الآية ٣٦ من سورة الطور

الإسلام > القرآن > سور > سورة 52 الطور > الآية ٣٦ من سورة الطور

أَمْ خَلَقُوا۟ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ ۚ بَل لَّا يُوقِنُونَ ٣٦

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 50 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٣٦ من سورة الطور: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٣٦ من سورة الطور عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ثم قال تعالى : ( أم خلقوا السماوات والأرض بل لا يوقنون ) أي : أهم خلقوا السماوات والأرض ؟

وهذا إنكار عليهم في شركهم بالله ، وهم يعلمون أنه الخالق وحده لا شريك له .

ولكن عدم إيقانهم هو الذي يحملهم على ذلك ،

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

( أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ ) يقول: أخلقوا السماوات والأرض فيكونوا هم الخالقين, وإنما معنى ذلك: لم يخلقوا السماوات والأرض,( بَل لا يُوقِنُونَ ) يقول: لم يتركوا أن يأتمروا لأمر ربهم, وينتهوا إلى طاعته فيما أمر ونهى, لأنهم خلقوا السموات والأرض, فكانوا بذلك أربابا, ولكنهم فعلوا, لأنهم لا يوقنون بوعيد الله وما أعدّ لأهل الكفر به من العذاب في الآخرة.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

أم خلقوا السماوات والأرض أي ليس الأمر كذلك فإنهم لم يخلقوا شيئا بل لا يوقنون بالحق

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ } وهذا استفهام يدل على تقرير النفي أي: ما خلقوا السماوات والأرض، فيكونوا شركاء لله، وهذا أمر واضح جدا.

ولكن المكذبين { لَا يُوقِنُونَ } أي: ليس عندهم علم تام، ويقين يوجب لهم الانتفاع بالأدلة الشرعية والعقلية.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( أم خلقوا السماوات والأرض ) فيكونوا هم الخالقين ، ليس الأمر كذلك ( بل لا يوقنون ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«أم خلقوا السماوات والأرض» ولا يقدر على خلقهما إلا الله الخالق فلم لا يعبدونه «بل لا يوقنون» به وإلا لآمنوا بنبيه.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

أم خَلَقوا السموات والأرض على هذا الصنع البديع؟

بل هم لا يوقنون بعذاب الله، فهم مشركون.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقوله : ( بَل لاَّ يُوقِنُونَ ) أى : هم ليسوا على يقين من أمرهم ، وإنما هم يخبطون خبط عشواء ، فهم مع اعترافهم بأن الله - تعالى - هو الذى خلقهم ، إلا أن هذا الاعتراف صار كالعدم ، لأنهم لم يعملوا بموجبه ، من إخلاص العبادة له - تعالى - والإيمان بالحق الذى جاءهم به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من عند خالقهم .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وفيه وجوه: أحدها: ما اختاره الزمخشري وهو أنهم لا يوقنون بأنهم خلقوا وهو حينئذ في معنى قوله تعالى: ﴿ وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السموات والأرض لَيَقُولُنَّ الله  ﴾ أي هم معترفون بأنه خلق الله وليس خلق أنفسهم.

وثانيها: المراد بل لا يوقنون بأن الله واحد وتقديره ليس الأمر كذلك أي ما خلقوا وإنما لا يوقنون بوحدة الله.

وثالثها: لا يوقنون أصلاً من غير ذكر مفعول يقال فلان ليس بمؤمن وفلان ليس بكافر لبيان مذهبه وإن لم ينو مفعولاً، وكذلك قول القائل فلان يؤذي ويؤدي لبيان ما فيه لا مع القصد إلى ذكر مفعول، وحينئذ يكون تقديره أنهم ما خلقوا السموات والأرض ولا يوقنون بهذه الدلائل، بل لا يوقنون أصلاً وإن جئتهم بكل آية، يدل عليه قوله تعالى بعد ذلك ﴿ وَإِن يَرَوْاْ كِسْفاً مّنَ السماء ساقطا يَقُولُواْ سحاب مَّرْكُومٌ  ﴾ وهذه الآية إشارة إلى دليل الآفاق، وقوله من قبل ﴿ أَمْ خُلقُواْ  ﴾ دليل الأنفس.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

وقرئ: ﴿ يتربص به ريب المنون ﴾ ، على البناء للمفعول.

وريب المنون.

ما يقلق النفوس ويشخص بها من حوادث الدهر.

قال: أَمِنَ المَنُونِ وَرَيْبِهِ تتَوَجَّعُ وقيل: المنون الموت، وهو في الأصل فعول؛ من منه إذا قطعه؛ لأن الموت قطوع؛ ولذلك سميت شعوب قالوا: ننتظر به نوائب الزمان فيهلك كما هلك من قبله من الشعراء: زهير والنابغة ﴿ مّنَ المتربصين ﴾ أتربص هلاككم كما تتربصون هلاكي ﴿ أحلامهم ﴾ عقولهم وألبابهم.

ومنه قولهم: أحلام عاد.

والمعنى: أتأمرهم أحلامهم بهذا التناقض في القول، وهو قولهم: كاهن وشاعر، مع قولهم مجنون.

وكانت قريش يدعون أهل الأحلام والنهى ﴿ أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ ﴾ مجاوزون الحدّ في العناد مع ظهور الحق لهم.

فإن قلت: ما معنى كون الأحلام آمرة؟

قلت: هو مجاز لأدائها إلى ذلك، كقوله تعالى: ﴿ أصلواتك تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ ءابَاؤُنَا ﴾ [هود: 87] وقرئ: ﴿ بل هم قوم طاغون ﴾ ﴿ تَقَوَّلَهُ ﴾ اختلقه من تلقاء نفسه ﴿ بَل لاَّ يُؤْمِنُونَ ﴾ فلكفرهم وعنادهم يرمون بهذه المطاعن، مع علمهم ببطلان قولهم، وأنه ليس بمتقول لعجز العرب عنه، وما محمد إلا واحد من العرب.

وقرئ (بحديث مثله) على الإضافة، والضمير لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعناه: أن مثل محمد في فصاحته ليس بمعوز في العرب، فإن قدر محمد على نظمه كان مثله قادراً عليه، فليأتوا بحديث ذلك المثل: ﴿ أَمْ خُلِقُواْ ﴾ أم أحدثوا وقدروا التقدير الذي عليه فطرتهم ﴿ مِنْ غَيْرِ شَيْء ﴾ من غير مقدّر ﴿ أَمْ هُمُ ﴾ الذين خلقوا أنفسهم حيث لا يعبدون الخالق ﴿ بل لا يوقنون ﴾ أي إذا سئلوا من خلقكم وخلق السموات والأرض؟

قالوا: الله، وهم شاكون فيما يقولون، لا يوقنون.

وقيل: أخلقوا من أجل لا شيء من جزاء ولا حساب؟

وقيل: أخلقوا من غير أب وأم؟

﴿ أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ ﴾ الرزق حتى يرزقوا النبوّة من شاؤا.

أو: أعندهم خزائن علمه حتى يختاروا لها من اختياره حكمة ومصلحة؟

﴿ أَمْ هُمُ المسيطرون ﴾ الأرباب الغالبون، حتى يدبروا أمر الربوبية ويبنوا الأمور على إرادتهم ومشيئتهم؟

وقرئ ﴿ المصيطرون ﴾ بالصاد ﴿ أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ ﴾ منصوب إلى السماء يستمعون صاعدين فيه إلى كلام الملائكة وما يوحى إليهم من علم الغيب حتى يعلموا ما هو كائن من تقدم هلاكه على هلاكهم وظفرهم في العاقبة دونه كما يزعمون؟

﴿ بسلطان مُّبِينٍ ﴾ بحجة واضحة تصدق استماع مستمعهم.

المغرم: أن يلتزم الإنسان ما ليس عليه، أي: لزمهم مغرم ثقيل فدحهم فزهدهم ذلك في أتباعك؟

﴿ أَمْ عِندَهُمُ الغيب ﴾ أي اللوح المحفوظ ﴿ فَهُمْ يَكْتُبُونَ ﴾ ما فيه حتى يقولوا لا نبعث، وإن بعثنا لم نعذب ﴿ أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً ﴾ وهو كيدهم في دار الندوة برسول الله صلى الله عليه وسلم وبالمؤمنين ﴿ فالذين كَفَرُواْ ﴾ إشارة إليهم أو أريد بهم كل من كفر بالله ﴿ هُمُ المكيدون ﴾ هم الذين يعود عليهم وبال كيدهم ويحيق بهم مكرهم.

وذلك أنهم قتلوا يوم بدر.

أو المغلوبون في الكيد، من كايدته فكدته.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ أمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ ﴾ اخْتَلَقَهُ مِن تِلْقاءِ نَفْسِهِ.

﴿ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ ﴾ فَيَرْمُونَهُ بِهَذِهِ المَطاعِنِ لِكُفْرِهِمْ وعِنادِهِمْ.

﴿ فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ ﴾ مِثْلَ القُرْآنِ.

﴿ إنْ كانُوا صادِقِينَ ﴾ في زَعْمِهِمْ إذْ فِيهِمْ كَثِيرٌ مِمَّنْ عُدُّوا فُصَحاءَ فَهو رَدٌّ لِلْأقْوالِ المَذْكُورَةِ بِالتَّحَدِّي، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ رَدًّا لِلتَّقَوُّلِ فَإنَّ سائِرَ الأقْسامِ ظاهِرُ الفَسادِ.

﴿ أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ ﴾ أمْ أُحْدِثُوا وقُدِّرُوا مِن غَيْرِ مُحْدِثٍ ومُقَدِّرٍ فَلِذَلِكَ لا يَعْبُدُونَهُ، أوْ مِن أجْلِ لا شَيْءٍ مِن عِبادَةٍ ومُجازاةٍ.

﴿ أمْ هُمُ الخالِقُونَ ﴾ يُؤَيِّدُ الأوَّلَ فَإنَّ مَعْناهُ أمْ خَلَقُوا أنْفُسَهم ولِذاكَ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ أمْ خَلَقُوا السَّماواتِ والأرْضَ ﴾ وأمْ في هَذِهِ الآياتِ مُنْقَطِعَةٌ ومَعْنى الهَمْزَةِ فِيها الإنْكارُ.

﴿ بَلْ لا يُوقِنُونَ ﴾ إذا سُئِلُوا مَن خَلَقَكم ومَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ قالُوا اللَّهُ إذْ لَوْ أيْقَنُوا ذَلِكَ لَما أعْرَضُوا عَنْ عِبادَتِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{أَمْ خَلَقُواْ السماوات والأرض} فلا يعبدون خالقهما

{بَل لاَّ يُوقِنُونَ} أي لا يتدبرون في الآيات فيعلموا خالقهم وخالق السموات والارض

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ أمْ خَلَقُوا السَّماواتِ والأرْضَ  ﴾ إذْ لَوْ أُرِيدَ العُمُومُ لِعَدَمِ ذِكْرِ المَفْعُولِ لَمْ يُظْهِرْ حُسْنَ المُقابَلَةِ أيْضًا، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: المُرادُ أهُمِ الَّذِينَ خَلَقُوا الأشْياءَ فَهم لِذَلِكَ يَتَكَبَّرُونَ ثُمَّ خَصَّ مِن تِلْكَ الأشْياءِ السَّماواتِ والأرْضَ لِعِظَمِهِما وشَرَفِهِما في المَخْلُوقاتِ وفِيهِ ما سَمِعْتُهُ ﴿ بَلْ لا يُوقِنُونَ ﴾ أيْ إذا سُئِلُوا مَن خَلَقَكم وخَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ ؟

قالُوا: اللَّهُ وهم غَيْرُ مُوقِنِينَ بِما قالُوا إذْ لَوْ كانُوا مُوقِنِينَ لَما أعْرَضُوا عَنْ عِبادَتِهِ تَعالى فَإنَّ مَن عَرِفَ خالِقَهُ وأيْقَنَ بِهِ امْتَثَلْ وانْقادَ لَهُ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

فقال عز وجل: فَذَكِّرْ يعني: فعظ بالقرآن فَما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ يعني: برحمة ربك.

ويقال: هو كقوله: ما أنت بحمد الله مجنون.

وقال أبو سهل: متعظ بالقرآن، ولست أنت والحمد الله بِكاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ ويقال: فذكر.

يعني: ذكرهم بما أعتدنا للمؤمنين المتقين، وبما أعتدنا للضالين الكافرين فَما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ يعني: لست تقول بقول الكهنة، ولا تنطق إلا بالوحي.

ثم قال: أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ يعني: أيقولون هو شاعر يأتي من قبل نفسه، وهو قول الوليد بن المغيرة، وأبي جهل، وأصحابهما.

نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ يعني: أوجاع الموت، وحوادثه.

قال قتادة: رَيْبَ الْمَنُونِ الموت.

وقال مجاهد: رَيْبَ الْمَنُونِ حوادث الدهر.

وقال القتبي: حوادث الدهر، وأوجاعه، ومصائبه.

ويقال: إنهم كانوا يقولون: قد مات أبوه شاباً، وهم ينتظرون موته قُلْ تَرَبَّصُوا يعني: انتظروا هلاكي فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ وذكر في التفسير، أن الذين قالوا هكذا ماتوا كلهم قبل رسول الله  .

قوله تعالى: أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ بِهذا يعني: أتأمرهم عقولهم، وتدلهم على التكذيب، والإيذاء بمحمد  .

أَمْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ يعني: بل هم قوم عاتون في معصية الله تعالى.

أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ يعني: أيقولون أن محمداً  يقول من ذات نفسه.

واللفظ لفظ الاستفهام، والمراد به الزجر والوعيد.

ثم قال: بَلْ لاَّ يُؤْمِنُونَ يعني: لا يصدقون بالرَّسول، والكتاب، عناداً وحسداً منهم.

قوله عز وجل: فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ يعني: إن قلتم إن محمداً  يقول: من ذات نفسه، فأتوا بمثل هذا القرآن كما جاء به إِنْ كانُوا صادِقِينَ في قولهم.

ثم قال: أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ يعني: من غير رب.

كانوا هكذا خلقاً من غير شيء.

ومعناه: كيف لا يعتبرون بأن الله تعالى خلقهم، فيوحدونه، ويعبدونه.

ويقال: أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ يعني: لغير شيء.

ومعناه: أخلقوا باطلاً لا يحاسبون، ولا يؤمرون، ولا ينهون.

ثم قال: أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ يعني: أهم خلقوا الخلق؟

أم الله تعالى؟

ومعناه: أن الله تعالى خلق الخلق، وهو الذي يبعثهم يوم القيامة.

ثم قال: أَمْ خَلَقُوا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ يعني: بل الله تعالى خلقهم بَلْ لاَّ يُوقِنُونَ بتوحيد الله الذي خلقهما، أنه واحد لا شريك له.

ثم قال أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَبِّكَ يعني: مفاتيح رزق ربك.

ويقال: مفاتيح ربك الرسالة، فيضعونها حيث شاؤوا، ولكن الله يختار من يشاء، كقولهم: أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ (5) [القمر: 25] .

ثم قال: أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ يعني: أهم المسلطون عليهم، يحملونهم حيث شاؤوا على الناس، فيجبرونهم بما شاؤوا.

قرأ ابن كثير، وابن عامر، والكسائي، في إحدى الروايتين: المسيطرون بالسين.

والباقون: بالصاد.

وقرأ حمزة: المزيطرون بإشمام الزاء.

وقال الزجاج: تسيطر علينا، وتصيطر.

وأصله السين، وكل سين بعدها طاء، يجوز أن تقلب صاداً، مثل مسيطر، ويبسط.

ثم قالوا: أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يعني: سبباً إلى السماء يَسْتَمِعُونَ فِيهِ يعني: يرتقون عليه، فيستمعون القول من رب العالمين فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ أي: بحجة بينة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

ت: أي: في أَنَّ محمداً تَقَوَّلَهُ قاله الثعلبيّ.

وقوله سبحانه: أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ قال الثعلبيُّ: قال ابن عباس: من غير أَبٍ ولا أُمٍّ، فهم كالجماد لا يعقلون، ولا تقوم للَّه عليهم حُجَّةٌ، أليسوا خُلِقُوا من نطفة وعلقة، وقال ابن كَيْسَانَ: أَمْ خلقوا عَبَثاً، وَتُرِكُوا سُدًى من غير شيء، أي: لغير شيء لا يؤمرون ولا يُنْهَوْنَ أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ: لأَنفسهم، فلا يأتمرون لأمر اللَّه، انتهى، وعَبَّرَ ع «١» : عن هذا بأَنْ قال: وقال آخرون: معناه: أمْ خُلِقُوا لغير عِلَّةِ ولا لغاية عقاب وثواب فهم لذلك لا يسمعون ولا يتشرَّعون.

ت: وقد يحتمل أَنْ يكونَ المعنى: أم خُلِقُوا من غير شيء خَلَقَهُمْ، أي: من غير مُوجِدٍ أَوْجَدَهُمْ، ويَدُلُّ عليه مقابلته بقوله: أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ وهكذا قال الغَزَّاليُّ في «الإِحياء» ، قال: وقوله عز وجل: أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أي: من غير خالق، انتهى بلفظه من كتاب، آداب التلاوة قال الغَزَّالِيُّ: ولا يُتَوَهَّمُ أَنَّ الآيةَ تَدُلُّ أَنَّه لا يُخْلَقُ شَيْءٌ إلاَّ من شيء!

انتهى، وقال الفخر «٢» : قوله تعالى: مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ فيه وجوه، المنقول منها: أم خُلِقُوا من غير خالق، [وقيل: أَمْ خُلِقُوا لا لغير شيء عَبَثاً] «٣» ، وقيل: أم خلقوا من غير أَبٍ وأُمِّ، انتهى، وأحسنها الأَوَّلُ كما قال الغَزَّالِيُّ، واللَّه أعلم بما أراد سبحانه، وفي الصحيح عن جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ قال: «سمعت النبيّ صلّى الله عليه وسلّم يَقْرَأُ في الْمَغْرِبِ بالطُّورِ، فَلَمَّا بَلَغَ هذه الآيَةَ: أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ إلى قَوْلِهِ: الْمُصَيْطِرُونَ- كَادَ قَلْبِي أَنْ يَطِيرَ» ، وفي رواية: «وَذَلِكَ أَوَّلُ مَا/ وَقَرَ الإِيمَانُ في قَلْبِي» «٤» انتهى، وأسند أبو بكر ابن الخطيب في «تاريخه» عن جُبَيْرِ بن مطعم قال: «أتيت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في فِدَاءِ أَهْلِ بَدْرٍ، فَسَمِعْتُهُ يَقْرَأُ في الْمَغْرِبِ بِالطُّورِ، فَكَأَنَّمَا تَصَدَّعَ قَلْبِي حِينَ سَمِعْتُ القرآن» انتهى.

أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ (٣٧) أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ (٣٨) أَمْ لَهُ الْبَناتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ (٣٩) أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (٤٠) أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ (٤١)

أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ (٤٢) أَمْ لَهُمْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٤٣)

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ رَبٍّ خالِقٍ؟

والثّانِي: أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ آباءٍ ولا أُمَّهاتٍ، فَهم كالجَمادِ لا يَعْقِلُونَ؟

والثّالِثُ: أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ كالسَّماواتِ والأرْضِ؟

أيْ: إنَّهم لَيْسُوا بِأشَدَّ خَلْقًا مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ، لِأنَّها خُلِقَتْ مِن غَيْرِ شَيْءٍ وهم خُلِقُوا مِن آدَمَ وآدَمُ مِن تُرابٍ.

والرّابِعُ: أمْ خُلِقُوا لِغَيْرِ شَيْءٍ؟

فَتَكُونُ "مِن" بِمَعْنى اللّامِ.

والمَعْنى: ما خُلِقُوا عَبَثًا فَلا يُؤْمَرُونَ ولا يُنْهَوْنَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمْ هُمُ الخالِقُونَ ﴾ فَلِذَلِكَ لا يَأْتَمِرُونَ ولا يَنْتَهُونَ؟

لِأنَّ الخالِقَ لا يُؤْمَرُ ولا يُنْهى.

قَوْلُهُ: تَعالى ﴿ بَلْ لا يُوقِنُونَ ﴾ بِالحَقِّ، وهو تَوْحِيدُ اللَّهِ وقُدْرَتِهِ عَلى البَعْثِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَبِّكَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: المَطَرُ والرِّزْقُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: النُّبُوَّةُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

والثّالِثُ: عِلْمُ ما يَكُونُ مِنَ الغَيْبِ، ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ.

وَقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: أعِنْدَهم ما في خَزائِنِ رَبِّكَ مِنَ العِلْمِ، وقِيلَ: مِنَ الرِّزْقِ، فَهم مُعْرِضُونَ عَنْ رَبِّهِمْ لِاسْتِغْنائِهِمْ؟!

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمْ هُمُ المُصَيْطِرُونَ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "المُسَيْطِرُونَ" بِالسِّينِ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المُسَلَّطُونَ.

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: "المُصَيْطِرُونَ": الأرْبابُ.

يُقالُ: تَسَيْطَرْتَ عَلَيَّ، أيِ: اتَّخَذْتَنِي خَوَلًا، قالَ: ولَمْ يَأْتِ في كَلامِ العَرَبِ اسْمٌ عَلى "مُفَيْعِلٍ" إلّا خَمْسَةُ أسْماءٍ: مُهَيْمِنٌ، ومُجَيْمِرٌ، ومُسَيْطِرٌ، ومُبَيْطَرٌ، ومُبَيْقَرٌ؛ فالمُهَيْمِنُ: اللَّهُ النّاظِرُ المُحْصِي الَّذِي لا يَفُوتُهُ شَيْءٌ؛ ومُجَيْمِرٌ: جَبَلٌ؛ والمُسَيْطِرُ: المُسَلَّطُ؛ ومُبَيْطِرٌ: بَيْطارٌ؛ والمُبَيْقِرُ: الَّذِي يَخْرُجُ مِن أرْضٍ إلى أرْضٍ، يُقالُ: بَيْقَرَ: إذا خَرَجَ مِن بَلَدٍ إلى بَلَدٍ.

قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: ألا هَلْ أتاها والحَوادِثُ جَمَّةٌ بِأنَّ امْرَأ القَيْسِ بْنَ تَمْلِكَ بَيْقَرا؟

قالَ الزَّجّاجُ: المُسَيْطِرُونَ: الأرْبابُ المُسَلَّطُونَ، يُقالُ: قَدْ تَسَيْطَرَ عَلَيْنا وتَصَيْطَرَ: بِالسِّينِ والصّادِ، والأصْلُ السِّينُ، وكُلُّ سِينٍ بَعْدَها طاءٌ، فَيَجُوزُ أنْ تُقْلَبَ صادًا، تَقُولُ سَطَرَ وصَطَرَ، وسَطا عَلَيْنا وصَطا.

قالَ المُفَسِّرُونَ: مَعْنى الكَلامِ: أمْ هُمُ الأرْبابُ فَيَفْعَلُونَ ما شاؤُوا ولا يَكُونُونَ تَحْتَ أمْرٍ ولا نَهْىٍ؟!

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمْ لَهم سُلَّمٌ ﴾ أيْ: مَرْقى ومَصْعَدٌ إلى السَّماءِ ﴿ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ ﴾ أيْ: عَلَيْهِ الوَحْيَ، كَقَوْلِهِ: ﴿ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ  ﴾ فالمَعْنى: يَسْتَمِعُونَ [الوَحْيَ] فَيَعْلَمُونَ أنَّ ما هم عَلَيْهِ حَقٌّ ﴿ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ ﴾ إنِ ادَّعى ذَلِكَ ﴿ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ ﴾ أيْ، بِحُجَّةٍ واضِحَةٍ كَما أتى مُحَمَّدٌ بِحُجَّةٍ عَلى قَوْلِهِ.

﴿ أمْ لَهُ البَناتُ ولَكُمُ البَنُونَ ﴾ هَذا إنْكارٌ عَلَيْهِمْ حِينَ جَعَلُوا لِلَّهِ البَناتِ.

﴿ أمْ تَسْألُهم أجْرًا فَهم مِن مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ ﴾ أيْ: هَلْ سَألْتَهم أجْرًا عَلى ما جِئْتَ بِهِ، فَأثْقَلَهم ذَلِكَ الَّذِي تَطْلُبُهُ مِنهم فَمَنَعَهم عَنِ الإسْلامِ؟

والمَغْرَمُ بِمَعْنى الغُرْمِ، وقَدْ شَرَحْناهُ في [بَراءَةٍ: ٩٨] .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمْ عِنْدَهُمُ الغَيْبُ ﴾ هَذا جَوابٌ لِقَوْلِهِمْ: ﴿ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ ﴾ والمَعْنى: أعِنْدَهُمُ الغَيْبُ؟

وفِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، ﴿ فَهم يَكْتُبُونَ ﴾ ما فِيهِ ويُخْبِرُونَ النّاسَ.

قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أعِنَدَهم عِلْمُ الغَيْبِ فَيَعْلَمُونَ أنَّ مُحَمَّدًا يَمُوتُ قَبْلَهم ﴿ فَهم يَكْتُبُونَ ﴾ أيْ، يَحْكُمُونَ فَيَقُولُونَ: سَنَقْهَرُكَ.

والكِتابُ: الحُكْمُ؛ ومِنهُ قَوْلُ النَّبِيِّ  : « "سَأقْضِي بَيْنَكُما بِكِتابِ اللَّهِ"» أيْ: بِحُكْمِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ؛ وإلى هَذا المَعْنى: ذَهَبَ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا ﴾ وهو ما كانُوا عَزَمُوا عَلَيْهِ في دارِ النَّدْوَةِ؛ وقَدْ شَرَحْنا ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿ وَإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا  ﴾ ومَعْنى ﴿ هُمُ المَكِيدُونَ ﴾ هُمُ المَجْزِيُّونَ بِكَيْدِهِمْ، لِأنَّ ضَرَرَ ذَلِكَ عادَ عَلَيْهِمْ فَقُتِلُوا بِبَدْرٍ وغَيْرِها.

﴿ أمْ لَهم إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ ﴾ أيْ ألْهَمَ إلَهٌ يَرْزُقُهم ويَحْفَظُهم غَيْرُ اللَّهِ؟

والمَعْنى أنَّ الأصْنامَ لَيْسَتْ بِآلِهَةٍ، لِأنَّها لا تَنْفَعُ ولا تَدْفَعُ.

ثُمَّ نَزَّهَ نَفْسَهُ عَنْ شِرْكِهِمْ بِباقِي الآيَةِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَذَكِّرْ فَما أنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ ولا مَجْنُونٍ ﴾ ﴿ أمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ ﴾ ﴿ قُلْ تَرَبَّصُوا فَإنِّي مَعَكم مِنَ المُتَرَبِّصِينَ ﴾ ﴿ أمْ تَأْمُرُهم أحْلامُهم بِهَذا أمْ هم قَوْمٌ طاغُونَ ﴾ ﴿ أمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ ﴾ ﴿ فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إنْ كانُوا صادِقِينَ ﴾ ﴿ أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ أمْ هُمُ الخالِقُونَ ﴾ ﴿ أمْ خَلَقُوا السَماواتِ والأرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ ﴾ هَذا أمْرٌ لِرَسُولِ اللهِ  بِالدُعاءِ إلى اللهِ ومُتابَعَةِ نَشْرِ الرِسالَةِ، ثُمَّ قالَ مُؤْنِسًا لَهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: فَما أنْتَ بِإنْعامِ اللهِ تَعالى عَلَيْكَ ولُطْفِهِ بِكَ كاهِنٌ ولا مَجْنُونٌ، وكانَتِ العَرَبُ قَدْ عَهِدَتْ مُلابَسَةَ الجِنِّ والإنْسِ بِهَذَيْنَ الوَجْهَيْنِ، فَنَسَبَتْ مُحَمَّدًا  إلى ذَلِكَ، فَنَفى اللهُ تَعالى عنهُ ذَلِكَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ ﴾ الآيَةُ.

رُوِيَ أنْ قُرَيْشًا اجْتَمَعَتْ في دارِ النَدْوَةِ فَكَثُرَتْ آراؤُهم في مُحَمَّدٍ  ، حَتّى قالَ قائِلٌ مِنهُمْ: تَرَبَّصُوا بِهِ رَيْبَ المَنُونِ فَإنَّهُ شاعِرٌ سَيَهْلَكُ كَما هَلَكَ زُهَيْرٌ والنابِغَةُ والأعْشى وغَيْرُهُمْ، فافْتَرَقُوا عَلى هَذِهِ المَقالَةِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ.

و"التَرَبُّصُ": الِانْتِظارُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: تَرَبَّصَ بِها رَيْبَ المَنُونِ لَعَلَّها تُطَلَّقُ يَوْمًا أو يَمُوتُ حَلِيلُها وأنْشَدَ الطَبَرِيُّ: ...............

∗∗∗ لَعَلَّها سَيَهْلَكُ عنها زَوْجُها أو سَيَجْنَحُ وقَوْلُهُ تَعالى: "قُلْ تَرَبَّصُوا" وعَيدٌ في صِيغَةِ أمْرٍ، و"المَنُونِ" مِن أسْماءِ المَوْتِ، وبِهِ فَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، ومِن أسْماءِ الدَهْرِ، وبِهِ فَسَّرَ مُجاهِدٌ، وقالَ الأصْمَعِيُّ: المَنُونُ واحِدٌ لا جَمْعَ لَهُ، وقالَ الأخْفَشُ: هو جَمْعٌ لا واحِدَ لَهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: و"الرَيْبُ هُنا: الحَوادِثُ والمَصائِبُ لِأنَّها تُرِيبُ مَن نَزَلَتْ بِهِ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ  في أمْرِ ابْنَتِهِ فاطِمَةَ رِضى الله تَعالى عنها حِينَ ذَكَرَ أنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللهُ عنهُ يَتَزَوَّجُ بِنْتَ أبِي جَهْلٍ: « "إنَّما فاطِمَةُ بِضْعَةٌ مِنِّي، يُرِيبُنِي ما أرابَها"،» يُقالُ: أرابَ ورابَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ..................

∗∗∗ فَقَدْ رابَنِي مِنها الغَداةَ سُفُورُها وقَوْل الآخَر: وقَدْ رابَنِي قَوْلُها يا هَنا هُ ∗∗∗.....................

وأمَرَ اللهِ تَعالى نَبِيَّهُ  بِتَوَعُّدِهِمْ بِقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ تَرَبَّصُوا فَإنِّي مَعَكم مِنَ المُتَرَبِّصِينَ ﴾ .

وقَوْلُهُ تَعالى: "بِهَذا" يُحْتَمَلُ أنْ يُشِيرَ إلى هَذِهِ المَقالَةِ "هُوَ شاعِرٌ"، ويُحْتَمَلُ أنْ يُشِيرَ إلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ وعِبادَةِ الأصْنامِ، و"الأحْلامُ": العُقُولُ، و"أمْ" المُتَكَرِّرَةُ في هَذِهِ الآيَةِ قَدَّرَها بَعْضُ النُحاةِ بِألِفِ الِاسْتِفْهامِ، وقَدَّرَها مُجاهِدٌ بِـ "بَلْ"، والنَظَرُ المُحَرِّرُ في ذَلِكَ أنَّ مِنها ما يَتَقَدَّرُ بِـ "بَلْ والهَمْزَةُ" عَلى حَدِّ قَوْلِ سِيبَوَيْهِ في قَوْلِهِمْ: " إنَّها لَإبِلٌ أمْ شاءٌ"، ومِنها ما هي مُعادَلَةٌ، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمْ هم قَوْمٌ طاغُونَ ﴾ ، وقَرَأ مُجاهِدٌ: "بَلْ هم قَوْمٌ طاغُونَ"، وهو مَعْنى قِراءَةِ الناسِ إلّا أنَّ العِبارَةَ بِـ "أمْ" خَرَجَتْ مُخْرَجَ التَوْقِيفِ والتَوْبِيخِ، وحَكى الثَعْلَبِيُّ عَنِ الخَلِيلِ أنَّهُ قالَ: "ما في سُورَةِ [الطُورِ] مِنَ اسْتِفْهامٍ كُلُّهُ اسْتِفْهامٌ ولَيْسَتْ بِعَطْفٍ"، و"تَقَوَّلَهُ" مَعْناهُ: "قالَ عَنِ الغَيْرِ: إنَّهُ قالَهُ"، فَهي عِبارَةٌ عن كَذِبٍ مَخْصُوصٍ.

ثُمَّ عَجَّزَهم تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿ فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ ﴾ والمُماثَلَةُ المَطْلُوبَةُ مِنهم هي في النَظْمِ والرَصْفِ والإيجازِ، واخْتَلَفَ الناسُ، هَلْ كانَتِ العَرَبُ قادِرَةً عَلى الإتْيانِ بِمِثْلِ القُرْآنِ قَبْلَ مَجِيءِ مُحَمَّدٍ  ؟

فَقالَ شُذّاذٌ يُسَمَّوْنَ أهْلَ الصِرْفَةِ: كانَتْ قادِرَةً وصُرِفَتْ، وقالَ الجُمْهُورُ: لَمْ تَكُنْ قَطُّ قادِرَةً، ولا في قُدْرَةِ البَشَرِ أنْ يَأْتِيَ بِمِثْلِهِ؛ لِأنَّ البَشَرَ لا يُفارِقُهُ النِسْيانُ والسَهْوُ والجَهْلُ، واللهُ تَعالى مُحِيطٌ عِلْمُهُ بِكُلِّ شَيْءٍ، فَإذا تَرَتَّبَتِ اللَفْظَةُ في القُرْآنِ عَلِمَ بِالإحاطَةِ الَّتِي يَصْلُحُ أنْ تَلِيها ويَحْسُنَ مَعَها المَعْنى، وذَلِكَ مُتَعَذِّرٌ في البَشَرِ.

والهاءُ في "مِثْلِهِ" فَإنَّها -عَلى هَذا- عائِدَةٌ عَلى مُحَمَّدٍ  .

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ ﴾ ، قالَ الطَبَرِيُّ: مَعْناهُ: أمْ خُلِقُوا خَلْقَ الجَمادِ مِن غَيْرِ حَيٍّ، فَهم لا يُؤْمَرُونَ ولا يُنْهُونَ كَما هي الجَماداتُ عَلَيْهِ؟

وقالَ آخَرُونَ: مَعْناهُ: أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ عِلَّةٍ ولا لِغايَةِ عِقابٍ ولا ثَوابٍ فَهم لِذَلِكَ لا يَسْمَعُونَ ولا يَتَشَرَّعُونَ؟

وهَذا كَما تَقُولُ: فَعَلْتُ كَذا وكَذا مِن غَيْرِ عِلَّةٍ، أيْ لِغَيْرِ عِلَّةٍ، ثُمَّ وقَّفَهم تَعالى عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ عَلى أنْفُسِهِمْ، أهُمُ الَّذِينَ خَلَقُوا الأشْياءَ فَهم لِذَلِكَ يَتَكَبَّرُونَ؟

ثُمَّ خَصَّصَ تَعالى مِنَ الأشْياءِ السَماواتِ والأرْضَ لِعَظْمِها وشَرَفِها في المَخْلُوقاتِ، ثُمَّ حَكَمَ تَعالى عَلَيْهِمْ بِأنَّهم لا يُوقِنُونَ ولا يَنْظُرُونَ نَظَرًا يُؤَدِّيهِمْ إلى اليَقِينِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ أَمْ خُلِقُواْ مِنْ غَيْرِ شَئ ﴾ .

إضراب انتقالي إلى إبطال ضرب آخر من شبهتهم في إنكارهم البعث، وقد علمت في أول السورة أن من أغراضها إثبات البعث والجزاءِ على أن ما جاء بعده من وصف يوم الجزاء وحال أهله قد اقتضته مناسبات نشأت عنها تلك التفاصيل، فإذْ وُفّي حقُّ ما اقتضته تلك المناسبات ثُنِي عِنان الكلام إلى الاستدلال على إمكان البعث وإبطال شبهتهم التي تعللوا بها من نحو قولهم: ﴿ أإذا كنا عظاماً ورفاتاً إنا لمبعوثون خلقاً جديداً ﴾ [الإسراء: 49].

فكان قوله تعالى: ﴿ أم خلقوا من غير شيء ﴾ الآيات أدلةً على أن ما خلقه الله من بَدْء الخلق أعظم من إعادة خلق الإِنسان.

وهذا متصل بقوله آنفاً ﴿ إن عذاب ربك لواقع ﴾ [الطور: 7] لأن شبهتهم المقصود ردها بقوله: ﴿ أإذا كنا عظاماً ورفاتاً إنا لمبعوثون ﴾ [الإسراء: 49]، ونحو ذلك.

فحرف (مِن) في قوله: ﴿ من غير شيء ﴾ يجوز أن يكون للابتداء، فيكون معنى الاستفهام المقدر بعد (أم) تقريرياً.

والمعنى: أيقرُّون أنهم خلقوا بعد أن كانوا عَدماً فكلما خلقوا من عدم في نشأتهم الأولى يُنْشأون من عدم في النشأة الآخرة، وذلك إثبات لإِمكان البعث، فيكون في معنى قوله تعالى: ﴿ فلينظر الإنسان ممَّ خلق خلق من ماء دافق يخرج من بين الصلب والترائب إنه على رجعه لقادر ﴾ [الطارق: 5 8] وقوله: ﴿ كما بدأنا أول خلق نعيده ﴾ [الأنبياء: 104] ونحو ذلك من الآيات.

ومعنى ﴿ شيء ﴾ على هذا الوجه: الموجودُ فغير شَيء: المعدومُ، والمعنى: اخُلقوا من عدم.

ويجوز أن تكون (مِن) للتعليل فيكون الاستفهام المقدر بعد (أم) إنكارياً، ويكون اسم ﴿ شيء ﴾ صادقاً على ما يصلح لمعنى التعليل المستفاد من حرف (مِن) التعليلية، والمعنى: إنكار أن يكون خلقهم بغير حكمة، وهذا إثبات أن البعث واقع لأجل الجزاء على الأعمال، بأن الجزاء مقتضى الحكمة التي لا يخلو عنها فعل أحكم الحكماء، فيكون في معنى قوله تعالى: ﴿ أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً وأنكم إلينا لا ترجعون ﴾ [المؤمنون: 115] وقوله: ﴿ ما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وإن الساعة لآتية ﴾ [الحجر: 85].

ولحرف (مِن) في هذا الكلام الوَقْع البديع إذ كانت على احتمال معنييها دليلاً على إمكان البعث وعلى وقوعه وعلى وجوب وقوعه وجوباً تقتضيه الحكمة الإِلهية العليا.

ولعل العدول عن صوغ الكلام بالصيغة الغالبة في الاستفهام التقريري، أعني صيغة النفي بأن يقال: أما خلقوا من غير شيء؛ والعدولَ عن تعيين ما أضيف إليه ﴿ غَير ﴾ إلى الإِتيان بلفظٍ مبهم وهو لفظ شيء، روعي فيه الصلاحية لاحتمال المعنيين وذلك من منتهى البلاغة.

وإذ كان فرض أنهم خلقوا من غير شيء واضح البطلان لم يحتج إلى استدلال على إبطاله بقوله: ﴿ أَمْ هُمُ الخالقون * أَمْ خَلَقُواْ السماوات والارض ﴾ .

وهو إضراب انتقال أيضاً، والاستفهام المقدر بعد ﴿ أم ﴾ إنكاري، أي ما هم الخالقون وإذ كانوا لم يدّعوا ذلك فالانكار مرتب على تنزيلهم منزلة من يزعمون أنهم خالقون.

وصيغت الجملة في صيغة الحصر الذي طريقهُ تعريف الجُزأَيْن قصراً إضافياً للرد عليهم بتنزيلهم منزلة من يزعم أنهم الخالقون لا الله، لأنهم عدُّوا من المحال ما هو خارج عن قدرتهم، فجعلوه خارجاً عن قدرة الله، فالتقدير: أم هم الخالقون لا نحن.

والمعنى: نحن الخالقون لا هم.

وحذف مفعول ﴿ الخالقون ﴾ لقصد العموم، أي الخالقون للمخلوقات وعلى هذا جرى الطبري وقدره المفسرون عدا الطبري: أم هم الخالقون أنفسَهم كأنهم جعلوا ضمير ﴿ أم خلقوا من غير شيء ﴾ دليلاً على أن المحذوف اسم مَعاد ذلك الضمير ولا افْتراء في انتفاء أن يكونوا خالقين، فلذلك لم يُتصدّ إلى الاستدلال على هذا الانتفاء.

وجملة ﴿ أم خلقوا السموات والأرض ﴾ يظهر لي أنها بدل من جملة ﴿ أم هم الخالقون ﴾ بدلَ مفصَّل من مُجمل إن كان مفعول ﴿ الخالقون ﴾ المحذوفُ مراداً به العمومُ وكان المراد بالسماء والأرضضِ ذاتيهما مع من فيهما، أو بَدل بعض من كل أن المراد ذاتي السماوات والأرض، فيكون تخصيص السماوات والأرض بالذكر لعظم خلقهما.

وإعادة حرف ﴿ أم ﴾ للتأكيد كما يُعاد عامل المبدَل منه فِي البدل، والمعنى: أم هم الخالقون للسماوات والأرض.

والاستفهام إنكاري والكلام كناية عن إثبات أن الله خالق السماوات والأرض.

والمعنى: أن الذي خلق السماوات والأرض لا يُعجزه إعادة الأجساد بعد الموت والفناء.

وهذا معنى قوله تعالى: ﴿ أو لم يروا أن اللَّه الذي خلق السماوات والأرض قادر على أن يخلق مثلهم ﴾ [الإسراء: 99] أي أن يخلق أمثال أجسادهم بعد انعدامهم.

﴿ بَل لاَّ يُوقِنُون ﴾ .

إضراب إبطال على مضمون الجملتين اللتين قبله، أي لم يُخلقوا من غير شيء ولا خَلقوا السماوات والأرض، فإن ذلك بينّ لهم فما إنكارهم البعث إلا ناشئ عن عدم إيقانهم في مظانّ الإِيقان وهي الدلائل الدالة على إمكان البعث وأنه ليس أغرب من إيجاد المخلوقات العظيمة، فما كان إنكارهم إياه إلا عن مكابرة وتصميم على الكفر.

والمعنى: أن الأمر لا هَذا ولا ذلك ولكنهم لا يُوقنون بالبعث فهم ينكرونه بدون حجة ولا شبهة بل رانَتْ المكابرة على قلوبهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَبِّكَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مَفاتِيحُ الرَّحْمَةِ.

الثّانِي: خَزائِنُ الرِّزْقِ.

﴿ أمْ هُمُ المُصَيْطِرُونَ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: المُسَلَّطُونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ.

الثّانِي: أنَّهُمُ الأرْبابُ، قالَهُ الحَسَنُ وأبُو عُبَيْدٍ.

الثّالِثُ: مَعْناهُ: أمْ هُمُ المُتَوَلُّونَ، وهَذا قَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.

الرّابِعُ: أنَّهُمُ الحَفَظَةُ، مَأْخُوذٌ مِن تَسْطِيرِ الكِتابِ، الَّذِي يَحْفَظُ ما كُتِبَ فِيهِ فَصارَ المُسَيْطِرُ هُنا حافِظًا ما كَتَبَهُ اللَّهُ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

﴿ أمْ لَهم سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ السُّلَّمَ المُرْتَقى إلى السَّماءِ، ومِنهُ قَوْلُ ابْنِ مُقْبِلٍ لا تُحْرِزُ المَرْءَ أحْجاءُ البِلادِ ولا يُبْنى لَهُ في السَّماواتِ السَّلالِيمُ الثّانِي: أنَّهُ السَّبَبُ الَّذِي يُتَوَصَّلُ بِهِ إلى عَوالِي الأشْياءِ، قالَ الشّاعِرُ تَجَنَّيْتِ لِي ذَنْبًا وما إنْ جَنَيْتُهُ ∗∗∗ لِتَتَّخِذِي عُذْرًا إلى الهَجْرِ سُلَّمًا وَقَوْلُهُ ﴿ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: يَسْتَمِعُونَ مِنَ السَّماءِ ما يَقْضِيهِ اللَّهُ عَلى خَلْقِهِ.

الثّانِي: يَسْتَمِعُونَ مِنها ما يُنْزِلُ اللَّهُ عَلى رُسُلِهِ مِن وحْيِهِ.

﴿ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهم بِسُلْطانٍ مُبِينٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: فَلْيَأْتِ صاحِبُهم بِحُجَّةٍ ظاهِرَةٍ تَدُلُّ عَلى صِدْقِهِ.

الثّانِي: فَلْيَأْتِ بِقُوَّةٍ تَتَسَلَّطُ عَلى الأسْماعِ وتَدُلُّ عَلى قُدْرَتِهِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن إسحاق وابن جرير عن ابن عباس أن قريشاً لما اجتمعوا في دار الندوة في أمر النبي صلى الله عليه وسلم قال قائل منهم: احبسوه في وثاق، وتربصوا به المنون حتى يهلك كما هلك من قبله من الشعراء زهير والنابغة، إنما هو كأحدهم فأنزل الله في ذلك من قولهم ﴿ أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ ريب المنون ﴾ قال: الموت.

وأخرج ابن الأنباري في الوقت والابتداء عن ابن عباس قال: ريب: شك، إلا مكاناً واحداً في الطور ﴿ ريب المنون ﴾ يعني حوادث الأمور، قال الشاعر: تربص بها ريب المنون لعلها ** تطلق يوماً أو يموت حليلها وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ريب المنون ﴾ قال: حوادث الدهر، وفي قوله: ﴿ أم هم قوم طاغون ﴾ قال: بل هم قوم طاغون.

وأخرج ابن جرير عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله: ﴿ أم تأمرهم أحلامهم ﴾ قال: العقول.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله: ﴿ فليأتوا بحديث مثله ﴾ قال: مثل القرآن، وفي قوله: ﴿ فليأت مستمعهم ﴾ قال: صاحبهم، وفي قوله: ﴿ أم تسألهم أجراً فهم من مغرم مثقلون ﴾ يقول: أسألت هؤلاء القوم على الإِسلام أجراً فمنعهم من أن يسلموا الجعل، وفي قوله: ﴿ أم عندهم الغيب ﴾ قال: القرآن.

وأخرج البخاري والبيهقي في الأسماء والصفات عن جبير بن مطعم رضي الله عنه: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب بالطور، فلما بلغ هذه الآية ﴿ أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون ﴾ الآيات، كاد قلبي أن يطير.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم في قوله: ﴿ أم هم المسيطرون ﴾ قال: المسلطون.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ أم هم المسيطرون ﴾ قال: أم هم المنزلون والله تعالى أعلم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ﴾ فيكونوا هم الخالقين ﴿ بَلْ ﴾ ليس الأمر على هذا.

لم يخلقوا شيئًا ثم ﴿ لَا يُوقِنُونَ ﴾ قال ابن عباس: بربوبيتي ودوام ملكي (١) وقال مقاتل: بتوحيد الخالق (٢) وقال أهل المعاني: لا يوقنون بالحق (٣) (١) لم أجده.

(٢) انظر: "تفسير مقاتل" 129 أ.

(٣) انظر: "الوسيط" 4/ 189.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ أَمْ خُلِقُواْ مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ ﴾ فيه ثلاثة أقوال: أحدها أن معناه أم خلقوا من غير رب أنشأهم واستعبدهم، فهم من أجل ذلك لا يعبدون الله: الثاني أم خلقوا من غير أب ولا أم كالجمادات فهم لا يؤمرون ولا ينهون كحال الجمادات: الثالث أم خلقوا من غير أن يحاسبوا ولا يجازوا بأعمالهم فهو على هذا كقوله: ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً ﴾ [المؤمنون: 115] ﴿ أَمْ هُمُ الخالقون ﴾ معناه أهم الخالقون لأنفسهم بحيث لا يعبدون الخالق؟

أم هم الخالقون للمخلوقات بحيث يتكبرون؟

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ فكهين ﴾ مقصوراً: يزيد ﴿ وأتبعناهم ﴾ من باب الأفعال: أبو عمرو ﴿ وذريتهم ﴾ على التوحيد مرفوعاً ﴿ ذرياتهم ﴾ على الجمع: أبو جعفر ونافع.

وقرأ أبو عمرو على الجمع فيهما منصوباً.

وقرأ ﴿ ذريتهم ﴾ ابن عامر وسهل ويعقوب على الجمع أيضاً ولكن برفع الأول.

الباقون: على التوحيد فيهما الأول مرفوعاً والثاني منصوباً ﴿ ألتناهم ﴾ بكسر اللام ثلاثياً.

ابن كثير ﴿ لؤلؤ ﴾ بتليين الهمزة الأولى: شجاع ويزيد وأبو بكر وحماد وحمزة في الوقف كما مر في الحج ﴿ أنه هو البر ﴾ بفتح الهمزة: أبو جعفر ونافع وعلي ﴿ أنا كنا ندعوه ﴾ ﴿ لأنه ﴾ ﴿ المسيطرون ﴾ بالسين: ابن كثير في رواية.

وابن عامر والآخرون: بالصاد.

وقرأ حمزة في رواية بإشمام الراء ﴿ يصعقون ﴾ مبنياً للمفعول: ابن عامر وعاصم ﴿ وإدبار النجوم ﴾ بالفتح: زيد عن يعقوب.

الوقوف: ﴿ والطور ﴾ ه لا ﴿ مسطور ﴾ ه لا ﴿ منشور ﴾ ه لا ﴿ المعمور ﴾ ه لا ﴿ المرفوع ﴾ ه لا ﴿ المسجور ﴾ ه لا ﴿ لواقع ﴾ ه لا ﴿ من دافع ﴾ ه لا ﴿ موراً ﴾ ه لا ﴿ سيراً ﴾ ط ﴿ للمكذبين ﴾ ه لا ﴿ يلعبون ﴾ ه م ﴿ دعا ﴾ ط لأن التقدير يقال لهم هذه النار ﴿ تكذبون ﴾ ه ﴿ لا تبصرون ﴾ ه ﴿ تصبروا ﴾ ه لاختلاف الجملتين مع اتفاق المعنى ﴿ عليكم ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ ونعيم ﴾ ه لا ﴿ آتاهم ربهم ﴾ ج لاحتمال العطف واتضاح وجه الحال أي وقد وقاهم ﴿ الجحيم ﴾ ه ﴿ تعملون ﴾ ه لا ﴿ مصفوفة ﴾ ج ﴿ عين ﴾ ه ﴿ شيء ﴾ ه ﴿ رهين ﴾ ه ﴿ يشتهون ﴾ ه ﴿ ولا تأثيم ﴾ ه ﴿ مكنون ﴾ ه ﴿ يتساءلون ﴾ ه ﴿ مشفقين ﴾ ه ﴿ السموم ﴾ ه ط لمن قرأ ﴿ إنه ﴾ بالكسر ﴿ الرحيم ﴾ ه ﴿ مجنون ﴾ ه لأن "أم" ابتداء استفهام وتوبيخ ﴿ المنون ﴾ ه ﴿ المتربصين ﴾ ه ط لما قلنا ﴿ طاغون ﴾ ه ج لاحتمال ابتداء الاستفهام والجواب بقوله بل ﴿ لا يؤمنون ﴾ ه ج للآية مع الفاء ﴿ صادقين ﴾ ه ط ﴿ الخالقون ﴾ ه ط ﴿ والأرض ﴾ ج لأن "بل" للإضراب مع العطف ﴿ لا يوقنون ﴾ ه ﴿ المسيطرون ﴾ ه ط ﴿ فيه ﴾ ج لتناهي الاستفهام مع فاء التعقيب ﴿ مبين ﴾ ه ط ﴿ البنون ﴾ ه ط ﴿ مثقلون ﴾ ه ﴿ يكتبون ﴾ ط ﴿ كيداً ﴾ ط ﴿ المكيدون ﴾ ه ط والضابط فيما تقدم أن كلما وصل "أم" فهو للجواب وما قطع فهو بمعنى ألف الاستفهام ﴿ غير الله ﴾ ط ﴿ يشركون ﴾ ه ﴿ مركوم ﴾ ه ﴿ يصعقون ﴾ ه لا لأن ﴿ يوم ﴾ بدل ما تقدمه ﴿ ينصرون ﴾ ه ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ تقوم ﴾ ه لا ﴿ النجوم ﴾ ه.

التفسير: لما ختم السورة المتقدمة بوقوع اليوم الموعود أقسم على ذلك بالطور وهو الجبل الذي مر ذكره مراراً في قصة موسى.

والكتاب المسطور التوراة ظاهراً لأنه هو المناسب للطور.

وقيل: اللوح المحفوظ.

وقيل: صحيفة الأعمال.

والرق الصحيفة أو الجلد الذي يكتب عليه.

والمنشور خلاف المطوي كقوله ﴿ ونخرج له يوم القيامة كتاباً يلقاه منشوراً  ﴾ وقيل: هو القرآن ونكر لأنه كتاب مخصوص من بين جنس الكتب ﴿ والبيت المعمور ﴾ الكعبة أو الضراح في السماء السابعة سمي معموراً لكثرة زواره من الحجاج أو الملائكة ﴿ والسقف المرفوع ﴾ السماء ﴿ والبحر المسجور ﴾ المملوء أو الموقد من قوله ﴿ وإذا البحار سجرت  ﴾ وقد سبق في "المؤمن" في قوله ﴿ ثم في النار يسجرون  ﴾ عن جبير بن مطعم أتيت رسول الله  أكلمه في الأساري فألفيته في صلاة الفجر يقرأ سورة ﴿ والطور ﴾ فلما بلغ ﴿ إن عذاب ربك لواقع ﴾ أسلمت خوفاً من أن ينزل العذاب ﴿ يوم تمور ﴾ تضطرب وتجيء وتذهب وقد يقال: المور تحرك في تموج كحركة الزئبق ونحوه.

قلت: لأهل التأويل أن يقولوا: الطور القوة العقلية، وكتاب مسطور هي الجلايا القدسية والمعارف الإلهية الثابتة فيها كالحرف في الرق، والبيت المعمور بيت القلب، والسقف المرفوع الرأس، والبحر المسجور الدماغ المملوء من الخيالات والأوهام.

﴿ إن عذاب ربك ﴾ بالحرمان عن الإكرام لازدحام ظلم الآثام لواقع يوم القيامة الصغرى إذ تمور سماء الأرواح حين قطع العلائق وحيلولة العوائق موراً، وتسير جبال النفوس الحيوانية الأمارة التي أثقلت ظهر صاحبها لانتهاء سيرانها وانقضاء سلطانها سيراً.

والدع الدفع العنيف.

قال المفسرون: إن خزنة النار يغلون أيديهم إلى أعناقهم ويجمعون نواصيهم إلى أقدامهم ويدفعونهم إلى النار دفعاً على وجوههم وزجاً في أقفيتهم.

والاستفهام في قوله ﴿ أفسحر ﴾ للتقريع والتهكم، والفاء مؤكد له أي كنتم تقولون للوحي إنه سحر فهذا أيضاً سحر ﴿ أم أنتم لا تبصرون ﴾ هذا المخبر عنه في الآخرة كما كنتم لا تصدقون الخبر عنه في الدنيا.

وقوله ﴿ فاصبروا أو لا تصبروا ﴾ كقوله {سواء علينا لا تصدقون الخبر عنه في الدنيا.

وقوله ﴿ فاصبروا أو لا تصبروا ﴾ كقوله ﴿ سواء علينا أجزعنا أم صبرنا  ﴾ ثم علل الاستواء بقوله ﴿ إنما تجزون ﴾ يعني أن الجزاء لا بد من حصوله فلا مزية للصبر على عدمه.

قوله ﴿ ووقاهم ﴾ معطوف على متعلق قوله ﴿ في جنات ﴾ أي استقروا في جنات ونعيم ووقاهم العذاب.

وجوز أن يعطف على ﴿ آتاهم ﴾ على أن "ما" مصدرية أي فاكهين بالإيتاء والوقاية ﴿ كلوا ﴾ على إرادة القول أي يقال لهم كلوا ﴿ واشربوا ﴾ أكلاً وشرباً ﴿ هنيئاً ﴾ أو طعاماً وشراباً هنيئاً لا تنغيص فيه.

وقد مر في أول "النساء".

وجوز جار الله أن يكون صفة في معنى المصدر القائم مقام الفعل أي هنأكم الأكل والشرب بسبب ما عملتم، أو الباء مزيدة أي هنأكم جزاء ما عملتم.

قوله ﴿ والذين آمنوا ﴾ ظاهره أنه مبتدأ خبره ﴿ ألحقنا ﴾ قال جار الله: هو معطوف على ﴿ حور عين ﴾ أي قرناهم بحور عين والذين آمنوا من رفقائهم وجلسائهم وأتبعناهم ذرياتهم كي يجتمع لهم أنواع السرور بملاعبة الحور وبمؤانسة الإخوان المؤمنين وباجتماع أولادهم ونسلهم بهم.

وقوله ﴿ بإيمان ﴾ أي بسبب إيمان عظيم رفيع المحل وهو إيمان الآباء.

﴿ ألحقنا ﴾ بدرجاتهم ﴿ ذريتهم ﴾ ويجوز أن يراد إيمان الذرية الداني المحل كما جاء في الحديث " إن الله يرفع ذرية المؤمن في درجته وإن كانوا دونه لتقر بهم عينه ثم تلا هذه الآية" ﴿ وما ألتناهم ﴾ أي وما نقصنا من ثوابهم شيئاً بعطية الأبناء ولا بسبب غيرها ولكن وفرنا عليهم جميع ما ذكرنا تفضلاً وإحساناً.

ثم بين أن الجزاء بمقدار العمل فقال ﴿ كل امرىء بما كسب رهين ﴾ أي مرهون.

قال جار الله: كأن نفس العبد رهن عند الله بالعمل الصالح الذي هو مطالب به كما يرهن الرجل عبده بدين عليه.

فإن عمل صالحاً فكها وخلصها وإلا أوبقها.

وقيل: هذا يعود إلى الكفار.

والرهين المرهون المأخوذ المحبس على أمر يؤدي عنه.

وقيل: بمعنى راهن وهو المقيم أي كل إنسان مقيم في جزاء ما يقدم.

﴿ وأمددناهم ﴾ وزدناهم وقتاً بعد وقت ﴿ يتنازعون ﴾ يتعاطون هم وقرناؤهم ﴿ لا لغو فيها ﴾ أي لا حديث باطل في أثناء شربها.

ونفى اللغو لانتفاء الغول الذي هو من تعاكسيه ﴿ ولا تأثيم ﴾ أي لا يفعلون ما ينسب صاحبه إلى الإثم لو فعله في دار التكليف، وإنما يتكلمون بالكلام الحسن المفيد وذلك أنهم حكماء علماء.

والغلمان الخدام المختصمون بهم، واللؤلؤ المكنون المستور في الصدف أو في الدرج وذلك أنه أصفى وأرطب وأثمن.

وقيل لقتادة: هذا هو الخادم فكيف المخدوم؟

فقال: قال رسول الله  "والذي نفس بيده إن فضل المخدوم على الخادم كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب" وعنه  " إن أدنى أهل الجنة منزلة من ينادي الخادم من خدامه فيجيب ألف ببابه لبيك لبيك" ﴿ يتساءلون ﴾ يتحادثون ﴿ مشفقين ﴾ أرقاء القلوب من خشية الله وعذاب السموم عذاب النار لأنها تدخل المسام ومنه الريح السموم ﴿ من قبل ﴾ أي في الدنيا ﴿ فذكر ﴾ فأثبت على ما أنت عليه من التذكير والدعوة العامة ﴿ فما أنت بنعمة ربك ﴾ أي بسبب حمد الله وإنعامه عليك ﴿ بكاهن ﴾ كما يزعمون ﴿ ولا مجنون ﴾ فلعله كان لهم في رسول الله  أقوال، فبعضهم ينسبونه إلى الكهانة نظراً إلى إخباره عن المغيبات، وبعضهم يرمونه بالجنون حيث لا يسمعون منه ما يوافق هواهم ويطابق مغزاهم، وبعضهم يرون أن تأثير كلامه فيهم من باب التخييل لا الإعجاز كما قال ﴿ أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون ﴾ وهو ما يقلق النفوس ويزعجها من حوادث الدهر، وقيل: المنون الموت "فعول" من منه إذا قطعه لأن الموت قطوع ولذلك سمي شعوب.

وقد قالوا: ننتظر به نوائب الزمان فيهلك كما هلك الشعراء قبله.

والأحلام العقول وكانت قريش يدعون أنهم أهل النهي والأحلام.

وكون الأحلام أمرتهم مجاز لأدائها إلى تلك الأقوال الفاسدة، وفيه تقريع وتوبيخ إذ لو كان لهم عقل لميزوا بين الحق والباطل والمعجز وغيره ﴿ تقوَّله ﴾ اختلقه من تلقاء نفسه ﴿ بل لا يؤمنون ﴾ جحوداً وعناداً وقد صح عندهم إعجاز القرآن وإلا ﴿ فليأتوا بحديث مثله ﴾ .

ثم وبخهم على إنكار الصانع بقوله ﴿ أم خلقوا من غير شيء ﴾ من غير خالق ﴿ أم هم الخالقون ﴾ أنفسهم.

وقيل: أخلقوا من أجل لا شيء من جزاء وحساب.

والأول أقوى لقوله ﴿ أم خلقوا السموات والأرض ﴾ ثم احتج عليهم بالأنفس ثم بالآفاق ثم قال ﴿ بل لا يوقنون ﴾ وذلك أنه حكى عنهم ﴿ ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله  ﴾ فتبين أنهم في هذا الاعتراف شاكون إذ لو عرفوه حق معرفته لم يثبتوا له نداً ولم يحسدوا من اختاره للرسالة كما وبخهم عليه بقوله ﴿ أم عندهم خزائن ربك ﴾ حتى يختاروا للنبوة من أرادوه ﴿ أم هم المسيطرون ﴾ المسلطون الغالبون حتى يدبروا أمر العالم على حسب مشيئتهم ﴿ أم لهم سلم يستمعون ﴾ الوحي صاعدين ﴿ فيه ﴾ إلى السماء عالمين بالمحق والمبطل ومن له العاقبة.

والمغرم أن يلتزم الإنسان ما ليس عليه ﴿ أم عندهم الغيب ﴾ المحفوظ في اللوح ﴿ فهم يكتبون ﴾ ما فيه من أحوال المبدأ والنبوة والمعاد فيحكمون بحسبها ﴿ أم يريدون كيداً ﴾ وهو كيدهم لرسول الله  في دار الندوة وفي غيرها ﴿ فالذين كفروا ﴾ اللام لهؤلاء أو للجنس فيشملهم ﴿ هم المكيدون ﴾ المغلوبون الذين يعود وبال الكيد عليهم فقتلوا ببدر وأظهر الله دين الإسلام.

ثم صرح بالمقصود الكلي فوبخهم على إشراكهم ونزه نفسه عن ذلك بقوله ﴿ سبحان الله ﴾ ثم أجاب عن بعض مقترحهم وهو قولهم ﴿ أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفاً ﴾ والمراد أنهم لفرط عنادهم لا يفيد معهم شيء من الدلائل فلو أسقطنا عليهم قطعة من السماء لقالوا هذا سحاب مركوم بعضه فوق بعض.

ومعنى يصعقون يموتون وذلك عند النفخة الأولى.

قوله ﴿ عذاباً دون ذلك ﴾ أي قبل يوم القيامة وهو القتل ببدر القحط سبع سنين وعذاب القبر ﴿ فأصبر لحكم ربك ﴾ بإمهالهم وتبليغ الرسالة ﴿ فإنك ﴾ محفوظ ﴿ بأعيننا ﴾ وهو مجاز عن الكلاءة التامة والجمع للتعظيم والمبالغة و ﴿ حين تقوم ﴾ أي من أي مكان قمت أو من منامك.

وإدبار النجوم بالكسر غروبها آخر الليل وهو بالحقيقة تلاشي نورها في ضوء الصبح، وبالفتح أعقابها.

والمعنى مثل ما قلنا.

وقيل: التسبيح التهجد.

ومن الليل صلاة العشاءين، وإدبار النجوم صلاة الفجر.

أمره بالإقبال على طاعته بعد الفراغ عن دعوة الأمة فليس له شأن إلا هذين.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ فَذَكِّرْ فَمَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلاَ مَجْنُونٍ ﴾ .

أي: بما أنعم عليك من النبوة والقرآن لست بكاهن ولا مجنون.

ثم هذا يخرج على وجهين: أحدهما: أي: إنك لم تقابل نعمة ربك [بذلك،] عوفيت وعصمت عما ذكروا من الجنون، والسحر وغير ذلك، والله أعلم.

دلت هذه الآية على أنهم قالوا له: إنه كاهن، ومجنون، وكذا كانت عادة أولئك أنهم ينسبون الحجج عند عجزهم عن مقابلتها إلى السحر، والأنباء المتقدمة إلى الكهانة، وخلاف الرسل - عليهم السلام - لقادتهم وفراعنتهم إلى الجنون، والكلام المستملح والنظم الجيد إلى الشعر؛ تلبيسا للأمر على أتباعهم، هذه كانت عادتهم، مع العلم منهم أن رسول الله  ليس كذلك، ولا اختلف إلى أحد من الكهان ولا السحرة ولا كان القرآن على نظم الشعر؛ إذ عجزوا عن إتيان مثله، وهم عن الشعر غير عاجزين، لم لم عجزوا عن مقابلة ما آتاهم من الحجج قالوا: ﴿ نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ ٱلْمَنُونِ ﴾ ، أي: عن قريب يرجعون إلى ديننا، وإلى ما نحن فيه، وكانوا يقولون للضعفاء أصحاب رسول الله  : إن محمداً يموت ويصير الأمر لنا؛ فترجعون إلينا؛ فقال  : ﴿ قُلْ تَرَبَّصُواْ فَإِنِّي مَعَكُمْ مِّنَ ٱلْمُتَرَبِّصِينَ ﴾ ، أي: تربصوا ذلك؛ فإني متربص ذلك بكم؛ فكانوا جميعاً أو عامتهم - أعني: الذين قالوا لرسول الله  : إنه شاعر نتربص به ريب المنون - أهلكوا قبل وفاة رسول الله  - فحل بهم ما ظنوا برسول الله  ، والله أعلم.

قال القتبي: ريب المنون: حوادث الدهر وأوجاعه ومصائبه، والمنون: الدهر.

وقال أبو عوسجة: ريب المنون، أي: المنية، وريبها: ما تأتي به.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلاَمُهُمْ بِهَـٰذَآ ﴾ قد ذكرنا في غير موضع معنى حرف "أم" أي: ليست لهم عقول تأمرهم بذلك، أي: من يأمر بهذا فليس بعاقل.

والثاني: على تسفيه أحلامهم، أي: أي عقل يأمر بعبادة الأصنام، وينهى عن عبادة الله  ؟!

أي: لا عقل يأمر به.

وقوله: ﴿ أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ ﴾ .

أي: طاغون في ذلك، والطغيان: هو المجاوزة عن الحد في العداوة.

وقوله: ﴿ أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَل لاَّ يُؤْمِنُونَ ﴾ أي: يعلمون أنك لست بمتقول، ولكن ينسبونك إلى التقول، لتكذيبهم بآيات الله  ؛ وهو وما ذكر في آية أخرى: ﴿ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ ﴾ - بالتخفيف والتشديد - ﴿ وَلَـٰكِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ  ﴾ يقول: إنهم لا يقولون: إنك كاذب فيما تقول، ولا ينسبونك إلى الكذب، ولكن إنما يكذبون الآيات، ويعتقدون كذبها؛ فعلى ذلك تقوله على علم منهم: أنك لم تتقول، ولكن اعتقدوا تكذيب الآيات والجحود لها، فيقولون: إنك تتقول من [عند نفسك]، قال: ﴿ فَلْيَأْتُواْ بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُواْ صَادِقِينَ ﴾ ، أي: لو كانوا صادقين بأن محمداً يتقول على الله، فليأتوا بمثل ما أتى به محمد.

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ فَلْيَأْتُواْ بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ ﴾ وإن خرج مخرج الأمر في الظاهر، فهو في الحقيقة ليس بأمر؛ لأنه لا يحمل أن يأمرهم أن يأتوا بالكذب والافتراء، ثم هذا يخرج على وجهين: أحدهما: على الإعجاز عن أن يأتوا بمثله.

والثاني: على التوبيخ والتوعيد على ما قالوا على رسول الله  من الافتراء والتقول، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَمْ خُلِقُواْ مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ ٱلْخَالِقُونَ ﴾ .

قال عامة أهل التأويل: أم خلقوا من غير أب، ولكن ليس فيما ذكروا كثير فائدة، لو خلقوا من غير أب، إلا أن يريدوا بذلك: حتى لم يعرفوا من خلقهم، وممن خلقوا، بل كانت لهم آباء عودوهم وأعلموهم بأن لهم خالقا، وأنهم مخلوقون، وليسوا بخالقين، أن كلام نحوه، فكيف يتكلمون بما هو سفه، وكيف يصرون عليه.

وعندنا يخرج على وجهين: أحدهما: ﴿ أَمْ خُلِقُواْ مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ ﴾ أي: يعلمون أنهم لم يخلقوا لغير شيء، إذ [لو] خلقوا من تراب، ولغير معنى وحكمة، لكان خلقهم عبثاً باطلا، وهم يعلمون أنهم لم يخلقوا لعباً باطلا.

والثاني: يقال: لا يلخو إما أن يكون خلقوا من غير شيء، أو خلقوا من تراب وماء، فكيفما كان، فدل أن قدرته ذاتية لا مستفادة؛ فلا يحتمل أن يعجزه شيء.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَمْ هُمُ ٱلْخَالِقُونَ ﴾ .

أي: ليسوا هم بخالقين.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَمْ خَلَقُواْ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ ﴾ أي: يعلمون أنهم لم يخلقوهما.

وقوله: ﴿ بَل لاَّ يُوقِنُونَ ﴾ يخرج على وجهين: أحدهما: أن ما يقولون إما يقولون على الظن لا على اليقين.

والثاني: ﴿ بَل لاَّ يُوقِنُونَ ﴾ أي: لا يصدقون، وذلك في قوة علم الله  بأنهم لا يؤمنون.

فإن كان التأويل هذا، ففيه دلالة إثبات الرسالة؛ حيث أخبر عن الغيب.

وإن كان التأويل هو الأول، ففيه أن جميع ما يقولون، إنما يقولون على الظن والجهل، لا على اليقين، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَبِّكَ...

﴾ الآية؛ أي: ليس عندهم خزائن ربك، على ما ذكرنا في قوله  : ﴿ أَمْ خَلَقُواْ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ ﴾ أي: لم يخلقوا؛ فعلى ذلك هذا: ليس عندهم خزائن ربك، ولا هم المصيطرون.

ثم الآية تحتمل وجوها أيضاً: تحتمل ﴿ أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَبِّكَ ﴾ ، أي: الذي منعهم عن اتباع رسول الله  هو المنعة التي عندهم، ليس ذلك عند رسول الله  ؛ فيكونون هم الذلك أحق بالرسالة، أي: ليسوا بأحق.

ويحتمل قوله  : ﴿ أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَبِّكَ ﴾ أي: علم الغيب، أطلعوا على ذلك فعلموا أن رسول الله  قد تقوَّلَ على الله  ؟!

أي: ليس لهم علم الغيب.

ويحتمل ﴿ أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَبِّكَ ﴾ ، أي: علم الغيب، ليس ذلك عند رسول الله  ، بل عند رسوله ما يخبره ربه - جل وعلا - ليس عندهم شيء من ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَمْ هُمُ ٱلْمُصَيْطِرُونَ ﴾ .

أي: ليس هم المسلطين على أرزاقهم، ولا أرزاق غيرهم.

وقال بعضهم: المسيطر: الرب  ، يقال: سيطر فلان، أي: صار ربا؛ وهو قول القتبي.

وقال الزجاج: المسطير: المسلط؛ يقال: سيطر، اي: تسلط.

وقال أبو بكر: المسيطر: الغالب القاهر، لكن الغلبة والقهر بالحجة عليهم، وهذا يخرج على المقابلة برسول الله  ما ذكر، ويحتمل على غير المقابلة والله أعلم.

وقوله: ﴿ أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ ﴾ .

هذا يخرج على وجهين: أحدهما: أم لهم سبب وقوة؛ فيصعدون السماء؛ فيستمعون من أخبارها؛ فعلموا بذلك أن محمداً  تقول على الله  .

والثاني: ﴿ أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ ﴾ ، أي: لهم حجة وبرهان يستمعون يه أن رسول الله  على ما ذكروا، فإن قالوا: نعم لنا ذلك، يقال لهم عند ذلك: ﴿ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُم بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ ﴾ أي: بحجة بينة، ليس لهم ذلك، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَمْ لَهُ ٱلْبَنَاتُ وَلَكُمُ ٱلْبَنُونَ...

﴾ الآية.

هذا ليس من نوع ما سبق ذكره؛ لأن ما تقدم من الآيات بينهم وبين رسول الله  على المقابلة، وهذا راجع إلى الله  في الظاهر على ما سبق منهم القول: إن الملائكة بنات الله، وهو ما قال: ﴿ وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِٱلأُنْثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ  ﴾ ، يذكر سفههم في نسبتهم البنات إلى الله - عز وجل - وهم يأنفون من نسبتهن إليهم، فيسكن بذلك صدر رسول الله  ، ويصبره على أذاهم، أي: إنهم يقولون فيَّ ما قالوا؛ فاصبر على ما يقولون فيك، والله أعلم.

ويحتمل أن خرج ما ذكرنا من المقابلة برسول الله  ، [و]معناه: أم لرسول الله البنات، ولكم البنون؛ فتتركون اتباعه لذلك؟!

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً فَهُم مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ ﴾ .

أي: لست تسألهم أجرا على اتباعك، فيمنعهم ذلك عن اتباعك، يذكر أن ليس لهم أسباب المنع، وهذه أسباب المنع، وإنما امتنعوا عن الاتباع تعنتا ومكابرة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَمْ عِندَهُمُ ٱلْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ ﴾ ، أي: عندهم علم الغيب؛ فيعلمون أن رسول الله  تقوله؛ بل ليس عندهم ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً فَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ هُمُ ٱلْمَكِيدُونَ ﴾ .

أي: يريدون كيدا برسول الله  ، لكن هم المكيدون، أي: إليهم يرجع ذلك الكيد، والذي أرادوا برسول الله  .

ثم يحتمل ذلك الكيد الذي أخبر - عز وجل - أنه عليهم في الدنيا؛ على ما قاله أهل التأويل: إنهم قتلوا يوم بدر، ويحتمل ذلك في الآخرة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَمْ لَهُمْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ ﴾ .

أي: أم لهم إله يأمرهم بالذي يدعون على رسول الله  ؟

أي: أم لهم إله غير الله يمنعهم ن عذاب الله  ؟!

أي: ليس لهم.

ويحتمل: أم لهم إله غير الله يأمرهم بالذي يدعون على رسول الله  من التقول على الله  ، أو يطعلهم على ذلك؟

أي: ليس لهم إله يطلعهم على ذلك، ويدفع عنهم ما ينزل من السماء من العذاب، وهو ما قال: ﴿ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ  مَّا لَهُ مِن دَافِعٍ  ﴾ .

ثم نزه نفسه عما أشركوا معه من الأوثان في تسمية الألوهية واستحقاق العبادة، فقال: ﴿ سُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

أم خلقوا السماوات والأرض؟!

بل لا يوقنون أن الله هو خالقهم، إذ لو أيقنوا ذلك لوحَّدوه، ولآمنوا برسوله.

<div class="verse-tafsir" id="91.X72Ma"

مزيد من التفاسير لسورة الطور

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.1 / 29.5
الإضاءة 27%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد