الآية ٣٢ من سورة النجم

الإسلام > القرآن > سور > سورة 53 النجم > الآية ٣٢ من سورة النجم

ٱلَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَـٰٓئِرَ ٱلْإِثْمِ وَٱلْفَوَٰحِشَ إِلَّا ٱللَّمَمَ ۚ إِنَّ رَبَّكَ وَٰسِعُ ٱلْمَغْفِرَةِ ۚ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلْأَرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌۭ فِى بُطُونِ أُمَّهَـٰتِكُمْ ۖ فَلَا تُزَكُّوٓا۟ أَنفُسَكُمْ ۖ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ ٱتَّقَىٰٓ ٣٢

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 192 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٣٢ من سورة النجم: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٣٢ من سورة النجم عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ثم فسر المحسنين بأنهم الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش ، أي : لا يتعاطون المحرمات والكبائر ، وإن وقع منهم بعض الصغائر فإنه يغفر لهم ويستر عليهم ، كما قال في الآية الأخرى : ( إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما ) [ النساء : 31 ] .

وقال هاهنا : ( الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم ) .

وهذا استثناء منقطع ; لأن اللمم من صغائر الذنوب ومحقرات الأعمال .

قال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق ، حدثنا معمر عن ابن طاوس ، عن أبيه ، عن ابن عباس قال : ما رأيت شيئا أشبه باللمم مما قال أبو هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " إن الله تعالى كتب على ابن آدم حظه من الزنا ، أدرك ذلك لا محالة ، فزنا العين النظر ، وزنا اللسان النطق ، والنفس تمنى وتشتهي ، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه " .

أخرجاه في الصحيحين ، من حديث عبد الرزاق ، به .

وقال ابن جرير : حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، أخبرنا ابن ثور حدثنا معمر ، عن الأعمش ، عن أبي الضحى ; أن ابن مسعود قال : " زنا العينين النظر ، وزنا الشفتين التقبيل ، وزنا اليدين البطش ، وزنا الرجلين المشي ، ويصدق ذلك الفرج أو يكذبه ، فإن تقدم بفرجه كان زانيا ، وإلا فهو اللمم " .

وكذا قال مسروق ، والشعبي .

وقال عبد الرحمن بن نافع - الذي يقال له : ابن لبابة الطائفي - قال : سألت أبا هريرة عن قول الله : ( إلا اللمم ) قال : القبلة ، والغمزة ، والنظرة ، والمباشرة ، فإذا مس الختان الختان فقد وجب الغسل ، وهو الزنا .

وقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : ( إلا اللمم ) إلا ما سلف .

وكذا قال زيد بن أسلم .

وقال ابن جرير : حدثنا ابن المثنى ، حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة ، عن منصور ، عن مجاهد أنه قال : في هذه الآية : ( إلا اللمم ) قال : الذي يلم بالذنب ثم يدعه ، قال الشاعر : إن تغفر اللهم تغفر جما وأي عبد لك ما ألما ؟

!

وقال ابن جرير : حدثنا ابن حميد ، حدثنا جرير ، عن منصور ، عن مجاهد ، في قول الله : ( إلا اللمم ) قال : الرجل يلم بالذنب ثم ينزع عنه ، قال : وكان أهل الجاهلية يطوفون بالبيت وهم يقولون : إن تغفر اللهم تغفر جما وأي عبد لك ما ألما ؟

!

وقد رواه ابن جرير وغيره مرفوعا .

قال ابن جرير : حدثني سليمان بن عبد الجبار ، حدثنا أبو عاصم ، حدثنا زكريا بن إسحاق ، عن عمرو بن دينار ، عن عطاء ، عن ابن عباس : ( الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم ) قال : هو الرجل يلم بالفاحشة ثم يتوب وقال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إن تغفر اللهم تغفر جما وأي عبد لك ما ألما ؟

!

وهكذا رواه الترمذي ، عن أحمد بن عثمان أبي عثمان البصري ، عن أبي عاصم النبيل .

ثم قال : هذا حديث حسن صحيح غريب ، لا نعرفه إلا من حديث زكريا بن إسحاق .

وكذا قال البزار : لا نعلمه يروى متصلا إلا من هذا الوجه .

وساقه ابن أبي حاتم والبغوي من حديث أبي عاصم النبيل ، وإنما ذكره البغوي في تفسير سورة " تنزيل " وفي صحته مرفوعا نظر .

ثم قال ابن جرير : حدثنا محمد بن عبد الله بن بزيع ، حدثنا يزيد بن زريع ، حدثنا يونس ، عن الحسن ، عن أبي هريرة - أراه رفعه - : ( الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم ) قال : " اللمة من الزنا ثم يتوب ولا يعود ، واللمة من السرقة ثم يتوب ولا يعود ، واللمة من شرب الخمر ثم يتوب ولا يعود " ، قال : " ذلك الإلمام " .

وحدثنا ابن بشار ، حدثنا ابن أبي عدي ، عن عوف ، عن الحسن في قول الله : ( الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم ) قال : اللمم من الزنا أو السرقة أو شرب الخمر ، ثم لا يعود .

وحدثني يعقوب ، حدثنا ابن علية ، عن أبي رجاء ، عن الحسن في قول الله : ( الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم ) قال : كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقولون : هو الرجل يصيب اللمة من الزنا ، واللمة من شرب الخمر ، فيجتنبها ويتوب منها .

وقال ابن جرير ، عن عطاء ، عن ابن عباس : ( إلا اللمم ) يلم بها في الحين .

قلت : الزنا ؟

قال : الزنا ثم يتوب .

وقال ابن جرير أيضا : حدثنا أبو كريب ، حدثنا ابن عيينة ، عن عمرو ، عن عطاء ، عن ابن عباس قال : ( اللمم ) الذي يلم المرة .

وقال السدي : قال أبو صالح : سئلت عن ( اللمم ) فقلت : هو الرجل يصيب الذنب ثم يتوب .

وأخبرت بذلك ابن عباس فقال : لقد أعانك عليها ملك كريم .

حكاه البغوي .

وروى ابن جرير من طريق المثنى بن الصباح - وهو ضعيف - عن عمرو بن شعيب ; أن عبد الله بن عمرو قال : ( اللمم ) : ما دون الشرك .

وقال سفيان الثوري ، عن جابر الجعفي ، عن عطاء ، عن ابن الزبير : ( إلا اللمم ) قال : ما بين الحدين : حد الدنيا وعذاب الآخرة .

وكذا رواه شعبة ، عن الحكم ، عن ابن عباس ، مثله سواء .

وقال العوفي ، عن ابن عباس في قوله : ( إلا اللمم ) كل شيء بين الحدين : حد الدنيا وحد الآخرة ، تكفره الصلوات ، وهو اللمم ، وهو دون كل موجب ، فأما حد الدنيا فكل حد فرض الله عقوبته في الدنيا ، وأما حد الآخرة فكل شيء ختمه الله بالنار ، وأخر عقوبته إلى الآخرة .

وكذا قال عكرمة ، وقتادة ، والضحاك .

وقوله : ( إن ربك واسع المغفرة ) أي : رحمته وسعت كل شيء ، ومغفرته تسع الذنوب كلها لمن تاب منها ، كقوله : ( قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم ) [ الزمر : 53 ] .

وقوله : ( هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض ) أي : هو بصير بكم ، عليم بأحوالكم وأفعالكم وأقوالكم التي تصدر عنكم وتقع منكم ، حين أنشأ أباكم آدم من الأرض ، واستخرج ذريته من صلبه أمثال الذر ، ثم قسمهم فريقين : فريقا للجنة وفريقا للسعير .

وكذا قوله : ( وإذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم ) قد كتب الملك الذي يوكل به رزقه وأجله وعمله ، وشقي أم سعيد .

قال مكحول : كنا أجنة في بطون أمهاتنا ، فسقط منا من سقط ، وكنا فيمن بقي ، ثم كنا مراضع فهلك منا من هلك .

وكنا فيمن بقي ثم صرنا يفعة ، فهلك منا من هلك .

وكنا فيمن بقي ثم صرنا شبابا فهلك منا من هلك .

وكنا فيمن بقي ثم صرنا شيوخا - لا أبا لك - فماذا بعد هذا ننتظر ؟

رواه ابن أبي حاتم عنه .

وقوله : ( فلا تزكوا أنفسكم ) أي : تمدحوها وتشكروها وتمنوا بأعمالكم ، ( هو أعلم بمن اتقى ) ، كما قال : ( ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم بل الله يزكي من يشاء ولا يظلمون فتيلا ) [ النساء : 49 ] .

وقال مسلم في صحيحه : حدثنا عمرو الناقد ، حدثنا هاشم بن القاسم ، حدثنا الليث ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن محمد بن عمرو بن عطاء قال : سميت ابنتي برة ، فقالت لي زينب بنت أبي سلمة : إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن هذا الاسم ، وسميت برة ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " لا تزكوا أنفسكم ، إن الله أعلم بأهل البر منكم " .

فقالوا : بم نسميها ؟

قال : " سموها زينب " .

وقد ثبت أيضا في الحديث الذي رواه الإمام أحمد حيث قال : حدثنا عفان ، حدثنا وهيب ، حدثنا خالد الحذاء ، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة ، عن أبيه قال : مدح رجل رجلا عند النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " ويلك !

قطعت عنق صاحبك - مرارا - إذا كان أحدكم مادحا صاحبه لا محالة فليقل : أحسب فلانا - والله حسيبه ، ولا أزكي على الله أحدا - أحسبه كذا وكذا ، إن كان يعلم ذلك " .

ثم رواه عن غندر ، عن شعبة ، عن خالد الحذاء ، به .

وكذا رواه البخاري ، ومسلم ، وأبو داود ، وابن ماجه ، من طرق عن خالد الحذاء ، به .

وقال الإمام أحمد : حدثنا وكيع ، وعبد الرحمن قالا : حدثنا سفيان ، عن منصور ، عن إبراهيم ، عن همام بن الحارث قال : جاء رجل إلى عثمان فأثنى عليه في وجهه ، قال : فجعل المقداد بن الأسود يحثو في وجهه التراب ويقول : أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا لقينا المداحين أن نحثو في وجوههم التراب .

ورواه مسلم وأبو داود من حديث الثوري ، عن منصور ، به .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله ( الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإثْمِ ) يقول: الذين يبتعدون عن كبائر &; 22-532 &; الإثم التي نهى الله عنها وحرمها عليهم فلا يقربونها, وذلك الشرك بالله, وما قد بيَّناه في قوله إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ .

وقوله ( وَالْفَوَاحِشَ ) وهي الزنا وما أشبهه, مما أوجب الله فيه حدّا.

وقوله ( إِلا اللَّمَمَ ) اختلف أهل التأويل في معنى " إلا " في هذا الموضع, فقال بعضهم: هي بمعنى الاستثناء المنقطع, وقالوا: معنى الكلام: الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش, إلا اللمم الذي ألمُّوا به من الإثم والفواحش في الجاهلية قبل الإسلام, فإن الله قد عفا لهم عنه, فلا يؤاخذهم به.

* ذكر من قال ذلك: حدثني عليّ, قال: ثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس, قوله ( الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلا اللَّمَمَ ) يقول: إلا ما قد سلف.

حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله ( الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلا اللَّمَمَ ) قال: المشركون إنما كانوا بالأمس يعملون معناه, فأنـزل الله عزّ وجلّ( إِلا اللَّمَمَ ) ما كان منهم في الجاهلية.

قال: واللمم: الذي ألموا به من تلك الكبائر والفواحش في الجاهلية قبل الإسلام, وغفرها لهم حين أسلموا.

حدثني يعقوب, قال: ثنا ابن علية, عن ابن عياش, عن ابن عون, عن محمد, قال: سأل رجل زيد بن ثابت, عن هذه الآية ( الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلا اللَّمَمَ ) فقال: حرم الله عليك الفواحش ما ظهر منها وما بطن.

حدثني يونس بن عبد الأعلى, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: أخبرني عبد الله بن عياش قال: قال زيد بن أسلم في قول الله ( الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلا اللَّمَمَ ) قال: كبائر الشرك والفواحش: الزنى, تركوا ذلك حين دخلوا في الإسلام, فغفر الله لهم ما كانوا ألموا به وأصابوا من ذلك قبل الإسلام.

وكان بعض أهل العلم بكلام العرب ممن يوجه تأويل " إلا " في هذا الموضع إلى هذا الوجه الذي ذكرته عن ابن عباس يقول في تأويل ذلك: لم يؤذن لهم في اللمم, وليس هو من الفواحش, ولا من كبائر الإثم, وقد يُستثنى الشيء من الشيء, وليس منه على ضمير قد كفّ عنه فمجازه, إلا أن يلمَّ بشيء ليس من الفواحش ولا من الكبائر, قال: الشاعر: وَبَلْـــــدَةٍ ليْسَ بِهـــــا أَنِيسُ إلا اليَعـــــــــافيرُ وإلا الْعِيسُ (1) واليعافير: الظباء, والعيس: الإبل وليسا من الناس, فكأنه قال: ليس به أنيس, غير أن به ظباء وإبلا.

وقال بعضهم: اليعفور من الظباء الأحمر, والأعيس: الأبيض.

وقال بنحو هذا القول جماعة من أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن عبد الأعلى, قال: ثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن الأعمش, عن أبي الضحى, أن ابن مسعود قال: زنى العينين: النظر, وزنى الشفتين: التقبيل, وزنى اليدين: البطش, وزنى الرجلين: المشي, ويصدّق ذلك الفرْج أو يكذّبه, فإن تقدّم بفرجه كان زانيا, وإلا فهو اللمم.

حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, قال: وأخبرنا ابن طاوس, عن أبيه, عن ابن عباس قال: ما رأيت شيئا أشبه باللمم مما قال أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: " إِنَّ اللهَ كَتَبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ حَظَّهُ مِنْ الزِّنى أَدْرَكَهُ ذَلِكَ لا مَحَالَةَ، فَزِنَى الْعَيْنَينِ النَّظَرُ، وَزِنَى اللِّسَانِ المَنْطِقُ، وَالنَّفْسُ تَتَمَنَّى وَتَشْتَهي، وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ أَوْ يُكَذِّبُهُ".

حدثني أبو السائب, قال: ثنا أبو معاوية, عن الأعمش, عن مسلم, عن مسروق في قوله ( إِلا اللَّمَمَ ) قال: إن تقدم كان زنى, وإن تأخر كان لَمَمًا.

حدثني يعقوب بن إبراهيم, قال: ثنا ابن عُلَية, قال: ثنا منصور بن عبد الرحمن, قال: سألت الشعبيّ, عن قول الله ( يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلا اللَّمَمَ ) قال: هو ما دون الزنى, ثم ذكر لنا عن ابن مسعود, قال: " زنى العينين: ما نظرت إليه, وزنى اليد: ما لمستْ, وزنى الرجل: ما مشتْ والتحقيق بالفرج.

حدثني محمد بن معمر, قال: ثنا يعقوب, قال: ثنا وهيب, قال: ثنا عبد الله بن عثمان بن خُثَيم بن عمرو القاريّ, قال: ثني عبد الرحمن بن نافع الذي يقال له ابن لُبابة الطائفيّ, قال: سألت أبا هُريرة عن قول الله ( الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلا اللَّمَمَ ) قال: القُبلة, والغمزة, والنظْرة والمباشرة, إذا مسّ الختان الختان فقد وجب الغسل, وهو الزنى.

وقال آخرون: بل ذلك استثناء صحيح, ومعنى الكلام: الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم إلا أن يلمّ بها ثم يتوب.

* ذكر من قال ذلك: حدثني سليمان بن عبد الجبار, قال: ثنا أبو عاصم, قال: أخبرنا زكريا بن إسحاق, عن عمرو بن دينار, عن عطاء, عن ابن عباس ( الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلا اللَّمَمَ ) قال: هو الرجل يلمّ بالفاحشة ثم يتوب; قال: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إِنْ تَغْفِــرْ اللَّهُــمَّ تَغْفِــرْ جَمَّــا وَأَيُّ عَبْــــدٍ لَـــكَ لا أَلَمَّـــا (2) حدثني ابن المثنى, قال: ثنا محمد بن جعفر, قال ثنا شعبة, عن منصور, عن مجاهد, أنه قال في هذه الآية ( إِلا اللَّمَمَ ) قال: الذي يلم بالذنب ثم يدعه, وقال الشاعر: إِنْ تَغْفِــرْ اللَّهُــمَّ تَغْفِــرْ جَمَّــا وَأَيُّ عَبْــــدٍ لَـــكَ لا أَلَمَّـــا حدثني محمد بن عبد الله بن بزيع, قال: ثنا يونس, عن الحسن, عن أبي هُريرة, أراه رفعه: ( الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلا اللَّمَمَ ) قال: اللَّمة من الزنى, ثم يتوب ولا يعود, واللَّمة من السرقة, ثم يتوب ولا يعود; واللَّمة من شرب الخمر, ثم يتوب ولا يعود, قال: فتلك الإلمام.

حدثنا ابن بشار, قال: ثنا ابن أبي عديّ, عن عوف, عن الحسن, &; 22-536 &; في قول الله ( الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلا اللَّمَمَ ) قال: اللَّمة من الزنى أو السرقة, أو شرب الخمر, ثم لا يعود.

حدثني يعقوب, قال: ثنا ابن أبي عديّ عن عوف, عن الحسن, في قول الله ( الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلا اللَّمَمَ ) قال: اللمة من الزنى, أو السرقة, أو شرب الخمر ثم لا يعود.

حدثني يعقوب, قال: ثنا ابن علية, عن أبي رجاء, عن الحسن, في قوله ( الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلا اللَّمَمَ ) قال: قد كان أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم يقولون: هذا الرجل يصيب اللمة من الزنا, واللَّمة من شرب الخمر, فيخفيها فيتوب منها.

حدثنا ابن حُميد, قال: ثنا مهران, عن سفيان, عن ابن جريج, عن عطاء, عن ابن عباس ( إِلا اللَّمَمَ ) يلمّ بها فى الحين, قلت الزنى, قال: الزنى ثم يتوب.

حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, قال: قال معمر: كان الحسن يقول في اللَّمم: تكون اللَّمة من الرجل: الفاحشة ثم يتوب.

حدثنا ابن حُميد, قال: ثنا مهران, عن سفيان, عن إسماعيل, عن أبي صالح, قال: الزنى ثم يتوب.

قال: ثنا مهران, عن أبي جعفر, عن قتادة, عن الحسن ( إِلا اللَّمَمَ ) قال: أن يقع الوقعة ثم ينتهي.

حدثنا أبو كُرَيب, قال: ثنا ابن عيينة, عن عمرو, عن عطاء, عن ابن عباس قال: اللَّمم: الذي تُلِمُّ المرَّةَ.

حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, قال: أخبرني يحيى بن أيوب, عن المثنى بن الصباح, عن عمرو بن شعيب, أن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: اللمم: ما دون الشرك.

حدثنا ابن بشار, قال: ثنا أبو عامر, قال: ثنا مرّة, عن عبد الله بن القاسم, في قوله ( إِلا اللَّمَمَ ) قال: اللَّمة يلم بها من الذنوب.

حدثنا ابن حُمَيد, قال: ثنا جرير, عن منصور, عن مجاهد, في قوله ( إِلا اللَّمَمَ ) قال: الرجل يلمّ بالذنب ثم ينـزع عنه.

قال: وكان أهل الجاهلية يطوفون بالبيت وهم يقولون: إِنْ تَغْفِــرْ اللَّهُــمَّ تَغْفِــرْ جَمَّــا وَأَيُّ عَبْــــدٍ لَـــكَ لا أَلَمَّـــا وقال آخرون ممن وجه معنى " إلا " إلى الاستثناء المنقطع: اللمم: هو دون حدّ الدنيا وحد الآخرة, قد تجاوز الله عنه.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حُميد, قال: ثنا مهران, عن سفيان, عن جابر, عن عطاء, عن ابن الزبير ( إِلا اللَّمَمَ ) قال: ما بين الحدّين, حدّ الدنيا, وعذاب الآخرة.

حدثنا ابن المثنى, قال: ثنا محمد بن جعفر, عن شعبة, عن الحكم, عن ابن عباس أنه قال: اللمم: ما دون الحدّين: حدّ الدنيا والآخرة.

حدثنا ابن المثنى, قال: ثنا ابن أبي عديّ, عن شعبة, عن الحكم وقتادة, عن ابن عباس بمثله, إلا أنه قال: حدّ الدنيا, وحدّ الآخرة.

حدثني يعقوب, قال: ثنا ابن علية, قال: أخبرنا شعبة, عن الحكم بن عُتَيبة, قال: قال ابن عباس: اللمم ما دون الحدين, حد الدنيا وحد الآخرة.

حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي، عن أبيه, عن ابن عباس قوله ( الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلا اللَّمَمَ ) قال: كلّ شيء بين الحدّين, حدّ الدنيا وحدّ الآخرة تكفِّره الصلوات, وهو اللمم, وهو دون كل موجب; فأما حدّ الدنيا فكلّ حدّ فرض الله عقوبته في الدنيا; وأما حدّ الآخرة فكلّ شيء ختمه الله بالنار, وأخَّر عقوبته إلى الآخرة.

حدثنا ابن حُميد, قال: ثنا يحيى, قال: ثنا الحسين, عن يزيد, عن عكرمة, في قوله: ( إِلا اللَّمَمَ ) يقول: ما بين الحدين, كل ذنب ليس فيه حدّ في الدنيا ولا عذاب في الآخرة, فهو اللمم.

حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قوله ( الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلا اللَّمَمَ ) واللمم: ما كان بين الحدّين لم يبلغ حدّ الدنيا ولا حدّ الآخرة موجبة, قد أوجب الله لأهلها النار, أو فاحشة يقام عليه الحدّ في الدنيا.

وحدثنا ابن حُميد, قال: ثنا مهران, عن أبي جعفر, عن قتادة, قال: قال بعضهم: اللمم: ما بين الحدّين: حدّ الدنيا, وحدّ الآخرة.

حدثنا أبو كُريب ويعقوب, قالا ثنا إسماعيل بن إبراهيم, قال: ثنا سعيد بن أبي عروبة, عن قتادة عن ابن عباس, قال: اللمم: ما بين الحدّين: حدّ الدنيا, وحدّ الآخرة.

حدثنا ابن حُميد, قال: ثنا مهران, عن سفيان, قال: قال الضحاك ( إِلا اللَّمَمَ ) قال: كلّ شيء بين حدّ الدنيا والآخرة فهو اللمم يغفره الله.

وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب قول من قال " إلا " بمعنى الاستثناء المنقطع, ووجّه معنى الكلام إلى ( الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلا اللَّمَمَ ) بما دون كبائر الإثم, ودون الفواحش الموجبة للحدود في الدنيا, والعذاب في الآخرة, فإن ذلك معفوّ لهم عنه, وذلك عندي نظير قوله جلّ ثناؤه: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلا كَرِيمًا فوعد جلّ ثناؤه باجتناب الكبائر, العفو عما دونها من السيئات, وهو اللمم الذي قال النبي صلى الله عليه وسلم: " الْعَينانِ تَزْنِيَانِ، وَالْيَدَانِ تَزْنِيَانِ، وَالرِّجلانِ تَزْنِيَانِ، وَيُصَدّقُ ذَلِكَ الْفَرْجُ أَوْ يُكَذِّبُهُ "، وذلك أنه لا حد فيما دون ولوج الفرج في الفرج, وذلك هو العفو من الله في الدنيا عن عقوبة العبد عليه, والله جلّ ثناؤه أكرم من أن يعود فيما قد عفا عنه, كما رُوي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم واللمم في كلام العرب: المقاربة للشيء, ذكر الفرّاء أنه سمع العرب تقول: ضربه ما لمم القتل (3) يريدون ضربا مقاربا للقتل.

قال: وسمعت من آخر: ألمّ يفعل في معنى: كاد يفعل.

------------------- الهوامش : (1) البيت من شواهد أبي عبيدة في مجاز القرآن ( الورقة 231 ) قال عند قوله تعالى : ( يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم ) : لم يؤذن لهم في اللمم ، وليس هو من الفواحش ولا من كبائر الإثم ، وقد يستثنى الشيء من الشيء وليس منه على ضمير قد كف عنه ، فمجازه : إلا أن يلم ملم بشيء ، ليس من الفواحش والكبائر قال : " وبلد ليس بها أنيس ...

البيتين " .

واليعافير الظباء ، والعيس : الإبل ، وليسا من الناس ، فكأنه قال : ليس بها أنيس غير أن بها ظباء وإبلا .

وقال بعضهم : اليعفور من الظباء : الأحمر ، والأعيس : الأبيض من الظباء أ .

هـ .

وقال العيني في فرائد القلائد : قاله جران العود النميري ، واسمه عامر بن الحارث .

والشاهد في " إلا اليعافير " فإنه استثناء من قوله أنيس ، على الإبدال ، مع أنه منقطع ، على لغة بني تميم ، وأهل الحجاز يوجبون النصب " أي في الاستثناء المنقطع " .

وهو جمع يعفور ، وهو ولد البقرة الوحشية ، والعيس جمع عيساء ، وهي الإبل البيض يخالط بياضها شيء من الشقرة أ .

هـ .

وقال الفراء في معاني القرآن ( الورقة 316 ) قوله " إلا اللمم " : يقول : إلا المتقارب من صغير الذنوب .

قال وسمعت من بعض العرب : ألم يفعل : في معنى كاد يفعل ، وذكر الكلبي بإسناده أنها النظرة في غير تعمد ، فهي لمم ، وهي مغفورة ، فإن أعاد النظر فليس بلمم ، هو ذنب أ .

هـ .

(2) البيت لأمية بن أبي الصلت ( اللسان : لمم ) قال : والإلمام واللمم : مقاربة الذنب .

وقيل : اللمم : ما دون الكبائر من الذنوب .

وفي التنزيل العزيز: الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم " .

وألم الرجل ، من اللمم ، وهو صغار الذنوب .

وقال أمية : " إن تغفر اللهم ...

البيتين " .

ويقال : هو مقاربة المعصية من غير مواقعة .

وقال الأخفش : اللمم : المقارب من الذنوب .

وقال : ابن بري : الشعر لأمية بن أبي الصلت ، قال : وذكر عبد الرحمن ( ابن أخي الأصمعي ) عن عمه ، عن يعقوب ( ابن السكيت ) عن مسلم بن أبي طرفة الهذلي قال : مر أبو خراش ( الهذلي الشاعر ) يسعى بين الصفا والمروة وهو يقول : لا هــم هــذا خــامس إن تمــا أتمـــه اللـــه وقـــد أتمـــا إن تغفــر اللهــم تغفــر جمــا وأي عبــــد لـــك لا ألمــــا (3) هذه العبارة مما رواه الفراء عن العرب ، قال في معاني القرآن : وسمعت العرب ...

إلخ ، وما صلته ، يريد ضربا مقاربا للقتل .

القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى (32) يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم ( إِنَّ رَبَّكَ ) يا محمد ( وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ ) : واسع عفوه للمذنبين الذين لم تبلغ ذنوبهم الفواحش وكبائر الإثم.

وإنما أعلم جلّ ثناؤه بقوله هذا عباده أنه يغفر اللمم بما وصفنا من الذنوب لمن اجتنب كبائر الإثم والفواحش.

كما حدثنا يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله ( إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ ) قد غفر ذلك لهم.

وقوله ( هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأرْضِ ) يقول تعالى ذكره: ربكم أعلم بالمؤمن منكم من الكافر, والمحسن منكم من المسيء, والمطيع من العاصي, حين ابتدعكم من الأرض, فأحدثكم منها بخلق أبيكم آدم منها, وحين أنتم أجنة في بطون أمهاتكم, يقول: وحين أنتم حمل لم تولدوا منكم, وأنفسكم بعدما (4) صرتم رجالا ونساء.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأول.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, في قوله ( هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأرْضِ ) قال: كنحو قوله وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ .

وحدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, فى قوله ( إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأرْضِ ) قال: حين خلق آدم من الأرض ثم خلقكم من آدم, وقرأ ( وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ ) .

وقد بيَّنا فيما مضى قبل معنى الجنين, ولِمَ قيل له جنين, بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.

وقوله ( فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ ) يقول جل ثناؤه: فلا تشهدوا لأنفسكم بأنها زكية بريئة من الذنوب والمعاصي.

كما حدثنا ابن حُميد, قال: ثنا مهران, عن سفيان, قال: سمعت زيد بن أسلم يقول ( فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ ) يقول: فلا تبرئوها.

وقوله ( هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى ) يقول جلّ ثناؤه: ربك يا محمد أعلم بمن خاف عقوبة الله فاجتنب معاصيه من عباده.

-------------------- الهوامش : (4) كذا وردت هذه العبارة الأخيرة في الأصل ، وهي غامضة من أول قوله " منكم وأنفسكم ...

إلخ " ولعل صوابها : فلا تزكوا أنفسكم بعد ما صرتم رجالا ونساء .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم فيه ثلاث مسائل :الأولى : قوله تعالى : الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش هذا نعت للمحسنين ; أي هم لا يرتكبون كبائر الإثم وهو الشرك ; لأنه أكبر الآثام .

وقرأ الأعمش ويحيى بن وثاب وحمزة والكسائي ( كبير ) على التوحيد وفسره ابن عباس بالشرك .

والفواحش الزنى : وقال مقاتل : كبائر الإثم كل ذنب ختم بالنار والفواحش كل ذنب فيه الحد .

وقد مضى في ( النساء ) القول في هذا .

ثم استثنى استثناء منقطعا وهيالمسألة الثانية : فقال : إلا اللمم وهي الصغائر التي لا يسلم من الوقوع فيها إلا من عصمه الله وحفظه .

وقد اختلف في معناها ; فقال أبو هريرة وابن عباس والشعبي : اللمم كل ما دون الزنى .

وذكر مقاتل بن سليمان : أن هذه الآية نزلت في رجل كان يسمى نبهان التمار ; كان له حانوت يبيع فيه تمرا ، فجاءته امرأة تشتري منه تمرا فقال لها : إن داخل الدكان ما هو خير من هذا ، فلما دخلت راودها فأبت وانصرفت فندم نبهان ; فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله !

ما من شيء يصنعه الرجل إلا وقد فعلته إلا الجماع ; فقال : لعل زوجها غاز فنزلت هذه الآية ، وقد مضى في آخر " هود " وكذا قال ابن مسعود وأبو سعيد الخدري [ ص: 99 ] وحذيفة ومسروق : إن اللمم ما دون الوطء من القبلة والغمزة والنظرة والمضاجعة .

وروى مسروق عن عبد الله بن مسعود قال : زنى العينين النظر ، وزنى اليدين البطش ، وزنى الرجلين المشي ، وإنما يصدق ذلك أو يكذبه الفرج ; فإن تقدم كان زنى وإن تأخر كان لمما .

وفي صحيح البخاري ومسلم عن ابن عباس قال : ما رأيت شيئا أشبه باللمم مما قال أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنى أدرك ذلك لا محالة ، فزنى العينين النظر وزنى اللسان النطق والنفس تتمنى وتشتهي والفرج يصدق ذلك أو يكذبه .

والمعنى : أن الفاحشة العظيمة والزنى التام الموجب للحد في الدنيا والعقوبة في الآخرة هو في الفرج وغيره له حظ من الإثم .

والله أعلم .وفي رواية أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : كتب على ابن آدم نصيبه من الزنى مدرك لا محالة فالعينان زناهما النظر والأذنان زناهما الاستماع واللسان زناه الكلام واليد زناها البطش والرجل زناها الخطى والقلب يهوى ويتمنى ويصدق ذلك الفرج ويكذبه .

خرجه مسلم .

وقد ذكر الثعلبي حديث طاوس عن ابن عباس فذكر فيه الأذن واليد والرجل ، وزاد فيه بعد العينين واللسان : وزنى الشفتين القبلة .

فهذا قول .

وقال ابن عباس أيضا : هو الرجل يلم بذنب ثم يتوب .

قال : ألم تسمع النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول : إن يغفر الله يغفر جما وأي عبد لك لا ألما رواه عمرو بن دينار عن عطاء عن ابن عباس .

قال النحاس : هذا أصح ما قيل فيه وأجلها إسنادا .

وروى شعبة عن منصور عن مجاهد عن ابن عباس في قول الله عز وجل إلا اللمم قال : هو أن يلم العبد بالذنب ثم لا يعاوده ; قال الشاعر [ أمية بن أبي الصلت ] : إن تغفر اللهم تغفر جماوأي عبد لك لا ألما وكذا قال مجاهد والحسن : هو الذي يأتي الذنب ثم لا يعاوده ، ونحوه عن الزهري ، قال : اللمم أن يزني ثم يتوب فلا يعود ، وأن يسرق أو يشرب الخمر ثم يتوب فلا يعود .

ودليل هذا التأويل قوله تعالى : والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم الآية .[ ص: 100 ] ثم قال : أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم فضمن لهم المغفرة ; كما قال عقيب اللمم : إن ربك واسع المغفرة فعلى هذا التأويل يكون إلا اللمم استثناء متصلا .

قال عبد الله بن عمرو بن العاص : اللمم ما دون الشرك .

وقيل : اللمم الذنب بين الحدين وهو ما لم يأت عليه حد في الدنيا ، ولا توعد عليه بعذاب في الآخرة تكفره الصلوات الخمس ؛ قاله ابن زيد وعكرمة والضحاك وقتادة .

ورواه العوفي والحكم بن عتيبة عن ابن عباس .

وقال الكلبي : اللمم على وجهين : كل ذنب لم يذكر الله عليه حدا في الدنيا ولا عذابا في الآخرة ; فذلك الذي تكفره الصلوات الخمس ما لم يبلغ الكبائر والفواحش ، والوجه الآخر : هو الذنب العظيم يلم به الإنسان المرة بعد المرة فيتوب منه .

وعن ابن عباس أيضا وأبي هريرة وزيد بن ثابت : هو ما سلف في الجاهلية فلا يؤاخذهم به .

وذلك أن المشركين قالوا للمسلمين : إنما كنتم بالأمس تعملون معنا فنزلت ، وقاله زيد بن أسلم وابنه ; وهو كقوله تعالى : وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف .

وقيل : اللمم هو أن يأتي بذنب لم يكن له بعادة ; قاله نفطويه .

قال : والعرب تقول ما يأتينا إلا لماما ; أي في الحين بعد الحين .

قال : ولا يكون أن يلم ولا يفعل ، لأن العرب لا تقول : ألم بنا إلا إذا فعل الإنسان لا إذا هم ولم يفعله .

وفي الصحاح : وألم الرجل من اللمم وهو صغائر الذنوب ، ويقال : هو مقاربة المعصية من غير مواقعة .

وأنشد غير الجوهري :بزينب ألمم قبل أن يرحل الركبوقل إن تملينا فما ملك القلبأي : اقرب .وقال عطاء بن أبي رباح : اللمم عادة النفس الحين بعد الحين .

وقال سعيد بن المسيب : هو ما ألم على القلب ; أي خطر .

وقال محمد ابن الحنفية : كل ما هممت به من خير أو شر فهو لمم .

ودليل هذا التأويل قوله عليه الصلاة والسلام : إن للشيطان لمة وللملك لمة الحديث .

وقد مضى في " البقرة " عند قوله تعالى : الشيطان يعدكم الفقر .

وقال أبو إسحاق الزجاج : أصل اللمم والإلمام ما يعمله الإنسان المرة بعد المرة ولا يتعمق فيه ولا يقيم عليه ; يقال : ألممت به إذا زرته وانصرفت عنه ، ويقال : ما فعلته إلا لمما وإلماما ; أي : الحين بعد الحين .

وإنما زيارتك إلمام ، ومنه إلمام الخيال ; قال الأعشى :ألم خيال من قتيلة بعدما وهى حبلها من حبلنا فتصرما[ ص: 101 ] وقيل : إلا بمعنى الواو .

وأنكر هذا الفراء وقال : المعنى إلا المتقارب من صغار الذنوب .

وقيل : اللمم النظرة التي تكون فجأة .قلت : هذا فيه بعد إذ هو معفو عنه ابتداء غير مؤاخذ به ; لأنه يقع من غير قصد واختيار ، وقد مضى في " النور " بيانه .

واللمم أيضا طرف من الجنون ، ورجل ملموم أي به لمم .

ويقال أيضا : أصابت فلانا لمة من الجن وهي المس والشيء القليل ; قال الشاعر :فإذا وذلك يا كبيشة لم يكن إلا كلمة حالم بخيالالثالثة : قوله تعالى : إن ربك واسع المغفرة لمن تاب من ذنبه واستغفر ; قاله ابن عباس .

وقال أبو ميسرة عمرو بن شرحبيل وكان من أفاضل أصحاب ابن مسعود : رأيت في المنام كأني دخلت الجنة فإذا قباب مضروبة ، فقلت : لمن هذه ؟

فقالوا : لذي الكلاع وحوشب ، وكانا ممن قتل بعضهم بعضا ، فقلت : وكيف ذلك ؟

فقالوا : إنهما لقيا الله فوجداه واسع المغفرة .

فقال أبو خالد : بلغني أن ذا الكلاع أعتق اثني عشر ألف بنت .قوله تعالى : هو أعلم بكم من أنفسكم إذ أنشأكم من الأرض يعني أباكم آدم من الطين وخرج اللفظ على الجمع .

قال الترمذي أبو عبد الله : وليس هو كذلك عندنا ، بل وقع الإنشاء على التربة التي رفعت من الأرض ، وكنا جميعا في تلك التربة وفي تلك الطينة ، ثم خرجت من الطينة المياه إلى الأصلاب مع ذرو النفوس على اختلاف هيئتها ، ثم استخرجها من صلبها على اختلاف الهيئات ; منهم كالدر يتلألأ ، وبعضهم أنور من بعض ، وبعضهم أسود كالحممة ، وبعضهم أشد سوادا من بعض ; فكان الإنشاء واقعا علينا وعليه .حدثنا عيسى بن حماد العسقلاني قال : حدثنا بشر بن بكر ، قال : حدثنا الأوزاعي ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : عرض علي الأولون والآخرون بين يدي حجرتي هذه الليلة فقال قائل : يا رسول الله ، ومن مضى من الخلق ؟

قال : نعم ، عرض علي آدم فمن دونه فهل كان خلق أحد قالوا : ومن في أصلاب الرجال وبطون الأمهات ؟

قال : نعم ، مثلوا في الطين فعرفتهم كما علم آدم الأسماء كلها .[ ص: 102 ] قلت : - وقد تقدم في أول ( الأنعام ) - أن كل إنسان يخلق من طين البقعة التي يدفن فيها .وإذ أنتم أجنة جمع جنين وهو الولد ما دام في البطن ، سمي جنينا لاجتنانه واستتاره .

قال عمرو بن كلثوم :هجان اللون لم تقرأ جنيناوقال مكحول : كنا أجنة في بطون أمهاتنا فسقط منا من سقط وكنا فيمن بقي ، ثم صرنا رضعا فهلك منا من هلك وكنا فيمن بقي ، ثم صرنا يفعة فهلك منا من هلك ، وكنا فيمن بقي ثم صرنا شبابا فهلك منا من هلك وكنا فيمن بقي ، ثم صرنا شيوخا - لا أبا لك !

- فما بعد هذا ننتظر ؟

!

.وروى ابن لهيعة عن الحارث بن يزيد عن ثابت بن الحارث الأنصاري قال : كانت اليهود تقول إذا هلك لهم صبي صغير : هو صديق ; فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال : كذبت يهود ما من نسمة يخلقها الله في بطن أمه إلا أنه شقي أو سعيد فأنزل الله تعالى عند ذلك هذه الآية : هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض إلى آخرها .

ونحوه عن عائشة : كان اليهود ، بمثله .فلا تزكوا أنفسكم أي لا تمدحوها ولا تثنوا عليها ، فإنه أبعد من الرياء وأقرب إلى الخشوع .هو أعلم بمن اتقى أي أخلص العمل واتقى عقوبة الله ; عن الحسن وغيره .

قال الحسن : قد علم الله سبحانه كل نفس ما هي عاملة ، وما هي صانعة ، وإلى ما هي صائرة .

وقد مضى في ( النساء ) الكلام في معنى هذه الآية عند قوله تعالى : ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم فتأمله هناك .

وقال ابن عباس : ما من أحد من هذه الأمة أزكيه غير رسول الله صلى الله عليه وسلم .

والله تعالى أعلم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ } أي: يفعلون ما أمرهم الله به من الواجبات، التي يكون تركها من كبائر الذنوب، ويتركون المحرمات الكبار، كالزنا، وشرب الخمر، وأكل الربا، والقتل، ونحو ذلك من الذنوب العظيمة، { إِلَّا اللَّمَمَ } وهي الذنوب الصغار، التي لا يصر صاحبها عليها، أو التي يلم بها العبد، المرة بعد المرة، على وجه الندرة والقلة، فهذه ليس مجرد الإقدام عليها مخرجا للعبد من أن يكون من المحسنين، فإن هذه مع الإتيان بالواجبات وترك المحرمات، تدخل تحت مغفرة الله التي وسعت كل شيء، ولهذا قال: { إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ } فلولا مغفرته لهلكت البلاد والعباد، ولولا عفوه وحلمه لسقطت السماء على الأرض، ولما ترك على ظهرها من دابة.

ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: \"الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات لما بينهن، ما اجتنبت الكبائر\" [وقوله:] { هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ } أي: هو تعالى أعلم بأحوالكم كلها، وما جبلكم عليه، من الضعف والخور، عن كثير مما أمركم الله به، ومن كثرة الدواعي إلى بعض المحرمات، وكثرة الجواذب إليها، وعدم الموانع القوية، والضعف موجود مشاهد منكم حين أنشاكم الله من الأرض، وإذ كنتم في بطون أمهاتكم، ولم يزل موجودا فيكم، وإن كان الله تعالى قد أوجد فيكم قوة على ما أمركم به، ولكن الضعف لم يزل، فلعلمه تعالى بأحوالكم هذه، ناسبت الحكمة الإلهية والجود الرباني، أن يتغمدكم برحمته ومغفرته وعفوه، ويغمركم بإحسانه، ويزيل عنكم الجرائم والمآثم، خصوصا إذا كان العبد مقصوده مرضاة ربه في جميع الأوقات، وسعيه فيما يقرب إليه في أكثر الآنات، وفراره من الذنوب التي يتمقت بها عند مولاه، ثم تقع منه الفلتة بعد الفلتة، فإن الله تعالى أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين أرحم بعباده من الوالدة بولدها، فلا بد لمثل هذا أن يكون من مغفرة ربه قريبا وأن يكون الله له في جميع أحواله مجيبا، ولهذا قال تعالى: { فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ } أي: تخبرون الناس بطهارتها على وجه التمدح { هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى } [فإن التقوى، محلها القلب، والله هو المطلع عليه، المجازي على ما فيه من بر وتقوى، وأما الناس، فلا يغنون عنكم من الله شيئا].

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

ثم وصفهم فقال : ( الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم ) اختلفوا في معنى الآية ، فقال قوم : هذا استثناء صحيح ، واللمم من الكبائر والفواحش ، ومعنى الآية : إلا أن يلم بالفاحشة مرة ثم يتوب ، ويقع الوقعة ثم ينتهي وهو قول أبي هريرة [ ومجاهد ، والحسن ] ، ورواية عطاء عن ابن عباس .

قال عبد الله بن عمرو بن العاص : اللمم ما دون الشرك .

وقال السدي قال أبو صالح : سئلت عن قول الله تعالى : " إلا اللمم " ، فقلت : هو الرجل يلم بالذنب ثم لا يعاوده ، فذكرت ذلك لابن عباس فقال : لقد أعانك عليها ملك كريم .

وروينا عن عطاء عن ابن عباس في قوله : " إلا اللمم " ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إن تغفر اللهم تغفر جما وأي عبد لك لا ألما " .

وأصل " اللمم والإلمام " : ما يعمله الإنسان الحين بعد الحين ، ولا يكون إعادة ، ولا إقامة .

وقال آخرون : هذا استثناء منقطع ، مجازه : لكن اللمم ، ولم يجعلوا اللمم من الكبائر والفواحش ، ثم اختلفوا في معناه ، فقال بعضهم : هو ما سلف في الجاهلية فلا يؤاخذهم الله به ، وذلك أن المشركين قالوا للمسلمين : إنهم كانوا بالأمس يعملون معنا ؟

فأنزل الله هذه الآية .

وهذا قول زيد بن ثابت ، وزيد بن أسلم .

وقال بعضهم : هو صغار الذنوب كالنظرة والغمزة والقبلة وما كان دون الزنا ، وهو قول ابن مسعود ، وأبي هريرة ، ومسروق ، والشعبي ، ورواية طاوس عن ابن عباس .

أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أخبرنا محمد بن يوسف ، أخبرنا محمد بن إسماعيل ، أخبرنا محمود بن غيلان ، أخبرنا عبد الرزاق ، أخبرنا معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس قال : ما رأيت أشبه باللمم مما قاله أبو هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : " إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا أدرك ذلك لا محالة ، فزنا العين النظر ، وزنا اللسان النطق ، والنفس تتمنى وتشتهي ، والفرج يصدق ذلك ويكذبه " .

ورواه سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وزاد : " العينان زناهما النظر ، والأذنان زناهما الاستماع ، واللسان زناه الكلام ، واليد [ زناها ] البطش ، والرجل زناها الخطى " .

وقال الكلبي : " اللمم " على وجهين : كل ذنب لم يذكر الله عليه حدا في الدنيا ولا عذابا في الآخرة ، فذلك الذي تكفره الصلوات ما لم يبلغ الكبائر والفواحش ، والوجه الآخر هو الذنب العظيم يلم به المسلم المرة بعد المرة فيتوب منه .

وقال سعيد بن المسيب : هو ما لم على القلب أي خطر .

وقال الحسين بن الفضل : " اللمم " النظرة من غير تعمد ، فهو مغفور ، فإن أعاد النظرة فليس بلمم وهو ذنب .

( إن ربك واسع المغفرة ) قال ابن عباس : لمن فعل ذلك وتاب ، تم الكلام هاهنا ، ثم قال : ( هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض ) أي خلق أباكم آدم من التراب ( وإذ أنتم أجنة ) جمع جنين ، سمي جنينا لاجتنانه في البطن ( في بطون أمهاتكم فلا تزكوا أنفسكم ) قال ابن عباس : لا تمدحوها .

قال الحسن : علم الله من كل نفس ما هي صانعة وإلى ما هي صائرة ، فلا تزكوا أنفسكم ، لا تبرءوها عن الآثام ، ولا تمدحوها بحسن أعمالها .

قال الكلبي ومقاتل : كان الناس يعملون أعمالا حسنة ثم يقولون : صلاتنا وصيامنا وحجنا ، فأنزل الله تعالى هذه الآية ( هو أعلم بمن اتقى ) أي : بر وأطاع وأخلص العمل لله تعالى .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا الَّلمَمَ» هو صغار الذنوب كالنظرة والقبلة واللمسة فهو استثناء منقطع والمعنى لكن اللمم يغفر باجتناب الكبائر «إن ربك واسع المغفرة» بذلك وبقبول التوبة، ونزل فيمن كان يقول: صلاتنا صيامنا حجنا: «هو أعلم» أي عالم «بكم إذ أنشأكم من الأرض» أي خلق آباكم آدم من التراب «وإذ أنتم أجنة» جمع جنين «في بطون أمهاتكم فلا تزكوا أنفسكم» لا تمدحوها على سبيل الإعجاب أما على سبيل الاعتراف بالنعمة فحسن «هو أعلم» أي عالم «بمن اتقى».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

والله سبحانه وتعالى ملك ما في السموات وما في الأرض؛ ليجزي الذين أساءوا بعقابهم على ما عملوا من السوء، ويجزي الذي أحسنوا بالجنة، وهم الذين يبتعدون عن كبائر الذنوب والفواحش إلا اللمم، وهي الذنوب الصغار التي لا يُصِرُّ صاحبها عليها، أو يلمُّ بها العبد على وجه الندرة، فإن هذه مع الإتيان بالواجبات وترك المحرمات، يغفرها الله لهم ويسترها عليهم، إن ربك واسع المغفرة، هو أعلم بأحوالكم حين خلق أباكم آدم من تراب، وحين أنتم أجنَّة في بطون أمهاتكم، فلا تزكُّوا أنفسكم فتمدحوها وتَصِفُوها بالتقوى، هو أعلم بمن اتقى عقابه فاجتنب معاصيه من عباده.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقوله : ( الذين يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإثم والفواحش إِلاَّ اللمم .

.

) صفة لقوله : ( الذين أَحْسَنُواْ ) أو بدل منه .والمراد بكبائر الإثم : الآثام الكبيرة ، والجرائم الشديدة ، التى يعظم العقاب عليها .

كقتل النفس بغير حق ، وأكل أموال الناس بالباطل .والفواحش : جمع فاحشة ، وهى ما قبح من الأقوال والأفعال كالزنا ، وشرب الخمر .

.وعطفها على كبائر الإثم من باب عطف الخاص على العام ، لأنها أخص من الكبائر ، وأشد إثما .واللم : ما صغر من الذنوب ، وأصله : ما قل قدره من كل شىء : يقال : ألم فلان بالمكان ، إذا قل مكثه فيه .

وألم بالطعام : إذا قل أكله منه .

.

.

وقيل : اللمم ، مقاربة الذنب دون الوقوع فيه ، من قولهم : ألم فلان بالشىء ، إذا قاربه ولم يخالطه .وجمهور العلماء على أن الاستثناء هنا منقطع ، وأن اللمم هو الذنوب الصغيرة ، كالنظرة الخائنة ولكن بدون مداومة ، والإكثار من الممازحة .قال الإمام ابن كثير ما ملخصه : " واللمم " : صغائر الذنوب ، ومحقرات الأعمال ، وهذا استثناء منقطع .قال الإمام أحمد : عن ابن عباس - رضى الله عنهما - قال : ما رأيت شيئا أشبه باللمم ، مما قال أبو هريرة ، عن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال : " إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا ، أدرك ذلك لا محالة ، فزنا العين النظر ، وزنا اللسان النطق ، والنفس تتمنى وتشتهى ، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه " .وعن مجاهد أنه قال فى هذه الآية ( إِلاَّ اللمم ) الذى يلم بالذنب ثم يدعه ، كما قال الشاعر :إن تغفر اللهم تغفر جما ...

وأى عبد لك ما ألماومن العلماء من يرى أن الاستثناء هنا متصل ، وأن المراد باللمم ارتكاب شىء من الفواحش ، ثم التوبة منها توبة صادقة نصوحا .

.فعن الحسن أنه قال : اللمم من الزنا أو السرقة أو شرب الخمر ، ثم لا يعود ..

.ويبدو لنا أن الرأى الأول أقرب إلى الصواب ، لأن العلماء قسموا الذنوب إلى كبائر وصغائر ، وأن اللمم من النوع الثانى الذى لا يدخل تحت كبائر الإثم والفواحش .قال صاحب الكشاف : واللمم : ما قل وصغر .

.

.

والمراد به الصغائر من الذنوب ، ولا يخلو قوله - تعالى - ( إِلاَّ اللمم ) فتح الباب لارتكاب صغائر الذنوب ، وإنما المقصود فتح باب التوبة ، والحض على المبادرة بها ، حتى لا ييأس مرتكب الصغائر من رحمة الله - تعالى - وحتى لا يمضى قدما في ارتكاب هذه الصغائر ، إذ من المعروف أن ارتكاب الصغائر ، قد يجر إلى ارتكاب الكبائر .كذلك من المقصود بهذا الاستثناء أن لا يعامل مرتكب الصغائر ، معاملة مرتكب الكبائر .هذا ، وقد أفاض الإمام الألوسى فى الحديث عن الكبائر والصغائر ، فقال : والاية عند الأكثرين دليل على أن المعاصى منها الكبائر ، ومنها الصغائر .

.

.وأنكر جماعة من الأئمة هذا الانقسام ، وقالوا : سائر المعاصى كبائر .ثم قال : واختلف القائلون بالفرق بين الكبائر والصغائر فى حد الكبيرة فقيل : هى كل ما لحق صاحبها عليها بخصوصها وعيد شديد ، بنص كتاب أو سنة .

.

.وقيل : كل جرمة تؤذن بقلة اكتراث مرتكبها بالدين ، ورقة الديانة .واعتمد الواحدى أنه لا حد لها يحصرها ويعرفها العباد به ، وقد أخفى الله - تعالى - أمرها ليجتهدوا فى اجتناب المنهى عنه ، رجاء أن تجتنب الكبائر .

.وقوله - سبحانه - : ( إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ المغفرة .

.

) تعليل لاستثناء اللمم ، وتنبيه على أن إخراجه عن حكم المؤاخذة ، ليس لخلوه عن الذنب فى ذاته ، بل لسعة رحمة الله ومغفرته .أى : إن ربك - أيها الرسول الكريم - واسع المغفرة والرحمة ، لعباده الذين وقعوا فيما نهاهم عنه - سبحانه - ثم تابوا إليه توبة صادقة نصوحا .ثم بين - سبحانه - أن هذه الرحمة الواسعة ، صادرة عن علم شامل للظواهر والبواطن ، فقال : ( هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُمْ مِّنَ الأرض وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ .

.

) .والظرف " إذ " متعلق بقوله ( أَعْلَمُ ) والأجنة : جمع جنين ، ويطلق على ما يكون بداخل الأرحام قبل خروجه منها .وسمى بذلك ، لأنه يكون مستترا فى داخل الرحم ، كما قال - تعالى - : ( يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقاً مِّن بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاَثٍ .

.

.

) أى : هو - سبحانه - أعلم بكم من وقت إنشائه إياكم من الأرض ، ضمن خلقه لأبيكم آدم ، ومن وقت أن كنتم أجنة فى بطون أمهاتكم ، يعلم أطواركم فيها ، ويرعاكم برحمته ، إلى أن تنفصلوا عنها .وقال - سبحانه - ( فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ ) مع أن الجنين لا يكون إلى فى بطن أمه ، للتذكير برعايته - تعالى - لهم ، وهم فى تلك الأطوار المختلفة من وقت العلوق إلى حين الولادة ، وللحض على مداومة شكره وطاعته .وقوله - تعالى - : ( فَلاَ تزكوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتقى ) تحذير من التفاخر بالأعمال والأحساب والأنساب ، لأنه - سبحانه - لا يخفى عليه شىء من أحوال الناس ، والفاء للتفريع على ما تقدم .

أى : إذا كان الأمر كما ذكرت لكم من عدم مؤاخذتى إياكم على اللمم ، فإن ذلك بسبب سعة رحمتى ، فلا تمدحوا أنفسكم بأنكم فعلتم كذا وكذا من الأفعال الحسنة ، بل اشكرونى على سعة رحمتى ومغفرتى ، فإنى أنا العليم بسائر أحوالكم ، الخبير بالظواهر والبواطن للأتقياء والأشقياء .قالوا : والآية نزلت فى قوم من المؤمنين ، كانوا يعملون أعمالا حسنة ، ثم يتفاخرون بها .قال صاحب الكشاف : قوله : ( فَلاَ تزكوا أَنفُسَكُمْ .

.

) أى فلا تنسبوها إلى زكاء العمل ، وزيادة الخير .

وعمل الطاعات ، أو إلى الزكاء والطهارة من المعاصى ، ولا تثنوا عليها واهضموها فقد علم الله الزكى منكم والتقى أولا وآخرا ، قبل أن يخرجكم من صلب آدم ، وقبل أن تخرجوا من بطون أمهاتكم .وهذا إذا كان على سبيل الإعجاب أو الرياء ، فأما من اعتقد أن ما عمله من العمل الصالح ، من الله وبتوفيقه وتأييده .

ولم يقصد به التمدح ، لم يكن من المزكين لأنفسهم ، لأن المسرة بالطاعة طاعة ، وذكرها شكر لله - تعالى - .وقال الآلوسى : والمراد النهى عن تزكية السمعة أو المدح للدنيا ، أو التزكية على سبيل القطع ، وأما التزكية لإثبات الحقوق ونحوه - كالإخبار عن أحوال الناس بما يعلم منهم وجربوا فيه من ثقة وعدالة فهى جائزة .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

ثم قال تعالى: ﴿ الذين يَجْتَنِبُونَ كبائر الإثم والفواحش إِلاَّ اللمم ﴾ (الذين) يحتمل أن يكون بدلاً عن الذين أحسنوا وهو الظاهر، وكأنه تعالى قال ليجزي الذين أساءوا ويجزي الذين أحسنوا، ويتبين به أن المحسن ليس ينفع الله بإحسانه شيئاً وهو الذي لا يسيء ولا يرتكب القبيح الذي هو سيئة في نفسه عند ربه فالذين أحسنوا هم الذين اجتنبوا ولهم الحسنى، وبهذا يتبين المسيء والمحسن لأن من لا يجتنب كبائر الإثم يكون مسيئاً والذي يجتنبها يكون محسناً، وعلى هذا ففيه لطيفة وهو أن المحسن لما كان هو من يجتنب الآثام فالذي يأتي بالنوافل يكون فوق المحسن، لكن الله تعالى وعد المحسن بالزيادة فالذي فوقه يكون له زيادات فوقها وهم الذين لهم جزاء الضعف، ويحتمل أن يكون ابتداء كلام تقديره الذين يجتنبون كبائر الإثم يغفر الله لهم والذي يدل عليه قوله تعالى: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ واسع المغفرة ﴾ وعلى هذا تكون هذه الآية مع ما قبلها مبينة لحال المسيء والمحسن وحال من لم يحسن ولم يسيء وهم الذين لم يرتكبوا سيئة وإن لم تصدر منهم الحسنات، وهم كالصبيان الذين لم يوجد فيهم شرائط التكليف ولهم الغفران وهو دون الحسنى، ويظهر هذا بقوله تعالى بعده: ﴿ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُمْ مّنَ الأرض وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ ﴾ أي يعلم الحالة التي لا إحسان فيها ولا إساءة، كما علم من أساء وضل ومن أحسن واهتدى، وفيه مسائل: المسألة الأولى: إذا كان بدلاً عن الذين أحسنوا فلم خالف ما بعده بالمضي والاستقبال حيث قال تعالى: ﴿ الذين أَحْسَنُواْ  ﴾ وقال: ﴿ الذين يَجْتَنِبُونَ ﴾ ولم يقل اجتنبوا؟

نقول: هو كما يقول القائل الذين سألوني أعطيتهم، الذين يترددون إلى سائلين أي الذين عادتهم التردد والسؤال سألوني وأعطيتهم فكذلك هاهنا قال: ﴿ الذين يَجْتَنِبُونَ ﴾ أي الذين عادتهم ودأبهم الاجتناب لا الذين اجتنبوا مرة وقدموا عليها أخرى، فإن قيل: في كثير من المواضع قال في الكبائر ﴿ والذين يَجْتَنِبُونَ كبائر الإثم والفواحش وَإِذَا مَا غَضِبُواْ هُمْ يَغْفِرُونَ  ﴾ وقال في عباد الطاغوت: ﴿ والذين اجتنبوا الطاغوت أَن يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُواْ إِلَى الله  ﴾ فما الفرق؟

نقول: عبادة الطاغوت راجعة إلى الاعتقاد والاعتقاد إذا وجد دام ظاهراً فمن اجتنبها اعتقد بطلانها فيستمر، وأما مثل الشرب والزنا أمر يختلف أحوال الناس فيه فيتركه زماناً ويعود إليه ولهذا يستبرأ الفاسق إذا تاب ولا يستبرأ الكافر إذا أسلم، فقال في الآثام: ﴿ الذين يَجْتَنِبُونَ ﴾ دائماً، ويثابرون على الترك أبداً، وفي عبادة الأصنام: ﴿ اجتنبوا ﴾ بصيغة الماضي ليكون أدل على الحصول، ولأن كبائر الإثم لها عدد أنواع فينبغي أن يجتنب عن نوع ويجتنب عن آخر ويجتنب عن ثالث ففيه تكرر وتجدد فاستعمل فيه صيغة الاستقبال، وعبادة الصنم أمر واحد متحد، فترك فيه ذلك الاستعمال وأتى بصيغة الماضي الدالة على وقوع الاجتناب لها دفعة.

المسألة الثانية: الكبائر جمع كبيرة وهي صفة فما الموصوف؟

نقول: هي صفة الفعلة كأنه يقول: الفعلات الكبائر من الإثم، فإن قيل: فما بال اختصاص الكبيرة بالذنوب في الاستعمال، ولو قال قائل: الفعلة الكبيرة الحسنة لا يمنعه مانع؟

نقول: الحسنة لا تكون كبيرة لأنها إذا قوبلت بما يجب أن يوجد من العبد في مقابلة نعم الله تعالى تكون في غاية الصغر، ولولا أن الله يقبلها لكانت هباء لكن السيئة من العبد الذي أنعم الله عليه بأنواع النعم كبيرة، ولولا فضل الله لكان الاشتغال بالأكل والشرب والإعراض عن عبادته سيئة، ولكن الله غفر بعض السيئات وخفف بعضها.

المسألة الثالثة: إذا ذكر الكبائر فما الفواحش بعدها؟

نقول: الكبائر إشارة إلى ما فيها من مقدار السيئة، والفواحش إشارة إلى ما فيها من وصف القبح كأنه قال: عظيمة المقادير قبيحة الصور، والفاحش في اللغة مختص بالقبيح الخارج قبحه عن حد الخفاء وتركيب الحروف في التقاليب يدل عليه فإنك إذا قلبتها وقلت: حشف كان فيه معنى الرداءة الخارجة عن الحد، ويقال: فشحت الناقة إذا وقفت على هيئة مخصوصة للبول فالفحش يلازمه القبح، ولهذا لم يقل: الفواحش من الإثم وقال في الكبائر: ﴿ كبائر الإثم ﴾ لأن الكبائر إن لم يميزها بالإضافة إلى الإثم لما حصل المقصود بخلاف الفواحش.

المسألة الرابعة: كثرت الأقاويل في الكبائر والفواحش، فقيل: الكبائر ما أوعد الله عليه بالنار صريحاً وظاهراً، والفواحش ما أوجب عليه حداً في الدنيا، وقيل: الكبائر ما يكفر مستحله، وقيل: الكبائر مالا يغفر الله لفاعله إلا بعد التوبة وهو على مذهب المعتزلة، وكل هذه التعريفات تعريف الشيء بما هو مثله في الخفاء أو فوقه، وقد ذكرنا أن الكبائر هي التي مقدارها عظيم، والفواحش هي التي قبحها واضح فالكبيرة صفة عائدة إلى المقدار، والفاحشة صفة عائدة إلى الكيفية، كما يقال مثلاً: في الأبرص علته بياض لطخة كبيرة ظاهرة اللون فالكبيرة لبيان الكمية والظهور لبيان الكيفية وعلى هذا فنقول على ما قلنا: إن الأصل في كل معصية أن تكون كبيرة، لأن نعم الله كثيرة ومخالفة المنعم سيئة عظيمة، غير أن الله تعالى حط عن عباده الخطأ والنسيان لأنهما لا يدلان على ترك التعظيم، إما لعمومه في العباد أو لكثرة وجوده منهم كالكذبة والغيبة مرة أو مرتين والنظرة والقبائح التي فيها شبهة، فإن المجتنب عنها قليل في جميع الأعصار، ولهذا قال أصحابنا: إن استماع الغناء الذي مع الأوتار يفسق به، وإن استمعه من أهل بلدة لا يعتدون أمر ذلك لا يفسق فعادت الصغيرة إلى ما ذكرنا من أن العقلاء إن لم يعدوه تاركاً للتعظيم لا يكون مرتكباً للكبيرة، وعلى هذا تختلف الأمور باختلاف الأوقات والأشخاص فالعالم المتقي إذا كان يتبع النساء أو يكثر من اللعب يكون مرتكباً للكبيرة، والدلال والباعة والمتفرغ الذي لا شغل له لا يكون كذلك، وكذلك اللعب وقت الصلاة، واللعب في غير ذلك الوقت، وعلى هذا كل ذنب كبيرة إلا ما علم المكلف أو ظن خروجه بفضل الله وعفوه عن الكبائر.

المسألة الخامسة: في اللمم وفيه أقوال: أحدها: ما يقصده المؤمن ولا يحققه وهو على هذا القول من لم يلم إذا جمع فكأنه جمع عزمه وأجمع عليه.

وثانيها: ما يأتي به المؤمن ويندم في الحال وهو من اللمم الذي هو مس من الجنون كأنه مسه وفارقه ويؤيد هذا قوله تعالى: ﴿ والذين إِذَا فَعَلُواْ فاحشة أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ الله فاستغفروا لِذُنُوبِهِمْ  ﴾ ثالثها: اللمم الصغير من الذنب من ألم إذا نزل نزولاً من غير لبث طويل، ويقال: ألم بالطعام إذا قلل من أكله، وعلى هذا فقوله: ﴿ إِلاَّ اللمم ﴾ يحتمل وجوهاً: أحدها: أن يكون ذلك استثناء من الفواحش وحينئذ فيه وجهان: أحدهما: استثناء منقطع لأن اللمم ليس من الفواحش وثانيهما: غير منقطع لما بينا أن كل معصية إذا نظرت إلى جانب الله تعالى وما يجب أن يكون عليه فهي كبيرة وفاحشة، ولهذا قال الله تعالى: ﴿ وَإِذَا فَعَلُواْ فاحشة  ﴾ غير أن الله تعالى استثنى منها أموراً يقال: الفواحش كل معصية إلا ما استثناه الله تعالى منها ووعدنا بالعفو عنه ثانيها: ﴿ إِلا ﴾ بمعنى غير وتقديره والفواحش غير اللمم وهذا للوصف إن كان للتمييز كما يقال: الرجال غير أولي الإربة فاللمم عين الفاحشة، وإن كان لغيره كما يقال الرجال غير النساء جاؤوني لتأكيد وبيان فلا.

وثالثها: هو استثناء من الفعل الذي يدل عليه قوله تعالى: ﴿ الذين يَجْتَنِبُونَ ﴾ لأن ذلك يدل على أنهم لا يقربونه فكأنه قال: لا يقربونه إلا مقاربة من غير مواقعة وهو اللمم.

ثم قال تعالى: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ واسع المغفرة ﴾ وذلك على قولنا: ﴿ الذين يَجْتَنِبُونَ ﴾ ابتداء الكلام في غاية الظهور، لأن المحسن مجزى وذنبه مغفور، ومجتنب الكبائر كذلك ذنبه الصغير مغفور، والمقدم على الكبائر إذا تاب مغفور الذنب، فلم يبق ممن لم تصل إليهم مغفرة إلا الذين أساؤا وأصروا عليها، فالمغفرة واسعة وفيه معنى آخر لطيف، وهو أنه تعالى لما أخرج المسيء عن المغفرة بين أن ذلك ليس لضيق فيها، بل ذلك بمشيئة الله تعالى، ولو أراد الله مغفرة كل من أحسن وأساء لفعل، وما كان يضيق عنهم مغفرته، والمغفرة من الستر، وهو لا يكون إلا على قبيح، وكل من خلقه الله إذا نظرت في فعله، ونسبته إلى نعم الله تجده مقصراً مسيئاً، فإن من جازى المنعم بنعم لا تحصى مع استغنائه الظاهر، وعظمته الواضحة بدرهم أو أقل منه يحتاج إلى ستر ما فعله.

ثم قال تعالى: ﴿ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُمْ مّنَ الأَرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلاَ تُزَكُّواْ أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَقَى ﴾ وفي المناسبة وجوه: أحدها: هو تقرير لما مر من قوله: ﴿ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ  ﴾ كأن العامل من الكفار يقول: نحن نعمل أموراً في جوف الليل المظلم، وفي البيت الخالي فكيف يعلمه الله تعالى؟

فقال: ليس عملكم أخفى من أحوالكم وأنتم أجنة في بطون أمهاتكم، والله عالم بتلك الأحوال ثانيها: هو إشارة إلى الضال والمهتدي حصلا على ما هما عليه بتقدير الله، فإن الحق علم أحوالهم وهم في بطون الأمهات، فكتب على البعض أنه ضال، والبعض أنه مهتد ثالثها: تأكيد وبيان للجزاء، وذلك لأنه لما قال: ﴿ لِيَجْزِىَ الذين أَسَاءواْ بِمَا عَمِلُواْ  ﴾ قال الكافرون: هذا الجزاء لا يتحقق إلا بالحشر، وجمع الأجزاء بعد تفرقها وإعادة ما كان لزيد من الأجزاء في بدنه من غير اختلاط غير ممكن، فقال تعالى: ﴿ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُمْ ﴾ فيجمعها بقدرته على وفق علمه كماأنشأكم، وفيه مسائل: المسألة الأولى: العامل في: ﴿ إِذْ ﴾ يحتمل أن يكون ما يدل عليه: ﴿ أَعْلَمُ ﴾ أي علمكم وقت الإنشاء، ويحتمل أن يكون اذكروا فيكون تقريراً لكونه عالماً ويكون تقديره: ﴿ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ ﴾ وقد تم الكلام، ثم يقول: إن كنتم في شك من علمه بكم فاذكروا حال إنشائكم من التراب.

المسألة الثانية: ذكرنا مراراً أن قوله: ﴿ مّنَ الأرض ﴾ من الناس من قال آدم فإنه من تراب، وقررنا أن كل أحد أصله من التراب، فإنه يصير غذاء، ثم يصير نطفة.

المسألة الثالثة: لو قال قائل: لابد من صرف ﴿ إِذْ أَنشَأَكُمْ مّنَ الأرض ﴾ إلى آدم، لأن ﴿ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أمهاتكم ﴾ عائد إلى غيره، فإنه لم يكن جنيناً، ولو قلت بأن قوله تعالى: ﴿ إِذْ أَنشَأَكُمْ ﴾ عائد إلى جميع الناس، فينبغي أن يكون جميع الناس أجنة في بطون الأمهات، وهو قول الفلاسفة؟

نقول ليس كذلك، لأنا نقول: الخطاب مع الموجودين حالة الخطاب، وقوله تعالى: ﴿ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ ﴾ خطاب مع كل من بعد الإنزال على قول، ومع من حضر وقت الإنزال على قول، ولا شك أن كل هؤلاء من الأرض وهم كانوا أجنة.

المسألة الرابعة: الأجنة هم الذين في بطون الأمهات، وبعد الخروج لا يسمى إلا ولداً أو سقطاً، فما فائدة قوله تعالى: ﴿ فِى بُطُونِ أمهاتكم ﴾ ؟

نقول: التنبيه على كمال العلم والقدرة، فإن بطن الأم في غاية الظلمة، ومن علم بحال الجنين فيها لا يخفى عليه ما ظهر من حال العباد.

المسألة الخامسة: لقائل أن يقول: إذا قلنا إن قوله: ﴿ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ ﴾ تقرير لكونه عالماً بمن ضل، فقوله تعالى: ﴿ فَلاَ تُزَكُّواْ أَنفُسَكُمْ ﴾ تعلقه به ظاهر، وأما إن قلنا إنه تأكيد وبيان للجزاء، فإنه يعلم الأجزاء فيعيدها إلى أبدان أشخاصها، فكيف يتعلق به ﴿ فَلاَ تُزَكُّواْ أَنفُسَكُمْ ﴾ ؟

نقول: معناه حينئذ فلا تبرئوا أنفسكم من العذاب، ولا تقولوا تفرقت الأجزاء فلا يقع العذاب، لأن العالم بكم عند الإنشاء عالم بكم عند الإعادة، وعلى هذا قوله: ﴿ أَعْلَمُ بِمَنِ اتقى ﴾ أي يعلم أجزاءه فيعيدها إليه، ويثيبه بما أقدم عليه.

المسألة السادسة: الخطاب مع من؟

فيه ثلاثة احتمالات الأول: مع الكفار، وهذا على قولنا إنهم قالوا كيف يعلمه الله، فرد عليهم قولهم الثاني كل من كان زمان الخطاب وبعده من المؤمنين والكفار الثالث هو مع المؤمنين، وتقريره: هو أن الله تعالى لما قال: ﴿ فَأَعْرِضْ عَن مَّن تولى عَن ذِكْرِنَا  ﴾ قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: قد علم كونك ومن معك على الحق، وكون المشركين على الباطل، فأعرض عنهم ولا تقولوا: نحن على الحق وأنتم على الضلال، لأنهم يقابلونكم بمثل ذلك، وفوض الأمر إلى الله تعالى، فهو أعلم بمن اتقى ومن طغى، وعلى هذا فقول من قال: ﴿ فَأَعْرَضَ ﴾ منسوخ أظهر، وهو كقوله تعالى: ﴿ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لعلى هُدِىَ أَوْ فِي ضلال مُّبِينٍ  ﴾ والله أعلم بجملة الأمور، ويحتمل أن يقال: على هذا الوجه الثالث إنه إرشاد للمؤمنين، فخاطبهم الله وقال: هو أعلم بكم أيها المؤمنون، علم ما لكم من أول خلقكم إلى آخر يومكم، فلا تزكوا أنفسكم رياء وخيلاء، ولا تقولوا لآخر أنا خير منك وأنا أزكى منك وأتقى، فإن الأمر عند الله، ووجه آخر وهو إشارة إلى وجوب الخوف من العاقبة، أي لا تقطعوا بخلاصكم أيها المؤمنون، فإن الله يعلم عاقبة من يكون على التقي، وهذا يؤيد قول من يقول: أنا مؤمن إن شاء الله للصرف إلى العاقبة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

قرئ: ﴿ ليجزي ﴾ ويجزى، بالياء والنون فيهما.

ومعناه: أنّ الله عز وجل إنما خلق العالم وسوّى هذه الملكوت لهذا الغرض: وهو أن يجازي المحسن من الملكفين والمسيء منهم.

ويجوز أن يتعلق بقوله: ﴿ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهتدى ﴾ لأن نتيجة العلم بالضال والمهتدي جزاؤهما ﴿ بِمَا عَمِلُواْ ﴾ بعقاب ما عملوا من السوء.

و ﴿ بالحسنى ﴾ بالمثوبة الحسنى وهي الجنة.

أو بسبب ما عملوا من السوء وبسبب الأعمال الحسنى ﴿ كبائر الإثم ﴾ أي الكبائر من الإثم؛ لأن الإثم جنس يشتمل على كبائر وصغائر، والكبائر: الذنوب التي لا يسقط عقابها إلا بالتوبة.

وقيل: التي يكبر عقابها بالإضافة إلى ثواب صاحبها ﴿ والفواحش ﴾ مافحش من الكبائر، كأنه قال: والفواحش منها خاصة: وقرئ: ﴿ كبير الإثم ﴾ أي: النوع الكبير منه وقيل: هو الشرك بالله.

واللمم: ما قل وصغر.

ومنه: اللمم المس من الجنون، واللوثة منه.

وألمّ بالمكان إذا قل فيه لبثه.

وألمّ بالطعام: قل منه أكله: ومنه: لِقَاءُ أَخِلاَّءِ الصَّفَاِ لِمَامُ والمراد الصغائر من الذنوب، ولا يخلو قوله تعالى: ﴿ إِلاَّ اللمم ﴾ من أن يكون استثناء منقطعاً أو صفة، كقوله تعالى: ﴿ لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ الله ﴾ [الأنبياء: 22] كأنه قيل: كبائر الإثم غير اللمم، وآلهة غير الله: وعن أبي سعيد الخدري: اللمم هي النظرة، والغمزة، والقبلة، وعند السدّي: الخطرة من الذنب، وعن الكلبي: كل ذنب لم يذكر الله عليه حدّاً ولا عذاباً، وعن عطاء: عادة النفس الحين بعد الحين ﴿ إِنَّ رَبَّكَ واسع المغفرة ﴾ حيث يكفر الصغائر باجتناب الكبائر، والكبائر بالتوبة ﴿ فَلاَ تُزَكُّواْ أَنفُسَكُمْ ﴾ فلا تنسبوها إلى زكاء العمل وزيادة الخير وعمل الطاعات: أو إلى الزكاء والطهارة من المعاصي، ولا تثنوا عليها واهضموها، فقد علم الله الزكي منكم والتقي أوّلاً وآخراً قبل أن يخرجكم من صلب آدم، وقبل أن تخرجوا من بطون أمهاتكم.

وقيل: كان ناس يعملون أعمالاً حسنة ثم يقولون: صلاتنا وصيامنا وحجنا، فنزلت: وهذا إذا كان على سبيل الإعجاب أو الرياء: فأما من اعتقد أن ما عمله من العمل الصالح من الله وبتوفيقه وتأييده ولم يقصد به التمدح: لم يكن من المزكين أنفسهم، لأن المسرة بالطاعة طاعة، وذكرها شكر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَلِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ ﴾ خَلْقًا ومُلْكًا.

﴿ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أساءُوا بِما عَمِلُوا ﴾ بِعِقابِ ما عَمِلُوا مِنَ السُّوءِ أوْ بِمِثْلِهِ أوْ بِسَبَبِ ما عَمِلُوا مِنَ السُّوءِ، وهو عِلَّةٌ لِما دَلَّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ أيْ خَلَقَ العالَمَ وسَوّاهُ لِلْجَزاءِ، أوْ مَيَّزَ الضّالَّ عَنِ المُهْتَدِي وحَفِظَ أحْوالَهم لِذَلِكَ ﴿ وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أحْسَنُوا بِالحُسْنى ﴾ بِالمَثُوبَةِ الحُسْنى وهي الجَنَّةُ، أوْ بِأحْسَنَ مِن أعْمالِهِمْ أوْ بِسَبَبِ الأعْمالِ الحُسْنى.

﴿ الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الإثْمِ ﴾ ما يَكْبُرُ عِقابُهُ مِنَ الذُّنُوبِ وهو ما رَتَّبَ عَلَيْهِ الوَعِيدَ بِخُصُوصِهِ.

وقِيلَ: ما أوْجَبَ الحَدَّ.

وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ كَبِيرَ الإثْمِ عَلى إرادَةِ الجِنْسِ أوِ الشِّرْكِ.

﴿ والفَواحِشَ ﴾ وما فَحُشَ مِنَ الكَبائِرِ خُصُوصًا.

﴿ إلا اللَّمَمَ ﴾ إلّا ما قَلَّ وصَغُرَ فَإنَّهُ مَغْفُورٌ مِن مُجْتَنِبِي الكَبائِرِ، والِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ ومَحَلُّ الَّذِينَ النَّصْبُ عَلى الصِّفَةِ أوِ المَدْحِ أوِ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ مَحْذُوفٌ.

﴿ إنَّ رَبَّكَ واسِعُ المَغْفِرَةِ ﴾ حَيْثُ يَغْفِرُ الصَّغائِرَ بِاجْتِنابِ الكَبائِرِ، أوْ لَهُ أنْ يَغْفِرَ ما شاءَ مِنَ الذُّنُوبِ صَغِيرِها وكَبِيرِها، ولَعَلَّهُ عَقَّبَ بِهِ وعِيدَ المُسِيئِينَ ووَعْدَ المُحْسِنِينَ لِئَلّا يَيْأسَ صاحِبُ الكَبِيرَةِ مِن رَحْمَتِهِ ولا يَتَوَهَّمَ وُجُوبَ العِقابِ عَلى اللَّهِ تَعالى.

﴿ هُوَ أعْلَمُ بِكُمْ ﴾ أعْلَمُ بِأحْوالِكم مِنكم.

﴿ إذْ أنْشَأكم مِنَ الأرْضِ وإذْ أنْتُمْ أجِنَّةٌ في بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ ﴾ عَلِمَ أحْوالَكم ومَصارِفَ أُمُورِكم حِينَ ابْتَدَأ خَلْقَكم مِنَ التُّرابِ بِخَلْقِ آدَمَ وحِينَما صَوَّرَكم في الأرْحامِ.

﴿ فَلا تُزَكُّوا أنْفُسَكُمْ ﴾ فَلا تُثْنُوا عَلَيْها بِزُكاءِ العَمَلِ وزِيادَةِ الخَيْرِ، أوْ بِالطَّهارَةِ عَنِ المَعاصِي والرَّذائِلِ.

﴿ هُوَ أعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى ﴾ فَإنَّهُ يَعْلَمُ التَّقِيَّ وغَيْرَهُ مِنكم قَبْلَ أنْ يُخْرِجَكم مِن صُلْبِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{الذين} بدل اوفى موضع رفع على المدح أي هم الذين {يَجْتَنِبُونَ كبائر الإثم} أي الكبائر من الإثم لان الاثم جنس يشتمل على كبائرر وصغائر والكبائر لاذنوب التي يكبر عقابها كَبِيرٌ حمزة وعلي أي النوع الكبير منه {والفواحش} افحس من الكبائر انه قال والفواحش منها خاصة قيل الكبائر ما اوعد الله عليه النار والفواحس ما شرع فيها الحد {إِلاَّ اللمم} أي الصغائر والاستثناء منقطع لانه ليس من اكبائر والفواحش وهو كالنظرة والقيلة واللمسة والغمزة {إِنَّ رَبَّكَ واسع المغفرة} فيغفر ما شاء من الذنوب من غي توبة {هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُمْ} أي أباكم {مّنَ الأرض وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ} جمع جنين {فِى بُطُونِ أمهاتكم فَلاَ تُزَكُّواْ أَنفُسَكُمْ} فلا تنسبوها إلى زكاء العمل وزيادة الخير والطاعات أو إلى الزكاة والطهارة من المعاصي ولا تثنوا عليها واهضموها فقد علم الله الزكى منكم والتقى اولا وآخر اقبل أن يخرجكم من صلب آدم عليه السلام وقبل ان تخرجوا منبطون امهاتكم وقيل كان نهاس يعملون أعمالاً حسنة ثم يقولون صلاتنا وصيامنا وحجنا فنزلت وهذا إذا كان على سبيل الاعجاب او الرياء لاعلى سبيل الاعتراف بالنعمة فإنه جائز لأن المسرة بالطاعة طاعة وذكرها شكر

{هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتقى} فاكتفوا بعلمه عن علم الناس وبجزائه عن ثناء الناس

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الإثْمِ ﴾ بَدَلٌ مِنَ المَوْصُولِ الثّانِي وصِيغَةُ الِاسْتِقْبالِ في صِلَتِهِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَجَدُّدِ الِاجْتِنابِ واسْتِمْرارِهِ أوْ بَيانٌ أوْ نَعْتٌ أوْ مَنصُوبٌ عَلى المَدْحِ أوْ مَرْفُوعٌ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ مَحْذُوفٌ ( والإثْمِ ) الفِعْلُ المُبْطِئُ عَنِ الثَّوابِ وهو الذَّنْبُ.

وكَبائِرُهُ ما يَكْبُرُ عِقابُهُ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ - كَبِيرَ الإثْمِ - عَلى إرادَةِ الجِنْسِ، أوِ الشِّرْكِ ﴿ والفَواحِشَ ﴾ ما عَظُمَ قُبْحُهُ مِنَ الكَبائِرِ فَعَطْفُهُ عَلى ما تَقَدَّمَ مِن عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ، وقِيلَ: الفَواحِشُ والكَبائِرُ مُتَرادِفانِ ﴿ إلا اللَّمَمَ ﴾ ما صَغُرَ مِنَ الذُّنُوبِ وأصْلُهُ ما قَلَّ قَدْرُهُ، ومِنهُ لُمَّةُ الشَّعَرِ لِأنَّها دُونَ الوَفْرَةِ، وفَسَّرَهُ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ بِالنَّظْرَةِ والغَمْزَةِ والقُبْلَةِ وهو مِن بابِ التَّمْثِيلِ، وقِيلَ: مَعْناهُ الدُّنُوُّ مِنَ الشَّيْءِ دُونَ ارْتِكابٍ لَهُ مِن ألْمَمْتُ بِكَذا أيْ نَزَلْتُ بِهِ وقارَبْتُهُ مِن غَيْرِ مُواقَعَةٍ - وعَلَيْهِ قَوْلُ الرُّمّانِيِّ - هو الهَمُّ بِالذَّنْبِ وحَدِيثُ النَّفْسِ دُونَ أنْ يُواقِعَ، وقَوْلُ ابْنِ المُسَيَّبِ: ما خَطَرَ عَلى القَلْبِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ زَيْدٍ هو ما ألَمُّوا بِهِ مِنَ الشِّرْكِ والمَعاصِي في الجاهِلِيَّةِ قَبْلَ الإسْلامِ، والآيَةُ نَزَلَتْ لِقَوْلِ الكُفّارِ لِلْمُسْلِمِينَ قَدْ كُنْتُمْ بِالأمْسِ تَعْمَلُونَ أعْمالَنا فَهي مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وأنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إلا ما قَدْ سَلَفَ  ﴾ عَلى ما في البَحْرِ، وقِيلَ: هو مُطْلَقُ الذَّنْبِ.

وفِي رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ ما يُلِمُّ بِهِ المَرْءُ في الحِينِ مِنَ الذُّنُوبِ ثُمَّ يَتُوبُ، والمُعَظَّمُ عَلى تَفْسِيرِهِ بِالصَّغائِرِ والِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ، وقِيلَ: إنَّهُ لا اسْتِثْناءَ فِيهِ أصْلًا،و (إلّا ) صِفَةٌ بِمَعْنى غَيْرُ إمّا لِجَعْلِ المُضافِ إلى المُعَرَّفِ بِاللّامِ الجِنْسِيَّةِ أعْنِي كَبائِرَ الإثْمِ في حُكْمِ النَّكِرَةِ، أوْ لِأنَّ غَيْرَ ( وإلّا ) الَّتِي بِمَعْناها قَدْ يَتَعَرَّفانِ بِالإضافَةِ كَما في ﴿ غَيْرِ المَغْضُوبِ  ﴾ وتَعَقَّبَهُ بَعْضُهم بِأنَّ شَرْطَ جَوازِ وُقُوعِ ( إلّا ) صِفَةً كَوْنُها تابِعَةً لِجَمْعٍ مُنْكَرٍ غَيْرِ مَحْصُورٍ ولَمْ يُوجَدْ هُنا، ورُدَّ بِأنَّ هَذا ما ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ الحاجِبِ، وسِيبَوَيْهِ يَرى جَوازَ وُقُوعِها صِفَةً مَعَ جَوازِ الِاسْتِثْناءِ فَهو لا يَشْتَرِطُ ذَلِكَ، وتَبِعَهُ أكْثَرُ المُتَأخِّرِينَ، نَعَمْ كَوْنُها هُنا صِفَةً خِلافُ الظّاهِرِ ولا داعِيَ إلى ارْتِكابِهِ، والآيَةُ عِنْدَ الأكْثَرِينَ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المَعاصِيَ مِنها كَبائِرُ ومِنها صَغائِرُ وأنْكَرَ جَماعَةٌ مِنَ الأئِمَّةِ هَذا الِانْقِسامَ وقالُوا: سائِرُ المَعاصِي كَبائِرُ، مِنهُمُ الأُسْتاذُ أبُو إسْحاقَ الإسْفَرايِنِيُّ، والقاضِي أبُو بَكْرٍ الباقِلّانِيُّ، وإمامُ الحَرَمَيْنِ في الإرْشادِ، وتَقِيُّ الدِّينِ السُّبْكِيُّ وابْنُ القُشَيْرِيِّ في المُرْشِدِ بَلْ حَكاهُ ابْنُ فَوْرَكَ عَنِ الأشاعِرَةِ.

واخْتارَهُ في تَفْسِيرِهِ فَقالَ مَعاصِي اللَّهِ تَعالى كُلُّها عِنْدَنا كَبائِرُ وإنَّما يُقالُ لِبَعْضِها صَغِيرَةٌ وكَبِيرَةٌ بِالإضافَةِ، وحَكى الِانْقِسامَ عِنْدَ المُعْتَزِلَةِ، وقالَ: إنَّهُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ، وقالَ القاضِي عَبْدُ الوَهّابِ: لا يُمْكِنُ أنْ يُقالَ في مَعْصِيَةٍ إنَّها صَغِيرَةٌ إلّا عَلى مَعْنى أنَّها تَصْغُرُ بِاجْتِنابِ الكَبائِرِ ويُوافِقُ ذَلِكَ ما رَواهُ الطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ لَكِنَّهُ مُنْقَطِعٌ أنَّهُ ذُكِرَ عِنْدَهُ الكَبائِرُ فَقالَ: كُلُّ ما نَهى اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَهو كَبِيرَةٌ، وفي رِوايَةٍ كُلُّ شَيْءٍ عَصى اللَّهَ تَعالى فِيهِ فَهو كَبِيرَةٌ، والجُمْهُورُ عَلى الِانْقِسامِ قِيلَ: ولا خِلافَ في المَعْنى، وإنَّما الخِلافُ في التَّسْمِيَةِ، والإطْلاقِ لِإجْماعِ الكُلِّ عَلى أنَّ مِنَ المَعاصِي ما يَقْدَحُ في العَدالَةِ ومِنها ما لا يَقْدَحُ فِيها وإنَّما الأوَّلُونَ فَرُّوا مِنَ التَّسْمِيَةِ فَكَرِهُوا تَسْمِيَةَ مَعْصِيَةٍ صَغِيرَةٍ لِأنَّها بِالنَّظَرِ إلى باهِرِ عَظَمَتِهِ كَبِيرَةٌ أيْ كَبِيرَةٌ ولَمْ يَنْظُرِ الجُمْهُورُ إلى ذَلِكَ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ وقَسَّمُوها إلى ما ذُكِرَ لِظَواهِرِ الآياتِ والأحادِيثِ ولِذَلِكَ قالالغَزالِيُّ: لا يَلِيقُ إنْكارُ الفَرْقِ بَيْنَ الكَبائِرِ والصَّغائِرِ وقَدْ عَرَفْنا مِن مَدارِكِ الشَّرْعِ، ثُمَّ القائِلُونَ بِالفَرْقِ اخْتَلَفُوا في حَدِّ الكَبِيرَةِ فَقِيلَ: هي ما لَحِقَ صاحِبَها عَلَيْها بِخُصُوصِها وعِيدٌ شَدِيدٌ بِنَصِّ كِتابٍ أوْ سُنَّةٍ وهي عِبارَةُ كَثِيرٍ مِنَ الفُقَهاءِ، وقِيلَ: كُلُّ مَعْصِيَةٍ أوْجَبَتِ الحَدَّ- وبِهِ قالَ البَغَوِيُّ وغَيْرُهُ - والأوَّلُ أوْفَقُ لِما ذَكَرُوهُ في تَفْصِيلِ الكَبائِرِ إذْ عَدُّوا الغَيْبَةَ والنَّمِيمَةَ والعُقُوقَ وغَيْرَ ذَلِكَ مِنها ولاحَدَّ فِيهِ فَهو أصَحُّ مِنَ الثّانِي وإنْ قالَ الرّافِعِيُّ: إنَّهم إلى تَرْجِيحِهِ أمْيَلُ، وقَدْ يُقالُ: يَرُدُّ عَلى الأوَّلِ أيْضًا أنَّهم عَدُّوا مِنَ الكَبائِرِ ما لَمْ يَرِدْ فِيهِ بِخُصُوصِهِ وعِيدٌ شَدِيدٌ.

وقِيلَ: هي كُلُّ ما نَصَّ الكِتابُ عَلى تَحْرِيمِهِ أوْ وجَبَ في جِنْسِهِ حَدٌّ وتَرْكُ فَرِيضَةٍ تَجِبُ فَوْرًا والكَذِبُ في الشَّهادَةِ والرِّوايَةِ واليَمِينِ، زادَ الهَرَوِيُّ وشُرَيْحٌ وكُلُّ قَوْلٍ خالَفَ الإجْماعَ العامَّ، وقِيلَ: كُلُّ جَرِيمَةٍ تُؤْذِنُ بِقِلَّةِ اكْتِراثِ مُرْتَكِبِها بِالدِّينِ ورِقَّةِ الدِّيانَةِ وهو المَحْكِيُّ عَنْ إمامِ الحَرَمَيْنِ، ورَجَّحَهُ جَمْعٌ لِما فِيهِ مِن حُسْنِ الضَّبْطِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ بِظاهِرِهِ يَتَناوَلُ صَغِيرَةَ الخِسَّةِ، والإمامُ - كَما قالَ الأذْرَعِيُّ - إنَّما ضَبَطَ بِهِ ما يُبْطِلُ العَدالَةَ مِنَ المَعاصِي الشّامِلَةِ لِذَلِكَ لا الكَبِيرَةُ فَقَطْ، نَعَمْ هو أشْمَلُ مِنَ التَّعْرِيفَيْنِ الأوَّلَيْنِ، وقِيلَ: هي ما أوْجَبَ الحَدَّ أوْ تَوَجَّهَ إلَيْهِ الوَعِيدُ ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ في فَتاوِيهِ، وقِيلَ: كُلُّ مُحَرَّمٍ لِعَيْنِهِ مَنهِيٍّ عَنْهُ لِمَعْنى في نَفْسِهِ فَإنَّ فِعْلَهُ عَلى وجْهٍ يَجْمَعُ وجْهَيْنِ أوْ وُجُوهًا مِنَ التَّحْرِيمِ كانَ فاحِشَةً، فالزِّنا كَبِيرَةٌ وبِحَلِيلَةِ الجارِ فاحِشَةٌ والصَّغِيرَةُ تَعاطِي ما تَنْقُصُ رُتْبَتُهُ عَنْ رُتْبَتِهِ المَنصُوصِ عَلَيْهِ.

أوْ تَعاطِيهِ عَلى وجْهٍ دُونَ المَنصُوصِ عَلَيْهِ فَإنْ تَعاطاهُ عَلى وجْهٍ يَجْمَعُ وجْهَيْنِ أوْ أكْثَرَ مِنَ التَّحْرِيمِ كانَ كَبِيرَةً فالقُبْلَةُ واللَّمْسُ والمُفاخَذَةُ صَغِيرَةٌ، ومَعَ حَلِيلَةِ الجارِ كَبِيرَةٌ كَذا نَقَلَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ وغَيْرُهُ عَنِ القاضِي حُسَيْنٍ عَنِ الحَلِيمِيِّ، وقِيلَ: هي كُلُّ فِعْلٍ نَصَّ الكِتابُ عَلى تَحْرِيمِهِ أيْ بِلَفْظِ التَّحْرِيمِ وهو أرْبَعَةُ أشْياءَ: أكْلُ المَيْتَةِ، ولَحْمُ الخِنْزِيرِ، ومالُ اليَتِيمِ، والفِرارُ مِنَ الزَّحْفِ ورُدَّ بِمَنعِ الحَصْرِ، وقِيلَ: إنَّها كُلُّ ذَنْبٍ قُرِنَ بِهِ حَدٌّ، أوْ وعِيدٌ أوْ لَعْنٌ بِنَصِّ كِتابٍ أوْ سُنَّةٍ أوْ عُلِمَ أنَّ مَفْسَدَتَهُ كَمَفْسَدَةِ ما قُرِنَ بِهِ ذَلِكَ أوْ أكْثَرُ أوْ أشْعَرَ بِتَهاوُنِ مُرْتَكِبِهِ في دِينِهِ إشْعارًا صَغَّرَ الكَبائِرَ المَنصُوصَ عَلَيْها بِذَلِكَ كَما لَوْ قَتَلَ مَن يَعْتَقِدُهُ مَعْصُومًا فَظَهَرَ أنَّهُ مُسْتَحِقٌّ لِدَمِهِ أوْ وطِئَ امْرَأةً ظانًّا أنَّهُ زانٍ بِها فَإذا هي زَوْجَتُهُ أوْ أمَتُهُ، وإلَيْهِ ذَهَبَ شَيْخُ الإسْلامِ البارِزِيُّ وقالَ: هو التَّحْقِيقُ وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ، واعْتَمَدَ الواحِدِيُّ أنَّها لا حَدَّ لَها يَحْصُرُها فَقالَ الصَّحِيحُ أنَّ الكَبِيرَةَ لَيْسَ لَها حَدٌّ يَعْرِفُها العِبادُ بِهِ وإلّا لاقْتَحَمَ النّاسُ الصَّغائِرَ واسْتَباحُوها ولَكِنَّ اللَّهَ تَعالى أخْفى ذَلِكَ عَنْهم لِيَجْتَهِدُوا في اجْتِنابِ المَنهِيِّ عَنْهُ رَجاءَ أنْ تُجْتَنَبَ الكَبائِرُ.

ونَظِيرُ ذَلِكَ إخْفاءُ الِاسْمِ الأعْظَمِ والصَّلاةِ الوُسْطى ولَيْلَةِ القَدْرِ وساعَةِ الإجابَةِ، وقالَ العَلّامَةُ ابْنُ حَجَرٍ الهَيْتَمِيُّ: كُلُّ ما ذُكِرَ مِنَ الحُدُودِ إنَّما قُصِدَ بِهِ التَّقْرِيبُ فَقَطْ وإلّا فَهي لَيْسَتْ بِحُدُودٍ جامِعَةٍ، وكَيْفَ يُمْكِنُ ضَبْطُ ما لا مَطْمَعَ في ضَبْطِهِ ؟

وذَهَبَ جَمْعٌ إلى تَعْرِيفِها بِالعَدِّ، فَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في أوَّلِ سُورَةِ النِّساءِ إلى قَوْلِهِسُبْحانَهُ: ﴿ إنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ  ﴾ .

وقِيلَ: هي سَبْعٌ ورَوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وعَطاءٍ وعُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، واسْتُدِلَّ لَهُ بِما في الصَّحِيحَيْنِ ««اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقاتِ: الإشْراكُ بِاللَّهِ تَعالى والسَّحَرُ وقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ تَعالى إلّا بِالحَقِّ وأكْلُ مالِ اليَتِيمِ وأكْلُ الرِّبا والتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ وقَذْفُ المُحْصَناتِ الغافِلاتِ المُؤْمِناتِ»» وقِيلَ: خَمْسَ عَشْرَةَ، وقِيلَ: أرْبَعَ عَشْرَةَ، وقِيلَ: أرْبَعٌ، وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ثَلاثٌ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَشْرَةٌ، وقالَ شَيْخُ الإسْلامِ العَلائِيُّ:المَنصُوصُ عَلَيْهِ في الأحادِيثِ أنَّهُ كَبِيرَةٌ خَمْسٌ وعِشْرُونَ، وتَعَقَّبَهُ ابْنُ حَجَرٍ بِزِيادَةٍ عَلى ذَلِكَ، وقالَ أبُو طالِبٍ المَكِّيُّ: هي سَبْعَ عَشْرَةَ أرْبَعٌ في القَلْبِ الشِّرْكُ والإصْرارُ عَلى المَعْصِيَةِ والقُنُوطُ والأمْنُ مِنَ المَكْرِ، وأرْبَعٌ في اللِّسانِ القَذْفُ وشَهادَةُ الزُّورِ والسِّحْرُ، وهو كُلُّ كَلامٍ يُغَيِّرُ الإنْسانَ أوْ شَيْئًا مِن أعْضائِهِ.

واليَمِينُ الغَمُوسُ وهي الَّتِي تُبْطِلُ بِها حَقًّا أوْ تُثْبِتُ بِها باطِلًا، وثَلاثٌ في البَطْنِ أكْلُ مالِ اليَتِيمِ ظُلْمًا وأكْلُ الرِّبا وشُرْبُ كُلِّ مُسْكِرٍ، واثْنانِ في الفَرْجِ: الزِّنا واللِّواطُ، واثْنَتانِ في اليَدِ القِتْلَةُ والسَّرِقَةُ، وواحِدَةٌ في الرِّجْلِ الفِرارُ مِنَ الزَّحْفِ، وواحِدَةٌ في جَمِيعِ الجَسَدِ عُقُوقُ الوالِدَيْنِ، وفِيهِ ما فِيهِ، ورَوى الطَّبَرانِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ رَجُلًا قالَ لَهُ: كَمِ الكَبائِرُ سَبْعٌ هي ؟

فَقالَ هي إلى سَبْعِمِائَةٍ أقْرَبُ مِنها إلى سَبْعٍ غَيْرَ أنَّهُ لا كَبِيرَةَ مَعَ الِاسْتِغْفارِ ولا صَغِيرَةَ مَعَ الإصْرارِ، وقَدْ ألَّفَ فِيها غَيْرُ واحِدٍ مِنَ العُلَماءِ، وفي كِتابِ الزَّواجِرِ تَأْلِيفُ العَلّامَةِ ابْنِ حَجَرٍ ما فِيهِ كِفايَةٌ فَلْيُراجَعْ، واللَّهُ تَعالى المُوَفِّقُ وإنّا لَنَسْتَغْفِرُهُ ونَتُوبُ إلَيْهِ ﴿ إنَّ رَبَّكَ واسِعُ المَغْفِرَةِ ﴾ حَيْثُ يَغْفِرُ الصَّغائِرَ بِاجْتِنابِ الكَبائِرِ، فالجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِاسْتِثْناءِ اللَّمَمِ، وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّ إخْراجَهُ عَنْ حُكْمِ المُؤاخَذَةِ لَيْسَ لِخُلُوِّهِ عَنِ الذَّنْبِ في نَفْسِهِ بَلْ لِسِعَةِ المَغْفِرَةِ الرَّبّانِيَّةِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى لَهُ سُبْحانَهُ أنْ يَغْفِرَ لِمَن يَشاءُ مِنَ المُؤْمِنِينَ ما يَشاءُ مِنَ الذُّنُوبِ صَغِيرِها وكَبِيرِها، ولَعَلَّ تَعْقِيبَ وعِيدِ المُسِيئِينَ ووَعْدِ المُحْسِنِينَ بِذَلِكَ حِينَئِذٍ لِئَلّا يَيْأسَ صاحِبُ الكَبِيرَةِ مِن رَحْمَتِهِ تَعالى ولا يَتَوَهَّمَ وُجُوبَ العِقابِ عَلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ، وزَعَمَ بَعْضٌ جَوازَ كَوْنِ المَوْصُولِ مُبْتَدَأً وهَذِهِ الجُمْلَةُ خَبَرُهُ والرّابِطُ مَحْذُوفٌ أيْ ﴿ واسِعُ المَغْفِرَةِ ﴾ لَهم لَيْسَ بِشَيْءٍ كَما لا يَخْفى.

﴿ هُوَ أعْلَمُ بِكُمْ ﴾ أيْ بِأحْوالِكم مِن كُلِّ أحَدٍ ﴿ إذْ أنْشَأكُمْ ﴾ في ضِمْنِ إنْشاءِ أبِيكم آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ.

﴿ مِنَ الأرْضِ ﴾ إنْشاءً إجْمالِيًّا حَسْبَما مَرَّ تَحْقِيقُهُ، وقِيلَ: إنْشاؤُهم مِنَ الأرْضِ بِاعْتِبارِ أنَّ المَنِيَّ الَّذِي يَتَكَوَّنُونَ مِنهُ في الأغْذِيَةِ الَّتِي مَنشَؤُها الأرْضُ، وأيًّا ما كانَ - فَإذا - ظَرْفٌ - لِأعْلَمَ - وهو عَلى بابِهِ مِنَ التَّفْصِيلِ.

وقالَ مَكِّيٌّ: هو بِمَعْنى عالِمٍ إذْ تَعَلُّقُ عِلْمِهِ تَعالى بِأحْوالِهِمْ في ذَلِكَ الوَقْتِ لا مُشارِكَ لَهُ تَعالى فِيهِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ قَدْ يَتَعَلَّقُ عِلْمُ مَن أطْلَعَهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِ، وقِيلَ: ( إذْ ) مَنصُوبٌ بِمَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ اذْكُرُوا ﴿ إذْ أنْشَأكُمْ ﴾ وهو كَما تَرى ﴿ وإذْ أنْتُمْ أجِنَّةٌ ﴾ ووَقْتُ كَوْنِكم أجِنَّةً ﴿ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ ﴾ عَلى أطْوارٍ مُخْتَلِفَةٍ مُتَرَتِّبَةٍ لا يَخْفى عَلَيْهِ سُبْحانَهُ حالٌ مِن أحْوالِكم وعَمَلٌ مِن أعْمالِكُمُ الَّتِي مِن جُمْلَتِها اللَّمَمُ الَّذِي لَوْلا المَغْفِرَةُ الواسِعَةُ لَأصابَكم وبالُهُ.

فالجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَها وذَكَرَ ( في بُطُونِ أُمَّهاتِكم ) مَعَ أنَّ الجَنِينَ ما كانَ في البَطْنِ لِلْإشارَةِ إلى الأطْوارِ كَما أشَرْنا إلَيْهِ، وقِيلَ: لِتَأْكِيدِ شَأْنِ العِلْمِ لِما أنَّ بَطْنَ الأُمِّ في غايَةِ الظُّلْمَةِ، والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَلا تُزَكُّوا أنْفُسَكُمْ ﴾ لِتَرْتِيبِ النَّهْيِ عَنْ تَزْكِيَةِ النَّفْسِ عَلى ما سَبَقَ مِن أنَّ عَدَمَ المُؤاخَذَةِ بِاللَّمَمِ لَيْسَ لِعَدَمِ كَوْنِهِ مِن قَبِيلِ الذُّنُوبِ بَلْ لِمَحْضِ مَغْفِرَتِهِ تَعالى مَعَ عِلْمِهِ سُبْحانَهُ بِصُدُورِهِ عَنْكم أيْ إذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَلا تَثْنُوا عَلى أنْفُسِكم بِالطَّهارَةِ عَنِ المَعاصِي بِالكُلِّيَّةِ أوْ بِزَكاءِ العَمَلِ وزِيادَةِ الخَيْرِ بَلِ اشْكُرُوا اللَّهَ تَعالى عَلى فَضْلِهِ ومَغْفِرَتِهِ جَلَّ شَأْنُهُ ﴿ هُوَ أعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى ﴾ المَعاصِيَ جَمِيعًا وهو اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِلنَّهْيِ ومُشْعِرٌ بِأنَّ فِيهِمْ مَن يَتَّقِيها بِأسْرِها كَذا في الإرْشادِ، وقِيلَ: اتَّقى الشِّرْكَ، وقِيلَ: اتَّقى شَيْئًا مِنَ المَعاصِي، والآيَةُ نَزَلَتْ عَلى ما قِيلَ: في قَوْمٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ كانُوا يَعْمَلُونَ أعْمالًا حَسَنَةً ثُمَّ يَقُولُونَ صَلاتُنا وصِيامُنا وحَجُّنا وهَذا مَذْمُومٌ مَنهِيٌّ عَنْهُ إذا كانَ بِطَرِيقِ الإعْجابِ، أوِ الرِّياءِ أمّا إذا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَلا بَأْسَ بِهِ ولا يُعَدُّ فاعِلُهُ مِنَ المُزَكِّينَ أنْفُسَهم، ولِذا قِيلَ: المَسَرَّةُ بِالطّاعَةِ طاعَةٌ وذِكْرُها شُكْرٌ، ولا فَرْقَ في التَّزْكِيَةِ بَيْنَ أنْ تَكُونَ عِبارَةً وأنْ تَكُونَ إشارَةً وعُدَّ مِنها التَّسْمِيَةُ بِنَحْوِ بَرَّةٍ، أخْرَجَ أحْمَدُ ومُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ وابْنُ سَعْدٍ «عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أبِي سَلَمَةَ أنَّها سُمِّيَتْ بَرَّةَ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «لا تُزَكُّوا أنْفُسَكُمُ اللَّهُ أعْلَمُ بِأهْلِ البِرِّ مِنكم سَمُّوها زَيْنَبَ»» وكَذا غَيَّرَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلى ذَلِكَ اسْمَ بَرَّةَ بِنْتِ جَحْشٍ، وتَغْيِيرُ مِثْلِ ذَلِكَ مُسْتَحَبٌّ وكَذا ما يُوقِعُ نَفْيَهُ بَعْضُ النّاسِ في شَيْءٍ مِنَ الطِّيَرَةِ كَبَرَكَةَ ويَسارٍ، والنَّهْيُ عَنِ التَّسْمِيَةِ بِهِ لِلتَّنْزِيهِ وقَوْلُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كَما رَوى جابِرٌ: ««إنْ عِشْتُ إنْ شاءَ اللَّهُ أنْهى أُمَّتِي أنْ يُسَمُّوا نافِعًا وأفْلَحَ وبَرَكَةَ»» مَحْمُولٌ كَما قالَ النَّوَوِيُّ عَلى إرادَةِ أنْهى نَهْيَ تَحْرِيمٍ، والظّاهِرُ أنَّ كَراهَةَ ما يُشْعِرُ بِالتَّزْكِيَةِ مَخْصُوصَةٌ بِما إذا كانَ الإشْعارُ قَوِيًّا كَما إذا كانَ الِاسْمُ قَبْلَ النَّقْلِ ظاهِرَ الدَّلالَةِ عَلى التَّسْمِيَةِ مُسْتَعْمَلًا فِيها فَلا كَراهَةَ في التَّسْمِيَةِ بِما يُشْعِرُ بِالمَدْحِ إذا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ كَسَعِيدٍ وحَسَنٍ، «وقَدْ كانَ لِعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ ابْنَةٌ يُقالُ لَها: عاصِيَةُ فَسَمّاها رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ جَمِيلَةَ كَذا قِيلَ»، والمَقامُ بَعْدُ لا يَخْلُو عَنْ بَحْثٍ فَلْيُراجَعْ، وقِيلَ: مَعْنى - لا تُزَكُّوا أنْفُسَكم - لا يُزَكِّي بَعْضُكم بَعْضًا، والمُرادُ النَّهْيُ عَنْ تَزْكِيَةِ السُّمْعَةِ أوِ المَدْحِ لِلدُّنْيا، أوْ تَزْكِيَةٌ عَلى سَبِيلِ القَطْعِ، وأمّا التَّزْكِيَةُ لِإثْباتِ الحُقُوقِ ونَحْوِهِ فَهي جائِزَةٌ، وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في اليَهُودِ.

أخْرَجَ الواحِدِيُّ وابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُما عَنْ ثابِتِ بْنِ الحارِثِ الأنْصارِيِّ قالَ: ««كانَتِ اليَهُودُ إذا هَلَكَ لَهم صَبِيٌّ صَغِيرٌ قالُوا: هو صِدِّيقٌ فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالَ: كَذَبَتْ يَهُودٌ ما مِن نَسَمَةٍ يَخْلُقُها اللَّهُ تَعالى في بَطْنِ أُمِّها إلّا يَعْلَمُ سَعادَتَها أوْ شَقاوَتَها» فَأنْزَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ عِنْدَ ذَلِكَ ﴿ هُوَ أعْلَمُ بِكُمْ ﴾ الآيَةَ.» <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قال عز وجل: وَما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ يعني: ليس لهم حجة على مقالتهم إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ يعني: ما يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظن يعني: على غير يقين وَإِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً يعني: لا يمنعهم من عذاب الله شيئا فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا يعني: اترك من أعرض عن القرآن، ولا يؤمن به.

وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَياةَ الدُّنْيا يعني: لم يرد بعلمه الدار الآخرة، إنما يريد به منفعة الدنيا ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ يعني: غاية علمهم الحياة الدنيا.

ويقال: ذلك منتهى علمهم، لا يعلمون من أمر الآخرة شيئاً، وهذا كقوله: يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ.

ثم قال عز وجل: إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ يعني: هو أعلم بمن ترك طريق الهدى وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدى يعني: من تمسك بدين الإسلام، ومعناه: فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ، ولا تعاقبهم، فإن الله عليم بعقوبة المشركين، وبثواب المؤمنين، وهذا قبل أن يؤمر بالقتال.

ثم عظم نفسه بأنه غني عن عبادتهم فقال: وَلِلَّهِ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ من الخلق لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا يعني: ليعاقب في الآخرة الذين أشركوا، وعملوا المعاصي وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى يعني: ويثيب الذين آمنوا، وأدوا الفرائض الخمسة بإحسانهم.

ثم نعت المحسنين فقال: الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ قرأ حمزة والكسائي: كبير الإثم والفحش بلفظ الوحدان، والمراد به: الجنس.

والباقون: كَبائِرَ الْإِثْمِ بلفظ الجماعة.

قال بعضهم: كَبائِرَ الْإِثْمِ يعني: الشرك بالله، وَالْفَواحِشَ يعني: المعاصي.

وقال بعضهم: كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ بمعنى واحد، لأن كل فاحشة كبيرة، وكل كبيرة فاحشة.

وروي عن النبيّ  أنه قال «الْكَبَائِرُ أَرْبَعَةٌ: الشِّرْكُ بِالله، وَالْيَأْسُ مِنْ رَوْحِ الله، وَالْقُنُوطُ مِنْ رَحْمَةِ الله، وَالأَمْنُ مِنْ مَكْرِ الله» .

وروي عن ابن مسعود  أنه قال: الكبائر سبعة.

فبلغ ذلك إلى عبد الله بن عباس، فقال: هي إلى السبعين أقرب.

ويقال: كل ما نهى الله عنه فهو كبيرة.

وقيل: كل ما أصر العبد عليه فهو كبيرة، كما روي عن بعضهم أنه قال: لا كبيرة مع الاستغفار، ولا صغيرة مع الإصرار.

قال: إِلَّا اللَّمَمَ وقال بعضهم: اللَّمَمَ هو الصغائر من الذنوب.

يعني: إذا اجتنبت الكبائر، يغفر الله صغار الذنوب من الصلاة إلى الصلاة، ومن الجمعة إلى الجمعة، وهو كقوله تعالى: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ [النساء: 31] قال مقاتل: نزلت في شأن نبهان التمار، وذلك أن امرأة أتت لتشتري التمر، فقال لها: ادخلي الحانوت، فعانقها، وقبلها، فقالت المرأة: خنت أخاك ولم تصب حاجتك، فندم، وذهب إلى رسول الله  .

وروى مسروق عن ابن مسعود: قال زنى العينين النظر، وزنى اليدين البطش، وزنى الرجلين المشي، وإنما يصدق ذلك الفرج، أو يكذبه.

فإن تقدم كان زنى وإن تأخر كان لمماً.

وقال عكرمة: اللَّمَمَ النظر، وحديث النفس، ونحو ذلك.

وروى طاوس، عن ابن عباس قال: ما رأيت شيئاً أشبه باللمم مما قال أبو هريرة، عن النبي  أنه قال: «إن الله كَتَبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ حَظَّهُ مِنَ الزِّنَى.

فَزِنَى الْعَيْنَيْنِ نَظَرُ النَّاظِرِ، وَزِنَى اللِّسَانِ النُّطْقُ، وَالنَّفْسُ تَتَمَنَّى، وَتَشْتَهِي، وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ أوْ يُكَذِّبُهُ» .

وقال عبد الله بن الزبير: اللَّمَمَ القبلة، واللمس باليد.

وقال بعضهم: اللَّمَمَ كل ذنب يتوب عنه ولا يصر عليه.

وروى منصور، عن مجاهد قال: في قوله: إِلَّا اللَّمَمَ هو الرجل يذنب الذنب، ثم ينزع عنه.

وروي عن أبي هريرة: قال: اللَّمَمَ النكاح.

وذكر ذلك لزيد بن أسلم فقال: صدق إنما اللمم لمم أهل الجاهلية.

يقول الله تعالى في كتابه وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ [النساء: 23] .

وروي عن الحسن أنه قال: اللَّمَمَ هو أن يصيب النظرة من المرأة، والشربة من الخمر.

ثم ينزع عنه.

وروي عن مجاهد أنه قال: الذي يلم بالذنب، ثم يدعه.

وقد قال الشاعر: إنْ تَغْفِرِ اللَّهُمَّ تَغْفِرْ جَمَّا ...

وَأيّ عَبْدِ للَّه لا أَلَمَّا وقال بعضهم: إِلَّا اللَّمَمَ ومعناه: ولا اللمم.

ومعناه: أن تجتنبوا صغائر الذنوب، وكبائرها، كما قال القائل: وبلدة ليس بها أنيس إلا اليعافير، والعيش.

يعني: ولا اليعافير، ولا العيس.

وروي عن رسول الله  أنه قال: «إيَّاكُمْ وَالمُحَقَّرَاتِ مِنَ الذُّنُوبِ» .

وسئل زيد بن ثابت عن قوله: إِلَّا اللَّمَمَ قال: حرم الله الفواحش مَا ظَهَرَ مِنْهَا، وما بطن.

ثم قال: إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ يعني: واسع الفضل، غافر الذنوب للذين يتوبون.

ويقال: معناه رحمته واسعة على الذين يجتنبون الكبائر.

ثم قال: هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ هو أعلم بحالكم منكم إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ يعني: إذ هو خلقكم مّنَ الأرض.

يعني: خلق آدم من تراب، وأنتم من ذريته.

وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ يعني: كنتم صغاراً فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ كان هو أعلم بحالكم منكم في ذلك كله، فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ يعني: لا تبرؤوا أنفسكم من الذنوب، ولا تمدحوها.

ويقال: فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ يعني: لا يمدح بعضكم بعضاً.

وروي عن النبي  أنه قال: «إذا رَأَيْتُمُ المَدَّاحِينَ فَاحْثُوا فِي وُجُوهِهِمُ التُّرابَ» .

والمدح على ثلاثة أوجه: أوله أن يمدحه في وجهه، فهو الذي نهي عنه.

والثاني: أن يمدحه بغير حضرته، ويعلم أنه يبلغه، فهو أيضاً منهي عنه.

والثالث: أن يمدحه في حال غيبته، وهو لا يبالي بلغه أو لم يبلغه، ويمدحه بما هو فيه، فلا بأس بهذا.

ويقال: فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ يعني: لا تطهروا أنفسكم من العيوب.

وهذا كما قال النبي  : «النَّاسُ كَإِبِلٍ مِائَةٍ لَمْ يَكُنْ فِيهَا رَاحِلَةً» .

بِمَنِ اتَّقى يعني: من يستحق المدح، ومن لا يستحق المدح.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

أضافوا إلى ذلك مَنَاةَ الثالثة الأخرى الحقيرة، وكُلُّ أصنامهم حقير، انتهى.

ثم قال تعالى: إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْماءٌ يعني: إنْ هذه الأوصافُ من أَنَّها إناث، وَأَنَّها آلهة تعْبَدُ، ونحو هذا- إلاَّ أَسماءٌ، أي: تسميات اخترعتموها أنتم وآباؤكم، ما أنزل اللَّه بها برهاناً ولا حُجَّةً، وما هو إلاَّ اتِّباعُ الظن، وَما تَهْوَى الْأَنْفُسُ وهَوَى الأنفس هو إرادتها الملذة لها، وإِنَّما تجد هوى النفس أبداً في ترك الأفضل لأَنَّها مجبولةٌ بطبعها على حُبِّ الملذ، وإِنَّما يَرْدَعُها وَيَسُوقُها إلى حُسْنِ العاقبة العقلُ والشرع.

وقوله سبحانه: وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدى فيه توبيخ لهم، إِذْ يفعلون هذه القبائِحَ والهدى حاضر، وهو محمد وشرعه، والإنسان في قوله: أَمْ لِلْإِنْسانِ اسم جنس، كأَنَّه يقول: ليست الأشياءُ بالتمني والشهوات، وإِنَّما الأمر كُلُّه للَّه، والأعْمَالُ جاريةٌ على قانون أمره ونهيه، فليس لكم- أَيُّهَا الكَفَرَةُ- مُرَادُكُمْ في قولكم: هذه آلهتنا، وهي تشفعُ لنا، وتُقَرِّبُنَا إِلى اللَّه زُلْفَى، ونحو هذا فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولى أي: له كل أمرهما:

مُلْكاً، ومقدوراً، وتَحْتَ سلطانه، قال الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي في كتاب «عيوب النفس» : ومن عيوب النفس كثرةُ التَّمَنِّي، والتَّمَنِّي هو الاعتراضُ على اللَّه عَزَّ وجلَّ في قضائه وقَدَرِهِ، ومداواتُها/ أَنْ يعلم أَنَّه لا يدري ما يعقبه التمني، أيجرُّهُ إلى خير أو إلى شَرٍّ؟

فإذا تَيَقَّنَ إبهام عاقبة تمنيه، أَسْقَطَ عن نفسه ذلك، ورَجَعَ إلى الرِّضَا والتسليم، فيستريح، انتهى.

وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلاَّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشاءُ وَيَرْضى (٢٦) إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثى (٢٧) وَما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً (٢٨) فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا وَلَمْ يُرِدْ إِلاَّ الْحَياةَ الدُّنْيا (٢٩) ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدى (٣٠)

وَلِلَّهِ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (٣١) الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى (٣٢)

وقوله سبحانه: وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ ...

الآية: رَدٌّ على قريش في قولهم: الأوثان شفعاؤنا، وَكَمْ للتكثير، وهي في موضع رفع بالابتداء، والخبر لاَ تُغْنِي والغِنَى جَلْبُ النفع ودَفْعُ الضُّرِّ بحسب الأمر الذي يكون فيه الغناء.

وقوله سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يعني: كفّار العرب.

وقوله: وَإِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً أي: في المُعْتَقَدَاتِ، والمواضع التي يريد الإنسان أن يحرّر ما يَعْقِلُ ويعتقد فَإنَّهَا مواضع حقائق، لا تنفعُ الظنونُ فيها، وَأَمَّا في الأحكام وظواهرها فيجتزئ فيها بالمظنونات.

ثم سَلَّى سبحانه نَبِيَّه وأمره بالإعراض عن هؤلاء الكَفَرَةِ.

وقوله: عَنْ ذِكْرِنا قال الثعلبيُّ: يعني القرآن.

وقوله سبحانه: إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ الآية متصلة في معنى التسلية، ومتضمنة وعيداً للكافرين، ووعداً للمؤمنين، والحُسْنَى: الجنة ولا حسنى دونها، وقد تقدم نقلُ الأقوال في الكبائر في سورة النساء وغيرها، وتحريرُ القول في الكبائر أَنَّها كُلُّ معصيةٍ يوجد فيها حَدٌّ في الدنيا أو تَوَعُّدٌ عليها بِالنَّارِ في الآخرة، أو لعنة، ونحو هذا.

وقوله: إِلَّا اللَّمَمَ هو استثناء يَصِحُّ أنْ يكونَ مُتَّصِلاً، وإنْ قدرته مُنْقَطِعاً ساغ ذلك، وبِكُلٍّ قد قيل، واخْتُلِفَ في معنى اللَّمَمَ فقال أبو هريرة، وابن عباس، والشَّعْبِيُّ، وغيرهم «١» : اللمم: صِغَارُ الذنوب التي لا حَدَّ فيها ولا وَعِيدَ عليها لأَنَّ الناسَ لا يتخلَّصُونَ من مُوَاقَعَةِ هذه الصغائر، ولهم مع ذلك الحُسْنَى/ إذا اجتنبوا الكبائر، وتظاهر العلماءُ في هذا القول، وكَثُرَ المائِلُ إليه، وحُكِيَ عن ابن المُسَيِّبِ أَنَّ اللمم: ما خطر على القلب، يعني بذلك لمَّةَ الشيطان «٢» ، وقال ابن عباس «٣» : معناه: إلاَّ ما أَلَمُّوا به من المعاصي الفَلْتَةُ والسَّقْطَةُ دون دوام ثم يتوبون منه، وعنِ الحسن بن أبي الحسن «٤» أَنَّهُ قال:

في اللَّمَّةِ من الزنا، والسَّرِقَةِ، وشرب الخمر ثم لا يعود، قال ع «٥» : وهذا التأويلُ يقتضي الرِّفْقَ بالناس في إدخالهم في الوعد بالحسنى إذ الغالب في المؤمنين مواقعة

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَلِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ ﴾ هَذا إخْبارٌ عَنْ قُدْرَتِهِ وسَعَةِ مُلْكِهِ، وهو كَلامٌ مُعْتَرِضٌ بَيْنَ الآيَةِ الأُولى وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أساءُوا ﴾ لِأنَّ اللّامَ في "لِيَجْزِيَ" مُتَعَلِّقَةٌ بِمَعْنى الآيَةِ الأوْلى، لِأنَّهُ إذا كانَ أعْلَمَ بِهِما، جازى كُلًّا بِما يَسْتَحِقُّهُ، وهَذِهِ لامُ العاقِبَةِ، وذَلِكَ أنَّ عِلْمَهُ بِالفَرِيقَيْنِ أدّى إلى جَزائِهِمْ بِاسْتِحْقاقِهِمْ، وإنَّما يَقْدِرُ عَلى مُجازاةِ الفَرِيقَيْنِ إذا كانَ واسِعَ المُلْكِ، فَلِذَلِكَ أخْبَرَ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿ وَلِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: "وَأساؤُوا" بِمَعْنى أشْرَكُوا، "وَأحْسَنُوا" بِمَعْنى وحَدُّوا.

والحُسْنى: الجَنَّةُ.

والكَبائِرُ مَذْكُورَةٌ في سُورَةِ (النِّساءِ: ٣١) وقِيلَ: كَبائِرُ الإثْمِ: كُلُّ ذَنْبٍ خُتِمَ بِالنّارِ، والفَواحِشُ: كُلُّ ذَنْبِ فِيهِ الحَدُّ.

وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، والمُفَضَّلُ، وخَلَفٌ: "يَجْتَنِبُونَ كَبِيرَ الإثْمِ"، واللَّمَمُ في كَلامِ العَرَبِ: المُقارَبَةُ لِلشَّيْءِ.

وفي المُرادِ بِهِ ها هُنا سِتَّةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: ما ألَمُّوا بِهِ مِنَ الإثْمِ والفَواحِشِ في الجاهِلِيَّةِ، فَإنَّهُ يُغْفَرُ في الإسْلامِ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ.

والثّانِي: أنْ يُلِمَّ بِالذَّنْبِ مَرَّةً ثُمَّ يَتُوبُ ولا يَعُودُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، والسُّدِّيُّ.

والثّالِثُ: أنَّهُ صِغارُ الذُّنُوبِ، كالنَّظْرَةِ والقُبْلَةِ وما كانَ دُونَ الزِّنا، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو هُرَيْرَةَ، والشَّعْبِيُّ، ومَسْرُوقٌ، ويُؤَيِّدُ هَذا حَدِيثَ أبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  قالَ: « "إنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلى ابْنِ آدَمَ حَظَّهُ مِنَ الزِّنا، فَزِنا العَيْنَيْنِ النَّظَرُ، وزِنا اللِّسانِ النُّطْقُ، والنَّفْسُ تَشْتَهِي وتَتَمَنّى، ويُصَدِّقُ ذَلِكَ ويُكَذِّبُهُ الفَرْجُ، فَإنْ تَقَدَّمَ بِفَرَجِهِ كانَ الزِّنا، وإلّا فَهو اللَّمَمُ.» والرّابِعُ: أنَّهُ ما يَهُمُّ بِهِ الإنْسانُ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ الحَنَفِيَّةِ.

والخامِسُ: أنَّهُ ألَمَّ بِالقَلْبِ، أيْ: خَطَرَ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ.

والسّادِسُ: أنَّهُ النَّظَرُ مِن غَيْرِ تَعَمُّدٍ، قالَهُ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ.

فَعَلى القَوْلَيْنِ [الأوَّلَيْنِ] يَكُونُ الِاسْتِثْناءُ مِنَ الجِنْسِ، وعَلى باقِي الأقْوالِ لَيْسَ مِنَ الجِنْسِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ رَبَّكَ واسِعُ المَغْفِرَةِ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لِمَن فَعَلَ ذَلِكَ ثُمَّ تابَ.

وها هُنا تَمَّ الكَلامُ.

ثُمَّ قالَ: ﴿ هُوَ أعْلَمُ بِكُمْ ﴾ يَعْنِي قَبْلَ خَلْقِكم ﴿ إذْ أنْشَأكم مِنَ الأرْضِ ﴾ يَعْنِي آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ ﴿ وَإذْ أنْتُمْ أجِنَّةٌ ﴾ جَمْعُ جَنِينٍ؛ والمَعْنى أنَّهُ عَلِمَ ما تَفْعَلُونَ وإلى ماذا تَصِيرُونَ؟، ﴿ فَلا تُزَكُّوا أنْفُسَكُمْ ﴾ أيْ: لا تَشْهَدُوا لَها أنَّها زَكِيَّةٌ بَرِيئَةٌ مِنَ المَعاصِي.

وقِيلَ: لا تَمْدَحُوها بِحُسْنِ أعْمالِها.

وفي سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّ اليَهُودَ كانُوا إذا هَلَكَ لَهم صَبِيٌّ، قالُوا: صِدِّيقٌ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، هَذا قَوْلُ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها.

والثّانِي: أنَّ ناسًا مِنَ المُسْلِمِينَ قالُوا: قَدْ صَلَّيْنا وصُمْنا وفَعَلْنا، يُزَكُّونَ أنْفُسَهُمْ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هُوَ أعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: عَمِلَ حَسَنَةً وارْعَوى عَنْ مَعْصِيَةٍ، قالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

والثّانِي: أخْلَصَ العَمَلَ لِلَّهِ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّالِثُ: اتَّقى الشِّرْكَ فَآمَنَ، قالَهُ الثَّعْلَبِيُّ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الإثْمِ والفَواحِشَ إلا اللَمَمَ إنَّ رَبَّكَ واسِعُ المَغْفِرَةِ هو أعْلَمُ بِكم إذْ أنْشَأكم مِنَ الأرْضِ وإذْ أنْتُمْ أجِنَّةٌ في بُطُونِ أُمَّهاتِكم فَلا تُزَكُّوا أنْفُسَكم هو أعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى ﴾ ﴿ أفَرَأيْتَ الَّذِي تَوَلّى ﴾ ﴿ وَأعْطى قَلِيلا وأكْدى ﴾ ﴿ أعِنْدَهُ عِلْمُ الغَيْبِ فَهو يَرى ﴾ ﴿ أمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما في صُحُفِ مُوسى ﴾ ﴿ وَإبْراهِيمَ الَّذِي وفّى ﴾ ﴿ ألا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: "الَّذِينَ" نَعْتٌ لـ "الَّذِينَ" المُتَقَدِّمُ قَبْلَهُ، و"يَجْتَنِبُونَ" مَعْناهُ: يَدْعُونَ جانِبًا، وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ والناسُ: "كَبائِرَ الإثْمِ"، وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ، وعِيسى، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "كَبِيرُ الإثْمِ" عَلى الإفْرادِ الَّذِي يُرادُ بِهِ الجَمْعُ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَما لَنا مِن شافِعِينَ  ﴾ ﴿ وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ  ﴾ ، وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا  ﴾ .

واخْتَلَفَ الناسُ في الكَبائِرِ، ما هِيَ؟

فَذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّها السَبْعُ المُوبِقاتُ الَّتِي وَرَدَتْ في الأحادِيثِ، وقَدْ مَضى القَوْلُ في ذِكْرِها واخْتِلافُ الأحادِيثِ فِيها في سُورَةِ [النِساءِ]، وتَحْرِيرُ القَوْلِ في الكَبائِرِ أنَّها كُلُّ مَعْصِيَةٍ يُوجَدُ فِيها حَدٌّ في الدُنْيا وتُوعَدُ بِنارٍ في الآخِرَةِ، أو لَعْنَةٍ ونَحْوُ هَذا خاصٌّ بِها، فَهي كَثِيرَةُ العَدَدِ، ولِهَذا قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما -حِينَ قِيلَ لَهُ: أسَبْعٌ هِيَ؟- فَقالَ: هي إلى السَبْعِينَ أقْرَبُ مِنها إلى السَبْعِ، وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: كَبِيرُ الإثْمِ هُنا يُرادُ بِهِ الكُفْرُ.

و"الفَواحِشَ" هي المَعاصِي المَذْكُورَةُ، وقَوْلُهُ تَعالى: "إلّا اللَمَمَ" هو اسْتِثْناءٌ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا، وإنْ قَدَّرْتَهُ مُنْقَطِعًا ساغَ ذَلِكَ.

واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى "اللَمَمَ"، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ زَيْدٍ: مَعْناهُ: ما ألَمُّوا بِهِ مِنَ الشِرْكِ والمَعاصِي في الجاهِلِيَّةِ قَبْلَ الإسْلامِ، قالَ الثَعْلَبِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وزَيْدِ بْنِ ثابِتٍ، وزَيْدِ بْن أسْلَمَ، وأبِيهِ: إنَّ سَبَبَ الآيَةِ أنَّ الكُفّارَ قالُوا لِلْمُسْلِمِينَ: قَدْ كُنْتُمْ بِالأمْسِ تَعْمَلُونَ أعْمالَنا، فَنَزَلَتِ الآيَةُ، فَهي مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَأنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إلا ما قَدْ سَلَفَ  ﴾ ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وغَيْرُهُ: مَعْناهُ: إلّا ما ألَمُّوا مِنَ المَعاصِي، الفَلْتَةُ والسَقْطَةُ دُونَ دَوامٍ، ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنهُ، ذَكَرَ الطَبَرِيُّ عَنِ الحَسَنِ بْنِ أبِي الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: في اللَمَّةِ مِنَ الزِنا والسَرِقَةِ وشُرْبِ الخَمْرِ ثُمَّ لا يَعُودُ، وهَذا كالَّذِي قَبْلَهُ، فَكَأنَّ هَذا التَأْوِيلَ يَقْتَضِي الرِفْقَ بِالناسِ في إدْخالِهِمْ في الوَعْدِ بِالحُسْنى؛ إذِ الغالِبُ في المُؤْمِنِينَ مُواقَعَةُ المَعاصِي، وعَلى هَذا أنْشَدُوا -وَقَدْ تَمَثَّلَ بِهِ النَبِيُّ  -: إنْ تَغْفِرِ اللهُمَّ تَغْفِرْ جَمًّا وأيُّ عَبْدٍ لَكَ لا ألَمّا وَقالَ أبُو هُرَيْرَةَ، وابْنُ عَبّاسٍ، والشَعْبِيُّ، وغَيْرُهُمْ: اللَمَمُ: صِغارُ الذُنُوبِ الَّتِي بَيْنَ الحَدَّيْنِ الدُنْيا والآخِرَةِ، وهي ما لا حَدَّ فِيهِ ولا وعِيدَ مُخْتَصًّا بِها مَذْكُورًا لَها، وإنَّما يُقالُ صِغارٌ بِالإضافَةِ إلى غَيْرِها، وإلّا فَهي بِالإضافَةِ إلى الناهِي عنها كَبائِرُ كُلُّها، ويُعَضِّدُ هَذا قَوْلُ النَبِيِّ  : « "إنَّ اللهَ كَتَبَ عَلى ابْنِ آدَمَ حَظَّهُ مِنَ الزِنى لا مَحالَةَ، فَزِنى العَيْنِ النَظَرُ، وزِنى اللِسانِ النُطْقُ، والفَرَجُ يُكَذِّبُ ذَلِكَ أو يُصَدِّقُهُ، فَإنْ تَقَدَّمَ فَرَّجُهُ فَهو زانٍ، وإلّا فَهو اللَمَمُ"»، ورُوِيَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في نَبْهانَ التَمّارِ، فالناسُ لا يَتَخَلَّصُونَ مِن مُواقَعَةِ هَذِهِ الصَغائِرِ، ولَهم -مَعَ ذَلِكَ- الحُسْنى إذا اجْتَنَبُوا الَّتِي هي في نَفْسِها كَبائِرُ، وتَظاهَرَ العُلَماءُ في هَذا القَوْلِ وكَثُرَ المائِلُ إلَيْهِ، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ عن عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّهُ قالَ: اللَمَمَ ما دُونُ الشِرْكِ، وهَذا عِنْدِي لا يَصِحُّ عن عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، وذَكَرَ المَهْدَوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والشَعْبِيُّ: اللَمَمُ ما دُونُ الزِنى، وقالَ نِفْطَوَيْهِ: اللَمَمُ ما لَيْسَ بِمُعْتادٍ، وقالَ الرُمّانِيُّ: اللَمَمُ الهَمُّ بِالذَنْبِ وحَدِيثُ النَفْسِ بِهِ دُونَ أنْ يُواقِعَ، وحَكى الثَعْلَبِيُّ عن سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ أنَّهُ ما خَطَرَ عَلى القَلْبِ، وذَلِكَ هُوَ لَمَّةُ الشَيْطانِ، قالَ الزَهْراوِيُّ: وقِيلَ اللَمَمُ نَظْرَةُ الفَجْأةِ، وقالَهُ الحَسَنُ بْنُ الفَضْلِ.

ثُمَّ أنِسَ تَعالى بَعْدَ هَذا بِقَوْلِهِ: ﴿ إنَّ رَبَّكَ واسِعُ المَغْفِرَةِ ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هُوَ أعْلَمُ بِكُمْ ﴾ الآيَةُ.

رُوِيَ عن عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنها أنَّها نَزَلَتْ بِسَبَبِ قَوْمٍ مِنَ اليَهُودِ كانُوا يُعَظِّمُونَ أنْفُسَهُمْ، ويَقُولُونَ لِلطِّفْلِ إذا ماتَ عِنْدَهُمْ: هَذا صَدِيقٌ عِنْدَ اللهِ تَعالى، ونَحْوُ هَذا مِنَ الأقاوِيلِ المُتَوَهَّمَةِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ فِيهِمْ ثُمَّ هي بِالمَعْنى عامَّةٌ جَمِيعَ البَشَرِ.

وحَكى الثَعْلَبِيُّ عَنِ الكَلْبِيِّ ومُقاتِلٍ أنَّها نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ فَخَرُّوا بِأعْمالِهِمْ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هُوَ أعْلَمُ بِكُمْ ﴾ قالَ مَكِّيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ في المُشْكَلِ: مَعْناهُ: هو عالِمٌ بِكُمْ، وقالَ جُمْهُورُ أهْلِ المَعانِي: بَلْ هو التَفْضِيلُ بِالإطْلاقِ، أيْ هو أعْلَمُ مِنَ المَوْجُودِينَ جُمْلَةً، والعامِلُ في "إذْ" هو "أعْلَمُ"، وقالَ بَعْضُ النُحاةِ: العامِلُ فِيهِ فِعْلٌ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ: اذْكُرُوا إذْ، والمَعْنى الأوَّلُ أبْيَنُ؛ لِأنَّ تَقْدِيرَهُ: فَإذا كانَ عِلْمُهُ قَدْ أحاطَ بِكم وأنْتُمْ في هَذِهِ الأحْوالِ ووَقَعَ بِكُمُ التَخَفِّي فَأحْرى أنْ يَقَعَ بِكم وأنْتُمْ تَغْفُلُونَ وتَجْتَرِحُونَ.

والإنْشاءُ مِنَ الأرْضِ يُرادُ بِهِ خَلْقُ آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ إنْشاءُ الغِذاءِ، و:"أجِنَّةٌ" جَمْعُ جَنِينٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا تُزَكُّوا أنْفُسَكُمْ ﴾ ظاهِرُهُ النَهْيُ عن أنْ يُزَكِّيَ أحَدٌ نَفْسَهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ نَهْيًا عن أنْ يُزَكِّيَ بَعْضُ الناسِ بَعْضًا وإذا كانَ هَذا فَإنَّما يَنْهى عن تَزْكِيَةِ السُمْعَةِ والمَدْحِ لِلدُّنْيا والقَطْعِ بِالتَزْكِيَةِ، ومِن ذَلِكَ الحَدِيثُ في عُثْمانَ بْنِ مَظْعُونٍ عِنْدَ مَوْتِهِ، وأمّا تَزْكِيَةُ الإمامِ والقُدْوَةِ أحَدًا لِيُؤْتَمَّ بِهِ أو لِيَتَهَمَّمَ الناسُ بِالخَيْرِ فَجائِزٌ، وقَدْ زَكّى رَسُولُ اللهِ  بَعْضَ أصْحابِهِ أبا بَكْرٍ وغَيْرَهُ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ، وكَذَلِكَ تَزْكِيَةُ الشُهُودِ في الحُقُوقِ جائِزٌ لِلضَّرُورَةِ إلَيْها، وأصْلُ التَزْكِيَةِ إنَّما هو التَقْوى، واللهُ تَعالى هو أعْلَمُ بِتَقْوى الناسِ مِنكم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَرَأيْتَ الَّذِي تَوَلّى ﴾ الآيَةُ.

قالَ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ، وغَيْرُهُما: نَزَلَتْ في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ المَخْزُومِيِّ، وذَلِكَ أنَّهُ كانَ قَدْ سَمِعَ قِراءَةَ النَبِيِّ  ، وجَلَسَ إلَيْهِ، ووَعَظَهُ رَسُولُ اللهِ  ، فَقَرُبَ مِنَ الإسْلامِ، وطَمَعَ النَبِيُّ  فِيهِ، ثُمَّ إنَّهُ عاتَبَهُ رَجُلٌ مِنَ المُشْرِكِينَ وقالَ لَهُ: أتَتْرُكُ مِلَّةَ آبائِكَ؟

ارْجِعْ إلى دِينِكَ واثْبُتْ عَلَيْهِ وأنا أتَحَمَّلُ لَكَ بِكُلِّ شَيْءٍ تَخافُهُ في الآخِرَةِ، لَكِنَّ عَلى أنْ تُعْطِيَنِي كَذا وكَذا مِنَ المالِ، فَوافَقَهُ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ عَلى ذَلِكَ، ورَجَعَ عَمّا هم بِهِ مِنَ الإسْلامِ، وضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا، وأعْطى ذَلِكَ المالَ لِذَلِكَ الرَجُلِ ثُمَّ أمْسَكَ عنهُ وشَحَّ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ فِيهِ.

وذَكَرَ الثَعْلَبِيُّ عن قَوْمٍ أنَّها نَزَلَتْ في عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ في قِصَّةٍ جَرَتْ لَهُ مَعَ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أبِي سَرْحٍ، وذَلِكَ كُلُّهُ عِنْدِي باطِلٌ، وعُثْمانُ عن مِثْلِهِ مُتَنَزَّهٌ.

وقالَ السَدِّيُّ: نَزَلَتْ في العاصِ بْنِ وائِلٍ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأعْطى قَلِيلا وأكْدى ﴾ -عَلى هَذا القَوْلِ- هو في المالِ، وقالَ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ في كِتابِ الثَعْلَبِيِّ المَعْنى: وأعْطى مِن نَفْسِهِ قَلِيلًا في قُرْبِهِ مِنَ الإيمانِ، ثُمَّ أكْدى، أيِ انْقَطَعَ ما أعْطى، وهَذا بَيِّنٌ مَنِ اللَفْظِ، والآخَرُ يَحْتاجُ إلى رِوايَةٍ، و"تَوَلّى" مَعْناهُ: أدْبَرَ وأعْرَضَ، والمُرادُ: عن أمْرِ اللهِ تَعالى، و"أكْدى" مَعْناهُ: انْقَطَعَ عَطاؤُهُ، وهو مُشَبَّهٌ بِالحافِرِ في الأرْضِ، فَإذا انْتَهى إلى كُدْيَةٍ، وهي ما صَلُبَ مِنَ الأرْضِ، وقَفَ وانْقَطَعَ حَفْرُهُ، وكَذَلِكَ: أجْبَلَ الحافِرُ إذا انْتَهى إلى جَبَلٍ، ثُمَّ قِيلَ لِمَنِ انْقَطَعَ عَمَلُهُ: أكْدى وأجْبَلَ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أعِنْدَهُ عِلْمُ الغَيْبِ فَهو يَرى ﴾ مَعْناهُ: أعْلَمُ مِنَ الغَيْبِ أنَّ مَن تَحَمَّلَ ذُنُوبَ آخَرَ فَإنَّ المُتَحَمِّلَ عنهُ يَنْتَفِعُ بِذَلِكَ فَهو لِهَذا الَّذِي عَلِمَهُ يَرى الحَقَّ ولَهُ فِيهِ بَصِيرَةٌ، أمْ هو جاهِلٌ لَمْ يُنَبَّأْ بِما في صُحُفِ مُوسى -وَهِيَ التَوْراةُ- وفي صُحُفِ إبْراهِيمَ - وهي كُتُبٌ نَزَلَتْ عَلَيْهِ مِنَ السَماءِ- مِن أنَّهُ لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى؟

أيْ لا تَحْمِلُ حامِلَةَ حِمْلٍ أُخْرى، وإنَّما يُؤْخَذُ كُلُّ أحَدٍ بِذُنُوبِ نَفْسِهِ، فَلَمّا كانَ جاهِلًا بِهَذا وقَعَ في إعْطاءِ مالِهِ لِلَّذِي قالَ لَهُ: أنا أتَحَمَّلُ عنكَ دَرْكَ الآخِرَةِ.

واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى:" الَّذِي وفّى"، وفّى ما هو المُوَفّى؟

فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: كانُوا قَبْلَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ يَأْخُذُونَ الوَلِيَّ بِالوَلِيِّ في القَتْلِ ونَحْوِهِ، فَوَفّى إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ وبَلَغَ هَذا الحُكْمَ مِن أنَّهُ لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أيْضًا، والرَبِيعُ: ومِن طاعَةِ اللهِ تَعالى في ذَبْحِ ابْنِهِ عَلَيْهِما السَلامُ، وقالَ عِكْرِمَةُ: وفى هَذِهِ العَشْرِ الآياتِ: "ألّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى" فَما بَعْدَها، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ وعِكْرِمَةُ: وفّى ما افْتَرَضَ عَلَيْهِ مِنَ الطاعاتِ عَلى وجْهِها، وتَكَمَّلَتْ لَهُ شُعَبُ الإيمانِ والإسْلامِ، فَأعْطاهُ اللهُ تَعالى بَراءَتَهُ مِنَ النارِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: وفّى شَرائِعَ الإسْلامِ، ثَلاثِينَ سَهْمًا، وقالَ أبُو أُمامَةَ - ورَفَعَهُ إلى النَبِيِّ  -: وفى أرْبَعِ صَلَواتٍ في كُلِّ يَوْمٍ، والأقْوى مِن هَذِهِ كُلُّها القَوْلُ العامُّ لِجَمِيعِ الطاعاتِ المُسْتَوْفِيَةِ لِدِينِ الإسْلامِ، فَرَوى أنَّها لَمْ تُفْرَضْ عَلى أحَدٍ مُكَمَّلَةً فَوَفّاها إلّا عَلى إبْراهِيمَ ومُحَمَّدٍ  ، ومِنَ الحُجَّةِ لِذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذِ ابْتَلى إبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأتَمَّهُنَّ  ﴾ .

وقَرَأ ابْنُ جُبَيْرٍ، وأبُو مالِكٍ، وابْنُ السَمَيْفَعِ: "وَفى" مُخَفِّفَةَ الفاءِ، والخِلافُ فِيما وفى بِهِ كالخِلافِ فِيما وفّاهُ عَلى القِراءَةِ الأُولى الَّتِي فَسَّرْنا ورُوِيَتِ القِراءَةُ عَنِ النَبِيِّ  وقَرَأها أبُو أُمامَةَ.

و"الوِزْرُ": الثِقَلُ، وأنَّثَ "الوازِرَةَ" إمّا لِأنَّهُ أرادَ النَفْسَ، وإمّا أرادَ المُبالَغَةَ كَعَلّامَةٍ ونَسّابَةٍ وما جَرى مَجْراهُما، و"أنَّ" في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: "ألّا تَزِرُ" مُخَفَّفَةً مِنَ الثَقِيلَةِ، وتَقْدِيرُها: أنَّهُ لا تَزِرُ، وحَسَّنَ الحائِلُ بَيْنَها وبَيْنَ الفِعْلِ إنْ بَقِيَ الفِعْلُ مُرْتَفِعًا، فَهي كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أنْ سَيَكُونُ مِنكم مَرْضى وآخَرُونَ  ﴾ ونَحْوُهُ، و"أنْ" في مَوْضِعِ رَفْعٍ أو خَفْضِ كِلاهُما مُرَتَّبٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ وَلِلَّهِ مَا فِى السماوات وَمَا فِى الارض لِيَجْزِىَ الذين أَسَاءُواْ بِمَا عَمِلُواْ وَيِجْزِى الذين أَحْسَنُواْ بالحسنى الذين يَجْتَنِبُونَ كبائر الإثم والفواحش إِلاَّ اللمم إِنَّ رَبَّكَ واسع المغفرة ﴾ .

عطف على قوله: ﴿ إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله ﴾ الخ فبعد أن ذكر أن لله أمور الدارين بقوله: ﴿ فللَّه الآخرة والأولى ﴾ [النجم: 25] انتقل إلى أهم ما يجري في الدارين من أحوال الناس الذين هم أشرف ما على الأرض بمناسبة قوله: ﴿ إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله ﴾ [النجم: 30] المراد به الإِشارة إلى الجزاء وهو إثبات لوقوع البعث والجزاء.

فالمقصود الأصلي من هذا الكلام هو قوله: ﴿ وما في الأرض ﴾ لأن المهم ما في الأرض إذ هم متعلق الجزاء، وإنما ذكر معه ما في السماوات على وجه التتميم للإِعلام بإحاطة ملك الله لما احتوت عليه العوالم كلها ونكتة الابتداء بالتتميم دون تأخيره الذي هو مقتضى ظاهر في التتميمات هي الاهتمام بالعالم العلوي لأنه أوسع وأشرف وليكون المقصود وهو قوله: ﴿ ليجزى الذين أساءوا بما عملوا ﴾ الآية مقترناً بما يناسبه من ذكر ما في الأرض لأن المجزيين هم أهل الأرض، فهذه نكتة مخالفة مقتضى الظاهر.

فيجوز أن يتعلق قوله: ﴿ ليجزى ﴾ بما في الخبر من معنى الكون المقدَّر في الجار والمجرور المخبر به عن ﴿ ما في السموات وما في الأرض ﴾ أي كائن ملكاً لله كوناً علته أن يجزي الذين أساءوا والذين أحسنوا من أهل الأرض، وهم الذين يصدر منهم الإِساءة والإِحسان فاللام في قوله: ﴿ ليجزي ﴾ لام التعليل، جعل الجزاء علة لثبوت ملك الله لما في السموات والأرض.

ومعنى هذا التعليل أنّ من الحقائق المرتبطة بثبوت ذلك الملك ارتباطاً أوَّليًّا في التعقل والاعتبار لا في إيجاد فإن ملك الله لما في السماوات وما في الأرض ناشئ عن إيجاد الله تلك المخلوقات والله حين أوجدها عالم أن لها حياتين وأن لها أفعالاً حسنة وسيئة في الحياة الدنيا وعالم أنه مجزيها على أعمالها بما يناسبها جزاء خالداً في الحياة الآخرة فلا جرم كان الجزاء غايةً لإِيجاد ما في الأرض فاعتبر هو العلة في إيجادهم وهي علة باعثة يحتمل أن يكون معها غيرُها لأن العلة الباعثة يمكن تعددها في الحكمة.

ويجوز أن يتعلق بقوله: ﴿ أعلم ﴾ من قوله: ﴿ هو أعلم بمن ضل عن سبيله ﴾ [النجم: 30]، أي من خصائص علمه الذي لا يعزب عنه شيء أن يكون علمه مرتباً عليه الجزاءُ.

والباءاننِ في قوله: ﴿ بما عملوا ﴾ وقوله: ﴿ بالحسنى ﴾ لتعدية فعْلي ﴿ ليجزي ﴾ و ﴿ يجزي ﴾ فما بعد الباءَيْن في معنى مفعول الفعلين، فهما داخلتان على الجزاء، وقوله: ﴿ بما عملوا ﴾ حينئذٍ تقديره: بمثل ما عملوا، أي جزاء عادلاً مماثلاً لما عملوا، فلذلك جعل بمنزلة عين ما عملوه على طريقة التشبيه البليغ.

وقوله: ﴿ بالحسنى ﴾ أي بالمثوبة الحسنى، أي بأفضل مما عملوا، وفيه إشارة إلى مضاعفة الحسنات كقوله: ﴿ من جاء بالحسنة فله خير منها ﴾ [النمل: 89].

والحسنى: صفة لموصوف محذوف يدل عليه ﴿ يجزي ﴾ وهي المثوبة بمعنى الثواب.

وجاء ترتيب التفصيل لجزاء المسيئين والمحسنين على وفق ترتيب إجماله الذي في قوله: ﴿ إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بمن اهتدى ﴾ [النجم: 30] على طريقة اللف والنشر المرتب.

وقوله: ﴿ الذين يجتنبون كبائر الإثم ﴾ الخ صفة ل ﴿ الذين أحسنوا ﴾ ، أي الذين أحسنوا واجتنبوا كبائر الإِثم والفواحش، أي فعلوا الحسنات واجتنبوا المنهيات، وذلك جامع التقوى.

وهذا تنبيه على أن اجتناب ما ذكر يعُدّ من الإِحسان لأن فعل السيئات يُنافي وصفهم بالذين أحسنوا فإنهم إذا أتوا بالحسنات كلها ولم يتركوا السيئات كان فعلهم السيئات غير إحسان ولو تركوا السيئات وتركوا الحسنات كان تركهم الحسنات سيئات.

وقرأ الجمهور ﴿ كبائر الإثم ﴾ بصيغة جمع (كبيرة).

وقرأ حمزة والكسائي ﴿ كبيرَ الإِثم ﴾ بصيغة الإِفراد والتذكير لأن اسم الجنس يستوي فيه المفرد والجمع.

والمراد بكبائر الإِثم: الآثام الكبيرة فيما شرع الله وهي ما شدد الدين التحذير منه أو ذكر له وعيداً بالعذاب أو وصف على فاعله حداً.

قال إمام الحرمين: «الكبائر كل جريمة تؤذن بقلة اكتراثثِ مرتكبها بالدين وبرقة ديانته».

وعطف الفواحش يقتضي أن المعطوف بها مغاير للكبائر ولكنها مغايرة بالعموم والخصوص الوجهي، فالفواحش أخص من الكبائر وهي أقوى إثماً.

والفواحش: الفعلات التي يعد الذي فعلها متجاوزاً الكبائر مثل الزنى والسرقة وقتل الغيلة، وقد تقدم تفسير ذلك في سورة الأنعام عند قوله تعالى: ﴿ قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن ﴾ [الأعراف: 33] الآية وفي سورة النساء (31) في قوله: ﴿ إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه ﴾ واستثناء اللمم استثناء منقطع لأن اللمم ليس من كبائر الإِثم ولا من الفواحش.

فالاستثناء بمعنى الاستدراك.

ووجهه أن ما سمي باللمم ضرب من المعاصي المحذر منها في الدين، فقد يظن الناس أن النهي عنها يلحقها بكبائر الإِثم فلذلك حق الاستدراك، وفائدة هذا الاستدراك عامة وخاصة: أما العامة فلكي لا يعامِل المسلمون مرتكب شيء منها معاملة من يرتكب الكبائر، وأما الخاصة فرحمة بالمسلمين الذين قد يرتكبونها فلا يَقُل ارتكابها من نشاط طاعة المسلم، ولينصرف اهتمامه إلى تجنب الكبائر.

فهذا الاستدراك بشارة لهم، وليس المعنى أن الله رخص في إتيان اللمم.

وقد أخطأ وضاح اليَمن في قوله الناشئ عن سوء فهمه في كتاب الله وتطفله في غير صناعته: فما نوَّلَتْ حتى تضرعتُ عندها *** وأنبأتُها ما رَخَّص الله في اللَّمم واللمم: الفعل الحرام الذي هو دون الكبائر والفواحش في تشديد التحريم، وهو ما يندر ترك الناس له فيكتفى منهم بعدم الإكثار من ارتكابه.

وهذا النوع يسميه علماء الشريعة الصغائر في مقابلة تسمية النوع الآخر بالكبائر.

فمثلوا اللمم في الشهوات المحرمة بالقبلة والغمزة.

سمي: اللمم، وهو اسم مصدر أَلمَّ بالمكان إلماماً إذا حلّ به ولم يُطل المكث، ومن أبيات الكتاب: قريشي منكمُ وَهَوَايَ مَعْكُم *** وإن كانت زيارتكم لِمامَا وقد قيل إن هذه الآية نزلت في رجل يسمى نَبْهان التَمَّار كان له دُكان يبيع فيه تمراً (أي بالمدينة) فجاءته امرأة تشتري تمراً فقال لها: إنّ داخل الدُكان ما هو خير من هذا، فلما دخلت راودها على نفسها فأبت فندم فأتى النبي وقال: ما من شيء يصنعه الرجل إلا وقد فعلته (أي غصباً عليها) إلا الجماع، فنزلت هذه الآية، أي فتكون هذه الآية مدنية أُلحقت بسورة النجم المكية كما تقدم في أول السورة.

والمعنى: أن الله تجاوز له لأجل توبته.

ومن المفسرين من فسر اللَّمم بِالهَمّ بالسيئة ولا يفعل فهو إلمام مجازي.

وقوله: إن ربك واسع المغفرة } تعليل لاستثناء اللمم من اجتنابهم كبائر الإِثم والفواحش شرطاً في ثبوت وصف ﴿ الذين أحسنوا ﴾ لهم.

وفي بناء الخبر على جعل المسند إليه ﴿ ربك ﴾ دون الاسم العلم إشعار بأن سعة المغفرة رفق بعباده الصالحين شأن الرب مع مربوبه الحق.

وفي إضافة (رب) إلى ضمير النبي صلى الله عليه وسلم دون ضمير الجماعة إيماء إلى أن هذه العناية بالمحسنين من أمته قد حصلت لهم ببركته.

والواسع: الكثير المغفرة، استعيرت السعة لكثرة الشمول لأن المكان الواسع يمكن أن يحتوي على العدد الكثير ممن يحلّ فيه قال تعالى: ﴿ ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلماً ﴾ وتقدم في سورة غافر (7).

هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُمْ مِّنَ الارض وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِى بُطُونِ أمهاتكم فَلاَ تزكوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى}.

الخطاب للمؤمنين، ووقوعه عقب قوله: ﴿ ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى ﴾ ينبئ عن اتصال معناه بمعنى ذلك فهو غير مُوجه لليهود كما في «أسباب النزول» للواحدي وغيره.

وأصله لعبد الله بن لهيعة عن ثابت بن حارث الأنصاري.

قال: " كانت اليهود إذا هلك لهم صبي صغير يقولون: هو صدِّيق، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: كذبت يهود، ما من نسمة يخلقها الله في بطن أمه إلا أنه شقي أو سعيد " فأنزل الله هذه الآية.

وعبد الله بن لهيعة ضَعفه ابن معين وتَركه وكيع ويحيى القطان وابن مهدي.

وقال الذهبي: العَمل على تضعيفه، قلت: لعل أحد رواة هذا الحديث لم يضبط فقال: فأنزل الله هذه الآية، وإنما قرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذاً بعموم قوله: ﴿ هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض ﴾ الخ، حجة عليهم، وإلاّ فإن السورة مكية والخوض مع اليهود إنما كان بالمدينة.

وقال ابن عطية: حكى الثعلبي عن الكلبي ومقاتل أنها نزلت في قوم من المؤمنين فخروا بأعمالهم.

وكأنَّ الباعث على تطلب سبب لنزولها قصد إبداء وجه اتصال قوله: ﴿ فلا تزكوا أنفسكم ﴾ بما قبله وما بعده وأنه استيفاء لمعنى سعة المغفرة ببيان سعة الرحمة واللطف بعباده إذْ سلك بهم مسلك اليسر والتخفيف فعفا عمّا لو آخذهم به لأحرجهم فقوله: ﴿ هو أعلم بكم ﴾ نظير قوله: ﴿ الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفاً ﴾ [الأنفال: 66] الآية ثم يجيء الكلام في التفريع بقوله: ﴿ فلا تزكوا أنفسكم ﴾ .

فينبغي أن تحل جملة ﴿ هو أعلم بكم ﴾ إلى آخرها استئنافاً بيانياً لجملة ﴿ إن ربك واسع المغفرة ﴾ لما تضمنته جملة ﴿ إن ربك واسع المغفرة ﴾ من الامتنان، فكأن السامعين لما سمعوا ذلك الامتنان شكروا الله وهجس في نفوسهم خاطر البحث عن سبب هذه الرحمة بهم فأجيبوا بأن ربهم أعلم بحالهم من أنفسهم فهو يدبر لهم ما لا يخطر ببالهم، ونظيره ما في الحديث القدسي قال الله تعالى: " أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر خيراً من بَلْه ما أطَّلَعتم عليه ".

وقوله: ﴿ إذ أنشأكم ﴾ ظرف متعلق ب (أعلم)، أي هو أعلم بالناس من وقت إنشائه إياهم من الأرض وهو وقت خلق أصلهم آدم.

والمعنى: أن إنشاءهم من الأرض يستلزم ضعف قدرهم عن تحمل المشاق مع تفاوت أطوار نشأة بني آدم، فالله علم ذلك وعلم أن آخر الأمم وهي أمة النبي صلى الله عليه وسلم أضعف الأمم.

وهذا المعنى هو الذي جاء في حديث الإِسراء من قول موسى لمحمد عليهما الصلاة والسلام حين فرض الله على أمته خمسين صلاة «إن أمتك لا تطيق ذلك وإني جربت بني إسرائيل» أي وهم أشد من أمتك قوة، فالمعنى أن الضعف المقتضي لسعة التجاوز بالمغفرة مقرر في علم الله من حين إنشاء آدم من الأرض بالضعف الملازم لجنس البشر على تفاوت فيه قال تعالى: ﴿ وخلق الإِنسان ضعيفاً ﴾ [النساء: 28]، فإن إنشاء أصل الإِنسان من الأرض وهي عنصر ضعيف يقتضي ملازمة الضعف لجميع الأفراد المنحدرة من ذلك الأصل.

ومنه قوله النبي: " إن المرأة خُلقت من ضِلَع أعوج ".

وقوله: ﴿ وإذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم ﴾ يختص بسعة المغفرة والرفق بهذه الأمة وهو متقضى قوله تعالى: ﴿ يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ﴾ [البقرة: 185].

والأجنة: جمع جنين، وهو نسل الحيوان ما دام في الرحم، وهو فعيل بمعنى مفعول لأنه مستور في ظلمات ثلاث.

وفي ﴿ بطون أمهاتكم ﴾ صفة كاشفة إذ الجنين لا يقال إلا على ما في بطن أمه.

وفائدة هذا الكشف أن فيه تذكيراً باختلاف أطوار الأجنة من وقت العلوق إلى الولادة، وإشارة إلى إحاطة علم الله تعالى بتلك الأطوار.

وجملة ﴿ فلا تزكوا أنفسكم ﴾ اعتراض بين جملة ﴿ هو أعلم بكم ﴾ وجملة ﴿ أفرأيت الذي تولى ﴾ [النجم: 33] الخ، والفاء لتفريع الاعتراض، وهو تحذير للمؤمنين من العُجب بأعمالهم الحسنة عجباً يحدثه المرء في نفسه أو يدخله أحدٌ على غيره بالثناء عليه بعمله.

و ﴿ تزكوا ﴾ مضارع زكى الذي هو من التضعيف المراد منه نسبة المفعول إلى أصل الفعل نحو جَهَّله، أي لا تنسبوا لأنفسكم الزكاة.

فقوله: ﴿ أنفسكم ﴾ صادق بتزكية المرء نفسه في سره أو علانيته فرجع الجمع في قوله: ﴿ فلا تزكوا ﴾ إلى مقابلة الجمع بالجمع التي تقتضي التوزيع على الآحاد مثل: ركب القوم دوابهم.

والمعنى: لا تحسبوا أنفسكم أزكياء وابتغوا زيادة التقرب إلى الله أولاً تثقوا بأنكم أزكياء فيدخلكم العجب بأعمالكم ويشمل ذلك ذكر المرء أعماله الصالحة للتفاخر بها، أو إظهارها للناس، ولا يجوز ذلك إلا إذا كان فيه جلب مصلحة عامة كما قال يوسف: ﴿ اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم ﴾ [يوسف: 55].

وعن الكلبي ومقاتل: كان ناس يعملون أعمالاً حسنة ثم يقولون: صلاتنا وصيامنا وحجنا وجهادنا، فأنزل الله تعالى هذه الآية.

ويشمل تزكية المرء غيره فيرجع ﴿ أنفسكم ﴾ إلى معنى قَومكم أو جماعتكم مثل قوله تعالى: ﴿ فإذا دخلتم بيوتاً فسلموا على أنفسكم ﴾ [النور: 61] أي ليسلم بعضكم على بعض.

والمعنى: فلا يثني بعضكم على بعض بالصلاح والطاعة لئلا يغيرُه ذلك.

وقد ورد النهي في أحاديث عن تزكية الناس بأعمالهم.

ومنه حديث أم عطية حين مات عثمان بن مظعون في بيتها ودخل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت أم عطية: «رحمةُ الله عليك أبا السائب (كنية عثمان بن مظعون) فشهادتي عليك لقد أكرمكَ الله فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم وما يُدريك أن الله أكرمه، فقالت: إذا لم يُكرمه الله فمنْ يكرمهُ الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أما هو فقد جاءه اليقين وإني لأرجو له الخير وإني والله ما أدري وأنا رسولُ الله ما يُفعل بي».

قالت أم عطية: فلا أزكي أحداً بعدَ ما سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد شاع من آداب عصر النبوة بين الصحابة التحرز من التزكية وكانوا يقولون إذا أثنوا على أحد لا أعلم عليه إلا خيراً ولا أزكي على الله أحداً.

وروى مسلم عن محمد بن عمرو بن عطاء قال: «سميت ابنتي بَرة فقالت لي زينب بنت بن سلمة إن رسول الله نهى عن هذا الإسم، وسُمِّيتُ برة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تزكوا أنفسكم إن الله أعلم بأهل البر منكم، قالوا: بم نسميها؟

قال: سموها زينب».

وقد ظهر أن النهي متوجه إلى أن يقول أحد ما يفيد زكاء النفس، أي طهارتها وصلاحها، تفويضاً بذلك إلى الله لأن للناس بواطن مختلفةَ الموافقةِ لظواهرهم وبين أنواعها بَون.

وهذا من التأديب على التحرز في الحكم والحيطة في الخِبرة واتهام القرائن والبوارق.

فلا يدخل في هذا النهي الإِخبارُ عن أحوال الناس بما يعلم منهم وجربوا فيه من ثقة وعدالة في الشهادة والرواية وقد يعبر عن التعديل بالتزكية وهو لفظ لا يراد به مثل ما أريد من قوله تعالى: ﴿ فلا تزكوا أنفسكم ﴾ بل هو لفظ اصطلح عليه الناس بعد نزول القرآن ومرادهم منه واضح.

ووقعت جملة ﴿ هو أعلم بمن اتقى ﴾ موقع البيان لسبب النهي أو لأهمِّ أسبابه، أي فوضوا ذلك إلى الله إذ هو أعلم بمن اتقى، أي بحال من اتقى من كمال تقوى أو نقصها أو تزييفها.

وهذا معنى ما ورد في الحديث أن يقول من يخبر عن أحد بخير: «لا أزكي على الله أحداً» أي لا أزكى أحداً معتلياً حق الله، أي متجاوزاً قدري.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الإثْمِ والفَواحِشَ إلا اللَّمَمَ ﴾ أمّا كَبائِرُ الإثْمِ فَفَيِها خَمْسَةُ أقاوِيلَ أحَدُها: أنَّهُ الشِّرْكُ بِاللَّهِ، حَكاهُ الطَّبَرِيُّ.

الثّانِي: أنَّهُ ما زَجَرَ عَنْهُ بِالحَدِّ، حَكاهُ بَعْضُ الفُقَهاءِ.

الثّالِثُ: ما لا يُكَفَّرُ إلّا بِالتَّوْبَةِ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.

الرّابِعُ: ما حَكاهُ شُرَحْبِيلُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ  عَنِ الكَبائِرِ فَقالَ: (أنْ تَدْعُوَ لِلَّهِ نِدًّا وهو خَلَقَكَ وأنْ تَقْتُلَ ولَدَكَ مَخافَةَ أنْ يَطْعَمَ مَعَكَ وأنْ تُزانِي حَلِيلَةَ جارِكَ)» الخامِسُ: ما رَوى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ أنَّ رَجُلًا سَألَ ابْنَ عَبّاسٍ عَنِ الكَبائِرِ أسَبْعٌ هِيَ؟

قالَ: إلى سَبْعِمِائَةٍ أقْرَبُ مِنها إلى سَبْعَةٍ، لا كَبِيرَةَ مَعَ اسْتِغْفارٍ ولا صَغِيرَةَ مَعَ إصْرارٍ، فَكَأنَّهُ يَذْكُرُ أنَّ كَبائِرَ الإثْمِ ما لَمْ يُسْتَغْفَرْ مِنهُ.

وَأمّا الفَواحِشُ فَفَيِها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها جَمِيعُ المَعاصِي.

الثّانِي: أنَّها الزِّنى.

وَأمّا اللَّمَمُ المُسْتَثْنى فَفِيهِ ثَمانِيَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: إلّا اللَّمَمَ الَّذِي ألَمُّوا بِهِ في الجاهِلِيَّةِ مِنَ الإثْمِ والفَواحِشِ فَإنَّهُ مَعْفُوٌّ عَنْهُ في الإسْلامِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ.

الثّانِي: هو أنْ يَلُمَّ بِها ويَفْعَلُها ثُمَّ يَتُوبُ مِنها، قالَهُ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: هو أنْ يَعْزُمَ عَلى المُواقَعَةِ ثُمَّ يَرْجِعُ عَنْها مُقْلِعًا وقَدْ رَوى عَمْرُو بْنُ دِينارٍ عَنْ عَطاءٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ النَّبِيَّ  قالَ إنْ تَغْفِرِ اللَّهُمَّ تَغْفِرْ جَمّا وأيُّ عَبْدٍ لَكَ لا ألَمّا » الرّابِعُ: أنَّ اللَّمَمَ ما دُونَ الوَطْءِ مِنَ القُبْلَةِ والغَمْزَةِ والنَّظْرَةِ والمُضاجَعَةِ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، رَوى طاوُسٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ما رَأيْتُ أشْبَهَ بِاللَّمَمِ مِن قَوْلِ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ  : « (كَتَبَ اللَّهُ عَلى كُلِّ نَفْسٍ حَظَّها مِنَ الزِّنى أدْرَكَ ذَلِكَ لا مَحالَةَ، فَزِنى العَيْنَيْنِ النَّظَرُ وزِنى اللِّسانِ المَنطِقُ وهي النَّفْسُ تُمَنِّي وتَشْتَهِي، والفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ أوْ يُكَذِّبُهُ» الخامِسُ: أنَّ اللَّمَمَ الصَّغائِرُ مِنَ الذُّنُوبِ.

السّادِسُ: أنَّ اللَّمَمَ ما لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ حَدٌّ في الدُّنْيا ولَمْ يُسْتَحَقَّ عَلَيْهِ في الآخِرَةِ عَذابٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ.

السّابِعُ: أنَّ اللَّمَمَ النَّظْرَةُ الأُولى فَإنْ عادَ فَلَيْسَ بِلَمَمٍ، قالَهُ بَعْضُ التّابِعِينَ، فَجَعَلَهُ ما لَمْ يَتَكَرَّرْ مِنَ الذُّنُوبِ، واسْتَشْهَدَ بِقَوْلِ الشّاعِرِ وما يَسْتَوِي مَن لا يَرى غَيْرَ لَمَّةٍ ∗∗∗ ومَن هو ناوٍ غَيْرَها لا يَرِيمُها والثّامِنُ: أنَّ اللَّمَمَ النِّكاحُ، وهَذا قَوْلُ أبِي هُرَيْرَةَ.

وَذَكَرَ مُقاتِلُ بْنُ سُلَيْمانَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في رَجُلٍ كانَ يُسَمّى نَبْهانُ التَّمّارُ كانَ لَهُ حانُوتٌ يَبِيعُ فِيهِ تَمْرًا، فَجاءَتْهُ امْرَأةٌ تَشْتَرِي مِنهُ تَمْرٌا، فَقالَ لَها: إنَّ بِداخِلِ الدُّكّانِ ما هو خَيْرٌ مِن هَذا، فَلَمّا دَخَلَتْ راوَدَها عَنْ نَفْسِها، فَأبَتْ وانْصَرَفَتْ، فَنَدِمَ نَبْهانُ وأتى رَسُولَ اللَّهِ  فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ما مِن شَيْءٍ يَصْنَعُهُ الرَّجُلُ إلّا وقَدْ فَعَلْتُهُ إلّا الجِماعَ، فَقالَ: « (لَعَلَّ زَوْجُها غازٍ)» فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿ هُوَ أعْلَمُ بِكم إذْ أنْشَأكم مِنَ الأرْضِ ﴾ يَعْنِي أنْشَأ آدَمَ.

﴿ وَإذْ أنْتُمْ أجِنَّةٌ في بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ ﴾ قالَ مَكْحُولٌ: في بُطُونِ أُمَّهاتِنا فَسَقَطَ مِنّا مَن سَقَطَ، وكُنّا فِيمَن بَقِيَ، ثُمَّ صِرْنا يَفَعَةً فَهَلَكَ مِنّا مَن هَلَكَ، وكُنّا فِيمَن بَقِيَ، ثُمَّ صِرْنا شَبابًا فَهَلَكَ مِنّا مَن هَلَكَ وكُنّا فِيمَن بَقِيَ، ثُمَّ صِرْنا شُيُوخًا لا أبا لَكَ فَما بَعْدَ هَذا تَنْتَظِرُ؟

﴿ فَلا تُزَكُّوا أنْفُسَكُمْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَعْنِي لا تُمادِحُوا، قالَهُ ابْنُ شَوْذَبٍ.

الثّانِي: لا تَعْمَلُوا بِالمَعاصِي وتَقُولُوا نَعْمَلُ بِالطّاعَةِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.

الثّالِثُ: إذا عَمِلْتَ خَيْرًا فَلا تَقُلْ عَمِلْتُ كَذا وكَذا.

وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: لا تُبادِلُوا قُبْحَكم حَسَنًا ومُنْكَرَكم مَعْرُوفًا.

وَيَحْتَمِلُ خامِسًا: لا تُراؤُوا بِعَمَلِكُمُ المَخْلُوقِينَ لِتَكُونُوا عِنْدَهم أزْكِياءَ.

﴿ هُوَ أعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى ﴾ قالَ الحَسَنُ: قَدْ عَلِمَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ ما هي عامِلَةٌ وما هي صانِعَةٌ وإلى ما هي صائِرَةٌ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ الذين يجتنبون كبائر الإِثم والفواحش ﴾ قال: الكبائر ما سمى الله فيه النار ﴿ والفواحش ﴾ ما كان فيه حد في الدنيا.

قوله تعالى: ﴿ إلا اللمم ﴾ .

أخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وأحمد وعبد بن حميد والبخاري ومسلم وابن جرير وابن المنذر وابن مردوية والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال: ما رأيت شيئاً أشبه باللمم مما قال أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا أدرك ذلك لا محالة، فزنا العين النظر، وزنا اللسان النطق، والنفس تمنى وتشتهي، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه» .

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن مسعود في قوله: ﴿ إلا اللمم ﴾ قال: زنا العينين النظر، وزنا الشفتين التقبيل، وزنا اليدين البطش، وزنا الرجلين المشي، ويصدق ذلك الفرج أو يكذبه، فإن تقدم بفرجه كان زانياً وإلا فهو اللمم.

وأخرج مسدد وابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي هريرة أنه سئل عن قوله: ﴿ إلا اللمم ﴾ قال: هي النظرة والغمزة والقبلة والمباشرة فإذا مس الختان الختان فقد وجب الغسل وهو الزنا.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عبد الله بن الزبير قال: اللمم ما بين الحدين.

وأخرج سعيد بن منصور والترمذي وصححه والبزار وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردوية والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عباس في قوله: ﴿ إلا اللمم ﴾ قال: هو الرجل يلم بالفاحشة ثم يتوب منها، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن تغفر اللهم تغفر جماً وأيّ عبد لك لا ألمّا» .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ إلا اللمم ﴾ يقول: إلا ما قد سلف.

وأخرج ابن جرير عن ابن زيد قال: قال المشركون: إنما كانوا بالأمس يعملون معنا فأنزل الله: ﴿ إلا اللمم ﴾ ما كان منهم في الجاهلية قبل الإِسلام، وغفرها لهم حين أسلموا.

وأخرج ابن جرير عن زيد بن أسلم في قوله: ﴿ الذين يجتنبون كبائر الإِثم ﴾ قال: الشرك ﴿ والفواحش ﴾ قال: الزنا تركوا ذلك حين دخلوا في الإِسلام، وغفر الله لهم ما كانوا ألموا به وأصابوا من ذلك قبل الإِسلام.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردوية والبيهقي في الشعب عن أبي هريرة أراه رفعه في قوله: ﴿ إلا اللمم ﴾ قال: اللمة من الزنا ثم يتوب ولا يعود، واللمة من شرب الخمر ثم يتوب ولا يعود، قال: فتلك الإِلمام.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الحسن في قوله: ﴿ إلا اللمم ﴾ قال: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون: هو الرجل يصيب اللمة من الزنا واللمة من شرب الخمر فيجتنبها أو يتوب منها.

وأخرج ابن مردوية عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أتدرون ما اللمم؟

قالوا: الله ورسوله أعلم.

قال: هو الذي يلم بالخطرة من الزنا ثم لا يعود، ويلم بالخطرة من شرب الخمر ثم لا يعود، ويلم بالسرقة ثم لا يعود» .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ إلا اللمم ﴾ قال: يلم بها في الحين ثم يتوب.

وأخرج عبد بن حميد عن أبي صالح قال: سئلت عن اللمم، فقلت: هو الرجل يصيب الذنب ثم يتوب، وأخبرت بذلك ابن عباس، فقال: لقد أعانك عليها ملك كريم.

وأخرج البخاري في تاريخه عن الحسن في قوله: ﴿ إلا اللمم ﴾ قال: الزنية في الحين.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن أبي صالح في قوله: ﴿ إلا اللمم ﴾ قال: الوقاعة من الزنا لا يعود لها.

وأخرج ابن المنذر عن عطاء في قوله: ﴿ إلا اللمم ﴾ قال: هو ما دون الجماع.

وأخرج ابن المنذر عن عكرمة أنه ذكر له قول الحسن في اللمم في الخطرة من الزنا، فقال: لا ولكنها الضمة والقبلة والشمة.

وأخرج ابن جرير عن ابن عمرو قال: اللمم ما دون الشرك.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن ابن عباس قال: اللمم كل شيء بين الحدين حد الدنيا وحد الآخرة يكفره الصلاة، وهو دون كل موجب، فأما حد الدنيا فكل حد فرض الله عقوبته في الدنيا، وأما حد الآخرة فكل شيء ختمه الله بالنار، وأخر عقوبته إلى الآخرة.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ إلا اللمم ﴾ قال: اللمم ما بين الحدين ما لم يبلغ حد الدنيا ولا حد الآخرة موجبة قد أوجب الله لأهلها النار أو فاحشة يقام عليه الحد في الدنيا.

وأخرج ابن جرير عن محمد بن سيرين قال: سأل رجل زيد بن ثابت عن هذه الآية ﴿ الذين يجتنبون كبائر الإِثم والفواحش إلا اللمم ﴾ فقال: حرم الله عليك الفواحش ما ظهر منها وما بطن.

قوله تعالى: ﴿ هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض ﴾ .

أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وأبو نعيم في المعرفة وابن مردوية والواحدي عن ثابت بن الحارث الأنصاري قال: «كانت اليهود إذا هلك لهم صبي صغير قالوا: هذا صديق، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: كذبت يهود ما من نسمة يخلقها الله في بطن أمها إلا أنه شقي أو سعيد فأنزل الله عند ذلك ﴿ هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض ﴾ الآية كلها» .

وأخرج ابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿ هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض ﴾ قال: هو كنحو قوله: ﴿ وهو أعلم بالمهتدين ﴾ .

وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في قوله: ﴿ إذ أنشأكم من الأرض وإذ أنتم أجنة ﴾ قال: حين خلق الله آدم من الأرض ثم خلقكم من آدم.

وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن في قوله: ﴿ هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض وإذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم ﴾ قال: علم الله من كل نفس ما هي عاملة وما هي صانعة وما هي إليه صائرة.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن زيد بن أسلم في قوله: ﴿ فلا تزكوا أنفسكم ﴾ قال: لا تبرئوا أنفسكم.

وأخرج ابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ فلا تزكوا أنفسكم ﴾ قال: لا تعملوا بالمعاصي وتقولون: نعمل بالطاعة.

وأخرج ابن سعد وأحمد ومسلم وأبو داود وابن مردوية «عن زينب بنت أبي سلمة أنها سميت برة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿ فلا تزكوا أنفسكم ﴾ الله أعلم بأهل البر منكم سموها زينب» .

وأخرج الزبير بن بكار في الموفقيات عن جده عبد الله بن مصعب قال: قال أبو بكر الصديق لقيس بن عاصم: صف لنا نفسك.

فقال: إن الله يقول ﴿ فلا تزكوا أنفسكم ﴾ فلست ما أنا بمزك نفسي، وقد نهاني الله عنه، فأعجب أبا بكر ذلك منه.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ ﴾ وقد تقدم الكلام في تفسير الكبائر في سورة النساء (١) قال مقاتل: كبائر الإثم، يعني: كل ذنب ختم بالنار، والفواحش يعني: كل ذنب فيه الحد (٢) وقرأ حمزة والكسائي: (كبير الإثم) (٣) وفعيل قد جاء يعني به الكثرة كما أن فعولا كذلك في قوله: ﴿ فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ  ﴾ ، وقوله: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ  ﴾ .

ومن فعيل الذي أريدَ به الكثرة قوله تعالى: ﴿ فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (100) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ  ﴾ ، وقوله: ﴿ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا  ﴾ ، وقوله: ﴿ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ  ﴾ ، وقول الشاعر (٤) وَمَا ضَرَّنَا أَنَّا قَلِيلٌ ......

البيت (٥) فمن حيث كان لفظ الإفراد والمراد به الكثرة في هذا الموضع كذلك أفرد فعيل في قوله: (كبير الإثم) وإن كان المراد به الكبائر.

ويحسن الإفراد من وجه آخر، وهو أن المصدر المضاف فعيل إليه واحد في معنى الكثرة، ألا ترى أنه (٦) فإن قيل: فهلا أُفْردا في النساء كما أفردا في هذه السورة؟

قيل: إذا أتيا به على قياس ما جاء في التنزيل في غير هذا الموضع لم يكن لقائل مقال، ألا ترى أنه قد جاء ﴿ فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ  ﴾ وقال: ﴿ وَهُمْ لَكُمْ عَدُو  ﴾ ، فأفرد، وجمع في قوله: ﴿ وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ  ﴾ ، و ﴿ إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً  ﴾ فلم صنع من إفراد ذلك جمعه في المواضع التي جمع فيها (٧) ﴿ كَبَائِرَ الْإِثْمِ ﴾ فلأنه في المعنى جمعٌ، والإثم يراد به الكثرة إلا أنه أفرد كما تفرد المصادر وغيرها من الأسماء التي يراد بها الكثرة والأجناس (٨) قوله تعالى: ﴿ إِلَّا اللَّمَمَ ﴾ اختلفوا فيه على قولين: أحدهما: أن اللمم صغار الذنوب، مثل النظرة والغمزة والقبلة.

قال عطاء، عن ابن عباس: إلا ما كان دون الزنا (٩) (١٠) وعن نافع بن جبير بن مطعم: هو ما دون الوقاع، وهذا قول ابن مسعود، وأبي هريرة، ومسروق، والشعبي، وطاووس، قالوا: ما دون الزنا (١١) واحتجوا بما روى أبو هريرة أن النبي -  - قال: "إن الله -عز وجل- كتب على ابن آدم حظه من الزنا أدركه ذلك لا محالة، فزنا العينين النظر، وزنا اللسان المنطق، وزنا الشفتين التقبيل، وزنا اليدين البطش، وزنا الرجلين المشي، والنفس تتمنى وتشتهي، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه" (١٢) فإن تقدم فرجه كان زانٍ وإلا فهو اللمم.

وقال ابن الزبير، وعكرمة، وقتادة، والضحاك، ومقاتل: هو ما بين الحدين، حد الدنيا، وعذاب الآخرة، وكل ذنب ليس فيه حد في الدنيا ولم يتوعد عليه بعذاب في الآخرة فهو اللمم، وهي رواية العوفي، والحكم عن ابن عباس، وهؤلاء قالوا: اللمم تكفره الصلوات وهو مغفور لمن اجتنب الكبائر (١٣) القول الثاني في اللمم: أنه الذنب يلم به الرجل ثم يتوب، روى عمرو بن دينار عن عطاء، عن ابن عباس في قوله: ﴿ إِلَّا اللَّمَمَ ﴾ قال: يلم بالذنب مرة ثم يتوب منه ولا يعود (١٤)  - يقول: "إنْ تَغْفِر اللَّهمَّ تَغْفِرْ جَمَّا ...

وأَيُّ عَبْدٍ لك لا أَلَمَّا" (١٥) وقال الحسن: هو الرجل يلم المرة ثم ينزع (١٦) وروى السدي عن أبي صالح، قال: سألني رجل عن اللمم، فقلت: هو الرجل يلم بالذنب ثم (١٧) (١٨) (١٩) ومعنى اللمم على هذا القول ما تيب منه وإن عظم وكبر، وأصل معنى القولين في اللغة واحد.

وقال المبرد: يقال: أَلَمَّ فلان بكذا إذا قاربه ولم يخالطه (٢٠) فعلى ما ذكر اللمم ما قارب به من الكبيرة كالنظر والقبلة واللمس، واللمم ما ألم به مرة من زنا وشرب خمر، ثم لم يمعن فيه وتاب منه والعرب تقول: ألممت بفلان إلمامًا، وما يزورنا إلا لمامًا.

قال جرير: بنفسي من تجنبه عزيزٌ ...

عليَّ ومن زيارته لمام (٢١) قال أبو عبيدة: معناه الأحيان على غير مواظبة ولا وقت معلوم، قال الأزهري: والعرب تستعمل الإلمام في المقاربة والدنو، يقال: ألَمَّ بفعل كذا، في معنى كاد يفعل، قال أبو زيد: كان ذلك منذ شهرين أو لمامهما، ومنذ شهر أو لممه، أي قراب شهر، ومنه قوله -  -: "وإن مما ينبت الربيع ما يقتل حبطا أو يُلِمَّ" (٢٢) وقال أبو زيد: في أرض بني فلان من الشجر المُلِمّ كذا وكذا، وهو الذي قارب أن يَحْمل.

وقال المبرد: فلان ميت أو ملم، أي قد قارب الموت، ونخل مُلِمُّ قد قارب الإطعام وأنشد: وزَيْدٌ مَيّتٌ كَمَدَ الحُبَارَى ...

إِذَا بَانَتْ لَطِيفَةُ أَو مُلِمُّ (٢٣) قال: يعني أو مدانٍ للموت، واللمة من الشعر التي ألمت أن تبلغ أذن، أي قاربت (٢٤) وقوله: أَلْمِم، معناه اجعل لنا من زيارتك أدنى حظ، ومنه قول الشاعر: أَلْمِمْ بِسَلُّومَةَ أَلْمِمْ ألْمِمِ ...

خَلونَهَا مِن الخَليلِ والحَمِي (٢٥) وأمَّا الاستثناء في قوله: ﴿ إِلَّا اللَّمَمَ ﴾ على القولين جميعًا استثناء خارج.

قال أبو عبيدة: لم يؤذن لهم في اللمم وليس اللمم من الفواحش ولا من كبائر الإثم، وقد يستثنى الشيء من الشيء وليس منه، والتقدير: إلا أن يلم ملم بشيء من الفواحش (٢٦) وقال المبرد: لم يبحهم اللمم، ومعناه استثناء ليس من الأول، وتفسيره: لكن إن ألموا تابوا كما قال: ﴿ وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (19) إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى  ﴾ .

فابتغاء وجه ربه من نعمة لأحد.

والمعنى، ولكنه يبتغي، قال: وقال ابن أحمر-وأراد أن يخدع من يخاطبه- فقال: قد قلتُ في بعضِ مَا أَقولُ لَهَا ...

قَولةَ نَزْرِ الكَلامِ مُحْتَشِمِ قَد حَرَّمَ اللهُ كلَّ فَاحشةٍ ...

ورَخَّصَ اللهُ منكِ في اللَّمَمِ قال: وإنما قال ذلك بخلاعته لا لأنه لم يعرف أن اللمم لم يرخص فيه، الدليل على ذلك أنه قال: فأنكرت ذاك وهي صالحةٌ ...

مِنْ نِسوةٍ لا يَجُدْنَ بالتُّهَمِ انتهى كلامه (٢٧) وقال قوم: اللَّمَمُ على القول الثاني من جنس الفواحش والاستثناء وقع من الجنس، ومعنى الآية: إلا أن يلم بالفاحشة ثم يتوب، ويقع الوقعة ثم ينتهي، واسم اللممِ يدل على التوبة والانتهاء، لأنه إنما يسمى لمما إذا لم يمعن فيه، والصحيح هو الأول؛ لأن هذا يؤدي إلى إباحة اللمم (٢٨) (٢٩) ﴿ إِلَّا اللَّمَمَ ﴾ إلا ما قد سلف في الجاهلية (٣٠) القول الثاني: هو قول عبد الله بن عمرو قال: اللمم ما دون الشرك (٣١) والناس على القولين الأولين، واختار أبو إسحاق الثاني منهما، قال: اللمم هو أن يكون الإنسان قد ألم بالمعصية ولم يصر ولم يُقم على ذلك، والإلمام في اللغة يوجب أنك تأتي الشيء في الوقت ولا تقيم عليه.

فهذا معنى اللمم في هذا الموضع (٣٢) ﴿ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ ﴾ قال ابن عباس: لمن فعل ذلك وتاب (٣٣) (٣٤) ثم قال قوله: ﴿ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ ﴾ قال ابن عباس: هو أعلم بكم قبل أن يخلقكم: ﴿ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ ﴾ قال: يريد ما كان من خلق آدم ميت تراب (٣٥) قوله تعالى: ﴿ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ ﴾ أجنة جمع جنين، وهو الولد ما دام في البطن، سمي جنينًا لأنه مستور، ومنه سمي المدفون جنينًا لأنه مستور بالتراب، قال عمرو: وَلاَ شَمْطَاءُ لم يترك شقَاها ...

لَهَا من تسعةٍ إلا جَنينا (٣٦) أي إلا دفينًا في قبره.

قال الحسن: علم الله من كل نفس ما هي عاملة وما هي صانعة وإلى ما هي صائرة (٣٧) (٣٨) ﴿ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ ﴾ قال الكلبي، ومقاتل: كان ناس يقولون: صلينا وصمنا وفعلنا وفعلنا، فأنزل الله ﴿ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ ﴾ (٣٩) (٤٠) وقال آخرون: معناه لا تبرؤوها ولا تمدحوها، يدل على هذا ما روى أن زينب بنت أبي سلمة (٤١)  -: "لا تزكوا أنفسكم، الله أعلم بالبر منكم.

قالوا: ما نسميها؟

قال: سموها زينب" (٤٢) والمعنى: لا تزكوها بما ليس فيها.

ويجوز أن يكون المعنى على العموم وذلك أنه أقرب إلى النسك والخشوع وأبعد من الرياء والعجب ﴿ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى ﴾ أي بر وأطاع.

وقال الحسن: أخلص العمل (٤٣) (١) عند تفسيره لآية (31) من سورة النساء.

ومما قال: اختلفوا في الكبائر ما هي ...

قال ابن عباس في رواية سعيد بن جبير: كل شئ عصي الله فيه فهو كبيرة ..

وقال في رواية علي بن أبي طلحة: هي كل ذنب ختمه الله -عز وجل- بنار أو غضب أو لعنة أو عذاب، وهذا قول الحسن وسعيد بن جبير والضحاك.

والصحيح أنه ليس لها حد يعرفه العباد وتتميز به الصغائر يتميز إشارة ولو عرف ذلك لكانت الصغائر مباحة ولكن الله تعالى يعلم ذلك وأخفاه عن العباد ليجتهد كل أحد في اجتناب ما نهى عنه رجاء أن يكون مجتنب الكبائر.

(٢) انظر: "تفسير مقاتل" 131 أ.

وفي "شرح العقيدة الطحاوية" 2/ 525 قال: واختلف العلماء في الكبائر على أقوال ..

وقيل إنها ما يترتب عليها حد، أو تُوعِّد بالنار، أو اللعنة، أو الغضب، وهذا أمثل الأقوال.

قال الألوسي: والفواحش ما عظم قبحه من الكبائر فعطفه على ما تقدم من عطف الخاص على العام.

وقيل: الفواحش والكبائر مترادفان.

"ررح المعاني" 27/ 61.

وانظر: "تهذيب اللغة" 4/ 188، و"اللسان" 2/ 1056 (فحش).

(٣) قرأ حمزة، والكسائي، وخلف (كبير) بكسر الباء من غير الألف ولا همزة على التوحيد.

وقرأ الباقون (كَبَائِرَ) بفتح الباء والف وهمزة مكسورة بعدها.

انظر: "حجة القراءات" ص 686، و"النشر" 2/ 367، و"الإتحاف" ص 403.

(٤) الشاعر هو السموأل بن غريض بن عادياء اليهودي، وهو صاحب الحصن المعروف بالأبلق بتيماء.

انظر: مقدمة "ديوانه" ص 67، و"الأعلام" 3/ 140، و"الأصمعيات" ص 82، و"معجم الشعراء الجاهليين والمخضرمين" ص 156.

(٥) والبيت ورد في "ديوانه" 90، و"الحماسة" لأبي تمام 1/ 80، و"شرح حماسة المرزوقي" 1/ 112، و"الحجة" 6/ 235 والبيت بتمامه: وما ضرنا أنا قليلٌ، وَجَارُنَا ...

عَزِيزٌ، وَجَارُ الأَكْثَرينَ ذَلِيلُ (٦) (أنه) زيادة من "الحجة".

(٧) (فيها) ساقطة من (ك).

(٨) من قوله: "وفعيل قد جاء يعني به الكثرة ..

" إلى هنا من كلام أبي علي.

انظر: "الحجة للقراء السبعة" 6/ 235 - 237.

(٩) انظر: "الوسيط" 4/ 201، و "معالم التنزيل" 4/ 252.

(١٠) انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 100، و"تهذيب اللغة" 15/ 348، و"الكشف والبيان" 12/ 14 ب، و"معالم النزيل" 4/ 253، عن الحسين بن الفضل.

(١١) انظر: "جامع البيان" 17/ 39، و"الكشف والبيان" 12/ 13 أ، و"الوسيط" 4/ 201، و"معالم التنزيل" 4/ 252، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 255.

(١٢) أخرجه البخاري في كتاب الاستئذان، باب زنا الجوارح دون الفرج 4/ 67، ومسلم في كتاب القدر، باب: قدر على ابن آدم حظه من الزنا وغيره 4/ 2046، وعبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 253، والإمام أحمد في "المسند" 2/ 317.

(١٣) انظر: "تفسير مقاتل" 131 أ، و"جامع البيان" 27/ 40، و"الكشف والبيان" 12/ 13 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 252.

(١٤) انظر: "جامع البيان" 27/ 40، و"الكشف والبيان" 12/ 12 ب، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 107.

(١٥) رواه ابن جرير في "جامعه" 27/ 39، والترمذي في سننه، كتاب التفسير، باب (ومن سورة النجم) 5/ 370، وقال عنه: هذا حديث حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من حديث زكريا بن إسحاق.

وقال ابن كثير في "تفسيره" 4/ 256، وكذا قال البزار: لا نعلمه يروى متصلاً إلا من هذا الوجه، وساقه ابن أبي حاتم والبغوي من حديث أبي عاصم النبيل، وإنما ذكره البغوي في تفسير سورة المزمل، وفي صحته مرفوعًا نظر.

وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" 7/ 115، رواه البزار ورجاله رجال الصحيح.

وقال القرطبي: قال النحاس: هذا أصح ما قيل فيه وأجلها إسنادًا.

"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 107.

والبيت لأمية بن أبي الصلت، كما في "تهذيب اللغة" 15/ 347، و"اللسان" 3/ 397 (لمم)، و"الخزانة" 2/ 295، و"المقتضب" 4/ 242، و"الأغاني" 3/ 183، وليس في "ديوانه".

(١٦) انظر: "حامع البيان" 27/ 39، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 256.

(١٧) في (ك): (اللمم الخطيئة ثم) ولا معنى لها هنا.

(١٨) أخرجه عبد بن حميد.

انظر: "معالم التنزيل" 4/ 252، و"الدر" 6/ 118.

(١٩) انظر: "تفسير مجاهد" 2/ 631، و "الوسيط" 4/ 202.

(٢٠) انظر: "فتح القدير" 5/ 113.

(٢١) "ديوانه" ص 512، و"القطع والائتناف" ص 691، و"البحر المحيط" 8/ 155.

(٢٢) جزء من حديث متفق عليه، أخرجه البخاري في كتاب: الجهاد، باب: فضل النفقة في سبيل الله 4/ 32، وكتاب: الرقاق، باب: ما يحذر من زهرة الدنيا والمتنافس فيها 8/ 113، ولفظه: " ..

وإن كل ما أثبت الربيع يقتل حبطًا أو يُلمُّ" وفي لفظ: " ..

وإنه كلُّ ..

" ومسلم في كتاب: الزكاة، باب: تخوف ما يخرج من زهرة الدنيا 2/ 727، وأحمد في "المسند" 3/ 7، 21.

والحبط أن تأكل الماشية فتكثر حتى تنتفخ لذلك بطونها، ولا يخرج عنها ما فيها.

(٢٣) ورد في "الجمهرة" لابن دريد 1/ 121، و"مقاييس اللغة" 2/ 128، و"الحيوان" 5/ 455.

وهو لأبي الأسود الدؤلي.

(٢٤) لم أقف على كلام المبرد.

(٢٥) لم أجده.

(٢٦) انظر: "مجاز القرآن" 2/ 237.

(٢٧) لم أقف على كلام المبرد هذا.

ولا على أبيات ابن أحمر.

(٢٨) قال ابن جرير: (وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب قول من قال: إلا بمعنى الاستثناء المنقطع، ووجه معنى الكلام: إلا الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم بما دون كبائر الإثم، ودون الفواحش الموجبة للحدود في الدنيا والعذاب في الآخرة ...) "جامع البيان" 27/ 41.

وانظر: "إعراب القرآن" للنحاس 3/ 271، و"فتح القدير" 5/ 113، ونسبه للجمهور.

(٢٩) (ك): (على) والصواب ما أثبته.

(٣٠) انظر: "جامع البيان" 27/ 38، و"الكشف والبيان" 12/ 12 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 252.

(٣١) انظر: "جامع البيان" 27/ 40، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 108.

(٣٢) انظر: "معاني القرآن" 5/ 75.

(٣٣) انظر: "تنوير المقباس" 5/ 298، و"معالم التنزيل" 4/ 253.

(٣٤) انظر: "القطع والائتناف" ص 692 قال: والتمام عند يعقوب وجماعة معه بعد قوله: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ ﴾ ، و"المكتفى في الوقف والابتداء" ص 543.

(٣٥) انظر: "الوسيط" 4/ 252، و"معالم التنزيل" 4/ 253.

(٣٦) ورد في "ديوانه" 367، و"شرح المعلقات السبع" للزوزني ص 98.

(٣٧) انظر: "معالم التنزيل" 4/ 253، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 110.

(٣٨) انظر: "معاني القرآن" 3/ 100.

(٣٩) انظر: "تفسير مقاتل" 131 ب، و"الكشف والبيان" 12/ 14 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 253.

(٤٠) انظر: "معاني القرآن" 3/ 100.

(٤١) زينب بنت أبي سلمة بن عبد الأسد المخزومة، ربيبة النبي -  - وأخت عمر، == ولدتهما أم المؤمنين بالحبشة، ماتت سنة (73 هـ) وحضر ابن عمر جنازتها.

انظر: "طبقات ابن سعد" ص 461، و"الإصابة" 4/ 317، و"أسد الغابة" 5/ 468، و"تقريب التهذيب" 2/ 600، و"أعلام النساء" 2/ 67.

(٤٢) "صحيح البخاري"، كتاب: الآداب، باب: تحويل الاسم إلى اسم أحسن منه 8/ 53، و"صحيح مسلم" كتاب: الأدب، باب: استحباب تغيير الاسم القبيح إلى حسن 3/ 1688.

(٤٣) انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 110، و"فتح القدير" 5/ 113.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِّنَ العلم ﴾ أي إلى ذلك انتهى علمهم، لأنهم عملو ما ينفع في الدنيا ولم يعلموا ما ينفع في الآخرة ﴿ لِيَجْزِيَ ﴾ اللام متعلقة بمعنى ما قبلها والتقدير: أن الله مالك أمر السموات والأرض ليجزي الذي أساءوا بما عملوا وقيل: يتعلق بضل واهتدى ﴿ كَبَائِرَ الإثم ﴾ ذكرنا الكبائر في [النساء: 31] ﴿ إِلاَّ اللمم ﴾ فيه إربعة أقوال: الأول: أنه صغائر الذنوب فالاستثناء على هذا منقطع.

الثاني: أنه الإلمام بالذنوب على وجه الفلتة والسقطة دون دوام عليها.

الثالث: أنه ما ألموا به في الجاهلية من الشرك والمعاصي: الرابع: أنه الهمّ بالذنوب وحديث النفس به دون أن يفعل ﴿ أَجِنَّةٌ ﴾ جمع جنين ﴿ فَلاَ تزكوا أَنفُسَكُمْ ﴾ أي لا تنسبوا أنفسكم إلى الصلاح والخير، قال ابن عطية: ويحتمل أن يكون نهى عن أن يزكي بعض الناس بعضاً، وهذا بعيد لأنه تجوز التزكية في الشهادة وغيرها.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ هوى ﴾ وسائر آياته بالإمالة اللطيفة: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو.

وقرأ حمزة وعلي وخلف بالإمالة المفرطة كما سبق في "طه" ﴿ ما كذب ﴾ بالتشديد: يزيد وهشام ﴿ ما زاغ البصر ﴾ بالإمالة: حمزة ونصير ﴿ ومناة ﴾ بالمد: ابن كثير والشموني ﴿ أفتمرونه ﴾ ثلاثياً: يعقوب وحمزة وعلي وخلف ﴿ ضيزى ﴾ بالهمزة: ابن كثير في رواية ﴿ كبير الأثم ﴾ على التوحيد: حمزة وعلي وخلف والمفضل ﴿ إبراهام ﴾ هشام ﴿ عاداً لولي ﴾ مدغماً غير مهموز: أبو عمرو ويزيد ويعقوب والنجاري عن ورش.

وقرأ إسماعيل والأصبهاني عن ورش وأبو نشيط عن قالوا بإظهار الغنة غير مهموز.

وكذلك روي عن أبي عمرو فعلى مذهبهم إذا وقف القارىء على ﴿ عاد ﴾ ابتدأ ﴿ بلولي ﴾ ولو شاء الولي بتخفيف الهمزة والأول أحسن.

وقرأ قالون غير أبي نشيط بالهمزة وإظهار الغنة، وإذا وقف على ﴿ عاد ﴾ ابتدأ ﴿ لولي ﴾ ولو شاء ﴿ الولي ﴾ والباقون ﴿ عاد الأولى ﴾ بالألف قبل اللام وبعد اللام في الحالين ﴿ وثمود ﴾ في الحالين بغير تنوين: حمزة وعاصم غير ابن غالب والبرجمي والمفضل وسهل ويعقوب ﴿ ربك تمارى ﴾ بتشديد التاء: رويس عن يعقوب.

الوقوف: ﴿ هوى ﴾ ه لا ﴿ غوى ﴾ ه ج للآية مع العطف على جواب القسم ﴿ الهوى ﴾ ه ط ﴿ يوحى ﴾ ه لا ﴿ القوى ﴾ ه لا لذلك ﴿ ذو مرة ﴾ ط لتمام الصفة ﴿ فاستوى ﴾ ه لا لأن الواو للحال ﴿ الأعلى ﴾ ه ط ﴿ فتدلى ﴾ ه لا لأن ما بعده من تمام المقصود ﴿ أو أدنى ﴾ ه ج وإن اتفقت الجملتان لأن ضمير ﴿ فأوحى ﴾ لله لا للنبي ﴿ ما أوحى ﴾ ه ج ﴿ ما رأى ﴾ ه ﴿ أخرى ﴾ ه لا ﴿ المنتهى ﴾ ه ﴿ المأوى ﴾ ه لأن عامل ﴿ إذ زاغ البصر ﴾ فلا وقف على ﴿ ما يغشى ﴾ ﴿ طغى ﴾ ه ﴿ الكبرى ﴾ ه ﴿ والعزى ﴾ ه لا ﴿ الأخرى ﴾ ه ﴿ الأنثى ﴾ ه ﴿ ضيزى ﴾ ه ﴿ سلطان ﴾ ط ﴿ الأنفس ﴾ ج لاحتمال الواو الحال والاستئناف ﴿ الهدى ﴾ ه ط لأن أم ابتداء استفهام إنكار ﴿ ما تمنى ﴾ ه ز لتناهى الاستفهام والوصل أولى للفاء واتصال المعنى ﴿ والأولى ﴾ ه ﴿ ويرضى ﴾ ه ﴿ الأنثى ﴾ ه ﴿ علم ﴾ ط ﴿ إلا الظن ﴾ ه ج لاختلاف الجملتين ﴿ شيئاً ﴾ ط لذلك ﴿ الدنيا ﴾ ه ط ﴿ من العلم ﴾ ط ﴿ اهتدى ﴾ ه ﴿ وما في الأرض ﴾ ط ﴿ بالحسنى ﴾ ه ج لأن ﴿ الذين ﴾ يصلح خبر مبتدأ محذوف وبدلاً من ﴿ الذين أحسنوا ﴾ ﴿ اللمم ﴾ ط ﴿ المغفرة ﴾ ط ﴿ أمهاتكم ﴾ ج ﴿ أنفسكم ﴾ ه ط ﴿ اتقى ﴾ ه ﴿ تولى ﴾ ج ﴿ وأكدى ﴾ ه ﴿ يرى ﴾ ه ﴿ موسى ﴾ ه ﴿ وفى ﴾ ه لا ﴿ أخرى ﴾ ه لا ﴿ سعى ﴾ ه لا ﴿ يرى ﴾ ه ص لوقوع العارض بين المعطوف على أن ﴿ الأوفى ﴾ ه لا ﴿ المنتهى ﴾ ه لا ﴿ وأبكى ﴾ ه لا ﴿ وأحيا ﴾ ه لا ﴿ والأنثى ﴾ ه ﴿ تمنى ﴾ ه ص لما مر ﴿ الأخرى ﴾ ه لا ﴿ وأقنى ﴾ ه لا ﴿ الشعرى ﴾ ه ط ﴿ الأولى ﴾ ه لا ﴿ أبقى ﴾ ه لا ﴿ وأطفى ﴾ ه ط لأن ﴿ المؤتفكة ﴾ منصوب بما بعده ﴿ هوى ﴾ ه لا ﴿ ما غشى ﴾ ه ج لابتداء الاستفهام مع الفاء ﴿ تتمارى ﴾ ه ﴿ الأولى ﴾ ه لا ﴿ الآزقة ﴾ ه للاستئناف والحال ﴿ كاشفةْ ﴾ ه ﴿ تعجبون ﴾ ه لا ﴿ ولا تبكون ﴾ ه لا ﴿ سامدون ﴾ ه لا ﴿ واعبدوا ﴾ ه سجدة.

التفسير: لما ختم السورة المتقدمة بالنجوم خص الأقسام في أول هذه السورة بالنجم, واللام فيه للعهد أو للجنس.

والأول قول من قال: إنه الثريا وهو اسم غالب لها وصورتها في السماء كعنقود عنب.

وأظهر كواكبها سبعة وهي المنزل الثالث من منازل القمر.

قال: إذا طلع النجم عشاء ابتغى الراعي كساء.

وذلك أن الشمس تكون في أول العقرب حينئذ في مقابلتها فتطلع بغروبها.

وعلى الثاني فيه وجوه أحدها.

نجوم السماء وهويها غروبها.

وفائدة هذا القيد أن النجم إذا كان في وسط السماء لم يهتد به الساري لأنه لا يعلم المغرب من المشرق والجنوب من الشمال، فإذا مال إلى الأفق عرف به هذه الجهات والميل إلى أفق المغرب أولى بالذكر من الناظر إليه حينئذ يستدل بغروبها على أفوله في حيز الإمكان فيتم له اهتداء الدين مع اهتداء الدنيا.

وقيل: هويها انتثارها يوم القيامة.

وثانيها النجم هو الذي يرجم به الشياطين وهويها انقضاضها.

وثالثها النجم النبات إذا هوى إذا سقط على الأرض وهو غاية نشوة.

ورابعها النجم أحد نجوم القرآن وقد نزل منجماً في عشرين سنة فيكون كقوله ﴿ والقرآن الحكيم إنك لمن المرسلين على صراط مستقيم  ﴾ وعلى القول الآخر فالثريا أظهر النجوم عند الناظرين وأشهر المنازل للسائرين وأنها تطلع عشاء في وقت إدراك الثمار.

والنبي  تميز من سائر الأنبياء بالمعجزات الباهرات ولا سيما فإنه حين ظهر زال يبس الشوك وحرارة الحمية الجاهلية وإدراك الحكمة ورجم به شياطين الإنس المضلين لعباد الله في أرضه، ونبت بوجوده أصناف الأغذية الروحانية تامة كاملة.

قال جار الله: الضلال نقيض الهدى، والغي نقيض الرشد، والخطاب لقريش.

قلت: هذا صادق من حيث الاستعمال لقوله ﴿ قد تبين الرشد من الغي  ﴾ ﴿ من يضلل الله فلا هادي له  ﴾ إلا أنه ينبغي أن يتبين لافرق بين الضلال والغواية.

والظاهر أن الضلال أعم وهو أن لا يجد السالك إلى مقصده طريقاً أصلاً، والغواية أن لا يكون له إلى المقصد طريق مستقيم ولهذا لا يقال للمؤمن من إنه ضال أو غير مهتد ويقال له إنه غوي غير رشيد.

قال عز من قائل ﴿ فإن آنستم منهم رشداً  ﴾ فكأنه  نفى الأعم أولاً ثم نفى الأخص ليفيد أنه على الجادة غير منحرف عنها أصلاً.

ويحتمل أن يكون قوله ﴿ ما ضل ﴾ نفياً لقولهم هو كاهن أو مجنون لأن الكهانة أيضاً من مسيس الجن.

وقوله ﴿ وما غوى ﴾ نفي لقولهم هو شاعر والشعراء يتبعهم الغاوون.

ويحتمل أن يكون الأول عبارة عند صلاحه في أمور المعاد، والثاني إشارة إلى رشده في أمور المعاش ومنه يعلم أن أقواله كلها على سنن الصواب إلا أنه كان يمكن أن تكون مستنبطة من العقل أو العرف أو العادة، فأسندها الله  إلى طريق أخص وأشرف وهو أن تكون مستندة إلى الوحي فقال بصيغة تفيد الاستمرار ﴿ وما ينطق عن الهوى ﴾ أي ليس كل ما ينطق به ولا بعضه بصادر عن الرأي والتشهي إنما وحي يوحى إليه من الله، واستدل به بعض من لا يرى الاجتهاد للأنبياء عليهم السلام، وأجيب بأن الله  إذا سوغ له الاجتهاد كان لك من قبيل الوحي أيضاً.

وأما من يخص النطق بالقرآن فلا اعتراض عليه.

قال أهل اللغة: الهوى المحبة النفسانية، والتركيب يدل على النزول والسقوط ومنه الهاوية.

ومبة النفس الأمارة لا أصل لها ولا تصدر إلا عن خسة ودناءة، وقوله ﴿ إن هو إلا وحي ﴾ أبلغ مما لو قيل هو "وحي" وهو ظاهر.

وقوله ﴿ يوحى ﴾ لتحقيق الحقيقة كقوله ﴿ ولا طائر يطير بجناحيه  ﴾ فإن الفرس الشديد العدو بما يقال إنه طائر، فإذا قيل يطير بجناحيه زال جواز ذلك المجاز فكذلك ههنا ربما يقال للكلام الصادق الفصيح هو وحي أو سحر حلال.

فلما قيل ﴿ يوحى ﴾ اندفع التجوز.

ثم بين طريق الوحي بقوله ﴿ علمه ﴾ أي الموحي أو محمداً ﴿ شديد القوى ﴾ وهو جبرائيل  أي قواه العلمية والعملية كلها شديدة مدح المعلم ليلزم منه فضيلة المتعلم.

ولو قال "علمه جبرائيل  " لم يفهم منه فضل المتعلم ظاهراً.

وفيه رد على من زعم أنه يعلمه بشر لأن الإنسان خلق ضعيفاً وما أوتي من العلم إلا قليلاً.

وفيه أن جبرائيل  أمين موثوق به من حيث قوته المدركة والحافظة ولو كان مختل الذهن أو الحفظ لم يوثق بروايته، وفيه تسلية للنبي  كيلا يضيق صدره حين علم بواسطة الملك فكأنه قيل له: ليس لك في ذلك نقص لأنه شديد القوى على أنه قال في موضع آخر ﴿ وعلمك ما لم تكن تعلم  ﴾ وأخبر النبي  عن حاله فقال " أدبني ربي فأحسن تأديبي " والمرة القوة.

والظاهر أنها القوة الجسمانية كقوله ﴿ وزاده بسطة في العلم والجسم  ﴾ فمن قوته أنه قلع قريات قوم لوط وقلبها بجناحه، وصاح صيحة بثمود فأصبحوا جاثمين، وكان ينزل إلى الأنبياء ويصعد في لمحة.

ويجوز أن يراد بقوله ﴿ شديد القوى ﴾ قواه الجسمانية وبقوله ﴿ ذو مرة ﴾ القوى العقلية.

والتنكير للتعظيم.

قوله ﴿ فاستوى ﴾ المشهور أن فاعله جبرائيل  أي فاستقام على صورته الحقيقية دون صورة دحية، وذلك أن رسول الله  أحب أن يراه في صورته التي جبل عليها فاستوى له في الأفق الأعلى أي الأشرف وهو الشرقي ﴿ ثم دنا ﴾ جبرائيل من الرسول  على الصورة المعتادة ﴿ فتدلى ﴾ قيل: فيه تقديم وتأخير أي فتعلق عليه في الهواء ثم دنا منه.

وقيل: دنا أي قصد القرب من محمد أو تحرك من المكان الذي كان فيه، فنزل إلى النبي  .

يقال: تدلت الثمرة ودلى رجليه من السرير وقد يقال: الدنو والتدلي بمعنى واحد فلا يفيد إلا التأكيد.

ثم زاد تأكيداً بقوله ﴿ فكان قاب قوسين ﴾ قال أهل العربية.

هو من باب حذف المضافات أي فكان مقدار مسافة قرب جبرائيل  مثل "قاب قوسين".

والقاب والقيب والقاد والقيد والقيس كلها المقدار.

والعرب تقدر الأشياء بالقوس والرمح والسوط والذراع والباع وغيرها.

وفي الحديث " لا صلاة إلى أن ترتفع الشمس مقدار رمحين " وقال  " لقاب قوس أحدكم من الجنة وموضع قده خير من الدنيا وما فيها" والقد السوط.

وقوله ﴿ أو أدنى ﴾ أي في تقديركم كقوله ﴿ مائة ألف أو يزيدون  ﴾ وقال بعضهم: الضمير في ﴿ فاستوى ﴾ لمحمد  وذلك أن تعليم جبرائيل إياه كان قبل كماله واستوائه، فحين تكاملت قواه النظرية والعلمية وصار بالأفق الأعلى أي بالرتبة العليا من المراتب الإنسانية دنا من الأمة فتدلى أي لان لهم ورفق بهم حتى قال ﴿ إنما أنا بشر مثلكم يوحى إليّ  ﴾ فكان الفرق بينه وبين جبرائيل قليلاً جداً.

وعلى هذا يمكن أن يكون الرجحان في الكمال للنبي  كما يقول أكثر أهل السنة، أو بالعكس كما تزعم طائفة منهم ومن غيرهم، ويحتمل على هذا القول أن يكون الضمير في ﴿ دنا ﴾ لجبريل والمراد أن النبي  وإن زال عن الصفات البشرية من الشهوة والغضب والجهل وبلغ الأفق الأعلى الإنساني، ولكن نوعيته لم تزل عنه وكذلك جبرائيل.

وإن ترك اللطافة المانعة من الرؤية ونزل إلى الأفق الأدنى من الآفاق الملكية ولكن لم يخرج عن كونه ملكاً فلم يبقى بينهما إلا اختلاف حقيقتهما نظيره ﴿ ولقد رآه بالأفق المبين  ﴾ أي رأى جبرائيل وهو أي محمد بالأفق الفارق بين درجة الإنسان ومنزلة الملك كقول القائل: "رأيت الهلال على السطح" أي وأنا على السطح.

وقد يجعل ذكر القوس عبارة عن معنى آخر هو أن العرب كانوا إذا عاهدوا فيما بينهم طرحوا قوساً أو قوسين لتأكيد العهد بين الاثنين، فأخبر الله  أنه كان بين جبرائيل ومحمد عليه الصلاة والسلام من المحبة وقرب المنزلة مثل ما تعرفونه فيما بينكم عند المعاقدة.

وقيل: الضمير لمحمد  أو لله والمراد قرب المكان بينهما.

وهذا يشبه مذهب المجسمة إلا أن يقال: دنا دنو ألفة ولا دنو زلفة.

دنا دنو إكرام لا دنو أجسام، دنا دنو أنس لا دنو نفس.والقوسان أحدهما صفة الحدوث والأخرى صفة القدم.

أخبر بالقصة إكراماً وكتم الإسرار عظاماً.

قوله ﴿ فأوحى إلى عبده ما أوحى ﴾ الضمير في الفعلين إما لله أو لجبرائيل، والمراد بالعبد إما محمد  أو جبريل  فيحصل تقديرات أحدها: فأوحى الله إلى محمد  ما أوحى وفيه تفخيم لشأن الوحي.

وقيل: أوحى إليه الصلاة.

وقيل: أوحى الله إليه أن الجنة محرمة على الأنبياء حتى تدخلها.

وعلى الأمم حتى تدخلها أمتك.

والظاهر أنها أسرار وحقائق ومعارف لا يعلمها إلا الله ورسوله.

ثانيها فأوحى الله إلى محمد  ما أوحى أولاً جبرائيل يعني أن الوحي كان ينزل عليه أولاً بواسطة جبرائيل وقد ارتفعت الآن تلك الواسطة.

وعلى هذا يحتمل أن يقال "ما" مصدرية أي أوحى إلى محمد  الإيحاء أي العلم بالإيحاء كي يفرق بين الملك والجن.

أو كلمة أنه وحي أو خلق فيه علماً ضرورياً.

ثالثها فأوحى الله إلى عبده جبريل ما أوحى.

رابعها فأوحى الله إلى جبرائيل ما أوحى جبريل إلى محمد  وغيره من الأنبياء قبله.

وفيه إشارة إلى أن جبريل  أمين لم يجن قط في شيء مما أوحى إلى الأنبياء.

خامسها فأوحى جبريل إلى عبد الله محمد  ما أوحى الله إليه.

سادسها فأوحى جبرائيل إلى عبد الله ما أوحى هو.

وفي هذين الوجهين لا يمكن أن يراد بالعبد إلا محمد  .

قوله ﴿ ما كذب الفؤاد ما رأى ﴾ الأشهر أن اللام للعهد وهو فؤاد محمد  أي ما قال فؤاده لما رآه لم أعرفك.

ولو قال ذلك لكان كاذباً لأنه عرفه.

ومن قرأ بالتشديد فظاهر أي صدق فؤاده ما عاينه ولم يشك في ذلك.

وقيل: اللام للجنس والمراد أن جنس الفؤاد لا ينكر ذلك وإن كان الوهم والخيال ينكره.

والمقصود نفي الجواز لا نفي الوقوع كقوله ﴿ لا تدركه الأبصار  ﴾ ﴿ وما ربك بغافل  ﴾ بخلاف قوله ﴿ إن الله لا يضيع أجر المحسنين  ﴾ ﴿ لا يغفر أن يشرك به  ﴾ فإنه لنفس الوقوع.

والظاهر أن فاعل رأى محمد  وقيل: الفؤاد أو البصر أي ما رآه الفؤاد ولم يقل له إنه جن أو شيطان أو لم يكذب الفؤاد ما رآه بصر محمد  .

وما المرئي فيه أقوال: أحدها ما مر وهو أنه رأى جبريل في صورته بالأفق الشرقي.

والثاني الآيات العجيبة الإلهية.

والثالث الرب  والمسألة مبنية على جواز الرؤية وقد تقدم البحث عن ذلك في قوله ﴿ لا تدركه الأبصار  ﴾ ثم على وقوع الرؤية وقد تقدم خلاف الصحابة فيه في حديث معراج النبي  وذلك في أول "سبحان الذي".

ولعل القول الأول أصح.

يروي أنه ما رأى جبريل أحد من الأنبياء في صورته الحقيقية غير محمد  مرتين مرة في الأرض ومرة في السماء، وإليه إشارة بقوله ﴿ أفتمارونه ﴾ من المراء أي أتجادلونه ﴿ على ما يرى ﴾ ومن قرأ ﴿ أفتمرونه ﴾ فمعناه أتغلبونه في المراء يقال: ماريته فمريته.

ولما فيه من معنى الغلبة عدي بـ "على" وقيل: معناه افتجحدونه.

ولا بد من تضمين معنى الغلبة.

﴿ ولقد رآه نزلة أخرى ﴾ أي مرة أخرى فانتصبت على الظرف لأن الفعلة صيغة المرة فكانت النزلة في حكم المرة أي نزل عليه جبريل في صورته تارة أخرى في ليلة المعراج ووجه الاستفهام الإنكاري أنه لما رآه وهو على بسيط الأرض احتمل أن يقال: إنه كان من الجن احتمالاً بعيداً فلما رآه ﴿ عند سدرة المنتهى ﴾ لم يحتمل أن يكون هناك جن ولا إنس فلم يبق للجدال مجال.

أما القائل بالقول الثالث فزعم أن النبي  رأى ربه بقلبه مرتين.

والنزلة إما لله بمعنى الحركة والانتقال عند من يجوز ذلك، أبو بمعنى قرب الرحمة والإفضال، وإما للنبي  لأنه نزل عن متن الهوى ومركب النفس.

وقيل: أراد بالنزلة ضدها وهي العرجة، واختير هذه العبارة ليعلم أن هذه عرجة تتبعها النزلة ليست عرجة لا نزلة لها وهي عرجة الآخرة.

وعلى القول الأول أيضاً يحتمل أن تكون النزلة لمحمد  وذلك أن جبرائيل تخلف عنه في مقام "لو دنوت أنملة لاحترقت" ثم عاد النبي  إليه.

ومعنى أخرى أنه  تردد في أمر الصلاة مراراً فلعله كان ينزل إلى جبرائيل كل مرة لا أقل من نزلتين.

أما السدرة فالأكثرون على أنها شجرة في السماء السابعة: وقيل: في السادسة.

"نبقها كقلال هجر وورقها كآذان الفيلة، يسير الراكب في ظلها سبعين عاماً لا يقطعها" وقد ورد الحديث بذلك.

فعلى هذا ﴿ عند ﴾ ظرف مكان.

ثم إن كان المرئي جبريل فلا إشكال، إن كان هو الله  فكقول القائل "رأيت الهلال على السطح" وقد مر.

وقال بعضهم ﴿ عند ﴾ ظرف زمان كما يقال: صليت عند طلوع الفجر.

والمعنى رآه عند الحيرة القصوى أي في وقت تحارعقول العقلاء فيه ولكنه ما حار ولم يعرض له سدر.

وإضافة سدرة إلى المنتهى إما من إضافة الشيء إلى مكانه كما يقال "أشجار البلدة الفلانية كذا" وأشجار الجنة لا تيبس ولا تخلو من الثمار.

فالمنتهى حينئذ موضع لا يتعداه ملك ولا يعلم ما وراءه أحد وإليه ينتهي أرواح الشهداء.

وإما من إضافة المحل إلى الحال كما يقال "ظرف المداد" أي سدرة هي محل انتهاء الجنة.

وإما من إضافة الملك إلى مالكه كما يقال "دار زيد وأشجار عمرو" فيكون التقدير سدرة المنتهى إليه وهو الله  قال ﴿ وأن إلى ربك المنتهى ﴾ فالإضافة للتشريف "نحو بيت الله وناقة الله".

وقال الحسن: ﴿ جنة المأوى ﴾ هي التي يصير إليها المتقون.

وقيل: يأوي إليها أرواح الشهداء والظاهر أن الضمير في ﴿ عندها ﴾ للسدرة.

وقيل: للنزلة من ذهب إلى أن سدرة المنتهى معناها الحيرة القصوى.

قال ﴿ إذ يغشى السدرة ما يغشى ﴾ معناه ورود حالة على حالة أي طرأ على محمد حين ما يحار العقل ما طرأ من فضل الله ومن رحمته.

والأكثرون قالوا فيه تعظيم وتكثير لما يغشى الشجرة من الخلائق الدالة على عظمة الله وجلاله مما لا يحيط بها الوصف.

وعن رسول الله  " رأيت على كل ورقة من ورقها ملكاً قائماً يسبح الله" وعنه  "يغشاها رفرف من طير خضر" والرفرف كل ما يبسط من أعلى إلى أسفل.

وعن ابن مسعود وغيره: يغشاها فراش أو جراد من ذهب.

والمحققون على أنها أنوار الله  تجلى للسدرة كما تجلى للجبل لكن السدرة كانت أقوى من الجبل، ومحمد  كان أثبت من موسى فلم تضطرب الشجرة ولم يصعق محمد  .

قوله ﴿ ما زاغ البصر ﴾ فيه وجهان: أشهرهما أنه بصر محمد  أي لم يلتفت إلى ما يغشاها.

فإن كان الغاشي هو الفراش أو الجراد من ذهب فمعناه ظاهر ويكون ذلك ابتلاء وامتحاناً لمحمد  بالأمور الدنيوية، وإن كان الغاشي أنوار الله فالمراد أنه لم يلتفت إلى غير المقصود ولم يشتغل بالنور عن ذي النور.

أو المراد ما زاغ البصر بالصعقة بخلاف موسى  .

وفي الأول بيان أدب محمد  ، وفي الثاني بيان مزيته.

وذهب بعضهم إلى أن اللام للجنس أي ما زاغ بصره أصلاً في ذلك الموضع هيبة وإجلالاً.

والظاهر أن الضمير في قوله ﴿ وما طغى ﴾ للبصر أي ما جاوز حده المعين المأمور برؤيته.

ويحتمل أن يكون لمحمد  أي ما زاغ بصره بالميل إلى غير المقصود، وما طغى محمد بسبب الالتفات.

قال بعض العلماء: فيه بيان لوصول محمد  إلى سدرة اليقين الذي لا يقين فوقه إذ لم ير الشيء على خلاف ما هو عليه بخلاف الناظر إلى عين الشمس فإنه إذا نظر إلى شيء آخر رآه أبيض أو أصفر أو أخضر.

قوله ﴿ لقد رأى من آيات ربه الكبرى ﴾ الظاهر أن الكبرى صفة الآيات أي لقد رأى بعض آيات ربه الكبرى.

وذلك البعض إما جبرائيل على صورته، وإما سائر عجائب الملكوت.

ويحتمل أن يكون صفة لمحذوف أي لقد رأى من آيات ربه آية هي الكبرى.

وعلى هذا لا تكون تلك الآية رؤية جبريل لما ورد في الاخبار أن الله ملائكمة أعظم منه كالملك الذي يسمى روحاً.

نعم لو قيل: إنها رؤية الله الأعظم كان له وجه عند من يقول بأنه  رأي الله ليلة المعراج.

وفيه خلاف تقديم.

قوله ﴿ أفرأيتم اللات والعزى ﴾ الخ.

أي عقيب ما سمعتم من عظمة الله  ونفاذ أمره في الملأ الأعلى، وأن الذي سد الأفق ببعض أجنحته تخلف عند سدره المنهتى، هل تنظرون إلى هذه الأصنام مع قلتها وفقرها حتى تعلموا فساد ما ذهبتم إليه وعولتم عليه؟

قال في الكشاف: اللات اسم صنم كان لثقيف بالطائف وأصله "فعلة" من لوى يلوي لأنهم كانوا يلوون عليها ويعكفون للعبادة، أو يتلوون عليها أي يطوفون فكأنه حذفت الياء تخفيفاً وحركت الواو فانقلبت ألفاً.

والوقف عليه بالتاء كيلا يشبه اسم الله: وقيل: أصله اللات بالتشديد وقد قرىء به.

زعموا أنه سمي برجل كان يلت عنده السمن بالزيت ويطعمه الحاج.

وعن مجاهد: كان رجل يلت السويق بالطائف وكانوا يعكفون على قبره فجعلوه وثناً.

والعزى تأنيث الأعز وكان لغطفان وهي شجرة سمرة بعث إليها رسول الله  خالد ابن الوليد فقطعها فخرجت منها شيطانة مكشوفة الرأس ناشرة الشعر تضرب رأسها وتدعو بالويل والثبور فجعل خالد يضربها بالسيف حتى قتلها وهو يقول: يا عز كفرانك لا سبحانك *** إني رأيت الله قد أهانك فرجع إلى النبي  وأخبره بما فعل.

فقال: تلك العزى ولن تعبد أبداً.

وأما مناة فهي صخرة كانت لهذيل وخزاعة كأنها سميت بذلك لأن دماء النسائك كانت تمنى عندها أي تراق.

ومن قرأ بالمد فلعلها "مفعلة" من النوء كأنهم كانوا يستمطرون عندها الأنواء تبركاً بها.

و ﴿ الأخرى ﴾ لا يطلق إلأا إذا كان الأول مشاركاً كالثاني فلا يقال: رأيت رجلاً وامرأة أخرى.

وإنما يقال رأيت رجلاً ورجلاً آخر.

وههنا ليست عزى ثالثة فكيف قال ﴿ ومناة الثالثة الأخرى ﴾ ؟

وأجيب بأن الأخرى صفة ذم لها أي المتأخرة الوضيعة المقدار كقوله { ﴿ وقالت أخراهم لأولاهم  ﴾ أي وضعاؤهم لرؤسائهم.

ويجوز أن تكون الأولية والتقدم عندهم للات والعزى وذلك أن الأول كان على صورة آدمي، والعزى كانت من النبات ومناة من الجماد.

وقيل: في الكلام تقديم وتأخير أي ومناة الأخرى.

الثالثة.

وقيل: إن الأصنام فيها كثرة فإذا أخذنا اللات والعزى مقدمين كانت لهما ثوالت كثيرة هذه ثالثة أخرى.

وقيل: فيه حذف والتقدير أفرأيتم اللات والعزى المعبودتين.

بالباطل ومناة الثالثة المعبودة الأخرى.

ثم إنه  حين وبخهم على الشرك فكأنهم قالوا نحن لا نشك في أن شيئاً منها ليس مثلاً لله  ولكنا صورنا هذه الأشياء على صور الملائكة المعظمين الذين اعترف بهم الأنبياء وقالوا: إنهم يرتقون ويقفون عند سدرة المنتهى، ويرد عليهم الأمر والنهي ويصدر عنهم إلينا فوبخهم على قولهم إن هؤلاء الأصنام التي هي إناث أنداد الله  ، أو على قولهم الملائكة بنات الله فاستفهم منكراً ﴿ ألكم الذكر ﴾ الذي ترغبون فيه ﴿ وله الأنثى ﴾ التي تستنكفون عنها ﴿ تلك ﴾ القسمة ﴿ إذا ﴾ أي إذا صح ما ذكرتم ﴿ قسمة ضيزى ﴾ أي جائرة غير عادلة من ضازه يضيزه إذا ضامه، وهي "فعلى" بالضم، وكان يمكن أن تقلب الياء واواً لتسلم الضمة إلا أنه فعل بالعكس أي قبلت الضمة كسرة لتسلم الياء فإن إبقاء الحرف أولى من إبقاء الحركة.

ومن قرأ بالهمزة فمن ضأزه بالهمزة والمعنى واحد ولكنها "فعلى" بالكسر.

قال بعضهم: إنهم ما قسموا ولم يقولوا لنا البنون وله البنات ولكنهم نسبوا إلى الله البنات وكانوا يكرهونهن، فلزم من هذه النسبة قسمة جائرة، فتقدير الكلام تلك النسبة قسمة غير عادلة إذ العدالة تقتضي أن يكون الشريف للشريف والوضيع للوضيع ﴿ إن هي ﴾ يعني ليس الأصنام أو أسماؤها المذكورات ﴿ إلا أسما سميتموها ﴾ وقد مر في "الأعراف" وفي "يوسف".

قال الإمام فخر الدين الرازي رحمه الله: الم يتم بقوله ﴿ ما أنزل الله بها من سلطان ﴾ فإن إطلاق اللاسم على المسمى إنما يجوز إذا لم يتبعه مفسدة دينية.

وههنا يمكن أن يكون مرادهم من قولهم "الملائكة بنات الله" أنهم أولاد الله من حيث إنه لا واسطة بينهم وبينه في الإيجاد كما تقوله الفلاسفة.

والعرب قد تستعمل البنت مكان الولد كما يقال "بنت الجبل وبنت الشفة" لما يظهر منهما بغير واسطة خصوصاً إذا كان في اللفظ تاء التأنيث كالملائكة إلا أنه لم يجز في الشرع إطلاق هذا اللفظ على الملائكة لأنه يوهم النقص في حقه  ثم قال: وهذا بحث يدق عن إدراك اللغوي إن لم يكن عنده من العلوم حظ عظيم.

قلت: هذا البحث الدقيق يوجب أن يكون الذم راجعاً إلى ترك الأدب فقط.

وليس الأمر كذلك فإن الذم إنما توجه إلى المشرك لأنه ادعى الإلهية لما هو أبعد شيء منها.

وما أمكن له على تصحيح دعواه حجة عقلية ولا سمعية.

ومعنى ﴿ ما أنزل الله بها ﴾ أي بسببها وصحتها.

وقال الرازي: الباء للمصاحبه كقول القائل "ارتحل فلان بأهله ومتاعه" أي ارتحل ومعه الأهل والمتاع.

ومن قرأ ﴿ إن تبعون ﴾ على الخطاب فظاهر، ومن قرأ على الغيبة فإما للالتفات، وأما لأن الضمر للآباء وصيغة الاستقبال حكاية الحال الماضية ويحتمل أن يكون المراد عامة الكفار.

قوله ﴿ وما تهوى الأنفس ﴾ يجوز أن تكون "ما" مصدرية، وفائدة العدول عن صريح المصدر إلى العبارة الموجودة أن القاتل إذا قال: أعجبني صنعك.

لم يعلم أن الإعجاب من أمر قد تتحقق أو من أمر هو فيه.

وإذا قال: أعجبني ما تصنع.

شمل الحال والاستقبال.

ويجوز أن تكون "ما" موصولة والفرق أن المتبع في الأول الهوى وفي الثاني مقتضى الهوى.

وقوله ﴿ الأنفس ﴾ من باب مقابلة الجمع بالجمع.

والمعنى اتبع كل واحد منهم ما تهواه نفسه كقولك: خرج الناس بأهلهم أي كل واحد بأهله ولعل الظن يختص بالاعتقاد وهوى النفس بالعمل.

ويجوز أن يكون الظن مقصوداً به كل ماله محمل مرجوح والهوى يراد به ما لا وجه له أصلاً.

ويحتمل أن يراد بالظن ماله محمل راجح أيضاً وهو إن كان واجب العمل به في المسائل الاجتهادية إلا أنه مذموم عند القدرة على اليقين وإلى هذا أشار بقوله ﴿ ولقد جاءهم من ربهم الهدى ﴾ وهو القرآن أو الرسول أو المعجزة، وفي هذه الحالة لا يجوز البناء على الظن بل يجب التعويل على اليقين.

قوله ﴿ أم للإنسان ﴾ أم منقطعة والهمزة فيها للإنكار والمراد تمنيهم شفاعة الآلهة وأن لهم عند الله الحسنى على تقدير البعث إذ تمنى أشرافهم أن يكونوا أنبياء دون محمد  .

قوله ﴿ فالله الآخرة والأولى ﴾ رد عليهم أي هو مالكها فهو المعطي والمانع ولا حكم لأحد عليه.

ومعنى الفاء أنه إذا تقرر أن شيئاً من الأشياء ليس بتمني الإنسان فلا حكم إلا لله.

ثم بين أن الشفاعة عند الله لا تكون إلا برضاه.

وفيه أصناف من المبالغة من جهة أن "كم" للتكثير والعرب تستعمل الكثير وتريد الكل كما قد تستعمل الكل وتريد به الكثير كقوله ﴿ تدمر كل شيء  ﴾ ومن جهة لفظ الملك فإنهم أشرف المخلوقات سوى الأنبياء عند بعض، ومن قبل أنهم في السموات فإن ذلك يدل على علو مرتبتهم ودنو منزلتهم، ومن قبل اجتماعهم المدلول عليه بضمير الجمع في شفاعتهم وإذا كان حالهم هكذا فكيف يكون حال الجمادات؟

وقوله ﴿ لمن يشاء ﴾ أي لمن يريد الشفاعة له ﴿ ويرضى ﴾ أي ويراه أهلاً أن يشفع له فههنا أيضاً أنواع أخر من المبالغة.

الأول توقيف الشفاعة على الإذن.

والثاني تعليقها بالمشيئة فيهم منه أنه بعد أن يؤذن في مطلق الشفاعة يحتاج إلى الأذن في كل مرة معينة.

والثالث رضا الله الشفاعة فقد يشاء ولكن لا يرضاه كقوله ﴿ ولا يرضى لعباده الكفر  ﴾ وهذا عند أهل السنة واضح.

ثم صرح بالتوبيخ على قولهم الملائكة بنات الله فقال ﴿ إن الذين لا يؤمنون بالآخرة ليسمون الملائكة ﴾ أي كل واحد منهم ﴿ تسمية الأنثى ﴾ لأنهم إذا جعلوا الكل بنات فقد جعلوا كل واحدة بنتاً وبالعكس.

وههنا سؤالان: أحدهما: إن الذين لا يؤمنون بالآخرة أعم من هؤلاء المسلمين فكان الأولى أن يقال: إن الذين يسمون لا يؤمنون.

وثانيهما أنه كيف يلزم من عدم الإيمان بالآخرة هذه التسمية؟

والجواب عن الأول أن اللام للعهد وبه خرج الجواب عن الثاني أيضاً لأنه بخير عن جميع معهود أنهم يسمون.

ولا يلزم من حمل شيء على شيء أن يكون بينهما ملازمة.

ولو سلم أن اللام للعموم فالمراد بمثل هذا التركيب المبالغة والتوكيد كما تقول: الإنسان زيد.

وعلى هذا فإن أريد بالحمل مجرد الإخبار فلا إشكال وإن أريد الملازمة فمعناه المبالغة أيضاً لأن غاية جهلهم بالآخرة وبالجزاء حملهم على ارتكاب مثل هذا الافتراء على الله، وإلى هذا أشار بقوله ﴿ ما لهم به من علم أن يتبعون إلا الظن ﴾ واعلم أن الإمام فخر الدين الرازي  بحث مع هؤلاء المشركين الذين سموا الملائكة إناثاً بحثاً طويلاً بناء على ظنه بهم أنهم رأوا في لفظ الملائكة تاء فلذلك جعلوه مؤنثاً.

وحاصل ذلك البحث يرجع إلى أن التاء لا يلزم أن تكون للتأنيث فقد تكون لتأكيد الجمع كحجارة وصقورة، أو لغير ذلك من المعاني، ونحن قد أسقطنا تلك البحوث لعدم فائدتها كما نبهناك عليه.

ثم بين الله  قاعدة كلية فقال: ﴿ وإن الظن لا يغني من الحق شيئاً ﴾ أي كل ما يجب أن يحصل منه المكلف على العلم واليقين فلا ينفع فيه الظن والتخمين، ومن جملته مسائل المبدأ والمعاد التي ينبني البحث فيها على البراهين العقلية والدلائل السمعية، ومن قنع في أمثالها بالوهم والظن لعدم الاستعداد أو لحفظ بعض المنافع الدنيوية وجب الإعراض عنه كما قال ﴿ فأعرض ﴾ أي إذا وقفت على قلة استعدادهم وعدم طلبهم للحق فأعرض يا محمد يا طالب الحق ﴿ عمن تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا ﴾ ويجوز أن يكون هذا الإعراض متضمناً للأمر.

بالقتال أي أعرض عن المقال وأقبل على القتال.

وقوله ﴿ ذلك ﴾ أي الذي ذكر من التسمية أو من اعتقاد كون الأصنام شفعاء ﴿ مبلغهم من العلم ﴾ جملة معترضة.

ثم بين علة الإعراض قائلاً ﴿ إن ربك هو أعلم ﴾ إلى آخره، وفيه بيان أنه تعالى يجازي كل فريق بحسب ما يستحقه، وفيه تسلية للنبي  كيلا يتعب نفسه في تحصيل ما ليس يرجى حصوله وهو إيمان أهل العناد الذين قنعوا بالظن بدل العلم ووقفوا لدى الباطل دون الحق.

ثم قرر أنه سوى الملك والملكوت لغرض الجزاء والإثابة.

والحسنى صفة المثوبة والأعمال، وإضافة الكبائر إلى الإثم إضافة النوع إلى الجنس لأن الإثم يشمل الكبائر والصغائر.

واختلف في الكبائر وقد أشبعنا القول القول فيها في سورة النساء في قوله ﴿ إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه  ﴾ والفواحش ام تزايد قبحه من الكبائر كأنها مع كبر مقدار عقابها قبيحة في الصورة كالشرك بالله.

والمراد باللمم الصغائر، والتركيب يدل على القلة ومنه اللمم المس من الجنون وألم بالمكان إذا قل لبثه فيه قال: ألمت فحيث ثم قامت فودعت *** وإلا صفة كأنه قيل: كبائر الإثم وفواحشه غير اللمم، أو استثناء منقطع لأن اللمم ليس من الفواحش.

عن أبي سعيد الخدري: اللمم هي النظرة والغمزة والقبلة.عن السدي: الخطرة من الذنب.

وعن الكلبي: كل ذنب لم يذكر الله عز وجل عليه حداً ولا عذاباً.

وعن عطاء: هي ما تعتاده النفس حيناً بعد حين.

قال جار الله: معنى قوله ﴿ إن ربك واسع المغفرة ﴾ أنه يكفر الصغائر باجتناب الكبائر ويكفر الكبائر بالتوبة.

وأقول: فيه إشارة إلى أن اللمم ما لا يمكن فيه الاجتناب عنه لكل الناس أو لأكثرهم فالعفو عن ذلك يحتاج إلى سعة وكثرة، بل فيه بشارة أنه  يغفر الذنوب جميعاً سوى الشرك لأن غفران اللمم لا يوجب الوصف بسعة المغفرة وإنما يوجب ذلك أن لو غفر معها الكبائر.

وقوله ﴿ هو أعلم بكم ﴾ إلى آخره.

دليل على وجوب وقوع الغفران لأنه إذا كان عالماً بأصلهم وفرعهم كان عالماً بضعفهم ونقصهم فلا يؤاخذهم بما يصدر عنهم على مقتضى جبلتهم وطبعهم.

فكل شيء يرجع إلى الأصل والأرض بطبعها تميل إلى الأسفل.

والجنين أوله نطفة مذرة وآخره الاغتذاء بدماء قذرة، وإذا كان مبدأ حاله هكذا وهو في أوسط أمره متصف بالظلم والجهل والعاقبة غير معلومه وجب عليه أن لا يزكي نفسه فإن الله تعالى أعلم بالزكي والتقي أولاً وآخراً باطناً وظاهراً، وما أحسن نسق هذه الجمل.

وقد أبعد بعض أهل النظم فقال لما ذكر أنه أعلم بمن ضل كان للكافر أن يقول: كيف يعلم الله أموراً نعلمها في البيت الخالي وفي جوف الليل المظلم؟

فأجاب الله  بأنا نعلم ما هو أخفى من ذلك وهو أحوالكم وقت كونكم أجنة.

وقوله ﴿ في بطون أمهاتكم ﴾ للتأكيد فإنه إذا خرج من بطن الأم يدعى سقطاً أو ولداً.

وقيل: أراد أن الضال والمهتدي حصلا على ما هما عليه بتقدير الله وبأنه كتب عليهما في رحم أمهما أنه ضال أو مهتد.

وقيل: فيه تقرير الجزاء وتحقيق الجزاء وتحقيق الحشر فإن العالم بأحوال المكلف وهو جنين القادر على إنشائه من الأرض أول مرة، عالم بأجزائه بعد التفرق، قادر على جمعه بعد التمزق.

والعامل في "إذ" هو "اذكر" أو ما يدل عليه ﴿ أعلم ﴾ أي يعلمكم وقت الإنشاء.

والخطاب للموجودين وقت نزول الآية وللآخرين بالتبعية.

ويجوز أن يكون الإنشاء من الأرض إشارة إلى خلق أبينا آدم.

وقوله ﴿ وإذ أنتم ﴾ يكون خطاباً لنا.

قوله ﴿ أفرأيت الذي تولى ﴾ قال بعض المفسرين: نزل في الوليد بن المغيرة جلس عند رسول الله  وسمع وعظه وأثرت الحكمة فيه تأثيراً قوياً فقال له رجل: لم تترك دين آبائك؟

قال: أخاف.

ثم قال له: لا تخف وأعطني كذا وأنا أتحمل عنك أوزارك فأعطاه ما ألزمه وتولى عن الوعظ واستماع كلام النبي  وقال بعضهم: نزل في عثمان بن عفان كان يعطي ماله عطاء فقال له أخوه من أمه عبد الله بن سعد بن أبي سرح.

ويوشك أن يفنى مالك فأمسك فقال له عثمان: إن لي ذنوباً وخطايا وإني أرجو أن يغفر الله لي بسبب العطاء.

فقال عبد الله: أعطني ناقتك برحلها وأنا أتحمل عنك ذنوبك كلها فأعطاه وأشهد عليه وأمسك عن الإعطاء ومعنى تولي ترك المركز يوم أحد فعاد عثمان إلى خير من ذلك.

يقال: أكدى الحافر إذا لقيته كدية وهي أرض صلبة كالصخرة ونحوه "أجبل الحافر وأجبل الشاعر" إذا أفحم.

ثم وبخه بأنه لا يعلم الغيب فكيف يعلم أن أوزاره محمولة عنه؟

وقيل: نزلت في أهل الكتاب وذلك أنه لما بين حال المشركين المعاندين شرع في قصة هؤلاء والمعنى: أفرأيت الذي تولى أي صار متولياً لكتاب الله وأعطى قليلاً من الزمان حق الله فيه، ولما بلغ عصر محمد  أمسك عن العمل به.

قالوا: يؤيد هذا التفسير قوله ﴿ أم لم ينبأ بما في صحف موسى ﴾ عينها أو جنسها وهو ما نبأهم به نبينا  .

وجمع الصحف إما لأن موسى له صحيفة وإبراهيم له صحيفة فذكر التثنية بصيغة الجمع، وإما لأن كل واحد منهما له صحف لقوله تعالى ﴿ وألقى الألواح  ﴾ وكل لوح صحيفة.

وتقديم صحف موسى إما لأنها أقرب وأشهر وأكثر وإما لأنه رتب وصف إبراهيم عليه، وإما لحسن رعاية الفاصلة وقد راعى في آخر "سبح اسم ربك" هذا المعنى مع ترتيب الوجود.

والتشديد في قوله ﴿ وفي ﴾ للمبالغة في الوفاء، أو لأنه بمعنى وفر وأتم كقوله ﴿ فأتمهن  ﴾ وأطلق الفعل ليتناول كل وفاء وتوفية من ذلك تبليغه الرسالة واستقلاله بأعباء النبوة والصبر على ذبح الولد وعلى نار نمرود وقيامه بأضيافه بنفسه.

يروى أنه كان يخرج كل يوم فيمشي فرسخاً يطلب ضيفاً فإن وافقه أكرمه وإلا نوى الصوم.

وعن عطاء بن السائب: عهد أن لا يسأل مخلوقاً فلما رمي في النار قال له جبريل وميكائيل: ألك حاجة؟

فقال: أما إليكم فلا.

قالا: فسل الله.

قال: حسبي من سؤالي علمه بحالي.

وروي في الكشاف عن النبي  وفي عمله كل يوم بأربع ركعات في صدر النهار وهي صلاة الفجر والضحى.

وروي "ألا أخبركم لم سمى الله خليله الذي وفى؟

كان يقول إذا أصبح وإذا أمسى فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون إلى حين تظهرون" وعن الهزيل بن شرحبيل كان بين نوح وإبراهيم  يؤخذ الرجل بجريرة غيره ويقتل الزوج بامرأته والعبد بسيده، وأول من خالفهم إبراهيم فلهذا قال  ﴿ ألا تزر وازرة ﴾ وهي مخففة من الثقيلة ولهذا لم ينصب الفعل وضمير الشأن محذوف ومحله الجر بدلاً مما في صحف موسى، أو الرفع كأن قائلاً قال: وما في صحف موسى وإبراهيم؟

فقيل: هو أنه لا تزر نفس من شأنها أن تزر وزر نفس أخرى إذا لم تحمل التي يتوقع منها ذلك فغيرها أولى بأن لا تحمل.ثم عطف على قوله ﴿ ألا تزر ﴾ قوله ﴿ وأن ليس ﴾ وحكمه حكم ما يتلوه من المعطوفات فيما مر.

وفيه مباحث: الأول الإنسان عام وقيل: هو الكافر.

وأورد عليه أن الله  قال ﴿ ليس للإنسان ﴾ ولو أراد الكافر لقال "ليس على الإنسان" وهذا بالحقيقة غير وارد فإن اللام قد تستعمل في مثل هذا المعنى قال  ﴿ وإن أسأتم فلها  ﴾ وورد على الأول أن الدعاء والصدقة والحج ينفع الميت كما ورد في الأخبار، وأيضاً قال  ﴿ من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها  ﴾ والأضعاف فوق ما سعى.

وأجاب بعضهم بأن قوله ﴿ ليس للإنسان إلا ما سعى ﴾ كان في شرع من تقدم ثم إنه  نسخه في شريعتنا وجعل للإنسان ما سعى وما لم يسع.

وقال المحققون: إن سعي غيره وكذا الأضعاف لما لم ينفعه إلا مبنياً على سعي نفسه وهو أن يكون مؤمناً صالحاً كان سعي غيره كأنه سعي نفسه.

والثاني "ما" مصدرية والمضاف محذوف أي الأثواب أو جزاء سعيه.

ويجوز أن تكون موصولة أي إلا الجزاء الذي سعى فيه.

الثالث في صيغة المضي إشارة إلى أنه لا يفيد الإنسان إلا الذي قد حصل فيه ووجد، وأما مجرد النية مع التواني والتراخي فذلك مما لا اعتماد عليه ولعل ذلك من مكايد الشيطان يمنيه ويعده إلى أن يحل اوجل بغتة.

قوله ﴿ وأن سعيه سوف يرى ﴾ إن كان من الرؤية فكقوله ﴿ اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله  ﴾ وإن كان من الإراءة فالفائدة في إراءته وعرضه عليه أن يفرح به هو ويحزن الكافر والله قادر على إعادة كل معدوم عرضاً كان أو جوهراً، والمراد أن يريه الله إياه على صورة جميلة إن كان عملاً صالحاً وبالضد إن كان بالضد.

ويجوز أن يكون مجازاً عن الثواب كما يقال "سترى إحسانك عند الملك" أي جزاءه إلا أن القول الأول أقوى لقوله ﴿ ثم يجزاه الجزاء الأوفى ﴾ اللهم إلا أن يراد تراخي الرتبة والفائدة تعود إلى الوصف بالأوفى وهو الرؤية التي هي أوفى من كل وافٍ أي يجزى العبد بسعيه الجزاء الأتم.

وجوز أن يكون الضمير للجزاء ثم فسره بقوله ﴿ الجزاء الأوفى ﴾ وأبدل عنه كقوله ﴿ وأسروا النجوى الذين ظلموا  ﴾ ومن لطائف الآية أنه قال في حق المسيء ﴿ لا تزر وارزة وزر أخرى ﴾ ولا يلزم منه أن يبقى الوزر على المذنب بل يجوز أن يسقط عنه بالمحو والعفو، ولو قال "كل وازرة تزر وزر نفسها" لم يكن بد من بقاء وزرها عليها.

وقال في حق المحسن "ليس له ما سعى" ولم يقل "ليس له ما لم يسع" إذا العبارة الثانية لا يلزمها أن له ما سعى، والعبارة الأولى يلزمها ذلك لأنها في قوة كلامين إثبات ونفي والحاصل أنه قال هي حق المسيء بعبارة لا تقطع رجاءه، وفي حق المحسن بعبارة توجب رجاءه كل ذلك لأن رحمته سبقت غضبه.

قوله ﴿ وأن إلى ربك المنتهى ﴾ المشهور أن فيه بيان المعاد كقوله عز من قائل ﴿ وإلى الله المصير  ﴾ أي للناس بين يدي الله وقوف وفيه بيان وقت الجزاء.

وقد يقال: المراد به التوحيد وهو تأويل أهل العرفان.

والحكماء يستدلون به على وجود الصانع فإن الممكن لا بد أن ينتهي إلى الواجب.

وقيل: أراد أن البحث والإدراك ينتهي عنده كما قيل: إذا بلغ الكلام إلى الله فأمسكوا.

وعن أنس أن النبي  قال "إذا ذكر الرب فانتهوا" والخطاب عام لكل سامع مكلف وفيه تهديد للمسيء ووعد للمحسن: وقيل: الخطاب للنبي  وفيه تسلية له.

ثم بين غاية قدرته وهي إيجاده الضدين الضحك والبكاء والإماتة والإحياء في شخص واحد، وكذا الذكورة والأنوثة في مادة واحدة هي النطفة نطفت إذا تمنى تدفق في الرحم.

يقال: منى وأمنى.

وقال الأخفش: تخلق والمنى والتقدير وفيه إبطال قول الطبيعيين أن مبدأ الضحك قوة التعجب، ومبدأ الكباء رقة القلب، وإن الحياة مستندة إلى الطبيعة كالنبات، والموت أمر ضروري وهو تداعي الأجزاء العنصرية إلى الانفكاك بعد اجتماعها على سبيل الاتفاق أو لاقتضاء سبب سماوي من اتصال أو انفصال وذلك أن انتهاء كل ممكن إلى الواجب واجب.

قوله ﴿ أمات وأحيي ﴾ إما لأجل الفاصلة أو لأنه اعتبر حالة كون الإنسان نطفة ميتة.

قال الأطباء: الذكر أسخن وأجف والأنثى أبرد وأرطب.

وقالوا في نبات شعر الرجل: إن الشعور تتكون من بخار دخاني منجذب إلى المسام فإذا كانت المسام في غاية الرطوبة والتحلل كما في مزاج الصبي والمرأة، لا ينبت الشعر لخروج تلك الأدخنة من المسام الرطبة بسهولة قبل أن يتكون شعراً.

وإذا كانت في غاية اليبوسة والتكاثف لم ينبت لعسر خروجه من المخرج الضيق وإنما يندفع كثرة تلك الأبخرة إلى الرأس حتى رأس المرأة والصبي لأنه مخلوق كقبة فوق الأبخرة والأدخنة فيتصاعد إليها.

وأما في الرجل فيندفع إلى صدره كثيراً لحرارة القلب.

وإلى آلات التناسل لحرارة الشهوة، وإلى اللحيين لكثرة الحرارة بسبب الأكل والكلام ومع حرارة الأبخرة، ومن شأن الحرارة جذب الرطوبة كجذب السراج الزيت.

هذا أقوى ما قالوا في هذا الباب.

ويرد عليه أنه ما السبب لتلازم شعر اللحية وآلة التناسل فإنها لو قطعت لم تنبت اللحية، ولو سلم التلازم من حيث إن حرارة الخصيان تقل بسبب قطع آلة الشهوة فلا بد أن يعترفوا بانتهاء جميع الممكنات إلى الواجب بالذات.

واعلم أنه  في هذه الآية وسط الفصل بين الاسم والخبر حيث كان توهم الحملية فيه أكثر وترك الفصل حيث لم يكن كذلك.

ففي آيات الضحك والبكاء والإماتة والإحياء وسط الفصل للتوهمات المذكورة حتى قال نمرود ﴿ أنا أحي وأميت  ﴾ وأما خلق الذكر والأنثى فلم يتوهم أحد أنه بفعل المخلوقين فلم يؤكد بالفصل وعلى هذا القياس قوله ﴿ وأن عليه النشأة الأخرى ﴾ ظاهرة وجوب وقوع الحشر في الحكمة الإلهية للمجازاة على الإحسان والإساءة وقال في التفسير الكبير: هو كقوله ﴿ ثم أنشأناه خلقاًً آخر ﴾ \[المؤمنون: 14\] أي بعد خلقته ذكراً وأنثى نفخ فيه الروح الإنساني ثم أغناه بلبن الأم وبنفقة الأب في صغره، ثم أقناه بالكسب بعد كبره أي أعطاه القنية وهي المال الذي تأثلته وعزمت أن لا تخرجه من يدك، وبالجملة فالإغناء بكل ما تدفع به الحاجة والإقناء بما زاد عليه.

وإنما وسط الفصل لأن كثيراً من الناس يزعم أن الفقر والغنى بكسب الإنسان واجتهاده، فمن كسب استغنى ومن كسل افتقر.

وذهب بعضهم إلى أنه بالبخت أو النجوم فقال رداً عليهم ﴿ وأنه هو رب الشعرى ﴾ وهما شعريان شامية ويمانية وهذه أنورهما.

وخصت بالذكر لأن أبا كبشة أحد أجداد رسول الله  من قبل أمه قال: لا أرى شمساً ولا قمراً ولا نجماً تقطع السماء عرضاً غيرها فليس شيء مثلها فعبدها وعبدتها خزاعة فخالفوا قريشاً في عبادة الأوثان.

وكانت قريش يقولون لرسول الله  "أبو كبشة" تشبيهاً له لمخالفته إياهم في دينهم.

وحين ذكر أنه أغنى وأقنى وذلك كان بفضل المولى لا بعطاء الشعرى، ذكرهم حال الأقدمين الهلكى.

وعاد الأولى قوم هود والأخرى، إرم ميزوا عن قوم كانوا بمكة.

وقيل: أراد التقدم في الدنيا وأنهم كانوا أشرافاً قوله ﴿ وثمود ﴾ عطف على ﴿ عاد ﴾ أي ما رحم عليهم.

ومن المفسرين من قال فما أبقى أي ما ترك أحداً منهم كقول ﴿ فهل ترى لهم من باقية  ﴾ وبه تمسك الحجاج على من زعم أن ثقيفاً من ثمود.

وإنما وصف قوم نوح بأنهم كانوا هم أظلم وأطغى فبالغ بتوسيط الفصل وبناء التفضيل لأن نوحاً  كان أول الرسل إلى أهل الأرض، وكان قومه أول من سن التكذيب وإيذاء النبي والبادي أظلم.

ومن سن سنة سيئة فله وزرها ووزر من عمل بها.

ولأنهم كانوا مجاوزين حد الاعتدال يضربون نبيهم حتى لم يربه حراك وينفرون عنه الناس ويخوفون صبيانهم وما نجع فيهم وعظه ألف سنة إلا خمسين عاماً.

وليس قوله ﴿ أنهم كانوا ﴾ تعليلاً للإهلاك حتى يرد عليه أن غيرهم من الظالمين والطاغين لا يلزم أن يهلكوا وإنما هي جملة معترضة بياناً لشدة طغيانهم وفرط ظلمهم.

﴿ والمؤتفكة ﴾ يعني قريات قوم لوط لأنها ائتفكت بأهلها أي انقلبت وقد مر في هود ﴿ أهوى ﴾ أي رفعها إلى السماء على جناح جبريل فأسقطها إلى الأرض ﴿ فغشاها ما غشي ﴾ من الحجار المسومة وفيه تهويل وتفخيم لما صب عليهم من العذاب.

وجوز أن يكون "ما" فاعلاً كقوله ﴿ والسماء وما بناها  ﴾ هذا كله حكاية ما في الصحف إلا فيمن قرأ ﴿ وإن إلى ربك المنتهي ﴾ بالكسر على الابتداء وكذا ما بعده أما قوله ﴿ فبأي آلاء ربك تتمارى ﴾ فقد قيل: هو أيضاً مما في الصحف وقيل: هو ابتداء كلام، والخطاب لكل سامع ولرسول الله  كقوله ﴿ لئن أشركت ليحبطن عملك  ﴾ والمراد أنه لم يبق فيها إمكان الشك، وقد عد نعماً ونقماً وجعل كلها آلاء لأن النقم أيضاً نعم إن أراد أن يعتبر.

ويحتمل أن يقال لما عد نعمه على الإنسان من خلقه وإغنائه وإقنائه.

ثم ذكر أنه أهلك من كفر بها، وبخ الإنسان على جحد شيء من نعمة فيصيبه مثل ما أصاب المتمارين: أو يقال: لما حكى الإهلاك قال للشاك: أنت ما أصابك الذي أصابهم وذلك بحفظ الله إياك فبأي آلاء ربك تتمارى وسيجيء له مزيد بيان في سورة الرحمن ﴿ هذا ﴾ القرآن أو الرسول ﴿ نذير ﴾ أي إنذار أو منذر من جنس الإنذارات أو المنذرين.

وقال ﴿ الأولى ﴾ على تأويل الجماعة.

وحين فرغ من بيان التوحيد والرسالة ختم السورة بذكر اقتراب الحشر فقال ﴿ أزفت الآزفة ﴾ أي قربت الموصوفة بالقرب في قوله ﴿ اقترب للناس حسابهم  ﴾ ﴿ وما يدريك لعل الساعة قريب  ﴾ وفيه تنبيه على أن قرب الساعة يزداد كل يوم وأنها تكاد تقوم ﴿ ليس لها من دون الله ﴾ نفس ﴿ كاشفة ﴾ تكشف عن وقت مجيئها أو تقدر على كشفها ودفعها إذا وقعت، ولا يلزم من قدرة الله على دفعها وجوب وقوع الدفع فإن كل مقدور لا يلزم أن يكون واقعاً.

والتاء في ﴿ كاشفة ﴾ للتأنيث كما مر، أو للمبالغة أي لا أحد يكشف حقيقتها، أو هي مصدر كالعافية، و"من" زائدة والتقدير ليس لها كاشفة دون الله، ويحتمل أن يراد لها في الوجود نفس تكشف عنها من غير الله بل إنما يكشفها من عند الله ومن قبل علمه وإخباره.

ثم وبخهم على التعجب من القرآن ومن حديث القيامة وضحكهم من استهزاء وإنكاراً.

وفي قوله ﴿ ولا تبكون ﴾ إلى آخره تنبيه على أن البكاء والخشوع وحضور القلب حق عليهم عند سماع القرآن كما قال ﴿ إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجداً وبكياً  ﴾ والسمود الغفلة وقد يكون مع اللهو.

وعن مجاهد: كانوا يمرون بالنبي  غضاباً مبرطمين.

وقال: البرطمة الإعراض ثم إنهم كانوا أنصفوا من أنفسهم وقالوا: لا نعجب ولا نضحك ولا نسمد بل نبكي ونخشع فلا جرم قال ﴿ فاسجدوا ﴾ أي إذا اعترفتم لله بالعبودية فاخضعوا له وأقيموا وظائف العبادة.

وقد مر في سورة الحج في قوله ﴿ ألقى الشيطان في أمنيته ﴾ {الآية: 52] أن رسول الله  قرأ هذه السورة في الصلاة ثم سجد فسجد معه المؤمنون والمشركون والجن والإنس وذكرنا سببه.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ أَمْ لِلإِنسَانِ مَا تَمَنَّىٰ ﴾ .

أي: للإنسي ما تمنى.

ثم يحتمل تمنيهم شفاعة [ما] عبدوه.

أو ما اختاروا من البنين لأنفسهم والبنات لله  .

أو ما سموا واتخذوا الأصنام آلهة، وما ظنوا على الله وادعوا أمره ورضاه في فعلهم، وغير ذلك مما كانوا يتمنون؛ يقول: ليس للإنسان ما تمنى أن يكون له؛ إنما يكون ذلك له بجعل الله الذي له الدنيا الآخرة، وذلك قوله -  -: ﴿ فَلِلَّهِ ٱلآخِرَةُ وٱلأُولَىٰ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَمْ مِّن مَّلَكٍ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ لاَ تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلاَّ مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ ٱللَّهُ لِمَن يَشَآءُ وَيَرْضَىٰ ﴾ .

يخرج هذا على وجهين: أحدهما: أي: كم ملك له شفاعة لا تنفع شفاعته وإن يشفع إلا لمن ذكر.

والثاني: أي: كم من ملك في السماوات لا شفاعة له، ولا يشفع إلا لمن يشاء الله ويرضى أن يشفع، وهو كقوله -  -: ﴿ فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ ٱلشَّافِعِينَ  ﴾ أي: ليست لهم شفاعة تنفع.

وقال أبو بكر الأصم: إنما يشفعون في الآخرة لمن شفعوا في الدنيا واستغفروا لهم؛ كقوله  : ﴿ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِي ٱلأَرْضِ  ﴾ وقوله -  -: ﴿ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ رَبَّنَا وَسِعْتَ كُـلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْماً فَٱغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُواْ...

﴾ الآية [غافر: 7]، وقولهم: ﴿ رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ ٱلَّتِي وَعَدْتَّهُمْ  ﴾ ، وقد ذكرنا فيما تقدم الوجه في ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ ٱلْمَلاَئِكَةَ تَسْمِيَةَ ٱلأُنْثَىٰ ﴾ وإنما يسمي ذلك فُؤُم، وقد أضاف ذلك إلى الكل في الظاهر؛ لأن الذين يسمون الملائكة تسمية الأنثى، والله أعلم.

ويجوز أن يذكر الكل، ويراد به البعض في اللغة، ومثله في القرآن كثير، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ ﴾ أي: ما لهم بما يسمون الملائكة تسمية الأنثى من علم، لأن العلم بمعرفة الأنثى من الذكر بطريقتين: أحدهما: المشاهدة، يشاهد ويعاين فيعرف الأنثى من الذكر، وهم لم يشاهدوا الملائكة، فكيف يعرفون ذلك؟

والثاني: خبر الرسول المؤيد بالمعجزة، وهؤلاء قوم لا يؤمنون بالرسل.

ولا يعرف بالاستدلال وطريق العلم الثلاثة التي ذكرنا، فإذا كان حصل قولهم بلا علم، ولكن على الظن، وذلك قوله  : ﴿ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ ٱلظَّنَّ ﴾ ، أي: ما يتبعون في قولهم الذي قالوا إلا الظن، ووجه ظنهم ما ذكرنا.

ثم أخبر أن ظنهم لا يغنيهم من الحق شيئاً، فهو يخرج على وجهين: أحدهما: أن الظن الذي ظنوا لا يدفع عنهم ما عليهم من اتباع الحق ولزومه.

والثاني: أن ظنهم الذي ظنوا في الدنيا لا يدفع عنهم ما لزمهم من العذاب في الآخرة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّىٰ عَن ذِكْرِنَا ﴾ .

هذا يخرج على وجهين: أحدهما: على ترك مكافأتهم؛ أي: لا تكافئهم لصنيعهم وأذاهم.

والثاني: يخرج على الإياس له من إيمانهم؛ أي: لا تشتغل بهم، فإنهم لا يؤمنون أبداً؛ فهو في قوم خاص علم الله - عز وجل - أنهم لا يؤمنون.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَمْ يُرِدْ إِلاَّ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا ﴾ .

يحتمل أنهم كانوا لا يؤمنون بالآخرة، فلم يريدوا بحسناتهم التي عملوا إلا الحياة الدنيا؛ لأنهم كانوا يتصدقون ويصلون الأرحام، لكن لم يريدوا بذلك إلا ما ذكر في الحياة الدنيا.

وجائز أن تكون الإرادة هاهنا كناية عن العمل.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَمْ يُرِدْ إِلاَّ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا ﴾ .

أي: لم يعمل للآخرة رأسا؛ يخبر عنهم أنهم يعملون للدنيا، لا للآخرة، وهو كقوله  : ﴿ مَّن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن نُّرِيدُ  ﴾ ، وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَنْ أَرَادَ ٱلآخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ...

﴾ الآية [الإسراء: 19]، ونحو ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِّنَ ٱلْعِلْمِ ﴾ بألا يؤمنوا بالآخرة، ولا يعملوا لها.

وقال بعضهم: ﴿ ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِّنَ ٱلْعِلْمِ ﴾ أي: ذلك مبلغ رأيهم من العلم: أن الملائكة بنات الله، وأنها تشفع لهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ ٱهْتَدَىٰ ﴾ .

مثل هذا الكلام إنما يخرج على أثر خصومات كانت من أولئك الكفرة مع رسول الله  وأصحابه، كأن أولئك الكفرة قالوا: نحن على الهوى، وأنتم على الضلال، فقال عند ذلك: ﴿ فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّىٰ عَن ذِكْرِنَا ﴾ ، ثم قال: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ ٱهْتَدَىٰ ﴾ ، أي: هو أعلم بمن ضل عن سبيله؛ فيجزيه جزاء ضلاله في الآخرة، ﴿ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ ٱهْتَدَىٰ ﴾ فيجزيه جزاء الهدى، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ لِيَجْزِيَ ٱلَّذِينَ أَسَاءُواْ بِمَا عَمِلُواْ وَيِجْزِيَ ٱلَّذِينَ أَحْسَنُواْ بِٱلْحُسْنَى ﴾ ، هذا يخرج على وجهين: أحدهما: يقول: ﴿ وَلِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ ﴾ ، وهو غني عن عبادتكم، وإنما يأمركم وينهاكم، ليجزيكم بأعمالكم، لا لمنافع ترجع إليه.

والثاني: ﴿ وَلِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ ﴾ أي: إنما أنشأ أهل السماوات والأرض؛ ليمتحنهم بالأمر والنهي، ثم ليجزي الذي أساءوا جزاء الإساءة والذين أحسنوا جزاء الإحسان، ولو كان على ما قال أولئك الكفرة: أن لا بعث ولا جزاء، لكان خلقهم وخلق ما ذكر عبثاً باطلاً، وفي الحكمة التفريق بين المسيء والمحسن، وفي الدنيا تحققت التسوية بينهما، فدل ذلك على دار أخرى يفرق بينهما فيها.

ثم يحتمل جزاء إساءة أولئك في الدنيا والآخرة: في الدنيا: القهر، والدَّبرة، والهزيمة، وفي الآخرة: النار، وجزاء المحسن في الدنيا: النصر والظفر، وفي الآخرة: الجنة.

ثم نعت الذين أحسنوا الحسنى - وهو التوحيد - فقال: ﴿ ٱلَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ ٱلإِثْمِ وَٱلْفَوَاحِشَ ﴾ .

ثم يحتمل أن تكون الكبائر ما يعرفها كل أحد: أنها كبيرة، والفاحشة: ما يعرفها كل أحد أنها فاحشة، واللمم - على هذا - يجيء أن تكون [من] تلك الكبائر [و]الفواحش؛ لأنه استثناء؛ فيجب أن تكون من جنسها، لكنه استثناها وعفا عنها؛ لما يقعون فيها عن غفلة وسهو، أو عن غلبة شهوة، ونحوها، وهو الأشبه بتأويل الآية.

وقال أهل التأويل: الكبائر والفواحش هي التي ذكر فيها الحد في الدنيا والعقوبة في الآخرة، واللمم التي لم يذكر لها حد في الدنيا، ولا عقوبة في الآخرة.

وعن ابن مسعود -  - أنه قال: "زنا العين: النظر، وزنا الشفتين: التقبيل، وزنا اليدين: البطش، وزنا الرجلين المشي، ويصدق ذلك ويكذبه الفرج، فإن تقدم فهو زنا، وإلا فهو لمم" ، وفي رواية: "إن تقدم كان زنا، وإن تأخر كان لمماً" وعن ابن عباس -  ما - قال: ما رأيت أشبه باللمم مما قال أبو هريرة عن النبي  : "إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا، أدرك ذلك لا محالة؛ فزنا العين: النظر، وزنا اللسان: النطق، والنفس تتمنى وتشتهي، والفرج يصدق ذلك كله أو يكذبه" وعن أبي هريرة أنه النظرة، والغمزة، والقبلة، والمباشرة.

وعنه أنه اللمم: النكاح.

وعن ابن عباس: -  - أنه قال: اللمم: لمم الجاهلية؛ كقوله -  -: ﴿ وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ ٱلأُخْتَيْنِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ  ﴾ .

وعن ابن عباس -  -: هو أن يلم المرَّة.

وقيل: اللمم: اللهم بالخطيئة من جهة حديث النفس شيئاً من غير عزم.

وقيل: إن اللمم: مقاربة الشيء من غير دخول فيه.

وعن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: كان النبي  يقول: "لاَهُم إن تغفر تغفر جمّاً، وأى عبد لك لا ألما؟!" وقيل: اللمم: الصغير من الذنوب؛ لقوله: ﴿ إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ...

﴾ الآية [النساء: 31].

وقال القتبي: اللم: الصغار من الذنوب، وهو من ألم بالشيء: إذا لم يتعمق فيه، ولم يلزمه.

وقال بعضهم: اللمم: ما بين الحدين: حد الدنيا، وحد الآخرة؛ وهو قول ابن عباس -  - وذلك يحتمل، والأول أقرب.

وقال أبو بكر الأسم: اللمم: التي يتوب عنها؛ فإنهم إذا تابوا عنها يتجاوز عنهم؛ فهو يجعل اللمم من تلك الكبائر والفواحش، لكنه يقول: إنما استثنى؛ لما يتوب عنها؛ لما يقعون فيها على السهو والغفلة، أو الغلبة شهوة على حسن الظن بربه؛ فيغفر له، أو يتوب عليه؛ فيعفوا عنها.

وعلى تأويل أهل التأويل: اللمم: ما دون الكبائر والفواحش.

وجائز أن تكون الكبائر والفواحش التي ذكر كبائر الشرك وفواحشه؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً...

﴾ الآية [آل عمران: 135]، وقوله -  -: ﴿ سَيَقُولُ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا  ﴾ ؛ فيكون اللمم - على هذا -: ما دون الشرك فهو في مشيئة الله -  - إن شاء الله عفا عنها، وإن شاء عذب عليها؛ كقوله -  -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ ٱلْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ ﴾ .

أي: هو أعلم بكم، وبأحوالكم، ووقوعكم فيها على السهو والغفلة، عفا عنكم، أي: عن اللمم.

وعلى قول أبي بكر: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ ٱلْمَغْفِرَةِ ﴾ لمن تاب عنها، و ﴿ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ ﴾ تتوبون عنها.

وعندنا: أن ربك هو واسع المغفرة لمن شاء، تاب عنها أو لم يتب.

ثم إن كانت المغفرة هي الستر، فهي تعم المؤمن والكافر في الدنيا، وإن كانت التجاوز فهي للمؤمنين خاصة، والله الموفق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ ﴾ عندنا: هو اعلم بكم بأنكم تعملون وتقعون فيها عن السهو والغفلة.

أو هو أعلم بأحوالكم وأفعالكم، وما يكون منكم، ﴿ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ ﴾ ما لو اجتمع حكماء البشر ما أدركوا معنى الإنسان في ذلك، ولا أدركوا معنى تصوير اليدين، والعينين، وغيرها من الجوارح وقت كونكم أجنة في بطون أمهاتكم.

ثم نسبتنا إلى الأرض بقوله -  -: ﴿ مِّنَ ٱلأَرْضِ ﴾ تحتمل وجهين: إما لخلق أصلنا من الأرض؛ كقوله: ﴿ أَنْ خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ  ﴾ ، ونحوه.

أو لجعل أقواتنا منها؛ لقوله -  -: ﴿ وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا  ﴾ ؛ إذ لا قوام لنا إلا بذلك الغذاء والقوت الذي يخرج من الأرض، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلاَ تُزَكُّوۤاْ أَنفُسَكُمْ ﴾ في ظاهر الآية نهى عن التزكية، وأمر في آية أخرى بالتزكية ورغب فيها؛ حيث قال: ﴿ وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ  ﴾ ، لكن فيما أمر بالتزكية أمر بإصلاح أنفسهم في أنفسهم وتزكيتها فعلا، وفيما نهى عن التزكية نهى عن أن يصفوا أنفسهم بالتزكية والصلاح والتقى والبراءة، لعل ذلك ليس بتزكية في الحقيقة.

أو يكون فيهم من الفساد ما لا يستحق التزكية والوصف بالبراءة، والله أعلم.

فإن قيل: إن الله -  - لما نهانا عن التزكية، فكيف جاز لنا أن نقول لأنفسنا: إنا مؤمنون ومسلمون؛ إذ ذلك مدح وتزكية.

قيل: إنا أمرنا بقول الإيمان والإسلام ابتداء حيث قال: ﴿ قُولُوۤاْ آمَنَّا بِٱللَّهِ...

﴾ الآية [البقرة: 136]، وقوله: ﴿ وَأَسْلِمُواْ  ﴾ ، ونحو ذلك، ولم نؤمر بمثله ابتداء في الصلاح ونحوه بأن نقول: نحن صلحاء أتقياء؛ فجاز ألا يمنع في الإيمان، ويمنع في غيره من الطاعات.

والثاني: أن ليس في نفس الإيمان تزكية؛ لأن كل أهل الأديان مؤمنون بشيء، كافرون بشيء، بقوله: ﴿ فَمَنْ يَكْفُرْ بِٱلطَّاغُوتِ وَيْؤْمِن بِٱللَّهِ  ﴾ ، وقول أولئك: ﴿ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ  ﴾ ، وقوله: ﴿ يُؤْمِنُونَ بِٱلْجِبْتِ وَٱلطَّٰغُوتِ  ﴾ ، وفي نفس التقى والصلاح تزكية.

وقيل: ﴿ فَلاَ تُزَكُّوۤاْ أَنفُسَكُمْ ﴾ أي: لا تزكوا أهل دينكم ومذهبكم، وذلك متعارف في الناس: أنهم يزكون أهل مذهبهم وإن كانوا لا يعرفون صلاحهم وتقواهم، ويذمون أهل خلافهم في مذهبهم وإن لم يعرفوا منهم الشر وما به تجب المذمة، وذلك محتم يحتمل ما ذكرنا أنه نهى كلاًّ في نفسه أن يزكي، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ ٱتَّقَىٰ ﴾ أي: اتقى محارم الله ومناهيه.

ويحتمل: أي: اتقى الكفر بالله والشرك به.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

الذين يبتعدون عن كبائر الذنوب، وقبائح المعاصي إلا صغائر الذنوب، فهذه تغفر بترك الكبائر، والإكثار من الطاعات، إن ربك -أيها الرسول- واسع المغفرة، يغفر ذنوب عباده متى تابوا منها، هو سبحانه أعلم بأحوالكم وشؤونكم حين خلق أباكم آدم من تراب، وحين كنتم حملًا في بطون أمهاتهم تُخْلقون خلقًا من بعد خلق، لا يخفى عليه شيء من ذلك، فلا تمدحوا أنفسكم بالثناء عليها بالتقوى، فهو سبحانه أعلم بمن اتقاه؛ بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه.

<div class="verse-tafsir" id="91.5dJoj"

مزيد من التفاسير لسورة النجم

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.6 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
الحمد لله