الآية ٤٩ من سورة الطور

الإسلام > القرآن > سور > سورة 52 الطور > الآية ٤٩ من سورة الطور

وَمِنَ ٱلَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَـٰرَ ٱلنُّجُومِ ٤٩

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 70 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٤٩ من سورة الطور: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٤٩ من سورة الطور عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( ومن الليل فسبحه ) أي : اذكره واعبده بالتلاوة والصلاة في الليل ، كما قال : ( ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا ) [ الإسراء : 79 ] .

وقوله : ( وإدبار النجوم ) قد تقدم في حديث ابن عباس أنهما الركعتان اللتان قبل صلاة الفجر ، فإنهما مشروعتان عند إدبار النجوم ، أي : عند جنوحها للغيبوبة .

وقد روي [ في حديث ] ابن سيلان ، عن أبي هريرة مرفوعا : " لا تدعوهما ، وإن طردتكم الخيل " .

يعني : ركعتي الفجر رواه أبو داود .

ومن هذا الحديث حكي عن بعض أصحاب الإمام أحمد القول بوجوبهما ، وهو ضعيف لحديث : " خمس صلوات في اليوم والليلة " .

قال : هل علي غيرها ؟

قال : " لا إلا أن تطوع " وقد ثبت في الصحيحين عن عائشة ، رضي الله عنها ، أنها قالت : لم يكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على شيء من النوافل أشد تعاهدا منه على ركعتي الفجر وفي لفظ لمسلم : " ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها " آخر تفسير سورة الطور [ والله أعلم ]

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله ( وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ ) يقول: ومن الليل فعظم ربك يا محمد بالصلاة والعبادة, وذلك صلاة المغرب والعشاء.

وكان ابن زيد يقول في ذلك ما حدثني به يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله ( وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ ) قال: ومن الليل صلاة العشاء ( وَإِدْبَارَ النُّجُومِ ) يعني حين تدبر النجوم للأفول عند إقبال النهار.

وقيل: عُني بذلك ركعتا الفجر.

* ذكر بعض من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد, قال: ثنى أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس, قوله ( فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ ) قال: هما السجدتان قبل صلاة الغداة.

حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قوله ( وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ ) كنا نحدّث أنهما الركعتان عند طلوع الفجر.

قال: وذُكر لنا أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يقول: لهما أحبّ إليّ من حُمْر النَّعَم.

حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, عن زرارة بن أوفى, عن سعيد بن هشام عن عائشة, أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في ركعتي الفجر " هما خيرٌ مِنَ الدُّنْيا جميعا ".

حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة ( وَإِدْبَارَ النُّجُومِ ) قال: ركعتان قبل صلاة الصبح.

حدثنا ابن بشار, قال: ثنا ابن أبي عديّ وحماد بن مسعدة قالا ثنا حميد, عن الحسن, عن علي, في قوله ( وَإِدْبَارَ النُّجُومِ ) قال: الركعتان قبل صلاة الصبح.

حدثنا ابن حُميد, قال: ثنا جرير, عن عطاء, قال: قال عليّ رضي الله عنه ( إِدْبَارَ النُّجُومِ ) الركعتان قبل الفجر.

وقال آخرون: عنى بالتسبح ( إِدْبَارَ النُّجُومِ ) : صلاة الصبح الفريضة.

* ذكر من قال ذلك: حدثت عن الحسين, قال: سمعت أبا معاذ, يقول: أخبرنا عبيد, قال: سمعت الضحاك يقول في قوله ( وَإِدْبَارَ النُّجُومِ ) قال: صلاة الغداة.

حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله ( وَإِدْبَارَ النُّجُومِ ) قال: صلاة الصبح.

وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب قول من قال: عنى بها: الصلاة المكتوبة صلاة الفجر, وذلك أن الله أمر فقال ( وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ ) والركعتان قبل الفريضة غير واجبتين, ولم تقم حجة يجب التسليم لها, أن قوله فسبحه على الندب, وقد دللنا في غير موضع من كتبنا على أن أمر الله على الفرض حتى تقوم حجة بأنه مراد به الندب, أو غير الفرض بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.

آخر تفسير سورة الطور

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ومن الليل فسبحه وإدبار النجوم تقدم في " ق " مستوفى عند قوله تعالى : ومن الليل فسبحه وأدبار السجود .

وأما إدبار النجوم فقال علي وابن عباس وجابر وأنس : يعني ركعتي الفجر .

فحمل بعض العلماء الآية على هذا القول على الندب وجعلها منسوخة بالصلوات الخمس .

وعن الضحاك وابن زيد : أن قوله : [ ص: 75 ] وإدبار النجوم يريد به صلاة الصبح وهو اختيار الطبري .

وعن ابن عباس : أنه التسبيح في آخر الصلوات .

وبكسر الهمزة في إدبار النجوم قرأ السبعة على المصدر حسب ما بيناه في " ق " .

وقرأ سالم بن أبي الجعد ومحمد بن السميفع " وأدبار " بالفتح ، ومثله روي عن يعقوب وسلام وأيوب ; وهو جمع دبر ودبر ودبر الأمر ودبره آخره .

وروى الترمذي من حديث محمد بن فضيل ، عن رشدين بن كريب عن أبيه عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إدبار النجوم الركعتان قبل الفجر ، وإدبار السجود الركعتان بعد المغرب قال : حديث غريب لا نعرفه مرفوعا إلا من هذا الوجه من حديث محمد بن فضيل عن رشدين بن كريب .

وسألت محمد بن إسماعيل عن محمد بن فضيل ورشدين بن كريب أيهما أوثق ؟

فقال : ما أقربهما ، ومحمد عندي أرجح .

قال : وسألت عبد الله بن عبد الرحمن عن هذا فقال : ما أقربهما ، ورشدين بن كريب أرجحهما عندي .

قال الترمذي : والقول ما قال أبو محمد ورشدين بن كريب عندي أرجح من محمد وأقدم ، وقد أدرك رشدين ابن عباس ورآه .

وفي صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت : لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم على شيء من النوافل أشد معاهدة منه على ركعتين قبل الصبح .

وعنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها .

تم تفسير سورة " والطور " والحمد لله .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ففيه الأمر بقيام الليل، أو حين تقوم إلى الصلوات الخمس، بدليل قوله: { وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ} أي: آخر الليل، ويدخل فيه صلاة الفجر، والله أعلم.تم تفسير سورة والطور والحمد لله

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ومن الليل فسبحه ) أي : صل له ، قال مقاتل : يعني صلاة المغرب والعشاء .

( وإدبار النجوم ) يعني الركعتين قبل صلاة الفجر ، وذلك حين تدبر النجوم أي تغيب بضوء الصبح ، هذا قول أكثر المفسرين .

وقال الضحاك : هو فريضة صلاة الصبح .

أخبرنا أبو الحسن السرخسي ، أخبرنا زاهر بن أحمد ، أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي ، أخبرنا أبو مصعب ، عن مالك ، عن ابن شهاب ، عن محمد بن جبير بن مطعم ، عن أبيه أنه قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قرأ في المغرب بالطور .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ومن الليل فسبحه» حقيقة أيضا «وإدبار النجوم» مصدر، أي عقب غروبها سبحه أيضا، أو صلّ في الأول العشاءين، وفي الثاني الفجر وقيل الصبح.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

واصبر -أيها الرسول- لحكم ربك وأمره فيما حَمَّلك من الرسالة، وعلى ما يلحقك من أذى قومك، فإنك بمرأى منا وحفظ واعتناء، وسبِّح بحمد ربك حين تقوم إلى الصلاة، وحين تقوم من نومك، ومن الليل فسبِّح بحمد ربك وعظِّمه، وصلِّ له، وافعل ذلك عند صلاة الصبح وقت إدبار النجوم.

وفي هذه الآية إثبات لصفة العينين لله تعالى بما يليق به، دون تشبيه بخلقه أو تكييف لذاته، سبحانه وبحمده، كما ثبت ذلك بالسنة، وأجمع عليه سلف الأمة، واللفظ ورد هنا بصيغة الجمع للتعظيم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

( وَمِنَ الليل فَسَبِّحْهُ ) أى : ومن الليل فأكثر من تسبيح ربك ( وَإِدْبَارَ النجوم ) أى : وأكثر من تسبيحه - تعالى - قد أمر نبيه - صلى الله عليه وسلم - بالإكثار من التسبيح له - عز وجل - فى كل الأوقات ، لأن هذا التسبيح يجلو عن النفس همومها وأحزانها .

.

.وبعد : فهذا تفسير لسورة " الطور " نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصا لوجهه ، ونافعا لعباده .

.

.وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وقد تقدم تفسيره وهو كقوله تعالى: ﴿ فَسُبْحَانَ الله حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ  ﴾ وقد ذكرنا فائدة الاختصاص بهذه الأوقات ومعناه، ونختم هذه السورة بفائدة وهي أنه تعالى قال هاهنا ﴿ وإدبار النجوم ﴾ وقال في ق (40): ﴿ وأدبار السجود ﴾ ويحتمل أن يقال المعنى واحد والمراد من السجود جمع ساجد وللنجوم سجود قال تعالى: ﴿ والنجم والشجر يَسْجُدَانِ  ﴾ وقيل المراد من النجم نجوم السماء وقيل النجم ما لا ساق له من النبات قال الله تعالى: ﴿ يسجد له من في السماوات ومن في الأرض  ﴾ أو المراد من النجوم الوظائف وكل وظيفة نجم في اللغة أي إذا فرغت من وظائف الصلاة فقل سبحان الله، وقد ورد في الحديث: «من قال عقيب الصلاة سبحان الله عشر مرات والحمد لله عشر مرات والله أكبر عشر مرات كتب له ألف حسنة» فيكون المعنى في الموضعين واحد لأن السجود من الوظائف والمشهور والظاهر أن المراد من إدبار النجوم وقت الصبح حيث يدبر النجم ويخفى ويذهب ضياؤه بضوء الشمس، وحينئذ تبين ما ذكرنا من الوجه الخامس في قوله: ﴿ حِينَ تَقُومُ  ﴾ أن المراد منه النهار لأنه محل القيام ﴿ وَمِنَ اليل ﴾ القدر الذي يكون الإنسان في يقظان فيه ﴿ وإدبار النجوم ﴾ وقت الصبح فلا يخرج عن التسبيح إلا وقت النوم، وهذا آخر تفسير هذه السورة، والله أعلم، والحمد لله ربّ العالمين وصلّى الله على سيدنا محمد وآله وسلّم.

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ لِحُكْمِ رَبّكَ ﴾ بإمهالهم وما يلحقك فيه من المشقة والكلفة ﴿ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا ﴾ مثل، أي: بحيث نراك ونكلؤك.

وجمع العين لأنّ الضمير بلفظ ضمير الجماعة.

ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿ وَلِتُصْنَعَ على عَيْنِى ﴾ [طه: 39] .

وقرئ: ﴿ بأعينا ﴾ ، بالإدغام ﴿ حِينَ تَقُومُ ﴾ من أي مكان قمت.

وقيل: من منامك ﴿ وإدبار النجوم ﴾ وإذا أدبرت النجوم من آخر الليل.

وقرئ: ﴿ وأدبار ﴾ ، بالفتح بمعنى في أعقاب النجوم وآثارها إذا غربت، والمراد الأمر بقول: سبحان الله وبحمده في هذه الأوقات.

وقيل التسبيح: الصلاة إذا قام من نومه، ومن الليل: صلاة العشاءين، وأدبار النجوم: صلاة الفجر.

عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ سورة الطور كان حقاً على الله أن يؤمنه من عذابه وأن ينعمه في جنته» .

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ واصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ ﴾ بِإمْهالِهِمْ وإبْقائِكَ في عَنائِهِمْ.

﴿ فَإنَّكَ بِأعْيُنِنا ﴾ في حِفْظِنا بِحَيْثُ نَراكَ ونَكْلَؤُكَ وجَمَعَ العَيْنَ لِجَمْعِ الضَّمِيرِ والمُبالَغَةِ بِكَثْرَةِ أسْبابِ الحِفْظِ.

﴿ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ ﴾ مِن أيِّ مَكانٍ قُمْتَ أوْ مِن مَنامِكَ أوْ إلى الصَّلاةِ.

﴿ وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ ﴾ فَإنَّ العِبادَةَ فِيهِ أشَقُّ عَلى النَّفْسِ وأبْعَدُ مِنَ الرِّياءِ، ولِذَلِكَ أفْرَدَهُ بِالذِّكْرِ وقَدَّمَهُ عَلى الفِعْلِ ﴿ وَإدْبارَ النُّجُومِ ﴾ وإذا أدْبَرَتِ النُّجُومُ مِن آخِرِ اللَّيْلِ، وقُرِئَ بِالفَتْحِ أيْ في أعْقابِها إذا غَرَبَتْ أوْ خَفِيَتْ.

عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  : «مَن قَرَأ سُورَةَ والطُّورِ كانَ حَقًّا عَلى اللَّهِ أنْ يُؤَمِّنَهُ مِن عَذابِهِ وأنْ يُنَعِّمَهُ في جَنَّتِهِ».»

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ (٤٩)

{ومن الليل فَسَبّحْهُ وإدبار النجوم} وإذا أدبرت النجوم من آخر الليل وأدبار زيد أي في أعقاب النجوم وآثارها إذا غربت والمراد الأمر بقول سبحان الله وبحمده في هذه الأوقات وقيل التسبيح الصلاة إذا قام من نومه ومن الليل صلاة العشاء بن وإدبار النجوم صلاة الفجر وبالله التوفيق

سورة النجم اثنتان وستون آية مكية

بسم الله الرحمن الرحيم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ومِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ ﴾ إفْرادٌ لِبَعْضِ اللَّيْلِ بِالتَّسْبِيحِ لِما أنَّ العِبادَةَ فِيهِ أشَقُّ عَلى النَّفْسِ وأبْعَدُ عَنِ الرِّياءِ كَما يُلَوِّحُ بِهِ تَقْدِيمُهُ عَلى الفِعْلِ ﴿ وإدْبارَ النُّجُومِ ﴾ أيْ وقْتِ إدْبارِها مِن آخَرِ اللَّيْلِ أيْ غَيْبَتِها بِضَوْءِ الصَّباحِ، وقِيلَ: التَّسْبِيحُ مِنَ اللَّيْلِ صَلاةُ المَغْرِبِ والعِشاءِ، ﴿ وإدْبارَ النُّجُومِ ﴾ رَكْعَتا الفَجْرِ، وعَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وعَلِيِّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وأبِي هُرَيْرَةَ والحَسَنِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما التَّسْبِيحُ مِنَ اللَّيْلِ النَّوافِلُ: ﴿ وإدْبارَ النُّجُومِ ﴾ رَكْعَتا الفَجْرِ، وقَرَأ سالِمُ بْنُ أبِي الجَعْدِ والمِنهالُ بْنُ عَمْرٍ و ويَعْقُوبُ - أدْبارَ - بِفَتْحِ الهَمْزَةِ جَمْعُ دُبُرٍ بِمَعْنى عَقِبٍ أيْ في أعْقابِها إذا غَرَبَتْ، أوْ خُفِيَتْ بِشُعاعِ الشَّمْسِ.

هَذا ونَظْمُ الآياتِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ  ﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ أمْ لَهم إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ ﴾ إلَخْ فِيهِ غَرابَةٌ ولَمْ أرَ أحَدًا كَشَفَ عَنْ لِثامِهِ كَصاحِبِ الكَشْفِ جَزاهُ اللَّهُ تَعالى خَيْرًا، ولِغايَةِ حُسْنِهِ - وكَوْنِهِ مِمّا لا مَزِيدَ عَلَيْهِ - أحْبَبْتُ نَقْلَهُ بِحَذافِيرِهِ لَكِنْ مَعَ اخْتِصارٍ ما، فَأقُولُ: قالَ: أوْمَأ الزَّمَخْشَرِيُّ إلى وجْهَيْنِ في ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ بَلْ قالُوا أضْغاثُ أحْلامٍ بَلْ افْتَراهُ بَلْ هو شاعِرٌ  ﴾ : أحَدُهُما أنَّهُ حِكايَةُ قَوْلِهِمُ المُضْطَرِبِ عَلى وجْهِهِ، والثّانِي أنَّهُ تَدَرُّجٌ مِنهُ سُبْحانَهُ في حِكايَةِ ما قالُوهُ مِنَ المُنْكَرِ إلى ما هو أُدْخِلَ فِيهِ، والأوَّلُ ضَعِيفٌ فِيما نَحْنُ فِيهِ لِأنَّ ما سِيقَ لَهُ الكَلامُ لَيْسَ اضْطِرابَ أقْوالِهِمْ فَتُحْكى عَلى ما هي عَلَيْهِ بَلْ تَسْلِيَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وأنَّهُ لا مَحالَةَ يَنْتَقِمُ لَهُ مِنهم وأنَّ العَذابَ المُكَذَّبَ بِهِ واقِعٌ بِهِمْ جَزاءً لِتَكْذِيبِهِمْ بِالمُنَبِّئِ والنَّبَأِ والمُنَبَّأِ بِهِ، فالمُتَعَيِّنُ هو الثّانِي، ووَجْهُهُ - واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ - أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ فَذَكِّرْ ﴾ مَعْناهُ إذْ ثَبَتَ كَوْنُ العَذابِ واقِعًا وكَوْنُ الفَرِيقَيْنِ المُصَدِّقَيْنِ والمُكَذِّبَيْنَ مَجْزِيَّيْنَ بِأعْمالِهِمْ، وإنَّكَ عَلى الحَقِّ المُبِينِ الَّذِي مَن كَذَّبَ بِهِ اسْتَحَقَّ الهَوانَ، ومَن صَدَّقَ اسْتَحَقَّ الرِّضْوانَ فَدُمْ عَلى التَّذْكِيرِ ولا تُبالِ بِما تُكايَدُ فَإنَّكَ أنْتَ الغالِبُ حُجَّةً وسَيْفًا في هَذِهِ الدّارِ، ومَنزِلَةً ورِفْعَةً في دارِ القَرارِ، ومِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَما أنْتَ ﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ هُمُ المَكِيدُونَ ﴾ تَفْصِيلُ هَذا المُجْمَلِ مَعَ التَّعْرِيضِ بِفَسادِ مَقالاتِهِمُ الحَمْقاءِ وأنَّهم بِمَرْأى مِنَ اللَّهِ تَعالى ومَسْمَعٍ فَلا مَحالَةَ يَنْتَقِمُ لِنَبِيِّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنهم، وفِيهِ أنَّ النَّبِيَّ  مِنَ اللَّهِ تَعالى بِمَكانٍ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ فَهو شَدَّ مِن عَضُدِ التَّسَلِّي، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ فَما أنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ  ﴾ إلَخْ فِيهِ أنَّ مَن أُنْعِمَ عَلَيْهِ بِالنُّبُوَّةِ يَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ أحَدَ هَذَيْنِ، وبَدَأ بِقَوْلِهِمُ المُتَناقِضِ لِيُنَبِّهَ أوَّلًا عَلى فَسادِ آرائِهِمْ ويَجْعَلَهُ دُسْتُورًا في إعْراضِهِمْ عَنِ الحَقِّ وإيثارِ اتِّباعِ أهْوائِهِمْ فَما أبْعَدَ حالَ مَن كانَ أتْقَنُهم رَأْيًا وأرْجَحُهم عَقْلًا وأبْيَنُهم آيًا مُنْذُ تَرَعْرَعَ إلى أنْ بَلَغَ الأشُدَّ عَنِ الجُنُونِ والكِهانَةِ عَلى أنَّهُما مُتَناقِضانِ لِأنَّ الكُهّانَ كانُوا عِنْدَهم مِن كامِلِيهِمْ وكانَ قَوْلُهم إمامًا مُتَّبَعًا عِنْدَهم فَأيْنَ الكِهانَةُ مِنَ الجُنُونِ، ثُمَّ تَرْقى مَضْرِبًا إلى قَوْلِهِمْ فِيهِ وحاشاهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنَّهُ شاعِرٌ لِأنَّهُ أدْخَلُ في الكَذِبِ مِنَ الكاهِنِ والمَجْنُونِ وقَدِيمًا قِيلَ: أحْسَنُ الشَّعْرِ أكَذَبُهُ لِيُبَيِّنَ حالَ تَلَجْلُجِهِمْ واضْطِرابِهِمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ تَرَبَّصُوا  ﴾ مِن بابِ المُجازاةِ بِمِثْلِ صَنِيعِهِمْ وفِيهِ تَتْمِيمٌ لِلْوَعِيدِ، فَهَذا بابٌ مِن إنْكارِهِمْ هَدْمَهُ سُبْحانَهُ أوَّلًا تَلْوِيحًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ ﴾ وثانِيًا تَصْرِيحًا بِقَوْلِهِ جَلَّ وعَلا.

﴿ أمْ تَأْمُرُهم أحْلامُهُمْ  ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ دَعْهم وتِلْكَ المَقالَةَ وما فِيها مِنَ الِاضْطِرابِ فَفِيها عِبْرَةٌ، ثُمَّ قِيلَ: لا بَلْ ذَلِكَ مِن طُغْيانِهِمْ لِأنَّهُ أدْخَلُ في الذَّمِّ مِن نُقْصانِ العَقْلِ وأبْلَغُ في التَّسْلِيَةِ لِأنَّ مَن طَغى عَلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ فَقَدْ باءَ بِغَضَبِهِ، ثُمَّ أخَذَ في بابٍ أوْغَلَ في الإنْكارِ وهو نِسْبَةُ الِافْتِراءِ إلَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وذَلِكَ لِأنَّ الِافْتِراءَ أبْعَدُ شَيْءٍ مِن حالِهِ لِاشْتِهارِهِ بِالصِّدْقِ عَلى أنَّ كَوْنَهُ افْتِراءً وعَجْزَهم عَنِ الإتْيانِ بِأقْصَرِ سُورَةٍ مِن هَذا المُفْتَرِي مُتَنافِيانِ لِدَلالَتِهِ عَلى الصِّدْقِ عَلى ما مَرَّ - في الأحْقافِ - ولِأنَّ الشّاعِرَ لا يَتَعَمَّدُ الكَذِبَ لِذاتِهِ، ثُمَّ قَدْ يَكُونُ شِعْرُهُ حِكَمًا ومَواعِظَ وهو لا يُنْسَبُ فِيهِ إلى عارِ، والتَّدَرُّجُ عَنِ الشِّعْرِ ها هُنا عَكْسُ التَّدَرُّجِ إلَيْهِ في الأنْبِياءِ لِأنَّ بِناءَ الكَلامِ ها هُنا عَلى التَّدَرُّجِ في المُناقَضَةِ والتَّوَغُّلِ في القَدَحِ فِيهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ونَفْيِ رِسالَتِهِ، وهُنالِكَ عَنِ القَدْحِ في بَعْضٍ مِنَ الذَّكَرِ مُتَجَدِّدُ النُّزُولِ فَقِيلَ: إنَّ افْتِراءَهُ لا يَبْعُدُ مِمَّنْ هو شاعِرٌ ذُو افْتِراءاتٍ كَثِيرَةٍ، وأيْنَ هَذا مِن ذاكَ ؟

