الآية ٩٤ من سورة المائدة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 5 المائدة > الآية ٩٤ من سورة المائدة

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَيَبْلُوَنَّكُمُ ٱللَّهُ بِشَىْءٍۢ مِّنَ ٱلصَّيْدِ تَنَالُهُۥٓ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ ٱللَّهُ مَن يَخَافُهُۥ بِٱلْغَيْبِ ۚ فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَلَهُۥ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ ٩٤

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 129 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٩٤ من سورة المائدة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٩٤ من سورة المائدة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

قال الوالبي ، عن ابن عباس قوله : ( ليبلونكم الله بشيء من الصيد تناله أيديكم ورماحكم ) قال : هو الضعيف من الصيد وصغيره ، يبتلي الله به عباده في إحرامهم ، حتى لو شاءوا يتناولونه بأيديهم .

فنهاهم الله أن يقربوه .

وقال مجاهد : ( تناله أيديكم ) يعني : صغار الصيد وفراخه ) ورماحكم ) يعني : كباره .

وقال مقاتل بن حيان : أنزلت هذه الآية في عمرة الحديبية ، فكانت الوحش والطير والصيد تغشاهم في رحالهم ، لم يروا مثله قط فيما خلا فنهاهم الله عن قتله وهم محرمون .

( ليعلم الله من يخافه بالغيب ) يعني : أنه تعالى يبتليهم بالصيد يغشاهم في رحالهم ، يتمكنون من أخذه بالأيدي والرماح سرا وجهرا ليظهر طاعة من يطيع منهم في سره وجهره ، كما قال تعالى : ( إن الذين يخشون ربهم بالغيب لهم مغفرة وأجر كبير ) [ الملك : 12 ] .

وقوله هاهنا : ( فمن اعتدى بعد ذلك ) قال السدي وغيره : يعني بعد هذا الإعلام والإنذار والتقدم ( فله عذاب أليم ) أي : لمخالفته أمر الله وشرعه .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله=" ليبلونّكم الله بشيء من الصيد "، يقول: ليختبرنكم الله (42) =" بشيء من الصيد "، يعني: ببعض الصيد.

وإنما أخبرهم تعالى ذكره أنه يبلوهم بشيء، لأنه لم يبلُهم بصيد البحر، وإنما ابتلاهم بصيد البرّ، فالابتلاء ببعض لا بجميع.

(43) * * * وقوله: " تناله أيديكم "، فإنه يعني: إما باليد، كالبيض والفراخ= وإما بإصابة النَّبْل والرماح، وذلك كالحمر والبقر والظباء، فيمتحنكم به في حال إحرامكم بعمرتكم أو بحجّكم.

* * * وبنحو ذلك قالت جماعة من أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك: 12537 - حدثنا هناد قال، حدثنا ابن أبي زائدة قال، أخبرنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: " ليبلونكم الله بشيء من الصيد تناله أيديكم ورماحكم "، قال: " أيديكم "، صغارُ الصَّيد، أخذ الفراخ والبيض= و " الرماح " قال: كبارُ الصيد.

12538 - حدثنا هناد قال، حدثنا ابن أبي زائدة، عن داود، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.

12539- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: " تناله أيديكم ورماحكم "، قال: النَّبْل=" رماحكم "، تنال كبير الصيد، (44) =" وأيديكم "، تنال صغير الصيد، أخذ الفرخ والبيض.

12540 - حدثنا هناد قال، حدثنا وكيع= وحدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي=، عن سفيان، عن حميد الأعرج، عن مجاهد في قوله: " ليبلونكم الله بشيء من الصيد تناله أيديكم ورماحكم "، قال: ما لا يستطيع أن يفرَّ من الصيد.

12541 - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا يحيى بن سعيد.

وعبد الرحمن قالا حدثنا سفيان، عن حميد الأعرج، عن مجاهد، مثله.

12542 - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: " أيديكم ورماحكم "، قال: هو الضعيف من الصيد وصغيره، يبتلي الله تعالى ذكره به عباده في إحرامهم، حتى لو شاءوا نالوه بأيديهم.

فنهاهم الله أن يقرَبوه.

12543 - حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا سفيان الثوري، عن حميد الأعرج، وليث، عن مجاهد في قوله: " يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد تناله أيديكم ورماحكم "، قال: الفراخ والبيض، وما لا يستطيع أن يفّر.

* * * القول في تأويل قوله : لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (94) قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره: ليختبرنكم الله، أيها المؤمنون، ببعض الصيد في حال إحرامكم، كي يعلم أهلَ طاعة الله والإيمان به، والمنتهين إلى حدوده وأمره ونهيه، (45) ومن الذي يخاف الله فيتقي ما نهاه عنه، (46) ويجتنبه خوف عقابه=" بالغيب "، بمعنى: في الدنيا، بحيث لا يراه.

(47) .

* * * وقد بينا أن " الغيب "، إنما هو مصدر قول القائل: " غاب عنّى هذا الأمر &; 10-585 &; فهو يغيب غَيْبًا وغَيْبَةً"، وأنّ ما لم يُعَاين، فإن العرب تسميه " غَيْبًا ".

(48) * * * فتأويل الكلام إذًا: ليعلم أولياء الله من يخافُ الله فيتقي محارمَه التي حرمها عليه من الصيد وغيره، بحيث لا يراه ولا يُعاينه.

* * * وأما قوله: " فمن اعتدى بعد ذلك "، فإنه يعني: فمن تجاوز حدَّ الله الذي حدّه له، (49) بعد ابتلائه بتحريم الصيد عليه وهو حرام، فاستحلَّ ما حرَّم الله عليه منه بأخذِه وقتله=" فله عذابٌ، من الله " =" أليم "، يعني: مؤلم موجع.

(50) ---------------------- الهوامش : (42) انظر تفسير"بلا" فيما سلف: 389 ، تعليق: 1 ، والمراجع هناك.

(43) في المطبوعة: "فالابتلاء ببعض لم يمتنع" ، وهو كلام فارغ من كل معنى.

وفي المخطوطة: "فالابتلاء ببعض لا يخشع" ، أساء الناسخ ، الكتابة ، فأساء الناشر التصرف.

وصواب العبارة ما أثبت ، لأن أبا جعفر أراد أن يقول إن قوله تعالى: "بشيء من الصيد" ، هو صيد البر خاصة ، دون صيد البحر ، ولم يعم الصيد جميعه بالتحريم.

وهذا بين جدًا فيما سيأتي بعد في تفسير هذه الآيات.

فصح ما أثبته من قراءة المخطوطة السيئة الكتابة.

(44) في المطبوعة: "قال: النبل ، ورماحكم تنال..." بزيادة "واو" للعطف ، والصواب ما في المخطوطة ، بحذف"الواو".

(45) في المطبوعة: "والمنتهون إلى حدوده" ، وهو خطأ ، صوابه من المخطوطة.

(46) انظر تفسير"الخوف" فيما سلف من فهارس اللغة.

(47) يعني أبو جعفر ، بحيث لا يرى العقاب عيانًا في الدنيا ، كما يراه عيانًا في الآخرة.

(48) انظر تفسير"الغيب" فيما سلف 1 : 236 ، 237 / 6 : 405.

(49) انظر تفسير"اعتدى" فيما سلف من فهارس اللغة (عدا).

(50) انظر تفسير"أليم" فيما سلف من فهارس اللغة (ألم).

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد تناله أيديكم ورماحكم ليعلم الله من يخافه بالغيب فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم .فيه ثمان مسائل :الأولى : قوله تعالى : ليبلونكم الله أي : ليختبرنكم ، والابتلاء الاختبار ، وكان الصيد أحد معايش العرب العاربة ، وشائعا عند الجميع منهم ، مستعملا جدا ، فابتلاهم الله فيه مع الإحرام والحرم ، كما ابتلى بني إسرائيل في ألا يعتدوا في السبت ، وقيل : إنها نزلت عام الحديبية ; أحرم بعض الناس مع النبي صلى الله عليه وسلم ولم يحرم بعضهم ، فكان إذا عرض صيد اختلف فيه أحوالهم وأفعالهم ، واشتبهت أحكامه عليهم ، فأنزل الله هذه الآية بيانا لأحكام أحوالهم وأفعالهم ، ومحظورات حجهم وعمرتهم .الثانية : اختلف العلماء من المخاطب بهذه الآية على قولين : أحدهما : أنهم المحلون ; قاله مالك .

الثاني : أنهم المحرمون قاله ابن عباس ; وتعلق بقوله تعالى : ليبلونكم فإن [ ص: 227 ] تكليف الامتناع الذي يتحقق به الابتلاء هو مع الإحرام .

قال ابن العربي : وهذا لا يلزم ; فإن التكليف يتحقق في المحل بما شرط له من أمور الصيد ، وما شرع له من وصفه في كيفية الاصطياد ، والصحيح أن الخطاب في الآية لجميع الناس محلهم ومحرمهم ; لقوله تعالى : ليبلونكم الله أي : : ليكلفنكم ، والتكليف كله ابتلاء وإن تفاضل في الكثرة والقلة ، وتباين في الضعف والشدة .الثالثة : قوله تعالى : بشيء من الصيد يريد ببعض الصيد ، فمن للتبعيض ، وهو صيد البر خاصة ; ولم يعم الصيد كله لأن للبحر صيدا ، قاله الطبري وغيره ، وأراد بالصيد المصيد ; لقوله : تناله أيديكم .الرابعة : قوله تعالى : تناله أيديكم ورماحكم بيان لحكم صغار الصيد وكباره .وقرأ ابن وثاب والنخعي : " يناله " بالياء منقوطة من تحت .

قال مجاهد : الأيدي تنال الفراخ والبيض وما لا يستطيع أن يفر ، والرماح تنال كبار الصيد ، وقال ابن وهب قال مالك قال الله تعالى : يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد تناله أيديكم ورماحكم وكل شيء يناله الإنسان بيده أو برمحه أو بشيء من سلاحه فقتله فهو صيد كما قال الله تعالى .الخامسة : خص الله تعالى الأيدي بالذكر لأنها عظم التصرف في الاصطياد ; وفيها تدخل الجوارح والحبالات ، وما عمل باليد من فخاخ وشباك ; وخص الرماح بالذكر لأنها عظم ما يجرح به الصيد ، وفيها يدخل السهم ونحوه ; وقد مضى القول فيما يصاد به من الجوارح والسهام في أول السورة بما فيه الكفاية والحمد لله .السادسة : ما وقع في الفخ والحبالة فلربها ، فإن ألجأ الصيد إليها أحد ولولاها لم يتهيأ له أخذه فربها فيه شريكه ، وما وقع في الجبح المنصوب في الجبل من ذباب النحل فهو كالحبالة والفخ ، وحمام الأبرجة ترد على أربابها إن استطيع ذلك ، وكذلك نحل الجباح ; وقد روي عن مالك ، وقال بعض أصحابه : إنه ليس على من حصل الحمام أو النحل عنده أن يرده ، ولو ألجأت الكلاب صيدا فدخل في بيت أحد أو داره فهو للصائد مرسل الكلاب دون صاحب البيت ، ولو دخل في البيت من غير اضطرار الكلاب له فهو لرب البيت .[ ص: 228 ] السابعة : احتج بعض الناس على أن الصيد للآخذ لا للمثير بهذه الآية ; لأن المثير لم تنل يده ولا رمحه بعد شيئا ، وهو قول أبي حنيفة .الثامنة : كره مالك صيد أهل الكتاب ولم يحرمه ، لقوله تعالى : تناله أيديكم ورماحكم يعني أهل الإيمان ، لقوله تعالى في صدر الآية : يا أيها الذين آمنوا فخرج عنهم أهل الكتاب ، وخالفه جمهور أهل العلم ، لقوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا وهو عندهم مثل ذبائحهم ، وأجاب علماؤنا بأن الآية إنما تضمنت أكل طعامهم ، والصيد باب آخر فلا يدخل في عموم الطعام ، ولا يتناوله مطلق لفظه .قلت : هذا بناء على أن الصيد ليس مشروعا عندهم فلا يكون من طعامهم ، فيسقط عنا هذا الإلزام ; فأما إن كان مشروعا عندهم في دينهم فيلزمنا أكله لتناول اللفظ له ، فإنه من طعامهم ، والله أعلم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

هذا من منن الله على عباده، أن أخبرهم بما سيفعل قضاء وقدرا، ليطيعوه ويقدموا على بصيرة، ويهلك من هلك عن بينة، ويحيا من حي عن بينة، فقال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا } لابد أن يختبر الله إيمانكم.

{ لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ } أي: بشيء غير كثير، فتكون محنة يسيرة، تخفيفا منه تعالى ولطفا، وذلك الصيد الذي يبتليكم الله به { تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ } أي: تتمكنون من صيده، ليتم بذلك الابتلاء، لا غير مقدور عليه بيد ولا رمح، فلا يبقى للابتلاء فائدة.

ثم ذكر الحكمة في ذلك الابتلاء، فقال: { لِيَعْلَمَ اللَّهُ } علما ظاهرا للخلق يترتب عليه الثواب والعقاب { مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ } فيكف عما نهى الله عنه مع قدرته عليه وتمكنه، فيثيبه الثواب الجزيل، ممن لا يخافه بالغيب، فلا يرتدع عن معصية تعرض له فيصطاد ما تمكن منه { فَمَنِ اعْتَدَى } منكم { بَعْدِ ذَلِكَ } البيان، الذي قطع الحجج، وأوضح السبيل.

{ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ } أي: مؤلم موجع، لا يقدر على وصفه إلا الله، لأنه لا عذر لذلك المعتدي، والاعتبار بمن يخافه بالغيب، وعدم حضور الناس عنده.

وأما إظهار مخافة الله عند الناس، فقد يكون ذلك لأجل مخافة الناس، فلا يثاب على ذلك.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله عز وجل : ( ياأيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد ) الآية ، نزلت عام الحديبية وكانوا محرمين ابتلاهم الله بالصيد ، وكانت الوحوش تغشى رحالهم من كثرتها فهموا بأخذها فنزلت : ( ياأيها الذين آمنوا ليبلونكم الله ) ليختبرنكم الله ، وفائدة البلوى إظهار المطيع من العاصي ، وإلا فلا حاجة له إلى البلوى بشيء من الصيد ، وإنما بعض ، فقال ) ( بشيء ) لأنه ابتلاهم بصيد البر خاصة .

) ( تناله أيديكم ) يعني : الفرخ والبيض وما لا يقدر أن يفر من صغار الصيد ، ) ( ورماحكم ) يعني : الكبار من الصيد ، ( ليعلم الله ) ليرى الله ، لأنه قد علمه ، ( من يخافه بالغيب ) أي : يخاف الله ولم يره ، كقوله تعالى : " الذين يخشون ربهم بالغيب " ( الأنبياء ، 49 ) أي : يخافه فلا يصطاد في حال الإحرام ( فمن اعتدى بعد ذلك ) أي : صاد بعد تحريمه ، ( فله عذاب أليم ) روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : [ يوجع ] ظهره وبطنه جلدا ، ويسلب ثيابه .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«يا أيها الذين آمنوا لَيبلونَّكم» ليختبرنكم «الله بشيء» يرسله لكم «من الصيد تناله» أي الصغار منه «أيديكم ورماحكم» الكبار منه، وكان ذلك بالحديبية وهم مُحرمون فكانت الوحش والطير تغشاهم في حالهم «ليعلم الله» علم ظهور «من يخافه بالغيب» حال أي غائبا لم يره فيجتنب الصيد «فمن اعتدى بعد ذلك» النهي عنه فاصطاده «فله عذاب أليم».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه، ليبلونكم الله بشيء من الصيد يقترب منكم على غير المعتاد حيث تستطيعون أَخْذَ صغاره بغير سلاح وأخذ كباره بالسلاح؛ ليعلم الله علمًا ظاهرًا للخلق الذين يخافون ربهم بالغيب، ليقينهم بكمال علمه بهم، وذلك بإمساكهم عن الصيد، وهم محرمون.

فمن تجاوز حَدَّه بعد هذا البيان فأقدم على الصيد -وهو مُحْرِم- فإنه يستحق العذاب الشديد.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وبعد أن حذر الله - تعالى - المؤمنين من تعاطي المنكرات كالخمر والميسر وبين لهم حكم من الآيات قبل تحريم هذه الأشياء بعد كل ذلك بين - سبحانه - بشيء من التفصيل بعض الأحكام التي تتعلق بالصيد فقال - تعالى -( ياأيها الذين آمَنُواْ .

.

.

)قال الآلوسي : هذه الآية - كما خرج ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان - نزلت في عمرة الحديبية ، حيث ابتلاهم الله - تعالى - بالصيد وهم محرمون ، فكانت الوحوش تغشاهم في رحالهم ، وكانوا متمكنين من صيدها أخذاً بأيديهم وطعنا برماحهم فهموا بأخذها فنزلت .وقوله : ( لَيَبْلُوَنَّكُمُ ) أي : ليخبرنكم وليمتحننكم من الابتلاء بمعنى الاختبار والامتحان ولفظ الصيد في قوله : ( مِّنَ الصيد ) مصدر بمعنى المصيد أي : ما يصطادونه .والمعنى : يا أيها الذين آمنوا ليختبرن الله - سبحانه - إيمانكم ومبلغ قوته بأن يرسل إليكم وأنتم محرمون شيئا من الصيد الذي تحبونه ، بحيث يكون في متناول أيديكم ورماحكم .وقوله : ( لَيَبْلُوَنَّكُمُ الله ) جواب قسم محذوف والتقدير : والله ليعاملنكم سبحانه معاملة المختبر ليتبين المطيع من العاصي .وأكد سبحانه - هذا الخبر بلام القسم ونون التوكيد للإِشارة إلى أهمية هذا الاختبار حتى يسارعوا إلى طاعته - سبحانه - وامتثال أمره .والتنوين في قوله ( بشيء ) للتقليل والتحقير .

وإنما امتحنوا بهذا الشيء الصغير ، تنبيها إلى أن من لم يثبت ويعصم نفسه عن ارتكاب هذه الأشياء الصغيرة فإنه لن يثبت أمام التكاليف الكبيرة .ويمكن أن يقال ، إن التنوين هنا للتعظيم باعتبار الجزاء الأليم المترتب على الاعتداء على الصيد في حال الإِحرام .قال صاحب الكشاف : فإن قلت ما معنى التقليل والتصغير في قوله : بشيء من الصيد؟قلت : قلل وصغر ليعلم أنه ليس بفتنة من الفتن العظام التي تدحض عندها أقدام الثابتين - كالابتلاء ببذل الأرواح والأموال - وإنما هو شبيه بما ابتلى به أهل أيله من صيد السمك ، وأنهم إذا لم يثبتوا عنده فكيف شأنهم عند ما هو أشد منه .وقوله : ( بِشَيْءٍ مِّنَ الصيد تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ ) هو موضع الاختبار ( من ) في قوله ( مِّنَ الصيد ) لبيان الجنس .

أو التبعيض ، لأن المراد صيد البر دون البحر ، وصيد الإحرام دون صيد الإِحلال .ومعنى ( تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ ) تستطيع أيدكم أن تأخذ هذا الصيد بسهولة ويسر إذا كان كبيراً أو بعيداً بعدا نسبيا منكم .وخص الأيدي والرماح بالذكر ، لأن معظم التصرفات التي تتعلق بالصيد تكون بالأيدي ، ولأن معظم الآلات التي تستعمل تكون الرماح .وقوله : ( لِيَعْلَمَ الله مَن يَخَافُهُ بالغيب ) تعليل قصد به بيان الحكمة من وراء الابتلاء والاختبار .والمراد بالعلم في قوله : ( لِيَعْلَمَ الله .

.

.

) إظهار ما علمه أزلا من أهل طاعته ومعصيته ، حتى يتميز الخبيث من الطيب .والمعنى : اختبرناكم أيها المؤمنون بنوع من البلايا - وهو تحريم صيد البر صغاراً وكباراً - وأنتم محرمون أو في الحرم ، ليظهر ما علمه أزلا - سبحانه - من أهل طاعته ومعصيته ، وبذلك يتميز للناس الخبيث من الطيب ، ويعرف الشخص الذي يخاف الله ويراقبه - مع أنه لم ير الله - سبحانه - من الشخص الذي لا يخافه بالغيب .قال الجمل : وقوله ( بالغيب ) حال من فاعل يخافه ، أي : يخاف الله حاله كونه غائبا عن الله ومعنى كون العبد غائبا عن الله ، أنه لم ير الله تعالى .أو حال من المفعول : أي : يخاف الله حال كونه - تعالى - ملتبسا بالغيب عن العبد ، أي غير مرئى له .وقوله : ( فَمَنِ اعتدى بَعْدَ ذلك فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) بيان لسوء عاقبة المخالف لأوامر الله والمتجاوز لحدوده .واسم الإشارة ( ذلك ) يعود ما بينه - سبحانه - لعباده من أحكام .والمعنى : لقد اختبرناكم - أيها المؤمنون - بما اختبرناكم به ، ليتميز قوى الإِيمان من ضعيفه ، فمن تعدى منكم حدود الله بعد هذا البيان والإِعلام ، فله عذاب شديد الآلام عظيم الإِهانة ، لأن التعدي بعد الإِنذار ، دليل على عدم المبالاة بأوامر الله ومن لم يبال بأوامر الله ساءت عاقبته .وقبح مصيره .

هذا ، ولقد نجحت الأمة الإِسلامية وخصوصا سلفها الصالح في هذا الاختبار فقد تجنب أبناءها وهم محرومون أول في الحرم مصيد البر مما أغراهم قربه منهم ، وحبهم له على صيده والانتفاع به .بينما أخفق بنو إسرائيل فيما يشبه هذا الاختبار؛ فقد نهاهم الله - تعالى - عن الصيد في يوم السبت ، فكانت الأسماك تظهر لهم في هذا اليوم امتحانا من الله لهم ، فما كان منهم إلا أن تحايلوا على صيدها ، بأن حبسوها في يوم السبت ليصيدوها في غيره .

.

فاستحقوا من الله اللعنة والمسخ واستحقت الأمة الإِسلامية أن تكون خير أمة أخرجت للناس .ثم نهى - سبحانه - المؤمنين نهيا صريحا عن قتل الصيد وهم حرم وبين ما يجب على القاتل وكرر تحذيره وتهديده لمن يتعدى حدوده فقال - تعالى :( ياأيها الذين آمَنُواْ .

.

.

)

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

قوله تعالى: ﴿ يا أيها الذين ءامَنُواْ لَيَبْلُوَنَّكُمُ الله بِشَئ مّنَ الصيد تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ ورماحكم ﴾ اعلم أن هذا نوع آخر من الأحكام، ووجه النظم أنه تعالى كما قال: ﴿ لاَ تُحَرّمُواْ طيبات مَا أَحَلَّ الله لَكُمْ  ﴾ ثم استثنى الخمر والميسر عن ذلك، فكذلك استثنى هذا النوع من الصيد عن المحللات، وبين دخوله في المحرمات.

وهاهنا مسائل: المسألة الأولى: اللام في قوله: ﴿ لَيَبْلُوَنَّكُمُ الله ﴾ لام القسم، لأن اللام والنون قد يكونان جواباً للقسم، وإذا ترك القسم جيء بهما دليلاً على القسم.

المسألة الثانية: الواو في قوله: ﴿ لَيَبْلُوَنَّكُمُ ﴾ مفتوحة لالتقاء الساكنين.

المسألة الثالثة: ليبلونكم أي ليختبرن طاعتكم من معصيتكم أي ليعاملنكم معاملة المختبر.

المسألة الرابعة: قال مقاتل بن حيّان: ابتلاهم الله بالصيد وهم محرمون عام الحديبية حتى كانت الوحش والطير تغشاهم في رحالهم، فيقدرون على أخذها بالأيدي، وصيدها بالرماح، وما رأوا مثل ذلك قط، فنهاهم الله عنها ابتلاءً.

قال الواحدي: الذي تناله الأيدي من الصيد، الفراخ والبيض وصغار الوحش، والذي تناله الرماح الكبار، وقال بعضهم: هذا غير جائز، لأن الصيد اسم للمتوحش الممتنع دون ما لم يمتنع.

المسألة الخامسة: معنى التقليل والتصغير في قوله: ﴿ بِشَئ مّنَ الصيد ﴾ أن يعلم أنه ليس بفتنة من الفتن العظام التي يكون التكليف فيها صعباً شاقاً، كالابتلاء ببذل الأرواح والأموال، وإنما هو ابتلاء سهل، فإن الله تعالى امتحن أمة محمد صلى الله عليه وسلم بصيد البركما امتحن بني إسرائيل بصيد البحر، وهو صيد السمك.

المسألة السادسة: من في قوله: ﴿ مّنَ الصيد ﴾ للتبعيض من وجهين: أحدهما: المراد صيد البر دون البحر.

والثاني: صيد الإحرام دون صيد الإحلال، وقال الزجاج: يحتمل أن تكون للتبيين كقوله: ﴿ فاجتنبوا الرجس مِنَ الاوثان  ﴾ .

المسألة السابعة: أراد بالصيد المفعول، بدليل قوله تعالى: ﴿ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ ورماحكم ﴾ والصيد إذا كان بمعنى المصدر يكون حدثاً، وإنما يوصف بنيل اليد والرماح ما كان عينا.

ثم قال تعالى: ﴿ لِيَعْلَمَ الله مَن يَخَافُهُ بالغيب ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: أن هذا مجاز لأنه تعالى عالم لم يزل ولا يزال واختلفوا في معناه فقيل نعاملكم معاملة من يطلب أن يعلم وقيل ليظهر المعلوم وهو خوف الخائف وقيل هذا على حذف المضاف والتقدير: ليعلم أولياء الله من يخافه بالغيب.

المسألة الثانية: قوله: ﴿ بالغيب ﴾ فيه وجهان: الأول: من يخافه حال إيمانه بالغيب كما ذكر ذلك في أول كتابه وهو قوله: ﴿ يُؤْمِنُونَ بالغيب  ﴾ الثاني: من يخاف بالغيب أي يخافه بإخلاص وتحقيق ولا يختلف الحال بسبب حضور أحد أو غيبته كما في حق المنافقين الذين إذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم.

المسألة الثالثة: الباء في قوله: ﴿ بالغيب ﴾ في محل النصب بالحال والمعنى من يخافه حال كونه غائباً عن رؤيته ومثل هذا قوله: ﴿ مَّنْ خَشِىَ الرحمن بالغيب  ﴾ ﴿ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بالغيب  ﴾ وأما معنى الغيب فقد ذكرناه في قوله: ﴿ الذين يُؤْمِنُونَ بالغيب  ﴾ .

ثم قال تعالى: ﴿ فَمَنِ اعتدى بَعْدَ ذلك فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ والمراد عذاب الآخرة والتعزيز في الدنيا قال ابن عباس: هذا العذاب هو أن يضرب بطنه وظهره ضرباً وجيعاً وينزع ثيابه.

قال القفال: وهذا جائز لأن اسم العذاب قد يقع على الضرب كما سمى جلد الزانيين عذاباً فقال: ﴿ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ  ﴾ وقال: ﴿ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى المحصنات مِنَ العذاب  ﴾ وقال حاكياً عن سليمان في الهدهد: ﴿ لاعَذّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

نزلت عام الحديبية ابتلاهم الله بالصيد وهم محرمون، وكثر عندهم حتى كان يغشاهم في رحالهم فيستمكنون من صيده، أخذاً بأيديهم وطعناً برماحهم ﴿ لِيَعْلَمَ الله مَن يَخَافُهُ بالغيب ﴾ ليتميز من يخاف عقاب الله وهو غائب منتظر في الآخرة فيتقي الصيد، ممن لا يخافه فيقدم عليه ﴿ فَمَنِ اعتدى ﴾ فصاد ﴿ بَعْدَ ذَلِكَ ﴾ الابتلاء فالوعيد لاحق به.

فإن قلت: ما معنى التقليل والتصغير في قوله: ﴿ بِشَيْء مّنَ الصيد ﴾ ؟

قلت: قلل وصغر ليعلم أنه ليس بفتنة من الفتن العظام التي تدحض عندها أقدام الثابتين، كالابتلاء ببذل الأرواح والأموال، وإنما هو شبيه بما ابتلى به أهل أيلة من صيد السمك، وأنهم إذا لم يثبتوا عنده فكيف شأنهم عند ما هو أشدّ منه.

وقرأ إبراهيم: يناله، بالياء.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنالُهُ أيْدِيكم ورِماحُكُمْ ﴾ نَزَلَتْ في عامِ الحُدَيْبِيَةِ ابْتَلاهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بِالصَّيْدِ، وكانَتِ الوُحُوشُ تَغْشاهم في رِحالِهِمْ بِحَيْثُ يَتَمَكَّنُونَ مِن صَيْدِها أخْذًا بِأيْدِيهِمْ وطَعْنًا بِرِماحِهِمْ وهم مُحَرَّمُونَ، والتَّقْلِيلُ والتَّحْقِيرُ في بِشَيْءٍ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ لَيْسَ مِنَ العَظائِمِ الَّتِي تَدْحَضُ الإقْدامَ كالِابْتِلاءِ بِبَذْلِ الأنْفُسِ والأمْوالِ، فَمَن لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَهُ كَيْفَ يَثْبُتُ عِنْدَ ما هو أشَدُّ مِنهُ.

﴿ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَخافُهُ بِالغَيْبِ ﴾ لِيَتَمَيَّزَ الخائِفُ مِن عِقابِهِ وهو غائِبٌ مُنْتَظِرٌ لِقُوَّةِ إيمانِهِ مِمَّنْ لا يَخافُهُ لِضَعْفِ قَلْبِهِ وقِلَّةِ إيمانِهِ، فَذَكَرَ العِلْمَ وأرادَ وُقُوعَ المَعْلُومِ وظُهُورَهُ أوْ تَعَلُّقَ العِلْمِ.

﴿ فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذَلِكَ ﴾ بَعْدَ ذَلِكَ الِابْتِلاءِ بِالصَّيْدِ.

﴿ فَلَهُ عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ فالوَعِيدُ لاحِقٌ بِهِ، فَإنَّ مَن لا يَمْلِكُ جَأْشَهُ في مِثْلِ ذَلِكَ ولا يُراعِي حُكْمَ اللَّهِ فِيهِ فَكَيْفَ بِهِ فِيما تَكُونُ النَّفْسُ أمِيلَ إلَيْهِ وأحْرَصَ عَلَيْهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

ولما ابتلاهم الله بالصيد عام الحديبية وهم محرمون وكثر عندهم حتى كان يغشاهم في رحالهم فيستمكنون من صيده أخذاً بأيديهم وطعناً برماحهم نزل {يا أيها الذين آمنوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ الله بِشَيْءٍ مّنَ الصيد تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ ورماحكم} ومعنى يبلوا بختبر وهو من الله لإظهار ما علم من العبد على ما علم لا لعلم مالم يعلم ومن للتبعيض إذ لا يحرم كل صيد أو لبيان الجنس {لِيَعْلَمَ الله مَن يَخَافُهُ بالغيب} ليعلم الله خوف الخائف منه بالامتناع عن

الاصطياد موجوداً كما كان يعلم قبل وجوده أنه يوجد ليثيبه على عمله لا على علمه به {فَمَنِ اعتدى} فصاد {بَعْدَ ذَلِكَ} الابتلاء {فَلَهُ عذاب أليم} قلل فى قوله بشئ من الصيد ليعلم

المائدة (٩٥)

أنه ليس من الفتن العظام وتناله صفة لشئ

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ ﴾ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ أيْ واللَّهِ لِيُعامِلَنَّكم مُعامَلَةَ مَن يَخْتَبِرُكم لِيَتَعَرَّفَ حالَكم ﴿ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ ﴾ أيْ مَصِيدِ البَرِّ كَما قالَ الكَلْبِيُّ: مَأْكُولًا كانَ أوْ غَيْرَ مَأْكُولٍ ما عَدا المُسْتَثْنَياتِ كَما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى فاللّامُ لِلْعَهْدِ.

والآيَةُ كَما أخْرَجابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُقاتِلٍ نَزَلَتْ في عُمْرَةِ الحُدَيْبِيَةِ حَيْثُ ابْتَلاهُمُ اللَّهُ تَعالى بِالصَّيْدِ وهم مُحْرِمُونَ فَكانَتِ الوُحُوشُ تَغْشاهم في رِحالِهِمْ وكانُوا مُتَمَكِّنِينَ مِن صَيْدِها أخْذًا بِأيْدِيهِمْ وطَعْنًا بِرِماحِهِمْ وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَنالُهُ أيْدِيكم ورِماحُكُمْ ﴾ فَهَمُّوا بِأخْذِها فَنَزَلَتْ.

وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وهو المَرْوِيُّ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّ الَّذِي تَنالُهُ الأيْدِي فِراخُ الطَّيْرِ وصِغارُ الوَحْشِ والبَيْضُ والَّذِي تَنالُهُ الرِّماحُ الكِبارُ مِنَ الصَّيْدِ.

واخْتارَ الجَبائِيُّ أنَّ المُرادَ بِما تَنالُهُ الأيْدِي والرِّماحُ صَيْدُ الحَرَمِ مُطْلَقًا لِأنَّهُ كَيْفَما كانَ يَأْنَسُ بِالنّاسِ ولا يَنْفِرُ مِنهم كَما يَنْفِرُ في الحِلِّ، وقِيلَ: ما تَنالُهُ الأيْدِي ما يَتَأتّى ذَبْحُهُ وما تَنالُهُ الرِّماحُ ما لا يَتَأتّى ذَبْحُهُ، وقِيلَ: المُرادُ بِذَلِكَ ما قَرُبَ وما بَعُدَ، وذَكَرَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنَّ الظّاهِرَ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى خَصَّ الأيْدِي بِالذِّكْرِ لِأنَّها أعْظَمُ تَصَرُّفًا في الِاصْطِيادِ وفِيها يَدْخُلُ الجَوارِحُ والحِبالاتُ وما عُمِلَ بِالأيْدِي مِن فِخاخٍ وأشْباكٍ.

وخَصَّ الرِّماحَ بِالذِّكْرِ لِأنَّها أعْظَمُ ما يُجْرَحُ بِهِ الصَّيْدُ ويَدْخُلُ فِيها السَّهْمُ ونَحْوُهُ.

وتَنْكِيرُ شَيْءٍ كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ لِلتَّحْقِيرِ المُؤْذِنِ بِأنَّ ذَلِكَ مِنَ الفِتَنِ الهائِلَةِ الَّتِي تَزِلُّ فِيها أقْدامُ الرّاسِخِينَ كالِابْتِلاءِ بِقَتْلِ الأنْفُسِ وإتْلافِ الأمْوالِ وإنَّما هو مِن قَبِيلِ ما ابْتُلِيَ بِهِ أهْلُ أيْلَةَ مِن صَيْدِ البَحْرِ وفائِدَتُهُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ مَن لَمْ يَثْبُتْ في مِثْلِ هَذا كَيْفَ يَثْبُتُ عِنْدَ شَدائِدِ المِحَنِ فَمِن بَيانِيَّةٍ أيْ بِشَيْءٍ حَقِيرٍ هو الصَّيْدُ واعْتَرَضَهُ ابْنُ المُنِيرِ بِأنَّهُ قَدْ ورَدَتْ في هَذِهِ الصِّيغَةِ بِعَيْنِها في الفِتَنِ العَظِيمَةِ كَما هو في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولَنَبْلُوَنَّكم بِشَيْءٍ مِنَ الخَوْفِ والجُوعِ ونَقْصٍ مِنَ الأمْوالِ والأنْفُسِ والثَّمَراتِ وبَشِّرِ الصّابِرِينَ ﴾ فالظّاهِرُ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ أنَّ (مِن) لِلتَّبْعِيضِ والمُرادُ بِما يُشْعِرُ بِهِ اللَّفْظُ مِنَ التَّقْلِيلِ والتَّبْعِيضِ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ جَمِيعَ ما يَقَعُ الِابْتِلاءُ بِهِ مِن هَذِهِ البَلايا بَعْضٌ مِن كُلٍّ بِالنِّسْبَةِ إلى مَقْدُورِ اللَّهِ تَعالى، وأنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى أنْ يَجْعَلَ ما يَبْتَلِيهِمْ بِهِ مِن ذَلِكَ أعْظَمَ مِمّا يَقَعُ وأهْوَلَ وأنَّهُ مَهْما انْدَفَعَ عَنْهم ما هو أعْظُمُ في المَقْدُورِ فَإنَّما يَدْفَعُهُ عَنْهم إلى ما هو أخَفُّ وأسْهَلُ لُطْفًا بِهِمْ ورَحْمَةً لِيَكُونَ هَذا التَّنْبِيهُ باعِثًا لَهم عَلى الصَّبْرِ وحامِلًا عَلى الِاحْتِمالِ، والَّذِي يُرْشِدُ إلى هَذا سَبْقُ الأخْبارِ بِذَلِكَ قَبْلَ حُلُولِهِ لِتَوْطِينِ النُّفُوسِ عَلَيْهِ فَإنَّ المُفاجَأةَ بِالشَّدائِدِ شَدِيدَةُ الألَمِ، والإنْذارَ بِها قَبْلَ وُقُوعِها مِمّا يُسَهِّلُ مَوْقِعَها وإذا فَكَّرَ العاقِلُ فِيما يُبْتَلى بِهِ مِن أنْواعِ البَلايا وجَدَ المُنْدَفِعَ مِنها عَنْهُ أكْثَرَ مِمّا وقَعَ فِيهِ بِأضْعافٍ لا تَقِفُ عِنْدَهُ غايَةٌ فَسُبْحانَ اللَّطِيفِ بِعِبادِهِ انْتَهى.

وتَعَقَّبَهُ مَوْلانا شِهابُ الدِّينِ بِأنَّ ما ذُكِرَ بِعَيْنِهِ أشارَ إلَيْهِ الشَّيْخُ في دَلائِلِ الإعْجازِ لِأنَّ (شَيْئًا) إنَّما يُذْكَرُ لِقَصْدِ التَّعْمِيمِ نَحْوَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وإنْ مِن شَيْءٍ إلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ﴾ أوِ الإبْهامُ وعَدَمُ التَّعْيِينِ أوِ التَّحْقِيرُ لِادِّعاءِ أنَّهُ لِحَقارَتِهِ لا يُعْرَفُ.

وهُنا لَوْ قِيلَ: لَيَبْلُوَنَّكم بِصَيْدٍ تَمَّ المَعْنى فَإقْحامُها لابُدَّ لَهُ مِن نُكْتَةٍ وهي ما ذُكِرَ، وأمّا ما أوْرَدَهُ مِنَ الآيَةِ الأُخْرى فَشاهِدٌ لَهُ لا عَلَيْهِ لِأنَّ المَقْصُودَ فِيهِ أيْضًا التَّحْقِيرُ بِالنِّسْبَةِ إلى ما دَفَعَهُ اللَّهُ تَعالى عَنْهم كَما صَرَّحَ بِهِ المُعْتَرِضُ نَفْسُهُ مَعَ أنَّهُ لا يَتِمُّ الِاعْتِراضُ بِهِ إلّا إذا كانَ، (ونَقْصٌ) مَعْطُوفًا عَلى مَجْرُورِ (مِن) ولَوْ عُطِفَ عَلى (شَيْءٍ) لَكانَ مِثْلَ هَذِهِ الآيَةِ بِلا فَرْقٍ انْتَهى وقالَ عِصامُ المِلَّةِ: يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: التَّعْبِيرُ بِالشَّيْءِ لِلْإبْهامِ المُكَنّى بِهِ عَنِ العِظَةِ، والتَّنْوِينُ لِلتَّعْظِيمِ أيْ بِشَيْءٍ عَظِيمٍ في مَقامِ المُؤاخَذَةِ بِهَتْكِهِ إذا آخَذَ اللَّهُ تَعالى المُبْتَلى بِهِ في الأُمَمِ السّابِقَةِ بِالمَسْخِ والجَعْلِ قِرَدَةً وخَنازِيرَ ثُمَّ اسْتَظْهَرَ أنَّ التَّعْبِيرَ بِذَلِكَ لِإفادَةِ البَعْضِيَّةِ، ومِمّا قَدَّمْنا يُعْلَمُ ما فِيهِ.

وقَرَأ إبْراهِيمُ (يَنالُهُ أيْدِيكُمْ) بِالياءِ ﴿ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَخافُهُ بِالغَيْبِ ﴾ أيْ لِيَتَعَلَّقَ عِلْمُهُ سُبْحانَهُ بِمَن يَخافُهُ بِالفِعْلِ فَلا يَتَعَرَّضُ لِلصَّيْدِ فَإنَّ عِلْمَهُ تَعالى بِأنَّهُ سَيَخافُهُ وإنْ كانَ مُتَعَلِّقًا بِهِ لَكِنَّ تَعَلُّقَهُ بَأنَّهُ خائِفٌ بِالفِعْلِ، وهو الَّذِي يَدُورُ عَلَيْهِ أمْرُ الجَزاءِ إنَّما يَكُونُ عِنْدَ تَحَقُّقِ الخَوْفِ بِالفِعْلِ، وإلى هَذا يُشِيرُ كَلامُ البَلْخِيِّ.

والغَيْبُ مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ اسْمِ الفاعِلِ أيْ يَخافُهُ في المَوْضِعِ الغائِبِ عَنِ الخَلْقِ فالجارُ مُتَعَلِّقٌ بِما قَبْلَهُ وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ مِن (مَن) أوْ مِن ضَمِيرِ الفاعِلِ في يَخافُهُ أيْ يَخافُهُ غائِبًا عَنِ الخَلْقِ وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: العِلْمُ مَجازٌ عَنْ وُقُوعِ المَعْلُومِ وظُهُورِهِ.

ومُحَصَّلُ المَعْنى لِيَتَمَيَّزَ الخائِفُ مِن عِقابِهِ الأُخْرَوِيِّ وهو غائِبٌ مُتَرَقِّبٌ لِقُوَّةِ إيمانِهِ فَلا يَتَعَرَّضُ لِلصَّيْدِ مَن لا يَخافُهُ كَذَلِكَ لِضَعْفِ إيمانِهِ فَيُقْدِمُ عَلَيْهِ، وقِيلَ: إنَّ هُناكَ مُضافًا مَحْذُوفًا والتَّقْدِيرُ لِيَعْلَمَ أوْلِياءُ اللَّهِ تَعالى و(مَن) عَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ مَوْصُولَةٌ، واحْتِمالُ كَوْنِها اسْتِفْهامِيَّةً أيْ لِيُعْلَمَ جَوابُ (مَن يَخافُهُ) أيْ هَذا الِاسْتِفْهامُ بَعِيدٌ.

وقُرِئَ (لِيُعْلِمَ) مِنَ الإعْلامِ عَلى حَذْفِ المَفْعُولِ الأوَّلِ أيْ لِيُعْلِمَ اللَّهُ عِبادَهُ إلَخْ وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ في مَوْقِعِ الإضْمارِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ وإدْخالِ الرَّوْعَةِ ﴿ فَمَنِ اعْتَدى ﴾ أيْ تَجاوَزَ حَدَّ اللَّهِ تَعالى وتَعَرَّضَ لِلصَّيْدِ ﴿ بَعْدَ ذَلِكَ ﴾ الإعْلامِ وبَيانِ أنَّ ما وقَعَ ابْتِلاءٌ مِن جِهَتِهِ سُبْحانَهُ لِما ذُكِرَ مِنَ الحِكْمَةِ.

وقِيلَ: بَعْدَ التَّحْرِيمِ والنَّهْيِ، ورَدَ بِأنَّ النَّهْيَ والتَّحْرِيمَ لَيْسَ أمْرًا حادِثًا تَرَتَّبَ عَلَيْهِ الشَّرْطِيَّةُ بِالفاءِ، وقِيلَ: بَعْدَ الِابْتِلاءِ ورَدَ بِأنَّ الِابْتِلاءَ نَفْسُهُ يَصْلُحُ مَدارَ التَّشْدِيدِ والعَذابِ بَلْ رُبَّما يُتَوَهَّمُ كَوْنُهُ عُذْرًا مُسَوِّغًا لِتَحْقِيقِهِ وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ الِابْتِلاءَ بِقُدْرَةِ المُحْرِمِ عَلى المَصِيدِ فِيما يُسْتَقْبَلُ، وقالَ: لَيْسَ المُرادُ بِهِ غَشِيانُ الصُّيُودِ إيّاهم فَإنَّهُ قَدْ مَضى، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ إرادَةَ ذَلِكَ المَعْنى لَيْسَتْ في حَيِّزِ القَبُولِ والمُعَوَّلُ عَلَيْهِ ما أشَرْنا إلَيْهِ أيْ فَمَن تَعَرَّضَ لِلصَّيْدِ بَعْدَ ما بَيَّنّا أنَّ ما وقَعَ مِن كَثْرَةِ الصَّيْدِ وعَدَمِ تَوَحُّشِهِ مِنهُمُ ابْتِلاءٌ مُؤَدٍّ إلى تَعَلُّقِ العِلْمِ بِالخائِفِ بِالفِعْلِ أوْ تَمَيُّزِ المُطِيعِ مِنَ العاصِي ﴿ فَلَهُ عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ 49 - لِأنَّ التَّعَرُّضَ والِاعْتِداءَ حِينَئِذٍ مُكابَرَةٌ مَحْضَةٌ وعَدَمُ مُبالاةٍ بِتَدْبِيرِ اللَّهِ تَعالى وخُرُوجٌ عَنْ طاعَتِهِ وانْخِلاعٌ عَنْ خَوْفِهِ وخَشْيَتِهِ بِالكُلِّيَّةِ ومَن لا يَمْلِكُ زِمامَ نَفْسِهِ ولا يُراعِي حُكْمَ اللَّهِ تَعالى في أمْثالِ هَذِهِ البَلايا الهَيِّنَةِ لا يَكادُ يُراعِيهِ في عَظائِمِ المَداحِضِ.والمُتَبادَرُ عَلى ما قِيلَ: أنَّ هَذا العَذابَ الألِيمَ في الآخِرَةِ، وقِيلَ: هو في الدُّنْيا فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: هو أنْ يُوسَعَ ظَهْرُهُ وبَطْنُهُ جَلْدًا ويُسْلَبَ ثِيابَهُ وكانَ الأمْرُ كَذَلِكَ في الجاهِلِيَّةِ أيْضًا، وقِيلَ: المُرادُ بِذَلِكَ عَذابُ الدّارَيْنِ وإلَيْهِ ذَهَبَ شَيْخُ الإسْلامِ.

ومُناسَبَةُ الآيَةِ لِما قَبْلَها عَلى ما ذَكَرَهُ الأجْهُورِيُّ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا أمَرَهم أنْ لا يُحَرِّمُوا الطَّيِّباتِ.

وأخْرَجَ مِن ذَلِكَ الخَمْرَ والمَيْسِرَ وجَعَلَهُما حِرامَيْنِ، وإنَّما أُخْرِجَ بَعْدُ مِنَ الطَّيِّباتِ ما يَحْرُمُ في حالٍ دُونَ حالٍ وهو الصَّيْدُ.

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ يعني: ليختبرنّكم الله.

والاختبار من الله هو إظهار ما علم منهم بشيء من الصيد.

يعني: ببعض الصيد.

فتبعيضه يحتمل أن يكون معناه: ما داموا في الإحرام، فيكون ذلك بعض الصيد، ويحتمل أن يكون على معنى التخصيص، يحمل ذلك على وجه تبيين جنس من الأجناس كما قال: فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ [الحج: 30] ويحتمل بعض الصيد، يعني صيد البر دون صيد البحر، تَنالُهُ أَيْدِيكُمْ يعني: تأخذونه بأيديكم بغير سلاح، مثل البيض والفراخ، وَرِماحُكُمْ يعني: تأخذونه بسلاحكم، وهو الكبار من الصيد، لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخافُهُ بِالْغَيْبِ يعني: يميز الله من يخاف من الذين لا يخافون.

وبيّن فضل الخائفين: فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ يعني: من أخذ الصيد بعد النهي فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ يعني: وجيع يعني الكفارة والتعذيب في الدنيا والآخرة، والعذاب إن مات بغير توبة.

ثم قال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ يعني: وأنتم محرمون ويقال: وأنتم محرمون أو في الحرم.

ثم بيّن الكفارة فقال: وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يعني: عليه الفداء مثل ما قتل.

قرأ أهل الكوفة عاصم وحمزة والكسائي: فَجَزاءٌ مِثْلُ بتنوين الهمزة وبضم اللام.

وقرأ الباقون: بالضم بغير تنوين وبكسر اللام.

فأما من قرأ: بالتنوين.

فمعناه: فعليه جزاء، ثم صار المثل نعتاً للجزاء.

وأما من قرأ: بغير تنوين فعلى معنى الإضافة إلى الجزاء يعني: عليه جزاء ما قتل من النعم، يشتري بقيمته من النعم ويذبحه.

يعني: إذا كان المقتول يوجد النعم.

ثم قال: يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ يعني: رجلان مسلمان عدلان ينظران إلى قيمة المقتول، ثم يشتري بقيمته هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ يعني: يبلغ بالهدي مكة ويذبحه هناك ويتصدق بلحمه على الفقراء.

أَوْ كَفَّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ يعني: إن شاء يشتري بقيمته طعاماً ويتصدق به على كل مسكين نصف صاع من حنطة أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِياماً يعني: يصوم مكان كل نصف صاع من حنطة يوماً.

قال ابن عباس: إنما يقوّم لكي يعرف مقدار الصيام من الطعام فهو بالخيار بين هذه الأشياء الثلاثة إن شاء أطعم، وإن شاء أهدى، وإن شاء صام.

قرأ نافع وابن عامر: أَوْ كَفَّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ بغير تنوين على معنى الإضافة.

وقرأ الباقون كَفَّارَةٌ بالتنوين والطعام نعتاً لها.

ثم قال: لِيَذُوقَ وَبالَ أَمْرِهِ يعني: عقوبة ذنبه لكي يمتنع عن قتل الصيد.

عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ يعني: عما مضى قبل التحريم وَمَنْ عادَ بعد التحريم فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ يعني: يعاقبه الله تعالى.

ومع ذلك يجب عليه الكفارة.

وقال بعضهم: لا يجب عليه الكفارة إذا قتل مرة أخرى.

وروى عكرمة عن ابن عباس: أنه سئل عن المحرم يصيب الصيد فيحكم عليه، ثم يصيبه أيضاً قال: لا يحكم عليه، وتلا هذه الآية وَمَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ فذلك إلى الله إن شاء عفا وإن شاء عاقبه.

وعن شريح: أن رجلاً أتاه فسأله أن يحكم عليه فقال له شريح: هل أصبت صيداً قبله؟

قال: لا.

قال: لو كنت أصبته قبل ذلك لم أحكم عليك.

وقال بعضهم: سواء قتل قبل ذلك أو لم يقتل فهو سواء.

لأنه قاتل في المرة الثانية كما هو قاتل في المرة الأولى.

وروي عن عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود وعبد الرحمن بن عوف وغيرهم أنهم حكموا ولم يسألوه أنك أصبت قبل ذلك أم لا.

وروى ابن جريج عن عطاء أنه سئل عن قوله: عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ قال: يعني: ما كان في الجاهلية.

ومن عاد في الإسلام فينتقم الله منه، ومع ذلك عليه الكفارة.

وروى سعيد بن جبير مثله.

وقد قال بعض الناس: إنه إذا قتل خطأ فلا تجب عليه الكفارة.

وهذا القول ذكر عن طاوس اليماني.

وقال غيره: تجب عليه الكفارة.

وروى ابن جريج عن عطاء قال سألت عن قوله: وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فلو قتله خطأ أيغرم؟

قال: نعم يعظم بذلك حرمات الله.

ومضت به السنن.

وعن الحسن قال: يحكم عليه في الخطأ والعمد.

وعن إبراهيم النخعي وعن مجاهد مثله.

وبهذا القول نأخذ ونقول: بأن العمد والخطأ سواء، والمرة الأولى والثانية سواء.

ثم قال تعالى: وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ من أهل المعصية آخذ الصيد بعد التحريم.

ويقال: وَمَنْ عادَ مستحلاً أو مستخفاً بأمر الله تعالى فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ يعني: يعذبه الله تعالى وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ يعذب من عصاه.

قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله سبحانه: لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا ...

الآية: قال ابن عباس وغيره: لما نزل تحريمُ الخَمْر، قال قومٌ من الصحابة: يا رسول اللَّه، كَيْفَ بِمَنْ مات مِنَّا، وهو يشربها، ويأكل المَيْسِرَ، ونحو هذا من القَوْل، فنزلَتْ هذه الآية «١» ، وهذا نظيرُ سؤالِهِمْ عَمَّن مات على القبلة الأولى، والجُنَاحُ: الإثم والحَرَج، والتَّكرار في قوله سبحانه: «اتَّقوا» يقتضي في كلِّ واحدة زيادةً على التي قبلها، وفي ذلك مبالغةٌ في هذه الصِّفَات لهم، وليسَتِ الآيةُ وقفاً على مَنْ عمل الصالحاتِ كلَّها، واتقى كلَّ التقوى، بل هي لكلِّ مؤمن، وإن كان عاصياً أحياناً إذا كان قد عَمِلَ من هذه الخصالِ المَمْدُوحة ما استحق به أنْ يوصف بأنه مؤمنٌ عامل للصالحات متَّقٍ في غالبِ أمره، محسنٌ، فليس على هذا الصِّنْف جُنَاحٌ فيما طعم ممَّا لم يُحَرَّم عليه، وطَعِمُوا: معناه:

ذَاقُوا فصَاعداً في رُتَب الأكل والشُّرب، وقد يستعار للنوم وغيره، وحقيقتُهُ في حاسَّة الذّوق.

وقوله سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ، أي: ليختبرنَّكم ليرى طاعتكم مِنْ معصيتكم، وقوله: «بشيءٍ» يقتضي تبعيضاً، و «مِنْ» : يحتمل أنْ تكون للتبعيض، ويحتمل أنْ تكون لبيانِ الجِنْس كقوله تعالى: فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ [الحج: ٣٠] .

وقوله تعالى: لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخافُهُ بِالْغَيْبِ: معناه: ليستمرَّ علمه تعالى عليه، وهو موجودٌ إذ قد علم تعالى ذلك في الأزل، وبِالْغَيْبِ: قال الطبريُّ «٢» : معناه: في الدنيا حيثُ لا يَرَى العبْدُ ربَّه، فهو غائبٌ عنه، والظاهر أنَّ المعنى: بالغَيْب من الناس، أي: في الخَلْوة ممَّن خاف اللَّه.

انتهى، قلتُ: وقول الطبريِّ أظهر، ثم توعَّد تعالى من اعتدى بعد النهْيِ بالعذابِ الأليم، وهو عذابُ الآخرة.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: «لَمّا كانَ عامُ الحُدَيْبِيَةِ، وأقامَ النَّبِيُّ  بِالتَّنْعِيمِ، كانَتِ الوُحُوشُ والطَّيْرُ تَغْشاهم في رِحالِهِمْ، وهم مُحْرِمُونَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، ونُهُوا عَنْها ابْتِلاءً.» قالَ الزَّجّاجُ: اللّامُ في "لَيَبْلُوَنَّكُمْ" لامُ القَسَمِ، ومَعْناهُ: لِنَخْتَبِرَنَّ طاعَتَكم مِن مَعْصِيَتِكم.

وَفِي "مِن" قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها لِلتَّبْعِيضِ، ثُمَّ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ عَنى صَيْدَ البَرِّ دُونَ صَيْدِ البَحْرِ.

والثّانِي: أنَّهُ عَنى الصَّيْدَ ما دامُوا في الإحْرامِ كَأنَّ ذَلِكَ بَعْضُ الصَّيْدِ.

والثّانِي: أنَّها لِبَيانِ الجِنْسِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثانِ  ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَنالُهُ أيْدِيكم ورِماحُكُمْ ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: الَّذِي تَنالُهُ اليَدُ: الفِراخُ والبَيْضُ، وصِغارُ الصَّيْدِ، والَّذِي تَنالُهُ الرِّماحُ: كِبارُ الصَّيْدِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيَعْلَمَ اللَّهُ ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: لِيَرى اللَّهُ مَن يَخافُهُ بِالغَيْبِ ولَمْ يَرَهُ، فَلا يَتَناوَلُ الصَّيْدَ وهو مُحْرِمٌ ﴿ فَمَنِ اعْتَدى ﴾ فَأخَذَ الصَّيْدَ عَمْدًا بَعْدَ النَّهْيِ لِلْمُحْرِمِ عَنْ قَتْلِ الصَّيْدِ ﴿ فَلَهُ عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُوسَعُ بَطْنُهُ وظَهْرُهُ جَلْدًا، وتُسْلُبُ ثِيابُهُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ لَيْسَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إذا ما اتَّقَوْا وآمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وأحْسَنُوا واللهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ ﴾ ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَيْدِ تَنالُهُ أيْدِيكم ورِماحُكم لِيَعْلَمَ اللهُ مِنَ يَخافُهُ بِالغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ سَبَبُ هَذِهِ الآيَةِ فِيما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ والبَراءُ بْنُ عازِبٍ ؛ وأنَسُ بْنُ مالِكٍ أنَّهُ «لَمّا نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ قالَ قَوْمٌ مِنَ الصَحابَةِ: يا رَسُولَ اللهِ؛ كَيْفَ بِمَن ماتَ مِنّا وهو يَشْرَبُها؛ وَيَأْكُلُ المَيْسِرَ؟

ونَحْوَ هَذا مِنَ القَوْلِ؛ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا نَظِيرُ سُؤالِهِمْ عَمَّنْ ماتَ عَلى القِبْلَةِ الأُولى؛ ونَزَلَتْ: ﴿ وَما كانَ اللهُ لِيُضِيعَ إيمانَكُمْ  ﴾ ؛ ولَمّا كانَ أمْرُ القِبْلَةِ خَطِيرًا؛ ومَعْلَمًا مِن مَعالِمِ الدِينِ؛ تَخَيَّلَ قَوْمٌ نَقْصَ مَن فاتَهُ؛ وكَذَلِكَ لَمّا حَصَلَتِ الخَمْرُ والمَيْسِرُ في هَذا الحَدِّ العَظِيمِ مِنَ الذَمِّ؛ أشْفَقَ قَوْمٌ وتَخَيَّلُوا نَقْصَ مَن ماتَ عَلى هَذِهِ المَذَمّاتِ؛ فَأعْلَمَ تَبارَكَ وتَعالى عِبادَهُ أنَّ الذَمَّ والجُناحَ إنَّما يَلْحَقُ مِن جِهَةِ المَعاصِي؛ وأُولَئِكَ الَّذِينَ ماتُوا قَبْلَ التَحْرِيمِ لَمْ يَعْصُوا في ارْتِكابِ مُحَرَّمٍ بَعْدُ؛ بَلْ كانَتْ هَذِهِ الأشْياءُ مَكْرُوهَةً؛ لَمْ يُنَصَّ عَلَيْها بِتَحْرِيمٍ؛ والشَرْعُ هو الَّذِي قَبَّحَها؛ وحَسَّنَ تَجَنُّبَها؛ والجُناحُ: اَلْإثْمُ والحَرَجُ؛ وهو كُلُّهُ الحُكْمُ الَّذِي يَتَّصِفُ بِهِ فاعِلُ المَعْصِيَةِ؛ والنِسْبَةُ الَّتِي تَتَرَتَّبُ لِلْعاصِي.

و"طَعِمُوا"؛ مَعْناهُ: ذاقُوا؛ فَصاعِدًا؛ في رُتَبِ الأكْلِ والشُرْبِ؛ وقَدْ يُسْتَعارُ لِلنَّوْمِ؛ وغَيْرِهِ؛ وحَقِيقَتُهُ في حاسَّةِ الذَوْقِ.

والتَكْرارُ في قَوْلِهِ: "اِتَّقُوا"؛ يَقْتَضِي في كُلِّ واحِدَةٍ زِيادَةً عَلى الَّتِي قَبْلَها؛ وفي ذَلِكَ مُبالَغَةٌ في هَذِهِ الصِفاتِ لَهُمْ؛ وذَهَبَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ إلى أنْ يُعَيِّنَ المُرادَ بِهَذا التَكْرارِ؛ فَقالَ قَوْمٌ: اَلرُّتْبَةُ الأُولى هي اتِّقاءُ الشِرْكِ والكَبائِرِ؛ والإيمانُ عَلى كَمالِهِ؛ وعَمَلُ الصالِحاتِ؛ والرُتْبَةُ الثانِيَةُ هي الثُبُوتُ والدَوامُ عَلى الحالَةِ المَذْكُورَةِ؛ والرُتْبَةُ الثالِثَةُ هي الِانْتِهاءُ في التَقْوى إلى امْتِثالِ ما لَيْسَ بِفَرْضٍ مِنَ النَوافِلِ في الصَلاةِ؛ والصَدَقَةِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ وهو الإحْسانُ.

وقالَ قَوْمٌ: اَلرُّتْبَةُ الأُولى لِماضِي الزَمَنِ؛ والثانِيَةُ لِلْحالِ؛ والثالِثَةُ لِلِاسْتِقْبالِ.

وقالَ قَوْمٌ: اَلِاتِّقاءُ الأوَّلُ هو في الشِرْكِ؛ والتِزامِ الشَرْعِ؛ والثانِي في الكَبائِرِ؛ والثالِثُ في الصَغائِرِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ولَيْسَتْ هَذِهِ الآيَةُ وقْفًا عَلى مَن عَمِلَ الصالِحاتِ كُلِّها؛ واتَّقى كُلَّ التَقْوى؛ بَلْ هي لِكُلِّ مُؤْمِنٍ؛ وإنْ كانَ عاصِيًا أحْيانًا؛ إذا كانَ قَدْ عَمِلَ مِن هَذِهِ الخِصالِ المَمْدُوحَةِ ما اسْتَحَقَّ بِهِ أنْ يُوصَفَ بِأنَّهُ مُؤْمِنٌ عامِلٌ لِلصّالِحاتِ؛ مُتَّقٍ في غالِبِ أمْرِهِ؛ مُحْسِنٌ؛ فَلَيْسَ عَلى هَذا الصِنْفِ جُناحٌ فِيما طَعِمَ مِمّا لَمْ يُحَرَّمْ عَلَيْهِ.

وقَدْ تَأوَّلَ هَذِهِ الآيَةَ قُدامَةُ بْنُ مَظْعُونٍ الجُمَحِيُّ؛ مِنَ الصَحابَةِ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -؛ وهو مِمَّنْ هاجَرَ إلى أرْضِ الحَبَشَةِ مَعَ أخَوَيْهِ؛ عُثْمانَ وعَبْدِ اللهِ؛ ثُمَّ هاجَرَ إلى المَدِينَةِ؛ وشَهِدَ بَدْرًا؛ وعُمِّرَ ؛ وكانَ خَتْنَ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ ؛ خالَ عَبْدِ اللهِ وحَفْصَةَ ؛ ولّاهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - عَلى البَحْرَيْنِ؛ ثُمَّ عَزَلَهُ لِأنَّ الجارُودَ؛ سَيِّدَ عَبْدِ القَيْسِ؛ قَدِمَ عَلى عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ ؛ فَشَهِدَ عَلَيْهِ بِشُرْبِ الخَمْرِ؛ فَقالَ لَهُ عُمَرُ: ومَن يَشْهَدُ مَعَكَ؟

فَقالَ: أبُو هُرَيْرَةَ ؛ فَجاءَ أبُو هُرَيْرَةَ ؛ فَقالَ لَهُ عُمَرُ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -: بِمَ تَشْهَدُ؟

قالَ: لَمْ أرَهُ يَشْرَبُ؛ ولَكِنْ رَأيْتُهُ سَكْرانَ يَقِيءُ؛ فَقالَ لَهُ عُمَرُ: لَقَدْ تَنَطَّعْتَ في الشَهادَةِ؛ ثُمَّ كَتَبَ عُمَرُ إلى قُدامَةَ أنْ يَقْدُمَ عَلَيْهِ؛ فَقَدِمَ؛ فَقالَ الجارُودُ لِعُمَرَ: أقِمْ عَلى هَذا كِتابَ اللهِ؛ فَقالَ لَهُ عُمَرُ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -: أخَصْمٌ أنْتَ أمْ شَهِيدٌ؟

قالَ: بَلْ شَهِيدٌ؛ قالَ: قَدْ أدَّيْتَ شَهادَتَكَ؛ فَصَمَتَ الجارُودُ؛ ثُمَّ غَدا عَلى عُمَرَ فَقالَ: أقِمْ عَلى قُدامَةَ كِتابَ اللهِ؛ فَقالَ لَهُ عُمَرُ: ما أراكَ إلّا خَصْمًا؛ وما شَهِدَ مَعَكَ إلّا رَجُلٌ واحِدٌ؛ قالَ الجارُودُ: إنِّي أنْشُدُكَ اللهَ؛ قالَ عُمَرُ: لَتُمْسِكَنَّ لِسانَكَ أو لَأسُوءَنَّكَ؛ فَقالَ الجارُودُ: ما هَذا واللهِ يا عُمَرُ بِالحَقِّ؛ أنْ يَشْرَبَ ابْنُ عَمِّكَ الخَمْرَ وتَسُوءَنِي؛ فَقالَ أبُو هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -: إنْ كُنْتَ تَشُكُّ في شَهادَتِنا فَأرْسِلْ إلى ابْنَةِ الوَلِيدِ فَسَلْها؛ وهي امْرَأةُ قُدامَةَ؛ فَبَعَثَ عُمَرُ إلى هِنْدَ بِنْتِ الوَلِيدِ يَنْشُدُها اللهَ؛ فَأقامَتِ الشَهادَةَ عَلى زَوْجِها؛ فَقالَ عُمَرُ لِقُدامَةَ: إنِّي حادُّكَ؛ فَقالَ: لَوْ شَرِبْتُ كَما يَقُولُونَ لَمْ يَكُنْ لَكَ أنْ تَحُدَّنِي؛ قالَ عُمَرُ: لِمَ؟

قالَ: لِأنَّ اللهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿ لَيْسَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ جُناحٌ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ فَقالَ لَهُ عُمَرُ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -: أخْطَأْتَ التَأْوِيلَ؛ إنَّكَ إذا اتَّقَيْتَ اللهَ اجْتَنَبْتَ ما حَرَّمَ عَلَيْكَ؛ ثُمَّ حَدَّهُ عُمَرُ ؛ وكانَ مَرِيضًا؛ فَقالَ لَهُ قَوْمٌ مِنَ الصَحابَةِ: لا نَرى أنْ تَجْلِدَهُ ما دامَ مَرِيضًا؛ فَأصْبَحَ يَوْمًا وقَدْ عَزَمَ عَلى جَلْدِهِ؛ فَقالَ لِأصْحابِهِ: ما تَرَوْنَ في جَلْدِ قُدامَةَ؟

قالُوا: لا نَرى ذَلِكَ ما دامَ وجِعًا؛ فَقالَ عُمَرُ: لَأنْ يَلْقى اللهَ وهو تَحْتُ السِياطِ أحَبُّ إلَيَّ مِن أنْ ألْقاهُ وهو في عُنُقِي؛ وأمَرَ بِقُدامَةَ فَجُلِدَ؛ فَغاضَبَ قُدامَةُ عُمَرَ وهَجَرَهُ إلى أنْ حَجَّ عُمَرُ ؛ وحَجَّ مَعَهُ قُدامَةُ مُغاضِبًا لَهُ؛ فَلَمّا كانَ عُمَرُ بِالسُقْيا نامَ؛ ثُمَّ اسْتَيْقَظَ؛ فَقالَ: عَجِّلُوا عَلَيَّ بِقُدامَةَ؛ فَقَدْ أتانِي آتٍ في النَوْمِ فَقالَ: سالِمْ قُدامَةَ فَإنَّهُ أخُوكَ؛ فَبَعَثَ في قُدامَةَ فَأبى أنْ يَأْتِيَ؛ فَقالَ عُمَرُ: جُرُّوهُ إنْ أبى؛ فَلَمّا جاءَ كَلَّمَهُ عُمَرُ واسْتَغْفَرَ لَهُ؛ فاصْطَلَحا؛ قالَ أيُّوبُ بْنُ أبِي تَمِيمَةَ: لَمْ يُحَدَّ أحَدٌ مِن أهْلِ بَدْرٍ في الخَمْرِ غَيْرُهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَيْدِ ﴾ ؛ أيْ: لِيَخْتَبِرَنَّكُمْ؛ لِيَرى طاعَتَكم مِن مَعْصِيَتِكُمْ؛ وصَبْرَكم مِن عَجْزِكم عَنِ الصَيْدِ؛ وكانَ الصَيْدُ أحَدَ مَعايِشِ العَرَبِ العارِبَةِ؛ وشائِعًا عِنْدَ الجَمِيعِ مِنهُمْ؛ مُسْتَعْمَلًا جِدًّا؛ فابْتَلاهُمُ اللهُ فِيهِ؛ مَعَ الإحْرامِ؛ أوِ الحَرَمِ؛ كَما ابْتَلى بَنِي إسْرائِيلَ في ألّا يَعْتَدُوا في السَبْتِ.

و"مِن"؛ تَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ لِلتَّبْعِيضِ؛ فالمَعْنى: مِن صَيْدِ البَرِّ؛ دُونَ البَحْرِ؛ ذَهَبَ إلَيْهِ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ التَبْعِيضُ في حالَةِ الحُرْمَةِ؛ إذْ قَدْ يَزُولُ الإحْرامُ ويُفارِقُ الحَرَمَ؛ فَصَيْدُ بَعْضِ هَذِهِ الأحْوالِ بَعْضُ الصَيْدِ عَلى العُمُومِ؛ ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِبَيانِ الجِنْسِ؛ قالَ الزَجّاجُ: وهَذا كَما تَقُولُ: "لَأمْتَحِنَنَّكَ بِشَيْءٍ مِنَ الرِزْقِ"؛ وكَما قالَ تَعالى: ﴿ فاجْتَنِبُوا الرِجْسَ مِنَ الأوثانِ  ﴾ .

وقَوْلُهُ: "بِشَيْءٍ"؛ يَقْتَضِي تَبْعِيضًا ما؛ وقَدْ قالَ كَثِيرٌ مِنَ الفُقَهاءِ: إنَّ الباءَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ  ﴾ ؛ أعْطَتْ تَبْعِيضًا ما.

وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ ؛ والنَخَعِيُّ: "يَنالُهُ"؛ بِالياءِ مَنقُوطَةً مِن تَحْتُ؛ وقالَ مُجاهِدٌ: اَلْأيْدِي تَنالُ الفِراخَ؛ والبَيْضَ؛ وما لا يَسْتَطِيعُ أنْ يَفِرَّ؛ والرِماحُ تَنالُ كِبارَ الصَيْدِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والظاهِرُ أنَّ اللهَ تَعالى خَصَّ الأيْدِي بِالذِكْرِ لِأنَّها أعْظَمُ المُتَصَرِّفِ في الِاصْطِيادِ؛ وهي آلَةُ الآلاتِ؛ وفِيها تَدْخُلُ الجَوارِحُ؛ والحِبالاتُ؛ وما عُمِلَ بِاليَدِ مِن فِخاخٍ وشِباكٍ؛ وخُصَّ الرِماحُ بِالذِكْرِ لِأنَّها أعْظَمُ ما يُجْرَحُ بِهِ الصَيْدُ؛ وفِيها يَدْخُلُ السَهْمُ ونَحْوُهُ؛ واحْتَجَّ بَعْضُ الناسِ عَلى أنَّ الصَيْدَ لِلْآخِذِ؛ لا لِلْمُثِيرِ؛ بِهَذِهِ الآيَةِ؛ لِأنَّ المُثِيرَ لَمْ تَنَلْ يَدُهُ ولا رُمْحُهُ بَعْدُ شَيْئًا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "لِيَعْلَمَ"؛ ﴾ مَعْناهُ: لِيَسْتَمِرَّ عِلْمُهُ عَلَيْهِ؛ وهو مَوْجُودٌ؛ إذْ عَلِمَ تَعالى ذَلِكَ في الأزَلِ.

وقَرَأ الزُهْرِيُّ: "لِيُعْلِمَ اللهُ"؛ بِضَمِّ الياءِ؛ وكَسْرِ اللامِ؛ أيْ: لِيُعْلِمَ عِبادَهُ.

و ﴿ "بِالغَيْبِ"؛ ﴾ قالَ الطَبَرِيُّ: مَعْناهُ: في الدُنْيا؛ حَيْثُ لا يَرى العَبْدُ رَبَّهُ؛ فَهو غائِبٌ عنهُ؛ والظاهِرُ أنَّ المَعْنى: بِالغَيْبِ مِنَ الناسِ؛ أيْ في الخَلْوَةِ؛ فَمَن خافَ اللهَ انْتَهى عَنِ الصَيْدِ مِن ذاتِ نَفْسِهِ؛ وقَدْ خَفِيَ لَهُ لَوْ صادَ؛ ثُمَّ تَوَعَّدَ تَعالى مَنِ اعْتَدى بَعْدَ هَذا النَهْيِ الَّذِي يَأْتِي؛ وهو الَّذِي أرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿ "لَيَبْلُوَنَّكُمُ"؛ ﴾ وأشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ: "ذَلِكَ"؛ والعَذابُ الألِيمُ هو عَذابُ الآخِرَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

لا أحسب هذه الآية إلاّ تبييناً لقوله في صدر السورة ﴿ غير محلّى الصيد وأنتم حرم ﴾ [المائدة: 1]، وتخلُّصاً لحكم قتل الصيد في حالة الإحرام، وتمهيداً لقوله: ﴿ يأيّها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ﴾ [المائدة: 95] جرَّتْ إلى هذا التخلّص مناسبة ذكر المحرّمات من الخمر والميسر وما عطف عليهما؛ فخاطب الله المؤمنين بتنبيههم إلى حالة قد يسبق فيها حرصُهم، حذَرَهم وشهوتُهم تقواهم.

وهي حالة ابتلاء وتمحيص، يَظهر بها في الوجود اختلاف تمسّكهم بوصايا الله تعالى، وهي حالة لم تقع وقت نزول هذه الآية، لأنّ قوله ﴿ ليبلونّكم ﴾ ظاهر في الاستقبال، لأنّ نون التوكيد لا تدخل على المضارع في جواب القسم إلاّ وهو بمعنى المستقبل.

والظاهر أنّ حكم إصابة الصيد في حالة الإحرام أو في أرض الحرم لم يكن مقرّراً بمثل هذا.

وقد روي عن مقاتل: أنّ المسلمين في عمرة الحديبية غشيَهم صيد كثير في طريقهم، فصار يترامى على رحالهم وخيامهم، فمنهم المُحِلّ ومنهم المُحرِم، وكانوا يقدرون على أخذه بالأيدي، وصيد بعضه بالرماح.

ولم يكونوا رأوا الصيد كذلك قط، فاختلفت أحوالهم في الإقدَام على إمساكه.

فمنهم من أخذ بيده وطعن برمحه.

فنزلت هذه الآية اه.

فلعلّ هذه الآية ألحقت بسورة المائدة إلحاقاً، لتكون تذكرة لهم في عام حجّة الوداع ليحذروا مثلَ ما حلّ بهم يوم الحديبية.

وكانوا في حجّة الوداع أحْوج إلى التحذير والبيان، لكثرة عدد المسلمين عام حجّة الوداع وكثرة من فيهم من الأعراب، فذلك يبيّن معنى قوله ﴿ تناله أيديكم ورماحكم ﴾ لإشعار قوله ﴿ تناله ﴾ بأنّ ذلك في مكنتهم وبسهولة الأخذ.

والخطاب للمؤمنين، وهو مجمل بيّنه قوله عقبه ﴿ يأيّها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ﴾ [المائدة: 95].

قال أبو بكر بن العربي: اختلف العلماء في المخاطب بهذه الآية على قولين: أحدهما: أنّهم المحلّون، قاله مالك، الثاني: أنّهم المحرمون، قاله ابن عباس وغيره اه.

وقال في «القبس»: تَوهّم بعض الناس أنّ المراد بالآية تحريم الصيد في حال الإحرام، وهذه عُضْلة، إنّما المراد به الابتلاء في حالتي الحلّ والحرمة اه.

ومرجع هذا الاختلاف النظر في شمول الآية لحكم ما يصطاده الحلال من صيد الحرم وعدم شمولها بحيث لا يحتاج في إثبات حكمه إلى دليل آخر أو يحتاج.

قال ابن العربي في «الأحكام»: «إنّ قوله ﴿ ليبلونّكم ﴾ الذي يقتضي أنّ التكليف يتحقّق في المُحِلّ بما شرط له من أمور الصيد وما شرط له من كيفية الاصطياد.

والتكليف كلّه ابتلاء وإن تفاضل في القلّة والكثرة وتبايَن في الضعف والشدّة».

يريد أنّ قوله: ﴿ ليبلونّكم الله بشيء من الصيد ﴾ لا يراد به الإصابة ببلوى، أي مصيبة قتل الصيد المحرّم بل يراد ليكلفنّكم الله ببعض أحوال الصيد.

وهذا ينظر إلى أنّ قوله تعالى: ﴿ وأنتم حرم ﴾ [المائدة: 95] شامل لحالة الإحراممِ والحلوللِ في الحرم.

وقوله: ﴿ ليبلونّكم الله بشيء من الصيد ﴾ هو ابتلاء تكليف ونهي، كما دلّ عليه تعلّقه بأمر ممّا يفعل، فهو ليس كالابتلاء في قوله: ﴿ ولنبلونّكم بشيء من الخوف والجوع ﴾ [البقرة: 155] وإنّما أخبرهم بهذا على وجه التحذير.

فالخبر مستعمل في معناه ولازم معناه، وهو التحذير.

ويتعيّن أن يكون هذا الخطاب وُجّه إليهم في حين تردّدهم بين إمساك الصيد وأكله، وبين مراعاة حرمة الإحرام، إذ كانوا مُحرمين بعمرة في الحديبية وقد تردّدوا فيما يفعلون، أي أنّ ما كان عليه الناس من حِرمة إصابة الصيد للمُحْرِم معتدّ به في الإسلام أو غير معتدّ به.

فالابتلاء مستقبل لأنّه لا يتحقّق معنى الابتلاء إلاّ من بعد النهي والتحذير.

ووجود نون التوكيد يعيّن المضارع للاستقبال، فالمستقبل هو الابتلاء.

وأمّا الصيد ونوال الأيدي والرماح فهو حَاضر.

والصيد: المصيد، لأنّ قوله من الصيد وقع بياناً لقوله ﴿ بشيء ﴾ .

ويغني عن الكلام فيه وفي لفظ (شيء) ما تقدّم من الكلام على نظيره في قوله تعالى: ﴿ ولنبلونّكم بشيء من الخوف والجوع ﴾ في سورة البقرة (155).

وتنكير شيء هنا للتنويع لا للتحقير، خلافاً للزمخشري ومن تابَعه.

وأشار بقوله: ﴿ تناله أيديكم ورماحكم ﴾ إلى أنواع الصيد صغيره وكبيره.

فقد كانوا يمسكون الفراخ بأيديهم وما هو وسيلة إلى الإمساك بالأيدي من شباك وحِبالات وجوارح، لأنّ جميع ذلك يؤول إلى الإمساك باليد.

وكانوا يعْدُون وراء الكبار بالخيل والرماح كما يفعلون بالحُمر الوحشية وبقر الوحش، كما في حديث أبي قتادة أنّه: رأى عام الحديبية حماراً وحشياً، وهو غير محرم، فاستوى على فرسه وأخذ رمحه وشدّ وراء الحمار فأدركه فعقره برمحه وأتى به..

إلخ.

وربما كانوا يصيدون برمي النبال عن قسيّهم، كما في حديث «الموطأ» «عن زيد البَهْزي أنّه خرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد مكّة فإذا ظبي حاقف فيه سَهم» الحديث.

فقد كان بعض الصائدين يختبئ في قُتْرة ويمسك قوسه فإذا مرّ به الصيد رماه بسهم.

قال ابن عطية: وخصّ الرماح بالذكر لأنّها أعظم ما يجرح به الصيد.

وقد يقال: حذف ما هو بغير الأيدي وبغير الرماح للاستغناء بالطرفين عن الأوساط.

وجملة ﴿ تناله أيديكم ﴾ صفة للصيد أو حال منه.

والمقصود منها استقصاء أنواع الصيد لئلاّ يتوهّم أنّ التحذير من الصيد الذي هو بجرح أو قتل دون القبض باليد أو التقاط البيض أو نحوه.

وقوله: ﴿ لِيَعْلَمَ اللّهُ من يخافه بالغيب ﴾ علّة لقوله ﴿ ليبلونّكم ﴾ [المائدة: 94] لأنّ الابتلاء اختبار، فِعلّته أن يعلم الله مِنه من يخافه.

وجَعْل علم الله علّة للابتلاء إنّما هو على معنى ليظهر للناس من يخاف الله من كلّ من علم الله أنّه يخافه، فأطلق علم الله على لازِمه، وهو ظهور ذلك وتميّزه، لأنّ علم الله يلازمه التحقّق في الخارج إذ لا يكون علم الله إلاّ موافقاً لما في نفس الأمر، كما بينّاه غير مرّة؛ أو أريد بقوله: ﴿ ليعلم الله ﴾ التعلّق التنجيزي لعلم الله بفعل بعض المكلّفين، بناء على إثبات تعلّق تنجيزي لصفة العلم، وهو التحقيق الذي انفصل عليه عبد الحكيم في «الرسالة الخاقانية».

وقيل: أطلق العلم على تعلّقه بالمعلوم في الخارج، ويلزم أن يكون مراد هذا القائل أنّ هذا الإطلاق قصد منه التقريب لعموم أفهام المخاطبين.

وقال ابن العربي في القبس: «ليعلم الله مشاهدةً مَا علمه غيباً من امْتثال من امتثل واعتداء من اعتدى فإنّه، عالم الغيب والشهادة يعلم الغيبَ أوّلاً، ثم يَخلق المعدوم فيَعْلَمُه مشاهدة، يتغيّر المعلوم ولا يتغيّر العلم».

والباء إمّا للملابسة أو للظرفية، وهي في موضع الحال من الضمير المرفوع في ﴿ يخافه ﴾ .

والغيب ضدّ الحضور وضدّ المشاهدة، وقد تقدّم في قوله تعالى: ﴿ الذين يؤمنون بالغيب ﴾ [البقرة: 3] على أحد وجهين هنالك، فتعلّق المجرور هنا بقوله ﴿ يخافه ﴾ الأظهر أنّه تعلّق لمجرّد الكشف دون إرادة تقييد أو احتراز، كقوله تعالى: ﴿ ويقتلون النبيئين بغير حقّ ﴾ [البقرة: 61].

أي من يخاف الله وهو غائب عن الله، أي غير مشاهد له.

وجميع مخافة الناس من الله في الدنيا هي مخافة بالغيب.

قال تعالى: ﴿ إنّ الذين يخشون ربّهم بالغيب لهم مغفرة وأجر كبير ﴾ [الملك: 12].

وفائدة ذكره أنه ثناء على الذين يخافون الله أثنى عليهم بصدق الإيمان وتنوّر البصيرة، فإنّهم خافوه ولم يروا عظمته وجلاله ونعيمه وثوابه ولكنّهم أيقنوا بذلك عن صدق استدلال.

وقد أشار إلى هذا ما في الحديث القدسي: " إنّهم آمنوا بي ولم يروني فكيف لو رأوني " ومن المفسرين من فسّر الغيب بالدنيا.

وقال ابن عطية: الظاهر أنّ المعنى بالغيب عن الناس، أي في الخلوة.

فمن خاف الله انتهى عن الصيد في ذات نفسه، يعني أنّ المجرور للتقييد، أي من يخاف الله وهو غائب عن أعين الناس الذين يتّقى إنكارهم عليه أو صدّهم إيّاه وأخذَهم على يده أو التسميع به، وهذا ينظر إلى ما بنوا عليه أنّ الآية نزلت في صيد غشيهم في سفرهم عام الحديبية يغشاهم في رحالهم وخيامهم، أي كانوا متمكّنين من أخذه بدون رقيب، أو يكون الصيد المحذّر من صيده مماثلاً لذلك الصيد.

وقوله: ﴿ فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم ﴾ تصريح بالتحذير الذي أومأ إليه بقوله ﴿ ليبلونّكم ﴾ ، إذ قد أشعر قوله: ﴿ ليبلونّكم ﴾ أنّ في هذا الخبر تحذيراً من عمل قد تسبق النفس إليه.

والإشارة بذلك إلى التحذير المستفاد من ﴿ ليبلونّكم ﴾ ، أي بعدما قدّمناه إليكم وأعذرنا لكم فيه، فلذلك جاءت بعده فاء التفريع.

والمراد بالاعتداء الاعتداء بالصيد، وسمّاه اعتداء لأنّه إقدام على محرّم وانتهاك لحرمة الإحرام أو الحرم.

وقوله: ﴿ فله عذاب أليم ﴾ ، أي عقاب شديد في الآخرة بما اجترأ على الحرم أو على الإحرام أو كليهما، وبما خالف إنذار الله تعالى، وهذه إذا اعتدى ولم يتدارك اعتداءه بالتوبة أو الكفارة، فالتوبة معلومة من أصول الإسلام، والكفارة هي جزاء الصيد، لأنّ الظاهر أنّ الجزاء تكفير عن هذا الاعتداء كما سيأتي.

روى ابن أبي حاتم عن ابن عباس: العذاب الأليم أنّه يوسَع بطنُه وظهرُه جلْداً ويُسلَبُ ثيابَه وكان الأمر كذلك به في الجاهلية».

فالعذاب هو الأذى الدنيوي، وهو يقتضي أنّ هذه الآية قرّرت ما كان يفعله أهل الجاهلية، فتكون الآية الموالية لها نسخاً لها.

ولم يقل بهذا العقاب أحد من فقهاء الإسلام فدلّ ذلك على أنّه أبطل بما في الآية الموالية، وهذا هو الذي يلتئم به معنى الآية مع معنى التي تليها.

ويجوز أن يكون الجزاء من قبيل ضمان المتلفات ويبقى إثم الاعتداء فهو موجب العذاب الأليم.

فعلى التفسير المشهور لا يسقطه إلاّ التوبة، وعلى ما نقل عن ابن عباس يبقى الضرب تأديباً، ولكن هذا لم يقل به أحد من فقهاء الإسلام، والظاهر أنّ سَلَبَه كان يأخذه فقراء مكة مثل جِلال البُدن ونِعالها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ ﴾ في قَوْلِهِ لَيَبْلُوَنَّكم تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ لَيُكَلِّفَنَّكم.

الثّانِي: لَيَخْتَبِرَنَّكم، قالَهُ قُطْرُبٌ، والكَلْبِيُّ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ مِنَ الصَّيْدِ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ ( مِّنَ ) لِلتَّبْعِيضِ في هَذا المَوْضِعِ لِأنَّ الحُكْمَ مُتَعَلِّقٌ بِصَيْدِ البَرِّ دُونَ البَحْرِ، وبِصَيْدِ الحُرُمِ والإحْرامِ دُونَ الحِلِّ والإحْلالِ.

والثّانِي: أنَّ ( مِّنَ ) في هَذا المَوْضِعِ داخِلَةٌ لِبَيانِ الجِنْسِ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثانِ  ﴾ قالَهُ الزَّجّاجُ.

﴿ تَنالُهُ أيْدِيكم ورِماحُكُمْ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: ما تَنالُهُ أيْدِينا: البَيْضُ، ورِماحُنا: الصَّيْدُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّانِي: ما تَنالُهُ أيْدِينا: الصِّغارُ، ورِماحُنا: الكِبارُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

﴿ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَخافُهُ بِالغَيْبِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ مَعْنى لِيَعْلَمَ اللَّهُ: لِيَرى، فَعَبَّرَ عَنِ الرُّؤْيَةِ بِالعِلْمِ لِأنَّها تَؤُولُ إلَيْهِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

والثّانِي: لِيَعْلَمَ أوْلِياؤُهُ مَن يَخافُهُ بِالغَيْبِ.

والثّالِثُ: لِتَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَن يَخافُهُ بِالغَيْبِ.

والرّابِعُ: مَعْناهُ لِتَخافُوا اللَّهَ بِالغَيْبِ، والعِلْمُ مَجازٌ، وقَوْلُهُ: ﴿ بِالغَيْبِ ﴾ يَعْنِي بِالسِّرِّ كَما تَخافُونَهُ في العَلانِيَةِ.

﴿ فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذَلِكَ ﴾ يَعْنِي فَمَنِ اعْتَدى في الصَّيْدِ بَعْدَ وُرُودِ النَّهْيِ.

﴿ فَلَهُ عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ أيْ مُؤْلِمٌ، قالَ الكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ وقَدْ غَشِيَ الصَّيْدَ النّاسُ وهم مُحْرِمُونَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وأنْتُمْ حُرُمٌ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَعْنِي الإحْرامَ بِحَجٍّ أوْ عُمْرَةٍ، قالَهُ الأكْثَرُونَ.

والثّانِي: يَعْنِي بِالحُرُمِ الدّاخِلِ إلى الحَرَمِ، يُقالُ أحْرَمَ إذا دَخَلَ في الحَرَمِ، وأتْهَمَ إذا دَخَلَ تِهامَةَ، وأنْجَدَ إذا دَخَلَ نَجْدَ، ويُقالُ أحْرَمَ لِمَن دَخَلَ في الأشْهُرِ الحُرُمِ.

قالَهُ بَعْضُ البَصْرِيِّينَ.

والثّالِثُ: أنَّ اسْمَ المُحْرِمِ يَتَناوَلُ الأمْرَيْنِ مَعًا عَلى وجْهِ الحَقِيقَةِ دُونَ المَجازِ مَن أحْرَمَ بِحَجٍّ أوْ عُمْرَةٍ أوْ دَخَلالحَرَمَ، وحُكْمُ قَتْلِ الصَّيْدِ فِيهِما عَلى سَواءٍ بِظاهِرِ الآيَةِ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي هُرَيْرَةَ.

﴿ وَمَن قَتَلَهُ مِنكم مُتَعَمِّدًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: مُتَعَمِّدًا لِقَتْلِهِ، ناسِيًا لِإحْرامِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وإبْراهِيمُ، وابْنُ جُرَيْجٍ.

والثّانِي: مُتَعَمِّدًا لِقَتْلِهِ ذاكِرًا لِإحْرامِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وعَطاءٌ، والزُّهْرِيُّ.

واخْتَلَفُوا في الخاطِئِ في قَتْلِهِ النّاسِي لِإحْرامِهِ عَلى قَوْلَيْنِ.

أحَدُهُما: لا جَزاءَ عَلَيْهِ، قالَهُ داوُدُ.

الثّانِي: عَلَيْهِ الجَزاءُ، قالَهُ مالِكٌ، والشّافِعِيُّ، وأبُو حَنِيفَةَ.

﴿ فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ ﴾ يَعْنِي أنَّ جَزاءَ القَتْلِ في الحَرَمِ أوِ الإحْرامِ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ.

وَفي مِثْلِهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ قِيمَةَ الصَّيْدِ مَصْرُوفَةٌ في مِثْلِهِ مِنَ النَّعَمِ، قالَهُ أبُو حَنِيفَةَ.

والثّانِي: أنَّ عَلَيْهِ مِثْلَ الصَّيْدِ مِنَ النَّعَمِ في الصُّورَةِ والشَّبَهِ قالَهُ الشّافِعِيُّ.

﴿ يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنكُمْ ﴾ يَعْنِي بِالمِثْلِ مِنَ النَّعَمِ، فَلا يَسْتَقِرُّ المِثْلُ فِيهِ إلّا بِحُكْمِ عَدْلَيْنِ فَقِيهَيْنِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ القاتِلُ أحَدَهُما.

﴿ هَدْيًا بالِغَ الكَعْبَةِ ﴾ يُرِيدُ أنَّ مِثْلَ الصَّيْدِ مِنَ النَّعَمِ يَلْزَمُ إيصالُهُ إلى الكَعْبَةِ، وعَنى بِالكَعْبَةِ جَمِيعَ الحَرَمِ، لِأنَّها في الحَرَمِ.

واخْتَلَفُوا هَلْ يَجُوزُ أنْ يَهْدِيَ في الحُرُمِ ما لا يَجُوزُ في الأُضْحِيَّةِ مِن صِغارِ الغَنَمِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: لا يَجُوزُ قالَهُ: أبُو حَنِيفَةَ.

الثّانِي: يَجُوزُ، قالَهُ الشّافِعِيُّ.

﴿ أوْ كَفّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ يُقَوِّمُ المِثْلَ مِنَ النَّعَمِ ويَشْتَرِي بِالقِيمَةِ طَعامًا، قالَهُ عَطاءٌ، والشّافِعِيُّ.

الثّانِي: يُقَوِّمُ الصَّيْدَ ويَشْتَرِي بِالغَنِيمَةِ طَعامًا، قالَهُ قَتادَةُ، وأبُو حَنِيفَةَ.

﴿ أوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيامًا ﴾ يَعْنِي عَدْلَ الطَّعامِ صِيامًا، وفِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ يَصُومُ عَنْ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا، قالَهُ عَطاءٌ، والشّافِعِيُّ.

والثّانِي: يَصُومُ عَنْ كُلِّ مُدٍّ ثَلاثَةَ أيّامٍ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

والثّالِثُ: يَصُومُ عَنْ كُلِّ صاعٍ يَوْمَيْنِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

واخْتَلَفُوا في التَّكْفِيرِ بِهَذِهِ الثَّلاثَةِ، هَلْ هو عَلى التَّرْتِيبِ أوِ التَّخْيِيرِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: عَلى التَّرْتِيبِ، إنْ لَمْ يَجِدِ المِثْلَ فالإطْعامُ، فَإنْ لَمْ يُجْدِ الطَّعامُ فالصِّيامُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وعامِرٌ، وإبْراهِيمُ، والسُّدِّيُّ.

والثّانِي: أنَّهُ عَلى التَّخْيِيرِ في التَّكْفِيرِ بِأيِّ الثَّلاثَةِ شاءَ، قالَهُ عَطاءٌ، وهو أحَدُ قَوْلَيِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومَذْهَبُ الشّافِعِيِّ.

﴿ لِيَذُوقَ وبالَ أمْرِهِ ﴾ يَعْنِي في التِزامِ الكَفّارَةِ، ووُجُوبِ التَّوْبَةِ.

﴿ عَفا اللَّهُ عَمّا سَلَفَ ﴾ يَعْنِي قَبْلَ نُزُولِ التَّحْرِيمِ.

﴿ وَمَن عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنهُ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي ومَن عادَ بَعْدَ التَّحْرِيمِ، فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنهُ بِالجَزاءِ عاجِلًا، وعُقُوبَةِ المَعْصِيَةِ آجِلًا.

والثّانِي: ومَن عادَ بَعْدَ التَّحْرِيمِ في قَتْلِ الصَّيْدِ ثانِيَةً بَعْدَ أوَّلِهِ، فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنهُ.

وَعَلى هَذا التَّأْوِيلِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنهُ بِالعُقُوبَةِ في الآخِرَةِ دُونَ الجَزاءِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وداوُدُ.

والثّانِي: بِالجَزاءِ مَعَ العُقُوبَةِ، قالَهُ الشّافِعِيُّ، والجُمْهُورُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس في قوله: ﴿ ليبلونكم الله بشيء من الصيد تناله أيديكم ورماحكم ﴾ قال: هو الضعيف من الصيد وصغيره، يبتلي الله به عباده في إحرامهم حتى لو شاؤوا تناولوه بأيديهم، فنهاهم الله أن يقربوه، فمن قتله منكم متعمداً قال: إن قتله متعمداً أو ناسياً أو خطأ حكم عليه، فإن عاد متعمداً عجلت له العقوبة إلا أن يعفو الله عنه.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي في سننه عن مجاهد في قوله: ﴿ ليبلونكم الله بشيء من الصيد تناله أيديكم ورماحكم ﴾ قال: النبل والرمح ينال كبار الصيد، وأيديهم تنال صغار الصيد، أخذ الفروخ والبيض.

وفي لفظ: أيديكم.

أخذكم إياهن بأيديكم من بيضهن وفراخهن، ورماحكم.

ما رميت أو طعنت.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد ﴿ ليبلونكم الله بشيء من الصيد ﴾ قال: ما لا يستطيع أن يرمي من الصيد.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان قال: أنزلت هذه الآية في عمرة الحديبية، فكانت الوحش والطير والصيد يغشاهم في رحالهم، لم يروا مثله قط فيما خلا، فنهاهم الله عن قتله وهم محرمون ﴿ ليعلم الله من يخافه بالغيب ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم من طرق قيس بن سعد عن ابن عباس.

أنه كان يقول في قوله: ﴿ فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم ﴾ : أن يوسع ظهره وبطنه جلداً، ويسلب ثيابه.

وأخرج أبو الشيخ من طريق الكلبي عن أبي صالح عن جابر بن عبد الله قال: كان إذا ما أخذ شيئاً من الصيد أو قتله جلد مائة، ثم نزل الحكم بعد.

وأخرج أبو الشيخ من طريق أبي صالح عن ابن عباس قال: يملأ بطنه وظهره إن عاد لقتل الصيد متعمداً، وكذلك صنع بأهل وج أهل واد بالطائف، قال ابن عباس: كانوا في الجاهلية إذا أحدث الرجل حدثاً أو قتل صيداً ضرب ضرباً شديداً وسلب ثيابه.

وأخرج أبو الشيخ عن الحسن في قوله: ﴿ فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم ﴾ قال: هي والله موجبة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد.

مثله.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ ﴾ الآية، قد ذكرنا معنى ابتلاء الله في قوله تعالى: ﴿ لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ  ﴾ ، والواو في ﴿ لَيَبْلُوَنَّكُمُ ﴾ مفتوحة لالتقاء الساكنين، ومعناه: ليختبرن طاعتكم من معصيتكم، أي: ليعاملنكم معاملة المختبر (١) (٢) (٣) وقوله تعالى: ﴿ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ ﴾ إنما بَعَّض لأنه عني صيد البر دون صيد البحر (٤) (٥) قال الزجاج: ويحتمل التبعيض أن ينصرف إلى صيد الإحرام دون صيد الإحلال، فكان ذلك بعض الصيد، وجائز أن يكون قوله: ﴿ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ ﴾ للتجنيس، فتكون (من) ههنا تُبيِّن جنسًا من الأجناس، كما تقول: لأمتحنَنَّك بشيء من الوَرِق، أي بالجنس الذي هو وَرِق، ومن هذا قوله تعالى: ﴿ الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ  ﴾ ، والأوثان كلها رجس، والمعنى: اجتنبوا الرجس الذي هو وثن (٦) ﴿ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ ﴾ والصيد إذا كان بمعنى المصدر يكون حدثًا، وإنما يوصف بنيل اليد والرماح ما يكون عينًا، والذي تناله الأيدي من الصيد الفراخ والبيض وصغار الوحش، والذي تناله الرماح الكبار، وهذا قول ابن عباس والكلبي ومجاهد (٧) (٨) (٩) وقوله تعالى: ﴿ لِيَعْلَمَ اللَّهُ ﴾ ، قال المفسرون: ليرى الله (١٠) ﴿ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ  ﴾ .

وقوله تعالى: ﴿ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ ﴾ ، قال الكلبي: أي من يخاف الله ولم يره (١١) ﴿ مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ  ﴾ ﴿ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ  ﴾ ، وقد أحكمنا هذا ومعنى الغيب في قوله: ﴿ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ  ﴾ .

وقوله تعالى: ﴿ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ ﴾ ، قال ابن عباس: يريد بعد نهي (١٢) ﴿ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ  ﴾ .

قال ابن عباس: يوسع ظهره وبطنه جلدًا، ويسلب ثيابه (١٣) هذا قول أكثر أهل التفسير في هذه الآية (١٤) ﴿ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ ﴾ يريد حمام مكة ﴿ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ ﴾ يريد أنها تفرخ في بيوت أهل مكة في الكِواء (١٥) ﴿ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ ﴾ يريد يأخذها سرًّا عن السلطان، وعن أهل الفضل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (١٦) (١) "تفسير الطبري" 7/ 39، "معاني الزجاج" 2/ 206، "النكت والعيون" 2/ 65، "زاد المسير" 2/ 421.

(٢) قد يكون مقاتل بن سليمان، فإن نحو هذا القول في تفسيره، كما سيأتي في عزوه.

(٣) "تفسير مقاتل" بن سليمان 1/ 503 بنحوه.

(٤) "معاني الزجاج" 2/ 206.

(٥) "النكت والعيون" 2/ 66، "زاد المسير" 2/ 421، "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 123.

(٦) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 206.

(٧) أخرجه عن ابن عباس ومجاهد: الطبري 7/ 39، "بحر العلوم" 1/ 458، "معاني القرآن" للنحاس 2/ 359، "النكت والعيون" 2/ 66، البغوي 3/ 96، "زاد المسير" 2/ 421.

(٨) "معاني القرآن" 1/ 319.

(٩) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 206.

(١٠) "النكت والعيون" 2/ 66، و"تفسير البغوي" 3/ 96، و"تفسير ابن كثير" 2/ 110.

(١١) هذا قول مقاتل بن سليمان في "تفسيره" 1/ 503، 504 "زاد المسير" 2/ 422.

(١٢) "النكت والعيون" 2/ 66.

(١٣) انظر: "الوسيط" 2/ 228، وعزاه المحقق "لتفسير ابن عباس" ص 101، و"تفسير البغوي" 3/ 96، "زاد المسير" 2/ 422.

(١٤) "تفسير الطبري" 7/ 40، "بحر العلوم" 1/ 458، "النكت والعيون" 2/ 66، و"تفسير البغوي" 3/ 96، "زاد المسير" 2/ 422.

(١٥) الكِواء: جمع كوَّة وهي الخرق في الحائط والثقب في البيت ونحوه.

انظر: "اللسان" 7/ 3964 (كوي) (١٦) لم أقف عليه.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ لَيَبْلُوَنَّكُمُ الله بِشَيْءٍ مِّنَ الصيد ﴾ أي يختبر طاعتكم من معصيتكم بما يظهر لكم من الصيد من الإحرام وفي الحرم، وكان الصيد من معاش العرب ومستعملاً عندهم، فاختبروا بتركه كما اختبر بنوا إسرائيل بالحوت في السبت وإنما قلله في قوله: ﴿ بِشَيْءٍ مِّنَ الصيد ﴾ إشعاراً بأنه ليس من الفتن العظيمة، وإنما هو من الأمور التي يمكن الصبر عنها ﴿ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ ﴾ قال مجاهد: الذي تناله الأيدي الفراخ والبيض، وما لا يستطيع أن يفرّ، والذي تناله الرماح كبار الصيد والظاهر عموم هذا التخصيص ﴿ لِيَعْلَمَ الله ﴾ أي يعلمه علماً تقوم به الحجة، وذلك إذ ظهر في الوجود ﴿ فَمَنِ اعتدى ﴾ أي بقتل الصيد وهو محرم، والعذاب الأليم هنا في الآخرة.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ بما عقدتم ﴾ بالتخفيف: حمزة وعلي وخلف وعاصم سوى حفص والمفضل، وقرأ ابن ذكوان ﴿ عاقدتم ﴾ بالألف.

الباقون ﴿ عقدتم ﴾ بالتشديد ﴿ من أوصط ﴾ مثل ﴿ مبصوطتان  ﴾ ﴿ فجزاء ﴾ بالتنوين ﴿ مثل ﴾ بالرفع: يعقوب وحمزة وعلي وخلف وعاصم عن المفضل.

﴿ كفارة طعام ﴾ بالإضافة: أبو جعفر ونافع وابن عامر.

الباقون ﴿ كفارة ﴾ بالتنوين ﴿ طعام ﴾ بالرفع ﴿ فبما ﴾ بغير ألف ابن عامر.

الوقوف: ﴿ ولا تعتدوا ﴾ ط ﴿ المعتدين ﴾ ه ﴿ طيباً ﴾ ص لعطف المتفقتين ﴿ مؤمنون ﴾ ه ﴿ الأيمان ﴾ ج لاختلاف النظم مع اتحاد الكلام وفاء التعقيب.

﴿ رقبة ﴾ ط ﴿ ثلاثة أيام ﴾ ط ﴿ حلفتم ﴾ ط للإضمار أي حلفتم وحنثتم ﴿ أيمانكم ﴾ ط ﴿ تشكرون ﴾ ه ﴿ تفلحون ﴾ ه ﴿ وعن الصلاة ﴾ ج لابتداء الاستفهام لأجل التحذير مع دخول الفاء فيه.

﴿ منتهون ﴾ ه ﴿ واحذروا ﴾ ط ﴿ المبين ﴾ ه ﴿ وأحسنوا ﴾ ط ﴿ المحسنين ﴾ ه ﴿ بالغيب ﴾ ج ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ وأنتم حرم ﴾ ط ﴿ وبال أمره ﴾ ط ﴿ سلف ﴾ ط ﴿ منه ﴾ ط ﴿ انتقام ﴾ ه ﴿ وللسيارة ﴾ ج لطول الكلام وتضاد المعنيين وإن اتفقت الجملتان لفظاً.

﴿ حرما ﴾ ط لإطلاق الأمر بالابتداء ﴿ تحشرون ﴾ ه ﴿ والقلائد ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ البلاغ ﴾ ط ﴿ تكتمون ﴾ ه ﴿ كثرة الخبيث ﴾ ج لاتفاق الجملتين مع وقوع العارض ﴿ تفلحون ﴾ ه.

التفسير: إنه  بعد استقصاء المناظرة مع أهل الكتابين عاد الى بيان الأحكام فبدأ بحل المطاعم والمشارب واستيفاء اللذات كيلا يتوهم متوهم أن مدح القسيسين والرهبان يوجب إيثار طريقتهم في هذا الدين.

قال المفسرون: "جلس رسول الله  يوماً فذكر الناس ووصف القيامة ولم يزدهم على التخويف، فرق الناس وبكوا فاجتمع عشرة من الصحابة في بيت عثمان بن مظعون منهم أبو بكر وعلي وابن مسعود وأبو ذر الغفاري وسلمان الفارسي واتفقوا على أن يصوموا النهار ويقوموا الليل ولا يناموا على الفرش ولا يأكلوا اللحم ولا الودك ولا يقربوا النساء والطيب ويلبسوا المسوح ويرفضوا الدنيا ويسيحوا في الأرض ويترهبوا ويجبوا المذاكير، فبلغ ذلك رسول الله  فقال لهم: ألم أنبأ أنكم اتفقتم على كذا و كذا؟

قالوا: يا رسول الله وما أردنا إلا الخير.

فقال: إني لم أؤمر بذلك إن لأنفسكم عليكم حقاً فصوموا وأفطروا وقوموا وناموا فإني أقوم وأنام وأصوم وأفطر وآكل اللحم والدسم، من رغب عن سنتي فليس مني.

ثم جمع الناس وخطبهم فقال: ما بال أقوام حرموا النساء والطعام والطيب والنوم وشهوات الدنيا‍‍!

أما إني لست آمركم أن تكونوا قسيسين ورهباناً فإنه ليس في ديني ترك اللحم والنساء ولا اتخاذ الصوامع، وإن سياحة أمتي الصوم ورهبانيتهم الجهاد، فاعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً وحجوا واعتمروا وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وصوموا رمضان، فإنما هلك من قبلكم بالتشديد شددوا على أنفسهم فشدّد الله عليهم فأولئك بقاياهم في الديارات والصوامع، فأنزل الله هذه الآية، فقالوا: يا رسول الله فكيف نصنع بأيماننا التي حلفنا عليها - وكانوا حلفوا على ما اتفقوا عليه " - فنزلت هذه الآية ﴿ لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ﴾ فهذا وجه اتصال الآيات.

فإن قيل: ما الحكمة في قوله ﴿ لا تحرّموا ﴾ ومن المعلوم أن توسع الإنسان في اللذات والطيبات يمنعه عن الاستغراق في تحصيل السعادات الباقيات، ولهذا قالت الحكماء: إذا شبعت الأجسام صارت الأرواح أجساداً، وإذا جاعت الأجسام صارت الأجساد أرواحاً؟

فالجواب أن الرهبانية المفرطة مما توقع الآفة في الأعضاء الرئيسة التي هي القلب والكبد والدماغ والأنثيان فيختل الفكر ويقل التأمل في الجواهر الروحانية ومباديها، على أن النفوس القوية لا يمنعها التصرف في الجسمانيات عن التأمل في الروحانيات.

فالرهبانية دليل الضعف والقصور والكمال في الوفاء بالجهتين، وكيف والرهبانية توجب خراب الدنيا وانقطاع الحرث والنسل وترك الترهب مع رعاية وظائف الطاعة يفضي الى سعادة الدارين، قال القفال: إنه  قال في أوّل السورة ﴿ أوفوا بالعقود  ﴾ فبين أنه كما لا يجوز تحليل المحرم لا يجوز تحريم المحلل، وذلك أنهم كانوا يحللون الميتة والدم ويحرمون البحائر والسوائب.

ومعنى ﴿ لا تحرموا ﴾ لا تعتقدوا تحريم ﴿ ما أحل الله ﴾ ولا تظهروا باللسان تحريمه ولا تجتنبوه اجتناباً يشبه اجتناب المحرمات.

فهذه الوجوه محمولة على الاعتقاد والقول والعمل، ويحتمل أن يراد لا تحرموا على غيركم بالفتوى، أو لا تلتزموا تحريمها بنذر أو يمين كقوله ﴿ يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك  ﴾ أو لا تخلطوا المملوك بالمغصوب أو الطاهر بالنجس خلطاً لا يبقى معه التمييز فإنه يحرم الكل.

والطيبات المستلذات التي تشتهيها النفوس وتميل إليها القلوب.

ثم نهى عن الاعتداء مطلقاً ليدخل تحته النهي عن الإسراف كقوله ﴿ كلوا واشربوا ولا تسرفوا  ﴾ و ﴿ كلوا ﴾ أمر إباحة وتحليل ﴿ مما رزقكم الله ﴾ في إدخال "من" التبعيضية إرشاد الى الاقتصاد والاقتصار في الأكل على البعض وصرف الباقي الى المحتاجين، وفيه أنه  هو الذي يرزق عبيده وتكفل برزقهم.

قال في التفسير الكبير: قوله ﴿ حلالاً طيباً ﴾ إن كان متعلقاً بالأكل كان حجة للمعتزلة على أن الرزق لا يكون إلا حلالاً لأنه يدل على الإذن في أكل كل ما رزق الله  وإنما يأذن في أكل الحلال فيلزم أن يكون كل رزق حلالاً، وإن كان متعلقاً بالمأكول أي كلوا من الرزق الذي يكون حلالاً كان حجة لأصحابنا لأن التقييد يؤذن بأن الرزق قد لا يكون حلالاً.

أقول: هذا فرق ضعيف ولهذا قال في الكشاف: ﴿ حلالاً ﴾ حال ﴿ مما رزقكم الله ﴾ مع أنه من المعتزلة.

ثم أكد التوصية بقوله ﴿ واتقوا الله ﴾ وزاده تأكيداً بقوله ﴿ الذي أنتم به مؤمنون ﴾ لأن الإيمان به يوجب اتقاءه في أوامره ونواهيه.

ثم قال ﴿ لا يؤاخذكم ﴾ وقد ذكرنا وجه النظم آنفاً، وقد تقدم معنى يمين اللغو في سورة البقرة.

أما قوله ﴿ بما عقدتم الأيمان ﴾ فمن قرأ بالتخفيف فإنه صالح للقليل والكثير فلا إشكال، ومن قرأ بالتشديد فإن أبا عبيدة اعترض عليه بأن التشديد للتكثير فهذه القراءة توجب سقوط الكفارة عن اليمين الواحدة.

وأجاب الواحدي بأن عقد بالتخفيف وعقد بالتشديد واحد في المعنى، ولو سلم فالتكرير يحصل بأن يعقدها بقلبه ولسانه، أما لو عقد اليمين بأحدهما دون الآخر فلا كفارة.

ومن قرأ بالألف فمثل القراءة المخففة كقولك: عاقبت اللص وعافاه الله.

والمعنى على القراآت: ولكن يؤاخذكم بعقد الأيمان أو بتعقيدها أو معاقدتها إذا حنثتم.

فحذف الظرف للعلم به، أو المراد بنكث ما عقدتم بحذف المضاف ﴿ فكفارته ﴾ أي الفعلة التي من شأنها أن تكفر الخطيئة أي تسترها أحد هذه الأمور ويسمى بالواجب المخير.

وحاصله أنه لا يجب الإتيان بكل واحد منها، ولا يجوز الإخلال بجميعها، ولكنه إذا أتى بأيّ واحد منها فإنه يخرج عن العهدة، ومن هنا قال أكثر الفقهاء الواجب واحد لا بعينه من الإطعام والكسوة وتحرير الرقبة فإن عجز عنها جميعاً فالواجب شيء آخر وهو الصوم.

أما مقدار الطعام فقد قال الشافعي: نصيب كل مسكين مد أي ثلثا منّ، وهو قول ابن عباس وزيد بن ثابت وسعيد بن المسيب والحسن والقاسم لأنه  قال ﴿ من أوسط ما تطعمون ﴾ فإن كان المراد ما كان متوسطاً في العرف فثلثا منّ من الحنطة إذا جعل دقيقاً وخبز فإنه يصير قريباً من المنّ وذلك كاف لواحد في يوم واحد، وإن كان المراد ما كان متوسطاً في الشرع فليس له في الشرع مقدار إلا ما جاء في قصة الأعرابي المفطر في نهار رمضان أن النبي  أمره بإطعام ستين مسكيناً من غير ذكر مقدار.

فقال الرجل: ما أجد.

فأتى النبي  بعرق فيه خمسة عشر صاعاً فقال النبي  : أطعم هذا.

وذلك يدل على تقدير طعام المسكين بربع الصاع وهو مدّ.

ولا تلزم كفارة الحلق لأنها شرعت بلفظ الصدقة مطلقة عن التقدير بإطعام الأهل فكان تكفيرها معتبراً بصدقة الفطر وقد ثبت بالنص تقديرها بالصاع لا بالمد.

وقال أبو حنيفة: الواجب نصف صاع من الحنطة أو صاع من غيرها قال: لأن الأسط هو الأعدل.

وما ذكره الشافعي هو أدنى ما يكفي.

وأما الأعدل فيكون بإدام وهكذا روي عن ابن عباس مدّ بإدامه والإدام تبلغ قيمته مداً آخر ويزيد في الأغلب.

أجاب الشافعي أن الإدام غير واجب بالإجماع فلم يبق إلا حمل اللفظ على التوسط في قدر الطعام ومقداره ما ذكرنا، وجنس الطعام المخرج جنس الفطرة.

ثم قال الشافعي: الواجب تمليك الطعام قياساً على الكسوة.

وقال أبو حنيفة: إذا غدّى وعشى عشرة مساكين جاز لأن ذلك إطعام، ولأن إطعام الأهل يكون بالتمكين لا بالتمليك وقد قال ﴿ من أوسط ما تطعمون أهليكم ﴾ والقائل أن يقول: ذكر إطعام الأهل لتعيين مقدار المطعم لا لأجل كيفية الإطعام.

وقال أبو حنيفة: لو أطعم مسكيناً واحد عشر مرات جاز.

وقال الشافعي: لا يجزي إلا إطعام عشرة لأن مدار الباب على التعبد الذي لا يعقل معناه فيجب الوقوف على مورد النص.

قال في الكشاف ﴿ أو كسوتهم ﴾ عطف على محل ﴿ من أوسط ﴾ ووجه بأن البدل هو المقصود فكأنه قيل: فكفارته من أوسط.

وأقول: الأظهر أن يكون ﴿ من أوسط ﴾ مفعولاً آخر للإطعام سواء كان "من" للابتداء أو للتبعيض، ويكون ﴿ كسوتهم ﴾ معطوفاً على الإطعام.

والكسوة معناها اللباس وهو كل ما يكتسى به.

قال الشافعي: يجزىء في الكفارة أقل ما يقع عليه اسم الكسوة وهو الثوب يغطي العورة إزار أو رداء أو قميص أو سراويل أو عمامة أو مقنعة لكل مسكين ثوب واحد لما روي عن ابن عباس كانت العباءة تجزىء يومئذٍ.

وعن مجاهد: ثوب جامع.

وقال الحسن: ثوبان أبيضان.

و المراد بالرقبة الجملة كان الأسير في العرب تجمع يداه الى رقبته فإذا أطلق حل ذلك الحبل فسمي الإطلاق من الحبل فك رقبة.

ثم أجرى ذلك على العتق هكذا قيل في أصل هذا المجاز.

ومذهب أهل الظاهر أن جميع الرقاب تجزئه.

وقال الشافعي: لا يجزىء إلا كل سليمة من عيب يخل بالعمل صغيرة كانت أو كبيرة ذكراً أو أنثى بعد أن كانت مؤمنة قياساً على كفارة القتل، ولم يجوز إعتاق المكاتب ولا شراء القريب.

وفي تقديم الإطعام على العتق مع أن العتق أفضل تنبيه على التخيير وأن الأمر مبني على التخفيف.

ويمكن أن يقال: الإطعام أفضل لأن الحر الفقير قد لا يجد الطعام أو لا يكون هناك من يعطيه فيقع في الضر، أما العبد فيجب على مولاه طعامه وكسوته، فالعتق يحتمل التأخير والإطعام قد لا يحتمل ذلك.

﴿ فمن لم يجد ﴾ أحد الأمور الثلاثة المذكورة ﴿ فصيام ﴾ فعليه صيام ﴿ ثلاثة أيام ﴾ قال الشافعي: إذا وجد قوت نفسه وقوت عياله يومه وليلته ومن الفضل ما يطعم عشرة مساكين لزمته الكفارة بالإطعام، وإن لم يكن عنده ذلك القدر جاز له الصيام وذلك أنه علق جواز الصيام على عدم وجدان الخصال الثلاث فعند وجدانها وجب أن لا يجوز الصوم.

تركنا العمل به عند وجدان قوت نفسه وقوت عياله يوماً وليلة لأن ذلك ضروري، وتقديم حق النفس على حق الغير واجب شرعاً فبقي الآية معمولاً بها في غيره.

وعند أبي حنيفة: يجوز الصيام إذا كان عنده من المال ما لا تجب فيه الزكاة.

ثم صيام الأيام الثلاثة المشروط عند أبي حنيفة بالتتابع تمسكاً بقراءة أبيّ وابن مسعود ﴿ فصيام ثلاثة أيام متتابعات ﴾ فإن قراءتهما لا تتخلف عن روايتهما.

وقال الشافعي في أصح قوليه: إن التفريق جائز والقراءة الشاذة لا يعتدّ بها لأنها لو كانت صحيحة لنقلت نقلاً متوتراً وقد "روي عن النبي  أن رجلاً قال له: عليّ أيام من رمضان أفأقضيها متفرقات؟

فقال رسول الله  : أرأيت لو كان عليك دين فقضيت الدرهم فالدرهم أما كان يجزيك؟

قال: بلى.

قال: فالله أحق أن يعفو ويصفح" .

وإذا جاز هذا التفريق في صوم رمضان ففي غيره أولى، وأيضاً العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.

﴿ مسألة ﴾ : من صام ستة أيام عن يمينين أجزأته ولا حاجة الى تعيين إحدى الثلاثتين لإحدى اليمينين لأن الواجب عن كل منهما ثلاثة أيام وقد أتى بها فيخرج عن العهدة ﴿ ذلك ﴾ المذكور ﴿ كفارة أيمانكم إذا حلفتم ﴾ وحنثتم فحذف ذكر الحنث للعلم بأن الكفارة لا تجب بمجرد الحلف، وللتنبيه على أن الكفارة لا يجوز تقديمها على اليمين، وأما بعد اليمين وقبل الحنث فيجوز وبه قال مالك والشافعي وأحمد موافقاً لما روي أن النبي  قال "إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيراً فكفر عن يمينك ثم ائت بالذي هو خير" .

ولأن الكفارة حق ماليّ يتعلق بسببين فجاز تعجيله بعد وجود أحد السببين كتعجيل الزكاة بعد وجود النصاب.

هذا إذا كان يكفر بغير الصوم، أما الصوم فلا يجوز تقديمه لأن العبادات البدنية لا تقدّم على وقتها إذا لم تمس إليه حاجة كالصلاة وصوم رمضان، ولأن الصوم إنما يجوز التكفير به عند العجز عن جميع الخصال المالية، وإنما يتحقق العجز بعد الوجوب وإن كان الحنث بارتكاب محظور كأن حلف أن لا يشرب الخمر أجزأه التكفير قبل الشرب أيضاً لوجود أحد السببين.

والتكفير لا يتعلق به استباحة ولا تحريم بل المحلوف عليه حرام قبل اليمين وبعدها وقبل التكفير وبعده لا أثر لهما فيه.

جميع ما ذكرنا ظاهر مذهب الشافعي، أما عند أبي حنيفة وأصحابه فلا يجوز التكفير قبل الحنث مطلقاً.

﴿ واحفظوا أيمانكم ﴾ قللوها ولا تكثروا منها، أو احفظوها إذا حلفتم عن الحنث، وعلى هذا تكون الأيمان المختصة بالتي الحنث فيها معصية كمن حلف أن لا يشرب الخمر بخلاف مالو حلف ليشربن فإنه لا يؤمر حينئذ بالحفظ عن الحنث.

وقيل: احفظوها بأن تكفروها أو المراد لا تنسوها تهاوناً بها ﴿ كذلك ﴾ مثل ذلك البيان الشافي ﴿ يبين الله لكم آياته ﴾ أحكامه وأعلام شريعته ﴿ لعلكم تشكرون ﴾ نعمة البيان وتسهيل المخرج من الحرج.

ثم إنه  استثنى من جملة الأمور المستطابة الخمر والميسر - وقد تقدم معناهما وما يتعلق بهما في سورة البقرة، وسلك في سلك التحريم الأنصاب والأزلام وقد ذكرناهما في أول هذه السورة.

واعلم أنه كانت تحدث قبل تحريم الخمر أشياء يكرهها رسول الله  منها قصة علي بن أبي طالب  وكرم الله وجهه مع عمه حمزة على ما روي في الصحيحين أنه قال: كانت لي شارف من نصيبي من المغنم يوم بدر وكان رسول الله  أعطاني شارفاً من الخمس، فلما أردت أن أبني بفاطمة بنت رسول الله  واعدت رجلاً صوّاغاً من بني قينقاع أن يرتحل معي لأذخر، أردت أن أبيعه من الصوّاغين فأستعين به في وليمة عرسي.

فبينا أنا أجمع لشارفيّ متاعاً من الأقتاب والغرائر والحبال وشارفاي مناختان إلى جنب حجرة رجل من الأنصار، أقبلت فإذا أنا بشارفيّ قد جبت أسنمتهما وبقر خواصرهما وأخذ من أكبادهما فلم أملك عيني حين رأيت ذلك المنظر وقلت: من فعل هذا؟

قالوا: فعله حمزة بن عبد المطلب وهو في البيت في شرب مع امرأة من الأنصار غنت أغنية فقالت في غنائها: ألا يا حمز للشرف النواء *** وهن معقلات بالفناء ضع السكين في اللبات منها *** فضرجهن حمزة بالدماء وأطعم من شرائحها كباباً *** ملهوجة على وهج الصلاء فأنت أبا عمارة المرجى *** لكشف الضر عنا والبلاء فوثب الى السيف أسنمتهما وبقر خواصرهما وأخذ من أكبادهما.

قال علي  : فانطلقت حتى دخلت على النبي  وعنده زيد بن حارثة فعرف رسول الله  الذي أتيت له فقال: ما لك؟

فقلت يا رسول الله ما رأيت كاليوم!

عدا حمزة على ناقتي فاجتب أسنمتهما وبقر خواصرهما وها هوذا في بيت معه شرب.

قال: فدعا رسول الله  بردائه ثم انطلق يمشي واتبعت أثره، - أنا وزيد بن حارثة - حتى جاء البيت الذي فيه.

فاستأذن فأذن له فإذا هم شرب، فطفق رسول الله  يلوم حمزة فيما فعل فإذا حمزة ثمل محمرة عيناه، فنظر إلى رسول الله  ثم صعد النظر فنظر إلى وجهه ثم قال: وهل أنتم إلا عبيد أبي؟

فعرف رسول الله  أنه ثمل فنكص على عقبيه القهقرى، فخرج وخرجنا فكانت هذه القصة من الأسباب الموجبة لنزول تحريم الخمر.

قالت العلماء: هذه الآية تدل على تحريمها من وجوه منها: تصدير الجملة بـ"إنما" الدالة على الحصر معناه ليست الخمر إلا الرجس وعمل الشيطان.

ومنها أنه قرنها بعبادة الأصنام ومنه قوله صلى اللّه عليه وسلم "شارب الخمر كعابد الوثن" ومنها أنه جعلها رجساً كما قال في موضع آخر ﴿ فاجتنبوا الرجس من الأوثان  ﴾ وأصل الرجس العمل القبيح القذر.

قال الفراء: ﴿ ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون  ﴾ أي العقاب والغضب وكأنه إبدال الرجز والرجس بالفتح الصوت الشديد من الرعد ومن هدير البعير فلهذا سمي العمل القوي الدرجة في القبح رجساً.

ومنها أنه جعلها من عمل الشيطان، ومن المعلوم أنه لا يصدر منه إلا الشر البحت.

ومنها أنه أمر بالاجتناب وظاهر الامر للوجوب.

ومنها انه جعل الاجتناب من الفلاح فيكون القرب منه خيبة.

والضمير في ﴿ فاجتنبوه ﴾ عائد الى الرجس أو العمل أو إلى المضاف المحذوف أي إنما تعاطي الخمر ونحو ذلك.

ومنها شرح أنواع المفاسد المنتجة منها من التعادي والتباغض والصد عن ذكر الله وعن الصلاة خصوصاً وفيه أن غرض الشرب من الاجتماع تأكد الألفة والمودّة.

ثم إنها تورث نقيض المقصود لأن العقل إذا زال استولت الشهوة والغضب ويؤدي الى التنازع واللجاج، وكذا القمار يفضي الى إفناء المال وإلى أن يقامر على حليلته وأهله وولده وكل ذلك يورث العداوة والفتن وهذان من مكايد الشيطان ومضادّان لمصالح الإنسان.

وأيضاً الخمر سبب تهييج اللذة الجسمية، والقمار يورث لذة الغلبة الحالية، وكلتاهما توجب الاشتغال عن اللذات الحقيقية الحاصلة من الاستغراق في طاعة المعبود.

وإنما أفرد ذكر الخمر والميسر ثانياً لأن الخطاب مع المؤمنين فقرنهما أولاً بذكر الأنصاب والأزلام تنبيهاً على أنها جميعاً من أعمال الجاهلية وأهل الشرك، ثم أفردهما لأن الكلام مسوق لتحريمهما على المخاطبين حيث إنهم كانوا لا يتعاطون سوى هذين.

ومنها سوق الكلام بطريق الاستفهام في قوله ﴿ فهل أنتم منتهون ﴾ كأنه قيل: قد تلي عليكم ما هو كاف في باب المنع فهل أنتم مع هذه الصوارف منتهون أم أنتم على ما كنتم عليه كأن لم تزجروا؟

ولهذا قالوا: قد انتهينا يا رب.

إذ فهموا التحريم المؤكد.

ومنها إنه قال عقيب ذلك ﴿ وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا ﴾ والظاهر أن المراد الطاعة فيما تقدم من الأمر بالاجتناب والحذر عن المخالفة في ذلك الباب.

ومنها تهديد من خالف هذا التكليف بقوله ﴿ فإن توليتم ﴾ الآية.

والمراد إن أعرضتم فالحجة قد قامت عليكم والرسول قد خرج عن عهدة البلاغ وقد أعذر من أنذر وجزاء المخالف الى الله المقتدر.

عن أنس قال: كنت ساقي القوم يوم حرمت في بيت أبي طلحة وما شرابهم إلا فضيخ البسر والتمر، فإذا مناد ينادي ألا إن الخمر قد حرمت.

قال: فجزت في سكك المدينة فقال أبو طلحة: اخرج فأرقها.

فقالوا: قتل فلان وفلان وهي في بطونهم فأنزل الله  ﴿ ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا ﴾ الطعم خلاف الشرب في الأغلب وقد يقع على المشروب كقوله  ﴿ ومن لم يطعمه فإنه مني  ﴾ فيجوز أن يكون المراد فيما شربوا من الخمر، ويحتمل أن يكون معنى الطعم راجعاً إلى التلذذ بما يؤكل ويشرب جميعاً، فقد تقول العرب: أطعم أي ذق.

ونظير هذه الآية قوله في نسخ القبلة ﴿ وما كان الله ليضيع إيمانكم  ﴾ والعامل في ﴿ إذا ما اتقوا ﴾ معنى الكلام المتقدم أي لا يأثمون في ذلك إذا اتقوا المحرمّات لأنهم شربوها حين كانت محللة.

والمراد أن أولئك كانوا على هذه الصفة وهو ثناء عليهم وحمد لأحوالهم في الإيمان والتقوى والإحسان.

وزعم بعض الجهلة أن هذا الحكم متعلق بالمستقبل وإلا قيل: لم يكن أو ما كان جناح مثل ﴿ وما كان الله ليضيع  ﴾ والمعنى لا جناح على من طعمها إذا لم يحصل معه العداوة والبغضاء وسائر المفاسد المذكورة بل حصل معه أنواع المصالح من الطاعة والتقوى والإحسان إلى الخلق.

والجواب أن صيغة طعموا وهي المضي تأباه، وأيضاً إن سبب نزول الآية يكذبه.

روى أبو بكر الأصم أنه لما نزل تحريم الخمر قال أبو بكر: يا رسول الله كيف بإخواننا الذين ماتوا وقد شربوا الخمر وأكلوا القمار، وكيف بالغائبين عنا في البلاد لا يشعرون بتحريم الخمر وهم يطعمونها؟

فنزلت.

وعلى هذا فالحل قد ثبت فيما يستقبل لكن في حق الغائبين الذين لم يبلغهم هذا النص.

ثم أنه  شرط في نفي الجناح حصول التقوى والإيمان مرتين، وفي الثالثة التقوى والإحسان.

فقال الأكثرون: الأول فعل الاتقاء، والثاني دوامه والثبات عليه، والثالث اتقاء ظلم العباد مع الإحسان إليهم.

وقيل الأول اتقاء جميع المعاصي قبل نزول الآية، والثاني اتقاء الخمر والميسر وما في هذه الآية، والثالث اتقاء ما يحدث تحريمه بعد هذه الآية وهذا قول الأصم.

وقيل: اتقوا الكفر ثم الكبائر ثم الصغائر.

وقال القفال: الأول الاتقاء من القدح في صحة النسخ ليثبت تحريم الخمر بعد أن كانت مباحة، والثاني الإتيان بالعمل المطابق للآية، والثالث المداومة على التقوى مع الإحسان إلى الخلق.

ثم إنه  استثنى بعض الصيد من المحللات فقال على سبيل التوكيد القسمي ﴿ ليبلونكم الله ﴾ أي ليعاملنكم معاملة المختبر ﴿ بشيءٍ ﴾ التنوين للتحقير وفيه أنه ليس من الفتن العظام التي تدحض عندها الأقدام كالابتلاء ببذل الأرواح والأموال، فامتحن الله أمة محمد  بصيد البر كما امتحن أصحاب أيلة بصيد البحر.

قال مقاتل بن حيان: ابتلاهم بالصيد وهم محرمون عام الحديبية حتى إن الوحش والطير يغشاهم في رحالهم فيقدرون على أخذها بالأيدي وصيدها بالرماح وما رأوا مثل ذلك قط، فنهاهم الله عن ذلك ابتلاء.

قال الواحدي: الذي تناله أيديهم من الصيد الفراخ والبيض وصغار الوحش، والذي تناله الرماح الكبار.

و"من" في ﴿ من الصيد ﴾ للبيان أو للتبعيض وهو صيد البر أو صيد الإحرام والمراد به العين لا الحدث بدليل عود الضمير في ﴿ تناله ﴾ إليه ﴿ ليعلم الله ﴾ ليظهر معلومه وهو خوف الخائف أو ليعاملكم معاملة من يطلب أن يعلم أو ليعلم أولياء الله ومحل ﴿ بالغيب ﴾ النصب على الحال أي يخافه حال كونه غائباً عن رؤيته أو عن حضور الناس ﴿ فمن اعتدى ﴾ فصاد ﴿ بعد ذلك ﴾ الابتلاء ﴿ فله عذاب أليم ﴾ في الآخرة وقيل في الدنيا.

عن ابن عباس: هو أن يضرب بطنه وظهره ضرباً وجيعاً وينزع ثيابه.

﴿ لا تقتلوا الصيد ﴾ قال الشافعي: إنه البري المتوحش المأكول اللحم.

أما الأول فلقوله  بعد ذلك ﴿ أحل لكم صيد البحر ﴾ وأما المتوحش فيدخل فيه نحو الظبي وإن صار مستأنساً ويخرج الإنسي وإن صار متوحشاً إبقاء لحكم الأصل، وأما كونه مأكولاً فلقوله  ﴿ وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرماً ﴾ فيعلم منه أنه مما يحل أكله في غير الإحرام.

وقال أبو حنيفة: المحرم إذا قتل سبعاً لا يؤكل لحمه ضمن.

وسلم أنه لا يجب الضمان في قتل الذئب وفي قتل الفواسق الخمس فقال الشافعي: لا معنى في قتلها إلا الإيذاء فيلزم جواز قتل جميع المؤذيات لا سيما وقد جاء "خمس يقتلن في الحل والحرم: الغراب والحدأة والحية والعقرب والكلب والعقور" وفي رواية بزيادة السبع العادي واحتج لأبي حنيفة بقول علي  : صيد الملوك أرانب وثعالب *** فإذا ركبت فصيدي الأبطال.

وزيف بأن الثعلب عندنا حلال.

﴿ وأنتم حرم ﴾ أي محرمون بالحج والعمرة أيضاً على الأصح.

وقيل: وقد دخلتم الحرم.

وقيل: هما مرادان بالآية وهو قول الشافعي.

وقوله ﴿ لا تقتلوا ﴾ يفيد المنع ابتداء والمنع تسبباً فليس له أن يتعرض للصيد ما دام محرماً أو في الحرم بالسلاح ولا بالجوارح من الكلاب والطيور سواء كان الصيد صيد الحل أو صيد الحرم ﴿ ومن قتله منكم متعمداً فجزاء مثل ما قتل ﴾ من قرأ ﴿ جزاء ﴾ بالتنوين ﴿ ومثل ﴾ بالرفع فالمعنى: فعليه جزاء صفته كذا.

ومن قرأ بالإضافة فمن باب إضافة المصدر إلى المفعول أي فعلية أن يجزىء مثل ما قتل.

قال بعض العلماء: المثل مقحم للتأكيد إذ الواجب عليه جزاء المقتول لا جزاء مثله فهو قولهم: أنا أحب مثلك أي أحبك.

وقيل: الإضافة بمعنى "من" أي جزاء من مثل ما قتل.

قال سعيد بن جبير: المحرم إذا قتل الصيد خطأ لا يلزمه شيء.

وهو قول داود لأن النهي ورد عن التعمد وهو أن يقتله ذاكراً لإحرامه أو عالماً أن ما يقتله مما يحرم عليه قتله، فإن قتله وهو ناسٍ لإحرامه أو رمى صيداً وهو يظن أنه ليس بصيد، أو رمى غير الصيد فعدل السهم فأصاب صيداً فهو مخطىء لا شيء عليه لفقدان القيد المذكور.

ويتأكد هذا الرأي بقوله ﴿ ليذوق وبال أمره ﴾ وبقوله ﴿ ومن عاد ﴾ أي الى ما تقدم ذكره وهو القتل العمد، والانتقام أيضاً يناسب العمد لا الخطأ قال جمهور الفقهاء: يلزمه الضمان سواء قتل عمداً أو خطأ قياساً على سائر محظورات الإحرام كحلق الرأس وغيره وكما في ضمان مال المسلم، فإنه لما ثبتت الحرمة لحق المالك لم يختلف ذلك بكونه عمداً أو لا.

وإنما وردت الآية بالتعمد لأن العمد أصل والخطأ ملحق به للتغليظ، ولما روي أنه عنّ لهم في عمرة الحديبية حمار وحش فحمل عليه أبو اليسر فطعنه برمحه فقتله فقيل له: إنك قتلت الصيد وأنت محرم فنزلت الآية على وفق القصة.

وعن الزهري نزل الكتاب بالعمد ووردت السنة بالخطأ.

قال  "في الضبع كبش إذا قتله المحرم" وقالت الصحابة: في الظبي شاة.

أطلقوا الضمان من غير فرق بين العمد والخطأ.

ثم العلماء اختلفوا في المثل فقال الشافعي ومحمد بن الحسن: الصيد ضربان: منه ما له مثل ومنه ما لا مثل له فيضمن بالقيمة.

وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: المثل الواجب هو القيمة قياساً على ما لا مثل له.

حجة الشافعي قوله  ﴿ من النعم ﴾ فإنه بيان للمثل وكذا قوله ﴿ هدياً بالغ الكعبة ﴾ وعن النبي  أنه حكم في الضبع بكبش.

وعن علي وعمر وعثمان وعبد الرحمن بن عوف وابن عباس وابن عمر أنهم حكموا في أمكنة مختلفة وأزمان متعدّدة في جزاء الصيد بالمثل من النعم.

فحكموا في النعامة ببدنة، وفي حمار الوحش ببقرة، وفي الضبع بكبش، وفي الغزال بعنز، وفي الظبي بشاة، وفي الأرنب بحمل - وفي رواية بعناق - وفي الضب بسخلة، وفي اليربوع بجفرة، وفي الحمام بشاة، ويعني به كل ما عب وهدر كالقمري والدبسي الفاختة.

والعب شرب الماء مرة، والهدير ترجيعه صوته وتغريده.

وفيه دليل على أنهم نظروا إلى أقرب الأشياء شبهاً بالصيد من النعم، ولو نظروا إلى القيمة لاختلف باختلاف الأسعار.

والظبي الذكر من هذا الجنس والغزال أنثاه، والجفرة من أولاد المعز إذا انفصلت من أمها، والعناق الأنثى من أولاد المعز.

وأيضاً المقصود من الضمان جبر الهلاك فكلما كانت المماثلة أتم كان الجبر أكمل.

(وههنا مسائل) الأولى: جماعة محرومون قتلوا صيداً.

فالشافعي وأحمد وإسحق: لا يجب عليهم إلا جزاء واحد لأن مثل الواحد واحد.

وقال أبو حنيفة ومالك والثوري: على كل منهم جزاء واحد كما لو قتل جماعة واحداً يقتص منهم جميعاً، وكذا لو حلف كل منهم أن لا يقتل صيداً فقتلوا صيداً واحداً لزم كلاً منهم كفارة.

وأجيب بأن قتل الجماعة بالواحد تعبدي وتعدد الكفارة لتعدد الإيمان.

الثانية: قال الشافعي: المحرم إذا دل غيره على صيد فقتله لم يضمن كما لا يجب بالدلالة كفارة القتل ولا الدية، وكما لو دل على مال المسلم وذلك لأن الدلالة ليست بقتل ولا إتلاف.

وقال أبو حنيفة: يضمن لما روي أن عمر عبد الرحمن بن عوف وابن عباس أوجبوا الجزاء على الدال.

الثالثة: قال الشافعي: إذا جرح ظبياً فنقص من قيمته العشر فعليه عشر قيمة الشاة إرشاداً إلى ما هو الأسهل لأنه قد لا يجد شريكاً في ذبح شاة ويتعذر عليه إخراج قسط من الحيوان.

وقال المزني: عليه شاة.

وقال داود: لا ضمان إلا بالقتل لظاهر الآية حيث نيط الجزاء بالقتل فقط.

الرابعة: إذا قتل المحرم صيداً وأدى جزاءه ثم قتل صيداً آخر لزمه جزاء آخر خلافاً لداود، وينقل عن ابن عباس وشريح.

حجة الجمهور أن الحكم يتكرر بتكرر العلة بخلاف ما لو قال لنسائه: من دخل منكن الدار فهي طالق فدخلت واحدة مرتين، فإنه لا يقع إلا طلاق واحد لأن تكرر الحكم بتكرر الشرط غير لازم.

حجة داود ﴿ ومن عاد فينتقم الله منه ﴾ فإنه جعل جزاء العائد الانتقام لا الكفارة.

الخامسة: قال الشافعي: إذا أصاب صيداً أعور أو مكسور اليد أو الرجل فداه بمثله والصحيح أحب، وكذا الكبير لأجل الصغير.

والذكر يفدى بالذكر والأنثى بالذكر والأنثى والأولى أن لا يغير تحقيقاً للمثلية.

فالأنثى أفضل لأنها تلد، والذكر أفضل من حيث إن لحمه أطيب وصورته أحسن.

قوله  ﴿ يحكم به ذوا عدل منكم ﴾ قال ابن عباس: أي رجلان صالحان فقيهان من أهل دينكم ينظران إلى أشبه الأشياء به من النعم فيحكمان به.

وبهذا احتج من نصر قول أبي حنيفة فقال: التقويم هو المحتاج إلى النظر والاجتهاد، وأما الخلقة والصورة فمشاهد لا يفتقر إلى الاجتهاد.

ورد بأن وجه المشابهة بين النعم والصيد أيضاً يتوقف على الاجتهاد.

عن قبيصة بن جابر أنه ضرب ظبياً في الإحرام فمات فسأل عمر - وكان الى جانبه عبد الرحمن ابن عوف - فقال له: ما ترى؟

قال: عليه شاة.

قال: وأنا أرى ذلك، فاذهب فأهد شاة.

قال قبيصة: فخرجت إلى صاحبي وقلت: إن أمير المؤمنين لم يدر ما يقول حتى سأل غيره.

قال: ففاجأني عمر وعلاني بالدرّة وقال: أتقتل في الحرم وتسفه الحكم؟

قال الله  ﴿ يحكم به ذوا عدل منكم ﴾ فأنا عمر وهذا عبد الرحمن.

قال الشافعي: ما ورد فيه نص فهو متبع كما روي أنه  قضى في الضبع بكبش.

وكل ما حكم به عدلان من الصحابة أو التابعين أو من أهل عصر آخر من النعم أنه مثل الصيد المقتول يتبع حكمهم ولا حاجة إلى تحكيم غيرهم لأن بحثهم أوفى ونظرهم أعلى.

وقال مالك: يجب التحكيم فيما حكمت به الصحابة وفيما لم تحكم.

وهل يجوز أن يكون قاتل الصيد حكماً؟

إن كان القتل عمداً عدواناً فلا لأنه يورث الفسق والحكم موصوف بالعدالة، وإن كان خطأ أو كان مضطراً إليه فكذلك عند مالك كما في تقويم المتلفات.

وجوّزه الشافعي لما روي أن بعض الصحابة أوطأ فرسه ظبياً فسأل عمر فقال: احكم فيه.

فقال: أنت خير مني وأعلم يا أمير المؤمنين.

فقال: إنما أمرتك أن تحكم فيه ولم آمرك أن تزكيني.

فقال الرجل: أرى فيه جدياً فقال عمر: فذلك فيه.

وأيضاً فإنه حق الله فيجوز أن يكون من عليه أميناً فيه كما أن رب المال أمين في الزكاة.

ولو حكم عدلان بـأن الله له مثلاً وآخران بأنه لا مثل له فالأخذ بقول الأولين.

ولو حكم عدلان بمثل وآخران بمثل آخر فأصح الوجهين أنه يتخير والآخر أنه يأخذ بالأغلظ.

قيل: في الآية دلالة على أن العمل بالاجتهاد والقياس جائز.

وأجيب بأنه لا نزاع في الصور الجزئية كالاجتهاد في القبلة وكالعمل بشهادة الشاهدين وبتقويم المقوّمين في قيم المتلفات وأروش الجنايات، وكعمل العامي بالفتوى، وكالعمل بالظن في مصالح الدنيا، إنما النزاع في إثبات شرع عام في حق جميع المكلفين باق على وجه الدهر والإنصاف أن تجويز الاجتهاد في القبلة وفي تعيين مثل الصيد المقتول أمر كلي أيضاً.

وانتصب ﴿ هدياً ﴾ على أنه حال من ﴿ جزاء ﴾ عند من وصفه بمثل لأنه حينئذ قريب من المعرفة أو بدل من محل ﴿ مثل ﴾ عند من أضاف، أو حال من الضمير في ﴿ به ﴾ ووصف هدياً ببالغ الكعبة لأن إضافته غير حقيقية تقديره بالغاً الكعبة.

والعرب تسمي كل بيت مربع كعبة ولا سيما إذا كان مرتفعاً.

ومعنى بلوغه الكعبة أن يذبح في الحرم لأن الذبح والنحر لا يقعان في نفس الكعبة ولا في غاية القرب والتلاصق منها فإن دفع مثل الصيد المقتول إلى الفقراء حياً لم يجز.

قال الشافعي: يجب عليه أن يتصدق به في الحرم أيضاً لأن نفس الذبح إيلام ولا قربة فيه وإنما القربة في التصدّق على فقراء الحرم.

وقال أبو حنيفة: له أن يتصدق به حيث شاء لأنها لما وصلت إلى الكعبة فقد خرج عن العهدة.

قوله ﴿ أو كفارة ﴾ عطف على قوله ﴿ فجزاء ﴾ و ﴿ طعام مساكين ﴾ بيان له.

ومن أضاف فللبيان أيضاً أي كفارة من طعام مساكين مثل: خاتم فضة ﴿ أو عدل ذلك ﴾ الطعام ﴿ صياماً ﴾ نصب على التمييز كقولك: لي مثله رجلاً.

وعدل الشيء ما عادله من غير جنسه، والعدل بالكسر المثل تقول: عندي عدل غلامك إذا كان غلاماً يعدل غلاماً، فإذا أردت قيمته من غير جنسه فتحت العين.

ثم مذهب الشافعي أنه يصوم لكل مد يوماً.

ومذهب أبي حنيفة أنه يصوم لكل نصف صاع يوماً وذلك بحسب الاختلاف في طعام مسكين واحد كما مر في كفارة اليمين.

وبالجملة فحاصل مذهب أبي حنيفة أنه يوجب قيمة الصيد يقوّم حيث صيد، فإن بلغت قيمته ثمن هدي تخير بين أن يهدي من النعم ما قيمته قيمة الصيد وبين أن يشتري بقيمته طعاماً فيعطي كل مسكين نصف صاع من بر أو صاعاً من غيره، وإن شاء صام عن طعام كل مسكين يوماً.

وحاصل مذهب الشافعي أن الصيد قسمان: ما له مثل من النعم وما ليس كذلك.

فالأوّل جزاؤه على التخيير والتعديل فيتخير بين أن يذبح مثله فيتصدق به على مساكين الحرم إما بأن يفرق اللحم أو يملك جملته إياهم مذبوحاً، وبين أن يقوّم المثل بدراهم ولا يجوز أن يتصدق بالدراهم ولكن إن شاء اشترى بها طعاماً وتصدق به على مساكين الحرم وإن شاء صام عن كل مد من الطعام يوماً حيث كان.

والثاني وهو ما ليس بمثلي كالعصافير وغيرها.

وبالجملة كل ما دون الحمام أو فوقه فيه قيمته ولا يتصدق بها بل يجعلها طعاماً، ثم إن شاء تصدق بها وإن شاء صام عن كل مد يوماً، فإن انكسر مد في القسمين صام يوماً لأن الصوم لا يتبعض.

فللجزاء في القسم الأوّل ثلاثة أركان: الحيوان والطعام والصيام.

وفي القسم الثاني ركنان: الطعام والصيام و ﴿ أو ﴾ هنا على التخيير في ظاهر المذهب لا على الترتيب.

ووافق مالك وأبو حنيفة لأن "أو" للتخيير غالباً، وخالف أحمد وزفر فقالا إنها في الآية للترتيب لأن الواجب هنا شرع على سبيل التغليظ بدليل قوله ﴿ ليذوق وبال أمره ﴾ والتخيير ينافي التغليظ.

ثم القائلون بالتخيير اتفقوا على أن الخيار في تعيين هذه الثلاثة إلى قاتل الصيد كما هو ظاهر الآية إلا محمد بن الحسن فإنه قال: الخيار إلى الحكمين قياساً على تعيين المثل.

ثم إن يكن الصيد مثلياً فالعبرة في القيمة بمحل الإتلاف قياساً على كل متلف متقوّم، والمعتبر في الصرف إلى الطعام سعر الطعام بمكة.

وإن كان مثلياً وأراد تقويم مثله من النعم ليرجع إلى الإطعام أو الصيام فالعبرة في قيمته بمكة يومئذ أنها محل الذبح لو كان يذبح.

ولا جزاء عل المحرم بأكل الصيد سواء ذبحه بنفسه أو اصطيد له أو بدلالته لأنه ليس بنام بعد الذبح ولا يؤل إلى النماء فلا يتعلق بإتلافه الجزاء، كما لو أتلف بيضة مذرة هذا في الجديد من قولي الشافعي وفي قوله القديم - وبه قال مالك وأحمد - يلزمه القيمة بعدما أكل.

وإذا ذبح المحرم صيداً لم يحل له الأكل منه ولا لغيره في الجديد - وبه قال مالك وأحمد وأبو حنيفة - لأنه يكون ميتة كذبيحة المجوسي حتى لو كان مملوكاً وجب مع الجزاء القيمة للمالك.

وهل يحل له بعد زوال الإحرام؟

أظهر الوجهين لا، وكذا الكلام في الصيد الحرم إذا ذبح.

أما قوله ﴿ ليذوق ﴾ فإنه متعلق بقوله ﴿ فجزاء ﴾ أي فعليه أن يجازي أو يكفر ليذوق، ويحتمل أن يقال: يتعلق بمحذوف أي شرعنا ما شرعنا ليذوق سوء عاقبة فعله وهو هتك حرمة الحرم والإحرام.

والتركيب يدور على الثقل يقال: مرعى وبيل إذا كان فيه وخامة، وطعام وبيل تقيل على الطبع والمعدة.

والأمور الثلاثة اثنان منها نقص في المال فيثقل على الطبع، والثالث وهو الصوم ثقيل على البدن أيضاً، وكل منها نوع عقوبة ﴿ عفا الله عما سلف ﴾ في الجاهلية لأنهم متعبدون بشرع من قبلهم، أو عما سلف قبل التحريم في الإسلام.

وعلى مذهب داود ﴿ عفا الله عما سلف ﴾ في المرة الأولى بسبب أداء الجزاء ﴿ ومن عاد ﴾ فإنه أعظم من أن يعفى بالجزاء ﴿ فينتقم الله منه ﴾ أي فهو ينتقم الله منه وإلا لم يحتج إلى إدخال فاء الجزاء لارتباطه بنفسه.

﴿ أحل لكم صيد البحر ﴾ أي مصيداته.

ويعني بالبحر جميع هذه المياه والأنهار، وجملة ما يصاد منه ثلاث أجناس: الحيتان وجميع أنواعها حلال، والضفادع وجميع أنواعها حرام، وفيما سوى هذين خلاف.

فقال أبو حنيفة: حرام.

وقال ابن أبي ليلى والأكثرون: حلال.

قوله ﴿ وطعامه ﴾ العطف يقتضي المغايرة وفيه وجوه: يروى عن أبي بكر الصديق أن الصيد ما صيد بالحيلة حال حياته، والطعام ما يوجد مما لفظه البحر أو نضب عنه الماء من غير معالجة في أخذه.

وقال جمع من العلماء: الاصطياد قد يكون للأكل وقد يكون لغيره كاصطياد الصدف لأجل اللؤلؤ واصطياد بعض الحيوانات البحرية لأجل عظامها وأسنانها.

فالمعنى أحل لكم الانتفاع بجميع ما يصطاد في البحر، وأحل لكم أكل المأكول منه.

وعن سعيد بن جبير أن الصيد هو الطري، والطعام هو القديد منه وفي الفرق ضعف.

قال الشافعي: السمكة الطافية في البحر محللة لأنه طعام البحر وقد قال  ﴿ أحل لكم صيد البحر وطعامه ﴾ وقال رسول الله  في البحر "هو الطهور ماؤه الحل ميتته" ﴿ متاعاً لكم ﴾ في الحضر طرياً و ﴿ للسيارة ﴾ في السفر مالحاً.

وانتصب ﴿ متاعاً ﴾ على أنه مفعول له ولكنه مختص بالطعام.

وقال الزجاج: انه مصدر مؤكد لأن قوله ﴿ أحل لكم ﴾ في معنى التمتيع ﴿ وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرماً ﴾ قال العلماء: صيد البحر هو الذي لا يعيش إلا في الماء، أما الذي لا يعيش إلا في البر والذي يمكنه أن يعيش في البر تارة وفي البحر أخرى فذاك كله صيد البر، والسلحفاة والسرطان والضفدع وطير الماء كل ذلك من صيد البر،ويجب على قاتله الجزاء.

واتفق المسلمون على أن المحرم يحرم عليه الصيد الذي صاده أما الذي صاده الحلال فعن علي وابن عباس وابن عمر وسعيد بن جبير وطاوس والثوري واسحق أن الحكم كذلك لإطلاق الآية، ولما روي عن علي أن النبي  أهدي إليه حمار وحش وهو محرم فأبى أن يأكله.

وقال مالك والشافعي وأحمد: إن لحم الصيد مباح للمحرم بشرط أن لا يصطاده المحرم ولا يصطاد له لما روى أبو داود في سننه عن جابر أن رسول الله  قال: "صيد البر لكم حلال ما لم تصيدوه أو يصاد لكم" وعن أبي هريرة وعطاء ومجاهد أنهم أجازوا للمحرم ما صاده الحلال وإن صاده لأجله إذا لم يدل ولم يشر، وكذلك ما ذبحه قبل إحرامه وهو مذهب أبي حنيفه وأصحابه لما روي عن أبي قتادة أنه اصطاد حمار وحش وهو حلال في أصحاب محرمين له فقال رسول الله  : هل أشرتم؟

هل أعنتم؟

فقالوا: هل بقي من لحمه شيء؟

قالوا معنا رجله.

فأخذها النبي  فأكلها.

هذان قولان مفرعان على تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد.

وقال في الكشاف.

أخذ أبو حنيفة بالمفهوم فكأنه قيل: وحرم عليكم أيها المحرمون ما صدتم في البر، فيخرج عنه مصيد غيرهم.

ويرد عليه أن المفهوم ليس بحجة.

ثم حث على الطاعة والاجتناب عن المعاصي بقوله ﴿ واتقوا الله الذي إليه تحشرون ﴾ وهو كلام جامع للوعد والوعيد.

ثم ذكر سبب حرمة الصيد في الحرم وفي الإحرام فقال ﴿ جعل الله ﴾ أي حكم وبين بالخطاب والتعريف، أو صير بخلق دواعي التعظيم في القلوب ﴿ قياماً للناس ﴾ وهم العرب ووجه المجاز أن أهل بلدة إذا قالوا "الناس فعلوا كذا" أرادوا أهل بلدتهم فنطق القرآن على مجرى عادتهم.

وبيان القيام أن قوام المعيشه إما بكثرة المنافع وقد جعله بحيث يجبي إليه ثمرات كل شيء، وإما بدفع المضار وقد صيره حرماً آمناً، وإما بحصول الجاه والرياسة وتوفر الدواعي والرغبات وذلك بدعاء إبراهيم  .

﴿ فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم  ﴾ ثم المنافع الدينية الحاصلة من مناسكها وشعائرها أكثر من أن تحصى وأظهر من أن تخفى.

وانتصب ﴿ البيت الحرام ﴾ على أنه عطف بيان على جهة المدح لا على جهة التوضيح إذ الكعبة أوضح من أن توضح، ويحتمل أن يراد بالناس عامة الناس لما يتم لهم من أمر حجهم وعمرتهم وتجارتهم وأنواع منافعهم الدينية والدنيوية.

وعن عطاء بن أبي رباح: لو تركوه عاماً واحداً لم ينظروا ولم يؤخروا.

وتفسير الشهر الحرام والهدي والقلائد تقدم في أوّل السورة.

وإنما كان الشهر الحرام سبباً لقيام الناس وقوامهم لأنه إذا دخل الشهر الحرام كان يزول خوفهم ويقدرون على الأسفار وتحصيل الأقوات قدر ما يكفيهم طول السنة، فلولا حرمة ذلك لهلكوا من الجوع.

وأيضاً هو سبب لاكتساب الثواب من قبل مناسك الحج وإقامتها.

وأما الهدي فأنه نسك للمهدي وقوام لمعايش الفقراء، وكذا القلائد فكان من قلد الهدي أو قلد نفسه من لحاء شجر الحرم لم يتعرض له أحد، وكل ذلك لأن الله  أوقع في قلوبهم تعظيم الكعبة وما يتعلق بها ذلك الذي ذكر من جعل الكعبة قياماً للناس أو من حفظ حرمة الإحرام والحرم مشروع ﴿ لتعلموا أن الله يعلم ما في السموات وما في الأرض ﴾ وذلك أنه علم في الأزل أن مقتضى طباع العرب الحرص على القتل والغارة وكان ذلك مما يفضي إلى الفناء وانقطاع النسل، فدبر هذا التدبير المحكم والفعل المتقن كي يصير سبباً للأمان في بعض الأمكنة وفي بعض الأزمان فتستقيم مصالح الإنسان.

ولا ريب أن مثل هذا التقدير والتدبير لا يصح إلا ممن يعلم الكائنات وأسبابها وغاياتها بل يعلم المعلومات بأسرها كلياتها وجزئياتها قديمها وحديثها، عللها ومعلولها، موجودها ومعدومها، وذلك قوله ﴿ وأن الله بكل شيء عليم ﴾ فما أحسن هذا الترتيب!

ثم خوّفهم وأطمعهم بقوله ﴿ اعلموا أن الله شديد العقاب ﴾ لمن انتهك محارمه ﴿ وأن الله غفور رحيم ﴾ لمن حافظ عليها.

وذكر الوصفين في جانب الرحمة دليل على أن جانب الرحمة أغلب كما قال "سبقت رحمتي غضبي" .

ثم قرر أن الرسول الله ما كان مكلفاً إلا بالتبليغ فإذا بلغ خرج من العهدة وبقي الأمر من جانبكم وأنه  يعلم جهركم وسركم، وفيه من الوعيد ما فيه، عن جابر أن النبي  قال "إن الله عز وجل حرم عليكم عبادة الأوثان وشرب الخمر والطعن في الأنساب ألا وإن الخمر لعن الله شاربها وعاصرها وساقيها وبائعها وآكل ثمنها.

فقام إليه أعرابي فقال: يا رسول الله إني كنت رجلاً كانت هذه تجارتي واستفدت من بيع الخمر مالاً فهل ينفعني ذلك المال إن عملت فيه بطاعة الله؟

فقال له النبي  : إن أنفقته في الحج أو جهاد أو صدقة لم يعدل عند الله جناح بعوضة، إن الله لا يقبل إلا الطيب" ، وأنزل الله عز وجل تصديقاً لقول رسوله ﴿ قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث ﴾ وهو عام في حرام الأموال وحلالها وفاسد الأعمال وصالحها وسقيم المذاهب وصحيحها ورديء النفوس وجيدها، وأخبث الخبائث الروحانية الجهل والمعصية، وأطيب الطيبات الروحانية معرفة الله  وطاعته، والبون بين الصنفين في العالم الروحاني أبعد منه في العالم الجسماني، لأن أثرهما في عالم الأرواح أبقى وأدوم وأجل وأعظم، فلا تستبدل الخيبث يا إنسان بالطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث، لأن كثرته في تحقيق قلة، ولذته في نفس الأمر ذلة، ونقده زيف وصرف العمر في طلبه حيف.

التأويل: ﴿ لا تحرموا ﴾ على أنفسكم بالاستمتاعات النفسانية ﴿ طيبات ما أحل الله لكم ﴾ دون سائر المخلوقات من المواهب الربانية ﴿ ولا تعتدوا ﴾ ولا تجاوزوا عن حد العبودية ﴿ وكلوا مما رزقكم الله ﴾ واجتهدوا في طلب ما خصكم به الله من تجلى جماله وجلاله ﴿ حلالاً طيباً ﴾ يحل فيكم بريئاً من سمات النقائص.

﴿ باللغو في أيمانكم ﴾ أن تحلفوا بآلائه عن التبرم من ولائه لملالة النفوس وكلالة القوي واستيلاء النفس وغلبة سلطان الهوى في أثناء المجاهدات وإعواز المشاهدات ﴿ ولكن يؤاخذكم ﴾ إذا عزمتم على الهجران وتعرضتم للخذلان ﴿ فكفارته ﴾ حينئذ ﴿ إطعام عشرة مساكين ﴾ الحواس الظاهرة والباطنة.

﴿ من أوسط ما تطعمون أهليكم ﴾ وهم القلب والسر والروح والخفاء، طعامهم الشوق والمحبة والصدق والإخلاص والتفويض والتسليم والرضا والأنس والهيبة والشهود والكشوف، وأوسطه الذكر والتذكر والفكر والتفكر والشوق والتوكل والتعبد والخوف والرجاء يشغل الحواس العشرة بهذه الأمور، أو يكسوهم لباس التقوى، أو يحرر رقبة النفس من عبودية الحرص والهوى ﴿ فمن لم يجد ﴾ أمسك في اليوم الماضي عما عزم عليه وفي اليوم الحاضر عما لا يعنيه وفي اليوم المستقبل عن العود إليه.

ومن لغو اليمين عند أرباب اليقين أن الطالب الصادق عند غلبات الشوق ووجدان الذوق يقسم عليه بجماله وحلاله أن يرزقه شيئاً من إقباله ووصاله وذلك في شريعة الرضا لغو، وفي مذهب التسليم سهو ولكن يرجى له عفو فلا يؤاخذه بمقاله لعلمه بضعف حاله والكمال في الثبات والاستقامة.

أريـد وصـالـه ويـريـد هجـري *** فـأتـرك مـا أريـد لمـا يـريـد ومن اللغو في اليمين عندهم ما يجري على لسانهم في حال غلبات الوجد من تجديد العهد وتأكيد العقد كقول بعضهم: وحقـك مـا نظــرت إلـى سـواكـا *** بعـين مــودّة حتــى أراكــا فإن هذا ينافي التوحيد وأين في دار ديار كلا بل هو الله الواحد القهار ﴿ ليس على الذين آمنوا ﴾ بالتقليد ﴿ وعملوا الصالحات ﴾ الأعمال البدنية الشرعية ﴿ جناح فيما طعموا ﴾ من المباحات ﴿ إذا ما اتقوا ﴾ الشبهة والإسراف ﴿ وآمنوا ﴾ بالتحقيق بعد التقليد ﴿ وعملوا الصالحات ﴾ الأعمال القلبية الحقيقية من تخلية القلب عما سواه ومن تحليته بالأخلاق المضادة لهواه كالصدق والإخلاص والتوكل والتسليم وما عداه ﴿ ثم اتقوا ﴾ شرك الأنانية ﴿ وآمنوا ﴾ بهويته ﴿ ثم اتقوا ﴾ هذا الشرك وهو الفناء في الفناء ﴿ وأحسنوا ﴾ وهو البقاء به فافهم جعل الله البلاء لأهل الولاء كاللهب للذهب فقال ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ إيمان المحسنين الذين تجردوا عن ملاذ وشهواتها الحلال وأحرموا بحج الوصول وعمرة الوصال ﴿ ليبلونكم الله ﴾ في أثناء السلوك بشيء من الصيد وهو المطالب النفسانية والمقاصد الدنيوية الدنية.

﴿ تناله أيديكم ﴾ يعني اللذات البدنية ورماحكم يعني اللذات الخيالية ﴿ فله عذاب ﴾ الردّ والصد ﴿ لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ﴾ يعني من أحرم لزيارة كعبة الوصال فعليه حسم الأطماع من الحرام والحلال ﴿ متعمداً ﴾ أي عالماً بما في الالتفات إلى غيره من المضار ﴿ مثل ما قتل من النعم ﴾ يجازي نفسه برياضة ومجاهدة يماثل ألمها تلك اللذة ﴿ ذوا عدل ﴾ هما القلب والروح يحكمان على مقدار الإسلام وعلى حسب قوّة السالك بتقليل الطعام والشراب، أو ببذل المال أو بترك الجاه أو بالعزلة وضبط الحواس ﴿ هدياً بالغ الكعبة ﴾ خالصاً عن الخلق لأجل الحق ﴿ طعام مساكين ﴾ هم العقل والقلب والسر والروح والخفاء كانوا محرومين عن أغذيتهم الروحانية فيطعمهم المعاملات الروحانية من صدق التوجه والصبر على المكاره والفطام عن المألوفات ومن الشكر والرضا وغير ذلك.

﴿ أو عدل ذلك صياماً ﴾ هو الإمساك عن الأغيار والركون إلى الواحد القهار لتذوق النفس الأمارة وبال أمرها، فإن كل هذه الأمور على خلاف طبعها ﴿ ذو انتقام ﴾ ينتقم من أحبائه بنقاب الدلال، ومن أعدائه بحجاب الملام والملال.

﴿ أحل لكم صيد ﴾ بحر المعارف والكشوف تنتفعون بالواردات وتطعمون منها السائرين إلى الله من أهل الإرادات ﴿ صيد البر ﴾ ما سنح للسائرين من مطالب الدنيا ﴿ ما دمتم حرماً ﴾ أي في حال المحو لا في حال الصحو.

﴿ جعل الله الكعبة ﴾ كعبة الظاهر ﴿ قياماً ﴾ للعوام والخواص يستنجحون بها حاجاتهم الدنيوية والأخروية، وكعبة القلب قواماً للخواص ولخواص الخواص يلوذون بها بدوام الذكر ونفي الخواطر حتى يعلموا أن لا موجود إلا هو، ولا وجود إلا له ﴿ البيت الحرام ﴾ حرام أن يسكن في كعبة القلب غيره والشهر الحرام هو أيام الطلب حرام على الطالب فيها مخالطة الخلق وملاحظة ما سوى الحق.

والهدي هو النفس البهيمية تساق إلى كعبة القلب مع قلائد أركان الشريعة فتذبح على عتبة القلب بسكين آداب الطريقة عن شهواتها، فإذا وصل العبد إلى كعبة القلب شاهد بأنواره أن لله ما في السموات وما في الأرض.

﴿ شديد العقاب ﴾ يسدل الحجاب لغير الأحباء غفور رحيم للصادقين في الطلب بفتح الأبواب ﴿ إلا البلاغ ﴾ بالقال يتلو عليهم آياته وبالحال ويزكيهم ﴿ ما تبدون ﴾ بإقرار اللسان ﴿ وما تكتمون ﴾ من تصديق الجنان الخبيث ما يشغلك عن الله والطيب ما يوصلك إلى الله بل الطيب هو الله والخبيث ما سوى الله وفي ذلك كثرة والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لَيَبْلُوَنَّكُمُ ٱللَّهُ بِشَيْءٍ مِّنَ ٱلصَّيْدِ ﴾ وليس فيه بيان أنه ابتلي بالأمر فيه أو بالنهي، لكن بيانه في آية أخرى: أن الابتلاء إنما كان بالنهي عن الاصطياد بقوله: ﴿ وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَٱصْطَادُواْ  ﴾ دل هذا على أن المحرم كان منهيّاً عن الاصطياد: [بقوله: ﴿ وَإِذَا حَلَلْتُمْ ﴾ ]، وأن الابتلاء الذي ذكر في الآية كان بالنهي عن الاصطياد، والله أعلم.

ثم اختلف في الآية: قال بعضهم: النهي بشيء من الصيد لأهل الحرم؛ ألا ترى أنه روي في الخبر قال: "لاَ يُنَفَّرُ صَيْدُّهَا، وَلا يُخْتَلى خَلاَهَا، وَلاَ يُعْضَدُ شَجَرُهَا" فكان الابتلاء بالنهي عن الصيد لأهل الحرم؛ لما أخبر أنه لا ينفر صيدها، وأما المحرم فإنما نهي عن الاصطياد بقوله: ﴿ وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَٱصْطَادُواْ  ﴾ وبقوله: ﴿ لاَ تَقْتُلُواْ ٱلصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ  ﴾ .

وقال آخرون: الابتلاء بالنهي عن الاصطياد للمحرمين، وفي قوله: ﴿ لاَ تَقْتُلُواْ ٱلصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ﴾ نهي عن قتله، وهنالك نهي عن أخذه بقوله: ﴿ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ ﴾ .

وقوله -  -: ﴿ بِشَيْءٍ مِّنَ ٱلصَّيْدِ ﴾ : أي: في بعض الصيد دون بعض؛ لأن المحرم لم ينه عن أخذ صيد البحر وإنما نهي عن أخذ صيد البر بقوله: ﴿ أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ ٱلْبَحْرِ  ﴾ [وقال -  -]: ﴿ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ ٱلْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً ﴾ فذلك معنى قوله: ﴿ بِشَيْءٍ مِّنَ ٱلصَّيْدِ ﴾ ، والله أعلم.

ويحتمل على التقديم والتأخير، كأنه قال: ليبلونكم الله بشيء تناله أيديكم ورماحكم من الصيد، والله أعلم.

ثم اختلف في قوله: ﴿ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ ﴾ : قال بعضهم: ما تناله الأيدي هو البيض؛ وعلى هذا يخرج قولنا: إن المحرم منهي عن أخذ البيض، فإن أخذ بيضاً فإن عليه الجزاء، والذي يدل على ذلك ما روى أبو هريرة -  - قال: قال رسول الله  : "فِي بَيْضِ النَّعَامِ صِيَامُ يَوْمٍ أَوْ إِطْعَامُ مِسْكِينٍ" وعن كعب بن عجرة أن رسول الله  قضى في بيض نعام أصابه محرم بثمنه.

وعن ابن عباس -  - عليه ثمنه أو قيمته.

وعن ابن مسعود -  - مثله.

وقال بعضهم: تناله أيديكم: هو صيد الصغار، وهي الفراخ التي لا تطير فتؤخذ بالأيدي أخذا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَرِمَاحُكُمْ ﴾ قال بعضهم: ما رميت وطعنت.

وقيل في قوله: ﴿ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ ﴾ : ما يؤخذ بغير سلاح، ﴿ وَرِمَاحُكُمْ ﴾ : ما يؤخذ بالسلاح من نحو: النبل، والرماح، وغيرهما من السلاح.

ثم في الآية دلالة أن المحرم قد نهي عن أخذ الصيد، وكذلك في قوله -  -: ﴿ وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَٱصْطَادُواْ  ﴾ والاصطياد: هو الأخذ لا القتل، وإنما النهي عن القتل في قوله: ﴿ لاَ تَقْتُلُواْ ٱلصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ لِيَعْلَمَ ٱللَّهُ مَن يَخَافُهُ بِٱلْغَيْبِ ﴾ .

ليعلم ما قد علم أنه يكون كائناً، أو أن يقال: ليعلم ما قد علم غائباً عن الخلق شاهداً؛ كقوله -  -: ﴿ عَٰلِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ...

﴾ الآية [الأنعام: 73].

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَن يَخَافُهُ بِٱلْغَيْبِ ﴾ اختلف فيه: قال بعضهم: يخافه بالغيب: بغيب الناس؛ أي: يخافه وإن لم يكن بحضرته أحد.

وقال آخرون: يخاف العذاب بالأخبار وإن لم يشهد ويصدق، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ بَعْدَ ذٰلِكَ ﴾ .

أي: من استحل قتل الصيد بعد ما ورد النهي والتحريم ﴿ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ .

والثاني: من اعتدى على الصيد بعد النهي على غير استحلال، ﴿ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ إن شاء عذب، وإن شاء عفا، وإذا عذب كان عذابه أليماً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْتُلُواْ ٱلصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ﴾ أي: وأنتم محرمون.

الآية في ظاهرها عامة على قتل الصيد كله، ثم إن رسول الله  رخص في أشياء أذن في قتلها فقال: "خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ لاَ جَنَاحَ عَلَى مَنْ قَتَلَهُنَّ وَهُوَ مُحْرِمٌ في الحرَمِ: الحِدَأَةُ، والغُرَابُ، والعَقْرَبُ، والفَأْرَةُ، وَالْكَلْبُ العَقُورُ" وعن عائشة -  ا -: قالت: "أمر رسول الله  بقتل خمس فواسق في الحل والحرم: الحدأة، والغراب، والفأرة، والعقرب، والكلب العقور" وفي بعض [النسخ و] الأخبار: الذئب؛ فيحتمل أن يكون الكلب العقور: الذئب.

وروي عن أبي سعيد الخدري أن [رسول الله]  سئل عما يقتل المحرم؟

فقال: "الحَيَّةُ وَالْعَقْرَبُ، والفُوَيْسِقَةُ.

[وَيَرْمِي الغُرَابَ وَلا يَقْتُلُهُ،] والكُلْبُ العَقُورُ والسَّبُعُ العادِي" والكلب العقور الذي أمر المحرم بقتله: ما قتل الناس وعدا عليهم، مثل: الأسد، والنمر، والذئب، وما كان من السباع لا يعدو، مثل: الضبع، والثعلب، والهرة، وما أشبههن من السباع فلا يقتلهن المحرم، فإن هو قتل شيئاً منهن فداه، وإن قتل شيئاً من الطير سوى ما ذكر في الخبر فعليه جزاؤه.

وفي بعض الأخبار عن رسول الله  قال: "يَقْتُلُ المُحْرِمُ الفَأْرَةَ؛ فإِنَّهَا تُوهِنُ السِّقَاء" وقال بعض الناس: ما قتل المحرم من السباع التي لا يؤكل لحمها؛ فلا فدية عليه؛ فكان تاركاً لظاهر الآية، وهو قوله -  -: ﴿ لاَ تَقْتُلُواْ ٱلصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ﴾ .

فإن احتج بحديث ابن عمر -  - أن النبي  رخص للمحرم في قتل خمس من الدواب، وذلك ما لا يؤكل لحمه - قيل: أباح النبي  قتل الخمس؛ لعلةٍ: أنه لا يؤكل لحمها.

فإن قال: نعم - قيل: ما الدليل على ذلك؟

فإن قال: لأنها لا تؤكل؛ فكل ما لا يؤكل من الصيد فقتله مباح؛ فيقال له: قولك: "لا يؤكل" ليس بعلة؛ لأن ذلك لا يزول ولا يتغير، والعلة هي التي تحدث في وقت وتزول في وقت، ولو كان قول القائل: "لا يؤكل"، علةً فيما لا يؤكل - كان قوله: "يؤكل"، علةً فيما يؤكل، وكان الشيء علة لنفسه.

وهذا بين الخطأ، وإذا لم يكن تحريم أكل الخمسة التي أذن النبي  في قتلها للمحرم علة في إطلاق قتلها، ما كان القياس عليها على ما لا يحل أكله مخطئا؛ لأن القياس إنما يكون على العلل، وما لا علة فيه لا يجوز القياس عليه.

وعندنا: أن هذه الخمسة المسماة تبتدىء المحرم وغيره بالأذى، وإن لم يبتدئها المحرم، وما سوى ذلك مما لا يؤكل لحمه - لا يكاد يبتدىء بالأذى حتى يبتدئها الإنسان؛ فحينئذ تعرض له.

وبيان ذلك: أن الحدأة ربما أغارت على اللحم تراه في يدي الرجل، والغراب يسقط على وبر الدواب فيفسده، والعرب تقصد من تلدغه، وتتبع حسَّه، والكلب العقور لا يكاد يهرب من الناس كما يهرب السباع سواه.

فأما الضبع والخنزير والكلب والذئب وأشباهها فهي تهرب من بني آدم، ولا تكاد تؤذيهم حتى يبدءوها بالأذى؛ [لذا] جعلنا العلة فيما رخص النبي  للمحرم في قتله: ما يعرف من قصدها لأذى المحرم وإن لم يؤذها المحرم؛ إذا كان ذلك معروفاً فيها، معلوماً أنه أكثر شأنها؛ فلما لم يكن في سائر الطير المحرمة والسباع هذه العلة، وكان المعروف فيها أنها لا تبتدىء بالأذى - لم يجز أن تشبه بالخمسة المسماة في الخبر، فإذا ابتدأ منها مبتدىء المحرمَ بالأذى؛ كان حينئذ مثل الخمسة؛ فجاز له قتلها بغير فدية.

وبعد: فإن الذي لا يؤكل لحمه يسمى: صيداً، والصيادون يصيدونه؛ فكان داخلا تحت عموم الخطاب، ومخالفنا تارك لأصله في العموم؛ لأنه خص الآية بغير دليل، ومن أصله أن الآية على العموم، [و] لا تخص إلا بالدليل، وأصحابنا - رحمهم الله - يجعلون الصيد كله محظوراً أكل أو لم يؤكل إلا ما عدا منها، فإن قتله قبل أن يعدو عليه لزمه الفداء؛ ذهبوا في ذلك: إلى ما روي في الخبر: [خبر] أبي سعيد -  - عن رسول الله  أنه قال: "يَقْتَلُ المُحْرِمُ كَذَا وَكَذا وَالسَّبُعَ العَادِي" ، فالعادي: ما يعدو على المحرم.

وإلى ما روي عن علي بن أبي طالب -  - وغيره، مع ما روي عن النبي  أنه جعل على المحرم قَتَلَ ضبعاً - جزاءه، وكذلك روي عن عمر وابن عباس وابن عمر -  م - وهي مما يؤكل.

وعن جابر قال: سئل النبي  عن الضبع؛ فقال: "هُوَ صَيْدٌ، وَفِيهِ كَبْشُ" .

وعن عمر -  - كذلك، وابن عباس وابن عمر -  ما - كذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّداً فَجَزَآءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ ٱلنَّعَمِ ﴾ .

اختلف في الآية في تأويلها على وجهين: أحدهما: من جعل الآية على ظاهرها؛ فلم يوجب في الخطأ كفارة: عن ابن عباس -  - قال: إذا أصاب المحرم الصيد خطأ؛ فليس عليه شيء.

وكذلك روي عن عطاء وسالم والقاسم أنهم قالوا: لا شيء عليه، مثل قول ابن عباس،  .

والقول الثاني: ما قاله أكثر أهل التأويل: قالوا: قوله: ﴿ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّداً ﴾ لقتله، ناسياً لإحرامه؛ فذلك الذي يحكم عليه، وهو [الخطأ] المكفر.

وإن قتله متعمداً لقتله، ذاكراً لإحرامه - لم يحكم عليه.

وكذلك روي عن الحسن أنه قال: متعمداً لصيده، ناسياً لإحرامه، وقال: ﴿ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ ٱللَّهُ مِنْهُ ﴾ متعمدا للصيد، وذاكراً لإحرامه؛ فكأنهم ذهبوا إلى أن المحرم لا يقصد قصد الصيد وهو ذاكر لإحرامه.

أحسنوا الظن به.

وعندنا: أن الإحرام مما لا يجوز أن يخفى على المحرم ونساه؛ لأن للإحرام أعلاما تذكره تلك الأعلام الحال التي هو فيها، وعندنا: أن ما لا يجوز أن ينسى ويخفى على المرء لم يعذر صاحبه في نسيانه، وعندنا: أن على قاتل الصيد الكفارة، عمداً قتله أو خطأ، وليس تخلو الآية من أن تكون أوجبت الكفارة على المتعمد للقتل [الناسي لإحرامه؛ كما قال الحسن ومجاهد، أو تكون أوجبت الكفارة على المتعمد للقتل] ذاكراً لإحرامه؛ فإن كان وجب أن يكفر من قتله عامداً لقتله، ناسيا لإحرامه - فإن الذي يقتله عامداً لقتله ذاكراً لإحرامه أولى بالكفارة؛ لأن ذنبه أعظم، وجرمه أكبر.

فإن قيل: إنكم لا توجبون الكفارة على قاتل النفس عمداً؛ فما منع أن يكون قتل الصيد مثل ذلك وإن كان حرمته أعظم كما؟!

قيل: إن قاتل النفس عمداً - وإن كنا لم نوجب عليه الكفارة - فقد أوجبنا عليه القصاص، وهو أغلظ من الكفارة، وقاتل الصيد عامداً لقتله ذاكراً لإحرامه، لو أزلنا عنه الكفارة - فلا شيء عليه سواها؛ لذلك اختلفا.

ثم نقول: إنا عرفنا الحكم في قتل الصيد عمداً بالكتاب، والحكمُ في قتل الصيد في الخطأ إنما يعرف بغيره، وليس في ذكر الحكم وبيانه في حالٍ دليل نفيه في حال أخرى؛ دلنا على هذا مسائل قد ذكرناها فيما تقدم في غير موضع كرهنا إعادتها في هذا الموضع.

ثم تخصيص ذكر الكفارة في قتل العمد يحتمل وجوهاً: أحدها: أن الكفارة في قتل النفس إنما ذكرت في قتل الخطأ [و] لم تذكر في قتل العمد؛ ليعلم: أنها إذا أوجبت في العمل فهي في الخطأ أوجب.

والثاني: أن الكفارة إنما وجبت بجنايته على صيد آمن به في الحرم، وكل ذي أمانة إذا أتلف الأمانة لزمه الغرم، عمداً كان إتلافه أو خطأ؛ فعلى ذلك هذا، والله أعلم.

والثالث: أن ذكر التخيير في حال الضرورة [يخرج مخرج التوسيع والتخفيف على أهلها، ولا يكون ذلك في غير حال الضرورة]؛ فدل ذكره في غير حال الضرورة على أن ذلك كالمذكور في حال الضرورة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَجَزَآءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ ٱلنَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ ﴾ .

اختلف أهل العلم فيما يجب من المثل: فقال: قوم: في الظبي شاة، وفي النعامة: [بدنة]، وفي الحمار [الوحشي]: بقرة، وأشباه ذلك.

وقال آخرون: المثل: قيمة الصيد، يقومه عدلان فيوجبان قيمته دراهم، فيشتري بتلك الدراهم شاة، أو يجعله طعاماً، فيتصدق به: على كل مسكين نصف صاع، أو يصوم عن كل نصف صاع يوماً.

وقال غيرهم: إن بلغ دما - ذبح شاة، وإن لم يبلغ دماً: يتصدق به.

وأما قولنا: إن المثل هو القيمة، لا المثل في رأي العين: ذهبنا في ذلك إلى وجوه: أحدها: أن المحرم إذا أصاب صيداً في هذا الوقت - حكم بجزائه حكمان؛ فلو كان مثلُ الظبي شاةً في كل الدهور والأوقات - كان في جعلنا ما تقدم من أصحاب النبي  والسلف من الحكم في ذلك كافياً لا يحتاج إلى حكم غيرهم؛ فدل إجماعهم على أن حكم الحكمين باق، على أن المثل غير مؤقت؛ بل هو مختلف على قدر الأزمنة والمواضع والأوقات، وإذا جعلنا المثل قيمة كانت الحاجة إلى الحكمين قائمة، وإذا جعلناه هدياً فالحاجة إليهما زائلة؛ ولا يجوز أن يعطل أمر الحكمين وقد ذكره الله في كتابه.

والثاني: ما أجمعوا عليه أن ما لا مثل له في الأنعام من الصيد إذا أصابه المحرم فعليه قيمته؛ فإذا كان المثل في بعض الصيد قيمته، فهو في كل الصيد قيمته، وكذلك روي عن ابن عباس وغيره من السلف -  م - أنهم قالوا ذلك.

فإن قيل: ما لا مثل له من النعم لا يمكن قيمته أكثر من قيمته، قيل له [ترى] ذلك مثلاً؟

فإن قال: بلى، قيل: فقد صارت القيمة مثلا في بعض الصيد، فما منع أن تكون مثلا في كل الصيد؟

فإن قال: المثل: هو الهدى فيما له مثل، فأما ما لا مثل له من الهدى، فليس الواجب فيه بمثل، إنما ذلك قيمة، ولم يجب ذلك بنص الكتاب، وإنما وجب - ذلك بنص الكتاب - المثل من الهدى، فأما ما لا مثل له: فإنما وجب قيمته بالإجماع، قيل له: حدثنا عن قول الله -  -: ﴿ لاَ تَقْتُلُواْ ٱلصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ﴾ ، هل دخل في عموم الآية الفرخ ونحوه؛ فيكون منهيّاً عن قتله؟

فإن قال: نعم، قيل: فإذا دخل الفرخ في عموم النهي عن قتل الصيد فهو - أيضاً - داخل في عموم قوله: ﴿ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّداً...

﴾ الآية.

فإن قال: لا يدخل الفرخ في عموم قوله -  -: ﴿ لاَ تَقْتُلُواْ ٱلصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ﴾ قيل له: قد قال الله -  -: ﴿ لَيَبْلُوَنَّكُمُ ٱللَّهُ بِشَيْءٍ مِّنَ ٱلصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ  ﴾ فروي أن ذلك في البيض والفراخ، فإن لم يجعل الفراخ ولا شيئا منها داخلا في الآية، فما معنى الآية؟

ونحن لا ننال بأيدينا من الصيد إلا ضعافه وما يعجز عن الطيران والعدو منه، فالآية توجب أن الصيد كله قد دخل في عمومها: ما قَلَّت قيمته، وما كثرت، وذلك يوجب أن يكون الواجب من قيمة الفرخ والعصفور مِثْلاً، والله أعلم.

ولأن النعامة لا مثل لها من النعم، فمن أوجب فيها بدنة فقد أوجب فيها ما ليس بمثل لها ولا نظير، ومن أوجب فيها قيمتها فقد أوجب مثلا لها، فهو موافق للنص عندنا، والله أعلم.

وكذلك الموجب في الحمامة شاة لا تشبه الصيد المقتول في عينه، ولا في صفته، ولا في جنسه، فهو غير موجب المثل، بل الموجب فيها القيمة أقرب إلى إيجاب المثل فيها، والله أعلم.

فإن قيل: كيف يسمَّي قيمة الشيء: "مثلا" وليست من جنسه، وإنما المثل ما كان من جنس الشيء؟

قيل: قد ذكرنا أن قيمة ما لا مثل له من النعم تسمى: "مثلا"، ولأن الله -  - قال: ﴿ أَو عَدْلُ ذٰلِكَ صِيَاماً ﴾ ، وإذا جاز أن يسمى الصيام: "عدلا" للطعام، جاز أن تسمى القيمة: "عدلا" للصيد، وإنما صار الصيام عدلا للطعام بالتقويم والمثل، والعدل في المعنى متقارب، والله أعلم.

ولأن الله -  -: قال ﴿ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ ﴾ ، ولو كان المراد من المثل: المنظور في رأي العين، لم يكن لشرط ذوي عدل فيه معنى؛ لأن المثل في رأي العين يعرفه كل أحد به بصر، فيه أو لم يكن؛ فدل ما شرط من نظر ذوي عدل [على] ما بطن فيه وخفي، لا ما ظهر، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ ﴾ تأويله ما ذكرنا: ينظر إلى رجلين عدلين، لهما بصر ومعرفة في ذلك، فيقومانه، ثم يشتري بها هدياً إن شاء، فيهدي، وإن لم يبلغ هدياً قومت الدراهم طعاماً، فإن لم يجد، صام مكان كل نصف صاع يوماً.

وروي عن ابن عباس -  - كذلك، والحسن، وإبراهيم، والقاسم، والسلف جملة.

وعندنا: أنه مخير بين هذه الأشياء الثلاثة، يفعل أي هذه الثلاثة شاء؛ لأن الله -  -: قال في المحصر: ﴿ وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حَتَّىٰ يَبْلُغَ ٱلْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ  ﴾ ، ولا خلاف بينهم في أن لصاحب الفدية في حلق الرأس أن يفعل أي هذه الثلاثة شاء، فالواجب أن يكون في جزاء الصيد مثله؛ لأن الخطاب خرج على حرف التخيير، وكل خطاب خرج على حرف التخيير، وكان سبب وجوبه واحدا - فهو على التخيير؛ نحو كفارة اليمين، وما ذكرنا في دفع الأذى عن رأسه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ هَدْياً بَالِغَ ٱلْكَعْبَةِ ﴾ شرط بلوغ الكعبة، وهو لا يبلغ نفس الكعبة؛ فدل أن المراد رجع إلى بلوغه قرب الكعبة، وعلى هذا يخرج قولهم فيمن حلف ألا يمر على باب فلان، فمر بقرب بابه - حنث؛ استدلالا بقوله: ﴿ هَدْياً بَالِغَ ٱلْكَعْبَةِ ﴾ ، لم يرد به بلوغه عين الكعبة، ولكن قربها أو مكانها؛ فعلى ذلك هذا، والله أعلم.

وكان محمد بن الحسن يقول: يحكم عليه بمثله من النعم حيث كان.

وأبو حنيفة -  - يقول: يحكم عليه بقيمة الصيد في الموضع الذي أصابه فيه.

واختلافهما في هذا يرجع إلى ما اختلفا فيه من المثل عينا أو قيمة.

وقد روي عن عمر، وعبد الرحمن -  ما - وغيرهما أنهم حكموا في الظبي شاة، ولم يسألوا عن الموضع الذي أصيب فيه؛ فدل تركهم السؤال عن ذلك [على] أن المواضع كلها كانت عندهم سواء، وأنهم أجروه مجرى الكفارات دون القيم؛ لأنهم لو أجروا ذلك مجرى ضمان القيم، لسألوا عن أماكن الجنايات؛ إذ كان الصيد يختلف قيمته، ولا يستوي في ذلك الأماكن كلها؛ فهذا يؤيد قول محمد ومن وافقه.

وأما عند أبي حنيفة - رحمه الله - أن الملك للحرم في الصيد، وكل من أتلف ملك آخر أو جنى على مال أحد، إنما ينظر إلى قيمته في المكان الذي أتلفه؛ فعلى ذلك النظر في الصيد إلى المكان الذي أصابه.

ثم المسألة في جزاء الصيد أين يذبح؟

عندهم جميعاً: لا يجوز أن يذبح إلا بمكة؛ لأنه لو جاز أن يذبح في غير الحرم حيث شاء، زالت فائدة قوله: ﴿ هَدْياً بَالِغَ ٱلْكَعْبَةِ ﴾ ، وليس في ذلك بينهم خلاف.

وأما الإطعام والصيام: فإن الله - عز جل - لم يذكر فيهما موضعاً، ولا جعل لهما مكاناً؛ فله أن يطعم، وأن يصوم حيث شاء.

فإن قيل: إن الهدي يذبح في الحرم؛ لمنفعة أهل الحرم به، ويتصدق به عليهم؛ فعلى ذلك الإطعام يجب أن يطعم أهل الحرم؛ لأنه جعل لمنفعة لهم.

قيل له: لا خلاف بينهم: أنه لو ذبح الهدي في غير الحرم وتصدق به على أهل الحرم ألا يجوز؛ دل أنه لا لما ذكر، ولكن الهدي لا تذبح إلا بمكة؛ ألا ترى أن من قال الله -  -: عليه أن يهدي، ليس له أن يذبح إلا بمكة، ولو قال: عليه الإطعام أو الصدقة، له أن يتصدق حيث شاء؛ دل أن الهدي مخصوص ذبحه بمكة، لا يجوز في غيره، وأما الصدقة فإنها تجوز في الأماكن كلها؛ لذلك افترقا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ ﴾ ، أي: لينال شدة أمره وألمه؛ كما نال لذته.

وقيل: جزاء ذنبه، وهو الكفارة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ عَفَا ٱللَّهُ عَمَّا سَلَف ﴾ إذا تاب ورجع عما استحل من قتل الصيد؛ وهو كقوله -  - ﴿ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ ٱللَّهُ مِنْهُ  ﴾ : أي: من عاد إلى استحلال الصيد في الحرم ينتقم الله منه في النار.

ويحتمل: من عاد إلى قتل الصيد ينتقم الله منه بالكفارة.

وقوله - عز جل -: ﴿ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ ذُو ٱنْتِقَامٍ ﴾ ، أي: لا يعجزه شيء، ويقال: عزيز، أي: كل عز عند عزه ذل.

وغنى، أي: كل غنى غناه فقر، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

يا أيها الذين آمنوا، لبختبرنَّكم الله بشيء يسوقه إليكم من الصيد البري وأنتم مُحْرِمون، تتناولون الصغار منه بايديكم، والكبار برماحكم، ليعلم الله -علمَ ظهورٍ يحاسب عليه العباد- من يخافه بالغيب لكمال إيمانه بعلم الله، فيمسك عن الصيد خوفًا من خالقه الذي لا يخفى عليه عمله، فمن تجاوز الحد، واصطاد وهو مُحْرِم بحج أو عمرة فله عذاب موجع يوم القيامة؛ لِمَا ارتكبه من مخالفة ما نهى الله عنه.

<div class="verse-tafsir" id="91.4mG3W"

مزيد من التفاسير لسورة المائدة

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل