الآية ٦٠ من سورة النجم

الإسلام > القرآن > سور > سورة 53 النجم > الآية ٦٠ من سورة النجم

وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ ٦٠

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 70 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٦٠ من سورة النجم: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٦٠ من سورة النجم عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

( وتضحكون ) منه استهزاء وسخرية ، ( ولا تبكون ) أي : كما يفعل الموقنون به ، كما أخبر عنهم : ( ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا ) [ الإسراء : 109 ] .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

وتضحكون استهزاء ولا تبكون انزجارا وخوفا من الوعيد .

وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم ما رئي بعد نزول هذه الآية ضاحكا إلا تبسما .

وقال أبو هريرة : لما نزلت أفمن هذا الحديث تعجبون قال أهل الصفة : " إنا لله وإنا إليه راجعون " ثم بكوا حتى جرت دموعهم على خدودهم ، فلما سمع النبي صلى الله عليه وسلم بكاءهم بكى معهم فبكينا لبكائه ; فقال النبي صلى الله عليه وسلم : لا يلج النار من بكى من خشية الله ولا يدخل الجنة مصر على معصية الله ولو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيغفر لهم ويرحمهم إنه هو الغفور الرحيم .

وقال [ ص: 113 ] أبو حازم : نزل جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم وعنده رجل يبكي ، فقال له : من هذا ؟

قال : هذا فلان ; فقال جبريل : إنا نزن أعمال بني آدم كلها إلا البكاء ، فإن الله تعالى ليطفئ بالدمعة الواحدة بحورا من جهنم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ } أي: تستعملون الضحك والاستهزاء به، مع أن الذي ينبغي أن تتأثر منه النفوس، وتلين له القلوب، وتبكي له العيون،سماعا لأمره ونهيه، وإصغاء لوعده ووعيده، والتفاتا لأخباره الحسنة الصادقة

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

" وتضحكون "، يعني: استهزاءً، " ولا تبكون "، مما فيه من الوعيد.

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وتضحكون» استهزاءً «ولا تبكون» لسماع وعده ووعيده.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

أفمِن هذا القرآن تعجبون -أيها المشركون- من أن يكون صحيحًا، وتضحكون منه سخرية واستهزاءً، ولا تبكون خوفًا من وعيده، وأنتم لاهون معرضون عنه؟

فاسجدوا لله وأخلصوا العبادة له وحده، وسلِّموا له أموركم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

( وَتَضْحَكُونَ وَلاَ تَبْكُونَ ) أى : وتضحكون ضحك استهزاء وتهكم منه وممن جاء به - صلى الله عليه وسلم - ولا تبكون خشية من الله - تعالى - ، ومن سماع ما اشتمل عليه هذا القرآن من وعد ووعيد .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وقوله تعالى: ﴿ وَتَضْحَكُونَ ﴾ يحتمل أن يكون المعنى وتضحكون من هذا الحديث، كما قال تعالى: ﴿ فَلَمَّا جَاءهُم بئاياتنا إِذَا هُم مِنْهَا يَضْحَكُونَ  ﴾ في حق موسى عليه السلام، وكانوا هم أيضاً يضحكون من حديث النبي والقرآن، ويحتمل أن يكون إنكاراً على مطلق الضحك مع سماع حديث القيامة، أي أتضحكون وقد سمعتم أن القيامة قربت، فكان حقاً أن لا تضحكوا حينئذ.

وقوله تعالى: ﴿ وَلاَ تَبْكُونَ ﴾ أي كان حقاً لكم أن تبكوا منه فتتركون ذلك وتأتون بضده.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ أَفَمِنْ هذا الحديث ﴾ وهو القرآن ﴿ تَعْجَبُونَ ﴾ إنكاراً ﴿ وَتَضْحَكُونَ ﴾ استهزاء ﴿ وَلاَ تَبْكُونَ ﴾ والبكاء والخشوع حق عليكم.

وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنه لم ير ضاحكاً بعد نزولها» وقرئ: ﴿ تعجبون تضحكون ﴾ ، بغير واو ﴿ وَأَنتُمْ سامدون ﴾ شامخون مبرطمون.

وقيل: لاهون لاعبون.

وقال بعضهم لجاريته: اسمدي لنا، أي غني لنا ﴿ فاسجدوا لِلَّهِ واعبدوا ﴾ ولا تعبدوا الآلهة.

وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ سورة النجم أعطاه الله عشر حسنات بعدد من صدق بمحمد وجحد به بمكة» .

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ أفَمِن هَذا الحَدِيثِ ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ ﴿ تَعْجَبُونَ ﴾ إنْكارًا.

﴿ وَتَضْحَكُونَ ﴾ اسْتِهْزاءً.

﴿ وَلا تَبْكُونَ ﴾ تَحَزُّنًا عَلى ما فَرَّطْتُمْ.

﴿ وَأنْتُمْ سامِدُونَ ﴾ لاهُونَ أوْ مُسْتَكْبِرُونَ مِن سَمَدَ البَعِيرُ في مَسِيرِهِ إذا رَفَعَ رَأْسَهُ، أوْ مُغَنُّونَ لِتَشْغَلُوا النّاسَ عَنِ اسْتِماعِهِ مِنَ السُّمُودِ وهو الغِناءُ.

﴿ فاسْجُدُوا لِلَّهِ واعْبُدُوا ﴾ أيْ واعْبُدُوهُ دُونَ الآلِهَةِ.

عَنِ النَّبِيِّ  : «مَن قَرَأ سُورَةَ النَّجْمِ أعْطاهُ اللَّهُ عَشْرَ حَسَناتٍ بِعَدَدِ مَن صَدَّقَ بِمُحَمَّدٍ وجَحَدَ بِهِ بِمَكَّةَ».»

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وتضحكون} استهزءا {ولا تبكون} خشوعا

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ أفَمِن هَذا الحَدِيثِ ﴾ أيِ القُرْآنِ ﴿ تَعْجَبُونَ ﴾ إنْكارًا ﴿ وتَضْحَكُونَ ﴾ اسْتِهْزاءً مَعَ كَوْنِهِ أبْعَدَ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ ﴿ ولا تَبْكُونَ ﴾ حُزْنًا عَلى ما فَرَّطْتُمْ في شَأْنِهِ وخَوْفًا مِن أنْ يَحِيقَ بِكم ما حاقَ بِالأُمَمِ المَذْكُورَةِ ﴿ وأنْتُمْ سامِدُونَ ﴾ أيْ لاهُونَ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ جَوابًا لِنافِعِ بْنِ الأزْرَقِ، وأنْشَدَ عَلَيْهِ قَوْلَ هُزَيْلَةَ بِنْتِ بَكْرٍ وهي تَبْكِي قَوْمَ عادٍ: لَيْتَ عادًا قَبِلُوا الحَقَّ ولَمْ يُبْدُوا جُحُودا قِيلَ قُمْ فانْظُرْ إلَيْهِمْ ∗∗∗ ثُمَّ دَعْ عَنْكَ السُّمُودا وفِي رِوايَةٍ أنَّهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ سُئِلَ عَنِ السُّمُودِ، فَقالَ: البَرْطَمَةُ وهي رَفْعُ الرَّأْسِ تَكَبُّرًا أيْ وأنْتُمْ رافِعُونَ رُؤُوسَكم تَكَبُّرًا، ورُوِيَ تَفْسِيرُهُ بِالبَرْطَمَةِ عَنْ مُجاهِدٍ أيْضًا، وقالَ الرّاغِبُ: السّامِدُ اللّاهِي الرّافِعُ رَأْسَهُ - مِن سَمَدَ البَعِيرُ في سَيْرِهِ - إذا رَفَعَ رَأسَهُ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: السُّمُودُ الغِناءُ بِلُغَةِ حِمْيَرٍ يَقُولُونَ: يا جارِيَةُ اسْمُدِي لَنا أيْ غَنِّي لَنا، ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ عِكْرِمَةَ، وأخْرَجَ عَبْدُ الرّازِقِ.

والبَزّارُ وابْنُ جَرِيرٍ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ.

وجَماعَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: هو الغِناءُ بِاليَمانِيَّةِ وكانُوا إذا سَمِعُوا القُرْآنَ غَنُّوا تَشاغُلًا عَنْهُ، وقِيلَ: يَفْعَلُونَ ذَلِكَ لِيَشْغَلُوا النّاسَ عَنِ اسْتِماعِهِ، والجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ عَلى جَمِيعِ ذَلِكَ حالٌ مِن فاعِلِ - لا تَبْكُونَ - ومَضْمُونُها قَيْدٌ لِلنَّفْيِ والإنْكارُ مُتَوَجِّهٌ إلى نَفْيِ البُكاءِ ووُجُودِ السُّمُودِ، وقالَ المُبَرِّدُ: السُّمُودُ الجُمُودُ والخُشُوعُ كَما في قَوْلِهِ: رَمى الحَدَثانِ نِسْوَةَ آلِ سَعْدٍ ∗∗∗ بِمِقْدارٍ سَمَدْنَ لَهُ سُمُودا فَرَدَّ شُعُورَهُنَّ السُّودَ بِيضا ∗∗∗ ورَدَّ وُجُوهَهُنَّ البِيضَ سُودا والجُمْلَةُ عَلَيْهِ حالٌ مِن فاعِلِ - تَبْكُونَ - أيْضًا إلّا أنَّ مَضْمُونَها قَيْدٌ لِلْمَنفِيِّ، والإنْكارُ وارِدٌ عَلى نَفْيِ البُكاءِ والسُّمُودِ مَعًا فَلا تَغْفُلْ، وفي حَرْفِ أُبَيٍّ وعَبْدِ اللَّهِ - تَضْحَكُونَ - بِغَيْرِ واوٍ، وقَرَأ الحَسَنُ - تُعْجِبُونَ تُضْحِكُونَ - بِغَيْرِ واوٍ وضَمِّ التّاءَيْنِ وكَسْرِ الجِيمِ والحاءِ، واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ كَما في أحْكامِ القُرْآنِ عَلى اسْتِحْبابِ البُكاءِ عِنْدَ سَماعِ القُرْآنِ وقِراءَتِهِ، أخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ ﴿ أفَمِن هَذا الحَدِيثِ ﴾ الآيَةَ «بَكى أصْحابُ الصُّفَّةِ حَتّى جَرَتْ دُمُوعُهم عَلى خُدُودِهِمْ فَلَمّا سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ  حَنِينَهم بَكى مَعَهم فَبَكَيْنا بِبُكائِهِ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: لا يَلِجُ النّارَ مَن بَكى مِن خَشْيَةِ اللَّهِ تَعالى ولا يَدْخُلُ الجَنَّةَ مُصِرٌّ عَلى مَعْصِيَتِهِ ولَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَجاءَ اللَّهُ تَعالى بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُونَ فَيَغْفِرُ لَهم»» وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وهَنّادٌ وغَيْرُهم عَنْ صالِحٍ أبِي الخَلِيلِ قالَ: ««لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿ أفَمِن هَذا الحَدِيثِ تَعْجَبُونَ ﴾ ﴿ وتَضْحَكُونَ ولا تَبْكُونَ ﴾ ما ضَحِكَ النَّبِيُّ  بَعْدَ ذَلِكَ إلّا أنْ يَتَبَسَّمَ»» ولَفْظُ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ ««فَما رُئِيَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ضاحِكًا ولا مُبْتَسِمًا حَتّى ذَهَبَ مِنَ الدُّنْيا»» وفِيهِ سَدُّ بابِ الضَّحِكِ عِنْدَ قُرّاءِ القُرْآنِ ولَوْ لَمْ يَكُنِ اسْتِهْزاءً والعِياذُ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال عز وجل: أَفَمِنْ هذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ يعني: من القرآن تعجبون تكذيباً وَتَضْحَكُونَ استهزاءً.

وَلا تَبْكُونَ مما فيه من الوعد وَأَنْتُمْ سامِدُونَ يعني: لاهين عن القرآن.

روي عن عكرمة، عن ابن عباس أنه قال: هو الغناء.

كانوا إذا سمعوا القرآن تغنوا، ولعبوا، وهي بلغة أهل اليمن.

وقال قتادة سامِدُونَ يعني: غافلون.

ثم قال عز وجل: فَاسْجُدُوا لِلَّهِ يعني: صلوا لله.

ويقال: اخضعوا لله وَاعْبُدُوا يعني: أطيعوا.

ويقال: فَاسْجُدُوا لِلَّهِ في الصلاة وَاعْبُدُوا يعني: وحدوه.

ويقال: هو سجدة التلاوة بعينها.

وروي عن الشعبي أنه قال: إن رسول الله  سجد في النجم، وسجد معه المؤمنون، والمشركون، والجن، والإنس.

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

ليس من دون الله من يكشف وَقْتَهَا ويعلمه، وقال منذر بن سعيد «١» : هو من كشف الضُّرّ ودفعه، أي: ليس مَنْ يكشف خطبها وهولها إلّا الله.

وقوله سبحانه: أَفَمِنْ هذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ ...

الآية، روى سعد بن أَبي وَقَّاص أنَّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «إِنَّ هذا الْقُرْآنَ أُنْزِلَ بِخَوْفٍ، فَإذَا قَرَأْتُمُوهُ فَابْكُوا، فَإِنْ لَمْ تَبْكُوا فَتَبَاكَوا» ذكره الثعلبيّ، وأخرج الترمذي والنسائيّ عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أَنَّه قَالَ: «لاَ يَلِجُ النَّارَ مَنْ بكى مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، حتى يَعُودَ اللَّبَنُ في الضَّرْعِ، وَلاَ يَجْتَمِعُ غُبَارٌ في سَبِيلِ اللَّهِ وَدُخَانُ جَهَنَّمَ في مَنْخِرٍ أبَدًا» قال النسائيُّ: ويروى: «في جَوْفٍ أبَدًا» : «وَلاَ يَجْتَمِعُ الشُّحُّ وَالإيمَانُ في قَلْبٍ أَبَدًا» «٢» قال الترمذي: وقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «عَيْنَانِ لاَ تَمَسُّهُمَا النَّارُ: عَيْنٌ بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، وَعَيْنٌ بَاتَتْ تَحْرُسُ في سَبِيلِ اللَّهِ» «٣» انتهى من «مصابيح/ البَغَوِيِّ» .

قال أبو عمر بن عبد البر: رُوِيَ عنِ النبي صلّى الله عليه وسلّم أَنَّه قال: «إيَّاكُمْ وَكَثْرَةَ الضَّحِكِ فَإنَّهُ يُمِيتُ الْقَلْبَ، وَيَذْهَبُ بِنُورِ الْوَجْهِ» «٤» انتهى من «بهجة المجالس» ، وروى الترمذيُّ عن أبي هريرة قال:

قَالَ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «مَنْ يَأْخُذُ عَنِّي هؤلاء الكَلِمَاتِ فَيَعْمَلَ بِهِنَّ، أو يعلّم من يعمل بهنّ؟

فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَقُلْتُ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَأَخَذَ بِيَدِي، فَعَدَّ خَمْسَاً، وَقَالَ: اتَّقِ الْمَحَارِمَ، تَكُنْ أَعْبَدَ النَّاسِ، وارض بِمَا قَسَّمَ اللَّهُ لَكَ، تَكُنْ أَغْنَى النَّاسِ، وَأَحْسِنْ إلى جَارِكَ، تَكُنْ مُؤْمِناً، وَأَحِبَّ لِلنَّاسِ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ، تَكُنْ مُسْلِماً، وَلاَ تُكْثِرِ الضَّحِكَ فَإنَّ كَثْرَةَ الضَّحِكِ يُمِيتُ الْقَلْبَ» «١» انتهى، والسامد: اللاعب اللاهي، وبهذا فسَّرَ ابن عباس وغيره من المفسرين «٢» ، وسمد بلغة حمير: غَنِيَ، وهو كُلُّه معنى قريب بعضُه من بعض، ثم أمر تعالى بالسجود له والعبادة تخويفا وتحذيرا، وهاهنا سجدةٌ في قول كثير من العلماء، ووردت بها أحاديثُ صحاح، ولم يَرَ مالك بالسجود هنا، وقال زيد بن ثابت: إنَّهُ قَرَأ بها عند النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فَلَمْ يَسْجُدْ «٣» .

قال ابن العربيِّ في «أحكامه» «٤» : وكان مالكٌ يَسْجُدُهَا في خاصَّة نَفْسِهِ، انتهى.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَذا نَذِيرٌ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ القُرْآنُ، نَذِيرٌ بِما أنْذَرَتِ الكُتُبُ المُتَقَدِّمَةُ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّانِي: أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ  ، نَذِيرٌ بِما أنْذَرَتْ بِهِ الأنْبِياءُ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.

قَوْلُهُ تَعالى ﴿ أزِفَتِ الآزِفَةُ ﴾ أيْ: دَنَتِ القِيامَةُ، ﴿ لَيْسَ لَها مِن دُونِ اللَّهِ كاشِفَةٌ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: إذا غَشِيَتِ الخَلْقَ شَدائِدُها وأهْوالُها لَمْ يَكْشِفْها أحَدٌ ولَمْ يَرُدَّها، قالَهُ عَطاءٌ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ.

والثّانِي: لَيْسَ لِعِلْمِها كاشِفٌ دُونَ اللَّهِ، أيْ: لا يَعْلَمُ عِلْمَها إلّا اللَّهُ، قالَهُ الفَرّاءُ، قالَ: وتَأْنِيثُ "كاشِفَةٍ" كَقَوْلِهِ: "هَلْ تَرى لَهم مِن باقِيَةٍ" [الحاقَّةِ: ٨]، يُرِيدُ: مِن بَقاءِ؛ والعافِيَةُ والباقِيَةُ والنّاهِيَةُ كُلُّهُ في مَعْنى المَصْدَرِ.

وقالَ غَيْرُهُ: تَأْنِيثُ "كاشِفَةٍ" عَلى تَقْدِيرِ: نَفْسٌ كاشِفَةٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَمِن هَذا الحَدِيثِ ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي القُرْآنَ ﴿ تَعْجَبُونَ ﴾ تَكْذِيبًا بِهِ، ﴿ وَتَضْحَكُونَ ﴾ اسْتِهْزاءً ﴿ وَلا تَبْكُونَ ﴾ مِمّا فِيهِ مِنَ الوَعِيدِ؟!

ويَعْنِي بِهَذا كُفّارَ مَكَّةَ، ﴿ وَأنْتُمْ سامِدُونَ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: لاهُونَ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ.

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: يُقالُ: دَعْ عَنْكَ سُمُودَكَ، أيْ: لَهْوَكَ.

والثّانِي: مُعْرِضُونَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّالِثُ: أنَّهُ الغِناءُ، وهي لُغَةٌ يَمانِيَّةٌ، يَقُولُونَ: اسْمُدْ لَنا، أيْ: تَغَنَّ لَنا، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وقالَ عِكْرِمَةُ: هو الغَناءُ بِالحِمْيَرِيَّةِ.

والرّابِعُ: غافِلُونَ، قالَهُ قَتادَةُ.

والخامِسُ: أشِرُونَ بَطِرُونَ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

قَوْلُهُ تَعالى ﴿ فاسْجُدُوا لِلَّهِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ سُجُودُ التِّلاوَةِ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.

والثّانِي: سُجُودُ الفَرْضِ في الصَّلاةِ.

قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي بِقَوْلِهِ: ﴿ فاسْجُدُوا ﴾ : الصَّلَواتَ الخَمْسَ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ واعْبُدُوا ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ التَّوْحِيدُ.

والثّانِي: العِبادَةُ.

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَقَوْمَ نُوحٍ مِن قَبْلُ إنَّهم كانُوا هم أظْلَمَ وأطْغى ﴾ ﴿ والمُؤْتَفِكَةَ أهْوى ﴾ ﴿ فَغَشّاها ما غَشّى ﴾ ﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى ﴾ ﴿ هَذا نَذِيرٌ مِنَ النُذُرِ الأُولى ﴾ ﴿ أزِفَتِ الآزِفَةُ ﴾ ﴿ لَيْسَ لَها مِن دُونِ اللهِ كاشِفَةٌ ﴾ ﴿ أفَمِن هَذا الحَدِيثِ تَعْجَبُونَ ﴾ ﴿ وَتَضْحَكُونَ ولا تَبْكُونَ ﴾ ﴿ وَأنْتُمْ سامِدُونَ ﴾ ﴿ فاسْجُدُوا لِلَّهِ واعْبُدُوا ﴾ نُصِبَ "قَوْمَ نُوحٍ" عَطْفًا عَلى "ثَمُودَ"، وقَوْلُهُ تَعالى: "مِن قَبْلُ" لِأنَّهم كانُوا أوَّلَ أُمَّةٍ كَذَّبَتْ مِن أهْلِ الأرْضِ، و"نُوحٌ" أوَّلُ الرُسُلِ، وجَعَلَهم "أظْلَمَ وأطْغى" لِأنَّهم سَبَقُوا إلى التَكْذِيبِ دُونَ اقْتِداءٍ بِأحَدٍ قَبْلَهُمْ، وأيْضًا فَإنَّهم كانُوا في غايَةٍ مِنَ العُتُوِّ، وكانَ عُمْرُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَلامُ قَدْ طالَ في دُعائِهِمْ، وكانَ الرَجُلُ يَأْتِي إلَيْهِ مَعَ ابْنِهِ فَيَقُولُ: أُحَذِّرُكَ مِن هَذا الرَجُلِ فَإنَّهُ كَذّابٌ، ولَقَدْ حَذَّرَنِي مِنهُ أبِي وأخْبَرَنِي أنَّ جَدِّي حَذَّرَهُ مِنهُ، فَمَشَتْ عَلى هَذا أخْلاقُهم ألْفًا إلّا خَمْسِينَ عامًا.

و"المُؤْتَفِكَةَ" قَرْيَةُ قَوْمِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَلامُ بِإجْماعٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ، ومَعْنى "المُؤْتَفِكَةَ": المُتَقَلِّبَةُ؛ لِأنَّها أفِكَتْ فائْتَفَكَتْ، ومِنهُ "الإفْكُ" لِأنَّهُ قَلْبُ الحَقِّ كَذِبًا، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "والمُؤْتَفِكاتِ" عَلى الجَمْعِ، و"أهْوى" مَعْناهُ: طَرَحَها مِن هَواءٍ عالٍ إلى أسْفَلَ، وهَذا ما رُوِيَ مِن أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ اقْتَلَعَها بِجَناحِهِ حَتّى بَلَغَ بِها قُرْبَ السَماءِ فَهَبَطَ الجَمِيعُ، ثُمَّ أُتْبِعُوا بِحِجارَةٍ، وهي الَّتِي غَشّاها اللهُ تَبارَكَ وتَعالى.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى ﴾ مُخاطَبَةٌ لِلْإنْسانِ الكافِرِ، كَأنَّهُ قِيلَ لَهُ: هَذا هو اللهُ الَّذِي لَهُ هَذِهِ الأفاعِيلُ، وهو خالِقُكَ المُنْعِمُ عَلَيْكَ بِكُلِّ النِعَمِ، فَفي أيُّها تَشُكُّ؟

و"تَتَمارى" مَعْناهُ: تَتَشَكَّكُ، وقَرَأ يَعْقُوبُ: "رَبِّكَ تَّمارى" بِتاءٍ واحِدَةٍ مُشَدَّدَةٍ، وقالَ أبُو مالِكٍ الغِفارِيُّ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ ألا تَزِرُ وازِرَةٌ  ﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: "تَتَمارى" هو في صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى عَلَيْهِما السَلامُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "هَذا نَذِيرٌ" يُحْتَمَلُ أنْ يُشِيرَ إلى مُحَمَّدٍ  ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ، وأبِي جَعْفَرٍ ومُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُشِيرَ إلى القُرْآنِ، وهو تَأْوِيلُ قَوْمٍ، وقالَ أبُو مالِكٍ: الإشارَةُ بِهَذا النَذِيرِ إلى ما سَلَفَ مِنَ الأخْبارِ عَنِ الأُمَمِ، و"نَذِيرٌ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِناءَ اسْمِ فاعِلٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا، و"نَذَرَ" جَمْعُ نَذِيرٍ، وقالَ: "الأُولى" بِمَعْنى أنَّهُ في الرُتْبَةِ والأوصافُ والمَنزِلَةُ مِن تِلْكَ المُتَقَدِّمَةِ، والأشْبَهُ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى مُحَمَّدٍ  .

وقَوْلُهُ تَعالى: "أزِفَتِ الآزِفَةُ" مَعْناهُ: قَرُبَتِ القَرِيبَةً، و"الآزِفَةُ" عِبارَةٌ عَنِ القِيامَةِ بِإجْماعٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ، و"أزِفَ" مَعْناهُ: قَرُبَ جِدًّا، قالَ كَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ: بانَ الشَبابُ وأمْسى الشَيْبُ قَدْ أزِفا ولا أرى لِشَبابٍ ذاهِبٍ خَلَفا وقَوْلُهُ تَعالى: "كاشِفَةٌ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِمُؤَنَّثٍ، التَقْدِيرُ: حالَةٌ كاشِفَةٌ، أو مِنَّةٌ كاشِفَةٌ، أو سِعايَةٌ، قالَ الرُمّانِيُّ: أو جَماعَةٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا كالعاقِبَةِ و"خائِنَةَ الأعْيُنِ"، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى "كاشِفٍ" والهاءُ لِلْمُبالَغَةِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ فَهَلْ تَرى لَهم مِن باقِيَةٍ  ﴾ ، وأمّا مَعْنى "كاشِفَةٌ" فَقالَ الطَبَرِيُّ، والزَجّاجُ: هو مِن كَشْفِ السِرِّ، أيْ: لَيْسَ مِن دُونِ اللهِ مَن يَكْشِفُ وقْتَها ويَعْلَمُهُ، وقالَ الزَهْراوِيُّ عن مُنْذِرِ بْنِ سَعِيدٍ: هو مَن كَشْفِ الضُرِّ ودَفْعِهِ، أيْ: لَيْسَ مَن يَكْشِفُ هَوْلَها وخَطْبَها، وقَرَأ طَلْحَةُ: "لَيْسَ لَها مِمّا تَدَّعُونَ مِن دُونِ اللهِ كاشِفَةٌ وهي عَلى الظالِمِينَ ساءَتِ الغاشِيَةُ".

و"هَذا الحَدِيثُ" هو القُرْآنُ، وقَوْلُهُ تَعالى: "أفَمَن"؟

تَوْقِيفٌ وتَوْبِيخٌ، وفي حَرْفِ أُبَيٍّ، وابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما "تَعْجَبُونَ"، تَضْحَكُونَ" بِغَيْرِ واوِ عَطْفٍ، وقَرَأ الحَسَنُ: "تَعْجَبُونَ تَضْحَكُونَ" بِضَمِّ التاءِ فِيهِما وكَسْرِ الجِيمِ والحاءِ وحَذْفِ واوِ العَطْفِ، وفي قَوْلِهِ تَعالى وجَلَّ: "وَلا تَبْكُونَ" حَضٌّ عَلى البُكاءِ عِنْدَ سَماعِ القُرْآنِ، ورَوى سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّ رَسُولَ اللهِ  قالَ: « "إنَّ هَذا القُرْآنَ أُنْزِلَ يُخَوِّفُ، فَإذا قَرَأْتُمُوهُ فابْكُوا، فَإنْ لَمْ تَبْكُوا فَتَباكَوْا"،» ذَكَرَهُ الثَعْلَبِيُّ.

و"السامِدُ": اللاعِبُ اللاهِي، وبِهَذا فَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وغَيْرُهُ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وقالَ الشاعِرُ: قِيلَ قُمْ فانْظُرْ إلَيْهِمْ ∗∗∗ ثُمَّ دَعْ عنكَ السُمُودا و"سَمَدَ" بِلُغَةِ حِمْيَرٍ: غَنّى، وهَذا كُلُّهُ مَعْنًى قَرِيبٌ بَعْضُهُ مِن بَعْضٍ، وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ عن أبِي خالِدٍ الوالِبِيِّ، قالَ: خَرَجَ عَلَيْنا عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عنهُ ونَحْنُ قِيامٌ نَنْتَظِرُ لِلصَّلاةِ فَقالَ: ما لِي أراكم سامِدِينَ؟

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: يُشْبِهُ أنَّهُ رَآهم في أحادِيثَ ونَحْوِها مِمّا يَظُنُّ أنَّهُ غَفْلَةٌ ما، وقالَ إبْراهِيمُ: كانُوا يَكْرَهُونَ أنْ يَنْتَظِرُوا خُرُوجَ الإمامِ قِيامًا، وفي الحَدِيثِ: « "إذا أُقِيمَتِ الصَلاةُ فَلا تَقُومُوا حَتّى تَرَوْنِي"».

ثُمَّ أمَرَ تَعالى بِالسُجُودِ وعِبادَةِ اللهِ تَحْذِيرًا وتَخْوِيفًا، وهاهُنا سَجْدَةٌ في قَوْلِ كَثِيرٍ مِن أهْلِ العِلْمِ مِنهم عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ ورَدَتْ بِها أحادِيثُ صِحاحٌ، ولَيْسَ يَراها مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ تَعالى، وقالَ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: «إنَّهُ قَرَأ بِها عِنْدَ النَبِيِّ  فَلَمْ يَسْجُدْ.» تَمَّ تَفْسِيرُ سُورَةِ [النَجْمِ] والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

تفريع على ﴿ هذا نذير من النذر الأولى ﴾ [النجم: 56] وما عطف عليه وبُينّ به من بيان أو صفة، فرع عليه استفهام إنكار وتوبيخ.

والحديث: الكلام والخبر.

والإِشارة إلى ما ذكر من الإِنذار بأخبار الذين كذبوا الرسل، فالمراد بالحديث بعض القرآن بما في قوله: ﴿ أفبهذا الحديث أنتم مدهنون ﴾ [الواقعة: 81].

ومعنى العجب هنا الاستبعاد والإِحالة كقوله: ﴿ أتعجبين من أمر الله ﴾ [هود: 73]، أو كناية عن الإنكار.

والضحك: ضحك الاستهزاء.

والبكاء مستعمل في لاَزمه من خشية الله كقوله تعالى: ﴿ ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعاً ﴾ [الإسراء: 109].

ومن هذا المعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم للمسلمين حيث حلوا بحجر ثمود في غزوة تبوك «لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا إلا أن تكونوا باكين أن يصيبكم مثل ما أصابهم» أي ضارعين الله أن لا يصيبكم مثل ما أصابهم أو خاشين أن يصيبكم مثل ما أصابهم.

والمعنى: ولا تخشون سوء عذاب الإِشراك فتقلعوا عنه.

و ﴿ سامدون ﴾ : من السمود وهو ما في المرء من الإِعجاب بالنفس، يقال: سمد البعير، إذا رفع رأسه في سيره، مُثل به حال المتكبر المعرض عن النصح المعجب بما هو فيه بحال البعير في نشاطه.

وقيل السمود: الغِناء بلغة حِمْير.

والمعنى: فرحون بأنفسكم تتغنون بالأغاني لقلة الاكتراث بما تسمعون من القرآن كقوله: ﴿ وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية ﴾ [الأنفال: 35] على أحد تفسيرين.

وتقديم المجرور للقصر، أي هذا الحديث ليس أهلاً لأن تقابلوه بالضحك والاستهزاء والتكذيب ولا لأن لا يتوب سامعه، أي لو قابلتم بفعلكم كلاماً غيره لكان لكم شبهة في فعلكم، فأمّا مقابلتكم هذا الحديث بما فعلتم فلا عذر لكم فيها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ هَذا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الأُولى ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ مُحَمَّدًا نَذِيرُ الحَقِّ أنْذَرَ بِهِ الأنْبِياءُ قَبْلَهُ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.

الثّانِي: أنَّ القُرْآنَ نَذِيرٌ بِما أنْذَرَتْ بِهِ الكُتُبُ الأُولى، قالَهُ قَتادَةُ.

وَيَحْتَمِلُ قَوْلًا ثالِثًا: أنَّ هَلاكَ مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ الأُمَمِ الأُولى نَذِيرٌ لَكم.

﴿ أزِفَتِ الآزِفَةُ ﴾ أيِ اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ ودَنَتِ القِيامَةُ، وسَمّاها آزِفَةً لِقُرْبِ قِيامِها عِنْدَهُ.

﴿ لَيْسَ لَها مِن دُونِ اللَّهِ كاشِفَةٌ ﴾ أيْ مَن يَكْشِفُ ضَرَرَها.

﴿ أفَمِن هَذا الحَدِيثِ تَعْجَبُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مِنَ القُرْآنِ في نُزُولِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ.

الثّانِي: مِنَ البَعْثِ والجَزاءِ وهو مُحْتَمَلٌ.

﴿ وَتَضْحَكُونَ ولا تَبْكُونَ ﴾ فِيها وجْهانِ: أحَدُهُما: تَضْحَكُونَ اسْتِهْزاءً ولا تَبْكُونَ انْزِجارًا.

الثّانِي: تَفْرَحُونَ ولا تَحْزَنُونَ، وهو مُحْتَمَلٌ.

﴿ وَأنْتُمْ سامِدُونَ ﴾ فِيهِ تِسْعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: شامِخُونَ كَما يَخْطُرُ البَعِيرُ شامِخًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: غافِلُونَ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّالِثُ: مُعْرِضُونَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الرّابِعُ: مُسْتَكْبِرُونَ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الخامِسُ: لاهُونَ لاعِبُونَ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

السّادِسُ: هو الغِناءُ، كانُوا إذا سَمِعُوا القُرْآنَ تَغَنَّوْا، وهي لُغَةُ حِمْيَرٍ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.

السّابِعُ: أنْ يَجْلِسُوا غَيْرَ مُصَلِّينَ ولا مُنْتَظِرِينَ قالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

الثّامِنُ: واقِفُونَ لِلصَّلاةِ قَبْلَ وُقُوفِ الإمامِ، قالَهُ الحَسَنُ، وفِيهِ ما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ  «أنَّهُ خَرَجَ والنّاسُ يَنْتَظِرُونَهُ قِيامًا فَقالَ: ما لِي أراكم سامِدِينَ.

» التّاسِعُ; خامِدُونَ قالَهُ المُبَرِّدُ، قالَ الشّاعِرُ رَمى الحِدْثانُ نِسْوَةَ آلِ حَرْبٍ بِمَقْدٍ سَمِدْنَ لَهُ سُمُودًا ﴿ فاسْجُدُوا لِلَّهِ واعْبُدُوا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ سُجُودُ تِلاوَةِ القُرْآنِ، قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ في المُفَصَّلِ سُجُودًا.

الثّانِي: أنَّهُ سُجُودُ الفَرْضِ في الصَّلاةِ.

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ أفمن هذا الحديث ﴾ قال: القرآن.

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد وهناد وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن صالح أبي الخليل قال: لما نزلت هذه الآية ﴿ أفمن هذا الحديث تعجبون وتضحكون ولا تبكون ﴾ فما ضحك النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك إلا أن يتبسم ولفظ عبد بن حميد فما رؤي النبي صلى الله عليه وسلم ضاحكاً ولا متبسماً حتى ذهب من الدنيا.

وأخرج ابن مردوية عن ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية على النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ أفمن هذا الحديث تعجبون وتضحكون ولا تبكون ﴾ فما رؤي النبي صلى الله عليه وسلم بعدها ضاحكاً حتى ذهب من الدنيا.

وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن أبي هريرة قال: لما نزلت ﴿ أفمن هذا الحديث تعجبون وتضحكون ولا تبكون ﴾ بكى أصحاب الصَّفَّة حتى جرت دموعهم على خدودهم، فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم حنينهم بكى، فبكينا ببكائه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يلج النار من بكى من خشية الله، ولا يدخل الجنة مصر على معصية الله، ولو لم تذنبوا لجاء الله بقوم يذنبون فيغفر لهم» .

وأخرج عبد الرزاق والفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ سامدون ﴾ قال: لاهون معرضون عنه.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ وأنتم سامدون ﴾ قال: غافلون.

وأخرج عبد الرزاق والفريابي وأبو عبيد في فضائله وعبد بن حميد وابن أبي الدنيا في ذم الملاهي والبزار وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله: ﴿ وأنتم سامدون ﴾ قال: الغناء باليمانية كانوا إذا سمعوا القرآن تغنوا ولعبوا.

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير عن عكرمة في قوله: ﴿ سامدون ﴾ قال: هو الغناء بالحميرية.

وأخرج الفريابي وأبو يعلى وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ سامدون ﴾ قال: كانوا يمرون على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي شامخين، ألم تر إلى البعير كيف يخطر شامخاً.

وأخرج الطستي في مسائله والطبراني عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله: ﴿ سامدون ﴾ قال: السمود اللهو والباطل، قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم أما سمعت قول هزيلة بنت بكر وهي تبكي قوم عاد: ليت عاداً قبلوا الحق ** ولم يبدوا حجوداً قيل قم فانظر إليهم ** ثم دع عنك السمودا وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ سامدون ﴾ قال: غضاب مبرطمون.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير من طريق منصور عن إبراهيم قال: كانوا يكرهون أن يقوم القوم ينتظرون الإِمام وكان يقال ذاك من السمود أو هو السمود، وقال منصور: حين يقوم المؤذن فيقومون ينتظرون.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير من طريق سعيد بن أبي عروبة عن أبي معشر عن النخعي أنه كان يكره أن يقوم إذا أقيمت الصلاة حتى يجيء الإِمام ويقرأ هذه الآية ﴿ وأنتم سامدون ﴾ قال سعيد: وكان قتادة يكره أن يقوم حتى يجيء الإِمام ولا يفسر هذه الآية على ذا.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن أبي خالد الوالبي قال: خرج علي بن أبي طالب علينا وقد أقيمت الصلاة ونحن قيام ننتظره ليتقدم، فقال: ما لكم سامدون لا أنتم في صلاة ولا أنتم جلوس منتظرون؟.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ فاسجدوا لله واعبدوا ﴾ قال: أعنتوا هذه الوجوه لله وعفروها في طاعة الله.

وأخرج البخاري والترمذي وابن مردويه عن ابن عباس قال: سجد النبي صلى الله عليه وسلم في النجم، وسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإِنس.

وأخرج أحمد والنسائي وابن مردوية عن المطلب بن أبي وداعة قال: قرأ النبي صلى الله عليه وسلم بمكة ﴿ والنجم ﴾ فسجد وسجد من معه.

وأخرج سعيد بن منصور عن سبرة قال: صلى بنا عمر بن الخطاب الفجر فقرأ في الركعة الأولى سورة يوسف، ثم قرأ في الثانية النجم، فسجد ثم قام فقرأ إذا زلزلت ثم ركع.

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

﴿ وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ ﴾ أي: تستهزئون ولا تبكون خوفًا منها.

وعلى قول المفسرين: ولا تبكون مما فيه من الوعيد.

روى أبو الخليل (١)  - ما رئي ضاحكًا إلا تبسمًا بعد نزول هذه الآية (٢) (١) هو صالح بن أبي مريم الضبي، أبو الخليل، وثقه ابن معين، والنسائي، وأغرب أبو عبد الله بن عد البر فقال: لا يحتج به.

انظر: "تقريب التهذيب" 1/ 363، و"سير أعلام النبلاء" 4/ 479، و"طبقات ابن سعد" 7/ 237، و"تهذيب التهذيب" 4/ 204.

(٢) رواه الإمام أحمد في "الزهد"، وابن أبي شيبة في "المصنف" 13/ 234، == والثعلبي في "الكشف والبيان" 12/ 21 أ، وابن مردويه من طريق سعيد بن جبير، عن ابن العباس بإسناد ضعيف، و"تخريجات الكشاف" 4/ 161، ورواه وكيع بن الجراح في "الزهد" 1/ 266.

قال محققه: إسناده ضعيف ومعناه غريب أيضًا؛ لأن الآية نزلت في مكة، وقد ثبت ضحك النبي -  - وتبسمه في أحاديث كثيرة.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ أَفَمِنْ هذا الحديث تَعْجَبُونَ ﴾ الإشارة إلى القرآن وتعجبهم منه إنكاره.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ هوى ﴾ وسائر آياته بالإمالة اللطيفة: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو.

وقرأ حمزة وعلي وخلف بالإمالة المفرطة كما سبق في "طه" ﴿ ما كذب ﴾ بالتشديد: يزيد وهشام ﴿ ما زاغ البصر ﴾ بالإمالة: حمزة ونصير ﴿ ومناة ﴾ بالمد: ابن كثير والشموني ﴿ أفتمرونه ﴾ ثلاثياً: يعقوب وحمزة وعلي وخلف ﴿ ضيزى ﴾ بالهمزة: ابن كثير في رواية ﴿ كبير الأثم ﴾ على التوحيد: حمزة وعلي وخلف والمفضل ﴿ إبراهام ﴾ هشام ﴿ عاداً لولي ﴾ مدغماً غير مهموز: أبو عمرو ويزيد ويعقوب والنجاري عن ورش.

وقرأ إسماعيل والأصبهاني عن ورش وأبو نشيط عن قالوا بإظهار الغنة غير مهموز.

وكذلك روي عن أبي عمرو فعلى مذهبهم إذا وقف القارىء على ﴿ عاد ﴾ ابتدأ ﴿ بلولي ﴾ ولو شاء الولي بتخفيف الهمزة والأول أحسن.

وقرأ قالون غير أبي نشيط بالهمزة وإظهار الغنة، وإذا وقف على ﴿ عاد ﴾ ابتدأ ﴿ لولي ﴾ ولو شاء ﴿ الولي ﴾ والباقون ﴿ عاد الأولى ﴾ بالألف قبل اللام وبعد اللام في الحالين ﴿ وثمود ﴾ في الحالين بغير تنوين: حمزة وعاصم غير ابن غالب والبرجمي والمفضل وسهل ويعقوب ﴿ ربك تمارى ﴾ بتشديد التاء: رويس عن يعقوب.

الوقوف: ﴿ هوى ﴾ ه لا ﴿ غوى ﴾ ه ج للآية مع العطف على جواب القسم ﴿ الهوى ﴾ ه ط ﴿ يوحى ﴾ ه لا ﴿ القوى ﴾ ه لا لذلك ﴿ ذو مرة ﴾ ط لتمام الصفة ﴿ فاستوى ﴾ ه لا لأن الواو للحال ﴿ الأعلى ﴾ ه ط ﴿ فتدلى ﴾ ه لا لأن ما بعده من تمام المقصود ﴿ أو أدنى ﴾ ه ج وإن اتفقت الجملتان لأن ضمير ﴿ فأوحى ﴾ لله لا للنبي ﴿ ما أوحى ﴾ ه ج ﴿ ما رأى ﴾ ه ﴿ أخرى ﴾ ه لا ﴿ المنتهى ﴾ ه ﴿ المأوى ﴾ ه لأن عامل ﴿ إذ زاغ البصر ﴾ فلا وقف على ﴿ ما يغشى ﴾ ﴿ طغى ﴾ ه ﴿ الكبرى ﴾ ه ﴿ والعزى ﴾ ه لا ﴿ الأخرى ﴾ ه ﴿ الأنثى ﴾ ه ﴿ ضيزى ﴾ ه ﴿ سلطان ﴾ ط ﴿ الأنفس ﴾ ج لاحتمال الواو الحال والاستئناف ﴿ الهدى ﴾ ه ط لأن أم ابتداء استفهام إنكار ﴿ ما تمنى ﴾ ه ز لتناهى الاستفهام والوصل أولى للفاء واتصال المعنى ﴿ والأولى ﴾ ه ﴿ ويرضى ﴾ ه ﴿ الأنثى ﴾ ه ﴿ علم ﴾ ط ﴿ إلا الظن ﴾ ه ج لاختلاف الجملتين ﴿ شيئاً ﴾ ط لذلك ﴿ الدنيا ﴾ ه ط ﴿ من العلم ﴾ ط ﴿ اهتدى ﴾ ه ﴿ وما في الأرض ﴾ ط ﴿ بالحسنى ﴾ ه ج لأن ﴿ الذين ﴾ يصلح خبر مبتدأ محذوف وبدلاً من ﴿ الذين أحسنوا ﴾ ﴿ اللمم ﴾ ط ﴿ المغفرة ﴾ ط ﴿ أمهاتكم ﴾ ج ﴿ أنفسكم ﴾ ه ط ﴿ اتقى ﴾ ه ﴿ تولى ﴾ ج ﴿ وأكدى ﴾ ه ﴿ يرى ﴾ ه ﴿ موسى ﴾ ه ﴿ وفى ﴾ ه لا ﴿ أخرى ﴾ ه لا ﴿ سعى ﴾ ه لا ﴿ يرى ﴾ ه ص لوقوع العارض بين المعطوف على أن ﴿ الأوفى ﴾ ه لا ﴿ المنتهى ﴾ ه لا ﴿ وأبكى ﴾ ه لا ﴿ وأحيا ﴾ ه لا ﴿ والأنثى ﴾ ه ﴿ تمنى ﴾ ه ص لما مر ﴿ الأخرى ﴾ ه لا ﴿ وأقنى ﴾ ه لا ﴿ الشعرى ﴾ ه ط ﴿ الأولى ﴾ ه لا ﴿ أبقى ﴾ ه لا ﴿ وأطفى ﴾ ه ط لأن ﴿ المؤتفكة ﴾ منصوب بما بعده ﴿ هوى ﴾ ه لا ﴿ ما غشى ﴾ ه ج لابتداء الاستفهام مع الفاء ﴿ تتمارى ﴾ ه ﴿ الأولى ﴾ ه لا ﴿ الآزقة ﴾ ه للاستئناف والحال ﴿ كاشفةْ ﴾ ه ﴿ تعجبون ﴾ ه لا ﴿ ولا تبكون ﴾ ه لا ﴿ سامدون ﴾ ه لا ﴿ واعبدوا ﴾ ه سجدة.

التفسير: لما ختم السورة المتقدمة بالنجوم خص الأقسام في أول هذه السورة بالنجم, واللام فيه للعهد أو للجنس.

والأول قول من قال: إنه الثريا وهو اسم غالب لها وصورتها في السماء كعنقود عنب.

وأظهر كواكبها سبعة وهي المنزل الثالث من منازل القمر.

قال: إذا طلع النجم عشاء ابتغى الراعي كساء.

وذلك أن الشمس تكون في أول العقرب حينئذ في مقابلتها فتطلع بغروبها.

وعلى الثاني فيه وجوه أحدها.

نجوم السماء وهويها غروبها.

وفائدة هذا القيد أن النجم إذا كان في وسط السماء لم يهتد به الساري لأنه لا يعلم المغرب من المشرق والجنوب من الشمال، فإذا مال إلى الأفق عرف به هذه الجهات والميل إلى أفق المغرب أولى بالذكر من الناظر إليه حينئذ يستدل بغروبها على أفوله في حيز الإمكان فيتم له اهتداء الدين مع اهتداء الدنيا.

وقيل: هويها انتثارها يوم القيامة.

وثانيها النجم هو الذي يرجم به الشياطين وهويها انقضاضها.

وثالثها النجم النبات إذا هوى إذا سقط على الأرض وهو غاية نشوة.

ورابعها النجم أحد نجوم القرآن وقد نزل منجماً في عشرين سنة فيكون كقوله ﴿ والقرآن الحكيم إنك لمن المرسلين على صراط مستقيم  ﴾ وعلى القول الآخر فالثريا أظهر النجوم عند الناظرين وأشهر المنازل للسائرين وأنها تطلع عشاء في وقت إدراك الثمار.

والنبي  تميز من سائر الأنبياء بالمعجزات الباهرات ولا سيما فإنه حين ظهر زال يبس الشوك وحرارة الحمية الجاهلية وإدراك الحكمة ورجم به شياطين الإنس المضلين لعباد الله في أرضه، ونبت بوجوده أصناف الأغذية الروحانية تامة كاملة.

قال جار الله: الضلال نقيض الهدى، والغي نقيض الرشد، والخطاب لقريش.

قلت: هذا صادق من حيث الاستعمال لقوله ﴿ قد تبين الرشد من الغي  ﴾ ﴿ من يضلل الله فلا هادي له  ﴾ إلا أنه ينبغي أن يتبين لافرق بين الضلال والغواية.

والظاهر أن الضلال أعم وهو أن لا يجد السالك إلى مقصده طريقاً أصلاً، والغواية أن لا يكون له إلى المقصد طريق مستقيم ولهذا لا يقال للمؤمن من إنه ضال أو غير مهتد ويقال له إنه غوي غير رشيد.

قال عز من قائل ﴿ فإن آنستم منهم رشداً  ﴾ فكأنه  نفى الأعم أولاً ثم نفى الأخص ليفيد أنه على الجادة غير منحرف عنها أصلاً.

ويحتمل أن يكون قوله ﴿ ما ضل ﴾ نفياً لقولهم هو كاهن أو مجنون لأن الكهانة أيضاً من مسيس الجن.

وقوله ﴿ وما غوى ﴾ نفي لقولهم هو شاعر والشعراء يتبعهم الغاوون.

ويحتمل أن يكون الأول عبارة عند صلاحه في أمور المعاد، والثاني إشارة إلى رشده في أمور المعاش ومنه يعلم أن أقواله كلها على سنن الصواب إلا أنه كان يمكن أن تكون مستنبطة من العقل أو العرف أو العادة، فأسندها الله  إلى طريق أخص وأشرف وهو أن تكون مستندة إلى الوحي فقال بصيغة تفيد الاستمرار ﴿ وما ينطق عن الهوى ﴾ أي ليس كل ما ينطق به ولا بعضه بصادر عن الرأي والتشهي إنما وحي يوحى إليه من الله، واستدل به بعض من لا يرى الاجتهاد للأنبياء عليهم السلام، وأجيب بأن الله  إذا سوغ له الاجتهاد كان لك من قبيل الوحي أيضاً.

وأما من يخص النطق بالقرآن فلا اعتراض عليه.

قال أهل اللغة: الهوى المحبة النفسانية، والتركيب يدل على النزول والسقوط ومنه الهاوية.

ومبة النفس الأمارة لا أصل لها ولا تصدر إلا عن خسة ودناءة، وقوله ﴿ إن هو إلا وحي ﴾ أبلغ مما لو قيل هو "وحي" وهو ظاهر.

وقوله ﴿ يوحى ﴾ لتحقيق الحقيقة كقوله ﴿ ولا طائر يطير بجناحيه  ﴾ فإن الفرس الشديد العدو بما يقال إنه طائر، فإذا قيل يطير بجناحيه زال جواز ذلك المجاز فكذلك ههنا ربما يقال للكلام الصادق الفصيح هو وحي أو سحر حلال.

فلما قيل ﴿ يوحى ﴾ اندفع التجوز.

ثم بين طريق الوحي بقوله ﴿ علمه ﴾ أي الموحي أو محمداً ﴿ شديد القوى ﴾ وهو جبرائيل  أي قواه العلمية والعملية كلها شديدة مدح المعلم ليلزم منه فضيلة المتعلم.

ولو قال "علمه جبرائيل  " لم يفهم منه فضل المتعلم ظاهراً.

وفيه رد على من زعم أنه يعلمه بشر لأن الإنسان خلق ضعيفاً وما أوتي من العلم إلا قليلاً.

وفيه أن جبرائيل  أمين موثوق به من حيث قوته المدركة والحافظة ولو كان مختل الذهن أو الحفظ لم يوثق بروايته، وفيه تسلية للنبي  كيلا يضيق صدره حين علم بواسطة الملك فكأنه قيل له: ليس لك في ذلك نقص لأنه شديد القوى على أنه قال في موضع آخر ﴿ وعلمك ما لم تكن تعلم  ﴾ وأخبر النبي  عن حاله فقال " أدبني ربي فأحسن تأديبي " والمرة القوة.

والظاهر أنها القوة الجسمانية كقوله ﴿ وزاده بسطة في العلم والجسم  ﴾ فمن قوته أنه قلع قريات قوم لوط وقلبها بجناحه، وصاح صيحة بثمود فأصبحوا جاثمين، وكان ينزل إلى الأنبياء ويصعد في لمحة.

ويجوز أن يراد بقوله ﴿ شديد القوى ﴾ قواه الجسمانية وبقوله ﴿ ذو مرة ﴾ القوى العقلية.

والتنكير للتعظيم.

قوله ﴿ فاستوى ﴾ المشهور أن فاعله جبرائيل  أي فاستقام على صورته الحقيقية دون صورة دحية، وذلك أن رسول الله  أحب أن يراه في صورته التي جبل عليها فاستوى له في الأفق الأعلى أي الأشرف وهو الشرقي ﴿ ثم دنا ﴾ جبرائيل من الرسول  على الصورة المعتادة ﴿ فتدلى ﴾ قيل: فيه تقديم وتأخير أي فتعلق عليه في الهواء ثم دنا منه.

وقيل: دنا أي قصد القرب من محمد أو تحرك من المكان الذي كان فيه، فنزل إلى النبي  .

يقال: تدلت الثمرة ودلى رجليه من السرير وقد يقال: الدنو والتدلي بمعنى واحد فلا يفيد إلا التأكيد.

ثم زاد تأكيداً بقوله ﴿ فكان قاب قوسين ﴾ قال أهل العربية.

هو من باب حذف المضافات أي فكان مقدار مسافة قرب جبرائيل  مثل "قاب قوسين".

والقاب والقيب والقاد والقيد والقيس كلها المقدار.

والعرب تقدر الأشياء بالقوس والرمح والسوط والذراع والباع وغيرها.

وفي الحديث " لا صلاة إلى أن ترتفع الشمس مقدار رمحين " وقال  " لقاب قوس أحدكم من الجنة وموضع قده خير من الدنيا وما فيها" والقد السوط.

وقوله ﴿ أو أدنى ﴾ أي في تقديركم كقوله ﴿ مائة ألف أو يزيدون  ﴾ وقال بعضهم: الضمير في ﴿ فاستوى ﴾ لمحمد  وذلك أن تعليم جبرائيل إياه كان قبل كماله واستوائه، فحين تكاملت قواه النظرية والعلمية وصار بالأفق الأعلى أي بالرتبة العليا من المراتب الإنسانية دنا من الأمة فتدلى أي لان لهم ورفق بهم حتى قال ﴿ إنما أنا بشر مثلكم يوحى إليّ  ﴾ فكان الفرق بينه وبين جبرائيل قليلاً جداً.

وعلى هذا يمكن أن يكون الرجحان في الكمال للنبي  كما يقول أكثر أهل السنة، أو بالعكس كما تزعم طائفة منهم ومن غيرهم، ويحتمل على هذا القول أن يكون الضمير في ﴿ دنا ﴾ لجبريل والمراد أن النبي  وإن زال عن الصفات البشرية من الشهوة والغضب والجهل وبلغ الأفق الأعلى الإنساني، ولكن نوعيته لم تزل عنه وكذلك جبرائيل.

وإن ترك اللطافة المانعة من الرؤية ونزل إلى الأفق الأدنى من الآفاق الملكية ولكن لم يخرج عن كونه ملكاً فلم يبقى بينهما إلا اختلاف حقيقتهما نظيره ﴿ ولقد رآه بالأفق المبين  ﴾ أي رأى جبرائيل وهو أي محمد بالأفق الفارق بين درجة الإنسان ومنزلة الملك كقول القائل: "رأيت الهلال على السطح" أي وأنا على السطح.

وقد يجعل ذكر القوس عبارة عن معنى آخر هو أن العرب كانوا إذا عاهدوا فيما بينهم طرحوا قوساً أو قوسين لتأكيد العهد بين الاثنين، فأخبر الله  أنه كان بين جبرائيل ومحمد عليه الصلاة والسلام من المحبة وقرب المنزلة مثل ما تعرفونه فيما بينكم عند المعاقدة.

وقيل: الضمير لمحمد  أو لله والمراد قرب المكان بينهما.

وهذا يشبه مذهب المجسمة إلا أن يقال: دنا دنو ألفة ولا دنو زلفة.

دنا دنو إكرام لا دنو أجسام، دنا دنو أنس لا دنو نفس.والقوسان أحدهما صفة الحدوث والأخرى صفة القدم.

أخبر بالقصة إكراماً وكتم الإسرار عظاماً.

قوله ﴿ فأوحى إلى عبده ما أوحى ﴾ الضمير في الفعلين إما لله أو لجبرائيل، والمراد بالعبد إما محمد  أو جبريل  فيحصل تقديرات أحدها: فأوحى الله إلى محمد  ما أوحى وفيه تفخيم لشأن الوحي.

وقيل: أوحى إليه الصلاة.

وقيل: أوحى الله إليه أن الجنة محرمة على الأنبياء حتى تدخلها.

وعلى الأمم حتى تدخلها أمتك.

والظاهر أنها أسرار وحقائق ومعارف لا يعلمها إلا الله ورسوله.

ثانيها فأوحى الله إلى محمد  ما أوحى أولاً جبرائيل يعني أن الوحي كان ينزل عليه أولاً بواسطة جبرائيل وقد ارتفعت الآن تلك الواسطة.

وعلى هذا يحتمل أن يقال "ما" مصدرية أي أوحى إلى محمد  الإيحاء أي العلم بالإيحاء كي يفرق بين الملك والجن.

أو كلمة أنه وحي أو خلق فيه علماً ضرورياً.

ثالثها فأوحى الله إلى عبده جبريل ما أوحى.

رابعها فأوحى الله إلى جبرائيل ما أوحى جبريل إلى محمد  وغيره من الأنبياء قبله.

وفيه إشارة إلى أن جبريل  أمين لم يجن قط في شيء مما أوحى إلى الأنبياء.

خامسها فأوحى جبريل إلى عبد الله محمد  ما أوحى الله إليه.

سادسها فأوحى جبرائيل إلى عبد الله ما أوحى هو.

وفي هذين الوجهين لا يمكن أن يراد بالعبد إلا محمد  .

قوله ﴿ ما كذب الفؤاد ما رأى ﴾ الأشهر أن اللام للعهد وهو فؤاد محمد  أي ما قال فؤاده لما رآه لم أعرفك.

ولو قال ذلك لكان كاذباً لأنه عرفه.

ومن قرأ بالتشديد فظاهر أي صدق فؤاده ما عاينه ولم يشك في ذلك.

وقيل: اللام للجنس والمراد أن جنس الفؤاد لا ينكر ذلك وإن كان الوهم والخيال ينكره.

والمقصود نفي الجواز لا نفي الوقوع كقوله ﴿ لا تدركه الأبصار  ﴾ ﴿ وما ربك بغافل  ﴾ بخلاف قوله ﴿ إن الله لا يضيع أجر المحسنين  ﴾ ﴿ لا يغفر أن يشرك به  ﴾ فإنه لنفس الوقوع.

والظاهر أن فاعل رأى محمد  وقيل: الفؤاد أو البصر أي ما رآه الفؤاد ولم يقل له إنه جن أو شيطان أو لم يكذب الفؤاد ما رآه بصر محمد  .

وما المرئي فيه أقوال: أحدها ما مر وهو أنه رأى جبريل في صورته بالأفق الشرقي.

والثاني الآيات العجيبة الإلهية.

والثالث الرب  والمسألة مبنية على جواز الرؤية وقد تقدم البحث عن ذلك في قوله ﴿ لا تدركه الأبصار  ﴾ ثم على وقوع الرؤية وقد تقدم خلاف الصحابة فيه في حديث معراج النبي  وذلك في أول "سبحان الذي".

ولعل القول الأول أصح.

يروي أنه ما رأى جبريل أحد من الأنبياء في صورته الحقيقية غير محمد  مرتين مرة في الأرض ومرة في السماء، وإليه إشارة بقوله ﴿ أفتمارونه ﴾ من المراء أي أتجادلونه ﴿ على ما يرى ﴾ ومن قرأ ﴿ أفتمرونه ﴾ فمعناه أتغلبونه في المراء يقال: ماريته فمريته.

ولما فيه من معنى الغلبة عدي بـ "على" وقيل: معناه افتجحدونه.

ولا بد من تضمين معنى الغلبة.

﴿ ولقد رآه نزلة أخرى ﴾ أي مرة أخرى فانتصبت على الظرف لأن الفعلة صيغة المرة فكانت النزلة في حكم المرة أي نزل عليه جبريل في صورته تارة أخرى في ليلة المعراج ووجه الاستفهام الإنكاري أنه لما رآه وهو على بسيط الأرض احتمل أن يقال: إنه كان من الجن احتمالاً بعيداً فلما رآه ﴿ عند سدرة المنتهى ﴾ لم يحتمل أن يكون هناك جن ولا إنس فلم يبق للجدال مجال.

أما القائل بالقول الثالث فزعم أن النبي  رأى ربه بقلبه مرتين.

والنزلة إما لله بمعنى الحركة والانتقال عند من يجوز ذلك، أبو بمعنى قرب الرحمة والإفضال، وإما للنبي  لأنه نزل عن متن الهوى ومركب النفس.

وقيل: أراد بالنزلة ضدها وهي العرجة، واختير هذه العبارة ليعلم أن هذه عرجة تتبعها النزلة ليست عرجة لا نزلة لها وهي عرجة الآخرة.

وعلى القول الأول أيضاً يحتمل أن تكون النزلة لمحمد  وذلك أن جبرائيل تخلف عنه في مقام "لو دنوت أنملة لاحترقت" ثم عاد النبي  إليه.

ومعنى أخرى أنه  تردد في أمر الصلاة مراراً فلعله كان ينزل إلى جبرائيل كل مرة لا أقل من نزلتين.

أما السدرة فالأكثرون على أنها شجرة في السماء السابعة: وقيل: في السادسة.

"نبقها كقلال هجر وورقها كآذان الفيلة، يسير الراكب في ظلها سبعين عاماً لا يقطعها" وقد ورد الحديث بذلك.

فعلى هذا ﴿ عند ﴾ ظرف مكان.

ثم إن كان المرئي جبريل فلا إشكال، إن كان هو الله  فكقول القائل "رأيت الهلال على السطح" وقد مر.

وقال بعضهم ﴿ عند ﴾ ظرف زمان كما يقال: صليت عند طلوع الفجر.

والمعنى رآه عند الحيرة القصوى أي في وقت تحارعقول العقلاء فيه ولكنه ما حار ولم يعرض له سدر.

وإضافة سدرة إلى المنتهى إما من إضافة الشيء إلى مكانه كما يقال "أشجار البلدة الفلانية كذا" وأشجار الجنة لا تيبس ولا تخلو من الثمار.

فالمنتهى حينئذ موضع لا يتعداه ملك ولا يعلم ما وراءه أحد وإليه ينتهي أرواح الشهداء.

وإما من إضافة المحل إلى الحال كما يقال "ظرف المداد" أي سدرة هي محل انتهاء الجنة.

وإما من إضافة الملك إلى مالكه كما يقال "دار زيد وأشجار عمرو" فيكون التقدير سدرة المنتهى إليه وهو الله  قال ﴿ وأن إلى ربك المنتهى ﴾ فالإضافة للتشريف "نحو بيت الله وناقة الله".

وقال الحسن: ﴿ جنة المأوى ﴾ هي التي يصير إليها المتقون.

وقيل: يأوي إليها أرواح الشهداء والظاهر أن الضمير في ﴿ عندها ﴾ للسدرة.

وقيل: للنزلة من ذهب إلى أن سدرة المنتهى معناها الحيرة القصوى.

قال ﴿ إذ يغشى السدرة ما يغشى ﴾ معناه ورود حالة على حالة أي طرأ على محمد حين ما يحار العقل ما طرأ من فضل الله ومن رحمته.

والأكثرون قالوا فيه تعظيم وتكثير لما يغشى الشجرة من الخلائق الدالة على عظمة الله وجلاله مما لا يحيط بها الوصف.

وعن رسول الله  " رأيت على كل ورقة من ورقها ملكاً قائماً يسبح الله" وعنه  "يغشاها رفرف من طير خضر" والرفرف كل ما يبسط من أعلى إلى أسفل.

وعن ابن مسعود وغيره: يغشاها فراش أو جراد من ذهب.

والمحققون على أنها أنوار الله  تجلى للسدرة كما تجلى للجبل لكن السدرة كانت أقوى من الجبل، ومحمد  كان أثبت من موسى فلم تضطرب الشجرة ولم يصعق محمد  .

قوله ﴿ ما زاغ البصر ﴾ فيه وجهان: أشهرهما أنه بصر محمد  أي لم يلتفت إلى ما يغشاها.

فإن كان الغاشي هو الفراش أو الجراد من ذهب فمعناه ظاهر ويكون ذلك ابتلاء وامتحاناً لمحمد  بالأمور الدنيوية، وإن كان الغاشي أنوار الله فالمراد أنه لم يلتفت إلى غير المقصود ولم يشتغل بالنور عن ذي النور.

أو المراد ما زاغ البصر بالصعقة بخلاف موسى  .

وفي الأول بيان أدب محمد  ، وفي الثاني بيان مزيته.

وذهب بعضهم إلى أن اللام للجنس أي ما زاغ بصره أصلاً في ذلك الموضع هيبة وإجلالاً.

والظاهر أن الضمير في قوله ﴿ وما طغى ﴾ للبصر أي ما جاوز حده المعين المأمور برؤيته.

ويحتمل أن يكون لمحمد  أي ما زاغ بصره بالميل إلى غير المقصود، وما طغى محمد بسبب الالتفات.

قال بعض العلماء: فيه بيان لوصول محمد  إلى سدرة اليقين الذي لا يقين فوقه إذ لم ير الشيء على خلاف ما هو عليه بخلاف الناظر إلى عين الشمس فإنه إذا نظر إلى شيء آخر رآه أبيض أو أصفر أو أخضر.

قوله ﴿ لقد رأى من آيات ربه الكبرى ﴾ الظاهر أن الكبرى صفة الآيات أي لقد رأى بعض آيات ربه الكبرى.

وذلك البعض إما جبرائيل على صورته، وإما سائر عجائب الملكوت.

ويحتمل أن يكون صفة لمحذوف أي لقد رأى من آيات ربه آية هي الكبرى.

وعلى هذا لا تكون تلك الآية رؤية جبريل لما ورد في الاخبار أن الله ملائكمة أعظم منه كالملك الذي يسمى روحاً.

نعم لو قيل: إنها رؤية الله الأعظم كان له وجه عند من يقول بأنه  رأي الله ليلة المعراج.

وفيه خلاف تقديم.

قوله ﴿ أفرأيتم اللات والعزى ﴾ الخ.

أي عقيب ما سمعتم من عظمة الله  ونفاذ أمره في الملأ الأعلى، وأن الذي سد الأفق ببعض أجنحته تخلف عند سدره المنهتى، هل تنظرون إلى هذه الأصنام مع قلتها وفقرها حتى تعلموا فساد ما ذهبتم إليه وعولتم عليه؟

قال في الكشاف: اللات اسم صنم كان لثقيف بالطائف وأصله "فعلة" من لوى يلوي لأنهم كانوا يلوون عليها ويعكفون للعبادة، أو يتلوون عليها أي يطوفون فكأنه حذفت الياء تخفيفاً وحركت الواو فانقلبت ألفاً.

والوقف عليه بالتاء كيلا يشبه اسم الله: وقيل: أصله اللات بالتشديد وقد قرىء به.

زعموا أنه سمي برجل كان يلت عنده السمن بالزيت ويطعمه الحاج.

وعن مجاهد: كان رجل يلت السويق بالطائف وكانوا يعكفون على قبره فجعلوه وثناً.

والعزى تأنيث الأعز وكان لغطفان وهي شجرة سمرة بعث إليها رسول الله  خالد ابن الوليد فقطعها فخرجت منها شيطانة مكشوفة الرأس ناشرة الشعر تضرب رأسها وتدعو بالويل والثبور فجعل خالد يضربها بالسيف حتى قتلها وهو يقول: يا عز كفرانك لا سبحانك *** إني رأيت الله قد أهانك فرجع إلى النبي  وأخبره بما فعل.

فقال: تلك العزى ولن تعبد أبداً.

وأما مناة فهي صخرة كانت لهذيل وخزاعة كأنها سميت بذلك لأن دماء النسائك كانت تمنى عندها أي تراق.

ومن قرأ بالمد فلعلها "مفعلة" من النوء كأنهم كانوا يستمطرون عندها الأنواء تبركاً بها.

و ﴿ الأخرى ﴾ لا يطلق إلأا إذا كان الأول مشاركاً كالثاني فلا يقال: رأيت رجلاً وامرأة أخرى.

وإنما يقال رأيت رجلاً ورجلاً آخر.

وههنا ليست عزى ثالثة فكيف قال ﴿ ومناة الثالثة الأخرى ﴾ ؟

وأجيب بأن الأخرى صفة ذم لها أي المتأخرة الوضيعة المقدار كقوله { ﴿ وقالت أخراهم لأولاهم  ﴾ أي وضعاؤهم لرؤسائهم.

ويجوز أن تكون الأولية والتقدم عندهم للات والعزى وذلك أن الأول كان على صورة آدمي، والعزى كانت من النبات ومناة من الجماد.

وقيل: في الكلام تقديم وتأخير أي ومناة الأخرى.

الثالثة.

وقيل: إن الأصنام فيها كثرة فإذا أخذنا اللات والعزى مقدمين كانت لهما ثوالت كثيرة هذه ثالثة أخرى.

وقيل: فيه حذف والتقدير أفرأيتم اللات والعزى المعبودتين.

بالباطل ومناة الثالثة المعبودة الأخرى.

ثم إنه  حين وبخهم على الشرك فكأنهم قالوا نحن لا نشك في أن شيئاً منها ليس مثلاً لله  ولكنا صورنا هذه الأشياء على صور الملائكة المعظمين الذين اعترف بهم الأنبياء وقالوا: إنهم يرتقون ويقفون عند سدرة المنتهى، ويرد عليهم الأمر والنهي ويصدر عنهم إلينا فوبخهم على قولهم إن هؤلاء الأصنام التي هي إناث أنداد الله  ، أو على قولهم الملائكة بنات الله فاستفهم منكراً ﴿ ألكم الذكر ﴾ الذي ترغبون فيه ﴿ وله الأنثى ﴾ التي تستنكفون عنها ﴿ تلك ﴾ القسمة ﴿ إذا ﴾ أي إذا صح ما ذكرتم ﴿ قسمة ضيزى ﴾ أي جائرة غير عادلة من ضازه يضيزه إذا ضامه، وهي "فعلى" بالضم، وكان يمكن أن تقلب الياء واواً لتسلم الضمة إلا أنه فعل بالعكس أي قبلت الضمة كسرة لتسلم الياء فإن إبقاء الحرف أولى من إبقاء الحركة.

ومن قرأ بالهمزة فمن ضأزه بالهمزة والمعنى واحد ولكنها "فعلى" بالكسر.

قال بعضهم: إنهم ما قسموا ولم يقولوا لنا البنون وله البنات ولكنهم نسبوا إلى الله البنات وكانوا يكرهونهن، فلزم من هذه النسبة قسمة جائرة، فتقدير الكلام تلك النسبة قسمة غير عادلة إذ العدالة تقتضي أن يكون الشريف للشريف والوضيع للوضيع ﴿ إن هي ﴾ يعني ليس الأصنام أو أسماؤها المذكورات ﴿ إلا أسما سميتموها ﴾ وقد مر في "الأعراف" وفي "يوسف".

قال الإمام فخر الدين الرازي رحمه الله: الم يتم بقوله ﴿ ما أنزل الله بها من سلطان ﴾ فإن إطلاق اللاسم على المسمى إنما يجوز إذا لم يتبعه مفسدة دينية.

وههنا يمكن أن يكون مرادهم من قولهم "الملائكة بنات الله" أنهم أولاد الله من حيث إنه لا واسطة بينهم وبينه في الإيجاد كما تقوله الفلاسفة.

والعرب قد تستعمل البنت مكان الولد كما يقال "بنت الجبل وبنت الشفة" لما يظهر منهما بغير واسطة خصوصاً إذا كان في اللفظ تاء التأنيث كالملائكة إلا أنه لم يجز في الشرع إطلاق هذا اللفظ على الملائكة لأنه يوهم النقص في حقه  ثم قال: وهذا بحث يدق عن إدراك اللغوي إن لم يكن عنده من العلوم حظ عظيم.

قلت: هذا البحث الدقيق يوجب أن يكون الذم راجعاً إلى ترك الأدب فقط.

وليس الأمر كذلك فإن الذم إنما توجه إلى المشرك لأنه ادعى الإلهية لما هو أبعد شيء منها.

وما أمكن له على تصحيح دعواه حجة عقلية ولا سمعية.

ومعنى ﴿ ما أنزل الله بها ﴾ أي بسببها وصحتها.

وقال الرازي: الباء للمصاحبه كقول القائل "ارتحل فلان بأهله ومتاعه" أي ارتحل ومعه الأهل والمتاع.

ومن قرأ ﴿ إن تبعون ﴾ على الخطاب فظاهر، ومن قرأ على الغيبة فإما للالتفات، وأما لأن الضمر للآباء وصيغة الاستقبال حكاية الحال الماضية ويحتمل أن يكون المراد عامة الكفار.

قوله ﴿ وما تهوى الأنفس ﴾ يجوز أن تكون "ما" مصدرية، وفائدة العدول عن صريح المصدر إلى العبارة الموجودة أن القاتل إذا قال: أعجبني صنعك.

لم يعلم أن الإعجاب من أمر قد تتحقق أو من أمر هو فيه.

وإذا قال: أعجبني ما تصنع.

شمل الحال والاستقبال.

ويجوز أن تكون "ما" موصولة والفرق أن المتبع في الأول الهوى وفي الثاني مقتضى الهوى.

وقوله ﴿ الأنفس ﴾ من باب مقابلة الجمع بالجمع.

والمعنى اتبع كل واحد منهم ما تهواه نفسه كقولك: خرج الناس بأهلهم أي كل واحد بأهله ولعل الظن يختص بالاعتقاد وهوى النفس بالعمل.

ويجوز أن يكون الظن مقصوداً به كل ماله محمل مرجوح والهوى يراد به ما لا وجه له أصلاً.

ويحتمل أن يراد بالظن ماله محمل راجح أيضاً وهو إن كان واجب العمل به في المسائل الاجتهادية إلا أنه مذموم عند القدرة على اليقين وإلى هذا أشار بقوله ﴿ ولقد جاءهم من ربهم الهدى ﴾ وهو القرآن أو الرسول أو المعجزة، وفي هذه الحالة لا يجوز البناء على الظن بل يجب التعويل على اليقين.

قوله ﴿ أم للإنسان ﴾ أم منقطعة والهمزة فيها للإنكار والمراد تمنيهم شفاعة الآلهة وأن لهم عند الله الحسنى على تقدير البعث إذ تمنى أشرافهم أن يكونوا أنبياء دون محمد  .

قوله ﴿ فالله الآخرة والأولى ﴾ رد عليهم أي هو مالكها فهو المعطي والمانع ولا حكم لأحد عليه.

ومعنى الفاء أنه إذا تقرر أن شيئاً من الأشياء ليس بتمني الإنسان فلا حكم إلا لله.

ثم بين أن الشفاعة عند الله لا تكون إلا برضاه.

وفيه أصناف من المبالغة من جهة أن "كم" للتكثير والعرب تستعمل الكثير وتريد الكل كما قد تستعمل الكل وتريد به الكثير كقوله ﴿ تدمر كل شيء  ﴾ ومن جهة لفظ الملك فإنهم أشرف المخلوقات سوى الأنبياء عند بعض، ومن قبل أنهم في السموات فإن ذلك يدل على علو مرتبتهم ودنو منزلتهم، ومن قبل اجتماعهم المدلول عليه بضمير الجمع في شفاعتهم وإذا كان حالهم هكذا فكيف يكون حال الجمادات؟

وقوله ﴿ لمن يشاء ﴾ أي لمن يريد الشفاعة له ﴿ ويرضى ﴾ أي ويراه أهلاً أن يشفع له فههنا أيضاً أنواع أخر من المبالغة.

الأول توقيف الشفاعة على الإذن.

والثاني تعليقها بالمشيئة فيهم منه أنه بعد أن يؤذن في مطلق الشفاعة يحتاج إلى الأذن في كل مرة معينة.

والثالث رضا الله الشفاعة فقد يشاء ولكن لا يرضاه كقوله ﴿ ولا يرضى لعباده الكفر  ﴾ وهذا عند أهل السنة واضح.

ثم صرح بالتوبيخ على قولهم الملائكة بنات الله فقال ﴿ إن الذين لا يؤمنون بالآخرة ليسمون الملائكة ﴾ أي كل واحد منهم ﴿ تسمية الأنثى ﴾ لأنهم إذا جعلوا الكل بنات فقد جعلوا كل واحدة بنتاً وبالعكس.

وههنا سؤالان: أحدهما: إن الذين لا يؤمنون بالآخرة أعم من هؤلاء المسلمين فكان الأولى أن يقال: إن الذين يسمون لا يؤمنون.

وثانيهما أنه كيف يلزم من عدم الإيمان بالآخرة هذه التسمية؟

والجواب عن الأول أن اللام للعهد وبه خرج الجواب عن الثاني أيضاً لأنه بخير عن جميع معهود أنهم يسمون.

ولا يلزم من حمل شيء على شيء أن يكون بينهما ملازمة.

ولو سلم أن اللام للعموم فالمراد بمثل هذا التركيب المبالغة والتوكيد كما تقول: الإنسان زيد.

وعلى هذا فإن أريد بالحمل مجرد الإخبار فلا إشكال وإن أريد الملازمة فمعناه المبالغة أيضاً لأن غاية جهلهم بالآخرة وبالجزاء حملهم على ارتكاب مثل هذا الافتراء على الله، وإلى هذا أشار بقوله ﴿ ما لهم به من علم أن يتبعون إلا الظن ﴾ واعلم أن الإمام فخر الدين الرازي  بحث مع هؤلاء المشركين الذين سموا الملائكة إناثاً بحثاً طويلاً بناء على ظنه بهم أنهم رأوا في لفظ الملائكة تاء فلذلك جعلوه مؤنثاً.

وحاصل ذلك البحث يرجع إلى أن التاء لا يلزم أن تكون للتأنيث فقد تكون لتأكيد الجمع كحجارة وصقورة، أو لغير ذلك من المعاني، ونحن قد أسقطنا تلك البحوث لعدم فائدتها كما نبهناك عليه.

ثم بين الله  قاعدة كلية فقال: ﴿ وإن الظن لا يغني من الحق شيئاً ﴾ أي كل ما يجب أن يحصل منه المكلف على العلم واليقين فلا ينفع فيه الظن والتخمين، ومن جملته مسائل المبدأ والمعاد التي ينبني البحث فيها على البراهين العقلية والدلائل السمعية، ومن قنع في أمثالها بالوهم والظن لعدم الاستعداد أو لحفظ بعض المنافع الدنيوية وجب الإعراض عنه كما قال ﴿ فأعرض ﴾ أي إذا وقفت على قلة استعدادهم وعدم طلبهم للحق فأعرض يا محمد يا طالب الحق ﴿ عمن تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا ﴾ ويجوز أن يكون هذا الإعراض متضمناً للأمر.

بالقتال أي أعرض عن المقال وأقبل على القتال.

وقوله ﴿ ذلك ﴾ أي الذي ذكر من التسمية أو من اعتقاد كون الأصنام شفعاء ﴿ مبلغهم من العلم ﴾ جملة معترضة.

ثم بين علة الإعراض قائلاً ﴿ إن ربك هو أعلم ﴾ إلى آخره، وفيه بيان أنه تعالى يجازي كل فريق بحسب ما يستحقه، وفيه تسلية للنبي  كيلا يتعب نفسه في تحصيل ما ليس يرجى حصوله وهو إيمان أهل العناد الذين قنعوا بالظن بدل العلم ووقفوا لدى الباطل دون الحق.

ثم قرر أنه سوى الملك والملكوت لغرض الجزاء والإثابة.

والحسنى صفة المثوبة والأعمال، وإضافة الكبائر إلى الإثم إضافة النوع إلى الجنس لأن الإثم يشمل الكبائر والصغائر.

واختلف في الكبائر وقد أشبعنا القول القول فيها في سورة النساء في قوله ﴿ إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه  ﴾ والفواحش ام تزايد قبحه من الكبائر كأنها مع كبر مقدار عقابها قبيحة في الصورة كالشرك بالله.

والمراد باللمم الصغائر، والتركيب يدل على القلة ومنه اللمم المس من الجنون وألم بالمكان إذا قل لبثه فيه قال: ألمت فحيث ثم قامت فودعت *** وإلا صفة كأنه قيل: كبائر الإثم وفواحشه غير اللمم، أو استثناء منقطع لأن اللمم ليس من الفواحش.

عن أبي سعيد الخدري: اللمم هي النظرة والغمزة والقبلة.عن السدي: الخطرة من الذنب.

وعن الكلبي: كل ذنب لم يذكر الله عز وجل عليه حداً ولا عذاباً.

وعن عطاء: هي ما تعتاده النفس حيناً بعد حين.

قال جار الله: معنى قوله ﴿ إن ربك واسع المغفرة ﴾ أنه يكفر الصغائر باجتناب الكبائر ويكفر الكبائر بالتوبة.

وأقول: فيه إشارة إلى أن اللمم ما لا يمكن فيه الاجتناب عنه لكل الناس أو لأكثرهم فالعفو عن ذلك يحتاج إلى سعة وكثرة، بل فيه بشارة أنه  يغفر الذنوب جميعاً سوى الشرك لأن غفران اللمم لا يوجب الوصف بسعة المغفرة وإنما يوجب ذلك أن لو غفر معها الكبائر.

وقوله ﴿ هو أعلم بكم ﴾ إلى آخره.

دليل على وجوب وقوع الغفران لأنه إذا كان عالماً بأصلهم وفرعهم كان عالماً بضعفهم ونقصهم فلا يؤاخذهم بما يصدر عنهم على مقتضى جبلتهم وطبعهم.

فكل شيء يرجع إلى الأصل والأرض بطبعها تميل إلى الأسفل.

والجنين أوله نطفة مذرة وآخره الاغتذاء بدماء قذرة، وإذا كان مبدأ حاله هكذا وهو في أوسط أمره متصف بالظلم والجهل والعاقبة غير معلومه وجب عليه أن لا يزكي نفسه فإن الله تعالى أعلم بالزكي والتقي أولاً وآخراً باطناً وظاهراً، وما أحسن نسق هذه الجمل.

وقد أبعد بعض أهل النظم فقال لما ذكر أنه أعلم بمن ضل كان للكافر أن يقول: كيف يعلم الله أموراً نعلمها في البيت الخالي وفي جوف الليل المظلم؟

فأجاب الله  بأنا نعلم ما هو أخفى من ذلك وهو أحوالكم وقت كونكم أجنة.

وقوله ﴿ في بطون أمهاتكم ﴾ للتأكيد فإنه إذا خرج من بطن الأم يدعى سقطاً أو ولداً.

وقيل: أراد أن الضال والمهتدي حصلا على ما هما عليه بتقدير الله وبأنه كتب عليهما في رحم أمهما أنه ضال أو مهتد.

وقيل: فيه تقرير الجزاء وتحقيق الجزاء وتحقيق الحشر فإن العالم بأحوال المكلف وهو جنين القادر على إنشائه من الأرض أول مرة، عالم بأجزائه بعد التفرق، قادر على جمعه بعد التمزق.

والعامل في "إذ" هو "اذكر" أو ما يدل عليه ﴿ أعلم ﴾ أي يعلمكم وقت الإنشاء.

والخطاب للموجودين وقت نزول الآية وللآخرين بالتبعية.

ويجوز أن يكون الإنشاء من الأرض إشارة إلى خلق أبينا آدم.

وقوله ﴿ وإذ أنتم ﴾ يكون خطاباً لنا.

قوله ﴿ أفرأيت الذي تولى ﴾ قال بعض المفسرين: نزل في الوليد بن المغيرة جلس عند رسول الله  وسمع وعظه وأثرت الحكمة فيه تأثيراً قوياً فقال له رجل: لم تترك دين آبائك؟

قال: أخاف.

ثم قال له: لا تخف وأعطني كذا وأنا أتحمل عنك أوزارك فأعطاه ما ألزمه وتولى عن الوعظ واستماع كلام النبي  وقال بعضهم: نزل في عثمان بن عفان كان يعطي ماله عطاء فقال له أخوه من أمه عبد الله بن سعد بن أبي سرح.

ويوشك أن يفنى مالك فأمسك فقال له عثمان: إن لي ذنوباً وخطايا وإني أرجو أن يغفر الله لي بسبب العطاء.

فقال عبد الله: أعطني ناقتك برحلها وأنا أتحمل عنك ذنوبك كلها فأعطاه وأشهد عليه وأمسك عن الإعطاء ومعنى تولي ترك المركز يوم أحد فعاد عثمان إلى خير من ذلك.

يقال: أكدى الحافر إذا لقيته كدية وهي أرض صلبة كالصخرة ونحوه "أجبل الحافر وأجبل الشاعر" إذا أفحم.

ثم وبخه بأنه لا يعلم الغيب فكيف يعلم أن أوزاره محمولة عنه؟

وقيل: نزلت في أهل الكتاب وذلك أنه لما بين حال المشركين المعاندين شرع في قصة هؤلاء والمعنى: أفرأيت الذي تولى أي صار متولياً لكتاب الله وأعطى قليلاً من الزمان حق الله فيه، ولما بلغ عصر محمد  أمسك عن العمل به.

قالوا: يؤيد هذا التفسير قوله ﴿ أم لم ينبأ بما في صحف موسى ﴾ عينها أو جنسها وهو ما نبأهم به نبينا  .

وجمع الصحف إما لأن موسى له صحيفة وإبراهيم له صحيفة فذكر التثنية بصيغة الجمع، وإما لأن كل واحد منهما له صحف لقوله تعالى ﴿ وألقى الألواح  ﴾ وكل لوح صحيفة.

وتقديم صحف موسى إما لأنها أقرب وأشهر وأكثر وإما لأنه رتب وصف إبراهيم عليه، وإما لحسن رعاية الفاصلة وقد راعى في آخر "سبح اسم ربك" هذا المعنى مع ترتيب الوجود.

والتشديد في قوله ﴿ وفي ﴾ للمبالغة في الوفاء، أو لأنه بمعنى وفر وأتم كقوله ﴿ فأتمهن  ﴾ وأطلق الفعل ليتناول كل وفاء وتوفية من ذلك تبليغه الرسالة واستقلاله بأعباء النبوة والصبر على ذبح الولد وعلى نار نمرود وقيامه بأضيافه بنفسه.

يروى أنه كان يخرج كل يوم فيمشي فرسخاً يطلب ضيفاً فإن وافقه أكرمه وإلا نوى الصوم.

وعن عطاء بن السائب: عهد أن لا يسأل مخلوقاً فلما رمي في النار قال له جبريل وميكائيل: ألك حاجة؟

فقال: أما إليكم فلا.

قالا: فسل الله.

قال: حسبي من سؤالي علمه بحالي.

وروي في الكشاف عن النبي  وفي عمله كل يوم بأربع ركعات في صدر النهار وهي صلاة الفجر والضحى.

وروي "ألا أخبركم لم سمى الله خليله الذي وفى؟

كان يقول إذا أصبح وإذا أمسى فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون إلى حين تظهرون" وعن الهزيل بن شرحبيل كان بين نوح وإبراهيم  يؤخذ الرجل بجريرة غيره ويقتل الزوج بامرأته والعبد بسيده، وأول من خالفهم إبراهيم فلهذا قال  ﴿ ألا تزر وازرة ﴾ وهي مخففة من الثقيلة ولهذا لم ينصب الفعل وضمير الشأن محذوف ومحله الجر بدلاً مما في صحف موسى، أو الرفع كأن قائلاً قال: وما في صحف موسى وإبراهيم؟

فقيل: هو أنه لا تزر نفس من شأنها أن تزر وزر نفس أخرى إذا لم تحمل التي يتوقع منها ذلك فغيرها أولى بأن لا تحمل.ثم عطف على قوله ﴿ ألا تزر ﴾ قوله ﴿ وأن ليس ﴾ وحكمه حكم ما يتلوه من المعطوفات فيما مر.

وفيه مباحث: الأول الإنسان عام وقيل: هو الكافر.

وأورد عليه أن الله  قال ﴿ ليس للإنسان ﴾ ولو أراد الكافر لقال "ليس على الإنسان" وهذا بالحقيقة غير وارد فإن اللام قد تستعمل في مثل هذا المعنى قال  ﴿ وإن أسأتم فلها  ﴾ وورد على الأول أن الدعاء والصدقة والحج ينفع الميت كما ورد في الأخبار، وأيضاً قال  ﴿ من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها  ﴾ والأضعاف فوق ما سعى.

وأجاب بعضهم بأن قوله ﴿ ليس للإنسان إلا ما سعى ﴾ كان في شرع من تقدم ثم إنه  نسخه في شريعتنا وجعل للإنسان ما سعى وما لم يسع.

وقال المحققون: إن سعي غيره وكذا الأضعاف لما لم ينفعه إلا مبنياً على سعي نفسه وهو أن يكون مؤمناً صالحاً كان سعي غيره كأنه سعي نفسه.

والثاني "ما" مصدرية والمضاف محذوف أي الأثواب أو جزاء سعيه.

ويجوز أن تكون موصولة أي إلا الجزاء الذي سعى فيه.

الثالث في صيغة المضي إشارة إلى أنه لا يفيد الإنسان إلا الذي قد حصل فيه ووجد، وأما مجرد النية مع التواني والتراخي فذلك مما لا اعتماد عليه ولعل ذلك من مكايد الشيطان يمنيه ويعده إلى أن يحل اوجل بغتة.

قوله ﴿ وأن سعيه سوف يرى ﴾ إن كان من الرؤية فكقوله ﴿ اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله  ﴾ وإن كان من الإراءة فالفائدة في إراءته وعرضه عليه أن يفرح به هو ويحزن الكافر والله قادر على إعادة كل معدوم عرضاً كان أو جوهراً، والمراد أن يريه الله إياه على صورة جميلة إن كان عملاً صالحاً وبالضد إن كان بالضد.

ويجوز أن يكون مجازاً عن الثواب كما يقال "سترى إحسانك عند الملك" أي جزاءه إلا أن القول الأول أقوى لقوله ﴿ ثم يجزاه الجزاء الأوفى ﴾ اللهم إلا أن يراد تراخي الرتبة والفائدة تعود إلى الوصف بالأوفى وهو الرؤية التي هي أوفى من كل وافٍ أي يجزى العبد بسعيه الجزاء الأتم.

وجوز أن يكون الضمير للجزاء ثم فسره بقوله ﴿ الجزاء الأوفى ﴾ وأبدل عنه كقوله ﴿ وأسروا النجوى الذين ظلموا  ﴾ ومن لطائف الآية أنه قال في حق المسيء ﴿ لا تزر وارزة وزر أخرى ﴾ ولا يلزم منه أن يبقى الوزر على المذنب بل يجوز أن يسقط عنه بالمحو والعفو، ولو قال "كل وازرة تزر وزر نفسها" لم يكن بد من بقاء وزرها عليها.

وقال في حق المحسن "ليس له ما سعى" ولم يقل "ليس له ما لم يسع" إذا العبارة الثانية لا يلزمها أن له ما سعى، والعبارة الأولى يلزمها ذلك لأنها في قوة كلامين إثبات ونفي والحاصل أنه قال هي حق المسيء بعبارة لا تقطع رجاءه، وفي حق المحسن بعبارة توجب رجاءه كل ذلك لأن رحمته سبقت غضبه.

قوله ﴿ وأن إلى ربك المنتهى ﴾ المشهور أن فيه بيان المعاد كقوله عز من قائل ﴿ وإلى الله المصير  ﴾ أي للناس بين يدي الله وقوف وفيه بيان وقت الجزاء.

وقد يقال: المراد به التوحيد وهو تأويل أهل العرفان.

والحكماء يستدلون به على وجود الصانع فإن الممكن لا بد أن ينتهي إلى الواجب.

وقيل: أراد أن البحث والإدراك ينتهي عنده كما قيل: إذا بلغ الكلام إلى الله فأمسكوا.

وعن أنس أن النبي  قال "إذا ذكر الرب فانتهوا" والخطاب عام لكل سامع مكلف وفيه تهديد للمسيء ووعد للمحسن: وقيل: الخطاب للنبي  وفيه تسلية له.

ثم بين غاية قدرته وهي إيجاده الضدين الضحك والبكاء والإماتة والإحياء في شخص واحد، وكذا الذكورة والأنوثة في مادة واحدة هي النطفة نطفت إذا تمنى تدفق في الرحم.

يقال: منى وأمنى.

وقال الأخفش: تخلق والمنى والتقدير وفيه إبطال قول الطبيعيين أن مبدأ الضحك قوة التعجب، ومبدأ الكباء رقة القلب، وإن الحياة مستندة إلى الطبيعة كالنبات، والموت أمر ضروري وهو تداعي الأجزاء العنصرية إلى الانفكاك بعد اجتماعها على سبيل الاتفاق أو لاقتضاء سبب سماوي من اتصال أو انفصال وذلك أن انتهاء كل ممكن إلى الواجب واجب.

قوله ﴿ أمات وأحيي ﴾ إما لأجل الفاصلة أو لأنه اعتبر حالة كون الإنسان نطفة ميتة.

قال الأطباء: الذكر أسخن وأجف والأنثى أبرد وأرطب.

وقالوا في نبات شعر الرجل: إن الشعور تتكون من بخار دخاني منجذب إلى المسام فإذا كانت المسام في غاية الرطوبة والتحلل كما في مزاج الصبي والمرأة، لا ينبت الشعر لخروج تلك الأدخنة من المسام الرطبة بسهولة قبل أن يتكون شعراً.

وإذا كانت في غاية اليبوسة والتكاثف لم ينبت لعسر خروجه من المخرج الضيق وإنما يندفع كثرة تلك الأبخرة إلى الرأس حتى رأس المرأة والصبي لأنه مخلوق كقبة فوق الأبخرة والأدخنة فيتصاعد إليها.

وأما في الرجل فيندفع إلى صدره كثيراً لحرارة القلب.

وإلى آلات التناسل لحرارة الشهوة، وإلى اللحيين لكثرة الحرارة بسبب الأكل والكلام ومع حرارة الأبخرة، ومن شأن الحرارة جذب الرطوبة كجذب السراج الزيت.

هذا أقوى ما قالوا في هذا الباب.

ويرد عليه أنه ما السبب لتلازم شعر اللحية وآلة التناسل فإنها لو قطعت لم تنبت اللحية، ولو سلم التلازم من حيث إن حرارة الخصيان تقل بسبب قطع آلة الشهوة فلا بد أن يعترفوا بانتهاء جميع الممكنات إلى الواجب بالذات.

واعلم أنه  في هذه الآية وسط الفصل بين الاسم والخبر حيث كان توهم الحملية فيه أكثر وترك الفصل حيث لم يكن كذلك.

ففي آيات الضحك والبكاء والإماتة والإحياء وسط الفصل للتوهمات المذكورة حتى قال نمرود ﴿ أنا أحي وأميت  ﴾ وأما خلق الذكر والأنثى فلم يتوهم أحد أنه بفعل المخلوقين فلم يؤكد بالفصل وعلى هذا القياس قوله ﴿ وأن عليه النشأة الأخرى ﴾ ظاهرة وجوب وقوع الحشر في الحكمة الإلهية للمجازاة على الإحسان والإساءة وقال في التفسير الكبير: هو كقوله ﴿ ثم أنشأناه خلقاًً آخر ﴾ \[المؤمنون: 14\] أي بعد خلقته ذكراً وأنثى نفخ فيه الروح الإنساني ثم أغناه بلبن الأم وبنفقة الأب في صغره، ثم أقناه بالكسب بعد كبره أي أعطاه القنية وهي المال الذي تأثلته وعزمت أن لا تخرجه من يدك، وبالجملة فالإغناء بكل ما تدفع به الحاجة والإقناء بما زاد عليه.

وإنما وسط الفصل لأن كثيراً من الناس يزعم أن الفقر والغنى بكسب الإنسان واجتهاده، فمن كسب استغنى ومن كسل افتقر.

وذهب بعضهم إلى أنه بالبخت أو النجوم فقال رداً عليهم ﴿ وأنه هو رب الشعرى ﴾ وهما شعريان شامية ويمانية وهذه أنورهما.

وخصت بالذكر لأن أبا كبشة أحد أجداد رسول الله  من قبل أمه قال: لا أرى شمساً ولا قمراً ولا نجماً تقطع السماء عرضاً غيرها فليس شيء مثلها فعبدها وعبدتها خزاعة فخالفوا قريشاً في عبادة الأوثان.

وكانت قريش يقولون لرسول الله  "أبو كبشة" تشبيهاً له لمخالفته إياهم في دينهم.

وحين ذكر أنه أغنى وأقنى وذلك كان بفضل المولى لا بعطاء الشعرى، ذكرهم حال الأقدمين الهلكى.

وعاد الأولى قوم هود والأخرى، إرم ميزوا عن قوم كانوا بمكة.

وقيل: أراد التقدم في الدنيا وأنهم كانوا أشرافاً قوله ﴿ وثمود ﴾ عطف على ﴿ عاد ﴾ أي ما رحم عليهم.

ومن المفسرين من قال فما أبقى أي ما ترك أحداً منهم كقول ﴿ فهل ترى لهم من باقية  ﴾ وبه تمسك الحجاج على من زعم أن ثقيفاً من ثمود.

وإنما وصف قوم نوح بأنهم كانوا هم أظلم وأطغى فبالغ بتوسيط الفصل وبناء التفضيل لأن نوحاً  كان أول الرسل إلى أهل الأرض، وكان قومه أول من سن التكذيب وإيذاء النبي والبادي أظلم.

ومن سن سنة سيئة فله وزرها ووزر من عمل بها.

ولأنهم كانوا مجاوزين حد الاعتدال يضربون نبيهم حتى لم يربه حراك وينفرون عنه الناس ويخوفون صبيانهم وما نجع فيهم وعظه ألف سنة إلا خمسين عاماً.

وليس قوله ﴿ أنهم كانوا ﴾ تعليلاً للإهلاك حتى يرد عليه أن غيرهم من الظالمين والطاغين لا يلزم أن يهلكوا وإنما هي جملة معترضة بياناً لشدة طغيانهم وفرط ظلمهم.

﴿ والمؤتفكة ﴾ يعني قريات قوم لوط لأنها ائتفكت بأهلها أي انقلبت وقد مر في هود ﴿ أهوى ﴾ أي رفعها إلى السماء على جناح جبريل فأسقطها إلى الأرض ﴿ فغشاها ما غشي ﴾ من الحجار المسومة وفيه تهويل وتفخيم لما صب عليهم من العذاب.

وجوز أن يكون "ما" فاعلاً كقوله ﴿ والسماء وما بناها  ﴾ هذا كله حكاية ما في الصحف إلا فيمن قرأ ﴿ وإن إلى ربك المنتهي ﴾ بالكسر على الابتداء وكذا ما بعده أما قوله ﴿ فبأي آلاء ربك تتمارى ﴾ فقد قيل: هو أيضاً مما في الصحف وقيل: هو ابتداء كلام، والخطاب لكل سامع ولرسول الله  كقوله ﴿ لئن أشركت ليحبطن عملك  ﴾ والمراد أنه لم يبق فيها إمكان الشك، وقد عد نعماً ونقماً وجعل كلها آلاء لأن النقم أيضاً نعم إن أراد أن يعتبر.

ويحتمل أن يقال لما عد نعمه على الإنسان من خلقه وإغنائه وإقنائه.

ثم ذكر أنه أهلك من كفر بها، وبخ الإنسان على جحد شيء من نعمة فيصيبه مثل ما أصاب المتمارين: أو يقال: لما حكى الإهلاك قال للشاك: أنت ما أصابك الذي أصابهم وذلك بحفظ الله إياك فبأي آلاء ربك تتمارى وسيجيء له مزيد بيان في سورة الرحمن ﴿ هذا ﴾ القرآن أو الرسول ﴿ نذير ﴾ أي إنذار أو منذر من جنس الإنذارات أو المنذرين.

وقال ﴿ الأولى ﴾ على تأويل الجماعة.

وحين فرغ من بيان التوحيد والرسالة ختم السورة بذكر اقتراب الحشر فقال ﴿ أزفت الآزفة ﴾ أي قربت الموصوفة بالقرب في قوله ﴿ اقترب للناس حسابهم  ﴾ ﴿ وما يدريك لعل الساعة قريب  ﴾ وفيه تنبيه على أن قرب الساعة يزداد كل يوم وأنها تكاد تقوم ﴿ ليس لها من دون الله ﴾ نفس ﴿ كاشفة ﴾ تكشف عن وقت مجيئها أو تقدر على كشفها ودفعها إذا وقعت، ولا يلزم من قدرة الله على دفعها وجوب وقوع الدفع فإن كل مقدور لا يلزم أن يكون واقعاً.

والتاء في ﴿ كاشفة ﴾ للتأنيث كما مر، أو للمبالغة أي لا أحد يكشف حقيقتها، أو هي مصدر كالعافية، و"من" زائدة والتقدير ليس لها كاشفة دون الله، ويحتمل أن يراد لها في الوجود نفس تكشف عنها من غير الله بل إنما يكشفها من عند الله ومن قبل علمه وإخباره.

ثم وبخهم على التعجب من القرآن ومن حديث القيامة وضحكهم من استهزاء وإنكاراً.

وفي قوله ﴿ ولا تبكون ﴾ إلى آخره تنبيه على أن البكاء والخشوع وحضور القلب حق عليهم عند سماع القرآن كما قال ﴿ إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجداً وبكياً  ﴾ والسمود الغفلة وقد يكون مع اللهو.

وعن مجاهد: كانوا يمرون بالنبي  غضاباً مبرطمين.

وقال: البرطمة الإعراض ثم إنهم كانوا أنصفوا من أنفسهم وقالوا: لا نعجب ولا نضحك ولا نسمد بل نبكي ونخشع فلا جرم قال ﴿ فاسجدوا ﴾ أي إذا اعترفتم لله بالعبودية فاخضعوا له وأقيموا وظائف العبادة.

وقد مر في سورة الحج في قوله ﴿ ألقى الشيطان في أمنيته ﴾ {الآية: 52] أن رسول الله  قرأ هذه السورة في الصلاة ثم سجد فسجد معه المؤمنون والمشركون والجن والإنس وذكرنا سببه.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ أَزِفَتِ ٱلآزِفَةُ ﴾ أي: قربت القيامة؛ سمى الله -  وتعالى - القيامة بأسماء مختلفة: مرة الآزفة، ومرة: الساعة، ومرة: القيامة، فسماها: آزفة؛ لقربها إلى الخلق ووقوعها عليهم، وكذلك الساعة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ ٱللَّهِ كَاشِفَةٌ ﴾ ، دلت الآية على أن الله -  - لم يؤت علم قيام الساعة ووقوعها أحداً، وهو كقوله  : ﴿ لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَآ إِلاَّ هُوَ  ﴾ ، وللباطنية أدنى تعلق في هاتين الآيتين؛ لأنهم قالوا: إن الآخرة للحال كائنة، لكنها مختفية مستترة، تظهر وتكشف عند فناء هذه الأجسام، وذهاب هذه الأبدان؛ ويستدلون بقوله -  - ﴿ لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَآ إِلاَّ هُوَ  ﴾ ، وبقوله -  - ﴿ لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ ٱللَّهِ كَاشِفَةٌ ﴾ ، ويقولون: إن لفظ التجلي والكشف إنما يستعملان فيما هو كائن ثابت يظهر عند ارتفاع التواتر، وما يخفيها إلا في الإنشاء ابتداء.

ولكن عندنا: أن حرف الكشف والتجلي يستعمل في ابتداء الإحداث والإنشاء، وفي إظهار ما كان كامنا خفيّاً، فإذا كان كذلك، بطل استدلالهم بذلك، وهو كقوله -  -: ﴿ عَٰلِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ  ﴾ ، هو عاغلم بما كان خفيّاً بحق الخلق وما هو شاهر ظاهر، وعالم بما يكون وبما هو كائن للحال، والله الموفق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَفَمِنْ هَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ * وَتَضْحَكُونَ ﴾ كانوا تعجَّبوا من أمرين: أحدهما: من بعث الرسل؛ كقوله -  -: ﴿ بَلْ عَجِبُوۤاْ أَن جَآءَهُمْ مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ  ﴾ .

ومن البعث بعدما يفنون ويتلفون؛ كقوله -  - ﴿ وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَاباً ...

﴾ الآية [الرعد: 5].

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَتَضْحَكُونَ ﴾ الضحك - هاهنا - كناية عن الاستهزاء، لس على حقيقة الضحك.

أو يكون الضحك كناية عن السرور؛ أي: تسرون على ما أنتم عليه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَبْكُونَ ﴾ أيضاً ليس على حقيقة البكاء، ولكن كناية عن الحزن، أي: ولا تحزنون على ما فرط منكم من الأعمال وسوء الصنيع والمعاملة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنتُمْ سَامِدُونَ ﴾ ، [أي]: لاهون، معرضون.

وعن الحسن وسعيد بن جبير: سامدون: غافلون.

وقيل: سامدون: حزنون على رسالة محمد  ، وغائطون على ما أنزل عليه.

وعن عكرمة، عن ابن عباس -  - في قوله -  - ﴿ وَأَنتُمْ سَامِدُونَ ﴾ قال: هو الغناء بلغة اليمن؛ يقول اليماني: أسعد لنا: أي: عن لنا؛ قال: كانوا إذا سمعوا القرآن تغنوا ولعبوا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱسْجُدُواْ لِلَّهِ وَٱعْبُدُواْ ﴾ الآية، أي: اخضعوا لله، واستسلموا له؛ إذ الأمر بالسجود عند التلاوة في غير سجود الصلاة، أمر بالخشوع له والاستسلام، والأمر بالسجود - هاهنا - للتلاوة؛ للأحاديث عن النبي  وعن الصحابة والتابعين، رضوان الله عليهم أجمعين: روى الأسود عن ابن مسعود -  - عن النبي  أنه قرأ سورة النجم، فسجد فيها، ولم يبق معه أحد إلا سجد، إلا شيخ من قريش؛ فإنه أخذ كفّاً من حصا، فرفعه إلى جبهته، [وقال: يكفيني هذا، قال ابن مسعود: فلقد رأيته يَعْدُ قُتِلَ كافراً].

وروى أبو هريرة والمطلب بن أبي وداعة: أن النبي  سجد فيها.

وروي عن عمر وعثمان -  ما - أنهما سجدا فيها.

وعن علي -  - أنه قال: "عزائم السجود أربع: تنزيل السجدة، وحم السجدة، والنجم، واقرأ باسم ربك".

وما روي عن زيد بن ثابت عن النبي  أنه قرأها فلم يسجد، يحتمل أن تكون التلاوة واقعة في وقت يكره السجود، والحديث حكاية فعل لا عموم له، والله أعلم بحقيقة ما أراد، والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وتضحكون منه استهزاءً، ولا تبكون عند سماع مواعظه؟!

<div class="verse-tafsir" id="91.y8ZwG"

مزيد من التفاسير لسورة النجم

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
لا إله إلا الله