ولِلتَّنْبِيهِ عَلى التَّوَغُّلِ جِيءَ بِصَرِيحِ حَرْفِ الإضْرابِ في الرَّدِّ فَقِيلَ: ﴿ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ  ﴾ وعُقِّبَ بُقُولِهِ تَعالى: ﴿ فَلْيَأْتُوا  ﴾ ثُمَّ مَن لا يُؤْمِنُ أشَدَّ إنْكارًا لَهُ مِنَ الطّاغِي كَما أنَّ المُفْتَرِيَ أدْخَلَ في الكَذِبِ مِنَ الشّاعِرِ، ثُمَّ أخَذَ في أُسْلُوبٍ أبْلَغَ في الرَّدِّ عَلى مَقالاتِهِمُ الجُنُونَ والكِهانَةَ لِتَقارُبِهِما، ثُمَّ الشِّعْرِ، ثُمَّ الِافْتِراءِ حَيْثُ نَزَّلَ القائِلِينَ مَنزِلَةَ مَن يَدَّعِي أنَّهُ خُلِقَ مِن غَيْرِ شَيْءٍ أيْ مُقَدِّرٍ وخالِقٍ وإلّا لَأهَمِّهُمُ البَحْثُ عَنْ صِفاتِهِ وأفْعالِهِ فَلَمْ يُنْكِرُوا مِنكَ ما أنْكَرُوا، ومِن حَسَبِ أنَّهُ مُسْتَغْنٍ عَنِ المُوجِدِ نَسَبَ رَسُولَهُ إلى الجُنُونِ والكِهانَةِ لا بَلْ كَمَن يَدَّعِي أنَّهُ خالِقُ نَفْسَهُ فَلا خالِقَ لَهُ لِيَبْحَثَ عَنْ صِفاتِهِ فَهو يَنْسُبُهُ إلى الشِّعْرِ إذْ لا يُرْسِلُ إلَيْهِ ألْبَتَّةَ، والشِّعْرُ أدْخَلَ في الكَذِبِ لا بَلْ كَمَن يَدَّعِي أنَّهُ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما فَهو يَنْسُبُهُ الى الِافْتِراءِ حَيْثُ لَمْ يُرْسِلْهُ، ثُمَّ أُضْرِبَ صَرِيحًا عَنْهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ بَلْ لا يُوقِنُونَ  ﴾ ومَن لا إيقانَ لَهُ بِمِثْلِ هَذا البَدِيهِيِّ لا يَبْعُدُ أنْ يَزِنَكَ بِمازِنٍ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: مَقالَتُهم تِلْكَ تُؤَدِّي إلى هَذِهِ لا أنَّهم كانُوا قائِلِينَ بِها إظْهارًا لِتَمادِيهِمْ في العِنادِ، ثُمَّ بُولِغَ فِيهِ فَجِيءَ بِما يَدُلُّ عَلى أنَّ الرَّسُولَ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ مُفْتَرِيًا غَيْرَ صالِحٍ لِلنُّبُوَّةِ في زَعْمِهِمْ، فالأوَّلُ لِما لَمْ يَمْنَعْ تَعَدُّدَ الآلِهَةِ إنَّما يَدُلُّ عَلى افْتِرائِهِ مِن حَيْثُ إنَّ أحَدَ الخالِقِينَ لا يَدْعُو الآخَرَ إلى عِبادَتِهِ، والثّانِي يَمْنَعُهُ بِالكُلِّيَّةِ لِأنَّهُ إذا كانَ عِنْدَهم جَمِيعُ خَزائِنِ رَبِّهِ وهم ما أرْسَلُوهُ لَزِمَ أنْ يَكُونَ مُفْتَرِيًا ألْبَتَّةَ، وأدْمَجَ فِيهِ إنْكارَهم لِلْمَعادِ، ونِسْبَتُهم إيّاهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في ذَلِكَ أيْضًا خاصَّةً إلى الِافْتِراءِ، والحَمْلُ عَلى خَزائِنِ القُدْرَةِ أظْهَرُ لِأنَّ ﴿ أمْ عِنْدَهُمُ الغَيْبُ  ﴾ إشارَةٌ إلى خَزائِنِ العِلْمِ ولَمّا كانَ المَقْصُودُ هُنالِكَ أمْرَ البَعْثِ عَلى ما سَيُحَقِّقُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى كانَ هَذا القَوْلُ أيْضًا مِنَ القَبُولِ بِمَكانٍ ولا يَخْفى ما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أمْ هُمُ المُصَيْطِرُونَ  ﴾ مِنَ التَّرَقِّي ثُمَّ لَمّا فَرَغَ مِن ذَلِكَ ( وبَيَّنَ ) فَسادَ ما بَنَوْا عَلَيْهِ أمْرَ الإنْكارِ بِدَلِيلِ العَقْلِ قِيلَ: لَمْ يَبْقَ إلّا المُشاهَدَةَ والسَّماعَ مِنهُ تَعالى وهو أظْهَرُ اسْتِحالَةَ فَتَهَكَّمَ بِهِمْ، وقِيلَ: ﴿ أمْ لَهم سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ  ﴾ وذُيِّلَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أمْ لَهُ البَناتُ  ﴾ إشْعارًا بِأنَّهُ مَن جَعَلَ خالِقَهُ أدْوَنَ حالًا مِنهُ لَمْ يَسْتَبْعِدْ مِنهُ تِلْكَ المَقالاتِ الخَرْقاءَ كَأنَّهُ سَلّى صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وقِيلَ: ناهِيكَ بِتَساوِي الطَعْنَيْنِ في البُطْلانِ وبِما يُلْقُونَ مِن سُوءِ مَغَبَّتِهِما، ثُمَّ قِيلَ: ﴿ أمْ تَسْألُهم أجْرًا  ﴾ أيْ إنَّ القَوْمَ أرْبابُ ألْبابٍ ولَيْسُوا مِن تِلْكَ الأوْصافِ في شَيْءٍ بَلِ الَّذِي زَهَّدَهم فِيكَ أنَّكَ تَسْألُهم أجْرًا مالًا، أوْ جاهًا، أوْ ذِكْرًا، وفِيهِ تَهَكُّمٌ بِهِمْ وذَمٌّ لَهم بِالحَسَدِ واللُّؤْمِ وأنَّهم مَعَ قُصُورِ نَظَرِهِمْ عَنْ أمْرِ المِيعادِ لا يَبْنُونَ الأمْرَ عَلى المُتَعارَفِ المُعْتادِ إذْ لا أحَدَ مِن أهْلِ الدُّنْيا وذَوِي الأخْطارِ يَجُبُّهُ النّاصِحُ المُبَرَّأُ ساحَتَهُ عَنْ لَوَثِ الطَّمَعِ بِتِلْكَ المَقالاتِ عَلى أنَّهُ حَسَدٌ لا مَوْقِعَ لَهُ عِنْدَ ذَوِيِهِ فَلَيْسُوا في أنْ يَحْصُلَ لَهم نِعْمَةُ النُّبُوَّةِ ولا هو مِمَّنْ يَطْمَعُ في نِعَمِهِمْ إحْدى الثَّلاثِ، ثُمَّ قِيلَ ﴿ أمْ عِنْدَهُمُ الغَيْبُ ﴾ عَلى مَعْنى بَلْ أعْنَدَهُمُ اللَّوْحُ فَيَعْلَمُونَ كُلَّ ما هو كائِنٌ ويَكْتُبُونَ فِيهِ تِلْكَ المَعْلُوماتِ وقَدْ عَلِمُوا أنَّ ما تَدَّعِيِهِ مِنَ المَعادِ لَيْسَ مِنَ الكائِنِ المَكْتُوبِ، والمَقْصُودُ مِن هَذا نَفْيُ المُنَبَّأِ بِهِ أعْنِي البَعْثُ عَلى وجْهٍ يَتَضَمَّنُ دَفْعَ النُّبُوَّةِ أيْضًا إدْماجًا عَكْسَ الأوَّلِ ولِهَذا أخَّرَهُ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أمْ لَهم سُلَّمٌ ﴾ فَقَدْ سَلَفَ أنَّ مَصَبَّ الغَرَضِ حَدِيثُ النَّبَأِ والمُنَبِّأِ والمُنَبَّأِ بِهِ فَقَضى الوَطَرَ مِنَ الأوَّلِينَ مَعَ الرَّمْزِ إلى الأخِيرِ: ثُمَّ أخَذَ فِيهِ مَعَ الرَّمْزِ إلَيْهِما قَضاءً لِحَقِّ الإعْجازِ، فَفي الغَيْبِ إشارَةٌ إلى الغَيْبِ أعْنِي السّاعَةَ أوَّلَ كُلِّ شَيْءٍ وفِيهِ تَرَقٍّ في الدَّفْعِ مِن وجْهٍ أيْضًا لِأنَّ العِلْمَ أشْمَلُ مَوْرِدًا مِنَ القُدْرَةِ ولِأنَّ الأوَّلَ إنْكارٌ مِن حَيْثُ إنَّهم لَمْ يُرْسِلُوهُ، وهَذا مِن تِلْكَ الحَيْثِيَّةِ، ومِن حَيْثُ إنَّهم ما عَلِمُوا بِإرْسالِ غَيْرِهِ إيّاهُ أيْضًا مَعَ إحاطَةِ عِلْمِهِمْ لَكِنَّهُ غَيْرُ مَقْصُودٍ قَصْدًا أوَّلِيًّا، ثُمَّ خُتِمَ الكَلامُ بِالإضْرابِ عَنِ الإنْكارِ إلى الأخْبارِ عَنْ حالِهِمْ بِأنَّهم يُرِيدُونَ بِكَ كَيْدًا فَهم يَنْصِبُونَ لَكَ الحَبائِلَ قَوْلًا وفِعْلًا لا يَقِفُونَ عَلى هَذِهِ المَقالَةِ وحْدَها وهُمُ المَكِيدُونَ لا أنْتَ قَوْلًا وفِعْلًا وحُجَّةً وسَيْفًا، وحَقَّقَ ما ضَمَّنَهُ مِنَ الوَعِيدِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ أمْ لَهم إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ ﴾ فَيُنْجِيهِمْ مِن كَيْدِهِ وعَذابِهِ لا واللَّهِ سُبْحانَ اللَّهِ عَنْ أنْ يَكُونَ إلَهَ غَيْرَهَ، ومِنهُ يَظْهَرُ أنَّ حَمْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلى المُرِيدِينَ بِهِ كَيْدًا أظْهَرُ في هَذا المَساقِ انْتَهى، وكَأنَّ ما بَعْدُ تَأْكِيدًا لِأمْرِ طُغْيانِهِمْ ومَزِيدَ تَحْقِيقٍ لِلْوَعِيدِ ومُبالَغَةً في التَّسْلِيَةِ، ويَعْلَمُ مِمّا ذَكَرَهُ - لا زالَتْ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ مُتَّصِلَةٌ - أنَّ ( أمْ ) في كُلِّ ذَلِكَ مُنْقَطِعَةٌ وهي مُقَّدَرَةٌ بِبَلِ الإضْرابِيَّةِ، والإضْرابُها هُنا واقِعٌ عَلى سَبِيلِ التَّرَقِّي وبِالهَمْزَةِ وهي لِلْإنْكارِ وهو ما اخْتارَهُ أبُو البَقاءِ وكَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وحَكى الثَّعْلَبِيُّ عَنِ الخَلِيلِ أنَّها مُتَّصِلَةٌ والمُرادُ بِها الِاسْتِفْهامُ، وعَلَيْكَ بِما أفادَهُ كَلامُ ذَلِكَ الهُمامِ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

ومِمّا ذَكَرُوهُ مِن بابِ الإشارَةِ في بَعْضِ الآياتِ ﴿ والطُّورِ ﴾ إشارَةٌ إلى قالَبِ الإنْسانِ ﴿ وكِتابٍ مَسْطُورٍ ﴾ إشارَةٌ إلى سِرِّهِ ﴿ فِي رَقٍّ مَنشُورٍ ﴾ إشارَةٌ إلى قَلْبِهِ ﴿ والبَيْتِ المَعْمُورِ ﴾ إشارَةٌ إلى رُوحِهِ ﴿ والسَّقْفِ المَرْفُوعِ ﴾ إشارَةٌ إلى صِفَتِهِ ﴿ والبَحْرِ المَسْجُورِ ﴾ إشارَةٌ إلى نَفْسِهِ المَسْجُورَةِ بِنِيرانِ الشَّهْوَةِ والغَضَبِ والكِبْرِ، وقِيلَ: - الطَّوْرُ - إشارَةٌ إلى ما طارَ مِنَ الأرْواحِ مِن عالِمِ القُدْسِ والمَلَكُوتِ حَتّى وقَعَ في شِباكِ عالَمِ المَلِكِ - والكِتابُ المَسْطُورُ في الرَّقِّ المَنشُورِ - إشارَةٌ إلى النُّقُوشِ الإلَهِيَّةِ المُدْرَكَةِ بِأبْصارِ البَصائِرِ القُدْسِيَّةِ المَكْتُوبَةِ في صَحائِفِ الآفاقِ ﴿ والبَيْتِ المَعْمُورِ ﴾ إشارَةٌ إلى قَلْبِ المُؤْمِنِ المَعْمُورِ بِالمَعْرِفَةِ والإخْلاصِ ﴿ والسَّقْفِ المَرْفُوعِ ﴾ إشارَةٌ إلى العالَمِ العُلْوِيِّ المَرْفُوعِ عَنْ أرْضِ الطَّبِيعَةِ ﴿ والبَحْرِ المَسْجُورِ ﴾ إشارَةٌ إلى بَحْرِ القُدْرَةِ المَمْلُوءِ مِن أنْواعِ المَقْدُوراتِ الَّتِي لا تَتَناهى، وقِيلَ: إشارَةٌ إلى الفَضاءِ الَّذِي فِيهِ المَلائِكَةُ المَهِيمُونَ، ووَصْفُهُ - بِالمَسْجُورِ - إمّا لِأنَّهُ مَمْلُوءٌ مِنهم، وإمّا لِأنَّهُ سُجِّرَ بِنِيرانِ الهُيامِ ولِذا لا يَعْلَمُ أحَدُهم بِسِوى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ ﴿ فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ﴾ ﴿ الَّذِينَ هم في خَوْضٍ يَلْعَبُونَ ﴾ أيْ يَخُوضُونَ في غَمَراتِ البَحْرِ اللُّجِيِّ الدُّنْيَوِيِّ ويَلْعَبُونَ فِيها بِزَبَدِها الباطِلِ ومَتاعِها القَلِيلِ ويُكَذِّبُونَ المُسْتَخْلَصَيْنِ عَنِ الأكْدارِ المُتَحَلِّينَ بِالأنْوارِ إذْ أنْذَرُوهم أنَّ المُتَّقِينَ هم أضْدادٌ أُولَئِكَ ﴿ فاكِهِينَ بِما آتاهم رَبُّهُمْ ﴾ مِمّا لا عَيْنٌ رَأتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ ﴿ ووَقاهم رَبُّهم عَذابَ الجَحِيمِ ﴾ وهو عَذابُ الحِجابِ ﴿ كُلُوا ﴾ مِن ثَمَراتِ المَعارِفِ المُخْتَصَّةِ بِاللَّطِيفَةِ النَّفْسِيَّةِ ﴿ واشْرَبُوا ﴾ مِن مِياهِ العُيُونِ المُخْتَصَّةِ بِاللَّطِيفَةِ القَلْبِيَّةِ ﴿ وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ ﴾ أيْ مَقامِ العُبُودِيَّةِ ﴿ ومِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ ﴾ أيْ عِنْدَ نُزُولِ السَّكِينَةِ عَلَيْكَ ﴿ وإدْبارَ النُّجُومِ ﴾ أيْ عِنْدَ ظُهُورِ نُورِ شَمْسِ الوَجْهِ، وتَسْبِيحُهُ سُبْحانَهُ عِنْدَ ذَلِكَ بِالِاحْتِرازِ عَنْ إثْباتِ وُجُودٍ غَيْرَ وُجُودِهِ تَعالى الحَقِّ فَإنَّ إثْباتَ ذَلِكَ شِرْكٌ مُطْلَقٌ في ذَلِكَ المَقامِ أعاذَنا اللَّهُ تَعالى وإيّاكم مِنَ الشِّرْكِ بِحُرْمَةِ الحَبِيبِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال عز وجل: أَمْ لَهُ الْبَناتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ.

ثم بيّن جهلهم، وقلة أحلامهم، أنهم يجعلون لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ لأنفسهم.

قال عز وجل: أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْراً ومعناه: أن الحجة واجبة عليهم من كل وجه، لأنك قد أتيتهم بالبيان والبرهان، ولم تسألهم على ذلك أجرا.

فقال: أَمْ تَسْأَلُهُمْ يعني: أتطلب منهم أَجْراً بما تعلمهم من الأحكام، والشرائع.

فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ يعني: من أجل المغرم، يمتنعون عن الإيمان.

يعني: لا حجة لهم في الامتناع، لأنك لا تسأل منهم أجراً، فيثقل عليهم لأجل الأجر.

قوله عز وجل: أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ يعني: عندهم الغيب بأن الله لا يبعثهم فَهُمْ يَكْتُبُونَ يعني: أمعهم كتاب يكتبون بما شاؤوا؟

يعني: ما في اللوح المحفوظ، فهذا كله لفظ الاستفهام، والمراد به: الزجر.

ثم قال عز وجل: أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً بل يريدون وعيدا بالنبي  فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ يعني: بل هم المعذبون، الهالكون.

قوله عز وجل: أَمْ لَهُمْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يعني: ألهم خالق غير الله يخلق، ويرزق، ويمنعهم من عذابنا سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ يعني: تنزيها لله تعالى عما يصفون من الشريك، والولد.

ثم ذكر قسوة قلوبهم فقال: وَإِنْ يَرَوْا كِسْفاً مِنَ السَّماءِ ساقِطاً يعني: جانباً من السماء ساقطاً عليهم يَقُولُوا يعني: لقالوا من تكذيبهم سَحابٌ مَرْكُومٌ يعني: متراكماً بعضه على بعض، لأنهم كانوا يقولون: لا نؤمن بك حتى تسقط علينا كسفاً.

ثم قال الله تعالى: لو فعلنا ذلك، لم يؤمنوا، ولا ينفعهم من قسوة قلوبهم.

ثم قال: فَذَرْهُمْ يعني: فتخل عنهم يا محمد حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ يعني: يعاينوا يومهم الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ يعني: يموتون.

ويقال: يعذبون.

قرأ عاصم، وابن عامر، يُصْعَقُونَ بضم الياء والباقون.

يُصْعَقُونَ بنصب الياء، وكلاهما واحد، وهما لغتان.

ثم وصف حالهم في ذلك اليوم فقال: يَوْمَ لاَ يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً يعني: لا ينفعهم صنيعهم شيئاً وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ يعني: لا يمنعون مما نزل بهم من العذاب.

ثم قال عز وجل: وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذاباً دُونَ ذلِكَ يعني: من قبل عذاب النار قد روى عبد الله بن عباس  ما قال: عذاب القبر وقال معمر عن قتادة: قال: عذاب القبر في القرآن.

ثم قرأ وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذاباً دُونَ ذلِكَ ويقال عَذاباً دُونَ ذلِكَ يعني: القتل.

ويقال: الشدائد، والعقوبات في الدنيا.

وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ يعني: لا يصدقون بالعذاب.

ثم عزى نبيه  ليصبر على أذاهم فقال: وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ يعني: لما أمرك ربك، ونهاك عنه.

ويقال: واصبر على تكذيبهم، وأذاهم.

فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا يعني: فإنك بمنظر منا، والله تعالى يرى أحوالك، ولا يخفى عليه شيء.

وقال الزجاج: فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا بمعنى فإنك بحيث نراك، ونحفظك، ولا يصلون إلى مكرك.

ويقال: نرى ما يصنع بك.

وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ يعني: صل بأمر ربك قبل طلوع الشمس.

يعني: صلاة الفجر وقبل الغروب.

يعني: صلاة العصر.

وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ يعني: صل صلاة المغرب والعشاء ويقال: حين تقوم صلاة الفجر، والظهر، والعصر.

ومعناه: صل صلاة النهار، وصلاة الليل.

ويقال: سَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ يعني: قل سبحانك اللهم وبحمدك إذا قمت إلى الصلاة وهذا قول ربيع بن أنس.

وَإِدْبارَ النُّجُومِ يعني: ركعتي الفجر.

وروى سعيد بن جبير، عن زاذان، عن عمر  : لا صلاة بعد طلوع الفجر، إلا ركعتي الفجر، وهما إدبار النجوم.

وروى أبو إسحاق، عن الحارث، عن علي  قال: أَدْبارَ السُّجُودِ الركعتان بعد المغرب، وَإِدْبارَ النُّجُومِ الركعتان قبل الفجر.

وروى وكيع عن ابن عباس أنه قال: بت ذات ليلة عند رسول الله  ، فصلى ركعتي الفجر، ثم خرج إلى الصلاة.

فقال ابن عباس: الركعتان اللتان قبل الفجر، إِدْبارَ النُّجُومِ واللاتي بعد المغرب أَدْبارَ السُّجُودِ وفي الآية، دليل على أن تأخير صلاة الفجر أفضل، لأنه أمر بركعتي الفجر بعد ما أدبرت النجوم، وإنما أدبرت النجوم بعد ما أسفر، والله سبحانه وتعالى أعلم.

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله سبحانه: أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَبِّكَ بمنزلة قوله: أم عندهم الاستغناء في جميع الأمور؟

والمصيطر: القاهر، وبذلك فسر ابن عباس «١» الآية، والسُّلَّمُ: السبب الذي يُصْعَدُ به، كان ما كان من خشب، أو بناء، أو حبال، أو غير ذلك، والمعنى: ألهم سُلَّمٌ إِلى السماء يستمعون فيه، أي: عليه أو منه، وهذه حروف يَسُدُّ بعضُها مَسَدَّ بعض، والمعنى:

يستمعون الخبر بِصِحَّةِ ما يدعونه، فليأتوا بالحُجَّةِ المبينة في ذلك.

وقوله سبحانه: أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ الآية، قال ابن عباس «٢» : يعني أَمْ عندهم اللوحُ المحفوظ، فَهُمْ يَكْتُبُونَ: ما فيه، ويخبرون به، ثم قال: أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً: بك وبالشرع، ثم جزم الخبر بأنَّهم هُمُ الْمَكِيدُونَ أي: هم المغلوبون، فَسَمَّى غَلَبَتَهُمْ كيداً إذ كانت عقوبةُ الكَيْدِ، ثم قال سبحانه: أَمْ لَهُمْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ: يعصمهم ويمنعهم من الهلاك، قال الثعلبيُّ: قال الخليل: ما في سورة الطور كُلِّها من ذكر «أم» كُلُّه استفهام لهم، انتهى.

ثم نَزَّهَ تعالى نفسه: عَمَّا يُشْرِكُونَ به.

وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبارَ النُّجُومِ (٤٩)

وقوله: وَإِنْ يَرَوْا كِسْفاً أي: قطعةً يقولون لشدة معاندتهم هذا سَحابٌ مَرْكُومٌ:

بعضُه على بعض، وهذا جوابٌ لقولهم: فَأَسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفاً مِنَ السَّماءِ [الشعراء: ١٨٧] وقولهم: أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفاً [الإسراء: ٩٢] يقول: لو فعلنا هذا بهم لما/ آمنوا، ولقالوا: سحاب مركوم.

وقوله تعالى: فَذَرْهُمْ، وما جرى مَجْرَاهُ من الموادعة- منسوخ بآية السيف،

والجمهورُ أَنَّ يومهم الذي فيه يُصْعَقُونَ، هو يوم القيامة، وقيل: هو موتهم واحداً واحداً، ويحتمل أن يكون يوم بدر لأَنَّهُمْ عُذِّبُوا فيه، والصعق: التعذيب في الجملة، وإنْ كان الاستعمالُ قد كَثُرَ فيما يصيب الإنسانَ من الصَّيْحَةِ المُفْرِطَةِ ونحوه، ثُمَّ أخبر تعالى بِأَنَّ لهم دُونَ هذا اليوم، أي: قبله عَذاباً واخْتُلِفَ في تعيينه، فقال ابن عباس وغيره «١» : هو بدر ونحوه، وقال مجاهد «٢» : هو الجُوعُ الذي أصابهم، وقال البَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ وابن عباس أيضاً «٣» : هو عذاب القبر، وقال ابن زيد «٤» : هي مصائب الدنيا، إذْ هي لهم عذاب.

ت: ويحتمل أَنْ يكونَ المراد الجميع قال الفخر «٥» : إنْ قلنا إنَّ العذابَ هو بدر فالذين ظلموا هم أهل مَكَّةَ، وإنْ قلنا: العذابُ هو عذابُ القبر، فالذين ظلموا عامٌّ في كل ظالم، انتهى.

ثم قال تعالى لنبيِّهِ: وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا أي: بمرأى ومنظر، نرى ونَسْمَعُ ما تقول، وأَنَّك في حفظنا وحيطتنا كما تقول: فلان يرعاه المَلِكُ بعين، وهذه الآية ينبغي أَنْ يُقَرِّرَهَا كُلُّ مؤمن في نفسه فإنها تُفَسِّحُ مضايق الدنيا.

وقوله سبحانه: وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قال أبو الأحوص «٦» : هو التسبيح المعروف، يقول في كل قيام: سبحان اللَّهِ وبحمدِهِ، وقال عطاء «٧» : المعنى حين تقومُ من كُلِّ مجلس.

ت: وفي تفسير أحمدَ بن نصر الداوديّ قال: وعن ابن المُسَيِّبِ قال: حَقٌّ على كل مسلم أنْ يقول حين يقومُ إِلى الصلاة: سبحان اللَّهِ وبحمده لقولِ اللَّه سبحانه لِنَبِيِّهِ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ، انتهى، / وقال ابن زيد «٨» : هي صلاة النوافل، وقال

الضَّحَّاكُ «١» : هي الصلوات المفروضة، وَمَنْ قال هي النوافل جعلَ أدبار النجوم رَكْعَتَيِ الفجر، وعلى هذا القول جماعة كثيرة من الصحابة والتابعين، وقد رُوِيَ مرفوعاً، ومَنْ جعله التسبيحَ المعروفَ جعل قوله: حِينَ تَقُومُ مثالاً، أي: حين تقومُ وحينَ تَقْعُدُ، وفي كل تَصَرُّفِكَ، وحكى منذر عن الضَّحَّاكِ أَنَّ المعنى: حين تقومُ في الصلاة [بعد] تكبيرة الإحرام، فقل: «سُبْحَانَكَ اللهمّ، وبحمدك، وتبارك اسمك» «٢» الحديث.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

ثُمَّ ذَكَرَ عِنادَهم فَقالَ: ﴿ وَإنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّماءِ ساقِطًا ﴾ والمَعْنى: لَوْ سَقَطَ بَعْضُ السَّماءِ عَلَيْهِمْ لَما انْتَهَوْا عَنْ كُفْرِهِمْ، ولَقالُوا: هَذِهِ قِطْعَةٌ مِنَ السَّحابِ قَدْ رُكِمَ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ.

﴿ فَذَرْهُمْ ﴾ أيْ: خَلٍّ عَنْهم ﴿ حَتّى يُلاقُوا ﴾ قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ "يَلْقَوْا" بِفَتْحِ الياءِ والقافِ وسُكُونِ اللّامِ مِن غَيْرِ ألِفٍ ﴿ يَوْمَهُمُ ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوال.

أحَدُها: أنَّهُ يَوْمُ مَوْتِهِمْ.

والثّانِي: يَوْمُ القِيامَةِ.

والثّالِثُ: يَوْمُ النَّفْخَةِ الأُولى.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُصْعَقُونَ ﴾ قَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ: "يُصْعَقُونَ" بِرَفْعِ الياءِ، مِن أصْعَقَهم غَيْرُهُمْ؛ والباقُونَ بِفَتْحِها، مِن صَعَقُوهم.

وَفِي قَوْلِهِ ﴿ يُصْعَقُونَ ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: يَمُوتُونَ.

والثّانِي: يُغْشى عَلَيْهِمْ، كَقَوْلِهِ: ﴿ وَخَرَّ مُوسى صَعِقًا  ﴾ ، وهَذا يُخَرَّجُ عَلى قَوْلِ مَن قالَ: هو يَوْمَ القِيامَةِ، فَإنَّهم يُغْشى عَلَيْهِمْ مِنَ الأهْوالِ.

وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ، ولا يَصِحُّ، لِأنَّ مَعْنى الآيَةِ الوَعِيدُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَ لا يُغْنِي عَنْهم كَيْدُهم شَيْئًا ﴾ هَذا اليَوْمُ الأوَّلُ؛ والمَعْنى: لا يَنْفَعُهم مَكْرُهم ولا يَدْفَعُ عَنْهُمُ العَذابَ ﴿ وَلا هم يُنْصَرُونَ ﴾ أيْ: يُمْنَعُونَ مِنَ العَذابِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ﴾ أيْ: أشْرَكُوا ﴿ عَذابًا دُونَ ذَلِكَ ﴾ أيْ، قَبْلَ ذَلِكَ اليَوْمِ؛ وفِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ عَذابُ القَبْرِ، قالَهُ البَراءُ، وابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: عَذابُ القَتْلِ يَوْمَ بَدْرٍ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، وبِهِ قالَ مُقاتِلٌ.

والثّالِثُ: مَصائِبُهم في الدُّنْيا، قالَهُ الحَسَنُ، وابْنُ زَيْدٍ.

والرّابِعُ: عَذابُ الجُوعِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ ﴾ أيْ: لا يَعْلَمُونَ ما هو نازِلٌ بِهِمْ.

﴿ واصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ ﴾ أيْ: لِما يَحْكُمُ بِهِ عَلَيْكَ ﴿ فَإنَّكَ بِأعْيُنِنا ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: فَإنَّكَ بِحَيْثُ نَراكَ ونَحْفَظُكَ ونَرْعاكَ، فَلا يَصِلُونَ إلى مَكْرُوهِكَ.

وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ: أنَّ مَعْنى الصَّبْرِ نُسِخَ بِآيَةِ السَّيْفِ، ولا يَصِحُّ، لِأنَّهُ لا تَضادَّ.

﴿ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ ﴾ فِيهِ سِتَّةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: صَلِّ لِلَّهِ حِينَ تَقُومُ مِن مَنامِكَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: قُلْ: "سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ" حِينَ تَقُومُ مِن مَجْلِسِكَ، قالَهُ عَطاءٌ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ في آخَرِينَ.

والثّالِثُ: قُلْ: "سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ وتَبارَكَ اسْمُكَ وتَعالى جَدُّكَ ولا إلَهَ غَيْرُكَ" حِينَ تَقُومُ في الصَّلاةِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

والرّابِعُ: سَبِّحِ اللَّهَ إذا قُمْتَ مِن نَوْمِكَ، قالَهُ حَسّانُ بْنُ عَطِيَّةَ.

والخامِسُ: صَلِّ صَلاةَ الظُّهْرِ إذا قُمْتَ مِن نَوْمِ القائِلَةِ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.

والسّادِسُ: اذْكُرِ اللَّهَ بِلِسانِكَ حِينَ تَقُومُ مِن فِراشِكَ إلى أنْ تَدْخُلَ في الصَّلاةِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: صَلِّ المَغْرِبَ وصَلِّ العِشاءَ ﴿ وَإدْبارَ النُّجُومِ ﴾ قَرَأ زَيْدٌ عَنْ يَعْقُوبَ، وهارُونُ عَنْ أبِي عَمْرٍو، والجُعْفِيُّ عَنْ أبِي بَكْرٍ: "وَأدْبارَ النُّجُومِ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ؛ [وَقَرَأ] الباقُونَ بِكَسْرِها.

وقَدْ شَرَحْناها في (ق: ٤٠)؛ والمَعْنى: صَلِّ لَهُ في إدْبارِ النُّجُومِ، أيْ: حِينَ تُدْبِرُ، أيْ: تَغِيبُ بِضَوْءِ الصُّبْحِ.

وفي هَذِهِ الصَّلاةِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها الرَّكْعَتانِ قَبْلَ صَلاةِ الفَجْرِ، رَواهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ  ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ.

والثّانِي: أنَّها صَلاةُ الغَداةِ، قالَهُ الضَّحّاكُ، وابْنُ زَيْدٍ.

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَذَرْهم حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ ﴾ ﴿ يَوْمَ لا يُغْنِي عنهم كَيْدُهم شَيْئًا ولا هم يُنْصَرُونَ ﴾ ﴿ وَإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذابًا دُونَ ذَلِكَ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ واصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإنَّكَ بِأعْيُنِنا وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ ﴾ ﴿ وَمِنَ اللَيْلِ فَسَبِّحْهُ وإدْبارَ النُجُومِ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: "فَذَرْهُمْ" وما جَرى مَجْراهُ مِنَ المُوادَعَةِ مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَيْفِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وأبُو عَمْرٍو -بِخِلافٍ عنهُ-: "يُلْقُوا"، والجُمْهُورُ عَلى "يُلاقُوا".

واخْتَلَفَ الناسُ في اليَوْمِ الَّذِي تَوَعَّدُوا بِهِ، فَقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: هو مَوْتُهم واحِدًا واحِدًا، وهَذا عَلى تَجَوُّزٍ، و"الصَعْقُ": التَعْذِيبُ في الجُمْلَةِ وإنْ كانَ الِاسْتِعْمالُ قَدْ كَثُرَ فِيهِ فِيما يُصِيبُ الإنْسانَ مِنَ الصَيْحَةِ المُفْرِطَةِ ونَحْوِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اليَوْمَ الَّذِي تَوَعَّدُوا بِهِ يَوْمَ بَدْرٍ لِأنَّهم عُذِّبُوا فِيهِ، وقالَ الجُمْهُور: التَوَعُّدُ بِيَوْمِ القِيامَةِ لِأنَّ فِيهِ صَعْقَةً تَعُمُّ جَمِيعَ الخَلائِقِ، لَكِنْ لا مَحالَةَ أنَّ بَيْنَ صَعْقَةِ المُؤْمِنِ وصَعْقَةِ الكافِرِ فَرْقًا، وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "يَصْعَقُونَ" مِن: صَعِقَ الرَجُلُ بِكَسْرِ العَيْنِ، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ: "يَصْعَقُونَ" بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ العَيْنِ، وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأهْلُ مَكَّةَ -فِي قَوْلِ شِبْلٍ-: "يُصْعَقُونَ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ العَيْنِ، وذَلِكَ مِن:أصْعَقَ الرَجُلُ غَيْرَهُ، وحَكى الأخْفَشُ: "صُعِقَ الرَجُلُ" بِضَمِّ الصادِ وكَسْرِ العَيْنِ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: فَجائِزٌ أنْ يَكُونَ مِنهُ، فَهو مِثْلُ "يَصْرِفُونَ"، قالَ أبُو حاتِمٍ: وفَتَحَ أهْلُ مَكَّةَ الياءَ في قَوْلِ إسْماعِيلَ.

و"يُغْنِي" مَعْناهُ: يَكُونُ مِنهُ غِناءٌ ودِفاعٌ، ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى بِأنَّهم لَهم دُونَ هَذا اليَوْمِ -أيْ: قَبْلَهُ - عَذابٌ، واخْتَلَفَ الناسُ في تَعْيِينِهِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وغَيْرُهُ: هو بَدْرٌ والفَتْحُ ونَحْوُهُ، وقالَ مُجاهِدٌ: هو الجُوعُ الَّذِي أصابَ قُرَيْشًا، وقالَ البَراءُ بْنُ عازِبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: هو عَذابُ القَبْرِ، ونَزَعَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وُجُودُ عَذابِ القَبْرِ بِهَذِهِ الآيَةِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هو مَصائِبُ الدُنْيا في الأجْسامِ وفي الأحِبَّةِ وفي الأمْوالِ، هي لِلْمُؤْمِنِينَ رَحْمَةٌ ولِلْكافِرِينَ عَذابٌ، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "دُونَ ذَلِكَ قَرِيبًا ولَكِنْ لا يَعْلَمُونَ".

ثُمَّ أمَرَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ  بِالصَبْرِ لِحُكْمِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى والمُضِيِّ عَلى نِذارَتِهِ ووَعْدِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَإنَّكَ بِأعْيُنِنا ﴾ ، ومَعْناهُ: بِإدْراكِنا وأعْيُنِ حِفْظِنا وحَيْطَتِنا، كَما تَقُولُ: فُلانٌ يَرْعاهُ المَلِكُ بِعَيْنٍ، وهَذِهِ الآيَةُ يَنْبَغِي أنْ يُقَدِّرَها كُلُّ مُؤْمِنٍ في نَفْسِهِ فَإنَّها تُفْسِحُ مَضايِقَ الدُنْيا، وقَرَأ أبُو السَمالِ: "بِأعْيُنا" بِنُونٍ واحِدَةٍ مُشَدَّدَةٍ.

واخْتَلَفَ الناسُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ ﴾ ، فَقالَ أبُو الأحْوَصِ عَوْفُ بْنُ مالِكٍ: هو التَسْبِيحُ المَعْرُوفُ، أنْ يَقُولَ في كُلِّ قِيامٍ: سُبْحانَ اللهَ وبِحَمْدِهِ، وقالَ عَطاءٌ: المَعْنى: حِينَ تَقُومُ مِن كُلِّ مَجْلِسٍ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: التَسْبِيحُ هُنا هو صَلاةُ النَوافِلِ، وقالَ الضَحّاكُ، وابْنُ زَيْدٍ: هَذِهِ إشارَةٌ إلى الصَلَواتِ المَفْرُوضَةِ، فَقَوْلُهُ تَعالى: "حِينَ تَقُومُ": الظُهْرُ والعَصْرُ، أيْ: حِينَ تَقُومُ مِن نَوْمِ القائِلَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِنَ اللَيْلِ ﴾ المَغْرِبُ والعِشاءُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإدْبارَ النُجُومِ ﴾ :الصُبْحُ، ومَن قالَ هي النَوافِلُ جَعَلَ "إدْبارَ النُجُومِ" رَكْعَتَيِ الفَجْرِ، وعَلى هَذا القَوْلِ جَماعَةٌ كَثِيرَةٌ مِنهُمْ: عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وأبُو هُرَيْرَةَ، والحَسَنُ، رَضِيَ اللهُ عنهُمْ، وقَدْ رُوِيَ مَرْفُوعًا، ومَن جَعَلَهُ التَسْبِيحَ المَعْرُوفَ جَعَلَ قَوْلَهُ تَعالى: "حِينَ تَقُومُ" مِثالًا، أيْ: وحِينَ تَقْعُدُ وفي كُلِّ تَصَرُّفِكَ، وحَكى مُنْذِرٌ عَنِ الضَحّاكِ أنَّ المَعْنى: حِينَ تَقُومُ في الصَلاةِ بَعْدَ تَكْبِيرَةِ الإحْرامِ فَقُلْ: « "سُبْحانَكَ اللهُمَّ وبِحَمْدِكَ، تَبارَكَ اسْمُكَ، وتَعالى جَدُّكَ..."» الحَدِيثُ.

وقَرَأ سالِمُ بْنُ أبِي الجَعْدِ، ويَعْقُوبُ: "وَأدْبارَ النُجُومِ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ بِمَعْنى: وأعْقابَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: : فَأصْبَحْتُ مِن لَيْلى الغَداةَ كَناظِرٍ..

مَعَ الصُبْحِ في أعْقابِ نَجْمٍ مُغَرِّبِ وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "وَإدْبارَ النُجُومِ" بِكَسْرِ الهَمْزَةِ.

كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [الطُورِ] والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ واصبر لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا ﴾ .

عطف على جملة ﴿ فذرهم حتى يلاقوا يومهم ﴾ [الطور: 45] الخ، وما بينهما اعتراض وكان مفتتح السورة خطاباً للنبيء صلى الله عليه وسلم ابتداء من قوله تعالى: ﴿ إن عذاب ربك لواقع ﴾ [الطور: 7] المسوق مساق التسلية له، وكان في معظم ما في السورة من الأخبار ما يخالطه في نفسه صلى الله عليه وسلم من الكدر والأسف على ضلال قومه وبعدهم عما جاءهم به من الهدى ختمَت السورة بأمره بالصبر تسلية له وبأمره بالتسبيح وحمدِ الله شكراً له على تفضيله بالرسالة.

والمراد ب ﴿ حكم ربك ﴾ ما حكم به وقدره من انتفاء إجابَة بعضهم ومن إبطاء إجابة أكثرهم.

فاللام في قوله: ﴿ لحكم ربك ﴾ يجوز أن تكون بمعنى (على) فيكون لتعدية فعل ﴿ اصبر ﴾ كقوله تعالى: ﴿ واصبر على ما يقولون ﴾ [المزمل: 10].

ويجوز فيها معنى (إلى) أي اصبر إلى أن يحكم الله بينك وبينهم فيكون في معنى قوله: ﴿ واصبر حتى يحكم اللَّه ﴾ [يونس: 109] ويجوز أن تكون للتعليل فيكون ﴿ لحكم ربك ﴾ هو ما حكَم به من إرساله إلى الناس، أي اصبر لأنك تقوم بما وجب عليك.

فلللام في هذا المكان موقع جامع لا يفيد غيرُ اللام مثلَه.

والتفريع في قوله: ﴿ فإنك بأعيننا ﴾ تفريع العلة على المعلول ﴿ اصبر ﴾ لأنك بأعيننا، أي بمحل العناية والكلاءة منا، نحن نعلم ما تلاقيه وما يريدونه بك فنحن نجازيك على ما تلقاه ونحرسك من شرهم وننتقم لك منهم، وقد وفى بهذا كله التمثيلُ في قوله: ﴿ فإنك بأعيننا ﴾ ، فإن الباء للإِلصاق المجَازي، أي لا نغفل عنك، يقال: هو بمرأى مني ومسمع، أي لا يخفى عليّ شأنه.

وذكر العين تمثيل لشدة الملاحظة وهذا التمثيل كناية عن لازم الملاحظة من النصر والجزاء والحفظ.

وقد آذن بذلك قوله: ﴿ لحكم ربك ﴾ دون أن يقول: واصبر لحكمنا، أو لحكم الله، فإن المربوبية تؤذن بالعناية بالمربوب.

وجمعُ الأعين: إما مبالغة في التمثيل كأنَّ الملاحظة بأعين عديدة كقوله: ﴿ واصنع الفلك بأعيننا ﴾ [هود: 37] وهو من قبيل ﴿ والسماء بنيناها بأييد ﴾ [الذاريات: 47].

ولك أن تجعل الجمع باعتبار تعدد متعلَّقات الملاحظة فملاحظةٌ للذب عنه، وملاحظة لتوجيه الثواب ورفع الدرجة، وملاحظة لجزاء أعدائه بما يستحقونه، وملاحظة لنصره عليهم بعموم الإيمان به، وهذا الجمع على نحو قوله تعالى في قصة نوح: ﴿ وحملناه على ذات ألواح ودسر تجري بأعيننا ﴾ [القمر: 13، 14] لأن عناية الله بأهل السفينة تتعلّق بإجرائها وتجنيب الغرق عنها وسلامة ركابها واختيار الوقت لإِرسائها وسلامة الركاب في هبوطهم، وذلك خلاف قوله في قصة موسى ﴿ ولتصنع على عيني ﴾ [طه: 39] فإنه تعلق واحد بمشي أخته إلى آل فرعون وقولها: ﴿ هل أدلكم على من يكفله ﴾ [طه: 40].

﴿ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ * وَمِنَ اليل فَسَبِّحْهُ وإدبار النجوم ﴾ .

التسبيح: التنزيه، والمراد ما يدل عليه من قول، وأشهر ذلك هو قول: «سبحان الله» وما يرادفه من الألفاظ، ولذلك كثر إطلاق التسبيح وما يشتق منه على الصلوات في آيات كثيرة وآثار.

والباء في قوله: ﴿ بحمد ربك ﴾ للمصاحبة جمعاً بين تعظيم الله بالتنزيه عن النقائص وبين الثناء عليه بأوصاف الكمال.

و ﴿ حين تقوم ﴾ وقت الهبوب من النوم، وهو وقت استقبال أعمال اليوم وعنده تتجدد الأسباب التي من أجلها أُمر بالصبر والتسبيح والحمد.

فالتسبيح مراد به: الصلاة، والقيام: جعل وقت للصلوات: إمّا للنوافل، وإما لصلاة الفريضة وهي الصبح.

وقيل: التسبيح قوله: «سبحان الله»، والقيام: الاستعداد للصلاة أو الهبوب من النوم.

وروي ذلك عن عوف بن مالك وابن زيد والضحاك على تقارب بين أقوالهم، أي يقول القائم: «سبحان الله وبحمده» أو يقول: «سبحانك اللهم ربّنا وبحمدك ولا إله غيرك».

وعن عوف بن مالك وابن مسعود وجماعة: أن المراد بالقيام القيام من المجلس لما روى الترمذي عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من جلس مجلساً فكثر فيه لَغَظُه فقال قبل أن يقوم من مجلسه ذلك: سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك، إلا غفر له ما كان في مجلسه ذلك " ولم يذكر أنه قرأ هذه الآية.

و ﴿ من الليل ﴾ أي زمناً هو بعض الليل، فيشمل وقت النهي للنوم وفيه تتوارد على الإنسان ذكريات مهماته، ويشمل وقت التهجد في الليل.

وقوله: ﴿ فسبحه ﴾ اكتفاء، أي واحمده.

وانتصب ﴿ وإدبار النجوم ﴾ على الظرفية لأنه على تقدير: ووقت إدبار النجوم.

والإِدبار: رجوع الشيء من حيث جاء لأنه ينقلب إلى جهة الدُبر، أي الظهر.

وإدبار النجوم: سقوط طوالعها، فإطلاق الإِدبار هنا مجاز في المفارقة والمزايلة، أي عند احتجاب النجوم.

وفي الحديث: " إذا أقبل الليل من ههنا (الإِشارة إلى المشرق) وأدْبر النهار من ههنا (الإِشارة إلى جهة المغرب) فقد أفطر الصائم ".

وسقوط طوالعها التي تطلع: أنها تسقط في جهة المغرب عند الفجر إذا أضاء عليها ابتداء ظهور شعاع الشمس، فإدبار النجوم: وقت السحر، وهو وقت يستوفي فيه الإِنسان حظه من النوم، ويبقى فيه ميل إلى استصحاب الدَّعَة، فأمر بالتسبيح فيه ليفصل بين النوم المحتاج إليه وبين التناوم الناشئ عن التكاسل، ثم إن وجد في نفسه بعد التسبيح حاجة إلى غفوة من النوم اضطجع قليلاً إلى أن يحين وقت صلاة الصبح، كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يضطجع بعد صلاة الفجر حتى يأتيه المؤذن بصلاة الصبح.

والنجوم: جمع نجم وهو الكوكب الذي يضيء في الليل غير القمر، وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم ﴾ في سورة النحل (12).

والآية تشير إلى أوقات الرغائب من النوافل وهي صلاة الفجر والأشفاع بعد العشاء وقيام آخر الليل.

وقيل: إشارت إلى الصلوات الخمس بوجه الإِجمال وبيّنتهُ السنة.

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ وَإنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّماءِ ساقِطًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَعْنِي قِطَعًا مِنَ السَّماءِ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: جانِبًا مِنَ السَّماءِ.

الثّالِثُ: عَذابًا مِنَ السَّماءِ، قالَهُ المُفَضَّلُ.

وَسُمِّيَ كِسْفًا لِتَغْطِيَتِهِ، والكِسْفُ: التَّغْطِيَةُ، ومِنهُ أخْذُ كُسُوفِ الشَّمْسِ والقَمَرِ.

﴿ يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ ﴾ في مَرْكُومٍ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الغَلِيظُ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

الثّانِي: أنَّهُ الكَثِيرُ المُتَراكِبُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

وَمَعْنى الآيَةِ: أنَّهم لَوْ رَأوْا سُقُوطَ كِسْفٍ مِنَ السَّماءِ عَلَيْهِمْ عِقابًا لَهم لَمْ يُؤْمِنُوا ولَقالُوا إنَّهُ سَحابٌ مَرْكُومٌ بَعْضُهُ عَلى بَعْضِهِ.

﴿ فَذَرْهم حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَوْمَ يَمُوتُونَ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: النَّفْخَةُ الأُولى، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.

الثّالِثُ: يَوْمَ القِيامَةِ يَغْشى عَلَيْهِمْ مِن هَوْلِ ما يُشاهِدُونَهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَخَرَّ مُوسى صَعِقًا ﴾ أيْ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ.

﴿ وَإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذابًا دُونَ ذَلِكَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: عَذابُ القَبْرِ، قالَهُ عَلِيٌّ.

الثّانِي: الجُوعُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: مُصابُهم في الدُّنْيا، قالَهُ الحَسَنُ.

وَفي المُرادِ بِالَّذِينَ ظَلَمُوا هاهُنا قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم أهْلُ الصَّغائِرِ مِنَ المُسْلِمِينَ.

الثّانِي: أنَّهم مُرْتَكِبُو الحُدُودِ مِنهم.

﴿ واصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لِقَضائِهِ فِيما حَمَّلَكَ مِن رِسالَتِهِ.

الثّانِي: لِبَلائِهِ فِيما ابْتَلاكَ بِهِ مِن قَوْمِكَ.

﴿ فَإنَّكَ بِأعْيُنِنا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: بِعِلْمِنا، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: بِمَرْأى مِنّا، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.

الثّالِثُ: بِحِفْظِنا وحِراسَتِنا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى لِمُوسى ﴿ وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي  ﴾ بِحِفْظِي وحِراسَتِي، قالَهُ الضَّحّاكُ.

﴿ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنْ يُسَبِّحَ اللَّهَ إذا قامَ مِن مَجْلِسِهِ، قالَهُ أبُو الأحْوَصِ، لِيَكُونَ تَكْفِيرًا لِما أجْرى في يَوْمِهِ.

الثّانِي: حِينَ تَقُومُ مِن مَنامِكَ، لِيَكُونَ مُفْتَتَحًا لِعَمَلِهِ بِذِكْرِ اللَّهِ، قالَهُ حَسّانُ بْنُ عَطِيَّةَ.

الثّالِثُ: حِينَ تَقُومُ مِن نَوْمِ القائِلَةِ لِصَلاةِ الظُّهْرِ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.

الرّابِعُ: أنَّهُ التَّسْبِيحُ في الصَّلاةِ، إذا قامَ إلَيْها.

وَفي هَذا التَّسْبِيحُ قَوْلانِ: أحَدُهُما: هو قَوْلُ: سُبْحانَ رَبِّيَ العَظِيمِ، في الرُّكُوعِ، وسُبْحانَ رَبِّيَ الأعْلى، في السُّجُودِ.

الثّانِي: التَّوَجُّهُ في الصَّلاةِ بِقَوْلِهِ: سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ [وَتَبارَكَ اسْمُكَ وتَعالى جَدُّكَ ولا إلَهَ غَيْرُكَ]، قالَهُ الضَّحّاكُ.

﴿ وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وإدْبارَ النُّجُومِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها صَلاةُ اللَّيْلِ.

الثّانِي: التَّسْبِيحُ فِيها.

الثّالِثُ: أنَّهُ التَّسْبِيحُ في صَلاةٍ وغَيْرِ صَلاةٍ.

وَأمّا ﴿ وَإدْبارَ النُّجُومِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها رَكْعَتانِ قَبْلَ الفَجْرِ، رَواهُ ابْنُ عَبّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ  أنَّهُ قالَ: « (رَكْعَتانِ قَبْلَ الفَجْرِ، إدْبارَ النُّجُومِ، ورَكْعَتانِ بَعْدَ المَغْرِبِ إدْبارَ السُّجُودِ)» .

الثّانِي: أنَّها رَكْعَتا الفَجْرِ قَبْلَ الغَداةِ.

الثّالِثُ: أنَّهُ التَّسْبِيحُ بَعْدَ الصَّلاةِ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، ورُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: لا صَلاةَ بَعْدَ الفَجْرِ إلّا رَكْعَتَيِ الفَجْرِ.

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ وإن للذين ظلموا عذاباً دون ذلك ﴾ قال: عذاب القبر قبل يوم القيامة.

وأخرج هناد عن زاذان مثله.

وأخرج ابن جرير عن قتادة أن ابن عباس قال: إن عذاب القبر في القرآن، ثم تلا ﴿ وإن للذين ظلموا عذاباً دون ذلك ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وإن للذين ظلموا عذاباً دون ذلك ﴾ قال: الجوع لقريش في الدنيا.

قوله تعالى: ﴿ وسبح بحمد ربك حين تقوم ﴾ .

أخرج الفريابي وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وسبح بحمد ربك حين تقوم ﴾ قال: من كل مجلس.

وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي الأحوص رضي الله عنه في قوله: ﴿ وسبح بحمد ربك حين تقوم ﴾ قال: إذا قمت فقل: سبحان الله وبحمده.

وأخرج عبد الرزاق في جامعه عن أبي عثمان الفقير رضي الله عنه أن جبريل علم النبي صلى الله عليه وسلم إذا قام من مجلسه أن يقول: سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت استغفرك وأتوب إليك.

وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود والنسائي والحاكم وابن مردويه عن أبي برزة الأسلمي قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول بآخرة إذا أراد أن يقوم من المجلس: سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت استغفرك وأتوب إليك، فقال رجل يا رسول الله: إنك لتقول قولاً ما كنت تقوله فيما مضى، قال: كفارة لما يكون في المجلس» .

وأخرج ابن أبي شيبة «عن زياد بن الحصين قال: دخلت على أبي العالية، فلما أردت أن أخرج من عنده قال: ألا أزودك كلمات علمهن جبريل محمداً صلى الله عليه وسلم؟

قلت: بلى، قال: فإنه لما كان بآخرة كان إذا قام من مجلسه قال: سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك، فقيل: يا رسول الله ما هؤلاء الكلمات التي تقولهن؟

قال: هن كلمات علمنيهن جبريل كفارات لما يكون في المجلس» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن يحيى بن جعدة قال: كفارة المجلس سبحانك وبحمدك أستغفرك وأتوب إليك.

وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر عن الضحاك في قوله: ﴿ وسبح بحمد ربك حين تقوم ﴾ قال: حين تقوم إلى الصلاة تقول هؤلاء الكلمات: سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك.

وأخرج أبو عبيد وابن المنذر عن سعيد بن المسيب قال: حق على كل مسلم حين يقوم إلى الصلاة أن يقول: سبحان الله وبحمده لأن الله يقول لنبيه ﴿ وسبح بحمد ربك حين تقوم ﴾ .

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ وسبح بحمد ربك حين تقوم ﴾ قال: حين تقوم من فراشك إلى أن تدخل في الصلاة والله أعلم.

قوله تعالى: ﴿ ومن الليل فسبحه وإدبار النجوم ﴾ .

أخرج ابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه في قوله: ﴿ ومن الليل فسبحه وإدبار النجومِ ﴾ قال: الركعتان قبل صلاة الصبح.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ وإدبار النجوم ﴾ قال: ركعتي الفجر.

وأخرج ابن جرير عن الضحاك في قوله: ﴿ وإدبار النجوم ﴾ قال: صلاة الغداة.

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ ﴾ قال ابن عباس: يريد فصل له كقوله: ﴿ وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ ﴾ (١) (٢) وقوله: ﴿ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ ﴾ يعني الركعتين قبل صلاة الفجر في قول الجميع (٣) ﴿ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ ﴾ ، وذكر عن الضحاك، وابن زيد أن المراد به صلاة الفجر الفريضة (٤) (١) انظر: "تنوير المقباس" 5/ 289، "الوسيط" 4/ 191.

(٢) انظر: "تفسير مقاتل" 130 أ، "الوسيط" 4/ 191.

(٣) انظر: "جامع البيان" 27/ 23، "معالم التنزيل" 4/ 244، "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 80، "الاستذكار" 5/ 431 عن علي وأبي هريرة.

(٤) انظر: "جامع البيان" 27/ 24، "معالم التنزيل" 4/ 244.

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ واصبر لِحُكْمِ رَبِّكَ ﴾ أي اصبر على تكذيبهم لك وإمهالنا فإنا نراك ﴿ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ ﴾ فيه ثلاثة أقوال: أحدها أنه قول سبحان الله، ومعنى ﴿ حِينَ تَقُومُ ﴾ من كل مجلس، وقيل: أراد حين تقوم وتقعد، وفي كل حال وجعل القيام مثالاً: الثاني أنه الصلوات النوافل؛ والثالث أنه الصلوات الفرائض، فحين تقوم الظهر والعصر: أي حين تقوم من نوم القائلة، ومن الليل المغرب والعشاء، وإدبار النجوم: الصبح ومن قال: هي النوافل، جعل إدبار النجوم ركعتين الفجر.

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ فكهين ﴾ مقصوراً: يزيد ﴿ وأتبعناهم ﴾ من باب الأفعال: أبو عمرو ﴿ وذريتهم ﴾ على التوحيد مرفوعاً ﴿ ذرياتهم ﴾ على الجمع: أبو جعفر ونافع.

وقرأ أبو عمرو على الجمع فيهما منصوباً.

وقرأ ﴿ ذريتهم ﴾ ابن عامر وسهل ويعقوب على الجمع أيضاً ولكن برفع الأول.

الباقون: على التوحيد فيهما الأول مرفوعاً والثاني منصوباً ﴿ ألتناهم ﴾ بكسر اللام ثلاثياً.

ابن كثير ﴿ لؤلؤ ﴾ بتليين الهمزة الأولى: شجاع ويزيد وأبو بكر وحماد وحمزة في الوقف كما مر في الحج ﴿ أنه هو البر ﴾ بفتح الهمزة: أبو جعفر ونافع وعلي ﴿ أنا كنا ندعوه ﴾ ﴿ لأنه ﴾ ﴿ المسيطرون ﴾ بالسين: ابن كثير في رواية.

وابن عامر والآخرون: بالصاد.

وقرأ حمزة في رواية بإشمام الراء ﴿ يصعقون ﴾ مبنياً للمفعول: ابن عامر وعاصم ﴿ وإدبار النجوم ﴾ بالفتح: زيد عن يعقوب.

الوقوف: ﴿ والطور ﴾ ه لا ﴿ مسطور ﴾ ه لا ﴿ منشور ﴾ ه لا ﴿ المعمور ﴾ ه لا ﴿ المرفوع ﴾ ه لا ﴿ المسجور ﴾ ه لا ﴿ لواقع ﴾ ه لا ﴿ من دافع ﴾ ه لا ﴿ موراً ﴾ ه لا ﴿ سيراً ﴾ ط ﴿ للمكذبين ﴾ ه لا ﴿ يلعبون ﴾ ه م ﴿ دعا ﴾ ط لأن التقدير يقال لهم هذه النار ﴿ تكذبون ﴾ ه ﴿ لا تبصرون ﴾ ه ﴿ تصبروا ﴾ ه لاختلاف الجملتين مع اتفاق المعنى ﴿ عليكم ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ ونعيم ﴾ ه لا ﴿ آتاهم ربهم ﴾ ج لاحتمال العطف واتضاح وجه الحال أي وقد وقاهم ﴿ الجحيم ﴾ ه ﴿ تعملون ﴾ ه لا ﴿ مصفوفة ﴾ ج ﴿ عين ﴾ ه ﴿ شيء ﴾ ه ﴿ رهين ﴾ ه ﴿ يشتهون ﴾ ه ﴿ ولا تأثيم ﴾ ه ﴿ مكنون ﴾ ه ﴿ يتساءلون ﴾ ه ﴿ مشفقين ﴾ ه ﴿ السموم ﴾ ه ط لمن قرأ ﴿ إنه ﴾ بالكسر ﴿ الرحيم ﴾ ه ﴿ مجنون ﴾ ه لأن "أم" ابتداء استفهام وتوبيخ ﴿ المنون ﴾ ه ﴿ المتربصين ﴾ ه ط لما قلنا ﴿ طاغون ﴾ ه ج لاحتمال ابتداء الاستفهام والجواب بقوله بل ﴿ لا يؤمنون ﴾ ه ج للآية مع الفاء ﴿ صادقين ﴾ ه ط ﴿ الخالقون ﴾ ه ط ﴿ والأرض ﴾ ج لأن "بل" للإضراب مع العطف ﴿ لا يوقنون ﴾ ه ﴿ المسيطرون ﴾ ه ط ﴿ فيه ﴾ ج لتناهي الاستفهام مع فاء التعقيب ﴿ مبين ﴾ ه ط ﴿ البنون ﴾ ه ط ﴿ مثقلون ﴾ ه ﴿ يكتبون ﴾ ط ﴿ كيداً ﴾ ط ﴿ المكيدون ﴾ ه ط والضابط فيما تقدم أن كلما وصل "أم" فهو للجواب وما قطع فهو بمعنى ألف الاستفهام ﴿ غير الله ﴾ ط ﴿ يشركون ﴾ ه ﴿ مركوم ﴾ ه ﴿ يصعقون ﴾ ه لا لأن ﴿ يوم ﴾ بدل ما تقدمه ﴿ ينصرون ﴾ ه ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ تقوم ﴾ ه لا ﴿ النجوم ﴾ ه.

التفسير: لما ختم السورة المتقدمة بوقوع اليوم الموعود أقسم على ذلك بالطور وهو الجبل الذي مر ذكره مراراً في قصة موسى.

والكتاب المسطور التوراة ظاهراً لأنه هو المناسب للطور.

وقيل: اللوح المحفوظ.

وقيل: صحيفة الأعمال.

والرق الصحيفة أو الجلد الذي يكتب عليه.

والمنشور خلاف المطوي كقوله ﴿ ونخرج له يوم القيامة كتاباً يلقاه منشوراً  ﴾ وقيل: هو القرآن ونكر لأنه كتاب مخصوص من بين جنس الكتب ﴿ والبيت المعمور ﴾ الكعبة أو الضراح في السماء السابعة سمي معموراً لكثرة زواره من الحجاج أو الملائكة ﴿ والسقف المرفوع ﴾ السماء ﴿ والبحر المسجور ﴾ المملوء أو الموقد من قوله ﴿ وإذا البحار سجرت  ﴾ وقد سبق في "المؤمن" في قوله ﴿ ثم في النار يسجرون  ﴾ عن جبير بن مطعم أتيت رسول الله  أكلمه في الأساري فألفيته في صلاة الفجر يقرأ سورة ﴿ والطور ﴾ فلما بلغ ﴿ إن عذاب ربك لواقع ﴾ أسلمت خوفاً من أن ينزل العذاب ﴿ يوم تمور ﴾ تضطرب وتجيء وتذهب وقد يقال: المور تحرك في تموج كحركة الزئبق ونحوه.

قلت: لأهل التأويل أن يقولوا: الطور القوة العقلية، وكتاب مسطور هي الجلايا القدسية والمعارف الإلهية الثابتة فيها كالحرف في الرق، والبيت المعمور بيت القلب، والسقف المرفوع الرأس، والبحر المسجور الدماغ المملوء من الخيالات والأوهام.

﴿ إن عذاب ربك ﴾ بالحرمان عن الإكرام لازدحام ظلم الآثام لواقع يوم القيامة الصغرى إذ تمور سماء الأرواح حين قطع العلائق وحيلولة العوائق موراً، وتسير جبال النفوس الحيوانية الأمارة التي أثقلت ظهر صاحبها لانتهاء سيرانها وانقضاء سلطانها سيراً.

والدع الدفع العنيف.

قال المفسرون: إن خزنة النار يغلون أيديهم إلى أعناقهم ويجمعون نواصيهم إلى أقدامهم ويدفعونهم إلى النار دفعاً على وجوههم وزجاً في أقفيتهم.

والاستفهام في قوله ﴿ أفسحر ﴾ للتقريع والتهكم، والفاء مؤكد له أي كنتم تقولون للوحي إنه سحر فهذا أيضاً سحر ﴿ أم أنتم لا تبصرون ﴾ هذا المخبر عنه في الآخرة كما كنتم لا تصدقون الخبر عنه في الدنيا.

وقوله ﴿ فاصبروا أو لا تصبروا ﴾ كقوله {سواء علينا لا تصدقون الخبر عنه في الدنيا.

وقوله ﴿ فاصبروا أو لا تصبروا ﴾ كقوله ﴿ سواء علينا أجزعنا أم صبرنا  ﴾ ثم علل الاستواء بقوله ﴿ إنما تجزون ﴾ يعني أن الجزاء لا بد من حصوله فلا مزية للصبر على عدمه.

قوله ﴿ ووقاهم ﴾ معطوف على متعلق قوله ﴿ في جنات ﴾ أي استقروا في جنات ونعيم ووقاهم العذاب.

وجوز أن يعطف على ﴿ آتاهم ﴾ على أن "ما" مصدرية أي فاكهين بالإيتاء والوقاية ﴿ كلوا ﴾ على إرادة القول أي يقال لهم كلوا ﴿ واشربوا ﴾ أكلاً وشرباً ﴿ هنيئاً ﴾ أو طعاماً وشراباً هنيئاً لا تنغيص فيه.

وقد مر في أول "النساء".

وجوز جار الله أن يكون صفة في معنى المصدر القائم مقام الفعل أي هنأكم الأكل والشرب بسبب ما عملتم، أو الباء مزيدة أي هنأكم جزاء ما عملتم.

قوله ﴿ والذين آمنوا ﴾ ظاهره أنه مبتدأ خبره ﴿ ألحقنا ﴾ قال جار الله: هو معطوف على ﴿ حور عين ﴾ أي قرناهم بحور عين والذين آمنوا من رفقائهم وجلسائهم وأتبعناهم ذرياتهم كي يجتمع لهم أنواع السرور بملاعبة الحور وبمؤانسة الإخوان المؤمنين وباجتماع أولادهم ونسلهم بهم.

وقوله ﴿ بإيمان ﴾ أي بسبب إيمان عظيم رفيع المحل وهو إيمان الآباء.

﴿ ألحقنا ﴾ بدرجاتهم ﴿ ذريتهم ﴾ ويجوز أن يراد إيمان الذرية الداني المحل كما جاء في الحديث " إن الله يرفع ذرية المؤمن في درجته وإن كانوا دونه لتقر بهم عينه ثم تلا هذه الآية" ﴿ وما ألتناهم ﴾ أي وما نقصنا من ثوابهم شيئاً بعطية الأبناء ولا بسبب غيرها ولكن وفرنا عليهم جميع ما ذكرنا تفضلاً وإحساناً.

ثم بين أن الجزاء بمقدار العمل فقال ﴿ كل امرىء بما كسب رهين ﴾ أي مرهون.

قال جار الله: كأن نفس العبد رهن عند الله بالعمل الصالح الذي هو مطالب به كما يرهن الرجل عبده بدين عليه.

فإن عمل صالحاً فكها وخلصها وإلا أوبقها.

وقيل: هذا يعود إلى الكفار.

والرهين المرهون المأخوذ المحبس على أمر يؤدي عنه.

وقيل: بمعنى راهن وهو المقيم أي كل إنسان مقيم في جزاء ما يقدم.

﴿ وأمددناهم ﴾ وزدناهم وقتاً بعد وقت ﴿ يتنازعون ﴾ يتعاطون هم وقرناؤهم ﴿ لا لغو فيها ﴾ أي لا حديث باطل في أثناء شربها.

ونفى اللغو لانتفاء الغول الذي هو من تعاكسيه ﴿ ولا تأثيم ﴾ أي لا يفعلون ما ينسب صاحبه إلى الإثم لو فعله في دار التكليف، وإنما يتكلمون بالكلام الحسن المفيد وذلك أنهم حكماء علماء.

والغلمان الخدام المختصمون بهم، واللؤلؤ المكنون المستور في الصدف أو في الدرج وذلك أنه أصفى وأرطب وأثمن.

وقيل لقتادة: هذا هو الخادم فكيف المخدوم؟

فقال: قال رسول الله  "والذي نفس بيده إن فضل المخدوم على الخادم كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب" وعنه  " إن أدنى أهل الجنة منزلة من ينادي الخادم من خدامه فيجيب ألف ببابه لبيك لبيك" ﴿ يتساءلون ﴾ يتحادثون ﴿ مشفقين ﴾ أرقاء القلوب من خشية الله وعذاب السموم عذاب النار لأنها تدخل المسام ومنه الريح السموم ﴿ من قبل ﴾ أي في الدنيا ﴿ فذكر ﴾ فأثبت على ما أنت عليه من التذكير والدعوة العامة ﴿ فما أنت بنعمة ربك ﴾ أي بسبب حمد الله وإنعامه عليك ﴿ بكاهن ﴾ كما يزعمون ﴿ ولا مجنون ﴾ فلعله كان لهم في رسول الله  أقوال، فبعضهم ينسبونه إلى الكهانة نظراً إلى إخباره عن المغيبات، وبعضهم يرمونه بالجنون حيث لا يسمعون منه ما يوافق هواهم ويطابق مغزاهم، وبعضهم يرون أن تأثير كلامه فيهم من باب التخييل لا الإعجاز كما قال ﴿ أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون ﴾ وهو ما يقلق النفوس ويزعجها من حوادث الدهر، وقيل: المنون الموت "فعول" من منه إذا قطعه لأن الموت قطوع ولذلك سمي شعوب.

وقد قالوا: ننتظر به نوائب الزمان فيهلك كما هلك الشعراء قبله.

والأحلام العقول وكانت قريش يدعون أنهم أهل النهي والأحلام.

وكون الأحلام أمرتهم مجاز لأدائها إلى تلك الأقوال الفاسدة، وفيه تقريع وتوبيخ إذ لو كان لهم عقل لميزوا بين الحق والباطل والمعجز وغيره ﴿ تقوَّله ﴾ اختلقه من تلقاء نفسه ﴿ بل لا يؤمنون ﴾ جحوداً وعناداً وقد صح عندهم إعجاز القرآن وإلا ﴿ فليأتوا بحديث مثله ﴾ .

ثم وبخهم على إنكار الصانع بقوله ﴿ أم خلقوا من غير شيء ﴾ من غير خالق ﴿ أم هم الخالقون ﴾ أنفسهم.

وقيل: أخلقوا من أجل لا شيء من جزاء وحساب.

والأول أقوى لقوله ﴿ أم خلقوا السموات والأرض ﴾ ثم احتج عليهم بالأنفس ثم بالآفاق ثم قال ﴿ بل لا يوقنون ﴾ وذلك أنه حكى عنهم ﴿ ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله  ﴾ فتبين أنهم في هذا الاعتراف شاكون إذ لو عرفوه حق معرفته لم يثبتوا له نداً ولم يحسدوا من اختاره للرسالة كما وبخهم عليه بقوله ﴿ أم عندهم خزائن ربك ﴾ حتى يختاروا للنبوة من أرادوه ﴿ أم هم المسيطرون ﴾ المسلطون الغالبون حتى يدبروا أمر العالم على حسب مشيئتهم ﴿ أم لهم سلم يستمعون ﴾ الوحي صاعدين ﴿ فيه ﴾ إلى السماء عالمين بالمحق والمبطل ومن له العاقبة.

والمغرم أن يلتزم الإنسان ما ليس عليه ﴿ أم عندهم الغيب ﴾ المحفوظ في اللوح ﴿ فهم يكتبون ﴾ ما فيه من أحوال المبدأ والنبوة والمعاد فيحكمون بحسبها ﴿ أم يريدون كيداً ﴾ وهو كيدهم لرسول الله  في دار الندوة وفي غيرها ﴿ فالذين كفروا ﴾ اللام لهؤلاء أو للجنس فيشملهم ﴿ هم المكيدون ﴾ المغلوبون الذين يعود وبال الكيد عليهم فقتلوا ببدر وأظهر الله دين الإسلام.

ثم صرح بالمقصود الكلي فوبخهم على إشراكهم ونزه نفسه عن ذلك بقوله ﴿ سبحان الله ﴾ ثم أجاب عن بعض مقترحهم وهو قولهم ﴿ أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفاً ﴾ والمراد أنهم لفرط عنادهم لا يفيد معهم شيء من الدلائل فلو أسقطنا عليهم قطعة من السماء لقالوا هذا سحاب مركوم بعضه فوق بعض.

ومعنى يصعقون يموتون وذلك عند النفخة الأولى.

قوله ﴿ عذاباً دون ذلك ﴾ أي قبل يوم القيامة وهو القتل ببدر القحط سبع سنين وعذاب القبر ﴿ فأصبر لحكم ربك ﴾ بإمهالهم وتبليغ الرسالة ﴿ فإنك ﴾ محفوظ ﴿ بأعيننا ﴾ وهو مجاز عن الكلاءة التامة والجمع للتعظيم والمبالغة و ﴿ حين تقوم ﴾ أي من أي مكان قمت أو من منامك.

وإدبار النجوم بالكسر غروبها آخر الليل وهو بالحقيقة تلاشي نورها في ضوء الصبح، وبالفتح أعقابها.

والمعنى مثل ما قلنا.

وقيل: التسبيح التهجد.

ومن الليل صلاة العشاءين، وإدبار النجوم صلاة الفجر.

أمره بالإقبال على طاعته بعد الفراغ عن دعوة الأمة فليس له شأن إلا هذين.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن يَرَوْاْ كِسْفاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ سَاقِطاً يَقُولُواْ سَحَابٌ مَّرْكُومٌ ﴾ .

يخبر عن عناد أولئك الرؤساء ومكابرتهم، وإنما قالوا ما قالوا على التعنت، لا على الاسترشاد، وأن هذه الآيات من قوله: ﴿ أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلاَمُهُمْ بِهَـٰذَآ...

 ﴾ إلى قوله: - عز وجل -: ﴿ أَمْ لَهُمْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ  ﴾ كلها محاجة مع أولئك الرؤساء المعاندين؛ يبين ذلك قوله  : ﴿ وَإِن يَرَوْاْ كِسْفاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ سَاقِطاً يَقُولُواْ سَحَابٌ مَّرْكُومٌ ﴾ يقول: إنهم وإن يروا ما توعدوهم من عذاب ينزل بهم يقولوا - لتعنتهم ومكابرتهم -: إنه سحاب، ليس بعذاب، وهو كما قال: ﴿ وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ إِلَيْهِمُ ٱلْمَلاۤئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ ٱلْمَوْتَىٰ وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُوۤاْ  ﴾ ، يخبر عن عنادهم، وكقوله - عز وجل -: ﴿ أَفَلَمْ يَرَوْاْ إِلَىٰ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ إِن نَّشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ ٱلأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ  ﴾ لا يؤمنون، ويقولون: ما ذكر إنه سحاب مركوم؛ تعنتا ومكابرة.

ثم أمر رسوله  بأن يعرض عنهم وألا يشتغل بهم؛ لما علم الله  أنهم لا يؤمنون، وهو ما قال - عز وجل -: ﴿ فَذَرْهُمْ حَتَّىٰ يُلَـٰقُواْ يَوْمَهُمُ ٱلَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ ﴾ يؤيس رسوله  عن إيمانهم، ويأمره بالصبر على أذاهم، وترك المكافأة لهم، ويخبر أنهم لا يؤمنون إلا في اليوم الذي فيه يصعقون، أي: يموتون.

ثم قرئ قوله: ﴿ يُصْعَقُونَ ﴾ بفتشح الياء وضمه؛ فمن قال بالنصب، احتج بقوله: ﴿ فَصَعِقَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ  ﴾ ، ولم قل فَصُعِق.

ثم يحتمل الصعقة التي ذكر: ما ذكرنا، أي: يموتون.

ويحتمل: أي: تنزل بهم الشدائد والأوجاع، ولكن لا ينفعهم الإيمان في ذلك الوقت؛ لأنه إيمان دفع العذاب عن أنفسهم.

وقوله - عزو جل -: ﴿ يَوْمَ لاَ يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ ﴾ .

برسول الله  عما ينزل بهم يومئذ؛ جزاء على كيدهم برسول الله  .

ويحتمل ألا يغنيهم من عذاب الله  الأصنام التي عبدوها؛ رجاء أن تشفع لهم، أو تقربهم إلى الله زلفى؛ كما أخبر - عز وجل -، والله الموفق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ عَذَاباً دُونَ ذَلِكَ ﴾ .

قال أهل التأويل: أي: لمشركي أهل مكة عذاب دون عذاب النار، وهو القتل بالسيف يوم بدر.

ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ ﴾ ، أي: للكفرة عذاب في الدنيا دون الذي ذكر في يوم القيامة؛ حيث قال: ﴿ حَتَّىٰ يُلَـٰقُواْ يَوْمَهُمُ ٱلَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ ﴾ ، ثم قال: ﴿ عَذَاباً دُونَ ذَلِكَ ﴾ ، وهم ما داما كفارا فهم في عذاب، يكونون في خوف وذل وخزي؛ فذلك كله عذاب الله ، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ .

أي: لا ينتفعون بعلمهم، أو لا يعلمون حقيقة؛ لما لم ينظروا في أسباب العلم، ولم يتفكروا فيها؛ حتى يمنعهم ويزجرهم عن صنيعهم.

قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ ﴾ .

دل هذا الحرف أن النبي  قد كلف أمرا شديداً شاقّاً عليه حتى قال: ﴿ وَٱصْبِرْ ﴾ ؛ أذ الأمر بالصبر لا يكون إلا في أمور شاقة شديدة؛ ولذلك قال له: ﴿ فَٱصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ ٱلْعَزْمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ  ﴾ أمره بالصبر على ما كلفه، كما صبر إخوانه على ما لحقهم من الأمور الشاقة، وما قال ﴿ وَٱصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِٱللَّهِ  ﴾ أخبر أنه لو صبر إنما يصبر بتوفيق الله إياه، أو فيه، أنه إذا صبر يكون صبره لله  ؛ حتى يسهل عليه احتمال ذلك، والله أعلم.

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ لِحُكْمِ رَبِّكَ ﴾ ، يحتمل وجوها: أحدها: ما أمر من تبليغ الرسالة إلى الفراعنة الذين كانت همتهم القتل لمن خالفهم، فذلك أمر شديد؛ فأمره بالصبر على ذلك، والتبليغ إلى أولئك.

والثاني: أمره بالصبر على أذاهم واستهزائهم به، وترك المكافأة لهم.

ويحتمل أن يكون الأمر بالصبر على الأمور التي كانت عليه في خالص نهيه من احتمال غصة التكذيب، وحزنه على تركهم التوحيد والإيمان، وإنما ذلك كله حكم الله  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا ﴾ .

أي: بمنظر وعلم منا، فإن كان الأمر بالصبر على القيام بتبليغ الرسالة إلى من ذكرنا؛ فيخرج قوله: ﴿ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا ﴾ مخرج وعد النصر والمعونة؛ كقوله  : ﴿ وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ  ﴾ .

وإن كان الأمر بالصبر على ترك مكافأتهم، أو على القيام بالأمور التي فيما بينه وبين ربه  ؛ فيصير كأنه قال: على علم منا بما يكون منهم من التكذيب والاستهزاء والأذى، كفلناك، لا عن جهل منا بذلك، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ ﴾ .

أي: نزهه عن معاني الخلق، وعما لا يليق، واذكر الثناء عليه بما هو أهله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ حِينَ تَقُومُ ﴾ .

يحتمل: ح ين تقوم من مجلسك، أو من منامك، أو حين تقوم للتعيش والانتشار.

فإن كان المراد: حين تقوم من مجلسك؛ فيكون التسبيح ما ذكر في الخبر عن رسول الله  أنه قال: "من جلس مجلساً كثر فيه لغطه، فليقل قبل أن يقوم من مجلسه: سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، استغفرك وأتوب إليك، غفر له ما كان في مجلسه ذلك" ولم يذكر الآية.

وإن كان المراد: حين تقم من منامك، فجائز أن يكون المراد منه: الصلاة.

وإن كان حين تقوم للانتشار والتعيش؛ فيصير كأنه أمر بالتسبيح بالنهار في وقت الانتشار؛ وعلى هذا قوله: ﴿ وَمِنَ ٱللَّيْلِ ﴾ أي: سبح بالليل في وقت الراحة، فيصير كأنه قال: وسبح بحمد ربك في الأوقات كلها، بالليل والنهار، في وقت الراحة، وفي وقت الانتشار.

وروى الضحاك عن عمر -  - أنه قال: ﴿ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ ﴾ \[تقول\] في الصلاة المفروضة قبل أن تكبر: "سبحانك اللهم وبحمدك..." إلى آخر.

وورى الضحاك: أن النبي  كان إذا دخل في الصلاة، قال ذلك؛ وذلك قوله  : ﴿ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ ﴾ .

وروى أبو سعيد وعائشة -  ما - عن النبي  أنه [كان] إذا افتتح الصلاة قال: "سبحانك الله وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك" ].

وروي عن مجاهد أنه قال: حين تقوم من كل مجلس، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ ٱلنُّجُومِ ﴾ : قال أهل التأويل: هو ركعتا الفجر [كما] روي عن جماعة من الصحابة، رضوان الله عليهم أجمعين.

وعن ابن عباس -  ما - مرفوعاً: أنه أراد بإدبار النجوم: الركعتين قبل الفجر، وأدبار السجود: الركعتين بعد المغرب، فإن ثبت فهو التأويل، فإن كان على هذا فهو يدل على تأخير صلاة الفجر؛ لأن إدبار النجوم إنما يكون ذهابها وانقضاءها، وذلك لا يكون بأول وقت طلوع الفجر، وإنما يكون وقت الإسفار؛ فيكون حجة لنا، والله أعلم.

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ومن الليل فسبّح ربك، وصلّ له، وصلّ صلاة الفجر حين إدبار النجوم بأفولها بضوء النهار.

من فوائد الآيات الطغيان سبب من أسباب الضلال.

أهمية الجدال العقلي في إثبات حقائق الدين.

ثبوت عذاب البَرْزَخ.

مزيد من التفاسير لسورة الطور

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده