَوْلُ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ؛ ولَكِنِ اتُّفِقَ أنَّ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ أعْطى صَدَقَةً وهو راكِعٌ؛ قالَ السُدِّيُّ: هَذِهِ الآيَةُ في جَمِيعِ المُؤْمِنِينَ؛ ولَكِنَّ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - مَرَّ بِهِ سائِلٌ وهو راكِعٌ في المَسْجِدِ؛ فَأعْطاهُ خاتَمَهُ؛ ورُوِيَ في ذَلِكَ «أنَّ النَبِيَّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - خَرَجَ مِن بَيْتِهِ وقَدْ نَزَلَتْ عَلَيْهِ الآيَةُ فَوَجَدَ مِسْكِينًا؛ فَقالَ لَهُ: "هَلْ أعْطاكَ أحَدٌ شَيْئًا؟"؛ فَقالَ: نَعَمْ؛ أعْطانِي ذَلِكَ الرَجُلُ الَّذِي يُصَلِّي خاتَمًا مِن فِضَّةٍ؛ وأعْطانِيهِ وهو راكِعٌ؛ فَنَظَرَ النَبِيُّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَإذا الرَجُلُ الَّذِي أشارَ إلَيْهِ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -؛ فَقالَ النَبِيُّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: "اَللَّهُ أكْبَرُ"؛ وتَلا الآيَةَ عَلى الناسِ.» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وقالَ مُجاهِدٌ: نَزَلَتِ الآيَةُ في عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ ؛ تَصَدَّقَ وهو راكِعٌ؛ وفي هَذا القَوْلِ نَظَرٌ؛ والصَحِيحُ ما قَدَّمْناهُ مِن تَأْوِيلِ الجُمْهُورِ؛ وقَدْ قِيلَ لِأبِي جَعْفَرٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في عَلِيٍّ؛ فَقالَ: "عَلِيٌّ مِنَ المُؤْمِنِينَ"؛ والواوُ - عَلى هَذا القَوْلِ - في قَوْلِهِ: "وَهُمْ"؛ واوُ الحالِ.

وقالَ قَوْمٌ: نَزَلَتِ الآيَةُ مِن أوَّلِها بِسَبَبِ عُبادَةَ بْنِ الصامِتِ ؛ وتُبَرِّئُهُ مِن بَنِي قَيْنُقاعٍ؛ وقالَ ابْنُ الكَلْبِيِّ: نَزَلَتْ بِسَبَبِ قَوْمٍ أسْلَمُوا مِن أهْلِ الكِتابِ؛ فَجاؤُوا فَقالُوا: يا رَسُولَ اللهِ؛ بُيُوتُنا بَعِيدَةٌ؛ ولا مُتَحَدَّثَ لَنا إلّا مَسْجِدُكَ؛ وقَدْ أقْسَمَ قَوْمُنا ألّا يُخالِطُونا؛ ولا يُوالُونا؛ فَنَزَلَتِ الآيَةُ مُؤْنِسَةً لَهم.

ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّ مَن يَتَوَلَّ اللهَ ورَسُولَهُ؛ والمُؤْمِنِينَ؛ فَإنَّهُ غالِبٌ كُلَّ مَن ناوَأهُ؛ وجاءَتِ العِبارَةُ عامَّةً؛ ﴿ فَإنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الغالِبُونَ ﴾ ؛ اِخْتِصارًا لِأنَّ المُتَوَلِّيَ هو مِن حِزْبِ اللهِ ؛ وحِزْبُ اللهِ غالِبٌ؛ فَهَذا الَّذِي تَوَلّى اللهَ ورَسُولَهُ والمُؤْمِنِينَ غالِبٌ؛ و"وَمَن"؛ يُرادُ بِها الجِنْسُ؛ لا مُفْرَدٌ بِعَيْنِهِ؛ والحِزْبُ: اَلصّاغِيَةُ؛ والمُنْتَمُونَ إلى صاحِبِ الحِزْبِ؛ والمُعاوِنُونَ فِيما يَحْزُبُ؛ ومِنهُ قَوْلُ عائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عنها - في حَمْنَةَ - وكانَتْ تُحارِبُ في أمْرِ الإفْكِ -: « "فَهَلَكَتْ فِيمَن هَلَكَ".» ثُمَّ نَهى اللهُ تَعالى المُؤْمِنِينَ عَنِ اتِّخاذِ اليَهُودِ والنَصارى أولِياءَ؛ فَوَسَمَهم بِوَسْمٍ يَحْمِلُ النُفُوسَ عَلى تَجَنُّبِهِمْ؛ وذَلِكَ اتِّخاذُهم دِينَ المُؤْمِنِينَ هُزُوًا ولَعِبًا؛ والهَزْءُ: اَلسُّخْرِيَةُ؛ والِازْدِراءُ؛ ويُقْرَأُ: "هُزُؤًا"؛ بِضَمِّ الزايِ والهَمْزِ؛ و"هُزْءًا"؛ بِسُكُونِ الزايِ؛ والهَمْزِ؛ ويُوقَفُ عَلَيْهِ "هُزًّا"؛ بِتَشْدِيدِ الزايِ المَفْتُوحَةِ؛ و"هُزُوًا"؛ بِضَمِّ الزايِ؛ وتَنْوِينِ الواوِ؛ و"هُزًا"؛ بِزايٍ مَفْتُوحَةٍ؛ مُنَوَّنَةٍ؛ ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى جِنْسَ هَؤُلاءِ أنَّهم مِن أهْلِ الكِتابِ؛ اَلْيَهُودِ والنَصارى.

واخْتَلَفَ القُرّاءُ في إعْرابِ: "والكُفّارَ"؛ فَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ ونافِعٌ ؛ وابْنُ عامِرٍ ؛ وعاصِمٌ ؛ وحَمْزَةُ: "والكُفّارَ"؛ نَصْبًا؛ وقَرَأ أبُو عَمْرٍو ؛ والكِسائِيُّ: "والكُفّارِ"؛ خَفْضًا؛ ورَوى حُسَيْنٌ الجُعْفِيُّ عن أبِي عَمْرٍو النَصْبَ؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: حُجَّةُ مَن قَرَأ بِالخَفْضِ حَمْلُ الكَلامِ عَلى أقْرَبِ العامِلِينَ؛ وهي لُغَةُ التَنْزِيلِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويَدْخُلُ الكُفّارُ؛ عَلى قِراءَةِ الخَفْضِ؛ فِيمَنِ اتَّخَذَ دِينَ المُؤْمِنِينَ هُزُؤًا؛ وقَدْ ثَبَتَ اسْتِهْزاءُ الكُفّارِ في قَوْلِهِ: ﴿ إنّا كَفَيْناكَ المُسْتَهْزِئِينَ  ﴾ ؛ وثَبَتَ اسْتِهْزاءُ أهْلِ الكِتابِ في لَفْظِ هَذِهِ الآيَةِ؛ وثَبَتَ اسْتِهْزاءُ المُنافِقِينَ في قَوْلِهِمْ لِشَياطِينِهِمْ: ﴿ إنّا مَعَكم إنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ  ﴾ ؛ ومَن قَرَأ "والكُفّارَ"؛ بِالنَصْبِ؛ حَمَلَ عَلى الفِعْلِ الَّذِي هُوَ: "لا تَتَّخِذُوا"؛ ويَخْرُجُ الكُفّارُ مِن أنَّ يَتَضَمَّنَ لَفْظُ هَذِهِ الآيَةِ اسْتِهْزاءَهُمْ؛ وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: "وَمِنَ الكُفّارِ"؛ بِزِيادَةِ "مِن"؛ فَهَذِهِ تُؤَيِّدُ قِراءَةَ الخَفْضِ؛ وكَذَلِكَ في قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "مِن قَبْلِكم مِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا".

وفَرَّقَتِ الآيَةُ بَيْنَ الكُفّارِ؛ وبَيْنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ؛ مِن حَيْثُ الغالِبُ في اسْمِ الكُفّارِ أنْ يَقَعَ عَلى المُشْرِكِينَ بِاللهِ إشْراكَ عِبادَةِ أوثانٍ؛ لِأنَّهم أبْعَدُ شَأْوًا في الكُفْرِ؛ وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿ جاهِدِ الكُفّارَ والمُنافِقِينَ  ﴾ ؛ فَفَرَّقَ بَيْنَهُمْ؛ إرادَةَ البَيانِ؛ والجَمِيعُ كُفّارٌ؛ وكانَ هَذا لِأنَّ عُبّادَ الأوثانِ هم كُفّارٌ مِن كُلِّ جِهَةٍ؛ وهَذِهِ الفِرَقُ تَلْحَقُ بِهِمْ في حُكْمِ الكُفْرِ؛ وتُخالِفُهم في رُتَبٍ؛ فَأهْلُ الكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ ؛ وبِبَعْضِ الأنْبِياءِ؛ والمُنافِقُونَ يُؤْمِنُونَ بِألْسِنَتِهِمْ.

ثُمَّ أمَرَ تَعالى بِتَقْواهُ؛ ونَبَّهَ النُفُوسَ بِقَوْلِهِ: ﴿ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ ؛ أيْ حَقُّ مُؤْمِنِينَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

جملة ﴿ إنّما وليّكم الله ورسوله ﴾ إلى آخرها متّصلة بجملة ﴿ يأيّها الّذين آمنوا لا تَتّخذوا اليهود والنّصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ﴾ [المائدة: 51] وما تفرّع عليها من قوله ﴿ فترى الّذين في قلوبهم مرض إلى قوله فأصبحوا خاسرين ﴾ [المائدة: 52، 53].

وقعت جملة ﴿ يأيّها الّذين آمنوا من يرتدد منكم عن دينه ﴾ [المائدة: 54] بين الآيات معترضة، ثُمّ اتّصل الكلام بجملة ﴿ إنّما وليّكم الله ورسوله ﴾ .

فموقع هذه الجملة موقع التّعليل للنّهي، لأنّ ولايتهم لله ورسوله مقرّرة عندهم فمن كان اللّهُ وليّه لا تكون أعداءُ الله أولياءه.

وتفيد هذه الجملة تأكيداً للنّهي عن ولاية اليهود والنّصارى.

وفيه تنويه بالمؤمنين بأنّهم أولياء الله ورسوله بطريقة تأكيد النّفي أو النّهي بالأمر بضدّه، لأنّ قوله: ﴿ إنّما وليّكم الله ورسوله ﴾ يتضمّن أمراً بتقرير هذه الولاية ودوامها، فهو خبر مستعمل في معنى الأمر، والقصر المستفاد من (إنّما) قصر صفة على موصوف قصراً حقيقياً.

ومعنى كون الّذين آمنوا أولياء للّذين آمنوا أنّ المؤمنين بعضُهم أولياء بعض، كقوله تعالى: ﴿ والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض ﴾ [التوبة: 71].

وإجراء صفتي ﴿ يقيمون الصّلاة ويؤتون الزّكاة ﴾ على الذين آمنوا للثناء عليهم، وكذلك جملة ﴿ وهم راكعون ﴾ .

وقوله: ﴿ وهم راكعون ﴾ معطوف على الصفة.

وظاهر معنى هذه الجملة أنّها عين معنى قوله: ﴿ يقيمون الصّلاة ﴾ ، إذ المراد ب ﴿ راكعون ﴾ مصلّون لا آتُون بالجزء من الصلاة المسمّى بالركوع.

فوجه هذا العطف: إمّا بأنّ المراد بالركوع ركوع النّوافل، أي الّذين يقيمون الصّلوات الخمس المفروضة ويتقرّبون بالنوافل؛ وإمّا المرادُ به ما تدلّ عليه الجملة الإسميّة من الدوام والثّبات، أي الّذين يديمون إقامة الصّلاة.

وعقّبه بأنّهم يؤتون الزّكاة مبادرة بالتنويه بالزّكاة، كما هو دأب القرآن.

وهو الّذي استنبطه أبو بكر رضي الله عنه إذ قال: «لأقاتلنّ مَن فرّق بين الصّلاة والزّكاة».

ثم أثنى الله عليهم بأنّهم لا يتخلّفون عن أداء الصّلاة؛ فالواو عاطفة صفة على صفة، ويجوز أن تجعل الجملة حالاً.

ويراد بالركوع الخشوع.

ومن المفسّرين من جعل ﴿ وهم راكعون ﴾ حالاً من ضمير ﴿ يُؤتون الزّكاة ﴾ .

وليس فيه معنى، إذ تؤتى الزّكاة في حالة الركوع، وركّبوا هذا المعنى على خبر تعدّدت رواياته وكلّها ضعيفة.

قال ابن كثير: وليس يصحّ شيء منها بالكلّية لضعف أسانيدها وجهالة رجالها.

وقال ابن عطيّة: وفي هذا القول، أي الرواية، نظر، قال: روى الحاكم وابن مردويه: جاء ابن سَلاَم (أي عبد الله) ونفَر من قومه الّذين آمنوا (أي من اليهود) فشكوا للرّسول صلى الله عليه وسلم بُعد منازلهم ومنابذة اليهود لهم فنزلت ﴿ إنّما وليّكم الله ورسوله ﴾ ثمّ إنّ الرسول خرج إلى المسجد فبصرُ بسائل، فقال له: هل أعطاك أحد شيئاً، فقال: نعم خاتم فضّة أعطانيه ذلك القائم يصلّي، وأشار إلى عليّ، فكبّر النّبيء صلى الله عليه وسلم ونزلت هذه الآية، فتلاها رسول الله.

وقيل: نزلت في أبي بكر الصديق.

وقيل: نزلت في المهاجرين والأنصار.

وقوله: ﴿ فإنّ حزب الله هم الغالبون ﴾ دليل على جواب الشرط بذكر علّة الجواب كأنّه قيل: فهم الغالبون لأنّهم حزب الله.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكم عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهم ويُحِبُّونَهُ ﴾ فِيهِمْ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهم أبُو بَكْرٍ وأصْحابُهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمُ الَّذِينَ قاتَلُوا مَعَهُ أهْلَ الرِّدَّةِ، قالَهُ: عَلِيٌّ، والحَسَنُ، وابْنُ جُرَيْجٍ، والضِّحّاكُ.

والثّانِي: أنَّهم قَوْمُ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ مِن أهْلِ اليَمَنِ لِأنَّهُ كانَ لَهم في نُصْرَةِ الإسْلامِ أثَرٌ حَسَنٌ، وقَدْ رُوِيَ «أنَّ النَّبِيَّ  حِينَ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ إلَيْهِ أوْمَأ إلى أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ بِشَيْءٍ كانَ في يَدِهِ وقالَ: (هم قَوْمُ هَذا ).» قالَهُ مُجاهِدٌ وشُرَيْحٌ.

﴿ أذِلَّةٍ عَلى المُؤْمِنِينَ ﴾ يَعْنِي أهْلَ رِقَّةٍ عَلَيْهِمْ.

﴿ أعِزَّةٍ عَلى الكافِرِينَ ﴾ يَعْنِي أهْلَ غِلْظَةٍ عَلَيْهِمْ، يُحْكى ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ، وابْنِ عَبّاسٍ.

وَهي في قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: أذِلَّةٍ عَلى المُؤْمِنِينَ غُلُظٍ عَلى الكافِرِينَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّما ولِيُّكُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ والَّذِينَ آمَنُوا ﴾ الآيَةَ، وفي هَذِهِ الآيَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ ومَن أسْلَمَ مَعَهُ مِن أصْحابِهِ حِينَ شَكَوْا إلى رَسُولِ اللَّهِ  ما أظْهَرَهُ اليَهُودُ مِن عَداوَتِهِمْ لَهم، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ حِينَ تَبَرَّأ مِن حِلْفِ اليَهُودِ وقالَ: أتَوَلّى اللَّهَ ورَسُولَهُ.

وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ وهم راكِعُونَ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ عَلِيٌّ، تَصَدَّقَ وهو راكِعٌ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّانِي: أنَّها عامَّةٌ في جَمِيعِ المُؤْمِنِينَ، قالَهُ الحَسَنُ، والسُّدِّيُّ.

وَفي قَوْلِهِ: ﴿ وَهم راكِعُونَ ﴾ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهم فَعَلُوا ذَلِكَ في رُكُوعِهِمْ.

والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ فِيهِمْ وهم في رُكُوعِهِمْ.

والثّالِثُ: أنَّهُ أرادَ بِالرُّكُوعِ التَّنَفُّلَ، وبِإقامَةِ الصَّلاةِ الفَرْضَ مِن قَوْلِهِمْ فُلانٌ يَرْكَعُ إذا انْتَفَلَ بِالصَّلاةِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن عطية بن سعد قال: نزلت في عبادة بن الصامت ﴿ إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا ﴾ .

وأخرج الخطيب في المتفق عن ابن عباس قال: تصدَّق علي بخاتمه وهو راكع، فقال النبي صلى الله عليه وسلم للسائل «من أعطاك هذا الخاتم؟» قال: ذاك الراكع، فأنزل الله: ﴿ إنما وليكم الله ورسوله ﴾ .

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ إنما وليكم الله ورسوله...

﴾ الآية.

قال: نزلت في علي بن أبي طالب.

وأخرج الطبراني في الأوسط وابن مردويه عن عمار بن ياسر قال: «وقف بعلي سائل وهو راكع في صلاة تطوّع، فنزع خاتمه فأعطاه السائل، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعلمه ذلك، فنزلت على النبي صلى الله عليه وسلم هذه الآية ﴿ إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون ﴾ فقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم على أصحابه، ثم قال: من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه» .

وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن علي بن أبي طالب قال: «نزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته ﴿ إنما وليكم الله ورسوله والذين ﴾ إلى آخر الآية.

فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل المسجد، جاء والناس يصلون بين راكع وساجد وقائم يصلي، فإذا سائل فقال: يا سائل، هل أعطاك أحد شيئاً؟

قال: لا، إلا ذاك الراكع- لعلي بن أبي طالب- أعطاني خاتمه» .

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن عساكر عن سلمة بن كهيل قال: تصدق علي بخاتمه وهو راكع، فنزلت ﴿ إنما وليكم الله ﴾ الآية.

وأخرج ابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿ إنما وليكم الله ورسوله...

﴾ الآية.

نزلت في علي بن أبي طالب، تصدق وهو راكع.

وأخرج ابن جرير عن السدي وعتبة بن حكيم مثله.

وأخرج ابن مردويه من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: أتى عبد الله بن سلام ورهط معه من أهل الكتاب نبي الله صلى الله عليه وسلم عند الظهر، فقالوا: يا رسول الله، إن بيوتنا قاصية لا نجد من يجالسنا ويخالطنا دون هذا المسجد، وإن قومنا لما رأونا قد صدقنا الله ورسوله وتركنا دينهم أظهروا العداوة وأقسموا ان لا يخالطونا ولا يؤاكلونا، فشق ذلك علينا، فبيناهم يشكون ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ نزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون ﴾ ونودي بالصلاة صلاة الظهر، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «أعطاك أحد شيئاً؟» قال: نعم.

قال: «من؟» قال: ذاك الرجل القائم.

قال: على أي حال أعطاكه؟

قال: وهو راكع.

قال: وذلك علي بن أبي طالب، فكبَّر رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك وهو يقول ﴿ ومن يتولَّ الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون ﴾ [ المائدة: 56] .

وأخرج الطبراني وابن مردويه وأبو نعيم عن أبي رافع قال: «دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو نائم يوحى إليه، فإذا حية في جانب البيت، فكرهت أن أبيت عليها، فأوقظ النبي صلى الله عليه وسلم، وخفت أن يكون يوحى إليه، فاضطجعت بين الحية وبين النبي صلى الله عليه وسلم، لئن كان منها سوء كان فيَّ دونه، فمكثت ساعة فاستيقظ النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول ﴿ إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون ﴾ الحمد لله الذي أتمَّ لعلي نعمه، وهيأ لعلي بفضل الله اياه» .

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: كان علي بن أبي طالب قائماً يصلي، فمر سائل وهو راكع فأعطاه خاتمه، فنزلت هذه الآية.

﴿ إنما وليكم الله ورسوله...

﴾ الآية.

قال: نزلت في الذين آمنوا، وعلي بن أبي طالب أوّلهم.

وأخرج ابن أبي حاتم وابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ إنما وليكم الله...

﴾ الآية.

قال: يعني من أسلم فقد تولى الله ورسوله والذين آمنوا.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن أبي جعفر.

أنه سئل عن هذه الآية، من الذين آمنوا؟

قال: الذين آمنوا.

قيل له: بلغنا أنها نزلت في علي بن أبي طالب.

قال: علي من الذين آمنوا.

وأخرج أبو نعيم في الحلية عن عبد الملك بن أبي سليمان قال: سألت أبا جعفر محمد بن علي عن قوله: ﴿ إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون ﴾ قال: أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم قلت يقولون: علي؟

قال: علي منهم.

وأخرج ابن أبي داود في المصاحف عن جرير بن مغيرة قال: كان في قراءة عبد الله ﴿ إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ﴾ الآية، اختلفت الروايات عن ابن عباس في نزول هذه الآية، فقال في رواية العوفي: إنها نازلة في قصة عبد الله بن أبيّ حين تولى اليهودَ، وعبادةَ بنِ الصامت حين تبرأ منهم وقال: أنا أبرأ إلى الله من حلف قريظة والنضير، وأتولى الله ورسوله والذين آمنوا (١) وقال جابر بن عبد الله: إن اليهود هجروا من أسلم منهم، لم يجالسوهم، فقال عبد الله بن سلام: يا رسول الله إن قومنا قد هجرونا وأقسموا أن لا يجالسونا ، ولا نستطيع مجالسة أصحابك لبعد المنازل، فنزلت هذه الآية، فقال: رضينا بالله وبرسوله وبالمؤمنين أولياء (٢) ﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ  ﴾ .

والذي ذكر من قوله: ﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ ﴾ إلى آخر الآية صفة لكل مؤمن، وهو قول الحسن في هذه الآية والضحاك (٣) ﴿ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ ﴾ .

قال الزجاج: إقامتها: إتمامها بجميع فروضها، وأول فروضها صحة الإيمان بها (٤) وقوله تعالى: ﴿ وَهُمْ رَاكِعُونَ  ﴾ .

قال ابن عباس: ﴿ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ ﴾ المفروضة ﴿ وَهُمْ رَاكِعُونَ ﴾ يعني صلاة التطوع بالليل والنهار (٥) (٦) (٧) (٨) قال ابن عباس في رواية عكرمة: نزل قوله: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا} في أبي بكر  (٩) وقال في رواية عطاء: ﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا ﴾ يريد علي بن أبي طالب (١٠) وعلى هذا قوله: ﴿ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ﴾ قال عبد الله بن سلام (١١) (١٢)  يوماً من الأيام صلاة الظهر، فسأل السائل في المسجد فلم يعطه أحد، فرفع السائل يده إلى السماء وقال: اللهم أُشهدك أني سألت في مسجد رسول الله فلم يعطني أحد شيئاً.

وعلي كان راكعاً فأومأ إليه بخنصره اليمنى وكان يتختم فيها، فأقبل السائل حتى أخذ الخاتم من خنصره، وذلك بعين النبي  ، فلما فرغ النبي من صلاته رفع رأسه إلى السماء وقال: "اللهم إن أخي موسى سألك فقال: ﴿ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي ﴾ إلى قوله: ﴿ وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي  ﴾ فأنزلت فيه قرآناً ناطقاً: ﴿ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا  ﴾ اللهم وأنا محمد نبيك وصفيك فاشرح لي صدري، ويسر لي أمري، واجعل لي وزيراً من أهلي، علياً أشدد به ظهري"، قال أبو ذر: فوالله ما استتم رسول الله  الكلمة حتى نزل جبريل فقال: يا محمد اقرأ: ﴿ إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ ﴾ إلى آخرها (١٣) وهذا قول مجاهد والسدي وعتبة بن أبي حكيم (١٤) قال الكلبي: أذن بلال فخرج رسول الله  والناس بين ساجد وراكع، فإذا هو بسائل يطوف ومعه خاتم، فقال: "من أعطاك هذا" فأشار إلى علي وهو راكع، فنزلت هذه الآية، فلما قرأها رسول الله  قالوا: كلنا يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة، فلما قرأ: ﴿ وَهُمْ رَاكِعُونَ ﴾ علموا أنه خاص لعلي (١٥) وقال أهل العلم في هذه الآية: إنها تدل على أن العمل القليل لا يقطع الصلاة، وأن دفع الزكاة إلى السائل في الصلاة جائز مع نية الزكاة، ونية الزكاة لا تنافي الصلاة (١٦) وقال المفسرون: وهذا وإن كان نزوله وافق عليًّا، فإنه عام في كل مؤمن، كما روى هشام، عن عبد الملك بن أبي سليمان، قال: سألت أبا جعفر محمد بن علي (١٧) ﴿ إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا ﴾ من هم؟

قال: هم المؤمنون.

قلت: فإن ناساً يقولون: هو علي.

قال: فعليٌّ من الذين آمنوا (١٨) (١) سبق تخريج سبب النزول عند تفسير الآية (51)، انظر: "تفسير البغوي" 3/ 72.

(٢) أخرجه المؤلف في أسباب النزول.

وذكره ابن الجوزي في زاد المسير 2/ 382.

(٣) نسبه الماوردي للحسن والسدي "النكت والعيون" 2/ 48، انظر: "زاد المسير" 2/ 383.

(٤) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 183.

(٥) انظر: "زاد المسير" 2/ 384، "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 117.

(٦) انظر: "زاد المسير" 2/ 384.

(٧) ليست في (ج).

(٨) انظر "النكت والعيون" 2/ 49، "زاد المسير" 2/ 384.

(٩) لم أقف عليه عن ابن عباس من رواية عكرمة، لكن من رواية الكلبي، وهو متروك.

انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 117.

وقد نسبه ابن الجوزي في "زاد المسير" 2/ 383 لعكرمة.

(١٠) وكذا هذا الأثر من رواية عطاء لم أقف عليه!

لكن جاء من طرق أخرى كما في: "لباب النقول" ص 93، "الدر المنثور" 2/ 519 - 520، وسيأتي الكلام على هذا الأثر عند آخر سياق المؤلف له.

(١١) ما بين القوسين ساقط من (ج).

(١٢) لم أقف عليه.

(١٣) لم أقف عليه، حتى المؤلف لم يذكره في أسباب النزول وفيه غرابة.

(١٤) الآثار عن مجاهد والسدي وعتبة أخرجها الطبري في "تفسيره" 6/ 288 - 289.

(١٥) أخرجه ابن مردويه كما في "الدر المنثور" 2/ 520.

وانظر: "بحر العلوم" للسمرقندي 1/ 445.

وهذا الأثر في سبب نزول الآية جاء بأسانيد ضعيفة بل بعضها واه كما قال الحافظ ابن كثير رحمه الله بعد أن ساق هذا الأثر: وهذا إسناد لا يفرح به؛ لأنه من رواية الكلبي ثم رواه ابن مردويه من حديث علي بن أبي طالب  نفسه، وعمار بن ياسر، وأبي رافع، وليس يصح شيء منها بالكلية؛ لضعف أسانيدها وجهالة رجالها "تفسير ابن كثير" 2/ 81.

(١٦) قال ابن كثير رحمه الله: وأما قوله: ﴿ وهم راكعون ﴾ فقد توهم بعض الناس أن هذه الجملة في موضع الحال من قوله ﴿ ويؤتون الزكاة ﴾ أي في حال ركوعهم، ولو كان كذلك لكان دفع الزكاة في حال الركوع أفضل من غيره؛ لأنه ممدوح، وليس الأمر كذلك عند أحد من العلماء مما نعلمه من أئمة الفتوى ...

"تفسير ابن كثير" 2/ 81.

(١٧) زين العابدين، محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب  .

(١٨) أخرجه الطبري 6/ 288، وذكره ابن كثير 2/ 81.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ الله ﴾ ذكر الولي بلفظ المفرد إفراداً لله تعالى بهما، ثم عطف على اسمه تعالى الرسول عليه الصلاة والسلام والمؤمنين على سبيل التبع، ولو قال إنما أولياؤكم لم يكن في الكلام أصل وتبع ﴿ وَهُمْ راكعون ﴾ قيل: نزلت في عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه، فإنه سأله سائل وهو راكع في الصلاة، فأعطاه خاتمه، وقيل: هي عامة، وذكر الركوع بعد الصلاة لأنه من أشرف أعمالها، فالواو على القول الأوّل واو الحال، وعلى الثاني للعطف ﴿ فَإِنَّ حِزْبَ الله ﴾ هذا من إقامة الظاهر مقام المضمر: معناه فإنهم هم الغالبون ﴿ والكفار ﴾ بالنصب عطف على الذين اتخذوا، وقرئ بالخفض عطف على الذين أوتوا الكتاب، ويعضده قراءة ابن مسعود: ومن الكفار، ويراد بهم المشركون من العرب.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ تبغون ﴾ بتاء الخطاب: ابن عامر والخراز عن هبيرة.

الباقون بالياء.

﴿ ويقول ﴾ بالواو وبالرفع: عاصم وحمزة وعلي وخلف، وقرأ أبو عمرو وسهل ويعقوب بالنصب.

عياش: مخير.

الباقون ﴿ يقول ﴾ بدون واو العطف.

﴿ من يرتد ﴾ بالإظهار: أبو جعفر ونافع وابن عامر.

الباقون بالإدغام.

﴿ والكفار ﴾ بالجر: أبو عمرو وسهل ويعقوب وعلي.

الباقون بالنصب عطفاً على محل ﴿ الذين اتخذوا ﴾ وقرأ أبو عمرو وعلي غير ليث وأبي حمدون وحمدوية وابن رستم الطبري عن نصير طريق ابن مهران بالإمالة.

الوقوف: ﴿ بالحق ﴾ ط ﴿ ومنهاجاً ﴾ ط ﴿ الخيرات ﴾ ط ﴿ تختلفون ﴾ ه لا لعطف ﴿ وأن احكم ﴾ على ما قبله.

ومن وقف فلأنه رأس آية.

﴿ أنزل الله إليك ﴾ ط ﴿ ذنوبهم ﴾ ط ﴿ الفاسقون ﴾ ه ﴿ يبغون ﴾ ط ﴿ يوقنون ﴾ ه ﴿ أولياء ﴾ ه ليلزم النهي عن اتخاذ الأولياء مطلقاً ﴿ أولياء بعض ﴾ ط ﴿ منهم ﴾ ط ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ دائرة ﴾ ط لتمام المقول.

﴿ نادمين ﴾ ه لا لمن قرأ ﴿ ويقول ﴾ بالنصب عطفاً على ﴿ أن يأتي ﴾ .

﴿ جهد أيمانهم ﴾ لا لأن قوله: ﴿ إنهم ﴾ جواب القسم ﴿ لمعكم ﴾ ط ﴿ خاسرين ﴾ ه ﴿ ويحبونه ﴾ لا لأن ما بعده صفة قوم ﴿ الكافرين ﴾ ه لشبه الآية.

﴿ لائم ﴾ ط ﴿ من يشاء ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ راكعون ﴾ ه ﴿ الغالبون ﴾ ه ﴿ أولياء ﴾ ج للعطف ولطول الكلام.

﴿ مؤمنين ﴾ ﴿ ولعباً ﴾ ط ﴿ لا يعقلون ﴾ ه.

/التفسير: منّ الله  على نبينا  بإنزال القرآن إليه مصدقاً لما بين يديه من الكتاب أي جنسه وهو كل كتاب سوى القرآن نازل من السماء.

وفي المهيمن قولان: قال الخليل وأبو عبيدة: هيمن على الشيء يهيمن إذا كان رقيباً على الشيء وشاهداً ومصدقاً.

وقال الجوهري: أصله أأمن بهمزتين قلبت الثانية ياء لكراهة اجتماع الهمزتين، ثم الأولى هاء كما في هرقت وهياك.

والمعنى إنه أمين على الكتب التي قبله لأنه لا ينسخ ألبتة ولا يحرف لقوله: ﴿ وإنا له لحافظون  ﴾ ومن هنا قرىء: ﴿ ومهيمناً عليه ﴾ فتح الميم أي هو من عليه بأن حوفظ من التغيير والتبديل، والذي هيمن عليه عز وجل كما قلنا، أو الحفاظ في كل بلد والقراء المشهود لهم بالإجادة ﴿ فاحكم بينهم ﴾ بين اليهود بالقرآن ﴿ ولا تتبع أهواءهم ﴾ منحرفاً ﴿ عما جاءك من الحق ﴾ أو ضمن لا تتبع معنى لا تحزن.

قيل: لولا جواز المعصية على الأنبياء لم يجز هذا النهي.

والجواب أن ذلك مقدور له ولكن لا يفعله لمكان النهي.

أو الخطاب له والمراد غيره ﴿ لكل جعلنا منكم ﴾ أيها الناس أو الأمم أمة موسى وأمة عيسى وأمة محمد  لتقدم ذكر الثلاث ﴿ شرعة ومنهاجاً ﴾ قال ابن السكيت: الشرع مصدر شرعت الإهاب إذا شققته وملحته.

وقيل: إنه من الشروع في الشيء الدخول فيه، والشرعة مصدر للهيئة بمعنى الشريعة "فعيلة" بمعنى "مفعولة" وهي الأمور التي أوجب الله  على المكلفين أن يشرعوا فيها والمنهاج الطريق الواضح وهما عبارتان عن معبر واحد هو الدين والتكرير للتأكيد.

ويحتمل أن يقال: الشريعة عامة والمنهاج مكارم الشريعة، فالأولى أقدم وهذه تتلوها وهي الطريقة.

وقال المبرد: الشريعة ابتداء الطريق والطريقة المنهاج المستمر ﴿ ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ﴾ جماعة متفقة على شريعة واحدة أو ذوي أمة واحدة أي دين واحد لا خلاف فيه.

وفيه دليل على أن الكل بمشيئة الله تعالى.

والمعتزلة حملوه على مشيئته الإلجاء ﴿ ولكن ليبلوكم ﴾ أي جعلكم مختلفين متخالفين ليعاملكم معاملة المختبر هل تعملون بالنواميس الإلهية وتذعنون للعقائد الحقة أم تقصرون في العمل وتتبعون الشبه ولذلك قال ﴿ فاستبقوا الخيرات ﴾ سارعوا إليها وتسابقوا نحوها.

ويعني بالخيرات ههنا ما هو الحق من الاعتقادات والمحقق من التكاليف.

ثم علّل الاستئناف بقوله: ﴿ إلى الله مرجعكم جميعاً فينبئكم ﴾ فيخبركم بما لا تشكون معه من الجزاء الفاصل بين المحق والمبطل والعام والمقصر.

والمراد أن الأمر سيؤل إلى ما يحصل معه اليقين من مجازاة المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته ﴿ وأن احكم ﴾ قيل معطوف على ﴿ الكتاب ﴾ أي وأنزلنا إليك أن احكم على أن "أن" المصدرية وصلت بالأمر لأنه فعل كسائر الأفعال، أو على قوله: ﴿ بالحق ﴾ أي أنزلناه بالحق وبأن احكم.

وأقول: يحتمل أن تكون "أن" مفسرة وفعل الأمر محذوف أي وأمرناك أن احكم.

وتكرار الأمر بالحكم إما للتأكيد/ وإما لأنهما حكمان لأنهم احتكموا إليه في زنا المحصنين ثم احتكموا في قتل كان بينهم.

وزعم بعض الأئمة أن هذه الآية ناسخة للتخيير في قوله: ﴿ فاحكم بينهم أو أعرض ﴾ وعن ابن عباس أن جماعة من اليهود منهم كعب بن أسيد وعبد الله بن صوريا وشماس بن قيس من أحبار اليهود قالوا: اذهبوا بنا إلى محمد  لعلنا نفتنه عن دينه.

فأتوه فقالوا: يا محمد قد عرفت أنا أحبار اليهود وأشرافهم وأنا إن اتبعناك اتبعنا اليهود ولم يخالفونا، وإن بيننا وبين قوم خصومة ونحاكمهم إليك فتقضي لنا عليهم ونحن نؤمن بك ونصدقك، فأبى ذلك رسول الله  وأنزل فيهم: ﴿ واحذرهم أن يفتنوك ﴾ محله نصب على أنه مفعول له أي مخافة أن يفتنوك، أو على أنه بدل اشتمال من مفعول احذر.

والمراد بالفتنة رده إلى أهوائهم فكل من صرف من الحق إلى الباطل فقد فتن.

قال بعض أهل العلم: في الآية دليل على أن الخطأ والنسيان جائزان على النبي  ، لأن التعمد في مثل هذا غير جائز فلم يبق إلاّ الخطأ والنسيان فلو لم يكونا جائزين أيضاً لم يكن للحذر فائدة، ﴿ فإن تولوا ﴾ عن الحكم المنزل أي فإن لم يقبلوا حكمك ﴿ فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم ﴾ أما الإصابة فالمراد بها قتلهم وإجلاؤهم، وأما ذكر بعض الذنوب فلأن مجازاتهم ببعض الذنوب كافية في إهلاكهم وتدميرهم، أو أراد بالبعض ذنب التولي عن حكم الله.

وفيه أن لهم ذنوباً جمة وأن هذا الذنب عظيم جداً كقول لبيد: تراك أمكنة إذا لم أرضها *** أو يرتبط بعض النفوس حمامها أراد نفسه وإنما قصد تفخيم شأنها بهذا الإبهام فكأنه قال نفساً كبيرة لأن التنكير في معنى البعضية أيضاً.

﴿ لفاسقون ﴾ لمتمردون في الكفر.

وفيه أن التولي عن حكم الله فسق مؤكد جداً.

ثم استفهم منكراً لرأيهم فقال: ﴿ أفحكم الجاهلية يبغون ﴾ وفيه تعيير لليهود بأنهم أهل كتاب وعلم ومع ذلك يطلبون حكم الملّة الجاهلية التي هي محض الجهل وصريح الهوى.

وقال مقاتل: إن قريظة والنضير طلبوا إليه أن يحكم بما كان يحكم به أهل الجاهلية من التفاضل بين القتلى.

فقال رسول الله  : القتلى بواء أي سواء.

فقال بنو النضير: نحن لا نرضى بذلك فنزلت.

وعن الحسن هو عام في كل من يبتغي غير حكم الله.

وسئل طاوس عن الرجل يفضل بعض ولده على بعض فتلا هذه الآية.

واللام في قوله: ﴿ لقوم يوقنون ﴾ للبيان كاللام في: ﴿ هيت لك  ﴾ أي هذا لخطاب وهذا الاستفهام لهم لأنهم الذين يعرفون أنه لا أحد أعدل من الله حكماً ولا أحسن منه بياناً.

قال عطية العوفي: "جاء عبادة بن الصامت فقال: يا رسول الله إن لي موالي من اليهود كثيراً عددهم حاضراً نصرهم/ وإني أبرأ إلى الله وإلى رسوله من ولاية اليهود، أو إلى الله ورسوله، فقال عبد الله بن أبي: إني رجل أخاف الدوائر ولا أبرأ من ولاية اليهود.

فقال رسول الله  : يا أبا الحباب ما بخلت به من ولاية يهود على عبادة بن الصامت فهو لك دونه.

قال: قد قبلت فأنزل الله تعالى: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء ﴾ " تعاشرونهم معاشرة المؤمنين.

ثم علل النهي بقوله: ﴿ بعضهم أولياء بعض ﴾ لأن الجنسية علة الضم.

ثم أكد ذلك بقوله: ﴿ ومن يتولهم منكم فإنه منهم ﴾ من جملتهم وحكمه حكمهم ولذلك قال ابن عباس: يريد أنه كافر مثلهم وفيه من التغليظ والتشديد ما فيه.

﴿ إنّ الله لا يهدي القوم الظالمين ﴾ الذين ظلموا أنفسهم بموالاة الكفرة فوضعوا الولاء في غير موضعه.

عن أبي موسى الأشعري قال: قلت لعمر بن الخطاب: إن لي كاتباً نصرانياً فقال: ما لك قاتلك الله ألا اتخذت حنيفاً؟

أما سمعت هذه الآية؟

قلت: له دينه ولي كتابته.

فقال: لا أكرمهم إذ أهانهم الله، ولا أعزهم إذا أذلهم الله، ولا أدنيهم إذ أبعدهم الله.

قلت: لا قوام بالبصرة إلاّ به.

قال: مات النصراني والسلام يعني هب أنه قد مات فما كنت تكون صانعاً حينئذٍ فاصنعه الآن.

﴿ فترى الذين في قلوبهم مرض ﴾ يعني أمثال عبدالله بن أبي ﴿ يسارعون فيهم ﴾ في موالاة اليهود والنصارى يهود بني قينقاع ونصارى نجران لأنهم كانوا أهل ثروة وكانوا يعينونهم على مهامهم ويقرضونهم ﴿ يقولون ﴾ يعتذرون عن الموالاة بقولهم: ﴿ نخشى أن تصيبنا دائرة ﴾ قال الواحدي: هي الدولة ومثلها صروف الزمان ونوائبه.

وقال الزجاج: نخشى أن لا يتم الأمر لمحمد فيدور الأمر كما كان قبل ذلك.

ثم سلى رسوله والمؤمنين بقوله: ﴿ فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده ﴾ فعسى من الله الكريم إطماع واجب.

والفتح إما فتح مكة أو مطلق دولة الإسلام وغلبة ذويه.

وقوله: ﴿ أو أمر من عنده ﴾ المراد به فعل لا يكون للناس فيه مدخل ألبتة كقذف الرعب في قلوب بني النضير وغيرهم من الكفار.

وقيل: هو أن يؤمر النبي  بإظهار المنافقين وقتلهم.

﴿ فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم ﴾ من النفاق والشك في أن أمر الرسول  يتم ﴿ نادمين ويقول الذين آمنوا ﴾ قال الواحدي: حذف الواو ههنا كإثباتها فلهذا جاء في مصاحف أهل الحجاز والشام بغير واو، وفي مصاحف أهل العراق بالواو، وذلك أن في الجملة المعطوفة ذكراً من المعطوف عليها، فإنقوله: ﴿ أهؤلاء ﴾ إشارة إلى الذين يسارعون، فلما حصل في كل من الجملتين ذكر من الأخرى حسن الوجهان.

ووجه العطف مع النصب ظاهر ووجه ذلك مع الرفع على أنه كلام مبتدأ أي ويقول الذين آمنوا في ذلك الوقت.

ووجه الفصل هو أن يكون جواب سائل يسأل فماذا يقول المؤمنون حينئذٍ وإنما يقولون هذا القول فيما بينهم تعجباً من حالهم وفرحاً بما/ منّ الله عليهم من التوفيق في الإخلاص، أو يقولونه لليهود الذين كانوا يحلفون لهم بالمعاضدة والنصرة كما حكى الله عنهم: ﴿ وإن قوتلتم لننصرنكم  ﴾ وقوله: ﴿ جهد أيمانهم ﴾ أي بإغلاظ الأيمان نصب على الحال أي يجتهدون جهد أيمانهم أو على المصدر من غير لفظه.

﴿ حبطت أعمالهم ﴾ من قول الله  أو من جملة قول المؤمنين أي بطلت أعمالهم التي كانوا يتكلفونها رياء.

وفيه معنى التعجب أي ما أحبط أعمالهم فما أخسرهم حيث بقي عليهم التعب في الدنيا والعذاب في العقبى ﴿ من يرتدّ منكم عن دينه ﴾ أي من يتولّ الكفار منكم فيرتد فليعلم أن الله  يأتي بقوم آخرين ينصرون هذا الدين على أبلغ الوجوه.

وقال الحسن: علم الله  أن قوماً يرجعون عن الإسلام بعد موت نبيهم فأخبرهم أنه  سيأتي ﴿ بقوم يحبهم ويحبونه ﴾ فتكون الآية إخباراً عن الغيب وقد وقع فيكون معجزاً.

روي في الكشاف أن أهل الردّة كانوا إحدى عشرة فرقة، ثلاث في عهد رسول الله  بنو مدلج ورئيسهم ذو الحمار الأسود العنسي وكان كاهناً تنبأ باليمن واستولى على بلاده وأخرج عمال رسول الله  فكتب رسول الله  إلى معاذ بن جبل وإلى سادات اليمن فأهلكه الله على يدي فيروز الديلمي، بيته فقتله وأخبر رسول الله  بقتله ليلة قتل فسر المسلمون وقبض رسول الله  من الغد وأتى خبره في آخر شهر ربيع الأول.

وبنو حنيفة قوم مسليمة تنبأ وكتب إلى رسول الله  : من مسليمة رسول الله إلى محمد رسول الله  وأما بعد فإن الأرض نصفها لي ونصفها لك.

فأجاب  : من محمد رسول الله  إلى مسيلمة الكذاب.

أما بعد فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين.

فحاربه أبو بكر بجنود المسلمين وقتل على يدي وحشي قاتل حمزة وكان يقول: قتلت خير الناس في الجاهلية وشر الناس في الإسلام.

أراد في جاهليتي وإسلامي.

وبنو أسد قوم طليحة بن خويلد تنبأ فبعث إليه رسول الله  خالداً فانهزم بعد القتال إلى الشام ثم أسلم وحسن إسلامه.

وسبع في عهد أبي بكر: فزارة قوم عيينة بن حصن وغطفان قوم قرة بن سلمة القشيري، وبنو سليم قوم الفجاءة بن عبد ياليل، وبنو يربوع قوم مالك بن نويرة، وبعض بني تميم قوم سجاج بنت المنذر المتنبئة التي زوّجت نفسها مسيلمة الكذاب، وكندة قوم الأشعث بن قيس، وبنو بكر بن وائل بالبحرين قوم الحطم بن زيد وحاربهم أبو بكر وكفى الله أمرهم على يديه.

وفرقة واحدة في عهد عمر غسان قوم جبلة بن الأيهم كان يطوف بالبيت ذات يوم بعد أن كان أسلم على يد عمر فرأى رجلاً جارّاً رداءه فلطمه فتظلم الرجل إلى عمر فقضى بالقصاص عليه.

فقال: أنا أشتريها بألف فأبى الرجل فلم يزل يزيد في الفداء إلى أن بلغ عشرة آلاف فأبى الرجل إلاّ القصاص فاستنظره فأنظره عمر فهرب إلى/ الروم وتنصر.

وتفسير المحبة قد مر في سورة البقرة في قوله: ﴿ يحبونهم كحب الله  ﴾ وإنما قدم محبته على محبتهم لأن محبتهم إياه نتيجة محبته الأزلية إياهم فتلك أصل وهذه فرع.

والراجع من الجزاء إلى الاسم المتضمن للشرط محذوف معناه فسوف يأتي الله بقوم مكانهم أو بقوم غيرهم ﴿ أذلة ﴾ جمع ذليل لأن ذلولاً من الذل نقيض الصعوبة لا يجمع على أذلة وإنما يجمع على ذلل.

وليس المراد أنهم مهانون عند المؤمنين بل المراد المبالغة في وصفهم بالرفق ولين الجانب، فإن من كان ذليلاً عند إنسان فإنه لا يظهر الكبر والترفع ألبتة.

ولتضمين الذل معنى الحنو العطف عدّي بعلى دون اللام كأنه قيل: عاطفين عليهم.

أو المراد أنهم مع شرفهم واستعلاء حالهم واستيلائهم على المؤمنين خافضون لهم أجنحتهم ليضموا إلى منصبهم فضيلة التواضع ﴿ أعزة على الكافرين ﴾ يظهرون الغلظة والترفع عليهم من عزه يعزه إذا غلبه ونحو هذه الآية قوله: ﴿ أشداء على الكفار رحماء بينهم  ﴾ أما الواو في قوله: ﴿ ولا يخافون ﴾ فإما أن تكون للحال أي يجاهدون وحالهم في المجاهدة خلاف حال المنافقين حيث يخافون لومة أوليائهم اليهود، وإما أن تكون للعطف كقوله: إلى الملك القرم وابن الهمام *** أي هم الجامعون بين المجاهدة لله وبين الصلابة في الدين إذا شرعوا في أمر من أمور الدين، لا يرعبهم اعتراض معترض.

وفي وحدة اللوم وتنكير اللائم مبالغتان كأنه قيل: لا يخافون شيئاً قط من لوم أحد من اللوام ﴿ ذلك ﴾ الذي ذكر من نعوت الكمال من المحبة والذلة وغيرها ﴿ فضل الله ﴾ إحسانه وتوفيقه.

قالت الأشاعرة: إنه صريح في أن الأعمال مخلوقة لله  .

والمعتزلة حملوه على فعل الألطاف.

وضعف بأن اللطف عام في حق الكل فلا بد للتخصيص من فائدة ﴿ والله واسع عليم ﴾ تام القدرة كامل العلم يعلم أهل الفضل فيؤتيهم الفضل.

واعلم أن للمفسرين خلافاً في أن القوم المذكورين في الآية من هم.

قال الحسن وقتادة والضحاك وابن جريج: هم أبو بكر وأصحابه لأنهم الذين قاتلوا أهل الردة.

وقال السدي: نزلت في الأنصار.

وقال مجاهد: هم أهل اليمن لأنها لما نزلت أشار النبي  إلى أبي موسى الأشعري, وقال: هم قوم هذا.

وقال آخرون: هم الفرس لما روي "أنه  سئل عن هذه الآية فضرب يده على عاتق سلمان وقال: هذا وذووه ثم قال: لو كان الدين معلقاً بالثريا لناله رجال من أبناء فارس" .

وقالت الشيعة: نزلت في علي  وكرّم الله وجهه لما روي أنه  دفع الراية إلى علي يوم خيبر وكان قد قال: لأدفعن الراية إلى رجل يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، ولأن ما بعد هذه الآية نازلة فيه باتفاق أكثر المفسرين قال الإمام فخر الدين الرازي: هذه الآية من أدل الدلائل على فساد مذهب الإمامية لأن الذين اتفقوا على إمامة أبي بكر، لو كانوا أنكروا نصاً جلياً على إمامة علي  لكان كلهم مرتدين ثم لجاء الله بقوم تحاربهم وتردهم إلى الحق.

ولما لم يكن الأمر كذلك بل الأمر بالضد فإن فرقة الشيعة مقهورون أبداً حصل الجزم بعدم النص.

ولناصر مذهب الشيعة أن يقول: ما يدريك أنه  لا يجيء بقوم تحاربهم، ولعل المراد بخروج المهدي هو ذلك فإن محاربة من دان بدين الأوائل هي محاربة الأوائل وهذا إنما ذكرته بطريق المنع لا لأجل العصبية والميل فإن اعتقاد ارتداد الصحابة الكرام أمر فظيع والله أعلم.

ثم إنه  لما نهى في الآي المتقدمة عن موالاة الكفار أمر بعد ذلك بموالاة من يحق موالاته فقال: ﴿ إنما وليكم ﴾ ولم يقل أولياؤكم ليعلم أن ولاية الله أصل والباقي تبع ﴿ الله ورسوله والذين آمنوا ﴾ وفيه قولان: الأول أن المراد عامة المؤمنين لأنّ الآية نزلت على وفق ما مر من قصة عبادة من الصامت.

وروي أيضاً أن عبد الله بن سلام قال: يا رسول الله إن قومنا قد هجرونا وأقسموا أن لا يجالسونا ولا نستطيع مجالسة أصحابك لبعد المنازل فنزلت هذه الآية.

فقالوا: رضينا بالله  وبرسوله وبالمؤمنين أولياء.

ثم قال: ﴿ الذين يقيمون الصلاة ﴾ ومحله رفع على البدل أو على هم الذين يقيمون، أو نصب بمعنى أخص أو أعني وفي الكل مدح والغرض تميز المؤمن المخلص عمن يدعي الإيمان نفاقاً ومعنى ﴿ وهم راكعون ﴾ قال أبو مسلم: أي منقادون خاضعون لأوامر الله  ونواهيه.

وقيل: المراد ومن شأنهم إقامة الصلاة وخص الركوع بالذكر لشرفه.

وقيل: إنّ الصحابة كانوا عند نزول الآية مختلفين في هذه الصفات منهم من قد أتم الصلاة ومنهم من دفع المال إلى الفقير ومنهم من كان بعد الصلاة راكعاً فنزلت الآية على وفق أحوالهم.

القول الثاني أن المراد شخص معين وجيء به على لفظ الجمع ليرغب الناس في مثل فعله.

ثم إن ذلك الشخص من هو؟

روى عكرمة أنه أبو بكر وروى عطاء عن ابن عباس أنه علي  .

روي أن عبد الله بن سلام قال: "لما نزلت هذه الآية قلت: يا رسول الله أنا رأيت علياً تصدق بخاتمه على محتاج وهو راكع فنحن نتولاه" .

وروي عن أبي ذر أنه قال: " صليت مع رسول الله  يوماً صلاة الظهر فسأل سائل في المسجد فلم يعطه أحد، فرفع السائل يده إلى السماء.

وقال: اللهم أشهد أني سألت في مسجد الرسول فما أعطاني أحد شيئاً وعليّ  كان راكعاً فأومأ إليه بخنصره اليمنى وكان فيها خاتم، فأقبل السائل حتى أخذ الخاتم فرآه النبي  فقال: اللهم إن أخي موسى سألك فقال: ﴿ رب اشرح لي صدري ﴾ إلى قوله: ﴿ وأشركه في أمري  ﴾ فأنزلت قرآناً ناطقاً ﴿ سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطاناً  ﴾ اللهم وأنا محمد نبيك وصفيك فاشرح لي صدري ويسر لي أمري واجعل لي وزيراً من أهلي علياً اشدد به أزري.

قال أبو ذر: فوالله ما أتم رسول الله  هذه الكلمة حتى نزل جبريل فقال: يا محمد اقرأ ﴿ إنما وليكم الله ﴾ الآية" .

فاستدلت الشيعة بها على أن الإمام بعد رسول الله  هو علي بن أبي طالب  لأن الولي هو الوالي المتصرف في أمور الأمة، وأنه علي  برواية أبي ذر وغيره.

وأجيب بالمنع من أن الولي ههنا هو المتصرف بل المراد به الناصر والمحب لأن الولاية المنهي عنها فيما قبل هذه الآية، وفيما بعدها هي بهذا المعنى فكذا الولاية المأمور بها.

وأيضاً إن علياً لم يكن نافذ التصرف حال نزول الآية وإنها تقتضي ظاهراً أن تكون الولاية حاصلة في الحال.

وأيضاً إطلاق لفظ الجمع على الواحد لأجل التعظيم مجاز والأصل في الإطلاق الحقيقة، فالمراد بالذين آمنوا عامة المؤمنين وأن بعضهم يجب أن يكون ناصراً لبعض كقوله: ﴿ والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض  ﴾ وأيضاً الآية المتقدمة نزلت في أبي بكر كما مر من أنه هو الذي حارب المرتدين فالمناسب أن تكون هذه أيضاً فيه.

ثم إن علي بن أبي طالب  كان أعرف بتفسير القرآن من هؤلاء الإمامية فلو كانت الآية دالة على إمامة عليّ لاحتج بها كما احتج بما ينقلون عنه أنه تمسك يوم الشورى بخبر الغدير وخبر المباهلة وجميع مناقبه وفضائله.

وهب أنها دالة على إمامته لكنه ما كان نافذ التصرف في حياة رسول الله  فلم يبق إلا أنه سيصير إماماً ونحن نقول بموجبه ولكنه بعد الشيوخ الثلاثة.

ومن أين قلتم إنها تدل على إمامته بعد رسول الله  من غير فصل؟

وأيضاً إنهم كانوا قاطعين بأن المتصرف فيهم هو الله ورسوله فلا حاجة بهم إلى ذكر ذلك.

فالمراد بقوله: ﴿ إنما وليكم الله ورسوله ﴾ أن من كان الله ورسوله ناصرين له فأي حاجة به إلى طلب النصرة والمحبة عن غيره، وإذا كان الولي مستعملاً بمعنى النصرة مرة امتنع أن يراد به معنى المتصرف لأنه لا يجوز استعمال اللفظ المشترك في كلا مفهوميه معاً فكأنه  قسم المؤمنين قسمين وجعل أحدهما أنصاراً للآخر.

وأيضاً الزكاة اسم للواجب لا للمندوب، ومن المشهور أن علياً  ما كان يجب عليه الزكاة، ولو سلم فاللائق بحاله أن يكون في الصلاة مستغرق القلب بالله فلا يتفرغ لاستماع كلام السائل ولا إلى دفع الخاتم إليه لأنه عمل كثير، اللهم إلا أن يكون الخاتم سهل المأخذ أو كان قد أومأ به إلى السائل فأخذه السائل.

والحق أنه إن صحت الرواية فللآية دلالة قوية على عظم شأن/ علي  ، والمناقشة في أمثال ذلك تطويل بلا طائل إلا أن أصحاب المذاهب لما تكلموا فيها أوردنا حاصل كلامهم على سبيل الاختصار ﴿ ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله ﴾ من إقامة المظهر مقام المضمر تشريفاً.

والمراد فإنهم هم الغالبون.

حزب الرجل أصحابه المجتمعون لأمر حزبهم.

وقال الحسن: جند الله.

أبو روق: أولياء الله.

أبو العالية: شيعة الله.

وقيل: أنصار الله.

الأخفش: هم الذين يدينون بدينه ويطيعونه فينصرهم.

صاحب الكشاف: يحتمل أن يراد بحزب الله الرسول والمؤمنون أي ومن يتولهم فقد تولى حزب الله واعتضد بمن لا يغالب.

ثم عمم النهي عن موالاة جميع الكفار فقال: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا ﴾ عن ابن عباس: كان رفاعة بن زيد وسويد بن الحرث قد أظهرا الإسلام ثم نافقا، فكان رجال من المسلمين يوادّونهما فنزلت، يعني أن اتخاذهم دينكم هزواً ولعباً ينافي اتخاذكم إياهم أولياء بل يجب أن يقابل ذلك بالشنآن والبغضاء.

وإنما عطف الكفار على أهل الكتاب مع أن أهل الكتاب أيضاً كفار والعطف يقتضي المغايرة، لأنه أراد بالكفار المشركين الوثنيين خاصة لما أن كفرهم أغلظ فكانوا أحق باسم الكفر.

ومعنى تلاعبهم بالدين واستهزائهم به إظهارهم ذلك باللسان دون مواطأة الجنان.

﴿ واتقوا الله ﴾ في موالاة الكفار ﴿ إن كنتم مؤمنين ﴾ حقاً لأن الإيمان الحقيقي يأبى موالاة أعداء الدين.

قال الكلبي: "كان منادي رسول الله  إذا نادى إلى الصلاة فقام المسلمون إليها قالت اليهود: قد قاموا لا قاموا صلوا لا صلوا ركعوا لا ركعوا على طريق الاستهزاء والضحك فنزل ﴿ وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها ﴾ " أي الصلاة والمناداة.

وهذا بعض ما اتخذوه من هذا الدين هزواًَ ولعباً، فلهذا أردفه بالآية المقدمة الكلية.

وقال السدي: "نزلت في رجل من النصارى بالمدينة كان إذا سمع المؤذن يقول: أشهد أن محمداً رسول الله.

قال: حرق الكاذب.فدخل خادمه بنار ذات ليلة وهو نائم وأهله نيام فتطايرت منها شرارة في البيت فاحترق البيت واحترق هو وأهله" .

وقال آخرون: "إن الكفار لما سمعوا الأذان حسدوا رسول الله والمسلمين على ذلك فدخلوا على رسول الله  فقالوا: يا محمد لقد أبدعت شيئاً لم نسمع به فيما مضى من الأمم الخالية.

فإن كنت تدعي النبوة فقد خالفت فيما أحدثت من هذا الأذان الأنبياء قبلك، ولو كان في هذا الأمر خير كان أولى الناس به الأنبياء والرسل قبلك، فمن أين لك صياح كصياح العنز؟

فما أقبح من صوت وما أسمج من أمر.

فأنزل الله  هذه الآية" ، وأنزل: ﴿ ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله ﴾ قال بعض العلماء: فيه دليل على ثبوت الآذان بنص الكتاب لا بالمنام وحده.

وأقول: لو قيل إن أصل الأذان بالمنام والتقرير بنص الكتاب كان اصوب ذلك الاتخاذ.

﴿ بأنهم قوم لا يعقلون ﴾ ما في الصلاة من المنافع لأنها التوجه إلى الخالق والاشتغال بخدمة المعبود، أو لا يفهمون ما في اللعب والهزء من السفه/ والجهل.

قال بعض الحكماء: أشرف الحركات الصلاة وأنفع السكنات الصيام.

التأويل: ﴿ وأنزلنا إليك الكتاب بالحق ﴾ أي بالحقيقة لأنه أنزل على قلبه وأنزل سائر الكتب في الألواح والصحف فلهذا كان خلقه القرآن.

وكان مهيمناً على جميع الكتب تصديقاً عيانياً لا بيانياً بحيث يشاهد قلب المنزل عليه بنوره حقائق جميع الكتب وأسرارها بخلاف ما أنزل في الألواح فإن الألواح لا تشهد ولا تشاهد حقائق الكتب ومعانيها ﴿ لكل جعلنا منكم ﴾ معاشر الأنبياء ﴿ شرعة ﴾ يشرع فيها بالبيان ﴿ ومنهاجاً ﴾ يسلك فيه بالعيان ﴿ ولكن ليبلوكم ﴾ أيها الأمم ﴿ فيما آتاكم ﴾ من البيات والتبيان والحجج والبرهان والعزة والسلطان، فابتلاكم بزينة الدنيا واتباع الهوى ونيل المنى والرفعة بين الورى والنجاة في العقبى ليهتدي التائبون بالبيان، ويستفيد العاملون بالبرهان، ويحكم العارفون بالسلطان بل يقصد الزاهدون برفض الدنيا ويقدم العابدون بنهي الهوى، ويسلك المشتاقون بنفي المنى، ويجذب العارفون بترك الورى، ويسلب الواصلون بالسلو عن الدنيا والعقبى ﴿ فاستبقوا الخيرات ﴾ من هذه المقامات ﴿ إلى الله مرجعكم جميعاً ﴾ اختياراً بقدم الصدق أو اضطراراً بحلول الأجل ﴿ فإن تولوا ﴾ عن قبول الحق ﴿ فاعلم ﴾ بمطالعة القضاء ﴿ أنما يريد الله ﴾ في حكم القدر ﴿ أن يصيبهم ﴾ مصيبة الإعراض ﴿ ببعض ذنوبهم ﴾ وهو الاعتراض، فإن الحق  يلزم بشرط التكاليف ويقدمهم ويؤخرهم بعين التصريف.

فالتكليف فيما أوجب والتصريف فيما أوجدوا العبرة بالإيجاد لا بالإيجاب ﴿ لفاسقون ﴾ لخارجون عن جذبات العناية ﴿ أفحكم الجاهلية يبغون ﴾ أيطلبون منك أن تحيد عن المحجة المثلى بعد ما طلعت شموس الدنيا وسطعت براهين اليقين وانهتكت أستار الريب واستنار القلب بأنوار الغيب ﴿ يسارعون فيهم ﴾ لأن شبيه الشيء منجذب إليه ﴿ أن يأتي بالفتح ﴾ فتح عيون القلوب ﴿ أو أمر من عنده ﴾ وهو الجذبة التي توازي عمل الثقلين ﴿ ويقول الذين آمنوا ﴾ بأنوار الغيوب في أستار القلوب ﴿ فأصبحوا خاسرين ﴾ بإبطال الاستعداد الفطري.

﴿ بقوم يحبهم ويحبونه ﴾ هم أرباب السلوك أفناهم عنهم بسطوات يحبهم ثم أبقاهم به عند هبوب نفحات يحبونه، فإن محبة الله للعبد إفناء الناسوتية في بقاء اللاهوتية، ومحبة العبد بصفته ذاته أزلاً وهي الإرادة القديمة الناسوتية.

والشيخ نجم الدين الرازي المعروف بداية  قد عكس القضية، فلعله فهم غير ما فهمنا.

ثم قال إنه  يحب العبد بصفته ذاته أزلاً وهي الإرادة القديمة المخصوصة بالغاية، والعبد يحب الله بذات تلك الصفة أبداً ﴿ أذلة على المؤمنين ﴾ لارتفاع الأنانية ﴿ أعزه على الكافرين ﴾ ببقاء اللاهوتية وإثبات الوحدانية ﴿ يجاهدون في سبيل الله ﴾ في طلب الحق في البداية ببذل الوجود ﴿ ولا يخافون لومة لائم ﴾ عند غلبات الوجد في/ الوسط لدوام الشهود ذلك يعني صدق الطلب في البداية وغلبات الوجد في الوسط والاختصاص بالمحبة في النهاية ﴿ والله واسع ﴾ كرمه قادر على أن يتفضل على كل أحد لكنه ﴿ عليم ﴾ بحال كل أحد فلا يتفضل إلا على من يستأهله.

﴿ يقيمون الصلاة ﴾ يديمونها مراقبين حقوقها في الباطن بمراعاة السر ﴿ ويؤتون الزكاة ﴾ ما زكى من وجودهم وهو الفناء في الله ﴿ وهم راكعون ﴾ راجعون إلى الله بانحطاط.

فمن قيام البشرية إلى قيام القيومية هم الغالبون على أهوائهم وأنفسهم والدنيا والشيطان ﴿ الذين اتخذوا دينكم ﴾ يعني أهل الغفلة والسلو المستهزئين بأهل المحبة والقرب ﴿ من الذين أوتوا الكتاب ﴾ أي العلوم الظاهرة والكفار يعني الفلاسفة ومقلديهم لأنهم بمعزل عن العلوم اللدنية والكشفية ﴿ وإذا ناديتم إلى الصلاة ﴾ دعوتموهم إلى محل القرب والنجوى ولا يعقلون بالوهم والخيال لذاذة شهود ذلك الجمال.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ...

﴾ الآية.

قوله -  -: ﴿ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ ﴾ : إن قوله: ﴿ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ ﴾ - وإن كان حرف توحيد وتفريد - فإن المراد منه الجماعة؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ فَسَوْفَ يَأْتِي ٱللَّهُ بِقَوْمٍ ﴾ ؟!

دل هذا على أن المراد منه الجماعة والعصابة، ولأن الواحد - والاثنين - إذا ارتد عن الإسلام يؤخذ ويحبس ويقتل إن أبى الإسلام، والجماعة إذا ارتدوا عن الإسلام احتيج إلى نصب الحرب والقتال؛ على ما نصب أبو بكر الحرب مع أهل الردة.

وفي الآية دلالة إمامة أبي بكر الصديق -  - لأن العرب لما ارتدت [عن الإسلام] بعد رسول الله  حاربهم؛ فكان هو ومن قام بحربهم ممن أحب الله وأحبه الله.

وعن الحسن -  -: ﴿ فَسَوْفَ يَأْتِي ٱللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ﴾ قال: هو - والله - أبو بكر وأصحابه،  م أجمعين.

وقوله -  -: ﴿ قُل لِّلْمُخَلَّفِينَ مِنَ ٱلأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَىٰ قَوْمٍ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِن تُطِيعُواْ يُؤْتِكُمُ ٱللَّهُ أَجْراً حَسَناً  ﴾ : يدل على إمامة أبي بكر -  - لأنه كان الداعي إلى حرب أهل الردة.

فإن قيل: يجوز أن يكون النبي  هو الذي دعاهم - قيل له: قال الله -  -: ﴿ فَقُلْ لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَداً وَلَن تُقَاتِلُواْ مَعِيَ عَدُوّاً  ﴾ فمحال أن يدعوهم فيطيعوا، وقد قال الله -  -: إنهم لن يخرجوا معه أبداً.

فإن قيل: قد يجوز أن يكون عمر -  - هو الذي دعاهم - قيل له: فإن كان، فإمامة عمر -  - ثابتة بدليل الآية، وإذا صحت إمامته صحت إمامة أبي بكر -  - لأنه المختار له والمستخلف.

فإن قيل: قد يجوز أن يكون علي -  - هو الذي دعاهم إلى محاربة من حارب - قيل له: قال الله -  -: ﴿ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ  ﴾ ، وهذه صفة من يُحَارَبُ من مشركي العرب الذين لا تقبل منهم الجزية، وعلي -  - إنما حارب أهل البغي وهم مسلمون، ولم يحارب أحد بعد النبي أهل الردة غير أبي بكر -  - فكانت الآية دليلا على صحة إمامته.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَسَوْفَ يَأْتِي ٱللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ﴾ .

﴿ فَسَوْفَ ﴾ كقوله: ﴿ عَسَى ﴾ ، والعسى من الله واجب.

أخبر - عز وجل - أنه يأتي بقوم يحبهم؛ لبذلهم أنفسهم في مجاهدة [أعداء الله]، وتركهم في الله لومة لائم؛ فذلك لحبهم لله؛ لأنه لا أحد يبذل نفسه للهلاك، وترك لومة لائم - إلا لمن يحب الله، وأحبهم الله: لما أثنى عليهم بقوله: ﴿ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لاۤئِمٍ ﴾ ، وحبهم لله: لما بذلوا أنفسهم في مجاهدة أعدائه، وتركهم لومة لائم.

وفيه دلالة إثبات إمامة أبي بكر -  - لأنه - عز وجل - اثنى عليهم بخروجهم في سبيل الله ومجاهدة أعدائه؛ فلو كان غاصباً ذلك على عليٍّ -  - أو كان غير محق لذلك - لم يكن الله ليثني عليه بذلك؛ لأنه كان آخذاً ما ليس له أخذه ومضيعاً حقا لغيره، ومن كان هذا سبيله لم يكن يستوجب كل هذا الثناء في الله  ؛ فهذا ينقض على الروافض قولهم وما روي: "مَنْ كُنْتُ مَوْلاَهُ فَعَلِيٌّ مَوْلاَهُ" وغيره من الأخبار، وذلك في الوقت الذي طلب علي -  - الخلافة وحارب عليها؛ لأنه لا يحتمل أن يعلم أن له الخلافة في زمن أبي بكر -  - ويرى الحق لنفسه، ثم يترك طلبها؛ لأنه كان مضيعاً حق الله عليه؛ فدل سكوته وترك طلبه على أن الحق ليس له، ولكن كان لأبي بكر -  - والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ .

أي: للمؤمنين، أي: ذوو رحمة ورأفة للمؤمنين.

﴿ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ ﴾ .

أي: شاقة شديدة على الكافرين، وهو ما وصفهم، عز وجل: ﴿ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ  ﴾ الآية، بذلك وصفهم عز وجل.

وقوله: ﴿ ذٰلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ ﴾ اختلف فيه: قال بعضهم: ذلك الجهاد في سبيل الله، أي: في طاعة الله ﴿ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ ﴾ ، وقيل: ذلك الإسلام ﴿ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ ﴾ .

﴿ وَٱللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ .

قد ذكرنا هذا في غير موضع.

قوله  : ﴿ إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ...

﴾ الآية.

قال بعض أهل التأويل: قوله -  -: ﴿ إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ هو صلة قوله: ﴿ يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلْيَهُودَ وَٱلنَّصَارَىٰ أَوْلِيَآءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ ﴾ [وكذلك قوله -  -]: ﴿ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَٱلْكُفَّارَ أَوْلِيَآءَ  ﴾ هو صلة ما تقدم [ذكره]: نهى المؤمنين أن يتخذوا الذين أوتوا الكتاب، والذين لم يؤتوا الكتاب أولياء في غير آي من القرآن، وأخبر أن الله ورسوله هو ولي الذين آمنوا، والمؤمنون - أيضاً - بعضهم أولياء بعض [كما في] قوله: ﴿ وَٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ  ﴾ ، فإذا كان الله - عز وجل - ورسوله والذين آمنوا أولياء لمن آمن - لم ينبغ أن يتخذوا الكفار أولياء.

وذكر في بعض القصة أن عبد الله بن سلام قال للنبي  : إن اليهود أظهروا لنا العداوة من أجل إسلامنا، وحلفوا ألا يكلمونا، ولا يخالطونا في شيء، ومنازلنا فيهم، وإنا لا نجد متحدثاً دون هذا المسجد؛ فنزلت الآية - فقالوا: قد رضينا بالله وبرسوله والمؤمنين أولياء.

ثم اختلف في نزوله: قال بعضهم: نزلت في شأن علي -  - تصدق بخاتمه وهو في الركوع.

ويقولون: "خرج النبي  فإذا هو بمسكين، فدعاه النبي  قال: هَلْ أَعْطَاكَ أَحَدٌ شَيْئاً، قال: نعم [يا رسول الله]، قال النبي  : ماذا؟

قال: خاتم فضة؟

قال: مَنْ أَعْطَاكَ؟

قال: ذلك الرجل القائم - يعني: عليا - قال النبي  : على أي حال أعطاكه؟

قال: أعطانيه وهو راكع؛ فكبر النبي  ودعا له وأثنى عليه" .

فاحتج الروافض بهذه الآية على تفضيل علي بن أبي طالب -  - على أبي بكر وإثبات الخلافة له دون غيره.

ويقولون: نزلت في شأنه -  - لما روي عن أبي جعفر -  - قال: "تصدق علي بن أبي طالب -  - بخاتمه وهو راكع؛ فنزل: ﴿ ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ﴾ .

فيقال لهم: هب أن الآية نزلت في شأنه، وليس فيها دلالة إثبات الخلافة له في زمن أبي بكر -  - لأنا قد ذكرنا في الآية الأولى ما يدل على إثبات الإمامة له في الوقت الذي كان هو إماماً، ونحن لا نجعل لعلي - كرم الله وجهه - الخلافة له في الوقت الذي لم ير لنفسه فيه الخلافة؛ لأنه روي عنه أنه قال: "إن أبا بكر هو خير الناس بعد رسول الله،  " أو كلام نحو هذا.

وفي الخبر عن النبي  أنه قال: "لَوْ وَلَّيْتُمْ أَبَا بَكْرٍ لَوَجَدْتُمُوهُ قَوِيّاً فِي دِينِهِ، ضَعِيفاً فِي بَدَنِهِ، وَإِنْ وَلَّيْتُمْ عُمَرَ لَوَجَدْتُمُوهُ قَويّاً فِي دِينِهِ وَبَدَنِهِ، وَإِنْ وَلَّيْتُمْ عَلِيّاً لَوَجَدْتُمُوهُ هَادِياً مَهْدِيّاً مُرْشِداً" فنقول: نحن على ما كان من علي وسائر الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين - من تسليم الأمور، إلى أبي بكر، وتفويضهم إليه من غير منازعة ظهرت من علي - كرم الله وجهه - في ذلك؛ فلو كان الحق له في ذلك الوقت، لظهرت منه المنازعة على ما ظهرت في الوقت الذي كان له.

فقالوا: لأن عليّاً -  - لم يكن له أنصار، وفي الوقت الذي ظهرت المنازعة منه والطلب كان له أنصار.

قيل: لا يحتمل أن يكون الحق له فيها ثم لا يطلب؛ لما لم يكن له أنصار؛ ألا ترى أن أبا بكر -  - مع ضعفه في بدنه، خرج وحده لحرب أهل الردة، حتى لما رأوه خرج وحده حيئنذ تبعوه؟!

فأبو بكر لم يترك طلب الحق لعدم الأنصار، مع ضعفه في بدنه، فعلي -  - مع شدته وقوته وفضل علمه بأمر الحرب؛ حتى لم يبارز أحداً من الأعداء إلا غلبه وأهلكه؛ فكيف توهمتم في ترك طلب الحق لفقد الأنصار له والأعوان في ذلك؟!

هذا لعمري لا يتوهم في أضعف أصحاب رسول الله  فضلا أن يتوهم في علي -  - فدل ترك طلب ذلك منه على أنه ترك؛ لما رأى الحق له، والله أعلم.

واحتجوا بما روي عن [رسول] الله  أنه قال لعلي: "أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى، غَيْرَ أَنْ لاَ نَبِيَّ بَعْدِي" ، وهارون كان خليفة موسى؛ فَلِمَ أنكرتم - أيضاً - أن عليّاً -  - كان خليفة رسول الله  ؟!

قيل: لهذا جوابان: أحدهما: أن قوله: "أَنْتَ مِنْي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى" يحتمل أن يكون في الأخوة التي كان آخاه رسول الله  وليس في إثبات الأخوة إثبات الخلافة له.

والثاني: أنه كانت له الخلافة في الوقت الذي كان هو، وليس في الخبر جعل الخلافة له في الأوقات كلها وهكذا جواب ما روي عنه: "مَنْ كُنْتُ مَوْلاَهُ فَعَليٌّ مَوْلاَهُ" والله أعلم.

ثم إن كان الحديث الذي روي عن أبي جعفر -  - صحيحاً؛ ففي الآية معنيان: أحدهما: فضيلة علي - كرم الله وجهه - وقد كان كثير الفضائل، مُسْتَكْمِلاً خصال الخير.

والآخر: أن العمل اليسير في الصلاة لا يفسدها، وقد روي في بعض الأخبار عن النبي  أنه خلع نعله في الصلاة، وأنه مس لحيته، وأنه أشار بيده، وغير ذلك من العمل اليسير فعله في صلاته؛ فيقاس كل عمل يسير على ما دل عليه الخبر على جواز الصلاة.

وفيه وجه آخر: وهو أن الصدقة التطوع تسمى زكاة؛ لأن صدقة علي -  - بالخاتم لم تكن صدقة مفروضة، بل كانت تطوعاً؛ فسماها الله زكاة وإن كانت تطوعاً؛ ألا ترى أنه قال في آية أخرى: ﴿ وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ ٱللَّهِ  ﴾ ، فسماها [الله] زكاة، وإن كانت تطوعاً؛ كما تسمى صلاة الفرض والتطوع: صلاة، وصوم التطوع والفرض: صياماً؛ فعلى ذلك هذا.

وظاهر الآية في جملة المؤمنين، [و] ليس علي -  - أولى بها من غيره، فإن كان فيه نزل، فهو ما ذكرنا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَن يَتَوَلَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْغَالِبُونَ ﴾ .

ظاهر هذا لو صرف إلى أبي بكر الصديق -  - كان أقرب؛ لأنه كان هو الغالب على أهل الردة من أول ما وقع بينهم إلى آخره، وعلي -  - إنما صار الأمر له في آخره حين حارب الخوارج، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً...

﴾ إلى آخره.

يحتمل النهي عن اتخاذ أولئك أولياء وجوهاً: يحتمل: النهي قبل أن يتخذوا؛ لئلا يتخذوا.

ويحتمل: النهي بعدما اتخذوا أولياء: لا في الدين، ولكن في بعض المكاسب.

ويحتمل: أن يكون النهي للمنافقين ألا يكونوا مع أولئك على المؤمنين، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم.

والحزب: هو العون والنصر في اللغة؛ قال الكسائي: تقول العرب: فلان حزبي، أي ناصري وعوني.

وقوله: ﴿ وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى ٱلصَّلاَةِ ٱتَّخَذُوهَا هُزُواً وَلَعِباً ﴾ .

يخبر نبيه  غاية سفههم بصنيعهم إذا نودي [إلى الصلاة]؛ لأنه ذكر في القصة: أنهم إذا سمعوا المنادي يقول: "أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله"، قالوا: حرق الكاذب، وقالوا: والله ما نعلم أهل دين من هذه الأديان أقل حظّاً في الدنيا والآخرة منهم، يعنون: محمداً  وأصحابه -  م - فدخل خادمهم ليلة من الليالي بنار وهو نائم، فسقطت شرارة؛ فحرقت البيت واحترق هو وأهله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ ﴾ .

نفي عنهم العقل؛ لما لم ينتفعوا بما عقلوا؛ وإلا كانوا يعقلون؛ وعلى ذلك يخرج قوله ﴿ وَقَالُواْ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِيۤ أَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ  ﴾ ، لما لم ينتفعوا بما سمعوا به وعقلوا، وكذلك قوله: ﴿ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ...

﴾ الآية [البقرة: 18]: إنا نعلم أنهم كانوا يبصرون ويسمعون؛ لكن نفي عنهم لما لم ينتفعوا بالبصر والسمع واللسان؛ كمن ليس له ذلك في الأصل، والله أعلم.

ويحتمل وجها آخر: وهو أن شدة بغضهم وحسدهم [لنبينا محمد]  تمنعهم عن فهم ما خوطبوا به، وتحول بينهم وبين معرفة ذلك - فكانوا كمن ليس لهم ذلك رأساً.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ليس اليهود ولا النصارى ولا غيرهم من الكفار، أولياءكم، بل إنَّ وليكم وناصركم الله ورسوله، والمؤمنون الذين يؤدون الصلاة كاملة، ويعطون زكاة أموالهم وهم خاضعون لله أذلاء.

<div class="verse-tafsir" id="91.R2wOJ"

مزيد من التفاسير لسورة المائدة

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله