الإسلام > القرآن > سور > سورة 54 القمر > الآية ٤٧ من سورة القمر
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 73 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٤٧ من سورة القمر: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يخبرنا تعالى عن المجرمين أنهم في ضلال عن الحق ، وسعر مما هم فيه من الشكوك والاضطراب في الآراء ، وهذا يشمل كل من اتصف بذلك من كافر ومبتدع من سائر الفرق .
وقوله ( إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ ) يقول تعالى ذكره: إن المجرمين في ذهاب عن الحقّ, وأخذ على غير هدى ( وَسُعُرٍ ) يقول: في احتراق من شدّة العناء والنصب في الباطل.
كما حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة, في قوله ( فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ ) قال: في عناء.
قوله تعالى : إن المجرمين في ضلال وسعرقوله تعالى : إن المجرمين في ضلال وسعر أي في حيدة عن الحق و " سعر " أي : احتراق .
وقيل : جنون على ما تقدم في هذه السورة .
{ إِنَّ الْمُجْرِمِينَ } أي: الذين أكثروا من فعل الجرائم، وهي الذنوب العظيمة من الشرك وغيره، من المعاصي { فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ } أي: هم ضالون في الدنيا، ضلال عن العلم، وضلال عن العمل، الذي ينجيهم من العذاب، ويوم القيامة في العذاب الأليم، والنار التي تتسعر بهم، وتشتعل في أجسامهم، حتى تبلغ أفئدتهم.
( إن المجرمين ) المشركين ( في ضلال وسعر ) قيل : " في ضلال " بعد عن الحق .
قال الضحاك : " وسعر " أي : نار تسعر عليهم : وقيل : " ضلال " ذهاب عن طريق الجنة في الآخرة ، " وسعر " : نار مسعرة ، قال الحسين بن الفضل : إن المجرمين في ضلال في الدنيا ونار في الآخرة .
وقال قتادة : في عناء وعذاب .
«إن المجرمين في ضلال» هلاك بالقتل في الدنيا «وسعر» نار مستعرة بالتشديد أي مهيجة في الآخرة.
إن المجرمين في تيه عن الحق وعناء وعذاب.
يوم يُجرُّون في النار على وجوههم، ويقال لهم: ذوقوا شدة عذاب جهنم.
ثم فصل - سبحانه - ما سينزل بهم من عذاب يوم القيامة فقال : ( إِنَّ المجرمين فِي ضَلاَلٍ وَسُعُرٍ ) .
أى : فى بعد عن الاهتداء إلى الحق بسبب انطماس بصائرهم ، وإيثارهم الغى على الرشد ، وفى نار مسعرة تغشاهم من فوقهم ومن تحتهم .
ثم قال تعالى: ﴿ إن المجرمين في ضلال وسعر ﴾ وفي الآية مسائل: الأولى: فيمن نزلت الآية في حقهم؟
أكثر المفسرين اتفقوا على أنها نازلة في القدرية روى الواحدي في تفسيره قال: سمعت الشيخ رضي الدين المؤيد الطوسي بنيسابور، قال: سمعت عبد الجبار قال: أخبرنا الواحدي قال: أخبرنا أبو القاسم عبد الرحمن ابن محمد السراج قال: أخبرنا أبو محمد عبد الله الكعبي، قال: حدثنا حمدان بن صالح الأشج حدثنا عبد الله بن عبد العزيز بن أبي داود، حدثنا سفيان الثوري عن زياد بن إسماعيل المخزومي عن محمد بن عباد بن جعفر عن أبي هريرة قال: جاء مشركو قريش يخاصمون رسول الله صلى الله عليه وسلم في القدر، فأنزل الله تعالى: ﴿ إِنَّ المجرمين فِي ضلال وَسُعُرٍ ﴾ إلى قوله: ﴿ إِنَّا كُلَّ شَيء خلقناه بِقَدَرٍ ﴾ وكذلك نقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أن هذه الآية نزلت في القدرية.
وروي عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «مجوس هذه الأمة القدرية» وهم المجرمون الذين سماهم الله تعالى في قوله: ﴿ إِنَّ المجرمين فِي ضلال وَسُعُرٍ ﴾ وكثرت الأحاديث في القدرية وفيها مباحث الأول: في معنى القدرية الذين قال النبي صلى الله عليه وسلم: «نزلت الآية فيهم»، فنقول: كل فريق في خلق الأعمال يذهب إلى أن القدري خصمه، فالجبري يقول القدري من يقول: الطاعة والمعصية ليستا بخلق الله وقضائه وقدره، فهم قدرية لأنهم ينكرون القدر والمعتزلي يقول: القدري هو الجبري الذي يقول حين يزني ويسرق الله قدرني فهو قدري لإثباته القدر، وهما جميعاً يقولان لأهل السنة الذي يعترف بخلق الله وليس من العبد إنه قدري، والحق أن القدري الذي نزلت فيه الآية هو الذي ينكر القدر ويقول بأن الحوادث كلها حادثة بالكواكب واتصالاتها ويدل عليه قوله جاء مشركو قريش يحاجون رسول الله صلى الله عليه وسلم في القدر فإن مذهبهم ذلك، وما كانوا يقولون مثل ما يقول المعتزلة إن الله خلق لي سلامة الأعضاء وقوة الإدراك ومكنني من الطاعة والمعصية، والله قادر على أن يخلق في الطاعة إلجاء والمعصية إلجاء، وقادر على أن يطعم الفقير الذي أطعمه أنا بفضل الله، والمشركون كانوا يقولون: ﴿ أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَاء الله أَطْعَمَهُ ﴾ منكرين لقدرة الله تعالى على الإطعام، وأما قوله صلى الله عليه وسلم: «مجوس هذه الأمة هم القدرية» فنقول: المراد من هذه الأمة، إما الأمة التي كان محمد صلى الله عليه وسلم مرسلاً إليهم سواء آمنوا به أو لم يؤمنوا كلفظ القوم، وإما أمته الذين آمنوا به فإن كان المراد الأول فالقدرية في زمانه هم المشركون الذين أنكروا قدرة الله على الحوادث فلا يدخل فيهم المعتزلة، وإن كان المراد هو الثاني فقوله: مجوس هذه الأمة يكون معناه الذين نسبتهم إلى هذه الأمة كنسبة المجوس إلى الأمة المتقدمة، لكن الأمة المتقدمة أكثرهم كفرة، والمجوس نوع منهم أضعف شبهة وأشد مخالفة للعقل فكذلك القدرية في هذه الأمة تكون نوعاً منهم أضعف دليلاً ولا يقتضي ذلك الجزم بكونهم في النار فالحق أن القدري هو الذي ينكر قدرة الله تعالى، إن قلنا: إن النسبة للنفي أو الذي يثبت قدرة غير الله تعالى على الحوادث إن قلنا: إن النسبة للإثبات وحينئذ يقطع بكونه: ﴿ فِى ضلال وَسُعُرٍ ﴾ وإنه ذائق مس سقر.
البحث الثاني: في بيان من يدخل في القدرية التي في النص ممن هو منتسب إلى أنه من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، إن قلنا: القدرية سموا بهذا الاسم لنفيهم قدرة الله تعالى فالذي يقول لا قدرة لله على تحريك العبد بحركة هي الصلاة وحركة هي الزنا مع أن ذلك أمر ممكن لا يبعد دخوله فيهم، وأما الذي يقول: بأن الله قادر غير أنه لم يجبره وتركه مع داعية العبد كالوالد الذي يجرب الصبي في حمل شيء تركه معه لا لعجز الوالد بل للابتلاء والامتحان، لا كالمفلوج الذي لا قوة له إذا قال لغيره: احمل هذا فلا يدخل فيهم ظاهراً وإن كان مخطئاً، وإن قلنا إن القدرية سموا بهذا الاسم لإثباتهم القدرة على الحوادث لغير الله من الكواكب، والجبري الذي قال: هو الحائط الساقط الذي لا يجوز تكليفه بشيء لصدور الفعل من غيره وهم أهل الإباحة، فلا شك في دخوله في القدرية فإنه يكفر بنفيه التكليف وأما الذي يقول: خلق الله تعالى فينا الأفعال وقدرها وكلفنا، ولا يسأل عما يفعل فما هو منهم.
البحث الثالث: اختلف القائلون في التعصب أن الاسم بالمعتزلة أحق أم بالأشاعرة؟
فقالت: المعتزلة الاسم بكم أحق لأن النسبة تكون للإثبات لا للنفي، يقال للدهري: دهري لقوله بالدهر، وإثباته، وللمباحي إباحي لإثباته الإباحة وللتنوية تنوية لإثباتهم الإثنين وهما النور والظلمة، وكذلك أمثله وأنتم تثبتون القدر، وقالت الأشاعرة: النصوص تدل على أن القدري من ينفي قدرة الله تعالى ومشركو قريش ما كانوا قدرية إلا لإثباتهم قدرة لغير الله، قالت: المعتزلة إنما سمي المشركون قدرية لأنهم قالوا: إن كان قادراً على الحوادث كما تقول يا محمد فلو شاء الله لهدانا ولو شاء لأطعم الفقير، فاعتقدوا أن من لوازم قدرة الله تعالى على الحوادث خلقه الهداية فيهم إن شاء، وهذا مذهبكم أيها الأشاعرة، والحق الصراح أن كل واحد من المسلمين الذين ذهبوا إلى المذهبين خارج عن القدرية، ولا يصير واحد منهم قدرياً إلا إذا صار النافي نافياً للقدرة والمثبت منكراً للتكليف.
المسألة الثانية: المجرمون هم المشركون هاهنا كما في قوله تعالى: ﴿ وَلَوْ ترى إِذِ المجرمون نَاكِسُواْ رُؤُوسَهُمْ ﴾ وقوله: ﴿ يَوَدُّ المجرم لَوْ يَفْتَدِي ﴾ وفي قوله: ﴿ يُعْرَفُ المجرمون بسيماهم ﴾ فالآية عامة، وإن نزلت في قوم خاص.
وجرمهم تكذيب الرسل والنذر بالإشراك وإنكار الحشر وإنكار قدرة الله تعالى على الإحياء بعد الإماتة، وعلى غيره من الحوادث.
المسألة الثالثة: ﴿ فِى ضلال وَسُعُرٍ ﴾ يحتمل وجوهاً ثلاثة أحدها: الجمع بين الأمرين في الدنيا أي هم في الدنيا في ضلال وجنون لا يعقلون ولا يهتدون، وعلى هذا فقوله: ﴿ يُسْحَبُونَ ﴾ بيان حالهم في تلك الصورة وهو أقرب ثانيها: الجمع في الآخرة أي هم في ضلال الآخرة وسعر أيضاً.
أما السعر فكونهم فيها ظاهر، وأما الضلال فلا يجدون إلى مقصدهم أو إلى ما يصلح مقصداً وهم متحيرون سبيلاً، فإن قيل: الصحيح هو الوجه الأخير لا غير لأن قوله تعالى: ﴿ يَوْمَ يُسْحَبُونَ ﴾ ظرف القول أي يوم يسحبون يقال لهم ذوقوا، وسنبين ذلك فنقول: ﴿ يَوْمَ يُسْحَبُونَ ﴾ يحتمل أن يكون منصوباً بعامل مذكور أو مفهوم غير مذكور، والاحتمال الأول له وجهان: أحدهما: العامل سابق وهو معنى كائن ومستقر غير أن ذلك صار نسياً منسياً ثانيهما: العامل متأخر وهو قوله: ﴿ ذُوقُواْ ﴾ تقديره: ذوقوا مس سقر يوم يسحب المجرمون، والخطاب حينئذ مع من خوطب بقوله: ﴿ أكفاركم خَيْرٌ مّنْ أُوْلَئِكُمْ أَمْ لَكُم بَرَاءةٌ ﴾ والاحتمال الثالث: أن المفهوم هو أن يقال لهم: يوم يسحبون ذوقوا، وهذا هو المشهور، وقوله تعالى: ﴿ ذُوقُواْ ﴾ استعارة وفيه حكمة وهو أن الذوق من جملة الإدراكات فإن المذوق إذا لاقى اللسان يدرك أيضاً حرارته وبرودته وخشونته وملاسته، كما يدرك سائر أعضائه الحسية ويدرك أيضاً طعمه ولا يدركه غير اللسان، فإدراك اللسان أتم، فإذا تأذى من نار تأذى بحرارته ومرارته إن كان الحار أو غيره لا يتأذى إلا بحرارته فإذن الذوق إدراك لمسي أتم من غيره في الملموسات فقال: ﴿ ذُوقُواْ ﴾ إشارة إلى أن إدراكهم بالذوق أتم الإدراكات فيجتمع في العذاب شدته وإيلامه بطول مدته ودوامه، ويكون المدرك له لا عذر له يشغله وإنما هو على أتم ما يكون من الإدراك فيحصل الألم العظيم.
وقد ذكرنا أن على قول الأكثرين يقال لهم أو نقول مضمر.
وقد ذكرنا أنه لا حاجة إلى الإضمار إذا كان الخطاب مع غير من قيل في حقهم: ﴿ إِنَّ المجرمين فِي ضلال ﴾ فإنه يصير كأنه قال: ذوقوا أيها المكذبون بمحمد صلى الله عليه وسلم مس سقر يوم يسحب المجرمون المتقدمون في النار.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فِى ضلال وَسُعُرٍ ﴾ في هلاك ونيران.
أو في ضلال عن الحق في الدنيا، ونيران في الآخرة ﴿ مَسَّ سَقَرَ ﴾ كقولك: وجد مس الحمى وذاق طعم الضرب؛ لأنّ النار إذا أصابتهم بحرهاولفحتهم بإيلامها، فكأنها تمسهم مساً بذلك، كما يمس الحيوان ويباشر بما يؤذى ويؤلم.
وذوقوا: على إرادة القول.
وسقر: علم لجهنم.
من سقرته النار وصقرته إذا لوحته.
قال ذو الرمّة: إذَا ذَابَتِ الشَّمْسُ اتقى صَقَرَاتِهَا ** بِأَفْنَانِ مَرْبُوعِ الصَّرِيمَةِ مُعْبِلِ وعدم صرفها للتعريف والتأنيث ﴿ كُلَّ شَيْء ﴾ منصوب بفعل مضمر يفسره الظاهر وقرئ: ﴿ كل شيء ﴾ بالرفع ﴿ والقدر والقدر ﴾ التقدير.
وقرئ بهما، أي: خلقنا كل شيء مقدّراً محكماً مرتباً على حسب ما اقتضته الحكمة.
أو مقدّراً مكتوباً في اللوح.
معلوماً قبل كونه، قد علمنا حاله وزمانه ﴿ وَمَا أَمْرُنَا إِلاَّ واحدة ﴾ إلا كلمة واحدة سريعة التكوين ﴿ كَلَمْحٍ بالبصر ﴾ أراد قوله كن، يعني أنه إذا أراد تكوين شيء لم يلبث كونه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ بَلِ السّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ ﴾ مَوْعِدُ عَذابِهِمُ الأصْلِيُّ وما يَحِيقُ بِهِمْ في الدُّنْيا فَمِن طَلائِعِهِ.
﴿ والسّاعَةُ أدْهى ﴾ أشَدُّ، والدّاهِيَةُ أمْرٌ فَظِيعٌ لا يَهْتَدِي لِدَوائِهِ.
﴿ وَأمَرُّ ﴾ مَذاقًا مِن عَذابِ الدُّنْيا.
﴿ إنَّ المُجْرِمِينَ في ضَلالٍ ﴾ عَنِ الحَقِّ في الدُّنْيا.
﴿ وَسُعُرٍ ﴾ ونِيرانٍ في الآخِرَةِ.
﴿ يَوْمَ يُسْحَبُونَ في النّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ ﴾ يُجَرُّونَ عَلَيْها.
﴿ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ ﴾ أيْ يُقالُ لَهُمْ: ذُوقُوا حَرَّ النّارِ وألَمَها فَإنَّ مَسَّها سَبَبُ التَّألُّمِ بِها، وسَقَرُ عَلَمٌ لِجَهَنَّمَ ولِذَلِكَ لَمْ يُصْرَفْ مِن سَقَرَتْهُ النّارُ وصَقَرَتْهُ إذا لَوَّحَتْهُ.
<div class="verse-tafsir"
{إِنَّ المجرمين فِى ضلال} عن الحق في الدنيا {وسعر} ونيران في الآخرة اوفى هلاك ونيران
﴿ بَلِ السّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ ﴾ أيْ لَيْسَ هَذا تَمامَ عُقُوبَتِهِمْ بَلِ السّاعَةُ مَوْعِدُ عَذابِهِمْ وهَذا مِن طَلائِعِهِ ﴿ والسّاعَةُ أدْهى ﴾ أيْ أعْظَمُ داهِيَةً وهي الأمْرُ المُنْكَرُ الفَظِيعُ الَّذِي لا يُهْتَدى إلى الخَلاصِ عَنْهُ ﴿ وأمَرُّ ﴾ وأشَدُّ مَرارَةً في الذَّوْقِ وهو اسْتِعارَةٌ لِصُعُوبَتِها عَلى النَّفْسِ: وقِيلَ: أقْوى ولَيْسَ بِذاكَ وإظْهارُ السّاعَةِ في مَوْضِعِ إضْمارِها لِتَرْبِيَةِ تَهْوِيلِها ﴿ إنَّ المُجْرِمِينَ ﴾ مِنَ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ ﴿ فِي ضَلالٍ ﴾ في هَلاكٍ ﴿ وسُعُرٍ ﴾ ونِيرانٍ مُسَعَّرَةٍ أوْ في ضَلالٍ عَنِ الحَقِّ ونِيرانٍ في الآخِرَةِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: في خُسْرانٍ وجُنُونٍ، <div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: وَلَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ يعني: الرسل وهو موسى، وهارون، كَذَّبُوا بِآياتِنا كُلِّها يعني: بالآيات التسع فَأَخَذْناهُمْ يعني: عاقبناهم عند التكذيب، أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ يعني: عقوبة منيع بالنقمة على عقوبة الكفار، مقتدراً يعني: قادراً على عقوبتهم، وهلاكهم.
ثم خوف كفار مكة فقال: أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولئِكُمْ يعني: أكفاركم أقوى في النذر من الذين ذكرناهم، فأهلكهم الله تعالى، وهو قادر على إهلاكهم أَمْ لَكُمْ بَراءَةٌ فِي الزُّبُرِ يعني: براءة في الكتب من العذاب.
اللفظ لفظ الاستفهام، والمراد به الزجر.
يعني: ليس لكم براءة، ونجاة من العذاب.
ثم قال عز وجل: أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ يعني: ممتنع من العذاب يقول الله تعالى: سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ يعني: سيهزم جمع أهل مكة في الحرب وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ يعني: ينصرفون من الحرب، منهزمين.
يعني: به: يوم بدر، وفي هذا علامة من علامات النبوة، لأن هذه الآية نزلت بمكة، وأخبرهم أنهم سيهزمون في الحرب، فكان كما قال.
وروى عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، أن عمر- - قال: لما نزلت هذه الآية: سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ فكنت لم أعلم ما هي، وكنت أقول: أي: جمع يهزم؟
فلما كان يوم بدر، رأيت النبيّ يثبت في الدرع، ويقول: سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ وقال الزجاج: «ويولون الدبر» يعني: الإدبار، كقوله تعالى: يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ [آل عمران: 111] لأن اسم الواحد يدل على الجمع، وكذلك قوله تعالى: فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ [القمر: 54] أي: أنهار.
وذكر عن الفراء أنه قال: إنما وحّد لأنه رأس آية تقابل بالتوحيد رؤوس الآي.
وكذلك في الدبر، لموافقته رؤوس الآي.
ثم قال: بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ يعني: مجمعهم وَالسَّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ يعني: عذاب الساعة أعظم وأشد من عذاب الدنيا.
ثم وصف عذاب الآخرة فقال: إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ يعني: المشركين في الدنيا في ضلالة، وخطأ، وخلاف، وفي سعير في الآخرة.
والسعر جماعة السعير.
ويقال: السعر يعني: في عناء.
ثم أخبرهم بمستقرهم فقال عز وجل: يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ يعني: يجرون فى النار على وجوههم، ويقول لهم الخزنة: ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ يعني: عذاب النار.
<div class="verse-tafsir"
وقوله: فَذُوقُوا: يحتمل أنْ يكون من قول اللَّه تعالى لهم، ويحتمل أَنْ يكونَ من قول الملائكة، وَنُذُرِي: جمع المصدر، أي: وعاقبة إنذاري، ومُسْتَقِرٌّ أي: دائم استقر فيهم حَتَّى يُفْضِيَ بهم إلى عذاب الآخرة، وآلَ فِرْعَوْنَ: قومه وأتباعه.
وقوله: كَذَّبُوا بِآياتِنا كُلِّها يحتمل أنْ يريد آل فرعونَ، ويحتمل أن يكون قوله:
وَلَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ [القمر: ٤١]- كلاماً تامًّا-، ثم يكون قوله: كَذَّبُوا بِآياتِنا كُلِّها يعود على جميع من ذُكِرَ من الأمم.
وقوله تعالى: أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولئِكُمْ خطاب لقريش على جهة التوبيخ.
وقوله: أَمْ لَكُمْ بَراءَةٌ أي: من العذاب فِي الزُّبُرِ أي: في كتب اللَّه المُنَزَّلَةِ قاله ابن زيد وغيره «١» .
ثم قال تعالى لنبيِّنا محمد صلّى الله عليه وسلّم: أَمْ يَقُولُونَ/ نَحْنُ: واثقون بجماعتنا، منتصرون بقوَّتِنا على جهة الإعجاب سَيُهْزَمُونَ، فلا ينفع جمعُهم، وهذه عِدَةٌ من اللَّه تعالى لرسوله أَنَّ جَمْعَ قريشٍ سَيُهْزَمُ، فكان كما وعد سبحانه قال عمر بن الخطاب- رضي الله عنه-:
كنت أقول في نفسي: أَيُّ جَمْعٍ يُهْزَمُ؟!
فَلَمَّا كان يومُ بدرٍ رأيتُ رسولَ اللَّه صلّى الله عليه وسلّم يثب في الدرع، وهو يقول: سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ «٢» والجمهور على أَنَّ الآية نزلت بِمَكَّةَ، وقول مَنْ زعم أَنَّها نزلت يومَ بدر ضعيف، والصواب أَنَّ الوعد نُجِّزَ يوم بدر، قال أبو حيان «٣» : وَيُوَلُّونَ: الجمهور بياء الغيبة، وعن أبي عمرو بتاء الخطاب، والدُّبُرُ: هنا اسم جنس، وحسن إفرادَهُ كونُهُ فاصلةً، وقد جاء مجموعاً في آية أُخرى، وهو الأصل، انتهى.
أحَدُهُما: «أنَّ مُشْرِكِي مَكَّةَ جاؤُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ يُخاصِمُونَ في القَدَرِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ إلى قَوْلِهِ: ﴿ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ ﴾ » انْفَرَدَ بِإخْراجِهِ مُسْلِمٌ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ ورَوى أبُو أُمامَةَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ قالَ إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في القَدَرِيَّةِ" .» والثّانِي: «أنَّ أسْقُفَ نَجْرانَ جاءَ إلى النَّبِيِّ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ تَزْعُمُ أنَّ المَعاصِيَ بِقَدَرٍ، ولَيْسَ كَذَلِكَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ : "أنْتُمْ خُصَماءُ اللَّهِ"، فَنَزَلَتْ: ﴿ إنَّ المُجْرِمِينَ ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿ بِقَدَرٍ ﴾ ،» قالَهُ عَطاءٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَسُعُرٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: الجُنُونُ.
والثّانِي: العَناءُ، وقَدْ ذَكَرْناهُما في صَدْرِ السُّورَةِ.
والثّالِثُ: أنَّهُ نارٌ تَسْتَعِرُ عَلَيْهِمْ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
فَأمّا "سَقَرُ" فَقالَ الزَّجّاجُ: هي اسْمٌ مِن أسْماءِ جَهَنَّمَ لا يَنْصَرِفُ لِأنَّها مَعْرِفَةٌ، وهي مُؤَنَّثَةٌ.
وقَرَأْتُ عَلى شَيْخِنا أبِي مَنصُورٍ قالَ: سَقَرُ: اسْمٌ لِنارِ الآخِرَةِ أعْجَمِيٌّ، ويُقالُ: بَلْ هو عَرَبِيٌّ مِن قَوْلِهِمْ سَقْرَتْهُ الشَّمْسُ: إذا أذابَتْهُ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها تُذِيبُ الأجْسامَ.
ورَوى عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ قالَ: « "إذا جَمَعَ اللَّهُ الخَلائِقَ يَوْمَ القِيامَةِ أمَرَ مُنادِيًا فَنادى نِداءً يَسْمَعُهُ الأوَّلُونَ والآخِرُونَ: أيْنَ خُصَماءُ اللَّهِ؟
فَتَقُومُ القَدَرِيَّةُ، فَيُؤْمَرُ بِهِمْ إلى النّارِ، يَقُولُ اللَّهُ تَعالى: ﴿ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ ﴾ ﴿ إنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ ﴾ ، وإنَّما قِيلَ لَهُمْ: "خُصَماءُ اللَّهِ" لِأنَّهم يُخاصِمُونَ في أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يُقَدِّرَ المَعْصِيَةَ عَلى العَبْدِ ثُمَّ يُعَذِّبُهُ عَلَيْها.» ورَوى هِشامُ بْنُ حَسّانَ عَنِ الحَسَنِ قالَ: واللَّهِ لَوْ أنَّ قَدَرِيًّا صامَ حَتّى يَصِيرَ كالحَبْلِ، ثُمَّ صَلّى حَتّى يَصِيرَ كالوَتَرِ، ثُمَّ أُخِذَ ظُلْمًا وزُورًا حَتّى ذُبِحَ بَيْنَ الرُّكْنِ والمَقامِ لَكَبَّهُ اللَّهُ عَلى وجْهِهِ في سَقَرَ "إنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ" .
[وَرَوى مُسْلِمٌ في أفْرادِهِ مِن حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ : « "كُلُّ شَيْءٍ بِقَدَرٍ حَتّى العَجْزُ والكَيْسُ" .» وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كُلُّ شَيْءٍ بِقَدَرٍ حَتّى وضْعُ يَدِكَ عَلى خَدِّكَ.
وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى "بِقَدَرٍ" أيْ: كُلُّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ مَكْتُوبٍ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ قَبْلَ وُقُوعِهِ، ونَصْبُ "كُلَّ شَيْءٍ" بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ؛ المَعْنى: إنّا خَلَقْنا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما أمْرُنا إلا واحِدَةٌ ﴾ قالَ الفَرّاءُ: أيْ: إلّا مَرَّةٌ واحِدَةٌ، وكَذَلِكَ قالَ مُقاتِلٌ: مَرَّةٌ واحِدَةٌ لا مَثْنَوِيَّةَ لَها.
ورَوى عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: يُرِيدُ: إنَّ قَضائِي في خَلْقِي أسْرَعُ مِن لَمْحِ البَصَرِ.
وقالَ ابْنُ السّائِبِ: المَعْنى: وما أمْرُنا بِمَجِيءِ السّاعَةِ في السُّرْعَةِ إلّا كَلَمْحِ البَصَرِ.
ومَعْنى اللَّمْحِ بِالبَصَرِ: النَّظَرُ بِسُرْعَةٍ.
﴿ وَلَقَدْ أهْلَكْنا أشْياعَكُمْ ﴾ أيْ: أشْباهَكم ونُظَراءَكم في الكُفْرِ مِنَ الأُمَمِ الماضِيَةِ ﴿ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ ﴾ أيْ: مُتَّعِظٍ ﴿ وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ ﴾ يَعْنِي الأُمَمَ.
وَفِي ﴿ الزُّبُرِ ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ كُتُبُ الحَفَظَةِ.
والثّانِي: اللَّوْحُ المَحْفُوظُ.
﴿ وَكُلُّ صَغِيرٍ وكَبِيرٍ ﴾ أيْ: مِنَ الأعْمالِ المُتَقَدِّمَةِ "مُسْتَطَرٌ" أيْ: مَكْتُوبٌ، قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هو مُفْتَعَلٌ مِن "سَطَرْتُ": إذا كَتَبْتَ وهو مِثْلُ "مَسْطُورٍ" .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِي جَنّاتٍ ونَهَرٍ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: في جَنّاتٍ وأنْهارٍ، والِاسْمُ الواحِدُ يَدُلُّ عَلى الجَمِيعِ.
فَيُجْتَزَأُ بِهِ مِنَ الجَمِيعِ أنْشَدَ سِيبَوَيْهِ والخَلِيلُ: بِها جِيَفُ الحَسْرى فَأمّا عِظامُها فَبِيضٌ وأمّا جِلْدُها فَصَلِيبُ يُرِيدُ: وأمّا جُلُودُها، ومِثْلُهُ: فِي حَلْقِكم عَظْمٌ وقَدْ شُجِينا وَمِثْلُهُ: كَلُوا في نِصْفِ بَطْنِكم تَعِيشُوا وَحَكى ابْنُ قُتَيْبَةَ عَنِ الفَرّاءِ أنَّهُ وُحِّدَ لِأنَّهُ رَأْسُ آيَةٍ، فَقابَلَ بِالتَّوْحِيدِ رُؤُوسَ الآيِ، قالَ: ويُقالُ: النَّهَرُ: الضِّياءُ والسَّعَةُ، مِن قَوْلِكَ: أنَهَرْتُ الطَّعْنَةَ: إذا وسَّعْتَها، قالَ قَيْسُ بْنُ الخَطِيمِ يَصِفُ طَعْنَةً: مَلَكْتُ بِها كَفِّي فَأنْهَرْتُ فَتْقَها ∗∗∗ يَرى قائِمٌ مِن دُونِها ما وراءَها أيْ: أوْسَعْتُ فَتْقَها.
قُلْتُ: وهَذا قَوْلُ الضَّحّاكِ.
وقَرَأ الأعْمَشُ "وَنُهُرٍ" .
قَوْلُهُ تَعالى ﴿ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ ﴾ أيْ: مَجْلِسٍ حَسَنٍ؛ وقَدْ نَبَّهْنا عَلى هَذا المَعْنى في قَوْلِهِ: ﴿ أنَّ لَهم قَدَمَ صِدْقٍ ﴾ .
فَأمّا المَلِيكُ، فَقالَ الخَطّابِيُّ: المَلِيكُ هو المالِكُ، وبِناءُ فَعِيلٍ لِلْمُبالَغَةِ في الوَصْفِ، ويَكُونُ المَلِيكُ بِمَعْنى المَلِكِ، ومِنهُ هَذِهِ الآيَةُ.
والمُقْتَدِرُ مَشْرُوحٌ في [الكَهْفِ: ٤٥] .
قوله عزّ وجلّ: ﴿ سَيُهْزَمُ الجَمْعُ ويُوَلُّونَ الدُبُرَ ﴾ ﴿ بَلِ الساعَةُ مَوْعِدُهم والساعَةُ أدْهى وأمَرُّ ﴾ ﴿ إنَّ المُجْرِمِينَ في ضَلالٍ وسُعُرٍ ﴾ ﴿ يَوْمَ يُسْحَبُونَ في النارِ عَلى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ ﴾ ﴿ إنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ ﴾ ﴿ وَما أمْرُنا إلا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالبَصَرِ ﴾ ﴿ وَلَقَدْ أهْلَكْنا أشْياعَكم فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ ﴾ ﴿ وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ في الزُبُرِ ﴾ ﴿ وَكُلُّ صَغِيرٍ وكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ ﴾ ﴿ إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ ونَهَرٍ ﴾ ﴿ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ ﴾ هَذِهِ عِدَّةٌ مِنَ اللهِ تَعالى لِرَسُولِهِ أنَّ جَمْعَ قُرَيْشٍ سَيُهْزَمُ نُصْرَةً لَهُ، والجُمْهُورُ عَلى أنَّ الآيَةَ مَكِّيَّةٌ، ورُوِيَ عن عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ الله تَعالى عنهُ أنَّهُ قالَ: «كُنْتُ أقُولُ في نَفْسِي: أيُّ جَمْعٍ يُهْزَمُ؟
فَلَمّا كانَ يَوْمُ بَدْرٍ رَأيْتُ رَسُولَ اللهِ في الدِرْعِ وهو يَقُولُ: ﴿ سَيُهْزَمُ الجَمْعُ ويُوَلُّونَ الدُبُرَ ﴾ .» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَإنَّما كانَ رَسُولُ اللهِ في بَدْرٍ مُسْتَشْهِدًا بِالآيَةِ.
وقالَ قَوْمٌ: إنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ يَوْمَ بَدْرٍ، وذَلِكَ ضَعِيفٌ، والصَوابُ أنَّ الوَعْدَ أُنْجِزَ يَوْمَ بَدْرٍ قالَ أبُو حاتِمٍ: قَرَأ بَعْضُ القُرّاءِ: "سَيُهْزَمُ" بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الزايِ "الجَمْعُ" نَصْبًا، قالَ أبُو عَمْرٍو الدانِيُّ قَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "سَنَهْزِمُ" بِالنُونِ وكَسْرِ الزايِ "الجَمْعَ" بِالنَصْبِ "وَتُوَلُّونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ.
ثُمَّ تُرِكَتْ هَذِهِ الأقْوالُ وأضْرَبَ عنها تَهَمُّمًا بِأمْرِ الساعَةِ الَّتِي عَذابُها أشُدُّ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ هَزِيمَةٍ وقَتْلٍ، فَقالَ تَعالى: ﴿ بَلِ الساعَةُ مَوْعِدُهم والساعَةُ أدْهى وأمَرُّ ﴾ ، "أدْهى" أفْعَلُ مِنَ الداهِيَةِ وهي الرَزِيَّةُ العُظْمى تَنْزِلُ بِالمَرْءِ، و"أمَرُّ" مِنَ المَرارَةِ، واللَفْظَةُ هاهُنا مُسْتَعارَةٌ لِأنَّها لَيْسَتْ فِيما يُذاقُ.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عَنِ المُجْرِمِينَ أنَّهم في الدُنْيا في حَيْرَةٍ وإتْلافٍ وفَقْدِ هُدًى، وفي الآخِرَةِ في احْتِراقٍ وتَسَعُّرٍ مِن حَيْثُ هم صائِرُونَ إلَيْهِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: المَعْنى: في خُسْرانٍ وجُنُونٍ، و"السُعُرُ" الجُنُونُ، وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ المُجْرِمِينَ هُنا يُرادُ بِهِمُ الكُفّارُ، وقالَ قَوْمٌ: المُرادُ بِالمُجْرِمِينَ القَدَرِيَّةُ الَّذِينَ يَقُولُونَ إنَّ أفْعالَ العِبادِ لَيْسَتْ بِقَدَرٍ مِنَ اللهِ تَعالى.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهْم المُتَوَعِّدُونَ بِالسَحْبِ في جَهَنَّمَ، والسَحْبُ هو الجَرُّ، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "إلى النارِ".
وقَوْلُهُ تَعالى: "فَذُوقُوا" اسْتَعارَةٌ، والمَعْنى: يُقالُ لَهُمْ: ذُوقُوا، عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ ﴾ فَقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "إنّا كُلَّ شَيْءٍ" بِالنَصْبِ، وقالُوا: المَعْنى: إنّا خَلَقْنا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ، ولَيْسَتْ "خَلَقْناهُ" في مَوْضِعِ الصِفَةِ لـ "شَيْءٍ"، بَلْ هو فِعْلٌ دالٌّ عَلى الفِعْلِ المُضْمَرِ، وهَذا المَعْنى يَقْتَضِي أنَّ كُلَّ شَيْءٍ مَخْلُوقٌ، إلّا ما قامَ دَلِيلُ العَقْلِ عَلى أنَّهُ لَيْسَ بِمَخْلُوقٍ كالقُرْآنِ والصِفَةِ وقَرَأ أبُو السَمالِ -وَرَجَّحَهُ أبُو الفَتْحِ-: "إنّا كُلُّ" بِالرَفْعِ عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ "خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ"، قالَ أبُو حاتِمٍ: "هَذا هو الوَجْهُ في العَرَبِيَّةِ، وقِراءَتُنا بِالنَصْبِ مَعَ الجَماعَةِ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقَرَأها قَوْمٌ مِن أهْلِ السُنَّةِ بِالرَفْعِ، والمَعْنى عِنْدَهم عَلى نَحْوِ ما هو عِنْدَ الأوَّلِينَ مِن أنَّ كُلَّ شَيْءٍ فَهو مَخْلُوقٌ بِقَدْرٍ سابِقٍ، و"خَلَقْناهُ" -عَلى هَذا- لَيْسَتْ صِفَةً لِـ "شَيْءٍ"، وهَذا مَذْهَبُ أهْلِ السُنَّةِ، ولَهُمُ احْتِجاجٌ قَوِيٌّ بِالآيَةِ عَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ.
وقالَتِ القَدَرِيَّةُ، وهُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ: لا قَدَرَ، والمَرْءُ وحْدَهُ فاعِلُ أفْعالِهِ، القِراءَةُ: "إنّا كُلُّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ" بِرَفْعِ "كُلُّ"، و"خَلَقْناهُ" في مَوْضِعِ الصِفَةِ لِـ "كُلُّ"، أيْ: إنَّ أمْرَنا وشَأْنَنا كُلُّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ فَهو بِقَدَرٍ، أيْ: بِمِقْدارٍ وعَلى حَدِّ ما في هَيْئَتِهِ وزَمَنِهِ وغَيْرِ ذَلِكَ، فَيُزِيلُونَ بِهَذا التَأْوِيلِ مَوْضِعَ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ بِالآيَةِ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: إنِّي أجِدُ في كِتابِ اللهِ تَعالى قَوْمًا يُسْحَبُونَ في النارِ عَلى وُجُوهِهِمْ لِأنَّهم كانُوا يُكَذِّبُونَ بِالقَدَرِ، يَقُولُونَ: المَرْءُ يَخْلُقُ أفْعالَهُ، وإنِّي لا أراهُمْ، فَلا أدْرِي أشَيْءٌ مَضى قَبْلَنا أمْ شَيْءٌ بَقِيَ، وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ: «خاصَمَتْ قُرَيْشٌ رَسُولَ اللهِ في القَدَرِ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ السُلَمِيُّ: فَقالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللهِ، فَفِيمَ العَمَلُ؟
أفِي شَيْءٍ نَسْتَأْنِفُهُ أمْ في شَيْءٍ قَدْ فَرَغَ مِنهُ؟
فَقالَ رَسُولُ اللهِ : "اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ لَهُ، سَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى، سَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى".» وقالَ أنَسُ بْنُ مالِكٍ: قالَ رَسُولُ اللهِ : « "القَدَرِيَّةُ الَّذِينَ يَقُولُونَ الخَيْرَ والشَرَّ بِأيْدِينا، لَيْسَ لَهم في شَفاعَتِي نَصِيبٌ، ولا أنا مِنهم ولا هم مُنِّيَ".» وقَوْلُهُ تَعالى: "إلّا واحِدَةٌ" أيْ: إلّا قَوْلَةً واحِدَةً وهي "كُنْ"، وقَوْلُهُ تَعالى: "كَلَمْحٍ بِالبَصَرِ" تَفْهِيمٌ لِلنّاسِ بِأعْجَلَ ما يُحِسُّونَ، وفي أشْياءَ مِن أمْرِ اللهِ تَعالى أوحى مِن لَمْحِ البَصَرِ، و"الأشْياعُ": الفِرَقُ المُتَشابِهَةُ في مَذْهَبٍ ودِينٍ، ونَحْوِهِ، الأوَّلُ شِيعَةٌ لِلْآخَرِ، الآخَرُ شِيعَةٌ لِلْأوَّلِ.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّ كُلَّ أفْعالِ الأُمَمِ المُهْلِكَةِ مَكْتُوبَةٌ مَحْفُوظَةٌ عَلَيْهِمْ إلى يَوْمِ الحِسابِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، سَطَرْتُ وأسْطَرْتُ بِمَعْنًى، ورُوِيَ عن عاصِمٍ شَدُّ الراءِ مِن "مُسْتَطَرٌ"، قالَ أبُو عَمْرٍو: وهَذا لا يَكُونُ إلّا عِنْدَ الوُقُوفِ، لُغَةٌ مَعْرُوفَةٌ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "وَنَهَرٍ" بِفَتْحِ الهاءِ والنُونِ عَلى أنَّها اسْمُ الجِنْسِ يُرِيدُ بِهِ الأنْهارَ، أو عَلى أنَّهُ بِمَعْنى سِعَةٍ في الرِزْقِ والمَنازِلِ، ومِنهُ قَوْلُ قَيْسِ بْنِ الخَطِيمِ: مَلَكْتُ بِها كَفِّي فَأنْهَرْتُ فَتْقَها يَرى قائِمٌ مِن خَلْفِها ما وراءَها فَقَوْلُهُ: "أنَهَرْتُ" مَعْناهُ جَعَلْتُ فَتْقَها كَنَهْرٍ، وقَرَأ زُهَيْرُ الفَرْقَبِيُّ، والأعْمَشُ: "وَنُهْر" بِضَمِّ النُونِ والهاءِ عَلى أنَّهُ جَمَعَ نَهار، إذْ لا لَيْلَ في الجَنَّةِ، وهَذا سائِغ في اللَفْظِ قَلِقٌ في المَعْنى، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ جَمْعُ نَهَرٍ، وقَرَأ مُجاهِدٌ، وحُمَيْدٌ، وأبُو السَمالِ، والفَيّاضُ بْنُ غَزَوانَ: "نَهْرٍ" بِسُكُونِ الهاءِ عَلى الإفْرادِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ الصِدْقَ الَّذِي هو ضِدُّ الكَذِبِ، أيْ: في المَقْعَدِ الَّذِي صَدَّقُوا في الخَبَرِ بِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِكَ: "عَوْدُ صِدْقٍ" أيْ: جِيِّدٌ، و"رَجُلُ صِدْقٍ "أيْ: خَيِّرٌ وذُو خِلالٍ حِسانٍ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "فِي مَقْعَدِ" عَلى اسْمِ الجِنْسِ، وقَرَأ عُثْمانُ البَتِّيُّ: "فِي مَقاعِدَ" عَلى الجَمْعِ، و"المَلِيكُ المُقْتَدِرُ" هو اللهُ تَبارَكَ وتَعالى.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ القَمَرِ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.
هذا الكلام بيان لقوله: ﴿ والساعة أدهى وأمر ﴾ [القمر: 46].
واقتران الكلام بحرف ﴿ إن ﴾ لفائدتين؛ إحداهما: الاهتمام بصريحه الإِخباري، وثانيهما: تأكيد ما تضمنه من التعريض بالمشركين، لأن الكلام وإن كان موجهاً للنبيء صلى الله عليه وسلم وهو لا يشك في ذلك فإن المشركين يبلغهم ويشيع بينهم وهم لا يؤمنون بعذاب الآخرة فكانوا جديرين بتأكيد الخبر في جانب التعريض فتكون ﴿ إنّ ﴾ مستعملة في غرضيها من التوكيد والاهتمام.
والتعبير عنهم ب ﴿ المجرمين ﴾ إظهار في مقام الإِضمار لإِلصاق وصف الإِجرام بهم.
والضلال: يطلق على ضد الهدى ويطلق على الخُسران، وأكثر المفسرين على أن المراد به هنا المعنى الثاني.
فعن ابن عباس: المراد الخسران في الآخرة، لأن الظاهر أن ﴿ يوم يسحبون في النار ﴾ طرف للكون في ضلال وسعُر على نحو قوله تعالى: ﴿ يوم ترجف الراجفة تتبعها الرادفة قلوب يومئذٍ واجفة ﴾ [النازعات: 6 8]، وقوله: ﴿ ويوم القيامة هم من المقبوحين ﴾ [القصص: 42] فلا يناسب أن يكون الضلال ضد الهدى.
ويجوز أن يكون ﴿ يوم يسحبون ﴾ ظرفاً للكون الذي في خبر ﴿ إن ﴾ ، أي كائنون في ضلال وسعر يوم يسحبون في النار.
فالمعنى: أنهم في ضلال وسعر يوم القيامة و ﴿ سُعُر ﴾ جمع سعير، وهو النار، وجُمع السعير لأنه قوي شديد.
والسحْبُ: الجَرّ، وهو في النار أشد من ملازمة المكان لأنه به يتجدد مماسة نار أخرى فهو أشد تعذيباً.
وجُعل السحْب على الوجوه إهانة لهم.
و ﴿ ذوقوا مس سقر ﴾ مقول قول محذوف، والجملة مستأنفة.
والذوق مستعار للإِحساس.
وصيغة الأمر مستعملة في الإِهانة والمجازاة.
والمس مستعمل في الإِصابة على طريقة المجاز المرسل.
وسَقَر: عَلَم على جهنم، وهو مشتق من السَّقْر بسكون القاف وهو التهاب في النار، ف ﴿ سقر ﴾ وضع علَماً لجهنم، ولذلك فهو ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث، لأن جهنم اسم مؤنث معنىً اعتبروا فيه أن مسماه نار والنار مؤنثة.
والآية تتحمل معنى آخر، وهو أن يراد بالضلال ضد الهدى وأن الإِخبار عن المجرمين بأنهم ليسوا على هُدى، وأن ما هم فيه باطل وضلال، وذلك في الدنيا، وأن يُراد بالسُّعر نيران جهنم وذلك في الآخرة فيكون الكلام على التقسيم.
أو يكون السُّعر بمعنى الجنون، يقال: سُعُر بضمتين وسُعْر بسكون العين، أي جنون، من قول العرب ناقة مسعورة، أي شديدة السرعة كأن بها جنوناً كما تقدم عند قوله تعالى: ﴿ إنا إذن لفي ضلال وسعر ﴾ في هذه السورة (24).
وروي عن ابن عباس وفسر به أبو علي الفارسي قائلاً: لأنهم إن كانوا في السعير لم يكونوا في ضلال لأن الأمر قد كشف لهم وإنما وصف حالهم في الدنيا، وعليه فالضلال والسعر حاصلان لهم في الدنيا.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ ﴾ رَوى إسْماعِيلُ بْنُ زِيادٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبّادٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ «أنَّ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ أتَوُا النَّبِيَّ يُخاصِمُونَهُ في القَدَرِ، فَنَزَلَتْ.
» ﴿ إنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: عَلى قَدْرِ ما أرَدْنا مِن غَيْرِ زِيادَةٍ ولا نُقْصانٍ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.
الثّانِي: بِحُكْمٍ سابِقٍ وقَضاءٍ مَحْتُومٍ، ومِنهُ قَوْلُ الرّاجِزِ: وقَدَرُ المُقَدَّرِ الأقْدارا.
﴿ وَما أمْرُنا إلا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالبَصَرِ ﴾ يَعْنِي أنَّ ما أرَدْناهُ مِن شَيْءٍ أمَرْنا بِهِ مَرَّةً واحِدَةً ولَمْ نَحْتَجْ فِيهِ إلى ثانِيَةً، فَيَكُونُ ذَلِكَ الشَّيْءُ مَعَ أمْرِنا بِهِ كَلَمْحِ البَصَرِ في سُرْعَتِهِ مِن غَيْرِ إبْطاءٍ ولا تَأْخِيرٍ.
﴿ وَكُلُّ صَغِيرٍ وكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ المُسْتَطَرَ المَكْتُوبُ، قالَهُ الحَسَنُ وعِكْرِمَةُ وابْنُ زَيْدٍ، لِأنَّهُ مَسْطُورٌ.
الثّانِي: أنَّهُ المَحْفُوظُ، قالَهُ قَتادَةُ.
﴿ إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ ونَهَرٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ النَّهَرَ أنْهارُ الماءِ، والخَمْرِ، والعَسَلِ، واللَّبَنِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.
الثّانِي: أنَّ النَّهَرَ الضِّياءُ والنُّورُ، ومِنهُ النَّهارُ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ، ومِنهُ قَوْلُ الرّاجِزِ لَوْلا الثَّرِيدانِ هَلَكْنا بِالضَّمْرِ ∗∗∗ ثَرِيدُ لَيْلٍ وثَرِيدٌ بِالنَّهَرِ الثّالِثُ: أنَّهُ سَعَةُ العَيْشِ وكَثْرَةُ النَّعِيمِ، ومِنهُ اسْمُ نَهَرِ الماءِ، قالَهُ قُطْرُبٌ.
﴿ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مَقْعَدُ حَقٍّ لا لَغْوٌ فِيهِ ولا تَأْثِيمٌ.
الثّانِي: مَقْعَدُ صِدْقٍ لِلَّهِ وعَدَ أوْلِياءَهُ بِهِ، والمَلِيكُ والمَلِكُ واحِدٌ، وهو اللَّهُ كَما قالَ ابْنُ الزِّبْعَرِيِّ يا رَسُولَ المَلِيكِ إنَّ لِسانِي ∗∗∗ راتِقٌ ما فَتَقْتُ إذا أنابُوا وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أنَّ المَلِيكَ مُسْتَحِقُّ المُلْكِ، والمَلِكُ القائِمُ بِالمُلْكِ والمُقْتَدِرُ بِمَعْنى القادِرِ.
وَيَحْتَمِلُ وصْفَ نَفْسِهِ بِالِاقْتِدارِ هاهُنا وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: لِتَعْظِيمِ شَأْنِ مَن عِنْدَهُ مِنَ المُتَّقِينَ لِأنَّهم عِنْدَ المُقْتَدِرِ أعْظَمُ قَدْرًا، وأعْلى مَجْزًا.
الثّانِي: لِيَعْلَمُوا أنَّهُ قادِرٌ عَلى حِفْظِ ما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِمْ ودَوامِهِ لَهُمْ، واللَّهُ أعْلَمُ.
أخرج أحمد ومسلم وعبد بن حميد والترمذي وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاء مشركو قريش إلى النبي صلى الله عليه وسلم يخاصمونه في القدر فنزلت ﴿ يوم يسحبون في النار على وجوههم ذوقوا مسَّ سقر إنا كل شيء خلقناه بقدر ﴾ .
وأخرج البزار وابن المنذر بسند جيد من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: ما أنزلت هذه الآية ﴿ إن المجرمين في ضلال وسعر يوم يسحبون في النار على وجوههم ذوقوا مس سقر إنا كل شيء خلقناه بقدر ﴾ إلا في أهل القدر.
وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه وابن شاهين وابن منده والباوردي في الصحابة والخطيب في تالي التلخيص وابن عساكر عن زرارة رضي الله عنه «عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه تلا هذه الآية ﴿ ذوقوا مس سقر إنا كل شيء خلقناه بقدر ﴾ قال: في أناس من أمتي في آخر الزمان يكذبون بقدر الله» .
وأخرج ابن عدي وابن مردويه والديلمي وابن عساكر بسند ضعيف عن أبي أمامة رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن هذه الآية نزلت في القدرية ﴿ إن المجرمين في ضلال وسعر ﴾ » .
وأخرج سعيد بن منصور وابن سعد وابن المنذر عن إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن جعفر رضي الله عنه، وكانت أمه لبابة بنت عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قالت: كنت أزور جدي ابن عباس رضي الله عنهما في كل يوم جمعة قبل أن يكف بصره، فسمعته يقرأ في المصحف فلما أتى على هذه الآية ﴿ إن المجرمين في ضلال وسعر يوم يسحبون في النار على وجوههم ﴾ قال: يا بنية ما أعرف أصحاب هذه الآية ما كانوا بعد وليكونن.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه من طريق عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قيل له: قد تكلم في القدر، فقال: أو فعلوها؟
والله ما نزلت هذه الآية إلا فيهم ﴿ ذوقوا مسَّ سقر إنا كل شيء خلقناه بقدر ﴾ أولئك شرار هذه الأمة، لا تعودوا مرضاهم، ولا تصلوا على موتاهم إن أريتني واحداً منهم فقأت عينيه بأصبعي هاتين.
وأخرج الطبراني وابن مردويه من طرق عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: نزلت هذه الآية في القدرية ﴿ يوم يسحبون في النار على وجوههم ذوقوا مسَّ سقر إنا كل شيء خلقناه بقدر ﴾ .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ إنا كل شيء خلقناه بقدر ﴾ قال: خلق الله الخلق كلهم بقدر، وخلق لهم الخير والشر بقدر.
وأخرج مسلم عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كل شيء بقضاء وقدر حتى العجز والكيس» .
وأخرج البخاري في تاريخه عن ابن عباس قال: كل شيء بقضاء وقدر حتى وضعك يدك على خدك.
وأخرج أحمد عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لكل أمة مجوس، ومجوس أمتي الذين يقولون لا قدر، إن مرضوا فلا تعودهم، وإن ماتوا فلا تشهدوهم» .
وأخرج ابن شاهين في السنة عن محمد بن كعب القرظي قال: طلبت هذا القدر فيما أنزل الله على محمد صلى الله عليه وسلم فوجدته في ﴿ اقتربت الساعة ﴾ ، ﴿ وكل شيء فعلوه في الزبر ﴾ ، ﴿ وكل صغير وكبير مستطر ﴾ .
وأخرج سفيان بن عيينة في جامعه عن محمد بن كعب القرظي قال: إنما نزلت هذه ﴿ يوم يسحبون في النار على وجوههم ذوقوا مسَّ سقر إنا كل شيء خلقناه بقدر ﴾ تعيير الأهل القدر.
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج ﴿ وكل شيء فعلوه في الزبر ﴾ قال: في الكتاب.
وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله تعالى ﴿ وكل صغير وكبير مستطر ﴾ قال: مسطور في الكتاب.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ﴿ وكل صغير وكبير مستطر ﴾ قال: محفوظ مكتوب.
وأخرج ابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿ وكل صغير وكبير مستطر ﴾ قال: مكتوب.
وأخرج ابن جرير عن عكرمة ﴿ مستطر ﴾ مكتوب في سطر.
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد ﴿ ولقد أهلكنا أشياعكم ﴾ قال: أشياعهم من أهل الكفر من الأمم السالفة ﴿ فهل من مدكر ﴾ يقول: هل من أحد يتذكر؟.
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: ما طنَّ ذباب إلا بقدر، ثم قرأ ﴿ وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر ﴾ .
وأخرج ابن مردويه عن عبد الله بن عمر قال: المكذبون بالقدر مجرمو هذه الأمة، وفيهم أنزلت هذه الآية ﴿ إن المجرمين في ضلال وسعر ﴾ إلى قوله: ﴿ إنا كل شيء خلقناه بقدر ﴾ .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ إنا كل شيء خلقناه بقدر ﴾ قال: يقول خلق كل شيء فقدره، فقدر الدرع للمرأة، والقميص للرجل، والقتب للبعير، والسرج للفرس، ونحو هذا.
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: جاء العاقب والسيد وكانا رأسي النصارى بنجران فتكلما بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم بكلام شديد في القدر، والنبي صلى الله عليه وسلم ساكت ما يجيبهما بشيء حتى انصرفا، فأنزل الله: ﴿ أكفاركم خير من أولئكم ﴾ الذين كفروا وكذبوا بالله قبلكم ﴿ أم لكم براءة في الزبر ﴾ في الكتاب الأول إلى قوله: ﴿ ولقد أهلكنا أشياعكم ﴾ الذين كفروا وكذبوا بالقدر قبلكم ﴿ وكل شيء فعلوه في الزبر ﴾ في أم الكتاب ﴿ وكل صغير وكبير مستطر ﴾ يعني مكتوب إلى آخر السورة.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن محمد بن كعب قال: كنت أقرأ هذه الآية فما أدري من عني بها حتى سقطت عليها ﴿ إن المجرمين في ضلال وسعر ﴾ إلى قوله: ﴿ كلمح بالبصر ﴾ فإذا هم المكذبون بالقدر.
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد قال: نزلت هذه الآية في أهل التكذيب إلى آخر الآية، قال مجاهد: قلت لابن عباس: ما تقول فيمن يكذب بالقدر؟
قال: اجمع بيني وبينه، قلت: ما تصنع به؟
قال: أخنقه حتى أقتله.
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صنفان من أمتي ليس لهما في الإِسلام نصيب المرجئة والقدرية، أنزلت فيهم آية من كتاب الله ﴿ إن المجرمين في ضلال وسعر ﴾ إلى آخر الآية» .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: إني لأجد في كتاب الله قوماً يسحبون في النار على وجوههم يقال لهم ﴿ ذوقوا مسَّ سقر ﴾ لأنهم كانوا يكذبون بالقدر وإني لا أراهم فلا أدري أشيء كان قبلنا أم شيء فيما بقي.
وأخرج ابن جرير عن محمد بن كعب القرظي قال: ما نزلت هذه الآية إلا تعييراً لأهل القدر ﴿ ذوقوا مسَّ سقر إنا كل شيء خلقناه بقدر ﴾ .
وأخرج أحمد عن حذيفة بن اليمان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن لكل أمة مجوساً وإن مجوس هذه الأمة الذين يقولون لا قدر، فمن مرض فلا تعودوه وإن مات فلا تشهدوه، وهم من شيعة الدجال حق على الله أن يلحقهم به» .
وأخرج ابن مردويه عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: سمعت بأذني هاتين رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن أول ما خلق الله القلم قيل: اكتب لا بد قال: وما لا بد قال: القدر، قال: وما القدر؟
قال: تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك إن مت على غير ذلك دخلت النار» .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا كان يوم القيامة أمر الله منادياً ينادي أين خصماء الله؟
فيقومون مسودة وجوههم مزرقة عيونهم مائلاً شفاههم يسيل لعابهم، يقذرهم من رآهم، فيقولون: والله يا ربنا ما عبدنا من دونك شمساً ولا قمراً ولا حجراً ولا وثناً» قال ابن عباس رضي الله عنهما: لقد أتاهم الشرك من حيث لا يعلمون، ثم تلا ابن عباس ﴿ يوم يبعثهم الله جميعاً فيحلفون له كما يحلفون لكم ويحسبون أنهم على شيء ألا إنهم هم الكاذبون ﴾ [ المجادلة: 18] ، هم والله القدريون ثلاث مرات.
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد رضي الله عنه قال: ذكر لابن عباس أن قوماً يقولون في القدر فقال ابن عباس رضي الله عنهما: إنهم يكذبون بكتاب الله فلآخذن بشعر أحدهم فَلأَنصينَّهُ، ان الله كان على عرشه قبل أن يخلق شيئاً، وأول شيء خلق القلم، وأمره أن يكتب ما هو كائن، فإنما يجري الناس على أمر قد فرغ منه.
وأخرج عبد بن حميد عن أبي يحيى الأعرج قال: سمعت ابن عباس رضي الله عنهما وذكر القدرية، فقال: لو أدركت بعضهم لفعلت به كذا وكذا ثم قال: الزنا بقدر، والسرقة بقدر، وشرب الخمر بقدر.
وأخرج ابن جرير عن أبي عبد الرحمن السلمي رضي الله عنه قال: لما نزلت هذه الآية ﴿ إنا كل شيء خلقناه بقدر ﴾ قال رجل: يا رسول الله ففيم العمل؟
أفي شيء نستأنفه أم في شيء قد فرغ منه؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اعملوا فكل ميسر سنيسره لليسرى وسنيسره للعسرى» .
<div class="verse-tafsir"
ثم أخبر عنهم فقال: ﴿ إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ ﴾ فقال عطاء، عن ابن عباس: يريد بالضلال الخسران، والسُّعُر الجنون (١) وقال الكلبي: وهو قول المفسرين: في كفرٍ بعبادتهم الأصنام وعناء من العذاب (٢) والمعنى على هذا: في ضلال في الدنيا وسعر في الآخرة.
وإن حملت السعر على الجنون جاز أن يكونوا في الضلال والسعر في الدنيا، والكلام في السعر قد مر في هذه السورة.
قال أهل المعاني: (في ضلال) أي ذهاب عن طريق الجنة في الآخرة، وفي نار مسعرة.
(١) تقدم معنى السعر عند قوله تعالى ﴿ لَفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ ﴾ ولم أجد هذه الرواية عن ابن عباس، وفي "تنوير الممقباس" 5/ 311 عنه: في خطأ بين في الدنيا وتعب وعناء في النار.
(٢) انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 261، و"الكشف والبيان" 12/ 29 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 264، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 147.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إِنَّ المجرمين فِي ضَلاَلٍ وَسُعُرٍ ﴾ المراد بالمجرمين هنا الكفار وضلالهم في الدنيا، والسعر لهم في الآخرة وهو الاحتراق، وقيل: أراد بالمجرمين القدرية لقوله في الرد عليهم: ﴿ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ﴾ والأول أظهر ﴿ يُسْحَبُونَ فِي النار ﴾ أي يجرون فيها ﴿ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ﴾ المعنى أن الله خلق كل شيء بقدر، أي بقضاء معلوم سابق في الأزل، ويحتمل أن يكون معنى ﴿ بِقَدَرٍ ﴾ بمقدار في هيئته وصفته وغير ذلك، والأول أرجح وفيه حجة لأهل السنة على القدرية.
وانتصب كل شيء بفعل مضمر يفسره خلقناه.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ مستقر ﴾ بالجر: يزيد ﴿ الداعي ﴾ ﴿ إلى الداعي ﴾ بالياء في الحالين: سهل ويعقوب وابن كثير غير ابن فليح وزمعة وافق أبو عمرو وأبو جعفر ونافع غير قالون في الوصل فيهما بالياء ﴿ يدع الداع ﴾ بغير ياء في الحالين ﴿ إلى الداع ﴾ في الوصل: قالون.
الباقون: بغير ياء في الحالين ﴿ شيء نكر ﴾ بسكون الكاف: ابن كثير ﴿ خاشعاً ﴾ بالألف: أبو عمرو وسهل ويعقوب وحمزة وعلي وخلف.
الآخرون ﴿ خشعاً ﴾ كركع.
﴿ ففتحنا ﴾ بالتشديد: ابن عامر ويزيد وسهل ويعقوب ﴿ وفجرنا ﴾ بالتخفيف: أبو زيد عن المفضل و ﴿ ونذري ﴾ وما بعده بالياء في الحالين: يعقوب وافق ورش وسهل وعباس في الوصل.
﴿ أو لقي ﴾ مثل أو "نبئكم" ﴿ ستعلمون ﴾ على الخطاب: ابن عامر وحمزة ﴿ سنهزم ﴾ بالنون الجمع بالنصب: روح وزيد عن يعقوب.
الوقوف ﴿ القمر ﴾ ه ﴿ مستمر ﴾ ه ﴿ مستقر ﴾ ه ﴿ مزدجر ﴾ ه لا بناء على أن قوله ﴿ حكمه ﴾ بدل من "ما" أو من ﴿ مزدجر ﴾ ﴿ النذر ﴾ ه لا للعطف مع اتصاله المعنى ﴿ عنهم ﴾ م لأنه لو وصل لأوهم أن الظرف متصل به وليس كذلك بل هو ظرف ﴿ يخرجون ﴾ ﴿ نكر ﴾ ه لا لاتصال الحال بالظرف من قبل اتحاد عاملها ﴿ منتشر ﴾ ه لا لأن ﴿ مهطعين ﴾ حال بعد حال ﴿ الداع ﴾ ط ﴿ عسر ﴾ ه ﴿ وازدجر ﴾ ه ﴿ فانتصر ﴾ ه ﴿ منهمر ﴾ ه ز للعطف مع اتحاد مقصود الكلام ﴿ قدر ﴾ ه ج للعارض من الجملتين المتفقتين وللآية مع احتمال الحال أي وقد حملناه ﴿ ودسر ﴾ ه لا لأن ﴿ تجري ﴾ صفة لها ﴿ بأعيننا ﴾ ج لأن جزاء مفعول له أو مصدر لفعل محذوف ﴿ كفر ﴾ ه ﴿ مدكر ﴾ ه ﴿ ونذر ﴾ ه ﴿ مدكر ﴾ ه ﴿ ونذر ﴾ ه ﴿ مستمر ﴾ ه لا لأن ما بعده صفة الناس لا لأن ﴿ كأنهم ﴾ حال ﴿ منقعر ﴾ ه ﴿ ونذر ﴾ ه ﴿ مدكر ﴾ ه ﴿ بالنذر ﴾ ه ﴿ نتبعه ﴾ لا لتعلق "إذا" بها ﴿ وسعر ﴾ ه ﴿ أشر ﴾ ه ﴿ الأشر ﴾ ه ﴿ واصطبر ﴾ ه لا للعطف ﴿ بينهم ﴾ ج لأن كل مبتدأ مع أن الجملة من بيان ما تقدم ﴿ محتضر ﴾ ه ﴿ فعقر ﴾ ه ﴿ ونذر ﴾ ه ﴿ المحتظر ﴾ ه ﴿ مدكر ﴾ ه ﴿ بالنذر ﴾ ه ﴿ لوط ﴾ ط لأن الجملة لا تصلح صفة للمعرفة ﴿ بسحر ﴾ ه لا ﴿ عندنا ﴾ ط ﴿ شكر ﴾ ه ﴿ بالنذر ﴾ ه ﴿ ونذر ﴾ ه ﴿ مستقر ﴾ ه ج للفاء أي فقيل لهم ذقوا ﴿ ونذر ﴾ ه ﴿ مدكر ﴾ ه ﴿ النذر ﴾ ه ج لاتصال المعنى بلا عطف ﴿ مقتدر ﴾ ه ﴿ في الزبر ﴾ ه ج لأن ما بعده يصلح استفهام إنكار مستأنف ويصلح بدلاً عن "أم" قبلة ﴿ منتصر ﴾ ه ﴿ الدبر ﴾ ه ﴿ وأمر ﴾ ه ﴿ وسعر ﴾ ط بناء على أن ﴿ يوم ﴾ ليس ظرفاً لضلال وإنما هو ظرف لمحذوف أي يقال لهم ذقوا ﴿ وجوهم ﴾ ط ﴿ سقر ﴾ ه ﴿ بقدر ﴾ ه ﴿ بالبصر ﴾ ج ﴿ مدكر ﴾ ه ﴿ الزبر ﴾ ه ﴿ مستطر ﴾ ه ﴿ ونهر ﴾ ه لا لأن ما بعده بدل ﴿ مقتدر ﴾ ه.
التفسير: أول هذه السورة مناسب لآخر السورة المتقدمة ﴿ أزفت الآزفة ﴾ إلا أنه ذكر ههنا دليلاً على الاقتراب وهو قوله ﴿ وانشق القمر ﴾ في الصحيحين عن أنس أن الكفار سألوا رسول الله آية فانشق القمر مرتين.
وعن ابن عباس: انفاق فلقتين فلقة ذهبت وفلقة بقيت.
وقال ابن مسعود: رأيت حراء بين فلقتي القمر.
وعن حذيفة أنه خطب بالمدائن ثم قال: ألا إن الساعة قد اقتربت وإن القمر قد انشق على عهد نبيكم هذا قول أكثر الفسرين.
وعن بعضهم أن المراد سينشق القمر وصيغة الماضي على عادة إخبار الله، وذلك أن انشقاق القمر أمر عظيم الوقع في النفوس فكان ينبغي أن يبلغ وقوعه حد التواتر وليس كذلك.
وأجيب بأن الناقلين لعلهم اكتفوا بإعجاز القرآن عن تشهير سائر المعجزات بحيث يبلغ التواتر.
وأيضاً إنه جعل انشاق القمر آية من الآيات لرسوله ولو كانت مجرد علامة القيامة لم يكن معجزة له كما لم يكن خروج دابة الأرض وطلوع الشمس من المغرب وغيرهما معجزات له، نعم كلها مشتركة في نوع آخر من الإعجاز وهو الإخبار عن الغيوب.
وزعم بعض أهل التنجيم أن ذلك كان حالة شبه الخسوف ذهب بعض جرم القمر عن البصر وظهر في الجو شيء مثل نصف جرم القمر نحن نقول: إخبار الصادق بأن يتمسك به أولى من قول الفلسفي.
هذا مع أن استدلالهم على امتناع الخرق في السماويات لا يتم كما بينا في الحكمة.
وكيف يدل انشقاق القمر على اقتراب الساعة نقول: من جهة إن ذلك يدل على جواز انخراق السماويات وخرابها خلاف ما زعمه منكرو الحشر من الفلاسفة وغيرهم.
ومن ههنا ظن بعضهم وإليه ميل الإمام فخر الدين الرازي أن المراد باقتراب الساعة ليس هو القرب الزماني وإنما المراد قربها في العقول في الأذهان كأنه لم يبق بعد ظهور هذه الآية للمكر مجال.
واستعمال لفظ الاقتراب ههنا مع أنه مقطوع به كاستعمال "لعل" في قوله ﴿ لعل الساعة تكون قريباً ﴾ والأمر عند الله معلوم.
قال: وإنما ذهبنا إلى هذا التأويل لئلا يبقى للكافر مجال الجدال فإنه قد مضى قرب سبعمائة سنة ولم تقم الساعة ولا يصح إطلاق لفظ القرب على مثل هذا الزمان.
والجواب أن كل ما هو آتٍ قريب وزمان العالم زمان مديد والباقي بالنسبة على الماضي شيء يسير قال أهل اللغة: في "افتعل" مزيد تشجم ومبالغة فمعنى اقترب دنا دنواً قريباً، وكذلك اقتدر أبلغ من قدر.
ثم بين أن ظهور آيات الله لا يؤثر فيهم بل يزيد في عنادهم وتمردهم حتى سموها سحراً مستمراً أي دائماً مطرداً كأنهم قابلوا ترادف الآيات وتتابع المعجزات باستمرار السحر، وكان رسول الله يأتي كل أوان بمعجزة قولية أو فعلية سماوية أو أرضية.
وقيل: هو من قولهم "حبل مرير الفتل" من المرة وهي الشدة أي سحر قوي محكم.
وقيل: من المرارة يقال: استمر الشيء إذا اشتد مراراته أي سحر مستبشع مر في مذاقنا.
وقيل: مستمر أي مار ذاهب زائل عما قريب.
عللوا أنفسهم بالأماني الفارغة فخيب الله آمالهم بإعلاء الدين وتكامل قوته كل يوم.
والظاهر أن قوله ﴿ وأن يروا ﴾ إلى آخر الآية.
جملة معترضة بياناً لما اعتادوه عند رؤية الآيات.
وقوله ﴿ وكذبوا ﴾ عطف على قوله ﴿ اقترب ﴾ كأنهم قابلوا الاقتراب والانشقاق بالتكذيب واتباع الأهواء.
والمعنى وكذبوا بالأخبار عن اقتراب الساعة ﴿ واتبعوا أهواءهم ﴾ في أن محمد ساحر أو كاهن أو كذبوا بانشقاق القمر واتبعوا آراءهم الفاسدة في أنه خسوف عرض للقمر وكذلك كل آية ﴿ وكل أمر مستقر ﴾ صائر إلى غاية وأن أمر محمد سيصير إلى حد يعرف منه حقيقته وكذلك أمرهم مستقر على حالة البطلان والخذلان.
ومن قرأ بالجر فلعطف ﴿ كل ﴾ على الساعة أي اقتربت الساعة واقترب كل أمر مستقر وبين حاله.
ثم أشار بقوله ﴿ ولقد جاءهم ﴾ إلى أن كل ما هو لطف بالعباد قد وجد فأخبرهم الرسول باقتراب القيامة وأقام الدليل على صدقه ووعظهم بأحوال القرون الخالية وأهوال الدار الآخرة.
وفي كل ذلك ﴿ مزدجر ﴾ لهم أي ازدجار أو موضع ازدجار ومظنة ادكار وهو افتعال من الزجر قلبت التاء دالاً.
وقوله ﴿ حكمة ﴾ يحتمل أن يكون خبر مبتدأ محذوف أي هذا الترتيب في إرسال الرسول وإيضاح الدليل والإنذار بمن مضى من القرون حكمة بالغة كاملة قد بلغت منتهى البيان ﴿ فما تغنى ﴾ نفي أو استفهام إنكار معناه أنك أتيت بما عليك من دعوى النبوة مقرونة بالآية الباهرة وأنذرتهم بأحوال الأقدمين فلم يفدهم فأي غناء تغنى النذر أي الإنذارات بعد هذا ﴿ فتول عنهم ﴾ لعلمك أن الإنذار لا يفيد فيهم ولا يظهر الحق لهم إلى يوم البعص والنشور.
والداعي إسرافيل أو جبريل ينادي إلى شيء منكر فظيع تنكره النفوس لأنها لم تعهد بمثله وهو هول يوم القيامة.
وتخصيص المدعوين بالكافرين من حيث إنهم هم الذين يكرهون ذلك اليوم من ضيق العطن قوله ﴿ خاشعاً ﴾ حال من الخارجين والفعل للأبصار.
وليس قراءة من قرأ ﴿ خشعاً ﴾ على الجمع من باب " أكلوني البراغيث" كما ظن في الكشاف، ولكنه أحسن من ذلك ولهذا تواترت قراءته لعدم مشابهة الفعل صورة.
تقول في السعة "قام رجل قعود غلمانه" وضعف "قاعدون" وضعف منه "يقعدون" لأن زيادة الحرف ليست في قوة زيادة الاسم.
وجوز أن يكون في ﴿ خشعاً ﴾ ضميرهم ويقع أبصارهم بدلاً عنه.
وخشوع الأبصار سكونها على هيئة لا تلتفت يمنة ويسرة كقوله ﴿ لا يرتد إليهم طرفهم ﴾ والأجداث القبور شبههم بالجراد المنتشر للكثرة والتموج والذهاب في كل مكان.
وقيل: المنتشر مطاوع أنشره إذا أحياه فكأنهم جراد يتحرك من الأرض وبدب فيكون إشارة إلى كيفية خروجهم من الأجداث وضعف حالهم.
ومعنى مهطعين مسرعين وقد مر في إبراهيم .
ثم إنه أعاد بعض الأنباء وقدم قصة نوح على عاد وفائدة، قوله ﴿ فكذبوا عبدنا ﴾ بعد قوله ﴿ كذبت قبلهم قوم نوح ﴾ هي فائدة التخصيص بعد التعميم أي كذبت الرسل أجمعين فلذلك كذبوا نوحاً.
ويجوز أن يكون المراد التكرير أي تكذيباً عقيب تكذيب، كلما مضى منهم قرن تبعه قرن آخر مكذب.
وقوله ﴿ عبدنا ﴾ تشريف وتنبيه على أنه هو الذي حقق المقصود من الخلق وقتئذ ولم يكن على وجه الأرض حينئذ عابد لله سواه فكذبوه ﴿ وقالوا ﴾ هو ﴿ مجنون ﴾ وازدجروه أي استقبلوه بالضرب والشتم وغير ذلك من الزواجر عن تبليغ ام أمر به.
وجوز أن يكون من جملة قولهم أي قالوا ازدجرته الجن ومسته وذهبت بلبه ﴿ فدعى ربه أني مغلوب ﴾ غلبني قومي بالإيذاء والتكذيب.
وقيل: غلبتني نفسي بالدعاء عليهم حين أيست من إجابتهم لي ﴿ فانتصر ﴾ منهم فانتقم منهم لي أو لدينك روي أن الواحد من قومه كان يلقاه فيخنقه حتى يخر مغشياً عليه فيفيق وهو يقول: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون.
وأبواب السماء وفتحها حقيقة عند من يجوز لها أبواباً وفيها مياهاً.
وعند أهل البحث والتدقيق هو مجاز عن كثرة انصباب الماء من ذلك الصوب كما يقال في المطر الوابل "جرت ميازيب السماء وفتحت أفواه القرب" والباء للآية نحو: فتحت الباب بالمفتاح.
ونظيره قول القائل "يفتح الله لك بخير".
وفيه لطيفة هي جعل المقصود مقدماً في الوجود والتقدير يفيض الله لك خيراً يأتي ويفتح لك الباب.
ويجوز أن يراد فتحنا أبواب السماء مقرونة ﴿ بماء منهمر ﴾ منصب في كثرة وتتابع أربعين يوماً.
قال علماء البيان: قوله ﴿ فجرنا الأرض عيوناً ﴾ أبلغ من أن لو قال "وفجرنا عيون الأرض" أي جعلنا الأرض كلها كأنها عيون منفجرة نظيره ﴿ واشتعل الرأس شيباً ﴾ وقد مر ﴿ فالتقى الماء ﴾ أي جنسه يعني مياه السماء والأرض يؤيده قراءة من قرأ ﴿ فالتقى الماآن ﴾ ﴿ على أمر قد قدر ﴾ أي على حال قدرها الله عز وجل كيف شاء، أو على حال جاءت مقدرة متساوية أي قدر ماء السماء كقدر ماء الأرض، ولعله إشارة إلى أن ماء الأرض ينبع من العيون حتى إذا ارتفع وعلا لقيه ماء السماء.
ويحتمل أن يقال: اجتمع الماء على أمر هلاكهم وهو مقدر في اللوح ﴿ وذات ألواح ودسر ﴾ هي السفينة وهي من الصفات التي تؤدي مؤدى الموصوف فتنوب منابه.
وهذا الإيجاز من فصيح الكلام وبديعه.
والدسر المسامير جمع دسار من دسره إذا دفعه لأنه يدسر به منفذه.
فعلنا كل ما ذكرنا من فتح أبواب السماء وغيره ﴿ جزاء ﴾ أو جزيناهم جزاء ﴿ لمن كان كفر ﴾ وهو نوح لأن وجود النبي نعمة من الله وتكذيبه كفرانها.
يحكى أن رجلاً قال للرشيد: الحمد لله عليك.
فسئل عن معناه قال: أنت نعمة حمدت الله عيلها.
والضمير في ﴿ تركناها ﴾ للسفينة أو للفعلة كما مر في "العنكبوت" ﴿ فأنجيناه وأصحاب السفينة وجعلناها آية للعالمين ﴾ والمدكر المعتبر وأصله "مذتكر" افتعال من الذكر والاستفهام فيه وفي قوله ﴿ كيف كان عذابي ونذر ﴾ أي إنذاراتي للتوبيخ والتخويف ﴿ ولقد يسرنا القرآن ﴾ سهلناه للادّكار والاتعاظ بسبب المواعظ الشافية والبيانات الوافية.
وقيل: للحفظ والأول أنسب بالمقام.
وإن روي أنه لم يكن شيء من كتب الله محفوظاً على ظهر القلب سوى القرآن.
سؤال: ما الحكمة في تكرير ما كرر في هذه السورة من الآي؟
والجواب أن فائدته تجديد التنبيه على الادكار والاتعاظ والتوقيف على تعذيب الأمم السالفة ليعتبروا بحالهم، وطالما قرعت العصا لذوي الحلوم وأصحاب النهي وهكذا حكم التكرير في سورة الرحمن عند عد كل نعمة، وفي سورة المرسلات عند عد كل آية لتكون مصورة للأذهان محفوظة في كل أوان.
ونفس هذه القصص كم كررت في القرآن بعبارات مختلفة أوجز وأطنب لأن التكرير يوجب التقرير والتذكير ينبه الغافل على أن كل موضع مختص بمزيد فائدة لمن يعرف من غيره، وإنما كرر قوله ﴿ فكيف كان عذابي ونذر ﴾ مرتين في قصة عاد لأن الاستفهام الأول أورده للبيان كما يقول المعلم لمن لا يعرف كيف المسألة الفلانية ليصير المسؤول سائلاً فيقول: كيف هي؟
فيقول المعلم: إنها كذا وكذا.
والاستفهام الثاني للتوبيخ والتخويف.
فأما في قصة ثمود فاقتصر على الأول للاختصار وفي قصة نوح اقتصر على الثاني لذلك.
ولعله ذكر الاستفهامين معاً في قصة عاد لفرط عتوهم وقولهم ﴿ من أشد منا قوة ﴾ وقد مر في حم السجدة تفسير الصرصر والأيام النحسات.
وإنما وحد ههنا لأنه أراد مبدأ الأيام ووصفه بالمستمر أغنى عن جمعه أي استمر عليهم ودام حتى أهلكهم.
قيل: استمر عليهم جميعاً على كبيرهم وصغيرهم حتى لم يبق منهم نسمة.
وقيل: المستمر الشديد المرارة.
﴿ تنزع الناس ﴾ تقلعهم عن أماكنهم فتكبهم وتدق رقابهم ﴿ كأنهم أعجاز نخل منقعر ﴾ منقلع عن مغارسه.
وفي هذا التشبيه إشارة إلى جثثهم الطوال العظام، ويجوز أن الريح كانت تقطع رؤوسهم فتبقى أجساداً بلا رؤس كأعجاز النخل أصولاً بلا فروع.
قال النحويون: اسم الجنس الذي تميز واحده بالتاء جاز في وصفه التذكير كما في الآية، والتأنيث كما في قوله ﴿ أعجاز نخل خاوية ﴾ هذا مع أن كلاً من السورتين وردت على مقتضى الفواصل.
قوله ﴿ أبشراً ﴾ من باب ما أضمر عامله على شريطة التفسير وإنما أولى حرف الاستفهام ليعلم أن الإنكار لم يقع على مجرد الاتباع ولكنه وقع على اتباع البشر الموصوف وأنه من جهات إحداها كونه بشراً وذلك لزعمهم أن الرسول لا يكون بشراً.
الثاني كونه منهم وفيه بيان قوة المماثلة، وفيه بيان مزيد استكبار أن يكون الواحد منهم مختصاً بالنبوة مع أنهم أعرف بحاله.
الثالثة كونه واحداً، أي كيف تتبع الأمة رجلاً أو أرادوا أنه واحد من الآحاد دون الأشراف.
والسعر النيران جميع سعير للمبالغة، أو لأن جهنم دركات، أو لدوام العذاب كأن يقول: إن لم تتبعوني كنتم في ضلال عن الحق وفي سعر فعكسوا عليه قائلين: إن اتبعانك كنا إذاً كما تقول.
وقيل: الضلال البعد عن الصواب، والسعر الجنون ومنه "ناقة مسعورة" وفي قوله ﴿ أءلقي الذكر عليه من بيننا ﴾ تصريح بما ذكرنا من أن واحداً منهم كيف اختص بالنبوة.
وفي الإلقاء أيضاً تعجب آخر منهم وذلك أن الإلقاء إنزال بسرعة كأنهم قالوا: الملك جسم والسماء بعيدة فكيف نزل في لحظة واحدة؟
أنكروا أصل الإلقاء ثم الإلقاء عليه من بينهم.
والأشر البطر المتكبر أي حمله بطره وشطارته على ادعاء ما ليس له.
ثم قال تهديداً لهم ولأمثالهم ﴿ سيعلمون غداً ﴾ أي فيما يستقبل من الزمان هو وقت نزول العذاب أو يوم القيامة ﴿ من الكذاب الأشر ﴾ بالتشديد أي الأبلغ في الشرارة.
وحكى ابن الأنباري أن العرب تقول: هو أخير وأشر.
وذلك أصل مرفوض.
ومن قرأ ﴿ ستعلمون ﴾ على الخطاب فإما حكاية جواب صالح أو هو على طريقة الالتفات.
ثم إنه خاطب صالحاً بقوله ﴿ إنا مرسلو الناقة ﴾ أي مخرجوها من الصخرة كما سألوا فتنة وامتحاناً لهم.
﴿ فارتقبهم ﴾ وتبصر ما هم فاعلون بها ﴿ واصطبر ﴾ على إيذائهم ﴿ ونبئهم أن الماء قسمة ﴾ أي مقسوم ﴿ بينهم ﴾ خص العقلاء بالذكر تغليباً ﴿ كل شرب محتضر ﴾ فيه يوم لها ويوم لهم كما قال عز من قائل ﴿ لها شرب ولكم شرب يوم معلوم ﴾ وقد مر في "الشعراء" وقال في الكشاف: محضور لهم وللناقة وفيه إبهام.
وقيل: يحضرون الماء في نوبتهم واللبن في شربها ﴿ فنادوا صاحبهم ﴾ وهو قدار نداء المستغيث وكان أشجع وأهجم على الأمور أو كان رئيسهم.
﴿ فتعاطى ﴾ فاجترأ على الأمر العظيم فتناول العقر وأحدثه بها أو تعاطى الناقة أو السيف او الأجر.
والهشيم الشجر اليابس المتهشم أي المتكسر والمحتظر الذي يعمل الحظيرة، ووجه التشبيه أن ما يحتظر به ييبس بطول الزمان وتتوطؤه البهائم فيتكسر وأنهم صاروا موتى جاثمين ملقى بعضهم فوق بعض كالحطب الذي يكسر في الطرق والشوارع.
ويحتمل أن يكون ذلك لبيان كونهم وقوداً للجحيم كقوله ﴿ فكانوا لجهنم حطباً ﴾ والحاصب الريح التي ترميهم بالحجارة وقد مرّ في "العنكبوت".
ولعل التذكير بتأويل العذاب.
والسحر القطعة من الليل وهو السدس الآخر كما مر في "هود" و "والحجر".
وصرف لأنه نكرة وإذا أردت سحر يومك لم تصرفه.
والظاهر أن الاستثناء من الضمير في ﴿ عليهم ﴾ لأنه أقرب ولأنه المقصود.
وجوز أن يكون استثناء من فاعل كذبت وهو بعيد ﴿ نعمة ﴾ مفعول له أي إنعاماً.
وقوله ﴿ كذلك نجزي من شكر ﴾ أكثر المفسرين على أنه إشارة إلى أنه يصون من عذاب الدنيا كل من شكر نعمة الله بالطاعة والإيمان.
وقيل: إنه وعد بثواب الآخرة أي كما نجيناهم من عذاب الدنيا ننعم عليهم يوم الحساب بالثواب.
وحين أجمل قصتهم فصلها بعض التفصيل قائلاً ﴿ ولقد أنذرهم ﴾ أي لوط ﴿ بطشتنا ﴾ شدة أخذنا بالعذاب ﴿ فتماروا بالنذر ﴾ فتشاكوا بالإنذارات ﴿ ولقد راودوه عن ضيفه ﴾ معناها قريب من المطالبة كما مر في "يوسف".
والضمير للقوم باعتبار البعض لأن بعضهم راودوه وكان غيرهم راضين بذلك فكانوا جميعاً على مذهب واحد.
﴿ فطمسنا أعينهم ﴾ مسخناها وجعلناها مع الوجه صفحة ملساء لا يرى لها شق.
وإنما قال في "يس" ﴿ ولو نشاء لطمسنا على أعينهم ﴾ بزيادة حرف الجر لأنه أراد به إطباق الجفنين على العين وهو أمر كثير الوقوع قريب الإمكان بخلاف ما وقع للمراودين من قوم لوط فإنه أنذر وأبعد والكل بالإضافة إلى قدرة الله واحد، إلا أنه حين علق الطمس بالمشيئة ذكر ما هو أقرب إلى الوقوع كيلا يكون للمنكر مجال كثير.
ونقل عن ابن عباس أن المراد بالطمس المنع عن الإدراك فما جعل على بصرهم شيئاً غير أنهم دخلوا ولم يروا هناك شيئاً.
ولعل في هذا النقل خللاً لأنه لا يناسب قوله عقيب ذكر الطمس ﴿ فذوقوا عذابي ونذر ﴾ أي فقلت لهم على ألسنة الملائكة ذوقوا ألم عذابي وتبعة إنذاراتي.
ثم حكى العذاب الذي عم الكل بقوله ﴿ ولقد صبحهم ﴾ ولقائل أن يسأل: مع الفائدة في قوله ﴿ بكرة ﴾ مع قوله ﴿ صبحهم ﴾ والجواب أن ﴿ صبحهم ﴾ يشمل من أول الصبح إلى آخر الإسفار وأنه وعدهم أول الصبح كما قال ﴿ إن موعدهم الصبح ﴾ فأراد بقوله ﴿ بكرة ﴾ تحقيق ذلك الوعد.
ويمكن أن يقال: قد يذكر الوقت المبهم لبيان أن تعيين الوقت غير مقصود كما تقول: خرجنا في بعض الأوقات ولا فائدة فيه إلا قطع المسافة.
فإنه ربما يقول السامع متى خرجتم فيحتاج إلى أن تقول في وقت كذا أو في وقت من الأوقات.
فإذا قال من أول الأمر في وقت من الأوقات أشار إلى أن غرضه بيان الخروج لا تعيين وقته وبمثله أجيب عن قوله { ﴿ سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً ﴾ ويحتمل أن يقال: ﴿ صبحهم ﴾ معناه قال لهم بكرة عموا صباحاً وهو بطريق التهكم كقوله ﴿ فبشرهم بعذاب ﴾ ويجوز أن يكون التصبيح بمعنى الإغاثة من قولهم "يا صباحاه" والعذاب المستقر الثابت الذي لا مدفع له أو الذي استقر عليهم ودام إلى الاستئصال الكلي أو إلى القيامة وما بعدها.
قوله ﴿ ولقد جاء آل فرعون النذر ﴾ يعني موسى وهارون وغيرهما وأنهما عرضا عليه ما أنذر به المرسلون وهو بمعنى الإنذارات ﴿ بآياتنا كلها ﴾ هي الآيات التسع أو جميع معجزات الأنبياء عليهم السلام لأن تكذيب البعض تكذيب الكل العزيز المقتدر الغالب الذي لا يعجزه شيء.
ثم خاطب كفار أهل مكة بقوله ﴿ أكفاركم خير من أولئكم ﴾ المكذبين وهو استفهام إنكار لأن الأقدمين كانوا أكثر عدداً وقوة وبطشاً ﴿ أم لكم براءة في الزبر ﴾ الكتب المتقدمة أن من كفر منكم كان آمناً من سخط الله فأمنتم بتلك البراة كما أن البيداء وهو من في يده قانون أصل الخراج إذا استوفى الخراج من أهله كتب لهم البراءة ﴿ أم يقولون نحن جميع ﴾ جمع مجتمع أمرنا ﴿ منتصر ﴾ منتقم عن أبي جهل أنه ضرب فرسه يوم بدر فتقدم في الصف فقال: نحن ننصر اليوم من محمد وأصحابه فنزلت ﴿ سيهزم الجمع ويولون الدبر ﴾ أي الأدبار.
عن عكرمة: لما نزلت هذه الآية قال عمر: أي جمع يهزم؟
فلما رأى رسول الله يثبت في الدرع ويقول ﴿ سيهزم الجمع ﴾ عرف تأويلها ﴿ بل الساعة موعدهم والساعة أدهى ﴾ من أنواع عذاب الدنيا أو أدهى الدواهي.
والداهية اسم فاعل من دهاه أمر كذا إذا أصابه ويختص بأمر صعب كالحادثة والنازلة.
﴿ وأمر ﴾ من المرارة.
وقيل: من المرور أي أدوم وأكثر مروراً.
وقيل: من المرة الشدة.
قوله ﴿ إن المجرمين ﴾ الآية.
روى الواحدي في تفسيره بإسناده عن أبي هريرة قال: جاء مشركو قريش يخاصمون رسول الله في القدر فأنزل الله هذه الآية إلى قوله ﴿ خلقناه بقدر ﴾ وعن عائشة أن النبي صلى الله عيله وسلم قال "مجوس هذه الأمة القدرية" وهو المجرمون الذين سماهم الله في قوله ﴿ إن المجرمين في ضلال ﴾ عن الحق في الدنيا ﴿ وسعر ﴾ وهو نيران في الآخرة أو في ضلال وجنون في الدنيا لا يهتدون ولا يعقلون.
أو في ضلال وسعر في الآخرة، لأنهم لا يجدون إلى مقصودهم وإلى الجنة سبيلاً.
والنيران ظاهر أنها في الآخرة، وسقر علم لجهنم من سقرته النار وصقرته إذا لوحته،والمشهور بناء على الحديث المذكور أن قوله ﴿ إنا كل شيء ﴾ متعلق بما قبله كأنه قال: إن مس النار جزاء من أنكر هذا المعنى وهو منصوب بفعل مضمر يفسره الظاهر.
قال النحويون: النصب في مثل هذا الصور لازم لئلا يلتبس المفسر بالصفة، وذلك أن النصب نص في المعنى المقصود وأما الرفع فيحتمل معنيين: أحدهما كل شيء فإنه مخلوق بقدر هو يؤدي مؤدى النصب، والآخر كل شيء مخلوق لنا فإنه بقدر وهذا غير مقصود بل فاسد إذ يفهم منه أن شيئاً من الأشياء غير مخلوق لله ليس بقدر والقدر التقدير أي كل شيء خلقناه مرتباً على وفق الحكمة أو مقدراً مكتوباً في اللوح ثابتاً في سابق العلم الأزلي.
واعلم أنه قد مر في هذا الكتاب أن الجبري يقول القدرية التي ذمها النبي هو المعتزلي الذي ينفي كون الطاعة والمعصية بتقدير الله.
والمعتزلة تقول: الجبري الذي يدعي أن الزنا والسرقة وغيرهما من القبائح كلها بتقدير الله .
وكذا حال السني لأنه وإن كان يثبت للعبد كسباً إلا أنه يسند الخير والشر إلى القضاء والقدر وقال بعض العلماء: إن كل واحد من الفريقين لا يدخل في اسم القدرية إلا إذا كان النافي نافياً لقدرة الله لا أن يقول: هو قادر على أن يلجىء العبد إلى الطاعة ولكن حكمته اقتضت بناء التكليف على الاختيار وإلا كان المثبت منكراً للتكليف وهم أهل الإباحة القائلين بأن الكل إذا كان بتقدير الله فلا فائدة في التكليف.
ولعل وجه تشبيههم بالمجوس أنهم في أمة محمد كالمجوس يام بين الكفار المتقدمين فكما أن المجوس نوع من الكفرة أضعف شبهة وأشد مخالفة للعقل فكذلك القدرية في هذه الأمة وبهذا التأويل لا يلزم الجزم بأنهم من أهل النار، وأيضاً لعل اسم القدرية لأهل الإثبات أولى منه لأهل النفي كما تقول: دهري لأنه يقول بالدهر والثنوية لإثباتهم إليهن اثنين أو نوراً وظلمة.
وقال بعضهم: هذا الاسم بأهل النفي أولى لأن الآية نزلت في منكري القدرة وهم المشركون القائلون بأن الحوادث كلها مستندة إلى اتصالات الكواكب وانصرافاتها فلا قدرة لله على شيء من ذلك.
قوله ﴿ وما أمرنا إلا واحدة ﴾ أي إلا كلمة واحدة وهي "كن" تأكيد إثبات القدرة له وقد مر مثله في "النحل".
وقوله ﴿ كلمح بالبصر ﴾ تأكيد على تأكيد وهذا تمثيل وإلا فتكوينه وإيجاده عين مشيئته وأرادته.
ومعنى الخلق والأمر أيضاً تقدم مشتبعاً في "الأعراف" ثم هددهم مرة أخرى بقوله ﴿ ولقد أهلكنا أشياعكم ﴾ أي أشباهكم في الكفر من الأمم.
ثم ذكر نوعاً آخر من التهديد مع بيان كمال القدرة والعلم فقال ﴿ وكل شيء فعلوه في الزبر ﴾ أي في صحف الحفظة.
قال النحويون: هذا مما التزم فيه الرفع لأن النصب يكون نصاً في معنى غير مقصود بل فاسد إذ يلزم منه أن يكون ﴿ كل شيء ﴾ مفعولاً ﴿ في الزبر ﴾ وهذا معنى غير مستقيم كما ترى.
وأما الرفع فيحتمل معنيين.
أحدهما صحيح مقصود وهو أن يقدر قوله ﴿ فعلوهن ﴾ صفة لـ ﴿ شيء ﴾ والظرف خبر أي كل شيء مفعول للناس فإنه في الزبر.
والآخر أن تقدر الجملة خبر أو يبقى الظرف لغواً فيؤدي الكلام حينئذ مؤدي النصب، ولا ريب أن الوجه الذي يصح المعنى فيه على أحد الاحتمالين أولى من الذي يكون نصاً في المعنى الفاسد.
ثم أكدالمعنى المذكور بقوله ﴿ وكل صغير وكبير ﴾ من الأعمال بل مما وجد ويوجد ﴿ مستطر ﴾ أي مسطور في اللوح.
ثم ختم السورة بوعد المتقين.
والنهر جنس أريد به الأنهار اكتفى به للفاصلة.
ولما سلف مثله مراراً كقوله ﴿ إن المتقين في جنات وعيون ﴾ وقيل: معناه السعة والضياء من النهار ﴿ في مقعد صدق ﴾ وفي مكان مرضيّ من الجنة مقربين ﴿ عند مليك مقتدر ﴾ لا يكتنه كنه عظمته واقتداره نظيره قول القائل "فلان في بلدة كذا في دار كذا مقرب عند الملك".
ويحتمل أن يكون الظرف صفة ﴿ مقعد صدق ﴾ كما يقال "قليل عند أمين خير من كثير عند خائن".
قال أهل اللغة: القعود يدل على المكث بخلاف الجلوس ولهذا يقال للمؤمن "مقعد دون مجلس" ومنه قواعد البيت، وكذا في سائر تقاليبه من نحو وقع أي لزق بالأرض وعقد.
والإضافة في ﴿ مقعد صدق ﴾ كهي في قولك "رجل صدق" أي رجل صادق في الرجولية كامل فيها.
ويجوز أن يكون سبب الإضافة أن الصادق قد أخبرعنه وهو الله ورسوله، أو الصادق اعتقد فه وهو المكلف، أو يراد مقعد لا يوجد فيه كذب فإن من وصل إلى الله استحال عليه إلا الصدق وهو تبارك وتعالى أعلم وأجل وأكرم.
قوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ جَآءَ آلَ فِرْعَوْنَ ٱلنُّذُرُ ﴾ يحتمل ما قال من النذر: إنه جاء آل فرعون: موسى وهارون عليهما السلام، سماهما باسم الجمع، وهو النذر.
ويحتمل أن يكون المراد من النذر التي جاءتهم هي ما نزل من أنواع العذاب؛ فيكون المراد بالنذر: ما وقعت به النذارة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ كَذَّبُواْ بِئَايَاتِنَا كُلِّهَا ﴾ يحتمل أنهم كذبوا جميع الآيات التي جاءهم بها موسى - - من آيات الألوهية والوحدانية، وآيات الرسالة.
وجائز أن تكون هي جميع ما يدل على وحدانية الرب وألوهيته من الخلائق؛ لأن ذلك اللعين قد ادعى الألوهية لنفسه، وجميع ما في العالم يدل على ألوهية الله ، فهو حيث ادعاها لنفسه وصدقه قومه كذبوا بذلك جميع الآيات التي تشهد على ألوهية الله ووحدانيته.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عِزِيزٍ مُّقْتَدِرٍ ﴾ أي: آَخْذَ عَزِيزٍ ذليلا، وأخذ غالب مغلوبا، وأخذ قادر عاجزا، وأخْْذ قاهرٍ مقهورا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَكُفَّٰرُكُمْ خَيْرٌ مِّنْ أُوْلَٰئِكُمْ ﴾ يقول الله والله أعلم: أكفاركم يا أهل مكة أقوى في دفع العذاب عن أنفسهم والانتصار منه إذا نزل بهم العذاب من أولئك الذين كانوا من قبلكم، أي: ليس كفاركم أقدر منهم، بل أولئك أكثر، ثم لم يقدروا [على] القيام بدفع العذاب عن أنفسهم، ولا الانتصار منه إذا نزل بنهم، فأنتم يا أهل مكة أضعف وأقل عددا أحق ألا تقدروا على دفع العذاب عنكم إذا نزل بكم.
أو يقول: ليس لكم براءة في الكتب أنكم تقدرون على القيام في دفع العذاب عن أنفسكم إذا نزل بكم.
أو يقول: ليس لكم براءة في الكتب: أن العذاب لن يصيبكم إذ نزل.
وقوله : ﴿ أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ ﴾ أي: بل تقولون: نحن جميع منتصر؛ أي: لا ينصرونكم كجمعهم.
هذه الآيات الثلاث على النفي والدفع، أي: ليس لهم ما يدفعون العذاب عن أنفسهم، وليس لهم ما ينصرون به، ولا كفارهم خير من كفار أولئك في دفع العذاب والقدرة على الانتصار، والله أعلم.
ثم قال على الابتداء: ﴿ سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ ﴾ ، فيه دليلان: أحدهما: أخبر أن لهم جمعا يهزم، ويولون الدبر ما ذكر، وقد قال أهل التأويل: ﴿ سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ ﴾ هو جمع دبر، أخبر أنهم يهزمون ويولون الدبر، وقد كان ما أخبر روسل الله دل أنه علم بالله .
والثاني: أخبر أن الساعة موعد إهلاكهم واستئصالهم لا بالدنيا بقوله : ﴿ بَلِ ٱلسَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَٱلسَّاعَةُ أَدْهَىٰ وَأَمَرُّ ﴾ ، وكان كما أخبر.
وفيه - أيضاً - دلالة إثبات الرسالة، والله أعلم.
وقوله: ﴿ أَدْهَىٰ وَأَمَرُّ ﴾ أي: أعظم وأشد.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلْمُجْرِمِينَ فِي ضَلاَلٍ وَسُعُرٍ ﴾ جائز أن يكون قوله: ﴿ فِي ضَلاَلٍ ﴾ في الدنيا، وفي السعر في الآخرة، وهو السعير.
ويحتمل ﴿ فِي ضَلاَلٍ ﴾ في هلاك، ﴿ وَسُعُرٍ ﴾ في حيرة وجنون وتيه؛ كقوله : ﴿ إِنَّآ إِذاً لَّفِي ضَلاَلٍ وَسُعُرٍ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي ٱلنَّارِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ ﴾ كأنه يقول له: قل لهم يوم يسحبون في النار على وجوههم إن ختموا على ما هم عليه: ﴿ ذُوقُواْ مَسَّ سَقَرَ ﴾ أي: يقال لهم: ﴿ ذُوقُواْ مَسَّ سَقَرَ ﴾ أي: ذوقوا عذاب سقر، والسقر هو اسم النا ر؛ فيصير كأنه على الإضمار؛ أي يقال لهم: ذوقوا عذب النار، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: على التقديم والتأخير؛ ي: إنا خلقنا كل شيء؛ فإن كن على هذا؛ فيكون كقوله: ﴿ خَٰلِقُ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ ، وفيه إثبات خلق كلية الأشياء.
والثاني: على ظاهر ما جرى به الخطاب ﴿ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ﴾ أي: إن كل شيء بقدر، فإن كان على هذا، فليس فيه إثبات خلق كلية الأشياء، ولكن فيه إثبات أنما خلقه بقدر؛ وإلى هذا التأويل يذهب المعتزلة.
والتأويل عندنا هو الأول: إنا خلقنا كل شيء بقدر؛ كقوله: ﴿ خَٰلِقُ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ .
ويحتمل: أي: إنا كل شيء خلقناه بقدر وحَدًّ ينتهي إليه ذلك، ويبلغ حده، ليس كالمخلوق لا يعرف أحد قدر فعله ولا حده الذي ينتهي إليه، ولا يخرج فعل أحد من المخلوقين على ما يقدرونه، فأخبر أن فعله يخرج على ما يقدره خلافا لفعل غيره؛ فيدل على أنه هو الخالق، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَآ أَمْرُنَآ إِلاَّ وَاحِدَةٌ ﴾ ، الأمر فيما بين الخلق على وجهين: أحدهما: أمر شأن بالفعل.
والآخر: أمر تكليف لغير.
ثم قوله - عز وجل -: ﴿ وَمَآ أَمْرُنَآ إِلاَّ وَاحِدَةٌ ﴾ ، إنما هو أمر فعل؛ يخبر عن سهولة ذلك عليه، أي: شأنه وفعله يسير عليه، لا يعجزه شيء ولا يشغله؛ فعلى ذلك أمر الله وخفته عليه، والواحد ليس هو اسم العدد، وإن كان الحساب يبتدئ [به]، إنما هو اسم التوحد والتفرد؛ كما يقال: فلان واحد زمانه، لا يريدون من جهة العدد؛ إذ لو أعداد وأمثال من جهة العدد، ولكن إنما يراد بأنه المتوحد في شأنه وفعله، ولا نظير له؛ فعلى ذلك تسمية إياه: واحدا لتفرده وتوحده في ألوهيته وربوبيته، وتسمية أ مره واحدا: أن فعله وشأه لا يشبه أفعال غيره، وأنه لا نظير له في ذلك، وأنه يسير عليه، لا حاجة له إلى الوقت، والآلة، وغير ذلك؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ كَلَمْحٍ بِٱلْبَصَرِ ﴾ يخبر عن خفة ذلك عليه وسهولته، من حيث لا يثقل على أحد رد البصر ولا لمحه، هذا وجه.
الثاني: فيه إخبار أنه لا يشغله شيء؛ لأن الناس تشغلهم بعض أمورهم عن بعض.
وأهل التأويل يصرفون الآية إلى الساعة؛ كقوله : ﴿ وَمَآ أَمْرُ ٱلسَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ ٱلْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ ﴾ ، وهو محتمل؛ فيخبر أن الآخرة ليس على تقدير أمر الدنيا على اتباع بعض بعضا، وعلى إرداف شيء على شيء، وعلى الانتقال والتغير من حال إلى حال، ولكن أمر الآخرة على التكون بمرة واحدة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ أَهْلَكْنَآ أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ ﴾ يحتمل قوله ﴿ أَشْيَاعَكُمْ ﴾ على وجهين: أحدهما: إخوانكم وأهل دينكم بتكذيبهم الرسل - عليهم الصلاة والسلام - واذكروا أنتم يأهل مكمة؛ لئلا تهلكوا بتكذيبكم محمدا .
والثاني: أي: ولقد أهلكنا أشياعكم، وعرفتم ذلك، ﴿ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ ﴾ يتذكر ويتعظ، ويعتبر به.
وجائز أن يكون معناه: ولقد أهلكنا جنسكم، والحكيم لا يخلق الخلق للفناء والهلاك، فاعلموا أنه أنشأكم للعاقبة.
وفيه إثبات البعث، لكنه لا تدركه أفهام الكفرة وعقولهم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي ٱلزُّبُرِ ﴾ يخرج هذا - أيضا - على وجهين: أحدهما: كل شيء فعلوه من التكذيب والعناد، كان في الكتب المتقدمة، أي: عن علم بصنيعهم وفعلهم أنشأهم، وبعث إليهم الرسل؛ وهو رد على من يقول: إنه لا يعلم ما يكون منهم حتى يكون منهم ذلك؛ لأنه لو كان يعلم ذلك لا يحتمل أن يبعث الرسل - عليهم الصلاة والسلام - إليهم ويأمرهم، وينهاهم، وهو يعلم أنهم يكذبون رسله، ويخالفون أمره، فرد عليهم وبين أنه لم يزل عالما بما كان ويكون، وقد بينا قبل هذا أنه بعث الرسل - عليم السلام - وإن علم منهم التكذيب والخلاف؛ وذلك لأن المنافع والمضار راجعة إليهم دونه، والله أعلم.
وجائز أن يكون معنه: ﴿ وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي ٱلزُّبُرِ ﴾ أي: في الكتب التي تكتب عليهم الملائكة ويؤمرون بالقراءة في القيامة؛ كقوله : ﴿ ٱقْرَأْ كِتَٰبَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ ٱلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُّسْتَطَرٌ ﴾ هذا أيضا يخرج على هذين الوجهين.
أحدهما: مستطر في الكتب التي قبلهم.
أو في الذي يملون على الحفظة؛ كقوله : ﴿ مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ﴾ .
وقوله - عز جل -: ﴿ إِنَّ ٱلْمُجْرِمِينَ فِي ضَلاَلٍ وَسُعُرٍ * يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي ٱلنَّارِ ﴾ ، وقال في موضع آخر: ﴿ إِنَّ ٱلْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ ﴾ .
ثم اختلف في تأويل قوله: ﴿ وَنَهَرٍ ﴾ : قيل: نهر من النور، أي: هم في ضياء ونور وسرور، وهو قول الأصم.
وقال الفراء: النهر: السعة؛ يقال: أنهرت الطعنة، أي: وسعتها.
وقال أهل التأويل: أي: الأنهار.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ ﴾ أي: موعود صدق؛ كأنه كناية عن راحة وسرور لهم؛ كقوله: ﴿ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ ٱلْفِرْدَوْسِ نُزُلاً ﴾ ، أخبر أنهم يستريحون فيها، أو يسكنون ويقرون، لا يريدون التحول منها، وهو مقابل ما ذكر للكفار: ﴿ يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي ٱلنَّارِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ ﴾ أي: يجرون، وقوله - عز وجل -: ﴿ سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً ﴾ ، وقوله : ﴿ رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْهَا ﴾ \[المؤمنون: 107\] يطلبون الخروج منها، وأخبر أنهم يكونون أبدا في عناء وشدة وبلاء حتى لا يقرون في مكان، وعلى هذا يخرج قوله: ﴿ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ ﴾ ، أي: لهم موعود صدق عند ربهم، أي: تقر أقدامهم في ذلك؛ فيكون هو كناية عن الثبات.
وقوله - عز وجل -: ﴿ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ ﴾ .
إن الرجل إذا كان في فضل وخير يضاف بكونه فيه إلى الله ، نحو ما يقال: في سبيل الله، ووفود الله، وغير ذلك من الأمكنة التي هي أمكنة الفضل والخبر تضاف إلى الله، نحو: بيت الله، ومساجد الله، لأنها أمكنة القرب والفضل، فعلى ذلك قوله: ﴿ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ ﴾ أضاف بكونهم في أمكنة الفضل والخير والمنزلة عند الله ، لا أنه يوصف بمكان أو مقام؛ بل هو ممسك الأمكنة كلها ومنشئ الأزمنة بأسرها، والله الموفق، وصلى الله على سيدنا محمد وآله أجمعين.
إن المجرمين بالكفر والمعاصي في ضلال عن الحق، وعذاب وعناء.
<div class="verse-tafsir" id="91.8QEza"